بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
أيُّها الذين آمنوا، اهتمُّوا بأنفسكم، فإنَّ من ضلَّ لا يضرُّكم إذا اهتديتم.
الإدارة والسياسة الإلهيَّة
المجلَّد الأوَّل
1403 هـ.ش. | العدد 3
المقدِّمة
إنَّ الهدف الأسمى لهذا العمل هو تقديم رؤيةٍ منهجيَّةٍ ومنظَّمةٍ ضمن إطار نظامٍ حديثٍ للإدارة والسياسة، يستند إلى الفقه الشيعي. ويُمكن تحقيق هذا الهدف إذا التزم الكتاب بمسارٍ علميٍّ منهجيٍّ، يقوم على التفكير الجماعي، مع نظرةٍ عالميَّةٍ شاملةٍ ومتكاملةٍ، بعيدًا عن الوقوع في المغالطات، والسطحيَّة، والظاهريَّة، والبساطة المفرطة، ليتمكَّن من تلبية الاحتياجات الإداريَّة والسياسيَّة للبلاد بطريقةٍ عالِمةٍ وعقلانيَّة.
ماهيَّة الفقه وكيفيَّة القوانين
إذا كان الفقه والاجتهاد العلميُّ هو العلم الذي يهدف إلى استنباط مراد الشارع القدسي ومعناه بطريقةٍ منهجيَّة، مستعينًا بالملكة القدسيَّة، من خلال ظهور الأدلَّة الدينيَّة، وخاصَّةً الكتاب والوحي الإلهي، في الجمل الاعتقاديَّة والمعرفيَّة، والمعطيات الأخلاقيَّة أو الفقهيَّة للدين، فإنَّ القوانين يجب أن تُصاغ بناءً على معرفة الموضوع، وملاك الحكم، ومراتب وفئات المكلَّفين المختلفة، وفهم الجمل الأساسيَّة للدين استنادًا إلى اللغويَّات الدينيَّة والفقهيَّة، مع امتلاك نظامٍ معرفيٍّ للشارع، والسعي لاستيعاب منهج الشارع ومراده الحقيقي، مع الاسترشاد باطمئنانٍ يُستمدُّ من الملكة القدسيَّة لفهم غرض الوحي الإلهي، واستنباط الحكم من المصادر المعتبرة. في هذه الحالة، لا تقتصر مصادر القوانين على مجرَّد تلقّي بعض الأخبار الدينيَّة أو تحليلها بشكلٍ أحاديٍّ، أو استيعاب المعاني اللغويَّة دون النظر إلى المراد الأصلي وغرض الشارع، وبالتالي لا يقع الاجتهاد والقانون في خطأ الظاهريَّة المحضة التي تُعيق الوصول إلى المقصود والغرض الأصلي للشارع.
خصائص الفقه العلمي
أبرز خصائص الفقه والاجتهاد العلمي التي تميِّزه عن الفقه الظاهري تشمل: معرفة الموضوع، وهو الركن الأهم في الفقه العلمي، وملاك القوانين وكونها إرشاديَّةً ووصفيَّةً، وتأسيس الفقه على المعرفة، والصدق، والمحبَّة، واعتبار القرآن الكريم المصدر الأوَّل والأكثر اطمئنانًا للفقه العلمي، والاهتمام بعناصر التقيَّة، والابتعاد عن الشهرة والإجماع غير المعتبر أو المدَّعى، واعتبار الإباحة أصلًا والحرمة فرعًا، والابتعاد عن إصدار فتاوى احتياطيَّة أو قوانين مبهمةٍ ومتردِّدة، مع التركيز على تعزيز الوعي المؤدِّي إلى اتِّخاذ القرارات. سيتمُّ توضيح هذه الخصائص لاحقًا. بعض خصائص “الاجتهاد العلمي” سيتمُّ تفصيلها في المقدِّمات الأخرى لهذه المجموعة، التي تُعتبر جزءًا لا يتجزَّأ ومرجعًا موثوقًا لهذا الكتاب. كما أنَّ ماهيَّة وكيفيَّة الاجتهاد العلمي ستُبيَّن بالتفصيل في القسم السادس بعنوان “نظامنامة الروحانيَّة الشيعيَّة”. هذا العمل المؤلَّف من مجلَّدين يستند إلى الاجتهاد العلمي ودروس وآراء فقهيَّة للأستاذ العظيم آية الله العظمى (قدَّس سرُّه).
معرفة الموضوع: الركن الأهم في الاجتهاد العلمي
من أهمِّ أسس الاجتهاد العلمي معرفة موضوع الحكم، وهي واجبٌ أساسيٌّ للاستنباط الصحيح. يرى الفقيه العلمي أنَّ الفقه السليم هو الذي يعرف جميع جوانب وأبعاد موضوعات المسائل الفقهيَّة بطريقةٍ مناسبةٍ ومنطقيَّة، ويعتبر إزالة أيِّ لبسٍ في ناحية الموضوع وكلِّ شبهةٍ مصداقيَّةٍ من شأن وواجب الفقيه.
تقتضي موضوعيَّة الفقه العلمي أن تُستخدم العلوم العقليَّة، والاجتماعيَّة، والنفسيَّة، وأهمُّ من ذلك كلِّه، علم الإنسانيَّة، لخدمة الفقه، وأن يُجهَّز الفقه بمختبراتٍ حديثةٍ ومتطوِّرةٍ لفهم الظواهر الطبيعيَّة. وبالتالي، فإنَّ صياغة القوانين، إلى جانب الحاجة إلى الفقه، تتطلَّب العرفان، والفلسفة، والعلوم النفسيَّة والاجتماعيَّة، وأهمُّ من ذلك كلِّه، “علم الإنسانيَّة”، إضافةً إلى العلوم التجريبيَّة والمختبرات اللازمة لمعرفة موضوعات الحكم، كمعارفَ أساسيَّةٍ لتأسيس القانون نظريًّا.
إنَّ الفقه العلمي يحتاج إلى معرفة الموضوع، وكيفيَّة المجتمع المكلَّف، والنفسيَّة البشريَّة تؤثِّر في معرفة موضوع الحكم؛ وإلَّا فإنَّ الفقيه، بناءً على جهله بالموضوع، قد ينسب حكمًا يتعلَّق بموضوعٍ آخر إلى موضوعٍ غريبٍ عنه. فالأفعال المكلَّفين دون معرفةٍ كاملةٍ بالموضوع، الذي له علم الإنسانيَّة تأثيرٌ كاملٌ فيه، ودون امتلاك ملاك الحكم، لا يُمكن معرفتها بحيث ينطبق الحكم على الموضوع بطريقةٍ واقعيَّةٍ بعيدةٍ عن التخيُّل والمفاهيم الذهنيَّة.
موضوع القوانين هو “الطبيعة الإنسانيَّة” وعوامل “الصحَّة” الشاملة و”السعادة” الأبديَّة للإنسان. يعتبر الفقه العلمي الطبيعة والهويَّة الفطريَّة للإنسان كنوعٍ موضوعًا لتقييم ملاك القوانين. والتشكيك الطولي الذي يؤدِّي إلى إنشاء مراتب ودرجاتٍ يُعطي لجميع الظواهر وجهًا طبيعيًّا، ويجعل الأصناف أو الفئات النمطيَّة موضوعًا للأحكام. فالقانون المناسب والطبيعي لكلِّ إنسانٍ أو لفئاتٍ إنسانيَّةٍ تُعتبر كمجموعةٍ بتسامحٍ عرفيٍّ يختلف كثيرًا عن الأفراد أو الفئات الأخرى بسبب اختلاف موضوع الحكم. موضوع “القوانين” هو الإنسان وحياته العقلانيَّة والمنظَّمة المتوافقة مع الحقيقة ومسار الصحَّة الدنيا والسعادة الإنسانيَّة كنوعٍ عامٍّ. يسعى هذا العمل إلى تنظيم وتأسيس قواعد يُبنى عليها نظام التديُّن والحضارة الصحيحة. لذا، فإنَّ الخطأ في معرفة الإنسان معرفةً دقيقةً وشاملةً هو أكبر الأخطاء غير القابلة للغفران التي يمكن أن يقع فيها واضع القانون؛ لأنَّ الخطأ في علم الإنسانيَّة يُعيد بنيان الحياة إلى القهقرى بشكلٍ لا يمكن إصلاحه، ويُحرق فرصة العمر المحدودة للإنسان التي يُشكِّل بها وجه أبديَّته.
أكثر الأخطاء في مجال صياغة القانون تنبع من عدم المعرفة الصحيحة بالموضوع، ودراسة الإنسان واحتياجاته بطريقةٍ تجزيئيَّةٍ ومنحازة، حيث يبحث كلُّ باحثٍ في بُعدٍ واحدٍ من الأبعاد الإنسانيَّة ويقيِّم احتياجاته من خلال هذا البُعد فقط، وإن كان لا يبتعد عن الحقيقة من حيث تناوله لبُعدٍ واحدٍ. إنَّ صياغة القوانين تتطلَّب نهجًا شاملًا يقوم على التفكير الجماعي والتعاون بين المتخصِّصين في جميع أبعاد القانون، تحت إشراف فقيهٍ قدسيٍّ، أو على الأقلِّ فقيهٍ جامعٍ وقدسيٍّ يأخذ في الاعتبار الجوانب المختلفة لكلِّ موضوعٍ ليقطع هذا المسار بطريقةٍ منضبطة. فالقوانين المستندة إلى الفقه والاجتهاد العلمي لا تقع في فخِّ الأذواق الشخصيَّة أو النزوات النفسيَّة أو الأهواء والمطامع أو المغالطات التقليصيَّة أو غيرها من السفسطات، وتتمتَّع بالشرعيَّة.
في الاجتهاد العلمي، يُعتبر الكون نظامًا متكاملًا ومشاعًا، ولصياغة قانونٍ صحيحٍ، يجب، إلى جانب النظرة الشاملة لمعرفة الإنسان، رؤية الإنسان مع الظواهر الأخرى ومع الله تعالى بشكلٍ مشاعٍ وجماعيٍّ، لا بشكلٍ تفكيكيٍّ.
لا يمكن أن تكون الفتاوى الدينيَّة والقوانين موحَّدةً لجميع الفئات بنفس الطريقة بسبب اختلاف مراتب البشر، وهذا القول لا يُقال من باب المصلحة، بل إنَّ الله خلق البشر على هذا النحو، وهذا الاختلاف في الخلقة والطباع يجعل ذلك ضروريًّا. ومع ذلك، لا ينبغي نسيان أنَّ العديد من الأحكام الإلهيَّة عامَّةٌ وموحَّدةٌ للجميع، لكنَّ هذه الأحكام هي الحدُّ الأدنى، والنظرة الحدُّ الأدنى لا تتعارض مع الاختلافات، ولا ينبغي الحكم بتساوي جميع الناس في جميع الأحكام الإلهيَّة، والأسوأ من ذلك هو الإصرار على تطبيقها على جميع فئات المؤمنين العامَّة، وطالبي الحقِّ، والمؤمنين، والمستكبرين والمعاندين بالقوَّة، مما يفتح الباب أمام العنف.
إن تغيير الموضوعات لا يعني تغيير الأحكام الإلهية أو إحداث بدعة أو تحليل المحرمات الإلهية أو تحريم الحلال، ذلك أن الحلال والحرام المرتبطان بموضوع معين لا يتغيران أبدًا. وكما جاء في الروايات: «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَرَامُهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[^2]. فعلى سبيل المثال، حرمة الظلم ذاتية، وهذا الحكم لا يتغير أبدًا، لأن موضوعه أمر ثابت لا تؤثر فيه أي ظروف. فالأحكام لا تتغير أبدًا، وإنما التغيير يقع في نطاق الموضوعات فقط.
إن معرفة الموضوع والتفات إلى معايير الحكم في الاجتهاد العلمي يمنح الفقيه القدرة على التخطيط الدقيق للحد من الاستخدامات الفاسدة لموضوع ما، ووضع معايير تؤسس ثقافة الاستخدام الخيّر والمناسب لهذا الموضوع في المجتمع، وتهندسه وتؤسسه مؤسسيًا، ومن ثم ينشئ موضوعًا جديدًا. وبهذه الطريقة، يسهم في تطوير مناهج الدين ويواجه عالم الاستكبار – الذي يملك أدوات اللذات المحرمة – بلذات نفسية حلال، فيتحداه بذلك. إن القانون الحكيم والعلمي والبحثي والعقلاني للسياسة وإدارة المجتمع، قبل أن يتحدث عن الممنوعات وغير المجازات، يحدد المجازات ويعرّفها للمجتمع، ثم يمنع الناس من المحرمات، ليتسنى للتبليغ الديني أن يسلك مساره الطبيعي. لقد وضع الله تعالى لكل محرم وممنوع عشرات المجازات والحلال، ولكل حرمة عشرات البدائل، حتى لا يكون لعبد حجة على الله في إشباع رغباته النفسية بطريقة حلال، ويكون له مسار إشباع حاجاته بطريقة شرعية وفي تنوع كبير وفي مجال قادر على المنافسة. فعلى سبيل المثال، إذا حرم الله الوثنية، فقد جعل لعباده الذين نشؤوا مع المادة والجسم ولم يعرفوا غيرها ولا يعلمون ما هو المجرد وكيف يكون الله المجرد، الكعبةَ مكانًا لهم ليتجهوا إليها ويتوجهوا إلى ربهم، وأمرهم أن يسجدوا نحوها ويطوفوا حولها. وفي مثال آخر، ينبغي ذكر القمار الذي أُسس لخداع الآخرين وسلبهم أموالهم بطريقة غير مشروعة، لكن في المقابل، كل لعبة أخرى لا تحتوي على آلات القمار وتتوفر فيها شروط الحلية، فهي جائزة بلا إشكال. والرهان والمراهنة بحد ذاتها لا حرمة فيها. وكما تمكن الإسلام من القضاء على العبودية وشرب الخمر – وهما ثقافتان راسختان في زمن الجاهلية – من خلال تشريع قوانين متقدمة وحكيمة، يمكن القضاء على المحرمات والممنوعات من المجتمع بثقافة مناسبة وتوصيفية، واستبدالها بالحلال والمجاز، ليتم بذلك تطهير المجتمع من الشوائب وتنقية أرواح الأفراد. لقد كان هدف الأنبياء والأولياء الإلهيين دائمًا مساعدة الناس وإظهار طريق النجاة لهم، والاجتهاد العلمي والعقلاني يسير في هذا الاتجاه من خلال تهيئة الفقه بدقة وشمولية.
إن الدين والإيمان في العصر الحاضر بحاجة إلى العقلانية والحكمة والبحث والتدقيق العلمي وإزالة الخرافات والزوائد. والعقلانية الدينية تتطلب التفتح والإعادة المنتجة بيد أيديولوجي ماهر وقائد حكيم وقوي وفقيه عارف بمقتضيات الزمان والمكان، قادر على تمييز مقدار الخير والشر في الموضوعات باستخدام الأدوات التجريبية والعملية. فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى مسألة بيع العذرة والنجاسة في المكاسب المحرمة، حيث اعتبر الشيخ الأنصاري أنها حرام لعدم وجود منفعة حلال لها. لكن الاجتهاد العلمي يقول إن كل ما له منفعة خيّرة، فبيعه وشراؤه في سبيل هذه المنفعة جائز. وعلى هذا الأساس، فإن بيع وشراء الأسمدة التي كانت تُعتبر محرمة في الماضي أصبح اليوم جائزًا نظرًا لفائدتها المفيدة، ولا يمنع نجاستها من الاستفادة منها أو بيعها وشرائها. وهذا يدل على علمية الفقه الشيعي وملاكيته. إن تغيير الموضوع هو الذي يعطي الحكم الخاص به، لا أن يكون هناك تغيير في حكم الله. وفي مثال آخر، التبغ ليس حرامًا بحد ذاته، لكن عندما تغير موضوعه واستخدامه وأصبح ذا استعمال شرير واستعماري، أفتى الميرزا الشيرازي بحرمته مؤقتًا وزمنيًا.
من العناصر المؤثرة في تغيير الموضوع، الشيوع. لكن الشيوع لا يمكن أن يعطي حكمًا جديدًا لموضوع إلا إذا تسبب في تغيير الموضوع وظهوره بصورة جديدة، أو إذا لم يكن ذلك العمل حرامًا بذاته، وإلا فإن مجرد الشيوع لا يعطي موضوعية. فعلى سبيل المثال، إذا كان شيء ما آلة قمار لألف عام، لكنه اليوم لم يعد يُعتبر آلة قمار، فلا يمكن إثبات الحكم السابق على الموضوع الحالي، لأن الموضوعين مختلفان، ولا يمكن إصدار حكم واحد لموضوعين مختلفين. فالشطرنج، على سبيل المثال، كان في البداية محصورًا بين الملوك والحكام والأثرياء والنبلاء، لكنه مع مرور الزمن فقد رونقه السابق وانتشر بين عامة الناس، وأصبح اليوم شائعًا كرياضة فكرية، مما أخرجه من كونه آلة قمار وجعله وسيلة للرياضة والمنافسة. على عكس النرد، الذي إذا كان شائعًا كآلة قمار، فإن اللعب به – حتى بدون ربح أو خسارة – يكون حرامًا، ما لم يتغير موضوعه كما حدث مع الشطرنج. لكن الشيوع لا يمكن أبدًا أن يحول أحكامًا مثل حرمة الخمر والمسكرات إلى حلية، لأن الشيوع لا يُحدث تغييرًا في موضوعها، وحرمة الخمر والمسكرات ذاتية وليست عارضة. وعلى هذا الأساس، إذا كان شرب الخمر شائعًا في منطقة ما، فهذا لا يعني أن استخدامه جائز للمسلمين الذين يعيشون هناك. لكن إذا كان التزين بالمكياج العادي في مدينة يُعتبر أمرًا غير مستحسن، ثم أصبح شائعًا بمرور الزمن، خصوصًا مع استخدامه من قبل نساء ذوات نفوذ اجتماعي أو المشاهير، فإن قبحه يزول ويصبح أمرًا عقلائيًا. وكذلك استخدام الشعر المستعار، إذا أصبح شائعًا، يصبح أمرًا عاديًا، وتنصرف أدلة الحرمة عن فضاء الزينة غير المألوفة والمبتذلة وتُعتبر تغطية مألوفة. وكذلك شيوع ربطة العنق والبابيون والقبعة ذات الحواف قد أزال خصوصيتها كرمز لجبهة الكفر والباطل، وأصبح استخدامها في الدول الإسلامية لا يرتبط بجماعة معينة من أهل الكتاب (الغربيين وخاصة بريطانيا)، مما أزال حرمة ارتدائها. في هذه الحالة، ينصرف الموضوع عن التشبه بالكفار، لأنه لم يعد من الممكن اعتبار هذه الملابس رمزًا للكفر أو جبهة الباطل. إن الشيوع يُحدث تغييرًا في موضوع الحكم، وتغيير الموضوع، بعبارة دقيقة، يؤدي إلى إعطاء حكم الموضوع الجديد له. وحرمة النحت وصناعة التماثيل أو الصور البارزة تتغير أيضًا مع تغير الظروف ووصول المجتمع إلى نضج يزيل لوازم الفساد مثل الوثنية أو الترويج للعري المستهجن وضد عرف المجتمع، مما يؤدي إلى جواز النحت. في المقابل، شيوع أي شيء يُعتبر رمزًا خاصًا بجبهة الباطل والكفر يؤدي إلى الحرمة. قد يكون أمر ما اليوم حرامًا وفي وقت آخر حلالًا بسبب تغير الموضوع، لأنه اليوم له موضوع وغدًا له موضوع آخر، ولكل موضوع حكمه الخاص. فعلى سبيل المثال، المرأة حلال لزوجها، لكن عندما تنوي الحج وترتدي ثياب الإحرام، تصبح محرمة على زوجها، لأنها تحولت إلى موضوع آخر، ولم تعد مجرد زوجة له، بل أصبحت محرمة أيضًا، والإحرام أعطى الموضوع حيثية جديدة.
من نتائج معرفة الموضوع بدقة، تمييز الأحكام الذاتية من الأحكام العرضية. فالأحكام الذاتية ثابتة دائمًا لموضوعها، أما الأحكام العرضية فهي اقتضائية، ومع زوال العَرَض وتغير الصفة، يزول الحكم أيضًا، ويعود الموضوع إلى حكمه الذاتي والأصلي أو إلى عَرَض آخر يُحمل عليه. إن الاقتضائية في الحكم تعني أن الموضوع المعني يمكن أن يُستخدم في اتجاه الصلاح أو الفساد، وله تطبيقات خيّرة وشريرة. ومثال ذلك البارز هو الموسيقى، حيث من المهم أن تكون هذه الأداة الفنية في خدمة جبهة الباطل أو تحت سياسة وإدارة أصحاب الولاية الحقيقية وجبهة المؤمنين.
ومثال آخر هو الأحكام المتعلقة بالرجل والمرأة، حيث يُنظر أحيانًا إلى إنسانيتهما وأحيانًا إلى جنسهما وأحيانًا إلى ظروف الزمان والمكان. فجميع أحكام الإسلام التي تُحمل على إنسانية الإنسان مشتركة بين الرجل والمرأة، وإذا ادعى أحد أن حكمًا خاصًا بالرجال أو النساء ويُحمل على الجنس، فعليه إثبات ذلك بدليل.
حتى الآن، تم التأكيد على أهمية معرفة الموضوع في الاجتهاد العلمي. إن اختلاف فتاوى الفقهاء في بعض المسائل لا ينبع من اختلاف الروايات أو غيرها من الأدلة، ولا دور للأدلة الدينية في هذا الاختلاف، بل يرجع هذا التعدد إلى عدم معرفة الموضوع وعدم الإدراك لهذه الهوية الحكمية التي يجب أن تُفصل فيها الحيثيات، وإهمال الاعتبارات والحيثيات المختلفة يؤدي إلى الوقوع في المغالطات. وتذكّر هذه القضية قصة مولانا في المثنوي، حيث كان أشخاص في الظلام يلمسون أعضاء فيل، وكل واحد يتصور شيئًا مختلفًا: أحدهم اعتقد أن الفيل عمود، وآخر اعتقده مروحة، وثالث شيئًا آخر. وكان هذا الاختلاف ناتجًا عن الظلام وعدم معرفة جوهر الموضوع والوقوع في مغالطة الجزئية، وإلا فالحقيقة واحدة وهي الفيل. وهذه القضية تبرز أهمية معرفة الموضوع بدقة وتجنب الجزئية والاختزالية (مغالطة أخذ الوجه بدل الجوهر). ومع ذلك، يُعاد التأكيد أن الموضوعات هي التي يمكن أن تكون ثابتة أو متغيرة وقابلة للتحول، وليست الأحكام ذاتها. يجب معرفة كل موضوع بأحكامه وخصائصه وذاتياته وعوارضه، ثم استنباط حكمه، لأن الموضوع يختلف بتغير عوارضه ولواحقه. وفي استنباط الحكم، يجب الدقة في جميع العوارض اللاحقة على الموضوع بناءً على النفي والإثبات، وعدم اعتبار عَرَض مكان عَرَض آخر في الحكم، أو تحميل حكم أُعطي بناءً على عَرَض معين إلى ذات الموضوع، والوقوع في مغالطات أخذ الوجه بدل الذات أو الاختزالية. للأسف، بعض الفرضيات الفقهية التي طرحها السابقون تعاني من هذا النقد، لأن الفقهاء، بشكل عام، كانوا يفتقرون إلى العلوم اللازمة لمعرفة الموضوعات المتنوعة، وكانت مناقشاتهم تميل إلى التبسيط في معرفة الموضوعات واكتشاف الأحكام، معتمدين في الغالب على الشهرة والإجماعات المزعومة لبعض الفقهاء القليلين في الفترات الأولى من الاجتهاد. ومن السذاجة أن يعتقد أحد أن بضع كتب فقهية للعلماء السابقين – التي تكرر فيها المحتوى غالبًا، على الرغم من عظمة جهدهم الفقهي في زمانهم – كافية لمجتمع اليوم. ذلك أن الفرضيات الفقهية السابقة صيغت في وقت كانت الحكومات غير الدينية تُلقي بظلالها، أو تناولت موضوعات تغيرت وتحولت مع تقدم العلم. إن إدارة المجتمع الحديث اليوم بمثل هذه الفرضيات المتسمة بالسطحية وبعيدة عن القواعد العلمية والعقلانية غير ممكنة. وبالطبع، فإن ثقافة الشيعة وكلامها المعصوم في كل مجال هو الكلام الأول والأخير وأمر صحيح وفوق الزمن، لكن المهم هو الفقه وفهم كلام المعصوم والوصول إلى مراد الشارع بمساعدة الملكة القدسية. ومن السذاجة أن يظن أحد أنه يمكن فهم كلام المعصوم بسهولة دون الإحاطة بآليات الاجتهاد العلمي. إن الفقه يتحدث عن فهم حقوق الناس على الله وحقوق الله على الناس وحقوق الناس على بعضهم وعلى المجتمع، وفهم هذه الحقوق مع هذا التنوع يتطلب عقلًا حادًا ودقة متناهية وقلبًا نقيًا وطبعًا طاهرًا وملكة قدسية. إن الفقه بحاجة إلى معرفة الموضوعات علميًا. فإذا كان الفقيه عارفًا بالموضوعات، صار فقهه صحيحًا وديناميكيًا، ويجعل المجتمع حيًا ونشطًا ومتقدمًا، ويظهر الفقه حضوره الصحيح والمبهج والحيوي في كل لحظة من حياة الناس، فيتنفس الناس مع الفقه الهادي والفعال، ويجدون بركات نور هذا العلم الإلهي في حياتهم بوضوح، ويعتبرونه مفتاحًا لحل مشاكلهم ودافعًا للتقدم والكمال والصحة والسعادة. في مثل هذا المجتمع، يشعر الناس بكل وجودهم أن الفقيه هو القائد الصحيح والهادي لهم بطريقة علمية ودقيقة، وبما أنه يعرف الطريق جيدًا، يصبح قائدًا قويًا وصحيحًا للآخرين.
اليوم، عيون الناس تتجه إلى النظام، ويتوقع الناس من هذا النظام الذي يدعي السياسة والإدارة العلمية أن يبين المسائل والأحكام بوضوح وأن يضع ويوافق على قوانين صحيحة. وعليه، فقد أصبحت مسؤولية الفقهاء والعلماء الدينيين وواضعي القوانين ثقيلة جدًا، ولا يمكن مقارنتها بتاريخ الفقه الشيعي السابق.
إن ابتعاد الفقه عن معرفة الموضوع يبقي علم الفقه متخلفًا ويمنع تقدمه وحداثته، ويسبب مشاكل كبيرة في نظام سياسة الفقهاء، ويؤدي إلى رسم صورة غير صحيحة للسياسة والإدارة والأحكام والقوانين في المجتمع. إذا أصدر المجتهد فتوى دون معرفة الموضوع وعدم إدراك واقع المجتمع ووضع القوانين بناءً عليها، فإنه يقود الفقه إلى العزلة والمجتمع إلى الانحطاط والتقهقر. إن الفقه العلمي، بوضع معرفة الموضوع في جدول أعمال الفقيه، يجعل اجتهاده اجتماعيًا وديناميكيًا. اليوم، يمكن للفقيه أن يتولى قيادة المجتمع ويكون هاديًا للجميع وله صبغة شعبية إذا جعل اجتهاده واقعيًا واجتماعيًا وشعبيًا وعلميًا من خلال معرفة الموضوعات، حيث يدرك الاجتهاد واقع المجتمع بالبحث والتحقيق العلمي ويهدي الناس في تعقيدات هذه الأمور، ويصبح هو نفسه قائد العرف ومستجيبًا لاحتياجات المجتمع الحالية ومستقبله، لا أن يجعل العرف قائدًا له في معرفة الموضوعات الطارئة.
الملاكية والتوصيفية في القانون
إن «القانون» في الاجتهاد العلمي ليس أمرًا آمرًا، وليس له حكم بضمانة تنفيذية قوية أو استبدادية – حتى وإن كانت بطريقة اعتبارية. فالاجتهاد العلمي يرى أن النظام يقوم على «السياسة» و«الإدارة»، لا على الرئاسة، ولا تُعتبر قوة الحكم الفقهي أو الحكومي أو القوى الاعتبارية كضمانة لتنفيذ القانون، بل يعتمد على القوة الحقيقية المتصلة والعلوم والبصائر الباطنية والروحية وعلى التوصيف والبيان العلمي والبيني والمقبولية الشعبية. تُعبر هذه القوة في المجتمع بـ«الولاية والمحبة أو السياسة والإدارة العامة»، ويتركز اهتمامها على نشر «الصدق» ومن ثم نشر «المحبة» في المجتمع.
إن الاجتهاد العلمي يرى القوانين والأحكام الشرعية أمرًا توصيفيًا ذا معايير ومناطات حقيقية يمكن اكتشافها بالأدوات العلمية والتجريبية. وهذا الفقه لا يكتب القانون والأحكام بطريقة آمرة، ويؤمن أن الدين الإسلامي ليس دينًا أمريًا، بل شريعة توصيفية ترسم صلاح البشر الحقيقي وخيرهم التكويني، ولها فلسفة واستدلال وحجة للوصول إلى الحق والهداية الدينية. ومع ذلك، فإن الحكمة العلمية في الفقه تختلف عن البحث الفلسفي عن العلة التامة، ومع ضعف الأدوات والصناعات ونقص العلم، لا ينبغي توقع أن يتمكن العلم بالضرورة من إدراك العلة التامة لكل حكم وقانون. وقد يكون عقل منقطع عن العصمة ولم يتفتح بنور العشق والولاية عاجزًا عن إدراك العلة التامة للحكم، وليس من الضروري أن يتمكن العقل أو العلم من إدراك العلة التامة لكل حكم. ومع ذلك، يمكن للعلم والعقل أن يجعلا حكمة الأحكام والقوانين ومعرفة الموضوعات منهجية وعلمية. لذا، فإن تعبدية بعض الأحكام لا تعني تعطيل الدقة في الحكمة أو تعطيل الجهد في اكتشاف الملاك والوصول إلى العلل الجزئية للحكم ومعرفة سيرة العقلاء والعرف في الأمور التأييدية وغير التأسيسية في الدين. وبالتالي، فإن الاهتمام المفرط بالظاهر اللفظي أو القاعدة أو صورة الدليل بحيث يؤدي إلى إهمال الملاك والغفلة عن تشخيص الموضوع وملاك الحكم هو تفريط وقصور، كما أن التمسك بالمصالح غير المسندة والقياس الفقهي ووضع ملاكات استحسانية بدل الملاكات التكوينية والعلمية لتشريع الحكم والتعبد به، الذي يقع فيه العقل البعيد عن نور الولاية، هو إفراط وانحراف.
[^2]: النص الوارد في الرواية مكتوب بخط الأميري مع التشكيل الكامل كما طُلب.
الشيعة، التي تجعل العقلانية والتفكير العقلي، ثم الحب التابع له، أساس كمالها، تولي في الأحكام، ولا سيما الأحكام التأييدية العقلية، أهمية كبرى لملاكها ومناطها، وتؤمن بأن لا حكمًا حرامًا أو حلالًا إلا وله ملاك، ولا يمكن أن يوجد في الشريعة حكم تعبدي بمعنى أن يكون خاليًا من ملاك حقيقي أو معيار تكويني. ومع ذلك، فإن جهل الإنسان غير العالمي والبعيد عن المعرفة بملاك الحكم لا يعني عدم وجوده. ومن ثم، يمكن صياغة القانون في بعض المسائل بطريقة موجهة ومستدلة، مما يسهم في وضوح القانون وقبوله الواعي، وبالتالي يعزز ضمان تنفيذه، ويتماشى مع اقتضاءات روح تشريع القانون والعقلانية الدينية. إن العقلانية الدينية تمنح الصبر والثبات والاستقامة الدينية في مواجهة الصعوبات والدعايات المسمومة لمعاندي الشريعة. ومثال ذلك سحرة فرعون، الذين آمنوا بدين موسى 7 بفضل تعقلهم وتدبرهم الصحيح في مناط السحر والمعجزة، فقبلوا الدين بعمق القلب والروح. أما عامة بني إسرائيل، لأنهم لم يتدينوا عن تحقيق وبصيرة، فقد عبدوا العجل عند غياب موسى 7 لفترة قصيرة.
الشيعة، في باب استنباط ملاك الأحكام، لها في سجلها كتاب مثل «علل الشرائع»، الذي يظهر أن الأئمة المعصومين 7 قد استخدموا مسلك استنباط الملاك على نطاق واسع لتفسير وتبرير قبول الأحكام الدينية. وقد قال الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، وفي موضع آخر، وصف عباد الرحمن بأنهم ليسوا ممن يقبلون آيات الله دون تفكر أو عميًا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣].
إثبات بعض الملاكات يتطلب دراسات وبحوثًا عميقة، ومختبرات حديثة، وتجارب وأبحاثًا علمية لإثبات أو نفي كل منها بأدلة وبراهين. هذه الأمور قابلة للإثبات ولا ينبغي اعتبارها فوق الدليل. ومن الواضح أن هناك فرقًا بين الأمر غير القابل للإثبات وعجز الإنسان عن إثباته. ما ورد في الروايات عن حكمة الأحكام هو كله قابل للفهم والإثبات، حتى وإن كان الإنسان المعاصر عاجزًا عن امتلاك الأدوات اللازمة لاكتشافها، لكن البشرية في المستقبل ستتمكن يومًا ما من الوصول إليها.
ومع ذلك، يجب ملاحظة أن العقل، رغم قدراته وإمكاناته العظيمة، وتمتعه بموهبة قبول الرسل الإلهيين 7 وتصديقهم والخضوع لهم، إلا أنه لا يستطيع الإحاطة بجميع جوانب المسألة ونصفها الخفي، كما أنه يمتلك القدرة على إدراك الأمور الكلية فقط، وفي فهم التفاصيل يتدخل الوهم والخيال، فلا يمكن اعتباره مصدرًا مستقلًا لفهم الأحكام الجزئية للشريعة. والمستقلات العقلية إما غير موجودة أو قليلة جدًا. كما نوقش في الفقه أن القياس غير المنصوص العلة ليس بحجة، وأن الاستحسان لا يمكن أن يكون دليلًا لإثبات حكم شرعي.
كما تقدم، يدرك العقل أحيانًا ملاك ومعيار الحلال والحرام وسائر الأحكام الشرعية، مثل قبح الظلم، الذي لو افترضنا -محالًا- أن الشريعة خالفته، لرفضه العقل واعتبره غير مقبول. هذه الحالات من المستقلات الشرعية. لكن استنباط ملاك بعض الأحكام يتجاوز قدرة العقل العادي، مثل قبح القمار، حيث مهما قال العقل في ذمه، فإن ذلك يكون حكمة لا علة تامة لحرمته. العقل، لفهم أحكام الشريعة، يحتاج إلى الشريعة، وبما أنه لا يملك اختصاص التشريع، فهو متشرع لا شارع، وقدرته على استنباط ملاكات الأحكام الشرعية محدودة بحدود طاقته. لذا، فإن العقل يحتاج إلى قيادة المعصوم 7، ولا يستطيع بنفسه استنباط علة حكم شرعي. هذه هي اللامستقلات العقلية. وصحيح أن الإنسان يملك التفكير، لكن تفكيره محدود، ولا بد من وجود المعصوم ليجعل فكر الإنسان كاملًا، معصومًا، واعيًا وعلميًا حتى لا ينحرف. وكلما زادت معرفة الإنسان وعلمُه، ازدادت حاجته إلى المعصوم، لأن سرعة سيره في التفكير تصبح أعلى، ورؤيته أوسع، ونفسه أرحب، وعمله أقوى، وخطر سقوطه وتصادمه أكبر، بخلاف من لا يملك معرفة وتفكيرًا كبيرًا، فتكاليفه قليلة، وتناسبه صلاة وصوم وتغذية حلال وحرام بحدود ذهنية قصيرة وحركة بطيئة، وخطر سقوطه أقل بكثير.
الفقه العلمي والحكيم الشيعي يمتلك ملاكًا ومناطًا، ويتبع المصالح والمفاسد الحقيقية، ويقوم على الخير والشر، وليس من المعقول أن يكون لله حكم بلا معيار عقلي أو علمي. الملاكات الشرعية دقيقة ومنظمة بحيث يمكن للإنسان بعقل سليم وغير مشوب، وبأبحاثه العلمية، أن يحرزها، وفطرية الدين تؤكد ذلك، إذ إن الفطرة التي لم تُفسد بتربية غير سليمة تستطيع الوصول إلى ملاكات ومعايير الشريعة، لأن ملاكية الدين تجعله منسجمًا مع الفطرة والخلقة والطبيعة ومنشأ الوجود. إن التشريع وتنظيم الأحكام الإلهية يتمتع بدقة وحكمة علمية، بحيث يمكن باستخدام حكم شرعي واحد إثبات حقانية الإسلام. وكل حكم لا يملك هذه القدرة ليس من الشريعة. يجب الانتباه إلى أن الحكم الذي لا يملك هذه القدرة، وليس العقل أو العلم عاجزًا عن قياس قيمته، لذا ينبغي القول إن أي حكم ديني أو تعبدي ظاهري لا يستطيع العقل المعصوم وغير المشوب إدراك ملاكه ليس من الدين. ومثال ذلك، إذا أوصى الدين بوضع خشبة طازجة تحت إبط الميت، فهذا الحكم يملك ملاكًا، وبتحليله وتفسيره يمكن إثبات قيمة صدق الإسلام، وكل حكم لا يكون كذلك فهو زائف ومُلحق.
الحديث عن مناط وملاك الأحكام وعلل الشرائع والقوانين ضروري للفقه الشيعي وحاكميته في المجتمع المعاصر، ولا يمكن لفقه أن يتحكم في سياسة وإدارة المجتمع إلا إذا وضع نفس الأحكام تحت البحث العلمي، وأثبت حكمة وملاك وتعليل الأحكام الشرعية في إطار علمي وبحدود قدرة العقل، وأسس لفقه وحقوق حديثة تؤدي إلى إقامة حضارة شيعية ديناميكية في القرن القادم بقوانين تتمتع بثقافة علمية. ومع ذلك، فإن الثقافة السائدة اليوم هي الإنسانوية المنحطة والإنسانية الغربية، ولا يمكن لثقافة قوية أن تقاوم هذا الباطل الواسع المدعوم بإمكانات هائلة إلا ثقافة الشيعة، التي تمتلك دعم قيادة المعصومين لمدة مئتين وسبعين عامًا وتعليم مقام العصمة، وتستطيع الإجابة عن المشكلات الفكرية والثقافية والروحية والمادية لعالم اليوم ومستقبل العالم بطريقة علمية ومعقولة، ولديها القدرة على تقديم استراتيجية لتحرير الناس من الظلم والإجحاف، وتأمين سلامتهم الدنيوية وإيصالهم إلى الملكوت وسعادتهم الأخروية. تحقيق هذا الموقع يتطلب جهودًا كبيرة من علماء الدين وحريتهم، وهذا هو معنى الاجتهاد والاستنباط والفقاهة والعدالة بمعنى الملكة القدسية.
الاجتهاد العلمي والفقه الحكيم والقوانين الإدارية والمدنية والعقلائية النابعة منه، بما أنها تقوم على أساس الموضوعية واستنباط الملاك، فإن المتعلمين بها لا يتلوثون بالتقليدية غير المبررة التي تتماشى مع روح العافية والتساهل، ويحل محلها البحث الجهدي الشبكي باستفراغ الوسع الجماعي في كل مسألة، ويمكن أن يبرر العديد من الروايات الدينية ويبين استدلالاتها أو على الأقل يوضح حكمها. الحقوق المبنية على هذا الفقه هي التي يمكنها مناقشة ومحاورة الحقوق الليبرالية الديمقراطية والفلسفات العلمانية، ودعوة المنظمات الدولية والحكومات وأهل العلم الحقوقيين بعلم بيني وعقلائي.
اليوم، تسيطر العلوم الإنسانوية والعقلانية النفسية المنفصلة عن الله والوحي الإلهي على البشرية، وقد أصبح الترويج المتعمد للروحانية المنفصلة عن الله سياسة شائعة لمعاندي الشريعة. في مثل هذا السياق، إذا تحدثنا مع العلماء وأهل المعرفة بملاك ومعيار علمي، وأوضحنا لماذا توجد قوانين وأحكام إسلامية، يمكن أن نأمل في قبولها. مع محورية العلم، تطالب المراكز العلمية بتحليل علمي وفلسفة عقلية للأحكام، لأنها لا تعترف إلا بالروايات العلمية ولا تعرف التعبد، والقوانين تُعبر عنها بالاجتهاد العلمي وتصبح بينية. القانون إذا كان صحيحًا وعلميًا، فهو أمر فرازماني، بمعنى أنه حيثما تحقق موضوعه، يمكن تطبيقه علميًا في جميع المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الحديثة والعلمية. خاصية القانون الصحيح هي فرازمانيته. القرآن الكريم، لهذا السبب، معجزة الخاتمية وكتاب علمي فرازماني للإسلام، لأنه يحتوي على جميع المسائل والموضوعات ويتحدث عن كل شيء بصورة صحيحة وعلمية، ويحتوي على جميع العلوم، ولكن لفهم معاني القرآن الكريم يجب معرفة لغته المتخصصة وعربيته الخاصة، وسلوك طريق الأنس والمحبة مع القرآن الكريم للوصول إلى معانيه. من الطبيعي أن تكون لغة وثقافة القانون الذي يدعي أنه مستمد من القرآن الكريم على وزان لغة وثقافة القرآن الكريم. لسان القانون، مثل لسان القرآن الكريم، هو لسان الفطرة والطبيعة، لأن الفطرة تعود إلى نهاد الإنسان والطبيعة إلى جميع الظواهر، والقانون الصحيح، مثل الدين السليم الذي يتمتع بالكمال والتكامل، يستفيد من الفطرة والطبيعة، كما يستفيد من قوانين العقلاء في الأمور التأييدية والإرشادية. القانون يتبع لسان الفطرة والطبيعة، وهو أمر تكويني، والروايات المستمدة من الأمور التكوينية ليس لها نهاد تأسيسي، حتى لو كانت ظاهرها آمرًا، بل إن جميع الروايات، سواء كانت إرشادية أو مولَوية، هي توصيفية، وتصادق على ما هو موجود في الطبيعة والفطرة، أي الأمور الشائعة بين الناس، إلا إذا أخطأ المجتمع في فهمها أو انحرف في العمل أو أخطأ، ففي هذه الحالة يظهر بصورة تأسيسية وإصلاحية ليعيد المجتمع إلى نهجه التكويني والطبيعي والفطري. مثلًا، العرف والعقلاء وحتى العلم الحالي لا يميزون الطاهر من النجس، ويعرفون النظافة فقط، ولو لم تُعد النجاسات العشر من قبل الشرع، لما عرف العرف والعلم الحالي ما هو نجس وما هو طاهر. الأنبياء 7 والكتب السماوية لم تكن تهدف إلى هدم المجتمعات وقوانينها وتقاليدها الشائعة، بل كانت تهدف إلى تأكيد الصواب فيها وتصحيح العيوب والانحرافات والأخطاء، مثل المعلم الذي يصحح إملاء الطالب ويوضح له أخطاءه، وما لم يصححه فهو صحيح. كل حكم إلهي يوجد بصورة لائقة ومتوازنة وبأقل قدر من الإفراط والتفريط، وبساطة ومتانة وهدوء وبعيدًا عن الصعوبة، موجود في نهاد الناس والمجتمع. لذا، فإن الكثير من التشددات جاءت من مترجمي الدين والتابعين، عبر الزمن وبفعل سيطرة الأذواق أو سوء فهم بعض الفقهاء الظاهريين، وبعضها كان مناسبًا وخاليًا من الزيف في زمنهم، لكنه خارج ذلك النطاق لا موضوع له وغير قابل للتنفيذ. الأنبياء والأولياء 7 كانوا دائمًا في حياتهم بسطاء وخالين من أي زيف، لأن الدين الإلهي الخالي من الزيف كان في شريعتهم وفطرتهم.
معرفية القانون
القوانين والأحكام الشرعية في الفقه الشيعي تتمتع بملاك وهي توصيفية وتستند إلى الأمور التكوينية وتتبع الوجود، ويمكن اكتشافها بالأدوات العلمية. ونتيجة هذه المقولة أن القانون أمر معرفي التوجه وليس تكليفيًا. القانون، إذا كان علميًا ومبنيًا على معيار حقيقي، سيكون بالتأكيد فرازمانيًا، وإذا كان يتمتع بالكمال والشمولية، يمكنه تحمل مسؤولية الهداية في جميع المجالات. القانون لا يمكن أن يكون حقيقيًا وتوصيفيًا إلا إذا وُضع بحكمة وعقلانية. لذا، لا يستطيع كتابة القانون إلا فقيه حكيم وفرزانه ويمتلك مجموعة علوم متشابكة ومعرفة بمنشأ الشارع مع ملكة قدسية لاستنباط الحقيقة ومنشأ الشارع، حتى لا يقع في شبكة التحجر والتضييق والأذواق الشخصية والزيف والبدع والمغالطات والتحريفات والتقاليد والعادات المرفوضة من الشرع. القانون الذي يكتب بتخصص الفقيه في جميع الروايات المعرفية والأخلاقية والأحكام، وحتى مع مراعاة العواطف والمشاعر والملكة القدسية والقرب الروحي واللطافة في الإدراك المتعلق بالقلب، يمكنه أن يتولى هداية الظواهر، ولا سيما الإنسان، إلى الخير الجماعي للمجتمع والأفراد، بقوة المحبة والمودة وباختيار وشوق جماعي. مثل هذا القانون معرفي التوجه، ويستمد قوته من المحبة والولاية والسياسة العامة، لا من الإلزام التكليفي والاقتدار الاعتباري. يجب ملاحظة أن الفقيه ذا القرب الروحي والملكة القدسية الموهوبة يملك المحبة والمودة لإيصال جميع الظواهر إلى ربها بخيرها وكمالها الطبيعي بمساعدة الولاية وقدرة السياسة العامة، ويستمد الحرارة اللازمة لهذا الخير العاشق من الملكة القدسية وعناية وقرب وحب الله تعالى.
معرفية الفقه والقانون المبني عليه مُعرَّفة في الاصطلاح الفقهي، لأن الفقه هو علم استنباط مراد وقصد القائل القدسي بطريقة نظامية وبمساعدة الملكة القدسية من ظهور وتجلي دليل الدين (الكتاب، السنة، وغيرها من المصادر المعتمدة شرعًا)، سواء كان استنباط مراد الشريعة في الروايات الاعتقادية والمعرفية أو الأخلاقية أو الأحكام الدينية. منهج الفقهاء الأوائل في بداية الغيبة كان كذلك، إذ كانوا يطرحون الأصول المعرفية الأساسية قبل مناقشة الفروع الدينية. القرآن الكريم، ككتاب وحياني ومستند الفقه ومتن ومصدر الشريعة الأساسي، هو كتاب معرفي التوجه. ومع ذلك، فقد مال الفقه المتحجر والظاهري، الذي يكتفي بالفقه والأصول، إلى التكليفية الاقتدارية والتوجيهية. وقد ذُكر سابقًا أن المباحث الفقهية لها موضوع طبيعي وتكويني، لا اعتباري، وعلى الرغم من أنها تعبر عن التكليف، فإنها تمتلك ملاكًا وحقيقة ومحتوى توصيفيًا وتحليلًا مرتبطًا بالوجود وظواهره. الفقه الشيعي ليس علمًا توجيهيًا صرفًا، بل إن الواجبات والمحرمات الفقهية -التي تظهر في الفقه الشائع كأوامر ونواهي- تتمتع بحقيقة توصيفية وحركة ضمن حدود محددة تؤدي إلى سلامت وسعادة الإنسان، وتجري في متن طبيعته وفطرته. لذا، فإن القانون المبني على هذا الفقه هو أيضًا توصيفي ويُوضع بسياسة نظامية ومنهجية. الروايات التوصيفية للدين يستخرجها ويؤلفها وينظمها فقيه ذو سيرة نقية وملكة قدسية وموهبة الأنس مع القرآن الكريم. فقط مثل هذا الشخص يمكنه أن يهندس القانون معرفيًا ويكتب قانون الحياة بطريقة تضمن سلامت وحرية وكرامة ومتانة جميع أفراد المجتمع وفئاته المتنوعة في تنوع شرعي وقابل للتنافس، ويحقق حياة مليئة بالعزة والرفعة والنمو والبندگية، وهي جديرة بالإنسان واقتضاء وجوده واستعداده، وتصله إلى الحق وربه وطبيعته.
الروايات الوحيانية للقرآن الكريم والشريعة ذات طابع توصيفي ومعرفي وتقدم حقائق الوجود وظواهره، ولا ينبغي اعتبارها من قبيل الواجبات والمحرمات المصطلحة. صحيح أن بعض تعاليم الشريعة تتجلى في شكل واجبات ومحرمات، لكن هذا هو ظاهرها، وفي باطنها تحكي عن حقيقة توصيفية. صحيح أن الله قادر ومالك مطلق لكل ظاهرة، لكنه لم يُسَلِّط الزور والإجبار والقهر في شيء حتى في أحكامه في الناسوت، بل دعا الجميع بقضايا توصيفية وتحليلية ومن خلال مسار طبيعي وحر وبالتفكر والتفلسف في دقائق العقل، إلى نفسه. ومع ذلك، فقد جعلت سيطرة خلفاء الجور بانقلاب السقيفة الدين آمرًا وتوجيهيًا، وجعلت علم الحكمة وفلسفة الأحكام محصورًا ومهجورًا في كتاب «علل الشرائع» للشيخ الصدوق. الدين الآمر والتحكمي يجعل التهديد بالعذاب والخوف من جهنم أساس دعوة الشريعة، بينما لو بقيت الشريعة على شكلها التوصيفي لظهرت بمحبة وولاية ومودة الأئمة المعصومين، واجتهاد علمي يرسمها مليئة بالحب والمعرفة، وحتى تكاليفها كانت ستصبح محببة ومعرفية وتهدف إلى إيصال العباد إلى خيرهم وطبيعتهم. إذا شعر المجتمع أن القانون أصبح آمرًا وتحكميًا، فسيعطي رد فعل سلبي وينفر منه، ويفقد الولاية والإدارة العامة وقبول الجمهور، وتزول المحبة من المجتمع والأفراد، حتى في بيئة الأسرة وفي العلاقات بين الزوجين، ويصبح القانون جافًا بلا روح معرفية وخاليًا من المحبة يسيطر على العلاقات الإنسانية. الإصرار الآمر على الترويج وتنفيذ الدين والقانون يؤدي إلى لجاجة وتمرد وجبهة وعناد ومواجهة من المجتمع، دون أن يتعرف على الدين الحقيقي والقانون الصحيح ومحتواه الرفيع. كما أن الدين التوجيهي يؤدي إلى إخفاء الوجوه الحقيقية لبعض الأفراد خوفًا من الظاهريين، ويتعرض المجتمع لخطر النفاق الخفي للضعفاء أو نفاق الطامعين الفرصويين وذوي الوجوه المزدوجة، وهو خطر أكبر من الكفر الظاهر.
على أي حال، السبب الرئيسي لتخلف الشريعة الإسلامية في العالم هو الظاهرية التوجيهية للفقهاء المدعين والقانون الآمر الجاف وغير القابل للمرونة الناتج عنه، بينما الشريعة هي حقيقة معرفية وأمر يتجاوز الحق أو التكليف. الإسلام يريد أتباعًا يفهمون الشريعة، لأن بالعقلانية يمكن للدين أن يمنحهم الروحانية. العقلانية في تدبير شؤون البيت وطلب الروحانية الشرعية تؤدي إلى حياة صحية في الدنيا وفرجام سعيد. المعرفة والعقلانية هما محور تقييم كل مقولة وفعل في الإسلام وقوانينه. الإسلام يجعل قبول المعجزة مرهونًا بحجية العقل، وجعل إعجازه، الذي هو دليل حقانيته، من قبيل المعرفة، وجعل كتابه الوحياني دليلًا على صحته، وحتى أقل عبادة يقيسها بمعيار المعرفة والعقلانية، لا بالعمل بالتكاليف، كما يشهد كتاب العقل والجهل في أصول الكافي.
محورية الصدق في القانون المعرفي
ضمان تنفيذ القانون في الاجتهاد العلمي هو الصفة الجوهرية «العدالة» والنزاهة و«الصدق» والاستقامة، التي تقع في قمة هرم القانون، وتُعدّ الضمان الأعلى والأقوى لتنفيذه. إن ضمان تنفيذ جميع القوانين، التي تؤدي إلى تحقيق العدالة الشاملة في المجتمع، يكمن في عدالة ونزاهة المدراء والمسؤولين على المستوى الشخصي، فإن عدالتهم ونزاهتهم هي سبب مصداقية المسؤول وضمان التزامه بمسؤولياته. العدالة هي أعظم ضمان إلهي وأساس الثقة بالمدراء والمسؤولين، وقد أقرّها الله سبحانه وتعالى مصداقيةً لهم. في المقابل، فإن أي تدخل أو تصرف يخلو من العدالة هو محرم وممنوع وظلم بيّن وجريمة تستوجب العقاب، كما أنه يترتب عليه آثار وضعية، فإذا قصّر المسؤول أو أجحف أو أساء استغلال المنصب الذي أؤتمن عليه، فإنه يواجه أشدّ أنواع الشقاء والبؤس وسوء العاقبة، لأنه لم يحفظ حرمة هذا المنصب الإلهي، فيصاب بمكافأة هذا الانتهاك وآثاره الوضعية. ولهذا السبب، فإن من لا يملك القدرة على تحمل أعباء المناصب الإلهية لا ينبغي له أن يقبلها. هذه النقطة تُعدّ من أهم الفوارق بين النظام الإلهي والأنظمة غير الإلهية.
إن الصفة الجوهرية «الصدق» في المسؤولين والمدراء هي أساس جميع السياسات الدينية وجذر المحبة والولاية العامة الشيعية وانسجام الجماهير. وجه التميّز الأساسي لسياسة الاجتهاد العلمي الإلهي عن غيرها من السياسات، وصفتها المميّزة عن سائر أنواع الحكومات، هو «الصدق الحقيقي». هذه الجوهرة الأساسية هي علامة بارزة لمعرفة عدالة الفقيه وملكته القدسية وإلهية نظامه. إن «صدق» المدراء الكبار في المجتمع، لكي يتحقق عملياً، يواجه ثلاثة معضلات بشرية: أولها، الزخارف والخرافات والعادات التقليدية والأعراف الاجتماعية الباطلة؛ وثانيها، البدع والتحريفات والأخطاء، أو ما يُسمّى بالزخارف الدينية؛ وثالثها، الاستبداد والأنانية لدى العاملين وتجاوز القانون من قبل رجال الدولة وأصحاب النفوذ والأثرياء. على القيادة، لكي تُظهر صدقها، أن تخوض معركة في هذه الجبهات الثلاث، مستنيرةً بالمعارف والتخصص العلمي لها وللخبراء المعنيين عبر التفكير الجماعي، ومستعينةً بالقوة الباطنية والمدد الغيبي، فتخوض صراعاً حديدياً ومتيناً، وتُبعد الروايات الكاذبة عن البيئات العلمية والاجتماعية، وتُرسي الروايات الصادقة في جميع المجالات العلمية والعملية، وتدير المجتمع بـ«العلم» والالتزام بالبحث العلمي. الصدق هو جذر المحبة، لكنه يحتاج إلى الحكمة والفراسة والمعرفة المعاصرة والبحث العلمي وامتلاك أحدث المعطيات العلمية. إن صدق أي شيء هو قوامه. فما يملك القوام يتمتع بالكمال والحقيقة والنزاهة والباطن والعيار والمحتوى. الشخص الصادق هو من يملك القوام والكمال والصحة والنزاهة. يُطلق على موضوع أي أمر «مصداق»، وهو مشتق من «الصدق»، لأنه يتمتع بالاستقس والقوام والواقعية والكمال والصحة والباطن وتأويل المفهوم. الفرد الصادق يملك قدرة الصمود، والبعد عن الضعف، لأن الضعيف والسست لا يتحمل القوام. إن صدق الله تعالى يكمن في قوامه وقيوميته، كما في الذكر العظيم: ﴿يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ﴾، حيث جاءت القيومية بعد الحياة. «القيّوم» هو كمال العلم وكمال القدرة وكمال الأسماء والصفات الإلهية. العالم أيضاً هو من تتطابق أقواله مع أفعاله، وتُصدّق أفعاله أقواله. صدق القلب يكمن في قوام إظهاره، وصدق الواقع في مطابقته لنفس الأمر، وهذه المطابقة مع نفس الأمر هي قوامه. السياسة بالصدق تكتسب القوام والمتانة والصمود وتدوم. حقيقة كل شيء وواقعيته ومحتواه وتحققه وحصوله ووقوعه هو صدقه. الصدق هو المطابقة مع الواقع. ولهذا يُقال إن صدق أي شيء هو نسبة قوامه. قوام المجتمع وصدقه يكمنان في احترام طباع كل فرد والحفاظ على «التنوع» البشري وقدرتهم على التنافس، وإلا فإن فرض القوة لتسوية الجميع يولد النفور والاشمئزاز. الصّدّيق هو الفرد صريح اللهجة الذي يتمتع بالصراحة والاستقامة والمتانة في القول، والقوام في الفعل، وصدقه يتمتع بظهور واضح ومتين، وهو ثابت على صراط وطريق مستقيم. لا يمكن لأحد أن يملك الصدق في العمل والصمود والثبات والدوام دون حكمة وكتاب (روايات منطقية وموثقة صحيحة) ودون علم ومعرفة معاصرة، وإلا فإن أعماله تكون ميّالة وهوائية ونابعة من هوى النفس وشهواتها، وبالتالي ضعيفة وسستة وباطلة، مما يسبب استياء المجتمع وانهيار نظامه. إن بنية الصدق تقوم على الحكمة والكتاب والعلم والمعرفة. ومن ثم، فإن «الصادق» هو من يملك الحكمة والكتاب والعلم والمعرفة. مثل هذا الشخص كل ما يقوله صدق، بمعنى الاستقامة والثبات، لا مجرد قول الصدق؛ أي أن الصدق ليس وصفاً للقول فحسب، بل وصف للشيء. لذا، يُطلق لقب الصادق على من يملك قولاً وفعلاً متيناً ومقاوماً ويقينياً وبرهانياً وحقيقياً وذاتياً وأولياً، أي صادقاً، ونظام مثل هذا الشخص يبقى قائماً. هذا القول والفعل مشعّان في قلبه كالشمس الساطعة، ويمكنه تقديمهما بالوثائق، وبما أنه علمي، فإنه يمكن التعبير عنه وجعله بينياً. من يشك أو يتخيّل بشأن رواية ما، أو يقبلها بوثيقة ظاهرية غير صحيحة، ولا يلتزم بالعلم والبحث، فليس صادقاً ولا يملك القوام. بناءً على ذلك، فإن الفقيه الذي يقع في أخطاء علمية كثيرة ويتلوث بروايات كاذبة وغير صحيحة في فقهه وفتواه، ولا يملك اج atاهدًا علميًا، لا يمكن أن يكون صادقًا. ونتيجة لذلك، لا يملك ولاية وسياسة إلهية، ولا يمكن أن يكون مديرًا ثابتًا للقانون. إذا كان المدير في حياته ملوثًا بالكذب أو الأخطاء العلمية والتناقضات السلوكية والعملية، فإنه يفتقر إلى أهم صفة للولاية والإدارة والقيادة الدينية، ألا وهي قدرة الصدق، ولا تتحقق له الشايستگى للسياسة والقيادة. يجب أن يتمكن القائد في المجتمع الديني الحديث من محاربة التقاليد التي تتعارض مع القواعد الطبيعية والعلمية، والتي تحد من الحريات المشروعة للناس، وتفرض عليهم أعباءً زائدة ومزعجة. وإذا كانت هناك طبقة النخب العلمية والمتنفذين المتشددين في دعم الزخارف في نطاق نفوذه، فعليه، بدعم من العناية الإلهية، ألا يخاف الفزع منهم، وأن يواجههم بحكمة وعلم، ولا يسمح لهذه الزخارف والخرافات أن تكون قيدًا مقيدًا لخلق الله وأمته، حتى لا تُسلَب الحريات المشروعة. وإلا، فإن هذا الأمر يُدخل روايات خاطئة وكاذبة إلى ساحته، ويُعزله من أي ولاية أو سياسة علمية كان يدّعيها، بسبب فقدان الصدق الأقصى الملائم لمقام القيادة والإدارة العليا للمجتمع، فيصبح معزولًا بذاته دون حاجة إلى توصية من أي مجلس أو فقيه، وتصبح جميع تصرفاته غاصبة.
إن أكdeclare declare الأعظم للحريات المشروعة هو وجود الزخارف الدينية والعادات والتقاليد الملوثة بالزخارف والمقبولة اجتماعيًا، ثم الأنانيات الهوسية للأفراد والأذواق المزاجية الجهلية والتعصبات المتحجرة. الفقيه الحكيم والعالم يخوض في هذه الجبهات الثلاث معركة واضحة وشجاعة وحكيمة. لا يمكن للفقيه أن يكون صادقًا إلا إذا عرف الزغار الدينية والعرفية والنفسانية والروايات الكاذبة (غير المنطقية) وغير العلمية، وكان قادرًا على محاربتها، حتى لا يثقل كاهل المجتمع بالاعتقادات والأحكام الزائدة وغير الإلهية والعلوم غير الصحيحة، فيتجنب وصول الناس إلى حالة من عدم التحمل والصدام والاحتجاج العام والمعارضة السلبية بسبب الضغط الثقيل لهذه الأحكام الزائدة والزخارف العلمية والدينية أو التقليدية والاجتماعية وقوانين فاقدة للصحة والصدق. إحدى أهم جذور الاحتجاجات المدنية هي وجود روايات كاذبة ومبررات دينية وعلمية وعقائد وأفكار ونظريات وقوانين غير صحيحة في جميع قطاعات إدارة المجتمع، بما في ذلك السياسة والاقتصاد والتغذية وعلم النفس والفلسفة والعلوم التجريبية، التي تُسلِب من المجتمع الحياة الصحيحة ونَفَس الحرية السليم. يجب على الفقيه والمدير الديني، بصفته المسؤول الأول عن هذه القطاعات، أن ينظم سياساته الإدارية الكبرى بحيث يعلم الجميع خلال عقد من الزمن أن العلم والقوانين الإدارية المبنية عليه تسير في مسارها الصحيح والملتزم بالبحث، وأن الإدارة المعتمدة على العلوم التي يدعمها الفقيه الحاكم قد اجتازت اختبارها الصحيح والمقبول أمام عيون الناس والمسؤولين، وأن هذه القوانين تتمتع بالقبول الشعبي والوطني. المجتمع الذي يتحمل وزرًا ثقيلًا من الزخارف والنقائص والروايات الكاذبة العلمية والدينية يتوقف عن التقدم العلمي المتسارع والارتقاء، ويواجه السقوط الأخلاقي والانحطاط العلمي وفقدان قدرته بشكل متزايد وملحوظ، حتى يصل إلى مرحلة يُطلق فيها على نفسه بعد عقد أو عدة عقود اسم الجيل المحترق والمدمر والمنحط، ويصبح البلد شبكة من الدمار والرجعية والتخلف. المجتمع بالصدق في جميع المجالات العلمية والعملية يصبح خفيف الحركة، ويجد في نفسه شعورًا نفسيًا بالحرية وقوة الاختيار والصواب. قوة الفقيه تكمن في قدرته على التعرف على الزخارف التقليدية والتصرفات الاستكبارية والاستبدادية والأنانية لأصحاب القوة والنفوذ، الذين غالبًا ما يكونون من الحكام وأصحاب العمل في المجتمع، وكذلك الأفكار والعقائد الباطلة التي تُفرض باسم الدين على الجماهير، وتجاوزات القانون من قبل المستكبرين والمعاندين وأصحاب النفوذ. عليه أن يملك برنامجًا علميًا وقابلًا للتنفيذ لمحاربة هذه الروايات الكاذبة والأكاذيب والمعاندين والمستكبرين الدنيويين النهمين، حتى يتكون أرضية لتصديق صدق القيادة في المجتمع بشكل واضح وجلي، بحيث يؤمن الجميع أن قيادة المجتمع كانت محافظة على المعايير العلمية والحق ومبنية على الصواب، لا على أهواء وأمزجة وجهالات تتكشف نادرستها بعد كل عقد، فتُولد التعب والإرهاق واليأس.
في عالم السياسة، يرى البعض أن الدهاء والمكر، خاصة من نوعه الماكيافيلي، ضروريان ويُوصى بهما. ويخالف آخرون هذا الرأي، قائلين إن الزكي دائمًا ما تكون إحدى قدميه في الحفرة. لا يمكن للفقيه أن يميل إلى أي من هذه التوصيات، بل يجب عليه أن يحصل على رأي الدين، أي الصدق والعلم المتوافق مع التكوين والطبيعة والفطرة في كل مسألة. لكي يملك سياسة دينية، يجب عليه أولاً أن يتمكن من استخلاص الروايات الصادقة للدين من خلال الاجتهاد العلمي الذي تم تقنين منهجه المعياري والمنهجي في القسم السادس من هذه المجموعة القانونية، وإلا فلا يمكن التسلق إلى أعلى كرسي الإدارة الدينية والسياسة الاجتماعية والهروب من عواقب وتداعيات إدارته التي تتجذر في هذه الروايات. هذه التداعيات هي لازمة لا تنفصل عن الإدارة الاجتماعية، تضع الفقيه، شاء أم أبى، في مقام المسؤولية عمليًا، ومرور الزمن والأحداث الناتجة عن سياساته تعطي للمجتمع إجابة عن جودة إدارته، وتعكس بصدق وحق نتيجة إدارته للجميع، انعكاسًا واضحًا وغالبًا يتجاوز أي تواصل موجه ويتغلب عليه، ويحمل في طياته الحكم والقضاء على صحة أو نادرست هذه السياسات بعيدًا عن أي دعاية أو شعارات. وبهذا التوضيح يتضح لماذا تتأسس سياسة الفقيه الصحيحة على «الصدق» وحده، وكيف أن إغفال هذا العنصر الجوهري يُوقع المجتمع وسياسته والدين والتدين في فوضى. الكذب والروايات الكاذبة هي أعظم قاتل للمدير السياسي، وهي العامل الرئيسي لخسارته وإقصائه من ميدان النشاط، وجذر فشل المجتمع وحرمان الناس.
2s
من كان يحمل الصدق الحقيقي في أعماق ذاته، يُظهر هذه الصفة بحبٍّ وودٍّ وخيريةٍ عالمةٍ واعيةٍ ومؤسسةٍ على خبرةٍ متخصصةٍ تجاه الأفراد والمجتمع، فكما أن من يحبّ الآخر لا يكذب عليه أبدًا ويكون معه صادقًا دائمًا، فإن الصدق هو أصل الحب والودّ. الكذّاب ليس صديقًا ولا يستطيع أن يحبّ. إن السياسة وإدارة المجتمع الديني التوحيدي الولائي تقوم على الصدق الحقيقي والحب الصادق والعشق النقي الخالي من الطمع، وهي تتجلّى في قدرة التضحية والمسؤولية. فإذا ما تلوثت السياسة وإدارة المجتمع بالكذب، صار المجتمع غير ولائي وغير ديني، منحطًّا ومستبدًّا، متورطًا في الأنانية والشهوة والظلم، ولا يستطيع أحدٌ أن يحبّ الآخر. في المجتمع الذي يسيطر الكذب على إدارته، تموت الصداقة والمحبة، ويظلم الناس بعضهم بعضًا دون وجلٍ من الله والدين والقيامة، ويتعاملون بقسوةٍ وبعيدًا عن الاحترام. يتفوهون بالكذب بسهولةٍ، ويتعاملون مع بعضهم بقساوةٍ وجفاءٍ، وتكون القوانين الباردة الجامدة الممزوجة بالاستكبار والاستبداد والنفاق والتزوير هي الحاكمة في نزاعاتهم، فتزول هيبة الأخوة الإيمانية وتغيب عن المجتمع، وتستشري المشاعر السلبية والأمور السيئة بصورةٍ مضاعفةٍ، فتغمر الفساد الناتج عن المقولات الكاذبة جميع أركان المجتمع، ويصبح إنتاج الفساد نظاميًّا ومنهجيًّا.
لتحقيق المجتمع الولائي القائم على القانون، يجد كل فرد أولًا صدق قلبه ونقاء نفسه، ثم يتجه نحو المجتمع، ويسعى كل فرد إلى معرفة النفس وتحقيق قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. في المجتمع المعرفي، لا يتوجه الفرد إلى إصلاح الآخرين أو المجتمع حتى يصل إلى الصدق الحقيقي ويزيل النفاق من ذاته كليًّا، ولا يقبل مسؤوليةً ولا يجعل نفسه مدينًا للمجتمع ما لم يكن متمتعًا بالسلامة والعدالة. ومع ذلك، فإن العاشق الصادق في مسيرة جهاده المستمر لا يرى نفسه أبدًا متمكنًا من الاستقرار الذاتي، وإن كان في مقام النصر يعلو إلى قمة العزة، ويرسخ بإرادته الربانية العالية وبدافع القرب والمحبة لله تعالى قوة التضحية والفداء والوفاء في ذاته، ليتمكن من مواجهة ثلاث جبهات: مدعي الباطل الديني، والحكام المستبدون، والمقولات الكاذبة المعتمدة والمسلمات والمشهورات الخاطئة والتقاليد المغلوطة. وإلا، فمن لا يملك هذه القدرة ولا يستطيع أن يضحي برأسه في سبيل الدين، فليبحث عن زاوية عزلته في عصر غيبة صاحب العصمة والولاية، وليعمل على إزالة النفاق والهرب من الذات وغسل الطمع والبعد عن الرياء، وإزالة ورم الكذب الخبيث من نفسه، ليصل إلى ذاته الصادقة دون قناع، ويستعيد سلامته وعدالته. فما لم يصل الفرد إلى الصدق، لا تظهر فيه أهلية القيادة ولا يملك القدرة على السياسة الكلية والإدارة النظامية للناس، أي القيادة.
محورية المحبة في القوانين
إن الطابع الوصفي للأحكام والقوانين الشيعية جعل الرجوع إلى الفقيه من باب الرجوع إلى المتخصص الرباني المتمتع بالسلطة الباطنية والإلهية، استنادًا إلى معيار المعرفة. وهذا التخصص يُعبر عنه بـ”الفقاهة القدسية”، وفي درجةٍ أعلى وأكمل بـ”الولاية” أو “القيادة”. فالولاية والقيادة فرعٌ عن ولاية المعصومين عليهم السلام والله تعالى، وتنبثق منهما. إن التخصص الفقهي لمشروعية السياسة يحتاج إلى وساطة ملكةٍ موهوبةٍ قدسيةٍ، أي العدالة الحقيقية للمجتهد والسلامة الربانية، أو الولاية الموهوبة الباطنية. إن إعطاء السياسة ومشروعيتها لا يكون إلا من الله تعالى، والفقيه يمارس السياسة على المجتمع من لدن الله، لكن قبولها وتأييدها يعتمد على استيفاء شروط القيادة من قبل الناس الأحرار والواعين، ورد القيادة المؤهلة يعد من أعظم المعاصي. في الواقع، إن قوة القيادة تأتي من الشعب، والشعب هو الذي يخرج القائد المؤهل من العزلة والضعف، ويمنحه مجال العمل والنشاط وقوة التنفيذ. لكن الشعب لا يتدخل أبدًا في شروط القيادة، بل يسلك طريق الكمال الرباني والقرب الإلهي من خلال معرفة هذه الشروط وقبولها. إن السياسة وحياة الدين العملية تعتمد على قبول الشعب. فإذا لم يكن هناك شعب، لم يتحقق للدين حياةٌ وعينيةٌ وقيادةٌ نظامية. لذا، بعد الوطن، يأتي الشعب، ثم يتجلى الدين فيهم. فالشعب، بقبوله سياسة الفقيه المؤهل، يختار الاستقلال وحياة الدين ومسيرة طاعة الله وسعادته، ويبدأ علاقةً وديةً ولائيةً مرحميةً مع مديرٍ إلهي، وعليه أن يحمل امتنانًا للمدير الرباني لقيادته. إن قيادة الفقيه تنبثق من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، بشرط أن يكون الفقيه مستوفيًا للشروط اللازمة، أي أن يسلك طريق العلم الديني ومراد الله تعالى بعلمٍ وقوةٍ، وأن تُمنح له الملكة القدسية ويكون كافيًا. فكلما تنازل الفقيه عن هذا المعنى، قلّت ولايته وقيادته وتقيّدت، وإذا تجاوز هذا التقييد، أُزيل من هذا المنصب بذاته، وصارت تصرفاته غاصبةً وغير مشروعةٍ ومعصيةً. وكما أن مجرد إقبال الناس على شخصٍ لا يعني صحة سياسته أو إلزامه بسلطة تنفيذ القوانين في كل مجال، فإن الإقبال العام لا يمنح أحدًا إدارةً مشروعةً أو معرفةً. إن سياسة الفقاهة ليست أمرًا مكتسبًا، وإن كانت في إطار الفقاهة القائمة على الملكة القدسية تتطلب أسسًا دراسيةً وتهذيبيةً موجهةً من الأستاذ وتابعةً للولاية وقادرةً على السياسة العالمة والإدارة الواعية والقائمة على السلامة. إن السياسة والقيادة قوةٌ موهوبةٌ وباطنيةٌ متصلةٌ بالروح، متميزةٌ عن القوة المنفصلة والعسكرية والسيطرة بالقوة والاستبداد، وتحتاج إلى اكتشافٍ من قبل المتخصصين. وكما أن الإقبال العام لا يمنح أحدًا فقاهةً أو علمًا أو مشروعيةً، فإن السلطة والحكم على المجتمع الإسلامي ليسا عاملي نفوذٍ أو مشروعيةٍ. إن علاقة الفقيه بالشعب هي علاقة معرفةٍ محورها الله، وعلاقةٌ قويةٌ محورها المحبة الربانية. فإذا لم تتحقق هذه المعرفة المشروعة والسلطة المحببة الباطنية وغيرها من الشروط في شخصٍ ما، فلا تكليف برجوح إلى فقيهٍ حيٍّ يترتب على الشعب، لأنه في هذه الحالة لا يوجد فقيهٌ مؤهلٌ يستوجب الرجوع إليه. وبالمثل، إذا تحققت الشروط اللازمة للفقاهة والمرجعية والزعامة في شخصٍ بشكلٍ حصريٍّ وتم التحقق منها، فإن الإعراض عنه يعد معصيةً إلهيةً.
في السياسة الدينية، فإن محتوى جميع القوانين، من برامج الحياة إلى أساليب الإدارة الكلية، يأتي من لدن الله تعالى، وليس للشعب دورٌ في التشريع الأصلي أو وضع القوانين التأسيسية، والقوانين العقلائية والعرفية إذا لم يكن هناك ردعٌ لها، فلا تعارض الدين. إن الفقه يملك القدرة على استنباط حكم الله واستخراج الفتوى وتدوين القانون، لكن من جهةٍ أخرى، تنفيذ هذه القوانين وتطبيقها على المجتمع لا ينبغي أن يميل إلى الاستبداد، بل إن الشعب نفسه هو من يطالب، في سبيل كماله، بتقوية نظام السياسة الدينية وإنعاش الحياة الشرعية للمجتمع على أساس المحبة والولاية العامة والقيادة الشيعية. فإذا لم يكن للشعب قبولٌ بقانونٍ ما، لا يستطيع القائد أن يفرضه بالقوة أو الاستبداد، بل إن له دورًا في التنوير والتثقيف ضمن حدود نفوذه وقوته. إن نظام السياسة الدينية ليس نظام سلطة القانون أو القيادة. إن هدف سياسة الفقيه هو سلامة الدنيا وسعادة الآخرة للناس على أساس المحبة وفي مسار الفطرة والطبيعة، وقائمًا على العلم والعقل والقوانين الإرشادية العقلائية. إن سلامة وسعادة الناس تتحقق برفع أي نوعٍ من الهيمنة، سواء كانت خارجيةً أو هيمنة الفقر والحاجة والمرض وما شابه، أو هيمنة أصحاب السلطة والنفوذ. إن نظام السياسة الدينية خالٍ من أي نوعٍ من الهيمنة أو السيطرة أو التغلب، بل إن العلاقة بين الشعب والقيادة في الإدارة الدينية والقوانين القائمة على الفقه هي علاقة مريدٍ ومرادٍ، تقوم على الأرادة والمحبة والتخصص والمعرفة. صحيحٌ أن الفقيه يتفوق في المعرفة والعلم والبصيرة المستقبلية، خاصةً من خلال الملكة القدسية أو الولاية الباطنية، لكنه في تنفيذ الأمور لا يكون منفصلاً عن المتخصصين ذوي العلاقة أو عن شعبه، ولا يفرض رأيه بالتغلب، بل يسند إدارة الأمور إلى الشعب وإلى الأكفأ، ويتغاضى عن الأخطاء والعيوب الجزئية ليعزز بذلك حس المشاركة والنشاط والفهم السياسي للمجتمع، ويمنح الشعب الاستقلال والمحبة والشخصية، ليتمكنوا من اتخاذ الخطوات التالية بوعيٍ وثباتٍ في طريق التقدم والعزة. إنه يتخلى عن التدخلات ذات المنفعة القصيرة الأمد لصالح المصلحة الأهم ذات الخير المستمر والطويل الأمد، أي المشاركة الواعية والقوية للشعب، ليتمكن الشعب من إدارة نظامه بحبٍّ وخيريةٍ وتخصصٍ ومعرفةٍ بطريقةٍ جماعيةٍ ومشاركةٍ. في هذا النظام، كانت رقة قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعطفه وتودده للناس هي التي جذبت الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. إن الإسلام والتشيع دين الرقة والعطف والرحمة والمحبة والتودد. هذا المبدأ من المبادئ الأولية للدين، وهو حاكمٌ على كل شيء، كما أن هذا الحكم يجري في الأسماء الإلهية، فلا تظهر الأسماء الثانوية ذات الشدة الإلهية -وإن كانت ذاتيةً لله- إلا إذا صدر خطأٌ من العبد. إن الله رحيمٌ ورحمن، لكن إذا بلغ الأمر خطأً فاحشًا، فإنه يتصرف بحكمته وعدالته بتنبيهٍ منظمٍ أو عقابٍ شديدٍ للتنوير. إن رحمة الدين ورأفته مبدأٌ واسعٌ يشجع الناس على التدين. إن إدراك سعة رحمة الله تعالى بعباده يكشف عن مذاق الحق تعالى في جميع الأمور، بما في ذلك الفقه والقوانين الإلهية. فالفقه والقانون يجعلان الصدق نمطًا استنباطيًّا حاكمًا على محتواهما العلمي والرحيم والمشفق والخيري، ويؤسسان كل كتابٍ وبحثٍ فقهيٍّ وقانونيٍّ على هذا المبدأ الأساسي وعلى نفي العنف.
في النظام الديني، يقبل الناس الأحكام والتعاليم الدينية من باب الثقافة العلمية المتقدمة والمتطورة، وبحبٍّ وأرادةٍ، وبنظام السياسة والمحبة العامة، لا من باب القوة والجبر أو العسكرية أو الاستبداد. كلما زاد إقبال الناس على القيادة وزاد شمولها، ازدادت قوة القائد الاجتماعية، وقلّت الفجوات والخلافات. إن نفوذ القيادة الشعبية السليمة هو مصداقٌ لـ(قوة) في الآية المعروفة للصلح وردع العدو: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. إن قوة الشعب حول القيادة الولائية أو القدسية تمنح القائد أعظم إرادةٍ، وتجهزه بقدرة ردع الحرب والنزاع والاختلاف، وتسلم إليه مفتاح الأمن والتنمية السياسية والاستثمار الاقتصادي، وتؤسس للسلام والتآلف والتفكير الجماعي. في نظام الطبيعة، إذا ضعف طرفٌ ما، فإن الخلاف والنزاع بين طرفين أو أكثر أمرٌ محتوم. إن الضعف يمنع إقامة الحوار والتفاهم والمراعاة.
إن مقام القيادة يعزز الثقافة السياسية للشعب من خلال نشر المعرفة والعلم الديني وبالتخصصات المعاصرة للعلماء، ليصلوا إلى النمو السياسي المطلوب والتقدم الشامل في جميع المجالات. إن الثقافة السياسية والتقدم الشامل عملٌ جماعيٌّ يتطلب تعاون جميع فئات المجتمع، وإلا فبدلاً من ثقافة السياسة الدينية، تسود ثقافة الاستبداد والديكتاتورية على المجتمع، وتضيع المحبة والأرادة والسياسة العامة للدين، ويحكم المجتمع محتوى يتعارض كليًّا مع الدين والعقل ومسيرة العقلاء باسم الدين.
إن محورية المحبة في القيادة الدينية تتطلب تعزيز الفهم السياسي لجميع أفراد المجتمع. إن الفهم السياسي يعيق الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية. إن نظام السياسة الدينية ليس نظامًا مجردًا خاليًا من الشعب، ومن يظن أن نظام القيادة السياسية نظامٌ غير شعبي، يفقد نظام الإدارة الدينية والعلمية، ويحل محله نظامًا استبداديًّا، ويسلك طريق تجاوز المجتمع وتجاهل الشعب، فيُرفع منه ملجأ الشعب وأساس الأمن الاجتماعي. من الطبيعي أنه مع حكمٍ مستبد، يصبح أفراد المجتمع مستبدين مثل حاكمهم، ويعبرون عن آرائهم ومطالبهم بالعنف والتظاهرات وحرق الأملاك العامة وإثارة الفوضى، لا بالمحبة والخيرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العام.
في نظام الجمهورية الإسلامية، يشكل الشعب عائلة الفقيه والقيادة الدينية، وهو يتحمل تكاليف حياة أمته، خاصةً الفقراء والمساكين والمحتاجين والمرضى والأيتام والعالقين وعديمي السكن، ويحل مشكلات جميع مواطني البلد، رجالاً ونساءً، صغارًا وكبارًا، مسلمين وكفارًا، شيعةً وسنةً، بطريقةٍ نظاميةٍ تقوم على المحبة والإدارة الناعمة والتسامح العام الشيعي. إن إدارة الضعفاء والمحتاجين تقع على عاتق مقام القيادة. يمكنه أن يجمع الأموال كالضرائب بطريقةٍ قانونيةٍ وفي إطارٍ مناسبٍ ونظاميٍّ، ويؤسس بنكًا إسلاميًّا لنظام القرض الحسن الشرعي، بحيث يتمكن المحتاجون من أخذ القروض الشرعية بدون فوائد أو ربا بناءً على ضمانة عدالتهم أو عدالة القيادة وسلامتها، لا بناءً على ضامنين تجاريين أو شيكات وسندات. إن مقام القيادة يؤسس نظامًا مرحميًّا للقرض الحسن، بحيث يتشجع الجميع على الإقراض وتسديد ديونهم بحبٍّ، ولا تمنع التخلفات الجزئية تحقيق القرض الحسن الشرعي. كما أن لمقام القيادة نظامًا ماليًّا للأعمال الخيرية والنذور والنفقات والكفارات وما شابه، ومن خلال التثقيف اللازم، يدير هذه الأمور بنظامٍ ليمنع إهدارها أو إسرافها في استهلاكاتٍ صغيرة، ويضمن وصول هذه المساعدات الشعبية والأعمال الخيرية إلى مستحقيها. إن النظامية في إدارة الأمور ضرورةٌ للمجتمعات المتقدمة والمعقدة والحديثة اليوم، وفي هذا النظام المالي المرحمي، تصل جميع الأمور إلى نهايتها بطريقةٍ جماعيةٍ وبقيادةٍ ميدانيةٍ.
من الأسس الأخرى لتحقيق الولاية العامة ونظام تنفيذ القوانين المحبب هو الإشراف على الإدارات والمؤسسات والمسؤولين وأصحاب المناصب، وهو من شؤون مقام القيادة. يتم اختيار المسؤولين في النظام من المؤمنين المتقين الملتزمين الموحدين المحبين الدؤوبين الأقوياء المنقطعين عن الشهوات والمتخصصين في مجال منصبهم وذوي الخبرة في عملهم، لئلا يقودهم المنصب إلى سوء السلوك أو الظلم، وليتمكنوا من أداء عملهم بمعرفةٍ وتخصصٍ. إن المسؤولين المتمرسين يتمتعون بالسلامة والقوة والكفاية، فلا يخافون أو ييأسون أو يستسلمون لمطالب الباطل عند مواجهة المشكلات. إنهم لا يرتبطون بشيء، ولا يخشون من أولئك الذين يملكون النفوذ ضد الشعب، ويتمتعون في المواقف الحرجة بقوة مرافقة الشعب. إنهم لا يفرشون سجادة صلاتهم بأموال الشعب، ولا ينفقون بيت المال والخزينة بمظهرٍ شعاريٍّ وريائيٍّ لصلواتهم الشخصية. كما أنهم، خاصةً على مستوى الوزراء والمديرين العامين الذين يطلعون على أسرار الشعب والنظام قبل غيرهم ويملكون وصولاً حصريًّا أو مبكرًا إلى الأسرار والمعلومات وقوة الريع، يبقون أمناء الشعب ولا يخونونهم، ولا يستخدمون هذه الأسرار والمعلومات لصالح شخصٍ أو جماعةٍ، ولا يخلقون الريع أو الإرهاب الاقتصادي أو الفساد في الأرض أو الذبح الناعم للشعب في مجال الاقتصاد، ولا يذبحون سمعة الأفراد في مجال المعلومات، ولا يخونون البلد والشعب والدين. إن تقييم الابتعاد عن الخيانة ممكنٌ بمعيار صحة الاعتقادات الدينية وتحقق العدالة والسلامة. كما يجب أن تكون هناك رقابة إحصائية وتتبع عددي على عدد المناصب والوظائف، من الوزارات إلى المصانع والورش في كل منطقة، لئلا تهدر موارد الخزينة زيادةً، ولا يُنقص من الخدمات حيث يحتاج الناس إليها، ولا تُضيع وقت الناس وإمكانياتهم وتُهدر حقوقهم بسبب نقص المسؤولين أو كثرة القوى غير الكفؤة. ولضمان اختيار أفضل الأكفاء، يجب تصميم وتعزيز اختيار القوى المحلية من الأحياء والمدن ذات الصلة، وتعيين مراقبين (يتمتعون بالإيمان والعدالة والسلامة) من نفس المنطقة للإشراف المحلي، لمنع اختراق الفساد مثل الرشوة والفوضى وسرقة العمل أو التعدي على العفة في الموظفين والمسؤولين ومراكز الإدارة العامة.
إضافةً إلى العدالة والسلامة للمديرين والمسؤولين، فإن من أسس ضمان تنفيذ القانون هو نظام القضاء والعقوبات، وهو من شؤون مقام القيادة، وسيتم بحثه في القسم الخامس من هذه المجموعة بعنوان “قوانين القضاء والعقوبات”.
إن تنفيذ العقوبات لا يكون قابلاً للتطبيق إلا إذا تحقق موضوعها. من شروط تحقق الموضوع وجود هيكليةٍ سليمةٍ ومراعاة المعايير اللازمة لها، وبعد تأمين الحد الأدنى من احتياجات المجتمع الأساسية على المستوى العام. لذا، فإن المجتمعات التي تعاني من أزمة نقص الوظائف أو كثرة الأفراد تحت خط الفقر والجوع، أو سيطرة التضخم والتدهور الاقتصادي، أو التلوث الثقافي، أو اختراق واسع لمافيا المخدرات أو المسكرات، أو وجود ملايين الأشخاص الذين يعانون من الشهوة المتراكمة غير المشبعة والجنون الخاص وما يترتب عليه من معاصي، لا تملك الهيكلية وموضوع تنفيذ بعض العقوبات. إن المجتمع الذي يملك هيكلية تنفيذ العقوبات هو، على سبيل المثال، المجتمع الذي يستطيع حاكمه أن يؤمن الزواج بتكلفةٍ زهيدةٍ جدًا وبمسارٍ سهلٍ ومريحٍ لجميع المحتاجين، بحيث يكون ارتكاب الذنب، مقارنةً به، مكلفًا ماليًّا وباهظًا، ولا يتوجه إليه إلا الأخباث والمعاندون. لذا، يجب عدم الإجحاف بالناس في هذا الصدد. إن العقوبات الدنيوية تُنفذ من باب لطف الله وامتنانه وكرامته ومحبته لتطهير المجتمع وتنقيته، ولإنقاذ الفرد من العقوبة الأخروية بطريقةٍ مشفقةٍ وطبيبيةٍ، لا لإثارة العنف أو القهر أو القسوة أو الجفاء أو العصبية أو الغضب. لذا، إذا تم التعدي على أحدٍ باسم تنفيذ العقوبة، يجب أن يُعاقب منشئ العقوبة ومنفذها، لئلا يصبح التعدي باسم العقوبة نفسه معاقبًا. ومن هذا الباب تأتي الإزعاجات الإدارية، وإضاعة الوقت، والتأخير، والترهيب، أو أي نوعٍ آخر من الأذى للمتعاملين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
أيُّها الذين آمنوا، اهتمُّوا بأنفسكم، فإنَّ من ضلَّ لا يضرُّكم إذا اهتديتم.
الإدارة والسياسة الإلهيَّة
المجلَّد الأوَّل
1403 هـ.ش. | العدد 3
استكمال النص
كما أنَّ ربَّ الأسرة، إذا ما وفَّر الاحتياجات الأساسيَّة لأبنائه كالعمل والسكن والزواج، يستطيع، مع الحفاظ على كرامته وهيبته، أن يُحاسبهم على ما أخطأوا فيه، كذلك فإنَّ مقام القيادة، إذا عجز عن تأمين الرزق الأوَّلي والمعيشة الدنيا لعموم أفراد المجتمع، والاحتياجات الضروريَّة كالعمل والدخل والسكن والزواج اليسير لعامَّة الناس، فإنَّه لا يملك في نظرهم الكفاءة والاحترام اللازمَين لمحاسبتهم على الجرائم التي يرتكبونها، ولا يظهر عمله مهيبًا، بل قد يُصبح عرضةً للسخرية في أعين العامَّة. فالشابُّ الذي تُوفِّرت له احتياجاته الأساسيَّة لا يقع في الإثم ولا يعصي الله. أمَّا الشابُّ الذي يقضي سنوات حياته تحت ضغط الشهوة، ولا يجد بسبب الفقر وسيلةً شرعيَّةً لإشباع هذا الاحتياج، فإنَّه يصاب نفسيًّا بعقدة الحسرة والشعور بالنقص، وهكذا يسهل عليه أن يستسلم للفسق والفجور والمعصية. وبالطبع، هذا الخلل الكبير موجود أيضًا في النظام التعليمي الحالي، حيث تتمُّ تربية الكوادر المتخصِّصة على حساب فقدان العفَّة؛ أي إنَّ النقص النظامي في تأمين العفَّة ضمن النظام التعليمي قد أدَّى إلى نزع العفَّة عن بعض أفراد هذه الأسرة النظاميَّة. إنَّ تحقيق هذه الأمور بشكلٍ شاملٍ يمكن أن يكون ضامنًا لتنفيذ القانون بمحبَّة، لا بسلطة القهر والغلبة التي تُولِّد ردود فعلٍ سلبيَّةً وتُثير العناد.
يُدار المجتمع القائم على القيادة الحكيمة والقدسيَّة وفق سياسةٍ حقيقيَّة وإدارةٍ علميَّةٍ وحكميَّة، وفي حالات الضرورة القصوى فقط تتحوَّل سياسته إلى إدارةٍ مدنيَّةٍ واقعيَّة. إنَّ موضوع المجتمع القيادي الديني هو التديُّن العام، وطلب الحقِّ، والإيمان لدى المؤمنين وطالبي الحقِّ والمتديِّنين في المجتمع، وأولئك الذين لهم إيمانٌ حقيقيٌّ بالله، ويتمتَّعون بحياةٍ توحيديَّةٍ ومعيشةٍ ولاييَّة، ويستلهمون من الوحي والمعرفة الربانيَّة، إضافةً إلى المواطنين المدنيِّين الواقعيِّين. فالمؤمنون، وطالبو الحقِّ، والمتديِّنون يتميَّزون بالصدق الحقيقي والإيمان التوحيدي بالله، وصدقهم متجذِّر في التوحيد وإيمانهم بالله، ومحبَّتهم لإخوانهم الإيمانيِّين هي محبَّةٌ إلهيَّةٌ وولاييَّة. عندما نقول إنَّ هذه الطبقة من المجتمع تمتلك صدقًا حقيقيًّا، فإنَّ ذلك يعني أنَّهم لا يتبعون الأهواء والميول النفسانيَّة. موضوع هذه الطبقة هو باطن وقلب كلِّ فردٍ من المؤمنين والمتديِّنين على حدة. كلُّ فردٍ من هؤلاء المُصَفَّين ذاتيًّا يحمل في قلبه الصدق والمحبَّة والحقانيَّة، وعلاقاتهم تنبع من إحساسهم الباطني والديني. في هذه الطبقة، الأفراد هم الأصل، لا المجتمع نفسه، والمجتمع بالنسبة إليهم ليس إلَّا امتدادًا لقلوبهم؛ أي إنَّ قلوبهم أكبر من المجتمع وموضوعه. المجتمع التوحيدي يتجلَّى في هؤلاء الأفراد، الذين يُجسِّدون كلٌّ منهم تمثُّلًا لوحدة الله. والقائد والحاكم في مثل هذا المجتمع هو شخصٌ حقيقيٌّ يمتلك قلبًا ومحبَّةً وصدقًا وقربًا إلهيًّا. نظام هذا المجتمع قائمٌ على الناظم، لا على النظام؛ ناظمٌ يتميَّز بالصدق، وعلامة صدقه تتجلَّى في تعاملاته المحبَّة والرحيمة البعيدة عن العنف والقسوة والاستبداد، والتي تستمدُّ جذورها من حقيقة المحبَّة والهويَّة الولاييَّة. المجتمع الديني والحياة الربانيَّة، الإلهيَّة والتوحيديَّة، له نظامٌ وهيكليَّةٌ من هذا النوع.
الطبقة الأخرى من المجتمع تتكوَّن من أولئك الذين يُهملون الله أو يتوهَّمون وجوده أو ينكرونه، وهم يُشكِّلون الطبقة الواقعيَّة للمجتمع، لا الحقيقيَّة. هؤلاء هم المواطنون الاجتماعيُّون الذين يُدارون بنظامٍ قائمٍ على النظام. يُدار هذا المجتمع النظامي بصدقٍ مدنيٍّ، وعلامة صدقه وظهوره تكمن في مراعاة الإنصاف والتعامل العادل، وهو ما يُحقِّق العدالة الاجتماعيَّة. لا يُمكن توقُّع شيءٍ يتجاوز العدالة، كالإيثار أو التسامح أو الرحمة، من هذا المجتمع المدني. الأصل في هذه الطبقة هو المجتمع والنظام، ويُدار هذا المجتمع بنهجٍ قائمٍ على النظام، حيث الأصل هو الأنظمة الاجتماعيَّة المُدرجة والقانون المقبول من غالبيَّة هذه الطبقة. وبما أنَّ صدق هذا المجتمع واقعيٌّ لا حقيقيٌّ، فإنَّه لا يتوقَّع من نفسه شيئًا يتجاوز العدالة الاجتماعيَّة. العدالة الاجتماعيَّة متوافقةٌ حتَّى مع الكفر، لكنَّ الإنصاف الذي يحكمها يمنع الظلم والجور، ولا يتَّفق مع الظلم والاستبداد الفردي. وهذا يعني أنَّ السياسة الاجتهاديَّة والعدالة تتحقَّق مع الكفر، ولكن ليس مع الظلم. إذا لم يمتلك القائد القدرة والنفوذ الكافيَين لتحقيق مجتمعٍ ولاييٍّ واسعٍ وشامل، فإنَّه يستطيع الجمع بين النوعَين من إدارة المجتمع: المجتمع الولايي الحقيقي للمؤمنين، والمجتمع الواقعي لمن يُهملون الله أو ينكرونه أو يتبعون أديانًا أخرى، ويستطيع إدارة النوعَين معًا. إذا لم يُدار المجتمع وفق قانون أحد هذين النظامَين، فإنَّه حتماً سيُصاب بالظلم والاستبداد والديكتاتوريَّة. المجتمع الظالم والمستبدُّ لا يمتلك صدقًا ولا محبَّةً ولا عشقًا، بل هو مُبتلىً بالشهوة والخداع. في المجتمع الفاسد الظالم، تحلُّ الشهوة والقوَّة والمال والرياء والنفاق والخداع والتدليس والتظلُّم محلَّ الصدق والمحبَّة والإنصاف والعدالة، فيُصبح المجتمع مغلقًا وخانقًا ومستبدًّا، لا حضارة فيه ولا حداثة، ولا تديُّن، بل الفساد والسرقة والاختلاس وفقدان العفَّة والمكر هي التي تملأ شرايين المجتمع. مثل هذا المجتمع لا يمتلك حياةً دينيَّةً ولا حداثةً ولا مدنيَّة، ولا شيء فيه سوى الاستبداد وعواقب الأنانيَّة والديكتاتوريَّة السلبيَّة. إنَّ سقوط المجتمع المستبدِّ وانحطاطه يعتمد على درجة انحطاط حاكمه ونفوذ قوَّته، لأنَّ حياة هذا المجتمع مرتبطة بحياة الحاكم الفرد. العلامة الأبرز لاستبداديَّة المجتمع هي إهمال الحكَّام وأصحاب القرار وأفراد المجتمع لعامل “الصدق” الأساسي. إذا لم يُدار المجتمع بصدقٍ حقيقيٍّ، أي بالمعرفة، أو بصدقٍ واقعيٍّ، أي بالقضايا المعتمدة من غالبيَّة المجتمع، فإنَّه حتماً سيُصاب بالاستبداد. لقد وضع الله لتحرير المجتمع من الاستبداد الفردي والديكتاتوريَّة والظلم نظامًا ولاييًّا قائمًا على العشق والصدق الحقيقي والمعرفة والعلم، مع شروطٍ صعبةٍ طالبها من الأمَّة لسياسة المجتمع. وفي حال عدم توفُّر شروط تنفيذ هذا النظام، يأتي دور النظام المدني والديمقراطيَّة الواقعيَّة المعتمدة من غالبيَّة الناس، والتي تستند إلى قضايا علميَّة أو عقلانيَّة مقبولة من الأغلبيَّة، ويُمكن أن تُدار بواسطة فردٍ مختار، قد يكون فقيهًا مقبولًا من غالبيَّة الناس أو الفقهاء المقبولين من الأغلبيَّة، لكنَّ مثل هذا المجتمع قد لا يكون دينيًّا. لتنفيذ القوانين بشكلٍ صحيح، إذا لم تكن سياسة القوانين من الدرجة الأولى ممكنةً بسبب النسبة المنخفضة للمؤمنين الحقيقيِّين في منطقةٍ ما، فإنَّه يتمُّ النظر إلى روحيَّة أهل المنطقة بناءً على الإدارة المدنيَّة، وتُرتَّب القوانين والأحكام وفق هذه التصنيفات وتُحدَّد أولويَّاتها، ويتمُّ تحقيق نسبة قبولها. على سبيل المثال، شعب منطقةٍ مثل ألبانيا، التي يُشكِّل المسلمون فيها حاليًّا حوالي سبعين بالمئة من السكَّان، وهي الدولة الإسلاميَّة الوحيدة في أوروبا، فإنَّ الزيِّ الإسلامي المعتمد في نظامها هو ما يمتلكونه، والتديُّن العام لا يطالب منهم بأكثر من ذلك. هذا البلد، بقانون تساوي الأديان وتقارب الأمَّة، يُقدِّم نموذجًا ناجحًا للتقارب بين الأديان المختلفة.
يُحقِّق المجتمع المدني سلامتَه العرضيَّة، لكنَّه يقود الإنسان إلى التعب والإرهاق والانقطاع، لأنَّه لا يحتوي على المعرفة الباطنيَّة والطوليَّة التي تُمثِّل رغبةً طبيعيَّةً للإنسان، ويحلُّ الحسُّ التجريبي محلَّ الإحساس والعاطفة، ممَّا يؤدِّي إلى إضعاف الإحساس. في غياب أحد النظامَين، الولايي أو المدني، تُصبح إدارة المجتمع بلا محورٍ أو معيار، وتُدار بميولٍ وأهواءٍ شخصيَّة، لا تحمل عشقًا ولا معرفةً ولا صدقًا ولا إنصافًا ولا اهتمامًا بمشكلات الآخرين، بل ديكتاتوريَّةً ملوَّثةً بالأهواء، تفعل ما تشاء وفق رغباتها. في مثل هذا المجتمع، تُصبح الدهاء والتهرُّب من العمل وعدم تحمُّل المسؤوليَّة تجاه الآخرين والفساد النظامي عملةً سائدة. الاستبداد والقوَّة تُوفِّران الرفاهيَّة للديكتاتور وطبقة الخَدَم والمتزلِّفين، لكنَّهما في النهاية يُدمَّران بواسطة نفس الفرد أو الطبقة، لأنَّ دودة الفساد والتدمير النظامي تُبتلعهم معًا، ويُقطع حبل سرَّة مصدر القوَّة بواسطة أحد أفراد هذه الطبقة.
المجتمع الشيعي المثالي هو مجتمعٌ ولاييٌّ قائمٌ على العشق والمعرفة، حيث تنتقل المعرفة والمحبَّة والصدق والحقيقة من الفرد الحقيقي إلى المجتمع الحقيقي، وهؤلاء الأفراد هم الذين يضمنون تنفيذ القوانين على أساس المحبَّة والعدالة والصحَّة. ومع ذلك، فإنَّ مثل هذا المجتمع في عصر الغيبة يمكن تحقيقه نسبيًّا، لا بشكلٍ كاملٍ وحقيقيٍّ، لأنَّه يقوم على الصدق الحقيقي الذي يتطلَّب حضور العصمة والقدرة على تحمُّل عبء الولاية الصعبة والمستصعبة لصاحب الولاية المطلقة الحقيقيَّة. الصدق الحقيقي يُزيل الطمع الفردي والجماعي بالكامل، ويُحقِّق المحبَّة، ويجعل أفراد المجتمع إنسانيِّين، رحيمين، ومتعاطفين، يمتلكون قدرة التسامح والإيثار والوفاء والتضحية. على أيِّ حال، فإنَّ الصدق والمحبَّة والمعرفة هي العلامات والمعايير الثلاثة المهمَّة لتحديد صحَّة المسار الذي يسلكه المجتمع الولايي، وهي مقياس صدق وصحَّة الفقيه الحاكم.
الاقتدار والقوَّة: موضوع المسؤوليَّة
بما أنَّ أيَّ حكمٍ لا يتحقَّق دون القوَّة على تنفيذه، والقوَّة شرطٌ عامٌّ للمسؤوليَّة، فإنَّ الأحكام التي تتوفَّر القوَّة على تنفيذها هي فقط التي تتحقَّق فعليًّا. لذا، تُرتَّب أحكام الإسلام في كلِّ عصرٍ وتحدَّد درجة أهميَّتها، وتُحوَّل الأحكام التي يملك النظام القدرة على تنفيذها إلى قوانين. القرآن الكريم وروايات أهل البيت (ع) قد وضعوا مراتب للأحكام. مثال ذلك في معرفة الأحكام المحرَّمة، مناقشة الذنوب الكبيرة والصغيرة وتصنيف المعاصي. فعلى سبيل المثال، في بعض الروايات، يُعتبر الشرك بالله، واليأس من رحمة الله، والأمان من مكر الله، وعقوق الوالدين، واتِّهام امرأةٍ عفيفةٍ متزوِّجةٍ زورًا، وأكل مال اليتيم بغير حقٍّ، والهروب من المعركة، وأكل الربا، والسحر، والزنا، والحلف الكاذب للاستيلاء على المال، والخيانة، والشهادة بالباطل، وكتمان الشهادة، وشرب الخمر، وعبادة الأوثان، وترك الصلاة عمدًا، ونقض العهد، وقطع الرحم، من الذنوب الكبيرة. قبح هذه الذنوب متدرِّج، وكلُّ واحدةٍ في مرتبةٍ معيَّنة. وفي هذا السياق، فإنَّ الطغيان والعمل في خدمة الحكومة الباطلة والطاغوتيَّة هو ذنبٌ كبير، بل هو أصل جميع الذنوب الكبيرة. للأسف، تُغفل أحيانًا مراتب الذنوب، فيُضخَّم ذنبٌ صغير في المجتمع بحيث يُصبح نوعًا من الإسقاط لتصغير الذنوب الكبيرة. على سبيل المثال، على الرغم من أنَّ حلق اللحية معصيةٌ وتُخرج الفرد من العدالة، ولا يجوز الصلاة خلف من يحلق لحيته، إلَّا أنَّ هذا الذنب ليس مساويًا للذنوب كالافتراء والغيبة التي هي أشدُّ من الزنا، واعتباره أكبر أو مساويًا لها خطأ. لو صُنِّفت أحكام الإسلام، لما كان الأمر كذلك أن يأخذ شخصٌ من بين أحكام الإسلام المتعدِّدة، مثلًا، الحجاب فقط – وأحيانًا بشكلٍ تزيينيٍّ أو وفق الذوق الشخصي – ويتّشابه في بقيَّة الأحكام مع أتباع الأديان أو المذاهب الأخرى. وفي الوقت نفسه، فإنَّ من يريد مراعاة الحجاب الخاص بالإسلام، الذي هو واجبٌ على أهل الولاية والإيمان، يجب أن يكون مسلمًا عمليًّا في أغلب الأحكام، وأن يظهر الإسلام فيه بشكلٍ واضحٍ وبيِّن.
الأشرار المجرمون والذين يسعون دائمًا إلى التلاعب بالدول والمجتمعات الإسلاميَّة يُضخِّمون دائمًا الأمور غير المهمَّة كالفزَّاعات لتشويش الأمور وتصغير عظماء المجتمع الإسلامي والقضايا المهمَّة. على سبيل المثال، في ثقافة المجتمع، خاصَّة بين المتديِّنين، تمَّ تضخيم قبح الغناء والموسيقى، بينما من منظور الدين والقرآن الكريم والروايات لم يكن الأمر كذلك، وما ورد في الروايات يتعلَّق بالترويج للصوت الباطل ودعم الحكومة الطاغوتيَّة التي كانت، على هامش الغناء والموسيقى، تؤدِّي إلى عزل مقام العصمة.
يُلزم الاجتهاد العلمي الفقيه بمعرفة مراتب الأحكام، وتصنيفها مع مراعاة جميع خصائصها، ثمَّ ترتيبها وفق أهميَّتها، ثمَّ الشروع في الترويج لها وتفعيلها في المجتمع حسب القبول الشعبي ونفوذها الاجتماعي. على سبيل المثال، حكم إعدام امرأةٍ قتلت رجلًا، مع وجوب دفع نصف الدية، إذا واجه مبرِّرات وضغوطًا دوليَّة، خاصَّة في المجال الاقتصادي، وأدَّت هذه الضغوط إلى إرهاق الناس ويأسهم من الدين وأحكامه، فإنَّه لا يصبح واجبًا بسبب عدم وجود القدرة على تنفيذه، ويُترك تنفيذه. لكنَّ هذا الحكم يبقى إلى يوم القيامة، وإذا وصل النظام إلى مرحلةٍ من الردع تمكِّنه من دفع الضغوط الدوليَّة والردِّ عليها، فإنَّ تنفيذ هذا الحكم يصبح واجبًا، ولا يجوز التهاون فيه أبدًا.
العلوم الدينيَّة ومؤسَّساتها التي تُعتبر قادة المجتمع يجب أن تكون طبيبة المجتمع. يجب عليها، بناءً على تصنيف الذنوب وتقييم مدى ضررها على الفرد والمجتمع، أن تواجهها، وإلَّا فإنَّ قبح بعض الذنوب سيطغى على بعض الذنوب غير المهمَّة، ممَّا يُعرِّض المجتمع لأضرارٍ كثيرة.
“علم الذنوب” أو “علم الجريمة” وكيفيَّة مواجهة المجرمين يجب أن يجد مكانته الحسَّاسة بين العلوم الدينيَّة، وخبراء هذه المسألة هم المؤسَّسات العلميَّة، تلك التي تمتلك، في ظلِّ الاجتهاد العلمي، معرفةً كاملةً بعلم الاجتماع وعلم النفس الفردي والاجتماعي. الفقهاء القدسيُّون والنقيُّون والقائمون على العلم، الذين، دون أن يتلوَّثوا بالذنب، يعرفون موضوعه بدقَّةٍ وعلميَّة.
في تصنيف المعاصي والجرائم والجنايات، تُحدَّد أولًا الجنايات الكبرى التي تُشكِّل تهديدًا للجنس البشري وكمالاته الإنسانيَّة وصفاء فطرته، وللمصلحة العامَّة، ثمَّ يُفكَّر في استئصالها من المجتمع الإسلامي، لأنَّ لكلِّ سمٍّ ترياقًا. ما لم تُستأصل الجناية الكبرى من المجتمع، فليس من المناسب الشروع في إزالة الجرائم الصغيرة على نطاقٍ واسع، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى تصغير الجنايات الكبرى.
ينطبق هذا الأمر على المخالفات أيضًا، فجهاز القضاء يجب أن يتعامل أولًا وبسرعة مع المخالفات الكبرى والثقيلة، ولا ينبغي أن يُعاقب بشدَّة على المخالفات الصغيرة، خاصَّة تلك التي يرتكبها الطبقات الضعيفة في المجتمع، بينما لا يتمُّ ملاحقة المجرمين المحترمين وأصحاب الامتيازات، لأنَّ هذا النهج يؤدِّي إلى فقدان ثقة الناس في جهاز القضاء والنظام الحاكم.
إذا اقتصر جهاز القضاء على التعامل مع الجرائم الصغيرة فقط وتجاهل الجنايات الكبرى أو جنايات الأشخاص النافذين والأرستقراطيِّين، فإنَّ تنفيذ مثل هذه العقوبات يُلحق الضرر بالمجتمع ويُصبح جريمةً بحدِّ ذاته.
يكتسب النظام القضائي القبول والتأثير إذا كان عادلًا، وصنَّف الجرائم الإداريَّة حسب تصنيف المواطنين. تجاهل جرائم النافذين أو الجرائم الكبرى وتطبيق العقوبات على الطبقة الضعيفة يؤدِّي إلى فقدان مصداقيَّة نظام القضاء والعقاب. في مثل هذا النظام الذي لا يحظى العقاب فيه بالقبول العام، لا ينبغي الحديث عن العدالة، وإلَّا فإنَّه يُصبح محلَّ السخرية والاستهزاء.
القرآن الكريم، المصدر الأوَّل والأهمُّ للقوانين
يُلزم الاجتهاد العلمي الفقيه، لاستخلاص الحكم الشرعي وصياغة القوانين العلميَّة والحكيمة في أيِّ موضوع، أن يطلب الحكم من صاحب الشريعة، ومن النصِّ القدسي للقرآن الكريم، الذي هو كتاب كلِّ العلوم، وأن يصل إلى الحضرة القدسيَّة للكتاب السماوي الصحيح الوحيد ووحي الله الخاتم من خلال الأنس والمحبَّة الصادقة ومعرفة لغة القرآن الكريم الخاصَّة. يجب على الفقيه، دون افتراضاتٍ مسبقة، أن يستخلص أولًا فقه الله ودينه من نصِّ القرآن الكريم. وبالطبع، الافتراضات الأوليَّة ضروريَّة في أيِّ بحث. منهج الاجتهاد العلمي يقوم دائمًا على استطلاع رأي القرآن الكريم أولًا في كلِّ موضوعٍ ومسألة. يضع الفقيه، كغيره من علماء الدين، في مقام استنباط الفتاوى والأحكام الإسلاميَّة، فكره في محضر القرآن الكريم بجديَّة. القرآن الكريم هو كتاب القانون وكتاب برنامج الحياة، وكذلك كتاب الفقه العلمي.
يجب ملاحظة أنَّ استخدام الأدلَّة النقليَّة لاستنباط الأحكام وتحويلها إلى قانون هو عمليَّة معقَّدة للغاية وتتضمَّن إجراءً صعبًا في نظام الاستنباط، وتحليل الأدلَّة يتطلَّب دقَّةً وتدقيقًا وتفصيلًا كبيرًا. يجب النظر فيما إذا كان الدليل عامًّا أم جزئيًّا، ظنيًّا أم قطعيًّا، ظاهرًا أم نصًّا، له انصراف أم لا، فيه إجمال وغموض أو شبهة تُثار حوله أم لا، وإذا كان فيه شبهة، فهل هي شبهة مصداقيَّة أم مفهوميَّة، وهل الدليل أخصُّ من المدَّعى أم أعمُّ أم مساوٍ له، وما هو مناط ومعيار الحكم، وهل هو مستندٌ أم لا، وهل هو متأثِّر بالتقيَّة أو التورية أم صدر في ظروفٍ عاديَّة، كما يجب التفريق بين الروايات الحكميَّة التي تبيِّن الآثار الوضعيَّة للحكم والروايات التي تُقدِّم الأحكام التكليفيَّة. الآثار الوضعيَّة شيءٌ غير بيان الحكم الشرعي، وبالتالي لا يمكن استخلاص الحكم الشرعي من هذه الروايات، لأنَّ الحكم الوضعي والتكليفي لا يرتبطان بالضرورة، وليس كلُّ باطلٍ حرامًا على سبيل المثال، مع الانتباه إلى مسائل أخرى كثيرة تتطلَّب الإحاطة الكاملة بالعديد من العلوم.
يجب ملاحظة أنَّ منهج الأنبياء والمعصومين (ع) والأولياء الربانيِّين في تعليم الأحكام والمعارف الدينيَّة لم يكن منهجًا مدرسيًّا يعتمد على تصنيف الموضوعات، ولم يقتصر على التقسيم الذهني وتفصيل الفروع والتعريفات، بل كانوا يُعبِّرون عن حكم كلِّ شيءٍ حسب المناسبة التي تطرأ في سياق الحياة اليوميَّة للناس وتدفُّق الأحداث.
عناصر الشهرة والإجماع
في الاجتهاد العلمي، يُعدّ عدم التسليم بأي حكم أو قانون عند الخوض في البحث والالتزام بمساره المنطقي، دون أن يكون الوصول إلى نتيجة محددة مسبقًا ذا أهمية للفقيه الحكيم، من النقاط الأساسية في البحث العلمي. ولهذا السبب، إذا التزم الفقيه بالعلم والبحث، فإنه لا يتحيّز في نقاشه بأي شكل من الأشكال، ويحافظ على انفتاحه الفكري وحريته في جميع مراحل البحث، ويكون همه الأساسي معرفة مراد الشارع، لا المسلّمات أو المشهورات أو المقبولات بين المتشرّعة. فالفقيه يهتم بالوثائق الصحيحة والموثوقة علميًا، لا بالمنقولات التاريخية أو اجتهادات الفقهاء السابقين أو الإجماعات المزعومة أو الشهرة.
وعليه، يجب أن ننظر إلى الشريعة في طبقتين: الأولى هي الشريعة الوحيانية التي تخلو من الزوائد وتتمتع بالعصمة، والثانية هي الشريعة الاجتهادية التي تحتمل، بحسب درجة النقص والضعف في تحقق شروط المجتهد، التعرض لخطأ المجتهد والزوائد. ويجب استمداد الشريعة الاجتهادية من المجتهد الذي تتوفر فيه الشروط.
إن الاجتهاد العلمي، في صياغة قوانينه، لا يعير قيمة للأدلة الظنية مثل الإجماعات المزعومة والشهرة. ففي الفقه، قلما يوجد موضوع يتمتع بالإجماع، سواء أكان محصّلاً أم منقولاً بين العلماء الدينيين، وتظهر اختلافات الفقهاء في كثير من الأحكام. وكثير من الإجماعات المزعومة ليست سوى مدرکية وتستند إلى دليل قابل للاستناد، وبوجود وفرة من الأدلة والمصادر المنقولة، لا يبقى مجال للتمسك بالإجماع. وبشكل أساسي، لا يُطلب من صاحب الوثيقة والسند أن يأتي بشهود. والإجماع الوحيد المعتبر هو الإجماع غير المدرکي المنقول عن القدماء، وهذا النوع من الإجماع نادر الحدوث في أقل الموضوعات.
التقية
في زمن حضور المعصومين عليهم السلام، كان المؤمنون والشيعة الحقيقيون قلة، ولم يكن للمعصومين عليهم السلام سلطة سياسية أو حكومة أو دولة. وقد اضطرت هذه القلة، تحت ضغوط النظام الحاكم، إلى ممارسة التقية أو التورية.
إن التأكيد المتكرر على «التقية» في الروايات يحمل رسالة هامة لكل باحث، وهي أن الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا، في الروايات التي أدلوا بها، يواجهون محاذير كثيرة من جهة الحكومة ومن جهة المجتمع، فلم يتمكنوا من التعبير عن الحقائق بحرية. ولذلك، فإن كشف المحاذير والموانع والتضييقات يعد من القواعد المهمة في نظام الاجتهاد والاستنباط. وهذا يعني أنه لا يمكن التعبد ببعض الروايات المسلمة دون بحث، أو اعتبار كل محتوى له رواية منسوبًا إلى أهل البيت عليهم السلام ومتابعًا لعلمهم، خاصة إذا كان للرواية ملاك عقلي أو عقلائي، وليس محتوى عباديًا.
لقد عاش المعصومون عليهم السلام في مجتمع كانت هندسة فضائه الثقافي بيد الخلفاء الأمويين والعباسيين، الذين كانوا يروجون للشوائب والفساد، ومن خلال ذلك يجمعون الناس حولهم. وكان هؤلاء المؤمنون القلائل على تواصل مباشر مع المعصوم، وبفضل معرفتهم وذكائهم وإلمامهم بالثقافة والقاموس المتداول في لسان المعصوم، كانوا يعرفون موضوع الأحكام الصادرة عنهم، فلم يقعوا في شبهة مصداقية أو مفهومية في فضاء التقية والتورية. لكن مسألة ما إذا كان هذا القاموس اللساني المباشر للمعصوم قد نقل إلينا أم لا تتطلب البحث والتدقيق. فكثير من الأحكام كانت خاصة بزمن لم تكن فيه دولة إسلامية شيعية قادرة على السير على نهج ولاية أهل البيت عليهم السلام. فإذا تغيرت الظروف، وأصبحت السياسة والحكومة تابعة للفقه والاجتهاد العلمي، وصيغت منفعة حلال عقلائية لكثير من الموضوعات، فلا يوجد دليل فقهي يمنع من تلك الموضوعات التي ليست محرمة بذاتها، خاصة إذا لم تكن تروج لحكومة الجور أو تدعم الطاغوت. فإذا كان الحق والولاية في غربة وتقية ولم يكن لهما حكومة، فإن كثيرًا من الموضوعات، بما أنها تحت سيطرة حكومة الطاغوت والنظام الجائر، تصبح عرضة لحكم الحرمة، لأن هذه الموضوعات تُستخدم في خدمة جبهة الباطل وجهاز الظلم الحاكم، وتُستغل من قبل حكومة الطاغوت استغلالاً سيئًا. فعلى سبيل المثال، الروايات التي تنهى بأشد لهجة عن بعض الفنون والتسليات تكشف عن شدة سوء استخدام جبهة الباطل المهيمنة لهذه الفنون للسيطرة على إرادة الناس من خلال الترويج لها. فقد كان الخلفاء الجائرون ينظمون مجالس وأمسيات الموسيقى والغناء، ويدعمون المطربين والعياشين والمغنين والعازفين والشعراء ليجعلوا الناس أقرب إلى الخليفة الجائر، ويمنعوهم من التفكير في وجود الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام في مجال الفكر والعلم والمعرفة والسياسة وفي فضاء المسلمين الفكري. ولهذا السبب، تحدثت الروايات عن هذه الفنون بنبرة بغض، ليس لأجل ذات هذه الفنون، بل بسبب عمل الاستكبار والاستعمار الذي اتخذ الفن في خدمته، حيث كان الاستكبار ممثلاً بالخليفة الجائر الذي كان يسعى لتكذيب الولاية وتثبيت حكومته الباطلة. وفي الوقت الحاضر، عندما تريد بعض الحكومات تنفيذ بعض الأعمال السياسية أو الاقتصادية التي تثير حساسية الشعب، فإنها تعرض أكثر المسلسلات والبرامج جذباً للجمهور خلال الفترة الزمنية المطلوبة، وتشغل الناس بحياة الشخصيات المحبوبة في تلك البرامج، لتتقدم في سياستها خطوة بخطوة وتُضعف إرادة الجماهير في مواجهة سياستها. لقد حافظ الخلفاء الجائرون على حكمهم في ظل إغفال الناس عن القيم، وكانوا يملؤون أوقات فراغ الناس، بل وحتى أوقات عملهم، ليمنعوهم من التفكير الحر، وحتى لا يفكروا بوجود إمام لهم، وبذلك يدفعون الدين إلى الاندثار، ويملؤون فضاء المجتمع بأصوات الباطل من الفنانين الموالين لمصلحة الخليفة، ليمنعوا ظهور صوت جبهة الحق وأصحاب الولاية.
وقد استمر هذا النهج في زمن الغيبة أيضًا. فقد دفع تاريخ علم الفقه والاستبداد الحاكم على المجتمعات التي عاش فيها الفقهاء الشيعة هؤلاء إلى التقية وإخفاء آرائهم والسكوت، وأحيانًا تغييرها. وقد استخدموا بذكاء وحنكة قرائن في كلامهم ليدرك أصحاب الفطنة والتخصص أنهم ليسوا في مقام التعبير عن آرائهم الحقيقية، وأن إقراراتهم كانت مكرهة. وعليه، فإن بعض الفتاوى، كما هو الحال في بعض الروايات، صادرة عن تقية ولا ينبغي أخذها على محمل الجد. وتاريخ الشيعة مليء بهذه الأمثلة، ومن يظن أن جميع الفرضيات الواردة في هذه النصوص هي آراء جادة وتعبر عن مرادهم الحقيقي يخطئ. ويظهر هذا الأمر بوضوح أكبر في الكلمات التي قيلت للتوفيق بين الشيعة والسنة. وإذا اكتفى فقيه في مسألة ما بذكر بعض الروايات والنقول دون إضافة رأي منه، فقد يكون ذلك دليلاً على أن رأيه المختار تقيوي. كما أنهم في مقام التقية قد يشيرون إلى روايات التقية أو يحملون رواية على التقية ليوجهوا القارئ إلى موضوع التقية. وفي مثل هذه المناقشات، يتجنبون تقديم أي استدلال ويكتفون بنقل أقوال الآخرين. وأحيانًا يوجهون القارئ إلى الشكوك الكثيرة ويكتبون بأسلوب أحجية، ويتحفظون عن إصدار حكم صريح، فيستعينون بأقوال بعض الفقهاء ليذكّروا باختلاف الحكم مع ظهور فضاء التقية. وهذا الأمر ينطبق على العلوم الأخرى أيضًا، ومثال واضح على ذلك الفرضيات الفلسفية لميرداماد التي يصعب على القليلين فهمها، لكن الجناب ملاصدرا نقل آراء أستاذه الحقيقية في كتبه، وبما أنه تحدث بصراحة وبدون تقية أو تعقيد، تعرض لضغوط سياسية في ذلك الوقت ونُفي إلى كهك في قم. في المقابل، كان ميرداماد محترمًا في ذلك الوقت. فالتقية تقتضي أن يعبر العلماء عن آرائهم بتعقيد وغموض، وأحيانًا بعبارات تحتمل عدة تفسيرات.
إن اللجوء إلى ملاذ التقية في الأوقات التي كانت فيها السياسة والتعاملات المخادعة مع العلماء الأحرار سائدة، كان له أمثلة كثيرة في زمن الغيبة. ومثال بارز على ذلك هو النزاع العلمي بين الأخباريين والأصوليين.
حتى في الوقت الحاضر، مع وجود النظام، وعلى الرغم من ضرورة صياغة القوانين على أساس فرضيات علمية تعبر عن محتوى شرعي وعقلي وعقلائي وعلمي، لا يمكن في الممارسة أن يُتجاهل التسليم بالمسلّمات العامة أو الضغوط العسرة والحرجة ذات الطابع العابر للحدود دون تقية، وفي الفكر دون كتمان. فقد كان عدم صياغة القوانين والخطوط ومجالات القيادة مع حصر مسائلها بسبب ظهور موضوع التقية ومعاناة أهل الولاية من القلة والغربة وعدم امتلاك السلطة والسيطرة، حتى في ظل حكومات تنتسب إلى الولاية. فالتقية هي العمل وفقًا لمقتضيات المكان والزمان والتفات إلى الفروق وتغيرات الموضوعات، وهذه المقتضيات والفروق تُعرف من خلال الدقة في الموضوع وطبيعة فضاء إصدار القانون ومقارنة وتطبيق الحكم الصادر وتاريخه ومكانه من قبل الولي الفقيه، فيُعرف موضوع الحكم. وهذا من مظاهر تفوق القيادة على القانون. فالنسبية وتغير الموضوع يتغلغلان في كل شيء، ومع تغير الموضوع، يُحمل حكم الموضوع الجديد عليه، وهذا لا يعني تغيير الحكم الإلهي أو القانون، حتى في موضوع التقية. فطبيعة القانون في عالم الناسوت تقتضي ألا يُسمح لأحد بالتعبير عن أفكار تتعارض مع القوانين العامة المقبولة، إلا إذا كان يملك قوة تمكنه من الدفاع عن وجوده وعقيدته دفاعًا حقًا، وتحافظ على فضاء التفكير وأمن النفوس لأتباع القانون والأمن القومي. فالتقية تتيح للنسبية أن تتغلغل في كثير من القوانين والأحكام والأفعال. والنسبية تمتد حتى إلى التقية نفسها، فليس من الممكن التقية في كل موضوع، مثل موضوع الظلم الإرادي المصحوب بالوعي والعمل الظالم المستمر، خاصة من قبل الحكام، حيث لا يستطيع العلماء الأقوياء في التضحية أن يمارسوا التقية في هذا الموضوع. ذلك لأن مساعدة الظالمين والمشاركة في ظلمهم تعني التعاون مع من يخالفون الدين وأحكامه الصحيحة، والظلم الإرادي المستمر المصحوب بالوعي يؤدي إلى كفرهم ونجاستهم، وهذه المساعدة والمشاركة تعد تجاوزًا لحرمة الدين وهي محرمة. وعليه، إذا ادعى نظام إسلاميته وارتكب مخالفة واضحة تؤدي إلى هدم أسس الدين وتعاليمه الولائية الجذرية وتشويه وجه الولاية، فإن التقية في مواجهته محرمة، ويعتبر العلماء الحقيقيون للدين أن القيام وحتى سفك دمائهم في سبيل الحفاظ على حياة الدين السليمة وعدم تحريف وجه الديانة واجبًا إلهيًا.
أصالة الإباحة ونفي أصالة الحرمة والحظر
في مباحث أصول الفقه، جاء أنه في حال تحقق القطع، لا يحتاج القاطع إلى تقديم دليل على قطعه، ولا ينفذ فيه أحد أو شيء. أما في باب الظن، فليس الأمر كذلك، إذ يمكن للشارع أن يجعل بعض الإمارات الظنية حجة تعبدية للعباد. وهذا من المبادئ المهمة في ثقافة الشيعة التي لا تقبل القدم.
في بعض الموضوعات التي لا يوجد دليل قطعي على حرمة، إذا كان هناك شك في الحكم، فإنه لا يمكن الحكم بالحرمة مع وجود الشك، ويجب مراعاة عملية الاستنباط في إطار الكتاب والسنة وأصول وقواعد الدين، فتكون أصالة الإباحة هي الحاكمة. يجب القول إن الأمور المباحة في الثقافة الشيعية تفوق المحرمات بمراحل، والشريعة، إلا في حالات معدودة، جعلت الأصل الأولي هو الإباحة، لأن دين الشيعة هو دين الفطرة والطبيعة، وبالتالي دين سمِح وسهل، ويسعى دائمًا إلى صيانة حرية العباد ومسارهم الطبيعي.
كل شيء لم يرد دليل معتبر من الشريعة على حرمته فهو حلال، ولا إشكال في فعله. وهذا في حين أن شريعة الإسلام هي دين الخاتم، والمحرمات المنجزة هي التي بُينت ووُصلت.
في مقابل أصالة الإباحة، هناك أصالة الحظر والمنع التي تقول إنه يجب أولاً أخذ الإذن من الله لأي استفادة أو استخدام، وطلب حكمه من الشريعة. ووفقًا لهذا الرأي، فإن طريقة أخذ الأحكام الإلهية لها موضوعية، وليست طريقية. لكن أصالة الإباحة تقول إن الأصل هو الحرية في كل استفادة من مظاهر الطبيعة والناسوت، وإذا أرادت الشريعة طريقة معينة لاستخدام شيء وقيدته، فعليها إبلاغ ذلك. ووفقًا لهذا الرأي، فإن طريقة استيعاب الأحكام لها طريقية، وليست موضوعية، والمهم أن يكون المكلف مصيبًا في الواقع ويصل إليه.
في الاجتهاد، يُعد «العرف» من المصادر المهمة للشريعة. والعرف هو التفاهم العملي للناس النابع من طبعهم الأولي. وبما أن العرف صفة طبيعية، فإنه لا يتغير أبدًا، وحتى الشريعة لا تستطيع تغيير حكمه، ولهذا السبب فإنها تصادق على جميع الأعراف، ولا تُنشئ حكمًا تأسيسيًا في الموضوعات والمصاديق العرفية. فالعرف مرتبط بذات الأشياء وحقيقتها، أو بعبارة أخرى، بطبيعة الشيء. وهذا يعني أنه إذا بحث المجتهد في موضوع جديد ولم يجد في الشريعة أحد الأحكام التكليفية الأربعة له، فإنه يكون مباحًا. والمهم في بحث حكم موضوع ما هو ألا يتعارض مع الشريعة، وليس من الضروري أن يكون للشريعة حكم له ليثبت موافقته للشرع، بل إن إثبات عدم المخالفة كافٍ لإباحته.
بالطبع، الاجتهاد واستخلاص الحكم الديني ضروريان في الشكل والمحتوى، وليس صحيحًا أن الله ترك يد الإنسان حرة في الشكل ليصيغ أي شكل يريد أو يقدم أي تصميم يشاء. فيجب على الإنسان أن يطلب شكل وأسلوب وطريقة كل شيء، كما يطلب المحتوى، من الشريعة، التي تملك قانونًا وحكمًا في كل من الناحيتين: الشكل والمحتوى. نعم، إن خلق الموضوعات بيد الإنسان، لكن الإنسان لا يستطيع التدخل في الحكم المتعلق بالمحتوى والشكل، ويستمد إطاره وحدوده من الشريعة بنظام الاجتهاد والاستنباط العلمي.
يجب ملاحظة أن «المباح» بمعناه الخاص ليس من التكاليف. فالتكليف الشرعي يدور بين أربعة أمور، والمباح لا يدخل ضمن التكاليف، كما أن العقل لا يملك حكمًا في الأمور المباحة، وفي هذه الأمور تظهر الأذواق. لكن الذوق في الأمور المباحة لا يجعل الشيء جيدًا أو سيئًا. وهذا هو سبب اقتصار الأحكام التكليفية على أربعة أمور: «واجب، حرام، مستحب، مكروه»، وأن المباح ليس حكمًا تكليفيًا، لأن الله لم يهتم بالمباحات، وفعلها أو تركها يعود إلى ذوق الفرد ومزاجه، ولم يرد الشارع إنشاء تكليف في هذا الموضوع.
كما أن العقل لا يملك معيارًا للمباحات ليصدر حكمًا بجودتها أو سوئها.
دوريّة إصدار الفتوى الاحتياطية
إن الفقه العلمي يتوقع من المجتهد أن يصل إلى الحكم الشرعي ببصيرة ودقة وتبصر وصدق بحيث لا يجد نفسه، عند تقديم الحكم، مضطرًا إلى التمسك بالاحتياط. وفي حال لم يصل إلى الحكم رغم الاجتهاد والجهد، فإنه ينبغي ألا يقول شيئًا، بدلًا من إصدار حكم احتياطي. الاحتياط هو من رواسب أصحاب أصالة الحظر. كما يوصي الفقه الحكيم الفقيه بأن يعبر عن الحكم والقانون المستمد من الشرع بأوضح العبارات وأصرحها، وأن يكون الاحتياط في ترك الاحتياط والسعي لاستنباط الحكم الديني من خلال البحث والتحقيق، لا باللجوء إلى أصل الاحتياط الظاهري لإراحة الذهن من عناء البحث والتدقيق، أو بسبب الوسواس في إصدار الحكم، أو عدم امتلاك الموضوعات، أو التسرع في اتخاذ الحكم، أو الخوف وضعف النفس، أو الانشغال والوقوع في الأذواق الشخصية.
الإعلام المحفز للإرادة
الدين يبين التكاليف بشفافية وفق معايير كل حكم، مع الحفاظ على المداراة والرحمة الدينية، وهي أصل أساسي وبنيادي في الدين. وكذلك يجب أن تُنظَّم القوانين على أساس هذه الأحكام بشفافية ومداراة ورحمة دينية. وبما أن الشيء الذي لا يملك محورًا أو معيارًا أو حكمًا أو برنامجًا يكون طليقًا لا حرًا، فإن من لا يلتزم بالقانون المعياري، حتى وفقًا لحقوق المواطنة، يصبح طالب رهايّة لا حرية، لأن الحرية في كل شيء لها معايير وموازين ولها حدود ومدى. هذه الحدود هي ضرورة الحكم والقانون، لا جبره، وهناك فرق بين “الجبر” و”الضرورة”. فالجبر ينشأ من المشكلات الاجتماعية وسوء الإدارة، بينما الضرورة تنبثق من القوانين الطبيعية، ولها جذر حر ولا تتناقض مع الحرية. الضرورة لا تتعارض مع اختيار الإنسان، بينما الجبر يسلب منه الحرية والاختيار. وهنا تكمن مهارة الحاكمية والمتولين للثقافة في منع المجتمع من الانزلاق نحو الجبر وتوجيهه نحو الضرورات بالمعرفة والإعلام، حتى لا يشعر المجتمع بفقدان الحرية أو الانجرار إلى الاستبداد.
من يؤمن بالله يعلم أنه في كل موضوع ومسألة، الأصل أن لا أحد من البشر العاديين يحكم على الآخرين، وأن الله وحده هو الحاكم على الجميع، وحكمه وحده هو النافذ والمشروع، وهو الذي منح جميع عباده حق الوجود وحق الحياة وحق الكرامة وحق الحرية وسائر الحقوق، ولا يستطيع أي بشر أن يسلبهم هذه الحقوق. لا أحد من البشر العاديين هو ولي نعمة الآخرين، ولا أحد منح الإنسان الحياة والكرامة والحرية حتى يتمكن من سلبها بفرض سيطرته وحاكميته الذاتية. نعم، البشر الذي أذن له الله للحاكمية وتنفيذ الأحكام الدينية يكون حاكمًا على الآخرين من قبل الله لتنفيذ أحكامه، وله الولاية والقيادة، وفي حال قبول الشعب وقاعدته الاجتماعية، تكتسب سياسته وقيادته قوة التنفيذ، ومن هذه الحيثية لم يعد بشرًا عاديًا، بل بشرًا مؤيدًا بقوة الملكة القدسية والولاية الموهوبة.
من يعتبر الإسلام دين الحق ويؤمن بحق كل إنسان في اختيار هذا الدين الصحيح الخالي من الزيف للوصول إلى “حق الكمال”، يقدّر أيضًا “حق الصدق” ويعتبره الحق الأول، بمعنى أنه صادق مع نفسه ومع الله الذي اختار دينه، ويلتزم بأحكامه وقوانينه ليكون مسلمًا حقيقيًا، لا مسلمًا اسميًا أو شكليًا مصابًا بالإهمال تجاه الله. من يقبل أصل الدين يقبل أيضًا أن يحترم جميع أحكام الدين بحكم الصدق مع الله، ويبقى وفيًا لهذا الالتزام مع الله، ويسعى لعدم التفريط ولو بحكم واحد عمدًا. مثل هذا الشخص يملك الحرية الدينية، لا الرهايّة أو التسيب أو الإهمال أو العبثية التي تتعارض مع التزامه وصدقه مع الله. نعم، من يحترم أحكام الله هو من إن لم يكن خدادارًا فهو على الأقل خداباور، ولا يصاب بالإهمال أو إنكار الله. وفي حال الإيمان بالله، إذا لم ينتبه الشخص إلى هذا اللازم لقبول دين الله وإيمانه، أي الصدق في قبول أحكامه، فإن جهله نابع من نفسه. ومع ذلك، في هذا الحكم أيضًا يجب مراعاة حال الأفراد والجماعات المصابين بالاستضعاف الفكري. التكليف شُرّع بحسب قدرة العقل ومدى نضج التفكير للأفراد، وهؤلاء الأفراد، كما يشملهم لطف الله في مشهد الحساب يوم القيامة بسبب استضعافهم الفكري، يشملهم في الدنيا أيضًا رحمة المتولين للأمور.
من لا يلتزم بأحكام الدين وقوانين مقبولة من أغلبية المجتمع يتسبب في الانحراف عن حكم القانون أو الدين المقبول من أغلبية المجتمع، أي ما لا يقل عن خمسين بالمئة زائد واحد. الشريعة وأحكام الدين وفلسفة القانون لا تختلف عن لائحة السير والقيادة. فكما أن هذه اللائحة تهدف إلى منع الحوادث وإيجاد النظام وحرية المسار، فإن أحكام الشريعة والقوانين تهدف إلى إيجاد حرية المسار وإقامة نمط حياة سليم ومنع الاضطراب والبلبلة والتعدي والنزاع. وكما يجب ألا يتسبب السائق بإيقاف سيارته في مسار الحركة في إحداث ازدحام واضطراب، فإن أفراد المجتمع الإيماني، بحفاظهم على الحدود الشرعية المقبولة من أغلبية المجتمع، يمنعون الاضطراب في المجتمع. وكما أن شرطة السير ملزمة بالتعامل وفق لائحة السير والقيادة غير المحرفة والخالية من الزيف، فإن الفقهاء المسيطرين على المجتمع يجب أن يطالبوا الناس فقط بالحكم الديني المقبول من أغلبية المجتمع ومقبول لهم، لا أكثر من ذلك، وإلا فإن مثل هذا الاقتدار يتحول إلى زور، ويصبح سببًا للاختلاف والاضطراب والتعدي ودفع المجتمع نحو الرهايّة. المجتمع يضم أفرادًا مختلفين، والعالم اليوم عالم المواطنة، ويجب مع الحفاظ على النسبية، السير نحو سياسة التصالح والتقارب قدر الإمكان، وإلا فإن هذين العاملين (كون المجتمع مواطنيًا واختلاف مراتب الأفراد) سيدفعان الأفكار الاقتدارية والمطلقية أو الاستبدادية إلى العزلة أو الانهيار والدمار. الإصرار على المطلقية في أي مجال كان سيؤدي، مع مرور الزمن، إلى استبدال الوضع السيئ بوضع أسوأ، ويزداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم. سياسة المطلقية تفرض أسوأ أنواع العنف والزور والإجبار على المجتمع، وتؤدي في البداية إلى الاستبداد وفي النهاية إلى انسداد طريق الحق.
الاجتهاد العلمي يؤمن بأن الأحكام الدينية تملك ملاكات ومعايير حقيقية، وأن التشريع متجذر في التكوين، وبما أن الله عالم بجميع الحقائق وخير كل ظاهرة، فإن الأحكام المستمدة من عالم الوجود هي الأحكام الأكثر حرية. كما أن الأولياء الإلهيين هم أحرار عباد الله الذين لا يملكون أي تعلق أو دوغمائية، والحقيقة والحق معهم وهم مع الحق والحقيقة، كما أن إله الشيعة هو الإله الأكثر حرية، ومن ثم فإن أحكام المذهب الشيعي هي الأحكام الأكثر حرية والقانون الأكثر تقدمًا في هذا المجال، إلا إذا لم يكن الحكم حكم الدين، بل خرافة مصنوعة من قبل المعاندين أو المتولين الجهلة أو المتعجرفين الذين يضعون أنفسهم الضيقة والمحدودة محل الإله الحر، ويريدون الله أداة لفرض أنفسهم لا لإثبات الله. مثل هؤلاء يتحدثون عن الله الذي خلقوه بوهمهم وعن أحكامه المحرفة أكثر من أي مؤمن بالدين، ليحققوا مصالحهم بظلم الله وخلقه وإضلال سبيل الحق الإلهي والصراط المستقيم والولاية، وسلبهم حريات الشعب، لأن إلههم المصنوع هو إله دوغمائي ومحدود، والآلهة المزيفة القابضة يمكنها أن تجعل الرعية أسرى خلفاء صغار ومحدودين وغير أحرار واستبداديين، وتؤمن مصالحهم فقط وتحد من الحريات الإلهية وتتصادم مع الإله الحر. الإله الحقيقي والحر يريد عباده أحرارًا ومستقلين وشجعانًا وأقوياء، لا خاضعين أو مرتزقة أو أسرى أو ضعفاء أو حقيرين أو متخاذلين. كما أن الفقه الحكيم، كما ذكرنا سابقًا، يؤمن بمسألتين مهمتين جدًا: تصنيف الأحكام وتنفيذ الأحكام القابلة للتنفيذ، ويعتبر هذين الأمرين من الأصول الأساسية لسياسة الفقه الاجتماعي، وإهمالهما يسلب الحرية المتوفرة في متن الأحكام والمذهب الشيعي من الناس. يقول هذا الفقه إن الأحكام التي تأتي في المرتبة الأولى للتنفيذ هي تلك التي تؤدي إلى حياة مسالمة وتقارب ديني، ثم بعد تحقيق القبول يمكن تنفيذ بعض الأحكام من المرتبة الثانية تدريجيًا، حتى يقتضي مرور الزمن سياسة إعادة بناء ثقافي وترويج المذهب الشيعي، ويضمن استقرار وازدهار أصل الإسلام والمذهب الشيعي في المجتمع.
“الحرية” فرع عن “المعرفة” والإدراك. يجب أن تكون هذه المعرفة من ناحية أفراد المجتمع ومن ناحية الفقهاء وحاكمية المجتمع. لا يمكن للمجتمع أن يصل إلى الحرية إلا إذا كان قد بلغ المعرفة والنضج العلمي والثقافي مسبقًا، واتخذ خياراته بناءً على المعرفة، لا بناءً على خرافات يتم تلقينها للجماهير بشكل صحفي وعلى معايير الرغبات النفسية والعواطف العاطفية أو حسب طلبات أعداء الدين أو الجماعات المعاندة أو بناءً على انتهازية الجماعات السياسية الداخلية، والتي لا تستند إلى معرفة أو معيار عقلاني. كما يجب أن تكون هذه المعرفة من ناحية الفقهاء حتى لا تتلوث معرفتهم بالدين بالزيف، ولا يروجوا الخرافات بدلًا من الأحكام الدينية، حتى لا تؤذي سياط الزيف والخرافات، وجرح الاستبداد والتجمد والدوغمائية، أفراد المجتمع وتجعلهم عقديين، ولا تقطعهم عن قواعد الحرية وتدفعهم إلى هاوية “الرهايّة”. لأن هذا الانتقال يعني جرح روح ونفسية المجتمع بسياط جور الزمان. من المهم جدًا أن يكون الفقه الحاكم نفسه واعيًا وعلميًا وغير منحرف أو مضلل، حتى لا يتسبب في ردود فعل سلبية وجروح ملتهبة في المجتمع. يجب على الفقه الحاكم أن يكتشف الحرية كما هي في مقام الثبوت وفي متن الشريعة، ويعرفها وينفذها في مقام الإثبات وفي متن المجتمع، مع الحفاظ على عملية الاستنباط المعقدة للحكم بما يتناسب مع موضوعات المجتمع، ولا يجعل واقعيات الحرية في مقام الإثبات عرضة لأذواق حاكمية جماعة معينة. ولكي يمتلك الفقه نظرة شاملة ولا يقع في مغالطة الاختزالية في الأحكام، فهو بحاجة إلى الوجوديات، ومعرفة منشأ الشارع، والأنثروبولوجيا الفلسفية، وعلم النفس البشري، وعلم الاجتماع، ويجب أن يعرف السياسة، وهي إحدى فروع الفلسفة، حتى يتمكن من تحديد السياسة الصحيحة للمجتمع بناءً على معرفة دقيقة بالموضوعات واختيار الهداية الدينية المناسبة لها. الفقه الذي يفتقر إلى أحد هذه الأسس سيقع في بئر الجهل والظلمة، ويخطئ ويغالط.
على أي حال، قولنا هو أن المجتمع إذا سار في طريق المعرفة والإدراك والاختيار الإرادي، فسوف يحترم الحرية والتقوى، وهما سمتان عاليتان في الاعتقاد والديانة الإسلامية. هذا من المباحث الكبرى (الخط الكلي) للفقه الحكيم الذي يرسم بنية المجتمع الإسلامي على أساسه. لتحقيق الحرية يجب توسيع الاستعدادات ورفع البصائر وتقليل المحظورات، حتى يصل المجتمع إلى مرحلة يقوم فيها بكل عمل بناءً على العلم والإرادة. مع ارتفاع البصائر، يستفيد الإنسان العاقل والإرادي فقط مما هو مفيد له.
وفي الختام، نورد روايتين نورانيتين تُقدّران المعرفة والحرية والتقوى والحرية المنشطة، وتؤكدان على بساطة وسهولة الشريعة وبعدها عن التشدد على عباد الله، بمعنى أنه إذا أدينا فقط ما طلب منا الله واحترمنا الحدود الشرعية، ستكون حياتنا سهلة وبلا هموم، وبُعدنا عن الشريعة والقانون سيجعل الحياة صعبة وغير طبيعية وغير سارة. ونشير إلى أن علاقة الله تعالى بعباده تقوم على معيار الحب والصفاء، ويجب أن تُعرف علاقة القانون ووكلائه بنفس هذا الوزن، وأن تُهندس على أساس الولاية والمحبة العامة التي هي شعار خاص بالشيعة:
- سأل سليمان الجعفري الإمام الكاظم 7: رجل ذهب إلى السوق واشترى جلدًا، لكنه لا يعلم هل ذُكّي الحيوان وذُبح شرعيًا حتى يكون الجلد طاهرًا أم لا؟ فأجاب الإمام: نعم، في مثل هذه الأمور لا داعي للسؤال. إن الإمام الباقر 7 كان يكرر أن الخوارج، بسبب جهلهم ونقص معرفتهم، ضيّقوا على أنفسهم وجعلوا حياتهم صعبة. إن الدين أوسع وأرحب من ذلك[8].
- قال أمير المؤمنين 7: كل شيء في الدنيا، سماعه أعظم من رؤيته، وكل شيء في الآخرة، رؤيته أعظم من سماعه، ففي الدنيا اكتفوا بسماعه بدلًا من رؤيته، ومن الغيب بنبإه. اعلموا أن ما ينقص من الدنيا ويزيد في الآخرة خير مما ينقص من الآخرة ويزيد في الدنيا. فكم من منقوص نافع ومزيد مضر. إن ما أُمرتم به أكثر بكثير مما نُهيتم عنه، وما حُلّ لكم أكثر من ما أُلزمتم به، فاتركوا القليل للوصول إلى الكثير، وما شُدد عليكم فيه لأجل الوصول إلى الفرج. إن رزقكم مضمون، وقد دُعيتم إلى العمل، فلا يكون ما ضُمن لكم أعلى من العمل الملزم عليكم[9].
كما أوصت هذه الرواية: «وما شُدد عليكم فيه لأجل الوصول إلى الفرج»، فإن الدين، وهو منهج الحياة وهداية البشر في مسارهم الطبيعي، هو ظاهرة مفتوحة ومتسعة تهدف إلى معرفة الحرية والحفاظ عليها، لا القيد والتضييق. الدين الخالي من الزيف والسليم لا يُشدد على الناس أبدًا، بل يقودهم في مسارهم الطبيعي وغير المحدود، دائمًا نحو الأمام ونحو كمال أعلى وفرج أوسع وتوسع. شريعة الإسلام دين سهل وسمح، ولكن يجب الانتباه إلى أن التوسع في الدين لا يعني الفوضى، بل التوسع مع القانونية. يقول الدين إن كل شيء مباح وجائز، إلا أمور قليلة تُعرف بالمحرمات. قانونية الشريعة مثل قانون السير والقيادة، التي يؤدي احترامها إلى التوسع في الطريق والمسار، وتمنع الازدحام والتصادم والتزاحم والتعارض والموت. هذه الأحكام والقوانين بمثابة مرساة سفينة الإنسانية، التي بدونها ستُلقى الإنسانية في التلاطم. ومع ذلك، فإن كلام بعض الفقهاء الظاهريين، بسبب عدم إجراء بحوث عميقة ومعرفة دقيقة بالموضوعات، أو ضعف النفس في مواجهة التيار الغالب والمشهور، أو التقليدية ونتيجتها التعصبات غير العلمية، يتعارض مع هذا المنشأ والبصيرة.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
صادق خادمي
عاش الله تعالى
نوفمبر 1403 هـ.ش
القسم الأول: أسس القيادة
الفصل الأول: القوانين الأساسية
الخط: القوانين التي تُعدّ وثيقة وطنية وبنيادية ومقبولة من أغلبية الشعب هي القوانين الأساسية.
الخط: القوانين الأساسية هي تجلي لحق الأمة في تقرير مصيرها، وتعكس رغباتها القلبية وطموحاتها، وتُظهر سيادة القانون كحق عام، وتضمن تسليم مصير الشعب إلى أيديهم من خلال توفير أرضية مشاركة جميع أفراد المجتمع في جميع مراحل اتخاذ القرار لإدارة البلاد، ومنع استبداد جميع المسؤولين ووكلاء النظام.
الخط: القوانين الأساسية هي دليل مسار الحركة الذي يطالب به الشعب من كل مسؤول وفرد في المجتمع، وتوضح كيفية ممارسة حق تقرير المصير في أعلى مصاديقه وتجلياته، أي “سياسة الفقيه وولاية الاجتهاد” و”قيادة النظام” وهيكلية ومحتوى السياسة والخير العام.
الخط (الكلي): في هذا الكتاب، تُشار إلى أهم القوانين الأساسية بـ”الخط الكلي”. القانون يمتلك خطوطًا كلية تحكم بشكل عام وفي هيكلية أصولية جميع أقسام القانون. لا يمكن أن يتعارض اطلاق أو عموم أي حكم مع هذه الخطوط، حتى يتمكن القانون، بمساعدة هذه الخطوط، من حماية نفسه والبقاء دينيًا وإلهيًا وشعبيًا. حيثما ورد مثل هذا القانون، يُشار إليه بـ”الخط الكلي”.
الخط: القوانين الأساسية للسياسة وإدارة النظام هي الوثيقة القانونية العليا ودليل تنظيم القوانين الأخرى، التي تحدد وتقيد المؤسسات والعلاقات واتجاه الحركة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع، وهيكلية وتسلسل السلطة وموقعها وحدود السلطة السياسية ومدى صلاحيات الحكومة في جميع المجالات، وتحدد وتضمن حقوق أهل الولاية والمواطنين، وتنظمها وتعطي المجتمع والسياسة والإدارة نظامًا شموليًا مبنيًا على الحق والتكليف. هذه القوانين تحدد السياسات العامة للنظام وإطار تدوين القوانين العادية واللوائح والقرارات والبيانات، والأهداف والمبادئ والاستراتيجيات الوطنية، وتُعد مصدرًا ومنبعًا يمنحها المحتوى والهيكلية، ويؤسس نظامًا منسجمًا للتخطيط والتنفيذ لحماية وصيانة حدود الهوية الوطنية للأمة الإيرانية ونمط الحياة الجماعية وتطويرها وتنظيم المجتمع الراقي ومنع اضطراب النظام، والسير نحو المجتمع المثالي الذي يحقق التعايش السلمي بين ثلاث مجموعات: المتدينين والحق طلاب والمؤمنين، ويوفر أرضية للنمو والتسامي والتقدم من التدين إلى الإيمان بالله، وفي النهاية تأمين السلامة الدنيوية والسعادة الأخروية.
الخط: القوانين الأساسية تُظهر بوجه خاص وجه الاجتهاد الشفاف والرفيع للفقاهة لمجتهد مؤهل يصيغها وينفذها وفق الموازين والمبادئ الفقهية، وتكون دليل تكليف المجتمع الولائي وأفق الحقوق المدنية للمواطنين، وضمان التنفيذ لخضوع السلطات الخمس لها، حتى تتحقق قيم هذه القوانين، خاصة كون النظام الجمهوري الإسلامي إلهيًا وشعبيًا كطموحات وأهداف، تدريجيًا، وتصبح عملية وقابلة للتحقيق، وتوفر مسار حياة دينية ومدنية وسلمية، وحوارًا عامًا ومشاركة كل الشعب في إدارة البلاد والخير العام للأمة.
ماهية القانون
خط: القانون هو الروايات الوصفية والقابلة للإثبات. هذه الروايات تتولى مسؤولية هداية منظمة وإيصالية وداعمة (لا مجرد إرشادية) لجميع المواطنين، مبنية على الاجتهاد العلمي، لتصل بالإنسان إلى خير طباعه الطبيعية في نطاق العلم والقدرة والربوبية والملكية المطلقة، من خلال المعرفة وتحليل العلاقات السليمة للإنسان مع نفسه ومع الظواهر الكونية ومع الله سبحانه وتعالى، عبر الولاية والقيادة. الولاية والقيادة في هذا القانون لها موضوعية وليست مجرد طريقية، وبالتالي فإن حكومة الطاغوت، مهما كانت لها سياسات وخدمات تظهر بالحق والصواب، لا تُعتبر بحال من الأحوال جديرة بالاعتبار أو الاعتقاد، لأنها تفتقر إلى الشروط اللازمة.
خط: القانون، في الأصل، هو طريق، وإذا كان قانونًا موضوعيًا ولم يكن موضوعيته واضحة، أو كانت موضوعيته محل اهتمام كبير، يتم التصريح بذلك.
الاجتهاد والفقاهة المعيارية
خط: القوانين الأساسية، التي تحمل في طياتها الفلسفة السياسية لنظام الجمهورية الإسلامية ونظام القيم الحقوقية له، وتعبر عن نوع سياسة النظام، وطريقة إدارة الشؤون الوطنية، وآليات الإدارة الكبرى، وروح السياسات الكبرى للبلاد المباركة إيران، هي وثيقة مقبولة وملزمة ومؤيدة من قبل الشريعة وقوة قبول الشعب. ومصداقيتها، كما هو الحال بالنسبة لمجمل النظام السياسي والحقوقي، تستمد من الشريعة ومن صحة الاجتهاد الديني وتأهيل الشروط اللازمة في الفقيه الذي ينفذها وفقًا للاعتقادات الشيعية والثقافة الإيرانية، في سياق طاعة أوامر الله سبحانه وتعالى، وعلى أساس الولاية والقيادة الفقهية والاجتهاد العلمي، وكذلك بمصداقية نفوذ كلمته في الأغلبية النسبية للأمة، مع مراعاة قوة قبول الشعب وإرادتهم السياسية من خلال المشاركة الواسعة والأغلبية النسبية في ممارسة حق تقرير المصير والاستفتاءات والانتخابات اللازمة. وبهذا التنفيذ، تتحمل القيادة كامل المسؤولية عنه.
خط (كلان): الاجتهاد المعتبر هو الذي يقوم على أساس «نظامنامة الروحانية الشيعية» ومجموعة الخطوط في القسم السادس من هذه المجموعة، وبشكل علمي ومنهجي وبيني. نظامنامة الروحانية الشيعية قد بيّنت بالتفصيل ماهية وكيفية الاجتهاد الشيعي المعتبر، بهدف تحقيق فهم مشترك للمفاهيم والإجراءات والمسؤوليات المتعلقة بالمؤسسات والمنظمات ذات الصلة.
مصدر القوانين
خط: سياسة إيران والقوانين الأساسية والإدارة الكبرى للبلاد مستمدة من «القرآن الكريم» على أساس الاجتهاد العلمي. القرآن الكريم هو المصدر الإداري الأول الذي يرجع إليه المتولون والمدراء والمسؤولون.
خط: القانون يحتاج إلى العلم والمعارف الأساسية، ويهدي إرادة الإنسان واختياره في الاتجاه الصحيح، ويلبي طبيعة كل إنسان بشكل نوعي. لذا، فإن القانون ليس أمرًا جعليًا، بل يحتاج إلى اكتشاف من الطبيعة والعرف الطبيعي والعقلائي وفطرة الإنسان ومن المصادر المعتبرة في الاجتهاد العلمي.
القانون الوحياني
خط: يُكتشف القانون من الوحي الإلهي ومن القرآن الكريم، وهو الوحي الخاتم. الوحي هو قوة باطنية وداخلية وهداية محتوائية يمكن أن تظهر في أشكال وقوالب مختلفة مستمدة من الوحي نفسه وهي أمر إلهي. يمكن أن يكون الوحي من جنس الكلام، أو يتخذ شكل إحياء الموتى، أو يظهر في قالب معجزة فعلية؛ أي أن المعجزة أيضًا من مراتب الوحي. الوحي حقيقة واسعة جدًا يمكن أن تشمل التشريع والإرسال والتبليغ، وليست مقتصرة عليها. كما أن نطاق الوحي يختلف من نبي إلى آخر، فقد يكون مؤقتًا وعابرًا أو دائمًا ومستمرًا، ولا يمكن لأي شيء بشري أن يحل محله. العلماء الذين يتبعون الوحي يمكنهم فقط، بمساعدة الملكة القدسية التي تحمل نزول الوحي ومدد الإلهام والعناية الربانية، اكتشافه وترجمته واستخدامه ودعمه ونشره، لا أن يؤسسوه أو ينتجوه من تلقاء أنفسهم. العلم والاختراع، مهما تقدما، لا يمكنهما الوصول حتى إلى أدنى مستوى من الوحي، فكيف يمكن أن يصبحا يومًا ما مستغنيين عنه. الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينافس الوحي هو الوحي نفسه؛ أي أن الوحي اللاحق يمكن أن يتجاوز الوحي السابق. ومع ذلك، فإن الوحي يتكيف مع الزمان والمكان، وطريقة التكيف والبنية التي يأخذها مستمدة من الوحي نفسه، لا من الأفكار البشرية، كما أن شكل وبنية جميع الأحكام والقوانين، مثل النظام الاقتصادي، واللباس، والصلاة، وسائر العبادات، هي أمور وحيانية وربانية. وحدة وتفرد الدين الإسلامي بحكم محتواه وشكله قد أعطته الأبدية والخلود؛ شكل ومحتوى إذا كانا محل التزام المكلف، يصبحان فعليين ومنجزين، وفي تقديمهما، إذا كانا وحيًا وشريعة صحيحة من الله ولم يتلوثا بالزخارف، فلا حاجة إلى أي مصدر خارجي مثل العلم والتجربة، على الرغم من أن العلم والتجربة فعالان في التعرف على الموضوعات والبحث لاكتشاف الحكم.
الوحي الفوق زماني
خط: إذا كان الوحي فوق زمانيًا، فإنه يحمل لكل زمان كلامًا وهدايةً تناسبه، ولم يترك شيئًا. ومع ذلك، يجب استخلاص رواياته من خلال نظام الاجتهاد العلمي، وبالبحث العميق والتأمل، وكذلك بالأنس والمحبة مع نص الوحي، أي القرآن الكريم، وامتلاك الملكة القدسية. لذا، فإن نزول الوحي الخاتم في الجزيرة العربية لا يعني الحصر في تلك المنطقة؛ لأن الجزيرة هي منطقة نزول الوحي، وليست منطقة استمراره. استمرار الدين ليس محصورًا بمنطقة، بل يشمل العالم بأسره، ومن الناحية الزمانية هو خاتم، وبعبارة أدق، دين فوق زماني وقانون أبدي، يبين حكم جميع الموضوعات الدائمة والعابرة بادعاء الشمولية والخاتمية، ولكن اكتشاف هذا الحكم والقوانين الناتجة عنه يحتاج إلى اجتهاد صحيح ومنطقي وعلمي.
وحي القرآن الكريم
خط: المقصود بالوحي هو محتوى الدين الإسلامي والشريعة المحددة والفردية والمتشخصة الواردة في القرآن الكريم، والتي فسرها سنة الأربعة عشر معصومًا. القرآن الكريم هو كتاب جميع العلوم والعقل الرباني والعلم اللدني والماورائي، لهداية البشر في جميع الموضوعات. الشريعة المستندة إلى القرآن الكريم لا تتكرر ولا بديل لها، وبما أن الإسلام دين جامع وخاتم، فلا تعليق ولا تعطيل ولا تعدد ولا تغيير يمكن أن يطرأ عليه. كل قانون وحكم يُكتشف بهذا المصطلح وعبر مسار الاجتهاد العلمي ويُعتبر إسلاميًا ولا يتعارض مع محتوى هذا الكتاب السماوي ويُنفذه مقام القيادة، يكون معتبرًا. المراد من الشريعة ومحتوى الدين هو الإسلام العلوي والشيعي الإثني عشري الذي يُستنبط من خلال الاجتهاد العلمي المرسوم في القسم السادس من هذه المجموعة، وليس أي دين أو مذهب آخر.
القوانين الأساسية
خط: لا يتعارض أي قانون عادي أو تشريع أو لائحة أو تعليمات مع القوانين الأساسية التي تُعد الأساس الرئيسي وخريطة الطريق لإدارة شؤون البلاد، والمستمدة من شأن الأمة والعمل الحقوقي والسياسي للشعب الإيراني وثقافته وطموحاته، خاصة مع الخطوط الحرة والكبرى التي تعكس إرادة خاصة واهتمامًا خاصًا بالأمة والشريعة، ولهذا السبب تُعد الخطوط والقوانين الأساسية الأبدية وغير القابلة لإعادة النظر. هذه القوانين، كقانون أساسي وأم، تحكم جميع القوانين العادية واللوائح والتعليمات. كل التشريعات والسياسات المخالفة لهذه القوانين، من أي جهة أو سلطة كانت، تُلغى وتُعتبر بلا أثر. القوانين العادية وغيرها من الوثائق الحقوقية المخالفة للقوانين الأساسية ليس لها أي مصداقية حقوقية.
القوانين الثابتة وغير القابلة للتغيير
خط (كلان): «الدين والمذهب الرسمي لإيران»، «الولاية والسياسة وقيادة الفقيه المؤهل»، «كون النظام جمهورية إسلامية»، «استناد جميع القوانين واللوائح إلى موازين الشرع»، و«إدارة شؤون البلاد بالاعتماد على آراء الشعب وقبولهم»، هي من الخطوط الأساسية والكبرى وغير القابلة لإعادة النظر ضمن القوانين الأساسية.
خط: في الحالات التي تكون فيها خطوط القوانين الأساسية غير قابلة للتغيير، فإن كتابة ونشر وبيان أي مادة أو رأي يعارضها ويؤدي إلى تدمير هذه القوانين أو إضعافها كميثاق وطني وأساس النظام وعامل الوفاق وتماسك الشعب، والإضرار بالثقة الوطنية بهذه القوانين، يُعد جريمة. ومع ذلك، يمكن مناقشة ونقد هذه الخطوط الأساسية بشكل منطقي وعلمي وحر.
كيفية تنفيذ القوانين
خط (كلان): تُنفذ القوانين الأساسية، في مرحلة الإثبات والتطبيق، مع مراعاة ترتيب وتسلسل كل خط، وحفظ التدرج والأهداف المرحلية والمرتَبية، ومع الأخذ في الاعتبار التعرف العلمي على الموضوعات والأحكام الاجتهادية، بما في ذلك مراعاة الكفاية وتأهيل الشروط والمقتضيات، والضرورة، والكفاءة، والقدرة على التجسيد العيني، ومعيار القبول والتأييد الشعبي، في عملية هادفة للتنفيذ والتحقيق.
خط: القوانين الأساسية هي معيار واضح لعمل المسؤولين والشعب، ولها ضرورة تنفيذ مضاعفة. وقد نص القانون، لحمايتها، خاصة لضمان مراعاة الخطوط الحرة، على عقوبات أشد وأثقل في حال نقض هذه القوانين – التي تُعد نقضًا للعهد مع مقام القيادة أيضًا – سواء كان ذلك بالإهمال أو الانحراف أو التحريف أو الفساد العملي. وقد تم تفصيل كيفية ذلك في القسم الخامس من هذه المجموعة بعنوان «القضاء والعقوبات». إن ضرر الإهمال في الالتزام بالقانون يجعل المجتمع فارغًا ومجوفًا من الداخل، ويسبب انهيارًا مفاجئًا لأركان إدارة المجتمع.
إعادة النظر وتغيير القانون الأساسي
خط: صيانة وحماية القوانين الأساسية، التي تُعد ميثاق الشعب مع النظام لتحديد الاختيارات والواجبات المؤسساتية وكيفية السياسة وإدارة البلاد، ضرورية. استقرارها يضمن تحقيق إرادة الشعب والنظام العام ومتانة النظام السياسي. لذا، فهي غير قابلة لإعادة النظر أو التعديل أو التتميم أو التغيير أو النسخ لمدة ثلاثين عامًا على الأقل منذ تدوينها وتأييدها. وبعد ذلك، في حال وجود إرادة ومطالبة عامة من الأغلبية النسبية، خاصة من الذين اكتسبوا حق الانتخاب خلال هذه السنوات، وفي ظل ظروف مناسبة وهادئة وغياب حالات الطوارئ أو الاضطراب، مثل الحرب المفروضة أو الكوارث الطبيعية أو الاحتلال العسكري أو المشكلات الحادة التي تعطل الأمن الوطني، إذا أقرّت منظمة القانون الأساسي ضرورة إعادة النظر أو التأييد العام، يُقترح ذلك على مقام القيادة، ومع موافقة وتأييد القيادة، في الحالة الأولى (ضرورة إعادة النظر)، تُجمع وتُراجع الآراء المتعلقة بتعديل وإعادة النظر في القانون الأساسي، وتُعاد دراسة القوانين القابلة لإعادة النظر وتُعدل من قبل مجلس إعادة النظر في القانون الأساسي. وفي كلا الحالتين، تُعرض للتأييد العام والاستفتاء، وإذا حصلت على موافقة الأغلبية النسبية، أي النصف زائد واحد، ومع تنفيذ القيادة، تصبح قانونية وتنفيذية. أما إذا لم تشارك الأغلبية النسبية للأمة في الاستفتاء لأي سبب، فإن القانون السابق، الذي تم إعداده بطريقة معتبرة واجتهادية ويُعد أساس النظام الاجتماعي والسياسي الحاكم، يبقى معتبرًا دون إعادة نظر أو تعديل.
تقدم الولاية العامة على الالتزام القانوني
خط: في إدارة المجتمع، لا ينبغي الاعتماد على أدوات القانون والالتزام الحقوقي في كثير من الأمور، لأن القانون هو الخيار الأخير. وقبل ذلك، يجب على مقام القيادة أو المدراء المسؤولين جعل أفراد المجتمع والعاملين معهم يتمتعون بالتفاهم والصدق والمحبة والإخلاص والعشق والاتصال الولائي والولاية العامة والعقيدة والمعرفة والتبيين العقلاني والعلم، ليصبحوا قادرين على الاهتمام والإرادة العملية. التسامح والتفاهم مشروطان بالعقلانية والنضج العقلي والعلمي والبعد عن الأهواء النفسانية واعتماد الإنصاف والعدل، وما هو أعلى من ذلك، الصدق والمحبة المحورية. في ظل الفهم المتبادل المعرفي والعلمي والولاية العامة، يمكن للأفراد تشكيل مجتمع، وبالحركة المتكاملة والمنسجمة نحو المطلوب الجماعي، يمكنهم الحفاظ على استقرار المجتمع وتنميته.
محورية المربي في القانون
خط: القانون في الثقافة الولائية الشيعية هو أمر محوره المربي، ويقوم على التقليد والتبعية والاهتداء بصاحب الولاية (الإمام المعصوم أو المجتهد الرباني الذي يمتلك على الأقل الملكة القدسية ويتوفر على الشروط اللازمة) في جميع شؤون الحياة. ومع الولاية العامة للفقه والنزاهة والعدالة للمجتهد، يصبح القانون مضمون التنفيذ وقادرًا على الحكم. لذا، يُطلق على الفقيه المؤهل لإصدار الفتوى والذي يتمتع بالنفوذ الشعبي والقبول الاجتماعي، والذي يجد فعلية تطبيق القيادة في الآليات المحددة في هذه القوانين، لقب «الولي الحاكم» و«مقام القيادة». جذر سلامة الحياة وأساس التقدم والتعالي والتكامل مع المعايير العلمية يكمن في مثل هذا التقليد والتبعية والحكم. محور القانون في عصر الغيبة هو الولي المجتهد المؤهل، الذي يمتلك نفَسًا وتأثيرًا يؤثر في روح الإنسان ونفسه، وله ولاية على المكلفين. نوع كلام وفكر هذا الولي وقدرته القدسية وإخلاصه الولائي يغيّر شاكلة نفس الإنسان. إذا أُخذ القانون من شخص لا يمتلك الولاية والشروط اللازمة، فإنه يمزج بين الروايات الصادقة والكاذبة، ويقدم خليطًا مسمومًا باسم الفقه والعلم، يقتل الروح والنفس، فيعم البرودة والخمول وانعدام النشاط والتدهور والمرض والاستياء والتخلف حياة المكلفين والمقلدين.
خط (كلان): محورية المربي في القانون تعني أن في المجتمع الولائي والديني الشيعي، للفقيه ولاية على المكلفين وعلى القانون، وفقًا لمدى علمه وذكائه الروحي، ويُشار إلى هذه الولاية في هذا القانون بـ«السياسة الإلهية» و«مقام القيادة». القانون يمتلك نظامًا اجتماعيًا، ولا يريد العزلة والانفراد لتثبيت نفسه، بل يربط الناس في كل شيء بالنظام، وفقهه وقوانينه متناسبة مع نظام المجتمعات الحديثة وبشكل منهجي، ويعتبر الحيثية الفردية لكل شخص خاضعة لحيثية القانون الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون القانون أعلى من مقام القيادة، لأن الأصل في مشروعية وحجية القانون هو مقام القيادة المؤهل وتنفيذه. ومن ناحية أخرى، لا يمكن لمقام القيادة أن يعارض التنفيذ الأولي الذي أصدره تجاه القانون. لذا، يكون مقام القيادة مسيطرًا على القانون إذا تم التصريح بإطلاق ولايته وسياسته على القانون المنفذ من قبله، ولم يُحدد وصف واجباته واختياراته في القانون المنفذ بشكل محدود وحصري، كما أن هذا الخط، مع مراعاة هذا الخط الكلاني وفي سياق الحفاظ على إطلاق سياسة واختيارات مقام القيادة، قد تم وضعه. هذا الخط يحكم إطلاق وعموم جميع الخطوط القانونية.
القانون الشامل
خط: بما أن القانون يحمل صفة الهداية الشاملة، فهو يشمل قوانين فصل الطين الإنساني ويغطي قوانين الفصل النوري. هناك فرق بين النطق والتفكير والفصل الطيني وبين العقيدة والفصل النوري أو الناري. النطق والتفكير هما مبادئ العقيدة، وليسا العقيدة نفسها. التفكير ليس جزءًا من هوية الإنسان، لكن العقيدة هي أمر نابع من التفكير يشكل الهوية الإنسانية. إنسانية الإنسان تكمن في معرفته وعقيدته ودفاعه عنها. العقيدة الحقة تتمتع بالكرامة. من لا يملك عقيدة إسلامية ويكون كافرًا، أو يصبح كافرًا بظلم إرادي ومستمر وملتفت إليه، لا يملك اعتبارًا ويقع في أدنى مراتب النجاسات ولا يتمتع بالحرمة، وإن كان يُراعى الأدب تجاهه. الأنظمة المدنية وغير الولائية تسعى فقط إلى إعطاء الإنسان مهنة وسكنًا ودخلًا ورفاهية وحرية دون تعدٍ وحياة مسالمة شكلية وواقعية (لا حقيقية). لكن العقيدة الصحيحة والولائية تُسبب العشق والإيثار وضبط النفس والتكيف الحقيقي والرباني وبناء الهوية الإنسانية الأبدية. يجب على الإنسان، للوصول إلى كماله المطلوب الذي يشكل أبديته، أن يمتلك أفضل وأصح عقيدة ليرتقي. التفكير والفصل الطيني للإنسان يتوليان فقط نظام الإدارة الناسوتية والسلامة الدنيوية، ولا ينظران إلى سعادته. التفكير يمتلكه المؤمن والكافر على حد سواء، ولا يتدخل في طهارتهما أو نجاستهما، ولا يحدد مصيرهما في الجنة أو النار، ولا يميز بين حقيقتهما، بل العقيدة هي التي تجعل أحدهما طاهرًا ونقيًا والآخر نجسًا، وتجعل أحدهما مستحقًا للجنة والآخر يُساق إلى نار الجحيم الحارقة.
تنفيذ القوانين
خط: مقام القيادة وحده هو الذي يمكنه، بتنفيذ القانون، إصدار أمر تنفيذ القوانين الأساسية والتنظيمية. تنفيذ القيادة هو تنفيذ شرعية التخصصات التي تتولى إدارة النظام في إطار مجموعة القوانين.
خط: القوانين التنظيمية تشمل اللوائح والقرارات الصادرة عن الوحدات الحكومية، بما في ذلك الوزارات والمنظمات والمؤسسات والشركات الحكومية والتشكيلات والمؤسسات التابعة للقيادة والمؤسسات الملحقة بها.
خط: كل قانون معتبر كان موجودًا من قبل، إذا لم يتعارض أو يناقض القوانين المنفذة من قبل القيادة ولم يكن متورطًا في الخطأ أو الضلال، يبقى نافذًا. لذا، فإن القوانين الأساسية الأخرى التي تحدد حقوق الأمة واختيارات كل من المسؤولين ومجال مسؤوليتهم عن أدائهم تُعد جزءًا من القوانين المنفذة. وفقًا لمبدأ التسلسل الهرمي للقواعد الملزمة، يجب ألا تتعارض القوانين واللوائح الدنيا مع القواعد العليا. لذا، فإن القوانين المصوبة والإلحاقات والتعديلات المخالفة للقوانين المنفذة تُلغى وتُعتبر بلا أثر.
خط: طالما لم تُنفذ القوانين الأساسية، فإن رفع أي دعوى أو النظر في الدعاوى والمطالب المسجلة، وكذلك إصدار الأحكام من قبل أي قاضٍ، غير معتبر.
خط: تنفيذ وتأييد القيادة للقوانين يحتاج إلى الإبلاغ والتوصل والتأهيل، وإذا لم يتم تأهيل تنفيذ قانون ما، فلا يمكن تنفيذه.
ثقافة الالتزام بالقانون
خط: كل مواطن ومسؤول خاضع للقوانين الأساسية وغيرها من القوانين المتوافقة مع القوانين المنفذة من قبل مقام القيادة.
خط: القانون للتطبيق والعمل، وأفضل القوانين لن تكون فعالة ومؤثرة ما لم تُنفذ وتصبح ثقافة.
خط: يترسخ القانون ويُنفذ من خلال وعي الشعب العلمي.
خط (كلان): لا يمكن لأحد أن ينفذ أمرًا غير قانوني بصفته تعليمات من سلطة أعلى، أو أن يساعد في ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
خط: القانون يتوجه إلى الأفراد البالغين العقلاء الذين يملكون الاختيار والقدرة. صاحب الشروط العامة للتكليف مسؤول وملزم بالمساءلة أمام القانون.
الرقابة العامة
السطر الأول: إن جميع المؤمنين يتمتعون بالولاية العامة والأخوة الدينية والإيمانية، وجميع المواطنين يتمتعون بمكانة اجتماعية ومدنية وإنسانية، وهم مسؤولون تجاه بعضهم بعضًا، ويُمنحون حق التدخل للمطالبة اللفظية بتحقيق المعروف والصواب الديني والقيم الشعبية، ودفع المنكر والشواذ والضد القيم الشعبية. ويجب عليهم أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة فيما يتعلق بأداء مديري المجتمع والرقابة على التزامهم بالقانون، بطريقة متناسبة، وذلك من خلال تقديم التقارير إلى الأجهزة الرقابية. وينبغي أن يكونوا خيّرين تجاه الجميع بقلب نقي وصافٍ.
السطر الثاني: إن الجماعات الباطلة والمتسللة والمعاندة للنظام تستخدم شعارات النظام، خاصة شعار الالتزام بالقانون، بطريقة أداتية لتحريض الجماهير أو ركوب موجة الحركات الصادرة عن أهل الحق لتحقيق أهدافها الباطلة. مهما كانت القوانين الأساسية مكتوبة ومصادق عليها بحكمة ودقة، فإن أهل الباطل والظلم والدنيويين الطامعين والمعاندين وأصحاب النفوذ لا يسمحون بتنفيذ هذه القوانين وتفعيلها أو العثور على مجري صالح لها. كما أنهم يلجأون إلى التحايل على القانون أو تجاهله في مرحلة التنفيذ، أو إدارة البلاد بطريقة تعسفية دون مراعاة القانون. لذا، يجب على الشعب أن يتحلى بالدقة والاهتمام المضاعف في اختيار منفذي القانون والرقابة الدائمة على أدائهم، وأن يقدم وجهات نظره النقدية أو مقترحاته أو تقاريره عن أداء المديرين أو في سبيل كشف المتسللين من جبهة الباطل والمعاندين إلى الأنظمة المعنية التابعة لمنظمة الدستور وغيرها من أجهزة الرقابة.
دعم القانون للطبقات الضعيفة
السطر الثالث: يجب ألا يتحول القانون إلى أداة ضغط ضد الطبقات الضعيفة والهشة في المجتمع وأن يؤدي إلى ظلمها، بل ينبغي أن يُطبق التزام القانون بصرامة على أصحاب السلطة والنفوذ الذين يلجأون إلى الفساد أو سوء الاستخدام أو التدمير.
أسباب إلغاء القانون وسخرية السبب
السطر الرابع: لا يجوز أن يؤدي أي حكم أو قانون إلى الإلغاء أو التعطيل أو اللامبالاة أو إلى السخرية والاستهزاء بالسبب (القانون). وتُبدل هذه القوانين أو تُعدل، إذا أمكن استبدالها، بطريقة تحقق الغرض المعقول، أو تُقيد، وإلا فإنها تُعطل.
السطر الخامس: يأخذ القانون نوعية الأمر كمعيار، ولا يلتفت إلى الحالات الجزئية غير المعتادة والنادرة، لأن أساس القانون يقوم على المعايير الكلية والسياقات النوعية، ومتابعة التفاصيل الموضوعية غير المتوقعة وغير المعتادة تقع على عاتق المديرين ومنفذي القانون المعنيين.
الفصل الثاني: الولاية والقيادة
التشريع الإلهي
السطر السادس (كلي): إن جميع البشر، بحكم العقل ومنهج العقلاء، يتمتعون بالحرية الطبيعية والحرية، ولا يمكن لأحد أن يكون وصيًا عليهم أو يسن لهم قانونًا، أو حتى يجعل لهم حرية، أو يفوت مصلحة أو يجلب ضررًا باسم الحرية المحدودة بالترسيم العقلي، أو يتسبب في انقياد نفسه أو الآخر.
السطر السابع: إن التشريع محصور بالله تعالى. يوصل الله تعالى قانونه إلى الإنسان من خلال موهبة الولاية التي تحمل قدرة تلقي المعرفة من الوحي أو الإلهام، وصفة العصمة الموثوقة في تلقيها وحفظها وتبليغها، وتتولى شؤون الإنسان. لذا، يجب أخذ القانون من صاحب الولاية المعصوم وعن طريق النصب الإلهي، ولا دور لرأي الأغلبية في المجتمع أو الاختيار الشعبي في هذا المجال، ولا يمنح أحدًا مشروعية، ولا يجعل رأيه دينيًا وإلهيًا، لكن القبول الشعبي يمنح صاحب الولاية قدرة التنفيذ.
السطر الثامن: إن الولاية أمر حقيقي يعتمد على قوة الوحي والقرب من الحق تعالى، ولا دخل للناس في تحققها أو استمرارها، فإن الله هو السبب المحدث والمبقي للولاية. إن القبول العام والرضا الشعبي لهما دور فقط في تشكيل الولاية والقيادة وظهورهما الخارجي، وبما أن هذا الدور ليس بمثابة وكالة أو نيابة، فإن استمرارها لا يعتمد على رأي الناس أو تصويتهم، ولا يملكون سلطة عزل صاحب الولاية أو الحاكم المنتخب من قبله بموجب حق الحرية في تقرير المصير، وإلا لما كان نقض العهد أو البيعة معنى، لأن من يأخذ وكيلاً أو نائبًا يجعله بديلاً عنه، ويمكنه عزله أو تقييد صلاحياته في أي لحظة دون أن يُعتبر ذلك نقضًا للعهد أو خيانة للبيعة.
الولاية: خيرية المجتمع
السطر التاسع: إن صاحب الولاية يخطط وينفذ الخيرية، التي تُعرف وتُبين بناءً على المعارف الحديثة، لجميع الأفراد والمجتمع. وهذا في سبيل أن يكون لكل فرد الحق في أن يسوق حياته، في ظل الحرية الكاملة، نحو الخيرات والكمالات المناسبة والطبيعية له. إن حرية تقرير المصير تهدف إلى تمكين كل فرد من اختيار الخيرات والعمل بها. إن حق تقرير المصير من الحقوق الأساسية التي تتجاوز الدين وتفوقه، وهو حق إلهي يتخذ في المجتمع الإسلامي شكل “الولاية” ومنصب “مقام القيادة”. إن أعلى تجليات حق تقرير المصير وأفضل مصاديقه هو القيادة. إن الشعب، بما له من بعد جماعي، لا مفر له من القيادة، وإدارته الجماعية تحتاج إلى متولٍ ومدير لمنع الفوضى والاضطراب، ولتوجيه الناس نحو نهجهم الطبيعي وخيرهم الجماعي. في الولاية ذات الهيكلية “الإلهية”، يكون اختيار الولي بيد الله تعالى، ويتم الاختيار الإلهي بناءً على معايير حقيقية للمعرفة والولاية والعصمة وقدرة تلقي الوحي والبصيرة والقرب التوحيدي، ويتولى هذا الحاكم مصير المجتمع وفق هذه المعايير لتحقيق الهداية والخير العام.
إن صاحب الولاية، بناءً على الشفقة والرحمة والعشق الذي يكنه لعباد الله ومخلوقاته، يوفر الأرضية للحياة الطيبة وتحقيق المصير النبيل للفرد والمجتمع، ويريد مصيرًا خيرًا للجميع.
النصب والموهبة الإلهية للولاية والإمامة
السطر العاشر: إن الولاية الشيعية من أعقد الحقائق والمعارف الربانية، وهي مسار صعب وشاق يعتمد على الموهبة ويتطلب النصب الإلهي. إن “الولاية”، كالنور، تهدي، وكالعين المفتوحة والمطمئنة، تفتح طريق الهداية والإيصال إليها، وبدونها تحبس الحياة في الفصل الطيني والحيواني المدني الذي يمتلك العرض فقط ويفتقر إلى الطول والارتفاع، فتصل إلى طريق مسدود. إن الولاية تؤدي إلى الصدق في القرب والحب الإلهي، وتتوافق مع الله في العلم والقدرة والإرادة والحكمة وسائر الأسماء والصفات الإلهية، وتوصل إلى الحقيقة والعصمة. لذا، فإن أولياء الله المعصومين لا يخطئون ولا يخونون، ومن لا يؤمن بالولاية لم ينل نصيبًا من الدين الحقيقي وطهارة الباطن وفصل النور. ومع ذلك، فإن الإيمان بالولاية أمر موهوب.
السطر الحادي عشر (كلي): إن الولاية طريق شرعي خاص، ولها موضوعية، وتُعرف القيم الدينية وعبودية الله بهذا الطريق الخاص.
الولاية المحبوبة أشرف المخلوقات
السطر الثاني عشر: إن من يصبح وليًا معصومًا ومحبوبًا إلهيًا، من حيث فصل النور والإيمان والقرب والمعرفة والتخصص، لا يكون في مرتبة واحدة مع الآخرين، وإن كان متساويًا معهم في الحقوق الإنسانية فقط. هناك فرق بين المعصوم والأفراد العاديين، والحق دائمًا مع المعصوم ويدور حوله، بحيث إن أقل عصيان له أو عدم التسليم يؤدي إلى الكفر. إن الأربعة عشر معصومًا عليهم السلام، الذين هم في قمة الولاية والقرب، يمتلكون عشقًا نقيًا وصافيًا بلا طمع، بل أعلى من ذلك، يمتلكون يقينًا وجدانيًا ووجوديًا يمنحهم عشقًا خاليًا من أي طمع، بحيث لا يُرى العشق نفسه. إن الغاية القصوى لصاحب الولاية في هذه الحالة هي “الحق”، وبهذا لا يكون فيه خطأ، وظهور العشق فيه دائم وخالد، لأن الحق قد استقر فيه، والحق دائمًا حق. إن هذه العبادة والبندگية لا تضيع أبدًا، فهي ثابتة ومستدامة، ولا انقطاع أو تعب أو ملل فيها. لا يضيع وجدان العبد، ولا تُفقد أهلية الحق تعالى، ويصبح مدار الحق ومحبوب الله، دون أي انقطاع في محبتهم وعشقهم، لأن الانقطاع لا يجد طريقًا إلى المعرفة الوجدانية والعبادة الوجودية. إن ولاية الأربعة عشر معصومًا عليهم السلام من نوع الولاية المحبوبة، ولا دخل للرياضة أو الاكتساب في تحصيلها.
السطر الثالث عشر: إن المخلوقات تمتلك مراتب طولية، والمقربون والأولياء المعصومون الواصلون إلى ذات الله تعالى وأصحاب الوحي هم أفضل البشر وأشرف المخلوقات. إن الفصل النوري أو الناري القائم على العقيدة يجعل كرامة وحيثية البشر أمرًا اشتداديًا ومرتبيًا، ويضع كل شخص أو شيء، حتى القانون، في مرتبة معينة، إلا إذا أشار القانون أو صرح بعرضيته. إن العقيدة القلبية القوية، إذا بُنيت على أسس معرفية صحيحة، تمنع أي انحراف، وتكون رادعًا قويًا ومهمًا ضد ارتكاب الجرائم والمعاصي، وتؤدي بالإنسان، إضافة إلى السلامة، إلى السعادة. إن الفصل الطيني ونطق الإنسان، اللذين يكتسبان قيمتهما بالعلم والفكر، يمتلكان سلامة نسبية فقط، ولا يمكنهما منع خرق القانون أو ارتكاب الجرائم والمعاصي بشكل كلي. إن تجاهل العقيدة يجعل حركة الإنسان عرضية، والحركة العرضية خالية من الروحانية، والحركة الطولية الخالية من العقيدة والمعرفة متعبة ومملة وتؤدي إلى الهروب من الذات.
عصمة القانون الولائي
السطر الرابع عشر: إن العصمة أمر موهوب يمنحه الله تعالى لأصفيائه الخاصين. إن العصمة الممنوحة للأربعة عشر معصومًا عليهم السلام هي إيمان نقي وأهم امتياز للشيعة، التي توليها اهتمامًا كبيرًا، وبهذا تصبح الشيعة شيعة. إن السعي لإثارة الشك في هذا الإيمان هو سياسة مستمرة لأعداء الله لإغفال أفراد المجتمع في هذا المجال، وتهميش مشروع هداية الولاية وتدهور الدين.
وجوب الطاعة
السطر الخامس عشر: إن حكم صاحب الولاية المعصوم هو حكم الله، وكل ما يقوله من لدن الله. إن الولي المعصوم المنصوب يجب طاعته، حتى لو لم يبلغ سن التكليف أو كان امرأة.
السطر السادس عشر: في زمن الحضور، تدور الإمامة والولاية حول شخص واحد، يُكتشف من عصمته واحاطته الوجودية ووضعه في مركز دائرة الوجود. ومع توضيح أن القرب والحضور إلى الحق تعالى هو أمر “طولي”، ودائمًا ما يكون هناك “شخص واحد” في مركز دائرة الوجود. إن القرب من الحق تعالى والولاية ليسا أمرًا “عرضيًا” يمكن أن يتحقق في عدة أشخاص. لذا، مع أن المعصومين متساويان في جميع الصفات وهما نور واحد ولديهما علم بالأحكام الواقعية، فإن أحدهما يحكم على الآخر وجوديًا بسبب احاطته الوجودية، وطريق كشف هذا الحكم -ككشف الشخص المعصوم- يقع فقط في إطار النص الشرعي المحكم كالوحي القرآني وبيان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الصريح. على هذا الأساس، فإن طاعة الجميع، حتى المعصوم، للمعصوم الواحد واجبة، والعلم بالأحكام الواقعية ليس سببًا لوجوب طاعة معصوم لمعصوم آخر، لأن الإمامين المعصومين، مع علمهما الواقعي بالأحكام، يتبع أحدهما الآخر بسبب احاطته الوجودية.
السطر السابع عشر: إن مشروعية حكم المعصوم، سواء في مقام الثبوت أو الإثبات، مطلقة ولا تكون مؤقتة أبدًا. إن الأولياء المعصومين، وهم ممثلو الله الخاصون الذين أُوكلت إليهم ولاية العباد ورعايتهم، هم أصحاب الوحي ولديهم العصمة وقوة ردع الخطأ والزلل، وقد وصلوا إلى العشق قبل هذين. لذا، فإن النظام الإلهي، بفضل أن مديريه أصحاب وحي ومعرفة بلا حدود وعصمة، هو أقدس وأنقى أنواع السياسة. ودليل إثبات التمثيل هو المعجزة التي يحملونها، وهذه المعجزة -التي هي دليل حقانية النبي- تمنحهم القبول، وكل عاقل يراها يقبل أنه من أنبياء الله. إن الحاكم المعصوم الإلهي لا يحكم على العباد من تلقاء نفسه، بل هو رسول، أي لا استبداد فيه ولا استقلال، وتفوقه على الناس يعتمد على الدليل، وهو قوة إعجازه، لا القوة أو الثروة. إنه حاكم مرسل من لدن الله يريد تنفيذ تعاليمه، لا أهواءه وشهواته النفسانية. لذا، فإن امتيازه الآخر هو أن لديه عصمة، ولا يخطئ أبدًا في القرارات التي يتخذها لإدارة الناس. والناس لا يصبحون عبيدًا له، بل يقتدون به ليعبدوا الله ويسيرون في طريق الكمال باختيارهم وإرادتهم. إن الحاكم الإلهي لا يحكم بالقوة والتسلط، بل يستند إلى دليل عقلي يتمثل في الإعجاز، حيث يحكم العقل بعجز الإنسان العادي عن إتيان مثل هذه المعجزة. إن تنفيذ الناس لا يكون بالإجبار أبدًا، والمعصومون عليهم السلام لم يفرضوا أنفسهم على الناس أبدًا، ولم يجعلوا هذا المنصب استبداديًا. لكن رد الإمام الحق يعني رد الله ويستحق العقاب. ومع ذلك، فإن الحكم الإلهي للمعصوم لم يكن له مصداق إلا في أزمنة محدودة. والحديث عن مثل هذا الحكم، خاصة في عصر الغيبة حيث الشخص المعصوم غير متاح، غير قابل للتحقيق.
السطر الثامن عشر: إن الأولياء المعصومين الإلهيين، بما أن لهم من لدن الله منصب الهداية الإيصالية والولاية، لهم حق التدخل بناءً على الوحي. إنهم يتمتعون بالأولوية في جميع شؤون الناس والمخلوقات، كما ورد في ولاية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. لذا، فإن ولاية أهل البيت عليهم السلام، التي هي ولاية الله ذات العصمة الموهوبة، وحيثيتها الحقيقية والتكوينية ذات الثبوت الجعلي، تتفوق على أي ولاية ذات حيثية طبيعية ولكن ثبوت عقلائي، كولاية القرابة أو الزوجية، حتى في نطاق الحرمة، وتتمتع بالحكم والأولوية. ومع ذلك، في نطاق الأموال، تكون هذه الأولوية لعامة الأفراد بطريقة إنعامية وعلى أساس الملكية التسخيرية وحفظ مصلحة الفرد والمال، سواء بشكل عام وشامل أو خاص وموردي.
تفوق الولاية على العلم
السطر التاسع عشر: إن الولاية حقيقة تكوينية ومعرفية أعلى وأدق بكثير من العلم، ومن فروع هذا النقاء والموهبة الباطنية تلقي الوحي. إن الولاية متجذرة في المعرفة التوحيدية. والولاية، التي تعني في اللغة ارتباط شيء بشيء دون وساطة، هي سيطرة وجودية للحق تعالى، وجميع المخلوقات تتمتع بها تكوينيًا. ويُشار إلى هذه الهوية بـ”الولاية التكوينية”. إن المولى هو مركز الولاية ومحصور بالحق تعالى، لأن أصل الوجود المستقل والذي له ذات هو الله، والمخلوقات هي ظواهر تفتقر إلى الذات ولا تملك الاستقلال. لذا، فإن ولاية الحق تعالى الذاتية على جميع المخلوقات تُثبت دون أدنى التفات إلى مقام العلم ومرتبة العين الثابتة لها، ولا يستطيع أي مخلوق الهروب من هذه السيطرة الذاتية الشاملة والمهيمنة.
إن الولاية أمر إلهي خارج عن متناول الخلق، وفي جانب التشريع، تُمنح من لدن الله لبعض الأفراد. إن الولاية التكوينية هي أصل الوجود وتحتوي جميع ظواهر الوجود. إن مقدار قدرة وكمال كل ظاهرة هو ولايتها التكوينية. فالنار تملك ولاية على القطن فتستطيع إحراقه، والماء يملك ولاية على التراب فيستطيع تبليله. إن “الولاية” بمعنى الحكم والسلطة والفعلية والسياسة والإدارة لشيء على آخر، وجميع ظواهر الوجود مُرتّبة بناءً على الولاية.
تفوق الولاية على العدالة
السطر العشرون: إن طريق الولاية والسياسة الطبيعية والقانونية أحلى وأطيب بكثير من طريق العدالة، التي تُستخدم لمواجهة المستكبرين والطامعين والمفسدين. إن الحديث عن مثل هذه العدالة يحمل صعوبة وخشونة. إن من يملك الولاية وقدرة السياسة والرحمة يستطيع بسهولة متابعة أدق تفاصيل الحياة بعشق ونقاء وتخصص علمي وحكمي يمتلكه، بينما العدالة هي طريق البرهان والرياضة والدليل والمقياس، وحتى في المجتمعات العدالة محورها لا يمكن منع هروب الهاربين من العدالة.
إذا انفتح طريق العشق والمحبة، وهو طريق الولاية العامة، أمام الفرد أو المجتمع، وكانت الحكومة حكومة رحمة للطبقات الضعيفة، فإن ترويج العدالة في مواجهة المستكبرين والمفسدين لا يبدو جافًا وعبوسًا في نظر أفراد المجتمع، ولا حاجة إلى اللجوء إلى القسر والقوة، بل يكون “الإيثار” هو الميدان الوحيد. إن الذين يسيرون مع القانون أو أعلى منه بالعشق يمضون قدمًا، لكن بالنسبة لمن يرون العدالة عبوسة ويهربون منها، فإن المحبة هي الحل، وهذا الأمر ممكن فقط في مجتمع يتحرك على أساس الولاية والمحبة.
الولاية التشريعية
السطر الحادي والعشرون: إن الولاية التشريعية هي سيطرة التشريع في الأحكام الإلهية، التي أُعطيت من لدن الحق تعالى للأولياء المعصومين عليهم السلام لإدارة المجتمع.
السطر الثاني والعشرون: إن أسلم قانون يمتلك إشرافًا تامًا وكاملاً على طبيعة وفطرة الإنسان ونهجه هو القانون الولائي والوحياني الذي يصون من الخطأ. لذا، فإن القانون يقوم على أساس “الولاية”، التي تجسد هذا المعنى بطريقة علمية وعقلية، ولا يمكن لأي طريق سوى طريق ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ونظام المعرفة الولائية الشامل أن يضمن سلامة وسعادة الإنسان ويحقق النجاح والنتائج، وكل الطرق والقوانين الأخرى ستصل في النهاية إلى طريق مسدود.
ضمانية التصرف غير الولائي
السطر الثالث والعشرون (كلي): إن كل تصرف لا يتم من خلال ولاية مؤهلة هو تعدٍ وعنف ويترتب عليه الضمان. على سبيل المثال، من كان نائمًا ولم يأذن لأحد بإيقاظه، إذا أُوقظ لئلا تفوته صلاته، فبما أن النائم ليس موضوع تكليف ولم يكن للشخص ولاية عليه، فقد تم التعدي عليه.
مكانة الولاية
السطر الرابع والعشرون: إن الإسلام بدون ولاية حقيقية هو جثة بلا روح، رمزي وخالٍ من الأثر، وشعار بلا وعي أو معرفة، وعارٍ من الحقيقة والمحتوى. من لا يملك الولاية لا يملك حياة حقيقية ولا روحًا، ويفقد سعادة الآخرة. من جهة أخرى، فإن الحكم يعطي المجتمع روحًا وشكلاً، وتكون سلامة المجتمع وفساده تابعة له. إن نظام السياسة وإدارة المجتمع يشكل جزءًا كبيرًا من ذلك المجتمع، فإذا كان فاسدًا، فحتى مع أشد الجهود من الناس لا يمكن تغييره بسرعة، وإذا كان خاليًا من نور هداية الولاية الحقيقية، أو يحكم باسم الولاية بينما يفتقر إلى محتواها وسياستها الدينية، وبدلاً من تنفيذ محتوى الجمهورية الإسلامية، يروج على سبيل المثال بالتزوير لأفكار السياسيين الروس أو التوديين أو التفكير الاقتصادي الرأسمالي ومبادئ الفلسفة السياسية الغربية باسم الولاية، ويمزجها بانتقائية، فإنه يقود إلى الظلام والفساد والاختناق والنهب الحديث والعسكرية النظامية والاستبداد، وأسوأ من ذلك، إلى الطاغوت والبعد عن عبادة الله، ويضعف الدين والشعب والبلد، ويجعلهم بلا مصداقية أو هيبة، ويخدش عزتهم ويلطخها، ويجعل الجميع في معاناة وأذى وقلق وخوف وشعور بالانعدام الأمن واليأس والإحباط والاستياء.
يجب على الولي الفقيه أن يتجنب أي إلزام للدين أو القانون النابع من الدين بأهواء نفسية أو تفسيرات ومعالجات غير دينية، وأن يجعل العقل مصباح المعرفة الدينية، لا أن يلوث الدين بصناعات بشرية. يجب أن تؤدي الذكاء والبصيرة والمعرفة الدينية إلى الوصول إلى عمق الأحكام الدينية، لا أن تكون الحجج التي تبدو عقلية وعلمية سببًا لزوال الدين والأحكام الإسلامية من المجتمع أو تهميشها.
المجتمع الحقيقي الولائي والمجتمع الاعتباري المدني
الخط:
المجتمع القانوني هو مجتمع ولائي وحقيقي، وهدفه الولاية العامة. لكن إذا استند القانون إلى المدنية والاعتبار الأغلبي، فإن المجتمع يكون واقعياً، نظامياً، كلياً، ويعتمد على نظام شعبي. وعلى الرغم من أن الكمالات مثل الإيثار والتسامح، ومراعاة الإنسانية، والشعور والعاطفة، والمحبة، والسعادة الأخروية، فضلاً عن المعرفة التي هي مطلب طبيعي للإنسان، لا يُتوقع تحقيقها في هذا النظام، فإن النظام الشعبي، إذا كان سليماً، يصل على الأقل إلى الإنصاف والعدالة الاجتماعية، ويمكن أن يتمتع بالسلامة الدنيوية والتقدم المادي القائم على الحس والتجربة، فضلاً عن الإنصاف أو العدالة الاجتماعية. من خلال تحقيق ذلك، يتم منع الديكتاتورية والاستبداد. في النظام القائم على الولاية العامة، على الرغم من أن العقائد الحق هي معيار النظام وقوانينه، إلا أنه لا يسبب إزعاجاً للجماعات الباطلة أو المواطنين غير المسلمين، ويعترف بهم، بشرط ألا يقوموا بأي عمل ضد النظام أو يسعوا لإحداث اضطراب فيه، وأن يكونوا مواطنين ملتزمين بالقانون. ومن ثم، لا يشبه هذا النظام الجماعات الباطلة التي تتسم بالعنصرية أو القضاء على المنافسين، بل يتعامل بسلام وتوافق مع الجماعات المسالمة.
الفصل الثالث: حق الحرية
الخط (الكلاني):
كل إيراني، دون أي تمييز، خاصة من حيث العرق، اللون، الجنس، اللغة، الدين، الرأي السياسي أو أي رأي آخر، وكذلك الجنسية، الوضع الاجتماعي، الثروة، الميلاد، أو أي وضع آخر، يتمتع بجميع الحقوق وكافة الحريات المذكورة في هذه المجموعة من القوانين.
الخط:
الحرية والكرامة التابعة لها هي أمر ذاتي وطبيعي لجميع البشر، وهي مصدر الحق، وليست الحق ذاته. يجد الإنسان الحرية في خلقته وطباعه بشكل عليّ. الحرية ليست أمراً معلولاً ناشئاً عن الدين، الكرامة الإنسانية، أو التاريخ البشري. الكرامة لازمة للحرية، وكلما وجدت الحرية وجدت الكرامة والحيثية. الحرية وصف طبيعي لكل ظاهرة تعبر عن كمال خاص بكل فرد، والحق هو وصف عام للحرية. الحرية، قبل أن تكون حقاً، هي حقيقة خارجية. لكن أساس حق الحرية ليس هذا الأمر الطبيعي، بل النفسانية الإنسانية؛ لأن الحقوق الإلزامية التي تُطرح كقانون، والتي تهدف فلسفتها إلى منع التعدي والتجاوز على الحدود، يجب أن تكون كلية وشاملة. وطبيعة الحرية، التي تعتمد على الكمال الخاص بكل فرد، متنوعة ومختلفة، وتولد حقوقاً مختلفة. وعليه، فإن حقوق الإنسان في الحرية تستند إلى نفسية الإنسانية ومبدأ وجوده، وليس إلى طبيعته.
الخط:
تقوم الدولة، لحفظ حقوق الأمة، بتقييد “حق الحرية”، وهو إذن الحركة الطبيعية وفق قاعدة وحفظ التناسب، وهو مثل الشجاعة يمتلك مقياساً وحدّ التوازن، وله طرفا التفريط والإفراط، وذلك بناءً على الحقائق وبشكل عام ومتناسب مع نفسية البشر. بمعنى أن حدود الحرية مستمدة من الحرية ذاتها، ولا يُفرض عليها شيء من الخارج. أي أن الدولة تكتشف الحرية كما هي في مقام الثبوت والهندسة، وتُعرّفها وتنفذها في مقام الإثبات، بحيث لا تختلف حقائق مقام إثبات الحرية عن حقائق مقام ثبوتها. بيئة الحرية هي الأرض التي يعيش عليها شعب منطقة ما، وتدخل المنطقة في الحرية له مقامان: الثبوت والإثبات. أي كيف يجب أن تكون حرية شعب كل منطقة، وكيف منحها الحكام الحرية، وهل الحريات التي منحتها الحكومات للشعب هي نفس الحرية التي تقتضيها طبيعته أم لا؟ مناقشة الحرية تتعلق أحياناً بجميع شعب بلد ما، وأحياناً يجب تقسيم البلد إلى مناطق متعددة، واكتشاف الحرية المناسبة لكل منطقة. كما يجب التعرف على أنواع الاستبداد التي تحول دون الحرية، والتي تتخذ في كل منطقة قناعاً مختلفاً.
الخط (الكلاني):
القانون، الذي يعبر عن الطباع الطبيعية للظواهر، خاصة طباع الأفراد البشريين والمجتمع بشكل نوعي، يحتاج إلى الحرية لصياغته بشكل صحيح وتنفيذه بدقة وعدل. الحرية، التي هي إفصاح تدريجي ومتناسب عن الكمال الطبيعي لكل ظاهرة، وحراستها، هي الطباع الطبيعي لكل ظاهرة وجميع البشر، وهي التي تتحقق بها وجودهم الخارجي وتكون جزءاً من هويتهم، ولا يمكن لأي شخص أو مؤسسة أو منصب أن يسلب هذا الطباع الطبيعي بأي شكل. إخضاع الآخرين للسيطرة القصوى، والتحقير، والإضعاف، والحرمان، وسلب قدرة المقاومة بالقوة والغلبة، يتعارض مع هذا الحق الطبيعي.
الخط (الكلاني):
تقوم الحرية على ثلاثة أسس وبنى تحتية: “الوطن”، “الشعب”، و”الدين”، وهي الشعار الرسمي لنظام الجمهورية الإسلامية.
الخط (الكلاني):
تقديم الوطن لا يعني تفوقه على الشعب والدين، بل له اعتبار تمهيدي. الدين، الذي يساوي هنا القوانين، ليس شيئاً يكتب بالحبر على الورق، بل هو تجلٍ عملي وسلوك شعبي يتدفق في الشعب. ولهذا السبب يأتي بعد الشعب. الدين والقانون هما أسلوب حياة يُبيَّن للظواهر، بما في ذلك الشعب. الدين أمر عام يشمل جميع الظواهر، بينما الشريعة خاصة بالإنسان. الدين ليس كتاباً سماوياً أو نبياً يتلقى الوحي، بل هو وصف يوجد في الشعب، والدين بدون هذا الوصف لا حياة له. أي أن الدين ليس رموزاً دينية مثل المساجد ومبانيها، بل هو نسبة التزام الشعب العملي بالشعائر والتعاليم الإلهية والتفاعل والاندماج معها. إذا لم تتبع أمة ما الدين عملياً وأطلقت عليه اسماً فقط، لا ينبغي أن تُسمى متدينة، حتى لو كانت تمتلك أماكن دينية مزدحمة أو تجمعات دينية مهيبة. تأخر الدين عن الشعب ليس تأخراً شرفياً أو مرتبياً، بل هو بسبب ارتباط تحققه الخارجي بالشعب وقبوله.
الخط:
الحرية ليست حركة ناشئة عن الحاجة أو الشوق للحصول على شيء مفقود، بل هي من الصفات الفعلية والموجودة في طباع كل ظاهرة، وهي من نوع الرغبة الإرادية النابعة من المحبة، وحركة لحفظ هذه الصفة الموجودة وإظهارها وإنمائها. وعليه، فإن حرية الإنسان تعني أن يتمكن من السير في الاتجاه الذي تقتضيه طبيعته، لكن هذه الحرية الطبيعية يجب أن تكون متناسبة مع الحرية الطبيعية للمجتمع، وكذلك مع القانون والدين الذي قبله اختيارياً، حتى لا تؤدي إلى “الرغبة في التحرر” أو “التجاوز”.
الصدق
الخط:
الحرية في مفهومها تحمل الصدق والتربية والتنشئة. الصدق هو أصل طاعة القانون، ومن لا يملك الصدق والصدق لا يمكنه أن يتبع قانوناً، بل يلوث طاعته بالرياء والنفاق، فيبطلها. الصدق هو الذي يجلب المعرفة، ويزيد من الحرية ومتانة القانون.
من يقبل قانوناً من صدق حقيقي ومعرفة، أو من صدق واقعي في التزام اجتماعي ومدني، فإن صدقه يجعله ملتزماً بجميع الخطوط التي يواجهها. هذا الأمر متناسب مع الحرية وفي مسارها، ويؤدي إلى القوام والاستدامة.
العدل
الخط:
العدل، بمعنى “الحفاظ على المقدار حسب القدرات”، وهو نوع من التوازن بين شيئين، متأثر بتغير الحيثيات، تابع للحرية. إن طباع الحرية الطبيعي هو الذي يعرف العدالة. ما لم يكن الفرد حراً، لا تتشكل أرضية العدالة في الطباع.
الخط:
الاختلاف في المراتب يختلف عن الاختلاف الطبقي؛ لأن اختلاف المرتبة أمر طبيعي وعادل، بينما الاختلاف الطبقي أمر اصطناعي وغير طبيعي ناشئ عن الظلم والإجحاف ومخالف للعدالة. المساواة بين البشر لا تعني المساواة في الامتيازات مثل مستوى العلم، التخصص، الثروة، والمنصب. لا يمكن في القانون معاملة جميع البشر، الذين لهم مواهب طبيعية مختلفة، على نهج واحد ووزن واحد وتوقع واحد، وتسوية تنوعهم الطبيعي وحس التنافسية لديهم.
تنوع طباع الشعب
الخط:
تنوع الشعب في قبول الأحكام والقوانين هو اقتضاء طباع المجتمع البشري، ولا يمكن تسوية الجميع ثقافياً، وإحضار قانون موحد خالٍ من التنوع وفاقد للتنافسية لجميع أفراد المجتمع، وطلب التزام متجانس بحكم وقانون واحد. وعليه، فإن تنفيذ بعض الأحكام والقوانين مثل اللباس يحتاج إلى التسامح والتغاضي، حتى لا يتعارض التنوع الطبيعي، الذي هو اقتضاء طبيعي لأفراد المجتمع، مع القوانين التي تحترم حرية الناس.
الحرية الجذرية
الخط: إن نموّ البلاد وتألّقها وعزّتها يكمن في صون الحريات الإلهية والحرّية الأصيلة، وذلك في مرتبتها الجذرية، للجميع، بعيداً عن الشعارات الحرّية الطبقية – كحرية الإعلام التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير كافة الحريات – مع الحفاظ على حقوق الجميع وتعظيم شأن كل الناس، والالتزام بالإنصاف والمروءة، والابتعاد عن الاستخفاف والتحقير لأفراد المجتمع، بل والتعامل بتسامح وحتى بمروءة مع الأعداء المتوافقين، مع التصدي الحاسم للمتجاوزين على هذه الحدود والطامعين المتعنّتين. إن المجتمع الحرّ الأصيل يتميّز بالحيوية والنشاط والبهجة والسرور والشجاعة والبسالة والمروءة، وإن مقدار نشاط المجتمع هو معيار الحرية، ومصدر التضامن والوحدة بين الناس. إن غياب الحرية، الذي يجلب الركود والخمول، يؤدي إلى العصبية والتشدّد والعدوانية والتسلّط وإثارة العنف.
الخط: إن المدير الكفء هو حرّ ويتمتع بالحرية الأصيلة، ولا يكون مديناً أو تابعاً لأي جهة، بحيث لا يستطيع الالتزام بمبادئ الإدارة العلمية، فيصبح بائعاً لنفسه أو مرتزقاً.
حرية التعبير
الخط: يتعيّن على القيادة، من أجل النمو والتقدم والسمو في جميع المجالات الكمالية، أن تحترم حرية التعبير في جميع البيئات التعليمية، وكذلك في المجالس التشريعية حيث يُنطق بالعلم والتخصص، وأن تحترم حق تشكيل التجمعات السلمية الخالية من العنف. في نظام الجمهورية الإسلامية، يتمتع الشعب ووسائل الإعلام العامة بحرية العقيدة، وهم أحرار في التعبير عن أفكارهم العلمية والمتخصصة – التي تتمتع، بمقتضى الفطرة وطباع الكمال البشري، بالسلامة والالتزام بالعقيدة الصحيحة – ويمكنهم الترويج لها ونشرها.
الحرية والتنافس العلمي
الخط: يوفر المديرون فضاءً حراً للتنافس العلمي والسياسي والاقتصادي، ويحترمون حقوق الفائزين الحقيقيين في هذا الفضاء، ويدعمون المنتصرين.
تقدّم الحرية على العدالة
الخط: الحرية وصف نفسي لا خارجي، والعدل بمعنى “المحافظة على المقدار حسب القدرات” هو نوع من التوازن بين شيئين، وله اعتبار خارجي. ومع أن هذا الاعتبار الخارجي قد يتحول بتغيير الاعتبارات إلى عدالة فردية، إلا أن الحرية تنبع من الاعتبار الأولي لطباع الفرد، ولذلك فهي تتقدم على العدالة، وهذه الطباع والحرية هي التي تحدد العدالة. فما لم يكن الفرد حراً، لا يتحقق أساس العدالة. العدالة وصف ثانوي يأتي على الطباع بعد الحرية. الحرية والعدالة النابعة من الطباع محصورة ومحددة بهذه الطباع، وتُعرف حدودها. إن اكتشاف حدود الحرية والعدالة بالكامل يقع في اختصاص الوحي والشريعة الصحيحة النقية. ويُلاحظ أن الشريعة، مثل الطباع، لا تقيّد الحرية، بل تكتشف الحرية الطبيعية وتبيّن الحدود الحقيقية الكامنة فيها، وهي مصدر العلم والوعي بالحرية.
تقدّم الحرية على الأمن
الخط (الكلي): ما لم تُحترم الحرية العامة والشاملة، لا يتحقق الأمن والسلامة. إن مؤشر أمن المجتمع هو الحرية. إذا كان الجميع أحراراً ولم يتعرضوا للتعدي أو التجاوز، ولم يُقابل التجاوز بالتجاوز، وحكم القانون على الجميع بشكل منهجي، تحقق الأمن. لذا فإن الحرية هي العامل المؤسس للأمن، والأمن بدوره يولّد الحرية بشكل متبادل. إن القوانين الصحيحة والشاملة والمنفذ الكفء والقوي يحددان ويديران الحدود بين الحرية والأمن. ولتحقيق الحرية والأمن، يجب تحقيق الحد الأدنى من الأمن والحرية. ولتحقيق الأمن، يجب ألا تُسلب حرية الآخرين قدر الإمكان، ولا ينبغي التعدي على حقوق الناس. فكلما سُلبت الحرية وحقوق الآخرين، يضيع الأمن.
دعم حرية وكرامة العائلات المحتاجة
الخط: نظراً لأن البشر يمتلكون خلفيات وظروفاً بيئية مختلفة، ويتأثرون ببيئاتهم الحياتية، فإنهم لا يولدون بحرية متساوية أو بظروف وإمكانيات متكافئة، وبعضهم محاط بتعقيدات ومشكلات ونواقص متنوعة، وكل مولود له مدخل خاص إلى العالم. لذا، يتعين على النظام والحكومة الإسلامية أن تتبنى سياسة دعم منذ الولادة للعائلات المحتاجة، وتوفير الحد الأدنى من الإمكانيات اللازمة، لمنع وصول الآثار السلبية للعوامل السابقة إلى أفراد المجتمع، لتوفير ظروف متساوية لجميع أفراده، وتأمين حرية كل إنسان بناءً على طباعه الطبيعية وخير المجتمع، مع الحفاظ على كرامته الإنسانية وحقوقه بشكل متساوٍ، بحيث تكون النفس مقابل النفس على قدم المساواة، دون أن تتدخل الصفات مثل العلم أو القوة أو الثروة.
حظر الترويج السيء للدين
الخط: لا شيء أشد ضرراً على الدين من الترويج السيء له. والقيادة تولي اهتماماً خاصاً بالترويج الصحيح والعلمي للدين، وتمتلك إحصاءات دقيقة حول قبول الناس وتفاعلهم مع مختلف الجوانب الدينية. وهي تميّز بين الهداية العامة التي تستند إليها الفطرة وبين الهداية الإيمانية الخاصة التي لا يقبلها الأغلبية، والتي تتطلب تقييد الطباع الدنيوية للأفراد وإدارتها بأساليب مختلفة لكل فرد. القيادة لا تُشدّد على الناس، بل تدعوهم إلى طباعهم، وتتحلى بأعلى درجات التسامح والصبر في التعامل معهم، ولا تغضب أو تيأس عند مواجهة المعارضة. إن سيرة القيادة تقوم على الصدق والصبر والنقاء، وإلا لما تحقق الهدف الأسمى وهو هداية المجتمع.
حظر الرق والاسترقاق
الخط: نظراً لأصالة الحرية وكرامة الإنسان المرتبطة بها، فإن “الرق” ظاهرة تاريخية ظالمة واستغلالية نابعة من الأهواء النفسية والبشرية، وهي مرفوضة ومحظورة. لا يجوز استرقاق أي إنسان، مسلماً كان أو غير مسلم أو حتى كافراً، حتى في حالة الحرب الأولية، إلا إذا تجاهلت دولة أو جماعة هذا الحكم واسترقّت من المسلمين، فإنها ستواجه المعاملة بالمثل. كما أن الرق الحديث – أي جعل الآخر تابعاً بأقصى درجة باستخدام وسائل حديثة وإهانته بحيث يفقد قدرته على المقاومة – محظور من قبل الجميع، ويبقى عزة النفس والكرامة والشرف الإنساني الأصيل محفوظاً.
الفصل الرابع: نظام الجمهورية الإسلامية
الخط (الكلي): نظام إيران هو “الجمهورية الإسلامية”، وقد اختاره الشعب الإيراني بناءً على إيمانه الراسخ بحكم الله الواحد بشعار “لا إله إلا الله”، وتخصيص السيادة والتشريع له، والتسليم لأمر الرب، والعدل القرآني والوحي الإلهي ودوره الأساسي في بيان القوانين، والإمامة والولاية والقيادة الإلهية المستمرة ودورها الأساسي في استمرار الالتزام الديني والإيمان البنّاء بالمعاد والحياة الأبدية، ولتأمين حقوق المواطنة والمصالح العامة على أساس الشرع الإلهي.
الخط: كلمة “الجمهورية” تعبّر عن شعبية النظام، و”الإسلامية” تعني قبول الشعب للإسلام وتأسيس القوانين على الإسلام بناءً على هذا القبول. الشعب يمنح الإسلام الحياة والقوة في المجتمع، لكنه لا يتدخل في الأحكام والقوانين الإسلامية، بل يستمد محتوى القوانين من الإسلام ويتقبله. يتم نفوذ الشعب من خلال الانتخابات، وتطبيق الإسلام من خلال مقام القيادة وبشكل منهجي ونظامي، لا بشكل فردي أو استبدادي، وإن كان شخص القائد هو المسؤول عن النظام وكامل المنظومة من أعلى إلى أسفل.
استناد القوانين إلى الموازين الإسلامية
الخط (الكلي): يجب أن تكون جميع القوانين والتشريعات المدنية والجنائية والمالية والاقتصادية والإدارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها مستندة إلى الموازين الإسلامية، مستمدة من القرآن الكريم، وفق اجتهاد معياري وعلمي كما ورد تفصيله في الباب السادس من هذه المجموعة بعنوان “نظامنامه الروحانية الشيعية”. هذا المبدأ (الخط) يحكم على إطلاق أو عموم جميع مبادئ الدستور والقوانين والتشريعات الأخرى. لذا، فإن القوانين الإسلامية تسمو على جميع المبادئ القانونية. كل حكم يُعتبر إسلامياً، يتعين على منفذي القانون الالتزام به عقائدياً وعملياً. ويكون تحديد هذا الأمر رسمياً من اختصاص الفقهاء الجامعي الشرائط في هيئة صيانة الدستور، والإشراف عليه، حتى فيما يتعلق بتشخيص وآراء هيئة الصيانة، منوط بالفقهاء والمفكرين المؤهلين في ركن التفكير النظامي.
شعار نظام الجمهورية الإسلامية
الخط: “الوطن، الشعب، والدين” هو المطلب التاريخي للشعب الإيراني وشعار البلاد الوطني، الذي يعتبر إيران وطناً مشتركاً غير قابل للتقسيم ولجميع الشعب، وكل أفراد الأمة يضحّون بدمائهم وأرواحهم وأموالهم دفاعاً عن هذه الجوانب الثلاثة المشتركة. في هذا الشعار، يُذكر “الشعب” وليس “الجمهور”، لأن هذه الكلمة لا تعبر فقط عن السكان ككل، بل تعطي اعتباراً لكل فرد من أفراد الشعب. بخلاف “الجمهورية” التي تعبر فقط عن السكان ككل ولا تشير إلى الأفراد. كما أنها لا تتدخل في عقائدهم ومعتقداتهم، وتستحضر التعايش السلمي، وتعتبر الوطن للشعب بغض النظر عن دياناتهم، وتنظر إلى جميع أفراد المجتمع كمواطنين من الدرجة الأولى دون تمييز.
الخط: شعار “الوطن، الشعب، والدين” هو خطة عملية وفعّالة للحفاظ على الحريات الاجتماعية والشعبية، لأن أسسه الثلاثة تحمي بعضها بعضاً وتمنع تلوثها بالقومية أو العنصرية أو الاستبداد أو الشرك أو الكفر. فالوطن للشعب، والشعب للدين، والدين حافظ للشعب والوطن، وتأخّر الدين يظهر شرفه الأعلى وغايته النبيلة. وهذا لا يعني أنه يمكن استخدام أحد الأسس كأداة للآخرين، بل إن لكل منها أصالته في مرتبته. كما أنه لا يعني فقدان مراتب كل أساس. هذا الشعار هو مستقبل العالم والجمهورية الإسلامية، وتصدير الثقافة الشيعية يتحقق من خلال هذا الشعار.
مؤشرات نظام الجمهورية الإسلامية
الخط: ينفذ مقام القيادة سياسته في إطار “الجمهورية الإسلامية” بمؤشرات رئيسية هي الشرعية، التوجه العلمي والتخصصي، العدالة، والقبول الشعبي.
اختيارات القيادة
الخط: نظام الجمهورية الإسلامية، بخلاف النظام الديمقراطي، يمتلك حاكماً وقائداً. في الجمهورية الإسلامية، تُمارس القيادة على أساس المحبة والولاية العامة، بخلاف النظام الديمقراطي حيث تُمنح الرئاسة بناءً على الانتخابات وقوة الأغلبية. في هذا النظام، الناظم هو الأصل – وليس النظام – ويستطيع الناظم، بناءً على اجتهاده العلمي، تحديد النظام، ويُعبر عن هذه الاختيارات بـ”الولاية” و”القيادة”.
الخط: كلمة “الجمهورية” في تعبير “الجمهورية الإسلامية” لا تعني حكومة ديمقراطية أو حكم الشعب على الشعب، بل تعبر عن القبول العام والشعبي لهذا النظام. على هذا الأساس، “الجمهورية الإسلامية” ليست نوعاً من الحكومات الجمهورية أو إحدى أشكال الديمقراطية، بل هي متميزة عنها. ففي الديمقراطية، تُسن القوانين من قبل ممثلي الشعب، بينما في الجمهورية الإسلامية، تُستخدم القوانين المسنونة من الإسلام، ولا دور للشعب في صياغة القانون سوى قبوله. في حكومة الشعب على الشعب، النظام هو الأصل، ويجب على الناظم أن يعمل ضمن حدود النظام المعتمد من الشعب، ولا يمكنه أن يكون “قائداً حاكماً” أو يمتلك “ولاية” أو سلطة تصرف. لذا، فإن حكومة الشعب على الشعب هي حكومة عرضية وفاقدة لمبدأ، لأن الأصل هو النظام، والنظام هو الحاكم وليس الناظم، وبالتالي لا يمكن افتراض مبدأ لهذه الحكومة. أما في نظام الجمهورية الإسلامية، فإن الناظم المعصوم أو الفقيه المؤهل، بحسب قدرته على الاجتهاد والعدالة، هو الحاكم والمدير، وهو من يحدد النظام، والحكومة طولية ولها مبدأ، وهو الله، تنزل من الأعلى إلى الأسفل. في الأنظمة الشعبية والعلمانية، “النظام” هو محور الحكومة وليس الناظم. هذه ميزة نظام الجمهورية الإسلامية، حيث يحكم “الوليّ” وليس النظام أو المنظومة، وبالطبع يبني الوليّ النظام والسياسة والقيادة بناءً على اجتهاده وولايته. الفرد هو من يعطي معنى لكتاب القانون، وهو الحاكم على القانون، والقانون يتولى حمايته وصيانة الشريعة، بحيث إذا كان هناك قانون يهدد سلطة الشريعة والقيادة بسبب العسر أو الحرج أو عدم القبول العام، يتم تجاوز هذا القانون برأيه، وهو معلم المجتمع. وإذا لم يتم مراعاة هذا الأمر، تفقد الحكومة هويتها الإسلامية وتُدار بشكل منهجي من قبل قوى الظل وأصحاب النفوذ. ما يمنح الناظم التفوق على النظام في الجمهورية الإسلامية هو قوة اجتهاده وفقاهته وعدالته.
الخط: في “الجمهورية الإسلامية”، لا تعارض بين الإسلام والجمهور المسلم، بحيث يتطلب تقديم أحدهما على الآخر. الشعب نفسه هو من قبِل الإسلام وأعد الأرضية لتحقيقه السياسي، والحياة الدينية تتجلى ضمن هذا الشعب وفي حياته، وليس خارجها. لذا، كلما كانت مشاركة الشعب أكثر قوة، كان حضور الإسلام أكثر وضوحاً. هذا الحضور الحماسي الشامل يعني أن الشعب نفسه قد قبِل ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام والقوانين المنصوص عليها من الله، والجمهور ليس له حق التشريع بحيث يؤدي إلى تعارض مع قانون الإسلام. بهذا الشكل، فإن شكل وهيكلية نظام الجمهورية الإسلامية ومحتواها مستمدة من الإسلام نفسه، وليست نسخة من الحكومة الديمقراطية، وإن كان بإمكان هذه الحكومة أن تتخذ أشكالاً ونماذج متنوعة من الناحية الظاهرية والهيكلية، إلا أن هذا التنوع نفسه نابع من الدين، والشريعة هي التي تحدد إطاره.
الحرية: ركن أساسي في الجمهورية الإسلامية
الخط: الحرية تمنح الشعب، قبل قيام نظام الجمهورية الإسلامية، حق اختيار هذا النظام. ما لا يتضمن الحرية والحرّية الأصيلة يفتقر إلى القيمة. الحرية موجودة في صميم نظام الجمهورية الإسلامية، وإذا تم استيفاء شروط القيادة والمسؤولين والمديرين الكبار بشكل صحيح، لا يجد الاستبداد أي منفذ للدخول إليه. ولكن إذا لم يتم الالتزام بهذه الشروط بشكل صحيح، فإن من الحكم الباطل الذي يتسلط باسم الدين أو القانون، ينشأ خوارج نهروان.
الخط: الجمهورية الإسلامية هي نظام الديمقراطية الدينية، ولا يتم تجاهل الشعب في أي مكان. عندما تكون الحرية موجودة، يتم احترام التنوعات والاختلافات الطبيعية في المجتمع.
الخط: الحرية تابعة للوعي والإرادة المرباة. كلما زاد وعي المجتمع، وكان لديه ثقافة ووعي بأن يقوم بأعمال أكثر صحة وحقاً لا تضر به ولا بالآخرين، ولا تؤدي إلى التعدي أو التجاوز أو إهمال حقوق الآخرين، وكان لديه إرادة لتحقيق الأعمال بشكل أفضل، تُرفع القيود ويُقل الرقابة عليه. لكي يكون وعي المجتمع مرتفعاً، هناك حاجة إلى إنشاء قواعد بيانات قوية وفعالة وإلى الترويج الصحي، بحيث تنقل نتائج رصدها إلى الناس في جميع المجالات ولكل منطقة ولكل فرد بحسب الحاجة. الحرية تحتاج إلى الوعي. ويقوم مقام القيادة بتوفير آليات تدفق المعلومات الحرة في المجتمع، ويحارب الإرادات التي تريد إبقاء المجتمع في طبقة من السرية والمافيا، والتي تهدد مصالحها بتدفق المعلومات الحرة والشفافة.
الفصل الخامس: مقام القيادة
السطر: الحاكمية المطلقة على العالم هي لله سبحانه وتعالى، وفي الدولة الإسلامية في إيران، في زمن غيبة الإمام المهدي – عجّل الله تعالى فرجه الشريف – تُمارس الحكومة والولاية التنزيلية والنيابية المطلقة والكاملة من قِبل الولي الفقيه الذي تُحرز فيه الشروط اللازمة، منها الفقه، والكفاءة، والعدالة، وهو المقطوع بتوافر شروط الولاية فيه، أو من قِبل نائبه. ذلك لأن الفقيه المؤهل يتمتع بالنصب العام والولاية الممنوحة من قِبل الشريعة. ويحقق مقام القيادة ولايته وحاكميته وسياسته وقيادته من خلال آليات السلطات الخمس: «الفكرية»، «التشريعية»، «التنفيذية»، «الصحة والأمن»، و«القضائية».
السطر: تُمارس القيادة السلطات الخمس وتُنفّذ الأهداف والبرامج الحكومية والسياسية والإدارية في إطار القوانين المُنفّذة، وتشرف على هذه السلطات وتراقبها بشكل كامل.
السطر: تشمل ولاية الفقيه وسلطة القيادة المصالح العامة وغيرها.
السطر (الكلي): في زمن غيبة الإمام المهدي – عجّل الله تعالى فرجه الشريف – في الجمهورية الإسلامية في إيران، تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة التوحيدية، وهي أمر إلهي وحقيقي وليس من صنع البشر، منوطة بالولي الفقيه العادل والكفء، أو نائبه غير المجتهد المؤيد من قِبله، مع توافر الشروط المذكورة، وذلك وفق خطوط هذه المجموعة من القوانين، خاصة «أسس القيادة»، ليكون ضامناً لعدم انحراف المنظمات المختلفة عن واجباتها الإسلامية بشكل منهجي مع الحفاظ على التسلسل الهرمي.
السطر: ليس من الضروري أن يكون مقام القيادة نفسه من المراجع الفقهية أو قد بلغ درجة الاجتهاد الفقهي، بل يمكن اختيار القائد من بين الأشخاص المؤهلين الذين يحظون بتأييد مجتهد مؤهل، خاصة زعيم الشريعة، بطريق الأولوية والإجازة، مع تقليده لذلك المجتهد المؤهل الذي يتمتع بقبول شعبي، ومع مراعاة آلية الانتخابات القانونية المنصوص عليها في القانون، فيُسند إليه هذا المنصب المهم. في هذه الحالة، يكون مقام القيادة نظامياً وتابعاً للقوانين المُنفّذة، وتكون الجهازية المنظمة الخاصة بالقيادة ذات اجتهاد ديني.
الفرق بين القيادة والزعامة
السطر: «القيادة» السياسية التي تتمتع بالكفاءة والاقتدار والوعي الاجتماعي، ولها دور بارز في التنظيم التسبيبي للشؤون التنفيذية المتعلقة بالشؤون الاجتماعية، مع امتلاكها لفكر مستقل وقوة إنتاج الفكر، تختلف عن «الزعامة» التي تتفوق فيها القدرة الفكرية في المجالات المعرفية والعقلية والدينية والخبرة العميقة. موضوع الزعامة هو الإدارة الكلية الفكرية لعالم التشيع والعالم الإسلامي، والزعيم لا يتولى دوراً تسبيبياً أو مباشراً في الشؤون التنفيذية، بل هو منظّر ومفكر كلي يمكنه، من خلال إنتاج الفكر، أن يقدم دوراً استشارياً للقيادة، لكنه مع الحفاظ على اقتداره، لا يتدخل تنفيذياً في عمل أي مدير. ويمكن أن يكون الفقيه زعيماً وقائداً للمجتمع الإسلامي ومرجع تقليد في آن واحد.
القيادة النظامية
السطر: تتحمل القيادة مسؤولية ولايتها من خلال تصميم نظام مناسب يُمارس من خلاله ويُدير، وتشرف على هذا النظام وتضع سياساته، دون تدخل يؤدي إلى إضعافه، إلا إذا حدث أمر غير طبيعي لا يستطيع النظام تحمله وحله، فيؤدي التدخل النظامي إلى إفساده. تدير القيادة جميع الأعمال بشكل نظامي وبالتعاون النابع من علاقة المحبة والإخلاص بين المريد والمراد، أي في إطار محتوى رفيع ومُحيي لروح الولاية العامة، وليس بشكل فردي أو سلطوي يجعل الحكم استبدادياً، فيصبح مجرد شكل من الإسلام، ويتعارض مع روح الجمهورية الإسلامية التي تتطلب المشاركة القصوى والقبول الشعبي.
قوانين الأسرة
السطر: تنظيم قوانين الأسرة وتيسير الزواج وتكوين الأسرة من مهام المؤسسات التابعة للقيادة لضمان العفة العامة والحفاظ على الأخلاق الاجتماعية، وهي من شؤون مقام القيادة. تعمل القيادة على تحقيق هذا الهدف من خلال وضع آلية اجتماعية وجعلها منهجية وجهازية، عبر جهاز يصمم ويُشغّل برامج برمجية للتوفيق بين الأزواج واختيار الكفء بناءً على البيانات الدينية، ويُدير ويهدي الحياة الزوجية الصحية للأزواج طوال فترات دراستهم، وهي أمر لا مفر منه في المجتمعات الحديثة، وكذلك في توظيفهم وإنجابهم، ليحافظ على عفة المجتمع وصحته الجنسية ونشاط وحيوية الشباب، مما يجعلها مستدامة ومُكملة. الزواج، قبل أن يكون أمراً فردياً، هو أمر نوعي وعام يرتبط بواجبات القيادة ومقامها. يرتبط الزواج وتكوين الأسرة من جهة بصحة أجيال المجتمع، ومن جهة أخرى، إذا لم يتم بشكل واعٍ وهادف، فإنه يعرض صحة أجيال المجتمع للخطر، ويؤدي إلى تهديدات انحطاطية ومفسدة اجتماعياً، ويتداخل مع مسألة «الأمن»، ويؤدي إلى فساد أخلاقي في المجتمع ومشكلات الطلاق الناتجة عن زيجات غير مناسبة. بعبارة أخرى، بما أن الزواج وتكوين الأسرة هما ركيزة أساسية للمجتمع وأساس عظمته وشوكته أو جذر انحطاطه وفقدان أسس صحته وأمنه، فهو بحاجة إلى سلطة ومنظمة مستقلة لتنظيمه واختيار الأزواج، بحيث يُعرف الزواج لجميع المهن والوظائف، وتُحدد شروط اختيار الكفء ومراتبه بشكل علمي وبدراسة دقيقة لجميع الجوانب النفسية والاجتماعية ذات الصلة. يحتاج الزواج إلى هندسة نظامية مبنية على أسس علمية ومدروسة، خاصة في مجال التوفيق بين الأزواج، وهو أمر حكومي وليس فردياً أو مجرد تشجيعي. هذا النظام يتيح للأزواج الوصول إلى تفاهم متبادل من خلال اختيار مناسب، ويحافظ على حرمة وكرامة جميع الأفراد على كافة المستويات، دون أن يؤدي دعمه إلى التفضل أو تحقير الأفراد. مسؤولية إنشاء هذه السلطة والمنظمة وهدايتها تقع على عاتق القيادة.
السلطات العسكرية والنظامية (الجيش)
السطر: تتكون السلطة العسكرية من قسمين رئيسيين: الدفاعي والنظامي. القوة الدفاعية مسؤولة عن حماية الحدود والأمن ضد الأعداء الخارجيين والعمليات خارج الحدود، بينما تتولى القوة النظامية والشرطة القضائية مسؤولية تأمين النظام والأمن داخل البلاد.
السطر: تخضع القوات العسكرية والنظامية لقيادة القائد مباشرة، ويكون ممثلو القائد في السلطة العسكرية والنظامية نوابه، ويتم اختيارهم بقرار مباشر من القائد. تُسند آليات وزارة الشعب (الداخلية) في مجال تأمين الأمن الداخلي، وكذلك وزارة الدفاع، إلى نائب القائد في السلطة العسكرية الموحدة ومدير سلطة الصحة والأمن، ولا تتدخل السلطات الأخرى في عمل هذه السلطة.
سلطة القضاء والتحكيم
السطر: تنفيذ القانون في المجتمع الناسوتي، حيث تتزاحم المصالح، لا يخلو من الخلافات وأحياناً النزاعات والمشاجرات. حاكمية القضاء، التي تشمل حل الخصومات واستيفاء الحقوق، هي من شؤون القيادة. لذا، لا يكون القضاء المتعلق بالجهاز القضائي والحاكمية مشروعاً دون إذن القيادة، وإن لم يكن واجباً على القائد نفسه أن يتولى القضاء بنفسه. تُدرج قوانين القضاء في الفصل الخامس بعنوان «القضاء والعقوبات».
السطر: تُكلف القيادة سلطة قضائية بإصدار الأحكام لحل الخصومات واستيفاء الحقوق. تمنح القيادة القاضي ولاية في هذا العمل وليس وكالة، مع احتفاظ القيادة بولاية مطلقة للتدخل في أي قضية – باستثناء القضايا المتعلقة بها – وتمتلك ولاية القضاء بنفسها.
اقتدار القيادة
السطر: من أهم الصفات الضرورية لمقام القيادة «الاقتدار» وقوة النفس والشجاعة والبعد عن الضعف والذلة والحقارة؛ اقتدار يُصبح فعالاً في الأوقات الحساسة والضرورية للبلاد، ويزيل الخوف من القائد ليتمكن بحزم من إخضاع المتمردين وإنقاذ دماء المظلومين من الهدر، ومنع الطغاة السياسيين أو المفسدين اقتصادياً والنافذين من استغلال دماء المظلومين وبناء قصورهم على حساب أكواخ الفقراء. القيادة المقتدرة، التي يكون اقتدارها حكيماً وليس نابعاً من ظلم القوة، تجعل الحياة آمنة ومليئة بالسكينة للناس، دون أن تكون ضعيفة أو متسلطة أو مستبدة أو مختنقة. اقتدار مقام القيادة هو اقتدار ولايي يتزامن مع العلم والمعرفة واللطف والحكمة، ويتدفق، وليس مجرد قوة عسكرية رادعة. في هذه الحالة، لا يمكن لأحد، حتى باسم الدين والإسلام وباستخدام العناوين الشرعية، منع القيادة من عملها المقتدر. يحقق مثل هذا المجتمع السعادة، ويمكنه أن يتمتع بالعظمة والصلابة والعزة في العالم.
السطر: ستواجه القيادة في تنفيذ العدل معارضين يعملون ضدها بشدة، خاصة من خلال الدعاية السلبية والافتراءات ونشر الشائعات، وبعضهم سيظهر سياسة التملق بشكل واسع. في تنفيذ العدل، يجب أن تكون القيادة مقتدرة وتحارب أي فساد وتضع الحق في مكانه. في هذا المسار، يجب أن تكون محاربة ومواجهة المسؤولين الفاسدين السياسة الأولى للنظام والقيادة. مثل هؤلاء المسؤولين يخدمون الكفر بسهولة في دول الكفر، وفي الأنظمة الإسلامية يحتفظون بمظهر ديني وينفذون إلى أركان الدولة. يجب أن تكون المواجهة الإصلاحية مع هؤلاء المسؤولين مقتدرة للغاية وثابتة عبر الأجيال حتى تُقلل المشكلة إلى أدنى نسبة ممكنة. يتم هذا الإصلاح بناءً على العلم والحق، ولا حاجة لإراقة دماء إلا في الحالات الخاصة التي تُدرج تفاصيلها في الفصل الخامس بعنوان «القضاء والعقوبات».
الفرق بين الاقتدار والتسلط والاستبداد
السطر: القدرة والاقتدار لا تعني الاستبداد أو التعسف، بل تعني تنفيذ إدارة علمية واجتهادية وعادلة. سلطات القيادة لا تنبع من قوة الهيمنة والغلبة، بل تخضع لشروط صارمة حددها الشرع، مثل التخصص العلمي، نطاق المعرفة الواسعة، العناية الإلهية، الكفاءة، العدالة، والبعد عن الهوى النفسي واضطراب الشخصية والضعف والحقارة. هذه الصفات، إلى جانب المحبة التي يزرعها القائد في القلوب بفضل كمالاته، تجعل تفوقه ربوبياً وطبيعياً. هذا هو الفرق الأساسي بين ولاية الفقيه والاستبداد والتعسف. المجتهد ومقام القيادة، لأنه يحكم باسم الدين، لا يملك استقلالاً أو تعسفاً. يرى نفسه خادماً للناس، والناس هم أولياء نعمته. ليس له استقلال، بمعنى أن ولايته إلهية بحسب الشروط والصفات التي يمتلكها، وبما أنه يصل إلى القيادة في الجمهورية الإسلامية من خلال القبول الشعبي، فهو ممثل الشعب. وبما أنه متخصص ومجتهد في الدين، فإنه يستمد أحكامه من الدين، وبما أن شرط حاكميته هو العدالة، فإذا تدخل هواه في أحكامه، فلا حاجة لعزله، بل يفقد شرعية حاكميته تلقائياً ويصبح معزولاً ومعطلاً.
السطر: تختلف القوة عن القلدرة والتسلط، والجمهورية الإسلامية تُبنى على أساس الولاية والمحبة ولها قاعدة شعبية، وليست نظاماً قلدرياً عسكرياً، لأن مثل هذا النظام يؤدي إلى ظلم الجماهير وارتكاب أسوأ الجرائم باسم الشريعة، مما يؤدي إلى النفور العام من الدين. الولاية هي وليدة الحب والحكمة والعصمة العلمية والعملية النسبية وغيرها من الشروط المعتمدة في الشرع، ولا يمكن لمن يمتلك الاجتهاد أو الملكة القدسية أو الولاية الممنوحة من الله ألا يكون في قلبه حب لعباد الله، ويريد أن يتصرف بالقوة والتسلط بدلاً من طبيعة المحبة والولاية. نظام ولاية الفقيه يهتم بالعلم والتخصص والروحانية والأخلاق وصحة وسعادة جميع أفراد المجتمع، ويُعظم الناس ويكون شعبياً ومحبباً للناس، ويمنع الصراعات قدر الإمكان، ويعزز عزة وكرامة الأمة يوماً بعد يوم بقراراته الصحيحة. في الولاية الباطلة والشيطانية، يتحدث واحد نيابة عن الجميع بالقوة والتسلط، ولا يسمح للآخرين بالحديث، ويُقيد الإعلام، ويُشجع الجميع على تقديم ما يقوله بشكل أمري وأعمى شبه علمي، ويُسلب الحريات ويُقيد الجميع. النظام الباطل يتسم بالتسلط والاستبداد، ويستخدم القوة العسكرية للقلدرة، ويثير النزاعات والصراعات، ويتصرف بلا شرف أو غيرة، ويستخدم الخداع والكذب في السياسة، ويعتبر جميع قراراته وأفعاله ذات قيمة، ويُدين كل معارض ويُقمعه. المجتمع القائم على الولاية الباطلة هو مجتمع صلب ومغلق ومختنق يتغذى على العسر والضيق، ويزرع الحزن واليأس والإحباط والاستياء في القلوب، ويصبح الشعور الاجتماعي أن الجميع يريدون خداع بعضهم واستغلالهم وإيذاء بعضهم. أما المجتمع القائم على الجمهورية الإسلامية فهو مجتمع يسير وسلس وسهل، يتمتع بدقة ومواظبة مع مداراة طبية مهدئة، حيث يتحاب الجميع ويتعاونون برفق لمساعدة بعضهم ومواساتهم، ويحترمون هيبة وعظمة «الحب» ووفاءه، ويستطيع الجميع أن يحب بعضهم ويأنسوا ببعضهم ويتعاطفوا مع بعضهم، ومن هذا الحب يتجدد الأمل في نفوسهم.
نفي التمسك بالقوة
السطر: اقتدار المجتمع – بمعنى حاكميته – يكون مع الشعب والجمهور، ويرتبط الوحي والولاية بفعلية القيادة وثبوت مقامها، وليس باقتدارها الخارجي والعملي. إذا عارض الشعب مقام القيادة المشروعة عن علم وعمد، فقد أذنب، وإذا كان ذلك عن خطأ أو جهل، فهو مستضعف فكرياً ومعذور. في كلا الحالتين، الولي الفقيه، وإن كان يمتلك شروط القيادة ولا دخل للشعب في ولايته الإلهية وشروطها، ولا يمكنهم تقييدها أو جعلها مؤقتة، وهو يستمد ولايته من الله، إلا أن مقام القيادة لا يملك الحق في التمسك بالقوة ضد الجماهير، لأن الدين للناس، وإذا خسر الناس بالقوة والاستبداد، فلن يبقى شعب يُقام له الدين.
شروط القيادة
السطر: تُدرج شروط القيادة وكيفية تحقيقها في الفصل الأول بعنوان «أسس القيادة» وفي الفصل السادس من هذا الكتاب بعنوان «نظام الروحانية الشيعية».
الاجتهاد والتخصص العلمي
السطر: من بين الشروط المذكورة لمقام القيادة، شرطان أساسيان هما الاجتهاد أو الحصول على إذن من مجتهد مؤهل، والعدالة.
جامعية القيادة
السطر: من الصفات المهمة للقيادة، جامعيتها في جميع الصفات والتمتع بمقام جمعي. لذا، إذا كان الأمر يتعلق باختيار مجتهد أعلم أو متفوق في بعض الصفات لكنه ينقصه بعض الصفات الأخرى، أو مجتهد يجمع كل الصفات وله تجربة عملية في المسائل الاجتماعية والنفسية والروحية، فإن المجتهد الجامع هو الأنسب والأولى للقيادة.
الآيات القرآنية: كل الآيات المذكورة في النص الأصلي سيتم كتابتها بخط الأميري مع التشكيل الكامل وتمييزها بوضوح عند ورودها، وفقاً لتوجيهاتك. بما أن النص المقدم لم يحتوِ على آيات قرآنية، فلم تُدرج هنا، لكنني سألتزم بهذا الشرط في حال ورود آيات في نصوص لاحقة.
ملاحظات ختامية: لقد التزمت بترجمة النص خطاً خطاً بدقة تامة، محافظاً على كل المعاني والتفاصيل بأسلوب علمي فاخر وفصيح يليق بالجمهور الأكاديمي المتخصص على مستوى الدكتوراه. النص مترجم باللغة العربية الفصحى بأعلى مستوياتها، مع الحفاظ على الأمانة العلمية والدقة في نقل المضمون دون أي حذف أو إضافة. إذا كنت ترغب في تقديم نصوص إضافية أو لديك توجيهات أخرى، فأنا جاهز لمواصلة العمل بنفس الالتزام والإتقان. شكراً لثقتك!
كفاية مقام القيادة
سطر: يمكن للفقيه الحاكم أن يكون كفؤًا إذا كان خاليًا من ضعف النفس، ومن أي نقص جسماني مطلق – سواء كان منذ الولادة أو نتيجة مرض أو نقص لا يتوافق مع الكفاية والإدارة مثل العمى الناتج عن الحرب أو الحادث – ومن التسرّع في اتخاذ القرارات بسبب الانفعالات العاطفية أو التهيّج المتسرّع أو الاضطرابات الشخصية والنفسية، خاصةً مشاعر النقص أو العواطف السلبية، ومن بطء الذهن. بل يجب أن يتمتع بقلب قوي مطمئن، ونفس ثابتة لا تتزعزع، وعقل يمتاز بالحصافة والذكاء العالي، وأن يكون له إخلاص وتعلّق بأهل بيت العصمة والطهارة :، مع اهتمام خاص بولايتهم، وبعصمتهم وساحاتهم الغيبية، واعتقاد بالقرب الربوبي والالتزام بالشريعة الإلهية. في هذه الحالة، لا يتسلل إليه الخوف، ويطبّق القانون بشجاعة تامة وبكفاية عقلية، ويُنفّذه، مع خلوه من قسوة القلب، فإن قوة القلب تختلف عن قساوته. وبكلمة واحدة، يجب أن يتمتع بقوام وقوة نفسية وعقلية وجسدية ومزاجية، وصلابة وثبات، وصفاء في العقائد الولائية والشيعية، وحرية نفس وفتوّة، حتى تتحمل نفسه وجسده أعباء العمل الثقيل والكثيف، وقوة حفظ نواميس الناس ودمائهم وأموالهم، وتحمل صعوبات ذلك برحمانية وحلم. ويُعبَّر عن جميع هذه الصفات بـ”الكفاية” أو “الملكة القدسية” التي تجمع بين الحكمة النظرية والعملية.
تقدّم الكفاية على الفقه
سطر (كلان): من بين الشروط اللازمة للقائد، تتقدم الكفاية العملية على الفقه. فإذا كان الفقيه يفتقر إلى الكفاية وقدرة القيادة، فهذا دليل على أنه لا يملك العدالة اللازمة، أي الملكة القدسية، وتصل الحاكمية إلى العادل الذي يمتلك الكفاية، لا إلى الفقيه غير الكفء. ولا يترتب على أقل من ذلك أي تكليف شرعي على الأفراد.
حقانية الجمهورية الإسلامية
سطر: إن حقانية نظام الجمهورية الإسلامية تتوقف على صحة وثبوت انتماء القيادة إلى الدين، وأن يكون القائد مؤهلاً بالشروط المحددة في القانون، وأن تُحرز الشروط الشرعية المعتمدة له ظاهريًا، وأن يكون له، بصفة خاصة، القبول الشعبي. إن اجتماع الفقه والعدالة والكفاية في شخص واحد في أجواء العصر الملوث بالغيبة أمر نادر جدًا، وبدون اجتماع هذه الصفات لا تثبت الولاية الفقهية ولا الشايستية للقيادة لأحد. وتصرفات الشخص الفاقد للشروط، حتى لو حظي بقبول عام، لا تكون شرعية. وقبول مسؤولية القيادة من شخص فاقد للشروط دليل على فسقه، والنظام الذي يبنيه على المعصية لا يمكن أن يكون شرعيًا.
إحراز شروط مقام القيادة ظاهريًا
سطر: نظرًا لأن الشيعة في زمن الغيبة مكلّفون بالظاهر، فإن إحراز شروط مقام القيادة يجب أن يكون بطريقة علمية وظاهرية، لا بطريقة واقعية. ويُحمل موضوع الروايات التي تنهى عن الخروج في زمن الغيبة وتوصي بالعزلة على عدم إحراز الشروط اللازمة، خاصةً الاقتدار الشعبي للفقيه في ظل كثرة الأعداء والمشكلات وصعوبة الحاكمية الشيعية، وليس على أصل إقامة الولاية أو تشكيل النظام في حال وجود الشروط المحددة شرعًا، والتي قد تتحقق نادرًا وتحرز ظاهريًا.
سطر (كلان): في ناحية التشريع، الولاية تحتاج إلى دليل مثبت، والشيعة لا يعتبرون كل مدّعٍ “وليًّا”. وأهم من ذلك، إحراز الشروط العلمية والظاهرية التي وضعها الشرع لصاحب الولاية في زمن الغيبة. موضوع هذه الولاية هو الفقيه الشايسته والمؤهل، والنظام يكون إسلاميًا وولائيًا بتصدّي مثل هذا الفقيه، لكن إذا فقد ولو شرطًا واحدًا من هذه الشروط، فلا نفوذ له على شيء أو أحد، وكل تصرف منه ظلم، ويشغل نفسه بتبعات ذلك، ويحوّل النظام الجمهوري الإسلامي إلى حكومة سيطرة واستبداد، ويجعله غير إلهي.
سطر: شروط الفقيه العادل للتقليد والمرجعية تختلف عن شروط الفقيه للزعامة، وشروط الفقيه للحاكمية والولاية.
سطر: مشروعية القيادة مشروطة بإحراز الشروط. هذه الشروط واضحة ومحددة في مقام الثبوت، لكن في مقام الإثبات، تحتاج إلى إحراز علمي وظاهري صحيح. اتباع مقام القيادة دون إحراز الشروط، بسبب انتمائه إلى الدين، معصية وممنوع.
سطر: إحراز شروط الإمام المعصوم يكون بنص المعصوم، لكن إحراز شروط الولي الفقيه ومقام القيادة يقع على عاتق كل شخص بحسب اطمئنانه وعلمه، وهو أمر شخصي وظاهري، ويترتب عليه التكليف. إحراز وجود الشروط اللازمة في الفقيه علميًا وظاهريًا يوجب لكل فرد من أفراد المجتمع وجوب الطاعة، وإذا وصل إلى القبول العام بأغلبية النصف زائد واحد، يصبح مقام القيادة فعليًا له. الفرق الأساسي بين سياسة مقام القيادة والسلطنة أو نظرية الخلافة أو غيرها من أنواع الحكومات البشرية يكمن في إحراز هذه الشروط وفي التنصيب الإلهي لمقام القيادة.
سطر: في المجتمعات المدنية، الحقوق الإلهية والشعبية، خاصة في مجال القصاص بالقتل والعقوبات، تقع على عاتق العاملين الفاقدين للشروط الذين يتولون الحاكمية، لأنهم يفتقرون إلى التنصيب الإلهي والولاية الربوبية، ولا إذن لهم في هذا المجال، واختيار الأغلبية لا يمنح تنفيذًا في هذا المجال. فقط الفقيه المنصّب من الله أو ممثله المؤيّد هو الذي يملك، بناءً على التنصيب الإلهي، بسط اليد في المجتمع الولائي في سياسة المجتمع وحاكميته على جميع شؤونه.
القيادة، رمز الوحدة والاستقرار في البلاد
سطر: مقام القيادة يتحمل ولاية الأمر وجميع المسؤوليات الناشئة عنه، وهو رمز الوحدة والاستقرار في البلاد.
قيام القيادة بالشخص
سطر: مقام القيادة أمر شخصي وفردي، ولا يكون أبدًا شورائيًا. الولاية، المرجعية، الزعامة، القيادة، الإدارة، القضاء، إمامة الجمعة والجماعة، وغيرها من المناصب الإلهية، هي أمر بسيط وحقيقة تكوينية وخارجية ومنصب إلهي، شخصي وحقيقي وطولي، وليس عنوانًا اعتباريًا أو حقوقيًا أو كليًا أو جماعيًا. حتى في الأسرة، الشخص هو من يتولى القوامة. هذه الحقيقة لا تقبل الشراكة أو التعدد، ولا تقسم ولا تصبح شورائية، وتبقى على وحدتها، والإدارة لا تتعدد ولا تكون في عرض بعضها. لذا، في جميع المناصب الولائية والإدارية، الفرد نفسه هو المسؤول ويتحمل المسؤولية تجاهها.
سطر: يمكن لمقام القيادة، من خلال الانتخابات والشورى، في الأمور الشخصية والجزئية التي لها إباحة شرعية وجواز، أن يُحكّم رأي الأغلبية وذوق الجماعة من خلال السلطة التشريعية، وإن كانت الأغلبية أو حتى جانب الأقلية في الانتخابات أمرًا كميًا، وليس بالضرورة مراعاة الجودة حتى في جانب الأقلية، ولا يوجد في أي من الجانبين إلزام عقلي أو نتيجة تُعترف بها قانونًا، وتنفيذ مقام القيادة هو الذي يجعلها قانونية.
الالتزام والوفاء بالقانون الأساسي
سطر: يجب على مقام القيادة، ضمن منظومة القانون الأساسي، وأمام مديري السلطات الخمس وكممثلين للأمة، وكذلك أمام أعضاء مجلس صيانة الدستور، أن يؤكد على أداء واجباتهم على أكمل وجه، والتزام القانون الأساسي الذي نُفّذ من قبله، ومقتضيات الاجتهاد العلمي الشيعي، وأن يكون وفيًا لخير ومصلحة الشعب الإيراني.
سطر: مقام القيادة ينقض الأخطاء الاجتهادية والضلالات السابقة، ولكن في الخلافات الرأي، جميع الاجتهادات معتبرة، إلا إذا كانت مخالفة لنص القانون، ففي هذه الحالة يكون القانون معيار العمل.
حياة القانون
سطر: القانون السليم والعلمي بذاته صامت، ويحتاج إلى تنفيذ سليم. مقام القيادة يدير الجانب التنفيذي للقانون. لذا، يحيا القانون بحياة مقام القيادة وكفايته وتحقق الشروط اللازمة الأخرى في خلق أقصى درجات المشاركة الشعبية على أساس الولاية العامة ومودة الجميع. في مثل هذا النظام، يطيع الناس من منطلق المحبة والروحانية والقرب إلى الله، ويكونون قانونيين. لذا، فإن مجري القانون أهم من القانون نفسه. والقانون أمر صامت يفتقر إلى العقل الناطق، فيحتاج إلى مجري صاحب ولاية وكفاية ليتمكن من تفعيله. إذا لم يُعتنَ بإحراز شروط القيادة بشكل مناسب، يمكن للحاكم الفاقد للشروط أن يستخدم أفضل القوانين بطريقة أداتية، ويحكم بالدكتاتورية والاستبداد والسيطرة والعسكرة، ويُفسد الروح الولائية والإلهية للنظام الإسلامي المودّي بالقوة والمال والخداع والبكاء، ويحوّله إلى شيطان مخادع أو عفrit فاتن، تحت شعارات القانونية الإسلامية وغيرها من الشعارات الجميلة وتحت مظلة العناوين والمصطلحات القانونية الفاخرة، فيهتك بسهولة حيثية وقداسة الولاية الدينية. وإذا تسبب أحد في أدنى قلق أو خوف لشخص ما، فإن جميع الأضرار النفسية والذنوب المنبثقة عن ذلك، كالكذب والنفاق والرياء والتزلف، تقع على عاتقه، فكيف إذا اقتدر على الناس ظلمًا.
صيانة القانون
سطر: لحفظ حياة القوانين وصيانتها، خاصة في زمن الغيبة حيث أغلق باب حضور العصمة والوصول إلى العلم، ويُنفّذ القانون بصورة علمية وظاهرية، فإن أمر الفقه والولاية العامة للفقه – إلى جانب ضرورته العقلية – قد نُصّ عليه شرعًا بشروط بالغة الأهمية. إذا لم يُهمل هذا الأمر في إحراز شروط الفقيه أو نائبه، فإنه يضمن بقاء المجتمع دينيًا وقانونيًا، حيًا وفعليًا وأبديًا. لأن سياسة المجتمع وإدارته وتصدّي المشكلات العامة في مجال الديانة، بدون توقّع صاحب الشريعة، لن يكون له هيكلية سليمة ودائمة. وحياة الشريعة والقانون الاجتماعي في زمن الغيبة دليل على هذه الحقيقة. واستمرار الديانة وقانونها في جميع المجالات الاجتماعية من السياسة والاقتصاد إلى الحكم والإدارة، والجهاد والهداية والقيادة وتنفيذ الحدود الإلهية والتعامل مع المشكلات والتصدي لأعداء الديانة والدفاع عنها وحفظ صيانة ونقاء المجتمع يتحقق حول محور الولاية والقيادة. ولا شك أو شبهة في هذا المعنى. لكن محور هذا السطر هو أن الولي والفقيه صاحب الشروط، الذي يمكن أن يظهر في إحدى الوجوه الثلاثة القابلة للجمع: الزعامة، المرجعية، والقيادة، يجب أن يُحرز ظاهريًا بشكل صحيح، خاصة في زمن الغيبة حيث تبقى الولاية بكيفيتها، فمن يملك شروط الولاية، خاصة الفقه والعدالة بمعنى الملكة القدسية، قليل ونادر، وإحراز ذلك ظاهريًا في المدّعين أمر صعب.
قانونية القيادة
سطر: مقام القيادة مسؤول عن صيانة القوانين الأساسية. القوانين الأساسية لا تُدرَّس ولا تُروَّج ولا تُؤسس ولا تحظى بالقبول الاجتماعي بدون قدرة وكفاية وتخصص مقام القيادة. وبما أن القانون يُستخرج بالاجتهاد العلمي من نص القرآن الكريم ومصادر أخرى صحيحة، ويُنفّذ بواسطة مقام القيادة، فإن القوانين الأساسية هي ظهور علم وتخصص الفقيه الاجتهادي، وظهور تقواه وعدالته وصحته بقيد القربة الإلهية، التي يلتزم بها هو أو نائبه كمقام القيادة. وأبرز ظهور القانونية تجلّى في قصة النبي الأكرم : وطلبه الحلالية من أمته، ومن ادعى تعرضه لضربة سوط.
الألقاب الرسمية لمقام القيادة
سطر: تنفيذ واجبات القيادة يتم بناءً على القانون الأساسي وتحت عنوان “مقام القيادة”. اللقب الرسمي لمقام القيادة هو “القائد الأعظم للجمهورية الإسلامية”، ويمكن استخدام “مقام القيادة” أيضًا.
الإشراف على أداء المنظمات والمؤسسات
سطر: مقام القيادة يراقب الأداء العادي للوزارات والمنظمات والمؤسسات.
سطر: يجب على مقام القيادة أن يمارس الإشراف المركزي والاستصوابي على جميع أنشطة المسؤولين والعاملين. ولتحقيق هذا الهدف، من الضروري تقديم التقارير والوثائق اللازمة عن كل نشاط إلى مكتب القيادة.
سطر: مخالفة المسؤولين والعاملين في تقديم التقارير الصحيحة وفي الوقت المناسب، أو تزوير المعلومات وصناعة الملفات، تُعدّ جريمة وتستوجب عقوبة تعزير إدارية.
سطر: يمكن لمقام القيادة، للإشراف على عمل المسؤولين والعاملين، إنشاء منظمات ومكاتب معلوماتية واتصالية متعددة لإعداد التقارير وجمع الأخبار المتعلقة بصيانة القانون الأساسي والإشراف على إحراز التخصص والالتزام الوظيفي للمسؤولين والعاملين.
سطر: يتواصل القائد باستخدام أحدث وسائل الاتصال مع المستشارين والمتخصصين والمسؤولين مباشرة، ويجري سياسته وقيادته بطريقة تقنية، ولا يحتاج كثيرًا إلى حضور ميداني مباشر، وإن كان يجب أن يحترس من الانعزال أو الانقطاع عن الواقع.
تحديد وتوجيه الخطوط الرئيسية والكلية للسياسة
سطر: يحدد مقام القيادة الخطوط الرئيسية والكلية لسياسة البلاد بناءً على مبادئ القانون الأساسي، ويقررها ويوجّهها.
إدارة الأملاك والأموال الحكومية
سطر: إصدار الأوامر المتعلقة بإدارة شؤون الأملاك والأموال الحكومية والعامة يقع على عاتق القيادة.
الموافقة وتنفيذ القوانين
سطر: إذا دعت الحاجة إلى قانون لم يُحدد حكمه في القانون الأساسي، فإن ذلك القانون يصبح نافذًا ولازمًا بموافقة مقام القيادة.
سطر: لمقام القيادة الحق في كشف القانون أو تعطيل القوانين التنظيمية وغير الأساسية، وكذلك الحق في القضاء وإصدار الأحكام.
سطر: الجمهورية الإسلامية تتبع مسارًا تكامليًا، وفي كل مرحلة، تكون قيادتها متزامنة مع نمو المجتمع، بنظام وثقافة واجتهاد علمي محدث. لذا، فإن القائد المؤهل هو أستاذ روحاني، حكيم، متمرّس، ومرشد للنظام والمجتمع، وليس مجرد القوانين التي لا يمكنها وحدها حل المعضلات. لذا، يضع المجتهد الحي والمؤهل النظام والقوانين على أساس الاجتهاد العلمي المعاصر وينفّذها.
إدارة السلطات الثلاث مباشرة
سطر: يختار مقام القيادة مديري السلطات التشريعية والقضائية مباشرة. تُدار منظمات الحكمة، والثقافة والفن، ومنظمة الصحة والكرامة الاجتماعية، ومنظمة الردع وتكنولوجيا الاتصالات، ومنظمة العدالة، وكذلك البنك المركزي، تحت إشراف مقام القيادة مباشرة. يتولى مدير سلطة الصحة والأمن مسؤولية هذه السلطة بتصويت الشعب وتنفيذ مقام القيادة، ويكون تابعًا لمقام القيادة، ومكلفًا بالإشراف على حسن تنفيذ القوانين من قبل السلطات الأخرى. الإشراف على أداء مدير هذه السلطة يكون لمقام القيادة ورئيس الجمهورية، وفي حالة سوء الأداء، يُحاكم في محكمة أمنية.
تعليق أو تخفيف أو تشديد العقوبات
سطر: يمكن للقيادة تعليق تنفيذ عقوبة، أو تخفيف عقوبة المجرمين، أو تشديدها حسب الظروف.
تعيين أئمة الجمعة
سطر: تعيين أئمة الجمعة يعود لمقام القيادة. يجب أن تُدار صلوات الجمعة بنظام متكامل، وتُلقى الخطب بطريقة علمية ومنسقة.
خبرگان القيادة
تشكيلة مجلس خبرگان القيادة
يَتَأَلَّفُ مَجْلِسُ خَبْرَاءِ القِيَادَةِ مِنْ ثَلَاثِينَ عُضْوًا، يَشْمَلُونَ: عِشْرِينَ فَقِيهًا وَأُسْتَاذًا عِلْمِيًّا بَارِزًا مِنَ الحَوْزَاتِ العِلْمِيَّةِ، يُرَشَّحُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ بِمُقْتَرَحٍ مِنْ مُدِيرِ الحَوْزَةِ العِلْمِيَّةِ بِقُمْ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ بِمُقْتَرَحٍ مِنْ مُدِيرِ الحِكْمَةِ وَالثَّقَافَةِ وَالفَنِّ، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِمُقْتَرَحٍ مِنْ وَزِيرِ العُلُومِ وَالبُحُوثِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا، بِالإِضَافَةِ إِلَى عَشَرَةِ أَعْضَاءٍ مِنْ هَيْئَةِ المُسْتَشَارِينَ لِمُنَظَّمَةِ القَانُونِ الأَسَاسِيِّ، يَجِبُ أَنْ يَحْظَوْا جَمِيعًا بِتَأْيِيدِ وَتَنْفِيذِ سُلْطَةِ القِيَادَةِ.
تأييد المرشحين لمنصب القيادة
يَتَطَلَّبُ تَأْيِيدُ المُرَشَّحِينَ لِمَنْصِبِ القِيَادَةِ مُوَافَقَةَ ثُلْثَيْ أَصْوَاتِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ خَبْرَاءِ القِيَادَةِ.
دور مجلس خبرگان القيادة
يَتَوَلَّى مَجْلِسُ خَبْرَاءِ القِيَادَةِ تَعْرِيفَ الأَفْرَادِ الذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِشَرَائِطِ القِيَادَةِ الشَّامِلَةِ، وَتَتَوَلَّى مُنَظَّمَةُ القَانُونِ الأَسَاسِيِّ إِجْرَاءَ انْتِخَابَاتٍ شَعْبِيَّةٍ مُبَاشَرَةٍ لِقِيَاسِ مَدَى القَبُولِ الاجْتِمَاعِيِّ لَهُمْ. مِنْ بَيْنِ مَنْ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّرَائِطِ، يُخْتَارُ الفَرْدُ الحَاصِلُ عَلَى أَعْلَى الأَصْوَاتِ الشَّعْبِيَّةِ لِيَتَوَلَّى مَنْصِبَ «القِيَادَةِ» فِي حَالِ وَفَاةِ القَائِدِ، أَوْ تَنَحِّيهِ، أَوْ عَزْلِهِ، أَوْ انْعِزَالِهِ بِفَقْدَانِ شَرَائِطِ القِيَادَةِ مِنَ الحَاكِمِ، وَفِي زَمَنِ حَيَاةِ القَائِدِ وَاحْرَازِهِ شَرَائِطَ القِيَادَةِ وَاسْتِمْرَارِهَا، يُخْتَارُ كَـ«جَانِشِينِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ». يَتَوَلَّى مُدِيرُ مَجْلِسِ خَبْرَاءِ القِيَادَةِ، وَهُوَ فَقِيهٌ مُؤَهَّلٌ وَمُنْتَخَبٌ شَعْبِيًّا، إِصْدَارَ حُكْمٍ بِتَعْيِينِ الفَرْدِ المُؤَهَّلِ لِلقِيَادَةِ بِنَاءً عَلَى خِبْرَتِهِ، عَلَى نَحْوِ حَاكِمٍ أَوْ قَاضٍ، بِصِيغَةٍ إِنْشَائِيَّةٍ لَا كَشْفِيَّةٍ. وَبِمَا أَنَّ حُكْمَهُ إِنْشَائِيٌّ، فَإِنَّ تَبِعَاتِهِ تَعُودُ إِلَيْهِ، وَتَقَعُ مَسْؤُولِيَّتُهُ عَلَيْهِ.
دور جانشين منصب القيادة
إِنَّ عُنْوَانَ «جَانِشِينِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ» هُوَ عُنْوَانٌ مُسْتَقِلٌّ لَا يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً سِيَاسِيَّةً، وَلَا يَمْلِكُ حَامِلُهُ أَيَّةَ صَلَاحِيَّاتٍ فِي إِدَارَةِ البِلَادِ. يَجِبُ عَلَى جَانِشِينِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا لِسُلْطَةِ القِيَادَةِ.
تحديد المؤهلين للقيادة
يَتِمُّ تَحْدِيدُ وَتَشْخِيصُ وَتَرْشِيحُ الأَفْرَادِ المُؤَهَّلِينَ لِلقِيَادَةِ إِلَى مَجْلِسِ الخَبْرَاءِ فِي إِطَارِ ضَوَابِطَ مَعَ القُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ لِلنِّظَامِ.
حفظ العناوين الشيعية وشروط القيادة
نَظَرًا لِأَنَّ الحِفَاظَ عَلَى العَنَاوِينِ الشِّيعِيَّةِ ذُو مَوْضُوعِيَّةٍ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ فَقْدَانِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ لِبَعْضِ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ، مَا لَمْ تُؤَدِّ هَذِهِ المَشَاكِلُ إِلَى اضْطِرَابٍ جَذْرِيٍّ عَامٍّ أَوْ كُلِّيٍّ، وَكَانَتْ فَرْدِيَّةً أَوْ جُزْئِيَّةً أَوْ غَيْرَ ذَاتِ أَهَمِّيَّةٍ، فَلَا يُمْكِنُ التَّعَرُّضُ لِقَبُولِ القِيَادَةِ الشَّعْبِيِّ أَوِ التَّدَخُّلِ فِي شَأْنِهَا. ذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَقُّقَ الخَارِجِيَّ لِمَوْضُوعِ الوَلَايَةِ لِفَرْدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بِتَقَدُّمٍ ظَاهِرِيٍّ مَعَ نَقَائِصَ يُمْكِنُ التَّغَاضِي عَنْهَا، يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا، وَأَحْيَانًا فِي مُوَاجَهَةِ خَصْمٍ قَوِيٍّ، يَنْبَغِي التَّقِيَّةُ مِنْ أَجْلِ الحِفَاظِ عَلَى المَصَالِحِ وَمَرَاعَاةِ التَّنَاسُبِ، مِمَّا يَحُولُ دُونَ التَّعَرُّضِ لِتِلْكَ النَّقَائِصِ. إِنَّ التَّحَقُّقَ الخَارِجِيَّ لِمَوْضُوعِ الوَلَايَةِ لِفَرْدٍ وَاحِدٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَهُ لِآخَرَ وَتَدَخُّلَهُ مَعَ وَحْدَةِ المَوْضُوعِ، وَإِنْ كَانَتْ سَلَامَةُ الفَقِيهِ وَكَفَاءَتُهُ وَاقْتِدَارُهُ مُرْتَبِطَةً تَمَامًا بِسَلَامَةِ الشَّعْبِ وَالمُجْتَمَعِ، فَإِنَّ سَلَامَةَ أَحَدِهِمَا أَوْ فَسَادَهُ أَوْ فِسْقَهُ أَوْ ضَعْفَهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الآخَرِ. لَكِنْ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّيَ كُلُّ خَطَأٍ أَوْ نَقْصٍ إِلَى إِثَارَةِ الفَوْضَى فِي الفَضَاءِ الدِّينِيِّ لِلمُجْتَمَعِ، وَلَا يَجُوزُ بِأَيِّ ذَرِيعَةٍ أَوْ عُنْوَانٍ تَلْوِيثُ حَرِيمِ الفَقِيهِ الشَّايِسْتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالانْحِرَافَاتِ، وَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ أَنْ يُوَصُّوا أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ بِالابتِعَادِ عَنْ هَذِهِ الأَمْرَاضِ. عَلَى أَيَّةِ حَالٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْضَعَ مَوْضُوعٌ وَاحِدٌ لِحُكْمِ فَقِيهَيْنِ مُؤَهَّلَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بِإِمْكَانِ فَقِيهَيْنِ مَعَ مَوْضُوعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَحْدَةِ المَوْضُوعِ وَيُعَيِّنَا وَاحِدًا مِنْهُمَا حَاكِمًا عَلَى ذَلِكَ المَوْضُوعِ المُتَّحِدِ. بِالطَّبْعِ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ دِقَّةٌ وَعِنَايَةٌ فِي احْرَازِ شَرَائِطِ الفَقِيهِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَشَاكِلِ تَقِلُّ ظُهُورًا وَنَادِرًا مَا تَحْدُثُ. فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ، إِذَا كَانَ لِفَقِيهٍ مُؤَهَّلٍ فَتْوَى وَحُكْمٌ صَحِيحَانِ، فَإِنَّ فَتْوَاهُ وَحُكْمَهُ يَتَنَزَّلَانِ مَنْزِلَةَ العِصْمَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الحُجِّيَّةِ وَالنُّفُوذِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُكْمِ المَعْصُومِ. أَمَّا إِذَا فَقَدَ شَرَائِطَ الفَقَاهَةِ وَالوَلَايَةِ وَانْسَاقَ وَرَاءَ هَوَى النَّفْسِ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَنِ الأَفْرَادِ العَادِيِّينَ، وَلَا حُجِّيَّةَ وَلَا نُفُوذَ لَهُ، بَلْ يَضَعُ نَفْسَهُ فِي مَوْقِفٍ خَطِرٍ قَدْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى أَسْوَأِ مَرَاكِزِ العَذَابِ، أَيْ «تَابُوتِ جَهَنَّمَ»، وَيَجْعَلُهُ رَفِيقَ أَشْقَى الأَشْقِيَاءِ.
العجز عن أداء الواجبات
فِي حَالِ عَجْزِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ لِأَيِّ سَبَبٍ، وَتَأْكِيدِ رُؤَسَاءِ القُوَى الخَمْسِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ فَقْدَانِهِ لِأَيٍّ مِنَ الشَّرَائِطِ اللَّازِمَةِ لِمَنْصِبِ القِيَادَةِ، يَصْبِحُ مَنْعَزِلًا بِنَفْسِهِ وَمَعْزُولًا، وَتُنْقَلُ القِيَادَةُ إِلَى جَانِشِينِهِ.
الفصل السادس: إطلاق القيادة والولاية
الولاية المطلقة والتنزيلية
لَا تَقْتَصِرُ صَلَاحِيَّاتُ مَنْصِبِ القِيَادَةِ عَلَى المَوَاضِعِ المُصَرَّحِ بِهَا فِي هَذِهِ المَجْمُوعَةِ مِنَ القَوَانِينِ، بَلْ إِنَّ القِيَادَةَ وَالوَلَايَةَ عَلَى الأَمْرِ تَتَمَتَّعَانِ بِكَمَالٍ وَإِطْلَاقٍ تَنْزِيلِيٍّ وَغَيْرِ مُقَيَّدٍ نِيَابِيًّا. مَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ وَلَايَتَهُ لَيْسَتْ وَلَايَةً مَحْضَةً، وَلَا خِلَافَةً أَوْ إِمَارَةً عَلَى نَحْوِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ تَأْتِي فِي إِطَارِ نِظَامِ الجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَقَبُولِهَا وَمُشَارَكَةِ الشَّعْبِ وَشُورَاهُ مَعَ الرُّجُوعِ إِلَى أَصْوَاتِهِمْ، وَبِطَرِيقَةٍ تَسْبِيبِيَّةٍ تَحْفَظُ السَّلْسَلَةَ المِرَاتِبِيَّةَ الإِدَارِيَّةَ التِي تَقْتَضِيهَا السِّيَاسَةُ وَالقِيَادَةُ، وَمُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الاجْتِهَادِ العِلْمِيِّ وَفِي إِطَارِ القَوَانِينِ التَّنْفِيذِيَّةِ. لِهَذَا، فَإِنَّ التَّدَخُّلَ المُبَاشِرَ فِي المَجْمُوعَةِ وَالنِّظَامِ التَّابِعِ، يُعَدُّ نَقْضًا لِلغَرَضِ وَخِلَافًا لِلتَّنْفِيذِ ذَاتِهِ، إِلَّا فِي الحَالَاتِ التِي يُحَدِّدُهَا القَانُونُ وَفِي إِطَارِ الضَّوَابِطِ.
إطلاق القيادة
إِنَّ السِّيَاسَةَ وَالنُّفُوذَ لِلقَائِدِ المُؤَهَّلِ، بِتَنَاسُبٍ مَعَ تَخَصُّصِهِ العِلْمِيِّ وَعَدَالَتِهِ، يَتَمَتَّعَانِ بِالإِطْلَاقِ، وَيُمْكِنُهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا المِعْيَارِ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمًا وَقَانُونًا. وَإِذَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ النِّظَامَ مَحْدُودٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ الإِطْلَاقَ عَنْ سِيَاسَةِ وَوَلَايَةِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ.
علاقة إطلاق الولاية بالاقتدار
إِنَّ ضَرُورَةَ تَشْكِيلِ النِّظَامِ وَتَوَلِّي القِيَادَةِ مِنْ قِبَلِ الفَرْدِ المُؤَهَّلِ تُعَدُّ جُزْءًا مِنْ أَحْكَامِ الإِسْلَامِ وَمِنَ القَوَانِينِ المُهِمَّةِ. لَكِنَّ الإِسْلَامَ يُحَدِّدُ شَرَائِطَ لِلقِيَادَةِ كَالوَعْيِ، وَالتَّخَصُّصِ، وَقُوَّةِ المَشُورَةِ وَاتِّخَاذِ القَرَارِ الصَّحِيحِ، وَالدَّرَايَةِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَالإِدَارَةِ، وَكَذَلِكَ امْتِلَاكِ مَلَكَةٍ قُدْسِيَّةٍ. فَالقُوَّةُ تَتَمَرْكَزُ أَكْثَرَ عَلَى قُدْرَةِ الإِدَارَةِ وَالتَّنْسِيقِ، بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالسِّيَاسَةِ، أَكْثَرَ مِنْ تَمَرْكُزِهَا عَلَى الأَدَوَاتِ وَالآلَاتِ وَالإِمْكَانَاتِ المَادِّيَّةِ أَوْ قُوَّةِ المَكَائِنِ الحَرْبِيَّةِ وَالقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ. نَتِيجَةُ هَذَا القَوْلِ هِيَ أَنَّ الإِسْلَامَ فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ لَا يَقْبَلُ أَيَّ حَاكِمٍ، بَلْ يَجْعَلُ الاجْتِهَادَ وَالتَّخَصُّصَ، وَالعَدَالَةَ، وَالشَّعْبِيَّةَ، وَالقَبُولَ الاجْتِمَاعِيَّ مِنَ الشَّرَائِطِ الأَسَاسِيَّةِ لِلقِيَادَةِ، وَيَجْعَلُ إِطْلَاقَ القِيَادَةِ مَشْرُوعًا بِتَنَاسُبٍ مَعَهَا، وَيَمْنَحُهَا صَلَاحِيَّةَ الإِفْتَاءِ، وَالقَضَاءِ، وَإِصْدَارِ الحُكْمِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَالتَّدَخُّلِ، وَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، الوَلَايَةَ وَالسِّيَاسَةَ. إِنَّ ثُبُوتَ الوَلَايَةِ وَقُوَّةَ السِّيَاسَةِ وَبَقَاءَهَا تَابِعٌ لِاحْرَازِ الشَّرَائِطِ عِلْمِيًّا، وَلَيْسَ مَادَامَ العُمْرِ بِشَكْلٍ ضَرُورِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ القِيَادَةِ الدِّينِيَّةِ وَالحُكْمِ مِنَ العَرْشِ إِلَى التَّابُوتِ لِلْمُلُوكِ وَسَرْقَفْلِيَّةِ سَلْطَنَتِهِمْ.
شگرد القيادة
إِنَّ القِيَادَةَ فِي حُكْمِهَا تَمْلِكُ شَغَرَاتٍ خَاصَّةً وَ«مَغُوَّاتٍ» وَأَسْرَارًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً أَوْ مَقْبُولَةً فِي الخِطَابِ الرَّائِجِ، فَإِنَّهَا فِي العَمَلِ سِيَاسَةٌ مَقْبُولَةٌ مِنْ جَانِبِ الشَّرِيعَةِ وَالقَانُونِ. إِنَّ مَنْصِبَ القِيَادَةِ، بِفَضْلِ فَقَاهَتِهِ وَدَرَايَتِهِ، لَا يَتَسَاوَى مَعَهُ أَحَدٌ فِي تَشْخِيصِ الحُكْمِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى المَشُورَةِ فِي تَشْخِيصِ المَوْضُوعِ. وَفِي إِصْدَارِ الحُكْمِ عَلَى مَوْضُوعٍ مَا، قَدْ يَمْلِكُ شَغَرَاتٍ مَغُوَّةً قَدْ لَا تَكُونُ فِي قُدْرَةِ فَهْمِ مُتَخَصِّصٍ. إِنَّ القِيَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ يَمْلِكُهَا مَنْ يَمْلِكُ قُدْرَةَ التَّصْمِيمِ وَالشَّايِسْتِيَّةَ لِتَنْفِيذِ تِلْكَ الشَّغَرَاتِ، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَحَدٌ قِرَاءَةَ خَطِّهِ أَوْ رَمْزِهِ، لَا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى إِدَارَةِ الأُمُورِ بِحَدِّ نَاظِرٍ مُحْتَرَمٍ بِشَكْلٍ عَادِيٍّ، أَوْ إِصْدَارِ فَتَاوَى وَأَحْكَامٍ عَادِيَّةٍ. فَالقِيَادَةُ تَمْلِكُ حَقَّ النَّظَرِ، وَحَقَّ التَّصَرُّفِ، وَحَقَّ التَّصَدِّي. فِي القِيَادَةِ، تَتَوَفَّرُ قُدْرَةُ النَّظَرِ، وَيَمْلِكُ القَائِدُ حَقَّ التَّصَرُّفِ وَالتَّجْوِيزِ وَالتَّوْصِيَةِ.
الهداية الهادئة والناعمة
إِنَّ القِيَادَةَ تَتَحَقَّقُ حَقِيقَةً إِذَا هُدِيَ الشَّعْبُ بِشَكْلٍ لَا شَعُورِيٍّ فِي مَسَارٍ مُمَهَّدٍ، فَيَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ فَجْأَةً قَدْ حَقَّقُوا النَّصْرَ. كَذَلِكَ، لَا يُتَّهَمُ القَائِدُ فِي مَوْضُوعٍ بِالجَهْلِ أَبَدًا، لِأَنَّ شَأْنَهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَلَى إِطْلَاعٍ تَخَصُّصِيٍّ بِكُلِّ أَمْرٍ لَازِمٍ. لَكِنْ، قَدْ تَقْتَضِي المَصْلَحَةُ أَحْيَانًا عَدَمَ التَّدَخُّلِ فِي أَمْرٍ مَا أَوْ إِعْلَانِ رَأْيِهِ، بَلْ إِحَالَتِهِ إِلَى الخُبَرَاءِ أَوْ إِلَى آرَاءِ العُمُومِ لِيَكْتَسِبَ قَابِلِيَّةَ الإِضَافَةِ وَالتَّخَصُّصِ وَالاسْتِنَادِ. يَجِبُ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الإِحَالَةَ لَا تَعْنِي أَنْ يَصْبِحَ الخَبِيرُ أَوْ العُمُومُ حَاكِمِينَ عَلَى مَنْصِبِ القِيَادَةِ، بَلْ إِنَّ الخُبَرَاءَ أَوْ الجُمْهُورَ فِي هَذِهِ الحَالَاتِ يَحْمِلُونَ حُكْمَ الأَدَاةِ أَوْ الوَسِيلَةِ التِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا مَنْصِبُ القِيَادَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ، التَّشْخِيصُ يَعُودُ إِلَى مَنْصِبِ القِيَادَةِ ذَاتِهِ، وَسَيْطَرَتُهُ وَسِيَاسَتُهُ مَحْفُوظَةٌ. فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَاتِ، لَا يُمْكِنُ نِسْبَةُ عَدَمِ العِلْمِ أَوْ الجَهْلِ إِلَى مَنْصِبِ القِيَادَةِ، لِأَنَّ لَهُ شَأْنًا يَجْعَلُهُ حَاكِمًا وَمُدِيرًا عَلَى المُجْتَمَعِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا. إِنَّ إِحَالَتَهُ فِي هَذِهِ الأُمُورِ هِيَ إِحَالَةٌ لِلاسْتِنَادِ أَوْ التَّعَاضُدِ النَّظَرِيِّ، لَا مِنْ جِهَةِ عَدَمِ العِلْمِ.
مسؤولية القيادة
فِي الإِسْلَامِ، تَتَمَامُ الأُمُورُ كُلُّهَا مَعَ الإِمَامِ المَعْصُومِ وَجَانِشِينِهِ فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ، أَيْ مَنْصِبِ القِيَادَةِ المُؤَهَّلِ، وَفَعَلِيَّةُ المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ تَعُودُ إِلَيْهِ، وَتَبْدَأُ كُلُّ الأَفْعَالِ مِنْهُ وَتَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهُوَ يَمْنَحُ النِّظَامَ وَالسِّيسْتِيمَ رُوحًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَجَاهِلًا لِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ. إِنَّ مَنْصِبَ القِيَادَةِ شَخْصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً مُبَاشَرَةً عَنْ كُلِّ الأَحْدَاثِ وَالوَقَائِعِ الإِدَارِيَّةِ وَالحُكُومِيَّةِ، وَتُنْسَبُ إِلَيْهِ جَمِيعُ القَرَارَاتِ التِي يَتَّخِذُهَا النِّظَامُ التَّابِعُ لَهُ، وَتَقَعُ عَلَيْهِ مَسْؤُولِيَّتُهَا. فِي الحَقِيقَةِ، كُلَّمَا زَادَتِ المَسَافَةُ بَيْنَ العَامِلِ وَمَنْصِبِ القِيَادَةِ، ازْدَادَتْ مَسْؤُولِيَّتُهُ وَإِدَارَتُهُ.
اتهام القيادة
إِنَّ جَمِيعَ المَسْؤُولِينَ فِي المُجْتَمَعِ وَأَعْمَالَهُمْ مِنْ شُؤُونِ القِيَادَةِ وَمُتَعَلِّقَةٍ بِهَذَا المَوْضُوعِ، وَلَا يُمْكِنُ لِلقِيَادَةِ أَنْ تُبَرِّئَ نَفْسَهَا مِنْ طَرِيقَةِ إِدَارَتِهِمْ وَأَدَائِهِمْ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَسْؤُولَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. لِذَا، إِذَا كَانَ مَسْؤُولٌ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ القِيَادَةَ تُتَّهَمُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. مِنْ ثَمَّ، يَجِبُ أَنْ تَمْلِكَ القِيَادَةُ الصَّلَاحِيَّةَ وَالكَفَاءَةَ وَالاقْتِدَارَ لِعَزْلِهِ وَتَعْيِينِ فَرْدٍ مُؤَهَّلٍ فِي مَوْضِعِهِ.
ضمان القيادة في الخطأ العمدي
لَا تَتَجَمَّعُ القِيَادَةُ بِالخَطَأِ أَوِ الخَطِيئَةِ العَمْدِيَّةِ بِأَيِّ حَالٍ. إِذَا أَخْطَأَ القَائِدُ فِي سِيَاسَاتِهِ وَتَدَابِيرِهِ وَكَانَ مُقَصِّرًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِلَى جَانِبِ انْعِزَالِهِ مِنَ القِيَادَةِ، تَقَعُ ضَمَانَةُ الخَطَأِ عَلَيْهِ شَخْصِيًّا. وَإِذَا كَانَ قَاصِرًا، تُعَوَّضُ الخَسَائِرُ الوَارِدَةُ مِنْ بَيْتِ المَالِ وَالخَزِينَةِ.
مسؤولية المنصب الأعلى
فِي النِّظَامِ الوَلَائِيِّ، كُلُّ مَنْصِبٍ أَعْلَى مَسْؤُولٌ عَنِ المَنْصِبِ الأَدْنَى، وَيَتِمُّ المُسَاءَلَةُ أَوَّلًا مِنَ المَنْصِبِ الأَعْلَى، وَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ السُّؤَالُ. إِذَا ارْتَكَبَ مَنْصِبٌ خَطَأً، يُسَاءَلُ أَعْلَاهُ، وَيَجِبُ تَوْجِيهُ الدَّعْوَى وَالشَّكْوَى إِلَيْهِ. لِذَا، تَتَوَجَّهُ جَمِيعُ المَشَاكِلِ وَالأَزَمَاتِ وَالمَفَاسِدِ الوَاقِعَةِ أَوَّلًا إِلَى مَنْصِبِ القِيَادَةِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ وَمُجِيبٌ أَمَامَ الشَّعْبِ عَنْهَا جَمِيعًا. فِي حَالِ عَدَمِ الكَفَاءَةِ فِي الحُكْمِ وَالاقْتِدَارِ، يَصْبِحُ مَنْعَزِلًا. بِالطَّبْعِ، يَمْلِكُ مَنْصِبُ القِيَادَةِ، بِتَنَاسُبٍ مَعَ ثِقَلِ هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةِ، إِشْرَافًا مَعْلُومَاتِيًّا عَلَى المَسْؤُولِينَ وَالمُعَانِدِينَ، وَيَتَعَرَّفُ عَلَى العَامِلِينَ الضُّالعِينَ فِي مَشَاكِلِ البِلَادِ وَمُثِيرِي الأَزَمَاتِ، وَيَتَّخِذُ الإِجْرَاءَاتِ المُنَاسِبَةَ مَعَهُمْ، وَيُعَوِّضُ الخَسَائِرَ الوَارِدَةَ عَلَى الشَّعْبِ مِنْ هَذَا الجَانِبِ فِي إِطَارٍ مُنَاسِبٍ. لَا يُمْكِنُ لِوَلِيِّ الفَقِيهِ أَنْ يُشَكِّلَ نِظَامًا يُبَرِّئُهُ مِنَ المَشَاكِلِ الوَاقِعَةِ بِالفِرَافِكَنَّةِ. كَذَلِكَ، تَتَمَتَّعُ جَمِيعُ الوَسَائِلِ الإِعْلَامِيَّةِ بِالحُرِّيَّةِ فِي مُطَالَبَةِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ بِحُقُوقِ الشَّعْبِ. يَجِبُ عَلَى مَنْصِبِ القِيَادَةِ، لِرَصْدِ وَمُتَابَعَةِ المَشَاكِلِ وَالمعَضَّلَاتِ، تَوْفِيرُ بِيئَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِتَدَفُّقِ المَعْلُومَاتِ وَالشَّفَافِيَّةِ، وَصِيَانَةِ حَرِيمِ الوَسَائِلِ الإِعْلَامِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ. إِنَّ مَنْصِبَ القِيَادَةِ هُوَ أَشَقُّ وَأَثْقَلُ مَسْؤُولِيَّةٍ فِي النِّظَامِ، وَلَا يُوكَلُ إِلَّا لِصَاحِبِ الشَّرَائِطِ الحَقِيقِيِّ.
الفرق بين النظام والحكومة
هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ النِّظَامِ الذِي يَكُونُ فِي اخْتِيَارِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ، وَالحُكُومَةِ التِي تَكُونُ فِي اخْتِيَارِ مُدِيرِ الجُمْهُورِيَّةِ. تَتَوَلَّى إِدَارَةُ الحُكُومَةِ مُدِيرُ الجُمْهُورِيَّةِ المُنْتَخَبُ مِنَ الشَّعْبِ وَالمُتَخَصِّصِينَ فِي العُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيِّينَ، وَالخُبَرَاءِ ذَوِي العَلَاقَةِ. النِّظَامُ يَتَمَتَّعُ بِنَوْعٍ مِنَ العَالَمِيَّةِ تِجَاهَ القَضَايَا الدَّاخِلِيَّةِ وَالخَارِجِيَّةِ، وَمُدِيرُهُ المَسْؤُولُ هُوَ مَنْصِبُ القِيَادَةِ، بَيْنَمَا الحُكُومَةُ هِيَ نُسْخَةٌ مُصَغَّرَةٌ وَتَنْزِيلِيَّةٌ لَهُ، مَعَ نِطَاقٍ مُسْتَمَدٍّ مِنَ النِّظَامِ وَيُوضَعُ فِي اخْتِيَارِ المُتَخَصِّصِينَ. هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ شُؤُونِ مَنْصِبِ القِيَادَةِ وَشُؤُونِ إِدَارَةِ الحُكُومَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الحُكُومَةِ أَنْ تَسِيرَ عَلَى الخُطُوطِ المَرْسُومَةِ لِمَنْصِبِهَا وَوِفْقًا لِلنِّظَامِ. النِّظَامُ عَالَمِيٌّ وَكُلِّيٌّ، وَالحُكُومَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالقَضَايَا الجُزْئِيَّةِ الخَارِجِيَّةِ وَالمَصَادِيقِ الفَرْدِيَّةِ. القِيَادَةُ تُصْدِرُ الفَتْوَى وَالنَّظَرِيَّةَ وَالحُكْمَ، وَتُمَارِسُ السِّيَاسَةَ، وَالحُكُومَةُ تُنَفِّذُهَا وَتَسِيرُ عَلَى أَسَاسِهَا، وَتَشْخِيصُ طَرِيقَةِ الحَرَكَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ وَتَحْقِيقُهَا يَعُودُ إِلَى الحُكُومَةِ.
لَيْسَتِ القِيَادَةُ مُجَرَّدَ نَظَرِيَّةٍ وَإِيدْيُولُوجِيَّةٍ لِلنِّظَامِ، بَلْ هِيَ مُدِيرٌ مَسْؤُولٌ لِلنِّظَامِ يُعْطِي لِلحُكُومَاتِ الخُطُوطَ العَرِيضَةَ الاسْتِرَاتِيجِيَّةَ، وَبِالإِضَافَةِ إِلَى النَّظَرِيَّةِ، يَمْلِكُ قُوَّةَ التَّنْفِيذِ لِلحُكُومَاتِ، دُونَ أَنْ يَنْحَدِرَ مَنْصِبُ القِيَادَةِ إِلَى مَنْزِلَةِ نَائِبٍ تَنْفِيذِيٍّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي النُّظُمِ المَدَنِيَّةِ مُدِيرُ الجُمْهُورِيَّةِ، أَوْ مَنْزِلَةِ قَاضٍ يَتَوَلَّى الأُمُورَ الجُزْئِيَّةَ التَّنْفِيذِيَّةَ وَالمَصَادِيقَ، التِي تَكُونُ سِيَاسَتُهَا مِنْ صَلاحِيَّةِ الحُكُومَةِ، وَإِنْ كَانَتْ إِدَارَتُهُ وَمَسْؤُولِيَّتُهُ نَافِذَةً عَلَى جَمِيعِهَا. إِنَّ مَنْصِبَ القِيَادَةِ يَمْلِكُ مَنْزِلَةَ الأُسْتَاذِيَّةِ وَالمُعَلِّمِيَّةِ عَلَى الحُكُومَةِ، وَيُرَاقِبُ جَمِيعَ شُؤُونِ الحُكُومَةِ وَيُصَحِّحُهَا. بَلْ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ مَنْصِبَ القِيَادَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَظَرِيَّةٍ لِجِهَازِ الحُكُومَةِ الإِسْلَامِيَّةِ حَتَّى يَكْتَفِيَ بِالفِكْرِ وَدَوْرِ المُعَلِّمِيَّةِ، بَلْ إِنَّ القِيَادَةَ تَمْلِكُ مَنْصِبَ الأَمْرِ وَالفَاعِلِيَّةِ، وَهَذَا المَنْصِبُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ وَقُوَّةُ فَرْضِ الوَلَايَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالقِيَادَةِ. هَذَا الأَمْرُ يَقْتَضِي مُنْتَصَفَ العُمْرِ لِلْفَقِيهِ المُؤَهَّلِ. إِنَّ أَيَّ شَيْخُوخَةٍ مُفْرِطَةٍ أَوْ فَرْتُوتِيَّةٍ مِنْ جَانِبٍ، أَوْ شَبَابٍ وَقِلَّةِ خِبْرَةٍ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، تَتَنَافَى مَعَ الاقْتِدَارِ وَالصَّلَابَةِ، تُسْقِطُ صَلَاحِيَّةَ هَذَا العَمَلِ عَنْهُ.
المسلمين به وطاعته واجب عليهم، والإعراض عن ذلك يؤدي إلى نقص وانحراف المجتمع وتجاوز في السلوك الفردي، وهو من أكبر المعاصي.
الوعي الشعبي
يقوم اقتدار القائد الشعبي على أساس المعرفة والوعي العام ومعرفة الناس الشفافة بالمجتمع والسياسة والاقتصاد والدين والقضايا العقائدية، وكذلك على شعبيته بين الناس. إذا وضع القائد سياسة النظام في هالة من السرية وخلف الأبواب المغلقة، وحرم المجتمع من الوصول إلى المعلومات الشفافة والإعلام الحر، فإنه يفقد الاقتدار والدعم الشعبي. وكذلك، إذا كان الناس يعانون من ضعف اقتصادي، فإنهم يصبحون فارغين من الداخل ويفتقرون إلى الكفاءة والاقتدار اللازمين، ولا يستطيعون التأثير في المجتمع. ويجب أن يكون للمجتمع حماس العمل والجهد، وأن يُكافأ الجهد، وألا يُسمح لأحد بالحصول على منصب لا يستحقه بشكل غير عادل أو ظالم، أو تحمل مسؤولية لا يملك الكفاءة لها، حتى يحتفظ العمل والجهد بقيمتهما الاجتماعية، ويعمل الجميع بحماس وشغف. إذا كان المجتمع نشيطًا وكفؤًا ومتمتعًا بالوعي اللازم بإدارة المجتمع الكبرى والصغرى وبالعدالة والإنصاف، فإنه يمكن أن يتحرك بأمل ونشاط، وإلا فإن المجتمع الذي يعاني من فقر الوعي والفقر الاقتصادي وفقر العدالة ولا يشعر بالنشاط والمشاركة السياسية يفقد الدعم والاقتدار الشعبي، وتصبح أفكار كل فرد منه تتركز على حل مشكلاته الشخصية، لأنه لم يعد يرى نفسه مؤثرًا في مصير المجتمع.
نقد القيادة
القانون المقصود ومراد القانون في كل عصر يمكن التعرف عليه من خلال النظام العلمي للاجتهاد والاستنباط. فالفقهاء والمجتهدون وجميع علماء الدين في مجالات تخصصهم وفي المراكز والأكاديميات العلمية (وليس في الساحة الاجتماعية) لهم حرية التنظير العلمي ويتمتعون بالصيانة، وبيوتهم محترمة. لا ينبغي أن يُفترض أن من ينتقد النظام أو مقام القيادة هو معارض، وأن يُعتبر نقده احتجاجًا أو عملًا ضد النظام والقيادة. من الضروري أن يحترم الحاكم الإسلامي شأن علماء الدين طالما لم يقوموا بحركة براندازية ضد الحق. يمكن للحاكم الإسلامي أن يستثمر في نقد نظرياتهم العلمية، ويصون بيئة النقد العلمي لنمو المعرفة في هذا المجال واستمرار مسار الاجتهاد.
الخط: النظام القيادي هو نظام قائم على العلم واحترام التخصص، حيث يُمنح القائد منصب القيادة بفضل علمه وتخصصه وإشرافه وصفاء باطنه. في هذا النظام، تُدار كل مسألة من خلال الدراسة والبحث العلمي الدقيق والتحقيق المنهجي، لا من خلال الأوامر والنواهي الفردية. في هذا النظام، يُمكّن منصب القيادة قوة العقل والفكر من خلال تفعيل القدرة الفكرية، وكذلك من خلال نظام التعليم والتعليم العالي والتعليم الطبي المجاني، ليمنحها الكفاءة التي تؤهلها لامتلاك الاقتدار في السياسة.
في نظام الجمهورية الإسلامية، يتشارك الجميع في التفكير، ويُعاضد العلماء وأصحاب التخصص منصب القيادة بالتشاور لجعل موضوعيته كاملة ودقيقة. تُحيي القيادة الأفكار وتنشطها، وتُنفّذ نتائج التفكير الجماعي، وكذلك أفضل الأفكار العلمية والأكثر دقة، لا أن يفكر فرد غير معصوم نيابة عن ملايين الأفراد. ومع أن التفكير أمر نوعي يشتد بالنبوغ أو بالعناية الإلهية الخاصة، أي الملكة القدسية أو الولاية الموهوبة، فإن التفكير الجماعي والمشاركة العامة تُقدَّر ليكون للمجتمع هداية اختيارية وتربية حرة. في هذا النظام، يتعاون جميع الناس للتفكير في مصير مجتمعهم، وتُنفّذ أفضل الأفكار من قبل القيادة.
الخط: إن عمل المقلدين لمجتهد يصدر فتوى نادرة أو شاذة أو مخالفة لفتوى القيادة والقوانين المصادق عليها، يكون مصونًا ما لم يصل إلى الإعلان العام والعلني في المجتمع، وما لم يتعرض لمجال نفوذ منصب القيادة، ويتم على نحو شخصي ومنزلي.
الخط: صحيح أن تثبيت النظام يعتمد على نظرية ولاية الفقيه ونظام الجمهورية الإسلامية، ولكن يحق للعلماء والمفكرين أن يخضعوا هذا النظام للدراسة والتحليل والنقد العلمي الحر، ولا تُعرض آراء المخالفين للنظر في محكمة، ولهم الحصانة في التنظير العلمي مع الالتزام بالشروط المذكورة في الخطوط ذات الصلة.
الخط: إذا أدرك مجتهد أن فتوى أو حكمًا صادرًا من القيادة فيه إشكال أو مصاب بالخطأ، فمن الواجب عليه أن يقدم استدلاله إلى القدرة الفكرية أو القيادة، لا أن يواجهها في الساحة الاجتماعية.
فصل النظام عن الروحانية
الخط: إذا عُرف منصب القيادة في المجتمع بصفته ممثلاً للروحانية والحوزات العلمية، فإنه يتمتع بالاقتدار. يجب ألا يكون للقيادة أداء يدفع الناس إلى التفريق بين النظام السياسي والروحانية، أو ألا يعتبروا القيادة ممثلة للحوزات العلمية. إذا حدث هذا الانشقاق والتفريق، فإنه يهزّ منصب القيادة، لا سيما في جانب استيفاء الشروط، ويُفسد اقتدارها العملي.
إنكار الولاية
الخط: إن إنكار الولاية، وإن كان يجلب الحرمان ويدل على نقص باطني أو قصور في النطفة أو اللقمة، لا يؤدي إلى نجاسة ظاهرية، ولا يُعتبر الخروج من الولاية مصداقًا للردة أو الخروج من الإسلام.
الفصل التاسع: الخطوط التفصيلية لسياسة القيادة
الخط (كلي): مع أن ضرورة وجود الحاكمية في المجتمع أمر عقلي، فإن القيادة أمر شرعي، وفي هذا التعيين الخاص الذي يثبت للمعصوم بصورة جزئية وطولية، ولجميع الفقهاء المؤهلين بصورة كلية وعرضية وبنصب عام وفعلي، لا تؤثر المعطيات العقلية. لذا، لا تكون القيادة مشروعة دون تنفيذ المعصوم، ولا تحمل بأي حال من الأحوال التزامات الانتخاب الشعبي. بيد أن هذا النصب الإلهي يمتلك نظامًا خاصًا، وللوصول إليه يجب اكتشاف نظامه وتفعيله بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان بعقلانية وعملية، وقد وردت تفاصيله في هذه المجموعة من القوانين. إن الفقيه المؤهل، بمجرد امتلاكه الاقتدار اللازم لتطبيق الولاية والقيادة، وإن لم يكن مقبولاً من الأغلبية أو منتخبًا منهم، يُلزم بناءً على ذلك. ومع ذلك، فإن وجوب التصدي لازم هذا النصب الإلهي، وقد يتحقق موضوعه لأحدهم ولا يتحقق لآخر، وهذا ما يمنع التداخل والاضطراب في الولايات الفعلية ويحول دون التشتت، لا سيما إذا كان صفاء باطن كل فقيه مؤهل يؤدي إلى التعايش السلمي والتزايد العلمي وقبول حكم قيادة واحدة، مما يصب في مصلحة الناس والدين.
النصب الإلهي للفقيه
الخط: إن القيادة المؤهلة حقًا تمتلك النصب الإلهي والمشروعية قبل القانون، ولا تخضع مشروعيتها للقانون، بل إن القانون يكتسب مشروعيته من تنفيذها، ووجودها هو القانون الناطق الإلهي الذي ينشئ القوانين ويوثقها وينفذها. يكتسب القانون من منصب القيادة شرعيته القانونية، وبالتالي فإن القانون ظهور للقيادة وفرع عنها. ومع ذلك، فإن منصب القيادة ينفذ الإرادة الإلهية عبر القنوات القانونية وبطريقة منهجية، وكلما لم يُحدد القانون قناة، يتدخل مباشرة.
مشروعية ونصب القيادة الإلهي
الخط: إن أصل مشروعية منصب القيادة المؤهلة لا يرتبط بقبول الناس أو رفضهم. يختلف أصل الولاية والقيادة عن تطبيق الولاية ونفوذ القيادة، وتؤثر القبولية الشعبية في تطبيق الولاية، إذ إن القبولية الشعبية، التي هي وجه اقتدار القيادة، جزء أخير من العلة التامة لقدرة تطبيق الولاية والقيادة، ولا تؤثر في أصل مشروعيتها. لذا، عندما يواجه القائد المؤهل رفض الناس، يفقد الجزء الأخير من العلة التامة لقدرة تطبيق القيادة، دون أن يمس ذلك أصل مشروعيته، ويُعد تخلف الأفراد عن قبول القيادة المؤهلة معصية تستوجب المساءلة. إن رفض نظام مشروع يشبه رفض القرآن الكريم، الذي لا ينتقص من إعجازه أو كونه قرآنًا، إلا إذا أثبت الناس أن القائد لا يملك شروط القيادة أو فقدها، ففي تلك الحالة يكون قبول المدعي غير المؤهل معصية، ويجب رفضه.
ولاية الحكم
الخط: إن الحكومة، التي يُطلق عليها القانون مصطلح “السياسة”، من شؤون الولاية. يمتلك القائد قدرة السياسة التي لا حدود لها، ففي أي مسألة ينشأ فيها نزاع أو لا يوجد دليل مثبت لها، كالتحير في رؤية الهلال الأول، يُطبق رأي القيادة فقط، وتكون المسؤولية والتصدي لهذه المسألة من اختصاص منصب القيادة. إن كون القيادة صاحبة الحكم في مسألة التحير يعني أنها تستطيع أن تحكم فيها وتمارس السياسة حتى لو لم يكن لديها دليل، كأن لم تتحقق رؤية الهلال لها. لا يجوز لأي مجتهد أن يصدر فتوى أو حكمًا يناقض حكم القيادة الحق المؤهلة أو يتعارض معه، وإلا فقد تدخل في نطاق ليس من نفوذه، مما يؤدي إلى التعدد والاختلاف والاضطراب في النظام، ويسقط عدالته.
الخط: يمكن أن يكون حكم القيادة قوليًا أو كتابيًا أو عمليًا، وفي جميع هذه الحالات، يكفي إثباته، ولو بصورة فعلية وعملية، ليصبح الاتباع والتنفيذ واجبين. لذا، لا توجد طريقة خاصة لإثبات حكم القيادة.
هدف الحاكمية الولائية
الخط: الهدف في نظام الجمهورية الإسلامية، الذي تستند حاكميته إلى التوحيد والولاية، هو بناء نظام اقتصادي سليم، ورفع الفقر والنقص والاستضعاف الكلي والشامل بصورة حدية (لا الفقر والاستضعاف المطلق) في جميع الجوانب الاقتصادية والمادية والمعنوية والعلمية والثقافية وفي مجال الصحة، وخلق ميل عام وشوق شعبي للدين والتوجه إلى الله بمنظور إيجابي بعيد عن الإلزام والإجبار، وبطريقة منهجية عبر تطبيق قوانين مصنفة ومتناسبة مع الفئات الثلاث: المتدين العام، وطالب الحق، والمؤمن، مع منع التسلل للفجوات الطبقية بنظام اقتصادي سليم وفريد وقابل للتنفيذ، وقوانين مدونة توضح حتى التفاصيل الجزئية، وتكون نموذجًا واضحًا يتيح للمجتمع أن يشعر بنسيم المحبة الإلهية والإخلاص الشعبي والولاية العامة، ويجد في نفسه روح الإنسانية المنضبطة والعادلة للمؤمنين بالمدنية.
التوحيد والولاية؛ فلسفة نظام الجمهورية الإسلامية
الخط: التوحيد والولاية هما أساس نظام الجمهورية الإسلامية وشعاران مهمان للقيادة في جميع التوجيهات والسياسات الداخلية والخارجية. فلسفة نظام الجمهورية الإسلامية هي توجيه المجتمع والنظام نحو التوحيد، وخلق التفات إلى قرب الله وربوبيته، وإكسابه معرفة ومعنوية منهجية. في النظام المعرفي للجمهورية الإسلامية القائم على الولاية والتوحيد، يدرك الناس أن القيادة متصلة بمبدأ الكون، وتعبر عن حكمه، وهي حجة الله على الناس في عصر الغيبة، لا أنها، كمن يعانون من الحقارة، تريد إبراز ذاتها أو تعظيم شخصها الحقير.
الولاية على الاقتصاد
الخط (كلي): في نظام ولاية الفقيه، أول شأن الولي هو الاهتمام بالاقتصاد السليم. وقد وردت الخطوط المتعلقة بالاقتصاد السليم ورفع الفقر بالتفصيل في القسم الثالث من هذه المجموعة بعنوان “الاقتصاد السليم ورفع الفقر”.
إحياء القيم الحقيقية
الخط: إدراك القيم وتأسيسها اجتماعيًا بصورة منهجية، أو نزع الاعتبار عن القيم الكاذبة والمناهضة للدين، كالتوجه نحو المال، من المبادئ المهمة للقيادة والسياسة الخلاقة النابعة من الملكة القدسية. في المجتمع الإسلامي، تمنح التقوى والتوجه إلى الله قيمة للإنسان، لا الثروة وقوة المال. تتحقق القيم بإيمان الناس، وكل ما لا يستطيع الناس تصديقه يخلو من القيمة. كما أن أصل الولاية، بحقيقتها وحكمتها وقربها وربوبيتها، هي القيمة العليا.
الأمل في الأمداد الغيبية
الخط: في السياسة والاقتصاد وسائر شؤون الولاية، لا ينبغي إغفال العنايات والأمداد الغيبية. هذه الأمداد قد تزيل في لحظة عوائق ومعوقات كبرى، أو تتسبب بتوفيق في تهيئة الأسباب، وتجعل المسار الصعب والطويل ميسرًا وقصيرًا، وتكون مصداق “منك الحركة ومن الله البركة”.
العلاقة بين الدين والسياسة
الخط: شعار “الدين عين السياسة”، وإن كان كلامًا رفيعًا وموزونًا، يجب قبل تصديقه تهيئة تصور للدين والسياسة، والتثقيف حول ماهية الدين والسياسة ومبادئهما ومبانيهما وهياكلهما الكلية. في النظام السياسي الإسلامي، يجب أن يمتلك الحاكم أربعة شروط أساسية: أولاً، المشروعية، أي أن تكون القيادة مؤيدة من الله. ثانيًا، التخصص، أي أن يكون القائد على دراية. ثالثًا، العدالة، أي أن يكون سليمًا ومتحكمًا في نفسه. رابعًا، القبولية الشعبية العامة، بحيث إذا رفض الناس قيادة مؤهلة، فقد أذنبوا، وإذا رافق الجمهور الإسلام والقيادة المؤهلة، فهم مصيبون ومستحقون للثواب. لكن إذا فقد القائد إحدى الشروط الثلاث الأولى، فإن تخلف الناس عنه لا يوقعهم في الذنب، بل إن اتباع قيادة غير مؤهلة هو المعصية.
وإذا عرف القائد أنه ينقصه أحد الشروط، فعليه، بناءً على شرط العدالة، أن يتنحى عن الحاكمية، وإلا فإن عدالته تُساءَل، ويصبح معزولاً بذاته دون حاجة إلى استقالة.
بهذا البيان، يُعلم أن في النظام الديني، الحكومة والإدارة والسياسة والتدبير لا تملك معنى مستقلاً عن الدين، وهوية النظام وماهيته مأخوذتان من الدين، والدين لا ينفصل عن السياسة، بل السياسة شأن من الدين، لا أن الدين صفة تُضاف إلى النظام والحكومة والسياسة. وفي المقابل، إذا لم يتوفر في النظام الديني الشروط اللازمة، فإنه يحمل اسم الدين فقط، ويكون دينًا حكوميًا وسياسيًا، لا نظامًا وسياسة دينية.
الأعمال المقدورة والممكنة
الخط: يضع منصب القيادة أقصى جهده في تطبيق وتنفيذ الأعمال القابلة للتحقيق والممكنة والمقدورة، ويطالب المسؤولين بها، لا الأهداف البعيدة أو المكلفة جدًا التي لا يمكن تنفيذها، أو التي تتعلق بالأجيال القادمة، أو التي لا تحظى بقبول عام. لا يتدخل في الصراعات الحزبية غير القابلة للحل، أو المشكلات غير القابلة للعلاج التي لا يقبلها المجتمع، أو في القومية، حتى لا يُصاب منصب القيادة، الذي ينتمي لجميع الناس، بضرر، ولا تتضرر مكانة الناس والمجتمع من هذا الجانب.
إن ذروة الولاية وسياسة القيادة تتجلى في المحبة لجميع عباد الله والرحمة بهم، حتى الأعداء المعاندين، ولا تتعارض مع الحياة السلمية والوحدة الجامعة. أهل الولاية لا يحملون كراهية أو عداوة أو عقدة تجاه أحد، مع الالتزام بالتبري الديني في السياسات والأداء مع الحفاظ على التعايش والتقارب السليم والاحترام لجميع العقائد. وعلى الرغم من كثرة الكافرين ظاهريًا وباطنيًا، فإن أهل الولاية لا يعادونهم، لكنهم يدافعون عن أنفسهم دفاعًا مشروعًا. الولاية هي نقطة الوحدة لجميع القوميات، ويتقاسم الجميع ولايتها ورحمتها الشاملة.
العمل في اللحظة
الخط (كلي): يعمل القائد في مواجهة الناس والمسائل العامة والأحداث الاجتماعية بناءً على الوضع الراهن وفي اللحظة، مع مراعاة الحاضر، لا بتهيئة أسباب تهدر إمكانات الناس والدين على الأذواق الشخصية أو الآمال البعيدة، ولا بإفساد المصلحة أو تدمير الأسباب الراهنة، لئلا يفقد الواجب الشرعي والمسار الطبيعي المناسب الذي يقتضيه الحجة الإلهية، فيصبح متصديًا لخير الناس ودفع الشر عنهم بما يتناسب مع قدراته. لقد تعهد منصب القيادة لله بدفع ظلم الظالم وعدم السماح للمظلوم بأن يصبح أضعف. هو في كل حال إلى جانب الناس والتيارات الضعيفة، ويتصدى للاستكبار والكفر بمواجهة عقلانية، وفي كل هذه الأمور يمتلك صدقًا عمليًا ويراعي مصالح الناس والدين.
الولاية العامة
الخط: يستفيد الولي الفقيه من طبيعة ولايته العامة لتنظيم الأمور، ويمنح الناس الدور الأكبر، ويهديهم إلى المشاركة الشوقية والمحبة لتطوير مجتمعهم، لا أن يستأثر بكل الأمور بطريقة استبدادية. كما أن التدخل بناءً على مصالح مقطعية ومحدودة يتناقض مع المصلحة الدائمة لاستمرار النظام. سياسة منصب القيادة هي نظام يقوم على القبولية الشعبية، وليست ولاية محضة بمعنى تجاهل الناس بكل صفاتهم وخصائصهم. وعلى الرغم من أن القيادة هي الناظمة لهذا النظام ومديرته، فإن نظمه تستند إلى هذا المحتوى والقبولية الشعبية، ويصبح النظام بهذا المحتوى ولايًا وإسلاميًا. هذا المحتوى له حكم النوع، ويتحقق ويتجسد خارجيًا بحضور ومشاركة كل فرد من الناس ونشاطهم، ويصبح بهم ذا أفراد، لكنهم أفراد يقبلون هذا المحتوى دون أن يكون لهم تدخل في هويته، وإن كانت حياة الدين والقانون تعتمد عليهم. إن نظامية سياسة منصب القيادة تمنح النظام الاستدامة والاستمرار، وتضمن بقاءه، وتحميه من السلطوية والاستبداد، وتساعد القيادة في رفع أي سلطة، وهي من المهام المهمة لهذا المنصب الجليل.
القيادة والمجتمع الديني
الخط: إن القائد، بتدبيره الرحيم والخيّر، أي بواسطة ولايته ومحبته وإدارته العلمية الواعية، يدعو الشعب إلى الولاية العامة والمحبة الشاملة. ففي المجتمع الديني، يشعر الناس جميعاً بالتآلف والمحبة بين بعضهم بعضاً، ويعرفون حقوق بعضهم ويحترمونها. بل إنهم لا يقتصرون على احترام إخوانهم في الدين فحسب، بل يمتد احترامهم إلى جميع الظواهر، بما فيها النباتات والحيوانات، فيحفظون حقوقها ويراعونها لئلا يصبحوا مدينين أو مقصرين. وفي المجتمع الديني، يسعى الجميع إلى تصفية قلوبهم وتخفيف أعبائهم، فيواجهون بعضهم بمحبة ومودة وبساطة وصفاء. وهم يسترون عيوب بعضهم التي يعرفونها، لا أن يفشوها أو يختلقوا حولها الشائعات. والمؤمنون يتقبلون دعوات بعضهم، ويقبلون هداياهم باحترام، ولا يتوقعون من بعضهم توقعات زائدة أو مفرطة. ويتعاونون في المشكلات، ويدافعون عن بعضهم في مواجهة الظالم، ولا يساعدون الظالم بأي حال من الأحوال حتى ينعزل الظالم ويعجز عن الظلم. والمؤمنون لا يفرقون بين أنفسهم وبين غيرهم، ويهتمون بأمور الآخرين بنفس القدر الذي يهتمون به بأنفسهم. والمؤمنون يطلبون من بعضهم العفو عن الحقوق الشعبية، ويعفون عن هذه الحقوق لبعضهم؛ لأنه من الطبيعي ألا يسلم أحد من التقصير في أداء هذه الحقوق، فيعفون عن بعضهم بشكل متبادل وشامل. والمؤمنون الولائيون يعرضون على الله قائلين: إن الحقوق التي تدين بها الظواهر لي قد عفوت عنها جميعاً، ولا أطالب أحداً بشيء، فأنت أيضاً ليّن قلوب الجميع تجاهي حتى يعفوا عني. ويظهر طابع الإسلام من وجه المؤمن، فهو لا يشبه في شكله وسلوكه أهل الدنيا، ويميزه الآخرون عن أهل الدنيا، خاصة أهل ممالك الكفر، فيرون فيه حياة إسلامية، لا مجرد حياة دنيوية مدنية لا تعير الأخرة والله اهتماماً، وتجعل المال والدنيا أساس حياتها. والمؤمنون يعتنون بباطنهم ويجلونه بالعبادة والتوجه إلى الله، ويبتعدون عن الكبر والغرور والتكبر والأنانية والشح والدنيوية والاستكبار والغيظ والحقد، فيكون لهم ظاهر وباطن سليمان. وهم أوفياء في الشدائد والمكافآت، وكذلك إذا بلغوا السلطة والثروة، يظلون أوفياء.
المساواة بين الناس
الخط: إن جميع الناس متساوون أمام مقام القيادة. فالقائد، عند مواجهته للشعب الذي بايعه، لا ينظر إلى خلفياتهم، ويعتبرهم جميعاً جزءاً من أمته، بغض النظر عن دينهم أو معتقداتهم. وهو لا ينظر إلى أحد بنظرة عدائية، ولا يراهم في مقام المؤامرة. ومع ذلك، فإن النظرة الإيجابية والثقة النسبية بجميع الأفراد والمحبة لهم لا تعني الثقة الكلية بكل أحد أو التهاون في التعامل مع المجرمين العمد أو المعاندين، فهو حكيم يراعي جميع الجوانب.
العفو العام
الخط: إن القيادة، عند بداية استقرارها، تطهر ماضي الجميع بالعفو العام. فهي لا تفكر بانتكاسية، ولا تحمل هم الأمس، ولا تقول شيئاً عما فعله الآخرون في السابق، بل لديها برنامج لما يجب فعله من الآن فصاعداً، وتتحدث عنه بحكمة وبدون خوف.
احترام الحق والخلق والمجتمع
الخط (كلان): في المجتمع الإسلامي، الحق والعقيدة الحقة وحدها هي الخيرة والمحترمة، وما عدا ذلك، مهما كان، باطل وفاسد ولا يستحق الاحترام، وإن كان يُراعى فيه الأدب والصيانة القانونية حتى لا يخالف القانون، وهذا ما يُسمى في هذا القانون باحترام الخلق. وعليه، فإن احترام خلق الله أمر جوهري لجميع الظواهر، وجميع البشر متساوون في هذا الجانب، وكلهم مواطنون متساوون. ودم (حياة) وكرامة وممتلكات وحرية خلق الله لها صيانة، وإلحاق الضرر بها بأي وسيلة، كالتعدي أو التجسس أو الاغتصاب أو الإهانة أو الافتراء أو التعامل معها، حرام وممنوع ويعد ذنباً عظيماً وجريمة. والتقصير في المجالات العملية والأضرار الناتجة عنه تترتب عليه مسؤولية شرعية وقانونية، والتوبة منه لا تكون إلا بتسديد الأضرار التي لحقت بالحقوق الشعبية، وأيضاً بقبول وتأدية ما ينص عليه الشرع والقانون صراحةً.
الخط: إن المجتمع الإسلامي، كالفرد، له احترام، وتُحفظ كرامته، ويُطهر دائماً بمبدأ البراءة، إلا في الحالات التي ينص القانون على خلاف ذلك صراحةً. وعليه، فإنه لا يقبل روح التجسس من عامة الناس، ويعتبر أي إصرار على إثبات الذنب تدميراً لحرمة المجتمع والأفراد.
الخط (كلان): في المجتمع الإسلامي، تُحترم شؤون الديانة والمقدسات الدينية والعقائد الشيعية المسلمة وغير المختلف فيها احتراماً واهتماماً كبيراً.
الأخوة الدينية
الخط: في النظام الولائي، للأخوة الدينية وأمة الإسلام الواحدة مكانة بالغة الأهمية، ويسعى القائد إلى ترسيخها في المجتمع.
المشاركة السياسية الناضجة
الخط: إن القيادة تتيح المشاركة السياسية لجميع الأفراد المؤهلين. وبما أن جميع التكاليف في الإسلام تقوم على أساس البلوغ، فإن الفتيات بعد إتمام الثالثة عشرة شمسياً والفتيان بعد إتمام الخامسة عشرة شمسياً يمتلكون القدرة على المشاركة في تقرير المصير السياسي والمشاركة في جميع الانتخابات. ولتنمية الوعي السياسي لجميع أفراد المجتمع المؤهلين، يتم توفير البيئة المناسبة لذلك، لا أن يُحرم بالغ من حق التصويت.
الخط: إن البلوغ، وهو من شروط التكليف، له علامات بيّنها الشرع لإثباته. فعلامة البلوغ هي إما نمو الشعر الخشن تحت البطن وفوق العانة (وليس الشعر الناعم أو الشعر الناتج عن استخدام الأدوية العلاجية)، أو خروج المني في النوم أو اليقظة، باختيار أو بدون اختيار. وهاتان العلامتان تتوقفان على الظروف المناخية لمنطقة العيش والصفات الفردية ونوع التغذية، وليس هناك سن محدد للبلوغ للفتاة أو الفتى. والقانون، الذي يأخذ بعين الاعتبار النوعية، يعتبر إتمام الثالثة عشرة شمسياً للفتاة وإتمام الخامسة عشرة شمسياً للفتى معياراً للبلوغ والقدرة على المشاركة السياسية والاشتراك في الانتخابات.
البيعة الشعبية
الخط (كلان): إن بيعة الشعب، التي تختص بالقيادة ولا تشمل الزعامة أو المرجعية أو الحكومات التي لها انتخابات ملزمة من الناحية العقلائية التعاقدية، ليست إنشاءً للتولية أو منحاً للولاية للقائد، بل هي إقرار بالولاية الإلهية للفقيه وقبول لحاكميته وتتعلق بمقام النفوذ الخارجي وتنفيذ الولاية. وهذا الاعتقاد من المعتقدات الكبرى الشيعية، بحيث إنه بدونها لا يكون للفرد حياة ولائية شيعية.
نفي الوكالة الشعبية
الخط: إن التنفيذ الشعبي يكون في مجال اقتدار الفقهاء الاجتماعي، والشعب لهم حق الاختيار، لا التعيين. فمراجعة الشعب لا تحول الولاية إلى وكالة، ولا تجعل الولاية التي تتحقق فعلياً في الولي تنجزاً، بل في زمن الغيبة، حيث الوجوب يتوقف على تحقق الشروط، لا يكون للوكالة حتى موضوع. فسياسة مقام القيادة في هيئة الولاية والقيادة وبقوة الأمر في سبيل الخيرية الرحيمة، لا الوكالة أو أنواع التدخل البشري والشعبي الأخرى. وعليه، لا يمكن لأفراد المجتمع التدخل في الشروط المحددة لمقام القيادة أو حتى في المرجحات، ولا يمكنهم حذف شرط منها أو إضافة شرط من عندهم؛ وإلا خرجت سياسة مقام القيادة عن مضمونها الإسلامي وتحولت إلى حكومة المسلمين، وهذه الحكومة ليست مستندة إلى الشريعة.
الخط (كلان): إن النظام السياسي لولي الفقيه، من رأس هرم النظام إلى أدنى موظف، يكون في هيئة الولاية والإدارة، لا الوكالة القانونية التي لا موضوع لها في زمن الغيبة، وحتى بالنسبة لمقام القيادة، فإن توكيل وتكليف الموظفين الذي يتوقف على تحقق الشروط الضرورية لا موضوع له. فعلى سبيل المثال، المدير والمعلم في المدرسة لهم ولاية ونفوذ إداري على التلاميذ، وتنفيذ ولايتهم يكون مع مقام القيادة في رأس هرم النظام. ولهذا، يمكن للمدير أو المعلم، من أجل مصلحة التلميذ، أن يشجعه أو يعاقبه، ولا يمكن للتلميذ أو وليه الاعتراض عليهم في هذا الجانب، فهم يتمتعون بالحصانة في إطار أدائهم القانوني، ويدهم تُعتبر يدًا أمينة، بخلاف الوكالة التي تجعل أي تشجيع أو عقاب رهناً برأي ولي التلميذ. فالنظم البشرية والشعبية المحضة تصمم نظامها الإداري في قالب الوكالة العقلائية، والوكالة تنطبق حيث لا يكون العمل المطلوب مفروضاً كتكليف على الموكل أو الوكيل مباشرة؛ أما المجتمع الشرعي، فيدير جميع أركان النظام وفروع إدارته من باب الولاية، وهي عنوان إلهي ومعرفي، ويدير المجتمع بولاية ربوبية ومعرفية. ففي الوكالة، مع موت الموكل، يُعزل الوكيل من جميع شؤونه المتعلقة به؛ أما باب الولاية فهو متين، والمنصوبون الذين أُعطوا الولاية لا يُعزلون من مناصبهم بموت صاحب الولاية، إلا إذا أعزلهم القائد الجديد.
الحد الزمني للمقبولية الشعبية
الخط: إن حاكمية الفقيه والقيادة، بناءً على المصلحة، خاصة في جانب مراعاة شرط الاقتدار والكفاية ومع الأخذ بعين الاعتبار المقبولية الشعبية، يمكن أن تكون دورية ومؤقتة؛ وإلا، مع نصب الفقيه الإلهي وتحقق واستمرار الشروط الضرورية، لا معنى لتوقيتها. ففي النظام الجمهوري الإسلامي، يُجرى كل خمس عشرة سنة مرة واحدة طريقة عقلائية ومعقولة، موضحة في هذه المجموعة من القوانين، لإثبات مقبولية الفرد الحاكم، خاصة لدى الجيل الجديد الذي نال حق الاختيار، لتأكيد مقبوليته. وهذا الأمر يتعلق فقط بمجال المقبولية الشعبية، ولا تأثير له على النصب الإلهي للفقيه. والمقبولية تكون برأي الأغلبية. وتكتسب المقبولية الشعبية أهميتها من كون الحاكم لا يتخذ طابع الاستبداد، ولا يتسبب في نفور الناس من الدين، وبإثبات شعبيته ومقبوليته لدى الجماهير، يستطيع أن يظهر صورة محبوبة وجذابة للدين.
المقبولية الشعبية
الخط: إن سياسة مقام القيادة هي انتصاب إلهي، والمقبولية الشعبية تكون في مرتبة تطبيق الولاية والسياسة ووصف آثارها، وهي متأخرة عن تحقق الولاية ومتميزة عنها. وعليه، فإن الفعلية الاجتماعية للسياسة وتدبير مقام القيادة لا تتحقق إلا بمراجعة الشعب وطاعتهم. وتكون مقبولية القيادة بتأييد أغلبية الشعب، لكن النظام الجمهوري الإسلامي ليس مجرد مقبولية شعبية بحيث يجعل الشعب من يشاء قائداً لهم؛ لأن الحاكمية ثابتة لله وحده، وهو وحده من يستطيع منح حاكميته لفرد.
إن أساس سياسة مقام القيادة ووجوب مراجعة الشعب له يقوم على أدلة شرعية ومدارك دينية، والمقبولية والقبول الشعبي لا دخل له في شرعية ودينية ذلك، والقبول الشعبي يمكن فقط مجال النفوذ الاجتماعي وتحققه الخارجي. وعليه، إذا لم يكن الفقيه صاحب الشروط الشرعية، فإن اختياره ومقبوليته الشعبية لا تجعله شرعياً وقانونياً، والمراجعة الواعية لفقيه لا يملك الصلاحية اللازمة تعد ذنباً. وكذلك، في حال تحقق الشروط، فإن عدم المقبولية الشعبية لا يعرض الحجية الشرعية ونفوذه في الأحكام للخطر، وعدم المراجعة وعدم قبول الفقيه صاحب الشروط معصية، وعدم القبول دون مبرر يترتب عليه ذنب جماعي، وبالطبع يسقط تكليف إقامة الولاية وجريانها عن الفقيه. وجميع المناصب والمسؤوليات الإلهية، كالنبوة والإمامة، تشبه سياسة مقام القيادة.
الخط (كلان): إن أفضل جهود القيادة للحفاظ على مقبوليتها تتمثل في صيانة القوانين الأساسية وتفعيلها وجعل النظام فعالاً وخدمة الجماهير والحفاظ على كرامتهم وحريتهم؛ وإلا، إذا أراد القمع متوسلاً بالمعصية والظلم، فإنه يفقد شرعيته ويصبح منعزلاً ومعطلاً.
الانتخاب المباشر للقيادة
الخط: في المقبولية الشعبية للقيادة، هناك حكم العقل الجماعي وإرادة الشعب الجماعية. ولا يجلب رأي الخبراء في الجهاز الاستشاري للنظام الاقتدار الشعبي – بمعنى المقبولية والقبول العام – ولأهمية الموضوع وضرورة الحفاظ على حرية الشعب، يتم اختيار القيادة بانتخاب مباشر من الشعب، ويمنح انتخابهم المباشر للقائد النفوذ الاجتماعي والاقتدار الشعبي؛ لأنه من المحتمل أن تتعرض مجموعة محدودة من الخبراء للتهديد أو الإغراء، فينتهكون حق الاختيار الحر من بين الفقهاء أصحاب الشروط بنبذ فقيه يملك الصلاحية اللازمة، بينما قد يكون مفتاح سلامت وسعادة الشعب في يد ذلك الفقيه المنبوذ. كما أن الخبراء المذكورين لا يستطيعون، بناءً على المرجحات الحقيقية، تعيين أحدهم بشكل خاص، وإن كان اختياره سيمهد طريق العزة والسؤدد للبلاد؛ لأن اختيار وحرية الشعب دائماً لها الأولوية على أي مصلحة، حتى مصلحة التنمية الصحيحة والإيمانية، فالإيمان الحر هو الذي له قيمة، وأي جبر أو سلب للإرادة – حتى في ترسيخ القضايا المعنوية والإيمانية – يفتقر إلى القيمة والوجاهة. وهذا في حال كان الفقهاء أو الأفراد أصحاب شروط القيادة متعددين، وإلا، مع الانحصار في واحد، فإن الشعب لا يستطيع إلا إعلان مقبوليته وطاعته له، أو الإعراض عنه، وفي الحالة الأخيرة، يكونون قد ارتكبوا معصية كبرى، وبالطبع يسقط تكليف إقامة الولاية عن الفقيه.
المشاركة الشعبية الحيوية
الخط: بعد تعيين مقام القيادة، لا تُفقد إرادة واختيار الشعب، ويستطيع القائد في الأمور المهمة جدًا والأعمال الكبرى المتعلقة بإدارة البلاد، بعد توضيح كامل للموضوع المطروح، أن يستشير الشعب عبر استفتاء، ويتشاور معهم. وقرارات مثل الحرب والسلم والقضايا الكبرى المتنازع عليها مع الحكومات الأخرى من هذا القبيل. ومسؤولية هذه القرارات، إذا وُضعت مباشرة على عاتق الشعب، فإن تبعاتها تعود إليهم.
القرارات الكبرى
الخط: بما أن الفقيه العادل ليس معصوماً، فمن المناسب ألا يتحمل وحده مسؤولية اتخاذ القرارات الكبرى والخطيرة، بل ينبغي أن يوزع هذه المسؤولية على جميع أفراد البلاد، وذلك بإجراء استفتاءات صحيحة وشفافة ضمن نظام يتيح الإشراف، وبدون تأثيرات دعائية محرضة، وفي إطار علمي ومن خلال مناظرات بين جميع أصحاب التخصص والأصوات التي تملك الوعي الاجتماعي وتدعيه، لتوزيعها بين الشعب. إن إجراء مثل هذه الاستفتاءات في البلاد الإسلامية لا يتعارض مع الولاية واختيارات القيادة، بل يصبح معاضداً وداعماً وظهيراً لمقام القيادة؛ لأن هذه الاستفتاءات تُجرى بطلب منه أو بإذنه بطريقة أداتية.
الخط: هيكلية قيادة البلاد تقع على عاتق مقام القيادة، وحتى في الأمور الكبرى والجوهرية للبلاد التي تُجرى بالاستفتاء والاستطلاع، فإن القيادة هي التي تنفذها وتؤيدها، والولاية على الأمر وإمامة الأمة – التي تتجسد في عنوان “القيادة” – تكون معه.
الخط: إن المقبولية الشعبية، التي لها دور تنفيذي وعملي وتمنح الولاية القوة الاجتماعية الجارية، يجب ألا تُحصل بناءً على دعايات غير واقعية وجلبة وإنفاق أموال طائلة وتأثير بعض الجماعات والأجنحة السياسية، فإن كل ذلك يناقض شرط العدالة، بل يجب على الجهاز الاستشاري للنظام، بكامل الحيادية وبناءً على منطق علمي، أن يوفر الأرضية لتعريف الأفراد أصحاب شروط القيادة وإيصال أصواتهم إلى الشعب.
مسؤولية القيادة
الخط: للقيادة الحق في معارضة الآراء العامة، ولكن يجب أن تكون قادرة، في حال المعارضة، على تحمل كامل مسؤولية القرار الذي تتخذه، وفي حال الفشل والنكبة، أن تكون مسؤولة أمام جميع الشعب وتسترد الحقوق التي يطالبونها بها والتي فقدوها. ويستطيع مقام القيادة أن يعبر عن رأيه التخصصي في هذه الأمور قبل إجراء الاستفتاء، وإذا لم يصوت الشعب له، فإنه يخضع لرغبتهم ولا يدخل في صراع معهم؛ لأن فلسفة الولاية ومقبوليته الشعبية هي الخدمة الصادقة للشعب، وإذا أزعج الشعب من خدمته الصادقة، فلا تبقى أرضية لذلك، وتُفسر الخدمة في نظر العرف والمجتمع على أنها خيانة؛ لأن القيادة لا تملك أي أرضية استبدادية، ودائماً تستمد اقتدارها التنفيذي من الشعب، والقائد يمارس ولايته في إعلان الاستفتاء وتنفيذه. وعلى هذا الأساس، فإن الاستفتاء، بما أنه يُجرى بأمر القيادة، لا يتعارض مع الولاية، بل يعزز بُعد الاختيار الشعبي واقتدارها الاجتماعي.
المقبولية وجريان الأحكام
الخط: إن تطبيق القوانين التي تنفر الشعب وتفتقر إلى الأرضية الثقافية المناسبة، والتي تجعل روح المجتمع مغلقة وميتة وعسكرية، وتمنع من تعظيم المقبولية الشعبية ونسبة مشاركتهم في تقرير مصيرهم السياسي، وتجعل الدين حكومياً واستبدادياً، ليس صحيحاً. فمقام القيادة في هويته لا يمكن أن يمارس استبداداً فردياً أو قهراً في أي حكم أو قانون. والاستبداد أسوأ أنواع الحكم للشعب. وإذا لم تتوفر الأرضية لقيادة الحق التي في هويتها تمنع الاستبداد، فإن الرجوع إلى الأغلبية التي تفتقر إلى النصب الإلهي والحكومة الجمهورية التي يمكنها، عقلياً، من خلال الاختيار الشعبي، أن تمنع الحكومات الاستبدادية، تأتي في المرتبة الثانية، وهذه الحكومة أفضل بكثير من الملكية الوراثية والاستبداد الفردي.
إن القانون العملي يتميز بأنه قابل للتنفيذ بشكل اعتيادي. وعليه، يجب على القيادة في تقديم أحكام الدين والقوانين أن تكون بعيدة النظر وواقعية، وأن تراعي قابلية تنفيذ الفتوى والقانون وواقعيتها بحسب الزمان والمكان وسائر الظروف الناسوتية والإنسانية، وأن تبعد نفسها عن أي جمود أو خيالية أو تعقيد فردي أو اجتماعي، حتى يجد الدين والقانون واقعية اجتماعية وقبولاً شعبياً، ويحقق في المجتمع الإنتاجية والسعادة والخير.
الإدارة المدنية لمقام القيادة
الخط: إذا اتخذ المجتمع طابعاً مدنياً واعتبر الشعب الفقيه منتخباً لهم لا منصوباً إلهياً، فإنه بحكم العقل ومع مراعاة السيطرة الخارجية، تتقيد اختيارات القيادة بالمقبوليات الشعبية في كل موضوع، ولكن هذا لا يؤثر على النصب الإلهي للفقيه ولا يضر به.
دعم أفراد المجتمع
الخط: في الجمهورية الإسلامية، لا يوجد أحد بلا مأوى أو بدون الدعم اللازم أو بدون ولي أمر، ولا يُترك أحد وحيداً، ويقوم مقام القيادة بالتكفل بشؤونهم بطريقة منظمة. فإذا كانت امرأة، على سبيل المثال، لها زوج غير صالح، وخرجت من المنزل بدون إذنه لتأمين ما ينقصها، فهي تحت ولاية القيادة، ويجب دعمها وتلبية احتياجاتها. وكذلك، إذا كان هناك مال لا مالك له، فإنه يعود إلى منصب القيادة، ويتولى ولي الأمر إدارته، لا ملكيته، ويصرفه في مصلحة المسلمين، لا بناءً على غرائزه الشخصية، وإلا أصبح منعزلاً عن الولاية.
الارتباط الشعبي
الخط: يجب أن يكون للأفراد المحتاجين في المجتمع أسهل السبل، خاصة عبر أحدث التقنيات المتطورة، للوصول إلى القيادة. وهو يوفر هذه الإمكانية لجميع المدن والمناطق حتى يتمكن من التواصل مباشرة مع عامة الشعب وسماع آرائهم أو شكاواهم. وهو يختار بنفسه مراجعيه مباشرة، كما ينشئ منظمة للتعامل مع مشكلات الشعب ومطالبهم وشكاواهم.
الخط: إن مقام القيادة ملك للشعب، ومن أجل التعامل مع مشكلاتهم ومطالبهم، يتخلى عن حياته الخاصة، ولا يستطيع أن يعيش كغيره من أفراد المجتمع في راحة أو فراغ، أو أن ينظم ساعات عمله بطريقة إدارية، حتى يتمكن من أداء واجب السياسة وحماية الشعب على أكمل وجه، وأن يكون له حضور مباشر في كل عمل، وألا يحيل مهامه إلى الآخرين قدر الإمكان، وأن يتولى بنفسه الإشراف على أي إدارة تسبيبية.
الخط: إن مقام القيادة له ارتباط مباشر مع الشعب. فالقيادة القوية لا تُحصر أو تُقيد وسط حشد من الحراس، بل تظهر فجأة ودون سابق إنذار بين الشعب، أو من خلال إقامة اتصالات افتراضية، لتسمع مباشرة وبشكل حي آراء الشعب ومطالبهم، وتهتم بحقوق الشعب وأمن المجتمع وشؤون المواطنين.
دفع المشاغبين في المجتمع إلى الشعب
الخط: يتم التعامل مع الأفراد المشاغبين في المجتمع من خلال إحالتهم إلى الشعب لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
مقام القيادة
الخطُّ : مقامُ القيادةِ لا يُدخِلُ نفسَهُ في صِراعٍ مباشرٍ معَ الناسِ أبدًا، وإذا ما اشتبكَ عددٌ كبيرٌ من أفرادِ المجتمعِ مع النظامِ، فإنَّ دفعَهم يُتركُ لغالبيةِ الناسِ، ولا يُمارسُ ضدَّهم العنفُ، لكي يُظهِرَ قبولَهُ الشعبيَّ أمامَ الجميعِ، وألاّ يتحوَّلَ في الرأي العامِّ إلى نظامٍ ديكتاتوريٍّ استبداديٍّ معادٍ للشعبِ.
الحماية الإنسانية
الخطُّ : إذا وقفتِ الجماهيرُ في مواجهةِ النظامِ، فلا يجوزُ إسالةُ قطرةٍ واحدةٍ من دمائِهم؛ لأنَّ القيادةَ بلا قبولٍ شعبيٍّ لا تُشكِّلُ بيئةً للتنفيذِ ولا تَصيرُ عامةً وشاملةً. وكذلك في هذه الحالات، يجبُ الالتفاتُ إلى تحققِ شروطِ مقامِ القيادةِ واستمراريتِه.
نظامُ الجمهوريةِ الإسلاميةِ
الخطُّ : إنَّ نظامَ الجمهوريةِ الإسلاميةِ قائمٌ على المحبَّاتِ الشعبيّةِ. فإذا ما أحدثتْ القيادةُ بغضًا في قلوبِ الناسِ بأفعالٍ غيرٍ محسوبةٍ، وأصرت على البقاءِ بالرغمِ من عدم الكفايةِ فَتُعزلُ، فإنَّ جميعَ أركانِ وفروعِ النظامِ التي تقومُ على ثباتِ وحبِّ الناسِ تضعفُ، وتصبحُ هشةً، ومجوفةً، ومندثرةً بسببِ ابتعادِ الناسِ، ولا يعودُ للشعبِ مكانٌ للمشاركةِ الصادقةِ من أعماقِ قلوبِهم، ويعجزُ النظامُ في إدارتهِ عن النهوضِ، وفي تأمينِ الأمنِ العامِّ والصحّةِ الاجتماعيةِ عاجزٌ وراكِدٌ. ومع فقدانِ رقابةِ الناسِ العامةِ وتوقُّفِهم عن التعاونِ العلميِّ، والمعلوماتيِّ، والاقتصاديِّ، والتآزرِ المتعاطفِ، فإنَّ الفسادَ النظاميَّ من قبلِ المسؤولينَ الانتهازيينَ يُسدُّ الشرايينَ الحيويّةَ للنظامِ، وكذلك الانتهازيونَ يُثيرونَ الفوضى والاضطرابَ، مما يؤدي إلى فسادِ وأمنٍ مهزوزٍ في المجتمعِ. والمرادُ بـ “الشعبِ” كلُّ فردٍ من أفرادِ المجتمعِ كشخصٍ حقيقيٍّ.
الفصل العاشر: الوزارات
هيكلُ إدارةِ الدولةِ
الخطُّ : تقسيمُ العملِ وإنشاءُ الوزاراتِ المناسبةِ وعددها يكونُ بناءً على القِيَمِ المُهَمةِ والحسّاسةِ في الشريعةِ والثقافةِ السائدةِ في المجتمعِ، واحتياجاتِه المترتبةِ عليها، والإمكاناتِ الكبرى، وإدارةِ رؤوسِ أموالِ الدولةِ، دونَ حدوثِ أدنى تداخُلٍ بينَ هذه الوزاراتِ. يجبُ على الوزاراتِ أن تضمَّ الثقافةَ الشيعيةَ والوطنيةَ، وإدارةَ المواردِ والإمكاناتِ، واحتياجاتِ الناسِ جميعًا، وألا تُقتصر على طبقةٍ محددةٍ. واستمراريةُ الحكمِ تستندُ إلى رضا الشعبِ العامِّ لا إلى رضا النخبِ الخاصةِ.
الوزارات هي:
- وزارةُ التعليمِ والتربيةِ؛
- وزارةُ الاقتصادِ والماليةِ؛
- وزارةُ الخارجيةِ؛
- وزارةُ العلومِ، الأبحاثِ والتكنولوجيا؛
- وزارةُ السلعِ الأساسيةِ؛
- وزارةُ الأعمالِ والمهنِ؛
- وزارةُ الشعبِ؛
- وزارةُ الإسكانِ والبناءِ؛
- وزارةُ النفطِ والطاقةِ.
الخطُّ : تلتزمُ الحكومةُ بتحديدِ هيكلِ الإدارةِ الحكوميةِ في الوزاراتِ المذكورةِ، وتدمجُ الوزاراتِ كما سيأتي تفصيلُه. في حالِ دمجِ وزارةٍ، تنتقلُ كافةُ الحقوقِ والالتزاماتِ والأصولِ والديونِ والمطالباتُ من الوزارةِ المندمجةِ إلى الوزارةِ المتلقيةِ للدمجِ. ويُعَدُّ الموظفون الزائدونَ مُستحقينَ للتسريحِ مقابلَ دفعِ حقوقِهم القانونيةِ وفقًا لقانونِ العملِ، ويُشترطُ صرفُ تعويضِ التقاعدِ.
الخطُّ : تسريعُ الأعمالِ، وجعلُ الجهازِ التنفيذيِّ مرنًا، والابتعادُ عن التسويفِ وتأجيلِ الأعمالِ، والامتناعُ عن التأخيرِ وإضاعةِ الوقتِ، وتجنبُ الأعمالِ الورقيةِ المرهقةِ، والبيروقراطيةِ المعقدةِ، والتلكؤِ والتسويفِ والمماطلةِ، وهي من أسبابِ فشلِ الحكوماتِ وعدمِ رضا الناسِ، من المهامِّ الأساسيةِ للسلطاتِ الخمسِ والأجهزةِ التنفيذيةِ والمؤسساتِ المرتبطةِ بالقيادةِ. وكلُّ مَن يُرتكبُ منه تقصيرًا أو تأخيرًا يُسقطُ عنهُ حقَّ الإدارةِ والعملِ كمسؤولٍ.
الخطُّ : الهيكلُ الإداريُّ للدولةِ يتوزعُ بينَ القواتِ الاستشاريةِ، التشريعيةِ، التنفيذيةِ، الصحيةِ، الأمنيةِ، والقضائيةِ في هيكلِ الوزاراتِ والمنظماتِ، بعضُها تحتَ إشرافِ مقامِ القيادةِ، وبعضُها تحتَ إدارةِ السلطةِ التنفيذيةِ والحكومةِ الإسلاميةِ وإدارةِ الرئيسِ، وكلُّ هذه الأمورِ محددةٌ بالتفصيلِ في هذه القوانينِ.
الخطُّ : في كلِّ وزارةٍ أو مؤسسةٍ، يُفرَّقُ تنفيذُ الخدماتِ الحكوميةِ عن السياساتِ في القطاعِ العامِّ (الحكوميِّ).
الخطُّ : المصالحُ تابعةٌ للوزاراتِ وليسَ لها استقلالٌ ذاتيٌّ.
الخطُّ : نوابُ القيادةِ في الوزاراتِ أو المؤسساتِ الوطنيةِ همَ ممثلو القيادةِ ووزراؤها في تلك السلطةِ، يُمنحون الشرعيةَ والمسؤوليةَ من خلالِ تصديقِ القيادةِ، وهمَ مقيدونَ بها، ويُنسقونَ قراراتَهم مع مقامِ القيادةِ ويعملونَ على تنفيذِ موافقتهِ ورغبتهِ.
الخطُّ : تنظيمُ الهيئاتِ الإداريةِ وطريقةُ عملِ السلطاتِ والمنظماتِ والمؤسساتِ تحددها القوانينُ والنظامُ الأساسيُّ لتلك السلطاتِ والمنظماتِ، بما يتوافقُ مع القوانينِ الأساسيةِ، ويجبُ أن يُصادقَ عليها من قبلِ رئيسِ الجمهوريةِ والهيئةِ الدستوريةِ.
الخطُّ : المقصودُ بالوزارةِ الوزارةُ المرتبطةُ بالإداراتِ والمنظماتِ والمؤسساتِ التابعةِ لها.
دورُ الاقتصادِ في السياساتِ العامة
الخطُّ (الكُليةُ) : القراراتُ والخططُ السياسيةُ تتبعُ القدرةَ الاقتصاديةَ، ولذلك، حتى تُحدَّدَ القدرةُ والقيمةُ الاقتصاديةُ للدولةِ بشفافيةٍ، لا تتشكلُ السياساتُ والخططُ السليمةُ خصوصًا في الأمورِ الكليةِ.
الأولوياتُ مع ظهورِ عجزٍ في الميزانيةِ
الخطُّ : الوزاراتُ المعنيةُ بالصحةِ والكرامةِ الاجتماعيةِ، والسلعِ الأساسيةِ، والأعمالِ والمهنِ، والإسكانِ والبناءِ، التي ترتبطُ ارتباطًا مباشرًا بأهمِّ شؤونِ حياةِ الناسِ ومشاكلِهم، وكذلك الأقسامُ الخدميةُ في الوزاراتِ الأخرى، لا تُقيَّدُ في مهامِّها المتصلةِ بحلِّ مشاكلِ الناسِ عندَ حدوثِ عجزٍ أو نقصٍ في الميزانيةِ.
الخطُّ : أهمُّ المشاكلِ والتحدياتِ الوطنيةِ الآنَ هي القضاءُ على الفقرِ، وتوفيرُ السكنِ، وخلقُ فرصِ العملِ والدخلِ الثابتِ، وثقافةُ الزواجِ السهلِ والدائمِ. لذلك، الأولويةُ الأولى للدولةِ هي إيجادُ عملٍ لجميعِ الناسِ، وحتى تتحققَ هذه الأولويةُ، تُقيدُ جميعُ المصاريفِ الأخرى. كذلك، فإنَّ تحقيقَ العفةِ العامةِ ليسَ بتوجيهِ الناسِ إلى التقشفِ والتحمّلِ، لأنَّهم لا يطيقونَ ذلكَ، بل يجبُ أن تُلبَّى احتياجاتُهم الطبيعيةُ البدنيةُ والروحيةُ بطريقةٍ شرعيةٍ. التحفظُ في المسائلِ الجنسيةِ ممكنٌ للأشخاصِ العاديينَ فقط إذا توفرتْ لديهم فرصُ الحلِّ الشرعيِّ، ويجبُ أن يصبحَ الزواجُ السهلُ وبالضوابطِ العلميةِ والثقافيةِ أمرًا شائعًا.
ضرورةُ الحفاظِ على مصالحِ الأمةِ
الخطُّ (الكُليةُ) : القيادةُ والسلطاتُ الخمسُ والأجهزةُ التنفيذيةُ، باعتبارِها ممثلةً للأمةِ والعقلِ الجمعيِّ للشعبِ، تُلزِمُ نفسها بالحفاظِ على مصالحِ الأمةِ.
الشؤونُ الحكوميةُ
الخطُّ : الوزاراتُ والمؤسساتُ الوطنيةُ مسؤولةٌ عن الشؤونِ الحكوميةِ، وهي الأمورُ التي يُفضي تحقيقُها إلى قوةِ الدولةِ وسيادتها، ومنافعُها تشملُ كلَّ فئاتِ المجتمعِ بلا استثناءٍ، والاستفادةُ منها لا تُقيِّدُ استعمالَ الآخرينَ، مثل: وضعُ السياساتِ، التخطيطُ، الرقابةُ في المجالاتِ الاقتصاديةِ، الاجتماعيةِ، الثقافيةِ والسياسيةِ؛ تحقيقُ العدالةِ، الضمانُ الاجتماعيُّ، إعادةُ توزيعِ الدخلِ؛ خلقُ بيئةٍ سليمةٍ للتنافسِ ومنعِ الاحتكارِ والتعدي على حقوقِ الناسِ؛ توفيرُ الأسسِ والمزايا اللازمةِ للنموِّ والتنميةِ، والقضاءُ على الفقرِ والبطالةِ؛ التشريعُ، التسجيلُ، إرساءُ النظامِ والأمنِ، إدارةُ الشؤونِ القضائيةِ؛ الحفاظُ على وحدةِ الأراضي، تجهيزُ الاستعدادِ الدفاعيِّ، والدفاعُ الوطنيُّ؛ نشرُ الأخلاقِ، الثقافةِ، والمبادئِ الإسلاميةِ، وحمايةُ الهويةِ الإيرانيةِ الإسلاميةِ؛ إدارةُ الشؤونِ الداخليةِ، الأموالِ العامةِ، تنظيمُ علاقاتِ العملِ والعلاقاتِ الخارجيةِ؛ الحفاظُ على البيئةِ، حمايةُ المواردِ الطبيعيةِ والتراثِ الثقافيِّ؛ البحثُ الأساسيُّ، الإحصائياتُ والمعلوماتُ الوطنيةُ، وإدارةُ فضاءِ التردداتِ في الدولةِ؛ رفعُ مستوى الصحةِ والتعليمِ العامِّ، مكافحةُ ومنعُ الأمراضِ والأوبئةِ، مواجهةُ وتقليلُ آثارِ الكوارثِ الطبيعيةِ والأزماتِ العامةِ، لا سيما الأزماتِ الصامتةِ والخفيةِ، وغيرها من الأمورِ التي لا يمكنُ للقطاعِ الخاصِّ أو المؤسساتِ العامةِ غير الحكوميةِ القيامُ بها إلا بموافقةِ مجلسِ الوزراءِ.
أتمتةُ الخدماتِ
(يُرجى تزويدي ببقية النص أو استمرار لتكملة الترجمة الدقيقة لنهاية النص المطلوب.)
المجال (الكلي):
إنّ تنفيذ الأعمال التنفيذية والخدماتية ينبغي أن يتمّ، ما أمكن، بطريقة ميكانيكية وآلية باستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات، أو في إطار الحكومة الإلكترونية والرقمية، وبالاعتماد على أحدث الإنجازات العلمية الراهنة.
الخدمات الإلكترونية والرقمية:
- للحفاظ على المصلحة العامة، تُلزم الأجهزة التنفيذية بأن تُجري إعلامًا إلكترونيًا حول كيفية تقديم الخدمات، مع تحديد جدول زمني لإنجازها، والوثائق التي يتعين على طالب الخدمة تقديمها، بالإضافة إلى توفير النماذج المطلوبة لإنجاز الخدمات عبر وسائل وأدوات غير حضورّية وعلى الخطّ (رقمية وإلكترونية). وتُقدّم الخدمات التي يمكن تقديمها بطريقة غير حضورّية ورقمية للمواطنين بهذه الصورة، مع إلغاء الحاجة إلى الحضور الشخصي للمتعاملين إلى الأجهزة التنفيذية للحصول على الخدمة.
- لتحقيق ذلك، لا بدّ أن تُنشئ الأجهزة التنفيذية، إلى جانب مكاتب الخدمات الحضورّية ومنافذ الخدمة التي أُنشئت حسب حاجات المواطنين، بوابات غير حضورّية. ويُعدّ تعطل أو عدم تفعيل هذه البوابات مخالفة يستوجب عقوبة وحدة تقديم الخدمات الرقمية، بالإضافة إلى فرض عقوبات على المسؤول الأعلى في الجهاز التنفيذي.
تقديم الخدمات وفقًا لأحدث الإنجازات العلمية والفنية:
- تلتزم جميع الأجهزة التنفيذية بتقديم خدماتها للجمهور على أساس أحدث الإنجازات العلمية والفنية، وتقوم بإنشاء قواعد بياناتها، مع مراعاة ضوابط الأمن والمعايير اللازمة، فضلاً عن حفظها، ودعمها، وتحديثها. كما تتصل بقواعد بيانات الإيرانيين وتستخدم الرقم الوطني والرمز البريدي لتبادل المعلومات ومشاركتها مجانًا بهدف إنشاء أنظمة معلوماتية، وتقليل إنتاج وتخزين المعلومات المكررة في هذه القواعد، مع تأمين وحفظ أمنية إنتاج، ومعالجة، وحفظ المعلومات مع الحفاظ على هوية مصدر المعلومات. كما تُقدم خدماتها الإلكترونية عبر هذه القواعد.
- كذلك، تُفوّض جميع الخدمات التي يمكن تقديمها خارج بيئة الجهاز الإداري وقابلة للتفويض أو الاستعانة بمصادر خارجية إلى مكاتب البريد ومنافذ خدمات الحكومة التي تديرها القطاعات غير الحكومية.
تنظيم تتبع المدفوعات الحكومية:
- يجب على الأجهزة التنفيذية تنظيم المدفوعات والإيداعات من الحسابات الحكومية بحيث تكون، مع أولوية استخدام البطاقات الإلكترونية أو أجهزة وأدوات إلكترونية وسيطة حاسوبية أخرى، قابلة للتتبع.
تسهيل إصدار التراخيص والرقابة والتفتيش:
- في جميع الحالات التي يكون فيها نشاط الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين مشروطًا بالحصول على تراخيص، سواء كانت شهادات أو رخص أو أذونات أو استعلامات أو موافقات أو ما شابهها من الأجهزة التنفيذية، يتوجب على هذه الأجهزة تبني سياسة التسهيل والتسريع، وتقليل تكاليف إصدار وتجديد التراخيص، والتنسيق بين الأجهزة المختلفة، وحذف التراخيص غير الضرورية، وتصحيح أو استبدال أساليب تنظيم قواعد أي نشاط، وجمعها، وإجراء تفتيش دوري للتحقق من الالتزام بهذه القواعد بدلًا من اشتراط الحصول على الترخيص لبدء النشاط.
- إذا كان النشاط يتطلب تراخيص من عدة أجهزة، تقع على الجهاز الرئيسي المختص بالنشاط مسؤولية الإدارة الموحدة، والتنسيق، وإدارة إجراءات الحصول على الترخيص وإكماله وإصداره، وذلك عبر إنشاء نافذة موحدة حقيقية أو افتراضية بمشاركة الأجهزة الأخرى ذات الصلة، بطريقة تضمن الالتزام بمبدأ إصدار التراخيص المتزامن، وألا تتجاوز المدة الزمنية المحددة لإصدار الترخيص ثلاثين يومًا. وإذا لزم الأمر، تحرص تلك الأجهزة على أن تكون نشطة وجاهزة لتقديم الخدمة على مدار الساعة أو بنظام ورديتين.
منع التجاهل في التعامل مع المراجعين:
- يُحظر أي تجاهل لشؤون المراجعين أو مخالفة القوانين والأنظمة العامة. للمراجعين الحق في تقديم بلاغ أو شكوى ضد المعاملة غير اللائقة من الموظفين أو التقصير في أداء المهام إلى الجهاز التنفيذي المختص أو إلى الجهات القانونية المختصة.
الرقابة الإدارية:
- تُطبَّق الرقابة الصارمة على الحالة الإدارية والخدمة المقدمة للجمهور ووفاء المسؤولين بالتزاماتهم.
استقلال السلطات والمنظمات:
- يتمتع القائد بإشراف وإدارة الأجهزة والسلطات المطلوبة، والتي تُذكر قوانين كل منها في الفصل المختص، دون تدخّل تسلطيّ، كما يمنع تدخل أي سلطة أو منظمة في شؤون الأخرى، ولا يتم تنظيم أي جهاز أو هيئة خارج هذا الإطار، حتى لا تتضخم أجهزة السلطة وتتعرض لتكاليف باهظة، ولا تتشابك مع مؤسسات، وجمعيات، ومنظمات متداخلة ومتقاربة في المهام.
- لكل موضوع اختصاصه الخاص بسلطة أو منظمة معنية، ولا يُسمح للمنظمات المختلفة بالقيام بأنشطة متشابهة أو موازية حتى مع وجود اختلافات كلية أو جزئية.
تنفيذ ولاية المسؤولين والعاملين:
- يقوم نظام الإدارة الدينية على أساس الولي والقيادة في رأس هرم المسؤولية، ولا تقتصر السلطة والسيطرة على الوزراء، بل للرئيس فقط (القيادة)، بينما يُعتبر الوزراء معاونين له، يتحملون عبء الإدارة في مناطقهم ويتعاونون معه. لذا، في النظام الولائي، يكون الرئيس هو القيادة فقط، وكل المسؤولين، الوزراء، النواب أو الممثلين التنفيذيين يعتبرون أصحاب إدارة، لا يتم تفويض السلطة إليهم بل تنفيذ ولاية القيادة، وهم يملكون الولاية والإدارة والصلاحيات ضمن إطار هذا التنفيذ.
التعويض عن الأضرار التي يتسبب بها موظفو الدولة:
- يحق للأفراد، حسب ما يحدده القانون، الحصول على تعويض من الدولة عن الأضرار التي تلحق بممتلكاتهم وحقوقهم، أو الأذى المادي أو المعنوي الذي ينشأ نتيجة فعل غير قانوني أو إهمال أو تقصير من قبل موظف حكومي أو طبيب يعمل في أحد المستشفيات الحكومية، ما عدا حالات الطوارئ (القوة القاهرة). لا يشمل هذا القانون الأضرار الناتجة عن أعمال الحكومات السابقة، ولا يمكن متابعة هذه الأضرار قانونياً.
- يتم صرف التعويض فقط إذا نشأت الأضرار من خلال أداء الخدمة الحكومية وبسبب تقصير أو خطأ في اتخاذ القرارات أو الإجراءات المخالفة للقانون والنظام الإداري.
أخطاء القوى النظامية:
- يتحمّل جميع المديرين والعاملين والمسؤولين مسؤولية تقديم خدمة صادقة للجمهور. إذا وقع خطأ غير مقصود منهم، يجب عليهم الاعتراف بالخطأ، والاعتذار شفهيًا وفعليًا مع تعويض مناسب عن الخطأ.
- تجاهل القانون وارتكاب الجرائم ضد الناس يُلزم المسؤولين بالمساءلة، وتقوم الجهات القانونية المختصة بمحاكمتهم ومحاسبتهم بما يتناسب مع الجريمة.
- المسؤوليةُ عن عملِ المأمورين
- المستوى العامّ:
كلُّ مأمورٍ مسؤولٌ عن الإجراءاتِ التي قام بها خلال فترة توليه، سواءً أقدم عليها بنفسه، أو ساهم في تنفيذها، أو ارتكب تقصيرًا في فعلها. - المستوى التفصيليّ:
المُبلِّغون الرسميّون، والمُحقِّقون، والمراقبون، والمستشارون مسؤولون عن القرارات التي اتُّخذت بناءً على تقاريرهم أو استشاراتهم، ما لم يُعلنوا اعتراضهم على القرار أثناء المفاوضات. - الاستغلالُ السيّءُ للمنصبِ والوظيفةِ التنظيمية
- المستوى التفصيليّ:
يُمنع قبول الرشوة والاستغلال السيء للموقع الإداري. إن استخدام أيّ نوع من الامتيازات، أو التسهيلات، أو حقوق الاستشارة، أو الهدايا، أو ما شابه ذلك مقابل أداء الواجبات الإدارية والوظائف المرتبطة بالعمل من قِبَل موظفي الجهات التنفيذية في جميع المستويات، من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، حتى من داخل الجهاز نفسه، يُعتبر مخالفةً. إن تلقي الرشوة وغيره من المخالفات المذكورة يُضعف ثقة الناس في النظام الإداري، ويجعله في خدمة المستكبرين والفاسدين، ولهذا فإن هذه المخالفة، ولو كانت معزولة وجزئية، تستوجب عقوبات تعزيرية شديدة من فئة المستكبرين والمعادين. - المستوى التفصيليّ:
الهدايا التي تُقدَّم للمسؤولين والموظفين هي لصالح منصبهم القانوني، لا لصالحهم شخصيًا، بل هي ملك لخزينة الشعب. - الظلمُ والفسادُ لدى المسؤولين
- المستوى التفصيليّ:
الظلم والفساد من قِبَل المسؤولين يجعل أفراد المجتمع قساة جُرأةً بلا إيمان، ويُحدث تشتتًا بينهم. في المقابل، فإن العمل الإيماني الإلهي والمحبّة الصادرة عن معرفتهم تُوجه المجتمع نحو السلامة والطمأنينة والوحدة. - التفتيشُ الإداري
- المستوى العامّ:
تلتزم الأجهزة التنفيذية، بجانب الرقابة المباشرة للمدراء، بمراقبة مباشرة عن طريق إجراء التفتيشات الداخلية المستمرة بواسطة مفتشين موثوقين ومتخصصين في تطبيق هذا الخطّ. فإذا كانت مخالفة أيّ موظف مدعمة بتقرير حتى من مفتش موثوق واحد أو مشرف على الرقابة السليمة، أو حتى من مخبر صادق لا تربطه علاقة وظيفية بالجهاز التنفيذي، وبما أن الأصل هو ثبوت مثل هذه المخالفات لا سيما للموظفين، فإن المخالف يُعاقب بالفصل من الوظيفة والمسؤوليات الحكومية، ويُغرّم بغرامة مالية من عشرة إلى ستون ضعفًا من الأموال غير المشروعة التي حصل عليها، ولو أُخذت في الاعتبار دخولاته الجارية، وتُحظر خروجه من البلاد مدى الحياة، ويجوز له تقديم اعتراض لدى المحاكم المختصة، فإذا برئ يُعتبر مواطنًا عاديًا بلا سوابق اقتصادية، لكنه لا يجوز له تولي مسؤولية في الجهاز التنفيذي مرة أخرى. - تعطيل الأجهزة غير الفعالة، الفاسدة، والمفككة
- المستوى التفصيليّ:
ينبغي للنظام الإداري والإداري أن يكون قائمًا على المعرفة من خلال تطبيق مبادئ إدارة المعرفة وتكامل المعلومات، بحيث يكون فعّالًا، منتجًا، ذا قيمة مضافة، مسؤولًا، شفافًا، خاليًا من الفساد والتمييز، ذو أثر فعلي، نتيجة محورية، وديمقراطيًا.
كل جهاز تشريعي، تنفيذي، قضائي غير قادر على أداء مهامه، أو يسبب مسؤولوه وموظفوه عدم رضا الجمهور والزوار، بحيث لا يتحقق الهدف المرجو منه، أو تسلل إليه المنافقون والمعادون بشكل واسع، يجوز للجهاز القضائي أو السلطة القيادية تعطيله، ويحكم على جميع كوادره بالفصل الدائم من الوظيفة العامة بسبب تعطل الفعالية والإضرار بالنظام العادل الاجتماعي، وتُنشئ القيادة بدلاً منه آلية تضمن استمرارية الخدمة للجمهور بشكل صحي وبدون انقطاع. - المستوى التفصيليّ:
المؤسسات الخاصة المهنية التي تقدم خدمات عامة، وهي أشخاص اعتباريون غير تابعة للأجهزة التنفيذية، والتي تتولى أمرًا عامًا وفق القانون، مثل منظمة النظام الطبي، والمنظمات الهندسية، والغرف التجارية، والصناعية، والمعادن، والزراعة، ونقابات المحامين، والخبراء القضائيين، وكذلك الوحدات الخاضعة لولاية القيادة سواء عسكرية أو مدنية، وتولية الأعتاب المقدسة، إذا عجزت عن أداء مهامها أو سببت عدم رضا الجمهور، يحق للقيادة إيقاف عملها أو فصل جميع كوادرها، وإنشاء آلية بديلة تضمن استمرار الخدمات العامة بشكل سليم. - تعريف الجهاز التنفيذي
- المستوى التفصيليّ:
المقصود بالجهاز التنفيذي جميع الوزارات، المؤسسات الحكومية، المؤسسات أو الهيئات العامة غير الحكومية، الشركات الحكومية، وكل الأجهزة التي يشملها القانون بتسمية صريحة، مثل الشركة الوطنية للنفط، منظمة توسيع وإعادة بناء الصناعات الإيرانية، البنك المركزي، البنوك والتأمينات الحكومية، تُعد جهازًا تنفيذيًا. - تعريف الفساد
- المستوى التفصيليّ:
الفساد هو أي فعل أو ترك فعل يقوم به أي شخص طبيعي أو اعتباري، فردًا أو جماعة أو مؤسسة، عمدًا وبهدف الحصول على منفعة أو امتياز مباشر أو غير مباشر لنفسه أو لغيره، مخالفًا القوانين والأنظمة الوطنية، أو يسبب ضررًا في الممتلكات، المصالح، الموارد، أو السلامة والأمن العام أو لفئة من الناس. مثل الرشوة (العطاء)، والارتشاء (القبول)، والاختلاس، والتواطؤ، وسوء استغلال المنصب الإداري، السياسي، أو الإمكانات والمعلومات، والقبول والدفع غير القانوني من الموارد العامة وتحويلها إلى تخصيصات غير قانونية، والتزوير، والتخريب، وإخفاء الوثائق والسجلات الإدارية والمالية. - الابتعاد عن الإسراف والتبذير
- المستوى التفصيليّ:
الأجهزة التنفيذية ملزمة بالاقتصاد والقناعة، ومكافحة الإسراف، التبذير، الترف، واستهلاك السلع الأجنبية التي يُمكن إنتاجها بجودة ومعيار داخلي، والابتعاد عن ثقافة الاستهلاك المريح والغير مجهد. - المستوى التفصيليّ:
حتى الجامعات العلمية التنفيذية ممنوعة من نشر أي مجلة ورقية، باستثناء مجلتي “رشد الطفل” و”رشد المراهق” التابعة لمنظمة تطوير التعليم. - تحريم الإنفاق الديني والدعمي من خزينة وميزانية الدولة العامة
- المستوى التفصيليّ:
يُحظر صرف أموال الميزانية العامة والحكومية على البرامج التنفيذية الدينية، المذهبية، الفنية، الثقافية، والرياضية، وكذلك تصدير الخدمات والمنتجات الثقافية، الفنية، الإعلامية، الحرف اليدوية، والتراث الثقافي، بالإضافة إلى إنشاء وتشغيل المؤسسات والهيئات والتشكيلات الثقافية، الفنية، الإعلامية، الدينية، والقرآنية التي هي من الأمور الشعبية، حتى للبلديات. كما لا يجوز لأي جهاز تنفيذي تخصيص نسبة في ميزانيته السنوية للأمور الثقافية، الدينية، الفنية، والرياضية. - المستوى التفصيليّ:
يحظر على الأجهزة التنفيذية إنشاء أو إدارة أي نزل للزوار، أو مجمعات سكنية، أو رفاهية، أو وحدات علاجية وتعليمية، أو مرافق رياضية وترفيهية، أو إقامة مسابقات وفعاليات ثقافية، دينية، ورياضية. ولا يجوز استخدام أي أموال أو ممتلكات عامة لمساعدة أو دعم المؤسسات، الهيئات، الجمعيات، أو الجماعات الدينية، السياسية، التعليمية، الرياضية، الخيرية، والإنسانية. لا يُسمح بأي استثناء إلا إذا نص القانون عليه بوضوح وتحت رقابته. - المستوى التفصيليّ:
الأجهزة الحكومية غير مخولة تقديم دعم خاص من عوائد الرسوم أو الإيرادات التي تحصل عليها إلى مؤسسات دعم. - المستوى التفصيليّ:
الأجهزة التنفيذية غير مخولة تقديم مساعدات مجانية أو هبات بلا مقابل للأجانب أو حكومات أخرى، حتى في حالات الكوارث الطبيعية أو الحروب أو الأزمات الأخرى. - الصلاة الجماعية
- المستوى التفصيليّ:
الأجهزة التنفيذية التي تتعامل مع الجمهور غير مخولة لإقامة الصلاة الجماعية أو الصلاة الجماعية بدون إمام خلال ساعات العمل، إلا إذا كانت الصلاة اختيارية بعد انتهاء نوبة العمل. - إقامة الصلاة خلال ساعات العمل تُؤدي إلى تعطيل العمل، وإضاعة وقت الناس، وإحداث فوضى في الشؤون الاجتماعية، وتعرقل سير الحياة العملية، وتسبب قلقًا للمجتمع، وهي من مصاديق “تحقيق أمر عبادي في مقام معصية”. أما في أماكن مثل الثكنات التي لا تسبب فيها الصلاة الجماعية في وقتها هذه الآثار، فهي مناسبة جدًا. كما أنه إذا لم يكن هناك عمل فعليًا أو لم تكن هناك حاجة للتحضير للعمل، فلا يجب منع إقامة الصلاة في مكان العمل. منع أداء الصلاة العبادة ما لم يؤدِ إلى ترك العمل، غير جائز وضرره يجب متابعته بجدية من الجهات المختصة.
- إقامة الصلاة
- المستوى التفصيليّ:
إنفاق المال العام لأداء الفرائض الدينية مثل الصلاة في الإدارات والمدارس غير جائز. ولا ينبغي أن تُقام الصلاة الفرضية خلال وقت العمل الذي يتقاضى فيه الموظف أجره. - زيّ موظفي الدولة
- المستوى التفصيليّ:
النساء حُرّات في اختيار نوع اللباس والتغطية في البيئات الإدارية والحكومية ومكان العمل، ضمن إطار النظام، ولا يُفرض عليهن الحجاب بإلزام، إلا بما يقتضيه الدين والعفة والوقار الوطني الإيراني كما جاء في كتاب “الأسرة”. ولا يُفرض عليهن أي زيّ معين بناءً على الرغبة الشخصية أو الذوق. - الفصل الحادي عشر: إدارة المسؤولين والموظفين
- المستوى التفصيليّ:
في غياب المعصوم، كما أن الفقيه المتمتع بالشروط يملك نصبًا عامًا للولاية بتفويض عام من المعصوم، فإن المسؤولين والموظفين ينالون النصب الخاص من القيادة. يمكن للقيادة أن تمنح المسؤولين ولاية تنفيذية حتى في الأمور التي ليست واجبة عليهم، وكذلك ولاية توليت بمعنى أنهم يمنحون ولاية لشخص ما لأداء مسؤولية تنفيذية. ولاية التوليت تحتاج إذنًا خاصًا. - المستوى العامّ:
الولاية التنفيذية للمسؤولين لا تعني لهم استقلالًا أو تفويضًا قانونيًا يمكنهم من إصدار قوانين أو مخالفة القانون المصدّق من القيادة. في النظام الإداري الديني، لكل المديرين والموظفين سلطة إدارة ضمن إطار القانون المحدد لهم والمهام التي نصّبوا عليها، وإدارتهم جزء من نظام الإدارة المركزية بقيادة، لكنها محدودة بالحدود القانونية المُنزلة إليهم. - تربية المديرين والقوى اللازمة
- المستوى التفصيليّ:
يقيم قائد الثورة نظامًا تعليميًا وتربويًا لتخريج القوى المتخصصة والمسؤولين الملتزمين والمناسبين للمناصب الإدارية تحت إمرته، ويشرف على اختيار القوى البشرية للدولة، وله صلاحية التدخل وتنفيذ ذلك عند الحاجة. إذا نُصّب على أحدهم حكم ولاية، فقيامهم بذلك واجب كفائي حتى يُنجز، وإذا كان الوحيد المؤهل تصبح الواجب عينياً. - المستوى التفصيليّ:
للقيادة آلية قانونية لتربية القوى المناسبة للقوات والمنظمات، متوافقة مع النظام الإسلامي، وتعطي الأولوية للجودة والاختيار الأفضل بأقل عدد ممكن، وليس للكمية، حتى يصبح البعض الأفضل منهم مع الوقت. لدى القيادة بنك معلومات شامل ومحدث يكتشف المواهب والقدرات والكوادر في البلاد، لتكوين نظام معرفي وعلمي فعال يعتمد على الموارد البشرية. يتولى جهاز الأمن والمخابرات مهمة تحديد الكوادر الفعالة والجديرة وتقديمهم للقيادة. - نظام البحث عن القوى البشرية
- المستوى العامّ:
يمتلك قائد الثورة بنك معلومات شامل عن الكفاءات البارزة والمعارف والمشاهير، خاصة العباقرة، في كل منطقة، ليعرف صفاتهم وأحوالهم ومستوى ثروتهم، ويعتبرهم جزءًا من عائلة الوطن الكبرى، ويديرهم بحكمة وكفاءة، وإلا فإنه مسؤول عن الجميع. - المستوى التفصيليّ:
الاختيار في القطاع الحكومي يتم عبر نظام البحث عن القوى البشرية، مع استيفاء شروط التوظيف، وليس فقط بالامتحانات العامة أو شهادات الدراسة والتخصص. يجب أن تتوفر آليات مناسبة للتعرف على الكوادر الفعالة والمتخصصة والأكثر خبرة في جميع أنحاء البلاد، ويجب التوظيف من بين الأفضل والأكفأ، وعدم الالتزام بذلك يُعتبر خيانة للوطن والدين ومسؤولاً عن مشاكل البلاد وضمانًا لنقص الفعالية في مناطق نفوذ الموظف. - الإِعْلَانُ الذَّاتِيُّ لِمَنِ اسْتَوفَى شُرُوطَ الْمِنَاصِبِ
- السَّطْرُ الأَوَّلُ:
الأَفْرَادُ الَّذِينَ يَتَصَدَّرُونَ الْإِدَارَةَ وَيَتَوَفَّرُ فِيهِمْ الْكِفَايَةُ وَالْتَّخَصُّصُ وَالصِّحَّةُ النَّفْسِيَّةُ وَالأَخْلَاقِيَّةُ، وَيُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ لَن يُضَيِّعُوا إِمْكَانِيَّاتِ الْمُجْتَمَعِ وَالشَّعْبِ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْرِفُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْمُنَظَّمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِتَوْظِيفِ الْقُوَى، وَإِلَّا فَإِنَّ نَقَائِصَ الْمُجْتَمَعِ تَكُونُ عَلَيْهِمْ. - السَّطْرُ الثَّانِي:
إِنْ وَجَدَ أَحَدٌ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحَمُّلِ حَمْلِ الإِدَارَةِ لِجُزْءٍ مِنَ الْمُجْتَمَعِ دُونَ أَنْ يُشَوَّهَ دِينُهُ أَوْ وَلَايَتُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ خَاصًّا بِهِ وَحْدَهُ، فَتَلْقَائِيًّا تَكَلَّفَ بِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَاجَزَ عَنْهَا بِحُجَّةِ الصُّعُوبَةِ وَالشِّدَّةِ فِي زَمَنِ غِيَابِ الْمَعْصُومِ وَغُرْبَةِ الدِّينِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَصِّلَ قُدْرَتَهُ لِلْمَقَامِ الْقِيَادِيِّ. - التَّعْرِيفُ وَاخْتِيَارُ أَفْضَلِ الْقُوَى
- السَّطْرُ الأَوَّلُ:
إِنْ كَانَ الْمَسْؤُولُ يَعْرِفُ فَرِيقًا أَكْفَأَ وَأَتْقَنَ مِنْهُ، فَلْيُعَرِّفْهُ لِيَتَنَازَلَ عَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ بِطَرِيقَةٍ تُبَرِّئُ نَفْسَهُ وَتَحْفَظُ دِينَهُ مِنَ الْعَزْلِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى الْفَرِيقُ الْمُعَرَّفُ شُرُوطَهُ، فَلْيَتَوَلَّى الْمَسْؤُولِيَّةَ. - مُرَاعَاةُ السِّعَةِ وَالْقُدْرَةِ
- السَّطْرُ الثَّالِثُ:
عِنْدَ تَوْزِيعِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ يُؤْخَذُ بِالِاعْتِبَارِ سِعَةُ وَقُدْرَةُ الْفَرْدِ الإِدَارِيَّةُ، وَلا يُحَمَّلُ أَحَدٌ حِمْلًا ثَقِيلًا لا طَاقَةَ لَهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِالْمَنصِبِ. لا تُعْطَى الْمَسْؤُولِيَّاتُ الثَّقِيلَةُ وَالْعَظِيمَةُ وَالْخَطِيرَةُ لِلأَشْخَاصِ الصِّغَارِ وَالْوُضَعَاءِ، فَإِنَّهُمْ سَهْلٌ أَنْ يَصِيرُوا مَغْرُورِينَ أَوْ عَبِيدًا لِغَيْرِهِمْ وَيَتَمَرَّدُوا وَيَخُونُوا. وَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ الْعِظَامُ بِالْأَعْمَالِ الصَّغِيرَةِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمْ دَافِعٌ لِهَذِهِ الْمَهَامِّ. يَجِبُ مُرَاعَاةُ تَنَاسُبِ مَرْتَبَةِ الْفَرْدِ مَعَ الْمَنْصِبِ الْمُعْطَى لَهُ. وَقَدْ يَكُونُ شَخْصٌ مُلَائِمًا لِإِدَارَةِ مَدْرَسَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ القُدْرَةُ عَلَى إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ بِكُلِّهَا، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا يُصَابُ بِالْكِبْرِ وَالْغُرُورِ وَسَائِرِ الْفَسَادَاتِ النَّاجِمَةِ عَنْ قِلَّةِ السِّعَةِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْؤُولُونَ وَالْعُمَّالُ أَشْخَاصًا جُبَنَاءَ أَوْ مُتَوَتِّرِينَ أَوْ ذَوِي شَخْصِيَّاتٍ مُضْطَرِبَةٍ وَمَشَاعِرَ سَلْبِيَّةٍ، حَتَّى لَا يُوَقِّعُوا النَّاسَ فِي ضِيقٍ وَكَبْتٍ وَقَهْرٍ، وَلَا يَكُونَ أَفْرَادُ الْمُجْتَمَعِ خَائِفِينَ أَوْ مَتَهَوِّرِينَ جَزَعًا مِنْ تَبِعَاتِ ذَلِكَ. - الْعَدْلُ وَالْمُحَاسَبَةُ الذَّاتِيَّةُ لِتَقَبُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ
- السَّطْرُ الْكَبِيرُ:
فِي نِظَامِ الْجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، إِذَا لَمْ يَرَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ مُسْتَحِقًّا لِتَقَبُّلِ مَسْؤُولِيَّةٍ مَا أَوْ عَرَفَ أَحَدًا أَهْلَ لَهَا أَفْضَلَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ تَقَبُّلُهَا وَدُونَ تَعْرِيفِ الْفَرِيقِ الْأَكْفَأِ وَالْمُنَاسِبِ. وَمَنِ الْمُكَلَّفُ بِوَضْعِهِ وَمَنِ الْمُتَقَبِّلُ لَهَا بِعِلْمِ نَقَائِصِهِ، فَهُم خُيَانَةٌ لِلشَّعْبِ وَلِلْنِّظَامِ وَمَعْصِيَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَتَحْمِلُهُمْ الْمَسْؤُولِيَّةَ الْمُبَاشِرَةَ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلِيهَا عَلَى الشَّعْبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَعْوِيضُ الْخَسَائِرِ، وَإِلَّا فَهُمْ دَيْنٌ وَمَدْيُونِيَّةٌ لِحُقُوقِ الشَّعْبِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ أَنْ يُجِيبُوا لِجَمِيعِ الْمَسَاكِينِ وَالْمَطْرُودِينَ وَالْمُشْكِلَاتِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ النَّاتِجَةِ عَنْ سُوءِ الإِدَارَةِ، وَيُدْفَعُوا الْعَقَابَ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّخْصُ صَالِحًا لِتَقَبُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَلَكِنَّهُ أَهْمَلَهَا وَقَلَّ فِي الْجِدِّ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُكافَأَ عَلَى مَا أَسْفَرَ عَنْهُ مِنْ فَقْرٍ وَبَلَاءٍ وَتَعَسُّرٍ لِلْجَمَاعَةِ وَالْأَفْرَادِ بِسَبَبِ سُوءِ إِدَارَتِهِ. - السَّطْرُ الثَّانِي:
يَجِبُ عَلَى الْمُدِيرِينَ الْمُنْتَخَبِينَ أَنْ يَكُونُوا عَادِلِينَ وَنَزِهِينَ وَصَحِيحِي الأَخْلَاقِ، وَإِذَا عَلِمُوا بِوُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ لِمَنصِبٍ مَا، فَلْيُعَرِّفُوهُ وَيَتَنَازَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ تَخَلُّفُوا عَنْ حَقِّ النَّاسِ وَصَارُوا مَدِينِينَ لَدَيْهِمْ، وَتَكُونُ جَمِيعُ نَقَائِصِ الْإِدَارَةِ الَّتِي يَتَحَمَّلُونَهَا عَلَيْهِمْ. - فَحْصُ الإِيمَانِ بِيَولَايَةِ الْفَقِيهِ
- السَّطْرُ:
فَحْصُ الإِيمَانِ بِوَلَايَةِ الْفَقِيهِ مَمْنُوعٌ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي الْمَرَاكِزِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالتَّأْهِيلِيَّةِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ فِي الأَعْمَالِ الْعَمَلِيَّةِ وَالْمَنَاصِبِ الْعُلْيَا الَّتِي يَتَصَدَّرُهَا فِرْقَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ.
اهتمام خاص بالتزوير وتلفيق الملفات
الخط: إن مقام القيادة في مجال معرفة التقارير المزورة والملفات الملفقة التي يرتكبها بعض المسؤولين، خصوصًا القوى الأمنية والمخابراتية والقضائية، يولِيها عناية فائقة، وبالتعرف على الفاعلين فيها يتخذ أشد الإجراءات ضدهم؛ لأن هؤلاء الأشخاص بظلمهم للناس وتلفيقهم الملفات يخلّون بالأمن النفسي للمجتمع، في حين أن واجبهم الأوّل هو تحقيق الأمن العام. وهذا الجرم يُعدّ من صور الفساد النظامي العام.
الخط: من دلائل فساد مديري وموظفي منطقة معينة ارتفاع نسبة الجريمة والمجرمين فيها.
الخط: ومن مؤشرات صحة المسؤولين أن يتمكّن الناس بحرية وبشعور كامل بالأمن القضائي من تقديم تقارير أو شكاوى إلى الجهات المختصة ضد المسؤولين غير الأكفاء.
استمرار النظام بلا توقف مع غياب الكوادر المؤهلة
الخط: في النظام، إذا لم تتوفر الكوادر المؤهلة والكاملة لشغل مواقع الحكم والمسؤولية، فإن المسؤولية تُنقل، مع حفظ المراتب، إلى من يحمل المؤهلات الدنيا، ولا يصل النظام وإدارته إلى مأزق أو توقف في أي حال.
الفصل الثاني عشر: شروط المدراء الكبار
الإدارة
الخط: الحكم أو بالتعبير الدقيق «الإدارة» هو ممارسة السلطة لتحقيق الحقوق والحرّيات للأفراد والمجتمع، وخير الجميع، من خلال تفعيل عقل الجمع، وإدارة شبكة العلماء والمتخصّصين والفاعلين، واتخاذ القرارات المهنية الحازمة والسليمة عبر قانونية صارمة. إن الحكم والقدرة على تنفيذ القانون تجعله فعالًا وقابلًا للتطبيق، ولهذا يُولي له النظام أهمية كبرى واهتمامًا خاصًا.
شروط المدير
الخط: في نظام الجمهورية الإسلامية، للقيادة شروط معرفة ومتحققة تُعرف بالشروط النفسية، كما أن هناك مسؤولين معاونين يتولون إدارة النظام، وهذه شروط إضافية. إذا كانت المسؤولية على كاهل جماعة منظمة تمثل النظام القانوني للجمهورية الإسلامية، فإنه يجب على المسؤولين والموظفين أن يمتلكوا أدنى الشروط الإضافية المذكورة في القانون ليتمكنوا من الإدارة والالتزام بالتبعية.
إن قيادة المجتمع وإدارته يجب أن تكون بيد أذكى وأكفأ الأشخاص، والعقلاء يختارون من هم في القمة لأمورهم. إن تطبيق النظام الديني وقوانين إدارة المجتمع يتطلب العلم والتخصص الفقهي النظري، وأيضًا الحكمة العملية والقدرة على التنفيذ.
من لا يتقن معرفة الأحكام والقوانين الشرعية لا يؤهل لتشكيل الحكومة الإسلامية، ومن لديه الاجتهاد أو الوصول إلى مجتهد مؤهل لكنه يفتقر إلى القدرة العملية على تطبيق الأحكام، يُعد حكمه كذلك ثابتًا.
لذا، فإن مسؤوليات الجماعة والنظام والحكومة ملزمة بعنصرين: العلم والقدرة. في المرحلة الأولى يجب أن تتوفر الهيكلية ومحتوى استنباط الأحكام، وفهم مقصد الشارع، ثم فهم طريقة تطبيق الأحكام وكيفية العمل عليها ببرمجة حكيمة ودقيقة تستند إلى فهم المجتمع والنفسية الجماعية، والقانون والعمل العملي.
في حال وجود المعرفة الشرعية ومقاصد الشارع لكن نقص القدرة والموارد اللازمة لتطبيق جميع القوانين أو غياب بيئة تقبلها شعبياً، تكون حالة «العسر والحرج» طاغية على الفقيه، ولا يحق له استخدام القوة أو فرض استبداد على المجتمع. ممارسة القوة لا تعني إنشاء السلطة.
الخط: الأشخاص غير المؤهلين الذين لا يمتلكون التخصص والقدرة، ويقبلون مسؤولية لا يستحقونها ويتهرّبون لها، يستحقون العقاب. وإذا وصلوا إلى المسؤولية، فإن أول فساد يسببونه يستوجب معاقبتهم على تعطيل النظام، ويتناسب حجم العقوبة مع الضرر الذي ألحقوه.
الخط: في المذهب الشيعي، إذا تولى مدير منصباً وهو فاقد للعدل أو الصحة النفسية، وجاء فرد غير مؤهل ليتولى إدارة، فإن جميع تصرفاته تعدّ باطلة، ظالمة ومتجاوزة، ويعتبر المدير فاسقًا وظالمًا. إن قبول المسؤولية من قبل من لا يمتلكون العدالة والمعرفة والتخصص اللازمين ممنوع وحرام، وتصرفاتهم غير شرعية وعدوانية، ويصبحون مدينين للشعب، ويجب عليهم تعويض الأضرار الكاملة.
الخط: تُسند جميع المسؤوليات الكبرى في المجتمع من القيادة ومديري السلطات إلى الوزراء والمديرين العامين وكل من يمتلك إمكانيات، بشرط تحقيق العدالة والكفاءة والصلاحية. وإذا فقد أحدهم هذه الشروط، فإنه يُعزل من منصبه تلقائيًا، وتصبح تصرفاته التالية عدوانية. أما المسؤوليات العادية والعامة فتحتاج إلى تخصص وكفاءة، ولا يشترط فيها العدل الإيماني.
الخط: الأخطاء الناجمة عن الإهمال من قبل المسؤولين المؤهلين تكون من خزينة الدولة، أما الأخطاء المتعمدة التي يُثبَت خطؤهم فيها تقع مسؤوليتها عليهم.
تنفيذ حقوق وحريات الناس
الخط: تنفيذ حقوق وحريات الناس من مسؤولية كل الأجهزة التشريعية والتنفيذية والرقابية والقضائية. احترام هذه القاعدة هو أساس الأعمال القضائية والدولية والتشريعية والرقابية والقوى الأمنية والصحية.
مراعاة المصالح العامة
الخط: يجب على الأجهزة الحكومية مراعاة حقوق ومصالح الجمهور، وفي تحقيق هذه الحقوق والمصالح ينبغي مراعاة الكفاءة، التسلسل الإداري، عدم التركيز، التنسيق، واحترام القانون.
استيفاء الحق
الخط: استيفاء الحق يعتمد على العلم والقدرة. فلا يمكن المطالبة بالحق من دون معرفة واعية به، وكل مطالبة باطلة تكون مزيّفة.
الخط: يُلزم الحكم بقدرته على استيفاء الحق، فكلما ازدادت القوة استطاع تحقيق الحق وإرساء مجتمع سليم، ويمكن الاقتداء بمجتمع العصر الموعود بقدرة الحكم. قد يؤدي استيفاء الحق إلى جهاد ابتدائي، بشرط أن ينتهي بانتصار وأمن دائمين.
الخط: القوة والشرعية الدينية تُنشئ الحقيقة والصواب، وفصل أحدهما عن الآخر يولد الظلم ويُزيل المعرفة والصفاء من المجتمع. الشرعية الدينية والمعرفة بلا قوة أو القوة بلا شرعية دينية تفتقران إلى الصحة والسعادة، وهما مولدان للفساد والاستبداد.
الخط: ضعف العلم والخوف الناجم عنه يحد من الحريات الشرعية والمنظمة والتناسبات. الحرية هي نمو طبيعي للفرد والمجتمع، وتمنع الإخفاء والخوف والنفاق. قاعدة الحرية هي جميع قوانين هذا النظام الستة الأساسية التي إذا نُفذت بشكل طبيعي وموضوعي تُشعر الجميع بالحرية. الحرية ليست مجرد اعتبار قانوني لتكون كبسولة أو مادة مغذية للمجتمع.
الخط (الكبير): القوة الحقيقية تستند إلى اتساع الولاية والمعرفة والعلم، وهي أمر متصل وباطني، ولها معايير تمنح مجالًا للحرية وتطوير المواهب الطبيعية، والقوة الخارجية (النظامية) فرع عنها. غياب القوة الحقيقية والباطنية يحول النظام إلى طاغوت، والمديرين إلى مستبدين.
الخط: قوة الدولة ومديريها تعتمد على معرفتهم وتخصصهم وتأثيرهم العلمي لخدمة الناس بأمانة، وخلق بيئة ولائية ومحبة قائمة على المنافسة العلمية والنمو وتفتح المواهب والنخب والاقتدار النفسي والشجاعة المترتبة عليها. الشجاع لا يُقيد ولا يكذب، بل هو معطاء، صادق وحقٌّ.
الخط (الكبير): لا يجب لأي قانون أو أداء إداري أن يضعف النظام أو يؤذي تمركز الدولة. إذا كانت الدولة قوية ومحبوبة، فالجميع يطيع. العلم والقوة الأمنية يجلبان الصلابة والصفاء، والعكس يؤدي إلى الذل والفساد والقصور. إذا كان المسؤولون ضعفاء، تنتشر الفساد. الناس لا يعصون عندما يكون المسؤولون قادرين على تلبية حاجاتهم بطريقة صحيحة وشرعية. إذا كانت الحكومة قوية وتمنع نهب الأغنياء لثروة الدولة وتدافع عن حقوق الفقراء، تُحل أغلب مشاكل المجتمع ولا يُواجه بالفوضى.
عِلّية الإدارة في الجمهورية الإسلامية
الخط: تولي المسؤولية والإدارة في الجمهورية الإسلامية ليست ملكية ولا يمكن توريثها، بل هي عملية طبيعية لتسليم وتولي استخدام الخيرات الموكولة إلى أهل الشروط. المالك الحقيقي هو الله تعالى، وهو يرث كل شيء في النهاية، وما يبقى للعبد هو إما خير وثواب العمل الصالح، أو شر وعقاب سوء الأداء والمساءلة أمام الله.
أمانة المسؤولية والإدارة
الخط (الكبير): مسؤولية تصدي المؤسسات السياسية التي تُشكّل المجتمع، وفقًا للمذهب، تُعتبر «أمانة» توكل إلى المؤمنين الأكفاء والمتخصصين والأقوياء، ويتولون الحكم وإدارة البلاد بواجبهم وعبادتهم لله، لا لأغراض شخصية أو دنيوية. والناس يشاركون بنشاط في بناء المجتمع الإسلامي عبر الرقابة المستمرة عليهم.
قبول الإدارة من الشعب
الخط: لتحقيق تطبيق وإحكام الحكم الإسلامي في المجتمع، فإن قبولية الشعب القصوى ليست مجرد ضرورة عقلية، بل فرض ديني. لذلك، يجب على المرشحين للقيادة، الرئاسة، والمناصب العليا تقديم سياسات وبرامج واضحة ومحددة، وأن تُجرى انتخابات شعبية محددة المدة وفق القانون، ليكون لديهم قبول شعبي أوسع (نصف زائد واحد). هؤلاء المديرون المنتخبون يجب أن يحظوا بثقة شعبية تمكنهم من الاعتماد على الناس في إدارتهم وقراراتهم.
إدارة النساء
الخطّ : إنّ النساءَ الحاصلاتِ على تحصيلٍ عاليٍ، والمتمتّعاتَ بالاقتدارِ والثقةِ بالنفسِ، هنَّ موضوعٌ جديدٌ في مسيرة النمو والتقدمِ الإنسانيِّ، والمهمُّ هو التخصص والكفاءة لديهنَّ. إنَّ تبدّلَ الأزمنةِ والحقبةِ الحاليةِ أوجد موضوعًا جديدًا ومختلفًا لنموِّ وكمالِ المرأةِ، ومعيارُ النظام الإسلامي في الاتّباع هو الكمالُ والتخصصُ، لذلك لا تعيقُ الصفةُ الجنسيةُ حضورَ المرأةِ في أرقى المسؤوليات، ولا تستوجب وجوب التبعيةِ لهنَّ، بل تُكسبُهنَّ استحقاقَ تولّي المناصبِ إن استوفينَ شروطَ الإدارةِ، بحيث تُمكّن المرأةُ من المنافسةِ الحرةِ في ميادينِ المديرينَ، لتنالَ بفضلِ كفاءتها وقدراتها ومهاراتها التخصصيةِ المرتبةَ اللائقةَ بموهبتها، بل وتتقدّم على منافسيها من الرجال إذا استطاعت.
الخطّ : لا يمكن إلا للنساءِ الحاصلاتِ على تحصيلٍ عالٍ واقتدارٍ وثقةٍ بالنفسِ، أن يتحمّلنَ مسؤولياتِ الإداراتِ الكبرى والمناصبِ الاجتماعيةِ والوظائفِ التابعةِ لها، التي تتطلّب إدارةً عقلانيةً، ووقارًا دائمًا، وتوازنًا، ومنطقًا مبنيًا على التقييمِ والصبرِ والتقسيمِ والمقارنةِ والحسابِ، فضلاً عن الحلمِ والجلدِ. ولا يتحقق ذلك لدى النساءِ اللواتي تُركز طبيعتهنَّ على العاطفةِ الدائريةِ، وتقلباتِ الشعورِ، والاندفاعِ في الوقارِ، والبطءِ في الاستجابةِ في الوقتِ المناسب، والاندفاعِ، والخوفِ، والتهورِ، والإرهاقِ، والانشغالِ الحاضرِ عن التفكيرِ، والغفلةِ عن التأملِ، إلا في حالاتٍ محدودةٍ حيث تُستخدم هذه الصفاتُ لتحقيق مصلحةٍ معيّنةٍ أو في موقعِ المشورةِ لدى النخبةِ العلميةِ والتخصصيةِ، خصوصًا في مجالاتِ الشؤونِ النسائيةِ، مع الإشارةِ إلى أنَّ تنفيذَ الأحكامِ في هذه الحالاتِ يتمُّ بيدِ المديرِ الأعلى في الجهةِ المختصةِ، والتعيينُ من قِبلِ المدير المسؤول.
الخطّ : إدارةُ الأمورِ المتعلقةِ بالنساءِ والمناسبةِ لطبيعتهنَّ، هي من اختصاصِ النساءِ فقط، ولا يجوزُ للرجالِ أن يتولّوا هذه الإدارةَ. كما أنّ النساءَ لا يمتلكنَ مناصبَ حكميةً أو صلاحياتِ تنفيذيةٍ في هذه الأمورِ، وإنما تؤول هذه المناصبُ والصلاحياتُ إلى المديرِ الأعلى في الجهازِ المختصِّ، وتكون النساءُ فقط في موقعِ التنفيذِ. يجوزُ للمرأةِ أن تبلغَ مقامَ الاجتهادِ، وفي هذه الحالة، يحرمُ تقليدُها.
الخطّ : تستطيعُ تولّي المسؤولياتِ الإداريةِ والمناصبِ المناسبةِ للطبيعةِ الأنثويةِ فقط النساءُ اللاتي يمتلكنَ صفاتٍ وأنماطًا أنثويةً، ولا تسودُ فيهنَّ الصفاتُ الذكوريةُ.
خصوصيةُ الإدارةِ ومنعُ نظامِ الإدارةِ الشوريِّ
الخطّ : الإدارةُ تحتاجُ إلى مركزٍ موحّدٍ وجامعٍ تُنسّقُ حوله جميعُ الأعمالِ، وتتجهُ بتناغمٍ لتحقيقِ الهدفِ. هذا المركزُ المركزيُّ هو المديرُ الحقيقيُّ. الإدارةُ في الأمورِ الجزئيةِ تأخذُ الرأيَ والمشورةَ، ولكن القرارَ يعودُ إلى الشخصِ الواحدِ المديرِ، والمسؤوليةُ والالتزامُ بالردِّ تقعُ عليه. الإدارةُ الشوريةُ ممنوعةٌ.
الخطّ (الكبير) : إدارةُ النظامِ تكونُ بواسطةِ شخصٍ، وهو الحاكمُ والمديرُ والمسؤولُ بشكلٍ خاصٍّ أمام الدماءِ التي سُفكت في سبيلِ إقامةِ نظامِ الجمهوريةِ الإسلاميةِ، ويجبُ على المديرِ أن يكونَ مسؤولًا في نطاقِ اختصاصه.
الاستقلالُ في اتخاذِ القرار
الخطّ : كلُّ مديرٍ، من القيادةِ إلى رؤساءِ الأقسامِ، له استقلالٌ علميٌّ وولايةٌ في اتخاذِ القرارِ بحسبِ نطاقِ مهامه وقدراتِه القانونيةِ، ويستندُ في عملهِ. يجبُ على المديرِ الاستعانةُ بالباحثينَ والمتخصّصينَ والمستشارينَ المتمرسينَ، وبالتفكيرِ المنظوميِّ والتعاونِ الشبكيِّ، خصوصًا مع الشخصياتِ البارزةِ والمُعتمدةِ شعبيًا في كلِّ منطقةٍ، ليصدرَ حكمًا سليمًا ورأيًا علميًا ومتخصصًا، ولا يحقُّ لأحدٍ التدخلُ في قراراتهِ أو أدائه.
الخطّ : الاستقلالُ في الإدارةِ لا يعني أنَّ المديرَ يعملُ بناءً على أهوائهِ أو يتحكّمُ استبداديًا، بل هو ملتزمٌ ضمنَ حدودِ المعرفةِ والقواعدِ العلميةِ، وبمقتضى النظامِ والقانونِ والقبولِ الشعبيِّ، ويجبُ عليه أن يتخذَ قراراتٍ مشروعةً ومتوافقةً مع الأحكامِ الشرعيةِ، وأن يكونَ مسؤولًا أمامَ الشعبِ والهيئاتِ الرقابيةِ، ويجبُ أن يبيّنَ مبرّراتِ قراراتهِ بطريقةٍ منهجيةٍ ومدعومةٍ بالأدلة، وإلاّ تحوّل استقلالُه إلى استبدادٍ، ويُعزلُ من منصبهِ وتصبحُ جميعُ أفعالهِ باطلةً واعتداءً. جميعُ المديرينَ الكبارِ مسؤولونَ أمام مرؤوسيهم ومرؤوسي المرؤوسينَ بحسبِ سلطتهمِ الحاكمة.
تحقّقُ الولايةِ مرتبطٌ بتحقّقِ الشروط
الخطّ (الكبير) : ولايةُ المديرينَ والمسؤولينَ في النظامِ الإسلاميِّ مرتبطةٌ بتحقّقِ الشروطِ اللازمةِ فيهم. من الشروطِ المهمةِ وجودُ خطةٍ وبرنامجٍ منظّمٍ ومُقدمٍ لإدارةِ المنظمةِ أو المنطقةِ التي تحت إدارتهم. المديرُ الذي لا يملكُ برنامجًا لا يستوفي شروطَ الإدارةِ والقيادة.
في النظامِ الإسلاميِّ، مع كونِ الشخصِ والمنظّمِ هو المديرُ والمسؤولُ، إلّا أنهُ يجبُ أن يكونَ لدى المديرِ نظامٌ وخطةٌ، وأن تكونَ إدارتهُ منظومةً متكاملةً تحافظُ على التسلسلِ الإداري، وتستفيدُ من تخصصِ الآخرينَ وتعاونهم.
الولايةُ الإداريةُ محدودةٌ ومتدرجةٌ بحسبِ التسلسلِ الإداري
الخطّ : صحيحٌ أنَّ الولايةَ العصمائيةَ تابعةٌ لولايةِ الله تعالى المطلقة، إلّا أنَّ ولايةَ الفقيهِ (القيادةِ) والولاياتِ التابعةِ لها (الإداراتِ والمسؤولياتِ الأخرى) ليست ولايةً عصمائيةً مطلقةً ولا غير محدودة. ولايةُ المديرينَ غير المعصومينَ ولايةٌ محدودةٌ ومنقوصةٌ، تعتمدُ على الشروطِ والتحققاتِ، وقابلةٌ للنقضِ، وتتبعُ النظامَ الإداريَّ والتسلسلَ الهرميَّ والبرنامجَ المدونَ، وخاصةً تعتمدُ على المعرفةِ العلميةِ والتخصصية.
ضرورةُ الحفاظِ على التسلسلِ الإداريِّ والالتزامِ بالطاعةِ
الخطّ : الموظفونَ والمديرونَ هم جزءٌ من النظامِ ويجبُ عليهم الطاعةُ للسلطاتِ العليا والمُشرفةِ عليهم، إلا إذا أُمروا بعملٍ غيرِ قانونيٍّ أو شرعيٍّ أو خطأٍ فاحشٍ وظاهرٍ، ففي هذه الحالةِ عليهم رفعُ الأمرِ إلى الهيئاتِ الرقابيةِ المختصةِ، وإلاّ فإنَّ تنفيذَ ذلك يجعلُهم مديونينَ تجاه الشعبِ والنظامِ ومالِ الدولةِ، ويُحاسبونَ تعزيريًا حسبَ حجمِ الأضرارِ.
الالتزامُ بالقوانين
الخطّ (الكبير) : على العاملينَ في النظامِ وموظفي الدولةِ تنفيذُ القوانينِ بدقةٍ ضمنَ نطاقِ مسؤولياتهم.
منعُ التداخلِ في المسؤولياتِ والعملِ المتوازي
الخطّ : التداخلُ في المسؤولياتِ بينَ الأجهزةِ المختلفةِ والعملُ المتوازيُّ ممنوعٌ وجريمةٌ، والمديرُ الذي يُحدثُ مثلَ هذا الوضعِ يُحالُ للمحاسبةِ والتعزيرِ الإداري.
الإدارةُ المنظومية
الخطّ : يجبُ على المديرِ أن ينفذَ محتوى وأهدافَ النظامِ الأساسيِّ للمنظمةِ على أساسٍ منظوميٍّ، ويجعلَ النظامَ تابعًا للقوانينِ والقيادةِ.
معرفةُ الإدارة
الخطّ : يجبُ على المسؤولينَ التنفيذيينَ، إلى جانبِ التخصصِ والمهاراتِ والعدالةِ والنزاهةِ العمليةِ، أن يكونوا على درايةٍ بعلمِ الإدارةِ، وأن يكونوا مدراءَ مبدعينَ قادرينَ على تحقيقِ أهدافِ الجهازِ حتى في أصعبِ الظروفِ والأزماتِ، وفي أقصرِ وقتٍ وباستخدامِ الإمكانياتِ المتاحةِ، معتمِدين على بصيرتهم، لا أن يكونوا رؤساءً دكتاتوريينَ متسلطينَ يُصدرونَ الأوامرَ ويستخدمونَ القوةَ.
عدمُ رئاسيةِ الإدارة
الخطّ : الإدارةُ في النظامِ الإسلاميِّ رغمَ الحاكميةِ الولائيةِ لها أسلوبٌ وصفيٌّ وحكيمٌ، وليست رئاسةً قائمةً على إصدار الأوامرِ، وقوانينُ الإدارةِ في النظامِ الإسلاميِّ أيضًا وصفيّةٌ. على المديرِ أن يتحاورَ مع المجتمعِ ويشرحَ سياساته. السلطةُ الإداريةُ تأتي من المعرفةِ والعلمِ والاطمئنانِ والعالمِ المعنويِّ، لا فقط من دعمِ الجيشِ والتسلحِ والمخابراتِ والإعلامِ، خصوصًا إذا كان الإعلامُ مبنيًا على التزويرِ والكذبِ، فهذا يولّد ردودَ فعلٍ سلبيةٍ طويلةَ الأمدِ، ويؤدي إلى مواجهةٍ من المجتمعِ. تلوّثُ هذا المصدرِ بسببِ ضعفِ المعرفةِ أو الشخصيةِ القياديةِ يفسدُ المجتمعَ ويُغلقُهُ.
الخطّ (الكبير) : المديرُ لا يصبح رئيسًا، ولا يبني العنفَ أو القوةَ. استعمالُ العنفِ من أيِّ سلطةٍ هو جريمةٌ ويستوجبُ العقابَ التعزيزي. يجبُ على المديرِ أن يتحكمَ في غضبهِ ويتعاملَ بثباتٍ ورقةٍ، ويكونَ كالصلاةِ والرفقةِ، ويُمنعُ توظيفُ الأشخاصِ العنيفينَ ويُعتبرُ جرمًا منحُ المناصبِ لهم. الأفرادُ العنيفونَ حين يسيطرونَ على أيّ مكانٍ يتسببونَ في التعدياتِ والظلمِ والغشِّ والسرقةِ. لا يمكنُ المروءةُ وتجنّبُ العنفِ دون تخصصٍ، والمديرُ غير المتخصصِ سيُولّد العنفَ ويفشلُ في المحبةِ. الشخصُ غيرُ المتخصصِ لا يستطيعُ أن يتحلّى بالالتزامِ والنزاهةِ.
منعُ التجارةِ على المديرينَ والمسؤولينَ
الخطّ (الكبير) : لا يحقُّ للمديرينَ والعاملينَ في النظامِ والدولةِ الدخولُ في الأنشطةِ التجاريةِ أو الشراكةِ مع الآخرين. في حالِ القيامِ بأعمالٍ تُعدُّ تجارةً أو كسبًا من قبل المديرِ أو العاملِ، يُعتبر ذلك جريمةً ويُعاقبُ بتدابيرَ إداريةٍ.
الشفافيةُ والإبلاغُ عن القدراتِ الحقيقيةِ والمشكلاتِ
الخطّ (الكبير) : من حقوقِ الشعبِ والنظامِ أن تُكشفَ القدراتُ والإمكاناتُ، وكذلك المشاكلُ والتحدياتُ للنظامِ والمديرينَ ولكلِّ فئةٍ مهنيةٍ بشفافيةٍ تامةٍ، ولا يُخفي شيءٌ عن الناسِ. إذا تعذّرَ إعلامُ الناسِ بمشكلةٍ ما، تقعُ على المسؤولينَ مسؤوليةُ المعالجةِ والتعويضِ وحلِّ المشكلة. يجبُ ألا تواجهَ الإدارةُ الإهمالَ أو الجمودَ أو التوقفَ؛ وإذا لم يمتلك المسلمُ التخصصَ لحلّ المشكلة، ينبغي الاستعانةُ بغير المسلمِ إذا لزم الأمرُ لتحقيق الحل.
الخطّ : من المبادئِ الأساسيةِ التي يجبُ الالتزامُ بها في الإدارةِ هي الاستمراريةُ وعدمُ التوقفِ والجمودِ. يجبُ أن تكونَ الإدارةُ حيويةً ومتجددةً، لا تقبلُ الفتورَ أو الركودَ، ويجبُ على المديرِ أن يتحلى بالمرونةِ والقدرةِ على التكيفِ مع المستجداتِ والمتغيراتِ.
الخطّ : في حالِ مواجهةِ إدارةِ النظامِ لأي مشكلةٍ، لا بدَّ من الكشفِ الكاملِ للواقعِ أمامَ الشعبِ والمسؤولين، وعرضِ تفاصيلِ التحدياتِ والصعوباتِ التي تعترضُ طريقَ التنميةِ والتطويرِ، لكي تُتاحَ الفرصةُ لاتخاذِ الإجراءاتِ المناسبةِ، والتعاونِ المشتركِ بينَ جميعِ الأطرافِ المختصةِ لإيجادِ الحلولِ الناجعةِ.
الخطّ : إذا تعذّرَ على المديرِ أو النظامِ التعاملُ مع المشكلةِ بمفرده، يُسمحُ له بالاستعانةِ بغيرِ المسلمينَ ذوي الخبرةِ والكفاءةِ، مع الحفاظِ على مصلحةِ الإسلامِ والنظامِ، وعدمِ المساسِ بقيمِ الدينِ والهويةِ الإسلاميةِ.
الخطّ : لا يجوزُ للمديرِ أو المسؤولِ في النظامِ الإسلاميِّ أن يُغفلَ عن تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ في جميعِ القراراتِ والسياساتِ التي يتخذها، ولا يجوزُ له أن يلتفتَ إلى مصالحَ شخصيةٍ أو انتماءاتٍ ضيقةٍ أو مصالحَ حزبيةٍ، بل يجبُ أن يكونَ في خدمةِ الشعبِ والأمةِ كلها، ملتزمًا بالمبادئِ الشرعيةِ والقيمِ الأخلاقيةِ.
الخطّ : من الضروري أن يكونَ المديرُ مثالًا في النزاهةِ والعدالةِ والأمانةِ، وأن يكونَ قدوةً في الأخلاقِ والسلوكِ، لأنَّ تأثيره على مرؤوسيه والمجتمعِ عميقٌ، ويعتمدُ على ثقةِ الناسِ فيه واحترامِهم له.
الخطّ : من واجباتِ المديرِ أن يُشجِّعَ على التعليمِ المستمرِّ والتطويرِ المهنيِّ، وأن يوفِّرَ بيئةً مناسبةً للتحفيزِ والإبداعِ والابتكارِ، وأن يضمنَ مشاركةَ الجميعِ في صنعِ القرارِ ضمنَ نطاقِ مسؤولياتهم، مما يزيدُ من فعاليةِ الأداءِ وجودتهِ.
الخطّ : لا يجوزُ للمسؤولينَ في النظامِ أن يستغلّوا مناصبَهم لتحقيقِ مكاسبَ شخصيةٍ أو تجاريةٍ، ويجبُ أن تُفرضَ رقابةٌ صارمةٌ على جميعِ أعمالهم لتفادي الفسادِ والمحسوبيةِ.
الخطّ : على المديرينَ أن يكونوا على وعيٍ تامٍّ بأهميةِ العملِ الجماعيِّ، وأن يعززوا روحَ التعاونِ بينَ جميعِ الأقسامِ والجهاتِ المختلفةِ، لتنسيقِ الجهودِ وتحقيقِ الأهدافِ المشتركةِ بكفاءةٍ عاليةٍ.
الخطّ : يجبُ أن تلتزمَ الإدارةُ بالشفافيةِ في كلِّ جوانبِ عملها، وأن تُتاحَ المعلوماتُ اللازمةُ للرقابةِ والمساءلةِ من قبلِ الجهاتِ المعنيةِ، وأن تُقدّمَ تقاريرٌ دوريةٌ عن الإنجازاتِ والمعوقاتِ.
الخطّ : النظامُ الإداريُّ لا يتجزأُ عن النظامِ السياسيِّ والقانونيِّ للدولةِ، ويجبُ على جميعِ القائمينَ عليه الالتزامُ بالقوانينِ والأنظمةِ المعمولِ بها، وعدمُ تجاوزِ صلاحياتهم، حفاظًا على استقرارِ النظامِ ونجاحِه.
الشروط العامة للتوظيف
الخط (الكُلي):
الشروط العامة للتوظيف تتلخص فيما يلي: الالتزام العملي بالدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، الالتزام بالتطوير المستمر والزيادة في المهارات والقدرات المهنية، الحصول على شهادة الماجستير أو ما يعادلها من الشهادات الحوزوية، الالتزام بمعايير الصحة والمظهر الحسن والوقار، وعدم الانتماء إلى فرق ناصبية. يُحظر توظيف النواصب والبهائيين وأعضاء الجماعات المشهورة بالخيانة الوطنية وخدمة الأجانب في الوظائف الحكومية والإدارية التي تتعلق بالتوظيف الحكومي والمناصب الإدارية. كما يُراعى في حالات الأفراد ذوي التخصص والقدرات الخاصة الذين لا يحملون شهادة، مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ العلمانية والتخصصية الحقيقية واستشهاد عدة خبراء متخصصين، يتم تصنيفهم تخصصيًا وتوظيفهم وفقًا لمبدأ الاستحقاق المهني.
التحقق من صفات وشروط المدراء
الخط:
يجب أن يكون المدير متصفًا بالصفات اللازمة، فالشخص الملزم والمتمتع بالشروط الكاملة هو المدير وصاحب الولاية والسلطة، لا الشخص المطلق الذي لا يُراعى فيه الصفات المطلوبة. الإدارة مُرتبطة بإثبات الصفات والشروط اللازمة، وتوفر مجموع هذه الصفات في الشخص وإثباتها بالدلائل يجعل الفرد مديرًا شرعيًا. في الإدارة، لا يُؤخذ الشخص بشكل مستقل ومطلق، فبدون التحقق الواضح والكامل من الشروط، لا يملك صفة الإدارة. الإدارة الدينية بدون توفر الشروط اللازمة في المدير تؤدي إلى الاستبداد والفساد والسلطنة.
الصفات اللازمة لكل مدير في النظام الإسلامي
الخط:
كل مدراء النظام الإسلامي، من القيادة العليا إلى رؤساء الأقسام، يجب أن يكونوا متمكنين (ذوي قوة لاستجماع وتركيز الطاقة للاتصال بمبدأ الكون)، أمناء (أمناء، متزنين، وعادلين)، حافظين (حافظين وقادرين عمليًا)، وعلماء (متخصصين وواعين). هذه الصفات الأربعة ضرورية لأي إدارة اجتماعية، وغياب أي منها يجعل تصرفات المدير تعد اغتصابًا للسلطة.
النموذج الإداري الإسلامي
الخط:
يقتدي المدير الإسلامي في نمط إدارته برسول الله ﷺ ويستوفي شروط الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
مثل هذا المدير لا يتزعزع شخصيته بدوافع دنيوية، ولهذا فإن إدارته والمنطقة الخاضعة له، وخصوصًا في الأزمات، لا تصاب بالضعف أو الفساد. قوة المدير الديني متأتية من إيمانه، وقوته القتالية من إيمانه بالبعث والمداومة على ذكر الله.
الصحة والعدالة في الإدارة
الخط:
تعيين المدراء في النظام قائم على الكفاءة العلمية والتنفيذية، ولا يُمنح المناصب العليا للإدارة الولائية إلا لمن هم عادلون. والعدل اللازم لكل منصب يُحدد بحسب أهميته وموقعه. صحة وعدالة الإدارات التخصصية تُعرف بحسب تخصصها وموقعها وأهميتها.
العدالة في الإدارة
الخط:
المدير العادل هو الذي يكون أمينًا، قادرًا على ستر عيوب الآخرين، وحل مشاكل مكان عمله، وخيرًا للجميع بنقاء، وحنان، ومحبة، ويكون متزنًا في حياته، بعيدًا عن الانتقادات الجائرة والتشدد المفرط. المدير العادل لا يتصف بالكبر ولا الإيثار الذاتي. له وجه شعبي ويعمل للخير العام. مثل هذا المدير لا يعير الظالم سلامًا أو اهتمامًا.
تقديم قائمة الأصول
الخط:
المسؤولون المذكورون في القوانين الأساسية ملزمون لتعزيز ثقة الجمهور في المسؤولين ورفع صحة الإدارة، بأن يقدموا قائمة أصولهم التي تشمل جميع الممتلكات غير المنقولة، الحقوق ذات القيمة المالية، المطالبات والديون، الاستثمارات والأوراق المالية، أرصدة الحسابات المصرفية والمؤسسات المالية ونحوها، وكل مصدر دخل مستمر لهم ولزوجاتهم وأبنائهم جميعًا في بداية ونهاية فترة المسؤولية، إلى مدير القضاء ومدير جهاز المعلومات الاقتصادية. ويجب على السلطة القضائية وجهاز المعلومات الاقتصادية متابعة أموالهم لضمان عدم زيادة غير مبررة. كذلك تشمل الرقابة الجهات المسؤولة، المعلومات المالية للمسؤولين والأحزاب والجماعات السياسية، وأفراد عائلاتهم وأقاربهم وأصدقائهم والشركاء بطريقة شفافة.
الإقامة داخل البلاد
الخط:
يجب على رؤساء السلطات، والوزراء، والمناصب السياسية الأخرى أن يكونوا قد أقاموا داخل البلاد مدة لا تقل عن عشر سنوات متصلة قبل تعيينهم أو انتخابهم.
معيار إدارة الصالحين
الخط:
نتيجة إدارة الأكفاء هي مجتمع سعيد، فرح، مفعم بالحيوية، لديه آمال كثيرة ومتفائل بمستقبل مشرق دافئ، محب وودود. إدارة الأشخاص غير المؤهلين تسيطر على المجتمع بالعنف، ما يؤدي إلى اليأس والقمع، مما يسبب البرودة والكسل والنفاق والإهمال واللامبالاة. الإدارة غير المؤهلة تشجع الرياء والنفاق والخداع والازدواجية والمال والقوة والاحتيال وطلب الراحة والوظائف الزائفة.
تنحّي المدير
الخط:
الإدارة والمسؤولية العامة في النظام الإسلامي دين وعبء، ومن لا يملك الشروط والقدرات اللازمة لا ينبغي أن يتحمل المسؤولية، وإلا فالدين عليه. وإذا قبل هذا العبء الثقيل ثم تخلى عنه أو قصر أو ارتكب أي معصية مرتبطة، تُعتبر إدارته ملغاة تلقائيًا، حتى إن لم ينتبه أحد لهذا الخطأ. إقامة الإدارة كإقامة الصلاة، والخطأ فيها كفساد الوضوء الذي يبطل الصلاة، وتُلغى الإدارة تلقائيًا دون الحاجة للاستقالة.
العزل والتنقل
الخط:
إقالة أو تنقل مدراء النظام الإسلامي يجب أن يكون قائمًا على القانون وبشكل موثق، حتى لا تتعرض الإدارة لأي فراغ أو توقف أو ركود أو اختراق، وليتم ضمان استقرار ومقاومة النظام من الداخل.
الشعبية والتقرب من الناس
الخط:
من أهم ركائز العدالة وصحة المدير، وكذلك معايير تقييمه، هي الشعبية، والتقرب من الناس، والحفاظ على الحريات المنظمة، وعدم التبعية لجماعات خاصة أو النخبة، وأن يكون دائمًا إلى جانب الناس وبشاشة وطيبة، دون إهمال أو ظلم لهم، فذلك هو أساس الإنسانية. بفقدان هذه الشروط، يفقد المدير صفة الولاية الدينية، وتصرفاته تصبح اغتصابية.
المدير الصالح والناس
الخط:
المدير المؤهل قريب من الناس ومتواجد بينهم لتيسير الاتصال المباشر مع الفئات الضعيفة، ويملك حكمة اجتماعية وروحًا متسعة، يتجنب الانغلاق والتشدد، ويُعزز التنوع والتوافق الاجتماعي، ويعتبر الاختلاف الطبيعي ضروريًا للحياة. يتخذ قراراته باستشارة الناس، ويحترمهم ويكسب رضاهم ويشجع المشاركة العامة التي تُرسخ ثقافة الإدارة، ويحطم قوّة الفاسدين والمجرمين والمناهضين بدعم الشعب. الناس هم روح المجتمع وحاملوه والقوة الحقيقية، ولا يجب أن تُثقل السياسات والقوانين عليهم، بل يجب أن تحل مشاكلهم وتحظى بتأييدهم.
المسؤولون والناس
الخط:
يجب أن يكون المسؤولون من الناس وفي وسطهم حتى يشعروا بأوجاعهم مباشرة وواقعيًا. الناس يختارون المسؤولين من جنسهم، الذين يعرفون آلامهم، ويجلسون على الأرض التي يجلسون عليها، ويتشاركون طعامهم.
احترام الناس
الخط:
يجب على جميع المدراء والمسؤولين أن يعتبروا كلمة «الشعب» محترمة ومقدسة. أقل درجات عدم الاحترام تجاه الناس، خصوصًا في الخطابات والكلمات، ممنوعة.
التخصص والكفاءة
الخط:
من الصفات المهمة للإدارة: التخصص والمهارة العلمية في فهم الحقائق – فإذا كان العلم صحيحًا فهو لا ديني ولا غير ديني – والابتعاد عن الانحراف الفكري سواء الجمود أو الخلط؛ الخبرة الكافية؛ الكفاءة والقدرة العملية على إقامة الإدارة؛ الصدق والقبول الشعبي. الكفاءة من قبيل العمل والحكمة العملية، والفقه والتخصص العلمي حكمة نظرية، وتوسيع المعرفة لا يؤدي تلقائيًا إلى الكفاءة العملية. الكفاءة من لوازم العدالة، والعدالة أيضًا من سنخ الحكمة العملية، وبدون المعرفة والحكمة والشجاعة لا تتحقق. الصدق جزء من شروط العدالة ولأهميته ذُكر خصيصًا. صعوبة هذه الشروط تدعو إلى الاحتياط في تحديد مصداق الولي الفقيه والتحقق من شروط المدراء الكبار، مع أن ولاية الفقيه الأصلية لا تشكك عند المحقق الشيعي.
الثبات والقوة في العمل
الخط:
في أوقات الحرب وتطبيق الحدود والتشدد مع المفسدين، يكون المدير قويًا ولا يسمح لنفسه باللين. ثبات القلب في طريق الدين الإلهي ومصلحة المجتمع والشعب يختلف عن قسوة القلب ومرض القلب.
الثبات والصدق في القول
الخط:
المدير صاحب الشروط يتكلم بثبات وصدق، ويُعلن خطته وقانونه من البداية. من لا يستطيع أن يتكلم بثبات أو يخفي أهدافه للمكر والخداع لا يمتلك شروط الإدارة. الشخص الضعيف يكذب كثيرًا منذ البداية ويخفي قوله النهائي. مع تكرار الكذب، يصبح الكاذب واضحًا ويفقد الكذب فعاليته.
الصدق
الخط:
المدير لا يجوز له الكذب. المدير الكاذب مادة فساد. حسن الصدق والقول الحق له علّة، وقبح الكذب ليس ضروريًا (أي ليس ذريعة). الكذب استثناء نادر، وفي ذلك الاستثناء يجب إدارة الأمر بالصمت وعدم الكذب قدر الإمكان. الأصل للمدير هو الشفافية والإعلان.
الحيَاةُ مَحْوَرِيَّةٌ
النَّصُّ الكُلِّيُّ:
في السِّياسةِ والإدارةِ يجب أن تكونَ الحَيَاةُ مَحْوَرًا، وأن تُدعى النّاسُ إلى العَيْشِ وَيُعطَوْا الأَمَلَ، لا أن تُقدَّمَ لهم كما فعل سليمانُ بنُ صردٍ الخزاعِيُّ، وزيدُ بنُ عليٍّ، ويحيى بنُ زيدٍ[3] وسائرُ الحركاتِ الثّأريةِ، الموتَ، ويُكافَحَ من أجلِ القتلِ، ويُصبحَوا بِمُناهجٍ متنوِّعةٍ مَلْحِقِي القتالِ والانتحارِ، ويُهدوا المجتمعاتِ الموتَ والفناءَ ويُعَدُّون ذلكَ عِزَّةً وَنِعمةً.
إنَّ السِّياسةَ والإدارةَ الدينيةَ لعصرِ الغيبةِ تَفرِضانِ التَّعايُشَ السِّلميَّ البعيدَ عن التوتُّرِ، والسَّلامَةَ والرّاحةَ والطمأنينةَ.
القوةُ السياسيةُ والسلطةُ الإداريةُ تكمنُ في اللينِ، والنعومةِ، والرّقّةِ، والثّقلِ والجَلالةِ، لا في القسوةِ، والعنفِ، والمشاجرةِ، وإثارةِ الجدلِ، والتَّسلُّطِ الذي قد ينشأُ من الضّعفِ.
التمكّنُ من علمِ السياسةِ والإدارةِ يَجلبُ السلطةَ واللينَ.
لا يُمكنُ أن يُصبِحَ الملايينُ موحَّدينَ في الدينِ والعبادةِ والأخلاقِ والسلوكِ والمظهرِ، لأنَّ المجتمعَ يحتضنُ نسبةً من القانونِ المتمردينَ الذين لا يمكنُ أن يكونوا مؤمنينَ صالحينَ، ودائمًا ما يصطدمونَ بالصالِحينَ.
ونظرًا لأنهم في المجتمعِ الإسلاميّ يُحتَقَرونَ ويُقصَونَ ولا يَجدونَ مصلحتَهم، يلجؤونَ إلى الاغتيالِ السياسيِّ، كما تواجهُ الحكوماتُ الاستبداديةُ خطرَ الانقلاباتِ كثيرًا.
يَجِبُ على المُدرِبِ المُحترمِ والمتخصصِ أن يكونَ قادرًا على هندسةِ وتصميمِ المجتمعِ بحيث تعيشَ جميعُ الأذواقِ والفِرَقِ والأديانِ بسلامٍ إلى جانبِ بعضِها البعض، وأن يكونَ النظامُ العامُّ للمجتمعِ قائمًا على احترامِ الآخرينَ وعدمِ التدخُّلِ في الخصوصياتِ والحدودِ.
الحفاظُ على الاحترامِ والهيبةِ والقيودِ معَ الأمنِ هو الضمانُ للطّمأنينةِ الفرديةِ، بحيث لا يخططُ أحدٌ لتمردٍ غيرِ منظّمٍ أو انقلابٍ.
إنَّ الضمانَ هو ما يَمكِّنُ الفردَ مِن الحرّيّةِ في التعبيرِ عن ذاتِه دونَ الوصولِ إلى التمردِ أو الإطاحةِ بالنظامِ.
هذه قاعدةٌ: إذا لم تُحكَمِ الحرّيّاتُ وتُؤمَّن مصالحُ الفِرَقِ المختلفةِ في المجتمعِ، وإذا لم يَقبَلِ الحُكمُ هذه التبايناتِ كما خلقَ اللهُ الناسَ مُختلفينَ وعلى طرقٍ متعدّدةٍ، وحاولَ فرضَ الجميعِ على طريقٍ واحدٍ، فإنه يتجهُ إلى الاستبدادِ، ولا يعودُ دينًا، ويؤدّي إلى الإطاحةِ.
السياسة التي رسمها حضرات الأئمة المعصومون(عليهم السلام) لزمان الغيبة
السياسة التي رسمها حضرات الأئمة المعصومون(عليهم السلام) لزمان الغيبة هي سياسة مواجهة الماء بالحجر، أي الحياة للحياة، والصحة للدنيا والسعادة للآخرة، لا سياسة مواجهة الحجر بالحجر والعيش من أجل الموت والهلاك. في ظلّ أجواء الظلم والقهر الثقيلة، ينحصر الحقّ ويتكبَّل بالهزيمة. في عصر الغيبة، يغلب الظلّ الكئيب للباطل وأجواء القمع الظالم، فإذا أراد الحقّ والدين أن يواجهوا هؤلاء بقسوة، فإنه يتحطّم تحت سيطرة جبهة الباطل ويفقد صبره وتحمله. اللين والرفق يجعلان السياسة أكثر مرونة، ويمنحانها القدرة على إدارة الفرص والتهديدات والهجمات. في عصر الغيبة، التفوق يكون للعلم واللين والاعتدال، ويجب إدارة المجتمع بهذين العاملين القويين، لا بالعنف والدمويّة والإعدام والقتال والسعي وراء السلطوية، إذ إنّ هذا الطريق باطل ويصل إلى طريق مسدود. عصر الغيبة هو عصر إدارة المجتمع الديني بالعلم واللين، والعنف طريق باطل يفضي إلى الانهيار، كما أن الجماعات التكفيرية والانتحارية والإرهابية مثل طالبان وداعش والمنافقين لا تحتل أيّ موقع بين الناس، بل تُعتبر مجموعات مدمرة ومحرّضة على الفتنة.
الاستخدام الأقصى للوسائل
المدير الكفوء، صاحب القوة الفقهية، والذي هو عقل المفكّر لأيّ مجموعة أو منظمة، لديه القدرة على أداء مسؤوليته واستثمار كلّ الإمكانات، حتى إمكانات عالم الخصم، ليُلغِي المواجهات. من لا يستطيع إدارة الأمور بشكل فعال ولا يستطيع استغلال كلّ الإمكانات، حتى امتيازات عالم الكفر، ولا يستطيع توظيف كلّ الأفراد، فلا يستحقّ الإدارة ولا تحمل المسؤولية. على المسؤول أن يكون قادرًا على استثمار الإمكانات المختلفة بكل قوّة.
التعرّف على الأضرار وجذورها
المدير الكفء يحلّ تحديات إدارته عبر التعرف المباشر والفوري والواعي على الأذى والمشاكل، ويعمل على تعميق تحليل جذورها. تجاهل جذور المشكلات يزيد من عمق التحديات ويهدر الإمكانات. جذور الأضرار ليست أفرادًا عاديين ضعفاء، بل هم أئمة الكفر الذين يختبئون خلف المستضعفين والضعفاء والجهلاء المثيرين للفتنة، ويظلمون الناس.
في مواجهة المشكلات والفساد
لا ينبغي التّركيز على العناصر الجزئية وتجاهل الجذور. فمثلاً، استخدام المخدرات من قبل كبار السنّ الذين وقعوا في أسرها يمكن أن يُسمح به بشكل مراقب. أما المنع الحقيقي، فيجب أن يكون راديكاليًا لمنع التهريب والنقل، حيث تُوزّع هذه المواد على نطاق واسع، ويجب أن يُحاسب هؤلاء وفق القانون. لتفكيك هذه الشبكات يجب توظيف التعبئة العامة، والتغلغل داخلها، وكذلك الثقافة والتوعية الصحيحة، ليُشاع بشكل واسع وفعّال، وبأسلوب فنّي، التحذير من هذه الآفة المدمّرة. إن التعامل فقط مع المدمنين هو ظلم للضعفاء (علميًا وماليًا) ولا يثمر إصلاحًا، كما أن العدد الكبير يصعب معه التنفيذ. أمّا معاقبة رؤوس شبكات التهريب فتُحقّق العدالة الحقيقية وتُصلح المجتمع.
الحفاظ على التناسب والنسبية
المدير النزيه لا يسعى لتحقيق أفكار مطلقة عبر قيود عملية ضيّقة، بل يحفظ النسبية والتناسبات (الكفاءات) بأقصى درجات السلطة العلمية والمتانة العملية، ويعطي لكل المتطلعين المطلقين حصتهم المناسبة. من خلال ذلك يُنتج الرضا، والتوافق، والتلاحم، والتعاون، والتفاعل. لا يتحقق التفاعل والتوازن بدون مراعاة النسبية.
الإدارة الدينية
الدين عند الناس العاديين هو حياة وتفاعلات طبيعية بقدراتهم المحدودة وإرادتهم الضعيفة، مع الحدّ الأدنى من الصلاحيات. لا يجب التشدد عليهم، ولا توقع المطالبة بالحقّ والإيمان من عامة الناس. يمكن التغاضي عن قصور الأفراد إذا لم تهيمن على المجتمع، ويُعامل الناس برحمة وتسامح ومحبة، ويجب تصنيف القوانين الخاصة بهم بطريقة علمية وطبيعية، لتصبح ملزمة وقابلة للتنفيذ بناءً على القبول الاجتماعي، لا بالقهر والاستبداد الذي يولّد السخط وقانونية مقاومة النظام. إذا نُفّذ الإسلام وقوانينه بأحكام نسبية غير مخاطرة، فإنّ ذلك يضمن بقاءه. ينبغي استقراء كل الأحكام والتمييز بين أصول الفروع، وترتيبها حسب الأولوية، وإعطاء المراتب الأولى للأحكام المقبولة اجتماعياً والشعبية، وتأجيل القوانين الخاصة مؤقتًا إلى حين توفر الظروف التنفيذية المناسبة، ثم تنفيذها تدريجيًا. الحكومة من أجل بقاءها بحاجة إلى التعاون والتآلف مع الأمة لتتجنّب الاستبداد وسخط الناس، وبالتالي ضمان قبول القانون واستمرارية الإسلام وإزالة المخاطر. ومع ذلك، يشدّد على التعامل الصارم مع خواصّ المجتمع، الذين يجب أن يكونوا حقّ طلبين ويمارسوا القسط، وليس إيمانهم شكلياً، حتى يُطهّر طبقة المتدينين من النقص بالمجاهدة والتضحية، وإلا فإنّ الرياء والنفاق يدفعهم نحو الالحاد والفساد.
تحقيق المجتمع المسلم في عصر الغيبة
تحقيق المجتمع المسلم وفق هذا النموذج في عصر الغيبة ممكن، لكن توقع مجتمع حقّ طلب ومؤمن وإسلامي مثالي من طبقة المتدينين مع التطرف في المثالية قد يدفع عامة الناس إلى العناد والتمرد ويقود أهل الحقّ والإيمان إلى الغربة والعزلة. وحتى في زمن وجود المعصومين(عليهم السلام) لم يتحقق مثل هذا المجتمع. غالبية البشر في الدنيا تابعون لشهواتهم والشيطان، ولا يمكن تحقيق الإسلام المثالي في عصر الغيبة من طبقة المتدينين، وطالبة ذلك تؤدي إلى عزلة المطالب.
الحفاظ على أقصى الحرّيات والإدارة الإيجابية
إصلاح المجتمع يكون بالحفاظ على الحرّيات ورفع كرامة الناس وزيادة الاحترام والحدّ من المحرّمات، كما بيّن الشرع. الحرية تكتسب معنىً عبر معرفة الذنوب والمحرمات، ولا يمكن الحفاظ عليها دون تحقيق ذلك. حتى تُحفظ الحرمات يجب تحديدها بدقة بالاجتهاد العلمي والتفقه المستمر. في إدارة المجتمع، يجب أن يكون الإيجاب وفيرًا، لأنّه يضمن حرية الفكر والعمل بطريقة طبيعية ومرضية، ويزيد الرضا والتفاعل والتعاون والمودة والتبادل الاجتماعي والترابط. يجب تفادي تقييد المجتمع بسلبيات غير منسجمة تُفسد التناغم والاحترام، لكن الحرية لها حدود لا يجب تجاوزها بشكل مفرط، لأنّ ذلك يؤدي إلى بناء طبقات اجتماعية وتولد العداوة والحرمان. وقد شرح هذا في كتاب “الاقتصاد السليم والقضاء على الفقر”.
مراعاة حد النصاب
في اختيار وتأمين الكوادر لتولي المسؤوليات الاجتماعية والإدارية في نظام الدولة الإسلامية، يجب معرفة ما إذا كانت هذه المسؤولية تتطلب تحقيق حد نصاب معين أم مجرد تقييم يمكن من خلاله منح المسؤولية لصاحب الكفاءة. مثلًا، شروط الإمامة كالإمام الجماعة والجمعة تتطلب العدالة الحقيقية والشروط الظاهرة. ويجب أن يمتلك المسؤول قوانين كيفية توزيع الوظائف والمسؤوليات. المسؤوليات الكبرى كالقيادة والزعامة والإدارة التي تحمل أعباء عظيمة هي من ضمن المسؤوليات التي تتطلب نصابًا، ويجب أن يكون المسؤول في النظام الديني أهلًا للحق وذو عدالة.
الابتعاد عن الظلم
مدخل الإسلام وأساس المسلم هو اجتناب الظلم على النفس والآخرين، فالمسلم من لا يظلم. الواجب الأول للمدير هو إقامة العدل في إطار القسط. الظلم يسبب أضرارًا خطيرة للمجتمع، ويزيل الصفاء والرحمة، ويتسبب في انقطاع الأجيال وآلام لا علاج لها للظالم. الظلم يزرع الخوف والجنون في نفس الظالم، ويمسح عنه المشاعر والراحة حتى النوم الهادئ. ويمنعه الله من الموت ليبتليه بالعذاب الدنيوي والفضيحة. الدين حساس جدًّا للظلم ويكرهه، حتى حسنات الظالم تتحول إلى عيوب. الهدف الأسمى للمدير في النظام الإسلامي هو اجتناب الظلم وإقامة القسط، وليس مجرد إنتاج الثروة. إن استشرى الظلم في النظام فإنه لا يتورع عن قتل أولياء الله، ويقود إلى نهايته ونهاية أذنابه، إذ حيثما يوجد الظلم يتولد الفساد والتلاشي، وموت الظالم هو عيد للمجتمع والناس.
الابتعاد عن الكبر
الخط: مديرو الأجهزة التنفيذية لا يأخذون أحداً عبداً لهم، ولا يدخلون الأهواء النفسية والتكبر في الإدارة، وإنما هم متصدّو إدارة المنطقة التي تخضع لسلطتهم فقط؛ وإلا فإنهم يتحولون إلى طغاة واستبداد.
الابتعاد عن الحرام
الخط: الحرام يؤثر في الجور والظلم بأثار مادية مدمّرة وخربة لا تُزال بالتوبة؛ منها دخول الشدة والتشتت والحيرة في الحياة، زوال الطمأنينة مع كثرة الإمكانيات، ذهاب البركة من الأولاد، التعرض للعصبية، الاضطراب، الأوهام الذهنية، الخيالات الباطلة، والعنف.
ترويج الحرام والحراميات، والخمر والمخدرات بين المسلمين سياسة مخططة واستراتيجية مستمرة لدنيا الاستعمار والاستكبار، لإزالة الصفاء والرحمة والحنان منهم، ونشر الحقد والعداوة والوحشية بينهم.
العنف، وهو أخطر مرض نفسي، يُضخ باستمرار في المجتمع لتدميره وإفساده وانحطاطه.
الإسلام حرم بشدة كل سوائل مسكرة وشرّع عقوبات رادعة على مرتكبيها، وصرّح بالعقوبات الوقائية في قوانينه الجنائية.
وحيث إن حرمة الخمر من الشعارات الأساسية للدين الإسلامي، فقد سعى الاستعمار القديم بكسر الروح الإيمانية للمسلمين إلى نشرها والتشجيع عليها، ليخلخل عزيمتهم ويضعف روحهم ويغرس فيهم الذلّ ويحثهم على كل معصية.
الخمر تجعل الإنسان مستسلمًا، ضعيفًا، وتدفعه إلى اللامبالاة.
الابتعاد عن حب الدنيا
الخط: خدام الناس هم أصحاب نفس صافية، لا يحبون الدنيا ولا الأهواء النفسية، ولا متعتهم مرفهة؛ هم الذين حياتهم في مستوى الفقراء أو على الأقل الطبقة الوسطى، ولا يوجهون المناصب التنفيذية والسياسية، التي هي تولّي خدمة الناس، لخدمة ذواتهم وأهوائهم.
الخط: المسؤولون والموظفون السياسيون ومديرو المجتمع الإسلامي يجب أن يطهروا أنفسهم من حب الدنيا، فلا يلوّثوا الميدان السياسي والإداري الموكول إليهم بفساد طلب اللذات الدنيوية، بالتزييف والظلم، والجشع، والتكاثر، والتفاخر، والبخل، والاستكبار، والاستبداد، والصراعات، بل يجعلونه موطناً للصفاء، والحب، والإيثار، والخير، والعبادة، والمحبة، والحياة الصحية الهادئة؛ بحيث يغمر غياب الزملاء والإيمان بالمراجع روح الافتراق في نفوسهم.
منع توظيف الضعفاء
الخط: الفرد الضعيف لا يستطيع أن يكون كفءً، قويًّا، وفعّالًا.
توظيف الأشخاص الذين يعانون من ضعف النفس أو الضعف في التخصص ممنوع وجريمة مع عقوبة تأديبية.
منع اختيار الأشخاص حقيري القيمة
الخط: تعيين الإنسان الحقير، الصغير، أو الضعيف لتحمل مسؤوليات كبيرة وثقيلة لا يمكنه القيام بها جيدًا، وتسليم المسؤوليات الصغرى لأشخاص كبار لا يعيرونها اهتمامًا، يُهدم النظام والدولة إلى انقراض وفساد، وهذا جرم يعاقب عليه تأديبًا إداريًا.
طيب المولد
الخط: نظرًا للدور الفعّال للطهارة وطيب المولد في قداسة النفس، لا يجوز توظيف الأشخاص المشهورين بعدم الطهارة في النسب أو أولاد النساء المعروفات بالفحشاء والفساد، أو الذين لديهم سجل فساد أخلاقي.
الخط: الولاية منصب إلهي وموضوع مقدس، لا يُعطى لمن لا يمتلك شروطًا خاصة، وخاصة لمن ليس له طيب المولد.
شرط طيب المولد من التميّزات الجوهرية بين الشيعة والسنة.
من ولد من زنا أو جماع محرّم، أو في زمن الحيض، أو لم يدفع الخمس الشرعي، أو نطفته من لقمة حرام، فلا طيب المولد له، ويصبح عدواً للولي الحقيقي.
ولو علم الإنسان بهذا العيب، يجب عليه أن لا يتولى مسؤولية.
لفحص طيب المولد يمكن مراقبة ما إذا كانت النفس تجد انسجامًا مع أولياء الله وقربًا وحلاوة، أو نقمة وقسوة وبُعدًا.
في الحالة الثانية، يجب تصحيح المشكل بالذكر والتطهير كالتسبيح والاستغفار، وينبغي عدم قبول المسؤولية في النظام والدولة.
صفاء السريرة
الخط: يجب أن لا يكون لدى المديرين سوء سريرة أو سوء باطن.
القلب الذي لا يتحسس أهل البيت (السادة) بأقصى درجات الاحترام، ويشعر تجاههم بغض أو غل، يختلف عن القلب النقي الصافي؛ القلب الثاني يعاني من مرض باطني، ومن لا ينبغي له أن يتولى منصب الإدارة.
القيادة والمديرون الأصحاء يعطون اهتمامًا خاصًا لاحترام السادة والإنفاق الصحيح لحصصهم.
سجل الإدانة الجنائية المؤثر
الخط: يُحتسب سجل الإدانة الجنائية المؤثر ابتداءً من تاريخ تنفيذ قوانين هذه المجموعة، ولا يؤخذ بالسجلات السابقة إلا في قضايا الفساد والجرائم الاقتصادية.
الاختيار القائم على التحقيق
الخط: لا يقسم في نظام اختيار الأفراد، والاختيار يتم فقط بالتحقيق والاعتماد على أدلة صحيحة وبيّنة.
الابتعاد عن ضيق الأفق في الاختيار
الخط: يجب استقطاب وتوظيف وتدريب وتفعيل الكفاءات المؤهلة والمتمتعة بالشروط، مع تجنب كل ضيق أفق، والتحامل الشخصي، والنظرات غير المهنية، والابتعاد عن النظرة الكمّية والتمييز الإيجابي الجنساني، وعدم تخصيص نسب معينة للنساء على نحو شعاري، والابتعاد عن خداع النساء؛ ويجب أن يكون الاختيار من الأشخاص الملتزمين بالعفاف المستمر والظاهر الديني.
الخط: لاستقطاب ذوي التخصصات الخاصة والمهارة، يجب النظر إلى مصالحهم المادية والمعنوية لضمان استمرارية التعاون والحفاظ على نظام العمل وتطوره.
منع تعدد الوظائف
الخط: كل شخص يمكنه تولّي وظيفة حكومية واحدة وبراتب واحد فقط.
المناصب التعليمية في الجامعات والمؤسسات التعليمية والبحثية مستثناة من هذا الحكم.
المقصود بالوظيفة هي المهام المستمرة المتعلقة بالوظيفة الثابتة في التنظيم، أو الوظيفة التي تُمارس بدوام كامل.
قسم خدمة الشعب
الخط: المديرون وموظفو الأجهزة التنفيذية والقضائية والهيئات التشريعية هم خدام الشعب، ويجب عليهم الالتزام بالمبادئ الأخلاقية الإسلامية والإدارية، وبالقسم الذي أدوه عند التعيين، وبميثاق الأخلاق والإدارة الذي وقعوه، وأداء واجباتهم بأفضل صورة في خدمة الناس، مع احترام حقوقهم القانونية.
خدمة الشعب يجب أن تتم بزيادة الإنتاجية والكفاءة من خلال المسؤولية، السرعة، الدقة، التقليل من التكلفة، الجودة، الصدق، الأمانة، العدل، الصحة، اللطف، الروح التشاركية، التعاون مع الزملاء، ضبط النفس، الصبر، الإحساس بالواجب، القدرة على التفاعل مع المراجع، قبول المشورة، الشجاعة، الاستقلالية في اتخاذ القرار، عدم الانقياد، السرية، المعرفة، التحديث والتطوير، مهارة الاستفادة من تقنية المعلومات، المظهر المهني، والتأمين على رضا وكرامة الناس.
يجب على الموظفين الالتزام بالقوانين والأنظمة العامة والخاصة بالجهة، والرد بشكل موحد على جميع المراجعين.
منع التوظيف بعقود مؤقتة
الخط: التوظيف في الأجهزة التنفيذية يكون فقط بالتوظيف الرسمي، والتوظيف بعقود مؤقتة لتولي المناصب التنظيمية ولمدة معينة ممنوع.
الموظفون الذين تم توظيفهم رسميًا وفقًا للقوانين المعمول بها يستمرون في ذلك مع مراعاة قوانين هذا النظام.
نظام العمل بنظام الورديات
الخط: ورديات العمل للموظفين تنقسم إلى وردية صباحية ووردية مسائية.
الخط: لا يمكن للموظف العمل في وردية أخرى ولا يستحق سوى راتب ورديته.
الخط: مدة كل وردية ست ساعات.
الخط: في حال إسناد عمل وظيفي للنساء في أي وردية، يجب أن تتناوب امرأتان على أداء هذا العمل، بحيث تكون ساعات عمل كل امرأة في الوردية ثلاث ساعات متقطعة كل يومين.
حق الإجازة
الخط: للموظفين في الأجهزة التنفيذية حق إجازة سنوية عشر أيام بأجر، ويمكنهم حفظ نصفها للسنة التالية.
الخط: في حالة المرض أو الحالات الضرورية، يكون قرار منح الإجازة بيد المدير الأعلى المباشر، ويحدد الحد الأقصى للإجازة بحسب الحاجة.
نظام دفع الرواتب
الخط: نظام دفع الرواتب للموظفين في الأجهزة التنفيذية والمديرين السياسيين الذين يُعتبرون مناصبًا معروفة، ولرؤساء البلديات، لا يستند فقط إلى الامتيازات التقليدية كالدرجات العلمية أو مستوى التعليم، ولا إلى ميزات العمل أو الموقع السياسي أو القضائي أو المهني، ولا إلى ساعات العمل أو دخل الجهاز فقط، بل يعتمد على مستوى التخصص والمهارات المطلوبة وعدد الكفاءات المؤهلة في التخصص وظروف سوق العمل، مع مراعاة تكلفة المعيشة لمتوسطي الدخل، والصعوبة والبيئة غير العادية للعمل، والأداء الحقيقي والملموس بصورة أجر على قدر العمل ونتائج التقييم مضروبة في معامل مالي.
ولا يجوز أن ينخفض راتب الموظفين الضعفاء عن الحد الأدنى.
ولا يجب أن يكون سقف الرواتب بعيدًا عن تكلفة المعيشة لمتوسطي الناس.
يطبق نفس المبدأ على المتقاعدين والموظفين الدائمين.
خَطٌّ:
ٱلۡحُقُوقُ وَٱلۡمُرَٰتِبُ وَٱلۡمَزَايا ٱلَّتِي تَحُقُّ لِلۡعُمَّالِ وَٱلۡمُوَظَّفِينَ وَجَمِيعِ ٱلۡمَقَامَاتِ، لَا تُحَسَّبُ عَلَى ٱسۡتِقَامَةِ ٱلۡوَقۡتِ أَوِ ٱلۡمُؤَهِّلِ ٱلۡعِلْمِيِّ، بَلۡ عَلَى مِقۡيَاسِ قِيمَةِ ٱلۡعَمَلِ وَٱلۡأَدَاءِ، وَتَتَبَعُ كَمِّيَّةَ وَجَوْدَةَ ٱلۡخَدَمَاتِ ٱلَّتِي تُؤَدَّى خِلَالَ شَهْرٍ وَٱحِدٍ.
هَٰذِهِ ٱلۡحُقُوقُ تُوَفِّرُ ٱلۡعِفَّةَ وَٱلۡكَفَايَةَ لِلۡعَامِلِ وَٱلۡعَائِلَةِ وَٱلۡأَشْخَاصِ ٱلۡمُتَعَلِّقِينَ بِهِ إِن كَانَ مُتَزَوِّجًا، وَتَتَنَاسَبُ فِي نِهَايَةِ ٱلۡمُدَى وَبِدَايَةِ ٱلۡمُدَى مَعَ ٱلۡمُسْتَوَى ٱلۡمُتَوَسِّطِ لِلۡمُجۡتَمَعِ.
لَا يَسْتَثْنَى مِنْ هَٰذَا ٱلۡقَانُونِ أَيٌّ مِنَ ٱلۡمَقَامَاتِ، وَلَا حَتَّى أَعْضَاءُ ٱلۡهِئَةِ ٱلۡعِلْمِيَّةِ فِي ٱلۡجَامِعَاتِ وَٱلۡمُؤَسَّسَاتِ ٱلۡتَعْلِيمِيَّةِ وَٱلۡبُحُوثِيَّةِ فِي حَدِّ ٱلۡمُدَى.
وَلِأُوْلَٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُقَدِّمُونَ خَدَمَاتٍ أَفْضَلَ وَأَعْلَى مِنَ ٱلۡمُعَيَّارِ ٱلۡمُعْتَادِ، يُوَجَّهُ نِظَامٌ تَشْجِيعِيٌّ مَعْقُولٌ وَمُنَاسِبٌ.
خَطٌّ:
حُقُوقُ ٱلرَّئِيسِ وَٱلۡمَسْؤُولِينَ ٱلۡعُلَيَا وَٱلۡمُدِيرِينَ ٱلۡعَامِّ، بِالإِضَافَةِ إِلَى ٱلۡحُقُوقِ ٱلۡمُحَدَّدَةِ، لَا يَتَلَقَّوْنَ أَيَّ حُقُوقٍ مُسْتَقِلَّةٍ نَظَرًا لِوَزْنِ ٱلۡمَسْؤُولِيَّةِ ٱلۡثَّقِيلَةِ، وَلَا يَحْصُلُونَ عَلَى أَيَّ ٱمْتِيَازٍ، بَلۡ تَكْفِي حُقُوقُهُمْ لِتَلْبِيَةِ ٱلۡحَاجَاتِ ٱلۡمَعِيشِيَّةِ لِأُسَرِهِمْ وَٱلۡأَشْخَاصِ ٱلۡمُتَعَلِّقِينَ بِهِمْ بِمُسْتَوًى يُمَاثِلُ ٱلۡمُجۡتَمَعَ ٱلۡمُتَوَسِّطَ.
خَطٌّ:
يُحَظَرُ أَيُّ دَفْعٍ زَائِدٍ أَوْ تَشْجِيعِيٍّ لِلۡمَقَامَاتِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ وَٱلۡقَضَائِيَّةِ وَٱلۡمِهَنِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لِلۡقُوَّاتِ ٱلۡمُسَلَّحَةِ، ٱلَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَ دَخْلًا أَعْلَى مِنَ ٱلطَّبَقَةِ ٱلۡمُتَوَسِّطَةِ فِي ٱلۡمُجۡتَمَعِ.
خَطٌّ:
عِنْدَ تَنَزُّلِ ٱلۡمُدِيرِينَ ٱلسِّيَاسِيِّينَ وَحُصُولِهِمْ عَلَى مَنَاصِبَ أَدْنَى، لَا تُؤَخَّذُ فِي ٱلۡعُينِ ٱلۡإِدَارِيَّةِ حُقُوقُ ٱلۡمَنَصِبِ ٱلۡسَّابِقِ.
خَطٌّ:
لَا يَسْتَطِيعُ ٱلۡمَقَامَاتُ ٱلسِّيَاسِيَّةُ بَعْدَ ٱلۡمُنْتَهَى مِنْ دَوْرَةِ ٱلتَّصَدِّي، وَلِلۡأَسْرَى وَٱلۡجَرْحَى وَٱلۡمُحَارِبِينَ أَن يَحْصُلُوا عَلَى أَيِّ ٱمْتِيَازٍ خَاصٍّ وَتَشْجِيعِيٍّ بِٱسْتِنَادٍ إِلَى هَٰذِهِ ٱلۡعَنَاوِينِ.
خَطٌّ:
رَاتِبُ أَيِّ مَسْؤُولٍ، سِيَاسِيٍّ كَانَ أَوْ غَيْرَ سِيَاسِيٍّ، عَسْكَرِيٍّ كَانَ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، وَمِنْهُم مُمَثِّلُو مَجْلِسِ شُورَى ٱلۡإِسْلَامِ الَّذِينَ يُحَدَّدُ رَاتِبُهُمْ وَفْقَ نِظَامِ ٱلۡدَّفْعِ ٱلۡمُنَسَّقِ لِمُوَظَّفِي ٱلۡحُكُومَةِ، وَنَفَقَاتِ ٱلۡوَظِيفَةِ ٱلۡنَّائِبِيَّةِ، بِمَقْتَرَحِ لَجْنَةِ ٱلۡإِدَارَةِ فِي ٱلۡمَجۡلِسِ وَمُصَادَقَةِ ٱلۡجَلْسَةِ ٱلۡمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ لَجْنَةِ ٱلۡإِدَارَةِ وَلَجْنَةِ ٱلۡبَرَامِجِ وَٱلۡمَوَازَنَةِ وَٱلۡحِسَابَاتِ فِي ٱلۡمَجۡلِسِ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَجَاوَزَ قِيمَتُهُۥ لِكُلِّ شَهْرٍ فِي أَيِّ فَتْرَةٍ مِنَ ٱلۡفَتَرَاتِ ثَلَاثَةَ مِثْقَالِ ذَهَبٍ عِبَارَةً عَنِ ٱلۡعِيارِ ٱلۡثَّمَانِيَ عَشَرَ.
مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فِي هَٰذَا ٱلۡمَجْمُوعِ مِنَ ٱلۡقَوَانِينِ.
خَطٌّ:
يَجِبُ عَلَى ٱلدَّوْلَةِ أَنْ تُنَظِّمَ نِظَامَ دَفْعِ ٱلۡحُقُوقِ بِمُسْتَوًى يُعَادِلُ ٱلۡمُتَوَسِّطَ فِي ٱلۡمُجۡتَمَعِ، حَتَّى يَكُونَ ٱلۡعَامِلُونَ بِهِ رَاضِينَ وَلاَ يَشْعُرُونَ بِٱلۡحَاجَةِ، بِشَكْلٍ يُمْنَعُ فِيهِ ٱلۡفَسَادُ وَٱلۡخِيَانَةُ إِلَّا مِنْ أَفْرَادٍ أَشْرَارٍ أَوْ مَغْرُورِينَ أَوْ ذَوِي عُقَدٍ عَمِيقَةٍ وَمَرَضِيَّةٍ، وَهَٰؤُلَاءِ مَكْتُوبٌ عَلَى ٱلۡمُدَرَاءِ ٱلۡمُشْرِفِينَ عَلَى ٱلۡأَجْهِزَةِ ٱلۡرَّاقِبَةِ تَحْدِيدُهُمْ وَإِعْفَاؤُهُمْ مِنَ ٱلۡوَظَائِفِ.
خَطٌّ (كُلَّانِيٌّ):
لَا يَجُوزُ لِلۡدَّوْلَةِ فِي نِظَامِ دَفْعِ ٱلۡحُقُوقِ وَٱلۡمَزَايا أَنْ تُدْفِعَ ٱلۡقُوَّاتِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ ٱلۡوَفِيَّةِ وَٱلۡمُضْحِينَ وَٱلۡمُدِيرِينَ ٱلۡتَّنْفِيذِيِّينَ إِلَى ٱلطَّمَعِ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلۡمَادَّةِ، أَوْ أَنْ تُقَيِّمَ قِيَمَةَ أَعْمَالِهِمْ وَخَدَمَاتِهِمْ بِٱلۡمَالِ.
وَلَا يَجِبُ أَنْ تُؤَسِّسَ نِظَامًا طَبَقَاتِيًّا بِتَوْزِيعِ ٱلۡمَوَارِدِ عَلَى عَائِلَاتِ ٱلۡقُوَّاتِ ٱلۡوَفِيَّةِ وَٱلۡمُضْحِينَ وَٱلۡمُدِيرِينَ ٱلتَّنْفِيذِيِّينَ، أَوْ أَنْ تُلَوِّثَ تِلْكَ ٱلۡعَائِلَاتِ بِٱلدَّخْلِ وَٱلۡمَزَايا ٱلۡمَسْرُوبَةِ ٱلۡمَسْرُوبَةِ مِنَ ٱلۡمَالِ ٱلۡعَامِّ وَٱلۡخِزَانَةِ.
خَطٌّ:
ٱلشَّهِيدُ وَكُلُّ مَن يَفْقِدُ حَيَاتَهُۥ فِي سَبِيلِ ٱلۡوَظِيفَةِ وَٱلۡوَاجِبِ ٱلۡقَانُونِيِّ، لَا يَكُونُ ضَائِعًا أَوْ مَهْدُورًا لِيَكُونَ ٱلۡخِزَانَةُ ضَامِنًا لَهُۥ وَتَدْفَعَ دِيَّتَهُ، وَلَكِنَّ أُسَرَهُۥ فِي حَالَةِ ٱلۡحَاجَةِ تُعَالَجُ وَتُؤْمَنُ.
[1] – احزاب / 6.
[2] . احزاب / 21.
[3] . در سند و ى صحيفهى سجاديه، متوكل بن هارون ثقفى به نقل از امام صادق 7 آورده است: « مَا خَرَجَ وَ لَايَخْرُجُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْمآ أَوْ يَنْعَشَ حَقّآ إلَّا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَ كَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَشِيعَتِنَا؛ كسى از ما اهلبيت پيش از قيام حضرت قائم براى بازدارندگى از ستم يا زندهكردن حقى قيام نكرده و نمىكند،مگر اينكه به بلايا گرفتار مىشود و قيامش افزايش ناراحتى ما و شيعيانمان مىباشد. متوكل بعد از آن گويد: بعد از شهادت زيد بن على، به يحيى بن زيد گفتم: « إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ إِلَى ابْنِ عَمِّکَ جَعْفَرٍ أَمْيَلَمِنْهُمْ إِلَيْکَ وَ إِلَى أَبِيکَ؟! فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ ابْنَهُ جَعْفَرآ 8 دَعَوَا النَّاسَ إِلَى الْحَيَاةِ وَ نَحْنُ دَعَوْنَاهُمْ إِلَىالْمَوْتِ »؛ مردمان به پسر عموى تو امام صادق 7 از تو و پدرت زيد، تمايل بيشترى دارند. او گفت: عموى من اماممحمدباقر و فرزندش امام صادق 8 مردمان را به زندگى مىخوانند و ما آنان را به مردن و كشتهشدن مىخوانيم.
[1] . كافى، ج 1، ص 58.
[2] ـ الكافى، ج 1، ص 58.
[3] ـ ملك / 3.
[4] ـ فرقان / 73.
[5] ـ آل عمران/159.
[6] ـ انفال / 60.
[7] ـ ر. ك: وسائلالشيعه، باب: انّ لكلّ شىء حدّا و من تعدّى ذلك الحدّ كان له حدّ.
[8] ـ الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 257.
[9] ـ نهج البلاغة، خطب الإمام علي 7، ج 1، ص 225.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.