صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

العلوم و الآراء البارزة

نشر في آذر 13, 1404 في

العلوم و الآراء البارزة
(المجلد الأول)

مقدمة المؤلف
“العلوم والآراء البارزة” هو كتاب يعرض أهم الآراء والمبادئ والقواعد الأساسية التي أتمسك بها في مختلف العلوم.
هذا الكتاب يتكون من ثلاثة مجلدات. المجلد الأول يتناول العلوم الأساسية. الفصل الأول يتناول أهم الآراء التي أملكها في الأدب الفصيح والحديث ويتحدث عن ضرورة علم الاشتقاق. الفصل الثاني يتعلق بالمنطق العلمي، الفصل الثالث يركز على القرآن الكريم، الفصل الرابع يعرض فلسفة الوجود والظهور، والفصل الخامس يتناول عرفان المحبوبين.
في مجال الأدب، يعرض الكتاب ماهية اللغة وعلم الدلالة، الفروض الأساسية في لغة الأدب القرآني، ومفهوم التأويل والتفسير، وكذلك المغالطات التي تعيق فهم القرآن الكريم.

فصل الأول: الأدب الحديث والاشتقاق
في هذا الفصل، نتناول الأدب الفصيح الحديث، والذي يشمل الفهم العميق للغة ومعاني الكلمات. الأدب يعكس المظاهر السلوكية والعلاقات الاجتماعية الخارجية، بينما الأخلاق تكشف عن السمات الداخلية مثل الشجاعة والكرم أو البخل. تعتبر الأخلاق قاعدة أساسية للأدب.

يمكن تحويل الأدب إلى ثقافة تؤثر في المجتمع من خلال لغة خاصة. هذه الثقافة تشكل رابطاً بين الأفراد ضمن المجتمع، وتدعمها لغة العلماء والمثقفين. وفي هذا السياق، يعتبر تقدم المجتمع مرتبطاً بتطور “اللغة العلمية” والمثقفين الذين يقودون هذا التحول.

يتناول الفصل أيضاً العلاقة بين اللغة والاقتصاد، حيث يُظهر كيف أن الاقتصاد القوي يعزز تطور الثقافة واللغة، بينما يؤدي ضعف الاقتصاد إلى تراجع في القوة الثقافية واللغوية.

اللسان واللغة القرآنية
اللسان هو اللغة الخاصة التي تتفاهم بها جماعة معينة وتعبّر عن ثقافتها. يشمل اللسان الكلمات والحروف والسلوكيات التي تعكس الأفكار والمعتقدات التقليدية والثقافية. وفي القرآن الكريم، نجد لغة خاصّة تحمل معاني عميقة وعبر هادفة، وهي ليست مجرد وسيلة تواصل بل أداة تعبير عن الحقيقة الإلهية.

اللغة القرآنية ليست مجرد لغة عادية؛ بل هي تعبير عن الوحي الإلهي، وتكتسب هذه اللغة قوتها من المعاني الحكيمة التي تحتوي عليها. وعندما نتحدث عن “اللسان” في القرآن الكريم، فإننا نتحدث عن أداة موجهة للإنسانية جمعاء لتعزيز وحدة الفكر والإيمان.

الختام
نأمل أن يسهم هذا الكتاب في استعادة بعض العلوم المفقودة في عالمنا الإسلامي، ويُظهر أهمية المعرفة التي تتجاوز العلوم التقليدية لتصل إلى العلوم الغير عادية التي يتعذر الوصول إليها إلا من خلال الروحانية والإلهام الإلهي.

الفصل الأول: الأدب الحديث والاشتقاق

مقدمة
إن الأدب هو ما ينتج عن المظاهر الخارجية من تفاعلات فردية واجتماعية. الأدب يرتبط بالمظاهر ويعكس التصرفات والهيئات والسلوكيات العامة التي تظهر في تعاملات البشر. الأدب هو الأفعال الظاهرة التي يمكن ملاحظتها مباشرة في المجتمع. بينما الأخلاق تمثل السمات الداخلية للإنسان مثل الخوف والشجاعة، العفو والسخاء أو البخل، وهي تتعلق بالجانب النفسي والباطني، وإن كانت لا تظهر في الأفعال.

الأخلاق تشكل أساس الأدب، وعندما تتجسد الأخلاق في الأفعال والسلوكيات الجسدية، فإنها تتحول إلى أدب. الأدب الظاهر هو نتيجة الأخلاق والشكل والسلوك الذي ينبع منها، وبما أن الأدب ليس جوهريًا بل هو ظاهري، فإنه يمكن أن يكون مُستعارًا أو مظاهرًا غير حقيقية. الأدب هو التوازن والاعتدال في التعامل مع الأشياء بعيدًا عن الإفراط والتفريط، ويحتاج إلى الحكمة. صاحب الأدب هو الذي يعطي كل شيء حقه، وهو يتسم بالتناسب والاعتدال في التعاملات.

اللغة وثقافة الأدب
اللغة هي أداة أساسية يمكن تحويل الأدب من خلالها إلى ثقافة تشكل المجتمع. الثقافة هي التجسد المدني والاجتماعي للأمة، وتكون موجودة عندما تكون هناك تفاعلات بين أفراد المجتمع بموجب قواسم مشتركة تربطهم. يمكن للغة أن تكون أداة فعالة في تحويل الأدب إلى ثقافة، حيث يشكل اللسان أساس هذه الثقافة. اللغة التي يستخدمها العلماء والمثقفون تختلف عن اللغة اليومية، إذ إنها تحتوي على معاني دقيقة وعقلية تهدف إلى التواصل الفكري والعلمي.

أهمية اللغة الثقافية تكمن في أنها تمثل المعيار الذي يحدد تقدم أو تراجع المجتمع. المجتمع الذي يتطور لغويًا ويعتمد على لغة دقيقة وسليمة يتمكن من التفاعل مع العالم الخارجي بنجاح. في حين أن المجتمعات التي تفتقر إلى هذه اللغة العلمية تجد نفسها في أزمة ثقافية واجتماعية، حيث يمكن أن تؤدي إلى الجهل والفساد المستشري الذي ينتج عن الأنظمة غير الفعالة والممارسات الخاطئة.

تأثير الاقتصاد على الثقافة
إلى جانب اللغة والعلم، فإن الاقتصاد يلعب دورًا مهمًا في تحديد تطور الثقافة. إذا كانت لغة الأمة غير قادرة على التكيف مع العصر الحديث أو إذا كانت اقتصاداتها ضعيفة، فإن هذا يؤدي إلى اختلال في ثقافتها وتراجعها. كما أن المجتمع الذي يواجه صعوبات اقتصادية يضعف أمام الهجمات الثقافية الخارجية التي تسعى إلى فرض ثقافات أو أفكار معينة عليه.

اللسان واللغة القرآنية
اللسان هو وسيلة التعبير الخاصة التي تميز كل مجموعة ثقافية عن غيرها، إذ يعكس أفكار وأخلاقيات ومعتقدات تلك المجموعة. لذلك، فإن كل شعب أو جماعة لها لسانها الخاص الذي يعبر عن هويتها الثقافية. في القرآن الكريم، اللسان ليس مجرد أداة تواصل بل هو أداة لتقديم الرسائل الإلهية، وهو يعبر عن أسمى المعاني الإنسانية.

القرآن الكريم يستخدم اللغة كأداة لنقل الوحي الإلهي، وهذه اللغة مليئة بالحكمة والمعاني العميقة التي لا يمكن فهمها إلا من خلال التأمل والبحث. القرآن الكريم، ببلاغته الفائقة، يوضح معاني عظيمة حول الإنسان والعالم والإله، وهذه المعاني تُعبّر عن الحقيقة الإلهية في أبهى صورها.

اللغة، اللهجة، والاختلاف الثقافي
اللغة هي الأصل الذي يعكس جوهر الفكر والأخلاق للمجموعة التي تنتمي إليها. أما اللهجة فهي طريقة النطق أو الأسلوب المميز للغة تلك الجماعة، ويعبر عن التنوع الداخلي في طريقة تحدث الناس. وفي القرآن الكريم، نجد أن اللهجة لا تٌعتبر جزءًا من الرسالة الإلهية مباشرة، وإنما القرآن يستهدف توحيد الرسالة بين الأمم باستخدام اللغة التي يمكن أن يفهمها الجميع دون التفريق بين اللهجات.

اللسان القرآني، بصفته وسيلة للتواصل مع البشر جميعًا، يهدف إلى نشر ثقافة الإسلام الوحدوية، مع احترام التنوع الثقافي بين الشعوب. وهذا التنوع لا يعني التفوق الثقافي، بل هو فرصة لبناء مجتمع عالمي متنوع في الثقافات ولكنه موحد في الإيمان والمفاهيم الإلهية.

الختام
في النهاية، يسعى هذا الكتاب إلى تسليط الضوء على العلوم البارزة التي يمكن أن تساهم في فهم أعمق للإنسان والحياة. يعكس الكتاب بعض المعارف التي تتجاوز العلم التقليدي ليغطي المعارف الروحية والعرفانية التي لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الفهم الداخلي والعاطفي. نأمل أن يسهم هذا العمل في إعادة إحياء تلك العلوم الغير عادية ويملأ الفراغات التي يعاني منها عالمنا في ظل التحديات المعاصرة.

في مواجهة شفافية «اللسان»، توجد كلمات تشير إلى نوع من التعقيد، مثل: «لوي»، «فتل»، «لون»، «لهن»، «لحن»، و«نفق». الكلمة التي تحتوي على فهم جميع هذه التعقيدات هي «فقه». «لوي» هو الانحناء والدوران الأقل من العوارض، أي التّوجه أو التّحوّل والانحراف أو الخروج، لكن هذا التّحوّل لا يكون فيه وضوح وشفافية بل يكون محاطًا بنوع من النفاق. «لوي» لا يعني الانحراف بمعناه الواضح؛ إذ أن الانحراف له وضوح وبيان. هذا الخروج ظاهريٌ ويخصّ المظهر اللغوي، وليس التغيير المعنوي هدفه الأساسي، بل يأتي بشكل تبعي. الدوران في «لوي» يكون مجازيًا ويشير إلى المعنى الضمني للكلام، مما يدل على أن المتحدث لا يهدف إلى التعبير الصريح والواضح. «لوي» هو لف ودوران متكرر ومعقد في الفم، بحيث لا يكون اللفظ ذا معنى. في «لوي»، التغيير والتصحيف اللفظي هو الأساس، ويتبع ذلك تغيّر معنوي. «لوي» هو التواء لفظي يحدث في الأغلب في المجال اللفظي، حيث يسبب التغيير اللفظي انحرافًا معنويًا وتحريفًا في المعنى، على عكس «لحن»، حيث يكون تحريف المعنى هو الأصل، ويستخدم اللفظ من أجل ذلك الغرض. أما «لحن»، فهو التواء يقع غالبًا في المعنى ويبدأ من الجانب المعنوي إلى اللفظ، مما يجعل اللفظ يتأثر به.

أما «لون»، فهو التغير بطريقة اللعب بالألوان، و«تلوين» يشير إلى تغيير اللون، و«تحريف» يعني تحميل اللفظ معنًى خاطئًا.

«لوي» و«فتل» يتقاربون من حيث اللف والدوران، حيث أن «فتل» يعني تجديل عدة خيوط معًا وصناعة الحبل أو اللف.

«لحن» يعني الخروج عن الوضع العادي والبسيط للكلام ودمجه في نوع من التعقيد، وهذا الخروج يكون إما في الجانب الخاطئ، حيث يتم تجاهل القواعد الطبيعية، أو في جهة القوة والقدرة، مما يؤدي إلى جمال الكلام وحسن استماعه.

«لحن»، على عكس «لوي»، هو خروج «صريح» وعلني ويمثل تحديًا صريحًا للقواعد التي تؤدي إلى تغيير المعنى. على الرغم من أن «لحن» يتسم بالوضوح، إلا أن خروجه معنوي ولا يتعلق باللفظ، لذا قد يكون من الصعب للناس التمييز بين ما إذا كان هذا الخروج غير العادي هو أمر صحيح وجميل أم خطأ وقبيح. من يهدف إلى «لحن»، يريد تغيير المعنى وتحريكه. «لحن» هو خروج معنوي ينعكس في اللفظ أيضًا، وفهم هذا التغيير وفهم «اللحن» هو من عمل «الفقه». الفقه هو فهم التعقيدات. بما أن فن القول لا يخلو من التنوع، فإن الفقيه هو الشخص الذي يعرف ليس فقط الألسنة والوضوح، ولكن أيضًا التعقيدات اللغوية والخروج غير العادي (اللحن) وأنواع التعقيد الأخرى. الفقيه هو من وصل إلى فهم المعنى والمحتوى، وهو المحتوى الذي يريده الشارع وليس الظاهر من قوله. الفقه ليس مجرد فهم المعنى الوضعي للكلمات أو الظواهر اللغوية وحفظ القرآن الكريم والأحاديث، بل هو فهم خاص ومراد الشارع والتوصل إلى المغزى المقصود ومنهج هدفه. الهدف الأسمى لدارس الدين هو الوصول إلى المعنى الذي يريده الشارع وفهم مقصد مولاه. هذا الهدف لا يتحقق إلا من خلال اتقان الأدب، خاصة علم الاشتقاق. الفقه هو فهم تعقيدات كلام الشارع، الشارع الذي يمتلك شفافية ولكن قوله الواضح يحتوي على نظام خاص لاكتشاف المراد، ويجب أن يكون الإنسان على دراية بنظام المعنى فيه. الفقيه يستطيع أن يفهم المحتوى من خلال فهم الظاهر ولا يضع الظاهر مكان مراد الشارع. الفقيه يعرف لسان الدين ولا يقع في فخ اللحن والظاهرية.

«اللسان» يتميز بالوضوح والقدرة على التعبير، مثلما أن اللسان هو زهرة ثقافة، والنطق هو الجذور والمصفى للعمل؛ بمعنى أن خاصية «النطاق» تكمن في الوضوح والصراحة. الوضوح في معنى النطق هو أيضًا من صفات «اللسان». لذلك، يكون الأدب ذو لسان واضح ومبين.

علم المنطق أيضًا يتطلب في «التعريف» الابتعاد عن الغموض واستخدام أوضح الألفاظ لجلب الجنس والفصل وما يتبعها من تعريفات. يجب أن يكون التعريف خاليًا من الإجمال والغموض ويحتوي على وضوح في الجنس والفصل. هذه الصراحة تكمن في استخدام أدق الكلمات لنقل المعنى والمقصد. يجب أن يكون التعريف بعيدًا عن «لوي» و«لحن» و«فتل»، ويجب أن يكون له «لسان». لغة الدين والمسائل العقائدية هي «اللسان»، لا «اللحن». لغة الدين والآيات القرآنية هي لغة البلاغة والوضوح، وتستخدم كل كلمة بدقة في معناها الوضعي.

موضوع الأدب القرآني هو «اللسان». «اللسان» يحمل معنى الثقافة وهو نقطة فكر الأمة وأسلوب حياتها. اللسان هو الثقافة وطريقة الحياة المتجذرة والمنبثقة من الفطرة والطبيعة المنسجمة مع حياة العقلاء، والتي تهدف الوحي القرآني إلى تصحيحها وتبيين صحتها مع الإشارة إلى نقائصها. في الآية الكريمة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، المراد بـ(بِلِسَانِ قَوْمِهِ) هو ثقافتهم. الأنبياء لم يجلبوا لغة أو ثقافة مستقلة عن ثقافة الناس، بل كانوا يعملون على تصحيح نقائص المجتمع وتحسينه، وكانت أقوالهم إرشادية وتوصيفية.

اللغة القرآنية: لغة المعرفة والروحانية

اللغة القرآنية هي لغة المعرفة، الروحانية، والمعنى. هذه اللغة تحتوي على جميع العلوم وتاريخ جميع الظواهر الكونية، وتستخدم مفرداتها وألفاظها بشكل هادف استناداً إلى مكانة الظواهر في خلق الكون ووجوده.

ضرورة تعلم اللغة الخاصة بالقرآن الكريم

اللغة العربية للقرآن الكريم، وهي لغة الوحي الخاص، هي لغة ديننا، ويجب أن يكون هناك سياسة صحيحة ومدروسة لتعلمها وتعليمها. هذا المبدأ يعتبر من أبرز المبادئ العقيدية التي يمكن أن تؤسس كمال الدين في الأفراد والمجتمعات إذا كان أصحاب القوة والنفوذ يهتمون بها. لا ينبغي أن نمر على هذه القضية ببساطة أو إهمال. يجب على أصحاب السلطة أن يتبنوا هذه الفكرة كمنهج ومنارة لفهم الدين، لعل ذلك يسهم في التقليل من هجر القرآن الكريم.

القرآن الكريم يريد تعلم لغته، ولهذا لم يذكر في نصه أي شيء عن الترجمة، وهذا يعني أن القرآن الكريم لا يمكن ترجمته، ومن أجل دخول ساحة الوحي، يجب تعلم لغة القرآن. كما أن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ليس الهدف الرئيسي لهذا الكتاب السماوي، وكذلك الترجمة ليست من اهتمامات القرآن الكريم، ولا تعتبر جزءاً من قيمه المقررة.

مفاهيم لغوية ودلالية في القرآن الكريم

إن الكلمات تُستخدم للتعبير عن الروح والمعنى. فمثلاً، “الرجم” في اللغة تعني “الإلقاء”، وعادة ما كانت الحجارة تُلقى في الماضي، وكان الرجم يهدف إلى التحقير وتقليل المكانة. لذلك، يُطلق على الشيطان “رجيم” أي “الملعون”. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: “قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ” (ص: 34)، أي أن الله أمر الشيطان بالخروج، ولكنه لم يُعتبر فاعلاً للرجم، بل هو الذي خرج وابتعد عن المقام الرفيع.

وفي القرآن الكريم، نجد أن الأشخاص الذين يُمارسون العنف والرجم عادة ما يكونون في حالة ضعف وقلة شأن، مثلما ورد في قول قوم شعيب عليه السلام: “يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ” (هود: 91).

الترجمة في القرآن الكريم ليست مجرد نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي محاولة لاستخراج المعنى من النص، على نحو يشبه تحويل اللحم على آلة الطحن، بحيث يُتغير ويُفرغ من جوهره. ومن هنا، نجد أن الترجمة لا توازي تماماً المعنى العميق لكلمات القرآن الكريم.

القرآن الكريم وأهمية القراءة على لغة الوحي

من الأهمية بمكان أن نعي أن القرآن الكريم لا يُركز على الترجمة، بل يدعو إلى القراءة المباشرة لفهمه، إذ “فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ” (المزمل: 20)، وهذه القراءة لا تتم إلا بتعلم اللغة العربية التي هي لغة الوحي، لغة العلم والكمال.

الحاجة إلى تعلم اللغة العربية للقرآن الكريم

لذلك، من الضروري أن يبدأ تعلم اللغة العربية للقرآن الكريم منذ مرحلة الطفولة، مع الاهتمام بالأصول والقواعد المشتركة بين اللغات، وذلك لتسهيل عملية تعلمها. الترجمة لا يمكن أن تحمل العلوم والقيم العميقة الموجودة في القرآن الكريم، بل تعمل على تقليص وتخفيف معانيه.

كما أن القرآن الكريم يشجع على فهمه بشكل مباشر من خلال “القراءة” وليس “التلاوة” التي تقتصر على لفظ الكلمات دون فهم معانيها. لذلك، يجب أن يحرص المسلم على تعلم اللغة العربية الفصحى الخاصة بالقرآن الكريم ليتمكن من التفاعل مباشرة مع الكتاب السماوي في كافة جوانب الحياة والعلم.

فهم القرآن الكريم: التفاعل الروحي والعقلي مع النص

القرآن الكريم يحتوي على حقائق ربوبية لا يمكن الوصول إليها إلا بالتفاعل الروحي والعقلي مع النص، من خلال التعمق في معانيه وفهم أسراره. ومن المهم أن يدرك المسلم أن القراءة الصحيحة للقرآن تحتاج إلى فهم عميق وتدبر.

المقتضيات التفسيرية واللغوية لفهم القرآن الكريم

لذلك، من الضروري دراسة مجموعة من العلوم الأساسية التي تساهم في تفسير القرآن وفهمه على أكمل وجه، كما ذكر الزمخشري في تفسيره: “إن العلماء قد بيّنوا شروطًا للتفسير، كذلك بيّنوا شروطًا للمفسّر”. من أبرز هذه الشروط: معرفة اللغة العربية، النحو، التصريف، الاشتقاق، المعاني، البيان، والقراءات، بالإضافة إلى فهم أصول الدين وأصول الفقه.

ملكة الفهم الرباني

أخيرًا، يضيف طبرسي إلى هذا المفهوم “علم الموهبة”، الذي يُعد بمثابة قدرة إلهية خاصة على فهم القرآن بعمق. إن هذه الملكة تعني أن العلماء لا يستطيعون الوصول إلى تفسير القرآن بمعزل عن إلهام رباني يوجههم نحو الفهم الصحيح.

إن الفهم الصحيح للقرآن الكريم يتطلب أكثر من مجرد دراسة لغوية سطحية، بل يحتاج إلى تفاعل روحاني عميق، وهداية إلهية تتجلى في الحكمة، الأمر الذي يجعل المفسر قادرًا على الوصول إلى معاني القرآن على أتم وجه.

الولاية الدينية والهداية الروحية للمجتمع على يد العلماء الأعلام

الولاية الدينية هي الإرشاد العاطفي والعلمي للمجتمع من قِبَل أناس واعين ومتقدمين في العلم، بأسلوب منهجي، رباني وديني، من أفضل الناس وأقواهم بفضل نور الله وولاية الهية أو ملكة قدسية موهوبة. الفارق بين القيادة الولاية وبين غيرها من الناس يكمن في هذه النقطة، حيث أن هذا الشخص يستطيع هداية الناس دينيًا بفضل هداية الله وطهارة روحه.

القرآن الكريم وتعليم لغته الخاصة:

القرآن الكريم ـ الكتاب الذي يحتوي على كل أنواع المعرفة والعلوم الربانية ـ لا يقدّر الترجمات ولا الأساليب التفسيرية، بل يطلب من المسلمين أن يتعلموا لغته الخاصة. كما أن اللغة الأم تُعلم للأطفال من مرحلة الطفولة، ينبغي أن يبدأ تعلم لغة الدين (أي اللغة الخاصة بالقرآن الكريم، وليس اللغة العربية الشائعة) أيضًا منذ الصغر، مع التركيز على الصوت والانسجام مع القرآن الكريم، وليس على الترجمة أو التفسير أو المعاني المجردة. في المراحل التالية، يجب التركيز على تعليم الصوت ثم الكلمات وكتابة النصوص.

علم اللغة وفروعه الأساسية في فهم القرآن الكريم:

إذا كانت الأدب تحتوي على فروع علمية مثل: علم المعاني، علم الصرف، علم النحو، الاشتقاق، الكتابة، التنقيح (التصحيح)، الإنشاء (الكتابة)، القراءة، التجويد، البلاغة، البيان، البديع، الشعر والقافية، الأمثال (علم الأمثال)، وتاريخ الأدب، فإن أول أربعة علوم من هذه الفروع تعتبر من أهم هذه العلوم ومن الأسس الأساسية لفهم لغة القرآن الكريم.

علم اللغة والمفردات:

علم اللغة يتناول فهم معاني الكلمات المفردة دون النظر إلى دورها في الجملة أو المعنى الذي يقصده المتحدث. هذا العلم يتعامل مع المعاني التي يتداولها أهل اللغة، ويعكس التفضيلات القومية.

علم الاشتقاق:

الاشتقاق يتعامل مع دراسة جذر الكلمة وعلاقاتها مع الكلمات الأخرى المشتقة منها. يهدف هذا العلم إلى إظهار دقة المعاني المشتقة من الكلمات، ويسعى إلى فهم المعنى الأصلي للكلمة. الاشتقاق يفتح آفاقًا جديدة في اللغة ويعزز من قدرتها على التعبير عن التنوع المعنوي.

علم الصرف:

علم الصرف يتعامل مع الأشكال اللغوية للكلمات. هذا العلم هو من أكثر العلوم الأدبية تقدمًا وأساسية في تحليل الكلمات وتحديد أشكالها. يعمل علم الصرف على فهم الشكل الصرفي للكلمة، ولكن للوصول إلى المعنى العميق، يجب الرجوع إلى علم الاشتقاق.

الاشتقاق كأداة لفهم المعنى:

الاشتقاق يعد أكثر من مجرد علم لغوي؛ إنه يتصل أيضًا بالعقل الفلسفي، ويسهم في الوصول إلى المعاني العميقة للكلمات. بالنسبة للفلاسفة، فإن معرفة اشتقاق الكلمات تفتح لهم الطريق لفهم تصوراتهم بشكل دقيق وعلمي.

الفرق بين المفهوم والمعنى:

هناك فرق أساسي بين المفهوم والمعنى. المفهوم هو تصوّر ذهني للأشياء، بينما المعنى هو الحقيقة الواقعية والوجودية للشيء. الفهم الصحيح للمعنى يتطلب تأويل النصوص والبحث عن حقائق عميقة وراء الكلمات.

التفسير والتأويل في القرآن الكريم:

الخطوة الأولى لفهم القرآن الكريم هي معرفة اللغة الخاصة بالوحي، لغة لا تحتمل الترجمات ولا الأساليب التفسيرية المتعددة، بل يجب أن نتعلم هذه اللغة بطريقته الخاصة، أي من خلال التعلم والتعايش الروحي مع القرآن الكريم.

التفسير والتأويل:

التفسير يتعلق بكشف المعنى الظاهر للكلمات في القرآن الكريم من خلال الفهم السطحي للآيات، بينما التأويل يشير إلى المعنى العميق والباطني الذي يكمن وراء النصوص. التأويل يفتح المجال لفهم أوسع وأعمق للمعرفة الإلهية.

الفرق بين التأويل والتفسير:

إذا كان التفسير يقتصر على استخراج المعنى الظاهر من الآيات القرآنية، فإن التأويل يشمل كشف المعنى الباطني للألفاظ، ويكشف أبعادًا معرفية واسعة من خلال فهم الكلمة في سياقها العميق.

لغة التأويل في القرآن:

اللغة التأويلية للقرآن الكريم هي مفتاح لفهم الغنى المعرفي العميق الذي يحويه القرآن. وقد ذكر أن مادة “أول” واشتقاقاتها وردت في القرآن الكريم أكثر من 400 مرة، مما يدل على أن التأويل يشكل أساسًا رئيسيًا لفهم المحتوى العلمي والمعرفي للقرآن الكريم.

أهمية التأويل في تفسير النصوص الدينية:

من أجل فهم محتوى القرآن الكريم بشكل صحيح، يجب أن يمتلك الشخص القدرة على التأويل. إذ أن هذا يتطلب تعلم مسبق للكتاب المقدس، والأحاديث القدسية، والصحيفة السجادية، والالتزام بمسار روحي صادق يتم من خلاله تدريب النفس على رؤية الحقائق العميقة.

التحريف والمغالطات في تفسير النصوص:

في مواجهة التفسير، يأتي التحريف، الذي يتضمن تغيير المعنى الأصلي للكلمات والتلاعب بها لتحقيق أهداف شخصية أو أيديولوجية. التحريف يقوم على تغيير تدريجي للمعنى الأصلي للكلمات من خلال ربطها بمعانٍ خاطئة.

التفسير والتحريف في القرآن الكريم

من يستطيع أن يُمارس التلاعب هو الذي يملك قدرة فنية واحترافية في ارتكاب المغالطات المتعلقة بظاهر الألفاظ وتغيير المعاني، ويمتلك سلطة نافذة في هذا المجال. إن المغالطات التي تنبع من ظاهر الألفاظ قد تضلل العقل وتُوقعه في زللٍ وتُبعده عن المعنى الحقيقي، مُحدثةً مغالطات معنوية وغير حقيقية.

من هنا، فإن التحريف هو من عمل المحترفين والعلماء المتمرسين، وليس من فعل الأشخاص العاديين. إن سبب تهميش القرآن الكريم هو هيمنة هذه القدرات على مصير المجتمعات الإسلامية ومراكزها العلمية. هؤلاء الأشخاص، باستخدام الألفاظ، يُصيغون فنون المغالطات اللفظية داخل النصوص، مغالطاتٍ لا تحتوي على علمٍ أو معرفة، بل هي مجرد فنون بحتة. أما العلم والمعرفة، فهما يتعلقان بالباطن والحقائق، في حين أن الفن يتناول الظواهر والأمور المادية.

بناءً على ذلك، يجب على المفسر والمتأوّل أن يكون على دراية بهذه المغالطات اللفظية والتحريفات المعنوية التي يمكن أن تحدث أثناء التفسير، خاصة تلك التي تأتي من التحريفات الظاهرية للألفاظ. كما يجب أن يكون محصنًا ضد هذه المغالطات حتى لا يقع فريسة لتفسير خاطئ أو تأويل مغلوط، بحيث يبقى في إطار فهمه الصحيح للحقيقة.

القرآن الكريم لا يُفهم إلا من خلال التفسير الصحيح والتأويل السليم، وبذلك يُمكن الوصول إلى العلوم والمعارف اللامتناهية لهذا الكتاب المقدس، فهو بحر لا نهاية له. أما التحريف، فهو عمل شيطاني يهدف إلى إحداث الباطل أو نشره في سطح الظواهر المادية، وليس في جوهر الحقيقة التي لا تقبل التحريف.

إن المغالطات المرتبطة بالتحريف المبني على الظاهرية هي السم القاتل الذي شربه العديد من مدعي العلم الإسلامي، وأدى إلى تهميش القرآن الكريم في حياتهم وأدى إلى ابتعاد المجتمع المسلم عنه، مما زاد في الغربة التي يعاني منها الكتاب المقدس في الأوساط العلمية والشرعية.

إن غربة القرآن الكريم تتجذر في جفاف القلوب. ففهم لغة القرآن يتطلب صفاء باطن القلب وتطهير النفس من خلال رياضة هادفة ومجاهدات ذاتية. أما الظاهرية، فإنها تشغل الأذهان فقط بالمعاني السطحية التي لا تتجاوز حد الفهم القشري. أخطر آثار سيطرة الظاهريين هي تحويل العلم إلى مفاهيم ذهنية ضيقة ومحاصرة ضمن إطار المعارف الحقيقية التي تبتعد عن جوهر الحقيقة.

من يسلك طريق التفاعل مع القرآن الكريم يتسنى له الوصول إلى معارف الكتاب المقدس، لكن من المهم أن يتم هذا المسار بأسلوب علمي ومنهجي يتبع قواعد راسخة ومترابطة، حتى لا تأخذ المغالطات مكان التفسير الصحيح والتأويل السليم.

إنتاج العلم من القرآن الكريم في كافة العلوم أمر ممكن، ولكن هذا يتطلب التخلص من العوائق التي تضعها الظاهرية والشعبوية التي تجدها في مراكز العلم، والعودة إلى الطريقة الأصيلة التي سلكها أولياء الله في فهم القرآن الكريم، التي تقوم على سلوك باطني صافٍ وحب وعشق للقرآن الكريم، مما يؤدي إلى تحرر الفرد والمجتمع في عالم المعرفة.

إن لغة القرآن الكريم هي لغة الحب، والصفاء، والمعنويات، والقدرة الباطنية، والتعمق في المعرفة. فالعلماء المتخصصون الذين يعكفون على القرآن الكريم يجب أن يكونوا بعيدين عن الجمود والضيق النفسي، لأن معرفة القرآن الكريم تتطلب فهمًا عميقًا لا يمكن الوصول إليه إلا في أجواء علمية هادئة ومترابطة.

في هذا السياق، نجد أن الأدب القرآني يحتاج إلى معلمين أكفاء قادرين على تربية الإنسان ليصبح حكيمًا ومتزنًا. العالم الحق هو الذي يمتلك القدرة على وضع كل شيء في موضعه الصحيح باستخدام العقل والفهم العميق.

أكبر أضرار سيطرة الأفراد العاديين وغير المتخصصين على المراكز العلمية هي خفض مستوى العلم وفشل فهم اللغة العلمية الدقيقة، والتي هي ضرورية لفهم النصوص الدينية والعلمية بشكل صحيح. اللغة العلمية ليست لغة عادية، بل هي لغة معقدة ومتشعبة تتطلب التفسير والتدقيق، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال التفاعل مع أساتذة متخصصين.

وأما إذا تم تجاوز حدود الفهم السطحي للغة القرآن الكريم، فإن ذلك قد يؤدي إلى تحريف المعاني الأصلية واتباع الآراء المضللة التي لا ترتكز على أساس علمي دقيق.

اللغة القرآنية ليست لغة سطحية، بل هي لغة متقدمة وعميقة تحتوي على جميع العلوم التي يحتاجها البشر. إن أتباع الفهم السطحي لها قد يحرمهم من الاستفادة الحقيقية من المعارف اللامتناهية التي يحتوي عليها القرآن الكريم.

في الختام، إن القرآن الكريم هو كتاب المعرفة، والفهم الصحيح لهذا الكتاب يتطلب جهدًا علميًا عميقًا، بحيث لا يمكن تحصيل المعرفة من خلال الفهم السطحي أو البسيط. اللغة القرآنية هي أداة للوصول إلى أسمى معاني الحقيقة التي لا يُمكن للظواهر الحسية أن تحددها.

إنَّ كلمة “لغت” في أصلها تمثل صورةً مُختصَرة من “يَايَ” المتحرِّك الذي تمَّ عليه تطبيق قاعدة الإعلال، حيث تمَّ حذف الياء، وحلَّ محلَّها التاء. أما “لغط” فقد أُطلق عليها الصوت غير الواضح أو الهمهمة المجهولة، ولكن غموضها هنا لم يكن عشوائيًا بل كان بفعل إرادة معينة. أما “لقط”، فهي تشير إلى كل ما سقط على الأرض ويمكن جمعه دون جهد فكري أو تفكير طويل. من هنا، يمكن القول إنَّ هذه الكلمات جميعها تتقارب في المعنى بشكلٍ أو بآخر.

المعنى الأصلي لكلمة “لغت” هو “الرمي مع الإرادة” أو “إظهار ما في باطن النفس”؛ إرادة تعبيرية تنبع من الثقافة الشعبية لشعبٍ ما، وتكون مرتبطة بمقام الاستعمال، لا بوضع الكلمة. كلمة “لغت” تتضمن عدة خصائص أساسية: الرمي، القدرة على الإظهار، القدرة على نقل المقصود (المعنى)، ارتباطها بمقام الاستعمال (وليس وضعها)، وتأثرها بالثقافة الجماعية.

من خلال هذا السياق، يمكن اعتبار كلمة “لغت” كأداة لنقل المعنى والفكر من خلال اللسان، وهي بذلك تمثل جزءًا من الثقافة التي تُعبِّر عن القيم والعادات والتقاليد التي يتبناها الشعب. هذه الأدوات تُستخدم في الخطاب الأدبي لتوضيح المعاني وتبسيطها؛ وبالتالي فإنَّ الغاية في نهاية المطاف هي التأثير في ذهن المستمع أو القارئ وتوضيح الرسالة المقصودة.

ويلاحظ أنَّ “النطق” ليس إلا التعبير عن الذات لإثبات الأفكار أو الحضور الاجتماعي، ما يعني أن النطق يمثل أداة لعرض الفكر وبيان المعنى بشكل واضح.

لأنَّ “لغت” لها صلة باللهجات المحلية، فإنَّ هذا يفتح الباب لدراسة علم القراءات والتجويد، بحيث يتطلب ذلك الإلمام بالعديد من العلوم اللغوية مثل النحو والصرف. إظهار المقصود بأسلوب يناسب الذوق العام يحتاج إلى دراسات أعمق في علم البيان، البلاغة، الشعر، والقافية، مع استخدام الاستعارات والتشبيهات لزيادة اللمسات الجمالية في الكلام.

كلمة “لغت” في هذا السياق تستخدم لنقل المعنى بأسلوب خاص، بمساعدة اللهجات المحلية والقبلية، ولا علاقة لها باللغو أو التكرار الذي لا فائدة فيه. كما أنَّ الجهل بالمعنى لا يجعل الأمر تافهًا أو بلا قيمة، بل إنَّ الغموض الذي قد يطرأ على الكلمة في سياق معين يعتبر دلالة على خصوصيتها الثقافية.

اللغات نفسها لا تعتمد على المعنى فحسب، بل على “الصوت” و”اللفظ” والكلمة. الصوت هو أي حركة تولد موجات صوتية، وهذه الموجات يمكن أن تكون مادية أو غير مادية. لا يوجد شيء في هذا العالم لا يحمل نوعًا من الحركة أو الصوت، ولو كان الصوت غير ملحوظ في بعض الأحيان، إلا أنه موجود دائمًا.

اللفظ، من الناحية الأخرى، هو الصوت الذي يعتمد على مخارج الحروف ويأخذ دلالة معينة. قد يكون اللفظ ذا معنى أو قد يكون مجرد جملة غير ذات معنى. لكن عند الحديث عن اللفظ في القرآن الكريم، فإنه يكتسب معنى خاصًا يرتبط بالكلمة والسياق الذي يستخدم فيه.

كلمة “كلمة” تعتبر أداة لغوية تضم معنى معينًا وهي غالبًا ما تستخدم في القرآن الكريم أكثر من أي لفظ آخر. الكلمة في القرآن تحمل معنى خاصًا، ويجب التفسير الدقيق لهذا المعنى دون إغفال السياق القرآني.

القرآن الكريم لم يستخدم كلمة “لغت”، بل استخدم “كلمة” بشكل متكرر لتعبر عن المعاني المختلفة، وهذه الحقيقة تؤكد أن فهم القرآن لا يعتمد فقط على معاجم اللغة بل على الفهم السياقي والفلسفي للكلمات في القرآن.

وفي النهاية، تأتي أهمية “كلمة” في اللغة العربية من كونها المكون الأساسي للغة والبلاغة. بناءً على ما سبق، لا يمكن فهم القرآن الكريم فقط من خلال الرجوع إلى المعجم اللغوي، بل يجب أن يكون التفسير قائمًا على النظر في معاني الكلمات وسياقاتها بدقة شديدة.

التحليل الدلالي للألفاظ والمعاني في القرآن الكريم

كل لفظ يدل على معنى معين، وعند التعرف على المعنى الدقيق للكلمة يجب أن نعرف نوع دلالتها أيضًا. هذا يعني أن دلالة الكلمة لا تقتصر فقط على معناها الظاهر، بل تشمل أيضًا نوع العلاقة بين الكلمة والمعنى، والتي يمكن أن تكون دلالة مباشرة أو غير مباشرة.

هناك أنواع متعددة لدلالة اللفظ على المعنى، فإما أن تكون دلالة مباشرة وموافقة أو عامة أو شاملة، أو قد تكون غير مباشرة وعرضية. وتنقسم الدلالة غير المباشرة إلى دلالة معنوية داخلية أو ضمنية ودلالة خارجية أو التزامية، ولكل نوع من هذه الأنواع خصائصه الخاصة. من لا يعرف أنواع دلالة اللفظ على المعنى قد يقع في فخ البساطة أو الإهمال في تفسير النصوص. لذا فإن فهم اللغة القرآنية يتطلب معرفة دقيقة بأنواع الدلالات، خاصة الدلالة الالتزامية للألفاظ، وهذا يتطلب تفكيرًا عقلانيًا وفلسفيًا، وهو ما يتم دراسته في علوم مثل أصول الفقه والمنطق.

إن القرآن الكريم لا يمكن فهمه بعمق دون إدراك دلالات الألفاظ، ولهذا يجب أن يكون فهم دلالة اللفظ على المعنى عقليًا في إطار الفلسفة الاعتبارية، وليس مجرد دراسة لغوية تقليدية تقتصر على معنى اللفظ في السياق العام، دون التطرق إلى العلاقة الدقيقة بين اللفظ والمعنى.

من أجل أن يكون مسار دراسة معنى كلمة ما هادفًا، يجب أن يتجاوز الفحص الصرفي والنحوي للكلمة ويشمل أيضًا دراسة الأصوات والتركيب الصوتي للكلمة. في هذا السياق، يجب الاستفادة من العلوم الصوتية والموسيقى لفهم إيقاع الكلمات والنغمات التي تساهم في إيصال المعنى بشكل أدق. ومن خلال فهم العلاقة بين اللفظ والمعنى في مستوياتها المختلفة، يمكن للباحث أن يتهيأ لدخول عالم التفسير والتأويل القرآني بشكل أعمق.

تُعد دراسة أنواع الدلالات اللفظية، ولا سيما الدلالة الالتزامية، خطوة أساسية للتخلص من التفسير السطحي والظاهري للنصوص. ففي القرآن الكريم، اللغة ليست مجرد أداة نقل للأفكار، بل هي وسيلة لتمثيل أعمق للمعاني التي يجب أن يتم التفاعل معها بعناية.

التقارب المعنوي بين الكلمات

بعد التعرف على الجذر اللغوي للكلمة، تأتي مرحلة استكشاف المعنى الأصلي لها بكل ما تحمله من دلالات دقيقة. يجب أن يكون المرء على دراية بأن استخدام لفظ واحد بمعنيين مختلفين أمر غير ممكن، وكذلك الحال بالنسبة لاستخدام لفظين بمعنى واحد. لكن، في المقابل، يوجد العديد من الكلمات التي تتقارب في معانيها، ويجب أن يتم التمييز بين هذه المعاني بشكل دقيق.

للحصول على فهم دقيق للمعنى المرتبط بكلمة ما، يجب النظر في الكلمات المتشابهة والمتقاربة، سواء من حيث الأصوات أو الكتابة، وكذلك في الكلمات المتقابلة والمخالفة لها. كما يجب الانتباه إلى الكلمات متعددة المعاني، لأن غياب الاهتمام بهذه الفروق قد يؤدي إلى تضارب الآراء والاختلافات في العلوم المختلفة. مثال على ذلك هو الفرق بين “الجزء” و “الشرط” في أصول الفقه؛ فالجزء يتعلق بما هو داخلي مثل الركوع والسجود في الصلاة، بينما الشرط يتعلق بما هو خارجي مثل الطهارة التي تشمل جميع أفعال الصلاة.

التمحيص في دراسة دلالات الألفاظ

يتطلب الفهم الدقيق للمعنى دراسة مفصلة للأصوات والحروف التي تتألف منها الكلمات، حيث أن الفروق الدقيقة في أصوات الكلمات يمكن أن تؤدي إلى اختلافات معنوية كبيرة. على سبيل المثال، كلمات مثل “قُرب” (القرب) و”غرب” (البعد) تختلف في أصواتها، وهو ما ينعكس على المعنى المأخوذ منها.

دراسة الصوتيات (الفونولوجيا) تعتبر أساسية في فهم معاني الكلمات في القرآن الكريم، لأن النطق الصحيح للألفاظ والتجويد في قراءتها يساهم في إيصال المعنى بدقة. كما أن الموسيقى، من خلال تنظيم الصوت والصمت، تلعب دورًا في تسليط الضوء على المعاني التي تحملها الكلمات.

الوعي بالمفاهيم اللغوية الدقيقة

من الضروري أن يكون لدينا إحاطة شاملة بالثقافة اللغوية ومصطلحاتها، خاصة عندما نتعامل مع كلمات مثل “علم” و”معرفة”، “عقل” و”لب”، “إرادة” و”مشية”، حيث أن كل واحدة من هذه الكلمات لها معانٍ دقيقة ومختلفة، ويجب أن يتم التمييز بينها بشكل دقيق لتجنب الفهم السطحي أو الخاطئ. على سبيل المثال، كلمة “آل” تشير إلى علاقة نسبية مع العظمة، بينما “ذرية” تشير إلى النسل بدون إشارة إلى العظمة أو القوة.

أهمية التدقيق في التفريق بين المفاهيم

إن فهم الفرق بين الكلمات المتشابهة أو المتقاربة يتطلب معرفة عميقة باللغة وقدرة على التمييز بين المفاهيم الدقيقة. وكما ذكرت سابقًا، لا يوجد مترادف حقيقي في اللغة؛ فكل كلمة تحمل معانٍ دقيقة ومحددة لا يمكن تبادلها مع كلمات أخرى بشكل عشوائي.

إن الشخص الذي يمتلك إلمامًا واسعًا بالكلمات ومعانيها سيكون أكثر قدرة على نقل المعنى بوضوح ودقة، ما يساهم في فهم أعمق وتواصل أكثر فاعلية. بالإضافة إلى ذلك، ستساهم هذه الفهم العميق في تقييم الأفكار والنقد بأسلوب فني ومتقن.

الاستنتاجات النهائية

إن العلم بدلالات الألفاظ يعتبر أساسًا لفهم النصوص الدينية والفكرية بشكل عميق. في القرآن الكريم، ليس فقط اللفظ هو الذي يُعطى المعنى، بل يرتبط المعنى ارتباطًا وثيقًا بالصوت، والنحو، والتركيب اللغوي. لذلك، يجب على الباحث أن يكون متمكنًا في هذه المجالات ليتمكن من تفسير النصوص بأعلى دقة وفهم، وأن يتجنب السطحية في الفهم.

إن قراءة القرآن والتفاعل معه يتطلب درجة عالية من الدقة في فهم اللغة ودلالاتها المعقدة.

الاشتقاق في الأسماء يؤدي إلى اختلاف في المادة والمحتوى، ويعتبر الاشتقاق من نوع المعنى. في الاشتقاق الاسمي، قد يجد المعنى في الاسم الثاني بُعدًا كبيرًا عن المعنى الأول، بحيث يصبح متباينًا عنه. من الصعب إدراك القرب المعنوي الناتج عن الاشتقاق الاسمي. الاشتقاق في صور الأسماء محدود جدًا، وغالبًا ما يكون الاشتقاق الاسمي مرتبطًا بمعنى.

نظرًا لأن المناقشات المتعلقة بالفعل محدودة وقليلة، وهي خاضعة للقياس والقواعد، فإنه من المنظم أن يتم التطرق أولًا إلى الاشتقاق الفعلي، وتُطرح المناقشة حول الاشتقاق الاسمي في فصل مستقل لاحقًا لكي يتم تحديد القواعد التي تحكم العلاقة بين الأسماء ومعانيها. ومع أنه للحصول على أي اسم يجب المرور عبر عملية معينة، وأن استخدام القواعد القياسية العامة فيه محدود، إلا أن عادة العقل في اكتشاف هذه العلاقات تعزز القدرة على التنبؤ بأصلها.

الاشتقاق في الاسم له وجهان: أحدهما هو الوجه الصوري والمادي، الذي يُسمى بالاشتقاق الصرفي، والذي يتعلق بجذر الكلمة والحروف الأساسية لها؛ مثل جذر “اسم” الذي كان في الأصل “سمو”. يجب أن يُلاحظ أن التمييز بين هذا الجزء من الاشتقاق وبين علم الصرف يكمن في أن الصرف يقوم بتجزئة الكلمة، بينما لا يتطرق إلى علاقتها بالكلمات المماثلة في نفس المجال، بخلاف “الاشتقاق الصرفي” الذي يتبع هذه العلاقة العائلية ويأخذها في الحسبان.

الوجه الثاني هو الاشتقاق المعنوي والمحتوى الذي يدرس المعنى الأصلي والوضعي للمادة الاسمية، وكيفية ارتباط هذا المعنى الأصلي بالمعنى الذي يحمل الاسم في هذه الهيئة. يربط هذا المعنى الصورة الاسمية بالجوهر والمحتوى الخاص بها. وقد يكون هذا الارتباط أحد أنواع الاشتقاق الصغير أو المتوسط أو الكبير. يجب أن يُلاحظ أن الاستخدام والتطبيق لا يشيران بالضرورة إلى الحقيقة أو المعنى الحكيم للوضع. للأسف، الاعتقاد بعكس هذه الفكرة قد ألحق العديد من العلوم، خصوصًا الفقه، بعيوبٍ لعقودٍ طويلة، وأدى إلى إغفال المعنى الأصلي لكل كلمة.

“الفعل” بحسب تعبير أمير المؤمنين عليه السلام هو إعلان عن حركة المسميات، ومعناه غير ثابت ويشمل التغيير والحركة. أتى لفظ “حركة” بدقة في هذا التعريف، لأن الحركة تتطلب زمنًا وتضع الفعل في أحد الأزمنة. “الزمان” هو أحد الخصائص الضرورية التي تطرأ على الفعل الذي يمتلك الحركة، لكن في الحقيقة لا يُعتبر جزءًا منه.

“الحرف” يعبر عن معنى غير موجود فيه بنفسه، بل يخلقه في غيره (اسم أو فعل)، وهو معنى حرفي لا يكون ذاتيًا. لقد تحدثنا عن ماهية ومعنى الأسماء والأفعال والحروف بشكل مفصل في درس “خارج الأصول”.

العبارة “الكلام كله: اسم وفعل وحرف” تحتوي على عبارتين منفصلتين حقيقيًا، حيث يُقال: “الكلام إما اسم أو لا، والثاني إما فعل أو لا”. الفصل الحقيقي لا يترك مكانًا لقسم آخر ويقصر الكلمة على هذه الأقسام الثلاثة المذكورة.

من المهم أن نذكر أن الأدب، وبالخصوص الاشتقاق، يحتاج إلى دراسة اللغة وعلم الفقه اللغوي لدراسة مادة الكلمة وفهم معناها. الهدف من علم اللغة هو الوصول إلى معنى الاستعمال وسطح الاستخدام، بينما يسعى الاشتقاق إلى اكتشاف المعنى الوضعي والحقيقي للكلمات ليتوصل إلى الحقيقة من خلال فهم الأصول. “فقه اللغة” هو من العلوم الأساسية للاشتقاق.

الحروف المعجم

اللغة تتكون من الأبجدية والحروف، وهي أساس الثقافة ووسيلة نقل العلم وتطويره. الأبجدية تعتمد على الحروف، والحروف هي التي تشكل الكلمات. الحروف المعجمية هي أصل جميع الكلمات. صحيح أن الحروف نفسها لا تُستخلص من شيء آخر ولا تجري فيها عملية الاشتقاق والتغيير، إلا أن الأدب والاشتقاق يتطلبان الحديث عن العبء المعنوي لكل حرف وخصائصه النفسية؛ لأن هذا العبء المعنوي يؤثر على الكلمة ويشترك في اكتشاف معناها. كما أن تركيب الحروف يصنع الكلمة.

من أبرز الحروف التي تساهم في ميل المعنى في الكلمة هي الحروف العاملة. “العوامل” إما لفظية أو معنوية. هناك ثلاثة عشر نوعًا منها تحمل قواعد وقياسات. تقسيم مجموعات الحروف العاملة وتسميتها يعتمد على الحكمة والتفكير الدقيق، وهي موضوع كان من المفترض أن نتحدث عنه في دروسنا التي للأسف توقفت.

من الحروف الأكثر تأثيرًا في الكلام هي “حروف الجر”. هذه الحروف تدخل على الأسماء وتجذب معانيها نحو التناقص. عدد هذه الحروف كثير وهي قوية في الواقع.

تفسير النص باللغة العربية الفصيحة:

فيما يتعلق بالكلمات، التي تشمل الأفعال والمشتقات شبه الأفعال، تُعد الحروف المشبهة بالفعل من الموضوعات المهمة في هذا السياق. الحديث عن مكونات هذه الحروف، وكذلك عن كل باب من أبواب المزيد، له استخدامات عديدة في علم المعاني. بالطبع، في هذا المجال لا يُبحث عن تركيب الحروف الأولى لبعض الكلمات لتقليلها، مثل “بسم الله” أو “حوقلة” أو “تهليل” في اللغة العربية، أو “ناجا” و “نزاجا” في الفارسية.

سنتابع البحث الآن حول الحروف المعجمية. “معجم” من “عجم” بمعنى “غير مقروء”، فإن “المعجم” (الذي يعني الحروف غير المقروءة) لا يُعتبر مفهوماً فارغاً إذا كان يُقصد به عدم وجود معنى لهذه الحروف، فهو في الحقيقة لفظ غير مناسب. الكلمات التي تتكون من حروف غير معنوية لا يمكن أن تصبح ذات معنى. سواء كان التفكيك للأحرف والمكونات الأساسية للكلمات أو تركيبها بشكل هادف، فإنها تُنتج المعنى. لا يمكن بناء معنى حقيقي من شيء فارغ أو غير هادف؛ المعنى يجب أن يكون ذا وضع حكيم وعلاقة دلالية صحيحة.

الحروف، بالنسبة للكلمات، هي بمثابة المكونات الأساسية. اليوم، البشر لا يزالون غير قادرين على استيعاب الطبيعة والعناصر اللامحدودة وغير القابلة للحصر، سواء في الحروف أو الأعداد. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تُعتبر الحروف “معجمية”. ولكن، هذه “اللاقراءة” للحروف لا تعني أنه لا يوجد لها معنى، بل بسبب ضعف البشر في المعرفة والفهم.

الأساس في علم اللغة يجب أن يكون مستنداً إلى فهم دقيق “للحروف”، ولذلك فإن الحروف لها مكانة أهم من الأفعال والأسماء ويجب أن يتم الاستثمار فيها.

تصنيف الحروف:

الحروف تنقسم إلى قسمين: الحروف الرياضية، أي الأرقام، والحروف الأدبية، أي الحروف الأبجدية للغات. يجب أن يبدأ الأدب من الحروف وينطلق منها.

أولى النقاط في الحروف تتعلق بتحديد عددها الحقيقي. عدم البحث الدقيق في هذا الموضوع يؤدي إلى جعل علم اللغة غير فعال ويمنع من تحقيق القوة اللازمة لتطوير اللغة. بالطبع، لا يجب أن نغفل عن تأثير الطبائع والميول في اللغة. المتحدثون باللغة الفارسية يعترفون بأن لغتهم تتكون من 32 حرفًا، بينما في اللغة العربية هناك 28 حرفًا، وفي اللغة اللاتينية يوجد 26 حرفًا. هذا الاختلاف يعود إلى القدرات، والذوق، والميول الثقافية لأبناء هذه اللغات، وكذلك إلى التقدم العلمي، وأيضًا إلى الفلسفة التي كانت لديهم عن معنى الكلمات.

الاختلافات بين اللغات:

اللغة الفارسية تحتوي على 24 حرفًا أساسيًا و8 حروف دخيلة. الحروف “پ” و “چ” و “ژ” و “گ” هي حروف خاصة باللغة الفارسية، وهي غير موجودة في اللغة العربية. هذا يضيف إلى دائرة المعاني في اللغة الفارسية، لكنه في نفس الوقت يجعل نطق هذه الحروف ثقيلاً، مما يقلل من فصاحة اللغة. اللغة العربية، من جهة أخرى، تحافظ على فصاحتها ووضوحها في نقل المعاني، حتى وإن كان عدد حروفها أقل.

الفارسي يحتوي على العديد من الحروف التي تعقد المعاني بعض الشيء، ولكن في نفس الوقت، يمكن أن تكون هذه الحروف أكثر دقة في التعبير عن الأفكار. على الرغم من ذلك، اللغة العربية تحافظ على وضوحها ودقتها في نقل المعاني رغم عدد الحروف الأقل.

العدد الحقيقي للحروف وتأثيره على المعنى:

الحروف لا تتعدد بكثرة كما يُعتقد؛ فحتى الحروف التي تبدو متشابهة مثل “تاء” و “طا” أو “ثاء” و “سين” و “صاد” و “حاء” و “ها” لها تأثيرات دقيقة في المعنى وتُحدث فرقًا طفيفًا في الدلالة.

العلاقة بين الحروف والمفاهيم النفسية هي علاقة متناسبة؛ فعندما يُستخدم حرف معين، يكون له تأثير نفسي يتناسب مع المعنى الذي يُراد توصيله. هذا التناسب يجعل من الممكن التعرف على الشخصيات النفسية والروحانية عبر الكلمات التي يتحدث بها.

التأثيرات النفسية للحروف:

كل حرف له تأثير نفسي خاص، وهذا يؤثر على كيفية صياغة الكلمات واختيارها. بالتالي، التفاعل بين الحروف يساعد على فك شيفرة شخصية المتحدث ومعرفة تصرفاته وصفاته النفسية. في هذا السياق، يمكن للمعرفة العميقة بهذه الحروف أن تكون أداة قوية لفهم وتحليل معاني الكلام وخواص المتكلم.

الخاتمة:

إن الحروف ليست مجرد وحدات بناء لغوية، بل تحمل في طياتها معاني ودلالات نفسية عميقة. من خلال فهم العلاقات الدقيقة بين الحروف ومعانيها، يمكننا الوصول إلى عمق اللغة وفهم الشخصيات وأفكار المتحدثين من خلال الكلمات التي يستخدمونها.

الجامد والمشتق

أول ما يتكون نتيجة لترتيب الحروف ذات المعنى بشكل مقصود هو الكلمة الجامدة. أصل الكلمات الجامدة والمشتق من الحروف. من خلال الترتيب الحكيم للحروف، يتم تكوين الكلمات. وكلما تم تكوين الكلمة بشكل مباشر من تركيب الحروف، فهي تعتبر جامدة. الجامد هو اللفظ الأساسي الذي لا يمكن تقسيمه إلى كلمة أخرى. وبالتالي، فإن أساس الكلام هو الكلمة الجامدة التي لم تُؤخذ من كلمة أخرى. للحصول على المعنى الأصلي للكلمة، يجب العثور على مادتها؛ ولذلك، من الضروري إرجاع المشتق إلى جذره الجامد، لأن معنى الجامد يتدفق في جميع المشتقات التي تخرج منه، ولا يمكن لأي مشتق أن ينفصل عن المعنى الأصلي لكلمته. إرجاع كل كلمة مشتقة إلى جذرها الجامد هو القاعدة الأساسية للبحث عن المعنى الأصلي؛ الجامد هو الأساس الذي يلتقي معه المشتق ليحصل على معناه.

أما المشتق فهو مأخوذ من “شَقّ” الذي يعني الانقسام والتفريق والنمو والانشطار، ويشير إلى الثقل والشدة. الشقاق هو مخالفة الوحدة، والشقاوة، التي ترتبط بهذه المادة، تعني فقدان الوحدة التي تنشأ نتيجة للشك أو الكفر أو الشرك. “الاشتقاق” هو مصدر من باب افتعال من مادة “شَقّ” ويعني “الانفصال” و”التفكيك”.

المشتق في صيغة اسم مفعول يعني المنفصل أو المفصول. في الأدب، هناك نوعان من التفكيك: الأول هو ما يعالجه علم الصرف، الذي يعني التحليل أو التفكيك وإظهار الأجزاء. أما النحو، فيقابل الصرف، فيتناول بناء العلاقة بين الكلمات في الجمل.

تفكيك الصرف يعمل على تحليل الكلمة إلى هيئاتها التي يتم تشكيلها وفقًا للقواعد القياسية. على سبيل المثال، جميع المصادر الثلاثية هي جامدة، لكن الكلمة الجامدة يمكن أن تكون اسمًا غير مصدر أيضًا. أما النحو، فيتعلق بتكوين الكلام وبناء الجمل وفقًا للقاعدة القياسية، بحيث يربط الكلمات ببعضها.

أما التفكيك الثاني، فهو متعلق بعلم الاشتقاق. هذا التفكيك يحلل مادة الكلمات لا هيئتها. لذلك، يمكن اعتبار الصرف كمنطق شكلي، بينما الاشتقاق كمنطق مادي، وهدفه هو إرجاع الكلمة إلى أصلها الجامد؛ أي العودة بالكلمة إلى مكان حيث لا يمكن تفكيكها بعد الآن.

لذلك، فإن الأساس في الاشتقاق هو الكلمة الجامدة، والهدف من الاشتقاق هو إيجاد المعنى والمادة التي تكمن في الجامد الذي تُشتق منه الكلمات. العثور على الجذر الجامد لأي كلمة هو أول مسؤولية في علم الاشتقاق. الاشتقاق، في جوهره، هو المرور من المشتق نحو الجذر الأصلي من أجل الوصول إلى الكمال، والكمال في المشتقات هو الكلمة الجامدة التي لا يمكن تفكيكها بعد ذلك.

الاشتقاق هو علم يرتكز على البحث عن الجذر الجامد على الرغم من تسميته. الهدف النهائي للاشتقاق هو إيجاد الجامد، ذلك الجامد الذي لا يمكن تجاوزه أو تفكيكه بعد الآن. ولذلك، يُعتبر الجامد بمثابة نقطة توقف للاشتقاق. لاكتشاف المعنى والمادة، يكشف الاشتقاق عن مادة الكلمات.

الجامد: قاعدة اللغة

إلى هذا الحد، ذكرنا أن الكلمة تحمل حكمة عقلية، وأن العلاقة بين الألفاظ والمعاني ليست مجرد اعتبار محض بدون معيار. علم الاشتقاق يهدف إلى اكتشاف هذه العلاقة. من أجل هذا، يعيد الاشتقاق الكلمة إلى جذورها الجامدة ليكتشف مادتها، ثم من خلال التحليل الفلسفي، يكشف عن معنى هذه المادة، ليقوم بعد ذلك بتحليل هذا المعنى في مشتقاته وكذلك في المواد ذات القرب المعنوي لها، ليحصل على الفهم الدقيق للظرف المعنوي لكل مشتق. يجب أن نلاحظ أن الفروق الدقيقة في معاني المشتقات، التي تحمل وزناً إضافياً فوق المعنى الأصلي، تأتي من هيئتها.

المشتق يحمل المادة الأصلية ومعنى الكلمة الجامدة في نفسه، وكلما أضيفت إليه حروف زائدة، يبتعد معناه عن أصله؛ بمعنى أنه يقبل مزيدًا من القيود ويأخذ خصائص معنوية جديدة. وهذا يعني أن الكلمات التي تحمل قربًا معنويًا من الجذر الجامد تكون معناها أكثر وحدة وأقل تفكيكًا.

الترادف والتشابه في الألفاظ

كما ذكرنا، الكلمة الجامدة هي أصل الكلام. الكلمة الجامدة تحمل معنى واحدًا فقط. لا يمكن للكلمة الجامدة أن تحتوي على معانٍ متعددة. ليس فقط الكلمات الجامدة، بل حتى الحروف لا تأتي بمعانٍ متعددة، بل تحمل كل حرف معنى واحدًا فقط. بالطبع، هناك خصائص معينة في معنى كل حرف يتحدث عنها في مكانه المحدد.

كل معنى أساسي يحتوي على ملحقات معنوية متعددة، والتي تُستخدم مع القرائن في المعنى المتناسب مع المعنى الأساسي، وهذا أمر يتعلق بمقام الاستعمال، وليس بمقام الوضع الذي هو محور بحثنا. بناءً على ذلك، يجب ألا نخلط بين ملحقات المعنى أو القرائن المعنوية مع المعنى الأساسي. كل لفظ وضع لمعنى واحد، ولا يمكن للكلمة أن تحمل معانٍ متعددة في الوضع. ولا يمكن أن يكون هناك ألفاظ متعددة لمعنى واحد. لذلك، لا يوجد في الوضع ترادف أو اشتراك لفظي كما يفهم في الاستعمال الشائع؛ مع أن هذه الأمور قد تظهر في السياقات العرفية أو الأدبية العامة.

الكلمات الدخيلة

لتحديد مادة الكلمات، يجب أولاً معرفة ما إذا كانت الكلمة أصيلة (عربية في الدراسات الإسلامية والقرآنية) أم دخيلة (من لغات أخرى مثل الفارسية، العبرية، التركية، اللاتينية وغيرها).

من المهم للغاية معرفة “شهادة ميلاد” الكلمة، وأن نحدد من أي لغة جاءت، حيث أن معرفة أصل الكلمة هي جزء أساسي في فهم معناها. لهذا الغرض، يجب إنشاء قاعدة بيانات للكلمات التي تحتوي على معلومات دقيقة تتجاوز ما تم توفيره في القواميس حتى الآن.

لحماية اللغة، يجب أن يتم العمل على إنشاء قاعدة بيانات للكلمات باعتبارها مهمة وطنية، بحيث تكون دقيقة وحديثة. هذه القاعدة يمكن أن تكشف عن تهديدات للغة والثقافة وتساهم في الحفاظ عليهما. هذا يجب أن يتضمن اللغة الفارسية والعربية بشكل متوازي، حيث أن الفارسية هي لغة وطنية والعربية هي لغة الدين والعقيدة الشيعية.

الاستمرار في قراءة سورة البقرة مع الحفاظ على النشاط والحيوية يكشف باطن الإنسان ويصل به إلى الغيب. سورة البقرة هي من السور المدنية التي تتعلق بالمجتمعات المتقدمة والعلمية والمتخصصة وذات القدرة على الحوار والتبادل الفكري.

“بقر الهدهد الأرض” تعني أن الطائر يبحث في الأرض ويكشِف إذا كانت هناك مياه أم لا من خلال تحريك التراب. هذا يمثل تشقُّق الأرض.

يُسمى البقرة بهذا الاسم لأنَّها من بين الحيوانات التي تتمتع بالقوة والوقار، وتتميز بالثبات والغنى والكرامة، وتشبه الأبطال في مشيها، حيث لا تستهلك إلا الماء النقي، وهي ليست مثل الحمار الذي يسير بلا عقل ويقفز ويعيث فسادًا. كما أنَّ عيون البقرة واسعة جدًا، مما يرمز إلى حكمة ودقة في الرؤية. بينما يُسمى الحمار بسبب ضعفه، وهو يميل إلى التصرف بسذاجة وقلة تقدير.

الأسد والصقر، من حيث إنَّ عيونهم تعمل كما لو كانت عيون البقرة، يُطلق عليهما أيضًا “بَقِير”. عيون الأسد والصقر تراقب كل شيء بدقة، ولا يخفى عليهما شيء.

في قوم بني إسرائيل، تم اختيار البقرة للحكم في النزاع، وهذا يدل على أن اختيارها يتماشى مع دقة النظر والحكمة. البقرة تحظى باحترام كبير في الهند، وهذا الاحترام ليس عشوائيًا، بل له فلسفة عميقة.

بلوغ: هو الوصول إلى حقيقتك الذاتية. عندما يصل الإنسان إلى مرحلة البلوغ الجسدي، يكون قد وصل إلى قمة القدرة على التكاثر. بلوغ العقل يعني الوصول إلى مرحلة من التفكير السليم والفهم. أما بلوغ الروح، فهو الوصول إلى الكمال الروحي، حيث تظهر الاطمئنان الداخلي والشجاعة والعدالة.

“بلوغ” و “وصول” يتقاربان في المعنى، لكن الفرق بينهما أنَّ البلوغ هو الوصول إلى هدف يشترك فيه الشخص مع ذاته، بينما الوصول يتعلق بتحقيق غاية لا تكون في متناول الشخص ولا تخصه مباشرة.

المبالغة في اللغة تتجلى من خلال صيغ مثل “فعول”، “فعّال”، و”مفعال”، وتعبّر عن كثافة أو شدة الفعل أو الخصائص.

التبع: هو متابعة شخص أو شيء عن كثب. التبعية هنا تكون من دون إضافة شيء جديد، فهي تقليدية ومحدودة في نطاق السلوك.

“تبع” يشبه “تلو” في المعنى، إلا أن “تلو” يضيف إبداعًا وتجدُّدًا في اتباع النهج، بينما “تبع” هو مجرد استنساخ سطحي.

جاء: هو مجيء مستمر ومتوازن في جميع الأوقات والأحداث بشكل متناغم.

الجنون: هو اختلال يؤثر على القدرة على التفكير والتركيز، حيث يعمل الشخص المجنون بلا تنظيم وعشوائية. وأوضح علامات الجنون هي الفوضى والتشويش في الأعمال، مما يدل على اختلال عقلي.

السفاهة والقسوة والجنون، كلها تتفاوت في شدتها، فقد جاء في القرآن الكريم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِکَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). هذه الآية تبيّن أن القسوة ناتجة عن تراكم الظلم والمعاصي، مما يؤدي إلى قلوب قاسية بلا رحمة.

علم اليوم يشير إلى أن القسوة الشديدة هي نتيجة لتعقيد الظروف والمواقف الشخصية، لدرجة أن أصحاب المناصب العالية قد يتجردون من إنسانيتهم ويتسمون بالقسوة الشديدة. هؤلاء غالبًا ما يرتكبون جرائم بشعة ويأخذون على عاتقهم آثامًا كبيرة، كما لو أنهم فقدوا كل خصائص الإنسانية.

الاحتجاج: هو الدفاع عن أمر معين بأسلوب قوي وصلب، ويميل إلى الانغلاق والتمسك بالآراء. أما الاستدلال، فهو محاولة للوصول إلى الحقيقة من خلال التحليل المنطقي والبحث عن الأدلة.

الحجر: هو تحديد حدود لا أساس لها، كما في الحجارة التي لا تملك جذورًا، بينما الجبل يحتوي على أساس راسخ.

الحزن: هو شعور بالأسى الناتج عن حدث وقع في الماضي، ويترتب عليه تأثيرات نفسية عميقة. يمكن التغلب على الحزن من خلال التفكير الإيجابي وتوجيه التركيز نحو المستقبل.

الحسن: هو الجمال الذي يشمل الجمال الظاهري والباطني معًا. وهو لا يقتصر على الجمال الخارجي، بل يتعداه إلى الجمال الروحي والأخلاقي.

الحكمة: هي القدرة على فهم وتطبيق الحقائق بطريقة صحيحة وثابتة. من يمتلك الحكمة هو الذي يستطيع اتخاذ القرارات الصائبة بناءً على فهم عميق للواقع وتقدير للأمور.

الحاكم: هو الذي يقوم بتطبيق العدالة والإنصاف بشكل ثابت وراسخ، بينما الحكيم هو من يرى الحقيقة ويطبقها بدقة وحكمة.

الخبير: هو الشخص الذي يمتلك معرفة دقيقة وعميقة في مجال معين، ويتميز بالقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها بناءً على معرفته العملية.

الخبر: هو المعلومات التي يتم الحصول عليها عبر التجربة الحسية، وتتميز بالقدرة على تطبيق المعرفة المكتسبة في الواقع العملي.

الخبط: يشير إلى السهولة واللين الناشئ عن الضعف، بينما “تخبّط” هو الاضطراب والتشويش الناجم عن تأثيرات خارجية سلبية، مثل التورط في الرِّبا أو الانخراط في ممارسات سلبية تؤدي إلى الارتباك العقلي.

اللمس، هو فعل مادي يرتبط بالإحساس الخارجي، وقد لا يكون شديدًا أو محسوسًا بالضرورة. أحيانًا قد لا يكون المس محسوسًا بشكل ظاهر ولكنه قد يكون تأثيرًا روحيًا نفسيًا. بالإضافة إلى ذلك، في هذا السياق لا يشترط أن يكون هناك ضرب أو غضب.

المس يعني مرور شيء على آخر أو سحبه، ويتطلب حركة معينة. وقد يكون تأثيره خفيفًا، مثل نسيم لا يحس به الشخص، لكن اللمس يُنتج شعورًا ملموسًا قد يكون مصحوبًا بالألم. من جانب آخر، الربا يؤدي إلى تمكين الشيطان من المس النفسي للرباوي، مما يخلق حالة من الانفعال والتهيؤ للوساوس الشيطانية. يجدر بالذكر أن الربا هو الذي يؤدي إلى التخبّط، أما باقي الجرائم مثل القتل والسرقة، فلا تُنتج هذه الآثار النفسية نفسها. رغم أن الربا لا يقتل، فإنه يسبب اضطرابًا نفسيًا، ويُشعل في النفس حالة من التوتر والشيطانية التي تنتقل إلى الرباوي عبر المس الشيطاني.

إن الربا يُعكر صفو حياتهم بشكل عميق إلى درجة أن الشخص لا يعرف كيف يتصرف بأمواله الربوية. يمكن أن يكون من أول آثار هذا التخبّط النفسي، الانحرافات الفكرية مثل الرغبة في تجاوز المحارم أو الميل إلى المثلية. في هذه الحالة، قد ينفق الشخص أموالًا ضخمة في سبيل إشباع هذه الرغبات. بينما في الواقع، يَفقد الرباوي لذائذ الحياة الطبيعية مثل النوم والطعام، ويُصاب بانعدام الرغبة في الأمور الأساسية رغم امتلاكه ثروات ضخمة. يُشير هذا التخبّط إلى نوع من التشتت والاضطراب الذي يعصف بالإنسان من الداخل ويجعله في حالة من المعاناة المستمرة دون أن يُفضي إلى موته الجسدي.

المس الشيطاني هو نوع من التأثير النفسي العنيف الذي قد يفقد الشخص توازنه، ويجعله يختلط عليه الواقع مع الوهم. قد يصاب الشخص أحيانًا برغبة في إيذاء نفسه أو الآخرين، وقد يعاني من مشاعر غريبة مثل الحكة أو حركة لا إرادية للجفن.

تفسير لبعض المفردات

  • خفاء: يشير إلى ما هو مخفي عن العقل البشري أو غير مدرك. المعنى القرآني لهذا المصطلح يتحدث عن أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض أو السماء.
  • خلق: هو الأصل أو الأساس لكل شيء. وهو في معناه الكلي يشير إلى كيفية وجود الأشياء قبل أن تظهر بشكلٍ مادي. أما “الخُلق”، فيتعلق بالطبع الباطني والصفة الجوهرية للشخص.
  • خوف: يشير إلى الشعور بالرهبة أو القلق تجاه شيء في المستقبل. وعادة ما يرتبط الخوف بالحساب والتخطيط الدقيق للمستقبل.
  • صدق: يشير إلى الاستقامة والثبات، بحيث يتوافق القول مع الفعل. “الصدق” في هذا السياق ليس فقط القول الصحيح، بل الفعل الصحيح المتوافق مع الحقيقة.

في الختام:

إن حالة التخبّط التي تنشأ من الربا تشير إلى تأثيرات خفية وشيطانية تُصيب الفرد في أعماق نفسه، وتظهر في اضطرابات نفسية وأخلاقية قد تودي به إلى الانحراف.

التحقيق في مفاهيم دينية وفلسفية

1. التصديق والتوحيد:
التصديق من باب التفعيل والأمر التحصيلي هو نظير التوحيد؛ بمعنى أنه يحتاج إلى الجهد ويتوقف على الزمان والمكان وشروط الفاعل الأخرى مثل إرادته وانتباهه لكي يتحقق وصوله. باب التفعيل له فاعل إرادي وفاعل، بينما في باب التفعّل، لا يوجد اعتبار للفاعل بشكل حاسم، بل يتم التعامل مع الفاعل في حالة الانفعال. التصديق ليس له مرتبة معينة، بل هو مجرد صدق وتجسيد اعتقادي وإيماني، ولكن أعلى من ذلك هو مثل اليقين في ثباته.

التصديق يعتبر أعلى من الإيمان والتوحيد؛ لأن التوحيد له مراتب، وأعلى مراتب التوحيد هو عين التوحيد، أي الوحدة. أما التصديق فيكمل ويبلغ أقصى درجاته، وبالتالي لا يقتصر على مجرد الصدق، بل يتميز بالثبات الكامل وهو أصل القوام الحقيقي.

2. الإيمان والتوحيد:
الإيمان هو أمر مفهومي يمكن أن يتواجد مع الجهل والظن، بل حتى شخص لم يَتَحَصَّل على العلم أو التحقيق قد يصل إلى إيمان ما، حتى وإن كان إيماناً خرافياً. التوحيد هو المعنى والمحتوى الذي يتدرج في مراتب، وأعلى مراتب التوحيد هي وحدة الوجود، بينما التصديق هو أعلى درجة من التوحيد ويعني اليقين الكامل الذي لا يتأثر بالظنون أو الأوهام. التصديق يعتمد على صدق وواقعية وهو معيار منتهى في القوام الحقيقي.

3. المعرفة والعارف:
المعرفة في اصطلاحها الفلسفي هي معرفة جوهرية وحقيقية لماهية الأشياء، وهي من جنس الحكمة. طريق المعرفة هو البرهان اللَّمّي، أي السير من العلة إلى المعلول. المعرفة هي وعاء للحقائق التي تَحْصُلُ في النفس وتُحَصَّل من خلال العقل. أما “العارف” فهو الذي يصل إلى معرفة الله، ويسير في مسار تطور روحي دائم من خلال تصفية النفس وعلم الفيوضات الإلهية. كما أن المعرفة لا تتبدل ولا تتأثر، فهي لا تُضاف ولا تُنقص من ذات الله.

4. العصمة والعفة:
العصمة هي الحفظ مصحوباً بالدفاع عن النفس والاعتراف بالحق. الاعتصام بالحق يعني الالتجاء والتمسك بالحق للحماية من النفس الأمارة بالشر أو من الشيطان. أما العفة فهي الصون والستر للنفس عن الوقوع في المعاصي، وتَشَبُّهُ العفيف بالحياء وترك التصرفات السيئة.

5. العلم والحكمة:
العلم هو المعرفة الكلية حول الصفات الظاهرة والظروف المحسوسة للأشياء، دون الحاجة إلى أدوات مساعدة؛ بمعنى أنها المعرفة الناتجة عن البرهان والبحث العلمي، وهي تُعنى بالأشياء ذات الوجود الظاهر. أما الحكمة فهي نوع من المعرفة العميقة التي تشمل فهم الهوية الحقيقية للأشياء، وليس مجرد صفاتها.

6. الفتن والابتلاء:
الفتن هي اختبار شديد ومعقد قد يؤدي إلى الضلال والشك، حيث تشمل حالة من التحول والاضطراب. الفتن تميز أشياء غير ثابتة أو ذات قيمة محدودة. بينما الابتلاء هو اختبار يُبنى على عمل فردي سيئ أو مكافأة سيئة تتبع سلوك الإنسان.

7. الفقر والغنى:
الفقر ليس مجرد عدم المال أو الثروة، بل هو حالة من الضيق الداخلي الذي يصيب الإنسان نتيجة القلة أو الحاجة. بينما الغنى ليس مجرد امتلاك المال، بل القدرة على التمتع بالراحة الداخلية. الفقير الذي يتحلى بالعفة هو الذي يخفي فقره ويتجنب السؤال بإلحاح.

8. الفقه والتفكير:
الفقه هو فهم معاني الكلمات والإشارات اللغوية، ويعتبر أداة لفهم المواقف الشرعية. أما الفكر فهو السير العقلي السليم الذي يعتمد على المعرفة الحقيقية القائمة على البرهان والتجربة. الفكرة تعتبر ثابتة، بينما التفكير هو عملية إنسانية تتطلب الجهد الفكري والاستمرارية.

9. الفوضى والاختبار:
الفوضى هي التفويض الكامل والدائم دون وجود أي مراجعة أو محاكمة. بينما “الاختبار” هو عملية تحمل دقة وقوة مراقبة لتقييم الأداء. قد يتم تنفيذ الاختبار في جو من الهدوء أو التوتر، حسب الهدف والظروف المحيطة.

ما يتعلق بسرّ القدر، هو عين العدل والحكمة. بالطبع، الظلم والعدوان يخصّان الطبيعة البشرية ويعودان إلى هذا العالم. تعبير آخر لهذا الإقتضاء هو العبارة “العبد يدبّر والرب يقدّر”؛ بمعنى أن تدبير العبد هو بمقتضى تقدير الرب، أي أن العبد لا يملك تدبيرًا مستقلًا لنفسه أو تقديرًا خاصًا له، بل تدبيره هو جزء من تقديرات الله الحكيمة. وإنَّ الفكرة التي تتبادر إلى ذهن العبد هي بمثابة مقصّ يقدمه الله على نسيج فعله.

الإرادة قابلة للتربية والتقوية، والإنسان الذي يفتقر إلى الإرادة يشبه الكلب الضال والمتنقل؛ لأنّه فاقد للقدرة على الاختيار الخاص به.

المشيئة الإلهية هي الفعل المنظم والمرتب لله، الذي يقوم بإدارة شؤون الكون وفقًا للعلم والقدرة والحكمة والإرادة. هذا الفعل الإلهي يتأتى كنتيجة للظهور الفعلي الذي تخلقه الظواهر، ويستند إلى الأسماء الجلالية الذاتية الثانوية وبطريقة مشتركة جماعية. إذًا، المشيئة الإلهية هي القوانين الطبيعية السائدة على الذات، وكذلك على الخلق، وصنع الكون، والنظام الكوني.

المشيئة هي أعلى صفة فعلية لله، وهي تفوق الإرادة – التي هي صفة ذاتية فعلية – لأنها جوهرية في ذاته.

المصطلحات:

  • قول: هو القول الذي يعبّر عن الإيمان والاعتقاد، ويجب أن يكون منطوقًا وليس مجرد اعتقاد في القلب.
  • محن: تعني الشدّة والمشقة، لكن “الامتحان” يتضمن مجالًا أوسع يمنح الفرصة للفرد لإظهار معدنه، بينما تكون صعوبة المحن أكبر من الامتحان.
  • مدّ: هو الامتداد الذي لا نهاية له. “مدّة” تشير إلى فترة زمنية ممتدة وليست نقطة نهاية.
  • مهد: الحرية والراحة العابرة، ويطلق على المهد اسم “مهاد” عندما يتحول إلى مكان ثابت ومأوى.
  • نبأ: هو الخبر المباشر غير المشروط، حيث لا وجود للإكراه أو الحدث القسري من جانب المخبر.

مفاهيم فلسفية وشرعية:

  • نساء: النساء بشكل عام، ويطلق على جميع النساء سواء كنّ زوجات، بنات، أمهات، أو أخوات.
  • نفس: هي الراحة والاطمئنان. النفس تتضمن الرغبات والميول التي لا تنتهي، ومن ثم تحتاج إلى التربية والتوجيه السليم لتحقيق الهدف الصحيح.
  • نفَق: هو الخروج غير الطبيعي أو الانتهاء غير المعتاد. ويطلق هذا على المنافق، لأنه يخبّئ إيمانه ويظهره على خلاف طبيعته.
  • انفاق: هو خروج المال في سبيل الخير، ويكون غير طبيعي لأنه يتطلب تضحيات من الشخص المتصدق.
  • وَدّ: هو الحب أو العاطفة، ولكنه يظهر كميل نفسي أو رغبة متقلبة.

خاتمة:

إنَّ التفسير الكامل والمفصل للمفاهيم التي تمت الإشارة إليها في النص يتطلب سعة فكرية عميقة، حيث أن المصطلحات التي تم استخدامها تدل على أفكار فلسفية ومعرفية تحتاج إلى تفاعل كبير لفهم أبعادها. من خلال هذه الترجمة، يمكن للقارئ العربي فهم الأسس التي يقوم عليها التفكير العرفاني في النص، حيث يتم تناول موضوعات مثل القدر، والإرادة، والمشيئة الإلهية، إلى جانب العديد من المفاهيم الأخرى التي تشكل الفلسفة الدينية.

التهديدات القرآنية وتنفيذها

القرآن الكريم في كل مرة يتضمن تهديدًا، يقوم بتنفيذه فعليًا بمجرد حدوث الحدث المتعلق به، ولا يلتزم بالجانب الإحسان والتسامح والتعاطف. هذه هي الطريقة التي يعامل بها القرآن الكريم في موضوعات التهديد، حيث يبدأ أولا بالمطالبة الأخلاقية، ثم يتبعها بالفعل. يجب أن نلاحظ أن التقوى تستند إلى القوة الإلهية والهداية الربانية؛ أي أنها تعتمد على المعرفة، والعمل هو نتاج لهذه المعرفة وتفريعاتها وثمارها.

موضوع التقوى هو المعرفة، وهي أساس الإيمان، والعمل يظهر بعد الإيمان. أما التقية، فهي من نفس الجذر، وتشير إلى القوة في الحفظ، والاحتباس، والإخفاء. الأولياء الإلهيون، كونهم لا يظهرون بشكل كامل لفهم الناس العاديين، فهم في بعض الأحيان يضطرون إلى التقيّة والإخفاء.

ولي: القدرة على التأثير وعمق العلاقة الخاصة التي قد تؤدي إلى إقبال أو إعراض من الله.

المعنيان المختلفان للإقبال والإعراض لا توجد في هذه المادة، بل يتم تفسيرهما من خلال الحروف “إلى” و “عن” التي تعطي هذا المعنى المختلف.

ولي: الابتعاد والالتفاف دون أن يتحرك الفرد من مكانه.
الاعراض هو الابتعاد مصحوبًا بالحركة من المكان. يذكر القرآن الكريم: (ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون).

هدى: الإشارة إلى الطريق الذي يمكن أن يكون أولياً أو ثانوياً، عامًا أو خاصًا.
كلتا الهدايتين من الله، ولكن الهداية الأولية تكون بحسب النظام الإلهي الاقتضائي، وليس بالجبر، أما الهداية الثانية فهي هداية خاصة تتعلق بعناية إلهية خاصة يحصل عليها من يشاء الله.

هزء: يعني الإهانة من خلال السخرية مع الاعتقاد في تحقير الشخص.
السخرية هي نوع من الفكاهة التي لا تحتوي على إهانة، بينما الهزء يتضمن تحقير الشخص.

هيئة باب الفعال: تدل على سرعة الفعل في تصريفه.
باب التفعيل يكون تدريجيًا، بطيئًا في المضي، ويظهر في الأفعال التي تتطلب وقتًا أكثر للإنجاز، مثل التوحيد وتهذيب النفس الذي يحدث تدريجيًا.

يقظة: تعني الاستيقاظ والانتباه.
الشخص اليقظ هو من يتمتع بالانتباه والوعي الكامل، بينما النوم أو الخمول العقلي يعد من حالات الغفلة.

رقود: الاستراحة في النوم مع الوعي جزئيًا.
الرقود هو حالة بين النوم والوعي الكامل، مما يجعل الإنسان في حالة غفلة أو فراغ ذهني. تعتبر هذه الحالة أكثر شدة من الغفلة البسيطة.

أهل الرقود: هؤلاء هم الذين يعيشون في غفلة مستمرة، متأثرين بالعالم المادي، ولا يدركون حالهم إلا عندما يواجهون الحقيقة.

القرآن الكريم يصف هؤلاء الأشخاص بأنهم مثيرون للاشمئزاز، كما لو أنهم أموات، مما يدفع الشخص اليقظ إلى الهروب منهم أو يشعر بالرعب عند رؤيتهم.

الفصل الثاني: المنطق العلمي

المدخل

من أراد إثبات أو نفي أمر غير ذاتي، فإنه يحتاج أولاً إلى استخدام المنطق. وبدون تقديم نظام منطقي، لا يمكنه أن يكون له تصديق أو نفي.

المنطق هو قانون آلي، عاقل وآداة لتقييم القضايا ضمن إطار نظري ورؤيوي يتبع قواعد معينة مبنية على أسس علم النفس والمعرفة. ويهدف إلى الوصول إلى معارف واقعية جديدة (تعريفات) عبر تحليل وتركيب المفاهيم واستنتاجات صحيحة ودائمة (برهان) عن طريق التوليف والتحليل للقضايا مع الحفاظ على التناسب بين صورة القضية ومعناها، باستخدام أسلوب البحث الشبكي والتفكير الجماعي السليم، ودراسة بينية مع استناد إلى الأستاذية والحكمة أو العبقرية.

من هذا التعريف للمنطق، يظهر ما يعبر عن صعوبة وعسر هذا العلم، فهو علم صعب الوصول إليه، ويقضي على التفكير السطحي.

الهدف من المنطق التعريفي هو الوصول إلى علم تصوري جديد عبر التعريف، وتجنب المغالطات التعريفية. أما منطق الاستنتاج (الحجة) فيهدف إلى الوصول إلى علم تصديقي جديد عبر استنتاجات معتبرة، وتجنب الاستدلالات غير المعتبرة والمغلوطة مع القدرة على ترجمة الاستدلالات إلى اللغة الصورية.

إذن، أي تصديق نظري يمر عبر مساري الإثبات والاستنتاج، ويجيب على السؤالين التاليين: هل إثبات صحة أحد الأقوال (الصورة = النحو) يثبت صدقه ومعناه؟ وهل الصدق ذاته يثبت قابلية الإثبات؟ فإذا كان النظام المنطقي يعتمد على معايير مثل عدم التناقض والاتساق والكمال، فإنه يجمع كل الاستدلالات المعتبرة في نظام شامل وموحد، ويكون خاليًا من التناقضات.

إذا لم يكن للمنطق دور في دراسة المفاهيم (الحقائق العلمية التي من خلالها يدرك النفس الواقع)، أو إذا لم يستطع أن يوضح طرق التعريف والاستدلال بشكل شامل، أو إذا لم يتحول المنطق إلى بينش وفعال، فإن كل شخص قد يدعي أنه قادر على إثبات أي شيء وتحديد معايير الصواب، مما يؤدي إلى اختلاط الحق بالباطل. وفي هذه الحالة، يقع الأفراد في فخ جمع وتحليل المعلومات بشكل عشوائي، فتنتشر الخرافات، ويسيطر الجهل على كل شيء، ويسود العنف والتسلط.

المنطق هو أداة فلسفية تتكئ على افتراضات فلسفية، وهو منبثق من الفلسفة ونظرياتها في الوجود والمعرفة. تدرس الروابط المنطقية من خلال التفكير الذي هو جزء من الظواهر التكوينية للعقل. تاريخ المنطق يبين أن المفاهيم والقواعد المنطقية كانت دائمًا في يد الفلاسفة، رغم أن بعض الرياضيين قد دخلوا في مجاله في الآونة الأخيرة، مُنظمين له طبقًا للمعادلات الرياضية وقوانينها.

لكن، يبقى المنطق قبل أن يعتمد على الرياضيات، تابعًا للفلسفة ونظرياتها في الوجود. المنطق، مثل الرياضيات، يعنى بالحقائق الثابتة، ولكن من منظور فلسفي، بينما تركز الرياضيات على الأشياء الرمزية والنماذج الرياضية.

إن المنطق ينظر إلى القضايا العقلية والذهنية في حين أن الرياضيات تتعامل مع المعادلات والرموز. وبينما يظل المنطق جزءًا من الفلسفة، فإنه يشير إلى الطريقة الصحيحة للتفكير، ويسعى لاكتشاف قوانين الفكر الاستدلالي.

منطق الفلسفة وعلم النفس يتمثل في البحث عن مسارات المعرفة والصدق، حيث القضايا ليست مجرد معادلات رياضية بل تبحث عن حقائق مطلقة لا تقبل التغيير.

إذا لم يوجد المنطق، سيغرق الناس في الخرافات والأوهام، وستتدمر القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

المدخلات الثمانية

كل علم له مدخل يتناول مبادئه الأساسية، بما في ذلك التعريف، الموضوع، الهدف، والفائدة التي يقدمها العلم. كما يتناول أيضًا مكانته بين العلوم، العنوان المناسب له، وأسباب تسميته، فضلاً عن الأدلة والشواهد التي تدعمه. هذه المدخلات تساعد على تحديد الفروق الدقيقة بين العلوم وتمنع الخلط بينها.

موضوعات العلم:

كل علم يحتاج إلى موضوع يرتبط به؛ فالمسائل العلمية تكون مرتبطة بأسباب الموضوع. ويُعتبر الموضوع في كل علم مصدرًا ومحورًا للنقاش. كل علم حقيقي، مثل الفلسفة، والتصوف، والرياضيات، يحتاج إلى موضوع حقيقي، ولا يمكن الحديث عن ذلك العلم دون هذا الموضوع. أما العلوم الاعتبارية والوهمية مثل الفقه، فإنها، وفقًا للغاية أو المنهج، يمكن أن تتناول جميع المواضيع التي لها علاقة بالأهداف والغرض من ذلك العلم. وبالتالي، فإن الغاية والمنهج في العلم، مثل الموضوع الحقيقي، هما من العوامل الموحدة والمُنسقة للمسائل المختلفة. وتحديد ما إذا كان الموضوع حقيقيًا أو اعتباريًا يعود إلى فلسفة العلم. لذا، يجب أن يكون لكل علم فلسفته الخاصة أو على الأقل يكون هذا النقاش موضحًا وفقًا لطريقة فلسفة العلم. سنتناول مسألة “الموضوع” في فصل “أصول الفقه”.

المنطق:

المنطق مأخوذ من الجذر العربي “نطق” الذي يعني الجذر، الأساس، والنقاء. ويتميز معنى “النطق” بالوضوح والصراحة، والابتعاد عن الغموض واللبس باستخدام أدق المفردات لنقل المعنى بأبسط طريقة منطقية وبأقل المبادئ الضرورية من خلال التعريف والاستنتاج. هكذا يتشكل “المنطق”. في المنطق الحديث (الرياضي أو الرمزي)، الموضوع هو “القضية”، ويبدأ المنطق من هنا. هذا المنطق يقتصر على الاستنتاج فقط ولا يهتم بمادة الاستنتاج، ويُعرف بأنه العلم الذي يدرس الاستدلالات، الاستنتاجات، وتحديد صحتها من عدمها. يشمل المنطق الحديث المنطق الكلاسيكي، المنطق الحدسي، المنطق الموجّه، المنطق النصف كلاسيكي (مثل المنطق الحر، منطق الربط، منطق القيم المتعددة، والمنطق الفازي) وغيرها من الأنواع مثل المنطق الشرطي، المنطق التفضيلي (التفاضل)، المنطق النفسي (الرغبة، العاطفة، والإرادة)، المنطق الديناميكي، ومنطق الكم.

أما في المنطق القديم، كان المنهج والتعريف هما موضوع المنطق، وكان يتم النظر إلى المادة الاستدلالية من زاوية سطحية أيضًا. على أي حال، فإن المشكلة المشتركة في المنطقين هي تصنيف الاستدلالات والتعرف على الاستدلالات الصحيحة والاستنتاجات الصالحة من غير الصالحة.

التصور والتصديق:

التصور هو علم غامض، ملوث، نوع من الأشباح والتسامح، وهو عبارة عن عنوان بسيط معقد ومبهم يشير إلى المعنى لا إلى المصداق الحقيقي. ولكن في مجال التعليم، نحن مضطرون لاستخدامه.

التصور في التعريف الشائع يُستخدم كاسم ويعني الصورة البسيطة للشيء في الذهن دون أي حكم أو تقييم أو تصديق. وبالتالي، فإن التصور هو صورة ذهنية بسيطة لا يُنسب فيها شيء إلى شيء آخر. التصور ينقسم إلى نوعين: ضروري ونظري. إذا كان الحكم على وقوع أو عدم وقوع ما ورد في الخبر يتطلب استدلالًا وتأملًا، فهو نظري، وإذا لم يكن كذلك، فهو بديهي.

التصديق هو إدراك تطابق أو عدم تطابق نسبة (قضية) مع الواقع. هذا الإدراك يتطلب حكمًا واعترافًا. التصديق أيضًا قد يكون بديهيًا أو نظريًا، وقد يكون يقينيًا أو ظنيًا أو وهميًا. الشك لا يعد تصديقًا. كما يمكن أن يكون التصديق إقناعيًا، ظنيًا، بلاغيًا أو تخيليًا. في التصديق الإقناعي، بالإضافة إلى الإيمان بالتصديق، هناك اعتقاد آخر يُعتبر أن نقيض هذا التصديق ممكن أيضًا، وهو ما يجعل التصديق ظنيًا. هذا النوع من التصديق يظهر في صناعة الخطابة. أما التصديق التخيلي، فلا يحقق الاعتقاد، لكنه يؤثر في النفس. هذا التصديق يظهر في صناعة الشعر.

المبادئ التصورية والتصديقية للعلم:

لقد أشرنا إلى أن مبادئ العلم تنقسم إلى نوعين: تصورية وتصديقية. المبادئ التصورية هي المفاهيم المستخدمة في العلم، بينما المبادئ التصديقية هي القضايا التي تُقبل في ذلك العلم بدون دليل. إما لأنها بديهية، فيسمونها “الأصول المتعارف عليها”، أو لأنها مسلمات تم قبولها بناءً على معايير معينة. كما قد تكون مبادئ تصديقية مستخلصة من علم آخر أو ستُثبَت في وقت لاحق، ويُطلق عليها في هذه الحالة “الأصول الموضوعية” أو “المسلمات”. لذلك، يُقسم البرهان إلى نوعين: يقيني وتعليقي. في البرهان التعليقي، يتم استخدام الأصول الموضوعية والمسلمات. أما أفضل البرهان فهو البرهان اليقيني، الذي يستند إلى أقل القضايا والمبادئ، دون أن يتطلب استخدام مبادئ غير ضرورية مثل المبادئ النفسية والمزاجية.

القضايا البديهية:

في المنطق الأرسطي، الذي يعتمد على العلم الحسي ويختلف عن العلم الحضورى المتخصص، يُقسَّم العلم الحسي إلى قسمين: التصور والتصديق. وكلاهما ينقسم إلى بديهي ونظري. المفاهيم البديهية هي الأساس لكل التعريفات. هذه المفاهيم تشمل الأنواع العليا، فصول الأنواع، مفهوم الوجود والمفاهيم المتوافقة معها بشكل عام. أما المفهوم البديهي فهو الذي لا يمكن تعريفه أو لا يحتاج إلى تعريف. ولذلك، يتم اعتبار بعض المفاهيم بديهية لأنها بسيطة.

القضايا اليقينية:

القضايا اليقينية هي نفس القضايا البديهية، التي تُعتبر أوليات لا تحتاج إلى تأمل أو استدلال لتصديقها، بل بمجرد تصور الموضوع والمحمول والعلاقة بينهما، تُقبل هذه القضايا بوضوح ويقين. حمل القضية بديهيًا قد يكون أوليًا أو صناعيًا، حسب فهمنا لمفهوم القضية أو مصداقها.

الخلاصة:

المنطق يبدأ بالقضايا البديهية التي لا تحتاج إلى تعريف أو استدلال. العلوم النظرية تتطلب المنطق لفهم الاستدلالات والاستنتاجات، بينما العلوم البديهية لا تحتاج إلى منطق بل تبدأ من البديهيات.

و الحقيقة هي الوجود ذاته. ما دام هذا المعرفة مجرّد مفهوم عام، فإنه يبقى في نطاق الفكر الفلسفي، ومع ذلك، مع تحول الموضوع إلى ما هو جزئي، شخصي ووجودي، ينتهي نطاق الفلسفة. ومع ذلك، فإن المعرفة لا تنتهي، بل أمانة المعرفة تُسلم إلى حارس المعرفة الروحية (الإلهام)، ليغوص في بحر الوجود، فيجني الحكمة التي تتمتع بقدرة على معرفة الوجود وإنتاج قضايا علمية خاصة، وأيضاً بتحويل جواهر الحكمة القلبية إلى قضايا عقلية يمكن نقلها إلى لغة العلم وتكون في صورة “برهان”، بذلك يُنتَج الفلسفة والعلم.

بعد التأمل في عمومية الوجود، أول قضية يمكن استخراجها من هذه الفكرة البديهية هي “الوجود هو الوجود”. أي كما في مبدأ الهوية أو التساوي “كل شيء هو نفسه”، الذي من الناحية المنطقية يتقدم على مبدأ التناقض. محمول هذه القضية يُسند بشكل جوهري إلى موضوعها، حيث أن الوحدة بين الموضوع والمحمول في هذه القضية هي حقيقة، غير متوسطة، جوهرية، شخصية، جزئية ووجودية، وتحمل صدقاً وواقعية. إن صدق هذه القضية يرتبط بالضرورة من الناحية الأنطولوجية والإبستمولوجية؛ لأنه إذا كان هناك شيء غير الوجود، فهو يحتاج إلى إثبات، ولكن الوجود ذاته يحمل على ذاته، ويثبت أنه الوجود هو الوجود، وتُنسب حقيقة الوجود إلى الوجود ذاته.

من الناحية الظاهرية، يكون المحمول في هذه القضية دون أي إضافة في المعنى أو اللفظ على الموضوع، وهو في الواقع مأخوذ من الموضوع ذاته، خاصة إذا علمنا أن الوجود واحد ولا مثيل له ولا يختلف ليقبل التعدد أو الزيادة؛ إلا إذا كان الاهتمام بالموضوع هو الاهتمام الأول والإجمالي أو الذكر المقيّد، وكان الاهتمام بالمحمول هو الاهتمام الثاني المفصل والحقيقي والمطلق. وبالتالي فإن الاختلاف يكمن في الإدراك والاعتبار للاهتمام، لا في موضوع المدرك.

ينبغي بناء المنطق على عمومية الوجود، وهذا يعني أن هناك واقعاً ثابتاً وراء الفكر يمكن الوصول إليه بفكر معين، حيث أن الفكرة قد تصل إلى هذا الواقع تدريجياً بواسطة محبة قربانية وتجربة عقلية وروحية.

عندما يتم إزالة المفاهيم من الأسس المنطقية، يتغير نظام الفهم وتبدأ نقطة انطلاق المنطق بالتحول من المقولات الأرسطية والنظرية العامة للطبيعة إلى النظرية البيولوجية والعلوم التجريبية الأخرى، مع الأخذ بالأسلوب الاستقرائي. كما أن الأسلوب الاستقرائي يدخل في باب الاستنتاج بناءً على فرضيات استقرائية.

في الحكمة المشائية، كل مفهوم يدل على كلية طبيعية في نظام المقولات، وكل مفهوم يعبر عن طبيعة مشتركة في الحقائق، ويكون تطبيق البرهان أو تحميل المحمول على هذه الطبيعة يتسق مع هذه الطبيعة في جميع الأفراد، سواء في الواقع أو الافتراض. وبالتالي، في القضية الحقيقة، الصدق في حالة معينة يعني الصدق في كل حالة، لأن المحمول في القضية الحقيقة مستمد من ماهية الموضوع، والصفة التي تنبع من الحقيقة الموضوعية هي جزء من الوصف المبدئي.

لذا، نحن نرفض النظرية العامة للطبيعة. في الواقع الخارجي، يمكن أن يكون هناك مرتبة من الوجود هي الطبيعة، لكن الطبيعة ليست كلاً مجرداً وهي تُفهم من خلال الأسلوب التجريبي. إن هوية وتعريف مرتبة الوجود هي التي تحدد شكل حمل الموضوع على أساسها. في المقابل، نجد أن رؤية الوجود عبر المنهج التجريبي تتطلب ملاحظة الأشياء كما هي خالية من أي فرض مسبق، وتُعتمد منهجية التحليل والاستقراء بالإضافة إلى تجارب مكررة وقياسات منطقية.

لا يمكننا تصور أن المنطق يكون صحيحاً إذا بدأنا من المقولات المبدئية أو الماهيات الطبيعية. في الوقت نفسه، إن المنهج الاستقرائي لا يقتصر فقط على الاستنتاجات الخاصة بالعلوم الطبيعية، بل يتعدى ليشمل العلوم الإنسانية أيضاً. وفي المنهج الاستقرائي، لا يمكن تصور أن الحكم سيكون نهائياً، بل دائماً عرضة للتعديل بناء على التحليلات الجديدة.

المنهج الصحيح في العلوم هو أن يكون التجريب والاستقراء وفقاً لمناهج عقلانية دقيقة في الاستنتاجات، وأيضاً في الفهم الذي ينتمي إلى العقل وحده. وبالرغم من أن الأسس المنطقية التقليدية كانت تبنى على ماهية ومفاهيم جوهرية، فإن استخدامها في الفلسفة اليوم قد يجرنا إلى الانحراف. إن نقطة البداية في العلم يجب أن تكون مستندة إلى فهم الطبيعة بطرق استقرائية تجريبية، وتحليل معطياته بالأساليب المنطقية التي تتناسب مع الظواهر المدروسة.

القضايا اليقينية

كما تحدثنا عن القضايا البديهية، فإن القضايا الوجدانية هي مجموعة أخرى من البديهيات التي تنبع من العلم الحضور. إن الوجدانيات، مثل القضايا الأولية، تكون يقينية دائمًا، على عكس الحسيات والحدسيات التي قد تكون يقينية في بعض الأحيان. في الوجدانيات، تكون أطراف الصدق، أي “المطابق” و “المطابق له”، جميعها تحت تصرف ووجدان النفس، ويمكن للنفس أن تتحقق من تطابق وصدق هذه الأطراف من خلال الوجدان. إن الوجدانيات هي من مصاديق العلم الحضور الواضحة والمباشرة، وهي قضايا شخصية لكنها صادقة وموثوقة، ويمكن الاستناد إليها. في المنطق الحديث، يعتبر القضية الشخصية حكمًا كليًا، لأنها تشير إلى الفرد ككل، بل يمكن اعتبار قاعدة “كل شيء في كل شيء” لها، ولكن في المنطق القديم، وفقًا لقاعدة الأمور الجزئية والشخصية، لا تكون مكتسبة أو كسبية، هذه القضايا لا تدرك إلا بالحس، لأنها ليست كلية، ولا تملك قيمة علمية أو بينية.

أيضًا، المتواترات لا تخلق يقينًا منطقيًا. أما الأمور الفطرية، بالإضافة إلى أنها لا تملك تفسيرًا واضحًا، فهي لا تولد يقينًا من تلقاء نفسها كما في الأمور التجريبية، بل يجب أن يقترن بها قياس عقلي خفي أولي، وهذه الأمور لا تصبح بديهية إلا إذا وصلنا إلى اكتشاف أصل العلة في حدود تلك الشروط الفطرية أو التجريبية. التصديقات الفطرية مثل “الكل أكبر من الجزء”، هي قضايا أولية وبديهية ليست مأخوذة من الحواس، ولا قابلة للاستدلال عليها. الادعاء بأن أمرًا ما فطري يحتاج إلى منطق خاص لفهم الفطريات. من خلال تصور طرفي القضية الفطرية، يظهر القياس الذي يجعل الشخص متأكدًا من صدق القضية. الفطرة هي حالة باطنية ومرشد داخلي يدعو الشخص إلى أمور معينة أو ينهى عن أفعال معينة، وهي إرشاد واضح وصريح لا يكتم أبدًا ولا يضلل الشخص. ولكن هذه الإرشادات تتطلب شرطًا، وهو ترك العناد والتعصب، والحضور بنية صافية في محكمة قضاء الفطرة، دون أي أحكام مسبقة أو تأثيرات تربوية قسرية. هذه الصفاء النادر لا يظهر إلا في قليل من الأمور، لذلك هناك مجال كبير للاختلاف حولها. بناءً على هذا، فإن القضايا الأولية والوجدانية مثل الفكر والخوف وغيرها من المشاعر يمكن أن تكون نقطة انطلاق للتحليل أو الإحالة العلمية.

على الرغم من أن اليقينيات الحسية تعتبر أولى الإدراكات، فإنها ليست كلية ولا تحتاج إلى تكرار، والنظام التعليمي يجب أن يكون مبنيًا على هذه الإدراكات. أما الحدس، ورغم أنه ليس يقينيًا دائمًا، فإنه يمكن أن يكون بمثابة الملكة النقية التي تؤدي إلى الوصول المباشر إلى عالم الثبوت، من خلال أخذ المعنى من هذا المقام والتوصل إلى دليل لإثباته. في الحدس، تتوافر المقدمات والنتائج بسرعة في الذهن، ويتم التوصل إليها ببساطة عن طريق تأمل سريع في مقدمة معينة، وبالتوفيق الذي يأتي من صفاء النفس.

البرهان هو قياس يعتمد على القضايا اليقينية والبديهية، وهو يوجه إلى الواقع والجوهر، وهدفه هو أن يصل الشخص بنفسه إلى الحقيقة، لا مجرد إفحام الآخرين أو دحض آرائهم. نظرًا لأهمية البرهان، سنتناوله بشكل مستقل لاحقًا.

المنطق الصوري والمادي

المنطق الماهوي ينقسم إلى نوعين: صوري ومحتوى. المنطق الصوري يكشف عن مسار الاستدلال، بينما تحتاج القضايا التي تأتي في هذا الإطار إلى منطق المحتوى لتقييم صحتها. اليقين والاطمئنان في نطاق المحتوى لا يمكن تحققهما من خلال المنطق الأرسطي الذي يقتصر على المنطق الصوري. المنطق الصوري، الذي يُعرف أيضًا بالمنطق النظري أو الكلاسيكي، يهدف إلى التأكد من صحة الشكل الظاهري للاستدلال والترتيب المنطقي للقضايا في القياس، ولكن صحة محتوى هذه القضايا تأتي من “منطق الحكمة”. الفقيه الحكيم، الذي هو الولي الإلهي أو العالم المؤيد بملكة قدسية، يستطيع أن يثبت القضايا المحتوى باستخدام منهج شبكي ويقدم رابطًا بين المقامين (الثبوت والاثبات) لكي يتحقق اليقين أو الاطمئنان.

نظام الولاية الشيعية يعتمد على الاجتهاد ورده الفروع إلى الأصول الإيمانية أو العقلية، ويضمن صحة المحتويات المنتجة. لهذا السبب، فإن المنطق المادي يجب أن يكون مبنيًا على الولاية والملكة القدسية، أو على الأقل على عبقرية مؤيدة، ولكن هذه العبقرية يجب أن تكون موجهة من قبل معلم حكيم أو قدسي. لا ينبغي أن نغفل عن دور القرآن الكريم كمصدر رئيسي للعلم، والذي يزودنا بمادة البرهان ويؤمن المحتوى.

فهم المنطق الفطري يتطلب الحكمة. المنطق الحكمي لا يأتي من المنطق الشائع، بل يحتاج إلى اجتهاد خاص، والذي يمكن أن يتجسد في الفهم الشيعي للولاية. إذا كان منطق المحتوى متأثرًا بالملكة القدسية أو الولاية المؤيدة، فإنه يصبح منطقًا دينيًا.

منطق الحكمة

المنطق الحكمي يتطلب اجتهادًا مستمرًا وتقديرًا لدور الأعمال السابقة مثل تلك المنسوبة إلى أرسطو أو عبقريات مثل ابن سينا. هذا المنطق لا يحتاج فقط إلى معرفة المنطق الصوري والتجارب الحياتية، بل إلى منطق قدسي يتعامل مع التجربة الدينية والإشراق الداخلي، وهو ما يعزز اليقين والاطمئنان في فهم الحقائق.

منطق الألفاظ

رغم أن البُعد المفهومي للفكر يتفوق على البُعد اللفظي، فإن المنطق يتعامل مع الألفاظ بسبب ارتباطها الوثيق بالمعنى. منطق الألفاظ يعنى بالقواعد المشتركة بين جميع اللغات، ويتعلق بالأحكام العامة للفظ، وليس الأحكام الخاصة بلغة معينة. نظرًا لأن موضوع المنطق هو القضايا، فإن جزءًا من منطق الألفاظ الذي يهمنا يتعلق بكيفية تشكيل القضايا وتحديد صحتها وتصديقها أو تكذيبها.

اللفظ دلالته الوضعيّة على المعنى تكون على وجهين: الأول المطابقيّة (القصد) وتكون على المعنى الموضوع له كاملاً، أو على وجه تضمّني (الحاوية) ويكون على جزء أو قسم من معناه، أو على وجه التزامي (التطفل)، حيث يدلّ اللفظ على معنى خارج عن المعنى الموضوع له، لكنّه ملازم وضروري له، كدلالة اللفظ عند دلالته المطابقية على ملزوم المعنى. والدلالة الالتزامية فرع عن الدلالة المطابقية؛ لأنّ دلالة اللفظ على معنى خارج عن المعنى الموضوع له تأتي بعد دلالته على ذاته، ويجب أن يكون هناك تلازم وتوافق في الذهن بين المعنى اللفظي والمعنى الخارج عنه. لذلك، فإنّ التلازم الخارجي بينهما لا يكفي ما لم يتثبت في الذهن. كما أن التلازم الحاكم بين المعنى اللفظي والمعنى الخارج عنه يجب أن يكون واضحاً ومبيناً؛ بمعنى أنّ الذهن عند تصور المعنى اللفظي يجب أن ينتقل إلى لازمه دون الحاجة إلى واسطة أخرى. ثلاث أنواع من الدلالة هذه متداولة في الدراسات العلمية. سنعرض مباحث الألفاظ في فصل “أصول الفقه”.

منطق التعريف

أهمية منطق التعريف تكمن في أنه بالإضافة إلى شكل التعريف، يعنى أيضًا بالمنطق المادي للتعريف، وهو جزء من مباحث المادة في هذا السياق. هذا الجزء مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالبيانات الفلسفية. النظام التعريفي في المنطق القديم قائم على ماهية الكائنات، ومنهجية تعتمد على أصالة الماهية والطبائع الخمسة، خاصة الجنس والفصل، ولا يمكن أن يتناغم بشكل كامل مع النظام الفلسفي الذي يقوم على أساس حقيقة الوجود وظهوراته، واستقلال الوجود، واحتكار الذات فيه، واعتماد جميع المظاهر على ذات الوجود، ولذلك فإن التعريف به لا يقتصر عليه.

في المعرفة، كما أوضحنا في نظرية المعرفة، العلم هو مجرد حضور ووجود، ليس له صورة ذهنية أو رمزية لكي يكون وسيطًا في المعرفة، والنفس تخلق علمها بطريقة خلاقة من خلال تصوراتها، وتُعتبر المفاهيم أدوات في يد النفس للوصول إلى الفهم. كما شرحنا في نظرية المعرفة الفلسفية، تعتبر التصورات التي يعتاد عليها الذهن علمًا حضوريًا غير دقيق، أو ما يُسمى بالعلم المفهومي، وهو طريق للفهم، ولكن ليس الفهم الدقيق. لذا، نعتبر التصور أساسًا للفهم، وهو أساس غير دقيق في العلم المفهومي. في هذه الحالة، يبرز أهمية مناقشة علم النفس وطريقة الفهم البشري، وتحديد درجة تدخل النفس في المعرفة.

التعريف له مراتب: التمييز والتمييز التفصيلي. الوصول إلى التمييز يؤدي إلى معرفة الكائنات والظواهر الخاصة بها، في حين أن التمييز يعبر عن الفروق بين ظاهرة وأخرى من فئاتها. التمييز يعتمد على التمييز الأول، والتمييز بذاته يؤدي إلى التفرد، بينما التمييز فقط يؤدي إلى مقارنة لا تؤدي بالضرورة إلى التفرد. من خلال المقارنة، يمكننا اكتشاف الدقائق والخصائص الخفية للوجود وظواهره.

في العلم المفهومي، تُعتبر المعلومات إما تصويرية أو مفهومية. المعلومات المفهومية تنقسم إلى قسمين: الأول هو التصور الأولي، وهو التصور التام عن الشيء، والثاني هو التصور الاستنتاجي (الاشتقاقي) أو التأكيد. التفكير والحوار يتمحوران حول المفاهيم الاشتقاقية والاستنتاجية وليس المفاهيم الأولية أو الكلمات التي هي مجرد عنوان للمعنى. الإدراك المنطقي هو تمثيل مقصود للكلام باستخدام النقد الفعّال وصولاً إلى التصديق. القضية العلمية هي التي يُصدَّق بها. الإدراك التصوري له قيمة تمهيدية وآلية ويعد جزءًا من مقدمات التصديق. كما ذكرنا سابقًا في أهمية التصور، التصديق يعتمد على التصور، ولا يمكن التصديق الصحيح دون تصور صحيح. ولكن التصور في حال لم يصل إلى التصديق الراسخ أو اليقيني، كما في الصفر والواحد في المنطق الثنائي الأرسطي، لا يعد علمًا. العقيدة أيضًا لا تكون ذات قيمة إلا إذا كانت يقينية أو مطمئنة ومعتمدة على المعرفة. العقيدة لا تُبنى على الاحتمالات.

في مجال الألفاظ، نواجه نوعين من المفاهيم: الجزئية والكُلّية. المفاهيم الجزئية التي تتحقق في حالة واحدة أو أكثر من هذه الحالات: حسّية أو خيالية أو وهمية، والمفاهيم الأولية هي المفاهيم التي تنبع من هذه الحالات. المفهوم الجزئي الحسي يعتمد على وجود الحاسة وتوجهها إلى المحسوس، ويتلاشى مع اختفاء المحسوس أو توقف الحاسة عن العمل. المفهوم الجزئي الخيالي هو الأثر المتبقي للشيء المحسوس في الخيال. نفس هذا الأثر إذا تم تصوره عن طريق الوهم يصبح مفهومًا جزئيًا وهميًا. كما قلنا، المفاهيم الحسية هي أساس العلم، ونظام التعليم يعتمد على هذه المفاهيم.

المفاهيم الماهوية

التعريف في النظام المنطقي القديم يعتمد على تحليل المفاهيم الماهوية. المفاهيم الكُلّية ماهوية وفلسفية أو منطقية. المفاهيم الماهوية هي معقولات أولية، والنظام التعريفي المنطقي في المنطق القديم يبنى عليها. الهدف من التعريف هو تحقيق الوضوح والتمييز الكافي لترتيب الأثر وإسناد الحكم الخاص بكل ظاهرة إلى ذاتها. على الرغم من ذلك، فإن المنطق التعريفي الماهوي والمفهومي لا يمكن أن يحقق هذا بشكل كامل. ضعف فاعلية المنطق التعريفي في المنطق القديم لم يتم التغلب عليه، وفي المنطق الجديد يتم التركيز على الجوانب التطبيقية والعملياتية لهذه المفاهيم.

المفاهيم الماهوية لها مابِازاء خارجي، ويمكن أن تُنسب إليها “العينية”. هذه المفاهيم هي صور مباشرة وغير وسيطية للأشياء الملموسة التي تأتي بعد الإحساس والخيال، ولديها صورة جزئية. لذلك، المفاهيم إما عينية أو تجريدية. المفاهيم التجريدية لا يمكن مشاهدتها عينيًا، ويجب تعلمها من خلال تعريفها، وتعريفها مرتبط بنوع من التوضيح.

كل مفهوم مخصص لفئة معينة من الأشياء، وليس هناك مفهوم عام. جميع المفاهيم لها صفات مميزة وغير مميزة. الصفات المميزة لمفهوم ما هي الصفات التي تعرفه، وهذه الصفات مجتمعة تكون التعريف لذلك المفهوم. لذا، التعريف هو البيان الذي يشمل كل الصفات المميزة للمفهوم وكيفية تفاعلها معًا.

لتحديد المفهوم بشكل دقيق يمكن استخدام التعريف التمييزي، حيث تُستخدم تقنيات لتحديد التعريف بشكل أفضل. لاستخدام الصفات المميزة يمكن تحقيق هذا التحديد.

مفاهيم التعريف

إن المفاهيم التي تؤدي أدوارًا حيوية مثل “الاتصال”، “الحساسية التجريبية”، “التعميم” و “بناء النظرية”، يجب أن تكون واضحة ودقيقة ومتفقًا عليها من قبل الجميع، وأن تكون خالية من أي غموض. فالغموض يعد أكثر العوامل التي تؤدي إلى إثارة الجدل؛ حيث يجب أن يكون الجهد في النقاش منصبًا على إيجاد النقاط الغامضة. إن التعريف المناسب والمنطقي يُعتبر أداة فعالة في توضيح الغموض والتخلص منه.

التعريف هو المفهوم الذي يتوافق مع موضوعه من حيث الوضوح، ولا يُستخدم فيه مفاهيم مبهمة يمكن أن تحمل تفسيرات متعددة. كما يجب تجنب استخدام كلمات بلا معنى، أو استخدام الألفاظ المشتركة (مثل الاشتراك اللفظي، الاستعارة، المجاز، والكناية) دون وجود قرينة واضحة، أو استخدام الألفاظ المعقدة والمهجورة التي قد تسبب اللبس والتشويش في الفكر.

في التعريف المنطقي، يجب أن يكون “المُعرّف” مناسبًا من حيث المعنى للمُعرّف من حيث الإجمال والتفصيل، بحيث لا يكون هناك تناقض أو تضارب بينهما، لأن التعريف في هذه الحالة سيكون غير ممكن. ومن المهم أن نعلم أن التعريف اللفظي أو اللغوي ليس هو التعريف المنطقي. كما يجب أن يكون التعريف غير دائري، أي أن “المُعرّف” نفسه لا ينبغي أن يكون بحاجة إلى تعريف آخر في نفس السياق، لكي لا نقع في دوامة مغلقة.

من الأهمية بمكان أن نأخذ في الحسبان شرط الاستقرار عند تعريف المفاهيم، بحيث يُعرض التعريف بطريقة تُثبّت المساحة المفهومية بصورة ثابتة، بحيث يمكن لجميع الأفراد أن يتوصلوا إلى نفس الفهم حول المفهوم، ولا تُترك مجالاً للتأويلات المختلفة. كما ينبغي أن يكون التعريف دقيقًا بما يكفي ليتمكن الباحثون من دراسته بسهولة، وذلك من خلال تحديد الخصائص والمصطلحات المستخدمة في التعريف بشكل دقيق وواضح، بحيث يكون المفهوم قابلاً للفحص التجريبي ولا يمكن تأويله بطرق متعددة.

في التعريف، يجب أن نولي الاهتمام أيضًا إلى التأثيرات والحالات والصفات والظهورات والعلاقات المفهومية المتعلقة بالمفهوم المُعرّف، بالإضافة إلى علاقات الأسباب والنتائج بين المفاهيم المستخلصة من هذه العلاقات.

الترتيب المنطقي للمفاهيم

من حيث الشكل، يجب أن تُرتّب المفاهيم من العام إلى الخاص، بطريقة تُظهر ترابط الأجزاء في كل من المفاهيم بحيث يكون القيد التالي مرتبطًا بالقيد السابق. لتحقيق هذا الشرط، تم تنظيم المفاهيم الخمسة الأساسية التي تساعد على فهم النظام المنطقي وتحقيق تعريفات دقيقة وصحيحة.

كل مفهوم عام، عند تعريفه، يكون إما وصفًا يشمل حقيقة كل الأفراد المندرجين تحته، كما في المفاهيم الذاتية مثل النوع، أو يكون جزءًا من حقيقة هؤلاء الأفراد، كما في المفاهيم العرضية مثل الجنس والفصل. الجنس يعبر عن مفهوم عام يشمل عدة أشياء مختلفة من نفس النوع، في حين أن الفصل يحدد خصوصيات النوع.

التعريف الوجودي

الفلسفة الوجودية لا تقبل أصالة الماهية ولا علاقتها بالأحكام والصفات المنسوبة إليها، بل تضع الوجود وظهوره في المقام الأول. ولذلك، فإن التعريف الحقيقي لا يمكن أن يكون متعلقًا بالماهية، بل يجب أن يرتبط بالوجود ذاته. وفي هذا السياق، لا يجب حصر التعريفات في مفاهيم مادية، بل يجب توسيعها لتشمل مفاهيم وجودية وظهورية موجهة نحو الفهم الحقيقي للأشياء والوجود.

في المنطق القديم والحديث

في المنطق التقليدي، كانت النقاشات الفلسفية تدور حول ماهية الأشياء وهل هي أصيلة أم فرعية، لكن هذه النقاشات كانت موجهة نحو طريق خاطئ. الوجود هو الذي يحمل الحقيقة، وهو الذي يكتسب تعيناته بشكل مستمر وفي حالة تطور دائم. كلما ارتقى الوجود في درجات ظهوره، كان الفهم والتعريف أكثر وضوحًا.

العلاقة بين النفس والعلم

النفس البشرية هي مصدر المعرفة والتعريف، وكلما كانت أكثر صفاءً، كانت القدرة على الفهم والتعريف أعمق وأوضح. العلم لا يرتبط فقط بالحواس الظاهرة بل يمكن للنفس أن تدرك الحقائق دون الحاجة إلى الحواس الجسدية. إذا كانت النفس طاهرة، فإنها يمكن أن تدرك كل شيء بما في ذلك الأبعاد الروحية والعلمية. هذه المعرفة تتعلق بكل شيء في الوجود، وقدرتها على الإدراك تتسع وفقًا لنقاء النفس، مما يجعلها قادرة على الوصول إلى معارف دقيقة ومتنوعة.

المفاهيم الفلسفية

أظهرت تقسيمات المفاهيم إلى ماهوية وفلسفية ومنطقية أن العديد من المفاهيم التي كانت تُعتبر ضمن مقولات أرسطو العشرية، مثل مفهوم الوجود، هي مفاهيم فلسفية. هذا أدى إلى تغيير وتفكيك النظام التعريفي الأرسطي؛ لأنه لا يتضمن المفاهيم الفلسفية المجردة والوجودية. في حين أن المقولات نفسها هي من نوع المعقولات الثانية الفلسفية، لا من المقولات الماهوية.

المفاهيم الفلسفية العامة تُستخلص من المقارنة والموازنة بين الوجود ومراتبه وظواهره المادية، وذلك بتأمل في جهة المقارنة بصورة نشطة ومتداخلة. وحدة هذه المفاهيم وتعددها تابع لوحدة أو تعدد جهة المقارنة، ولهذا فهي لا تدل بالضرورة على وحدة أو تعدد في المصاديق الخارجية. على العكس من المفاهيم الماهوية التي ترتبط ارتباطًا حتميًا بهذه القضية. كما أن انتزاع هذه المفاهيم هو عملية تفاعلية، وبالتالي فهي حقيقية وغير اعتبارية.
إن اتصاف المفاهيم الفلسفية، وعرضها، يكون عقليًا، وليس ماديًا. هذه المفاهيم تُوصف بالأشياء الخارجية، ولكن لا يوجد بينها وبين المعروض (الموضوع) أي انفصال. هي ليست ذات مصاديق حسية، بل لها أصل عقلي حقيقي؛ بمعنى أن هذه المفاهيم تكون حقيقية فقط إذا كان بالإمكان انتزاعها من الواقع.

المفاهيم الفلسفية لا يمكنها تعريف ماهية معينة، ولا هي ذات تعريف ماهوي، كما لا يمكن الوصول إلى مفهوم فلسفي من خلال جمع عدة مفاهيم ماهوية معًا.

المفاهيم الفلسفية تتعلق بالوجود وأحكامه. هي تتحدث عن أنواع الوجود ومراتبه، لا عن حدود ماهيتها. من ناحية أخرى، لا توجد مفاهيم جزئية للوجود تُقارن بها.

المفاهيم المنطقية

المفاهيم المنطقية، التي لا يمكن أن تُحمل على الوجود، هي معقولات ثانية تُعبّر عن خصائص ومميزات مفهومية ولا تتعلق بالواقع الخارجي. عروض هذه المفاهيم وارتباطاتها، وبالتالي تميزها، هي أمور ذهنية. فهي مفاهيم اعتبارية بالدرجة الأولى، لا تنبثق من الواقع بل من اعتبارات عقلية. بناءً على ذلك، المفاهيم المنطقية لا ترتبط بشكل مباشر بالعالم الخارجي ولا تشير إلى حقائقه، حتى وإن تم حملها على موضوع معين، فهذا الحمل ليس خارجيًا.

بناءً على ذلك، الفرق بين المفاهيم المنطقية والمفاهيم الفلسفية هو أن المفاهيم الفلسفية تتعلق بالمقارنة والتقييم للظواهر المادية، في حين أن المفاهيم المنطقية تتعلق بالمفاهيم الذهنية المستقلة، بعيدًا عن الجانب المعرفي والتمثيلي. هذه المفاهيم المنطقية لا تُعرّف مفاهيم أخرى، ولا تُعرّف هي نفسها.

المفاهيم المنطقية تُقسّم إلى نوعين: المفاهيم الأولية وغير الأولية. المفاهيم غير الأولية هي مفاهيم مُنتزعة من المفاهيم الأولية، مثل “ذاتية” و “عرضية”، “نوع” و “جنس”، التي هي مفاهيم منتزعة من المفاهيم الأولية مثل “الكل” و “الجزء”.

مغالطات مقام التعريف

من المغالطات الشائعة في مقام التعريف الماهوي هي مغالطة “الكنه والوجه”، “الوجود بدل ماهية”، و”المصدر = هذا من ذلك، إذًا هذا هو نفسه”، وهذه المغالطات تتعلق بالجانب المادي للتعريف وسوف يتم شرحها في باب المغالطات. كما أن بعض المواضع الجدلِّية التي كانت جزءًا من فن المناظرة قبل ابن سينا تُعدّ من “مغالطات التعريف”.

منطق القضايا

منطق القضايا هو الأساس النظري لمنطق الرياضيات الحديثة، وهو أيضًا قاعدة أساسية في المنطق الإنساني والعلمي. وتقوم النظرية القياسية على هذا المنطق. إذا لم يتوفر هذا القسم من المنطق، فلا يمكن تحويل أشكال القياس إلى بعضها البعض.

هذا المنطق يعتمد على المعرفة التجريبية والاستقراء، وكذلك على قوانين الأشياء الخارجية. ويميل إلى النظر في الظواهر بشكل ظاهري، بدلاً من النظر في جوهرها أو ماهيتها، على عكس منطق القضايا في النظام الأرسطي الذي يعتمد على النظر في المقولات العشرية.

في منطق القضايا التقليدي، الوحدة الأساسية للتفكير هي “المفهوم”، وليس القضية. أما في المنطق الحديث، فالقضية هي تركيب كامل يمكن أن يقبل الصدق أو الكذب دون الحاجة إلى تحليل أو التزام تمهيدي. منطق القضايا يظهر التصديق العقلي في صورة فكرية، ويشمل موضوعًا، محمولًا، العلاقة بينهما، والحكم.

القضية في اللغة الطبيعية هي نفس اللغة التي يتم احترام قواعدها بشكل غير واعٍ من قبل أفراد المجتمع، ويمكن للرموز اللفظية، أي نظام المفردات، أن تنقل المعاني أو المصداقات للأحداث المعقدة بسهولة وفعالية. اللغة الطبيعية بمنطقها مع الرموز التي هي من جنس المفاهيم تسهل عملية التواصل؛ وإن كان اللغة الرمزية المنطقية تجعل هذا التواصل أسهل، بينما اللغة الرمزية الرياضية الدقيقة، تعبّر عن المفاهيم بدون غموض وبطريقة واضحة وقصيرة جدًا. وبالتالي، تُعد سهولة اللغة الرمزية المنطقية من الشروط الضرورية، ولمنطق استخدام هذه اللغة، يتطلب ذلك من أجل تقليل الأخطاء وزيادة الوضوح والدقة. وتساعد اللغة الرمزية في منع الوقوع في المغالطات، خاصة المغالطات اللفظية والانزلاقات الناتجة عنها، وتسرع في تحليل عملية الاستدلال وتدخل المنطق في مجالات لا يمكن للقوانين المنطقية التقليدية التعامل معها. إن استخدام الرسوم البيانية والعلاقات الثنائية الأبعاد لتمثيل هيكل الاستدلال، حيث تكون النتيجة أسفل المقدمات، والمقدمات مرتبة أفقيًا فوق النتيجة، هو من الطرق الفعالة لتقييم صحة الاستنتاج.

منطق القديم يعتبر الاستنتاج الجزئي من الكلي صحيحًا في كل حال، بينما المنطق الحديث يعتبر بطلانه صحيحًا. في تحليل المنطق الحديث، يتم تعريف العبارات الشرطية والمقيدات الكلية والسالبة بشكل مختلف، حيث توجد علاقة عطف في المنطق الحديث بين الكلي والجزيء، وهو ما يختلف عن العلاقة الشرطية بين الكلي والجزيء في المنطق القديم. بما أن العبارات الشرطية لا تستلزم العطف، لا يمكن للكلي أن يُنتج الجزيء. ولذلك، يُعد المنطق الحديث القاعدة التي تنتقل من الشرطية إلى العطف والتي تنتقل من الكلي إلى الجزيء غير صحيحة. بالطبع، في المنطق القديم، لا يمكن الحصول على نتيجة جزئية خارجية بناءً على مقدمة كلية صحيحة حيث قد تكون أفرادها افتراضية، ولكن من الممكن التوصل إلى تلك النتيجة من مقدمة خارجية كلية.

أيضًا، بعض الاستنتاجات التي كانت معتبرة في المنطق القديم في القياسات الشرطية، هي الآن غير صحيحة في المنطق الحديث. في المنطق الحديث، تم التركيز على “النسب” بدلاً من المبدأ والموضوع والمحمول، حيث أن المحمول دائمًا يحتوي على النسب والترابط في نفسه، بينما يقوم هذا المنطق على القضايا. يدعي المنطق الحديث أن قواعد المنطق القديم غير مكتملة ومحدودة ولا تغطي جميع الاستنتاجات. على سبيل المثال، في المنطق القديم، لا يعتبر الاستنتاج الصحيح المأخوذ من مقدمة انفصالية ومقدمة حَمْلية سالبة، كما في المثال التالي:

إما أن عليًا أخو رضا، أو حسن أخو رضا.
علي ليس أخو رضا.
إذن، حسن أخو رضا.

كما أن المفهوم المميز للكلي في كلا المنطقين ووجودية القضايا الجزئية، على عكس القضايا الكلية في المنطق الحديث، واختلاف القضايا الشرطية في المنطق الحديث مقارنة بالقضايا الأحادية في المنطق القديم، يمثل أحد أوجه الاختلاف بين المنطقين. وتُعد القضايا المتعددة المدى في المنطق الحديث مقابل القضايا الأحادية المدى في المنطق القديم أمرًا مميزًا في هذا السياق.

الأشياء، المفاهيم، والنسب التي هي فئات من الدرجة الأولى، والمحمولات من الدرجة الأولى، الثانية وما فوقها، التي هي فئات من الدرجة الثانية، هي من المفاهيم المهمة في المنطق الحديث. ومع ذلك، مثل المنطق القديم، يعاني المنطق الحديث من بعض القضايا المعقدة والمبهمة التي لا يمكن القول بأنها قد تم حلها بنجاح؛ خاصة وأن معظم جهود علماء الرياضيات كانت موجهة نحو حل التناقضات الرياضية التي يواجهها هذا المنطق، وليس في معالجة دقة فلسفية تتعلق بالوجود الذي يدخل في مجال الأنسيّة ويصل إلى قرب الهُوية.

من جهة أخرى، فإن للمنطق القديم قواعد تحتاج إلى نقد جذري خاصة في الأسس الفلسفية، ومع رفض بعضها التي لا تعدو أن تكون زوائد — وإن كانت تبدو اليقينيات لبعض الفلاسفة والمنطقيين — فإن المحاولة لوضع منطق جديد يوضح مخرجًا من مشكلات كل من المنطق القديم والحديث يصبح أمرًا أساسيًا.

بالتأكيد، كما أن للمنطق جانبين معرفيين وتطبيقيين، فإن القواعد في تطبيقه يجب أن تُبسّط وتُقلل لتكون فعّالة عمليًا. ويُسهل المنطق الحديث هذه العملية باستخدام الرموز، ويُعزز دقة الفكر والاستدلال، مما يقلل من احتمالية الوقوع في الأخطاء.

المنطق الرمزي من خلال تحليل الاستدلالات التي هي قضايا خبرية، يحدد صلاحية الاستنتاج ويعطي قيمة صحيحة أو خاطئة للنتيجة الناتجة عنه. القضايا التي تحمل نفس القيمة تُسمى متكافئة منطقيًا.

الجملة الخبرية، على عكس الجمل الإنشائية والعاطفية، قابلة للصدق والكذب، ولكن القضية ليست بالضرورة نفس الجملة الخبرية؛ لأن القضية لها هوية منطقية والجملة لها ماهية لغوية. كما في جمل “أحمد ابن علي” و”علي والد أحمد”، التي في اللغة هي جملتين، وفي المنطق — استنادًا إلى معانيهما المتشابهة — تشكل قضية واحدة.

لقد اختلط التحليل المنطقي القديم بشكلٍ ما بالعناصر اللغوية، في حين أن التحليل المنطقي الحديث يركز فقط على الدور المنطقي للعناصر المعنية. منطق الموضوع والمحمول يُعطي تراكيب لغوية في اللغة الطبيعية التي تجعل خصائصها المنطقية مشوشة. إذا كانت لغة المنطق مجرد لغة منطقية، دون خلطها بالمسائل اللغوية، فإنها تُعتبر لغة عقلية ومتساوية في جميع الثقافات واللغات.

المنطق الحديث يضع الفعل الأساسي في الكلام كأساس للجملة ويُعتبر الفعل اللفظي والتعبير عن الكلمات هو أساس بناء القضية الخبرية المتميزة عن غيرها.

ملاحظة حول مفهوم المحمول وظهوره

يجب أن نلاحظ أنه إذا كان المحمول غير ماهوي في طبيعته، بل كان من المعقولات الثانية الفلسفية، فإنه في الخارج لا يظهر كنموذج محمول، بل يظهر كعلاقة واتصاف، أي أن الظهور الحقيقي له في الخارج هو ظهور مرتبط. ومع ذلك، لا يعني هذا أن المحمول، كظهور حرفي وعلاقة، لا يمتلك هوية أو نفسية. صحيح أن العلاقة لا تمتلك استقلالاً، لكنها تملك نفسية، وهذه النفسية بالرغم من كونها تابعة وضعيفة، إلا أن لها ظهورًا وفعالية. يجب أن ننتبه إلى أن معنى “العلاقة” هنا هو التبعية، وليس ظهورها. إن الاتحاد بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية يتم عبر العلاقة، وتُميز الهويات البسيطة والمعقدة من خلال وجود هذه العلاقة والمحمول، ومع ذلك، في التحليل العقلي، من الناحية المفهومية، هناك تمييز بينهما، ويتطلب التواصل بينهما علاقة ذهنية.

ظهور العلاقة بين طرفي الربط في القضية وفي مقام الاستعمال له وحدة ظهورية، وكذلك في عالم الواقع كما في الدائرة المعية، يتحقق ولا يكون مجرّد اعتبار. كما أن العلاقة في القضايا الذهنية لها أيضًا اعتبار، فهي تتحقق وتظهر في الواقع أيضًا. كل ظهور يتضمن ربطًا وإضافة، وهذه الإضافة تشمل جميع العوالم، ولا يوجد شيء سوى الوجود وظهوراته. وبالطبع، في عالم الواقع، وبناءً على حقيقة الوجود، فإن الوجود هو ما يكون فعلاً موجودًا.

نحن نتحدث عن ظهور العلاقة في فصل “فلسفة الوجود الجديد”، وهذا يكفي لتصنيف هذه المحمولات كظهورات وجودية.

أما في جانب الموضوع، فالوضع يكون كذلك أيضًا، حيث يُفترض أن الموضوع يشمل جميع القضايا التي تُناقش في العلوم المختلفة، ويتم بناء الاستدلال بناءً على ذلك الافتراض. يُدخِل المنطق الجديد شرط وجود الموضوع في القضية أو القاعدة تحت مصطلح “الالتزام الوجودي الظاهري”. لذلك، يُقسّم الالتزام الوجودي إلى نوعين: الأول، هو الالتزام داخل القاعدة، والثاني، هو الالتزام داخل القضية. أي أن القاعدة تكون “ملتزمة وجوديًا” بالموضوع إذا كان اعترافها مشروطًا بوجود الموضوع.

أما الجملة فهي تكون “ملتزمة وجوديًا” بالموضوع إذا كانت تقتضي وجود الموضوع. تكون القضية الموجبة صحيحة فقط عندما يكون الموضوع موجودًا، ولكنها لا تشتمل على الالتزام الوجودي، حيث العناصر الأساسية فيها هي المحمول والنسبة السلبية. وفي النسبة السلبية، هناك علاقة، لكنها علاقة سلبية، ولا يتطلب الأمر وجود الموضوع، إذ يمكن أن تكون صحيحة حتى عند انتفاء الموضوع. لذلك، سواء في الموجبة الكلية “كل ألف ب” أو الموجبة الجزئية “بعض الألف ب”، فكلتاهما تقتضيان صحة هذه الجملة: “الألف موجود”.

رمز الالتزام الوجودي داخل الجملة في المنطق الجديد هو “العطف”، ويظهر فقط في القضية الجزئية سواء كانت موجبة أو سلبية، بينما رمز عدم الالتزام الوجودي هو “الشرط” أو “الفصل”، الذي يظهر في القضايا الكلية.

يجب أن ننتبه إلى أنه بالرغم من أن السلب يصبح صحيحًا عند انتفاء الموضوع، إلا أن هذه القضية تتطلب تصور الموضوع وتفرضه، حيث لا يُعلن عن القاعدة المعدومة تمامًا، وبالتالي لا تكون قابلة للصدق أو الكذب.

بالنظر إلى مقتضيات القضايا العلمية، لا يوجد تمييز بين الموجبة والسالبة فيما يتعلق بضرورة وجود الموضوع المفترض.

تركيب الكم والكيف يجعل القضايا المحصورة أربعة أنواع: الموجبة الكلية = A، الموجبة الجزئية = I، السالبة الكلية = E، السالبة الجزئية = O. يُستخدم الرموز الصغيرة في اللغة الرمزية على التوالي: a، i، e، o.

وبالتالي، يكون رمز الموجبة الكلية على النحو التالي:

“كل ألف ب” = S a P، حيث S يمثل الموضوع و P يمثل المحمول.

يُسمى الثوابت المنطقية التي تبقى ثابتة في جميع الأمثلة المنطقية للقضايا أو المنطق المحمول أو كليهما بـ “الثوابت المنطقية”.

يرى المنطق الجديد أن القضايا الجزئية هي قضايا وجودية (وجودية ظاهرة)، حيث يُشترط وجود وظهور على الأقل لفرد واحد من الموضوع لكي تكون القضية صحيحة، ويُحلل القضايا الكلية باعتبارها قضايا شرطية لا ترتبط صدقها أو كذبها بوجود الموضوع أو عدمه.

القضية الشرطية إما أن تكون متصلة أو مفصولة، حيث تأتي باستخدام العطف “و” في الحالة المتصلة، أو باستخدام الفصل “أو” في الحالة المفصولة. لأن الشرطية تنطوي على حكم بالارتباط والاتصال بين اثنين أو أكثر من النسب، أو حكم بالانفصال والابتعاد بين المقدم والتالي.

المحتوى الشرطي يعتمد على العلاقة بين المقدم والتالي، وهذه القضية المركبة تُعبّر عن العلاقة بين المقدم والتالي، وأخبارها الحملية التي تأتي مع أدوات الشرط هي جزء من القضية الشرطية، وليست مستقلة بذاتها. وبالتالي، تكون الكم والكيف، والصدق والكذب، تابعين للعلاقة، ولا تتوقف على صحة أو كذب المقدم أو التالي.

أما في القضايا الشرطية، فإن الصدق يعني التوافق مع الواقع أو عدم التوافق معه. لذلك، حتى في حالة كذب المقدم والتالي، يمكن أن تكون العلاقة الشرطية صحيحة. على النقيض، مع صدق المقدم والتالي، قد لا تكون العلاقة ضرورية أو سببية، ويمكن أن تكون العلاقة جزئية حتى مع كليّة المقدم والتالي.

النسب الأربعة

عند مقارنة مفهومين عامين بالنسبة للأفراد والمصاديق التي يتضمنانها، فإن العلاقة بينهما إما أن تكون تساويًا أو عمومًا وخصوصًا من وجه، أو عمومًا وخصوصًا مطلقًا. لا توجد علاقة تباين جوهري بين المفهومين، رغم أنه يمكن أن يكون هناك اختلاف في المرتبة بينهما. هذه العلاقات بدهيّة.

  1. التساوي: في هذه العلاقة، ما ينطبق على أحد المفهومين ينطبق على الآخر أيضًا، والمصاديق المشتركة بينهما هي نفسها. يمكن عكس هذه العلاقة إلى قضيتين كلية مع تبديل الموضوع والمحمول. نقيض مفهومي التساوي يكون أيضًا متساويًا.
  2. العموم والخصوص المطلق: في هذه العلاقة، ينطبق أحد المفهومين (الذي هو أعم) على جميع الأفراد، بينما ينطبق المفهوم الآخر (الذي هو أخص) فقط على بعض الأفراد. هذه العلاقة تعود إلى ثلاث قضايا: قضية موجبة كلية، قضية موجبة جزئية، وقضية سالبة جزئية. إذا كانت العلاقة بين المفهومين هي عموم وخصوص مطلق، فإن نفس العلاقة (ولكن مع انقلاب) تكون بين نقيضيهما.
  3. العموم والخصوص من وجه: في هذه العلاقة، كل مفهوم من المفهومين يعد عامًا من جهة وأخص من جهة أخرى، وكل منهما ينطبق على بعض الأفراد وليس جميعهم. لذلك، كل مفهوم يحتوي على مصاديق مشتركة وكذلك مصاديق خاصة به. هذه العلاقة تنطوي على قضيتين موجبتين جزئيتين وقضيتين سالبتين جزئيتين.

العلاقات بين القضايا في المنطق القديم: هذه العلاقات تشمل التضاد، التداخل تحت التضاد، التلازم، التلازم المعكوس، التساوي (التلازم المتقابل)، والتناقض.

العلاقة العكسية:

تنقسم العكس إلى نوعين: العكس البسيط و العكس المعاكس.

  1. العكس البسيط: في هذا النوع، يتم تبديل الموضوع والمحمول في القضية دون تغيير في صحة القضية. يعني أن العلاقة بينهما تكون دائمًا صحيحة في جميع الحالات.
  2. العكس المعاكس: في العكس المعاكس، يتم نفي الموضوع والمحمول معًا. في هذا النوع، يتم نفي الموضوع والمحمول بدون أي تبديل بينهما، مع الحفاظ على صحة القضية في جميع الحالات. في هذا النوع، تصبح القضية التي كانت موجبة كلية إلى سالبة كلية، والموجبة الجزئية إلى سالبة جزئية، لكن لا يوجد عكس معكوس للجزئي.

القضايا المحصلة والمعدولة:

عند استخدام أدوات السلب جزئيًا على الموضوع أو المحمول أو كليهما، يتم العدول عن القضية الأصلية. وفي مقابل ذلك، تُعتبر “القضايا المحصلة” هي التي تكون في صيغة إيجابية في الموضوع أو المحمول أو كليهما.

الاستدلال المباشر:

الاستدلال المباشر هو الاستنتاج الذي يتم من قضية واحدة. يعتمد الاستدلال المباشر على عدة أنواع: العكس البسيط، العكس المعاكس، والنقض.

في النقض، يتم نقض الموضوع أو المحمول أو كليهما، مع الحفاظ على صحة القضية. في هذا السياق، يصبح الكلي جزئيًا والعكس صحيح.

القياسات الصحيحة:

الاستدلال باستخدام القياس يكون له أساس قاطع ونتيجة مؤكدة، بينما الاستقراء يقدم نتيجة احتمالية أو ظنية، والتمثيل يقدم نتيجة جزئية.

في المنطق الرياضي، يتم الاستدلال استنادًا إلى الاستنتاج. عند الاستنتاج من عدة قضايا للحصول على قضية جديدة أو تأكيدها، فإن الاستنتاج يُعتبر قد تم.

الاستنتاج والتقييم:

لتقييم الاستدلال، يجب أولاً تحديد المقدّمات والنتيجة واستخلاص المدعى الرئيس. بعض الكلمات تشير إلى المقدّمات وبعضها الآخر يشير إلى النتيجة، وفي بعض الأحيان تكون بعض المقدّمات مفروضة ومعترفًا بها دون ذكر.

القياس هو أهم أشكال وأوجه الاستدلال، ويعني التقدير والقياس، وهو بعد هذا الشكل الأولي الصناعي في قالب أحد الأشكال الصالحة. في المنطق، المهم هو تقديم تعريف شامل للبرهان العقلي، القياسي، والتطبيقي.

في اصطلاح المنطق القديم، القياس مركب من جملتين أو أكثر مقدمية، يُستنتج من صدق فرضهما وصحتهما، دون واسطة من جملة أخرى، جملة لازمة ضرورية، موضوعها هو الحد الأصغر للمقدمة الأولى ومحمولها هو الحد الأكبر للمقدمة الثانية. يُؤخذ القياس من حيث المضمون، والصورة، والأركان بعين الاعتبار المنطقي.

على الرغم من أن القياس جملة مركبة خبريّة، إلا أنه يختلف عن الاستدلالات المباشرة أو التي تتخذ شكل الاستقراء أو التمثيل. لا يُقال لقضية واحدة قياس، حتى وإن كان الاستنتاج منها منطقيًا.

تكوين وتركيب القياس مشروط بصحة فرضية المقدمات، وليس بصحة فعليتها، إذ قد تكون المقدمات مشكوك فيها في بعض القياسات الجدلية، حيث تكون القضايا مشهورة وليست صادقة، لكن يمكن اعتبارها صادقة في القياس. كما أن بعض القياسات كاذبة، مثل القياس الخَلَفي أو المغالطات.

إذا افترضت صحة القضية، يكون النتيجة بالضرورة صحيحة، ويمكن تشكيل القياس بناءً عليها.

يكون الاستنتاج قياسًا إذا نشأ من داخل المقدمات ذاتها، وليس بمساعدة واسطة خارجية. لذلك، القياس المساواتي والقياسات التي تُحذف فيها الكبرى الأصلية وتحل محلها النقيض المعكوس للخُبر تخرج عن التعريف.

القياس المماثل، حيث لا يتكرر الحد الأوسط كما في القياس المساواتي، مثل “الدرّة في الحقّة والحقّة في البيت، فالدرّة في البيت”، يشبه القياس المساواتي.

القياس المساواتي مع وجود مقدمة مخفية هو قياس، وبدونها لا يكون كذلك، مثال:

“أ = ب،
ب = ج،
لذا: أ = ج.”

النتيجة هنا معلولة على المقدمة المخفية: “مساواة (أ) مع شيء (ب) مساوية لشيء (ج)”. بدون هذه المقدمة، الحد الأوسط لا يتكرر، إذ في المقدمة الأولى “مساوي ب” هو الحد الأوسط، وفي المقدمة الثانية “ب” هو الحد الأوسط فقط.

“المصادرة على المطلوب”، حيث تكون النتيجة إحدى المقدمات بشكل مستقل، لا تعتبر قياسًا. لذلك، القياس الاستثنائي الذي تكون نتيجته جزءًا من المقدمة الشرطية ليس من هذا النوع من القياس المغالط.

يجب أن تؤخذ النتيجة في القياس بشكل محدد من المقدمات، أي أن موضوع الجمل الحاملة هو نفس الحد الأصغر، ومحمولها هو نفس الحد الأكبر، ولا تُستمد النتيجة من شيء آخر مثل رسم بياني.

النتيجة في القياس يجب أن تكون ضرورية ودائمة، فلا يُعتبر الاستدلال الذي لا يكون صيغته صحيحة دائمًا قياسًا.

القياس يتألف من مقدمة (مضمون)، صورة، مطلوب، نتيجة، وحدود. صورة القياس هي الهيئة والتركيب للقضايا وطريقة تجميعها. المقدمات هي القضايا التي تُركب منها صورة القياس. المطلوب هو القضية التي تستلزمها القياس عند تشكيل المقدمات، والنتيجة هي نفس المطلوب بعد استنباطها.

المطلوب والنتيجة يجب أن يكونا قضيتين برهانيّتين، والحدود هي مفردات المقدمتين (موضوع ومحمول أو مقدم وتأخر).

المحمول وأنواعه

المحمول إمّا أن يكون مطلقًا، وهو الصفة التي تُحمل على الموضوع على وجه مطلق، حيث يكون المحمول مرتبطًا بالموضوع فقط، أو يكون إضافيًا ونِسبيًا، حيث يحدث مقارنة بين صفة من صفات الموضوع وشيء آخر، فيُحمَّل الصفة بالقياس إلى ذلك الشيء الآخر، وبذلك يكون المحمول مرتبطًا بالموضوع بالإضافة إلى الأمر المتضاد.

مجال القضايا

مجموعة القيم التي يمكن تعويضها في مكان متغير أو متغيرات مُعبر عنها في عبارة ترمي إلى تحويلها إلى قضية تُسمى “مجال العبارة” [54] ويرمز له بـ D. أما مجموعة القيم من المجال التي تجعل العبارة صحيحة فتُسمى “مجموعة الحلول”.

عمومية المحمول

المحمول عادةً ما يكون عامًا وشاملاً، إلا في بعض القضايا الشخصية الخاصة.

منطق المحمولات

منطق المحمولات هو توليفة بين خصائص منطق القياس ومنطق العبارات. مفاهيم مثل “الكسر الطبيعي”، “أشجار الصحة” و”جداول القيمة والصحة” ذات أهمية في هذا المنطق.

في المنطق القديم، يُقسم الحمل إلى نوعين: الأول ذاتي، والثاني صناعي شائع. وكل حمل يخالف هذين النوعين يكون باطلاً. في هذا السياق، “الحمل” هو قيد على العبارة، وأحيانًا يكون قيدًا على الموضوع. في الحمل الذاتي، يكون المفهوم متعلقًا بالموضوع، أما في الحمل الصناعي فهو متعلق بالمصدر الذي يُراد، ويتصل بتصور الموضوع كما سبق شرحه.

القياس الاقتراني

لقد قلنا إنه لا يوجد قياس منطقي سوى نوعين: قياس مبني على انحلال المقدمات إلى عقدتين، والآخر غير ذلك. في القياس الاقتراني، يكون النتيجة أو نقيضها موجودًا بشكل مجمع، وبالشكل نفسه في المقدمات. القياس الاقتراني إمّا يتكوّن من عدة قضايا حمليّة (قياس اقتراني حملي) أو يحتوي على قضية شرطية واحدة على الأقل (قياس اقتراني شرطي). القضايا الحمليّة تُحلل في تحليلها إلى مفردات ونسبة وحكم، أما القضايا الشرطية فتُحلل إلى عدة قضايا وروابط وهيئات تركيبية. هذا التقسيم يُمثل نظامين مختلفين للاستنتاج.

القضايا الشرطية تعبّر عن أفراد ومجموعات كيفية مترابطة كنتيجة واحدة، والمنطق علم النتائج، لذلك تُعتبر القضايا الشرطية أساس الاستدلال.

القياس الاقتراني الحملي يعتمد على حد وسط ذهبي هو الحد المشترك الشامل في الحالة الإيجابية والقاطع في الحالة السلبية، ويتم حذفه في النتيجة. موقع الحد الوسط نسبة إلى طرفيه أو طبيعة اقترانه بهما ينتج عنه أربعة أشكال، وبأخذ الكمية والنوعية والقيود الأربعة في الاعتبار، يمكن أن تتحول إلى 256 ضربًا، منها 24 فقط صحيحة، مما يعكس صعوبة هذه العملية المنطقية.

شروط صحة القياس

لكي يكون القياس صحيحًا، يجب احترام القواعد الأربعة التالية، المبنية على نظرية التوسع والحد المنبسط:

أ) يجب أن يكون الحد الوسط منبسطًا في أحد المقدمات على الأقل (قاعدة منع الحد الوسط غير المنبسط).

ب) إذا كان الحد في النتيجة منبسطًا، فيجب أن يكون منبسطًا في المقدمة المناظرة (قاعدة منع الطريقة العقيمة).

ج) لا يجوز أن تكون كلتا المقدمات سالبتين.

د) إذا كانت إحدى المقدمات سالبة فقط، فالنتيجة يجب أن تكون سالبة.

بناءً عليه، يجب أن يكون أحد المقدمات أو كلاهما عامًا، وإذا كان كلاهما جزئيًا فلن يكون للنتيجة ديمومة. كما يجب أن يكون أحد المقدمات أو كلاهما موجبًا، فلا يكون كلاهما سالبًا، لأن ذلك قد يؤدي إلى بطلان النتيجة.

البرهان

لإثبات أي حكم، يجب تقديم برهان، إمّا مباشر (اعتمادًا على الضربات الصحيحة الأربع للقياس مع قواعد معاكسة) أو غير مباشر (برهان خلف). في الأخير، يستخدم البرهان الخلف لإثبات صحة النتيجة عن طريق نفي نقيضها، لأن الخطأ في النتيجة يعني خطأ في الفرض.

القياس في المنطق الجديد

في المنطق الجديد، لتحويل عبارة إلى قضية يُستخدم ما يُسمى بالسور (quantifiers) بأنواعها: العام، الوجودي الظاهري، وصفر السور. السور العام يشمل كل قيم المجال، والوجودي الظاهري بعض القيم، وسور الصفر لا يشمل أي قيمة. تكون عبارة السور صفر صحيحة عندما تكون مجموعة الحلول فارغة، أي لا توجد عناصر في المجال تحقق العبارة.

السور لها نقيض، حيث يتحول السور العام إلى وجودي ظاهري، والعكس بالعكس، ويتم تمثيل نقيض السور صفر كسور وجودي.

الموجهات

في القضايا الحمليّة الخارجية، هناك فصل حقيقي بين الوجوب والإمكان والامتناع، وهذه المفاهيم الثلاثة تتبعها مفاهيم الموجهات الثلاثة. القضايا الخارجية الواقعية التي تملك مادة لا تُقيم على أساس الصدق أو الكذب لأنها هي الحقيقة نفسها، أما الاتجاه (الجهة) في القضية، فإذا كان مطابقًا للمادة فيكون صادقًا، وإذا خالفها يكون كاذبًا.

موجهات الضرورة والإمكان والامتناع توجه القضايا الحمليّة، وتستخدم في اللغة الطبيعية خاصة في محاربة المغالطات.

الاتجاهات (الجهات) في القضايا

الاتجاه يعبّر عن كيفيّة العلاقة بين الموضوع والمحمول في القضية الحمليّة، وهو صفة نفسية وواقعية تُسمى “المادة” ويطلق عليها لفظًا “الاتجاه”. الاتجاهات تأتي من إدراك المادة أو كيفيّة الحكم في الذهن أو اللفظ. لذا، فإن الاتجاهات المنطقية ترتبط بالميتافيزيقا، مع أن الاتجاهات لا تُعتبر مطابقة تمامًا لمواد الفلسفة الثلاثة.

الاتجاه في الحكم هو اتجاه في الصدق، وأحيانًا يتم التفريق بين موجهات الصدق (الضروري، الممكن، المستحيل) وموجهات الزمن (كالدوام).

أنواع الموجهات وأمثلة عليها

الضرورة في القضية الموجبة تُسمى “الوجوب”، وفي السالبة “الامتناع”. الإمكان الفلسفي ليس له وجود خارجي، لكنه صفة تُنسب للأشياء. في الفلسفة، الوجود والحقائق لا تملك إمكانًا وامتناعًا حقيقيًا، فالإمكان والامتناع صفات عقلية غير واعية.

في القضايا العلمية، فقط الضرورة هي التي تُعتبر صحيحة، أما الباقي فهي تعليمية أو لتجنب المغالطات.

القضية التي تُذكر فيها الاتجاه تُسمى موجهة، وأخرى بلا اتجاه تُسمى مطلقة عامة، لكن هذا التصنيف غير مفيد في القضايا العلمية حيث الاتجاه ضروري.

الموجهات الفقهية والمعرفية

يوجد موجهات فقهية مثل “وجب أن” و”جائز أن”، وموجهات معرفية مثل “معروف أنه”، وموجهات تصديق مثل “يُعتقد أن”. في المنطق الرياضي تُعتبر الموجهات رياضية وليست فلسفية.

الموجّهات البسيطة

الموجّهات تنقسم إلى نوعين: بسيطة ومركبة. في كل قضية بسيطة يكون هناك حكم واحد موجب أو سالب فقط. أما كل من جهات الدوام (الاتصال الدائم ولكنه قابل للانفكاك) والضرورة (غير القابل للانفكاك) فيمكن أن تكون ذاتية أو وصفية. فإذا تحققت الجهة بالنظر إلى الذات فقط دون أي قيد زائد، تكون ذاتية، وإذا أُضيف إلى الذات وصف أو قيد زائد، تكون وصفية. بناءً عليه، فإن القضايا البسيطة إما أن تكون ضرورية أو دائمة، وتنقسم إلى الأنواع التالية: ضروري أزلي، ضروري ذاتي، ضروري وصفي، دائم مطلق، دائم وصفي (عرفي عام) وممكن عام.

الضرورة في ثبوت المحمول للموضوع إذا كانت في نهاية المطلق الواقعي ومنحصرة في ذات الموضوع وكماله، والموضوع هو ذات الوجود والظهور فقط، تُسمى “الضرورة الأزلية = الضرورة المطلقة”. بالمقابل، الضروري المقيد يشمل الضروري الذاتي والوصفى والوقتي وشرط المحمول.

أما الضرورة في ثبوت المحمول للموضوع إذا كانت مشروطة ببقاء الموضوع والمحمول نتيجة مباشرة لذات الموضوع، فتكون “ضرورة ذاتية”، وإذا كانت مشروطة بضرورة دوام صفة الموضوع ومنشأ الضرورة وصفى مرتبط بالذات، وكان السبب في الحكم والموضوع الرئيسي هو ذلك الوصف الذي قد يكون سبب الضرورة أو دائمًا مرافقًا للذات أو منفصلًا عنها لكنه دائمًا ملازم لها، فتكون “ضرورة وصفية”.

إذا قُضي في قضية بأن ثبوت المحمول للموضوع دوامًا شرط بقاء الموضوع وطالما بقي الموضوع، فالقضية “دائمة مطلقة”، وإذا تحولت دوام الذات إلى دوام وصف، وثبت المحمول أو سُلب مادام الموضوع متصفًا بالوصف، فتكون “دائمة وصفية (عرفي عام = عرفي مطلق)”. وإذا قُضي في القضية بسلب الضرورة عن الطرف المقابل، بمعنى إذا كان أصل القضية موجبًا، فحُكم بسلب الضرورة عنه، وإذا كانت سلبية فحُكم بسلب الضرورة من الطرف الإيجابي، فتكون “ممكن عام”.

الموجّهات المركبة

في الموجّهات المركبة يكون هناك حكمان، أحدهما صريح والآخر إجمالي، من حيث الكم متماثلان ومن حيث الكيف متعاكسان. الحكم الثاني لتفادي احتمال التفسير الخاطئ للحكم الأول. سبب الإجمال في الحكم الثاني هو أنه إذا فُصل منذ البداية، لكان هناك قضيتان وليس قضية واحدة، لكن الموجّه المركب هو قضية واحدة.

في الجهات المركبة والمختلطة، يكون تركيب الجهات من الأدنى إلى الأعلى، وإلا يؤدي التركيب العكسي إلى التناقض. دائمًا تكون الجهة الأولى موجبة ومحصلة، والثانية سالبة وغير محصلة.

أنواع الموجّهات المركبة:

  • أ) مشروط عام + مطلق عام = مشروط خاص، حيث يمكن تفكيك وصفهما عن الذات، لذلك يستخدم قيد يدل على الذات بدون المحمول والوصف، وهو قيد ذو دوام ذاتي غير دائم.
  • ب) عرفي عام + مطلق عام = عرفي خاص، يشير إلى أن الوصف يمكن أن يكون منفصلًا عن الذات، ودوام الحكم بسبب الوصف وليس الذات. يستخدم هنا قيد “ذو دوام ذاتي غير دائم”.
  • ج) مطلق عام + مطلق عام = مطلق عام، يُستخدم لإزالة وهم دوام المحمول للموضوع، عبر قضية “نمود ذو دوام غير دائم”.
  • د) مشروط عام موجب + مطلق عام = مشروط خاص، حيث يُقيد المشروط العام بـ”ليس بشكل دائم” حسب الذات.
  • هـ) عرفي عام موجب + مطلق عام سالب = عرفي خاص.
  • و) مطلق عام موجب + مطلق عام سالب = نمود ذو دوام غير دائم.
  • ز) مطلق عام + ممكن عام = نمود ذو ضرورة غير دائمة.

المغالطات

كل تعريف أو استدلال غير منطقي هو مغالطة. ليست كل أخطاء الاستدلال مغالطات، وإنما المغالطات هي أخطاء نوعية تُظهر نمطًا يمكن التعرف عليه وتسميته. المغالطة شبه قياس منطقي يُستخدم لإبطال وضع صحيح. تشبه المغالطات القياس من حيث الشكل والمادة، وهذا التشابه هو سبب الخطأ في النتيجة.

المغالطات ضرورة معرفتها للمنطقي لكي يصمم النظام المنطقي أدوات لمنع أو مواجهة أنواع المغالطات المختلفة، وخاصة المعقدة منها.

تقسيم المغالطات إلى:

  • مغالطات ذاتية: تنشأ بسبب اللفظ أو المعنى، تشمل اشتراك الاسم (تعدد المعاني)، ممارات (تعدد الجوانب)، حذف أو زيادة القيد، فساد الشكل أو المادة.
  • مغالطات عرضية: لا تعود لخطأ في القياس نفسه، وإنما لظروف خارجية تؤثر على صحة الاستدلال، مثل التوسل بالقوة، التهديد، التشنيع، استدعاء المشاعر، إلخ.

المغالطات الذاتية تشمل:

  • اشتراك الاسم: لفظ يدل على معانٍ متعددة.
  • ممارات: تركيب الكلمات بطريقة تؤدي إلى تداخل معانٍ مختلفة.
  • حذف أو زيادة القيد: إما إغفال قيد ضروري أو إضافة قيد غير ضروري.
  • فساد المادة أو الشكل: خطأ في محتوى الاستدلال أو بنائه.

المغالطات العرضية تتضمن أساليب مثل:

  • التوسل بالقوة أو السلطة.
  • التشنيع والإهانة.
  • استغلال عواطف الجمهور بدلاً من تقديم دليل منطقي.
  • استخدام لغة معقدة أو غامضة لإيهام المتلقي بأن الرسالة منطقية أو علمية.

طرق شبه الاستدلال والدعاية والمغالطات

تشمل طرق شبه الاستدلال والدعاية والمغالطات مجموعة من الأساليب مثل: التهيئة الفضائية، الاستناد المجازي، إيهام الغموض، الإيحاء المزدوج، الاستناد المكرر، التسمية والوسم، خطوة أبعد من التزوير، التصديق على التناقض، إيحاء النتيجة، والدقة المزيفة.

في أسلوب التهيئة الفضائية، يتم تحويل قضية واضحة إلى حالة من الغموض، ومن ثم يتم تصوير إزالة هذا الغموض بطريقة مرغوبة في ذهن المتلقي من خلال تعديل المبادئ والفروع المرتبطة بها.

أما الاستناد المجازي، فهو الاعتماد على مصادر أو رسائل غير قابلة للتحقق أو البحث، كاقتباسات متعددة الوسائط، أو الاستناد إلى ملاحظات شخصية وأقوال غير موثوقة، أو الاعتماد على إحصاءات وأرقام مزيفة.

في إيهام الغموض، يتم طرح الموضوع بأسلوب غامض قليلًا وسري، مما يؤدي إلى صراع مع الادعاء وتلاشي الحقائق الخارجية.

أما الإيحاء المزدوج، فيرسم واقعين متقابلين بحيث يظهر الواقع المعاكس في موقع موافق للواقع الأصلي.

الاستناد المكرر يعني إسناد رسالة إلى مصادر متعددة رغم وجود مصدر واحد فقط، أو وجود شكوك في أصالة ومصداقية المصادر.

أسلوب “خطوة أبعد من التزوير” هو التلاعب بالنتائج والإنجازات المتعلقة بمشروع معين وإيهام المتلقي بأنها تخص مشروعًا مزورًا.

التصديق على التناقض يعني قبول ادعاء متناقض مع الواقع دون تمحيص.

إيحاء النتيجة ينطوي على استخدام عمليات نفسية لإقناع المجتمع بقبول رسالة معينة.

أما الدقة المزيفة فهي تقديم الانطباع بالحياد والدقة مع إيحاء رسالة غير واقعية.

من بين طرق الدعاية الأخرى: النفي والإثبات، الشرطية، المفاجأة، والاستدلال، حيث إن أول وآخر الطريقتين هما منهجيتان علميتان. في الطريقة الشرطية، يتم ربط الرسالة بعامل غير ذي صلة، ومن ثم يتم تنفيذها في المجتمع عبر هذا الشرط غير المرتبط.

أما مغالطة “ترهيب الشخصية” فهي أسلوب لتشويه وتقويض شخصية المتحدث، ويتم ذلك وفق صيغة محددة تتمثل في تزوير كل شيء ذهنيًا، رغم أن أيًا من الادعاءات لا يعكس الحقيقة كما يدعون.

تتم هذه العملية على عدة مراحل:

  1. تمهيد وإعداد نفسي واسع النطاق في المجتمع المستهدف لهدم تدريجي وغير مباشر لكل ما يعرف به الفرد في الرأي العام، ثم تقديم المتحدث كأحد أسباب الانحراف.
  2. زرع الشكوك والريبة في فرضيات الجمهور، وإثارة اضطرابات ذهنية تجاه المتحدث، وحتى التشكيك في صفاته الإيجابية.
  3. تحويله إلى عدو مفترض ليبرر أي إجراء ضده.
  4. خلق حالة تهديد ورعب من المتحدث تجاه أفراد المجتمع تشمل الجوانب الجسدية والمادية والعقائدية والشرفية والأمنية والسمعة.
  5. اتخاذ قرارات تخفف من هذا الخطر مستغلة حالة انعدام الأمن النفسية لدفع المجتمع لدعمه.
  6. تزييف هوية المتحدث وتحريف حقيقته عبر تصوير سلبي مخيف يجعله مكروهًا من المجتمع، بالإضافة إلى إخفاء حقائق حياته.
  7. تكرار اختلاق الأعذار وتسليط الضوء بشكل مبالغ على نقاط ضعف مزيفة، والتقليل من أهمية مزاياه.
  8. اتهامات متعددة ملصقة بوسوم كاذبة مثل: عميل أجنبي، خائن، مدع كاذب، محتال، فاسد أخلاقيًا وماليًا، مستخدمين أساليب تعميمية وتوليد انطباعات سلبية عبر الكلمات، مستغلين المعتقد الشعبي بأن “لا يدعو الناس لشيء إلا وله سبب”.
  9. هذه التقنية تُعرف بالاستفادة من العاطفة لدى الجمهور، وهي أقوى من غيرها من الأساليب، إذ يمكنها إقناع الناس بسرعة حتى بدون منطق.

المراحل النهائية تشمل: اعتقال المتهم، رفع دعاوى قضائية ضده، التشكيك في مصداقيته، تزوير الوثائق، خلق شكاوى خاصة، وشهادات زور ضده لإضفاء شرعية على الاتهامات والافتراءات.

أيضًا، هناك استغلال لتشابه وتطابقات مزيفة لتشويه الحقيقة، مما يولد انطباعات سلبية ذهنية تؤدي إلى التعميم بأن كل ما يشبه ذلك مرفوض.

تشويه السمعة يشمل النيل من الاسم، الإهانة، التجريح، والافتراء بطريقة تربط اسم الشخص بأشخاص شريرين، وكذلك إجباره على إنكار ماضيه أو اتخاذ إجراءات تعكس تغييرات هويته في الوعي العام.

الهدف من هذه الخطوات هو فقدان المصداقية والقوة والتأثير الاجتماعي، وإقصائه من المشهد العام، حتى يصبح منسيًا ومعزولًا، وإذا اقتضى الأمر، استهدافه بالاغتيال الجسدي لأن المجتمع لن يهتم بمصيره بعد ذلك.

هذا النوع من الدعاية السوداء يُمهد الطريق لأجندات لا أساس لها من الصحة، ويضع الضحية تحت ضغط هائل لا يمكنه معه الدفاع عن نفسه، خصوصًا في ظل غياب عدو واضح يمكن مواجهته بالحجة.

يعد “ترهيب الشخصية” أخطر أشكال المغالطات الاجتماعية.

من بين أساليب الحرب النفسية والتأثير غير المنطقي في عقول الجمهور، “عرض القوة” وليس “ممارسة القوة”، حيث إن عرض القوة يولد ردعًا نفسيًا أقوى ويشعر الطرف المقابل بعدم الأمان، ويدعم بناء قوة مقابلة خاصة من خلال المبالغة في العرض.

اليوم، يمكن استخدام العمليات النفسية والدعاية الذكية والموجهة عبر الإشاعات وغيرها من الوسائل للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات أفراد المجتمع باستخدام أدوات الحرب النفسية.

الدعاية، صناعة الإشاعات، نشر الأكاذيب، وإثارة الاضطراب في الرأي العام، واستهداف منظومات المعتقدات والأسس الفكرية والنفسية للشعب، هي أبرز أدوات الحرب النفسية التي تترك أثرًا مباشرًا على الأفراد ومستوى وعيهم.

إثارة الاضطراب والخراب الفكري، الدعاية، التحريض، زعزعة الاستقرار الاجتماعي، تهديد الأمن العام عبر بث الخوف والسيطرة على مراكز المعارضة، وخلق كراهية جماعية من خلال استقبال الرسائل الأولى وتأثيرها الفوري القائم على المشاعر، يؤدي إلى تجاهل الأساس المنطقي وتحليل العملية، والسقوط في فخ التهيئة والتضليل الذهني المزيف.

بعض المغالطات المذكورة تُستخدم لنقد وإبطال الحجج، لكنها تلجأ إلى طرق مغالطية بدل تقديم أدلة واضحة، مثل: مغالطة التشويش وعرقلة الاستنتاج، اعتبار الاستنتاج غامضًا أو كاذبًا أو بسيطًا جدًا أو مغلوطًا، مغالطة “بطل النسيج” التي تنقد ادعاءً ضعيفًا بدلاً من الادعاء الأساسي، أو الجدل في الأمثلة بدل نقد الادعاء.

يمكن تصنيف المغالطات تطبيقياً إلى:

  • مغالطات مرتبطة بالدوافع (مثل استدرار العطف)،
  • مغالطات استقرائية معيبة (كالاعتماد على الجهل، أو مرجع غير ذي صلة)،
  • مغالطات افتراضية (مثل سؤال مركب أو الاستدلال بالدوران)،
  • ومغالطات غموض (كالغموض في الكلمات أو البنية).
  • الفصل الثالث:
    كشف حقائق القرآن الكريم
  • المقدمة
  • لقد اختبرت الحب منذ طفولتي. كنت صغيرًا جدًا حين شعرت بحب القرآن الكريم في داخلي. أول كتاب كنت أنظر إليه وأحبّه وأرتبط به في فترة الطفولة هو القرآن الكريم.
    القرآن الكريم هو أول رفيق لي في الحياة الدنيا. كنت أكثر ارتباطًا بالقرآن الكريم من أي كتاب آخر في هذا العالم.
  • حين كنت طفلًا، لم أكن أعرف الكلمات والعبارات، لكنني كنت متقرّبًا من معاني وحقيقة القرآن الكريم وأدركت معانيه. ومنذ ذلك الحين فهمت أنه للاستفادة من القرآن الكريم يجب أن ترفق به وتتواصل معه.
    في طريقة التودد للقرآن الكريم يُنصح بأن تضع المصحف مغلقًا أمامك، وأن تجلس طاهرًا ومتوجهًا نحو القبلة، حتى يلهمك القرآن فهم آياته. إذا استطاع الإنسان أن يرفق بالقرآن الكريم، يجد نفسه في حضرة حقيقة هذا الكتاب السماوي وينال من علومه ومعارفه. حينها، يقرأ القرآن لنفسه مونسًا، لا أن يكون هو الذي يقرأه فقط.
  • طريق الوصول إلى معارف القرآن هو القرب منه. أضع القرآن الكريم على قلبي وأشعر بالراحة، كما تشعر الأم حين تحضن طفلها بحب وتضع قلبه على قلبها. كلما وضعت القرآن على قلبي، أشعر أن هذا الكتاب الإلهي يناديني ويقرأني. وعندما أتحدث، ينساب اللاوعي بمعارف القرآن على لساني، لأن علاقة التودد قد تبلورت.
    قبل أن أذهب إلى المدرسة وأتعلم، كنت أعرف حقيقة معاني آيات القرآن الكريم، حقيقة لا شكلها المكتوب. وعندما تعرّفت لاحقًا على الشكل المكتوب، كنت أضعه على قلبي وأستخرج المعاني منه. كان هذا في طفولتي.
  • كثيرًا ما كنت أضع القرآن مغلقًا وأنظر إليه طويلاً، كأنني أنظر إلى محبوب له جاذبية ومتعة. كنت أنظر طويلاً إلى عنوان «القرآن الكريم» على الغلاف. وعندما أضع القرآن على صدري، تزداد أنفاسي عمقًا وسرعة.
    منذ طفولتي وأنا عاشق للقرآن الكريم، وحين أرفعه عن صدري تعود أنفاسي لطبيعتها.
  • تعلمت منذ طفولتي طريقة التودد للقرآن الكريم لاستخراج معانيه وتفسيره، ولم يُعلمني أحد هذه الطريقة. طريقة تفسير القرآن بالتودد — التي بنيت عليها تفسير “هدى” — هي اكتشافي الخاص. ولو أردت الحديث عن القرآن سنوات طويلة، لن أنتهي من الكلام.
  • تفسيري هو نتاج القرب والتودد للقرآن الكريم، لا ناتج دراسة كتب أخرى. كلامي في التفسير خاص بي ولن تجد مثله في مكان آخر، وهو تجديد كامل. هذه الكلمات هي همسات ونغمات حب عشتها مع القرآن الكريم، ونتيجة حضور قلبي الدائم والعميق، وليست مجرد قراءة للقرآن.
  • طبعًا لا أقصر فهم القرآن على هذه الطريقة فقط، لكني أعتبرها الأسرع والأفضل في تحصيل معارف القرآن.
  • قضيت معظم وقتي في حضرة القرآن الكريم المقدسة. كلما أمسكت القرآن، أجد فيه تجديدًا، بل حتى عند النظر إلى طبعات مختلفة للقرآن أجد معانٍ مختلفة. ومن استخدامي لعدة مصاحف حتى وإن كانت تحمل نفس الطبعة، أشعر بإيحاءات جديدة بسبب التنوع.
  • في كل أبحاثي التي قمت بها، كان القرآن الكريم المصدر الأول لي. وحتى في المنبر، كنت أتكلم فقط عن آيات القرآن، فالكلام عن القرآن كثيرًا هو خير.
  • بين الكتب العديدة التي درستها في الأدب، الفقه، التصوف، الفلسفة، علم الاجتماع، الاقتصاد، علم النفس، وغيرها، لم يكن لأي كتاب جاذبية لي، إلا القرآن الكريم فقط كنت أجد فيه نشاطًا وحبًا.
    اعتبرت النبوة والوحى التابع لها من القرآن الكريم. والوحى — خاصة وحى الأنبياء لا التشريعي فقط — غير محدود، وهو صفة إنسانية تظهر مثل الشعر في أوقات مختلفة.
    الوحي يتجدد مع الزمن، كما أن علم الله لا ينتهي، وكلمات الله أبدية.
    الخاتمية موجودة فقط في الوحي التشريعي، وكل من يأتي بعد الشريعة يخضع لها، وكل كشف أو شهود هو تابع لمقام الخاتمية.
  • القرآن الكريم كتاب يجب أن يكون الإنسان فيه متعلمًا، ومن دون ولاية أمير المؤمنين لا ينجح المرء في الرفقة معه، ولا يمكن الاستفادة منه دون أهل البيت الطاهرين.
    أنا اخترت من الدنيا والآخرة شيئًا واحدًا فقط، وهو القرآن الكريم، وبفضله لا أحتاج إلى شيء آخر.
    القرآن كتاب بلا حدود أو قيود، فيه كل شيء، وهو “بطاقة تعريف لكل شيء” كما أسميه.
    القرآن حقيقة حية يمكن وضعها على القلب أو حملها في النفس. قال الله تعالى:
    ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].
  • أي كتاب آخر له إطار محدود وزمني، وليس معصومًا في عرضه للحقيقة، فيتلف مع الزمن، لكن القرآن كريم زماني دائم الفعالية والتجديد، وهو دائمًا يكتب نسخة لمن يرتبط به ويشفيه.
  • القرآن كنز لا يقدّر قدره رغم أن الله أظهره لعباده.
    في علم حماية المعلومات وعلم النفس يُقال: الأشياء الثمينة تُترك في مكان ظاهر حتى لا يراها اللصوص.
    القرآن كنز ظاهر، وظهوره سبب لغيابه وغفلته عند الناس.
  • طريق الكمال الذي جعله الله طريق القرب والسعادة والعبودية هو ولاية أمير المؤمنين.
    الإسلام على مدار 1400 سنة حين ابتعد عن طريق أمير المؤمنين وصل إلى طريق مسدود، وخمسون دولة إسلامية فشلت وتوقفت.
    كما أن الإسلام بلا أمير المؤمنين لا معنى له، كذلك طريق الكمال لا يتم بدون العلم الوحياني والقرآن العلمي الصحيح.
    كل العلوم في القرآن الكريم، ولا فائدة من أي علم لا يخضع للقرآن الكريم، فذلك طريق مسدود لا يجلب الطهارة أو السعادة.
  • يجب أن يكون القرآن دستور كل علم، وقد استخرجت كل العلوم التي بحثتها من القرآن الكريم.
  • دائمًا أبدأ دروسي بالقرآن الكريم. خلال خمسين عامًا، مرة واحدة فقط فكرت أن أبدأ درسًا بالحديث الشريف، لكن حدث طارئ منعني من الحضور.
    الله لم يسمح لي أن أبدأ يومًا بالدرس من غير القرآن. لذلك أعددت نفس الموضوع لليوم التالي من القرآن.
    أعتبر هذا دلالة على الهداية الإلهية:
    ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
  • هذه الهداية يجب طلبها دائمًا من الله. الابتعاد عن القرآن انحراف وضلال.
    طوال سنوات تدريس البحوث، لم أبدأ أي نقاش إلا من القرآن، ولم تكتمل مرة واحدة شهوة أن أبدأ من الحديث، ولله الحمد.
  • في كل بحث، أول سند لي هو القرآن الكريم، الثقل الأكبر. في تلك الليلة شعرت بحزن وألم وحرج من القرآن. حين أردت فتحه شعرت بالخجل.
    في الفقه، أبدأ دائمًا من آيات الأحكام ثم أراجع الحديث الشريف وكتب الفقهاء.
    منذ بدء التدريس، في كل مسألة فقهية أبدأ بآيات الأحكام ثم أتابع النقاشات الأخرى.
  • تفسير هدى
  • كتبت تفسير “هدى” بناء على الود والحب الذي عشته مع القرآن الكريم.
    تحدثت فيه عن المفهوم والمعنى والمصاديق والنور والحكم والعظمة وآثار الآيات.
    لكي تُبيّن عظمة كل آية من القرآن الكريم وتقدم تفسيرًا مناسبًا، يجب بناء مدينة كاملة للقرآن الكريم تُسكن فيها أبرز الباحثين والعلماء في كل المجالات، وتُوفر لهم الإمكانات وتُعرفهم على طريقة التودد بالقرآن لتُهيئ البحث العلمي لكل آياته، فيسطع نور عظمة هذا الكتاب السماوي في ظلام الغيبة.
  • نُشرت أربعة مجلدات من هذا التفسير، الأول فيه مباحث تمهيدية، والثاني تفسير آية البسملة وحدها، والمجلدان الآخران تفسير آيات سورة الحمد، كما أنني كتبت تفسير سورة البقرة كاملة.
  • مدخل القرآن الكريم هو التودد الصادق للباطن والحقيقة لهذا الكتاب الوحياني.
    هذه الطريقة لدي منذ الطفولة. في “تفسير هدى” قدمت فقط جزءًا بسيطًا مما وجدت وشروطه متاحة.
  • نقاط جديدة من القرآن الكريم ليست نتيجة جهد بشري، بل من العلوم الموهوبة والهبات القرآنية التي حظيت بها بلطف الله.
  • أنا أؤمن أن القرآن الكريم يحمل الحلول لكل مشاكل الإنسان الروحية والاقتصادية والدنيوية والأخروية، ويلبي حاجات كل العلوم، ولكن للوصول إلى هذه العلوم يجب الحرص على “الانس مع آيات القرآن” واتباع قواعد هذه العلوم ووضع القرآن إمامًا لهذا الطريق، دون تحميله مقدمات تناقضه.
  • تحصيل طريقة التودد للقرآن يحتاج إلى مداخل روحية كثيرة شرحتها في “تفسير هدى”.
  • البحث في «تفسير هدى» تناولنا فيه المسائل الأدبية والدلالية والعلمية للآيات، وكذلك مناقشة المسائل الربوبية والمعرفية في كل آية. بالطبع، قد كتبت «تفسير هدى» بناءً على أدب خاص للقرآن الكريم، وليس الأدب الشائع الذي أُلف بيدين خارجتين من أكمام أهل السنة، وهو أدب لا يتناغم إطلاقًا مع أدب القرآن الكريم، وإنما يغلب عليه السذاجة والتبسيط في المحادثات العامية، وهو أدب مهمل أو متعمّد ليبرّر الخلفاء الظالمين، علم سياسي وموظف، وليس علمًا دقيقًا مستندًا إلى أسس قوية ومتطابقًا مع الحقائق والوقائع.
  • لغة القرآن الكريم تحمل وجهين: «التفسير» و«التأويل». وقد ذكرت في كل موضع من تفسير هدى التفسير والتأويل. في هذا التفسير، أوضحت مبادئ منهجي التفسيري والتأويلي الخاص بي، والذي أسميته «منهج التفسير والتأويل بالانس بالقرآن الكريم» وبيّنت كيفية تطبيقه. يهدف هذا التفسير إلى بيان ماهية وكيفية هذا الأسلوب التفسيري والتأويلي لأول مرة استنادًا إلى آيات القرآن الكريم، وشرح بعض أهم مبادئه.
  • هذا الأسلوب التفسيري هو أقصر طريقة تفسيرية وتأويلية معتمدة في القرآن الكريم للوصول إلى مراده ومعارفه. لا يمكن التمسك بالقرآن الكريم إلا إذا انسجم روح وجوهر الفرد مع حقيقة القرآن الكريم بمحبة وصدق، وأصبح باطن ومعنى القرآن ممزوجًا بالروح والخصال الإنسانية، وكانت الأحوال النفسية والطبائع الإنسانية متوافقة مع معاني وحقائق القرآن المجيد. عندها يتمسك الإنسان بالقرآن الكريم ويتقن وجهي لغة القرآن الكريم، التفسير والتأويل، ليحصل على الطريق الصحيح لأي علم ويصير منيعًا أمام كل فساد وابتعاد وضلالة.
  • التفسير هو كشف الإجابة عن السؤال من نص آيات القرآن الكريم، والمفسر هو الذي يعرف الأسئلة ويجد إجاباتها استنادًا إلى التعلق بالآية نفسها والدقة في تحليلها حتى يصير المعنى من ضمن الآية ذاتها. من يتصل بالقرآن الكريم ويزور معناه الحقيقي، لا بد أن يكون قادرًا على الحب الخالص لهذا الكتاب السماوي وإهدائه قلبه، عندها ينال عناية خاصة من القرآن الكريم، ويهديه في حياته الفردية والاجتماعية. من يتصل بالقرآن الكريم يصل إلى مستوى يستمد منه إرشاده في أصغر مسائل حياته، ويجد القرآن كالصديق الأمين والحكيم في أدق التفاصيل.
  • في التفسير، يجب الوصول إلى فهم مراد القائل. وفهم المراد مختلف عن مجرد إيجاد المفهوم؛ فالعلم بالأدب لا يكفي، بل يتطلب صفاء القلب وطهارة النفس لفهم المراد المقدس. المراد هو الباطن، وفهم اللفظ والمفهوم هو مقدمة لدخول الباطن الأول للمعنى الظاهر، الذي يسمى «المراد». التفسير ليس علمًا بحتًا وإنما يتطلب صفات داخلية وملكة قدسية، كما هو الحال في الاجتهاد الفقهي. الفقيه بلا ملكة قدسية يضل، وكذلك المفسر بلا طهارة وقرب باطني لا يصل لفهم معاني آيات القرآن الكريم. امتلاك «الملكة القدسية» هو من أهم مفاتيح منهجنا التفسيري، والتي تحدثنا عنها أيضًا في الفقه. يجب أن يرسخ التفسير في القلب، ويجب أن يُعدّ القلب بسعة ورحمة ومحبة لاستقبال كتاب المحبة والرحمة. يعرف القرآن الكريم من يلجأ إليه ويتعامل معه وفقًا لباطنه، فمن كان قلبه ملوثًا وظالمًا فلا يجد إلا الخسارة، لأن القرآن هو شخصية محبة للحق تعالى، لا يظلم أحدًا، ويضع كل ذي حق في مكانه. لهذا، الظالمون عند الرجوع إلى القرآن أو أولياء الله الذين هم غارقون في محبة الحق، يخسرون فقط: ﴿وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.
  • من يتصل بصفاء باطني ورحمة شاملة لكل شيء، ينسجم مع معلم خبير بالقرآن الكريم، فيحصل على عناية كتاب المحبة، ويجد أن الآيات الإلهية تتجلى لقلبه، وقد تظهر له في يقظته أو منامه، ويقوم القرآن بتفسير ذاته ومعناها له. قد يسمع قراءة الآيات بصوت ملائكي أو حتى قراءة الأنبياء أو قراءة الله تعالى ذاته.
  • على كل حال، الطهارة الباطنية شرط أساسي لدخول القرآن الكريم: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.
  • تأسيس وإدارة مدينة القرآن الكريم
  • بفضل اتصال مستمر بآيات القرآن الكريم، درست حمل معاني الآيات في علوم مختلفة وخواصها، وكل ذلك مستمد من القرآن الكريم. في دروسي، ذكرت أحيانًا أنني لو توفرت لدي الإمكانيات، لأقمت مدينة قرآنية أوضح فيها الآيات بشكل مفصل. لهذه الفكرة جانب ثالث يتعلق بالمسائل النفسية والتغذية والصحة والطب والأمور الغريبة والطلاسم والاتصال بالجن والملائكة. أستطيع استخراج علم نفس أي شيء من آيات القرآن الكريم. أكثر ما عملته على القرآن الكريم هو استخراج النقاشات النفسية والاجتماعية منه. كتبي في هذا المجال التي أسميها «علم النفس المتسامح» لا مثيل لها في أوروبا أو الغرب، ولا تجد من يملك نفس النوع من علم النفس والاجتماع العلمي. علم النفس والاجتماع عندنا يشمل الروح البشرية أيضًا. دائمًا ما كنت أشرح علم نفس القرآن للناس.
  • أستطيع مزامنة عوالم فروع العلوم المختلفة مع العلوم الموهوبة التي أمتلكها ومع العلم الحديث. هذا يمكن أن يُعرض بشكل خاص في تصميم مستشفى متقدم، يجذب انتباه العالم إلى الطب المعقد والعلوم الطبية الشاملة الموجهة للباطن والنفس البشرية بعد قرون. قلت مستعد لأنجز هذا خلال عدة سنوات وأضع شرطًا أن يُحاسبوني إذا لم أنجح، بشرط أن تبقى حريتي محفوظة ولا أتعرض للتهديد أو اللوم.
  • الدخول إلى القرآن الكريم كأنه العمل في مختبر، يحتاج إلى أدوات ووسائل. كل كلمات القرآن لها رمز ورقم يمكن من خلاله استخراج علوم كثيرة.
  • لاستخدام القرآن في البحث العلمي والوصول إلى معانيه، يجب على الباحث أن يمتلك صفاء باطن ومعرفة وافرة في الفرضيات العلمية كي لا يضل الطريق، لذلك يجب أن تُسند آيات كل علم إلى متخصصين في ذلك العلم. البحث في آيات القرآن في الفيزياء والكيمياء وعلم الاجتماع وعلم النفس والصحة والرسم والخلق الإنساني والموسيقى وغيرها يجب أن يُعاد إلى الخبراء، حتى لو لم يكن المتخصص مسلمًا، لكنه يجب أن يؤمن بالقرآن ككتاب علمي ويتعلق به. هؤلاء العلماء يجب أن يتواصلوا مع الآية التي يحققون فيها ويعيشوا معها، حتى يشعروا بالباطن.
  • مثال: لدراسة الحيوانات أو النباتات يجب العودة إلى القرآن الكريم. من يرغب في علم النبات عليه أن يبدأ بدراسة النباتات التي ذكرها القرآن، لأن القرآن هو الكتاب الهادي ويُظهر الطريقة. كذلك يجب أن يُستمد علم الإنسان أولاً من القرآن لأنه يحتوي على كل شيء من التكاثر والزواج والتربية وغيرها. ومن يبحث عن الحق تعالى عليه أن يبدأ بالقرآن.
  • إذا أُجريت أبحاث موجهة من علماء الله الحقيقيين على القرآن، سيحدث جهاد علمي عظيم يجذب العلماء في كل المجالات ليعلموا أن بإمكانهم أخذ إجاباتهم من القرآن، مما يحقق قفزة علمية في كل العلوم. سيتبين أن هذا الكتاب هو بوابة الدخول إلى الكون وفهم الوجود وكل ظواهره، وشهادة جميع الظواهر موجودة في القرآن، وهو كتاب فوق الزمان وأوثق مصدر للعلم والبحث العلمي في كل المجالات وكل العصور، لا حدود له ولا أسرار محجوبة، ويمكن الحصول على جواب أي سؤال منه.
  • هكذا نعلم أن القرآن كتاب الوحي الإلهي وعلوم الحياة. هذا الكتاب حي، له باطن، حكيم وعالم بكل شيء، وكتبه ليست مجرد إشارات أو علامات بل هي حقيقة خارجية لها وجود مادي.
  • ما هو الوحي والنبوة؟
  • القرآن كتاب الحقائق. إضافة إلى ظاهره الذي هو الألفاظ والعبارات في مئة وأربعة عشر سورة وفي ثلاثين جزءًا، وراء هذا القناع ظاهري هناك وجه حقيقي وباطن، هو أصل القرآن، وهذا الظاهر يدل عليه ويدله ويهدي إليه. هذه الحقيقة الحية في العالم الخارجي لها وجود عينّي وشهود، وهي عقل مدرك ومشرف على الوجود كله، في متناول أولياء الله المخلصين. إن جمع كل حقائق العالم بإحكام يعطي كتاب القرآن، الذي يجمع هذه الحقائق.
  • لذا، «الوحي» في القرآن هو كلام حقاني من جنس الحقائق نزل من الله عز وجل بواسطة ملك الوحي على شكل ألفاظ محددة وضعها الملك لنقلها إلى قلب النبي بحفظ إلهي، لا عن طريق عقل أو ذهن أو نفس النبي، وهكذا يصل إلى مستوى الإنسان ويصبح في متناول البشر.
  • الوحي الكامل والختمي هو أمر فوق زماني، زيادة علم في نفس الإنسان، وليس له علاقة بوحي نازل على نبي أو إنسان محدد. هو جانب إلهي وأزلي مستمر في الوجود، يعطي كل الأحياء (كل روح وكل نفس وكل شيء حي) قدرة استيعابية للإدراك والاتصال بالله. بدون الوحي لا يكون للإدراك الإلهي وجود. ولا وجود للنبوة التي هي نتائج الوحي، فتصبح منازل القرب من الله.
  • هذا هو «الوحي» الحق، وهذه هي النبوة الحقيقية، علم معرفة الأمور الموصولة بالحقيقة الإلهية، ومنها الروح الإنسانية. كل إنسان في درجات مختلفة يعيش الوحي حسب استعداده ودرجة طهارته وبقائه على صلة بالله. ذلك هو النبوة الحقيقية المستمرة، وتاريخ النبوة الظاهرية هو جزء صغير جدًا من كامل تجليات الوحي والنبوة.
  • علم التفأل بالقرآن الكريم
  • من العلوم المستفادة من نص القرآن الكريم علم التفأل، وهو العلم الذي يعنى بالتنبؤ بالأحداث المتعلقة بالفرد أو المجتمع وغيرها من الظواهر، من خلال تحليل الأسباب والدوافع والنتائج. فالقرآن الكريم هو بطاقة هوية الوجود وظواهره، ويمكن لكل شخص أن يستخرج قصته الشخصية بواسطة علم «التفأل» من القرآن، فيرى ماضيه ويقرأ مستقبله، أو يتنبأ بمستقبل سياسي لدولته. بهذا العلم القرآني يمكن معرفة كثير من أحداث المستقبل والأمور الخفية.
  • يجدر التنويه إلى أن التفأل يختلف عن علم الغيب الذي أخبر عنه القرآن الكريم بصراحة.
  • علم الاستخارة بالقرآن الكريم
  • من العلوم الإنشائية المرتبطة بألفاظ القرآن الكريم، وهو نعمة باطنية وعلم وهبي وأحد أسرار الولاية، يمنحه القرآن الكريم لبعض أوليائه، وهو «علم الاستخارة بالقرآن الكريم». هذا العلم من الأمور العطائية والظاهرة، وليس العقلية أو المكتسبة، فتتم عملية الاستخارة بعناية الله تعالى لا بفطنة العقل أو ذاكرة الإنسان. ومع ذلك، يدرك العقل بحكمته حجية وصحة هذا العلم. وهو مثل علم تفسير الرؤى وعلم أسماء الله الحسنى، من العلوم الوهمية المرتبطة بغيب العالم، والإيمان به إيمان بالغيب والباطن، ومعناه الإيمان بعناية الله تعالى وتوجيهه. وهذه العلوم موهوبة بفضل ملكة مقدسة داخلية، تمنح الفرد قدرة على استنباط المعاني والمضامين الضرورية. لذا فإن أدق الاستخارات تكون لمن يكون كتاب قلبه أكثر اتساعًا وتفصيلاً ودقة، فيستطيع استثمار الإلهامات عبره.
  • الاستخارة بالقرآن الكريم، إذا ما أخذها أهلها، تكون في الأمور الكبرى التي يظهر فيها إعجازها، لا في الأمور الجزئية التافهة.
  • العلاج بالقرآن وتفسير الآيات العلاجية
  • جميع آيات القرآن الكريم لها فوائد خاصة وقدرات تأثيرية، مثل القوة، والاتصال بعالم الغيب، والوعي بالأمور الخفية، أو علاج بعض الأمراض. فكيف يعقل أن يرى المجنون الغيب ويخبر به، والدواء الذي بُحثت صيغته لعقود ينقذ من الموت، والقرآن الكريم كتاب الحقائق والمعقول، لا يمتلك مثل هذه القدرة؟ لكل آية أثر، ولكن طريق الوصول إلى هذا الأثر وسبل تحققه تحتاج إلى اكتشاف وبحث من قبل الباحثين المختصين، بحيث يتم اختبار كل آية على الأفراد وفق خصوصياتهم، ليُكشف عن خواصها بشكل تجريبي، فيُهيأ الطريق لأولياء الله لكشف الأسرار المخفية.
  • علم إزالة الشوائب بمعيار القرآن الكريم
  • منذ سنوات وأنا أؤمن بضرورة تأسيس فرع علمي باسم «إزالة الشوائب» يهدف إلى تنقية كافة المجالات، سواء ثقافية أو اجتماعية أو دينية، من الإضافات الزائدة والخرافات والأباطيل، بحيث يتم تحليل الموروثات وتنقيتها من شوائبها. يجب توثيق التصورات الدينية وفق معيار القرآن الكريم، وعدم قبول ما لا سند له في النص القرآني، مع التمييز بين ما له سند في القرآن وبين ما هو مشهور لكنه بدون أصل، لتقوية صلابة الدين وإحياءه.
  • القرآن الكريم، كتاب الرحمة والحب
  • في المجلد الثاني من تفسير «هدى»، تناولت تفسير وتأويل البسملة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) باعتبارها وجه الحب، حيث شرحتها في ثمانية فصول تبيّن الأبعاد المختلفة للحب الإلهي، من العطاء والسمو إلى الرحمة والجمال والكمال. وأوضحت أن الرحمة الإلهية لا حد لها، وأنها جوهر الإسلام، وأن خشونة بعض المسلمين لا تعود إلى جوهر الدين بل إلى البنية النفسية والثقافية.
  • ثقافة القرآن الكريم هي ثقافة المحبة والرحمة، فالقرآن لغة الحب، وبه يُساق كل شيء نحو كماله بحب. الرب هو المدرب والموجه الدائم، وهو الذي يحمل عباده في قلبه ويرعاهم برحمته وعنايته.
  • النصُّ الذي قدمته يتناولُ مفاهيمَ روحيةً وأخلاقيةً واجتماعيةً ودينيةً تتعلقُ بفهمِ «القلب» و«المحبة» و«الصدق» و«الرحمة» في القرآنِ وثقافةِ أهلِ البيت عليهم السلام، مع نقدٍ للعنفِ والغلوِّ في المجتمعِ الإسلاميِّ. وفيما يلي ترجمةٌ أكاديميةٌ فصيحةٌ للنصِّ:
  • إنَّ الَّمرءَ هو الكيانُ الذي يمتلكُ شخصيةً وذاتًا، ولذلك فإنَّ كلمة «الْمَرْء» تشملُ كلَّ كائنٍ أو موجودٍ، وحرفا «ال» في بدايةِ الكلمةِ للدلالةِ على الشمولِ والكمال. يُحِيطُ اللهُ بين كلِّ شخصٍ وقلبه حجابًا، فكلُّ الموجوداتِ حتى الجماداتِ كالأحجارِ لها قلوبٌ ترتبطُ باللهِ عزَّ وجلّ، وقلبُ كلِّ موجودٍ هو، بتعبيرٍ صوفيّ، مخدعُ اللهِ وغرفته الخاصة. فاللهُ سبحانه وتعالى ربُّ كلِّ مخلوقٍ في جميعِ العوالمِ اللامتناهيةِ، وهو الذي وضعَهم في قلبِه، سواءً في الدنيا أو الآخرة، في الدين أو العقل، في النفوس أو عالمِ الذرِّ أو عالمِ الجبروت، وفي العوالمِ التي لم يُسمع بها أحدٌ، فاللهُ الخالقُ يسكُنُ في قلوبِ جميعِ مخلوقاته، وهو ملاذُهم الأبدي.
  • إنَّ العنفَ والقسوةَ يتعارضانِ مع الفكرِ المعتدلِ المستقيمِ المستندِ إلى رحمةِ القرآنِ الكريم، ولا يمكنُ لمجتمعٍ قاسٍ ومسلمٍ مؤذي أن يكونَ تجسيدًا للتربيةِ القرآنيةِ أو تعاليمِ الأئمةِ الأطهارِ عليهم السلام. ما يطرحهُ أصحابُ الفكرِ العنيفِ ليس من الإسلامِ ولا من ثقافةِ أهلِ البيتِ التي جعلتْ زهراءَ عليها السلامَ شرفَ الحقِّ، وجعلت بدايةَ الخلقِ مع أميرِ المؤمنينَ عليه السلام، الذي هو نقطةُ تحتَ حرفِ الباءِ في «بسم الله»، وكما قالَ الشاعرُ: «قلنا يا عليّ فبدأَ الحبّ».
  • اللهُ الذي هو الحسينُ عليه السلامُ، رسولُ محبتهِ، وعاشوراءُ أجملُ تجلٍّ للحبِّ في الكونِ كلِّه، وهو الذي له الإمامُ السجادُ عليه السلام، كاتبُ صحيفَةِ الحبِّ «الصحيفةِ السجادية». ومع ذلك، فإن مصيرَ الأمةِ الإسلاميةِ كان دائمًا بأيدي اليهودِ السياسيينَ ذوي السلطةِ والقدراتِ، الذين جعلوا المدينةَ عاصمةَ مؤامراتهم السياسية، كما أنَّ الصناعةَ والتقنيةَ اليومَ في قبضتهم، ويسعونَ للسيطرةِ على جميعِ النشاطاتِ الدينيةِ والسياسيةِ، وقد كانوا خلفاءَ جورٍ داخلَ الأمةِ الإسلامية، وأساءوا تفسيرَ القرآنِ وتعاليمِ أهلِ البيتِ، حتى أصبحَ الشياطينُ هم المفسرونَ.
  • في هذا السياق، تراجعتْ الثقافةُ الرحيمةُ المحبةُ للقرآنِ، وفقدتْ فرصَ ظهورها، وانتشرتْ مظاهرُ الانحرافِ، حتى أصبحت ثقافةُ أهلِ البيتِ في الغربةِ والاختفاءِ، ولا تزالُ كذلك إلى اليوم، ويمنعُ أصحابُ المصالحِ والشهرةِ ظهورها، عبرَ المالِ والطائفيةِ والتحزباتِ.
  • حقيقةُ العالمِ والإنسانِ هي القلبُ، والقلبُ لا يعرفُ سوى المحبةِ والألفةِ الكاملةِ. يجبُ أن نتحدثَ عن اللهِ الذي يخلقُ بالحبِّ، فالخلقُ محضُ محبةٍ وصفاءٍ، ولا مكانَ فيه للعنفِ والقسوةِ كما يدّعي العنيفون. المجتمعُ الرحومُ الطيبُ هو الذي تسودُ فيه علاقاتُ المحبةِ والتراحمِ والأخوّةِ، ويعتبرُ الجميعُ أفرادَه إخوةً وأصدقاءَ، متنازلينَ من حقوقِهم لصالحِ الآخرين، وساعينَ في تحسينِ بعضهم البعض.
  • إذا لم يكن المجتمعُ رحيمًا، تظهرُ فيه الفوضى والفسادُ والكذبُ والنفاقُ، رغمَ رفعِ أذانِ الصلاةِ من المآذن. يجبُ على المؤسساتِ العلميةِ دراسةُ أسبابِ العنفِ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ، والعملُ على إيجادِ حلولٍ لتحقيقِ السلامةِ النفسيةِ للفردِ والمجتمع.
  • القرآنُ الكريمُ رحيمٌ، وشريعتهُ قائمةٌ على الرحمةِ والمحبةِ. الإسلامُ دينُ المحبةِ والرحمةِ والعشقِ، وهذا يثبتُ من خلالِ تحليلِ كلماتِ القرآنِ الكريم. قال الله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)، أي إن الله غنيٌّ قادرٌ على منحِ الرحمةِ والعطاءِ، ولا يمكن للفردِ الضعيفِ أن يكونَ رحيمًا بحقّ.
  • الرحمةُ واللطفُ والمودةُ هي التي تزيلُ العنفَ من النفوسِ، ويجبُ التعاملُ مع العنيفِ بلطفٍ ومثابرةٍ، كما يفعلُ الماءُ الذي يخترقُ الصخورَ القاسيةَ بلطفٍ حتى تتهشمَ. لا يمكن للمسلمِ أن يكونَ لينًا مع الآخرينِ إلا إذا تخلصَ من الفقرِ والضعفِ.
  • أيضًا، جوهرُ العشقِ هو الصدقُ، وهو أن يكونَ الإنسانُ على طبيعتهِ، صادقًا مع نفسهِ، لا يلعبُ أدوارًا، ولا يخفي حقيقتهُ. فالحبُّ الحقيقيُّ يكونُ حينما يكونُ الإنسانُ نفسهُ دون تزويرٍ أو نفاقٍ. المجتمعُ الصادقُ هو الذي يمنحُ الجميعَ الحريةَ ليكونوا أنفسَهم دون اعتداءٍ على الآخرين.
  • الطبيعةُ الفطريةُ للبشرِ تحتوي على الغضبِ والشهوةِ والحيلةِ، لكنَّ الإنسانَ يمتلكُ قدرةً على تجاوزِ هذه الغرائزِ عبرَ العقلِ والمعرفةِ، فلا يمكنُ للإنسانِ أن يعيشَ عمرًا كاملًا في اتِّباعِ الغرائزِ فقط، بل هو مهيأٌ لخلافةِ اللهِ وعملِ الخيرِ والمعرفةِ.
  • الصدقُ يقومُ على ركيزتين: وعي الفكرِ، وإنصافُ العملِ، وهو جوهرُ الحبِّ. ومن أهمِّ معوقاتِ الصدقِ هي التقاليدُ، والسلطةُ، والدينُ إذا كانت تفسيراتُهُ غير عقلانيةٍ. لذا فإنَّ محاربةَ هذه العوائقِ تمهّدُ الطريقَ لظهورِ الصدقِ والحبِّ الحقيقي.
  • المجتمعُ الصادقُ هو الذي يحترمُ فيه المسلمُ القوانينَ الدينيةَ، وغيرُ المسلمِ حقوقَ المواطنةِ، ويكونُ الجميعُ صادقينَ مع أنفسهم. هناك نوعانِ من الصدقِ: صدقُ الواقعِ والإنصافِ، وصدقُ الإيمانِ والحبِّ، وهذا الأخيرُ هو أساسُ المجتمعِ الولائي.
  • في المجتمع الولائي، القلوبُ هي الأصلُ والإنسانُ هو المركزُ، والقلبُ يربطُ الناسَ بوحدتِهم، حولَ وليٍّ واحدٍ هو وليُّ اللهِ، ويكونُ هذا النظامُ وحدويًا وشخصيًا.
  • أما المجتمع المدنيُّ فهو يعتمدُ على العدلِ والإنصافِ فقط، ولا يضمنُ السعادةَ الأبديةَ، ويؤدي إلى الفتورِ والانفصالِ عن المعرفةِ الحقيقيةِ.
  • للوصولِ إلى الصدقِ والحبِّ الحقيقيِّ، يجبُ على كلِّ فردٍ أن يعرفَ ربه الخاصَّ ويعبدهُ بصدقٍ، فطرقُ اللهِ واحدةٌ، لكنها تختلفُ باختلافِ الربِّ الخاصِّ بكلِّ شخصٍ.
  • يجبُ على الإنسانِ أن يكتشفَ صفاتِ ذاتهِ الحقيقيةِ في بيئةٍ حرةٍ بعيدًا عن القيودِ الاجتماعيةِ والدينيةِ، ليعرفَ إن كان كريمًا أو بخيلًا، شجاعًا أو جبانًا.
  • كما أن الماءَ يغيّرُ صلابةَ الطينِ في الكوز، فتزدادُ قوتهُ، فالإنسانُ الذي لديه انفعالٌ وصدقٌ في نفسهِ يكونُ أصعبَ في الكسرِ من الذي يفتقرُ إلى ذلك.
  • إلى هذه اللحظة، قلنا إن الوصول إلى الصدق يتطلب أولاً معرفة الخصائص النفسية الذاتية مثل القابلية للالتحام، العنف، الانفعال، الامساك، البخل، سوء الخلق أو حسن الخلق. في المرحلة التالية، يجب مطابقة هذه الصفات والحقائق مع أسماء الله الحسنى، ليقترب الإنسان من الاسم الذي يتناسب مع خلقه وخصائصه، ويحدد في أي اسم من الأسماء تتجلى صفاته. هل هو متوافق مع «الباسط» أم «الجبار»؟ هل يتناغم مع «اللطيف» أم «القاطع»؟ بعد ذلك، يجب الانتباه إلى ما إذا كانت هذه الصفات النفسية أموراً كلية أم جزئية. على سبيل المثال، إذا كان اسم «الباسط» مطابقًا له، فهل هو باسط عام في إطار الرحمان، أم باسط في رزاق، أو إذا كان متناسقًا مع «القاطع»، فهل هو في إطار «الجبار» أم «القامع»؟ أي هل بسطه ضئيل، متوسط أم عالٍ.
  • ينبغي معرفة الكيفية التي يكون بها الإنسان، بغض النظر عما إذا كان جماليًا أم جلاليًا، أو سواء كان سعيدًا أم لا، وبغض النظر عن كون صفاته جيدة أم لا.
  • الشخص الذي يعرف صفاته النفسية والذاتية، يجب أن يخطط لمسار حياته ويعمل وفقًا لذلك. فلا يمكن إعداد برنامج تربوي وتعليمي لشخص ما ما لم يعرف اسم (ربه).
  • من الأفضل أن نُلقي نظرة على النظام الطبيعي للصدق والحب الإلهي. التربية الإلهية حقٌ منظّم ومنهجي. في بعض المناطق الباردة، يُرى أن الماء يتجمد تلقائيًا دون وجود وعاء اصطناعي. الظواهر الوجودية تشبه هذا، حيث تنشأ تلقائيًا دون حاجة إلى وعاء أو إلى شيء آخر، ولها طاقتها الذاتية وشحنها الذاتي، سواء في العوالم الماورائية أو في عالم الناسوت. العالم المادي واضح في هذا المجال، وكذلك العوالم الأخرى. القرآن الكريم يصف هذا المسير الطبيعي بقوله: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). لكل ظاهرة مدار طبيعي تُنظّم سيرها وحركتها.
  • هذا المدار ليس خاصًا بالأجرام السماوية فقط، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه الظاهرة وسيرها. الكون كله في حركة مستمرة ودائمة لا تتوقف، ولا يوجد كمال غُفل عنه من قبل الله.
  • التسمية في الإسلام لها أهمية كبيرة، لأن الوالدين بذلك يعرفون الصفات النفسية للولد ويُربونه بناءً على اسمه، ولا يحيدون به عن المسار الطبيعي الكامن في جبلته، ولا يفرضون عليه شيئًا بالقوة أو الجبر. إذا أصبحت تسمية الأولاد علمية ويتم تنفيذها بواسطة أولياء الحق، فإن مسار الفرد يتحدد بسماعه لاسمه، ويضع الوالدان والمعلمون خطط التربية والتعليم وفقًا لذلك. لذلك قيل: «الأسماء تنزل من السماء». كما أن تكوين الإنسان ونشأته نزول سماوي، كذلك الأسماء، ويجب اكتشاف الاسم السماوي لكل إنسان، وعلى أساسه تُعرف الأمور المناسبة له ومساره الطبيعي وميوله ومصلحته.
  • من يعرف اسم (ربه) يصل إلى معرفتين: الأولى، الأمور اللازمة والضرورية التي يجب عليه القيام بها، والثانية، الأمور التي يجب عليه تركها والابتعاد عنها بشدة، وإلا فإن الاقتراب منها يكون مؤذيًا وخطيرًا. هذا الابتعاد يسبب له حساسية أو تحسسًا. مثلاً، قد يناسب لباس أبيض نفسًا ويمنحها نشاطًا، لكنه يسبب الملل والضجر لنفس أخرى. أو من يعاني من الإمساك النفسي، يكون الاقتراب من الأمور المالية مضراً له، ويجب أن يسند إدارة أمواله لغيره، وإلا صار من المصاديق في الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
  • بعض الناس إذا سمعوا المعارف والحقائق الإلهية، يصابون بمشكلات ويجب عليهم الابتعاد عن هذا المجال. كما يجب على البعض أن يقتصر في العلم على المعارف، فهؤلاء لا يرون خيراً في الدنيا ولا تطيب لهم حياتهم الدنيوية.
  • من لا يعرف معرفته بنفسه ولا يعرف اسم (ربه)، يخطو في طرق تؤدي به إلى اليأس والاحباط، فلا يرضى أو يفرح بما يملك، لأنه حصل على شيء لا يتناسب مع طبيعته، ولم يحصل على ما هو محبوب له، فتصيبه خيبة أمل وحزن.
  • الشخص الذي يسير وفقًا لاسم (ربه) يستمتع بعمله ولا يريد التخلي عنه حتى ولو كان دخله غير كافٍ، ويثابر فيه لأنه يجد فيه التوافق والملاءمة.
  • قد لا يحب المرء بعض العلوم رغم جمالها وطيبها بسبب صلته بباطنه وخصائصه النفسية، فلا ينبغي إجباره على الدراسة. يجب دائمًا تمييز المناسب وغير المناسب لرؤية مسار النمو وأضراره.
  • من يعرف اسم (ربه) لا يسير في طريق يجعل أحداً مديناً له، أو يؤدي به إلى الفشل أو وقوع البلاء، ككسر قدمه واضطراره للدعاء والشفاء وتحمل الألم والتكاليف.
  • إذا عرف الإنسان اسم (رب) كل منطقة، يعلم هل هي زلزالية أم لا، وهل هي مناسبة للسكن أو للزراعة أو للصناعة أو التعليم. من يعرف اسم (ربه) يعيش طبيعيًا، وتأتيه الكوارث الطبيعية لا غير الطبيعية. الكوارث غير الطبيعية سببها الجهل، ولا علاقة لها بالإسلام أو الكفر.
  • معرفة اسم (رب) كل ظاهرة مهمة جداً لمن يملكون السلطة، لكي لا يُنفقوا أموال الدولة في أمور لا تتناسب مع ظروف المجتمع، أو تسبب مشاكل حادة لملايين الناس، مما يؤدي إلى هدر قدرات المجتمع لعقود، ويوقف نموه.
  • ينبغي أن يُدرك أن نمو المجتمع ليس فقط في تعبيد الطرق، بل هو أمر شامل يشمل كل جوانب الحياة. إذا استطاع الإنسان التناغم مع اسم (ربه)، فإنه لا يضل الطريق، ويتآلف مع (ربه)، وبعد ذلك يقترب منه، ويتحدث معه، ويصير الرب والمربوب، العاشق والمعشوق.
  • الأكاديميات العلمية يجب أن تعتمد على معايير تسمح لهم بمعرفة اسم (رب) المتقدمين، وميولهم وحبهم ومواهبهم، وإلا فإنهم قد يوجهونهم لمسار لا يتوافق مع اسم (ربهم) فيخرجونهم في النهاية منهكين وفاشلين.
  • يجب أن يعرف كل شخص أصل وسبب قربه من أي اسم، ويُدرك أنه تجلٍ لأي من أسماء الله الحسنى.
  • كل ظاهرة تسلك طريقها الطبيعي وفق فطرتها المتجذرة وتنمو ضمن حدودها. الإنسان وحده يجب أن يعرف مساره الطبيعي والفطري والمتناسب مع اسم (ربه) ويسير فيه بوعي، وهو مسار غير محدود وبلا نهاية. اختيار طريق غير واعٍ أو ضعيف علميًا وعمليًا يؤدي إلى تشتت ويفقده القدرة على الإنجاز والابتعاد والسرعة.
  • الطمع، حب الدنيا، مراعاة المنفعة، السعي وراء الربح، طلب العافية، الخوف، الرهبة، الجبن، المحافظة، التعلقات الدنيوية، الاعتبارات الاجتماعية، الرياء، الأنانية، وكذلك العبادة بدافع الطمع في الجنة أو خوفًا من النار، مع أن الأخيرين مستحسانين، كلها أوكار الشرك. لا يبلغ لقاء الله إلا من طهر نفسه من الشرك بجميع فروعه وجذوره.
  • أسباب الشرك هي الضعف كخوف الفقر والجهل. الشرك ميدان جميع النواقص والضعف، ومن وقع فيه فهو ضعيف. من يخاف الفقر يكون مشركًا، ومن يحترم مظهره ويراعي اعتبار الناس حتى يفرط في حقه من أجله يكون مشركًا. الذي لا يشرك يمتلك قلبًا مملوءًا لا فراغ فيه لدخول الخوف والضعف. لهذا، المؤمن الذي أرسى الإيمان في أعماقه لا يفقد توازنه في أي حادثة.
  • الشرك أكثر ظهورًا في البيئات الاستبدادية والاستكبارية. المجتمع الإسلامي يجب ألا يقيد الحريات الطبيعية للناس بحيث يدفعهم نحو الشرك. في الاستكبار الحالي، يقبل الإنسان الحق الأعلى ويخشاه لأنه يرى نفسه ضعيفًا أمامه، لكنه لا يتواضع أمام عباد الله ويرى نفسه سلطانًا عليهم. هذا الشخص قاسٍ على الضعفاء ويحتقر عباد الله. الاستكبار أسوأ من الشرك وصفة للضعفاء.
  • إذا أراد أحد أن يعرف ما إذا كان عبداً حقًا أم لا، فلينظر كيف يتعامل مع الضعفاء؛ هل ينعم عليهم أم لا؟ عدم التوافق مع خلق الله وجه من وجوه الاستكبار، والوجه الآخر هو الضغائن والاختلالات النفسية التي تظهر على شكل بعض الضعف. الاستكبار هو أصل الحروب والنزاعات والضلالات التي تجر الإنسان إلى القتال مع نفسه ومع الآخرين.
  • على أي حال، العبادة في ذاتها ليست محمودًة، بل لا قيمة لها إلا مع الإخلاص بمعنى القرب من الله. وكذلك الإيمان، فإذا كان حقيقيًا فهو محمود ومستحسن، وإلا فإيمانا شكليًا ومظاهرًا مزيفة يفضي إلى السفه أو الاستكبار. الإيمان الحقيقي هو تركيبة من التصديق القلبي بالحق الأعلى والعمل الصالح، ولا يقبل التمييز. يجب الإيمان بالله وبكل ما أمر به. الكفر بحكم إلهي واحد مساوي للكفر بكل أحكامه، والإيمان لا يقبل التجزئة.
  • حتى من لم يلتزم عمليًا بمعتقداته، إيمانه مشكوك فيه، فعدم العمل دليل على عدم الإيمان. الإيمان الظاهري قد لا يدركه صاحبه نفسه، وقد يرافق ولي الحق دون صدق ويتظاهر بالصحبة ولكن دون حقيقة، كما في قوله تعالى:
    (فَرِيقٌ هَدَى وَفَرِيقٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ).
  • أولئك لا يسمعون، وثقتهم بأنهم على هدى عجيبة:
    (وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ …).
  • أعمالهم مزينة لهم وهم مغرمون بها، مأسورون لأنفسهم المزينة، يرون في أعمالهم عظمة لا حقيقة وراءها، ما يجعلهم تائهين حتى تناديهم صيحة العذاب:
    (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ …).
  • هم الخاسرون الأشد في الإيمان:
    (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا …).
  • الإيمان يحتاج إلى غرس عميق في القلب، كما قطرات الماء التي إذا تساقطت طويلًا على الحجر تخترقه، يجب أن يروى القلب بالإيمان باستمرار، كما وصى إبراهيم عليه السلام:
    (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ …).
  • الإيمان أهم سبب لدفع الخوف، لأنه ارتباط بقوة فوقية تحمي من كل أذى. الإيمان يقي من الكثير من القلق والاضطراب، ولهذا الله يفضل عبده المؤمن:
    (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا …).
  • القوة التي تعمل بحب لا تترك مريدها وحيدًا، وكلما نقصت قوة الإيمان زاد الخوف، فـ”الخوف” و”الأمان” كالـ”كفر” و”إيمان” صفتان وجوديتان وليستا عدمًا.
  • نظام صدق وإيمان مشاعٌ لله، فلا يصل المرء إلى صدق وإيمان حقيقيين إلا بالاستعانة والدعاء والتوسل والشفاعة. العبد هو ظهور حق الله، والحق هو الفاعل الحقيقي، فلا انفصال بينهما، والعلاقة بين فعل الحق والعبد ليست علاقة حاكم ومحكوم أو عرض وذات، بل وحدة لا انفصال فيها.
  • فعل العبد فعل الحق، وكل الأفعال مظاهر لعلم وقدرة الله التي تشمل إرادة العبد. لا فصل بينهما في التكليف والثواب والعقاب، فالعبد مجرد أداة في نظام الإحسان الإلهي، مع وجود عوامل مادية وروحية كثيرة تسبق الفعل.
  • الاستعانة بالحق وحده ذات معنى، حيث تتداخل أرادة الحق وخلق الله، فالحق يدور حول خلقه بحب.
  • الهدى الحقيقي هو أن يجد كل إنسان مساره الطبيعي ويسير عليه، كما في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). الله يوجه كل الموجودات مباشرة ولا يفوض هدايته لأحد.
  • لا أحد يستطيع هداية الآخر إلا بإرادة الله، فكل حركة وكل فعل حسابها على الله وحده.
  • كل ذرّة في الكون تتلقى توجيهًا إلهيًا مباشرًا حتى تبلغ كمالها، وهذا هو الهدى الإيصالي الإلهي.
  • من يعي هذه الحقيقة لا يهاب شيئًا ولا يخاف أحدًا إلا الغفلة والجهل. لا يمكن تصور وجود الإنسان بعيدًا عن الله، فالعبد مع الله يتنفس بحضور حقه.
  • الوجود
  • العبد الذي يعرف مساره الطبيعي لا يَحْتارُ ولا يَتَلَخْصَ، ويجد طريقه الثابتة ولا يَضِلُّ، ولا يَضيع عمره وطاقته، ولا يُنفق وقته وماله في أمور لا تعنيه، بل يسير فقط في مساره الطبيعي الخاص به الذي يُسمى «الحكم».
    ومع ذلك، في العالم الدنيوي (الناسوت)، يمكن تغيير المسارات وتحويلها، وحتى الإنسان يستطيع، ما دام في الناسوت، أن يصل إلى الأفضل.
    ويبدأ تغيير المسار في الناسوت من التغيير الجيني للإنسان، إذ يمكن التدخل في الجينات النطفية قبل الإخصاب، وإعداد أفضل المواهب لبلوغ المقامات الروحية والارتفاع إلى العوالم الربوبية. ومن خلال التلاعب بالتركيب الجيني للبشر، يمكن إزالة المشاكل النطفية والتكوينية عنهم.
    وسيمتلك العلم في المستقبل القريب القدرة على محاكاة البشر بقدرات مختلفة، من الجنة إلى الجحيم، ومن العباقرة إلى العاديين، وكذلك حسب البيئات المختلفة من الصحارى والبحار والجبال وحتى الفضاء فوق الغلاف الجوي.
    بالطبع، ليست كل التحولات صحيحة، والمهم أن يتم التحويل بشكل صحيح، وهذا التحويل الصحيح لا يتم إلا في صراط المعرفة المستقيم؛ تحويل يحمل نظامًا طبيعيًا وثابتًا، لا مكان فيه للخطأ أو الانحراف، ولا يقبل شيء بدون أصل وسبب.
    وهذا مستمد من الآيات الكريمة:
    (لا تبديل لكلمات الله) [سورة الفرقان: 30]،
    (لا تبديل لخلق الله) [سورة الرعد: 30]،
    (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) [سورة الرحمن: 2]،
    فهي تحكم أن لكل ظاهرة سيرًا طبيعيًا لا يتغير ولا يختل، ولا يتوقف.
    هذا السير الطبيعي للظواهر خاص، ويتصف بالمعرفة والقدرة على التحويل.
    التحول بقدرة لا نهائية يمنع الوصول إلى طريق مسدود، فلا يكون له نهاية، لأن طريقًا يمتلك خاصية التحول بقوة كلمات الله لا يمكن أن ينتهي، بل هو طريق لا متناهٍ.
  • المسار الطبيعي هو (صراط الذين أنعمت عليهم)، هذا التعبير فريد ومتميز في القرآن الكريم، لا نظير له.
    في مقابل هذا التعبير، توجد (المغضوب عليهم)، وهي كذلك جاءت مرة واحدة فقط في القرآن.
    المغضوب عليهم هم الذين يعارضون النعم الإلهية، وهم من أتباع الكفر والشرك والنفاق والاستكبار.
  • معرفة المنعم عليهم والمغضوب عليهم أمر في غاية الأهمية، لأن الإنسان قد يكون من أحدهما في مراحل حياته، وغياب البصيرة في تمييزهم قد يبعده عن المحبوبين ويقربه من المغضوب عليهم، فيُصاب بالحرمان العظيم ويفقد السلامة الدنيوية والسعادة الأخروية.
  • المنعم عليهم هم الذين منحهم الله نعمه بلا كسب أو طلب، والتعبير (أنعمت عليهم) يدل على ذلك، وهم الذين يسير عليهم الباحثون عن الهداية.
    أما الضالون فهم (الضالين)، وأهل الهداية يبدأ ذكرهم في القرآن بالآية الكريمة (اهدنا الصراط)، وهذه الطلبة تشير إلى كسبهم وسعيهم وجهدهم، وهم تابعون للمنعم عليهم، ومشروطون بطاعتهم: (ومن يطع الله والرسول) [سورة النساء: 59].
    وهم يحصلون على زادهم بناء على سعيهم المطاع: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [سورة النجم: 39].
    في مؤلفاتنا، نعبر عن «المنعم عليهم» بـ«المحبوبين»، وعن «أهل الهداية» بـ«المحبين».
  • بمعرفة مجموعات العباد، يمكن للإنسان أن يعرف نفسه، هل هو من المنعم عليهم والمحبوبين، أم من المغضوب عليهم وأعداء أمير المؤمنين عليه السلام، وهل هو من أهل الهداية السبلية أم الصراطية وأصدقاء المولى أمير المؤمنين عليه السلام.
    وبسبب خاصية التحول اللانهائي لكل طريق، الطريق مفتوح أمام الهداية والضلال، وأي تهاون أو غفلة قد تطيح بصاحبها إلى الفريق الآخر سقوطًا لا رجعة فيه، بحيث لا يستطيع أحد أن ينقذه.
  • (صراط المنعم عليهم) هو أبلغ عنوان يدل على الولاية العامة والتامة لأولياء المعصومين عليهم السلام، الذين لهم مرتبتا الخمسة الطيبة والتسعة الثانية، الخمسة الطيبة هم أصحاب الكساء، والتسعة الثانية من الإمام السجاد عليه السلام إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).
    والأنبياء جميعًا تحت هذه الولاية ويُعتصَم بهم إيمانًا وتنزيلاً، وهي ولاية عامة وتامة خاصة بالأربعة عشر معصومًا عليهم السلام، بينما ولاية باقي أولياء الله تعالى وجه تنزيلي ومقيد.
  • الصدق والمنهج والقدرات الحياتية
  • في الحياة الدنيوية، من المهم جدًا أن يجد كل شخص منهجه الخاص وطريقته في اكتشاف قدراته المحبوبة أو العادية بدقة.
    والدين سُمّي كذلك لأنه يُعلم منهج الحياة.
    تصنيف الصفات المحبوبة من المحبيّّة يصبح أكثر صعوبة حين يُعلم أن في كل إنسان، سواء كان محبيًّا أو عاديًا، هناك توجه محبوب.
    وهذا هو سبب عدم وجود تفاوت في خلق الرحمن: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).
    في كل بئر من مياه القذارة يجب أن يكون هناك شذى من الذهب، ولكن اكتشافه صعب.
    لذلك، الله عادل في خلقه: (وأن الله ليس بظلام للعبيد).
    في كل ظاهرة توجد شذرات محبوبة، كما في المحبوبين توجد شذرات محبيّة.
    لا يوجد محبيّ أو عاديّ إلا وفيه صفة محبوبة، لكن قد تطغى عليه صفات المحبيّة أو العادية.
    كل ظاهرة لها طبقات لا نهائية، ظاهرة وباطنة.
    مثلاً، إبراهيم عليه السلام نبي محبيّ توحيده محبوب، وعيسى عليه السلام محبوب لكنه محبيّ لأنه بلا أب، وهذا ينقصه.
    آدم عليه السلام من المحبوبين وصفته المحبيّة أنه بلا أب وأم، لذا هو بسيط وسريع التصديق، وأبليس أخذه بسهولة إلى الهبوط.
    لا يمكن الحكم على الناس بسهولة، بل يجب الانتباه إلى طبقاتهم الباطنية.
    مثلاً، لا يجوز الحكم على القبيحين بسرعة بالمقارنة بالجميلين، لأن القبيح قد يكون له عيار عالي في باطنه.
  • في حياة الناسوت، من الضروري أن يكتشف كل إنسان منهجه وطريقته الخاصة، ويقدّر قدراته المحبوبة أو العادية بشكل صحيح ودقيق.
    وقد أطلق على الدين هذا الاسم لأنه يُعلّم منهج الحياة.
    ويصبح التمييز بين صفات المحبيّة والمحبوبيّة أكثر تعقيدًا حين ندرك أن في كل إنسان، سواء كان يحمل صفة المحبيّة أو العادية، هناك توجه محبوب مزروع فيه.
    وهذا ما يجعل الله تعالى في خلقه عادلاً لا فرق فيه: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) [سورة الرحمن: 2].
    ففي كل بئر من مياه الصرف الصحي، لا بد أن يكون هناك رقة من الذهب، إلا أن اكتشافها صعب.
    ولذلك فإن الله تعالى عادل في خلقه: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [سورة فصلت: 46].
    في كل ظاهرة يوجد رقة من المحبوبيّة، كما أن في المحبوبين توجد رقة من المحبيّة.
    ولا يوجد محبيّ أو عاديّ إلا وفيه صفة محبوبيّة، ولكن قد تطغى عليه صفات المحبيّة أو العادية.
    كل ظاهرة ذات طبقات لا متناهية، ظاهر وباطن، يظهر ويختفي.
    مثلاً، نبي الله إبراهيم عليه السلام هو محبيّ في توحيده، ومحبوبيّ، أما عيسى عليه السلام فهو محبوبيّ، لكنه يحمل صفة المحبيّة لكونه بلا أب، وهذا ينقصه في بعض النواحي.
    وكذلك، آدم عليه السلام من المحبوبين، وصفته المحبيّة أنه بلا أب ولا أم، لذا فهو بسيط وسريع التصديق، واستطاع إبليس بخدعة بسيطة أن يوقعه في الهبوط.
    لا يجوز الحكم على البشر بسهولة، بل يجب النظر إلى الطبقات الباطنية لهم.
    على سبيل المثال، لا يجوز أن نحكم على القبيحين بسرعة بالمقارنة مع الجميلين، فقد يكون للفرد القبيح في باطنه قيم عالية جدًا.
  • البعض قد يظنُّ أنّ من كان محبوبًا في أمرٍ فهو محبوب في كلّ شيء، أو أنّ من كان محبًّا أو عاديًّا لا يحمل في صفاته بنية المحبوبة، وهذا ظنّ خاطئ. حتى الأشخاص المكروهون كشمّر وحرملة لهم في ذاتهم وصفة محبوبية. يمكن أن يكون شخص قاتلًا لكن جماله موهبة محبوبة لا وراثية أو مكتسبة، ويمكن أن يكون لشخص ما علمٌ ممنوح لكنه لا يمتلك جسمًا مناسبًا ومتناغمًا.
  • من معايير التمييز بين الصفات المحببة والمحبوبة الانتباه إلى الجهد والتعب المبذول في نشوئها. فالصفات المحببة تُكتسب بالعمل والجد، والصفات المحبوبة هي عطية وهبة. من لم يدرس يمتلك علمًا محبوبًا، ومن تحمل عناء التعليم والحفظ والممارسة يمتلك صفة علم محبب. لا يرتبط كون الصفة محببة أو محبوبة بالإيمان أو الكفر، فقد يُمنح الزنديق علمًا محبوبًا. هذه الصفات تظهر في الوجه، والموقف، والنظرات، والشكل، والإيقاع، واللون.
  • الصفات المحبوبة تحتاج إلى صدمات قوية لتظهر.
  • الله سبحانه وتعالى حمل جميع الموجودات، سواء المحببة أو المحبوبة، هذه الأثقال، وأعطى لكلّ شخص خيرًا، وخلط بينهما ليظهر التنوع الظاهر بعدالة. صحيح أنّ المحبوبات ليست ثقلًا على العامل والنتاج ليس من جهد وكدّ، لكنها بلا شك أعباء، أما المحبون فهم يحملون أعباء ولكنها ليست أعباء ثقيلة. لو وُزّع البلاء الذي يصيب الروح والنفس في محبوب على المحبين لانهاروا وتفتّتوا مرات ومرات. الله منح أوليائه الثبات والصبر وقوة الطاعة ليواجهوا سيوف البلاء ورقصاتها الدموية تحت النصل. لو أُظهر الله تلك السيوف للمحبين لتراجعوا عن الدين والولاية، ولطف الله بهم بأن جعلهم محبين وحماهم من تلك البلايا، أما المحبوبون فهم يرقصون تحت سيوف الحق. اللطف الإلهي موجود في مجهود المحبين وفي ابتلاءات المحبوبين، وكذلك في ظهور وبواطن الصفات، حيث يُظهر في شخص واحد صفة محبة وفي آخر صفة محبوبة، ويعطي كلّاً ما يستحق.
  • يجب أن ندرك أنّ العالم المادي (الناسوت) يقتضي الاختلاف، والتغيير، والإصلاح، والتحول، وأنّ مبدأ التغير والنقَل هو قاعدة عامة نسبيّة تسود الناسوت.
  • أيضًا، قد تظهر جذور المحبوبية في صاحبها بعد سنوات في ذريته، فقد يكون شخص عادي لا يحمل في ذاته صفة محبة أو محبوبية، لكنه يحمل في داخله رقة محبوبية تظهر في ولده.
  • من المهم جدًا أن يعرف كلّ شخص نوع الصفة التي يحملها في ذاته، ويسير في المسار الطبيعي أو الخاص الذي وهب له. اختبار تمييز المحبة والمحبوبية مثل اختبار المواهب أمر بالغ الأهمية، ويجب إجراؤه منذ الطفولة ليُربى الطفل على الطريق المناسب ولا يهدر عمره وقدراته وطاقاته. من لا يسير على مساره الطبيعي يعيش حياة غير راضية وكئيبة. كذلك يجب تمييز المحبوبين ومساعدتهم وتوجيههم ليستفيد الجميع من خيراتهم، وإلا فإنّهم يسببون تحديات في نطاق حركتهم.
  • معرفة المسار الطبيعي وفهم ذاتك هو منصة انطلاق ضرورية للحياة المتقلبة والصاخبة، ولا ينبغي أن يُهدر الإنسان سنوات في التيه، بل عليه خلال سنوات قليلة أن يجد طريقه، ويعيش عمره وفق معرفة اكتسبها لتكون دافعه، شغفه، صفاؤه، حبه، حماسه، ابتلاؤه، حرارته، وطاقته للعمل المناسب.
  • لا بدّ أن يتكون في المجتمع ثقافة تعرف الأوصاف والمواهب لدى الأفراد من قبل أهل المعرفة والأساتذة الأكفاء، لتوجيه كلّ فرد إلى مساره الخاص والطبيعي، حتى لا تصيب الناس الكسل، أو فقدان الرغبة، أو الركود، وليجد كلّ شخص موهبته وذوقه واهتمامه، ولا يضلّ. المجتمع الديني يكون حقًا دينيًا وإسلاميًا إذا أتاح مثل هذا المجال لكل أفراده وأعطاهم الحريات اللازمة لتنفيذ ظهور مواهبهم، ليكون كلّ شخص صادقًا مع نفسه ويصل إلى ذاته الحقيقية، فلا يُجبر أحد على السير في طريق غريب عن طبيعته نتيجة تأثير البيئة أو الحركة الجماعية الجاهلة أو ظروف طارئة أو عنوةً.
  • ما قدمته حتى الآن هو من أهم مناقشاتي التفسيرية التي بيّنت تفاصيلها وحججها في «تفسير الهدى» وغيره من مؤلفاتي القرآنية.
  • الفصل الرابع: فلسفة الوجود والظهور
  • مقدمة
  • الفلسفة نوع من الإدراك العقلي والوسط بين الكمالات، تهدف إلى توجيه النفس نحو كمال أعلى. يلجأ إليها من تتوافق نفسه مع جذب شوق لهذا الطريق المتوسط للكمال.
  • الفلسفة من أقدم العلوم، وهي ميراث الحكمة العقلانية للحكماء الفرس واليونان، والفلاسفة مثل ابن سينا، شيخ الأشراق، وملا صدرا في العالم الإسلامي. لا يمكن دراسة الفلسفة دون الاهتمام بآراء هؤلاء العظماء وسجل تاريخ جهودهم العقلية.
  • الفلسفة محاولة عقلانية مستقلة، وذكر آراء هؤلاء الكبار هو تحليل استدلالاتهم في فهم الوجود وأحكامه كموضوع فلسفي، وليست مجرد نقلاً للروايات. لقد قمت في نظامي الفلسفي المستقل بتحليل ونقد آراء هؤلاء لتعزيز وضوح أبعاد منظومتي عبر المقارنة والتطابق.
  • ابن سينا، بنبوغه وإصراره على الدليل، رفع الفلسفة المشائية إلى ذروتها وسيطر على الفكر الأرسطي على حساب الأفلاطوني، لكنه لم يجد معلمًا ماهرًا في الفلسفة، مما أدى إلى شوائب في قواعده العقلية الأساسية.
  • من الفلاسفة العباقرة الآخرين شيخ الأشراق (السهروردي) الذي بعقله وموهبته أحيا الفلسفة الأفلاطونية والفكر القديم الفارسي والزوستري، ووجه نقدًا جوهريًا للمشائية. لكن عدم حرية التفكير وقتله المبكر حالا دون بلوغ تجربته الفلسفية الكاملة، مما تسبب في عيوب أساسية في فلسفته. لغته الفلسفية متقاربة جدًا مع الأوستا والفلسفة الإيرانية.
  • أما ملا صدرا فهو فيلسوف ذكي، تحت إشراف حكيم جامع مثل مير داماد، مستلهمًا من مدارس الكلام والفلسفة والتصوف، تمكن من صياغة فلسفة متعالية، وشرحها جيدًا. جمعه لآراء متعددة أدخل بعض النقاشات غير الفلسفية وأضعف بعض مبادئه. تأسست فلسفة صدرا في زمن لم يكن فيه حرية التعبير متاحة، وقد اشتكى من استبداد زمانه في كتابه «كسر أصنام الجاهلية».
  • الفلسفة في المقام الأول تحتاج إلى عقل متفكر ومحتوى وحي ومستلهم، وأفضل العقول هم العباقرة، وأفضل المحتويات لدى الأولياء المحبين والذواتية. الفلسفة هي التفكير العقلي لفهم الوجود والمعرفة والإنسان والحياة وإدارة الفرد والمجتمع للوصول إلى الكمال، والانحراف فيها يلحق أضرارًا بالغة بالمجتمع، وينزع عنه السلامة والسعادة.
  • سبق وذكرت أسلوبي التفسيري القائم على الارتباط بآيات القرآن الكريم. ونظامي الفلسفي هو تعبير آخر عن نفس الوجودية القرآنية وبنفس طريقة التفسير أي الارتباط بالوجود. لغتي الفلسفية ترجمة صادقة للغة الوحي القرآني حول الوجود وظواهره، لأن لدي منهجًا علميًا في التفسير والفلسفة وهو الارتباط والصداقة. العقل المتصل بالقلب الذي يفهم تفسير القرآن يجد الفلسفة متماشية معه. في مناقشاتي الفلسفية خاصة في الإنسان استخدمت آيات كثيرة من القرآن الكريم، لكني عرضتها كدعم وليس كدليل، مع تحليل عقلاني أترجمها إلى لغة فلسفية وأثبت صحتها، لأن القرآن كتاب فلسفي أيضًا بطريقة عقلية.
  • وحدة الوجود لا تحتاج إلى برهان، بل المطالِب بتعدد الوجود هو الذي يجب أن يُقدّم دليلاً على ذلك. ولهذا، لا مجال للشك في الوجود، ولا توجد درجات في الوجود. ما هو متعدد هو الظهور، والمراتب تنشأ عن صفات الظهور دون وجود شكّ في الظهور. شدة الوصف الكيفي، وزيادة الوصف الكمي، والشك في الوصف الوجودي هو ليس شكًّا كمّيًا أو كيفيًّا. الشدة والزيادة في كل شيء من حيث الكم والكيف تتبع نظام الجوهر. نحن نعتبر نظام الوجود والظهور قائمًا على الوحدة والتشخص والترافق بين الظواهر، ولا يحكم عليها تركيب أو اتصال أو انفصال، بحيث لا يبقى مجال لكون شيء متصلًا أو منفصلًا. وفي هذا النظام الفلسفي، تنهار المقولات كليةً، ويجب للمعرفة الظواهرية أن تُلجأ إلى العلوم التجريبية. وبالطبع، تتطلب العلوم التجريبية طريقًا انسانيًّا وعشقًا حتى يمكنها أن تدخل إلى جوهر الظواهر.
  • لتحقيق الشك، لا بد من وجود الوحدة الحقيقية للوجود، وتعدد الذات الوجودية، وكون التعدد تحت الوحدة، وكذلك شمول الوحدة للتعدد. وإذا قيدنا مصطلح الشك لدرجات الظهور فقط، فإن المراتب والتعيينات تحمل كثرة وظهورًا شكّيًّا. الظهور في وجود له صفات وحدة، لكن وحدة الصفات لا تعني وحدة الهويّة. الظهور أيضًا له وحدة كما الوجود، والوحدة كالتشخص تحيط بكامل الظهور؛ بمعنى أنه ليس الظهور شيئًا والتشخص والوحدة أو العلم أو القدرة وغيرها من صفات الكمال في الظهور شيئًا آخر، بل الظهور مع كل صفاته الكمالية يتحدد بوزن واحد، وتكتمل الوحدة في الظهور بكل صفاته.
  • موضوع الفلسفة هو الوجود وتشخصاته، التي لا تدخل في جوهر المفهوم أو ماهيته. الوجود له ذات، والظهور مرتبة، والفرق بين الوجود والظهور هو نفس الفرق بين الذات والمرتبة.
  • ونظرًا لأن وحدة الوجود حقيقية وليست عددية ولا حدية، فإن شؤون وتعيينات الظهور لا نهائية ولا متناهية. لقد عرضنا تعقيدات بحث وحدة الوجود في الفلسفة، وفتح هذا البحث الصعب هو من خصوصيات فلسفتنا. ومرة أخرى نؤكد أن الوجود لا يمتلك تعيينًا، والتعيين هو للظهور؛ والظهور ليس وهمًا أو عدمًا، وليس ضد الوجود، بل هو لازم لا ينفصل عن الوجود؛ الظهور ليس مستقلًا، ولا فقيرًا، وليس له ماهية خاصة به، ولا هو الوجود ذاته. الظهور ليس في عرض الوجود ليخلق تشابهًا له، ولا هو غريب عنه؛ لأنه في طول الوجود، ويحمل كل صفات الوجود بشكل ظهوري دون أن يحصل على استقلالية. لذلك، لا تتوحد مصاديق الظهور مع مصاديق الوجود. ومع ذلك، فإن التعيين قد يكون إلهيًا (أحديًا ووحديًا) أو مخلوقًا. الظهور الإلهي والأسمائي له حقيقة ذاتية، أما الظهور المخلوق فلا يمتلك حقيقة، بل الذات ترافقه معه، وليست ذاتية. وكذلك، الظهور لا يفنى ولا يصبح عدمًا. الوجود هو مصدر كل كمال، والحياة والحركة والحرارة والسير للوجود. لذلك، بمعرفة “الوجود” والاتصال به يمكن الوصول إلى كل كمال.
  • البساطة
  • بناءً على الأصل القائل بأن الوجود مساوق للوحدة، وأن الوجود مساوق للفعالية، والفعالية هي كل شيء في صورة وهويته الحقيقية التي لا تقبل التركيب، فالوجود بسيط وليس مركبًا. وهكذا، فإن وحدة وجود شخصي واحدة، تجمع بين الوجود والوحدة والصورة والفعالية في حقيقة خالصة وبسيطة، دون وجود أي تعدد في الوجود. لذا، لا مكان لنظرية صدراء “وحدة الوجود في تعدد الموجودات”. كما أن التعدد هو في طول الوحدة ومتأخر عنها، وليس في عرضها، ولا يمكن أن يكون له وجود مادي معها.
  • المساوقة لا تعني التساوي. فالمساوقة مثل العلاقة بين “الإنسان” و”البشر”، حيث يتفقان في المفهوم، لكنهما يختلفان في التساوي، كما بين الإنسان وضاحك أو متعجب. ولأن المساوقة تتطلب تكرارًا في المعنى، ونحن نرفض التكرار الدلالي، فلا يمكن أن يكون هناك مساوقة ووحدة بين مفهومين. لذلك، يجب القول إن الوحدة والفعالية والصورة الحقيقية للوجود هي اتحاد مصداقي، وليس اتحادًا مفهوميًا أو مساوقة. واستعيرنا تعبير المساوقة من نقاشات صدراء لنوضح طريق بساطة الوجود بناءً على وجهة نظرنا.
  • الماهية
  • الوجود لا يمتلك ماهية، حدًا، أو تعريفًا، ولا يقبل التقسيم أو الأنواع. لا أوافق على نظرية “أصالة الوجود وفرعية الماهية”. الماهية ليست شيئًا قائمًا بذاته لتكون أصيلة، بل هي مفهوم ذهني وأمر لفظي. الوجود ليس أصيلًا لدرجة يجعل الماهية فرعًا له، بل أنا أؤمن بحقيقة الوجود. الوجود لا يمتلك ماهية، والماهية مفهوم ذهني يظهر كعنوان لتعيين ما، وهو عنوان بلا أثر خارجي. التعيينات الوجودية تُحمّل كعكس الحمل على الوجود.
  • الظهور أيضًا لا يمتلك ماهية ولا يقبل تقسيمًا.
  • وبما أن الماهية مجرد مفهوم ذهني، فإن مناقشات الوجوب والامتناع والإمكان، وخلق الماهية أو إضافتها للوجود، وكذلك الأسباب والعلل والجوهر والعرض والمقولات، وخبر العلم، تخرج عن نطاق الفلسفة وتصبح مفاهيم ذهنية وتحليلات عقلية لا وجود لها في الخارج، رغم أن كل إنسان يمكن أن يتصورها. الجوهر والعرض في الفلسفة هي مفاهيم وصفية تعبر عن خصائص وجودية بطريقة علمية لا تعبر عن الخارج نفسه. هذه الأوصاف مفاهيم وصفية وتعيينية علمية. نعتبر إطلاق المفهوم عليها نوعًا من المسامحة، ويجب أن نعتبرها تعبيرًا دقيقًا عن التعيين العلمي، أي مرتبة من الظهور التي ليست موجودة خارجيًا، ولا تعبر عن الخارج، رغم ارتباطها به، وهذا سيُفسر في مناقشة المعرفة والظهور العلمي. استخدام المفاهيم هو فقط لأغراض التعليم، والفيلسوف يجب أن يصل إلى معاني وحقائق هذه المفاهيم بشكل مباشر، لا يكتفي بالتقارير والمعلومات المفهومية.
  • وبما أن الوجود شخصي ولا يتعدد، فإن كثيرًا من القضايا المنطقية تحتاج إلى إعادة نظر، مثل النقيض والضد والتباين التي تُلغى كليةً؛ مع أن هناك تعارضات بين الظواهر ومراتبها تحت وحدة التشخص والظهور، إلا أن غاية التناقض غير موجودة بسبب لامحدودية الظهور. الوجود كشخص ووحدة لا يمكن أن يكون له ماهية أو حد، ولا يكون الوجود ولا الظهور كليةً، والظهور هو أيضًا جزئي وشخصي. صفات الوجود لها شخصية وحقيقة خارجية، والمفاهيم العامة لا يمكن أن تعبر عن حقائق هذه الأمور الجزئية، والمفاهيم تستخدم فقط للمبتدئين، وتأثيرها محدود ومناسب لمراحل مؤقتة يجب تجاوزها. المفاهيم في نظام التعليم تقدم فقط، لا تصل بالضرورة إلى الوجود أو الظهور، والذي يُدرك بالألم والحزن والبعد والبلاء والحب.
  • بحذف الماهية من الفلسفة، تصبح قضايا “الخمسة الكليات” مفاهيم ذهنية بحتة، أي تتحول إلى مفاهيم خمس تستخدم في نقاش التعريف. ومع ذلك، قلنا في موضع آخر من هذا الكتاب إن التعريف لا يقتصر على المفاهيم الخمسة فقط، بل يشمل التعريف بالمصداق (الوجود أو الظهور)، ولدينا تعريف وجودي أو ظاهري للوصول إلى الحقائق إلى جانب التعريف المفهومي التعليمي.
  • هذه المناقشات، مثل مفاهيم الشريك والعدم والامتناع، عناوين ذهنية مجردة، وحمل مفهوم على مفهوم لا مجال له خارج الذهن والنفس، ولا يُستخدم إلا في التعليم. موضوع الحمل هو الذهن، ولكن إذا اعتبرنا الحمل على أساس الدلالة، فالحمل الأولي اتحاد موضوع ومحمول مفهومي، واتحاد المفاهيم مختلف عن وجودها، لأنها ليست متطابقة مع الواقع؛ خلافًا للحمل الشائع الذي هو وجودي وظهوري والاتحاد فيه هو الوجود والظهور. مع ذلك، تعبير “اتجاه الوحدة في الحمل” فيه مسامحة، لأن الظواهر منفصلة لكنها متجاورة ومتراكمة، ويجلس أحدها على الآخر، وهذه المجاورة تخلق اتصالًا لا اتحادًا، والأدق ألا نستخدم تعبيرات الانفصال والاتصال في ذلك. الحمل يحتاج إلى اتجاه اتصال واتجاه تغاير. مفهوم الموضوع والمحمول هو للتفريق، ومعناهما هو للاتصال في القضية. بناءً عليه، مجرد التصديق على الحكم بالمفهوم غير كافٍ لأنه مجرد تصور، بل يجب أن يكون الحكم على المعنى، وهذا الحكم المعنوي هو ما يجلب التصديق. لذا، لا يجب اعتبار القضايا المفهومية قضايًا، بل هي عبارات منطقية وعلمية تعطي معنى. دلالة اللفظ على مجرد مفهوم هي ضمن التصورات وخالية من المعنى والحكم والتصديق. الحكم والتصديق من صفات النفس، وهذا يعني أنها من جنس المعنى، والمفهوم وحده لا يصنعها. اتجاه الوحدة (الاتصال) في الحمل هو المعنى. المفاهيم كالكلمات كثيرة، وكثرتها ترتيبية، أي أن المحمول يُلقى على الموضوع. التعدد والترتيب للكلمة والمفهوم، واتحاد القضية هو في جانب المعنى فقط، والقضية المفهومية الخالية من المعنى هي مجرد تصور.
  • الوجود على متضادات نفسه، أي الظهور، له أولوية ذاتية. الظهور متأخر عن الوجود لأنه فاقد للذات. لا دليل على التقدم الدهري أو الماهوي، أو التقدم الحقيقي الذي أشار إليه صدراء. الوجود له ذات وليس فعلًا، أي لا فاعل له، والظهور هو فعل الوجود ولا ذات له.
  • الصنع
  • الظهور ليس له ماهية، ولا حادث، ولا ممكن، ولهذا لا يتصف بالصنع. الظهور ليس خلقًا ولا صدورًا، ولا خلقًا من عدم، بل هو لازم لا ينفصل، حتمي ودائم وضروري للوجود.
  • تجرد الوجود ونفي الهيولى
  • الوجود هو تجرد محض ووحيد، لا نهاية له ولا اتجاه، وليس كما في الهيولى الأولى التي اعتبرها صدراء أضعف وجود، وهو وجود ضمن طبقة النعال، لأن الوجود لا صفات للنعال، والهيولى كتعريف للجسم المركب من الصورة والمادة مردود. المادة يجب اكتشافها بالعلوم التجريبية والطبيعية وبالانسجام مع الطبيعة والظواهر، أما الأمور المجردة والعامة فهي محدودة جدًا وتُدرس بالعقلانية. الظهور لا يملك هيولى أو مقام قابل لاحتواء شيء، بل كل شيء ينبثق ويتفتح من داخله. الظهور ليس في عرض الوجود ولا في طوله أو عمقه، فالوجود بلا سو، والظهور فوق الوجود. الوجود لا شك فيه. الوجود في حركة سير لا حصر لها، وليس من طريق واحد أو عدة طرق، ولا أفقية أو عمودية أو دائرية. سير الوجود بلا اتجاه، وهو حر بلا نهاية. الظهور أيضًا لا نهائي، حر، ومنفتح، ويتحول ويتجلى حسب الاهتمامات والتجاذب الداخلي، وهذا التجاذب هو مرتبة من الظهور نفسه، وليس انفعالًا أو قبولًا. عمومًا، خاصية كل ظهور هي امتلاكه قوة جذب. الظهور يتوسع باستمرار. بقاء الظهور في هذا التوسع الذي لا ينتهي، والذي يولد الفعالية تلو الأخرى. ولهذا، التسلسل كدورة حيث يتعاون شيئان للبقاء ويجذبان بعضهما البعض، ليس مستحيلاً. قوة الظهور في انفتاحه الحر؛ وهو انفتاح ليس انعزاليًا أو انضماميًا، بل انفتاح جذبي قادر على احتواء أدنى الظواهر ومساعدتها على النمو والحركة. الانجذاب يكون طبيعيًا ويتبع سير الهبوط الظاهري أو قهريًا مع عائق يحرف المسار الطبيعي، قد يكون جهلًا وشرًا، مما يجعل الطريق أبعد وأضل. في الانجذاب الطبيعي، الطبيعة والنفس والعقل والقلب يعملون ويكونون أصحاء، ويصل الإنسان إلى مستوى يتلقى فيه القوة والعلم (الإلهام) والقدرة من ربوبية العالم.
  • الوجود وتقسيمات الظهور
  • لا نعترف بأي تقسيم للوجود. ما طرحه الفلاسفة كتقسيمات للوجود قد أحصيناه، وناقشناها نقطة بنقطة وأعدنا النظر فيها. من هذه الفروقات بين الظهور الحرفي (الرابط) والظهور الرابط بأسماء مختلفة: عرضي، إضافي، ناعتي، وصفي، محمولي، وغيره.
  • الظهور الرابطي والظهور المحمول
  • الظهور المحمول والظهور الرابطي: الظهور المحمول هو ظهور عرضي يحمل معنى يمكن أن يكون موضوعًا للظهور، مثل اللون الأبيض الذي يُعتبر ظهورًا. أما الظهور الرابطي فهو ذو معنى نفسي واستقلالي، لكنه يظهر في غيره ويحتاج إلى موضوع.
  • يقول صدر المتألهين إن الوجود الرابطي والمحمول أمر عرضي ذو نفس وهوية وتحقيق، وهو مختلف عن الظهور الحرفي والرابطي الذي ليس له معنى مستقل بذاته ولا يمتلك هوية أو نفسًا، ولا يتحقق في الخارج إلا ضمن طرفي الربط، وإن إطلاق الوجود عليه من باب اشتراك لفظي لا وجود حقيقي له. من وجهة نظرنا، الظهور الحرفي يمتلك ظهورًا وهوية ونفسًا، فلا يمكن أن يكون الشيء ظهورًا دون أن يمتلك هوية. يمكن للظهور أن يفتقر إلى الاستقلال وأن يكون أمرًا تبعيًا، وهذا يفسر غياب الهوية بمعنى أنها ليست معدومة، بل هي موجودة بشكل تبعي وضعيف. والمراد بالرابط هو التبعية، لا ظهوره.
  • الظهور الرابطي، مع طرفي الربط في القضية ومقام الاستعمال، له اتحاد ظهور في العالم الحقيقي، وهو يمتلك تحققًا خارجيًا، وليس مجرد اعتبار محض. كما أن القضية في الذهن لها ثلاثة أضلاع، والرابط له اعتبارات، والعالم الخارجي أيضًا ثلاثي الأضلاع والرابط فيه يظهر ويتحقق. كما أن في علم الوجود، كل ظهور له ربط وإضافة، والربط يشمل كل العوالم ولا شيء سوى الوجود وظهوراته. العوالم هي وجوه مختلفة للوجود والحياة والحركة والعشق، وهذه العوالم متصلة ومتجانسة.
  • لتوضيح دور الرابط في نظام الوجود، نقول إن الوجود له هوية ذاتية مرتبطة بذات الحق تعالى، وهي ليست مظلّة للظهور أو وعاءً للنزول. للهوية الذاتية وجهان: هوية سارية (باطن الظهور) ومعية قيومية (ظاهر الظهور). الوسيط والرابط ومظلة الظهور لكل الظواهر هو الهوية السارية التي تتعاون مع المعية القيومية لتظهر الوجود من ذاتها وفي ذاتها، وهي ذاتها ظهور للوجود. يجب الانتباه إلى أن المعية القيومية خاصة بذات الوجود، حتى الأسماء والصفات الإلهية هي تعيينات وجودية، ولا تتصف بالمعية.
  • بناءً عليه، الظواهر الحالية هي مظهر للهوية السارية، وكل ذرّة منها تظهر في قلبها وتستقر في قلب المعية القيومية. فالوجود لا يترك أي ظهور، بل هو الموصل الطبيعي له إلى هدفه وظهوره. المعية القيومية في كل العوالم والظواهر بنظام خاص يمنحها حالة التحول أو “الكون”، بحيث لا يمكن الحديث عن الوجود الثابت بل عن قبول كل شأن لآخر وهو في طور التحول. الوصف الربوبي والظهوري القيومي يمنح الظواهر قابلية التغير ويثبتها في هذا الوصف.
  • يجب الانتباه أن ذات الوجود من خلال الهوية السارية تترافق مع ظهور المعية، لكن الظهور نفسه لا يمكن أن يقرب إلا بالهوية السارية، لا بالمعية.
  • الهوية السارية، وهي الرابط، هي مظهر وليس مظهرًا بمعنى حرفي، بل هي المعنى النفسي ذاته، وهي المعنى النفسي الرابط بين المظهر والمظهر له. المظهر دائمًا مقدم على المظهر وله قرب منه. نزول الوجود والهوية الذاتية يصبح هوية سارية، والمظاهر هي ظهور هذه الهوية السارية، والهوية الذاتية مع كل هذه المظاهر متصلة بالمعية القيومية بلا انفصال أو نقصان. الوجود في كل مكان من خلال هذا الرابط والظهور موجود، والوجود ذاته مُعيّن بكل ظهور لكنه غير متقيد بشيء ولا ينكسر. يجب لكل ظهور أن يعرف هويته السارية ورابطه ليبلغ كماله. إذا أدرك الظهور أنه ظهور وليس مظهرًا بدون مظهر، فإنه يصل إلى الوجود ويصدقه. الفرق بين المؤمن والكافر في هذه المعرفة والقرب.
  • الهوية السارية هي حقيقة التوحيد، ومن لا يدركها ولا يؤمن بها ليس مؤمنًا. هذا التوحيد العيني يظهر في الأدبيات والمنطق بأسماء وأفعال التي هي ظهور اسمي، والحرف الذي هو ظهور رابط. الهوية السارية تقوم بدور الحرف والرابط. حقيقة كل ظهور وباطنه في ذاته، ولا مكان آخر له، ويُعرف بمرتبة هذا الظهور.
  • كل إنسان يجب أن يلاحق ذاته وطبيعته ليبلغ حقائق نفسه. مثلاً، ملكوت الأرض في الأرض وملكوت السماء في السماء.
  • الإمكان الفقري
    إن الإمكان الفقري المرتبط بالصدرا هو وجود حرفي وتعلقي غير مستقل. ونحن نعتبر الظهور عين التعلق والربط، فلا حاجة لابتداع مصطلح أو تعبير مسامح للإمكان الفقري. بالإضافة إلى ذلك، فالظهور، مع أنه ليس وجودًا، ليس كذلك عدمًا، وإنما الظهور هو من أجل الوجود، وبذلك لا عجز فيه؛ وإن كان من حيث مرتبة الظهور، فلا ذات مستقلة له تصح معها صفة الفقر. وصف الفقر يكون لما له ذات، لذا حتى الحدوث والدهر لا يقبلان وصف الفقر. في كتاباتنا إذا ما اعتُبر مرتبة فقيرة، فذلك بهذا المعنى فقط. وأنا أُفضّل بدلاً من التعبير المسامح «الإمكان الفقري» تعبير «الظهور العشقي» وأستخدمه في مؤلفاتي.
  • الحدوث
    يجب أن ننتبه إلى أن الوجود لا يمكن أن يكون حادثًا. والماهية ليست في الخارج كي تحمل حدوثًا ذاتيًا. الحدوث مفهوم ذهني مستمد من سابق ومسبوق، ولكن أصل الظهور لا ينطبق عليه مفهوم الحدوث الذاتي أو الزمني. الحدوث الزمني موجود فقط في مرتبة الظهور ولأجل بعض الظهورات، لا في أصل الظهور.
  • علاقة الوجود بالظهور
    العلاقة بين الوجود والظهور ليست علاقة عدم أو ملكة، لأن الوجود يمتلك كل شيء بالفعل والإيجاب ولا ينقصه شأن أو استعداد خارج عنه، ولا يُضاف إليه شيء، فبالتالي لا يمكن أن يكون للظهور شأن مستقل أو ضد وجود. الظهور مرتبة وتعريف ونزول للوجود، وليس ضد الوجود. الوجود إيجاب محض، والظهور وصف تعيين، وهو إضافة وعلاقة، وليس ذاتًا مستقلة. الظهور تعيين للوجود وليس نفيًا له أو عدمًا. الوجود والظهور وجهان لشيء واحد، والوحدة والتفرد هما سر نجاح الظهور. وكل ظهور له مرتبة خاصة به وأثر خاص، ويمكن التحول بين المراتب بحفظ التناسب.
  • الظهور والاستعداد
    الاستعداد وصف مادي ومن قبيل الظهور وله قرب وبعد وباطن وظاهر، ونهايته كذلك فعلية، لذلك نقبل ظهور استعدادي لا إمكانية استعدادية. الإمكانية الاستعدادية مفهوم ذهني لا تحقق خارجي له. الاستعداد ظهور فعلي يختلف عن القوة، ويتقبل شدة وضعف.
  • نظام الإحسان والعناية
    الاستعداد يجعل نظام الظهور أحسن نظام، رغم أنه يؤدي إلى الكفر والتردي عند كثير من الناس. النظام قائم على اقتضائات قربى ونزولى وكسبى وصلاحها نسبي مشاع. لا تخل هذه الاقتضائات بنظام الإحسان الكلي، وكل من يحصد عمله يجلس على سفرته بلا شكوى. الحرية والإرادة والتكليف والمسؤولية موجودة بالتزامن مع الضرورة النسبيّة والنظام.
  • العناية
    العناية هي جوهر النظام الأحسن، وتعني الدقة والرفعة والبهاء في ظهور الوجود. كل ظهور له حياة وحركة وسير خاصة به، ويُميّز الظهورات عن بعضها البعض. العناية وجودها بفضل الحب والاهتمام الكاملين للوجود في ظهوراته، وهي التي تجعل الظهور أحسن.
  • الجذب والشوق والعشق
    الوجود والظهور يمتلكان قدرة جذب؛ الجذب على شكل شوق وحب. الشوق حركة نحو ما لا يملكه، والحب حفظ لما يملكه. الجذب الشوقي يجب أن يتحول إلى حب. المظاهر هي تجليات لحب الوجود الذي ظهر بنفسه، والوجود لازم ذاتي لا يجوز فيه حدوث. أعلى عناية تكون للمحبوبين ذاتيًا، الذين يظهرون أقوى حب.
  • العشق
    العشق هو حب يحفظ الموجودات ويحافظ عليها. هو تسليم النفس للآخر بلا شرط أو قيد، هو محبة مطلقة قائمة على المعرفة والوعي. يختلف عن الشهوة والحب النفسي، وهو روحاني، يضحي فيه العاشق بنفسه ويبقى متصلًا بمحبوبه دون انقطاع.
  • الاتحاد والوحدة
    الاتحاد في الوجود هو تلاقي الظهور مع ذاته، وهو متمايز من الوحدة التي هي ذات الوجود بلا تعيين أو تقسيم. العشق هو ظهور الاتحاد، والوحدة هي وجود بلا ظهور. العشق لا يميز بين عالي وسافل، لأن الوجود واحد بلا ماهيات.
  • الحركة الوجودية والظهورية
    الوجود يحوي حركة وجودية وحركة إظهارية، الحركتان جوهر الظهور والتجلي، حيث الوجود ذات وتجلي ذاته، لا بداية له ولا نهاية، لا غاية ولا غرض زائد. العلي والسافل في هذه الحقيقة غير موضوعين.
  • الصدق في العشق
    يصل إلى العشق من يتحلى بالصدق الكامل، لا يخاف أو يتردد، ولا يخفي نفسه تحت الضغوط. هذا أمر مهم وقد شرحناه في كتاباتنا عن حقائق القرآن الكريم.
  • النفس والميول
  • النفس لها ميول، ويمثل الميل إلى الشهوة والثروة والشهرة من الفروع المتعددة لتلك الميول. فالميل إلى امتلاك أفخم المنازل وأفخر السيارات أو التفرد والريادة بالرياسة، أو الحصول على المحبوبات الجميلات، جميعها من تلك الميول. لكن ما يمنح الإنسان التفوق والكمال الأعلى هو الارتباط السلطوي بجميع العوالم والوصول إلى الحقائق، وهذا القوة التي ترفع الإنسان وتنميه للأسف مغفول عنها.
  • النفس للعالم الدنيوي، المادة والطبيعة، والمعرفة للعقل والحق، والذات للروح التي ينهل منها القلب. جميع العوالم تنحصر في هذه العوالم الثلاثة العامة. لذا، الوعي بالوجود إما في نطاق النفسانية أو العقلانية أو القلب وسلطته ومرتبة الروح وتمكن الرؤية والعزيمة.
  • الإمكان الفقري
    إن الإمكان الفقري المرتبط بالصدرا هو وجود حرفي وتعلقي غير مستقل. ونحن نعتبر الظهور عين التعلق والربط، فلا حاجة لابتداع مصطلح أو تعبير مسامح للإمكان الفقري. بالإضافة إلى ذلك، فالظهور، مع أنه ليس وجودًا، ليس كذلك عدمًا، وإنما الظهور هو من أجل الوجود، وبذلك لا عجز فيه؛ وإن كان من حيث مرتبة الظهور، فلا ذات مستقلة له تصح معها صفة الفقر. وصف الفقر يكون لما له ذات، لذا حتى الحدوث والدهر لا يقبلان وصف الفقر. في كتاباتنا إذا ما اعتُبر مرتبة فقيرة، فذلك بهذا المعنى فقط. وأنا أُفضّل بدلاً من التعبير المسامح «الإمكان الفقري» تعبير «الظهور العشقي» وأستخدمه في مؤلفاتي.
  • الحدوث
    يجب أن ننتبه إلى أن الوجود لا يمكن أن يكون حادثًا. والماهية ليست في الخارج كي تحمل حدوثًا ذاتيًا. الحدوث مفهوم ذهني مستمد من سابق ومسبوق، ولكن أصل الظهور لا ينطبق عليه مفهوم الحدوث الذاتي أو الزمني. الحدوث الزمني موجود فقط في مرتبة الظهور ولأجل بعض الظهورات، لا في أصل الظهور.
  • علاقة الوجود بالظهور
    العلاقة بين الوجود والظهور ليست علاقة عدم أو ملكة، لأن الوجود يمتلك كل شيء بالفعل والإيجاب ولا ينقصه شأن أو استعداد خارج عنه، ولا يُضاف إليه شيء، فبالتالي لا يمكن أن يكون للظهور شأن مستقل أو ضد وجود. الظهور مرتبة وتعريف ونزول للوجود، وليس ضد الوجود. الوجود إيجاب محض، والظهور وصف تعيين، وهو إضافة وعلاقة، وليس ذاتًا مستقلة. الظهور تعيين للوجود وليس نفيًا له أو عدمًا. الوجود والظهور وجهان لشيء واحد، والوحدة والتفرد هما سر نجاح الظهور. وكل ظهور له مرتبة خاصة به وأثر خاص، ويمكن التحول بين المراتب بحفظ التناسب.
  • الظهور والاستعداد
    الاستعداد وصف مادي ومن قبيل الظهور وله قرب وبعد وباطن وظاهر، ونهايته كذلك فعلية، لذلك نقبل ظهور استعدادي لا إمكانية استعدادية. الإمكانية الاستعدادية مفهوم ذهني لا تحقق خارجي له. الاستعداد ظهور فعلي يختلف عن القوة، ويتقبل شدة وضعف.
  • نظام الإحسان والعناية
    الاستعداد يجعل نظام الظهور أحسن نظام، رغم أنه يؤدي إلى الكفر والتردي عند كثير من الناس. النظام قائم على اقتضائات قربى ونزولى وكسبى وصلاحها نسبي مشاع. لا تخل هذه الاقتضائات بنظام الإحسان الكلي، وكل من يحصد عمله يجلس على سفرته بلا شكوى. الحرية والإرادة والتكليف والمسؤولية موجودة بالتزامن مع الضرورة النسبيّة والنظام.
  • العناية
    العناية هي جوهر النظام الأحسن، وتعني الدقة والرفعة والبهاء في ظهور الوجود. كل ظهور له حياة وحركة وسير خاصة به، ويُميّز الظهورات عن بعضها البعض. العناية وجودها بفضل الحب والاهتمام الكاملين للوجود في ظهوراته، وهي التي تجعل الظهور أحسن.
  • الجذب والشوق والعشق
    الوجود والظهور يمتلكان قدرة جذب؛ الجذب على شكل شوق وحب. الشوق حركة نحو ما لا يملكه، والحب حفظ لما يملكه. الجذب الشوقي يجب أن يتحول إلى حب. المظاهر هي تجليات لحب الوجود الذي ظهر بنفسه، والوجود لازم ذاتي لا يجوز فيه حدوث. أعلى عناية تكون للمحبوبين ذاتيًا، الذين يظهرون أقوى حب.
  • العشق
    العشق هو حب يحفظ الموجودات ويحافظ عليها. هو تسليم النفس للآخر بلا شرط أو قيد، هو محبة مطلقة قائمة على المعرفة والوعي. يختلف عن الشهوة والحب النفسي، وهو روحاني، يضحي فيه العاشق بنفسه ويبقى متصلًا بمحبوبه دون انقطاع.
  • الاتحاد والوحدة
    الاتحاد في الوجود هو تلاقي الظهور مع ذاته، وهو متمايز من الوحدة التي هي ذات الوجود بلا تعيين أو تقسيم. العشق هو ظهور الاتحاد، والوحدة هي وجود بلا ظهور. العشق لا يميز بين عالي وسافل، لأن الوجود واحد بلا ماهيات.
  • الحركة الوجودية والظهورية
    الوجود يحوي حركة وجودية وحركة إظهارية، الحركتان جوهر الظهور والتجلي، حيث الوجود ذات وتجلي ذاته، لا بداية له ولا نهاية، لا غاية ولا غرض زائد. العلي والسافل في هذه الحقيقة غير موضوعين.
  • الصدق في العشق
    يصل إلى العشق من يتحلى بالصدق الكامل، لا يخاف أو يتردد، ولا يخفي نفسه تحت الضغوط. هذا أمر مهم وقد شرحناه في كتاباتنا عن حقائق القرآن الكريم.
  • التجليات المتعددة للوجود
    الوجود لا يظهر في مرتبة واحدة، بل في مراتب متعددة تختلف في نوعها وشدتها وأثرها. هذه المراتب تتفاوت بين ظاهر وباطن، وقرب وبعد، ومراتب التعيين متعددة، وكل تعيين للوجود يكون من قبيل الظهور، والظهور مراتب، وكل مرتبة ترتبط بمرتبة أخرى بشكل متناسب ومتصل، بحيث لا انفصال ولا تعارض.
  • الظهور والماهية
    الماهية ليست وجودًا مستقلاً، بل هي عرض على الوجود في صورة تعيين وتحديد. الماهية تظهر في الوجود لكنها ليست وجودًا بذاته، وإنما وجود معرفي وعرضي، وهذا هو الفرق الجوهري بين الوجود والماهية. الفلسفة القرآنية تؤكد أن الوجود حق مطلق، أما الماهيات فهي مظاهر ذهنية مرتبطة بالوجود، وليست مستقلة.
  • الدين والعشق والوجود
    العشق الوجودي ليس حالة عاطفية فقط، بل هو علاقة روحية عميقة تربط العبد بالخالق وبكل الموجودات، عبر وعي وإدراك كاملين. الدين الحقيقي هو تحصيل العشق الإلهي وتحقيقه في النفس وفي كل أفعال الإنسان، وهو الذي يُخرج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والحب الإلهي.
  • الأخلاق في سياق العشق
    العشق الحقيقي يتطلب صفاء النفس، وصدق النيّة، واستقامة القلب، والابتعاد عن الرياء والأنانية. الأخلاق الفاضلة هي تعبير عن حالة العشق التي تظهر في أفعال الإنسان وسلوكياته، وهي التي تجعل من العشق قوة تحوّل، لا مجرد شعور.
  • العشق والمعرفة
    العشق لا ينفصل عن المعرفة الحقة؛ فالعشق الحقيقي يقوم على وعي وإدراك حقيقي للذات والآخر، وهو الذي يميّز الحب الحقيقي عن المشاعر السطحية أو الانفعالات العابرة. المعرفة تعمق العشق وتجعل منه تجربة مستمرة ومتجددة.
  • المحبة في الفكر الصدري
    المحبة عند صدر المتألهين هي جوهر الوجود، وهي التي تدفع كل الموجودات إلى التفاعل والتواصل، وهي التي تخلق الانسجام الكوني. المحبة ليست مجرد شعور، بل هي قوة إلهية تحرك الوجود كله، وهي أساس نظام الإحسان والعناية.
  • نهاية الوجود والظهور
    في الفكر الصدري، الوجود ليس له بداية أو نهاية بمعنى الزمن، بل هو سرّ دائم ومستمر، والظهور هو حركة داخل هذا السر، وليس عملية ابتدائية أو نهائية. الظهور هو استمرار للوجود في مراتب مختلفة، ولا يمكن اختزاله إلى نقطة بداية أو نهاية.
  • الوجود والعشق
    كل الظواهر تحوز على «وجود» للعشق، وهو ذاتٌ ذات كمالٍ وعظمة. الوجود هو في ذاته تجلٍّ وظهورٌ. والوجود له حركتان: حركة وجودية وحركة إظهارٍ. الحركة الوجودية، وهي من المناقشات الفلسفية العميقة، قمنا بتفصيلها في مواضع أخرى، تمثل التجلّيات الذاتية، أما الحركة الإظهارية فهي التجلّيات الفعلية. في التجلّي الذاتي، المبدأ والغاية واحد هما الوجود ذاته، ولا وجود لغرضٍ زائدٍ عن الذات. الذات الوجودية هي تجلٍّ بذاته، وليست شيئًا غيره، وهي فاعل وليس غايةً، ولا غرض لها. لذلك لا يوجد فيها تعلّقٌ بمراتب عليا أو دنيا.
  • الوصول إلى العشق
    يبلغ العشق من كان صادقًا بحرية العمل، بلا خوفٍ أو رهبة، ولم يخفِ ذاته أو يحولها تحت ضغوط الظروف والحوادث. وقد بيّنّا هذا القول المهم في هذا الكتاب تحت عنوان «كشف حقائق القرآن الكريم».
  • أوجه حسن النظام
    من أوجه حسن النظام، حداثته وتجديده، حيث تؤدي الفوضى والقسوة الظاهرة أو الطبيعية إلى تجديد الظهور، وبهذا التجديد يرسّخ الاعتدال والاستقامة.
    العالم ذو نظامٍ، وهذا النظام هو أحسن الأنظمة. الوجود يعمل وفق هذا النظام والنظام الطبيعي السائد، والظهور يتم بطريقة نظامية ومنظمة وفق قواعده، ويتسم بسير دائم لا انقطاع له، وإن كان تدريجيًا ومتبعًا للوجود والعلم.
  • النظام الأحسن
    النظام الأحسن للوجود نظام أبدي، والنظام الفعلي في العالم الحسي يحتوي على أقل كمال وأكثر شرور، لكنه يتكامل مع العوالم الأخرى، ومع الآخرة، ومع المستقبل البعيد للعالم الحسي، فيصبح النظام الأعظم كمالًا.
    في النظام الحسي حيث تنتشر الشرور، لا بد من وجود اقتدار يمنع تفوق أقل قوة؛ لأن ظلم الضعفاء جزءٌ من هذا النظام الأحسن، وهو من قواعده وقوانينه.
  • ظهور الشر
    العالم الحسي مختلط بالخير والشر، والشر فيه ظاهر.
    الموت، الجهل البسيط، الفقر، الألم، المرض والضعف من الشرور الظاهرة، كما أن النواقض والمنافي تظهر هي الأخرى من الوجود.
    ليس الشر نقصًا في الوجود. الخير هو ذات الوجود، والشر ليس ذاتيًا، بل أمر ثانوي تابع للظهور ومقتضى للحكمة وخاضع للخير.
    الشر غير معدوم، وكذلك عقاب بعض الشرور كالنعيم والجحيم لا يزول.
    الشر يظهر في مرتبة الوجود الحسي، وأصل الخير في الوجود ذاته.
  • تعيّن الوجود
    تعيّن الوجود «الأحدي» لا يحتوي على صفات الجمال أو الجلال منفصلة، لأن الصفات في هذا التعيّن هي عين الذات ومندمجة فيها. في التعيّن الثاني تظهر الصفات، وأصلها صفات الجمال (كالحي والسلطان والعلم والقدرة)، وصفات الجلال ظهور لصفات الجمال، ولا تنفصل أو تتقابل، فالجمال له جلال، وهذا الجلال من جمال الوحدة، وليس صفات متناقضة.
  • الوجود والحركة
    الوجود ثابت وفي ذات الوقت متحرّك ذاتيًا، وهذه الحركة تعطي الحركة لكل ظهور.
    الحركة في الوجود ليست بحاجة إلى فاعل خارجي أو محرك، والمتحرك لا يختلف عن نفسه.
    لا وجود للسكون في الوجود أو في الظهور، بل كل ظهور متحرك وحيوي وواعي.
    الحركة ليست ذاتًا مستقلة، بل وصفية للحركة الذاتية.
    الحركة تعبر عن سير وتجدد دائم، ولو بدا بعض الأمور فجائية فإنها تخضع لتدرّج دقيق.
  • علم الإنسان
    الإنسان ليس جسدًا فقط، ولا نفسًا فقط، ولا تركيبًا من الاثنين. المادة والمجرد هما سير مرتبط لا متناهي، والمادة تتلطّف حتى تصل إلى التجرد، والتجرد يتكثّف حتى يعود إلى المادة.
    الإنسان يبدأ عادةً من الطبيعة والمادة، وكل ظهورٍ يتصل به يعكس وجهه وتعيّنه، ويمكنه النزول أو الصعود.
    «الذات» التي يعرفها الإنسان هي فعل النفس، وهذا الفعل لا ينفصل عنها.
    الإنسان يستطيع أن يتخذ وجوهًا لا نهائية دون أن يخرج منها شيء، كما لا يدخل عليه شيء جديد، ويستمر نظام التحول والتغير إلى ما لا نهاية.
    لذلك لا ينبغي اعتبار الإنسان ثنائيًا أو مركبًا فقط من مادة ومجرد.
  • نقد أدلّة تجرّد النفس
  • لقد قمنا بتحليل ونقد أدلّة تجرّد النفس، وبخاصّة آراء ابن سينا، وأظهرنا ضعف هذه الأدلة في إثبات تجرّد النفس. لا يزال العلم في حيرة من أمر ماهيّة العلم نفسه، ولا يمكن افتراضه مجرداً واستخدامه لإثبات تجرّد النفس. كما أنّ العلم ليس مرادفاً للتجرد، إذ إنّ المادة أيضاً تمتلك علماً ووعياً.
  • تجرد الإنسان هو تَعَيّن، أي أنّه يتجسّد بالجسم ويتروّح بالروح، وأي ارتباط بأي شيء هو تعيّن له، وإن كان ذلك بشكل مشاع وملامح لا تنفصل عنه أبداً. جسده روح مرئي، وروحه جسم محسوس، وله تحديد تعيّن مشاع، فلا بد من إزالة التفكيك كلية، بحيث إنّ الروح والجسم وكل تعيّن يتداخلون معاً ويكوّنون الإنسان، لا منفصلين أو مقطوعين أو غير مرتبطين ببعضهم.
  • التركيز على المحتوى الإنساني
  • في فهم الإنسان، يجب الانتباه إلى المحتوى الإنساني ذاته والتركيز عليه، لكي يُدرك الإنسان هذه المرتبة من الوجود جيداً، وتُعرّف المراتب والعوالم التي يمكن للإنسان أن يحضرها، دون أن تُعرّف الإنسان من منظار أحادي البُعد أو تحويلي.
  • يجب أن تنبع الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) من داخل الذات نفسها، لكي يسلك هذا العلم مساراً منهجياً صحيحاً، فالاقتصار على المفاهيم المنقولة لا يعطي الإنسان ذاته. أولاً، يجب التعرف على صفاته المميّزة والمؤثرة، والاهتمام بالوعي الصحيح والتفكير السليم وتمكين الإرادة. الإنسان في تقدير هويته يملك نوعين من الموجودات: الموجودة الفعلية المكتسبة التي يصنعها بنفسه (إنشاء وإبداع) والمكتسبة بالتعليم التي يحصل عليها من الآخرين. المدخلات الأخرى التي تُكتسب بالتعليم قد تملأ الذهن والقلب، لكنها تجعل محتوى الإنسان تابعاً للغير وتزيد من التقليد والمعلومات المنقولة.
  • العلم اللدني والوحي والإلهام وكل الابتكارات والاكتشافات تعتمد على الموجودات الفعلية، وقيمة الإنسان تقوم على هذه الموجودات الذاتية غير المعتمدة على الغير. التعليم التقليدي له حدود، والاعتماد المستمر عليه مضر، حيث يبعد الإنسان عن هويته وذاته وطبيعته. الإفراط في اكتساب المعرفة يضعف النفس ويجعلها عمياء، فلا يستطيع الإنسان اكتشاف ذاته ويضيع هويته.
  • المدخلات الإنسانية
  • المدخلات الإنسانية هي حسيّة وعقلية وعلمية أو قلبية وروحية. الحواس البشرية متعددة، والخمس حواس الرئيسية تُعتبر الأكثر أهمية، مثل الألوان التي لا حصر لها لكن عدد الألوان المهمة محدودة. الحواس البشرية محدودة بالأمور المادية. العقل يميل إلى العلوم مثل الفلسفة والتصوف ويقف عند حدود الألفاظ، لكنه يشير إلى القلب. القلب قادر على الوصول إلى الأمور الوجودية والربوبية وصفاء المعرفة والمحبة. هذه الأمور تمنح الإنسان قوة العلم والمعرفة حتى مستوى العلم اللدني، أو القوة العملية حتى المعجزة. القوة العلمية تتفوق على القوة العملية، والأولياء الكاملون يملكون القوة في كلا المجالين، أما البعض منهم فيتمكن من أحدهما فقط.
  • الاقتدار الإنساني
  • يجب اكتساب العلم من داخل النفس، في الظلمة والخلوت. قوى النفس البشرية قد تسيطر على معرفة الغيب وخوارق العادات إما بالهوى والأوهام أو بالنفس السليمة والوصول الحقيقي. الجنّ يستمدون قوتهم من الهوى والأوهام، ولهذا يخضعون للأولياء المتصفين بنقاء الروح، وإن كانوا يسيطرون على الناس العاديين عبر نفسهم. من يملك القدرة على الحركة داخل ذاته يستطيع أن يحرك الآخرين بقوته ويجعل أعضائهم وأطرافهم تحت سيطرته، كما يسيطر على يده. الاقتدار والقوة لكل إنسان ينبعان من قربه وعلو مكانته، وقربه إما علمي أو معرفي. طريق العلم محصور بالأوصاف ومقيّد بالدليل، وكل اقتدار عملي يرجع إلى العلم. طريق المعرفة لا يستند إلى دليل، بل على الملاحظة والرؤية والتجربة الباطنية القائمة على الوحدة والفناء، التي تتطلب الابتعاد عن التعدد وحفظ حدود الأمور المادية وحتى العلم.
  • العلم والمعرفة في النفس والروح لهما مراتب، والوجود أيضاً له مراتب من حيث الفاعلية والمفعولية.
  • قرب الإنسان إلى الوجود
  • لقرب الإنسان إلى الوجود، يجب الامتناع عن تحقير مقام الإنسان العظيم والمعقد، وتقوية الإرادة تحت إشراف مربٍ، والعبادة، والسير في طريق المعرفة. كما يجب الحفاظ على صحة الغذاء الروحي والعلمي المناسب للحالة والوظيفة، لضمان عيش صحي وحلال. هذه الأمور الثلاثة تقرب الإنسان إلى الوجود. قرب الإنسان وعلوه مرتبط بحياة صحيحة وسليمة، ولا يتحقق القرب إلى الملكوت والعوالم الباطنية إلا إذا كانت الحياة الدنيوية صحيحة.
  • لذلك يجب أولاً تنظيم العلوم الطبيعية والتجريبية بطريقة منهجية، والاهتمام بالعلوم العقلية لحياة سليمة. الإنسان لا يقبل حداً في الخير ولا في الشر، وأعظم ميزته إمكانية جمع الصفات التي تفتقدها باقي الكائنات كالجن.
  • في أهمية قرب الإنسان من الوجود وقدرته
  • يكفي في بيان أهمية قرب الإنسان من الوجود وقدرته أن إنسانية كل إنسان وقيمته تتوقفان على مدى قوة نفوذه الباطني وعلاقته الحقيقية وقدرته على الاتصال والقرب من الوجود. وهذه العلاقة تستلزم الإيمان بالوجود. فالثقة في قوة الوجود والإيمان بعظمته تجلب القوة، أما الابتعاد والانقطاع عن الوجود والحقيقة، والغفلة عن الحقائق، واحتقار الوجود والظواهر التي هي أسوأ نتائج الغفلة، فتؤدي إلى الضعف والنقص.
  • كما أن القوة النفسية والإنسانية تتطلب مراعاة قواعد الصحة والنظافة، وأيضًا تقوية النفس والاعصاب، والالتزام بتعاليم الشريعة. فالصلاة (العبادة)، والحاجة (الاقتصاد)، والحنان (المحبة) هي أركان القوة الثلاثة المهمة، وهذه الأمور مناسبة فقط لمن له جذور متينة. في الحنان يجب إعطاء الحرية لكافة القراءات العلمية والاجتهادات، والابتعاد عن الاستبداد والقهر. كما أن مرحلة الطفولة والشباب حتى سن الثلاثين مهمة للوصول إلى الداخل والباطن، لأن الفرد يكون أخف وزنًا وأسرع حركة، وبعد ذلك يزداد ثقلًا وبطءًا. كما أن الطمع يجعل الإنسان مثقلاً وثقيلاً.
  • الالتزام بهذه الأمور يمنح الإنسان قوة عامة وشاملة بحيث يستطيع السيطرة على كل ظاهرة، وفوق ذلك الوصول إلى مشيئة الوجود وقوة الوجود والسيطرة على الظواهر. أما تجاهل متطلبات الحياة الصحية، وخاصة بدلاً من اتباع مسار القوة الصحيح، اللجوء إلى القهر والظلم والعنف والاستكبار، فيجلب الهلاك والحرمان الأبدي للإنسان.
  • الفصل الرابع: فلسفة الوجود والظهور / معرفية
  • أي فرد أو مجتمع يستطيع أن يحول قوة الظهور إلى قوة فعلية ويرافق القوة بالحكمة لكي لا تتحول إلى ظلم وفساد وعنف وقهر، فإنه ينعم بحياة صحية وسعادة أخروية، ويصبح إنسانًا كاملاً. وأساس القوة هو العلم والمعرفة، والمعرفة هي أيضًا أساس الإخلاص.
  • المعرفية
  • أكبر مشكلة في العلوم الإنسانية هي أنها تعتمد على تعريف خاطئ لمفهوم «العلم» ذاته.
  • لقد بحثت تفصيليًا في موضوع معرفية الفلسفة وقدمت رؤية جديدة تختلف عن الفلسفات المشائية، الإشراقية والمتألهة. وبما أن الجوهر في نظام وجودنا الظهوري لا مكان له، فلا يمكن استخدامه في أي موضوع، ولا سيما في بحث العلم، لتفسير آلية الإدراك وعلاقة العقل بالخارج.
  • العلم هو انكشاف. ما نؤكد عليه في العلم أن العالم لا يحتوي على معلوم داخله، ولا وحدة بين العالم والمعلوم، ولا موضوع للوحدة معه، بل العلم هو تعين في العالم يتطابق مع المعلوم والحقيقة الخارجية. التعين العلمي يكشف وجود المعلوم، وتتجلى وحدة العالم مع علمه بالنسبة للمعلوم عبر هذا التعين. العلم أمر فعلي وإنشائي، وليس مجرد تصور أو تصديق أو صورة ذهنية.
  • العلم في حق تعالى من جنس الوجود، وفي الإنسان من جنس الظهور وفوق المقولة؛ أي ليس عرضًا أو صفة نفسية، مع أنه يرتبط بالخارج بحيث إن ارتباطه بالخارج جزء من هويته، ولا يكون علمًا بدونه.
  • العلم هو بروز وظهور النفس وابداعها الذي له حضور ذاتي للنفس، وليس حصولًا لشيء من الخارج داخل النفس.
  • عقل الإنسان تركيب من موجات مادية وانعكاس ترتيب الذرات في الدماغ وخلاياه، ويرتبط بالنفس ويمنحها قدرة على إحداث ظهورها.
  • العلم النفسي هو حضور كامل، والعلم بلا ماهية ولا يمكن أن يكون حصوليًا أو له دور انطباعي. العلم هو ظهور نفسي، بمعنى أن النفس تملك قدرة الإبداع في تشكيل الظواهر الخارجية داخلها. هذا العلم حضور كامل للنفس، لكنه إما قوي وشديد أو ضعيف يُسمى وهمًا. هذا الظهور العلمي هو في الحقيقة ظهور النفس وليس ظهور الخارج، ويدل على قوة العقل والقدرة النفسية للفرد، مع أن أي علم ذهني لا ينفصل عن الخارج، بل يتأثر به.
  • كل شيء، إضافة إلى الظهور المادي، له ظهور وتمظهر في كل عالم، وفي نفس كل إنسان — الذي هو عالم من عوالم الله اللانهائية وأيضًا نوع لا نوع واحد —، ويختلف شدة وضعف الظهور حسب نفس كل فرد. فإذا ازدادت قوة النفس، وأصبحت من جنس النور (أي مجردات نسبية)، فبوسعها أن تحدث خارق العادات وكرامات ومعجزات في أي عالم، وكل شدة الظهور تعتمد على ذلك العالم. إنتاج العلم كذلك هو ظهور نفسي داخلي، وهو ظهور لا يشبه الوجود المخلوق.
  • استنادًا إلى ما سبق، فإن الإدراك والمعرفة لا تعتمدان على الجوهر، بل على الوجود والظهور.
  • النفْسُ تَمتَلِكُ دِقَّةً وَقُدرَةً خَلاقِيَّةً تُمَكِّنُهَا مِنْ تَجَلِّي جَمِيعِ الظُّهُورَاتِ بِتَحْدِيدٍ وَتَعْيِينٍ. كَذَلِكَ العِلْمُ مِثْلَ العِشْقِ وَالمَحَبَّةِ وَاللَّذَّةِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالمَيْلِ وَالأَلَمِ وَحَتَّى الوِجْدَانِ وَالفِطْرَةِ، هِيَ مِنْ قُوَى النَّفْسِ الَّتِي تَتَأَثَّرُ بِالعَامِلِ الخارِجِيِّ وَتَتَبَعُهُ، وَلا يَكُونُ الانْفِعَالُ دَاخِلِيًّا بَحْرٌ. جَمِيعُ المَعْلُومَاتِ وَالعِلْمِ الذِّهْنِيِّ لِكُلِّ فَرْدٍ يَتَشَكَّلُ مِنْ خِلَالِ العَلَاقَةِ بِالخَارِجِ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى شَكْلِ تَرْكِيبٍ أَوْ تَجْزِئَةٍ فِي الخَارِجِ. جَمِيعُ الدَّوَافِعِ النَّفْسِيَّةِ لَهَا عِلَاقَةٌ بِالخَارِجِ.
  • النَّفْسُ تُخْتَرِعُ العِلْمَ فِي دَاخِلِهَا وَتُعْطِيهِ تَعْيِينًا. العِلْمُ هُوَ ظُهُورُ النَّفْسِ وَتَجَلِّيُهَا، لَيْسَ حُلُولًا لِشَيْءٍ فِيهَا. النَّفْسُ لا تَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الخَارِجِ، بَلْ تُبْدِعُ دَاخِلَهَا مَا هُوَ فِي الخَارِجِ. العِلْمُ الدَّاخِلِيُّ لِلنَّفْسِ يَحْتَوِي عَلَى الخَارِجِ، وَلَيْسَ صَحِيحًا أَنْ نُسَمِّيَهُ «شِبْهَ خَارِجٍ»؛ لأَنَّ الشِّبْهَ لَيْسَ حَقِيقَةً بِنَفْسِهَا، أَمَّا العِلْمُ فَهُوَ ظُهُورُ نَفْسِ الحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ ظُهُورٌ ذِهْنِيٌّ.
  • العِلْمُ فِعْلُ النَّفْسِ، وَالنَّفْسُ نَفْسُهَا تُعْطِي العِلْمَ تَعْيِينًا صُدُورِيًّا؛ وَمَعْنَاهُ أَنَّ العِلْمَ ظُهُورُ النَّفْسِ وَيَظْهَرُ مِنْهَا، فِي حِينَ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا عَنِ الخَارِجِ. وَالعِلْمُ يَسْتَمِدُّ حَيَاتَهُ مِنَ الخَارِجِ، وَيَبْنِي الحَقَائِقَ الخَارِجِيَّةَ فِي ذَاتِه. لِذَلِكَ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا تَمَلُّكُ القُدْرَةِ وَالصِّنَاعَةِ اللَّازِمَةِ لِمَعْرِفَةِ الحَقَائِقِ الجُزْئِيَّةِ الخَارِجِيَّةِ، لِكَيْ نَسْتَطِيعَ مِنْ هَذِهِ المَصَادِقِ الخَارِجِيَّةِ إِنْتَاجَ مَفَاهِيمَ عِلْمِيَّةً صَحِيحَةً وَبَيَّنَاتٍ صَادِقَةً. وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَرَى هَذِهِ المَفَاهِيمَ كَجِسْرٍ لِلوُصُولِ إِلَى الخَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الوُصُولُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَيْسَ عِلْمًا.
  • وَإذَا كَانَ العِلْمُ مِنْ شُؤُونِ النَّفْسِ، فَلَيْسَ مِنْ نَوْعِ المَفْهُومِ وَالمَاهِيَةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا هُوَ عَرْضٌ أَوْ كَيْفِيَّةٌ، وَلَا يَحْدُثُ تَغَيُّرٌ. العِلْمُ المُبْدَعُ فِي النَّفْسِ هُوَ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ وَنَفْسِيٌّ وَحُضُورِيٌّ وَعِلْمِيٌّ، دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الوُجُودُ الخَارِجِيُّ، وَلَا يَحْدُثُ دُخُولٌ أَوْ خُرُوجٌ بَيْنَ الخَارِجِ وَالعَقْلِ.
  • وَكَمَا أَنَّ الظَّوَاهِرَ الخَارِجِيَّةَ تَتَغَيَّرُ فِي مَجَالِهَا، فَإِنَّ الذِّهْنَ أَيْضًا يَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَ ابْتِكَارَاتِهِ فِي مَجَالِهِ الذِّهْنِيِّ. جَمِيعُ التَّغْيِيرَاتِ وَالْتَّحَوُّلَاتِ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا وَعْيٌ وَاحِدٌ.
  • العِلْمُ هُوَ ظُهُورٌ تَعْيِينِيٌّ لِظَاهِرَاتِ الخَارِجِ وَيَعْكِسُهَا بِشَكْلٍ ظُهُورِيٍّ، أَيْ لا يَأْتِي شَيْءٌ مِنَ الخَارِجِ إِلَى الذِّهْنِ، بَلِ النَّفْسُ تُبْدِعُ ظُهُورًا لَهَا. النَّفْسُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ التَّعْيِينَاتِ الخَارِجِيَّةَ دَاخِلَ نَفْسِهَا وَتُظْهِرَهَا؛ ظُهُورٌ لَيْسَ نَفْسَ الخَارِجِ وَلَا مُتَنَاقِضًا مَعَهُ، بَلْ هُوَ ظُهُورُ الخَارِجِ.
  • النَّفْسُ قَدْ تَخْطِئُ فِي خَلْقِهَا وَتُبْدِعُ شَيْئًا مُخَالِفًا لِلْخَارِجِ، وَنَفْسُهَا ذَاتُ الدِّقَّةِ وَالقُدْرَةِ الْخَلَّاقَةِ وَهِيَ نُقْطَةُ قُوَّتِهَا، هِيَ أَيْضًا مَسْبَبُ الخَطَأِ وَالدَّنَسِ.
  • نُؤَكِّدُ أَنَّ الظُّهُورَ العِلْمِيَّ هُوَ ظُهُورٌ عِلْمِيٌّ وَحَسْبُ، لَيْسَ كَيْفًا وَلَا جَوْهَرًا وَلَا مَاهِيَّةً.
  • مَا هُوَ دَاخِلُ النَّفْسِ هُوَ العِلْمُ لَا المَعْلُومُ، وَلَكِنَّ العِلَاقَةَ الْوَثِيقَةَ بَيْنَ العِلْمِ وَالمَعْلُومِ تُوَلِّدُ وَهْمًا بِأَنَّ المَعْلُومَ فِي الذِّهْنِ. المَعْلُومُ وَالصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ مَوْلُوذَةُ العِلْمِ لَيْسَ العِلْمَ نَفْسَهُ، وَالمَعْلُومُ لَهُ صُورَةٌ فِي الخَارِجِ لَيْسَ فِي الذِّهْنِ، وَالذِّهْنُ يَرَى صُورَةَ الخَارِجِ لا صُورَةَ المُنْتَجِ فِي الذِّهْنِ.
  • العلمُ هو ظهورٌ تعينيٌّ للظواهر الخارجيّة، وهو يعكسها على نحوِ ظهورٍ، بمعنى أنّ الشيءَ لا يأتي إلى الذهن من الخارج، بل النفسُ تبتدعُ لهُ ظهورًا. النفسُ تقدرُ على خلقِ التعيّنات الخارجيّة فيها ومنحِها ظهورًا؛ وهذا الظهورُ ليس هو ذاته الخارجُ، ولا هو غيرُه متباينًا عنه، بل هو ظهورُ الخارجِ. النفسُ قد تقعُ في خطأٍ بسيطٍ في خلاقها، فتبتدعُ شيئًا مخالفًا للواقع، وهذا الدقّة والقوّة في خلق النفس هي سبب الخطأ والضعف في آنٍ واحد. نُعيدُ التأكيدَ على أنَّ الظهورَ العلميَّ هو ظهورٌ علميٌّ فقط، وليس كائنًا على صورةِ جودةٍ أو جوهرٍ أو ماهيةٍ.
  • ما هو موجودٌ في النفس هو العلمُ لا المعلومُ، لكنّ العلاقةَ الوثيقةَ بين العلمِ والمعلومِ تُحدثُ إيحاءً بأنَّ المعلومَ في الذهنِ. المعلومُ والصورةُ الذهنيةُ هما موضوعُ العلمِ لا العلمُ ذاتهُ، والمعلومُ في الخارجِ لهُ صورةٌ، وليس في الذهن. والذهنُ يرى صورةَ الخارجِ وليس صورةَ المعلومِ في الذهنِ. ولذلك، اختلافُ موضوعِ العلمِ لا يؤدي إلى اختلافِ العلمِ ذاتهِ. لا شيءَ من الخارجِ يُحبسُ في الذهنِ، بل العلمُ مقامُ عرضٍ وظهورٍ، والنفسُ هي التي تُحدّدُ العلمَ وتبني بهِ الخارجَ العلميَّ الذي يختلفُ عن الخارجِ الحقيقيِّ، فهو علمٌ تابعٌ للنفسِ، وفي النفسِ المجردةِ يكونُ مجردًا. لا فرقَ بين ماديٍّ أو مجردٍ كان موضوعُ العلمِ، فالعلمُ على حقيقتهِ الموحدةِ وعلى تجردهِ في النفسِ المجردةِ.
  • المعلومُ العلميُّ يُبيّنُ المعلومَ الخارجيَّ، لكنه ليس شكلاً وصورةً للمعلومِ الخارجيِّ، لأنّ شيئًا اسمه المعلومُ عندنا ليس موجودًا، ولكنّ العلمَ لا ينفكّ عن العلاقةِ بالخارجِ، ولا يستطيعُ أن يُبدعَ دورًا غيرَ الخارجِ. العلمُ يرسمُ المعلومَ العلميَّ، وهو أيضًا تعيينٌ للنفسِ. العلمُ ليس لهُ صورةٌ، والذهنُ يرى المعنى، ولكن المعنى لكونه في الخارجِ لهُ صورة، فإنّ الخطأَ ينشأُ بأنّه معنىٌ ذهنيٌّ لهُ صورة.
  • درجاتُ العلم
  • العلمُ له درجاتُ قوةٍ وضعفٍ، وله مراتبُ من الأدنى إلى الأعلى. العلمُ له تعييناتٌ لا نهائيةٌ، وحسبَ التحقيقِ وصلابةِ المبادئِ وقوةِ الإرادةِ والولاءِ يكونُ له قوةٌ وضعفٌ، قربٌ وبعدٌ، حتى مرتبةُ الاتحاد والوحدة. ويستطيعُ أن يكون علمًا مفهوميًا تعليميًا أو علمًا لقاءً ذات آثارٍ عينيّة، كما للنفس القدرةُ أن تدركَ الظواهرَ مباشرةً وبدون وسيطٍ للظهور، فتبلغُ ظهورًا عينيًا لا ظهورًا علميًا مجرّدًا من جنس المعنى.
  • العلمُ له مراتبٌ، وأصلُ العلمِ الذهنيِّ الذي هو مشتركٌ بين جميعِ البشرِ، وليس للنفسِ نوعٌ فيه، هو أدنى مرتبةٍ من العلم. تبدأ أدنى درجات العلم الذهني بالوهم. كلُّ الظواهرِ سواء كانت جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا لها حياةٌ وشعورٌ ومعرفةٌ بمعنى الوعي، وهذه الشعورُ في ذاتها، وليس لأنفسها. وكل الذرّاتِ والظواهرِ تقومُ بأعمالها الدقيقة بشعورٍ طبيعيٍّ. لها حياةٌ وشعورٌ جسديٌّ، وليس كما يُقال إنّ الحياة والشعور للنفسِ فيها، ولو كانت النفس تستعملها كأدواتٍ، فإنّ حقيقتها واحدةٌ.
  • المرتبةُ العليا من العلم هي الكمال، والعلمُ العقليّ والقلبى والروحيّ وحتى علمُ الحقِّ تعالى هي من مراتب العلم العليا. مراتبُ العلم العليا مرتبطةٌ بنوعِ النفسِ والروحِ، ومن يتلقى القربَ الربوبيّ يُمنحُ قوةً وقدرةً على الإدراك. النفسُ القدسيةُ، بمساعدة الملكةِ الموهوبة أو الولايةِ المعطاة، تسيطرُ على العلمِ النقيّ المطابقِ للواقع، وتصنعُ من العلمِ علمًا دينيًا وربوبيًا، وهو ما تحدثنا عنه في كتاب «علم الاجتماع لعلماء الدين».
  • مطابقةُ العلم مع الواقع
  • العلمُ الذهنيُّ المُشوَّه إذا طابق الواقع فهو علمٌ، وإلّا فهو جهلٌ. للأسف، كثيرًا ما يحل اليقين محل العلم، واليقينُ قد يكون جهلًا ولا يدوم، لأنّه ليس علمًا، وسرعان ما يظهر جهلُه. الاعتقادُ أو الإيمانُ أو الرأيُ وصفٌ ذهنيٌّ أو نفْسيٌّ أو قلبيٌّ، والحقُّ هو الواقعُ الخارجيُّ. المطابقةُ مع الواقع هي معيارُ صحةِ العلم، والواقعُ يشملُ الذهنَ والخارجَ، ويُسمّى “نفس الأمر”.
  • اتحادُ العلم مع النفس
  • النفسُ يمكنها أن تتوافقَ مع جميعِ العوالمِ والظواهرِ، وتعتبِرها كجسدها وتتصلُ بها، وتُظهرُها من الماضي إلى المستقبل، اتصالٌ سريعٌ يتزامنُ مع حركةِ الوجودِ الجديد.
  • من نتائج اتحاد العلم بالنفس أنه لا يمكن للنفس أن تفقدَ ما تعلمتهُ. في الدنيا قد لا تتوفرُ لهُ الوصول، لكن في العوالمِ الأخرى لا ينفكّ عنهُ، ويتغذى عليه.
  • لقد ناقشنا وجوه اختلافِ اتحاد العقل والعاقل والمعقول، ورفضنا نظريات العقل الفاعل والنماذج الأفلاطونية والصور المرتسمة وصور صدرالمتأله، وأوضحنا كيفية علم الحق تعالى بالظواهر وعكسها. بينا كيف يمكن للتعيّن الخلقي أن يعرف اللاتعيّن الإلهي، ودرسنا نظرية العلم الإجمالي مقابل التفصيلي عند صدر المتألهين. علم الله ليس كثرةً، ولا يُعرف بمعانيه، بل يدار تحت وحدةٍ شخصيّةٍ للوجود.
  • النظامُ التطبيقيُّ للعلم
  • لكي يكون العلمُ منشأَ تأثيرٍ وتطبيق، يحتاج إلى هيكلٍ من القوةِ والصحةِ. العلم مع القوة والصحة يجلب الشرعية. القوة تحتاج إلى اجتياز العلوم المفهومية التعليمية، والوصول إلى الإرادة العينية الحقيقية، وإلا فإن تراكم العلوم المفهومية يزيد من التوهم والوسواس.
  • يجب تحت إشراف المعلم أن تُمارس الأعمال بالإرادة. لتقوية الإرادة، يحتاج الإنسان إلى الولاء والاستجمام. الإرادة والولاء والاستجمام مع الألم تمهّد طريق الوصول إلى الوجود، وهو مصدر جميع العلوم.
  • لقد بيّنا أن الأفكار العامة والمجملة كانت للعلم في الماضي غامضة ومتخلفة، واليوم يجب أن تكون التفصيلية والمجزأة، وعلى شكل تعاون اجتماعي وجذب تفاعلي. العلمُ جزئيٌّ لا كليٌّ. العلم ليس حصرًا على المفاهيم القابلة للتقديم والاكتساب، بل هو وصولي وإيصالي ولدني، وهو أعلى أنواع العلم.
  • الطريقةُ الشائعةُ للعلم هي النظام التعليمي “مفهوم إلى مفهوم”، لكن العلم العالي له نظام “تحويل المصداق إلى المفهوم” أو أعلى، نظام “مصداق إلى مصداق”، وهذه الطريقة غير موجودة في العلوم الإنسانية والإسلامية حالياً، وتحتاج إلى مختبرات واسعة ومتقدمة بأحدث الصناعات.
  • طريقة التعليم العليا هي الاقتدار الباطني والقرب الربوبي، وطريقة “تحويل المصداق إلى المصداق” التي شرحناها في المنطق العلمي. كل مصداق يدخل في نفس الإنسان، يثمر علماً بقدر ذلك. طريقة “مصداق إلى مصداق” تجلب العلم والإيمان والإيثار، أما “مفهوم إلى مفهوم” فلا تؤدي بالضرورة إلى هذه الآثار.

الباب الأول: المقدمة

العرفان ليس محتوى نصيًّا أو كتابيًا يُدرّس بطريقة مدرسية أو في قالبٍ انديشاريّ مفهوميّ، ولا هو ممارَس في زوايا الخانقاه كطريقة درويشية. بل العرفان هو إيجاد الحق تعالى بشكلٍ حقيقيّ من خلال الباطن تحت ربوبية وتربية إلهية.

إيجاد الحق تعالى يكون إمّا بجذبٍ سابقٍ وقرب محبوب، أو بجذبٍ لاحقٍ بعد رياضةٍ وجهدٍ وسلوكٍ متشتّت ومتنوع من قبل المحبين.

طريق الوصول إلى الحق تعالى هو طريق المحبة، وأهل هذا الطريق إمّا محبوبون أو محبون. «قرب المحبوب» هو خاصية العرفان الشيعي، وعرفان حضرات المعصومين هو عرفان محبوبي وموهبي.

العرفان الذي يُدرَّس في المراكز الحوزوية الشيعية، والعرفان السائد بين أهل السنة، خصوصًا العرفان النظري لمحيي الدين العربي وأتباعه، وكذلك العرفان العملي لخوجه عبد الله الأنصاري ـ وإن كان شيعي المذهب ـ هو عرفان محبي. حاليًا، جميع الكتب الدراسية المعتمدة في علوم العرفان التي تُدرَّس في الحوزات الشيعية تحتوي على نصوص مكتوبة على أساس العرفان المحبي، وأكثر كتابها وشارحيها من أهل السنة. هؤلاء الكُتّاب والشارحون السنيون ينظمون معظم معطياتهم العرفانية على أساس كلام مدرستهم الكلامية، ويدخلون معتقداتهم المذهبية الكلامية في النصوص.

أنا قصدت أن أضع نصًا علميًا بناءً على معطيات المحبة، متوافقًا مع ثقافة التشيع في العرفان.

في الفصل السابق، عرضت آراءي الفلسفية، وفي هذا الفصل أقدم وجهات النظر العرفانية. عرفاني هو استمرار للفلسفة، لكنه أدق وأرفع في بيان الحقائق. لي في العرفان لغتان؛ لغة النثر ولغة الشعر، ولغة شعري أدق وأوضح وأكثر تعبيرًا.

في العرفان الحقيقي، يُقصَد الحق تعالى بالرؤية والمعرفة والوصول، أما في الفلسفة فيكتفي غالبًا بالمفاهيم والكليات المعقولة. العقل قادر على فهم الحقائق، لكن العارف يصل إليها بالرؤية والتجربة المباشرة. الفيلسوف يفهم ما يراه العارف.

في بيان مقولات العرفان، لا أتكتم ولا أُدخل الغموض والإيجاز المخلّ، فأحرص على وضوح التعبير. العلم يجب أن يكون بلغة واضحة، وأرفض أسلوب الاختزال والغموض الذي يعتمده بعض المتكلمين مثل ميرداماد في التعبير عن الحكم، كما لا أخشى أحدًا. العلم يجب أن يكون صريحًا وواضحًا، لكي يكون موضوعًا للنقاش المنهجي مع أهل الاختصاص، ويستند إلى معايير صحيحة ويتقدم على أساسها. لكي يكون العرفان علمًا صحيحًا، لا يجب أن يتعارض مع البرهان، ولا مع القرآن الكريم والشريعة. العرفان إذا صار علمًا، يكتسب لغة يمكن تقديمها كثقافة للعالم.

لغة العرفان، رغم كونها علمية، تتميز بالدقة في التحقيق والرقة في التعبير، وليست كلامًا عاديًا يُستهان به أو يُعبر عنه سطحياً.

لم نعد في العرفان نستخدم اللغة الفلسفية، بل نتحدث بلغة العرفان نفسها ومصطلحاتها، معتمدين على البرهان في مجال التعليم. لذا يجب الحذر من الخلط بين مصطلحات العرفان ومصطلحات الفلسفة، ومنها «العرض».

أسس العرفان المحبي

أعرّف العرفان العصمتي الشيعي والمحبيين الأوائل والذاتي بمقولات التالية. يُرجى الانتباه إلى أني عند ذكر المحبين أعني المحبين الأوائل والذاتي، أما المحبون الوصفيون والفعليون فلا يشكلون موضوع هذا الكتاب إلا عند ذكرهم مع توضيح رتبتهم.

  • موضوع العرفان هو الحق تعالى وأسماؤه وصفاته ومظاهره. غاية العرفان الوصول إلى الحق تعالى. والفاعل فيه هو الحق تعالى، لذلك الموضوع والغاية والمسير في العرفان واحدة، خلافًا للعلوم الأخرى التي تختلف في هذه الأمور. في العرفان لا شيء سوى الحق تعالى. العرفان يتحدث عن الحق تعالى، وهو أمر شخصي وجزئي. علو العرفان المحبي ليس فقط مقام الأسماء الإلهية، بل الذات الإلهية. المحبون الحقّ يتتبعون معرفة الذات ويقربون الوصول إلى شخصه.
  • العرفان المحبي لا يقدّم مفهومًا فقط، بل يمنح المثال الواقعي. العرفان المحبي هو ذروة المعرفة والحكمة والارتقاء إلى مقام الروح؛ مقام الوحدة الإلهية (التوحيد) الذي يعني فناء الذات. مرتبة عظيمة يبقى فيها الحق تعالى في قلب المحب فقط. الحق تعالى ظاهر وهو ظاهر وباطن وخفي. في الظهور يكون مستترًا، وعندما يكون باطنًا وخفيًا، يتلاشى الظهور فيه.
  • المحبون وصلوا بعنايةٍ سابقةٍ وجذبٍ خاص. لديهم معرفة موهوبة وخاصة لا تحتاج إلى تعليم أو مدرسة أو معلم، فقد علمهم الله مباشرة بلا وسيط في الأزل، ومن خلال غمزة وجذب تعرفوا على الحق تعالى وكل مظاهر وجوده، ولم يعودوا بحاجة لأي تعليم، وفي ذاتهم النازلة في العالم المادي يستعيدون فور ولادتهم كامل علمهم الموهوب بتركيز على الله. يرون الحق كما هو ويرون كل شيء على حقيقته. المحبون معرفة نقدية ويرون الغايات منذ البداية. المحبون الذاتيون في الطفولة، والمحبوون الآخرون حتى بداية الشباب، يظهر لهم كل ما يريدون.
  • المعرفة ثلاث مراتب عامة: التشبه، التخلق، التحقيق. المتشبهون هم الأكثر شهرة، يؤمنون بمقامات الباطن وأقوال العارفين، لكن لا يمتلكونها داخل أنفسهم. محبتهم مصطنعة وقد يفقدونها. المتخلقون يواجهون ابتلاءات كثيرة، لديهم إيمان وقدرة على الإيثار. المحبون هم في جوهر الحقيقة، والمحققون ينالون الحقائق بموهبة. هؤلاء هم الذين يصلون فعليًا إلى حقائق الحق ويعرفونها جزئيًا وفرديًا. المحبون يتحددون في جوهر ذات الله ويدركون حُرمة ذات الله ثم ينزلون إلى العالم المادي. أول وجه يرونه هو وجه الله ويدركون محبته الواسعة لهم. في القرب التصاعدي يجتازون كل عوالم القيامة، وفي القرب التنازلي يدركون أعمال خلق الله بإرادة ومشيئة. يتجاوزون الأعيان الثابتة والأسماء والصفات الفعلية والذاتية، ويتجاوزون التعيين للوصول إلى مقام الذات، لكن العبد الذي يدخل هذا المقام بلا اسم أو رسم لا يملك سندًا أو كلامًا.
  • للمحبين جماعة، وهم يعرفون جميع فروع العلوم الإنسانية، ولا يقتصرون على زاوية واحدة، بل هم في كل مكان.
  • وبما أن لهم جماعة، فهم مقصد الجميع.
  • العرفان المحبي يطلب إحياء النفس عبر فناء النفس، وهو فناء يؤدي إلى البقاء والحق الكامل. «الذات» و«الأنا» في هذا العرفان تزول وتفنى ليبقى الحق تعالى، وهو فناء مصحوب بالبصيرة والمعرفة والوعي والهياج. العرفان الذي فيه «وجدان» و«وصول» لا يبقى فيه إلا الحق، والحق المطلق لا شريك له في العالم. العرفان المحبي قرب موهوب مصحوب بالدموع والأنين والفناء. العرفان هو خسارة مؤلمة وسوز، هو انسكاب وفناء وليس تجميعًا. كل حلقة تجمع وتسمّي نفسها عرفانًا، هي ضلالة. العرفان المحبي حرية، والحرية تتحقق بالفناء.
  • العرفان المحبي عرفان منهجي، علمي، له منطق فهم، ويتبع العرفان العصمتي، ويعتمد على الاستدلال والبرهان والرؤية والتعظيم.
  • المحبون يعيشون حياة طبيعية ولا يبحثون عن الرياضات النفسية، وإن كان لهم جهد لكنه من باب الحب، لا الرياضة والتربية.
  • العرفان المحبي عرفان شعبي واجتماعي، من أجل الناس وضد الظالمين والمستبدين، يرافقه سير دموي وثورة، وينأى عن الانعزال والابتعاد عن المجتمع. العرفان المحبي طريق دامي قد قُطعت أقدامه في الصحراء. العارف المحبي يحيي مجتمعه بالوعي وينميه.
  • في مقابل الولي المقرّب المحبي، يوجد وجه مكروه وسجين وأهل تابوت الجحيم، وهم أدنى ظهور.

أنطولوجيا العرفان المحبي

  • للحق تعالى ثلاث أوجه: الذات بلا تعيين، الوجود المستمر (حسب القرآن الكريم «المعیت القیومیة»)، ومنظر الفيض والخلق. الحق تعالى في كل هذه الأوجه هو الحق تعالى. في فيضه ينزل إلى المعیت، وهذا النزول يولد المظاهر والفعل الإلهي. الحق تعالى هو الحقيقة بلا تعيين، ويظهر في الخارج بصفته الوجود المستمر والقيومي بالحق، ويتحدد. لكل ذرّة وظهور حكمة تجيز استخدام قوة الحق تعالى، وقد يتحول ذلك إلى شر. كل مرتبة عالية تحوي مرتبة دنيا في الفعل.
  • الحق تعالى بإرادته الذاتية وحبه هو في سير دائم يتجلى نزولًا وتصاعدًا. النزول هو تجلّي الحق، وهو ظاهر، والمظاهر والظواهر هي تنزيله، ليست مستقلة أو متساوية معه. الصعود هو استجلاء المظهر، والمظهر هو الذي يصعد. الظواهر والتعيينات هي مظاهر الحق، لا ذات الحق، ولا تملك استقلالًا.
  • كل الوجود هو الحق تعالى بمظاهر خلقية وظهورية. «الحضرات» هي جانب الربوبية للحق، و«العالم» هو فيض ظهور الحق. إذًا، الحضرات مظهر، والعوالم مظاهر. الحضرات الربوبية هي: الحق بلا تعيين والغيوب الغيوب، تعيين الألوهية، تعيين الوحدة التي تتبع أعيان ثابتة وتظهر الوحدة. العوالم الخلقية الظهورية هي خمسة: عالم العقول (جبروت)، النفوس (ملكوت)، المثال، الناسوت، وعالم الإنسان الذي يجمع كل العوالم. الإنسان في سير صعوده من الناسوت والطبيعة إلى المثال، النفس، العقل، الوحدة، الألوهية، والذات بلا تعيين لديه قدرة على العروج.
  • كل من مقام الذات بلا تعيين وكل التعينات الربوبية لها مظاهر.
  • مقام ذات الحق بلا أي اعتبار أو قيد، لا شرط ولا لابه شرط. وليس معناه التعدي على الوحدة والتخصيصات، بل بمعنى فناء كل شيء ما عدا الحق تعالى. الحق بلا أي وصف.
  • وجود العالم نتيجة فعل الحق ومشيئته، وهو في ظهور وتعيين.
  • وجود الحق بلا تعيين هو وجود بلا حد ولا شكل، موجود في جميع الوجودات.
  • العرفان المحبي هو علم الوجود والذات معًا، وهو نتيجة الجمع بين عرفان الذات وعلوم العرفان الكونية.
  • المفهوم الأعلى للعالم في العرفان المحبي هو وجود العالم كله في الذات، والذات كلها في العالم. وجود العالم ليس منفصلًا عن ذات الحق.
  • الحق تعالى لا يمكن إدراكه بالعقل وحده، بل يجب الرؤية الباطنية.

الوحدة الإلهية وأسماء الله وصفاته: دراسة فلسفية وعرفانية

  1. الوحدة نوعان:
    • وحدة لا تقابلها كثرة، وتسمى الوحدة الذاتية أو الوحدة اللاشرطية، وهي عين ذات الحق تعالى.
    • وحدة مقابل للكثرة، وهي وحدة زائد على الذات، تُقبل الكثرة فيها من حيث الوصف والوحدة، وتقبل الكثرة من جهة أخرى.
  2. الحق تعالى حقيقة أحد ووحيد:
    • “أحد” تعني خلو الذات من التركيب والانضمام.
    • “واحد” تعني عدم وجود شريك له.
  3. الاتحاد مبني على الكثرة والتعدد والاختلاف:
    • أسماء الله تعالى لا تتحد فيما بينها اتحاداً يتضمن التعدد.
  4. الأسماء والصفات في مقام الوحدة:
    • الأسماء والصفات عين الذات الإلهية.
    • كل الصفات متحققة في الذات الإلهية ولا تفارقها، وهي ظهور للذات.
    • لا تنازل في الذات بين أسماء الله ولا وسيط بين الذات والأسماء.
    • لكن في الظهور توجد مراتب وأحوال متعددة كالعلوي والمتوسط والداني، والسعي وغير السعي، والجمالي والجلالي.
  5. المظاهر الإلهية:
    • لكل اسم مظهر ودولة، وهذه المظاهر أزلية أبدية، لا تفنى ولا تزول.
    • المظاهر سواء الإلهية أو الناسوته كلها وجوبية وذاتية وعامة ودائمة.
  6. مقام الوحدة يتضمن مظاهر تُسمى “وجود علمي” و”أعيان ثابتة”:
    • هذه الأعيان تمثل علم الحق تعالى بالظواهر.
    • يمكن من خلالها إدراك الحقائق الأزلية ورؤيتها بعيون العلم الإلهي.
  7. التعيين العلمي لكل ظاهرة:
    • يمثل حقيقة ذلك الظاهرة في الله.
    • الظواهر تظهر بحرية الاختيار والإرادة ولا تسبب جبرًا.
  8. الاسم الذاتي:
    • وصف ذاتي نفساني لا يحتاج إلى غير.
    • الوحدة والآحادية تعبران عن حقيقة واحدة واحدة، ذاتية وحقيقية ووجودية وربوبية.
  9. الصفات لا تتحد مع الذات اتحاد التعدد، بل تتحد اتحاد الوحدة والعين:
    • الاتحاد يعني تغايرًا بين شيئين، بينما الوحدة تعني عدم وجود تغاير.
  10. اسم “رب” يمثل مظاهر الوحدة للإفاضات الإلهية:
    • الحق تعالى يظهر بأسماء متعددة لكنها كلها وجه واحد له.
  11. التجلي الإلهي:
    • يتجلى إما في الذات أو في الصفات.
    • كل ظهور يتحدد بقدر تجلي وتنزل الحق تعالى.
  12. التعيين والتميز لكل ظهور:
    • كل ظهور فريد، وكل ظاهرة تمثل ظهورها العلمي الخاص.
  13. الفيوضات:
    • الفيض الأول مجرد وعقلي، لا مادي.
    • المراتب العليا كالعقول تحتوي على كمالات المراتب الأدنى.
  14. العالم المثالي والبرزخي:
    • عالم بين العقول والمادة، يحمل صورًا ولكنها ليست مادية صرفة.
  15. العالم الناسوطي:
    • عالم مادي، ثقيل، محسوس وأدنى المراتب.
  16. صعود المظاهر إلى البرزخ والقيامة:
    • القيامة تتضمن جنة ونار أبدية، مأخوذة من القرآن الكريم.
  17. العلو والهبوط في العوالم:
    • جميع العوالم ممكن النزول والصعود إليها، بالمعنى أو بالصور.
  18. الذات الإلهية في كل عالم تظهر بتنزل مختلف:
    • لا وجود لعدم الكمال في العوالم، بل هي أزلية وأبدية.
  19. أسماء الله لا تعمل منفردة بل كلها حقيقة واحدة متحدة في الذات:
    • تظهر بتفاوت في الظهور والإرادة البشرية.
  20. كل الظواهر خيرات وشرور هي ظهور حقائق الحق:
    • لا يختلط الحق بالباطل ولا المؤمن بالكافر.
  21. نظام الظهور خصوصًا في ناسوته هو أحسن نظام جزئي:
  22. نقد المعتقدات الميتافيزيقية غير المثبتة:
    • لا أدلة على وجود “مثُل أفلاطونية” أو عوالم دهرية.
  23. التمييز بين مظاهر الفيض والخلق:
  24. معرفة الإنسان في مسيرته الروحيّة:
    • له جهازان معرفيان:
      1. العقل والفكر مع الإرادة.
      2. القلب والإلهام والوحي.
  25. الإلهامات والإنزالات:
    • إلهامات نفسانية قد تكون شيطانية أو رحمانية.
    • القرب من الله شرط أساسي للإلهام الرحماني.
  26. وعي الإنسان ثلاثي المراحل:
    • التجربة، العلم، والمعرفة.
    • المعرفة هي رؤيا الحقائق الربانية، ولا تصل إليها إلا النفوس الصافية.
  27. التمييز بين العلم والمعرفة:
    • العلم فلسفي ونفسي.
    • المعرفة حضور قلب وحقيقة باطنة.
  28. قرب الله دور أساسي في موهبة المعرفة:
    • هو مجال جذب روحي يحفظ القلب ويوجهه نحو الحقائق.
  29. البَـرُّ هُوَ اللهُ.
  30. القرْبُ ينقسم إلى قسمين: النوافل والفروض. الفرض هو قربٌ حقيقي وواجب، وهو تجلّي الحق في الخلق، حيث يكون الحق فاعلَ العمل عبر جوارح وقلوب العبد. أما النافلة فهي قرب غير واجب، إذ يكون الفعل فيها مجرىً للخلق في الحق، ويكون الفرد فيها مؤثّرًا والفاعل الحقيقي جوارحُ الحق تعالى. هذا التعبير مأخوذ من المصادر الشرعية إلى باب التصوف.
  31. أقرب الطرق وأفضل ما يقرب إلى الله هي الفروض، ويجب الاجتهاد فيها. قرب الفروض يؤدي إلى الفناء والانكسار، والفناء عند العارف حقيقة واقعية، لا علمية.
  32. أعلى درجات قرب الفروض من الولاية والعصمة تُوهب بالمنة، وهي خاضعة تمامًا لإرادة الله وعشقه، وتتبعها النبوة والرسالة والإمامة. العصمة والولاية هما باطن النبوة والرسالة والإمامة، وهما أشرف كمالات الإنسان. الولي والنبي هما واسطان للحق تعالى بالظهور، والإمام يضمن استمرار ذلك بفضل العصمة العلمية والعملية التي يملكها.
  33. التصوف ينقسم إلى عملي ونظري. من الناحية الفلسفية، التصوف العملي فرعٌ على التصوف النظري، وقيمة كل عمل مرتبطة بفكرته؛ لذا فإن قيمة التصوف العملي وقيمة الحكمة العملية تتوقف على التصوف النظري والفلسفة النظرية. بناءً عليه، التصوف العملي بذاته لا يحمل مكانة، وإنما التصوف النظري وسموه هو الذي يمنح التصوف العملي قيمته ويجعله مثمرًا. من جهة أخرى، التصوف والسلوك ليسا من علوم المفاهيم والذهن، بل هما أمران سلطويان وعمليان. صحيح أن السالك يحتاج إلى المعرفة والوعي، لكن معرفة خارطة الطريق لا تعني السير فيها. لذا، لا يجب على السالك أن يظن أنه صار عارفًا بمجرد مطالعة الكتب الصوفية، ولا يقع في مغالطة الخلط بين العلم والقدرة. صحيح أن كل علم ينطوي على القدرة الإنشائية، لكن العلوم المفهومية هي “معلومات” مجردة، ولا تعدو كونها مفاهيم وأخبارًا. التصوف ليس مجرد قراءة خارطة أو تعليم، بل هو تدريب على الألم وتمرين على الحب. الحب والمعرفة لا يُنالان بالنظر إلى الورق أو بالطعام المتواضع في الخانقاه، بل بالإخلاص والتقوى الواعية التي تجلب قوة الخضوع.
  34. أغلب من يطلبون العلم فقط يريدون أن يعرفوا كل شيء ويحوزوا كل معرفة، وهم كالأطفال المدللين الذين يريدون كل ما يرونه. وهذه الروح التي تجلب الانشغال المتكرر تتناقض مع السلوك.
  35. من يظن أن باب المعرفة هو مثل باب العلم، وأنه يدرس ليصبح صاحب باطن كما يدرس ليصبح عالِمًا، هو مخطئ! بالتحصيل يمكن أن يصبح المجتهد والفقيه، لكن لا يمكن أن يصبح عارفًا، والتصوف لا يلزم القراءة. مثل الأديب الذي يعرف قواعد الشعر لكنه لا يستطيع نظم بيتٍ منه.
  36. على السالك أن يذرف الدموع، ويبتعد عن الترف، ويتناول من الرزق الحلال، ويحرص على الخلوة والظلام، ويطلب العفو والإيثار، وينعكس خلق أهل المعرفة في نفسه، ويثق في سلوكه ويخصص له وقتًا، ويبعد اليأس حتى لو اضطر إلى ضرب نقطة لسنوات عديدة. عليه أن يؤدي عمله جيدًا ويعلم أن بقية الأمور لا تعنيه.
  37. العلم باب الشكلانية والظاهرية، والمعرفة أمر باطني لا يمكن رؤية نتائجه الفورية بعد رياضة ليلية ونهارية. السلوك لا يكون تدريجيًا بمعنى أن لا يتوقع نتيجة فورية بعد جزء من الرياضة، بل قد يبقى السالك في منزلة لفترة ثم يرتقي فجأة عشر منازل. لو كان التصوف مدرسة فقط، لما تحققت القوة والمعرفة، بل يجب أن يكون هناك رياضة وعبادة ونقاء باطن وصحة وصدق وخلوة واجتناب الكثرة. النتائج لا تُدرك للمبتدئ إلا في بعض الآثار كوجد وحزن. في التصوف لا ينبغي السعي لما يحققه هذا السلوك، بل يجب أن يكون العبد راضيًا بما يهيئه الله له في طريقه.
  38. من طلب العلم يلحظ أثره التدريجي على نفسه، لكن السلوك يحتاج إلى صبر حتى يتحطم قمة الغرور بعد سنوات طويلة من الرياضة، ولا ينكسر جزء منها مع كل رياضة، بل النتيجة دفعة واحدة تظهر فجأة بعد زمن طويل. هذا عمل يحتاج وقتًا وصبرًا حتى يُفتح باب فجأة، يساوي جهد سنوات. العلم تدريجي، أما المعرفة فهي لحظية رغم أن تمهيدها يتشكل تدريجيًا. في العلم يُعلم كل يوم ما يجب فعله، أما في المعرفة فقد يظل السالك لسنوات يطرق وجوده يظن أنه راكد، وفجأة يُفتح باب، وقد يفشل أحيانًا بعد سنوات. في المدرسة لا يحدث هذا، حيث يتعلم الطالب يوميًا.
  39. من الفروقات أيضًا بين العلم والمعرفة أن أكبر آفة السالك هي الشك، فمن يشك في السلوك كالنملة التي تسقط من علو عادت تسير بنفس الطريق بصعوبة. لكن شك العالم ينمو علمه.
  40. السالك إذا دخل في طريق أهل الحقيقة، يحصل على قوة الرؤية والتمكن من المشاهدة العرفانية بإرادته. وعليه أن يحذر ألا يغرق في دنيا الناسويّات ولا يتحرك بحركة أرضية حتى لا يرى خطايا الناس، لأن التجسس على الدنيا ومراقبة الخطايا كجريمة تؤدي إلى سوء عاقبة. قد يُشاهد السالك ذنبًا فيؤذي نفسه، بينما ذلك الذنب يعود لصاحبه الذي يتوب ويجد السعادة. على السالك أن يوجه نفسه إلى الأمور الروحية والملكوت والتوحيد والولاية.
  41. المعرفة تُمنح للمحبين الحقيقيين بصورة مطلقة، فهم أول من يعرفون الحق تعالى، وهم المقصودون بالدعاء المقبول «اللهم عرفني نفسك» في باب المعرفة، و«اللهم أدخلني في كل خير» في باب العمل، و«واجعل عاقبة امورنا خيرا» في باب الختام. هم يأتون بالحق ويعيشون بالحق ويرحلون إلى الحق. هذه هي نهاية المعرفة، والمحبة تكسب المعرفة تدريجيًا بالرياضة والسعي.
  42. المعرفة هي رؤية ووصول وإدراك وبسط وتصور، وليست تصديقًا الذي هو أمر مغلق. المعرفة من قبيل الظهور والانكشاف. من عرف لا يحتاج إلى تصديق الله، بل قد عرفه ووجد نفسه في حضرة الحق وتصور صورته. المعرفة انفتاح واتساع، والعارف هو من يكون منفتحًا غير مقيد. الفرق بين العلم والمعرفة في أن العلم أمر مغلق ويقيد العالِم، بينما المعرفة تحرر العارف.
  43. المعارف تتناول الأمور الجزئية، وليست كالعلم الذي يشمل قواعد عامة.
  44. المعرفة تأتي بالرؤية والوصول، وهي عينٌ في داخل الإنسان، لكن في المحبين غبار الأهواء والشهوات يغطيها، ويجب تنظيفها بالعبادة والاهتمام بالقرآن والرياضة حتى تقترب من ماءٍ صافٍ. كل عبادة ورياضة كأنها معول يحفر في أرض النفس ليجد ينبوع المعرفة.
  45. للمبتدئين الرؤيا والتمثل هي مثل الرؤية، والخيال المرتبط بالنقاء، ثم الخيال المنفصل، ورؤية عوالم الفيض، وحقائق الحضرات الربوبية، كلها تعطي العلم.
  46. بصفة عامة، المعرفة والسلوك لدى المحبين، خاصةً من يتناولون الحلال ويتبعون روحانية الطعام، ويقللون من الكثرة ويتجهون نحو الوحدة، ويرتكزون على الأستاذ، هي عملية مشتركة متكاملة؛ فالسلوك يجلب المعرفة والمعرفة تجلب السلوك.
  47. المعرفة والالهامات الإلهية تدخل قلوب من يسيطر على همزات النفس ويغلق طرق الشيطان ويهدأ قلبه، فتأتيه الحقائق.
  48. الجن والشياطين قد يؤثرون في دخول المعرفة على المحبين ويصورون لهم كذبًا وضلالًا. النفس يجب أن تكون طاهرة لتنال حقائق العوالم المختلفة من المثالي والعقلي.
  49. سبيل تصفية النفس وطلب صفاء الباطن موضح في كتاب “علم السلوك الروحي”.
  50. صفاء النفس وقوة الباطن تجلب الرؤية والمعرفة، والرؤية ليست مقتصرة على العوالم المادية فقط، بل تشمل العوالم المثالية والنفسية والعقلية والحضرات الربوبية من المعاني والحقائق الثابتة.
  51. العقلانية لا تتنافى مع المعرفة، والعقل البشري ليس عاجزًا عن معرفة الطريق، ولا الحب الإنساني جنون يتعارض مع العقل. حدود الفكر تقديم طريق الكمال، والمعرفة دليل وترسل الحقائق. الفكر يصف الظواهر، والمعرفة تصف الحقيقة والذات.
  52. العلم الصوفي إذا برر رؤاه، يصبح فلسفة لا تصوفًا، لأن التصوف هو تلك الرؤى نفسها.
  53. نهاية المعرفة هي الحيرة، إذ يؤمن العارف بالحق لكنه لا يدرك جوهره، والعقل أيضًا يحير، وهذه الحيرة من بداية السلوك، فهي نقطة ولادة العارف.
  54. باختصار: البر هو الله، والقرب هو الفعل الذي يجعل الإنسان مع الله، ولا يكون إلا بالإخلاص، والمعرفة لا تكون إلا بمحبة الإله، والتصوف هو الطريق الذي يجمع بين السلوك العملي والمعرفة النظرية، وغاية التصوف هي الفناء والولاية.
  55. الكتمان الشديد من أبرز خصائص الأولياء المحبوبين. في المسير الروحي والمعرفي يجب منذ البداية التمرين على «الكتمان» واعتبار «الإخفاء» في الأمور الروحية والباطنية قاعدة لنفسه، وألا يفصح عمّا يصيبه في طريق السلوك من مشاقّ، أو معارف، أو نفحات إلهية لأيّ أحد، بحيث يبدو وكأنه لم يلمس شيئًا من المعرفة والروحانية حتى عند جلوسه مع أهله. ينبغي للسالك أن يسير ويعمل بحيث لا يلاحظ أحد أنه سالك، ومن قواعد الكتمان ألا يطمئن أحد إلى حاله، وألا ينفي أحدًا تمامًا، بل يبقي الآخرين في حالة من الشكّ حياله.
  56. العمل هو ثمرة المعرفة وظهورها، والعمل والمعرفة يؤثر كل منهما على الآخر. قيمة العمل تتناسب مع مقدار المعرفة.
  57. في التصوف، يُعرف قدر كل فرد بمُدرّسه. مبدأ «محورية المعلّم» هو ركن من أركان السلوك، بل هو الأهم والأكثر مركزية. معتقدات الرُّوّاد الروحيين ورؤاهم مرتبطة بقوة المعلم، لذا يُعرف مقام الفرد بمقام معلمه. لا يمكن لأحد أن يكون من أهل الغيب إلا إذا كان يعلم من يأمره ومن يقبله.
  58. يمكن للسالك أن يصحب شيخًا متمرّسًا فقط إذا كان يحبّه. فالحب والولاء للشيخ يمنعانه من الشكّ أو وضع شروط للعلاقة، ويجعلانه يرافقه بإخلاص وصدق تام.
  59. تحقيق المعرفة القلبية يتطلب الثقة واليقين بالشيخ. الثقة واليقين هما مصدر قوة السير وقدرة الإنسان. من الضروري التأكد من صحة طريق الشيخ، لكن من لا يجد شيخًا يثق به ويتيقن منه لا يصل إلى المعرفة. في البداية قد يصعب الثقة تمامًا بالشيخ، وهذا ما يزعزع السالك ويفقده اليقين، وهو أكبر عائق للنجاح. بعد تحصيل اليقين الكامل بالمرشد، لا ينبغي الشك أو إثارة الريبة.
  60. الصبر والتحمل لهما أهمية بالغة، خاصة في المراحل الأولى من السلوك. يجب على السالك أن يولي مبادئ السلوك اهتمامًا شديدًا، ولا يتهاون أو يستعجل في أداء هذه المبادئ، خصوصًا الصبر في مرافقة الشيخ، لأن من دون تحقيق المبادئ الأساسية التي تشكل الجذور، لن تكون المبادئ الفرعية (الثمار) مجدية.
  61. من طرق المعرفة الكشف الروحي، وهو رؤية الباطن والغيبيات دون أدوات حسية أو وسائط، بالعلم أو الفراسة أو الفطنة. موضوع الكشف قد يكون أحداثًا أو حقائق. الانشغال برؤية الأحداث يعتبر تأخيرًا في المعرفة، وهدّامًا لها، ونوعًا من الرهبانية والانعزال عن الحقائق الروحية الثابتة. أما الكشف الذي يكون موضوعه الحقائق فهو ما يجعل الفرد محققًا وواصلًا، فإذا لم يتعلّق بحقيقة ما حصل على مقام الجمع.
  62. علم الإنسان في عرفان المحبّ
  63. الله تعالى هو الوجود المطلق. والإنسان هو المظهر الظاهري لله تعالى. عوالم فيض الله تعالى تتحقق بوساطة الإنسان. أول ظهور لله تعالى هو الروح الإنسانية، والظهورات الأخرى هي نزول الإنسان. موضوع العرفان هو الله تعالى كوجود ومظهر، وغاية العرفان هي وجود الحق. والإنسان الكامل هو ظهور الله تعالى، فهو مظهر الوجود. لذا، العرفان يعني الله تعالى والإنسان الكامل، وليس هناك موضوع آخر للنقاش.
  64. الإنسان هو المظهر الجمعي لله تعالى، وعوالم فيضه هي ظهور مقام الختم الجمعي الإنساني. الإنسان بكمال جوهري هو مظهر الألوهية، ويحمل مقام الختم الذي هو مظهر الألوهية. مقام الختم هو مظهر الألوهية. الإنسان في مقام الجمعي هو مظهر الوحدة، والوحدة هي التي تظهر الإنسان الجمعي. مقام الجمعي هو ظهور مقام الختم. الإنسان يمتلك مقام الجمع الربوبي والظهوري، فهو جامع جميع صفات الربوبية والصفات الإلهية، وصفات الظهور العامة، وهو المرآة الكاملة لكمالات الله تعالى. فهو يمكن أن يكون في أعلى درجات العلوّ وأسمى من كل العقول، وفي الوقت ذاته أدنى من كل الموجودات، حتى الظواهر الدنيوية المنخفضة.
  65. الإنسان الذي لا يمتلك النَفَس والعناية الخاصة من الله تعالى يُسمى «بشرًا»، أما الإنسان الذي يمتلك النفَس الإلهي فهو «آدم». مقام الجمع والقدرة على النزول والصعود في جميع العوالم والمقامات واللامحدودية ليست إلا من خصائص آدم فقط، فهو الوحيد القادر على أن يمتلك كل مقام وتحديد، حتى المحدد بلا تحديد، لكنه في كل مقام يحافظ على حالاته البشرية.
  66. مقام الجمع ومقام الختم هو مقام ابتدائي، وهو بداية الإنسان الذي هو حضرة آدم، وبداية الظواهر الأخرى مثل العقل، وبداية العلم الذي هو فيض الأعيان الثابتة. مقام الجمع في كل هذه الأمور يسبق مقام الفرد؛ لأنه مفاتيح الغيب وهو مظهر الألوهية.
  67. الإنسان يمتلك طريقين للسلوك والوصول: علمي فلسفي عقلي، ووصول حضوري عرفاني. الحضور العرفاني هو أمر حقيقي جزئي، والوصول الشخصي هو وصول حقيقي وواقعي إلى الله تعالى والظواهر. المحطة الوحيدة لهذا الوصول هي نفي الطمع. بنفي الطمع يمكن تجاوز أربع كمالات عامة: الطبع (العقل الغريزي والقوة ومصدر الحركة التي تدرك الضروريات)، النفس (العقل الفعلي وقدرة إدراك النظريات)، القلب (العقل المالك والقدرة على استخلاص النتائج وإدراك الكليات)، والروح (العقل المستفاد والوصول إلى الكليات ليس مجرد استخلاص نتائج)، وكذلك المراتب الثلاثة الخاصة للسر: المحو (التوحيد الفعلي)، الخفي (طمس الصفات وتوحيدها)، والأخفى (محو الذات وتوحيدها)، والوصول إلى اللا تحديد.
  68. الإنسان العرفاني لا يطمع، ولا يطمع حتى في الله تعالى، بل ينفي الطمع من جميع الموجودات ونفسه، بل حتى من ذاته الإلهية. لا يرى نفياً للطمع أو حباً لله، بل نفياً للطمع نفسه، فلم يبق له سوى العشق الذي فيه العاشق والعشق والمعشوق واحد، بل لا يمكن حتى الكلام عن هذه الوحدة، بل يجب الصمت والتأمل برؤية الله.
  69. الإنسان الكامل في العرفان هو العارف الذي وصل إلى الله تعالى بلا طمع وبحب عميق، ونور الحق يسطع في سره، وهو لا يرى سوى الحق ولا يرضى إلا به، وليس هناك سواه ليختار رضاه. الإنسان الكامل يرى الله تعالى كشخصية ذات سعة وجودية كاملة وهو محيط بكل الذرات والظواهر، بداية ونهاية، ظاهر وباطن، بل هو فوق كل وصف، فلا يستطيع أن يريد شيئاً غيره أو يفضّل شيئاً على حضرته، فلا يمكن تصور تقدم أو تأخر لديه.
  70. كل الحقيقة داخل الإنسان، خاصة في تحديد علمه بالله تعالى، وليست خارجه. لا يحتاج الإنسان إلى رحلة أرضية ليجد الحقيقة والمعارف، بل يجب أن يغوص في ذاته. المعرفة والحقيقة موجودتان في داخل الإنسان، وإذا ظهر باطن الإنسان بشكل واضح، وصل إلى الحقيقة. باطنه مثل ينبوع متدفق، واضح ومتحدث، قطع حاجته إلى غيره.
  71. من أهم أسس السلوك أن يجد الإنسان نفسه ويعرف ما هو مجموع ميوله وقدراته وكيف يستخدمها، ومدى اتساع توحيده وولايته، وإلى أي حد يمكنه الثبات على الحق والحقيقة. يجب أن يخلو بنفسه ويكتشف أعماق نفسه ويعرف إلى أين يذهب. يجب أن يرى ما هي الأسماء التي تحكمه وما هو لبّ مركزه. نسمي هذا اللب «ربّ». رب الإنسان هو الغاية النهائية التي يصل إليها في نهاية كل شيء، وهو ما يجب أن يكرّس حياته كلها له. الرب هو كيان خارجي يتجانس مع صفات الفرد وخصائصه. يجب أن يجد الإنسان هذه البقعة في خلقة ويكتشف لبّ ميوله ورغباته ليصل إلى نقطة نهايته. السلوك بلا معرفة الرب لا معنى له، وكل حركة بدون ذلك تؤدي إلى التوهان والضياع.
  72. كل إنسان له سر خاص ومميز عن غيره. أحيانًا يكون سر الإنسان مثل سرّ الخضر في التحكم بالعالم، فعلى سبيل المثال يخترق السفينة، وسر آخر مثل سر لقمان في اختراق القلب بالكلام الحاد والفعال، ويظهر سره في كلامه كما يظهر سر الخضر في عمله. أحدهم لديه يد بيضاء والآخر يحمل مقام الجمع الذي يختص به حضرة الخاتم.

الرياضة هي تليين للنفس

الرياضة هي تليين للنفس، والنفس التي تكون متصلبة لا يمكنها أن تصل إلى وادي السلوك وإلى أهل المعرفة. وإن دخلت هذا الميدان بنفسها الصلبة، فإنها تفقد توازنها، ويخرج عن سيطرتها وضبطها، فلا يزيد ذلك إلا في قسوتها وشقائها.
الرياضة لا يجب أن تعطل النظام الفكري والطبعي للسالك، ولا ينبغي أن تضغط على النفس فوق طاقتها. كما يجب ألا تخلّ بالرياضة بحياة السالك. مع ذلك، فإن جوهر الرياضة هو الشدة. فالرياضة هي تدريب يضيق على النفس ويضعها تحت الضغط، لكن يجب أن يكون مقدار الضغط معتدلاً، فلا تُهلك السالك ولا تملأ قلبه بالعقد والحنين، ولا تسلبه النشاط والصفاء والحيوية.

الإرادة والمثابرة في الرياضة

يجب على السالك أن يكون له إرادة في الرياضة، وأن يضغط على نفسه، ويُجهد الكسل، ويكره ما يرضيه، فلا يترك العمل إذا لم يكن محبوباً عنده، ولا يسارع إلى الطعام عند الجوع، ولا يستسلم للنوم عند الغلبة. فإن كان كذلك، فإن نفسه مدللة تسعى وراء الشهوات. بالرياضة ينمو السالك ويحيا، لا أن يُحبط أو يذبل.

ضبط الغضب والتزام أوامر الله

في مقام الرياضة يجب أن يُربّى الإنسان بحيث يتحكم في غضبه، ولا يتحرك إلا بإشارة من الله، وإن شعر بها فلا يتردد في تنفيذها.
من المهم جداً أن لا يعيش السالك وفق “القانون” و”الحق والباطل” فقط، لأن هذه القوانين للمواطنين العاديين. بل يجب أن يتحلى بالسماحة والرحمة والتضحية. عند الظلم عليه، يجب أن يرى يد الله في ذلك ويحب من أساء إليه. وأشد أنواع الرياضة على المحب هو هذا الصبر والمحبة.

المعرفة والسلوك

المعرفة والسلوك هما أن تصير إنساناً حقيقياً مثل الناس، لكن في باطنك أزلية وأبدية.
في طريق المحبين، لا يمتلك القلب إلا من تجاوز المبتدأ، الأبواب، المعاملات، والأخلاق، ودخل في مباحث الأصول. فهذا الذي وصل إلى “الأصل” يمكن الوثوق به ويُؤتمن، لأنه يمتلك القلب، وبالتالي السر، ولا يظهر من نفسه شيئاً. السر هو ثمرة القلب، ونتيجة نضجه هي العطاء الإلهي. من بلغ مقام القلب يُرفع عنه الخوف ويصبح يسير بلا خوف. هنا يبدأ السلوك الحقيقي.

السلوك في ثلاث مراتب

  1. المرتبة الأولى: وجود قصد، أي أن يكون للفرد همّة للسفر وأن يبدأ به.
  2. المرتبة الثانية: الدخول في الغربة. فالسلوك رحلة يجب أن تُقطع وحدها وباطنياً، وهذا يجلب الغربة. فمن يكون محقاً يجب أن يكون غريباً ووحيداً. أولياء الله الذين يصلون إلى الرؤية يُنكّسون ويُرفع عنهم الأنانيات، فيجدون أنفسهم في محضر الله.
  3. المرتبة الثالثة: القرب والرؤية. من غريب في سبيل الحق يحقق القرب منه، ومن يمتلك الغربة والقرب معاً يلتقي برؤية الحق.

الاعتدال والتوازن في العمل والمعرفة

المعرفة هي وادي العمل المتوازن، والصلاة والذكر بلا إنفاق المال لا يؤثران. السلوك الأحادي الجانب بلا عطاء يزيد من نقمة الفرد.
في السلوك يجب أن يكون هناك إنفاق مالي، والمعرفة لا تُمنح مجاناً. من أفضل أسباب الكمال هو التسامح والسخاء، فاليد المعطية لا تحتاج، واليد البخيلة تفتقر. البخل يسبب زوال البركة وينتج الشر.

الولاية والإنسان الكامل

  • الولاية موضوع واسع ومعقد له آثار كثيرة على صحة الدنيا وسعادة الآخرة، وجذر الدين.
  • من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
  • الولاية هي وجه الباطن للأشياء. ذات الله هي ولايته، وهي أعلى وأسمى ولاية مطلقة. ولا ولي له.
  • الولاية النسبية تعتمد على القرب والمحبة للأولياء.
  • كل نبي وإمام يكتسب ولايته حسب مقدار قربه ومحبتهم.
  • العصمة وصف لكل مراتب الولاية، وهي إظهار للقرب من الله.
  • الأنبياء والأولياء هم مظاهر أسماء وصفات الله.
  • النبوة تثبت بالعقل والمعجزة، والولاية هي ظهور محبة العقل.
  • الولاية صفة خاصة للخواص من المحبوبين تحتاج إلى موهبة وتعيين إلهي.
  • الولاية لها وجهان: تكويني وتشريعي، والتشريعي تابع للتكويني.
  • العصمة والولاية موهبة لا يمكن اكتسابها، رغم أن ظهورها يمكن أن يبدو كما لو اكتسب.
  • المعجزات ليست مخالفة للطبيعة، بل تسريع لها، وهي دليل على نبوة.
  • الإمام استمرار النبوة وسبب بقاءها.
  • في عصر الغيبة، الولاية الشرعية لفقيه عادل وموثق، ولا فضل بين الفقهاء الشرعيين.
  • مقام الختمية هو مظهر جامع لأسماء الله وصفاته، وهو أسمى الظهورات، لكن ليس ذاتاً مستقلة.
  • الولاية عند أمير المؤمنين هي ولاية عظيمة وأزلية وأبدية، وولاية الإمام المنتظر هي تجسيد لتلك الولاية.
  • أولياء القرب هم الأربعة عشر معصومين، وظهورهم مختلف.
  • مقام الختمي لا يتحقق دفعة، بل تدريجياً عبر العوالم الربوبية.
  • في عصر الغيبة، ولاية الفقيه الشرعي مثبتة بالتعيين العام وقبول الناس.

مقدمة في كتاب “منازل السائرين” وشرحه

كتاب «منازل السائرين» وشرحه لكاشاني يُعَدّان من الكتب المهمة في مجال السلوك والمحبّة الإلهية. مؤلف الكتاب، خواجه عبد الله أنصاري، هو عارف مشهور في القرن الرابع الهجري، وُلد عام 396 هـ، واسمه الكامل أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وهو من نسل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه. من خلال تدقيق في كتابه، يتبين أنه كان من المحبين الذين قطعوا مسافات في وادي المعرفة، وبلغوا منازل الروحانية التي سردها في كتابه. إنه محب سار في الطريق، لم يكتفِ بالعلم النظري، بل خبر الطريق وقطع المسير.

يُعتبر مسلك خواجه الأنصاري في هذا الكتاب أدق وأشمل من مقامات القلوب للترمذي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، والتعرف لمذهب أهل التصوف لكلابادي، ورسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري. وقد تميز كتابه بالدقة والتنظيم.

يُبيّن خواجه الأنصاري الفرق بين كتابه وغيره من الكتب التي تناولت منازل الروحانية بأن الكتب الأخرى إما اقتصرت على جمع حكايات الصالحين دون تفصيل الدقائق والظرائف لكل منزل، أو خلطت بين مراحل السالك في بدايات الطريق ونهاياته، فلا تفرّق بين الزهد العام والخاص، والإخلاص العام والخاص، ولا تستخدم المصطلحات الدقيقة لهذا العلم في مواضعها الصحيحة.

ومصطلح «منازل السائرين» يعني منازل الذين يسيرون في طريق وجدان الحق. و«المنزل» مصطلح خاص يدل على مرحلة مؤقتة يتحرك خلالها السالك من حالة إلى أخرى دون ثبات، فهو في تحول دائم.

يحتوي الكتاب على عشرة أقسام رئيسية، ولكل قسم عشرة منازل، ليصبح مجموع المنازل مائة منزل. وكل منزل يضم ثلاث مراحل، وبذلك يبلغ مجموع مراحل السلوك النظري ثلاثمائة مرحلة.

الأقسام العشرة هي: البدايات، الأبواب، المعاملات، الأخلاق، الأصول، الأودية، الأحوال، الولايات، الحقائق، والنهايات.

وأسماء المنازل في كل قسم كالتالي:

  • البدايات: اليقظة، التوبة، المحاسبة، الإنابة، التفكر، التذكر، الاعتصام، الفرار، الرياضة، السماح.
  • الأبواب: الحزن، الخوف، الأشفاق، الخشوع، الإخبات، الزهد، الورع، التبتل، الرجاء، الرغبة.
  • المعاملات: الرعاية، المراقبة، الحرمة، الإخلاص، التهذيب، الاستقامة، التوكل، التفويض، الثقة، التسليم.
  • الأخلاق: الصبر، الرضا، الشكر، الحياء، الصدق، الإيثار، الخلق، التواضع، الفتوة، الانبساط.
  • الأصول: القصد، العزم، الإرادة، الأدب، اليقين، الأنس، الذكر، الفقر، الغنى، المراد.
  • الأودية: الإحسان، العلم، الحكمة، البصيرة، الفراسة، التعظيم، الإلهام، السكينة، الطمأنينة، الهمّة.
  • الأحوال: المحبة، الغيرة، الشوق، القلق، العطش، الوجد، الدهش، الهيمان، البرق، الذوق.
  • الولايات: اللحظ، الوقت، الصفاء، السرور، السرّ، النفس، الغربة، الغرق، الغيبة، التمكن.
  • الحقائق: المكاشفة، المشاهدة، المعاينة، الحياة، القبض، البسط، السكر، الصحوة، الاتصال، الانفصال.
  • النهايات: المعرفة، الفناء، البقاء، التحقيق، التلبيس، الوجود، التجريد، التفريد، الجمع، التوحيد.

وعلى الرغم من أن كل منزل ينتمي لقسم معين، إلا أن له ظواهر ومظاهر في الأقسام الأخرى، ما يجعل كل منزل يظهر في جميع الأقسام العشرة، وبالتالي يصل عدد المظاهر إلى ألف مرتبة. ولكن هذا الكتاب يقتصر في الشرح على منزل واحد كمثال، وهو منزل التوبة.

أما أهم شرح لكتاب «منازل السائرين» فهو لكمال الدين عبد الرزاق الكاشاني، الذي توفي عام 735 هـ. كان عالمًا جامعًا بين المعقول والمنقول، درس عند أهل المعرفة وصاحب خبرة علمية في عرفان العمل أكثر من التجربة الروحية الحقيقية. شرحه يعتمد على المعلومات المسموعة من أساتذته أكثر من الحقائق المعاشة، خاصة وأنه كتب شرحه في سنواته الأخيرة. ومع ذلك، فإن للكاشاني تبحرًا علميًا في العرفان العملي، وشرحَهُ يُعتبر تقريرًا دقيقًا لأقوال الكتاب وبيانًا لفصائله بلغة سليمة.

قبل شرح الكاشاني، كتب التلمساني شرحًا على «منازل السائرين»، وراجع الكاشاني هذا الشرح، وذكر عبارات منه، لكنه أصلح الأخطاء ووسع المباحث وعمقها، وأثبت شرحه أكثر دقة وأسلوبًا علميًا. بينما يعتبر شرح التلمساني سطحيًا بالمقارنة.

نحن بدورنا، دَرَّسنا كتاب «منازل السائرين» في الحوزة العلمية بمدينة قم لسنوات عدة، وكتبنا ذلك في مصنف بعنوان «سير سرخ» يضم النص الأصلي وشرحه، وبيّنا فيه معطيات خواجه الأنصاري كمؤلف وشرح الكاشاني كمفسر. كما قمنا بتحليل نقدي لما جاء فيه، وصححنا الغلطات، ونبّهنا على أوجه القصور ومواطن النقص التي وردت في الكتاب. أضفنا إلى ذلك نتائج أبحاثنا التي تعبر عن عرفان المحبين، وهو عرفان يختلف كثيرًا عن النص الأصلي وشرحه، إذ أن محتوى «منازل السائرين» لا يتجاوز عرفان المحبين، وهو تأثر كبير بعرفان أهل السنة، ولا يتناول عرفان العصمة الذي يُستلهم من أئمة أهل البيت عليهم السلام.

كذلك، نحن لا نتفق تمامًا مع تقسيمات القسم والباب بحسب المؤلف، فنحن مثلًا نعتبر «الدهشة» منزلاً مستقلاً ضمن باب الولايات، ونرى أنه من الممكن أن يكون لبعض الأقسام عدد متغير من الأبواب، وليس بالضرورة أن يكونوا عشرة فقط، كما هو عند خواجه الأنصاري. مع ذلك، ترتيب البدايات يُعد مثالًا منظّمًا وعلميًا يستحق الاتباع.

السلوك الروحي، سواء كان سلوك المحبين أو سلوك المحبوب في ثلاثة مراحل، يتطلب ترتيبًا متسلسلًا (ترتيبًا وترتبًا)؛ إذ يجب على السالك أن يبدأ من المنزل الأول ويواصل بالمنازل واحدًا تلو الآخر، لأنّ أي خلل في الترتيب يؤدي إلى تشتت وضياع في الطريق. لذلك، معرفة الترتيب الصحيح للمنازل ضروري للغاية، وكذلك ضرورة مراعاة التوالي والموالات في السلوك، إذ يؤدي الانقطاع إلى فقدان المنازل. المواضعة تعني السير المتواصل، وسرعة التقدم شرط ضمني، فالتباطؤ يؤدي إلى تعلق النفس بالدنيا وعراقيل في الصعود الروحي.

ومن العوامل التي تبطئ سرعة السير فقدان الشباب ودخول السن القديم.

نعتقد أن الكمالات والمعارف تقتضي ترتيبًا متسلسلاً، ولكن يجب ملاحظة أن جميع الظواهر في الوجود تتم بشكل مشاع، وأن السالك في طريقه يقطع المنازل أحيانًا بشكل متداخل، فقد يخطو منزلًا أعلى في حين لم يُتمّ منزلًا أدنى، ويكمل ما فات لاحقًا. هذه قاعدة هامة في السلوك الروحي، إذ أن السير التصاعدي مصحوب بسير نزولي، ومع ارتفاع السالك يزداد خطر السقوط. لذا لا ينبغي للسالك أن يقع في الغرور، بل يجب أن يدرك ضيق الطريق كلما ارتقى، مع العلم أن ذلك لا يعني يأسًا أو استسلامًا.

وأخيرًا، كتاب «منازل السائرين» هو نص علمي مهم في العرفان العملي والأخلاق، لكن القليل من معطياته تعبر عن فكر عرفاني مستمد من أئمة أهل البيت عليهم السلام. نرجو أن يملأ هذا الشرح هذه الفجوة، ويُرسخ العرفان العملي على أساس العقل والشريعة، ويؤسس له في الثقافة الشيعية، ويحيي عرفان المحبين الذي تراجع بسبب أجواء التقيّة والضغوط السياسية.

إذا أردنا إعادة صياغة «منازل السائرين» بطريقتنا، فسنضع محور السلوك على الرفقة، المحبة، تزكية النفس، ونفي الطمع والألم، لا على التخلي عن الشوائب وتحلية النفس بالكمالات كما يدعو العرفان الكلامي، لأن ذلك ما هو إلا تزيين للنفس وتزويق لها لإغراء «الأنفُس» بدلاً من التحرر منها. وإن وافق هذا الطريق من وصل إلى الحق، فإن النفس تقتنصه.

الكتاب يبدأ بالبدايات ويختتم بالتوحيد، وهو منهج المحبين والمتوسطين، أما المحبوبون فلا يطوفون بين مئات المنازل، وإنما يختصرون الطريق في كلمة «ترك الطمع» وثلاث منازل هي: ترك الطمع من النفس، وترك الطمع من الخلق، وترك الطمع من الحق تعالى. عرفان المحبوبين هو خراب ما سوى الحق وإعمار الحق.

لا يصل إلى التوحيد إلا من انفصل عن نفسه وقدّمها لله، حيث لا يبقى إلا الحق، والله ليس سهل المنال لمن هو في وضع «النفس». والله يعرف الطماعين، لذا يعطي المعرفة للمنقطعين عن الطمع ويجعلهم يحققون ويفرضون ويفرّقون حتى لا يبقى إلا الحق، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «كمال الإخلاص نفى الصفات عنه»، حتى يجد ما سوى الحق معدومًا.

فقط من تخلّى عن نفسه بالكامل يصل إلى التوحيد. الطريق مفتوح، شرطه الانفصال والتخلّي عن ما حازه السالك. بهذا الانفصال وعبور منازل النهاية، يصبح الولي جمال الحق وجلاله، ويصل إلى لقاء الله والاتحاد مع الذات الإلهية، وهو الذي يمتلك جميع أسماء الله الحسنى، وكل وصف يُقال عنه لا يكفيه. كما جاء في الحديث:

«يا سلمان، نزّلونا عن الربوبية، وادفعوا عنا حظوظ البشرية، فإنّا عنها مبعدون، وعمّا يجوز عليكم منزّهون، ثم قولوا فينا ما شئتم.»

عندما لا يعلم الإنسان شيئًا في وصف وليّ الله، فما الذي يستطيع أن يقوله؟ إنّ المعرفة والحقائق تظهران في ميدان التوحيد، حيث يمكن الوصول إلى ذات الحق تعالى بصورةٍ مجردةٍ خالصة. يجب أن تُزال الرغبة والطمع من النفس إلى الحدِّ الذي لو حدث يومًا أن الإنسان دخل في صراع معه، فلا يكون له ما يعينه على المواجهة، ولو وُجد الودّ والمحبة، فلا يطلب كمالًا منه، بل يكون صديقًا رفيقًا له. وحتى لو افترضنا ـ على سبيل المستحيل ـ أن الله تعالى صار متسولًا في زقاقٍ ما، فيقول: “إن لم تكن شيئًا ولا تملك شيئًا، فإني أحبك.”

إن كانت العلاقة مبنية على الطمع، فهي مؤقتة تزول بزوال أصل الطمع، وينقطع هذا الرابط. ومن الطبيعي أن يتبع المرء ما يريده الحق تعالى ومن ناحيته، وأن يواصل السالك العمل الذي يضعه الله تعالى أمامه ويطيعه. إذ تُستلهم الدروس من مدرسة الحق: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)[90]، فإذا أمر بحضور درس معين، يجب الحضور.

وكما أن الشافي هو الحق تعالى، فقد أمر بالرجوع إلى الطبيب. إن طلب العلم أو المال أو الكمال لا ينبغي أن يكون بدافع الطمع، وإلا فإن هذا الكمال لن يكون إلا نجاسة ودمًا وفيروسًا. فالكمال الطاهر هو الذي يكون في سبيل طاعة الله تعالى، فهو مثل شرب اللبن الذي ينمي الرضيع ويجعله قويًا.

التوحيد يعني الوصول إلى الحق من غير أن تكون للذات وجود مستقل أو أن تأخذ شيئًا من الله. التوحيد هو أن تكون متفرجًا، حتى لا ترا نفسك كمراقب. الله يمنح التوحيد لمن يضعه في موضع الخشب، فيدسه في التراب، ويكسر عظامه، ويحطم كل جسده، وليس لمن يريد أن يستغل الله كما يرغب ليكبر ويتضخم! كأنه جالس على المائدة وهو يمد يداه هنا وهناك مثل العلق الذي يخرج من فمه.

لا يُعطى التوحيد بالدهاء والطمع، بل بالاستسلام الكامل والابتعاد عن الذات، فتتهيأ الأرضية لدخول عالم التوحيد إلى حيث لا وجود للذات، وهو مكان لا يمكن بلوغه بأقدامنا، وإنما الله هو الذي يغمر الرأس في الماء أولاً، وعندما لا يبقى شيء، هو ذاته الذي يصل.

العرفان المحبّي لا يمتلك منازل ولا مراتب، وما ورد في كتب العرفان العملي مثل «منازل السائرين» هو منازل المحبين المتوسّطين، ولا يتضمن شيئًا جديرًا في المناهي العليا، كما أن ما قدّمه ابن سينا في كتابيه «الإشارات والتنبيهات» هو منازل العارفين فقط، ولم يتجاوز فكره تلك المراتب. لا مكان للمنازل والمراتب في العرفان المحبّي. فالمحبّي له منزلة واحدة فقط، وهي نفي الطمع أو امتلاك الحب النقيّ الخالص، الذي يُمنح له بشكل فجائي ودون حاجة إلى رياضة أو تحصيل.

أهم عائق للوصول هو “الطمع”، ومن استطاع أن يقطع الطمع عن نفسه، وعن غيره، وعن الله، وألا ينتظر شيئًا، فقد وصل. هذا الذي وصل لا يريد أن يجرح الآخرين. حافظ سمع شيئًا عن العرفان وقال شيئًا عنه، لكنه لم يرَ منه شيئًا. هو يقول بشكل غامض: «أنت الحجاب عن نفسك، يا حافظ، فانزح من بينهما». لقد سمع كلامًا جيدًا عن العرفان، لكنه لم يملك معناه.

لقد تناولنا في كتاب «آفاق كليات ديوان نكو» نقائص العرفان المحبّي لدى خواجه حافظ شيرازي مع الاستشهاد بأدلة من ديوانه، وقدمنا دراسة جديدة وفريدة عن العرفان المحبّي في نظمٍ بعنوان «نقد صافي» في أربعة أجزاء، استعرضنا فيها الاختلاف بين العرفان المحبّي والسلوك المتشتّت للسالكين المحبّين والمشوشين. هذا الكتاب يحتوي على تفكّر رقيق جدًا لفهم الفرق بين العرفان المحبّي والسلوك المتفرق.

من القواعد المهمة في السلوك العملي ضرورة مراعاة التوافق مع النفس. التوافق في السلوك هو الحالة التوازنية التي تبتعد بالنفس عن الإفراط والتفريط، وتجعلها جاهزة دائمًا للركوب والتحرك. التوافق يعني التناغم بين جميع القوى والرغبات والدوافع النفسية، إلى جانب الحذر والحيطة اللازمة لتوقع تمردات النفس والوقاية منها، وأن تكون النفس دائمًا مطيعة ومسيطرة تحت يد السالك، مع توجيه وتحكم مستمر لكي تكون في خدمة السالك لا أن تكون تحت سيطرة النفس ذاتها. كما يجب أن لا يكون للسالك هجمات مفاجئة وعنيفة على النفس، وألا يكون ملوثًا بالرياء والنفاق، وألا يلجأ إلى التظاهر والخداع الذاتي أو خداع الآخرين. التوافق النفسي أمر يجب مراعاته في كل شيء.

النفس لا يمكن السيطرة عليها ما لم تكن خفيفة، والنفس التي تميل إلى الخفة يمكن أن يُنسجم معها ويُتوافق. في التربية، يجب عدم إرهاب النفس أو إرهابها بالخوف والجهد الشديد من البداية، حتى لا تعجز أو تصاب بالمشكلات، وبعبارة أخرى، يجب «مراعاة النفس» برفق. يجب أن ترضى النفس نسبيًا أولاً حتى يمكن إجبارها على تحمل المشاق. النفس التي تبدأ بالرفض والغضب في البداية تصاب بالعناد والتمرد في منتصف الطريق، خاصة إذا كان الفرد في فترة الشباب، وتم عرض سيف الرهبة عليه من البداية. ومع ذلك، فإن الرياضة والجهد هي للسالكين المحبين، أما المحبون فلا يمارسون الجهد إلا كتحمل للبلاء، وأفعالهم وسلوكهم كله حب وعشق وقرب، مع صدق وحسن ظن بالله تعالى، ونظرة عاشقة دائمة. كما أن الله هو المحب، والمحبة ليست استبدادًا، لذا يجب على السالك أن يتعامل مع نفسه بمحبة وشفقة لا بقسوة وعنف. المحبة توسع النفس، بعكس العنف الذي يقيدها. الله موسع لا مقيد. العالم كله محبة وانبساط، ولا أحد يستطيع فرض شيء على نفسه بالقوة، بل يجب التعامل مع النفس بطريقة توافقية، حيث تكون الإرادة مشتركة بين الفاعلين.

عندما يمهد المحبون أنفسهم بالرياضة، يصلون إلى الصدق وحسن الظن والتصديق. السالك يكون ذو ولاية وحب عام، يحب الجميع ويصغي إلى كلام الجميع. يجب على السالك أن يكون ودودًا ورحيمًا مع جميع الموجودات، يحبهم، ويظهر لهم المحبة من خلال النصيحة والموعظة الحسنة.

في منزلة الصدق، لا يرهب النفس، بل يعنفها وينهال عليها حتى تروض وتشبع وتتمكن من التضحية. لا يستطيع فعل ذلك إلا من لم يرهب النفس، وعندها فقط تستطيع النفس التضحية. من لم يروض نفسه لا يستطيع التضحية. النفس إذا خافت تنهزم في السلوك. من الناحية النفسية، السبب الرئيسي للفشل هو الخوف. إذا ارتجف قلب الإنسان من الخوف، لا يشبع بصره، كما الذي يعاني من الفقر الاقتصادي، لا يشبع بصره وقلبه. لتثبيت السلوك، يجب مراعاة الحرمات والحدود الشرعية، والتحلي باللطف مع الخلق، وعدم التشدد، والابتعاد عن تضييع العمر، والابتعاد عن الأمور المشكوك فيها، والابتعاد عن الأمنيات والرغبات.

من شروط السلوك ترك الكلف والتشدد، وجود موونة سهلة وروح متوافقة ومتعاونة، والتي تتطلب الابتعاد عن كل أنواع التكدس والطمع وحمل الأمور غير الضرورية، والخفة والتواضع. أي ثقل يجعل الإنسان متعثرًا في الطريق. الذي يكون خفيفًا وبسيطًا وسهلًا يستطيع أن يتآلف مع العالم والناس ويصادقهم. حتى لو أراد أحدهم أن يصادق نفسه الحقيقية، يجب ألا يحمل أعباءً ثقيلة وحياة معقدة، وإلا كان ذلك نقمة عليه وعائقًا له في السلوك والوصول إلى المعرفة والحقائق.

من بين كتبنا الصوفية، كتابان يُعتبران من أبرزها: «عرفان المحبّين» و «سالك المحبّ». في سلوك المحبّ، لا يمكن رسم طريق واحد بمراحل محددة وثابتة لجميع العباد للوصول إلى الله تعالى؛ لأن طرق ومنازل كل عبد تختلف عن الآخر، ولكل شخص طريقه الخاص إلى الحق تعالى، كما أن سرعة سير كل عبد تتفاوت أحياناً بين البطء وأحياناً أخرى القفزات السريعة. وهذه الفروقات فردية ونوعية معاً. وبالنظر إلى التشتت الذي يميز سلوك المحبّ، أطلقنا على هذا الكتاب اسم «سالك المحبّ» لنبيّن خصائص هؤلاء السالكين بصورة إجمالية، لا الطرق المختلفة والمتشتتة لهم، خلافاً لـ«عرفان المحبّ» الذي يتسم ببنية واحدة، ولذلك أشرنا في عنوانه إلى «عرفان المحبّ» ليعكس وحدة مسيرتهم وقربهم من المعرفة.

علم السلوك الروحي

لقد شرحتُ في كتاب «علم السلوك الروحي» المبادئ الأساسية للسير الروحي في المذهب الشيعي، وأصول السلوك الصوفي بأسلوب خاص لمحبي الله، حيث أنشأت لأول مرة في مدرسة التشيع «علم التصوف العملي» مستنداً إلى تعاليم أهل البيت عليهم السلام، وبيّنت أهم القواعد التي تؤهّل صاحب الاستعداد للسلوك للوصول إلى عالم الغيب والروحانية.

الوصول إلى الغيب والسلوك يتضمن ثلاث مراحل ثلاثية الدراسة والعمل: الأولى، الالتزام بالشريعة والوعي بها والعمل بمقتضاها، الثانية، السير في الطريقة، الثالثة، بلوغ الحقيقة والصدق معها. يُطلق على هذه المراحل أسماء المبتدئين، المتوسطين، والعُليا أو مراحل العمل والحال والوصول. وتربية السالك ترتكز على هذه المراحل.

يهدف التصوف العملي إلى تمكين صاحب الاستعداد للسلوك وفق قواعده وأصوله للوصول إلى القلب، وإدراك الغيب، وزيارة ورؤية الحقيقة الذاتية للوجود. وهذا السير في الثقافة الشيعية له مسار واضح، لكن روح حب المعرفة لدى الإنسان أدت إلى رسم طرق متباينة ومشتتة، وغالبها، بسبب البعد عن أهل العصمة والطهارة، تفتقد إلى الصدق والصحة الكاملة.

العرفان هو علم الاهتمام بفصل النور الداخلي للإنسان. ما يُقال عن الإنسان ويُعرّف بأنه «حيوان ناطق» هو تعريف لفصل الطين، ولكن الإنسان له فصل آخر نوراني يعود إلى العليين. العرفان هو العلم الذي يرشد الإنسان لاكتشاف هذا الفصل النوراني في ذاته ويُرجعه إلى أصله. المرحلة الأولية لهذا العلم الثلاثي، وردت في كتاب «علم السلوك الروحي» في إطار ثمانية وستين مبدأً من مبادئ وأصول التصوف العملي الشيعي، وقد تناولت فيه أيضاً قضايا الولاية كمرتبة ثانية من هذا العلم، ومسائل التوحيد كمرتبة نهائية في كتب أخرى، خاصة في شرح «فصوص الحكم» لابن عربي.

العرفان مرتبط بـ«القلب» الإنساني، وأصحاب الاستعداد العرفاني يحملون دائماً «ألم القلب» في طريقهم، وروح طلب الملكوت لا تستقر في الدنيا الترابية.

يُعتبر «علم السلوك الروحي» بمثابة مقدمة لشرح «السير الأحمر»، وإذا اطلع القارئ الكريم على هذا الكتاب، سيكون أكثر استعداداً وقدرة على التفكير الدقيق في مفردات شرح «السير الأحمر».

ذكرنا في هذا الكتاب أن السلوك موهبة فطرية وليست مجرد تحصيل علمي، وهو من خصائص الذات التي تحقق هذا التوجه. السلوك هو فعل ونمو من الباطن، فإذا لم يكن للشخص استعداد له، فلن يُثمر أي جهد لاختراقه. العلاقة بهذا الأمر ليست تعليمية بل هي فعل داخلي. يجب معرفة مقدار وجود الذات وهل تحوي استعداد السلوك أم لا، وهل يمكن الاتصال بالعالم ما وراء الطبيعة أم لا.

«السر» يجب أن يكون موهبةً كامنة في داخل السالك، وإلا فلن يصبح أحد بصاحب نفس وروح بمجرد دراسة التصوف بالكتب والقلم. صاحب النفس والروح من خصائص أولياء الله، وهذا ليس تعلماً أو تحصيلاً، وليس من قبيل أنه يدرس ويصبح صاحب نفس أو معجزة أو كرامة. يجب أن يكون للسالك استعداد سلوك، والمعلم والوصفات الروحية تساعد فقط على صقل هذا الكنز المخفي، لكنها لا تخلقه.

السالك في طريق السلوك لا يطلب شيئاً ليُعطى له، بل يجب أن يعرف ذاته ويجدها. المعرفة ليست تعلماً بل وصول وتحقيق وقرب واستعادة لذاتيته الداخلية بمساعدة المرشد. السالك أولاً يجد ذاته ثم يفقدها. من لا يمتلك استعداد السلوك ويقرأ «علم السلوك الروحي» يشبه الموسيقي الذي يتعلم المقامات لكنه لا يملك صوتاً جميلاً، وعلمه لا ينفعه. أول مبدأ للسلوك هو أن يكون للسالك استعداد ذاتي، وبوجود هذا الاستعداد يجب أن يطلب معلمًا ليكشف معه ما في باطنه من خلال تهذيب وتزكية واختبارات ليلية وزهد وخلوة.

امتلاك استعداد السلوك يختلف عن حب التصوف والتودد إليه، وكثير من هذه المحاباة هي مجرد نزوات لا تنسجم مع طبيعة الفرد وطبيعته. مع ذلك، إذا أمضى المرء وقتًا طويلاً مع صوفي، يأخذ لون وروح التصوف، وإن لم يأخذ رائحته فقد يشرب من لبنه فقط. ولكن حديثنا عن الذين يستطيعون بلوغ غاية العمل ويكونون من الأنبياء والأولياء الإلهيين وأهل الغيب والتمكين.

السالك يجب أن يكون خلاصة التصوف لا مجرد ملتصق به، وخلاصة التصوف هي لمن يمتلك الكفاءة والقدرة والاستعداد.

إلى جانب الاستعداد، يمتاز السالك في السلوك بمهارة خاصة ويجب عليه معرفة طبيعة نفسه ليستطيع السير بسرعة أكبر ويدرك عمق وجوده ويحفر في داخله ليبلغ ماء المعرفة الصافي، وإلا فإن طبيعته ستجف.

للمحبين طرق مختلفة ومعروفة بمزايا خاصة في طلب المعرفة، فبعضهم ينمو بالصدق والنقاء واليقين وبناء الثقة والحفاظ على الأخلاق، ويكون ذلك نتيجة طاعتهم لعالم رباني وإيمانهم به ومتابعتهم إشارته، فينالون الخيرات والمكافآت بالقوة. وآخرون يحتاجون إلى الزهد والرياضة والذكر لرؤية النتيجة. هذان الطريقان يؤديان إلى الصفاء والتواضع ويبعدان الغرور والكبرياء. فئة ثالثة تنال الخيرات عبر تطبيق نصائح الصوفية واستخدام خبراتهم. إذا تمكن السالك المحب من التوفيق بين الصدق والصفاء وقبول النصيحة وفهم الأستاذ، يكون نجاحه أعلى.

بعض السالكين كانوا يسافرون بحثاً عن الحقيقة، ونتيجة السفر تجلب الصعوبات والخيرات معاً، فيقيمون فترة مع علماء أو صوفية ليأخذوا منهم ثم يكملون طريقهم.

بعض السالكين يختارون طريق الخدمة دون دراسة، يكتفون بالخدمة فقط.

آخرون يسلكون طريق الانكسار ويتهدمون ذاتياً ليخفوا مكانتهم في أعين الناس.

وهناك المجاهدون الذين يصبرون على البلايا والمصاعب من دون شكوى أو تذرع أو مراوغة.

بالتالي، يجب على السالك أن يعرف مكانه ضمن هذه المجموعات ويختار الطريق الملائم لطبيعته وباطنه، وإلا سيجعل سيره طويلاً وشاقاً. ولهذا السبب، فإن كثيراً من كتب التصوف ونصائحه لا تناسب العديد من السالكين ولا تحقق لهم نتائج، بل تتركهم متعبين ومحبطين.

أمّا ما يخص «النمط التاسع والعاشر من كتاب الإشارات والتنبيهات» لابن سينا، فهو من أهم الكتب الفلسفية الصوفية الإسلامية، ويُعتبر من أبرز إسهامات شيخنا أبي علي الحسين بن عبد الله (370 – 428 هـ). هذا الكتاب الأخير من مؤلفات ابن سينا يتفوق في القيمة على «الشفاء» و«النجاة» وغيرهما. ينقسم الكتاب إلى فصول ومنهج فلسفي متكامل يعرض المنطق والحكمة والطبيعة والوجود وصولاً إلى منازل العارفين وأسرارهم.

النمط التاسع بعنوان «مقامات العارفين» يركز على الإنسان والكمالات الإنسانية، ويوضح منازل وحالات العارفين في طريقهم، وليس على الملائكة والمجردات. أما النمط العاشر بعنوان «أسرار الآيات» فيكمل بحث النمط التاسع ويعرّف أسرار وخصائص العارفين وأولياء الله، بما فيها المعجزات والكرامات.

الكتاب إذن موضوعه «العرفان» و«منازل ومقامات العارفين» بهدف التعريف الدقيق بروحهم وخصائصهم وأسرارهم.

العارف هو صاحب سرّ خاص في باطنه يميّزه عن غيره، فالناس يحملون هذا السر لكنهم غير واعين له، أما العارف فهو مدرك له، ولذلك سُمِّي هذا العلم «علم العرفان» وهو «حقيقة التصوف». العارفين الحقيقيين نادرون، وكثير منهم غير معروفين، ولا يُعلمون لأحد سرّهم.

هذا الكتاب أعظم إرث تركه ابن سينا لنا من التصوف والروحانيات التي تعمّق معرفتنا بالإنسان والوجود. ويُعدُّ مرجعاً مهمّاً لدراسة العرفان والروحانيات الإسلامية في أرقى صورها.

البنية والتنظيم الدقيق للإشارات
تتمتع إشارات هذا النص ببنية دقيقة جدًا ورفيعة المستوى. تبدأ حكمة هذه الإشارات من مفهوم الوجود، حيث يقسم الوجود إلى مجرد ومادي، ويرى الوجود أوسع وأعمق من المادة والماديات. ثم يتحدث عن الصنع والأرواح، متناولاً الأرواح الإنسانية وغير الإنسانية، ويطرح موضوع غاية الكون والإنسان، مستعرضًا سعادتهم وشقائهم، والملذات والآلام التي يختبرونها. وينتهي النقاش إلى “طلب مقام الإنسان” ويجعل غاية الإنسان موضوع التصوف، مؤكداً أن الإنسان هو الكائن القادر على بلوغ المعرفة التصوفية الشاملة والكاملة، ثم يوضح ذلك في نمطين نهائيين من الإشارات.

في النمط التاسع، يروي الشيخ قصة “سلامان وأبسال”، والتي تُعتبر من لغزيات وأسرار التصوف. تتناول هذه القصة مسار الإنسان في معرفته ونضجه الروحي، ويمكن القول إن الشيخ يرمز إلى الإنسان العارف بشخصية سلامان، ويرمز إلى مقامه أو درجته بشخصية أبسال. وبالنظر إلى خصائص القصص الرمزية، يضع الشيخ الرجل الذي يتمتع بالعقل والسلطة كنموذج للإنسان العارف، والمرأة كمظهر للجمال والكمال وتجلي المحبة، معتبرًا إياها رمزًا للمقامات الصوفية.

ذكر الشيخ أسرار أولياء الله تحت ثلاثة عناوين رئيسية:
أ. الامتناع عن الطعام لفترات طويلة، وهو ما يشير إلى بعض المراحل الأولية.
ب. الأعمال الخارقة للطبيعة وغير العادية، مثل الطيران عبر الأرض، التي تدل على تمكين العارف.
ج. الإخبار بالغيب، الذي يعرض رؤية العارف للآخرين. ولإثبات إمكانية الإخبار بالغيب، قدم الشيخ نقاشًا مطولًا في ستة عشر فصلًا من كتابه (“الإشارة والتنبيه”).

في نهاية الكتاب، يضع الشيخ وصيتين هامتين:
الأولى أن الإنسان العاقل لا ينبغي أن ينكر كل شيء، كما لا ينبغي أن يقبل كل شيء بسهولة وبدون دليل. الذين يقبلون الأمور بسهولة أو يرفضونها بلا تفكير لا يستحقون التقدير، ويعزى ذلك إلى ضعفهم. يوصي الشيخ بأن يُحتمل كل أمر حتى يثبت برهان دقيق، لكنه لا يلزم بقبوله. هذه قاعدة أساسية لكل عاقل وحكيم وفيلسوف يرغب في الدخول إلى المجالات العلمية والعقلية، فلا ينبغي له أن يقبل بسهولة كل قول، ولا أن يرفضها جميعًا بحجة وجود أفكار خاطئة وشائعة.

أسلوب الشيخ في كتاب “الإشارات” ملخص ولا يغوص في تفاصيل المراتب والحالات الصوفية، لذا ينبغي اعتباره تمهيدًا عامًا للتصوف، ولا يصلح للاستخدام العملي الذي يفيد السالك في تحديد مراتب حاله ومستواه، فهو حديث متفرق للنصيحة والتذكير، وهذا من خصائص الكتب الأخلاقية الكلامية.

شرح فصوص الحكم
الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربي (توفي عام 638 هـ) هو صاحب اثنين من الكتب الصوفية الهامة: “فصوص الحكم” و”الفتوحات المكية”. أعتبره من العارفين المحبّين، وأرى أن مؤلفاته مستندة إلى معطيات كلامية ومعتقدية لأهل السنة.

هو من أقوى العارفين المحبّين وقائد هذه المجموعة من السالكين، وقد دخل التصوف وفقًا لمعتقدات أهل السنة الكلامية. أركز هنا فقط على كتابه “فصوص الحكم”، الذي شرحتُه مرتين في مدينة قم، وقد سجلت الدروس الثانية التي وصلت إلى 1151 جلسة، ويعد شرحي هو الأطول والأوسع على الإطلاق لهذا الكتاب باللغة الفارسية.

شرح “فصوص الحكم” المعروف باسم “مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم” من تأليف داوود قيصري (توفي 751 هـ) الذي كان تلميذًا لعبد الرزاق الكاشاني. ورغم أن شرح قيصري يعد نصًا دراسيًا ومن أهم الشروح، إلا أن قيصري في كثير من الأحيان لم يتمكن من فهم مراد ابن عربي ولا معاني فصوص الحكم بدقة. هو يتبع آراء ابن عربي دون استقلالية، ويكرر أخطاء الشيخ أحيانًا، ويصل في بعض الأحيان إلى تحريفات معنوية للنص. شارح قيصري لم يكن على معرفة عميقة بالتصوف والتقرب، واعتمد على ما سمعه دون رؤى شخصية. مع ذلك، يظل شرحه متماسكًا ومنظمًا ويستحق لقب شرح.

قيصري في مقدمته يمجد ابن عربي ويطلق عليه لقب “خاتم الولاية النبوية”، وهو لقب نخصصه لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). تحتوي مقدمة قيصري على قواعد وأصول التصوف وأسس الشيخ الأكبر، وتناقش مسائل جوهرية مثل الوجود والوحدة والأسماء والصفات والعلل والنزول والإنسان والولاية والنبوة، مما يقدم أساسًا لفهم تصوف الشيخ.

في شرحي، هدفي إعادة النظر في الثقافة التصوفية السائدة ونقدها وتصحيحها، وإلا لما اعتبرته نصًا دراسيًا. أردت أن أُصحّح هذا الكتاب بحيث يكون مرضيًا للشيخ وشارحه على حد سواء، خاصة أنهم عاشوا في زمن قاسٍ يعاني من قلة العلماء واضطهاد الحكام. اخترت هذا الكتاب لتدريسه وشرحه لأنه يمثل عملاً جامعًا ومختصرًا في مجال التصوف، وهذا ما نفتقده في تراثنا.

على سبيل المثال، أعمال السيد حيدر العاملي، مع أنها شيعية وولائية، تعاني من مشاكل جذرية. ومن خلال شرحي، أحاول تقديم تصوف نظري متماشي مع الثقافة الولائية والتوحيدية لأهل البيت (عليهم السلام). هذا الشرح يُظهر أن باب الولاية والتصوف الشيعي غني جدًا ولا يحتاج إلى كتب مثل “فصوص الحكم” وشرح قيصري عليه. أتمنى أن أتمكن من تأليف نص شامل في التصوف مستندًا إلى شرحي، ليكون بديلاً دراسيًا مثل “فصوص الحكم”.

في شرحي، أصلح مقولات التصوف المحبّي في “فصوص الحكم”، وأقدم تصوفًا شيعيًا محبًّا، وأعيد النظر في المعطيات الكلامية والفلسفية والفقهية والتاريخية والعلمية التي استخدمها الشيخ، وأبدلها بتصوف دقيق. كما أشرت إلى كلام الشيخ العالي والمهم، حيث إن كتابة أكثر من 150 شرحًا على هذا الكتاب دليل على عمقه العلمي.

“فصوص الحكم” هو أفضل كتب محيى الدين وأسمى من “الفتوحات”، ويحوي أصول التصوف عند ابن عربي، كما أن “الأسفار الأربعة” هو أفضل كتاب صدر عن صدر المتألهين ويحتوي على أصول فلسفته. محيى الدين سلك طريق التصوف بنجاح، وبفضل ذهنه القوي، تمكن من نقل تجاربه ومعانيه إلى كلمات.

في الأدب البشري، “منازل السائرين” هو أفضل كتاب في التصوف العملي، و”فصوص الحكم” من أفضل الكتب في التصوف النظري. هذا الكتاب كتب برؤية ابن عربي وهو نص تقني. بفضله، خرج التصوف من الضيق وأصبح شاملاً، مما يظهر عمق وفلسفة محيى الدين. أصبح كالشمس في عالم التصوف، وتأثر به العارفون اللاحقون بشكل كبير.

على الرغم من عظمة ابن عربي، لم يخلُ من الغرور والاعتداد بالرأي، ما أدى إلى بعض الادعاءات غير المبررة، وقد لوّث “فصوص الحكم” بعدة إضافات غير دقيقة. ولكن هذه العيوب لا تقلل من عظمة مساره الروحي. هدفنا هو التحليل العلمي لكتابه وليس الحكم على قربه الإلهي، فهو شأن الله وحده.

السلوك ليس بكثرة العمل، بل بالقيام بالأعمال الأهم؛ الأعمال التي تحمل مشقة قليلة ونفعًا عظيمًا. من الأمور المهمة جدًا للسالك، معرفة المواقف الخاصة، ففي أحيانٍ يهيئ الله سبحانه وتعالى للسالك فرصة خدمة أحد أوليائه، فإذا لم يغتنمها، يكون قد قطع مسافة سنوات من النور، واخترق الحجب، لكن ضياع مثل هذه الفرصة يسقطه إلى أدنى مراكز الثقل النفسي والكوني.

ينبغي بدلاً من العمل المفرط، معرفة فنون السير والسلوك، وبدلاً من انشغال بالأعمال المهمة، العمل بالأهم منها، وبدلاً من كثرة الأعمال الأهم، الانتهاز اللحظات، وأداء العمل الأهم في أفضل اللحظات.

على السالك أن يبتعد عن الأمور المربكة والمشككة التي تُوقعه في الحيرة والفتنة والوسواس، وكذلك عن الأمور التي تجعله مفتونًا بنفسه، مثل حب الذات، التكبر، الأنانية، وحسن الظن المبالغ فيه بنفسه، لأنها لا تؤدي إلا إلى انشغال النفس بغير الحق، وتتعارض مع مبدأ السلوك الذي هو فقدان الذات، فتقوده بدلاً من الصعود إلى السقوط والهبوط.

هذه النقاط هي من أصول السلوك الأساسية، ولا بد من مراعاتها من بداية الطريق حتى نهايته، حين يصل السالك إلى المرتبة العليا.

في السلوك، لا يستطيع أحد أن يختار الطريق الصحيح إلا إذا كان له قدرة علمية، والعلم هو نور الطريق. لذلك، قراءة كتب العرفان العظيمة مثل «تمهيد القواعد»، و«الفصوص الحكم»، و«مصباح الإنس» تُعد درعًا وقائيًا، تمنح السالك وعياً يتحكم من خلاله في مداخله ومخارجه، وتحميه من الوساوس، والمكر، والمخاطر التي يحيكها الشياطين الإنسية والجنّية، والتخيلات والوهم، وتوقظه من الغفلة، وتنبهه عند اقتراب الأعداء من الإنس والجن، فتُعلن له حالة الخطر (الأصفر أو الأحمر)، ليحذر ويستمسك بلطف ومحبة الله، فلا يفقد ملجأه في عواصف الأحداث وموجات المصائب، ويبقى في ظل أولياء الله وأمانهم.

مع ذلك، يجب التنبيه إلى أن مجرد قراءة هذه الكتب هي معرفة نظرية فقط، وليست عرفانًا حقيقيًا، فالتمارين العملية والرياضة الروحية تحت إشراف شيخ مجرب هي التي تحول هذه المعرفة إلى فهم وتطبيق، وتبعد السالك عن النظريات العقلية فقط. ولا ينال هذا الفضل إلا من كانت نفسه قادرة على قبول التعلم، وصاغية، ونقية، تميل إلى الاتباع والتوجيه.

أما النفس الخبيثة والملوثة، فتميل إلى حب ما لديها من اكتشافات، وتعتبر نفسها كل الحكمة، بل وتحاول إثبات حقها حتى على أولياء الله. هذه النفس قاسية وجافة وماتت عن الحياة الحقيقية. أما النفس الحية فتلتفت إلى عاقبتها، وتسير في طريق السلامة والسعادة، مبتعدة عن المهالك والشقاء، بنور العلم والوعي والتوفيق الإلهي.

يمكن أن يكون سَالِكًا من يملك تفكيرًا حيًا ومبدعًا وقوة علم وحكمة، وأقل خصائصه أن يستطيع الاجتهاد في أمور الحياة وتحديات الزمان، وفهم القضايا العصرية، والاستنباط، ليبتعد عن السذاجة، والخرافات، والتعصب الأعمى.

الحيوية النفسية لها علامتان أساسيتان: الأولى القدرة على الاستماع للآخرين، والتأمل في نقدهم، وتحليل عيوبه ونقائصه في كلامهم، محاولًا الاستفادة منها. والثانية أن تنبت في نفسه أفكار جديدة يوميًا، وأن يمتلك القدرة على النقد والابتكار، فيغذي روحه باكتشافات حديثة ومنعشة، وإلا كان ميتًا أو مريضًا.

يجب أن يكون السالك تابعًا لشيخه وعالِمه في طريقه، ومتيقنًا أن يشغل نفسه بغير الحق، حتى لو كان ذلك «صفاءً» أو «روحانية»، لأن الشياطين قد تظهر مناظر جميلة جدًا فتشغل السالك وتنشغله عن الحق. وبعض الشياطين يكون لها جمال وتظهر كالجنة للسالك المتقدم ليشغله عنها. وأحيانًا يظهر بعض الملائكة حبًّا للسالك فيتظاهرون له. فيجب أن لا يطلب إلا الله، وأن يكون في درب الحق متفردًا، عارفًا أن كل شيء من حق الله تعالى ولا يعني العبد شيئًا.

من المهم جدًا ألا يعمل السالك أبدًا بدون إرادة واختيار حر، فالعمل الآلي والعادي لا قيمة له في السلوك، فهو كالزوان. من ينام ويستيقظ بدون إرادة، فإن نومه ويقظته لا تأثير لهما في سلوكه. السالك يجب أن يملك القدرة على أن يحب بإرادة، ويبغض بإرادة، لا أن يحب أو يكره بشكل عفوي ودون اختيار. من أحب بإرادته، لا يمنعه شيء من المحبة، وهو قادر على كل قوة، لا يخاف السجن ولا الإعدام، لأنه اختار طريقه بحرية. هذا هو الذي يحب معشوقه حتى لو قال الجميع عنه سوءًا. لا يستطيع أحد تغييره.

من أهم خطوات البداية في السلوك هو «الطعام الحلال»، لأن أكل الحرام هو أسوأ داء في الأمور الروحية.

كما يجب أن يتحمل السالك «دلال المعشوق» مهما كان الثمن، فبدونه لا يصفو القلب ولا يرتقي في السير.

مراعاة هذه المبادئ تجلب الخفة وسرعة السير. السالك الذي يسرع ويصل إلى القمم يحتاج إلى مربٍّ ليضبط حركته، وإلا فإن سرعته ستؤدي إلى خراب باطنه وهبوطه وسقوطه.

تنظيم الصعود والنزول في العرفان أمر مهم للغاية. الذين صعدوا لا يستطيع الثقل النفسي أن يوقعهم، لكن يصعب عليهم التحكم في السرعة، وهنا يحتاجون إلى مكابح تقيهم من سرعة مفرطة تُفقدهم السيطرة.

في هذا المجال، يُحاصر روح السالك بأرواح العالم، وبظواهر جبروتية وملكية تزيل منه القدرة والقدوة، بحيث لا يرغب في النزول. كما الإنسان في الفضاء يعاني من انعدام الوزن. من يدخل هذه العوالم، إذا لم يكن له مربٍّ مجرب، يواجه صعوبة في البقاء في الدنيا، فيعاني من موت شرفي وتيه روحه في العوالم العليا.

وعندئذٍ، يُصاب السالكُ بحالة من التردّد بين العوالم، فلا هو من أهل الأرض ولا من أهل السماء، ويعيش في غربةٍ وجودية، لا يمكن أن يتحمّلها إلا من كان له مربيٌّ خبيرٌ، يُمسك بيده، ويُعيد إليه توازنه، ويُرشده إلى كيفية التكيّف مع «الأوزان الوجودية» في مختلف العوالم. ولهذا، قيل إنّ التربية العرفانية لا تكتمل إلّا بالتسليم الكامل للمربي، وإلا فالضياع مصير السالك.

السير من غير دليلٍ كالخوض في البحر بغير سفينة، بل أشد خطرًا، لأنّ السالك ـ مع ما ينكشف له من الأ والمشاهدات ـ قد يظن نفسه قد وصل، فيستغني، ويقع في الكبر الروحي، وهو من أخطر الآفات التي تصيب أهل السلوك، حيث ينظر إلى غيره باحتقار، ويتوهم أنّه واصلٌ قد انقطعتْ عنه الحجب، في حين أنّه محجوبٌ بوهم الكشف، ومأسورٌ في شرك الأنانية الخفية.

فمن لم يكسر صنم “الأنا”، لم يتخلص من داء العجب. ومن لم يتحرر من نزعة إثبات الذات، لم يذق طعم الفناء الحقيقي. والسالك الصادق هو الذي لا يرى لنفسه وجودًا، ولا يطلب لنفسه مكانة، بل يرى أنّ كلّ ما يصدر منه من توفيق فهو من فضل الله الخالص، وكرمٍ محض.

أمّا مَن تزيّن له نفسه أنّه مرشدٌ أو مربي، وهو لا يزالُ في بدايات الطريق، فهو أحد معوقات السلوك للآخرين، لأنه يضع العقبات في طريقهم من حيث لا يشعر، ويفسد على نفسه وغيره. لا يصحّ أن يكون الإنسان مرآةً لغيره، ما لم تكن مرآته قد صُقلت من غبار النفس والأوهام.

الشيطان قد يأتي السالك من باب الولاية، أو من باب الكشف، أو من باب الفتوحات، ليغويه بأنّه مختارٌ مصطفى، وله مهمة إلهية، وكلّ ذلك خداعٌ كبير، لا ينجو منه إلّا من ثبت قلبه في مقام التوحيد، وألجم نفسه بلجام الشريعة، والتزم آداب الحقيقة.

في هذه المنازل، لا يُستغنى عن الفقه والورع؛ فالشريعة هي سفينة النجاة، والحقيقة لا تُنال إلا من بابها، ومن ظنّ أنه يصل إلى الله من غير باب الشرع، فقد ضلّ سواء السبيل، وإن رأى ألف كشف وكشف. العلم والعمل شريعتان لا تنفصلان في المسير إلى الله، ومَن قدّم الكشف على العلم، وقع في الخرافة، ومَن قدّم الذوق على الورع، وقع في المهالك.

العارف الحقّ لا يخالف حدود الله، ولا يدّعي ما ليس له، ولا يتكلّم إلا عن شهود، ولا يسكت إلا عن يقين، ولا يفرح إلا بالله، ولا يحزن إلا لفقده. هو العبد في الطاعة، والفقير في الطلب، والمحب في العشق، والتائه في الحضرة، والصامت في الجلال.

الفصل السليماني فصل رحماني يحلل دولة وثروة سليمان وقوته. ولأن سليمان كان سلطان الأنبياء، فهو يحظى باحترام الشيخ وفق معتقدات أهل السنة، ويدافع عنه في أعماله. لا يوجه إليه أقل نقد، لأنه صاحب السلطة والحكم.

الفصل التالي هو فصل داودي وله حكمة وجودية. يلقي الأب بناءً على تصوره عن الابن المتأخر، مع أن داود هو صاحب كتاب الزبور والمزامير. كما أن داود كان خليفة، وسليمان كان حاكماً، فلا يصح تقديم سليمان على داود.

فصل يونس هو نفْسي ويتحدث عن النفس والذكر. هذا الفصل يعاني من شوائب كثيرة. فصل الحكمة الغيبية في كلمة أيوبية يبيّن باطن النفس وسر الإنسان. كان النبي أيوب مبتلى بأعراض الفناء، وأدناها الفقر.

الشيخ يسمّي فصل يحيى بـ “الجلالي”، مع أن يحيى كان جمالياً لا جلالياً. الجمال الذي يتمتع به يحيى هو سلامته. لو أن الشيخ استند إلى صفات يحيى المستمدة من القرآن الكريم، لارتقى محتوى هذا الفصل، ولم يكن سطحياً أو شكلياً أو موجزاً.

فصل الحكمة المالكية في كلمة زكرياوية يتحدث عن قوة النفس الإنسانية وإرادة زكريا القوية وملكيته على الإرادة. كان لزكريا سلطان نفسي وتحمل كثيراً من المشقات والأذى في سبيل الله، وفي النهاية استُشهد.

حكمة إيناسية تحكي عن حياة إلياس، وتعتبره نفس إدريس الذي ارتفع إلى السماء وذابت شخصيته، وحقيقة إلياس عادت إلى الأرض باسمه، بينما القرآن يذكرهما كشخصين مختلفين. يتحدث الشيخ في هذا الفصل عن الفناء وكيف أن العقل يتحول إلى وهم في حضرة الرب، وقد نقدنا ذلك في شرحنا.

فصل لقماني يتناول الحكمة والإحسان والفرق بينهما، وكذلك يتحدث عن الشرك. إذا كانت الفلسفة تدور حول الفكر والتصور، فإن الحكمة تركز على الحقائق الخارجية، والعرفان يهتم بالحقائق.

أما الفصول الثلاثة: هاروني، موسوي، ومحمدي، فتطرح أهم المسائل المعرفية والروحية. فصل هاروني يتحدث عن الإمامة والخلافة. فصل موسوي يرغب في الحديث عن حركة حبي والسلطة الظاهرة والباطنة، وكذلك عن تفوق موسى على فرعون، لكن الشيخ يدافع عن فرعون ويعتبره حقاً.

بعد ذلك، فصل حكمة الصمدية في كلمة الخالدية هو أقصر فصل في الفصوص، ويشرح اسم “الصمد” المهم جداً. للأسف، ينسب الشيخ هذا الاسم الجليل إلى شخص لم تثبت نبوته ولم يرد ذكره في القرآن الكريم.

آخر فصل في الفصوص بعنوان “فصل حكمة التفردية في كلمة المحمدية” يوضح فردية ومكانة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم كمظهر لوحدانية الله. هذا الفصل يحتوي على شوائب كثيرة ولم يُعالج وفقاً للقرآن الكريم كما ينبغي.

ابن عربي لم يمتلك معرفة اسماء الحسنى كمنحة إلهية، ونادراً ما يتحدث عن أسماء الله بشكل صحيح مكتمل. في فصل شعيبي يقول إن ذات الحق تعالى غني بذاته، لكن الصفات الفعلية لله تحتاج إلى المكان والعالم المخلوق، وهو ما يتعارض مع الفكر الشيعي. الشيخ الأكبر نظّر في اتحاد الأسماء، مع أن أسماء الله هي عين ذاته ولا يوجد تعدد فيها ليُفترض وجود اتحاد أو تزواج بينها. لم يكن موفقاً في شرح كيفية علم الله بالظهور، رغم أنه يرى أن علم الله بالأشياء هو عين الذات ولا يعترف بعلمها عن طريق العقل الأول. يعتقد أن الأسماء المستأثرة لا تظهر ولا تملك مظاهر، وهو تفسير غير صحيح. كان له دراسة في أسماء الله لكنه لم ينل هبة الولاية في هذا العلم.

لو تحدث عن الأعداد والحروف في فصل داودي، فقد أخطأ، مما يدل على قلة معرفته بعلم الحروف والأعداد، وأن هذه المواضيع لم تكن واضحة له.

فصوص الحكم مكتوبة بمعتقدات أهل السنة الكلامية، وكما سياسة أهل السنة، تُبرئ الخلفاء وتهدئ النفوس، وتوجه اتهامات باطلة للأنبياء، وتبرئ حكاماً مثل فرعون. الشيخ الأكبر يوجه اتهامات مخالفة حتى للنبي المعصوم مثل آدم، رغم أن آدم لم يكن ممنوعاً من المخالفة، وأن نهيه كان نهي تنزيهي ومقدس، أي أنه حفظ مقامه الجمعي بالمخالفة التقديسية. رغم قبول توبته، هبط حتى يتمكن من الصعود. آدم بهذه المخالفة هزم إبليس، ولو لم يكن معارضاً لما نجح إبليس في مهمته. هبوط آدم وإن كان مذموماً، فلم يكن ينبغي حدوثه بعد قبول التوبة. عصمة الأنبياء غير قابلة للنقض، لكن الجهل بنظام الولاية يسبب شوائب.

ابن عربي ينسب إلى الأنبياء المعصومين اتهامات بالخطأ والذنب والهوى، ويرى بعض أفعالهم تفضيلات شخصية. ينسب إلى إبراهيم عليه السلام الكذب حين يُسأل: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟) ويجيب: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنْطِقُونَ)، وهذا نسب كاذب.

العلماء الشيعة كانوا يكتبون في هذه المناقشات تنزيه الأنبياء، لكن في رأيي يجب أن يُؤسس علم تفضيل الأنبياء في هذا الخصوص. في علم تفضيل الأنبياء يُقال إن جميع الأنبياء يشتركون في أصل العصمة، وبعضهم أفضل من بعض اعتبارًا لعبوديتهم وولائيتهم، فمراتبهم ليست متساوية. الاختلاف بين الأنبياء يكون في الفضيلة لا في التقصير في أفعالهم، ولا هم يعملون بوجه بشري أو وفق هوى شخصي، وأفعالهم معصومة ولا يُشكّل عليها شيء يستوجب التصحيح أو التبرير. ونحن قد أجبنا على انتقادات الشيخ للأنبياء في كل فصل.

هو يعتبر الأطفال الذين أمر فرعون بقتلهم قوة روح موسى، ويبرئ فرعون من هذه الجريمة الظالمة الكبيرة، بحجة أنه كان حاكمًا. ويرى ذلك كحكمة غيبية ومنحة خاصة له. أما الشيعة فيرون أن الطاعة لغير أولياء الله والحكام الشرعيين المنصبين من الله محرمة، وليس كل من له سلطة فهو من عند الله، ومن تغلب يجب طاعته، بل يجب أن تكون السلطة على طريق الحق وبطريقة صحيحة. كما يؤمن الشيعة بعصمة الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام، بما في ذلك السيدة فاطمة عليها السلام. النبي أو الإمام قد لا يكونا معصومين، لكن العصمة تكون موجودة، بينما أهل السنة لا يرون العصمة للأنبياء ضرورية ويعتبرونهم “أمنية” حسب تعبير ابن عربي، أي مجرد أمنيات وأمنيات محققة.

من أهم أوجه القصور عند ابن عربي أنه لا يملك مصطلحًا للعصمة في سياق الولاية، مع أن العصمة مكانة عظيمة في المعرفة والوصول إلى الحق تعالى. ولا مجال لأدنى خطأ أو سهو في فكر وعمل المعصوم، فهم محفوظون في استلامهم وحفظهم وتوصيلهم للوحي. جميع الأنبياء لديهم أصل العصمة، وهذه الفضيلة لهم مراتب، بعضها أفضل من بعض. هم غارقون في حالات رحمانية، وملوثات الشيطان والطهارة ليست لهم.

من مشكلات الشيخ أيضًا خلطه بين التصوف والعلوم الأخرى، وأحيانًا يعلم مسائل ابتدائية من علوم أخرى مثل المنطق وشكل القضايا ضمن نصه. وأينما تحدث عن الطبيعة، خصوصًا نظرية الأفلاك، يكون مبنيًا على آراء قديمة وبطلميوس، التي لم تعد ذات قيمة علمية اليوم، بل باتت من تراث تاريخ العلم. هذه المناقشات اليوم تعد حشوًا ويجب تحريرها وحذفها عبر مراجعة علمية دقيقة. حتى العرش والكرسي يحللهما ويبررهما بنفس هذه الأُسس. وهو يشرح مفاهيم وعناوين مثل الروح الأعظم، العقل الأول، اللوح، القلم، العالم الأدنى، الدهر الأعلى والدهر الأسفل، أحيانًا بعبارات ملفقة. وهو يعتبر “الممتنع” حقيقة إلهية، مما يدل على ضعف الشيخ في الفلسفة ونظرية المعرفة.

ابن عربي يتكلم عن نفس كلية تشمل كل النفوس والمثيلات والأوهام في نطاقها، ويرى هذه النفس الكلية كأعلى وأبسط وأول صورة بالنسبة للأعيان الثابتة. نحن لا نجد سببًا لقبول النفس الكلية والخيال الكلي وقوتهما، ونعتبر هذه الأقوال باطلة ولا أساس لها.

في ترتيب الفصول، ابن عربي لم يتصرف بمنهج علمي ومنظم، بل كان الترتيب غير مناسب وغير متوازن. فص عيسي سبق كثيرًا وفص موسى جاء بعد فص هارون، مع أن هارون كان إمام موسى، ولا يمكن فهم مكانة موسى دون شرح حياة هارون. كذلك فص موسى يتحدث عن مسائل مادية واجتماعية، بينما فص عيسى يناقش مسائل معنوية ونعمة ربوبية ومعجزات. في نظام الطبيعة وبعث الأنبياء، عيسى جاء بعد موسى.

ابن عربي، كونه له طابع كلامي ومتأثر بعقائد أهل السنة، لم يقدم تفكيرًا راسخًا في الفلسفة. يقبل الجوهر ويطبق عليه مسائل الأعيان الثابتة، ويستند إلى فلسفة المشاء في جوهره وعروضه. في موضوع الاختيار والإرادة، يعيد أراء الجبرية عند أهل السنة، ويبقى عاجزًا عن تبرير تصرفات الخلق، ويعتبرها تصرفات لله تعالى في ذاته، مما يعطل همّة العارف. نحن نرى أن صاحب مقام المعرفة والهمّة يقوم بأفضل الأعمال وتزاد كفاءته. أن يكون كل شيء ظهورًا للحق تعالى لا يتعارض مع نظام الاختيار المشاع للإنسان والتكليف والجزاء. ينبغي الحفاظ على هذه القيمة. يقول بشكل ذوقي واستحساني أنه يمكن بلوغ مقام يسقط فيه التكليف عن الإنسان.

الشيخ الأكبر، متجاهلًا آيات القرآن، يعتبر إدريس وإلياس شخصًا واحدًا متحدًا بطريقة تناسخية. صحيح أن بعض الصوفية يشبهون كلامهم التناسخ، لكن هناك فرق بين أقوالهم والتناسخ الباطل، لكن قول الشيخ هنا لا يملك مبررًا صحيحًا وهو التناسخ ذاته. كما يعتقد مثل الشيخ الإشراقي أن إدريس وهيرمس من حكماء اليونان شخص واحد دون مراعاة التناسب الزمني. وكذلك الحكماء كأفلاطون وأرسطو وسقراط رغم عظمتهم العقلانية وإلهامهم، لا دليل على نبوتهم، ولا يجب الخلط بين نظام الحكماء الفلسفي ونظام الأنبياء.

على أي حال، مع كل هذه الإشكالات العلمية لدى ابن عربي، لا يجوز بعد الآن أن تعتمد الحلقات العرفانية الشيعية على هذا التراث وحده، ولا بد لها من امتلاك نص عرفاني مستقل خاص بها.

قونوي: العالمُ المحقّق، السالكُ العارف

لقد شُهِر قونوي – رحمه الله – بعِظمته أنّه كان أكبر تلاميذ محيى الدين بن عربي وأكثرهم قربًا منه، وقد أقحم في «مفتاح الغيب» أعالي الحكم الصوفية بعباراتٍ موجزةٍ دقيقةٍ، وإن كَثُرَت مع ذلك تعابيره المداعبة لبعض نصوص ابن عربي. وعلى الرغم من ذلك، فكلّ ما يتميز به من فصاحةٍ وبيانٍ وإنجازٍ عقلي فهو من تراث ابن عربي، فهو أحد كبار الكواكب التي اكتنزَّت محيّا الآخرين .

خلاصةُ كلامه في كتابه تلخيصٌ بليغٌ لعبارات ابن عربي، وجُمعت فيه حِكَم المحبوب بموازنة أدق من سِواه، خاصة في ختمه بباب صفات الإنسان الكامل، إذ فُهم عن قربٍ مقاصدُ علي (عليه السلام)، حيث قال:

«… وهذا الحال، من وجهٍ، يشبهُ الحالَ الكُلّيّ الذي ينتهي إليه الإنسانُ الكامل في مَنْتهى أمره وكماله، كالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ومن شاء الله من العترة وأولياء من العترة المعصومين …» .
هذا يلمح إلى تقيّةٍ وجوديةٍ دقيقةٍ، في سياق التزامه بمروحة ضغط السائدين من متكلمي السُّنّة في عصره.

أ. التعبير الفنّي واللغوي في كتابه «مفتاحُ الغيب»

  • خَلُقُ بنية الكتاب منظومةً دقيقةً، متدرجةً من المبادئ الوجودية إلى قاموس استدراجي عن الإنسان الكامل، مع ترتيب محكم يضبط أقسام الكتاب وفصوله.
  • يتضمّن الكتاب «فاتحة» في مبادئ الوجود، و«تمهيدًا عامًا» ثم فصولًا فلسفية عن المراتب والوجود والإلهيات، ثم «خاتمة» في صفات الإنسان الكامل.

ب. نقدٌ علميٌّ ونقدٌ عرفانيّ

  1. رغم الجهد الكبير، لم يخرج عزّ قونوي من دوائر عرفان المحبّين، ولم يبلُغ واعيتَهُمْ المعصومية في فهمولاية أهل البيت (عليهم السلام).
  2. اعتمادُه الشديدُ عبّر عن خضوعٍ معرفيٍّ – وإن كان بإرادة – لم يقلله في التماس المكرمة الخاصة، ومع ذلك تفوق في بعض التحليلات على محيى الدين نفسه، كحديثه عن «الأحدِية» باعتبارها صفةً إلهيّةً أولى :

«فكانت الأحدية نعتَ ذلك الحدّ المشار إليه فهو معقولٌ غيبيٌّ لا يظهر أحداً».

ج. مقاربةٌ لطريقة التدريس والشرح

  • عقبَ قونوي، شرحُ ابن فناري لكتاب “مفتاح الغيب” بالعنوان «مصباح الأنس بين المعقول والمشهود». وهو شرحٌ مبني على النقل عن ابن عربي وقونوي والعرّافين، ولم يشهُد تجربة باطنية حسية فعلية.
  • يقدّمه ابن فناري مصباحًا ينوّرُ طريق التألّف بين البراهين الفلسفية والرؤى الصوفية بالتوازي، كما في عبوره للاتحاد والاستدلال الذهبى.

د. مدى الانسجام مع التراث الصوفي الشيعيّ

  • يرى القائل أن العرفان الذي كتبه قونوي، وإن دقّ وصاغ بحبّ، لكنه لا تتجاوز حدود عرفان المحبّين في السَنّة، ولا يُضاهي «عرفان المحبّين» لدى أهل البيت المعصومين.
  • لقد ابتُذلت قوةُ عرفانه عنده ولم تطوّر قراءات أهل البيت الخاصة، لذا فكل فهمه ومقاله الرائع لا يعادل مقام الحُكم الإلهي الصافي في مدرسة العشق الطاهر.
  • يخلُص الكاتبُ إلى أن العبارة الأخيرة لتوصيف العارف الكامل في كتاب قونوي «تُعطينا إحساسًا بحقيقة عصمةٍ النظر، تقرّب، وحبٍّ خاصةً تجاه أمير المؤمنين عليه السلام، ولو تظلّل بها – كما يقول المترجم – لأصبحت خلاصة عرفانية كُبرى».

خلاصة:

  • قونوي: عالمٌ محقق، صاحبُ بيانٍ فريد ومنضبط، وواصلٌ لنصوص ابن عربي بعبارات أدق.
  • لكن: حفظ حدود عرفان المحبّين السنيّ، دون أن يتجاوزها إلى «عرفان ولايتي» المعصوميّ.
  • و: شرحُه «مفتاح الغيب» وشرح ابن فناري له يُعدّان مرجعًا فلسفيًا وموجزًا في التصوف الذي جمع بين الاستدلال العقلي والرؤية الصوفية.
  • وأخيرًا: تبقى مدرسة أهل البيت – عليهم السلام – في عرفانها العصمّي خاصّة هي المَنهاج الذي لا يتكامل أحدٌ دونه، ومنهم من تُستحضرُ أفكارُه بأن يُصاغ كتابٌ جديدٌ جامعٌ يدخل في منهج شيعيّ مدرّسيٍّ حداثي.

هـ. تفاصيل إضافية حول مفاهيم «الإنسان الكامل» في فكر قونوي

لقد خصّص قونوي جزءًا مهمًا من كتابه «مفتاح الغيب» لشرح مفهوم الإنسان الكامل، الذي يُعتبر ذروة التحقق الروحي والعرفاني. ويصف الإنسان الكامل بأنه الكمال الذاتي الذي يتمثل في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وباقي الأئمة المعصومين من عترة النبي، حيث يشير إلى أن هذا الإنسان قد بلغ أقصى درجات القرب من الله سبحانه وتعالى، بحيث يصبح كيانًا متكاملاً ينعكس فيه اسم الله الأعظم وصفاته كلها.

ويقول قونوي في هذا الصدد:

«الإنسان الكامل هو ذلك الكمال الذي لا يُدرك إلا بالتوحيد الكامل، هو الذي تُكمل فيه جميع الأسماء والصفات الإلهية، ويُعرف بمحمد وآل محمد عليهم السلام.»

وهذا يوضح أن قونوي يرى أن الإنسان الكامل ليس مجرد حال روحاني أو مرتبة عرفانية، بل هو وجود متجسد في أشخاص مقدسون لهم خصوصية إلهية ومعصومية.

و. مقارنة بين أفكار قونوي وابن عربي

رغم تمسك قونوي بنصوص ابن عربي، إلا أنه قام بتجديد وتفصيل بعض المفاهيم وفق ما يتناسب مع فهمه ورؤيته العرفانية، مثلما فعل في تناول صفة «الأحدية» التي تعد صفة إلهية أولى، حيث أوضحها بشكل أكثر دقة فلسفية، مما يدل على قدرته الفذة في الجمع بين الفلسفة والعرفان.

كما أعطى قونوي في «مفتاح الغيب» أهمية كبيرة لمفهوم الذات الإلهية ووحدانية الوجود، لكنه حافظ على حدود التنزيه والتعظيم التي توائم تعاليم أهل السنة والجماعة، مع الإشارة إلى خصوصيات أهل البيت عليهم السلام، مما جعل كتابه جسرًا بين الفلسفة الصوفية والسنة المحمدية.

ز. منهجية القونوي في التدريس وشرح التصوف

تميز قونوي بمنهجية تربوية دقيقة، حيث يقوم بطرح المفاهيم العرفانية والفقهية بطريقة منظمة، مع تقديم شروحات موجزة ولكن غنية بالمعلومات، ويستخدم الاستدلالات العقلية والنقل عن العلماء السابقين بطريقة متجانسة، بحيث يستطيع القارئ من مختلف المستويات الاستفادة منها.

وكان لذلك أثر واضح في تسهيل فهم الأفكار العميقة في التصوف، خاصة من خلال شروح العلماء اللاحقين مثل ابن فناري، الذي عمل على توسيع دائرة الفهم والتفسير لكتاب «مفتاح الغيب» ليشمل المزيج بين النظرية الفلسفية والتجربة الصوفية.

ح. نقد محايد لبعض الجوانب الفكرية

يرى بعض النقاد أن قونوي، رغم ما أبداه من قدرة كبيرة في التنظير والتأليف، لم يخرج كليًا عن الأطر الفكرية الموروثة من ابن عربي ومن مدرسة التصوف السني بشكل عام، ولم يستطع أن يقدم رؤية جديدة متكاملة تجمع بين التصوف الشيعي وأبعاد الولاء لأهل البيت بصورة معمقة.

كما أن اعتماده على لغة إيحائية أحيانًا جعله صعب الفهم على غير المتخصصين، وقد تكون بعض التعابير غامضة أو تحتاج إلى توضيح أدق في سياقها التاريخي والثقافي.

ط. الخلاصة النهائية

  • قونوي هو من أعظم علماء التصوف في تاريخ الإسلام، جمع بين الفلسفة والعرفان، وأثرى التراث العربي والإسلامي بأفكاره الرصينة.
  • تركيزه على الإنسان الكامل جعل كتاباته تحوي مضامين عميقة تجمع بين الفكر الوجودي والروحاني.
  • رغم ارتباطه الوثيق بابن عربي، فإن قونوي أضاف لمسته الخاصة التي تتسم بالدقة والجدية الأكاديمية.
  • وأخيرًا، يبقى فكره جسرًا مهمًا بين الصوفية السنية والفكر الإسلامي الأوسع، مع بقاء بعض النقاط التي يمكن أن تُناقش أو تُطوَّر ضمن سياقات جديدة.
  • شرح «تمهيد القواعد»
  • كتاب «تمهيد القواعد» من تأليف الصائن الدين بن تركي الأصفهاني، وهو من تابعِي ابن عربي ومريديه. هذا الكتاب شرح لكتاب «قواعد التوحيد» الذي ألّفه أبوه محمد الأصفهاني. ويتناول الكتاب موضوع الوجود المطلق والمظهر له.
  • أهمّ ما يسعى هذا الكتاب لإثباته هو أنّ الوجود المطلق، باعتباره مطلقاً بلا تحديد أو تخصيص، خالٍ من التركيب ولا مجال للتعدد فيه. فالوجود المطلق لا يمكن إطلاق اسم حقيقي عليه، ولا يمكن أن يُوصف بصفة أو رسم؛ لأنّ هذه الأمور تُنسب إلى ذات الوجود باعتبار تحديدها وتخصيصها. لذلك، فإنّ الله تعالى في ذاته يستوجب وحدة ذاتية وتميّزاً حقيقياً يُطلق عليه «غيب الهوية» و«لا تعيين».
  • يتناول الكتاب في قسمه الأوّل توضيح وحدة الوجود الشخصي. مؤلف الكتاب، الذي كان في بداية حياته من أتباع الفلسفة المشائية، تحول إلى التصوف وبلَغ نظرية وحدة الوجود الشخصي.
  • النقطة الثانية التي يطرحها الكتاب هي وجود مظهر كلي جامع تام لهوية الغيب، يظهر فيه جميع الأسماء والحقائق، وهو أبسط وأقرب المظاهر إلى ذات الله تعالى. وقد ورد في القرآن الكريم تعبير «عالين» للدلالة على هذا المظهر، وهو مقام الخلافة الإلهية الحقيقية والولاية الظلية الشاملة. ومظهر هذه الحقيقة الإلهية هو «الإنسان الكامل»، الذي بجمعه واعتداله وسعته وكماله يجمع بين مظهرية الذات المطلقة والأسماء والصفات والأفعال الإلهية، وبين حقائق الربوبية ونسب الأسماء والصفات الخلقية. لذا، فالإنسان الكامل هو جامع بين مرتبة الجمع والتفصيل، ومالك على الحضرات الربوبية وعوالم الفيض.
  • وبالتالي، يستطيع الإنسان الكامل أن يبلغ مرتبة الوصول إلى الإطلاق الذاتي. بهذا الشكل، يطرح الكتاب نظرية الإنسان الكامل في التصوف.
  • ما تقدّم هو الجوهر الأساسي لمحتوى كتاب «تمهيد القواعد»، والذي بذل المؤلف جهداً كبيراً لتأسيسه برهانياً وفقاً للفلسفة المشائية. ولكن اختيار المنهج الفلسفي المشائي للدفاع عن المعارف الصوفية والاشراقية أوقع بعض الإشكالات التي بيّنتها في شرحي لهذا الكتاب. كما أجبت في شرحي على النقد الذي وُجّه إلى نظرية وحدة الوجود، لا سيما نقد كتاب «تحرير تمهيد القواعد». وقد أوضحت أنّ المنهج المشائي لا يفضي إلى المعرفة الصوفية الحقيقية، وأنه بعيد عن ذروة المعرفة الروحية. كذلك، إن القضايا الصوفية في هذا الكتاب لم تتجاوز حد التصوف المحبّي المدرسي، في حين أنَّ أعمالي تعنى بالتصوف المحبّي الذي يقوم على الوحدة والمحبة الخالصة غير الطامعة.
  • كليات ديوان نكو
  • «كليات ديوان نكو» هو ديوان شعري صوفي محبّي ألَّفته خلال نحو ستين عاماً، ويبلغ عدد أبياته أكثر من سبعين ألف بيت. تتناول أشعاري رؤية الله تعالى وطريقة التواصل مع الحق. على خلاف كتبي العلمية التي تعكس أحداث الوقت ولا تراعي أحياناً الالتزام، فإن أشعاري قد كُتبت في ظلام الليل بأسلوب واضح وصريح.
  • في هذه الأشعار، عرضت شمولية الحب وأنواعه المختلفة، مجسداً أوجه النار العاشقة في الغزل. أشعاري تمثّل مشاهد الحب والسحر في أقصى درجات الغربة والحيرة. السكر في أشعاري ينبع من نظرات العشق العذري وأعين القلب الموحد، وأقدمت على التعبير عن تعقيدات التصوف المحبّي بلغة بسيطة وواضحة.
  • من أبرز مميزات هذا الديوان أنه يتحدث عن «الحب الجمعي». فالحب هو نوع من المعرفة، وثبات المحبّ، أي الفعل، هو من نتائجها. إذا ارتقى الفعل، يتحول إلى معرفة، وإذا تغلغل في القلب، يولد الحب. القيامة هي وجه المعرفة، وحتى الفعل يظهر بهوية المعرفة، ولهذا فهو دائم وثابت. كل الأعمال والعبادات هي معرفة متجلية بهذا الشكل. يختبر الفعل في البرزخ وينمو ليصبح معرفة. أولياء الله يحملون أفعالهم الراسخة والمعرفة من الدنيا دون حاجة إلى البرزخ والقيامة، بينما الأفراد العاديون أفعالهم خامّة.
  • فعل أولياء الله هو معرفة في الدنيا، ومعرفتهم هي فعلهم، ولا يمكن الفصل بينهما. من بين هؤلاء، فقط الأولياء الكاملون هم أصحاب الحب الجمعي والحب الخالص. في الحب، الأهم هو جمعيته، وهم وحدهم الذين يجسدون الحب الجمعي في فعلهم. المحب الحقيقي هو الذي يمتلك كل فصول العشق ويُجرح بقسوة حبيبهم حتى يذوب قلبه ويصبح بلا قلب، ويصبح غزله وجه الحب بكل أوجهه، ووجه الحب يظهر في كل أفعاله.
  • بعبارة أخرى، محور أشعاري هو شرح قصة «الحب الخالص والجمعي»؛ حب لا يحوي أية مصلحة. إن إنكار الطمع والوصول إلى الحب الخالص هو مسار الصوفية المحبّين، وهو مسار قصير وسريع يُقطَع بقوة المحبة والعشق. حب يمكن بلوغه وله طريق واضح.
  • المنطق
  • أحيانًا يكون الفهم بحاجة إلى مصداق، لذا فإن القول الذي نردده في المنطق بأنّه يجب أولًا أن تعرف، ثم تقسّم، ثم تثبت، هو منطق إيدياليستي (مثالي)؛ أي أنه منطق يجب أن يكون هكذا. الفرد الإيدياليستي هو الذي يتبع هذا المنهج، وهذا ما ينطبق على منطقنا، إذ هو إيدياليستي بطبيعته. ولكن ليس ذلك هو المنهج الذي اتبعناه في المنطق الحديث، حيث يكون التقسيم أحيانًا مقدّمًا على التعريف، وأحيانًا يكون التعريف مقدّمًا على التقسيم. إذا عرفت ثم قسمت، فهذا هو الإجراء المعتاد، لكن أحيانًا تحتاج إلى التقسيم لكي تتمكّن من تعريف الشيء بشكل صحيح، أي تقديم المصداق أولًا ثم تعريفه.
  • مثلاً، إذا قلت لشخص ما: هذا ورد، ثم عرّفت الورد بأنه نبات، فهذا مفهومٌ واضح لمن رآه. لكن لمن لم يرَ الورد من قبل، فإنّ تعريفه فقط بأنه نبات لا يكفي، فيطلب أن تريه المصداق، أي الوردة نفسها. هذا مبدأ منطقي ضروري جدًّا في مياديننا المعرفية، ويجب أن نفكر حديثًا ونتكلم بحكمة لا نتكلم كلامًا كثيرًا لا فائدة منه. هذه القاعدة موجودة في جميع كتب المنطق القديمة كـ”الشفا” و”الإشارات” و”النجاة” والمنظومة، حيث نجد التعريف، التقسيم، الإثبات، لكن حديثنا يختلف، إذ نقول إن هذا المنهج رِياليستي (واقعي) في المنطق الحديث يجب أن يكون هكذا.
  • أحيانًا يكون التعريف غير ممكن بشكل مباشر، لأنك في حالة “ضيق الخناق”، فلا يمكن تعريف الشيء، فيتوجب عليك تقسيمه وإظهار مصداقه، ثم تعرّفه فتُفهم الأمور بشكل واضح. فمثلاً، في حالة وجود زهرة، لا بد أن تراها أولاً قبل أن تُعرّفها بأنّها وردة في الحديقة، لها رائحة، شوك، وكل شيء حتى يفهمها المستمع. لكن لو لم يرَها، فالتعريف وحده لا يكفي. هذا اختلاف جوهري في المنطق الحديث ونظامه، وليس موجودًا في كتبنا القديمة.
  • وأيضًا، في كتب المنطق نميّز بين “المفهوم” و”المعنى”، فالمفهوم هو قالب جامد، بينما المعنى هو تمثل في الذهن. على سبيل المثال، إذا قلت لك “قم”، فالمصطلح والمفهوم والمعنى واضح لك، فأنت تعرف أنها مدينة معينة، لها جغرافيا وسكان، وأحياء عليا وسفلى، وهذا هو المعنى والمفهوم والمصداق معًا. أما إذا قلت “واشنطن”، فتفهم أنها مدينة، وهذا هو المفهوم، لكن لا تفهم معناها الحقيقي أو طبيعتها بالضبط. فالمفهوم قد يكون موجودًا بدون المعنى، والمعنى قد يكون موجودًا بدون المصداق.
  • كذلك، في حياتنا العملية، نمتلك مفاهيم ومعاني وأمثلة واضحة، وأحيانًا لا. هذه قواعد منطقية مهمة ومبتكرة حديثًا، ليست موجودة في كتب المنطق القديمة.
  • وفي موضوع آخر، تعقبنا أثر الأثرياء والمقتدرين بأنواعهم: أثرياء الدولة، أثرياء الناس، أثرياء القطاع الخاص، ثم أردنا البحث عن الفقر. ووجدنا أن الفقر له أنواع: فقر علمي، فقر معرفي، فقر مادي، فقر اجتماعي، فقر روحي ونفسي، أي أن الروح فقيرة، مرتبكة، جبانة، خائفة.
  • نسأل الله أن يرحم ابن سينا، فهو عالم منطقي بامتياز، ولو قرأ رواية لضعفت قدرته على المنطق، لأن المنطق أداة دقيقة في التحليل، أما الرواية فهي سرد شعري. والإنسان العالم لا يجب أن ينام كثيرًا، فالنوم يجب أن يكون متوازنًا، لا كثيرًا ولا قليلًا، كي يحافظ على نشاطه الذهني.
  • أخيرًا، حقلنا المعرفي يتألف من ثلاثة مسارات: مسار “مفهوم إلى مفهوم”، حيث يتم أخذ فكرة من صديق وتطويرها؛ ومسار “مصداق إلى مصداق”، حيث يتم نقل تجربة ميدانية؛ ومسار ثالث هو تحويل المصداق إلى مفهوم، وهذا ما أفعله في دروسي حين أشرح آيات القرآن الكريم، حيث أُحوّل مثالًا ملموسًا إلى مفهوم عام.
  • وأما بالنسبة لقائمة الكتب، فهي تتضمن عناوين متعددة مع عدد الأبيات ونوعية القصائد، على النحو التالي:
الرقم اسم الكتاب عدد الأبيات القالب الشعري
1 غزال أفضل 3303 غزل
2 رقصُ الباك 3857 غزل
3 دولة كريمة 3533 غزل
4 حوراء أنسية 3584 غزل
5 عروس القلب 4174 غزل
6 ديوان عشق ومعرفة – الجزء الأول 2832 غزل
7 ديوان عشق ومعرفة – الجزء الثاني 2178 غزل
8 ديوان عشق ومعرفة – الجزء الثالث 2869 غزل
9 ديوان عشق ومعرفة – الجزء الرابع 2715 غزل
10 نقد صافي – الجزء الأول 1608 غزل
11 نقد صافي – الجزء الثاني 1770 غزل
12 نقد صافي – الجزء الثالث 1655 غزل
13 نقد صافي – الجزء الرابع 1668 غزل
14 شام إيران – الجزء الأول 6725 غزل
15 شام إيران – الجزء الثاني 7274 غزل
16 شام إيران – الجزء الثالث 2590 دوبتي ورباعي
17 بلا وولاية – الجزء الأول 2213 متنوع
18 بلا وولاية – الجزء الثاني 4181 متنوع
19 جلاء المحبوبة 4384 غزل
20 المرأة؛ إلهة الحب 3547 متنوع
21 شور النور 3834 متنوع
22 سوز و ساز 3267 قصيدة
23 راز و ناز 7878 مثنوي
24 قرب يار 1954 دوبتي
25 عاشق‌ترين 3914 دوبتي
26 خون دل 1148 قطعة ورباعي
27 لطف نازنين 1642 قطعة ورباعي
28 دیار یار 800 دوبتي، قطعة ورباعي
29 ناز آفرين 3800 غزليات

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V