صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المرأة المظلومة عبر التاريخ الجزء الأول 1

نشر في آذر 13, 1404 في

المرأة

المظلومة عبر التاريخ

(الجزء الأول)

(رحمه الله)

حضرة آية الله

البيانات التعريفية:

المؤلف: (ولد 1327 هـ ش)

العنوان والمؤلف: المرأة؛ المظلومة عبر التاريخ / .

مكان النشر: إسلام شهر: دار نشر ، الطبعة الثانية: 1393 هـ ش.

المواصفات الخارجية: 4 أجزاء.

رقم الكتاب الدولي الموحد: 978-600-6435-46-6 (للمجموعة)

رقم الكتاب الدولي الموحد للجزء الأول: 978-600-6435-47-3 (الطبعة الثانية)

حالة الفهرسة: فيپا

الموضوع: المرأة

تصنيف الكونجرس: 1393 9 ز 8 ن / 1208 HQ

تصنيف ديوي: 305 / 4

رقم الفهرس الوطني: 2846409

الناشر:

طبعة: الثانية

تاريخ النشر: 1393 هـ ش.

عدد النسخ: 3000

سعر المجموعة: 258000 تومان

طهران – إسلام شهر – نسيم شهر – وجيه آباد

شارع جواهرزاده – رقم 36

الرمز البريدي: 3769138575

هاتف مركز التوزيع: 025-32 90 15 78

الموقع الإلكتروني:

حقوق النشر محفوظة للمؤلف

المقدمة

على الرغم من وجود العديد من الكتب المكتوبة عبر فترة زمنية طويلة، والتي تناولت موضوع المرأة – هذه الهدية الإلهية والمظلومة عبر التاريخ – من وجهات نظر متعددة، إلا أن معظم هذه المؤلفات تحتوي على نقائص أو أخطاء. ذلك لأن المؤلفين لم تتوفر لهم الفرصة الكافية أو الفهم الشامل للمرأة. بل إن بعض الشخصيات العلمية – الدينية، بسبب الإهمال أو التبسيط أو تعقيد قضايا المرأة أو الاتجاهات الشخصية والفكرية، قد أحدثوا مشكلات وأصدروا رسائل تخالف مقتضى العقل وأسس الدين. ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية لهؤلاء الكتاب – الذين يزعمون التنوير أو لا ينتمون إلى المعرفة والثقافة الدينية الأصيلة – كانت واضحة للعيان.

هذا النقص في الفهم الصحيح والشامل أدى عبر التاريخ إلى إفراط وتفريط في الأمور المرتبطة بالمرأة، مما أسفر قهراً عن انحراف المرأة في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. لذلك، سعينا في هذا الوقت الذي أصبح فيه موضوع المرأة من القضايا الأساسية والحيوية في المجتمعات المختلفة، وخاصة مجتمعنا، إلى تقديم صورة صحيحة وشاملة للمرأة، ودحض الشبهات والالتباسات المتعلقة بشخصية المرأة والدين الإسلامي المقدس. وذلك من خلال هذا الكتاب المستمد من مؤلفات الأستاذ الفاضل، حضرة آية الله العظمى – الذي يمتلك يدًا طويلة وفكرًا حيويًا في البحوث النفسية والاجتماعية عن المرأة – والذي يحمل عنوان «المرأة؛ المظلومة عبر التاريخ»، مستوحى من اسم السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، حقيقة اللاهوت والعصمة الكبرى وكرامة الحق.

هذا الكتاب هو الأساس النظري لآراء المؤلف في موضوع المرأة، والجزء الأول من سلسلة متعددة الأجزاء تعتمد على هذه المبادئ. بعض هذه الأجزاء تتناول نقد الكتب الدينية وغير الدينية المتعلقة بالمرأة، وبعضها يتناول مراجعة الأدلة الدينية حول المرأة، وبعضها يقدم طرقًا صحيحة وعملية للسلوك تجاه المرأة في الأسرة والمجتمع، وبعضها الآخر يناقش المرأة وأقاربها مثل الأب، الزوج، والأبناء.

إذا تم دراسة هذا العمل بدقة وتأمل وإنصاف وبدون تعجل، فإنه يقدم للقارئ صورة صحيحة وحقيقية عن المرأة تتوافق مع الدين، والعقل السليم، والإنصاف، وأرقى الأفكار الفلسفية والنفسية والاجتماعية للمؤلف. ولهذا السبب، يدرك القارئ في النهاية أن الكثير من الأسئلة الجوهرية والشبهات التي أثيرت حول موقف الدين أو آراء الأئمة المعصومين تجاه المرأة لم تعد قابلة للنقاش، لأن قراءة هذا الكتاب تجعل القارئ – سواء كان رجلاً أو امرأة، مسلماً أو غير مسلم – يفكر كالدين، ويؤكد وجهة الشريعة والعصمة حول المرأة.

وأخيرًا، من الجدير بالذكر أن هذا الجزء من الكتاب يسعى إلى تقديم صفات وحقوق المرأة بعيدًا عن النظرة الذكورية أو الأنثوية، مبنية على الحق، والواقع، والمنطق السليم. ولهذا السبب، عُرضت الأسئلة والحجج المعارضة بشكل حر ومنصف، بعيدًا عن أسماء أو عناوين أو انتسابات، مع تقديم إجابات موجزة ثم تفصيلية. لذا يجب على القارئ متابعة هذا العمل بعناية وتأمل كبير حتى يفهم آراء الكاتب، ونقده، وردوده بشكل صحيح، ويصل إلى فهم دقيق لشخصية المرأة الرقيقة والمعقدة وغير المعروفة، مع نهاية مُرضية.

مقدمة

في عالم الفكر والعقائد، هناك اختلافات كثيرة تتعلق بالمرأة – هذه الهدية الإلهية، مرآة الجمال الإنساني، والظُلم الدائم عبر التاريخ. إن أفكار ومعتقدات البشر في هذا المجال، بسبب عوامل متعددة وتفاوت الأذواق، قد تشتت وتفرّق إلى حد كبير بحيث وصلت في كثير من الأحيان إلى نقاط متضادة ومتناقضة، حيث اختار كل فريق نقيض أو معارض فكر الفريق الآخر، دون أن يكون لديهم دقة أو اهتمام كافٍ بمعايير وأدلة تلك العقائد.

فالمرأة، هذه التجسيد للكمال والجمال، رغم تفوقها في اللطف والصفاء والحُسن والفن على باقي مخلوقات الوجود، وكونها كائناً ملموساً وحقيقةً محسوسةً، وكيمياءً غزيرةً ورفيقاً واضحاً للرجل، إلا أنها بسبب صفاتها المتنوعة وخصائصها العديدة وتعقيداتها المدهشة ورقتها الجذابة التي تميز شخصيتها، جعلت الإنسان عبر التاريخ منخرطاً في خرافات كثيرة وأفكار مبعثرة ونقاشات مختلفة وغير متناسقة، حتى أن بعض المفكرين يعجزون عن التصريح بها خوفاً من الخطأ أو يقيناً ببطلانها. ومن هذه النقاشات المهينة، مثلاً: هل المرأة إنسان أساساً؟ هل هي ناقصة أو كاملة كالرجال؟ وغيرها من مسائل محرجة.

ومع ذلك، توجد نقاشات معقولة يجب بذل جهد جاد لتقريرها وبيانها وقراءتها قراءة صحيحة؛ مثل: هل المرأة متساوية مع الرجل – هذا الند المماثل لها – في الجوانب الفكرية والعملية والحقوق والواجبات الفردية والاجتماعية؟ أم أن لها حقوقاً تختلف عنه؟

على أساس فكر سليم ومنهج ديناميكي، من الواضح أن المرأة إنسان كامل لا ناقص، لها حقوق متناسبة مع ذاتها، وإن كانت خصائصها تفرض أحياناً حقوقاً تختلف عن حقوق الرجل، بحيث لا يتعارض تمتع المرأة بحقوقها الكاملة مع تلك الخصوصيات. كما أن الفطرة والطبيعة والعقل والدين تتجنب أي تحيّز أو إفراط أو تفريط في هذا المجال.

بالطبع، كل واحدة من هذه القضايا الحساسة والمهمة، أو غيرها من القضايا العلمية والفلسفية المتعلقة بالمرأة، تستحق التدقيق والنقد، وكل منها يحتاج إلى فرصته المناسبة للدراسة. لكن ما نسعى إليه في هذا الكتاب بشكل أساسي هو بيان خصائص المرأة وصفاتها والقضايا المهمة القانونية والتطبيقية المتعلقة بها، مع دراسة مظاهر النظام والانحراف، والنقد، والتوهّمات، وإزالة الشوائب عن حرمة المرأة المقدسة، هذه التجلّي الإنساني الذي أبدت جميع الأمم والملل والأديان تجاهه حساسيات متنوعة؛ وليس نقاشات جوهرية فلسفية بحتة كموضوع الهوية الذاتية والمكانة الإنسانية للمرأة من منظور الأكاديميين العقيمين والأذهان المعقدة.

وباختصار، موضوع هذا الكتاب هو نقد ودراسة قضايا المرأة من منظور العقل والتجربة والعدل والإنصاف، دون أن يكون هناك مكان للذكورية أو التحيّز للمرأة.

بعض المواضيع التي يهتم بها هذا الكتاب تشمل: الحجاب أو الجنس والعُري أو اللباس المناسب للمرأة؛ الانقياد والقيود غير الصحيحة أو التحرر على أساس معايير؛ تحديد علاقات المرأة أو حصرها أو – كما يقول البعض – احتكارها أو تحريرها بأي شكل كان؛ العلاقات الجنسية غير الشرعية أو الزواج والاكتمال القائم على الطهارة والنقاء؛ مشاعر وعقل المرأة، الإرث والدية، تعدد الزوجات، الزواج المؤقت وما شابه. في هذا الكتاب تُناقش المعتقدات والأسس والقضايا المتعلقة بهذه المواضيع ومئات القضايا الأخرى، ويتم تناول كل منها بطريقة خاصة ومنهج منطقي ومنصف، مع مراعاة تعاليم الدين والمشاعر الإنسانية.

هيكل الكتاب

كتاب “المرأة المظلومة عبر التاريخ” هو كتاب بحثي اجتماعي نقدي يتحدى الوجود الماضي والحالي لمجتمعنا، ويرسم صورة صحيحة لمكانة المجتمع الإسلامي، والحياة الإسلامية، والمرأة المسلمة. يتألف هذا الكتاب من اثني عشر فصلاً، ترتب تلك الفصول وفق الموضوعات الاجتماعية الملموسة، وتشكل خارطة للمجتمع الحالي.

الفصل الأول يبدأ من تفاعل المرأة والرجل في المجتمع ويتناول موضوع اللباس والجنس والعُري. تم وضع هذا الفصل أولاً لأن الحاجة للبسّ في البيت أقل، لكن عند التفاعل الاجتماعي يصبح سؤال “بأي لباس وبأي قدرية وبأي جودة ينبغي للمرأة الظهور في المجتمع؟” قائماً. يبرر هذا الفصل أهمية اللباس ويناقش العري بالأدلة، ويختم بتمييز بين اللباس والحجاب، مع اعتبار اللباس والحشمة واجباً.

الباب الأول: الجنس والحرية

المقدمة: الجنس والحرية

الموضوع الأول الذي نتناوله هو موضوع الحشمة والستر عند المرأة؛ لأنه يمثل البيئة الاجتماعية والتفاعل الأولي والمباشر بين الرجل والمرأة. يجب أولاً أن نعلم أن ستر المرأة يمكن تصوره بطريقتين: ستر عام وستر خاص.

الستر العام

الستر العام يعني تغطية الأعضاء الخفية لدى المرأة والرجل على حد سواء، فلا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. في هذا الستر يكون الرجل والمرأة متساويين، وهذه إحدى أهم الميزات التي تميز الإنسان عن الحيوان؛ إذ من البديهي أن الحيوانات لا تلبس بهذه الطريقة، رغم أن لكل منها نوعًا من الستر الطبيعي، أما الإنسان فإنه بعقله الفطري يغطي نفسه بوسائل مختلفة. لا جدال بين شعوب وأمم العالم بقبول هذا الستر العام، فالجميع – رجالاً ونساءً – طوال حياة البشرية يلتزمون به ولم يعارضه أحد سوى اختلافات في التفاصيل والمظاهر حسب الأذواق المتنوعة.

وقد انتقد أتباع الجنس والعُري هذا القدر من الستر ونفوه، قائلين: “هذا الستر غير ضروري، وإن كان كذلك فهو فقط للظهور في الأماكن العامة، أما داخل المنزل وبين أفراد العائلة أو الأصدقاء أو المجالس الخاصة فلا حاجة له، فظهور هذه الأعضاء يعود بالنفع على الأسرة ويزيد من وعي الصغار ويسعد المجالس الودية.”

وفي الرد على هذا الرأي نقول: توفير الوعي والتعليم المناسب للأطفال لا يتعارض مع التطبيق العملي للستر العام، والمرح الودي في هذا السياق لا يعني إلا انحلالاً أخلاقياً وكشفاً عاماً. هذه التصورات لا تثبت أو تبرر نظرية العُري التي لا تؤيدها سوى بعض العوالم الفاسدة، كما أنها تعكس نفوساً مضطربة وأفكاراً غير علمية وأخلاقية، وتروج لأفكار ملحدة ومعادية للروحانيات والدين.

لذا فإن النقاش في المجتمعات المختلفة لا يتعلق بالستر العام لأنه مقبول من الجميع ويحظى بدعم ديني وأخلاقي وعلمي قوي.

الستر الخاص

أما الستر الخاص الذي نناقشه هنا فهو خاص بالنساء، وله أشكال وأحجام مختلفة، لكنه في كل حال يعارض العري والجنس الصريح، وهو يعبر عن فكرة روحية وعفة عامة.

حول هذا الستر الخاص، هناك رأيان: الأول أن المرأة تحتاج إلى ستر مختلف عن الستر العام، وهو ما يميزها عن الرجل، والثاني أن المرأة يمكنها أن تظهر في الأماكن العامة مثل الرجل بحرية تامة دون قيود أو حواجز، فلا فرق بين الجنسين في هذا الشأن.

يعتقد بعضهم أن المرأة مثل الرجل ويجب أن تتمتع بحرية كاملة في هذا المجال، لأن الجنس والعري ليسا فقط حقًا، بل هما من مظاهر الحرية، ولا ينبغي حجب تحقيقهما عن المرأة. هؤلاء لا يلتزمون بالدين أو الأخلاق أو العفة، ولا يدركون أن كونه إنساناً أو حراً لا يلزم العري أو الجنس الصريح، رغم أن بعضهم قد يدّعي الالتزام بالدين شكليًا.

أما من جهة أخرى، فإن كثيرًا من أهل الدين وأصحاب الوقار والعفة والإنسانية يرسّخون أفكارهم على ثقافة دينية وأخلاقية، ويرون أن المرأة يجب أن تكون محدودة في الستر، وأن العري هو تجاهل لحقوقها ولقيم أخلاقية ودينية.

بالطبع، لا يجب أن نخلط بين الأشكال المتطرفة أو الجاهلية من الحجاب التي تفرض بالقوة وتنتشر بسبب التعصب القومي والجمود الديني، وبين الحجاب الديني الحقيقي الأصيل. هذه التشددات هي سبب من أسباب التهاون في موضوع الجنس والعري في العالم اليوم.

الالتزام الديني وستر المرأة

كما أن العقل السليم لا يرفض الستر الكامل للمرأة، كذلك جميع الأديان السماوية تعنى بحشمة المرأة وتدعو إليها، إذ تدعم جميعها ستر المرأة.

قد يُقال إن بعض أتباع الأديان يدعمون العري أو يروّجون له، لكن ذلك لا يعبر عن تعاليم الدين الحقيقي، بل هو تحريف دخل على الدين أو تعاليم خاطئة غير دينية.

لقد حدث كثيرًا أن دخلت تحريفات وخرافات في الأديان، وكذلك كثير من أشكال الحجاب التي تُقدّم على أنها دينية ما هي إلا نتائج تعصبات وقصور فهم ونشأت ضمن مجموعات رجعية.

عمومًا، الإفراط والتفريط في الشؤون الدينية خاصة في مثل هذه المواضيع يمثل بدعة وتحريفاً، ولا ينبغي أن يُنسب إلى الدين.

الذين يرون أن المرأة لا تحتاج إلى أي ستر يشبهون من يرون المرأة كائنًا منزليًا وغير مرئي، مما يؤدي إلى الركود والجهل والتدمير للمرأة والمجتمع.

لذلك لا يجب تحميل أفعال وأقوال أتباع الدين الظاهرين على الدين نفسه، حتى لو استخدموا الطابع الديني.

لا يجب أن نعزو العري المتطرف لأي دين، ولا يمكن اعتبار الحجاب الرجعي من الدين، وربما أحد أسباب انتشار العري والجنس في العالم هو هذه الأشكال المتطرفة من الحجاب الرديء والغير طبيعي.

إن إخفاء المرأة، التعصب، الحجاب الكيسي وأنماط غير صحية كثيرة تؤدي إلى تفشي العري والجنس تحت مظلة الحرية الشخصية والتعصب القبلي، مما أدى إلى أضرار كثيرة للمرأة – التي هي مظلومة دائماً في التاريخ.

الغيرة الجاهلة والتعصب

عندما تسود تعصبات جافة وجاهلة من نمط “أبو مسلم” على المرأة، ينجم عن ذلك بالضرورة مجتمع يعاني من الجنس الصريح والعري والحجاب السيئ.

ويُروى أن أبو مسلم الخراساني أمر في ليلة زفافه أن لا يظهر أحد في المدينة لكي تدخل زوجته بين النساء دون أن يراها رجل، وعندما نزلت عن الحصان أمر بحرق سرج الحصان وقطع الحصان إلى نصفين، وهذا يدل على التعصب الجاهل الذي لا منطق له.

في الإسلام، يُذكر أن مكان جلوس المرأة إذا برد لا كراهية في جلوس الرجل فيه.

الذين لا يعترفون بحرمات للمرأة ويعتبرون أن سقوط عين الرجل على ثياب المرأة يُفقدها العفة، يعبرون عن تفريط وتشدّد غير منطقي ولا ديني.

ملاحظات عامة

  1. هناك رأيان عامان حول الستر: البعض يرى أن المرأة ملزمة بالستر، والآخر يراها حرة بلا قيود.
  2. لا يجب أن تُنسب التجاوزات التي تحصل في المجتمعات الدينية للدين نفسه، فهي تعبير عن أهواء شخصية وجماعية.
  3. تختلف الأفكار مع الممارسات، فبعض الذين يعتقدون بالدين يمارسون ما يخالفه.
  4. الذين لا يلتزمون بستر المرأة لا يحترمون أحكام الدين إلا إذا أجبرهم القانون.
  5. مقدمة:
  6. لقد اتضح حتى الآن أن جميع الأديان السماوية، والأنبياء الإلهيين، والمتدينين الواعيين والمخلصين، قد اعتبروا الحجاب جزءاً ضرورياً وواجباً للمرأة، وأقرّوا به كقاعدة دينية وأخلاقية ثابتة؛ بحيث أن أي مخالفة في هذا المجال تُعتبر تحريفاً للدين. ولكن الأمر الذي يستحق الاهتمام والدراسة هو كيفية ارتباط المبادئ الإنسانية والأحكام العقلانية بهذا الموضوع. يجب أن نرى كيف يرى العقل السليم والتفكير السديد هذه المسألة.
  7. بالطبع، توجد في هذا النقاش حجتان متناقضتان، وكل فريق يستند إلى مبادئه في إثبات رأيه. فالأنصار للحرية الجنسية والعري، مثل مؤيدي الحجاب والتستر، يرفعون شعار حماية حرية المرأة ويصطحبون أقوالهم بزخارف عقلية، معكوسين الحقيقة ومشوّهينها.
  8. والآن، ينبغي علينا أن نبحث ونتحقق لمعرفة أي من هذه الأفكار تتوافق مع الحقيقة، وأيٌّ منها يحقق الحرية الحقيقية للمرأة ويحفظ مكانتها، وأيُّ منها يتناسب مع العقل والدين ويليق بالإنسان.
  9. المؤمنون بالدين وأتباع الأديان يعتقدون بأن الحجاب هو مبدأ عقلاني، وأن النساء والرجال المتحررين ذوي الطبيعة السليمة يؤيدونه كذلك. فهم يرون أن المرأة ملزمة بالحجاب، وأن العري لا يتناسب مع مقام الإنسان، وكرامة المرأة، وصحة المجتمع.
  10. في المقابل، أولئك الذين أبعدوا المرأة عن كل أوامر العفة والتطهر الأخلاقي، لم يجعلوها إلا أداةً للفساد والأغراض الشيطانية. يبدو أن هؤلاء يرون الحجاب ضرورياً للرجال فقط؛ كما هو الحال في المجتمع اليوم حيث يمكن ملاحظة آثار هذا الفكر بسهولة بين العامة.
  11. مع ذلك، فإن الحجاب الخاص بالرجال قد تلاشى في المراكز الفاسدة والبيئات الشيطانية المفتوحة، حيث تلاشت كل القيم والمعايير، رغم أن في هذه البيئات الفاسدة يُحفظ الحجاب والعفة الرجولية أكثر من حرمة وكرامة المرأة. وعي المجتمع بهذه الحقيقة واضح ولا يحتاج إلى المزيد من الشرح.
  12. الفصل الثاني: أسباب الدعوة للجنس الحر: نقد وتقييم
  13. الدليل الأول للجنس الحر: المرأة والحرية
  14. في البداية، نعرض أدلة أنصار الجنس الحر والعري. يعتقد البعض أن الإنسان بطبيعته حر، والمرأة كذلك، ولا يجب تقييد حريتها بلا مبرر؛ لذا لا يجب أن يكون هناك فرق في الحجاب بين الرجل والمرأة. هذا التقييد يُعتبر ضد العقل والتفكير، وسيؤدي إلى حرمان المرأة من حقوقها الفردية والاجتماعية.
  15. ويقولون: لا يوجد دليل قاطع على هذا التقييد، ولا ينبغي حبس المرأة في قيود بسبب اعتقادات دينية أو تعصبات قومية أو اجتماعية أو خيالات. يجب أن تعيش المرأة كما الرجل، والحجاب العادي للإنسان كافٍ لها.
  16. النقد العام للدليل الأول:
  17. أولاً، يجب أن نعلم أن هذه المجموعة من الأدلة ـ التي ستعرض لاحقاً في خمسة عناوين مستقلة ـ هي من تأليفنا فقط بالنسبة لمعتقدات أنصار الجنس الحر، لأن أنصار هذا التيار لا يستخدمون هذا القدر من الأدلة المنطقية والأخلاقية، ولا يبتكرون هذه الحجج، ولا يسعون لذلك.
  18. هم بسبب شهواتهم، يُجرحون كل النقاشات الإيديولوجية، ويهينون الفكر والأحكام العقلانية، ويستهزئون بالمعنويات، وينشرون أفكاراً مصطنعة تُربك العقول، كما يستغلون السياسة والإدارة الحديثة ليحققوا أغراضهم، ويعارضون البديهيات، ويسخرون من الحقائق، ويضعون بؤس البشر وخسارته في مهب مصالحهم الإلحادية.
  19. في هذه الأثناء ـ كما هو الحال دائماً في التاريخ ـ يستغل الطغاة الماكرون وأصحاب المال المرأة كأهم أداة وأوسع موضوع لتحقيق أغراضهم الشريرة، ويجعلون هذه المرأة، التي كانت دائماً مظلومة عبر التاريخ، تقع في أزمات ونقائص واضطرابات مدمرة.
  20. هم يأخذون العقل ويُسيئون استخدامه، ويعتبرون التقاليد المعقولة للشعوب، التي نشأت من التقاليد الإلهية والقوانين الدينية، مجرد خيالات وتعصبات وهمية قومية واجتماعية، دون أن يملكوا طريقة منطقية في عرض معتقداتهم الشريرة. وإلا، لما اعتبروا الحجاب المعقول قيداً، ولا اعتبروا زينة المرأة وهندامها مجرد وهم، ولا لجأوا إلى الفوضى والانحلال، ولا نسبوا المشاكل الكثيرة للمجتمعات الدينية إلى الحجاب والعفة والأفكار الروحية.
  21. الآن، إذا سئل هؤلاء: ما معنى القيد، وما علاقته بالجنس أو الحجاب، ماذا يجيبون؟ نعم، الجنس هو في ذاته سبب كثير من القيود الفردية والاجتماعية، كما أن بعض أنواع الحجاب غير المعقول تسبب قيوداً كثيرة. لذا لا يوجد علاقة ملازمة ومنطقية بين مبدأ الحجاب والحرية.
  22. وإذا سئل هؤلاء عن العقل والفكر الذي يعارض الحجاب المعقول، فإنهم يستمرون في التهرب، بينما العقل والفكر يعلنان بوضوح ضرورة الحجاب المناسب وأهميته.
  23. التحليل التفصيلي للدليل الأول:
  24. أ. الحجاب: أرضية حرية المرأة في المجتمع
  25. الذين ينكرون وجود حجاب خاص، يروّجون لأفكار كثيرة دون مراعاة مبدأ «الملاءمة». القول بأن المرأة حرة ويجب أن تظهر في المجتمع دون قيود لا يتوافق مع هذا المبدأ. صحيح أن المرأة حرة ولا يجب أن تُفرض عليها قيود لا مبرر لها، لكن هذا لا يعني رفض الحجاب المناسب؛ بل على العكس، الحجاب المناسب يساعد المرأة على التحرر من القيود غير المبررة ويخلصها من قيود النساء الفاسقات. كما يسمح لها بالخروج من البيت دون إضاعة وقت طويل ودون الانشغال الزائد بمظاهر التجميل والتصرفات الخادشة للحياء، فيسهل عليها متابعة أهدافها السامية في العمل والمجتمع بدون قلق أو مضايقات من الشهوات.
  26. هذه الحرية لا يقرها العقل فقط، بل كذلك الأخلاق والروحانيات وجميع الشرائع والأديان، وخاصة الدين الإسلامي. لذا، فإن الحجاب يتيح حضوراً آمناً وصحياً للمرأة في المجتمع، على عكس الجنس الحر والعري، الذي لا يعيق حضور المرأة الصحي والآمن فقط، بل يشجع المرضى والشهوات على التطلع إليها في بيئة العمل والمجتمع.
  27. جاذبية المرأة
  28. المرأة إنسان ويجب أن تكون حرة وتنعم بكامل حقوقها الإنسانية، ولكن هذا الأمر لا يتعارض مع التزامها باللباس المناسب، فلا يعني ذلك الانحلال الجنسي أو العري. بلا شك، للمرأة خصائص خاصة بها، فهي تختلف عن الرجل في بعض الجوانب الروحية والجسدية؛ ولهذا يجب أن يكون لباسها متناسبًا مع هذه الخصائص ومختلفًا عن لباس الرجل. هذه الاختلافات يمكن أن يحددها العقل والطبع والفطرة والدين والعقلاء من كل قوم وأمة، رجالًا ونساءً.
  29. المرأة بطبيعتها تمتلك جاذبية وجمالًا لا يمكن إنكاره، وهذا حقيقة مطلقة في جميع الأزمنة والمجتمعات، حتى في المجتمعات التي تقل فيها الحساسيات تجاه المظاهر الخارجية. إن هذه الجاذبية تفرض على المرأة أن تراعي شؤونها الفردية والاجتماعية وتسعى للحفاظ على صحة الفرد والمجتمع، وألا تكون طليقة بلا ضوابط، لكي تستعيد الأفراد والمجتمع هيبته الطبيعية والتناسب والانسجام.
  30. لذا فإن اللباس المناسب هو أمر واقعي وليس قيدًا، رغم أن بعض العقول الضيقة قد تعتبره تقييدًا. لكنه ضرورة عقلانية ومنطقية، تراعى فيه مصلحة المرأة والمجتمع، ولا يتعارض مع حقوق المرأة الإنسانية وحرّيتها. فالمرأة حرة ضمن حدود شؤونها الإنسانية وبحفظ خصائصها، كما يجب على الرجل أيضًا أن يمارس حريته المحددة في المجتمع.
  31. وبهذا التوضيح تُزَال بعض الأوهام ويظهر عدم منطقيتها. ومن الجدير بالذكر أن الأصل في اللباس هو التأييد، ولكن الحجاب المفرط والمبالغ فيه غير صحيح. فلا ينبغي أن تُعتبر المرأة كائنًا مخفيًا وغير مرئي، ولا يجب استخدام أغطية تعزلها بشكل مبالغ فيه عن المجتمع، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لامرأة كانت تستر وجهها بالنقاب: «إظهار الوجه من الإسلام، والنقاب مفسدة»؛ لذلك يجب تعزيز العفاف والطهارة والنقاء لدى المرأة بلباس مناسب وثقافة علمية ودينية، لكي يدل اللباس على وقار المرأة وأناقتها، ولا تحتاج إلى التخفي غير المبرر.
  32. الدليل الثاني: مقارنة المجتمعات الحرة والمحتشمة
  33. يعتقد أتباع الانحلال الجنسي والعري أن وضع المجتمعات الحرة قائم على قانون الفطرة والمعايير الاجتماعية الصحيحة التي تضمن حرية واستقلال المرأة بطريقة معقولة ومناسبة، وأن المرأة تمكنت من تحقيق مكانتها الكاملة في هذه المجتمعات وأظهرت ذلك بأفضل صورة. في هذه المجتمعات، تدافع المرأة عن موقعها الفردي والاجتماعي وتتأقلم مع الوضع القائم بأفضل وجه، فتستعيد لذّتها المادية والإنسانية بشكل كامل، وتشعر بالفخر بمكانتها، وتظهر دون ضعف في المجتمع، وترافق الرجال في مختلف المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية.
  34. الوضع الراهن في المجتمعات المتحضرة اليوم أوجد أفضل الظروف الممكنة للمرأة؛ إذ تمكنت المرأة من التحرر من كل القيود الظالمة والبطولات المظلومة في البيت، وأدت دورها الحساس في مختلف الميادين الفردية والاجتماعية. وهذا الموقف مدعوم من المجتمع والقانون والعقل؛ لأن المرأة يجب أن تكون حرة كي تعرض قدراتها بالكامل وتتحرر من عزلتها وخداعها ورجعية مجتمعها.
  35. علاوة على ذلك، في المجتمعات التي تؤيد الحجاب أو تلتزم به عمليًا، توجد الكثير من الفساد والحرمان التي لا يمكن مقارنتها بالوضع الموجود في المجتمعات المتقدمة.
  36. في هذه المجتمعات – التي تسمى ملتزمة – أيضًا توجد أشكال مختلفة من الفساد والاعتداءات والاستغلالات التي تتنافى مع الدعوى المقدسة، وفي كثير من الحالات تفتقر المرأة إلى أدنى قيمة اجتماعية وحقوق ثقافية. هذه الفساد تنتج عن الفكر الرجعي والحجاب المفرط وثقافة الاستغلال التي تؤدي إلى تفسخ أخلاقيات متعددة وادعاءات زائفة مخفية، كما يظهر في الدراسات النفسية والاجتماعية والإحصائية. الأفكار الرجعية والحجاب الكيسي واللباس العشوائي والأخلاق المنافقة تُفضي إلى المظاهر الملوثة والفساد الأخلاقي.
  37. لذا، كما أن الانحلال الجنسي والحرية سببان لتقدم المجتمعات الحرة، فإن الحجاب والارتجاع سببان للاستغلال وتخلف المجتمع، وخاصة النساء.
  38. نقد الدليل الثاني:
  39. أ- مقارنة غير موضوعية
  40. الرد على هذا الدليل الذي يطرح جوانب إيجابية وسلبية للمجتمعات المفتوحة والمغلقة، هو أن هذه المقارنة متحيزة، إذ تبرز فقط الجوانب الإيجابية في المجتمعات المفتوحة والجوانب السلبية في المجتمعات المغلقة، مما يجعلها مقارنة غير صحيحة، لأنها لا تعرض الجوانب السلبية في المجتمعات المفتوحة أو الإيجابية في المجتمعات المغلقة، ولا تأخذ بعين الاعتبار العوامل التي تؤثر على هذه الجوانب، بل تعتبر الخطأ مرتبطًا بالحرية الجنسية واللباس.
  41. إذا نظرنا إلى الجوانب السلبية في المجتمعات المفتوحة، نجد أن المشاكل والفساد والحرمان المادي والمعنوي للمرأة في كثير من الأحيان ينجم عن عوامل استغلالية، وفي هذه الحالة، يكون السبب في وضع المرأة الخطير هو الحرية الجنسية التي استُغلت لأهداف مغرضة.
  42. ب- الانحلال الجنسي وانحرافات المجتمع
  43. أوضح دليل على فساد هذا الفكر هو الوضع الراهن في المجتمعات المتقدمة التي تُسمى حرة، حيث يظهر الفوضى والانحلال الجنسي في صورة تهدد استقرار هذه المجتمعات، بحيث لا تبقى هناك معايير لصحة الأفراد والمجتمع. هذه الأضرار الأخلاقية نشأت من هذا الفكر، حتى أن بعضهم يقر بأن مشكلاته باتت خارج السيطرة. هذه الأزمات تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، تدمير نفسي، وقلق عام، إلى درجة أن كثيرًا من أفراد هذه المجتمعات يلجأون إلى الروحانيات واللباس المحافظ هربًا من الفراغ والملل.
  44. وفي المجتمعات المغلقة، على الرغم من وجود مشكلات كثيرة، فإن الحجاب والعفاف يشكلان أداة قوية لحفظ كرامة وصحة المرأة، دون أن يكونا سببًا للمشكلات الموجودة. لذلك، لا ينبغي نسب النجاحات الاجتماعية في المجتمعات المفتوحة إلى الانحلال الجنسي، ولا تحميل المشكلات في المجتمعات المحتشمة على الحجاب والعفاف. الحجاب والعفاف لهما قيمة ذاتية، والمشكلات في هذه المجتمعات لها أسبابها الأخرى، كما يجب أن لا يغيب عن الذهن القيود المفرطة وعدم الحرية في المجتمعات المحتشمة، أو الحجاب الكيسي والتستر المبالغ فيه.
  45. موت الحب
  46. واحدة من أكبر مشكلات المجتمعات الحرة أن الرجال فيها يعيشون بقلوب خاوية وبدون شغف، ويقعون في أفعال دنيئة وخيانة في الأمور الجنسية، بل كثيرًا ما يمارسون أفعالًا وحشية في إرضاء شهواتهم، إذ أن إشباع الغريزة الجنسية عندهم لا يكون مصحوبًا بالحب والشغف والصفاء، فالشغف والحب مرتبط فقط بتدفق الرغبة الجنسية.
  47. هذا الوضع يجعل الرجل والمرأة يشعران بنقص غامض في داخلهما، لأن العلاقة الجنسية الطبيعية الكاملة لا تتحقق، ولذا يلجأون إلى وسائل اصطناعية لإطالة مدة العلاقة، باستخدام حبوب وحقن ومحفزات ضارة. هذه الممارسات لا تلبي الروح العطشى، بل تقصر عمرهم وتزيد الشهوات والفساد، ولا تجلب إلا الحرمان والدمار والاضطراب والجنون.
  48. هذه الحلول العبثية تجعل إشباع الغريزة الجنسية ينحرف عن مساره الطبيعي ويصبح جافًا ومصطنعًا، مما يؤدي إلى أمراض نفسية وجسدية مثل المثلية الجنسية، إذلال واحتقار المرأة والرجل، وأمراض جسدية مثل الإيدز. كما تظهر الاضطرابات العصبية والنفسية في هذه المجتمعات المتقدمة، والتي تشهد دليلاً قاطعًا على بطلان هذا الفكر والطرق الضارة التي يتبعونها.
  49. كما أن هذه المجتمعات تبتعد عن الإنجاب وتربية الأطفال، لأن أفرادها يعتبرون الأطفال عائقًا أمام متعتهم الشخصية اللامحدودة، إذ أن قلوبهم خاوية من المحبة والشوق، وهم عاجزون عن إقامة علاقات عاطفية صحية مع أبنائهم، ويفقدون حلاوة الحب والحنان، ويعتمدون حياتهم الاجتماعية على الشهوة والعنف والفساد.
  50. ج- الكبرياء الزائف
  51. في المناطق الحرة اليوم، يصعب العثور على فطرة سليمة وسعادة معنوية، فالعالم ملوث بصناعات ضخمة حتى بات من الصعب رؤية طبيعة سليمة. بناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار نجاح المرأة كاملاً في أي مكان، رغم وجود مزايا في المجتمعات الحرة والمغلقة على حد سواء، لكن الفساد الواسع في المجتمعات الحرة أضر بها كثيرًا، واللذات النفسية والمادية والعدوانية ليست تعبيرًا عن إشباع صحي ومنطقي وروحي.
  52. في المناطق الحرة، يظهر كبرياء زائف نتيجة تظاهر المرأة في المجتمع، لكنه مجرد كبرياء وليس حقيقة، إذ يشعر العديد من النساء هناك بالفراغ واللاجدوى. مع ذلك، لا ينبغي أن يُستخدم الوضع الحالي في المجتمعات الحرة ذريعة لتدمير مكانة المرأة في المجتمعات المحتشمة، أو أن تُحصر المرأة في حدود غيرتها الجاهلة، أو تتعرض لحقوقها وتُتخذ القرارات عنها من قبل الرجال.
  53. النتيجة
  54. نخلص إلى أن أوضاع المجتمعات المختلفة تتضمن جوانب مختلفة، وأن عوامل متعددة تؤثر في تحقيق هذه الأوضاع، ولا يجوز عزو أي وضع إلى سبب واحد فقط. كذلك، لا ينبغي نسب الجوانب الإيجابية في المجتمعات الحرة إلى الانحلال الجنسي فقط، ولا تحميل المشكلات في المجتمعات المحتشمة على الحجاب والعفاف فقط، فلكل وضع أسباب وعوامل متعددة يجب دراستها وفهمها.

نقد تطبيقي: تباين أسباب الظواهر

في هذا الموضع، من الضروري تحليل ونقد هذا الدليل من زوايا متعددة، مع تحديد الجوانب الإيجابية والسلبية فيه.

إن القول بأن: «الوضع الحالي للمجتمعات الحرة قائم على قانون الفطرة والأسس الاجتماعية الصحيحة»، رغم أنه صحيح إلى حد ما في بعض الجوانب، ويشمل مجالات رفاهية واسعة وصورًا ثقافية ملائمة، إلا أن لا أيًا من هذه القيم هو ناتج عن الجنس أو عري النساء، ولا العري هو ناتج عن تلك الجوانب. فلا ينبغي خلط الجوانب الإيجابية مع الآثار السلبية والاضطرابات في المجتمعات الغربية، بل يجب تحديد نطاق الأسباب والعوامل والظروف لكل منها.

أما القول بأن: «هذه المجتمعات تؤمن حرية واستقلال المرأة بطريقة معقولة ومناسبة، وقد تمكنت المرأة في هذه المجتمعات من تحقيق مكانتها وإظهارها بشكل كامل»، فهو يحمل وجهاً مزدوجاً. فليس صحيحًا أن المرأة في ظل هذه الوضعية قد وصلت إلى صحة وسعادة كاملة، إذ إن اضطرابات المجتمعات الغربية اليوم تظهر آثارها المروعة ومشاكلها النفسية بوضوح.

ومع ذلك، ليس صحيحًا أيضًا أن المرأة قد وصلت إلى مستوى مرتفع ومناسب اجتماعيًا كما الرجل، بل غالبًا ما أصبحت المرأة في المجتمعات الحرة مجرد ديكور أو دمية، وتحظى بمكانة أدنى مقارنة بالرجل، وتتكدس النساء في مستويين: أولًا، في مجال استغلالهن وتحقيق الرغبات، وثانيًا، في وظائف الموظفة أو العاملة أو في أبحاث ابتدائية ومتوسطة.

المرأة؛ وسيطة الشهوات!

القول بأن: «المرأة في المجتمعات الغربية دافعت عن موقعها الفردي والاجتماعي وتكيفت بأفضل شكل مع الوضع القائم»، ليس قولًا دقيقًا؛ لأن المرأة في النظام القانوني والاجتماعي والإداري الغربي تُعامل كقطعة ديكور ووسيلة لإشباع الشهوات، وقد أعدّت نفسها بأبهى حلّة وملابس وزينة لتكون أداة للفت الأنظار والاستغلال من قبل النفوس الفاسدة.

هذا الموقع المسموم للمرأة الغربية أخرج السعادة والطمأنينة من القلوب والبيوت، حتى أصبحت الإحصائيات المتعلقة بالفظائع والفساد مذهلة.

الماديات والإنسانية

الادعاء بأن: «المرأة في مثل هذه المجتمعات تجد ذاتها مادياً وإنسانياً بشكل كامل» بحاجة إلى مراجعة، فبالرغم من وصول المرأة في المجتمعات الغربية إلى العديد من الملذات المادية والهوائية في حال توافر الشروط وبيع نفسها للآخرين، إلا أنها لا تحقق الملذات الإنسانية والروحية أو الصحة والسعادة ـ وهما الأصلان اللذان تغفل عنهما ـ إذ إن النظام الحديث في المجتمعات الغربية قد تخلى عن الروحانية واختار النفسانيات والشهوات، وأصبح الجنس أفضل وأدعى وسيلة لتحقيق مخططاتهم الشريرة.

كما جاء في حديث نبوي شريف عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): «فئة من النساء هنّ من أهل النار، وأشر الناس المرأة الفاجرة».

الكبرياء الزائف

القول بأن: «المرأة تشعر بالكبرياء من موقعها»، صحيح على مستوى النساء الناجحات والعالمات والمتعلمات السليمات، لكن كثيرات منهنّ يعانين من الكبرياء المدمر الذي يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الانتحار وتزايد حالات الوفاة نتيجة ذلك. الكبرياء الزائف يبقي البعض راضين، لكنه يشكل فخًا للعديد منهن.

المرأة؛ ديكور ودمية

القول بأن: «النساء في المجتمعات الغربية يبدين وجودهن في المجتمع بلا عجز، ويسيرن جنبًا إلى جنب مع الرجال في المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية»، ليس دقيقًا؛ فالمرأة في الغالب تسير جنبًا إلى جنب على مستوى ابتدائي أو متوسط في الوظائف أو البحوث المتوسطة، كما أن إحصائيات الوظائف العليا والمناصب القيادية النسائية نادرة.

تُستخدم المرأة أكثر كديكور أو دمية، وتتسبب مشاركتها في تفكيك الأسرة، إذ تخرج المرأة إلى المجتمع ولكنها لا تعود إلى البيت، وتبرز بأزيائها وموديلاتها، مما كشف زيف شعارات حرية المرأة.

أفضلية الوضع؟

القول بأن: «المرأة في المجتمعات المتحضرة اليوم في أفضل وضع ممكن»، غير صحيح، فالوضع، مع كونه جيدًا نسبيًا، يتضمن اضطرابات كبيرة لا تُحتمل، كما أن الادعاء بأن: «المرأة تحررت من كل القيود الظالمة»، لا يتوافق مع الواقع، إذ إن قيود الأنظمة الاجتماعية الحديثة تبتعد بالمرأة عن هويتها الحقيقية، وتوقعها في صراعات دعاية وتوجهات مزيفة.

إنقاذ المرأة من الحبس المنزلي

القول بأن: «المرأة الغربية نجت من الحبس المنزلي المظلوم»، صحيح، فالمرأة لا ينبغي أن تُحبس في البيت بشكل يسبب لها الحرمان والظلم، لكن لا ينبغي أن نُهمل أدوارها المنزلية، والتي في الغرب تعرضت لأضرار كبيرة، كما أن حبس المرأة في المجتمعات التقليدية أضرّ أيضًا بها اجتماعيًا.

الاستخدام الآلي للمرأة

القول بأن: «المرأة تمكنت من أداء دورها الحساس في مختلف المجالات الفردية والاجتماعية»، غير صحيح، إذ لا تتحقق هذه المكانة إلا إذا لم تتحول المرأة إلى عامل فساد وانحراف، لكن في المجتمعات الحرة تُستغل المرأة بشكل آلي أكثر من استثمار خصائصها.

الحرية والدعم القانوني

القول بأن: «يجب أن تكون المرأة حرة ومدعومة بالعقل والقانون»، قول صحيح وجوهري، لكن العالم اليوم لم يطبق هذا المبدأ بشكل سليم، وإن وُجد تطبيق، فهو أكثر في المجتمعات الحرة.

تجاوز العزلة والركود

القول بأن: «يجب على المرأة أن تعرض طاقاتها في جميع المجالات، وتنقذ نفسها من عزلة الانكماش والرياء»، من أفضل الأقوال، وأكبر مشاكل المجتمعات المتخلفة تنبع من هذه القضايا، ويجب عدم تحميل مشاكل المرأة الغربية على عفة ونقاء النساء في المجتمعات التقليدية.

المجتمعات المحافظة والمحروميات

القول بأن: «المجتمعات المحافظة تعاني من محرمات أكثر لا تقارن بحالة المجتمعات المتقدمة»، ادعاء غير مبرر، فالمحرمات ليست بسبب الحجاب أو اللباس، وينبغي النظر لكل حالة في سياقها مع مراعاة الأسباب الحقيقية.

الفساد في كل المجتمعات

القول بأن: «في المجتمعات العفيفة أيضًا توجد فساد وتجاوزات واستغلال»، صحيح، لكنه لا يعني أن العفة هي السبب، فالفساد يختلف نوعًا ودرجةً، والمجتمعات الحرة تعاني من مشاكل أكبر، والجنس عامل مستقل في زيادة الفساد.

امتيازات المرأة في المجتمعات المحافظة

القول بأن: «المرأة في المجتمعات المحافظة محرومة من أبسط الامتيازات»، غير صحيح، فهناك تباينات كثيرة في هذه المجتمعات، وكلا النوعين من المجتمعات لهما مشاكل لا يمكن تجاهلها.

الحجاب والفساد

الحجاب السيء والتمسك الظاهري المزوّر أدّى إلى أضرار وأمور مخفية، لكن هذا لا يبرر اللجوء إلى الفساد والعري.

الحرية أم التحرر؟

القول بأن: «الجنس والحرية سبب تقدم المجتمعات الحرة، والحجاب سبب استغلال وتخلف المجتمعات المحافظة»، قول مبهم وغير دقيق، فالحرية والجنس ليسا مترادفين، فالجنس تحرر من الأخلاق والروحانية، بينما الحرية تؤدي إلى الكمال والروحانية إذا لم تؤخذ بمعناها السلبي.

الخلاصة

  • لا تعارض بين الحجاب المعقول والفطرة والحرية والموقع الاجتماعي للمرأة.
  • الجنس والعري لا يمنحان المرأة شخصية أو مكانة عظيمة.
  • لا يجلب الحجاب المفرط العفة أو الطهارة، ولا يسبب الحجاب المعتدل ضررًا.
  • الحرمان في المجتمعات المحافظة ليس حصراً على المرأة، ولا يرجع إلى الحجاب.
  • يجب أن يُعامل الإنسانة كعضو كامل وفاعل في المجتمع، لا كأداة.
  • القانون في المجتمع، وحدود المرأة بين الانضباط والحرية
  • إن القانون في كل مجتمع يُعدّ حاكمًا على الجميع، ويحدّ من التجاوزات والاعتداءات، ويحول دون انتشار الفساد. وبناءً عليه، فإنّ أقوى وسيلة لحفظ النفس البشرية وصيانتها من الانحراف والانحدار هي القانون الذي يمنع المجتمع من السقوط الأخلاقي والانهيار القيمي.
  • وعليه، لا ينبغي ـ بذريعة حماية المجتمع من الانحطاط الأخلاقي ـ تقييدُ المرأة وفرضُ القيود الزائدة وغير المبرّرة في اللباس والستر، بل الواجب تقوية العقل الفردي والجماعي من خلال التربية والتعليم، وتوسيع الثقافة العامة، وتعزيز الأمن الأخلاقي، وبناء نظام اجتماعي سليم، وتطبيق القوانين الوضعية بجدية، من أجل منع وقوع مثل هذه الحوادث غير المرغوبة.
  • فليس من الجائز أن تُقيّد حرية النساء في المجتمع تحت شعار الحماية من الفساد والفحشاء، وحتى إذا لم تتمكن الأدوات الطبيعية ـ كالعقل والقانون ـ من ضبط الانحرافات، فلا ينبغي أن تكون المرأة وحدها ضحيةً لتلك الحوادث؛ لأنّ تقييد المرأة على هذا الأساس هو تعاملٌ غير طبيعي، ويتنافى مع العدالة والإنصاف.
  • كما أن هذه القيود، فضلًا عن أنها لا تُعالج المشكلات، فإنها تفتقر إلى الأساس العلمي والتجربة التاريخية تؤكد أن مثل هذه التقييدات في المجتمعات المختلفة وبثقافات متنوعة، لم تؤدِّ إلا إلى تفاقم الأمراض النفسية والاجتماعية، وكانت تهدد ـ لا تحفظ ـ صحة المجتمع وسلامته.
  • نقد الدليل الثالث:
  • أ) قصور العقل والقانون
  • لا شكّ أن القانون بمفرده لا يستطيع أن يمنع الفساد الاجتماعي، بل لا بد من توظيف جميع الأدوات اللازمة لصيانة المجتمع. ومن بين الأسباب الجوهرية لسلامة المجتمع: اللباس المناسب للنساء، إذ يمكنه أن يسهم ـ إلى حدٍّ ما ـ في تحقيق سلامة الأفراد والمجتمع. لأن الثقافة العامة للشعوب لم تصل إلى مستوى يجعل العلاقات الاجتماعية كالعلائق العائلية، والمجتمع بمثابة المنزل.
  • وهذه الدعوات ـ التي تصوّر الأمر وكأنّه مثالي ـ ليست واقعية، ولا يمكن أن تُشرّع الحريات العامة بلا ضوابط، لأنّ “الحرية المطلقة” ليست سلعة بلا إشكال، بل إنّها، بحسب هذا الفهم، تقود إلى الفوضى العامة، والعبودية، والتفاهة، والحرمان الروحي والأخلاقي.
  • لذا، فإنّ صيانة المجتمع، ومنع الاعتداء على حقوق المرأة واستغلالها، لا يمكن أن تتم إلا من خلال مجموعة من الأدوات، ومنها: مراعاة الحشمة والستر المعقول، الذي يعين على الطهارة الفردية والعامة، ويحفظ مكانة القوانين والقيم الروحية من الانتهاك.
  • ب) جاذبية المرأة واضطراب الرجل
  • ردّ آخر على أتباع نظرية الجنس والحرية المطلقة، هو أنّ الفساد الأخلاقي في المجتمعات “الحرّة” لا يعود فقط إلى ضعف الثقافة أو القانون، وإن كان لهما دور، إلا أن السبب الأهم هو غياب الروحانية، والانحلال العقائدي، والتشوش الفكري، وثقافة التعري والجنس، واللامبالاة السلوكية، خصوصًا بين النساء.
  • إنّ جوهر الثقافة الجنسية، وعري النساء والرجال، والنتاجات الفكرية المنبثقة عنها، أدت إلى الانحطاط العام. ولو كانت هذه المجتمعات المتقدمة صادقة في دعواها بامتلاك قوانين متطورة وتطبيقها، لما انتشرت فيها تلك المفاسد، علمًا أنّ الكثير من هذه الادعاءات مجرّد شعارات، تُستهلك خارجيًّا كما تُستهلك الشعارات الداخلية في دول العالم الثالث.
  • عندما تتخلّى النساء عن اللباس المحتشم، وتخرجن إلى المجتمع بلا ضوابط ولا مراعاة للستر والعفاف، فإنّهنّ يوقعن الرجال في أسر مظاهر زائفة وخادعة، ومع كثرة النظرات والاختلاط والتواصل غير المنضبط، تتوفّر كل الشروط للانحراف والمعصية، ويشتدّ هذا الأمر تدريجيًا حتى يفقد الرجال السيطرة على أنفسهم، بفعل جاذبية المرأة الطبيعية والمصطنعة، التي تُسهم بسهولة في توليد الفساد.
  • فعدم الالتزام بالحشمة، وكثرة النظر، والاختلاط المفرط، تمثّل أبرز أسباب الانحلال الأخلاقي في المجتمعات الحرّة، وبالتالي لا يمكن حصر أسباب الفساد في ضعف الثقافة أو القانون فقط، خصوصًا في مجتمعات تدّعي الرفاه والتحضّر القانوني.
  • ب: بتلات الحجاب وجمال المرأة
  • بما أن المرأة رقيقةٌ وجميلة وحسّاسة بطبيعتها، فإن تعرّضها غير المبرر لمرأى الناس وانكشافها أمامهم يؤدّي إلى ذبول جمالها ورقتها وخفّتها، كما يذبل الزهر. فلا تستطيع بتلات الزهرة الجميلة ووجه المرأة الجذّاب أن تتحمّل شظايا النظرات المسمومة وأفعال المتعدّين الظالمين. لذلك، يجب على المرأة أن تحفظ جمالها في سياق بتلات العفاف والحجاب، وأن تقدّمه فقط للرجل الذي لا يبدّد رقتها أو بجّده، بل يحفظها، ويكفل لها السكينة والحماية. هذه العلاقة – التي تُستمدّ من حبّ قلبٍ واحدٍ عميق – تتيح للمرأة أن تزدهر وتُروى وتختبر الفرح والهيام في ظلّ شريك يحبّها بصدق ويعتبرها محبوبته الوحيدة.
  • الرجل الحقيقي، من جهته، ملزم بحماية هويّة وشخصية وجمال ورقة زوجته؛ ليس فقط من أجل إدخال البهجة والسرور إلى قلبها وإشباعها، بل أيضاً لردع أي نظرات سامة، والحفاظ عليها كالبستاني الرؤوف والحارس الغيور. فهذا السلوك يعطي لمفهوم الفتوة والشهامة رونقاً باقياً، ويؤدّي إلى إشاعة الفرح والنشاط بين النساء، ويرسّخ صحة المجتمع وسعادته.
  • ج: الجمال هدية خاصة للزوج
  • إن حبّ المرأة وجمالها حق طبيعي للزوج، كما أن سطوة الرجل – وهي موهبة إلهية – حق طبيعي للمرأة. من الناحية الأخلاقية والحقوقية، لا يحق لأحد أن يتجاوز على حرمة الآخر، سواء الرجل أو المرأة. كما أن النظرة الفاسدة للرجل إلى المرأة محرّمة، فإن النظرة غير الطاهرة للمرأة تجاه الرجل أيضاً غير مستباحة.
  • فالجمال الذي وهبته المرأة خصيصًا لزوجها يعتبر هبة إلهية، وكذلك سلطة الرجل تجاه زوجته. هاتان الصفتان تخلقان المحبة والتآلف في الحياة المشتركة. لذلك، لا يحق للغير أن ينتهك هذا الحق الطبيعي للزوج بحجة الحرية أو عرض الجمال، ولا ينبغي تشبيه المرأة أو جمالها بسلعة أو ملكية ناقصة القيمة بحيث يصبح مستباحاً مثل بضائع رخيصة.
  • في الإسلام، تُعَدُّ نظرة الرجل إلى امرأةٍ أجنبية بنية اللذّة «زنى العين» – أحد سهام إبليس السامة – ويلحق بها جزاءٌ خطير، لأنها تعدّ تعديًا على حرمة الغير وحقوقه.
  • تحريم النظر إلى غير المحارم والتعدّي على الزوج بحقّه يشمل كل من الرجل والمرأة على حد سواء – وإن تفاوتت حدود المحظور – لأن الجسم الكامل للمرأة يُصنَّف عورة. فإذا تعدّت امرأة أو رجل على هذه الحدود بلا وجه شرعي، تكون قد أساءت إلى طاعة الشريعة وخانت حق الشريك، وهذا ما يدينه العقلاء والخالق.
  • أما من لا تعتبر الزواج أو الحياة المشتركة أساسًا شرعيًا واجتماعيًا، فإننا نتركهم ليعانوا من عقائدهم الفارغة، وليروا بنفوسهم تحلّل الأسر، تلاشي الهويات، تشتت الأطفال، سُكر الليالي، وآمالهم التي تذهب هباءً.
  • د: المبالغة في إظهار المرأة لذاتها ونتائج الملل لدى الرجال
  • إن الإفراط في إظهار جمال المرأة بصورة غير لائقة يوميًا وبشكل مستمر يؤدي إلى فقدان نضارة رقتها ورونقها، كما أن الجلد المكشوف الذي يُعرض باستمرار لأشعّة الشمس يفقد رطوبته ونعومته من دون غطاء يحميه. إنّ الحجاب يعمل كغطاء للنساء، يحفظ جمالهن، ويصوّب نظرة المجتمع نحو احترامهن، ويؤدّي إلى تباطؤ تيار البرود الاجتماعي والملل والجنون.
  • فالاستخدام المفرط لأي شيء يؤدي إلى النفور أو على الأقل فقدان الرغبة تجاهه.
  • فالرجال الذين يختلطون يوميًا مع نساء مفتحات أو جميلات من دون ضوابط، يملّون تدريجيًّا من أنوثة المرأة وعن سحر جمالها. وقد يصير لزامًا عليهم ألا يجدوا جاذبيّة في المرأة، وتفقد حياتهم الزوجية رونقها، ويصيرون عرضة للتململ والملل.
  • وفي المجتمعات المفتوحة، نجد الرجال أكثر عرضة للخيانة، والانحراف، وحتى الانتحار. أما ارتفاع معدلات الانتحار في تلك المجتمعات، فهو شاهد قوي على صدق هذا التحليل.
  • والمرأة في هذه البيئات السائبة تسمم بالحرية الزائفة، وتُعامل كمَن تحوّلت إلى تمثالٍ متحركٍ في يد مستغلّين فاقدين للحياء والعذرية. هؤلاء يعاملونها بمنتهى الانحطاط – إلى درجة أن عديدًا منهن لا يجدن حقيقة المحبة ولا الصدق. وتكثر الممارسات المقيتة، بما في ذلك الاعتداء على قاصرات، فتتفكّك الأسرة وتتفشّى الفاجع.
  • ه: إلهة الحب
  • في هذه الثقافات «المدنية المتحرّرة»، تغدو المرأة وحيدة، لا تجد سوى الأوهام، وقد تُجبَر على أن تحيا بلا روح مع رجل لا يَمِلّ من جسدها بلارحم، بينما يُعلِّمونها كيف تدعمه في خيالاتهم.
  • فهؤلاء النسوة يُنهيّن أامارهن باحثات عن كلمة حب، نظرة طاهرة، أو حب صادق، دون أن يجدنها. بينما في المجتمعات المحتشمة تُعبد المرأة وتُكرّم، وتُصبح ملكًا في قلب زوجها، وتعيش في عزّة وصحّة، ويكملها معه مسار الحياة وزينة الإيمان والمشاعر الخالص.
  • الإسلام يأمر بالحجاب ليس فقط كي تبقى المرأة محبوبته في قلب الرجل، بل لكي يُقيّد الرجل من النظرة الشائفة ويُجنّب المجتمع الموبقات والخوض في الخيال.
  • ولهذا فإن الإسلام أوصى بأن تُغيّب الأعضاء التناسلية عن البصر عند الجماع، وأن يحافظ الرجل والمرأة على نوعٍ من الغموض البصري حتى في الظلام، فتبقى المتعة أقرب للقلب والروح، وليس رخيصةً مثل ثقافة المجتمعات المطلقة.
  • فالخلق وطبيعة الإنسان تشير أيضًا إلى فطرة لباس الجسم. فالجلد هو الغطاء الطبيعي لأعماق الإنسان، وإذا نظرنا مباشرة إلى العظام والأوعية، سيشعر الإنسان بالتخنّث النفور. ولم يخلق الله ذلك عبثًا؛ بل جسّد حكمة ضمن الفطرة.
  • والقصد هو أن تبقى المرأة في ذهن الرجل جميلةً، وأن يدبّ التشوّق إليها. فإن سُلبت منها تلك الحشمة – كما في المجتمع السافل – فإن الرجل يضيّع حلاوة الرجعة إلى البيت ويصير لا يجد لجوءًا في المعنى الحقيقي له. وهذا ما يضعف الأسرة وينذر بالانهيار: كثرة الطلاق، شيخوخة المجتمع، فساد الأخلاق، وغيرها من الآفات الناتجة عن الثقافة العارية.
  • إن هذا كلّه دليل على صحة الحجاب ومكانته المستندة إلى عقيدة التفكير السليم في بناء الأسرة والمجتمع.

العري والمشكلات النفسية لدى الرجال

إنّ من العوامل التي تُفضي إلى ظهور الاضطرابات النفسية، وضعف الأعصاب، وسوء الخُلق عند الرجال، هو الكبت الناتج عن بعض المظاهر الاجتماعية، وهي أمور تمتدّ آثارها لتُصيب النساء أيضًا. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الجنس والعري يضعان حدًّا لهذه الالتباسات والمشاكل والنواقص، ويُظهران الواقع بشكل طبيعي ومناسب، دون أن يترتّب عليهما الآثار النفسية والروحية والاجتماعية المدمّرة التي قد يخلّفها الحجاب، بل يؤديان إلى البهجة، والحيوية، والنضارة، والطمأنينة لدى أفراد المجتمع.

إنّ الحجاب القسري جرّ وراءه الكثير من الجرائم والخِيانات. والتاريخ شاهد على حرمان كثير من العشّاق الحالمين، وعلى استغلال المحبّات المتلاعِبات والوجوه الشيطانية الوهمية. وكم من زيجاتٍ بدأت بعلاقات غير مشروعة، وانتهت إلى الطلاق والانفصال. ومن الأسباب التي أدّت إلى هذه المآسي، هو التستر والتكتم القسري الذي فُرض على النساء. بينما تُعدّ حرية المرأة وتخلّصها من هذه القيود المصطنعة والمكبِّلة عاملاً أساسياً في وقاية المجتمع من هذه المشكلات، بل وتؤدي إلى الصحة النفسية والفكرية للرجال والنساء، وتزيد من السعادة والحيوية ووتيرة الحياة في المجتمع.

دور الثقافة والقانون

ولتجنّب المشكلات الجانبية التي أُشير إليها آنفًا، لا بدّ من تنمية الوعي الثقافي وتعزيز سلطة القانون؛ حتى يُبنى نظامٌ اجتماعيٌّ سليم في حدودٍ معقولة، ويتم إزالة كل ما هو مزعج أو ضار. ففي المجتمعات الحرة، لا توجد مثل هذه الأمراض النفسية، ولا تتكوّن بين الرجل والمرأة حالات تَحفُّظ أو توجُّس أو غموض قد تجرّ تبعاتٍ خطيرة.

فكل حالات الحساسية المنحرفة في المجتمعات التي تفرض الحجاب، إنما هي ناتجة عن العادة والطمع والشهوة. بينما لا وجود للمضايقات، أو الحساسية، أو التلصص، أو التخيلات غير المبررة في المجتمعات الحرة، إذ يتعامل الناس فيها بعيونٍ مفتوحةٍ وعقولٍ أكثر توازنًا، لأنّ الحرية تجلب الصحة، بينما المنع يقود إلى الانحراف. وإنّ الحجاب، وإن كان في الظاهر يُظهر العفّة، إلا أنه في الواقع يُنعش الدوافع الفاسدة، ويُؤدي إلى تخفيّات كثيرة، ويُغذي النفس بالأهواء والرغبات الشريرة.

نقد الدليل الخامس: نقدٌ تحليلي وتطبيقي

قبل أن نخوض في تحليل هذا الدليل بجملته، من المفيد التوقف عند عباراته خطوةً بخطوة لتتضح المآخذ بشكل مفصّل.

قيل في البداية:
“المشاكل النفسية الناتجة عن الحجاب أكثر بكثير من نواقص المجتمعات الحرة.”
هذا القول لا يستند إلى دليل، بل هو مجرد ادعاء لا حُجّة عليه.

ثمّ أُتبِع ذلك بالقول:
“علم النفس قد أثبت ذلك جيدًا.”
وهذه أيضًا دعوى بلا دليل علمي أو استقراء موثوق.

وجاء كذلك:
“الحجاب يُغلف المرأة بهالة من الغموض، يُخفي عيوبها وقُبحها ونقائصها.”

وفي الرد على هذا الكلام، نُشير إلى عدّة أمور:

  1. إنّ الغاية الأصلية من الحجاب هي صيانة المرأة وتكريمها، بإضفاء هالة تحفظ كرامتها وحدودها الأخلاقية.
  2. الحجاب لا يخفي القبح والنقص فحسب، بل يُخفي أيضًا مواضع الزينة والجمال، لتُصان المرأة من أنظار الطامعين.
  3. الحجاب ليس حكرًا على النساء؛ فالرجال أيضًا مُلزمون بحدودٍ من الستر في الأماكن العامة. إذًا هو مظهر اجتماعي إنساني مشترك، وليس تغطية خاصة بالمرأة فقط.

ثمّ قيل:
“اختفاء المرأة عن الأنظار يؤدي بالرجال إلى الجهل، ويثير فيهم الفضول، والشهوة، والطمع، إلى درجةٍ يرون فيها القبيح جميلاً والناقص كاملاً.”

والرد على هذا:

  1. اختفاء المرأة أو سترها يحفظ عفّتها وحرمتها، ولا ينبغي للرجال أن يفرضوا على النساء التخلي عن العفّة، بسبب جهلهم أو طمعهم.
  2. المشكلة الأساسية تكمن في شهوات الرجال ونقص ضبط النفس، لا في حجاب المرأة. لذا، يجب معالجة خلل الرجال، لا انتهاك خصوصية النساء.
  3. إنّ ادعاء أن الرجال سيرون القبيح جميلاً بسبب الحجاب، هو أمر لا علاقة له بالحجاب، بل ينبع من ضعف البصيرة والانحراف الذهني لدى هؤلاء.
  4. بل يُسأل: لماذا يجب على الرجال أن يعرفوا شكل كل امرأة؟ ما الداعي أن يحكموا على كل امرأة بالجمال أو القبح؟ ولماذا يُسمح للرجال بتكوين حساسية مَرَضية تجاه النساء؟ أليس هذا دليلًا على فساد الروح والنفس لديهم؟ وهل الحجاب هو السبب، أم هؤلاء هم أدوات دعايات فاسدة؟

إذا قيل:
“الحجاب سبب في حرمان الرجال، ولأجل صحتهم النفسية يجب إلغاؤه”،
فالرد هو: الطمع والحرص أمران داخليان لا خارجيان، ولا يجب معالجتهما بإباحة المحظورات، بل بالتحكم في النفس وتزكيتها.

أما من يقول:
“الحجاب يثير الفضول والتجسس”،
فهذا باطل؛ لأن العري أيضًا يثير الغرائز بشكل أكثر ضررًا، ولا يُسكِت الفضول، بل يفتح أبوابًا جديدة للانحراف والخيال الفاسد.

وكذلك العبارة:
“الإنسان يزداد حرصًا على ما يُمنع منه”،
فصحيحة جزئيًا، لكن العلاج ليس برفع الحظر، بل بضبط الشهوات ومراعاة حكمتها؛ لأن المنع ناتج عن مصلحة، وليس مجرد تحكم عبثي.

أما القول:
“الحجاب يؤدي إلى المكر والتلاعب والازدواجية لدى النساء، وإلى الغرور والخيال المريض لدى الرجال”،
فباطل؛ لأن الحجاب لا يصنع هذه الصفات، بل هي ناتجة عن خلل في النفس. لذا، يجب تهذيب الخيال لا نزع الحجاب.

والقول:
“الجنس والعري يُنهيان كل المشاكل”،
غير دقيق؛ فالحل الحقيقي هو تطهير النفس والابتعاد عن الدوافع الشيطانية.

الجواب التفصيلي:

أ: العري والمشكلات النفسية

ربما يؤدي الحجاب إلى فضول أو حرص زائد لدى البعض، لكن هذا يحدث أساسًا في القلوب المريضة، ولا علاقة له بالحجاب. فلا يمكن أن يكون العري حلًا؛ لأنه يؤدي إلى تفاقم الشهوة وازدياد الفساد والانحراف. وكلّما زاد الانفتاح، زاد التهافت والفساد.

الفضول قد يكون مدخلًا أوليًا للانحراف، لكن الجنس والعري ذاتهما هما قمة الانحراف. والمجتمعات المفتوحة، وإن بدا أن الفضول فيها أقل، إلا أن هذا لا يدل على الصحة النفسية، بل على انتشار اللامبالاة وتطبيع الفساد، والفضول يأخذ فيها أشكالًا أعمق وأخطر.

وهناك فرق كبير بين الفضول الأولي والانحراف الحقيقي؛ فقد يتغلب بعض الأفراد في المجتمعات المحافظة على فضولهم بوسائل مشروعة، لكن في المجتمعات المفتوحة يزداد الانحراف ويؤدي إلى أمراض كالسادية. والمجتمعات التي تملك قلوبًا سليمة لا تعاني من هذه الأمراض.

لذا، ينبغي رفع المستوى الفكري والثقافي، وتعزيز العفاف، وتنمية الإرادة، وإيقاظ الوعي لدى الناس، لمقاومة الشهوات، لأن النفس لا تشبع أبدًا، وتلبية شهواتها لا تؤدي إلا إلى السقوط والهلاك.

النتيجة:

اتضح مما سبق أن الحجاب المعقول أصلٌ عقلي وضروري لا يجوز إهماله، وأن تجاهله يجرّ المجتمع إلى الضياع والخلل، ويُضعف الإرادة ويقود إلى الانفلات الأخلاقي. فالانفلات لا يُصلح، بل يُفسد. وحلّ المشكلات لا يكون بالجنس والعري، بل بتزكية النفس ومجابهة أهوائها.

ب. الفضول الابتدائي: مولود النقص والاحتياج

ما يستحقّ الملاحظة هنا أنَّ أغلب الفضول الابتدائي في المجتمعات صاحبة اللباس المحافظ ينبع من نقص نفسي وجسدي، واحتياج جنسي لدى الأفراد؛ ولذلك، لتغطية هذا النقص والتخلّص من تلك الحالة النفسية، يجب أولاً تحديد أسبابه بدقّة علمية، ثم العمل على معالجته بشكل جذري وأساسي.

في المجتمعات المتخلفة، حيث لا يجد الأفراد طرقاً شرعية وصحية لتلبية احتياجاتهم الجنسية، تُعتبر مثل هذه الظواهر حتمية وطبيعية. لكن هذا لا يعني أن تعرية النساء تُبرّر؛ فهي لا تُغلّب شيئاً من مشكلات المجتمع، بل قد تُؤدي إلى مشكلات نفسية وعقلية جديدة. وعلى هذا، شرّع الإسلام، بمعرفته العميقة لاحتياجات الإنسان الروحية والجسدية، قوانين متقدمة تهدف إلى حفظ صحة المجتمع بإشباع تلك الاحتياجات بأساليب مشروعة. وسيُشارُ لاحقاً إلى هذه القوانين البناءة والمتطوّرة.

المرأة ومثلث الفساد: المال، القوة، والخداع

في هذا السياق العلمي–الاجتماعي، نشأت خلافات عديدة. بعضها طبيعي نتيجة للاختلاف الفكري والبحث، لكنَّ كثيراً منها طابع قومي، ديني، سياسي أو استعماري، وأدى إلى نتائج ضارة للمجتمع البشري تعكس الذاتية والتعصّب والجهل.

هذا الجهل والتعصّب والإلحاد — والتي تمهّد للاستعمار واستغلال الناس — أدت بسهولة إلى تشويش وحيرة واسعة. ولذا، ينبغي أن تبقى هذه النقاشات في مأمن من تلاعب السياسيين واقتصاديي الشهوة. كما لا يجوز إدخال الجهلاء في نقاشات فلسفية أو نفسية دون تأهيل علمي، بل يجب أن تُترك هذه الأبحاث للمتخصصين، لإبعادها عن التأثيرات غير العلمية.

فيما يخصّ الإنسان وبخاصة المرأة — التي تمثّل جمال الإنسانية — توجد آراء مختلفة ومعقّدة، لكن كثيراً منها ينبع من التمييز والاستغلال للمرأة. وبذلك، هرولت جماعات متعددة تجاهها عبر مثلث المال والقوة والخداع، الباعث على فسادها. وهذا الاستغلال اليوم لم يعد يقتصر على التوظيف المالي أو القبلي بل امتدّ ليشمل السياسة والاقتصاد والثقافة، حتى باتت نساء كثيرات عُرضة لوعود وهمية لا يملكن قدرة على التحرّر منها.

كثير من هذه الانحرافات مدعومة من طبقات ظالمة ومطامع سياسية. رغم أن القوة قد لا تظهر بوضوح، لكن الدوافع الخبيثة تكون أذكى وأخطر بكثير من القوة المادية. لذا، في أي نقاش حول النساء، لا يجب الاعتماد على الخطاب السياسي فقط، بل ينبغي العمل وفق معايير عقلانية وعاطفية إنسانية، تجنّبًا لإعادة إنتاج نفس الدروس المظلمة والمزعجة وتنفيذ ممارسات مشابهة.

إعادة النظر في العلاقة بين الجنس والحجاب

حثّ معارضو الحجاب على أن المرأة — لأنها حرّة وجميلة — تمتلك حقّ عرض جمالها، وأنّ الحجاب يُعدّ منعًا من حرّية الإنسان، وأنه يسبب محدودية للمرأة ويشجّع الفساد ويجلب الأذى.

وردّ عليهم بأنّ المشاكل الاجتماعية لا تُلام عليها بصورة مطلقة بسبب الحجاب أو غيابه. فالكثير من الانحرافات في المجتمعات المحافظة ليست نتيجة الحجاب بل ناتجة عن الجهل والضعف الاجتماعي والاقتصادي. والحجاب بذاته ليس السبب في الأمراض النفسية أو ميول الشرّ، بل القصور العاطفي أو النفسي أو المادي، الذي يترافق مع العنف والإيمان الضعيف.

وإن وُجد فساد في مجتمع محافظ، فذاك لا يتحمّله الحجاب بل يعكس أسبابًا أعمق كثقافة، اقتصاد، وقيم اجتماعية. بالمثل، في المجتمعات الحرّة، جمال المرأة أو حرّيتها ليسا المصدر الوحيد للتقدّم، كما أنّ فسادها لا يُعزى فقط للعري. إذ يتوجّب تحليل كل مجتمع بعامِلِهِ الأعمق، فالحجاب له دوره في حماية العفاف ولكنه ليس كلّ الحل.

من البديهي أنّ النقص في أي مجتمع يولّد الفساد، وأنّ العوز يولّد دوافع شرّية جديدة وأمراضًا نفسية. لكن لا يصحّ افتراض أن الحجاب هو السبب الرئيسي لهذا الفساد أو أنّ التعري هو الحلّ المناسب. إنّ الرأي المنطقي لا يتبنّى تلك المقاربات البسيطة بل يدعو إلى استخدام الحجاب كجزء من منظومة متكاملة تشمل التربية، التعليم، النظريات القانونية والدينية، لبناء مجتمع صحي متوازن.

في خاتمة هذه الجزئية: يجب التمييز بين فائدة الحجاب وسلبيّة العري، مع إدراك أن أي منهما وحده لا يحقق التقدّم أو القضاء على الفساد. المسألة تتطلّب منظومة شاملة متكاملة، لا حلولاً جزئية.

نتیجه‌گیری کلّی

يمكننا استنتاج ما يلي إجمالاً: الأصل في تغطية ملابس الرجال والنساء ضمن حدٍّ معقول وملائم هو أمر عقلاني وضروري ولا يجوز تجاهله. إذ إن الإهمال والتغافل عن هذا الأمر يؤدي إلى حالة من الاختلال في حركة الأفراد داخل المجتمع، وإن لم يكن اللباس وحده كفيلًا بسدّ جميع مفاسد ومشكلات المجتمع؛ كما أن عريّ النساء وحده لا يُنتج بالضرورة كلّ هذه المشاكل.

فجذور مشكلات المجتمعات العارية والمكتفية بالتغطية ودرجة تخلفها أو تقدمها متروكة لعدة عوامل ثقافية وسياسية واقتصادية. ينبغي أن يُبذل جهد واسع لفهم هذه العوامل والمضي بها صوب النهوض، ليُحرَّكَ المجتمع الإنساني نحو مساره الطبيعي والصحي. حينئذٍ يُتبيّن إلى أي مدى يكون العري مضرًّا، وللباس أثره الفعال في صيانة المجتمع وحماية عفاف المرأة.

الفصل الثالث: الإسلام واللباس

اللباس: إرشاد أم تأسيس؟

في هذا القسم نسلّط الضوء بشكل موجز على مقاصد ستر الجسد وأحكامه وشروطه، ومتى يكون النظر للمرأة أو الرجل مباحًا أو محظورًا، ليُبيّن موقف الشريعة الإسلامية من هذين الموضوعين.

أولاً – فصل ملحوظ بين «اللباس» و«نظر الرجل إلى المرأة والعكس».
في نصوص القرآن والفقه الإسلامي، لكلٍّ منهما حكم مختلف. فواجب تغطية المرأة شيء، وما يتعلق بنظر الرجل لها شيء آخر. في بعض الحالات قد لا يكون اللباس واجبًا — كأن ينظر رجل لوجه امرأة دون أن تدري — لكن النظر يظل محظورًا شرعًا حتى وإن لم يُفرض تغطية الوجه.

سنستعرض الآن خمسة تمهيدات تمهيدية للحديث عن لباس المرأة:

المقدمات الخمس

  1. أن جسد المرأة كلّه عورة، ويلزم ستره في غير صورتين استثنائيتين — وهذا ما تتفق عليه الأمة، فالستر دليل على كرامة المرأة ووقارها وقيمتها.
  2. دراسة تاريخ الإسلام تُظهر أنّ المرأة العربية قبل الإسلام كانت تلبس “الجلباب” والخمار ولكنها غالبًا ما كانت مكشوفة من بعض الأعضاء الحساسّة كرقبتها، وشعرها، وأطراف وجهها. كان لديها “نمطٌ من الحجاب” لكنه ليس “لباسًا كاملاً”، فجاء الإسلام ليصحّح هذا الوضع بتشريع لباس يحفظ العفاف والوقار، لا ليُدخل شيئًا غير معروف آنذاك.
    • أي أنّ الإسلام لم يُدخل الحجاب بمعناه العام، بل صوّب ارتكابات العصر الجاهلي، مستندًا إلى أدوات كانت موجودة آنذاك: الجلباب والخمار، بشرط أن تؤدّي نفس الغاية: حفظ الحشمة والعفاف.
  3. الأحكام في الإسلام نوعان: إرشادية (امضائية) وتأسيسية (تشريعية).
    • الإرشاديّة هي التي تتوافق مع الفطرة والعقل والعرف، كحلّية البيع والشرا،
    • بينما التأسيسيّة تُصاغ لإلغاء الأعراف المنحرفة أو الضارّة، مثل التحريم الصريح للربا.
    • وبالنسبة للبسّ، الإسلام لم يفرض نوعًا معيّنًا، بل هدفه هو العفاف والاحتشام — سواء باستخدام الجلباب والخمار أو أي لباس آخر يعطينا نفس الغاية.
  4. لابد من التمييز بين “اللباس” و”الحجاب” لفظًا ومفهومًا:
    • الحجاب بمعناه اللغوي: حاجزٌ يقطع التواصل.
    • اللباس (الستر) ملموس وملتصق بالجسد، ليس حاجزًا انفصاليًا.
    • كل حجاب لباس، لكن ليس كل لباس حجاب. الفرق في التشريع كبير: فالحجاب الزائد قد يقع في التعسف ويقيد المرأة، بينما اللباس المعتدل يحفظ حرية المرأة وراحَتَها وعفافها.
  5. لم يُستخدم لفظ “حجاب” في القرآن للإشارة إلى لباس المرأة، بل ورد في سياقات تتعلق بفواصل بين النبي وصحابته وحرمة منازل النبي لكنّه صادر لأجل تنظيم الزيارة.
    • الآية 53 من سورة الأحزاب توجه الصحابة إلى سؤال نساء النبي من وراء حجاب — أي ستار منزلي — ليس فرض لبس على النساء، وإنما تشريعًا تنظيميًا لضمان الخصوصية والاحترام.
    • لذلك، لا يُعدّ نصّ الحجاب فرضًا شرعيًا على جميع النساء، بل تنظيمًا ظرفيًا لأصحاب النبي، بينما الأصل هو الستر والأنسب أن يُطلق عليه نبذ بدعيّة الحيغاب والارتكاز على اللباس المناسب.

التوجيه القرآني بشأن زيارة بيت النبي ﷺ والحجاب

قال تعالى مخاطبًا المؤمنين:

«يا أيها الذين آمنوا، لا تدخلوا بيت النبي إلا أن يُؤذنَ لكم أو يُؤتَكم من طعامٍ، فإذا دُعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فاخرجوا، ولا تَتَبيَّتوا لأهل البيت، إن ذلكم كان يؤذي النبي ﷺ، وهو يَسْتَحيي منكم، والله لا يستحيي أن يضربَ مثلًا. وإذا سألتموهن شيئًا فاسألوهن من وراء حجابٍ؛ ذلكم أزكى لقلوبكم وقلوبهن. وما كان لكم أن تُؤذوا رسولَ الله ولا أن تنكِحوا أزواجَه من بعده أبدًا، إن ذلكم كان عند اللهِ عظيمًا.»
(سورةالأحزاب: 53)

في هذه الآية، يُساوي الله بين احترام خصوصية بيت النبي ﷺ ومنزلة النساء فيه وبين الحشمة واللباقة في التفاعل الاجتماعي، فيُأمر المؤمنون بألا يدخلوا عليه إلا بإذنه، وأن لا يتقدموا لموعد الطعام قبل دعوته، ولا يتأخروا بعد انتهائهم عنه. ويُرشَدون إلى استخدام الحجاب عند السؤال عن حاجة من نِساء النبي ﷺ، تجلّياً للحياء والنقاء، ومواضاةً لأعلى درجات الاحتشام الأدبي والاجتماعي بين الناس.

المعنى اللغوي والفقهي للآية

  • النهي عن التبَيُّت: قيل إنّه عدم البقاء بعد الطعام بلا سبب، ويُذكَّر أنه يزعج النبي ﷺ ويُشعره بالحرج.
  • الحجاب: يُفهم أنه جدار أو ستار يفصل الحوائج الاجتماعية، ويضمن التكامل الأخلاقي والروحاني بين كلّ من الرجل والمرأة.

يُستفاد من ذلك أن الأمر أولى أن يُطبَّق على الصحابة الرجال أولًا، ثم يُعمّم على كل من يدخل مسكن المسلمات. إلا أن هذا التوجيه لا يتعلق بفروض الحجاب في الملك العام، بل بتنقيح مناط القرب من حياة الخاصّة، وهو سبيل لبقاء العلاقة محترمة، ومتسقة مع شرع الله.

أسئلة محورية بعد المقدمة القرآنية

  1. ما هو مدلول الحجاب الإسلامي الشامل والفردي؟
  2. ما هي حدود الستر التي يجب على المرأة التزامها؟
  3. في مواجهة من تلزمها الحشمة، ومن تُستثنى منهم؟
  4. ما هي أحكام ستر الجسد الكامل مقابل ستر الوجه واليدين للمحرمين وغيرهم؟

نصوص قرآنية أساسية لتحديد مسارات الحجاب

  1. سورة الأحزاب 59:

«يَقُلُ لِأَزْوَٰجِهِ وَبَنَاتِهِ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ…»

“جلابيب” = ما يُغطِّي الحَلي والطرف الخارجي للثوب حتى الصدر. والأمر هنا واضح لردع العدو من تعرفهن كنساء مومنات صالحات.

  1. سورة النور 31:

«وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»

“خُمُر” = شِرْق البدن، أي أن يخملن خمارهن على الصدر والرقبة جُزءًا من الحجاب، بما يناسب الذوق العام وينسجم مع القيم الدينية.

  1. نفس السورة 31، نصآ استثناء مهمًّا:

«وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا…»

– يحدد هنا الوجه والكفّين بأنهما يظهران قهرًا وبشكل طبيعي، فلا حاجة لسترها، بعكس مواضع الحجاب الأخرى.

حقيقة الاستثناءات والتطبيقات

  • الاستثناء الأول (مسنّات) أي من لا يرجون الزواج، جاز لهن أن يتخففن في اكتمال الحشمة.
  • الاستثناء الثاني يُخصّ الوجه والكفّين، أما باقي البدن فيلزم ستره أمام غير المحارم.
  • الاستثناء الثالث (أزواجهن): لكل محرم أو زوج، فمن المحرمين من يحل له النظر إلى بعض من الجسم غير العورة، بينما للزوج جميع البدن مباحة أمامه، متى ما كان في إطار العلاقات المشروعة.

سبب تفسيرية للحجاب المتعلقة بالعدالة والابتلاء

  • الوجه والكفّان يظلان مرئيين، لا لأن الحجاب ناقص، بل لأن الله أراد أن تُبتلى قلوب الرجال: هل يحافظون على الطهارة والاحترام؟
  • ويُستدلُّ من ذلك أيضًا أن رفع الحجاب بهذه التفاصيل يقود إلى التعامل الفاضل والعقلاني، لا إلى التسيّب العاطفي والشهوة البحتة.

خلاصة واستنتاجات

  1. النصوص القرآنية تشكّل أساسًا لتحديد الحجاب المطلوب، وبنصوص واضحة وتعليم جلي.
  2. الحجاب ليس ذريعة لاختلاق خصوصيات المرأة فقط، بل آية على عظمة الشريعة، وهي تُنظم العلاقة بين الجنسين بكل رشادة.
  3. التفاصيل الشرعية تدعم المنهج الأكاديمي التحليلي في بيان من يُفترض ستره، وبأي درجة، ولمَ يعد ذلك ضروريًا دينيًا وأخلاقيًا.

اتركي النقاب!

  1. رُوي عن “منيعة” — وهي من النساء اللاتي أدركن النبي ﷺ — أن ابنتها “قريبة” قالت: جاءت أمي إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله، النارَ النار! فقام إليها رسول الله ﷺ وقال: ما همُّكِ؟ فأخبرته بقصتها، وكانت منتقبة. فقال لها رسول الله ﷺ: «يا أمة الله! اكشفي وجهكِ، فإن كشف الوجه من الإسلام، وإن النقاب من الفجور».[32]

دراسة الحديث:

السند:
رغم أن سند الحديث لا يخلو من إشكال، إلا أنه يُستخدم هنا كشاهِد ومثال، لا كمصدر تأسيسي لحكم شرعي، ومن ثم لا يلزم التدقيق في رجاله أكثر من ذلك.

اللغة والاصطلاح:
كلمة “نقب” تدل على الفتح والشق، ومنه سُمي الشاهد على الأسرار بـ”النقيب”. وجمع “نقاب” هو “نُقُب”، كما يُقال: كُتُب وكِتاب. تقول العرب: “غطّت وجهها بالنقاب”، أي سترت وجهها به.

قد يُثار التساؤل: كيف يُسمّى ما يُغطي الوجه بـ”نقاب” مع أن “النقب” يعني الفتح؟ الجواب أن النقاب، وإن ستر الوجه، إلا أنه يحتوي على فتحات أو شقوق صغيرة تُتيح الرؤية، ولهذا سُمي نقاباً.

الفجور:
“فجر” في اللغة يعني الشق والانفراج، ويُقال “فجر” أي شقّ وفتح، ويُطلق على مرتكب المعصية “فاجر” لأنه تمرد وشقَّ حجاب التقوى والعفة والاعتدال. وفي هذا السياق، يُفهم الفجور على أنه خروج عن السلوك السوي للمسلم، وهو قرينة لفظية تتوافق مع صيحة المرأة “النارَ النار!”، والتي تعكس معاناتها من مضايقات المنافقين، بسبب ارتدائها النقاب الذي ربما أثار انتباهم ودفعهم لمضايقتها. ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ بخلع النقاب، باعتباره عاملًا في الفتنة، وأن كشف الوجه بالقدر المعتاد أقرب إلى روح الإسلام.

النقاب: زينةٌ وخداع

يُطرح تساؤل آخر: النقاب في العرف العربي هو ما يُظهر العينين والحاجبين ويخفي عيوب الوجه، وتستخدمه بعض النساء لأغراض الزينة والإغواء. بل إن بعض الراقصات العربيات كن يستخدمن النقاب رغم شبه العري في أجسادهن لجذب الأنظار. من هنا فإن النقاب يختلف عن “البُرْقُع” أو “الغِشْوَة” التي تستر كامل الوجه.

النقاب إذًا، يُعتبر مثيرًا للفتنة لما فيه من إظهار أجزاء معينة من الوجه، بينما البرقع لا يحمل بالضرورة هذه الإشكالية. لذا لا يصح تعميم هذا الحديث لذمّ كل أشكال ستر الوجه.

الرد العلمي:

  1. رغم أن النقاب في العرف العربي يختلف عن أنواع أخرى من الحجاب، إلا أن معناه العام يشمل كافة أشكال التغطية الجزئية أو الكاملة للوجه، ولا يتناقض هذا مع استخدامه من قِبَل نساء صالحات لأغراض العفة.
  2. إن كان النقاب وسيلة للزينة والخداع، فكذلك يمكن للبرقع أن يُستخدم لنوايا غير سليمة، كالتجمل الكاذب، أو التستر لأغراض خبيثة، سواء أكانت دينية أو اجتماعية أو حتى لخداع الزوج أو الرجل.
  3. من حيث المبدأ، فإن استخدام أي لباس غير اعتيادي أو مفرط، سواء في الوجه أو غيره، قد يحمل تبعات سلبية أو يثير الشبهات؛ ومن هنا يُفهم أن الإسلام يُحذّر من كل ما يُخرج المرأة عن حد الاعتدال والعرف السائد.

2. رواية عيص بن قاسم عن الإمام الصادق عليه السلام:
قال الإمام: «يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس ما شاءت من الثياب، ما عدا الحرير والقفازين، وكان يكره لها لبس النقاب».[33]

3. عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«مرّ الإمام الباقر عليه السلام بامرأة محرمة منتقبة، فقال لها: أحرمي، واكشفي وجهك، وأنزلي ثوبك من على رأسك، فإنك إن تنقبتِ، لا يتغير لون وجهك».[35]

4. عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«المحرمة لا تتنقب؛ لأن إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه».[36]

5. عن الإمام الكاظم عليه السلام قال:
«مرّ الإمام الباقر عليه السلام بامرأة محرمة قد سترت وجهها بمروحة، فأزاح المروحة عن وجهها بيده».[37]

ملاحظات على هذه الأحاديث:

كشف الوجه في الصلاة:
تدل الروايات بوضوح على أن ستر الوجه ليس واجبًا في الصلاة، بل من المستحب للمرأة كشف وجهها أثناءها، كما ورد في “وسائل الشيعة”:

«عدم وجوب ستر المرأة وجهها في الصلاة، بل يُستحب لها كشفه».[38]

وفي “التهذيب” نُقل:

«عن سماعة قال: سألتُ الإمام عن المرأة تصلي متنقبة، قال: إن كشفت عن موضع السجود فلا بأس، وإن أسفرت فهو أفضل».[39]

وفي الباب 35 من “وسائل الشيعة”:

«جواز النقاب في الصلاة للمرأة على كراهة».[40]

النقد والتمحيص في حكم النقاب في الشريعة الإسلامية

قد يُقال هنا: إن النقاب مع أنه غير محمود للمرأة، إلا أن هذا الحكم يختصّ فقط بالصلاة والإحرام، والدليل على ذلك أن العذر في الصلاة هو عدم وجود حائل بين جبهة المرأة وموضع السجود، وأمّا في الإحرام فسبب المنع هو وجوب شعور المرأة بحرارة الشمس المباشرة على وجهها، وهذا يتعارض مع النقاب الذي يجعل الوجه في الظلّ، ولهذا السبب تعتبر الروايات التي تتحدّث عن “التسديل” (إسقاط الغطاء الخفيف من الرأس إلى الصدر دون التصاق بالوجه) في حالة الإحرام جائزة ومحمودة.

وأمّا عن هذا الإشكال، فيجب القول: إنّ هذه الروايات تدلّ فقط على الإذن والتصريح بهذا الفعل، لكنها لا تدلّ على الوجوب أو الاستحسان. وعلى كل حال، الكراهة في النقاب واضحة، ونحن نكتفي بذكر عدم الاستحسان فقط. كما أشار المحقق رحمه الله في “الشريعة” بقوله: “لو أسدل القناع على رأسها إلى جانب أنفها، جاز” وهو حديث عن جواز التسديل وليس لزوماً له. وكذلك قال صاحب الجواهر (): “وأيّما كان فلا إشكال في جواز الإسدال هنا.”

وقد استند صاحب الجواهر إلى رواية التسديل، واعتبر جوازها بلا إشكال، ولكنّه لم يجز النقاب بل عدّه مذموماً، كما قال الشهيد الأوّل في كتاب “الدروس” إلى جانب حكمه بحرمة تغطية وجه المرأة في الإحرام: “النقاب حرام”. كما قال صاحب الجواهر: “الكراهة في موضوع النقاب تعني الحرمة.” ولهذا جمع بين هاتين الفئتين من الروايات، النقاب والتسديل، وخلص إلى أن عدم الاستحسان في النقاب واضح، وأن ما نريده هو بيان هذا المعنى فقط.

وفي بيان عام نقول: إن القناع والمقنعة أو البوشية، أو أيّ اسم مشابه، وهو ما يكون حجابة ومانعاً قوياً وثقيلاً من القماش أو الجلد، يُربط من الجبهة إلى الخلف ويغطي حتى الذقن والعنق أو الصدر، لا يفضّل استعماله، بل هو مكروه في الصلاة والإحرام وحتى في الأحوال العادية محرّم شرعاً. أمّا التسديل أو الإسدال، وهو وضع غطاء رقيق من الرأس إلى الصدر دون التصاق بالوجه، فكان شائعاً عند العرب وله طيات متعددة، وله وظيفة من حيث الحجاب والزينة، فلا يُذمّ ولكن لا دليل على وجوبه، ويمكن للمرأة أن تتصرّف في اليد والوجه كالرجل في الأحوال العادية.

المرأة بحسب مطلوبيتها، رزانتها و خاصية العفاف لا تفعل مثل هذا التصرف أبداً، على عكس الرجل الذي يحتمل صدور مثل هذا الفعل منه. يجب التنبيه إلى أن بيان الإمام (عليه السلام) والتحليل المشار إليه يعكسان عمق وعي أولياء الدين بالحقائق النفسية المعقدة، التي ينبغي دراستها فنياً وبشكل موسع في موضعها المناسب.

هنا يثار سؤالان: الأول، هل حقاً ممكن أن يكون مصافحة المرأة للرجل غير المحرم بعيداً عن الريبة والمعصية أم أن هذا الأمر غير قابل للتصور أساساً؟ والثاني، هل طرح هذا الموضوع، خصوصاً في مجتمعنا الشاب الذي يعاني من كثير من النواقص والظروف المهيأة للانحراف، ضروري؟ وهل من الممكن أن يكون طرح هذه المواضيع ذريعة لزيادة الفساد خصوصاً بين الشباب؟

في جواب السؤال الأول: نعم، في مجتمع يغلب عليه الفساد أو يعاني من نقائص نفسية وروحية أو عيوب نفسية، قد يكون هناك احتمال لسوء الفهم أو استغلال طرح هذه المواضيع، لكن في مجتمع طبيعي يتمتع أفراده بصحة نسبية وظروف ملائمة، ليس من الغريب تصور إمكانية حدوث المصافحة بين الرجل والمرأة بأخلاق سليمة ولباس محتشم لا يثير المشاكل. أما إذا كان الفرد أو المجتمع فاسداً أو يعاني من نقائص وشهوات مكبوتة، فربما حتى مجرد الاختلاط أو التحدث بين رجل وامرأة غير محرمين قد يؤدي إلى الوقوع في الشبهات والهموم النفسية وربما الذنوب، ولكن بوجود صحة نسبية واعتدال، فإن المصافحة بلباس محتشم لا تشكل مشكلة.

أما في جواب السؤال الثاني، فإن مجرد طرح المواضيع الأخلاقية وإعادة بناء الثقافة الدينية لا يضر، بل ينبغي متابعة هذه المواضيع الإنسانية والدينية بدقة ونزاهة حتى تتوفر المعرفة العلمية والدينية اللازمة لأفراد المجتمع.

إخفاء المواضيع الدينية وحرمان المجتمع من حقائق الدين لن يؤتي ثماره أبداً، بل سيكون سلامة المجتمع والأفراد معرضة للخطر.

لذا، القول بأن طرح هذه المواضيع يسبب انحرافات أكثر ويعطي ذريعة للفاسدين غير صحيح، خصوصاً أن الفاسدين لا يسعون أصلاً إلى معرفة الدين أو الاستفادة من الأحكام الشرعية. فإذا أُتيحت البيئة الاجتماعية والأخلاقية المناسبة، فإن هذه المواضيع تزيد وعي المجتمع وتحمي الأفراد من التطرف والتفريط، كما تسلب الذرائع من الفاسدين.

زيارة المرأة للرجل غير المحرم

روى الحكم بن مسكين قال: حدثتني سعيدة ومنّة، أختا محمد بن أبي عمير البيّاع الصابري، قالتا: «دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلنا: هل تعود المرأة أخاها؟ قال: نعم. قلنا: هل يصافحه؟ قال: من وراء الثوب. قالت إحدىهما: إن أختي هذه تعود إخوانها. قال: إذا عدت إخوانك فلا تلبسي المصبغة».

وفي هذا الحديث إشارة إلى جواز مراودة المرأة للرجل المسلم غير المحرم خاصة إذا كانت العلاقة محصورة بالإخوة في الدين، بشرط أن تكون المصافحة غير مباشرة (من وراء الثوب)، مع تحذير بعدم ارتداء الملابس الجذابة التي تثير الانتباه عند اللقاء.

البيعة بين النبي (صلى الله عليه وآله) والنساء

عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ماسح رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء حين بايعن؟ قال: دعا بمركنه الذي كان يتوضأ فيه فصب فيه ماء ثم غمس يده اليمنى، فكلما بايعت واحدة منهن قال: اغمسي يدك فتغمس كما غمس رسول الله، فكان هذا ما سحته إياهن.

من هذا الحديث يتضح أن ما حرمه الشرع هو الملامسة المباشرة العارية، أما المصافحة المحمية بحاجز مثل الماء أو الثوب أو القفاز فلا بأس بها.

النبي (صلى الله عليه وآله) لا يصافح النساء مباشرة

روت أم حكيم بنت الحارث بن هشام: قالت: يا رسول الله! كيف نبايعك؟ قال: إني لا أصافح النساء. فدعا بكأس من ماء فأدخل يده ثم أخرجها، فقال: ادخلن أيديكن في هذا الماء فهي البيعة.

هذا السلوك النبوي يدل على حرص النبي (صلى الله عليه وآله) على إقامة علاقات اجتماعية سليمة بين الرجل والمرأة مع تجنب اللمس المباشر.

في خلاصة الأمور المتعلقة بالمصافحة بين الرجل والمرأة غير المحرمين:

  1. المنع الشرعي هو للمصافحة المباشرة بلا حائل.
  2. يجب ألا يتضمن المصافحة أي لذة أو ضغط حتى وإن كانت محمية بحائل.
  3. الحائل يمكن أن يكون لباساً، قفازاً، ماءً، أو أي حاجز آخر.
  4. الأمر المهم هو أن تكون المصافحة بعيدة عن الشبهة والفساد، وليس ضرورة إيجاد حاجز دائماً، لكن إذا استدعى الموقف، مثل في المعاملات الرسمية أو الدبلوماسية، فلا مانع شرعي.

مقارنة بين الجمال والنظر

عن علي بن سويد قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها. فقال: يا علي! لا بأس إذا عرف الله من نيّتك الصدق، وإياك والزنا فإنه يمحق البركة ويهلك الدين.

هذا الحديث يحمل حكمة وشفقة، حيث يؤكد الإمام (عليه السلام) على أهمية نية الطهارة في النظر وحذر من الوقوع في الحرام، لما له من أضرار روحية ودينية جسيمة.

إنّ الإمام عليه السلام لا ينسب النظر إلى النساء إلى ذلك الرجل، مع أن الكلام يستخدم صيغة المذكر، وذلك بسبب نوع عمله أو أمر آخر يجعل النظر إلى النساء كثيرًا يحدث له.
ولا يطرح الإمام عليه السلام أسباب الشك في الرجل في الكلام، وعلى الرغم من كثرة نظرات الرجل إلى النساء، لا ينسب إليه الإثم.
ولكي لا يحمل الإمام عليه السلام الرجل عبئًا ثقيلًا، فإنه لا يفرض عليه حكمًا صعبًا كعدم صحة النظر إلى النساء، ولا يأمره بالتوقف الكلي عن النظر إليهن، لكنه مع ذلك ينبه الرجل إلى الحرص على اجتناب النظر إلى النساء ويشير إليه بشرط: «إذا كان نظرُك صادقًا ونقيًّا عند الله فلا مانع»، مع وجوب التزام التّقوى والابتعاد الكامل عن الإثم.
ومن هذا السؤال والجواب يتضح أنّ المرأة والرجل ليسا كالجِنِّ والبسملة التي نقول يجب أن يهربا من بعضهما البعض، ويتواصلان فقط في إطار المحرمية والبيئة الأسرية.
الإمام عليه السلام برؤية واسعة يقول: «إذا كان لديك صدقٌ، فإن النظر المتكرر والكرهيّ لا بأس به»، رغم أن الرجل يقول: «إن رؤيتي للجميلات تُثير في نفسي إعجابًا»، مما يدل على أن المرأة والرجل يمكن أن يتواصلا في البيئة الاجتماعية والظروف المهنية دون نية سوء وبطريقة طبيعية وسليمة.
وإنّ الفصل بين النساء والرجال كخوف من الاختلاط والفوضى ليس أسسًا علميًّا ولا دينيًّا صحيحًا.
ومع هذا، ينبه الإمام عليه السلام الرجل إلى المخاطر المحتملة للوقوع في الإثم، لأنّ التواصل والمشاركة في الأعمال الاجتماعية ضرورة، ولكن يجب الحذر من الأهواء النفسية والوسوسة الشيطانية، ويلزم التحفّظ والوقار والاحتشام في مثل هذه العلاقات، وهو ما يليق بالمؤمنين والمجتمع المتديّن.
وفي النهاية، يشير الإمام عليه السلام إلى آثار النظر المحرم والزنا، وهو ما يوجب الحرمان المادي والمعنوي، فيقول: «هذا الإثم يزيل البركة من الحياة ويمحو الدين من الوجود».
وعندما يقول الإمام عليه السلام: «إياك والزنا»، فليس المقصود الزنا كمرحلة أخيرة فقط، بل ينبه إلى ترك زنا العين، لأنه أيضًا إثم يُزيل بركة الحياة ونور الدين.
ومن الممكن أن يكون المراد من الزنا هو الزنا الجنسي، وفي هذه الحالة تُعد الرواية تحذيرًا من الإمام عليه السلام للحذر من أن يصل هذا النظر إلى ذلك الحدّ، وأن يُقطع جذره في البداية.
والحقيقة التي لا تُخفى والتي يظهرها كلام الإمام عليه السلام هي أن العين مُخصّصة للرؤية، وأن الوجه وكل صورة قابلة للرؤية.
ما يختلف هو نوع الرؤية، وكمّيّتها، والنية، وتفسير الأفراد.
إذا كانت الرؤية في حدود الشرع أو في ظرف ضرورة، مع نفس طاهرة ونيّة صادقة، فلا حرج في النظر.
وإذا غابت النية الطاهرة والسلامة النفسية، فإن كلّ نظرٍ يسبب الفساد.
لذا لا يمكن تنظيم العلاقات الاجتماعية السليمة بالتقييد الصارم والأوامر التهديدية، بل يجب معالجة النواقص والمشاكل والتربية السليمة والتوعية الثقافية لتوفير بيئة صحيّة نفسيًّا وعقليًّا في المجتمع.
ووفقًا لهذا المبدأ، إذا لم يكن للنظر إشكال شرعي، فإن الرؤية تحفز العقل على التحليل والمقارنة بالنسبة للوجه المرئي.
وفي هذه الحالة، يظهر القبح والجمال من جهات متعددة في الذهن ويشغل الرجل كما يشغل المرأة، والرؤية بدون انعكاس ومقارنة غير ممكنة.
وهنا يقول الإمام عليه السلام: «هذه حقيقة، وإذا كانت النية صادقة وقلبك نقي فلا بأس».
وإذا لم يحدث من هذه النظرات فساد، تحريك، شهوة، أو توهّمات شيطانية، فهذا النوع من الانتباه والمقارنة طبيعي ولا بأس به.
والتوصية الوحيدة هي الصدق في القلب والابتعاد عن الإثم، وهو أمر يجب الانتباه له بالكامل.

وبناءً على كلّ ما سبق، فإن الحجاب يُمكّن المرأة من التواجد الآمن والسليم في المجتمع، على عكس التعري والظهور الفاحش، الذي لا يمنع المرأة من التواجد الحر الآمن في المجتمع فحسب، بل يشجّع المرضى والشهوانيين على الانتباه إليها في بيئة العمل والمجتمع.

الزينة الخفية

وفي ختام هذا القسم، يجدر الذكر أن القرآن الكريم بعد ذكر الاستثناءات من وجوب الحجاب، قدّم أمرًا عامًا بالنسبة للعفة والحفاظ على المرأة من إظهار الزينة والسلوك الخفيف والنافر، كما في قوله تعالى في الآية 31 من سورة النور:
{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}
أيها النبي! قل للنساء المؤمنات: لا يَمشينَ مشيةً تُظهر الزينة الخفية التي يكنّها.
والزينة الخفية المراد بها الخلخال، وهو زينة كانت النساء العربيات يلبسنها في الكاحل، فإذا مشين بخطوات قوية يصدر منها صوت يجذب انتباه الآخرين.
وقد نهاهنّ الله تعالى عن هذه المشية، وإن كان استعمال الخلخال من دون قصد الظهور جائزًا.
وبما أن الحكم مرتبط بالمحرك والظهور الجلف المبالغ فيه، فالحكم يمكن تطبيقه في أي زمان ومكان، لذا فإن إظهار الحلي والأشياء التي تثير نظر الرجال الأجانب وتحفز شهوتهم حرام ومنهي عنه شرعًا.
وبالتالي، وجود الخاتم أو السوار أو الأظافر الطويلة للمرأة – كما هو مستحب في الروايات – إذا كان بشكل معتدل وغير مفسد، فهو ليس حرامًا، وشمول {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} يشمل ذلك أيضًا، ولو حدث كشف غير مقصود للكف، فهو من باب الضرورة.
وفي نهاية هذه الآية، خاطب الله المؤمنين من الرجال والنساء بقوله:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
والتوبة هنا تشمل الجميع، لأن الإنسان مهما تحفّظ لا بد أن يقع في أخطاء، وفي تلك الحالة عليه الرجوع إلى الله طلبًا للعفو والغفران.

وقد أوصى الله النساء على وجه الخصوص، خاصة نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:
{وَلَا يَتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ}
أي لا تتباهين ولا تُظهري نفسك كما كان يفعل الجاهليون.
وهذا الأمر عام لجميع النساء، كما هو قول الله في قوله: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}، يعني: لا تُبَارِزْنَ بزينة خفية.
وكذلك عندما يأمر الله نساء النبي بقوله:
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}
أي لا يرققن الصوت، فهو حكم عام غير محصور في نساء النبي، لأنه من طرق حفظ العفة والوقار، وينهى عن السلوك الخفيف والمنافي للحشمة، وهو أمر عام وإن كان موجهًا لأشخاص خاصين.

عدم المحرمية بين النساء

ويذكر القرآن الكريم بعد ذكر المحارم من النسب والسبب:
{أَوْ نِسَاءَهُمْ أَوْ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ}
أي إن النساء المؤمنات بينهن حرمة، فلا يجب عليهن ستر بعضهن البعض، والنظر إلى أجزاء غير العورة منهن من دون نية شهوانية جائز.
وهنا يتساءل البعض: ما الحكمة من ذكر هذه الفئة الخاصة؟ مع أن الأمر واضح بأن النساء محرّمات على بعضهن من جهة المحبة الجنسية.
الجواب هو أن هذه العبارة إضافة وتخصيص للنساء المؤمنات، مستثنية النساء الكفار والمشركات، فليس من الضرورة أن تستر المرأة المسلمة زينتها أمام نساء الكفار، إذ لا حرمة بينهم في هذا الأمر.
ولو سُئل لماذا على المرأة المسلمة ستر نفسها أمام النساء الكافرات مع أن المرأة لا تشعر بالرغبة الجنسية تجاه النساء؟
نقول: صحيح أن النساء ليس لهن نزعة جنسية تجاه بعضهن، لكن الروايات تذكر أن نساء اليهود والنصارى كان يترددن على نساء المسلمين ويخبرن أزواجهن بخصوصياتهن، لذا في رواية الإمام الصادق عليه السلام:
«لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية لأنهن يصفن ذلك لأزواجهن»
والرواية لا تصلح للدلالة على التحريم بل على الكراهة، لكن المهم هو أن النساء المؤمنات يجب أن يعلمن أن إفشاء الأسرار وخصوصيات النساء للكفار وللرجال محرّم وكبير الذنب.
وأيضًا هناك تحذير أخلاقي بأن بعض النساء بلا تقوى يكن أكثر تحريمًا من الرجال على الأسرار، فكل امرأة عاقلة يجب أن تنتبه لهذا الأمر.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«نهى رسول الله عن أن تُحدّث المرأة المرأة بما تخلو به مع زوجها»
أي منع نقل الأمور الخاصة والخاصة بين الزوجين.

الرغبة الجنسية والحجاب

في الآية التي ذكرت «ملكت أيمانهن» والتي تشير إلى الإماء والعبيد (غير موجودة في زماننا)، يأتي بعدها «أو التابعين غير أولي الإرْبة من الرجال» أي الذين يعيشون مع النساء لكن ليس لديهم رغبة جنسية تجاههن، كالمجانين أو الذين فقدوا الرغبة.
والنقطة المهمة أن ستر الزينة على هؤلاء الرجال غير مطلوب.
وهكذا فإن القرآن الكريم يتضمن دقّة وتوازنًا عظيمًا يقترب من الفطرة الإنسانية، خالٍ من إفراط أو تفريط، ويقود الإنسان إلى الطريق الصحيح.

روایات معنية بالموضوع:

  • عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت الإمام الرضا عليه السلام عن ستر النساء الحرّة أمام الخدم، فقال:
    «كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن (ع) ولا يتقننّ»
    أي الخدم كانوا يدخلون على بنات الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وهنّ دون غطاء على رؤوسهن.
    وسألت: هل كان هؤلاء الخدم أحرارًا؟
    فقال: لا، بل كانوا عبيدًا.

سؤال: هل يجب على المرأة أن تغطي شعرها عن الخدم؟
كان هذا السؤال يفترض أن عدم تغطية الفتيات لم يكن بسبب كون الرجال خدمًا فحسب، بل بسبب كونهم عبيدًا، فجاء الرد من الإمام (عليه السلام): “لا”.

2- عن زرارة قال:
سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: {أوالتابعين غير أولى الأربة من الرجال} إلى آخر الآية؛ فقال: “الأحمق الذي لا يأتي النساء”.
زرارة يروي أنه سأل الإمام الباقر (عليه السلام) عن معنى قوله تعالى {غلمان خدم لا يأتون النساء}، فأجاب أن المقصود غلام قليل الفهم لا يملك ميلًا جنسيًا تجاه النساء.

3- عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال:
سألته عن عبارة {أولى الأربة من الرجال}، فقال: “الأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء”.
عبد الرحمن بن أبي عبد الله يقول إنه سأل الإمام (عليه السلام) عن معنى عبارة “رجالٌ بلا ميلٍ إلى النساء” في الآية، فأجابه أن المقصود غلام قليل الفهم لا يمتلك ميلاً جنسيًا نحو النساء.

من هو الأحمق؟
نقطة جديرة بالاهتمام في هذه الروايات هي كلمة “الأحمق”. إذ تُعتبر الروايات من يمتلك قلةً في التوجه الجنسي نحو النساء شخصًا أحمقًا، قليل التفكير، بعيدًا عن العقل السليم. حسب بيان الإمام (عليه السلام) ومن خلال استدلال عقلي، يتضح أن “أولى الأربة” يعني شخصًا قليل الفهم لا يشعر بالميل الجنسي.

بناءً عليه، يُفهم بالمفهوم المضاد أن من لا يملك ميلاً جنسيًا نحو المرأة يُعتبر قليل الفهم. ومن هذا يتضح أن التوجهات الجنسية في الإنسان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعقل والفهم، حتى أن غيابها يعد علامة على قلة الفهم. بل يمكن القول أن شدة هذه التوجهات وقوتها قد تدل على سلامة عقل الإنسان وعلوه.

وهناك نوعان من قوة هذه التوجهات:

  • النوع الأول: الحالات المفرطة التي لا تمثل ميزة أو عقلًا، وقد تدل على ضعف الشخصية العقلانية للفرد.
  • النوع الثاني: القوة العاطفية والوجدانية لدى الرجل في إشباع حاجاته الطبيعية وزوجته بشكل صحي، وهذا يُعتبر ميزة ومؤشرًا على علاقة مترابطة بين العقل والميول الجنسية، كما وصف النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) بأنه كان يمتلك قوة تعادل قوة أربعين رجلاً.

لهذا السبب، وضعت الشريعة تسهيلات أكثر لهؤلاء مقارنة بغيرهم، وهذا يدل على العلاقة العضوية بين العقل والميول الجنسية.

العلاقة بين العقل والقوة الجنسية
تثار تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقة بين العقل والميول الجنسية قائمة فقط عند وجود النشاط الجنسي، أم أنها قائمة أيضًا عند وجود القدرة والاستعداد الجنسي؟ وهل تبقى العلاقة قائمة عند وجود الموانع مثل الأحزان أو الحالات الروحية التي تُخمد الرغبة الجنسية؟ وهل نقص العقل مرتبط فقط بالحالات الطبيعية والعضوية أم يشمل العوائق المؤقتة؟

الجواب حسب تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) أن وصف “أولى الأربة” خاص بمن لا توجد لديه رغبة طبيعية أو لديه موانع طبيعية فقط، وليس له علاقة بالحالات المؤقتة أو الروحية. فمن الممكن أن يكون الشخص طبيعيًا دون رغبة بسبب موانع نفسية، وهذه الحالات جميعها تقع ضمن نفس التصنيف.

يجب التفريق بين فقدان الميول بسبب عدم وجود القدرة أو وجود موانع طبيعية، وبين انصراف النفس المؤقت بسبب الحزن أو الظروف الروحية، حيث لا يعتبر العارف الذي وصل إلى مقام روحاني أن يترك ميوله الجسدية، لأن مقامه يتطلب وجود كل القدرات المادية والمعنوية.

بالتالي، ليس كل عدم رغبة يصنف ضمن “أولى الأربة”، بل يقتصر الوصف على حالات الضعف الطبيعي في قدرات معينة لدى عدد قليل من الأشخاص.

الدين والسهولة تجاه المرأة
يمكن استنتاج أن الإسلام رغم تأكيده على العفاف والحفاظ الكامل على المرأة، فإنه لا يفرض قيودًا تعسفية على حريتها، ولا يُثقل عليها بأحكام غير ضرورية. كما في الروايات التي تستثني بعض الحالات من ضرورة تغطية الشعر أو الجسد، مثل النظر إلى نساء بعض القبائل أو النساء المصابات بضعف عقلي أو الجنون بدون قصد للاستمتاع.

وهذا يدل على أن أحكام الدين ليست عشوائية، وأن الحجاب لا يطبق على الجميع بنفس الدرجة، بل هو مرتبط بظروف ومواقف محددة.

الآية 31 من سورة النور واستثناءات الحجاب
الآية تقول إن النساء لا يلزمن تغطية أنفسهن أمام الأطفال الصغار الذين لا يمتلكون القدرة الجنسية، سواء كانوا مميزين أو غير مميزين، لأن “المظاهر” تتطلب العلم والوعي والقدرة الجنسية.

من هنا يظهر أن الإسلام لم يفرض قيودًا قاسية على المرأة، وكل المنع قائم على أسس عقلانية واضحة.

ثم يقول تعالى في الآية 21:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ؛»

أيها المؤمنون، لا تتبعوا خطوات الشيطان وأثره في الأعمال، فإن من يتبع خطوات الشيطان قد جعل الشيطان حاكماً ومسيطراً عليه، فيأمره بارتكاب الفواحش والمنكرات.

وفي النهاية، وبعد عدة آيات في هذا السياق، يصل النص إلى آيتي العفاف والحجاب، حيث يخاطب الله تعالى بواسطة نبيه المؤمنين فيقول:

«قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا؛»[72]

أيها النبي، قل للرجال المؤمنين: خفضوا أبصاركم عن النظر الحادّ إلى النساء الأجنبيات، وحافظوا على عفافكم، فهذا أنقى لهم، والله خبير بما يعملون. وقل للمؤمنات: خفضن أبصارهن، واحفظن فروجهن، ولا يظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها.

نظرة في اللسان العربي:

في اللغة العربية، العين تعني «العين» بحد ذاتها، أما البصر فهو فعل الرؤية والاعتبار. والفرق بين «غض» و«غمض» واضح: الغمض هو إغماض الجفون وإغلاقها، أما الغض فهو تقليل فتحة الجفون والنظر بعين متزنة معتدلة، لا نظر حادّ أو محدّق.

والله تعالى قال «يَغُضُّوا» ولم يقل «يَغْمِضُوا» وذكر «أبصارهم» لا «أعينهم»، أي يجب أن يكون النظر من المؤمنين مختصراً معتدلاً خافضاً، لا حادّاً ولا ثاقباً، وليس إغماض العينين أو الانصراف عن النظر تماماً. فالمرأة والرجل المؤمن لا ينبغي أن يغمضا أعينهما أو يجعلا نفسهما في حالة لا يرون فيها، بل يحفظان العفة بنظر متزن لا يتعدى حدود الأدب.

الزنا بالنظر:

يخاطب الله المؤمنين والمؤمنات في بداية سورة النور، مؤكداً على ضرورة حفظ العفة من خلال غض الأبصار، لما في ذلك من وقاية من مفاسد كبيرة كزنا العين التي قد تؤدي إلى مفاسد أخرى. فالنظرات المحرمة تُعدّ شرارة بداية لكثير من الفواحش، وزيادة انتشار الفساد الاجتماعي، خصوصاً في المجتمعات ذات الطابع الإيماني والعفيف.

وليس المقصود أن كل زنا يحدث بسبب النظر، لكن النظر المحرم يعد من أسباب قوية تؤدي إلى تلك الفواحش، وقد ورد في بعض الأحاديث أن النظر الحرام هو من أصناف الزنا.

نوعية الحجاب وحرية الاختيار:

أصل الحجاب بوجه عام مسلّم به من الجميع، لأن الفطرة تحتم ستر العورات، وهذه قاعدة عامة لا تختلف بين الرجل والمرأة، وهي من الضروريات الفطرية التي تؤكدها الطبيعة.

لكن الحجاب الخاص، أي شكل ونوع اللباس، هو أمر فيه مجال للاختلاف والتفاوت، ولا يوجد دليل عقلي أو شرعي خاص ينص على نوع معين من الحجاب. كل شعب وقوم لهم تقاليدهم التي تحدد شكل الحجاب الذي يرتدونه، ولا يجوز تحميل أي شكل محدد صفة الدين.

العباءة (الشادر) كاختيار:

العباءة ليست شكل الحجاب الكامل المثالي، بل هي أحد أشكال الحجاب الذي قد يعيق المرأة في نشاطاتها اليومية بسبب قيودها المادية، خصوصاً في حمل الأشياء أو تحريك اليدين، إضافة إلى صعوبة ثباتها بسبب طبيعة الخامة والطول.

ولا تكفي العباءة وحدها لتغطية كاملة، فهي من الجانبين مفتوحة، وقد تسقط بسهولة، مما يعرض المرأة لمخاطر عدم الحشمة.

الملخص:

يجب أن يكون الحجاب مناسباً يحفظ حرية المرأة ويحقق الحشمة والوقار، وكل نوع من اللباس الذي يحقق هذين الشرطين ويكون بعيداً عن التصرفات الجلفاء أو الألوان الصارخة كافٍ.

الملابس ذات الألوان والتصاميم المحتشمة والقوام المتزن تحقق الغاية، ولا يلزم نوع أو شكل محدد.

العباءة والتصميم الجديد

الزي الذي يحقق بسهولة العفاف والستر للمرأة يمكن أن يكون العباءة ذات تصميم ثابت ودائم، دون الحاجة إلى أي لباس آخر أو تدخل اليدين، بحيث يكون الجزء الأمامي من العباءة مخيطًا أو مغلقًا بالكامل تحت الذقن، وأكمام مغلقة عند اليدين، مع وجود نقاط تثبيت دائمة وثابتة تضمن بقاء العباءة على الرأس دون استخدام اليدين. بهذا الشكل، لا تعيق العباءة حرية اليدين في النشاطات الفردية والاجتماعية، ولا تحتاج المرأة معها إلى أي لباس إضافي. هذا الزي يمكن أن يُستخدم بسهولة ودون الحاجة إلى أنواع أخرى من الملابس غير الضرورية.

إذا كانت العباءة التقليدية بهذا التصميم توفر الاستقرار والستر دون حاجة المرأة لاستخدام يديها لإبقائها، فسيكون هذا الزي جيدًا جدًا.

لهذا الغرض – كما ذُكر – يجب أن تكون العباءات التقليدية اليوم مغلقة من الأمام، بمعنى وجود سحاب أو أزرار أو أربطة في منطقة تحت الذقن وحول الرأس والمعصمين. ومن الممكن تعديل التصميم بحيث يكون أكثر انضغاطًا وبقماش أقل، مع خصوصيات أكثر حرية مقارنة بالعباءات التقليدية.

يمكن أن يُرتدى هذا الزي مع ملابس أخرى أو بدونه، لأنه بهذا التصميم يمكن للمرأة الظهور في المجتمع بعباءة واحدة مغلقة ومثبتة، دون الحاجة إلى ارتداء عدة قطع ملابس مثل القميص أو التنورة أو المعطف أو العباءة تحت العباءة. مع ذلك، يمكن للمرأة اختيار ارتداء أي لباس داخلي أو خارجي بحسب رغبتها. بهذا النوع من الزي، لا تتزحزح العباءة بسبب الرياح أو الحركة، وبالتالي لا يظهر أي جزء من الملابس الداخلية تحتها، مما يقلل كثيرًا من مظاهر سوء الستر.

فيما يخص الجودة والشكل، فكل لون وتصميم مسموح به، شرط ألا يكون فاقعًا أو مثيرًا أو فاسدًا. لذلك، ليس من الضروري أن تكون العباءة سوداء اللون دائمًا، بل يمكن استخدام ألوان متنوعة أخرى.

تنوع العباءة أو أي لباس مناسب بأي شكل ولون ممكن، شرط أن لا يكون فاقعًا أو خفيفًا، وأن لا يحتاج إلى استخدام يد المرأة لتثبيته، لكي يتحقق الغرض العقلي والديني من الستر.

المعطف (المانتو)

الخطة الثانية هي استخدام المعاطف الطويلة. يجب ألا تكون ضيقة بحيث تبرز تفاصيل الجسم. يمكن أن تُغلق بأزرار أو سحاب أو أي وسائل أخرى، وتأتي بتصاميم وألوان متعددة. المهم أن لا يكون الجسم ظاهرًا بوضوح، وألا يلتصق بالبدن بشكل مفرط، وألا يكون اللون فاقعًا أو مزعجًا.

زي العمل

الخطة الثالثة أن ترتدي النساء أزياء طويلة تشبه ملابس العمل، تكون فضفاضة، واسعة، ومغلقة من الأمام، ومتوفرة بألوان متعددة. يمكن أن يكون تغطية الرأس والرقبة منفصلًا أو متصلًا بقطعة واحدة، كما هو الحال في ملابس العمل.

الجاكيت والتنورة

الخطة الرابعة استخدام الجاكيت والتنورة أو الجاكيت والبنطال النسائي، بشرط ألا تشبه تمامًا ملابس الرجال، وأن تُراعى فيه الخصائص المختلفة بين رقة المرأة ورزانة الرجل.

النتيجة

نستنتج أن الستر واللباس يشترطان فقط وجود التستر والوقار، وأن أي تصميم أو لون يحقق هذين الشرطين دون تشابه مع لباس الرجال مقبول. وإذا كان الزي واحدًا للرجال والنساء، بحيث يناسب كلا الجنسين ولا يتناسب مع أحدهما فقط، فلا مانع لاستخدامه من قبل المرأة. وهذا الأمر لا يقتصر على الملابس فقط، بل يشمل الأحذية، القبعات، الجوارب والملابس الداخلية، إذا كان ذلك مع مراعاة العفاف والوقار وعدم التشابه.

الخلاصة

ما يطلبه الدين من المرأة في هذا المجال هو الستر والعفاف مع وقار معقول وحرية في جميع الأمور الصحية، والإسلام لا يفرض نوعًا معينًا أو تصميمًا محددًا، وإن كانت حدودًا في القرآن الكريم، فهي نتيجة للظروف الواقعية في ذلك الزمان، والقرآن يعبر عن إطار عام ولا يتحسس من تفاصيل خاصة.

التأثيرات الزمنية والمكانية على الزي

الزي النسائي، مثل الرجال، يجب أن يتوافق مع الزمان والمكان والظروف الثقافية والاجتماعية المختلفة. لذلك، لا يلزم أن يرتدي جميع نساء المسلمين حول العالم نوعًا واحدًا أو لونًا واحدًا، ولا يلزم أن ترتدي المرأة زيًا محددًا دائمًا، لأن الظروف والمناسبات تقتضي ملابس مناسبة.

يمكن للمرأة أن تختار ملابس متنوعة وفقًا للزمان والمكان والفصول والمناسبات مثل الحفلات، الأعراس، العمل، الحروب والصراعات.

قد يكون زي معين مناسبًا لثقافة أو بلد ما، لكنه غير مناسب لآخر، وقد يصلح لشابة لكنه غير مناسب لامرأة مسنة.

حجم الجسم وستر المرأة

هناك نقطة هامة تحتاج إلى دراسة فقهية دقيقة، وهي ستر حجم جسم المرأة. بعد التأكيد على أن كل جسم المرأة يجب أن يكون مستورًا، بما في ذلك الجلد والشكل، يطرح سؤالان: هل يجب ستر حجم الجسم ونتوءاته أيضًا، أم أن ستر الجلد السطحي كافٍ؟ وهل يكفي اللباس الرقيق الشفاف، أم يجب أن يكون اللباس بحيث يخفي معالم الجسم؟

سنستعرض آراء الفقهاء والأدلة الشرعية بهذا الخصوص.

آراء العلماء

قال المحقق صاحب شرائع:
“يجوز للرجل أن يصلي بثوب واحد، ولا يجوز للمرأة إلا بثوبين: درع وخمار ساترين جميع جسدها إلا الوجه والكفين.”
وهذا يدل على وجوب أن تكون ثياب المرأة كثيفة وغير شفافة.

وقد ورد في بعض الروايات:
“تصلي المرأة بالدروع والمقنعة إذا كان كثيفًا”
والقاعدة أن اللباس يجب أن يكون ساترًا وواقٍ.

كما ذُكر في الرواية:
“لا يصلح للمرأة المسلمة أن تلبس من الخمر والدروع ما لا يوارى شيئًا”
أي لا يجوز لها ارتداء الملابس الشفافة.

ويقول صاحب جواهر:
“الضروري مما يستفاد من الأصل والنصوص والفتاوى وجوب ستر العورة دون اشتراط وحدة أو تعدد الملابس.”

ويؤكد أن “المستفاد من النص والفتوى أن ستر كل العورة بكفاية الملابس هو المطلوب، ولا يلزم شرط إضافي.”

في الصلاة، الشرط الوحيد هو ستر العورة، ولا يشترط أكثر من ذلك. ولذلك، لا ينبغي تأويل قول المحقق الراحل: «لا يجوز للمرأة أن تصلي إلا بلباسين فقط»، على أنه يعني عدم الجواز، إذ أن التعدد لا يؤثر في الستر، وكما ورد في الأحاديث، فإن تحقيق مقصد الشارع هو المعتبر والكافي.

وقد ورد في كتاب «العروة» للمرحوم السيد في باب الستر قوله:

«الواجب ستر لون البشرة، والأحوط ستر الشبح الذي يُرى من خلف الثوب من غير تميز للون، وأما الحجم أي الشكل فلا يجب ستره.»

فالرجل يجب عليه ستر عورته، والاحتياط أن يستر الشبح الذي يُرى من وراء الثوب بدون تمييز للون البشرة، وأما ستر الحجم أو البروز فلا يجب. وفي موضع آخر في «أحكام التخلي» يقول:

«اللازم ستر لون البشرة دون الحجم، وإن كان الأحوط ستره أيضاً، وأما الشبح وهو ما يتبادر إلى الذهن عند كون الساتر رقيقاً، فسترُه لازمٌ، وفي الحقيقة يرجع إلى ستر اللون.»

ومما يجب التنبه له في نظري السيد في عبارتيه هو: الاتفاق في وجوب ستر سطح الجلد ولونه، والاختلاف في وجوب ستر الحجم والشبح، حيث يقول في باب الستر: «ستر الشبح أحوط واللباس لا ينبغي أن يكون رقيقاً بدنماء، ولكن ستر الحجم غير واجب»، وأما في باب التخلي فيقول: «ستر الحجم أحوط، ولكن ستر الشبح غير كاف، لأن اللباس الذي يظهر الجسم من خلاله لا يُعد سترًا.»

والاحتياط واللزوم في هذه المسائل فتوى لا صرامة فيها، إذ يورد في مواضع مختلفة وصفاً متفاوتاً لوجوب الستر، ويجمع أن ستر اللون واجب، وستر الشبح أحوط، وستر الحجم غير واجب.

وهذا الحكم بالرغم من كونه في الأصل متعلقًا بعورة الرجل، لكنه ينطبق على المرأة أيضاً، إذ إن الأحكام مشتركة إلا إذا ورد نص خاص.

وفي هذا الصدد، يورد المرحوم النراقي – الذي يتمتع بموقع فقهّي متميز – قوله:

«الثانية المعتبرة في تحقق الستر ما يُعتبر سترًا عرفًا. والثالثة: يجب في تحقق ستر البشرة استتار لونها إجماعًا، فإذا كان الساتر رقيقًا بحيث يظهر ما تحته ولونه، فلا يكفي الستر قولاً واحدًا لعدم تحقق الستر معه قطعًا.»

ويضيف في بيانه أن كشف حجم الشيء بعد ستر اللون والجلد يكون أحيانًا برؤية الشبح من وراء الساتر، كما يُرى الشيء من وراء زجاجة كثيفة، وأحيانًا أخرى يكون برؤية الحائل فقط لا الشيء نفسه. فإذا كان المراد من كشف الحجم هو رؤية البشرة، فالحق هو وجوب الستر، وإذا كان المراد رؤية الحائل فقط، فالحق هو عدم الوجوب.

وبالتالي، فإن ظهور شبح الجسم خلف اللباس الرقيق يجب ستره، وأما ظهور حجم الجسم لا يجب ستره.

ويؤيد هذا الكلام صاحب «المستمسك» بقوله: «مرجعه إلى التفصيل بين الشبح فيجب ستره والحجم فلا يجب، وهو كلام متين.»

ومن كل هذا يتبين أن ستر الحجم غير لازم، وأن لباس المرأة لا ينبغي أن يكون بدنماء بحيث يظهر الجسم من خلفه.

أما صاحب الجواهر فقد بحث الموضوع تفصيليًا، وميز بين ثلاث مسائل: ستر سطح الجلد مباشرة، ستر الجلد بدون تمييز كامل، وستر الحجم والبروزات، فقرر وجوب ستر السطح، ووجوب ستر الجلد بدون تمييز احتياطيًا، وحرمة ستر الحجم.

وتأتي أهمية هذا البحث من كونه مستندًا إلى الأدلة الشرعية والروايات التي تحدد كيفية ستر المرأة. كما لا ينبغي نسيان مبدأين: الأول، عدم التكليف شرعًا إلا بدليل قطعي، والثاني، اشتراك الرجال والنساء في الأحكام إلا إذا ثبت خلاف ذلك بنص قطعي.

ومن الأحاديث الدالة على وجوب ستر سطح الجسم وعدم كفاية ستر الحجم:

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لا يصلح للمرأة المسلمة أن تلبس من الخمر والدروع ما لا يوارى شيئًا.»

أي لا يجوز أن تلبس المرأة ما يظهر جسدها، وملاك الستر هو إخفاء سطح الجسم.

وعن محمد بن مسلم قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام يصلي في إزار واحد ليس واسعًا، فقلت: ما رأيك في الرجل يصلي بقميص واحد؟ فقال: إذا كان كثيفًا فلا بأس به.»

وهذا يدل على أن الشرط هو ستر سطح الجسم وليس أكثر.

ولو قيل إن الحديث خاص بالرجال في الصلاة، نقول: لا فرق في الحكم بين الرجل والمرأة إلا بدليل، ولا فرق بين الصلاة وغيره، بل الصلاة أهم.

الكثافة لا تفيد سوى ستر اللون، ولأن جسد المرأة كله عورة، فإنه لو كان واجباً ستر الحجم، لوجب ذلك في الصلاة، وهو معلوم البطلان فيها فضلاً عن غيرها؛[88]

مراد الشيخ من كثافة الثوب هو عدم كونه بدنماً، لا عدم إبراز الحجم، كما قال: «جسد المرأة كله عورة، فإذا كان ستر الحجم واجباً، وجب ذلك في الصلاة، وحيث إن بطلان ذلك في الصلاة واضح، فكيف يُطلب ستر الحجم خارج الصلاة؟!» من هذا البيان يتضح أهمية الصلاة وعدم وجوب ستر الحجم مطلقاً. وبالتالي، في مسألة ستر العورة، لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين الصلاة وغير الصلاة، وهذا الحديث يشير فقط إلى ضرورة ستر سطح الجسم.

  • عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): «الرجل يصلي بقميص واحد» فقال: «إذا كان كثيفاً فلا بأس به، والمرأة تصلي بالدُّرع والمقنعة إذا كان الدُّرع كثيفاً.»[89]

يقول محمد بن مسلم إنه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن رجل يصلي بقميص واحد، فأجابه الإمام بأنه لا حرج إذا كان القميص كثيفاً، وكذلك المرأة تصلي بالمقنعة والدُّرع إذا كان الدُّرع كثيفاً.

وفي شرح الحديث، يقول صاحب “وسائل الشيعة” تحت هذا الحديث:
«الكثيف يعني: إذا كان ساتراً»،
فاللباس يجب أن يغطي فقط، ولا يشترط ستر الحجم.

هذا الحديث يجعل معيار الستر هو تغطية سطح الجسم دون تمييز بين الرجل والمرأة، ويضيف شرط تغطية الرأس والرقبة لدى المرأة بالمقنعة. لذا، إذا كان اللباس يغطي كامل الجسم والرأس والرقبة، فهو كافٍ ولا يلزم أن يكون قطعة واحدة، لأن الشرط هو الستر لا وحدة أو تعدد القطع.

الملابس الجلدية (الجسمانية):

في كتاب “وسائل الشيعة”، باب آداب الحمام، توجد عدة روايات تنهى المرأة عن لبس الملابس الرقيقة والشفافة. ونكتفي بروايتين:

في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام):
«يا علي! من أطاع امرأته ألقاه الله عز وجل على وجهه في النار.» قال علي: «وما تلك الطاعة؟» قال: «… لبس الثياب الرقيقة.»[90]

أي أن من طاعة الزوج السماح لزوجته بلبس ثياب رقيقة وشفافة.

وفي رواية أخرى:
«لبس الثياب الرقيقة فَيُجِيبها»؛

أي أن الطاعة تتمثل في توفير الملابس الرقيقة إذا أرادتها المرأة.

المقصود في جميع هذه الروايات هو “لبس الثياب الرقيقة” بمعنى الملابس التي تكون شفافة وتظهر تفاصيل الجسم.

تعقيب صاحب “جواهر الكلام”:

بعد أن بيّن عدم وجوب تعدد القطع، قال:
«الأصل أن النصوص والفتاوى تشير إلى وجوب ستر سطح الجسم فقط، ولا يشترط غير ذلك»،
واستدرك:
«ولكن في اعتبار ستر الحجم خلاف بين الفقهاء، وأغلبهم يرجح الأصل ويدل عليه جواز الصلاة بقميص واحد إذا كان كثيفاً… والكثافة لا تعني سوى ستر لون الجلد.»

إذًا، رغم وجود اختلاف، فالأغلبية ترى عدم وجوب ستر حجم العورة، والاكتفاء بستر العورة نفسها في الصلاة وغير الصلاة، واللباس الكثيف لا يزيد على ستر لون الجلد.

وقد ذكر عدة أدلة لعدم وجوب ستر الحجم، منها: الأصل في البراءة، تحقيق الستر بغير ستر الحجم، والأحاديث التي تجيز الصلاة بقميص كثيف.

ملخص الفهم من الروايات وكلام الفقهاء:

لا ينبغي للمرأة لبس ثياب شفافة أو بدنّما تكشف تفاصيل الجسم، ولكن يكفي أن يمنع اللباس رؤية الجلد، ولا يشترط ستر الحجم أو إبراز انحناءات الجسم عن النظر الأجنبي.

المشكلة في حديث “صفّ”:

  • عن أحمد بن حماد، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام):
    «لا يصلّي فيما شفّ أو وصف.»[91]

أي لا يصلي بالثياب التي تظهر الجسد أو تحكي شكل العورة.

صاحب “وسائل” علق قائلاً:
«أي الثوب المصقّل (الناعم)»؛

وقد أشار إلى اختلاف في القراءة بين «صفّ» و«وصف» مع احتمالية الخطأ في النسخ، ويبدو أن الأصل «صفّ» بمعنى الجسم الناعم الظاهر، وليس «وصف» الذي قد يعني إظهار الحجم. ويؤكد أن رواية «صفّ» أكثر دقة.

مشاكل الحديث:

  1. الحديث مرفوع وضعيف السند، وليس له مثيل في الروايات الأخرى.
  2. هناك خطأ في النسخ حيث ورد «وصف» والمرجح أن يكون «صفّ» بمعنى ناعم، وهذا يتفق مع المعنى المذكور في الشرح.
  3. اختلاف النقل والتردد في كلمة «صفّ» بين النسخ يجعل الحديث مجملاً وغير واضح.
  4. حتى لو صح الحديث، قد يكون «وصف» يعني ثوباً رقيقاً يظهر ظل الجسد دون أن يعني كشف الحجم بحد ذاته، وهذا ما تدعمه روايات «رقاق» و«شفّ» التي تحذر من الملابس الرقيقة.

حديث علي (عليه السلام) في الثياب الرقيقة:

عن علي (عليه السلام) في حديث الأربع مائة:
«عليكم بالثياب الكثيفة، فمن رق ثوبه رق دينه، ولا يقوم أحدكم بين يدي الرب جل جلاله وهو مرتدٍ ثوباً شفّاً.»[92]

أي أن الثوب الرقيق دلالة على ضعف الإيمان، ولا يجوز الوقوف بين يدي الله بثوب شفّ.

ChatGPT said:

الباس الصّفيق في هذا الحديث هو ذات الثوب السميك والمتين في النسج، كما يقال: «صَفُقَ الثوب» أي نُسج القميص بشكل قوي وصلب. ودليل ذلك أنّه في سياق نفس الحديث يُذكر: «من كان لباسه رقيقًا، كان دينه ضعيفًا وقليل الحيوية، ولا يستطيع أحد أن يقف أمام الله بلباس رقيق وشفاف». ومن هاتين الجملتين يتضح أنّ المراد من كلمة «صفيق» هو نفس «كثيف» في الروايات السابقة، مع أن «صفّ» و«شفّ» يختلفان في المعنى، حيث إن «شفّ» يدلّ على الثوب الشفاف ذو النسج الخشن – مثل بعض الأقمشة الصوفية – و«صفّ» يدلّ على القماش الرقيق والدقيق النسج – مثل الحرير والحرير المخلوط – لكنهما يشتركان في صفة الشفافية.

مسؤولية المرأة والمجتمع السليم

من كل هذه المعطيات يتبين أن الواجب الشرعي للمرأة في شأن اللباس هو أن لا تلبس في الأماكن العامة وأمام غير المحارم ثيابًا رقيقة أو شفافة تكشف عورات الجسد، ولا يشترط تغطية حجم الجسد إلا إذا كانت الملابس تثير أو تلفت انتباه الآخرين، لذا لا يجب أن يكون لباس المرأة فاضحًا أو ضيقًا بحيث يكون محرّكًا أو موضع جذب للناس يدفعهم إلى الوقوع في الذنب.

ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من المشاكل والتحريضات غير المبررة تنشأ من آفات ونقائص وغياب الصحة في المجتمع والأفراد، فبعض الناس يعانون من هذه الانحرافات فلا يستطيعون التوافق مع الأحكام الإلهية، وهذا ما أدى إلى ظهور بعض التقاليد المتشددة بين الناس ونسبها خطأً إلى الإسلام والشريعة. ومن ثم في مجتمع إسلامي سليم وحيوي، مع صحة الأفراد ومعالجة النقائص العقائدية والأخلاقية والاقتصادية والجنسيّة والنفسية، يمكن العيش بسهولة وراحة أكبر بعيدًا عن التضييقات غير المبررة.

القسم الثاني

الزواج والعلاقة الزوجية

الفصل الأول: ماهية الزواج وضرورته

إنكار أصل النكاح والزواج

في عالم اليوم، بعض الناس ـ الذين يسمون أنفسهم متمدنين ـ بالإضافة إلى انتقادهم لأصل اللباس، يوجهون كثيرًا من الاعتراضات على أصل النكاح والزواج وتحقيق النكاح بمجرد كلمات، ويندّدون بظلم الطبيعة للمرأة في الخلق والمعاملات اليومية والعادية. هنا سيتم عرض كل واحدة من هذه الاعتراضات، وبعد التحليل والدراسة سيتم الرد عليها بشكل مناسب في عدة أقسام.

القيود المفروضة على المرأة وسلب حريتها بحجة الزواج لا دليل عقلاني لها، وإنما هي ناشئة عن التقاليد الدينية أو التعصبات القومية والطائفية. ولذلك، كما أنه لا يُشترط على الرجل وحدة الزوجة في الزواج، فلا ينبغي أن يُشترط على المرأة وحدة الزوج في الزواج. وكذلك كما يمكن للرجل، رغم وجود زوجة واحدة له، أن يقيم علاقات حرة أو رسمية مع نساء أخريات، يجب أن يكون من حق المرأة، مع وجود زوج لها، أن تربط علاقات صداقة مع رجال آخرين، وأن تنعم بالراحة واللذات المادية والروحية بلا قيود.

بعبارة أخرى، إن الرابطة الزوجية بين الرجل والمرأة هي أمر عقلي وسنة طبيعية، والأساس في العلاقة الزوجية هو المواانسة والاختلاط الجنسي. ولا يلزم أن تكون هذه العلاقة تحت مسمى النكاح والزواج، وإذا تمت بهذا الشكل، فلا ينبغي أن تُلغِي الأصل (المواانسة) أو تسبب الألم والرعب أو المنع للمرأة.

الأصل في المواانسة والاختلاط الطبيعي، سواء أكان تحت مسمى النكاح أم بدونه، ألا يسبب للمرأة قيودًا غير معتادة أو تعارضًا مع أصل حريتها. فحرية المرأة هي مبدأ مسلّم به يتقدم على جميع المبادئ، ويجب أن تتمتع المرأة، شأنها شأن الرجل، بصفة الإنسان، بحرية فعل كاملة مع قبولها للنكاح؛ لذلك، كما أن وحدة المرأة ليست ضرورية للرجل في النكاح، لا يجب أن تكون وحدة الرجل ضرورية للمرأة.

الرد على اعتراض أصل الزواج

تعريف الزواج

الزواج؛ أكثر من مجرد اختلاط

الآن، ينبغي القول: كل هذه الأقوال المفعمة بالحماس والحرارة تعاني من التشتت والاضطراب، وهناك كثير من الاعتراضات على كل جزء منها. ويحتاج تفصيل الرد إلى أدلة عقلية وفلسفية كثيرة، ولكن هنا سيتم الإشارة باختصار إلى بعض منها.

من كلام هؤلاء يتضح أنهم لا يعتبرون النكاح سوى المواانسة والاختلاط بين الرجل والمرأة. وهم مع أنهم يعترفون بالأصل الطبيعي للاختلاط، إلا أنهم لا يقرون بوجود قيود على المرأة فيه، ويعتبرون المرأة المتزوجة كغيرها من النساء الحرائر.

هذا الخلط المفهومي بين معنى الاختلاط والمواانسة والزواج، وعدم الاعتراف بالقيود في النكاح، نابع من عدم الفهم الصحيح لمعنى النكاح والزواج. وعدم الإدراك الصحيح لهوية النكاح وكيفية تحقيقه في أعين الشعوب والأمم المختلفة، أدى إلى كثير من الأوهام في هذا المجال.

يجب أن يُعلم أن الزواج ليس مجرد مواانسة واختلاط أو فقط هذه الأمور، وليس كل مواانسة واختلاط هو نكاح. النكاح هو حقيقة أوسع من مجرد اختلاط، وله معنى أعمق من ذلك. في النكاح، توجد وحدة انتماء عاطفي للمرأة نحو رجل معين، وبدون هذا المعنى لا تتحقق هوية النكاح من جهة المرأة. أما الرجل، وإن كان مختلفًا في هذا الجانب، إلا أن له أيضًا هذه الوحدة في إطار التجسد والخصوصية.

هذا هو روح معنى النكاح الذي تؤمن به جميع الشعوب والأمم، وهو من الأفكار الأولى والإدراكات البديهية للإنسان. وبما أن حقيقة النكاح عند جميع الشعوب والأمم واحدة، فإن كل شعب ودين يعترف بنكاح شعب ودين آخر ويقبله ويحترمه مع كل خصوصياته.

الأصل في الزواج هو انتماء المرأة إلى رجل معين، والمواانسة والاختلاط هي آثار طبيعية لهذا الأمر. ولهذا السبب في الإسلام يقوم “الإيجاب” لعقد النكاح من قبل المرأة، ويكون الرجل مجرد “قبول” لهذا الإيجاب. الإيجاب هو أن المرأة تضع نفسها، بوعي وإرادة كاملة وحريّة تامة، بشكل إبداعي (إنشائي) في يد رجل معين. والقبول من الرجل يكون، رغم كونه كذلك، مجرد قبول لهذا الإيجاب في إطار التجسد والخصوصية. لذلك، في عقد الزواج، للمرأة حرية عمل أكثر، ويمكنها أن تطرح رغباتها بسهولة وتمارسها، ويجب على الرجل فقط قبول هذا الإيجاب.

الزواج؛ نداء الفطرة الواعية للبشر

هؤلاء الأشخاص يجب إما أن ينكروا أصل النكاح ويعارضوا روحه، ويقفوا ضد الفطرة والسنة الإلهية وعقائد جميع الشعوب والأمم والطوائف الإنسانية، أو يعترفوا به ويصححوا كثيرًا من أقوالهم غير المناسبة، وألا يقارنوا لقب “زوج” للمرأة بلقب “امرأة” للرجل وينفوا الاثنين معًا، وأن يميزوا بين هذين الأمرين الكليين.

لذلك، يجب أن نرى: هل المشكلة لديهم في تصور وفهم معنى الزواج؟ أم في تصديقه؟ أم أن عدم الإيمان أو الأسباب الأيديولوجية أو السياسية أدت إلى إنكار البديهيات منهم؟ وإن كان الأمر كذلك، فهؤلاء، في هذا المقام، يظهرون لنا كمنكرين لأمر بديهي.

قد يقولون: مع أن النكاح مقبول من الجميع، إلا أننا نستطيع إنكار أصله؛ لأن هذه المواضيع لا ينبغي أن تعتمد على اتفاق الشعوب والأمم على رأي واحد، وإنما يجب فقط اتباع الدليل.

والرد أن هذا القول لا أساس له؛ لأن أي إجماع ليس بلا دليل. قد تكون بعض الإجماعات العامة غير قوية الجذر، لكن النكاح ليس من هذه الحالات؛ لأنه أمر له جذور علمية وفلسفية ونفسية وروحية دقيقة، ومن نداء الفطرة الواعية للبشر، ولا مجال لأي شك أو وهم إلا عند الأشخاص غير السليمين. وإن كان هناك إجماع على الزواج، فذلك يقوي العقول العادية لكنه ليس السبب، بل هو نتيجة دليل عقلاني قوي وحقيقة سنة طبيعية ومعرفة فطرية بديهية للبشر.

الآن، يتم بحث هذا الموضوع من زوايا مختلفة، وسيتم ذكر أدلة عقلية ونقلية على النكاح بشكل مختصر.

الفصل الثاني: الأدلة العقلية على أصل النكاح

الدليل الأول: أمن المرأة وراحتها النفسية

وحدة تعلق المرأة برجل معين، والتي نعتبرها روح النكاح، هي من الخصائص الذاتية والسمات الدالة على هوية المرأة، وهذه الحالة النفسية ليست كما هي عند الرجل.

فالمرأة بهذه الوحدة في التعلق تستعيد أمنها، وتشعر بالراحة النفسية، وتحصل على ملجأها الطبيعي؛ لذا فإن النكاح لا يقيد حرية المرأة فقط، بل يحرر روحها ونفسها من التعلق بالغرباء، ويمنحها الطمأنينة ويخلصها من الاضطراب والتشتت الناتج عن الوحدة أو الانجراف إلى الفجور.

وفي هذا الموضع، يكون الزوج ملجأً متيناً لأمن المرأة وراحتها، يبعد عنها كل أذى أو ألم نفسي، ويحول دون انزلاقها في الفساد والفجور، ويقوي إرادتها، ويمنحها قدرة على الصمود في حياتها.

فالمرأة، كما لا تستطيع أن تعيش وحيدةً بدون زوج حياة طبيعية هادئة وصحية، لا يمكنها كذلك أن تحظى بالراحة النفسية والحياة الطبيعية السليمة إذا كانت مرتبطة بعدة رجال وعلاقات ملوثة ومسمومة.

إنّ نقاء روح المرأة وصفاؤها لا يظهر إلا في وجود رجل معين فقط. وبدون هذه الوحدة الخاصة في التعلق، تفقد المرأة هويتها وتتعرض مكانتها للخطر، مما يؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية وجسدية متعددة نتيجة فقدان هويتها وكرامتها.

وتتجلى هذه الحقيقة المريرة بشكل ملموس في أجساد النساء الفاسدات عديمات الهوية من البغايا؛ إذ تكون أرواحهنّ الملوثة والمظلمة مشغولة بالتشتت والاضطراب بحيث لا تكاد تظهر في وجوههنّ أي علامات على الصفاء والصدق والنقاء والتجانس. إنهنّ يقدمن أجسادهنّ الخالية من الروح للرجال العاشقين للشهوات كي يُمارسوا عليهنّ أسوأ أنواع اللذات والشهوات العنيفة.

فهم هذه الحقيقة من معنى النكاح، مع كل وضوحه وبديهته، يحتاج إلى دقة خاصة، إذ ليس من السهل تعريفه وتحليله علمياً.

ينبغي دقة بالغة ليُدرك أن حقيقة النكاح تتحقق لدى المرأة من خلال وحدة خاصة، وهذه من خصائصها المميزة. أما عند الرجل، رغم وجود وحدة تعلق نفسي بزوجته، إلا أن هذه الوحدة الخاصة والتمايز النفسي غير موجودة، ولا ينبغي الخلط في هذا المعنى؛ فالنکاح، رغم كونه حقيقة مشتركة، له خصوصيات مختلفة بالنسبة للرجل والمرأة، كما أنّ دور المرأة والرجل في الأمر المشترك كالتناسل أو تربية الأطفال ليس متماثلاً.

الدليل الثاني: الزواج؛ سكن الرجل والمرأة

الزواج ليس فقط ملجأ للمرأة وسبباً لجذب دعم الرجل ومن ثم راحة المرأة، بل إنه سبب سكون نفس الرجل أيضاً؛ لأن الرجل حين يشعر بقرب زوجة حنونة قد صرف قلبها عن الآخرين وأخلصت له وحده، يعشقها ويرى فيها سبب راحة قلبه وروحه.

بعبارة أخرى، يمنح الزوجان بعضهما الراحة ويكونان دواءً لجراح وتعب بعضهما البعض. ويؤدي هذا الاتحاد إلى أسمى درجات الكمال والسعادة للمرأة والرجل والأبناء، وتقوية الأسرة. أما إذا كانت المرأة مرتبطة بعدة رجال أو كانت بين الرجل والمرأة علاقة غير مؤسسة على الزواج، فلن تتحقق تلك المشاعر المشتركة والروابط الوثيقة أبداً.

وقد عرّف القرآن الكريم المرأة والرجل بأنهما لباسٌ لبعضهما البعض وسببٌ للراحة، فقال:

{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [سورة البقرة: 187]

فالنساء لباسٌ لكم، وأنتم لباسٌ لهن.

المرأة والرجل لباسٌ لبعضهما البعض

لقد ورد في القرآن الكريم لفظ “لباس” في مواضع مختلفة، وهو يشير في جميعها إلى التغطية، والاعتماد، والاحتياج، والضرورة، وكذلك الحماية بين الرجل والمرأة.

وقد أطلق على الليل أيضاً لباس، وعرّف التقوى بأنها أفضل لباس للإنسان.

والمراد من “لباس” في الآية {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} هو التعلق، والاحتياج، والضرورة، والحماية المتبادلة بين المرأة والرجل. وعندما يقول الله تعالى في بداية الآية:

{أحلَّ لَكُم لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثَ إِلَى نِسَائِكُمْ} [سورة البقرة: 187]

فإنه يبيّن من خلال ذلك أساساً عاماً – رمزاً لهوية النكاح وتجلي العلاقة بين الرجل والمرأة – تحت عنوان “لباس”، فيقول:

{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}

هذه الآية توضح جدّية وشمولية التعلق والاحتياج والضرورة والحماية بين الرجل والمرأة.

ومدى شمولية هذه الآية يشمل كل الهوية، والصفات، والسلوك، والدوافع، والغاية في حياة المرأة والرجل، كما تحمل هذه الآية تعقيداً دقيقاً بحيث يستحيل فيها الانفصال أو الغربة أو التجزئة أو الانكسار.

إن هذا التعبير في القرآن يتميز بجمال ودقة علمية وفلسفية عالية، وهو من أفضل المواضع التي تذكر المرأة والرجل على حد سواء، مع تقديم المرأة في البداية حيث تقول: “هُنَّ لباسٌ لكم” ثم “وأنتُمْ لباسٌ لهنّ”.

ومن أدق جوانب هذه الآية المباركة أن الله تعالى ذكر المرأة أولاً بلغة الغيبة (هنَّ)، بينما ذكر الرجل ثانياً مخاطباً (لكم)، وهذا التقديم يدل على أهمية المرأة في تحقيق هذا اللقب، و”هنّ” تمثل وجه العفة والقداسة التي خص الله بها المرأة. أما الرجل، رغم كونه أيضاً يرتدي ثوب اللباس، إلا أن ظهوره المعلن (لكم) يبين موقعه في الحياة.

من هذه الآية نفهم كيف يكمل الرجل والمرأة بعضهما البعض، فالمرأة كائن منزلي-اجتماعي، والرجل كائن اجتماعي-منزلي، وهذا الأمر سيتم شرحه مستقبلاً من خلال بحث موقع المرأة والرجل في الأسرة والمجتمع على أساس طرح اجتماعي شامل وسليم.

السكينة والراحة في كلام الله تعالى

عنوان آخر يطرحه القرآن الكريم في مسألة النكاح هو هبة السكينة والراحة والاطمئنان للرجل في جوار زوجته.

هذا العنوان، خلافًا لموضوع اللباس الذي يعبر عن التبادل والتقابل، يُنسب فقط إلى المرأة، رغم أن كلا من المرأة والرجل يتحليان بهذا الوصف بدرجات مختلفة.

قبل عرض الآيات المتعلقة بهذا العنوان، يجب أن نوضح موقع السكينة والراحة من منظور القرآن الكريم.

فكلمة “سكين” أطلقت في عدة مواضع ونُسبت إلى أشياء مختلفة يمكن الإشارة إليها إجمالاً:

  • {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [سورة النحل: 61]

فقد جعل الله الليل لتسكنوا فيه وترتاحوا.

  • {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [سورة التوبة: 103]

صلاتك يا محمد هي راحة للمؤمنين.

  • {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [سورة النساء: 4]

وجعل الله بيوتكم مساكن لكم، مواضع راحة.

بيان علمي أم خطابية؟

في الرد على هذه الاعتراضات، يجب أولاً أن نأخذ في الاعتبار أمرين أساسيين:
الأول، أن تكون المناقشات العلمية خالية من كل شعارات وخطابات انفعالية، وأن تُدرس من منظور العقل والتفكير، مع مراعاة المشاعر الإنسانية، حتى تظهر الحقائق كما هي، بلا تزوير أو تحريف.

الثاني، ألا ننسى أن المرأة والرجل، مع كونهما كلاهما إنسانين ويتشاركان في كثير من الخصائص الخلقية والأحكام، ولا يشكل نقص أو اختلاف في صفاتهما نقصاناً في إنسانية المرأة كالرجُل، إلا أن لكل منهما خصائصه وميزاته وأحكامه الخاصة التي لا يمكن إنكارها من قبل عقل سليم.
فمثلاً: للمرأة والرجل أجهزتهما التناسلية المناسبة، ولكل منهما متع مادية خاصة به، ويشاركان في التكاثر بدور رئيسي، لكنهما لا يستمتعان بنفس الطريقة، وليس لهما أعضاء تناسلية متشابهة، ولا يقومان بدور متماثل في التكاثر.

كما أن الرجل لا يستطيع أن تحمل أو تلد، كذلك لا تستطيع المرأة أن تحمل رجلاً أو امرأة، ولا يمكنها أن تلعب دور الفاعل في التكاثر بنفس الطريقة.
لا يمكن القول إنه بما أن للمرأة ثدياً وترضع، فينبغي للرجل أن يكون له ثدي ويرضع أيضاً، وإلا فذلك سيهدد الحرية وحقوق الإنسان والعدالة في المجتمع الإنساني.

وفي العديد من مسائل الخلق والتشريع لا يمكن وضع المرأة والرجل في قالب واحد، لأن لكل منهما موقفه وخصائصه الخاصة. ولا يجوز خلط الأمور المشتركة مع الأمور الخاصة من حيث الخلق والتشريع بين المرأة والرجل، لأن أي خطأ في هذا المجال، سواء كان عن جهل أو تقصير أو عن قصد، يقود الإنسان إلى الضلال ويوقعه في اضطرابات فكرية وسلوكية كثيرة، ويُحدث تغييراً سلبيًا وانحرافًا ونقصاً في المجتمع.

الزواج؛ هل هو مقيد للمرأة؟

الذين يعترضون على النكاح الشرعي والرسمية – هذه السنة الإلهية ومنشأ الخلق وهويّة ستر الإنسان وعريه – يقولون في البداية: إن العلاقة الجنسية والوجدانية بين الرجل والمرأة أمر مسلم به، وسنة طبيعية وحقيقة اجتماعية لا ينكرها أحد، لكن لا ينبغي أن يكون هذا سبباً لتقييد حرية المرأة وتهديد حريتها، لأن حرية المرأة هي أيضاً مبدأ مسلم به، وتقع في قمة كل المبادئ المتعلقة بها، وهي تحكم جميع تلك المبادئ، بحيث تُفسر باقي المبادئ في ضوء هذه الحرية.

إن العلاقة الجنسية والوجدانية بين المرأة والرجل أصل لا ينبغي إنكاره، ولكن لا ينبغي أن تسبب للمرأة عزلة أو انزواءً أو خوفًا أو قلقًا، ولا ينبغي أن تهدد حريتها.
ينبغي أن تتم هذه العلاقة بشكل طبيعي، دون أن تفرض النكاح أو الزواج الشرعي أو القيود التقليدية تقييدًا.
وحتى لو كان هناك نكاح وزواج، يجب أن تتمتع المرأة بنفس حرية الرجل، بحيث لا يشكل وجود النكاح عائقاً أو تقييداً لهما، ويستطيع كل منهما أن يعيش بحرية في حياته الزوجية.

لذلك، يمكن تحقيق العلاقة الجنسية والوجدانية بدون وجود نكاح وزواج.
والعقل والتفكير لا يقبلان أكثر من ذلك، ولا يعترضان على أي أمر يتجاوز حدود العقل، مهما أيدته الجماهير، لأن كثيراً من الخرافات التي ظهرت بين البشر نشأت من هذه التأييدات الشعبية.

وإذا اعتُبرت العلاقة الجنسية والوجدانية نكاحًا، وسُميت سنة حقيقة مقبولة من الجميع، لا مكان لإنكارها، فلا ينبغي أن يُقيد الرجل والمرأة بحجة هذا الرابط، ولا أن تُسلب حريتهما.

يجب أن تتمتع المرأة بنفس حرية الرجل في أفعالها، بحيث تستطيع خلال حياتها، في أي وقت تشاء، أن تقيم علاقات وصداقة ومعاشرة مع رجال آخرين، دون خوف أو قلق أو إذن من زوجها، سواء بحضوره أو بدونه، كما لا توجد – على الأقل – قيود شرعية تمنع الرجال من ذلك.

الحياة والنجاح

إذا نظرنا بعناية إلى الكتاب الإلهي ـ وهو النسخة الوحيدة الصحيحة لهداية الإنسان وخريطة الخلق السليمة ـ نجد كيف ترتبط وتتداخل تمامًا السكن والصلاة، واللباس والسكينة بين الرجل والمرأة، والطهارة والنقاء، والعبادة والذكر، والحب والنجاح. نعم، يجب على هذين الكائنين الطيبين والطيبتين أن يحيا النجاح في أعلى درجاته بفضل العطر والذكر والدعاء والحب الطاهر؛ لأنه في حال نقص أو خلل في أي من هذه الجوانب، يصبح نجاحهما محدودًا، ناقصًا، فاقدًا للحيوية والنشاط.

فكيف يمكن تفسير وتحقيق وتجسيد هذه الرؤية الشاملة في القرآن الكريم عن الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان؟ وكيف يمكن لمرافقة الصلاة والمرأة والعطر أن تضمن النجاح الكامل للإنسان وتحقق له السكينة والراحة، وهي الراحة التي يعاني الإنسان الحديث اليوم من فقدانها؟

الآن وبعد بيان كل من هذه الحقائق والمعاني، تثار الكثير من الأسئلة حول الخطة الحقيقية للحياة والنجاح؛ أسئلة مثل: ماذا يعني اللباس؟ ما هو السكون والطمأنينة وما آثارهما؟ من هو الطيب والطَيبة؟ كيف يقطع الذكر والدعاء والصلاة والحب والنجاح المسيرة من الشهوة والنفسية إلى الروحية، وإلى أين يصل الإنسان بذلك؟ ما هو العُري؟ ما هو القلق؟ ما الفرق بين الليل والنهار وما آثارهما؟ ما الفرق بين الطيب والطاهرة وبين الفجور؟ ماذا يفعل الإنسان بدون صلاة؟ ما العلاقة بين الشهوة والنجاح؟ والكثير من الأسئلة الأخرى التي لا يسمح الوقت هنا بسردها كلها؛ لذا سنقتصر في هذا المقطع على مناقشة بعض هذه الأسئلة.

اللباس والمفهوم الفلسفي لـ «الجِدّة»

في البداية يجب النظر: هل عنوان «اللباس» ينتمي إلى أي من فئات الفلسفة؟ هل هو «جوهر» أم «عرض»؟ هل من قبيل «الجِدّة» و«الملك» أم «الإضافة»؟

كما نعلم، الجدة ـ التي تُسمى أيضًا الملك ـ هي الهيئة التي تنتج عن إحاطة شيء بشيء آخر؛ بحيث أن انتقال المحتاط يجعل المحيط يتحرك. في الفلسفة توجد ثلاثة أمثلة معروفة على ذلك: التجلّبب، التقمص، والتنعل؛ التجلّبب هو ارتداء الجلباب أو العباءة، التقمص هو ارتداء القميص، والتنعل هو ارتداء الحذاء. ففي هذه الأمثلة، مع حركة الجسم، تتحرك العباءة والقميص والحذاء مع الإنسان. وفي شرح هذا المفهوم (الجدة)، يجب الانتباه إلى أمرين: أولًا، التبعية والتناسق أحادي الجانب؛ ثانيًا، تختلف درجة هذه التبعية في الحالات الثلاث، فليست درجة التناغم متساوية.

في هذه الحركات هناك تناغم كامل من جهة، وعدم تبعية أو اختلاف في مقدار التبعية من جهة أخرى. فالعباءة تغطي كامل الجسم، لذلك هي كاملة، والقميص أقل منها، والحذاء أقلهم تغطية، لذلك هي ناقصة. فالحذاء يغطي جزءًا قليلاً من الجسم، خلافًا للعباءة والقميص اللذين لهما تناغم أكبر وأكمل.

العباءة والقميص والحذاء، كل منها محيط بالجسم ويتبع المحتاط ـ وهو الجسم ـ ولكن القدم أو الجسم لا تتبع الحذاء أو العباءة أو القميص؛ لذلك هذه الأشياء تتبع الجسم، لكن الجسم لا يتبعها. وبذلك، العلاقة بين الجسم وهذه الأشياء علاقة أحادية الاتجاه. لكن المقصود في قوله تعالى «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ» هو أمر يتجاوز العلاقة الأحادية؛ لأن اللباس المتعارف عليه علاقة أحادية، والإدراك والإرادة فقط من جانب صاحب اللباس، أما في علاقة الرجل والمرأة فكل منهما لهما شعور وإرادة. لذلك، المقصود من هذه الآية ليس مفهوم «الجدة» و«الملك» الفلسفي بمعناه الأحادي، ولهذا جعل القرآن اللقب «لباس» مشتركا بين المرأة والرجل.

وهكذا، رغم أن اللباس يحمل معناه العام (الستر)، إلا أن المرأة والرجل بالنسبة لبعضهما ليسا فقط كالجسد واللباس، بل كلاهما لباس للجسد الآخر، والجسد لباس له، بل هما أكثر من جسد ولباس؛ فكما أهل الجنة كل جسدهم ولباسهم يعبران عن إدراك وإرادة كاملة.

النكاح ومفهوم «الإضافة»

حقيقة التلبس بين الرجل والمرأة هي في اللغة الفلسفية «إضافة» تُعرف في المنطق بـ«تضايف». الإضافة هي هيئة ناتجة عن تكرار نسبة بين شيئين، وهذه النسبة ليست فقط «نسبة»، بل نسبة متبادلة بين الشيئين؛ مثل الأب والابن، حيث كل منهما ينسب إلى الآخر.

وهذا التضايف يتطلب وجود الطرفين معًا في مقام واحد ومرتبة واحدة؛ مثل أن نقول: «هذا أخوه وهو أخوه»، وهذا صحيح فقط إذا كانا من نفس الأب والأم.

قد يزول هذا التضايف إذا مات أحدهما، أو انفصلت المرأة عن زوجها، أو الرجل عن امرأته، أو إذا انهار جدار أو سقف؛ فالاضافة رغم ترابطها القوي قابلة للزوال، رغم أن التضايف الكلي لا زوال له.

إنما العنوان «لباس» في هذه الآية ينطبق على التضايف المنطقي والفلسفي، ويحمل دلالة الحماية والستر الحقيقي والقانوني بين الرجل والمرأة في شكل شعوري وإرادي. هذه الصفة مشتركة بين الرجل والمرأة، ولكل منهما هذه الصفة بالنسبة للآخر، بحيث يحميان هوية وصفات وسلوك بعضهما البعض، فلا يمكن للمرأة أن تحوز على موقعها كامرأة بلا زوج، ولا للرجل أن يحمل عنوان الرجل بلا زوجة. فبلا زوجة، لا يحظى الرجل بالستر الكامل، وبلا زوج، لا تحظى المرأة بالستر الكامل.

رغم أن الأساس في عنوان «اللباس» هو الرجل والمرأة، إلا أن قيمتهما تُحقق بهذه الصفة، وكمالهما في هوية هذا اللباس، وكما ذُكر، تقدم المرأة وتأخرها مع حضور الرجل في الآية يوضح موقع هذا التضايف.

المرأة والسكينة؛ لماذا؟

نأتي الآن للرد على السؤال الأول من الأسئلة السابقة، والذي يطرح من زاويتين: ما الفرق بين عنواني السكون واللباس، مع أن كلاهما من باب التضايف؟ وكيف يثبت أن السكون والطمأنينة للرجل من خصائص خلق المرأة فقط، وليس للرجل هذه الصفة؟ ولماذا السكون وصف المرأة فقط، مع أن كلًا منهما يجد سكونه الخاص في وجود الآخر؟

الجواب الأول: الإزعاجات خارج البيت

رغم أن المرأة والرجل كلاهما سبب في سكون وراحة الآخر، إلا أن الرجل غالبًا ما يخرج أكثر من البيت ويعمل ويكد في الحياة الاجتماعية، وهناك في الخارج متاعب كثيرة. لذلك، راحة الرجل تكون عند عودته إلى البيت، وهذه السكينة والراحة تعتمد على وجود المرأة في البيت.

فالمرأة في البيت تخلق السكينة للرجل، بينما المرأة تقضي أكثر وقتها في البيت ولا تتعرض للمصاعب الخارجية طوال الوقت، لذلك خلقها ليكون سببًا في راحة الرجل. من جانب الرجل، لا توجد هذه الوضعية بشكل دائم.

وهكذا يظهر لماذا يشمل عنوان «اللباس» المرأة والرجل، أما «السكين» فدور المرأة فيه أساسي.

المرأة في الماضي والمرأة اليوم

قد يُثار الشك بأن هذا الكلام كان صحيحًا في الماضي فقط، لكن اليوم لم يعد له معنى كبير؛ لأن المرأة والرجل اليوم يعملان معًا خارج البيت، والمرأة تتحمل أعباءً أشد، لأنها تعمل في المنزل وفي الخارج، بل وتؤدي أدوارًا كثيرة خارج البيت التي لا يتمكن الرجل من أدائها.

الرد على هذه الشبهة:

يجب القول، كما سيُبيَّن لاحقاً، أن النظام الأساسي للمجتمع في مجتمع صحي ومتقدم ينبغي أن يُصاغ بحيث تكون المرأة كائنًا منزليًا-اجتماعيًا، والرجل كائنًا اجتماعيًا-منزليًا. مع أن للرجل في البيت وللمرأة في المجتمع دوراً أساسياً يجب أن يؤدّياه، ولازمًا عليهم متابعة الأعمال الضرورية الخاصة بكل منهم، إلا أنه ليس من الصحيح أن تتحمل المرأة في المجتمع نفس القدر من العمل والمشقة والاضطرابات التي يتحملها الرجل. وإذا كان مجتمعنا اليوم يتعامل مع بعض النساء بهذا الشكل، فإنه لا بد في المستقبل أن يشهد أضرارًا جسيمة جراء ذلك، لأن المرأة تختلف عن الرجل اختلافًا خاصًا ويجب الاعتراف بهذا الاختلاف. الدور الأساسي للمرأة هو في البيت، بينما مشاركتها في الأعمال الاجتماعية هي مشاركة فقط. ويُفهم من ذلك أن الرجل يجب أن يبذل قصارى جهده في المجتمع من أجل راحة المرأة وأولاده، والمرأة من جهتِها تُعد البيت لهما ولأهل البيت بمساعدتهم.

تشبيه النساء بالرجال:

نعم، لا ينبغي أن تعمل المرأة في المجتمع كالرجل وفي نفس وتيرة جهوده الشاقة والمتعبة، لأنه في هذه الحالة ستصاب نساؤنا بالإرهاق المفرط، والقلق، والتشويش، والذبول، والشيخوخة المبكرة، والوفاة المبكرة، وفي النهاية يفقدن صفة السكينة والهدوء الخاصة التي هي من خصائص الأنثى الفريدة، ويصبحن مهمشات ومنبوذات، ويصبحن بالنسبة للناس دواءً منتهي الصلاحية وعديم الفائدة، وهذه المشكلة للأسف واضحة إلى حد كبير في مجتمعنا اليوم.

ما الحاجة لأن تسلك النساء مسارًا غير طبيعي، عقلاني، وعاطفي سليم؟

كم هو جميل أن يكون لكل من الرجل والمرأة مجالاتهما التقليدية والمنطقية. وعندما يُقال في الفقه الإسلامي المتقدم: إن تشبيه النساء بالرجال والرجال بالنساء حرام، فيمكن القول إن هذا التحريم ليس مقصورًا على اللباس فقط، بل يشمل جميع جوانب الحياة.

كيف يُقال إن لبس المرأة لملابس زوجها أو حذائه حرام ويُثار ضجيج كبير، بينما إذا انخرطت المرأة في أعمال شاقة مجتمعية تناسب قدرات الرجال فلا يعتبر ذلك تشبهاً أو حرامًا ولا يُثار ضجيج مماثل؟!

لا ينبغي أن يُفسد “حرية المرأة” حياة هذه المظلومة على مر التاريخ.

لا ينبغي أن يُجبر المرأة، هذه الأم العزيزة، والأخت الكريمة، والزوجة القيمة، على البطالة باستخدام كلمات ملوثة وسمّمة. هذه الإلهة العاشقة، رمز المحبة، تجسيد الحور، رقص النور، درس الحب، حقيقة اللطف، والوجه الجميل للخير، لا يجب أن تُجرّ إلى ساحات الجرائم الكبرى في التاريخ.

المرأة اليوم ومشكلتان جديدتان:

هناك، بالإضافة إلى المشكلات الأساسية في مجتمعنا، مشكلتان مهمتان مؤقتتان تواجهان المرأة: الأولى، الصور القبيحة للايزم والتعريفات الفارغة من المضمون عن المرأة التي تؤدي إلى انحراف وتلوث وانحراف بعض النساء؛ والثانية، الفقر الشديد الذي أصاب العديد من عائلاتنا مما أدى إلى اضطرابات وتقلبات في الحياة، مسببة مشكلات نسائية عديدة.

رغم تعدد مشكلات إدارة الحياة، والأزمات التي أثرت على مكانة البيت والأسرة والنساء على وجه الخصوص – بحيث أصبحت المشكلات الأخلاقية والاقتصادية تحاصر قطاعات واسعة من المجتمع في كثير من مناطق العالم – إلا أن هذا لا يجب أن يؤدي إلى ظلم أكبر للنساء.

أما عن عمل المرأة في المجتمع:

يجب أن تكون المرأة العاملة اجتماعيًا موظفة بدوام جزئي، ويجب أن يتحمل زوجها بعض أعمال المنزل. كما لا ينبغي للنساء المنزليات أن يقمن بكل أعمال البيت أو كافة مشتريات المنزل فقط بذريعة انشغال الرجال، بل يجب أن توزع الأعمال على أساس العدل والتعاون والمساعدة المتبادلة. عندها سيكون نصيب الرجال في الأعمال خارج المنزل أكثر، ونصيب النساء في الأعمال المنزلية أكثر، لأن المرأة هي التي يجب أن تكون مصدر سكينة الرجل في البيت. بهذا المنهج، يمكن للرجل والمرأة معًا أن يهيئا صحة المجتمع.

الاستنتاج:

صحة المجتمع نتيجة لمنهج سليم وتنظيم اجتماعي صحيح، وهذا المنهج يعتمد على تناسب الأعمال والمسؤوليات. فإذا كانت المرأة، لأي سبب كان، تعمل اجتماعيًا بشكل مفرط أو غير مناسب، فإن ذلك يؤدي إلى اضطراب في القوى العاملة ويؤدي إلى اضطرابات نفسية وروحية. وإذا لم يشارك الرجال في الأعمال المنزلية بنسب مناسبة، تتحول المرأة إلى خادمة في بيتها، وبهذا تختفي معاني مقدسة مثل: البيت، المرأة، السيدة، الأم، والزوجة.

الرد الثاني: المرأة؛ الرقة والشعور

ننتقل إلى الرد الثاني على السؤال السابق: ما الفرق بين “اللباس” و”السكينة” ولماذا قال القرآن الكريم إن اللباس ذو وجهين بينما السكينة ذات وجه واحد، مع أن كليهما مرتبط بالحياة المشتركة؟ بل يمكن القول إن معنى اللباس في المرأة والرجل هو نفس معنى السكينة المتبادلة.

الرد هو: بالرغم من أن السكينة بين الرجل والمرأة متبادلة، وأن كل واحد منهما سبب راحة الآخر، إلا أن معنى اللباس مختلف عن السكينة. للتوضيح أكثر، يجب العودة إلى مفهوم “الإضافة” حيث في بعض الإضافات يكون الطرفان متساويين مثل أخ لأخ أو أخت لأخت، وفي بعض الإضافات يكون هناك اختلاف بين الطرفين، مثل أخ لأخت أو والد لأبناء. هنا، رغم التبادل في السكينة، الطرفان مختلفان، وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف الاجتماعي والمنزلي بين المرأة والرجل، وهو سبب ازدواجية اللباس ووحدة السكينة.

في اللباس، هذا التبادل يكون متساويًا، والمرأة والرجل يكملان بعضهما البعض في احتياجاتهما، أما في السكينة، فالرجل يحتاج أكثر إلى المرأة، أي إلى عواطفها ومشاعرها وظهور لطفها ورقتها. هذه العواطف هي سبب الاختلاف بين المرأة والرجل.

هذا الاختلاف له وجهان: الوجه الأول اجتماعي ومنزلي، حيث يجب على الرجل العودة إلى البيت مهما كان، والأساس في الحياة الزوجية هو المرأة. الوجه الثاني، وهو أهم، هو الاختلاف الذاتي، حيث تتميز المرأة بجمال، ورقة، وعواطف، وهي تجسد الجمال والنعمة والإلهة المحبة، وهذا ما يجعل الرجل يميل إليها طبيعة.

لذلك، ذكر القرآن أن السكينة ذات جانب واحد بسبب هذه الخصائص التي تتميز بها المرأة، كما قال تعالى:

“هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها”[الآية]

أي أن المرأة خُلقت لتكون شريكًا للرجل ومنبعًا لسكينته.

وفي آية أخرى:

“ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها”[الآية]

فالسكينة من خصائص المرأة، وهي التي تمنح الرجل السكينة والراحة، فلا حياة للرجل بلا امرأة.

النجاح وصفاء الليل:

بعد ذكر الفرق بين اللباس والسكينة، ننتقل إلى رؤية القرآن والشريعة فيما يتعلق بالنجاح والصفاء، لبيان فشل الدنيا المادية في هذا المجال.

الليل والنهار مختلفان، فالنهار للعمل والجهد، كما قال الله تعالى:

“وجعل النهار نشورًا”

“إن لك في النهار سبحًا طويلًا”

“جعلنا النهار معاشًا”

النهار هو للعمل والسعي، رغم أنه ليس خاليًا من الراحة.

قال تعالى:

“ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله”

أي من رحمة الله أن جعلكم الليل للراحة والنهار للسعي.

حتى لو حصل العكس عند بعض الناس، فإن راحة الليل مؤكدة كما قال تعالى:

“ألم يروا أننا جعلنا الليل ليسكنوا فيه”

“هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه”

راحة الليل وراحة المرأة يزكيان القلب ويمنحان الصفاء، وصحة الإنسان تعتمد على ليالٍ سليمة.

الذين لا يستغلون الليل بشكل جيد، لن يكون لديهم نهار حيوي.

الليل مع الوحدة، الليل مع الفرح، الليل مع الروح، الليل مع العبادة، الليل مع الحب والنجاح والصفاء، كلها مظاهر من حياة الليل.

العبادة، الحب، الصفاء في الليل تخلق حياة روحية، وصحة نفسية.

وقد أوصى المعصومون(:) بكثير من هذه الأمور، منها:

“تزوجوا بالليل”

“زفوا عرائسكم ليلاً”

لأن الله خلق الليل للراحة والسكينة.

عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعتُه يقول في التزويج: «من السنة التزويج بالليل لأن الله جعل الليل سكوناً والنساء هنّ سكن».

فبما أن المرأة والزواج كليهما كالليل سببٌ للراحة والهدوء، فالأفضل أن يتمّ عقد الزواج والزفاف في الليل. وهذا الاستحباب من جهة الدين يدلّ على علاقة طبيعية بين الليل والمرأة والنكاح والراحة.

رائحة الحب في الجنة الليلية

يمكن القول إن الليل والمرأة، الليل والصلاة، الليل والعبادة، الليل والحب، كلها ترافقها طيبةٌ عطرة، تفوح منها نفحاتٌ تسرّ القلب وتنشر صفاء الروح.

الدين يوصي كثيراً بالعطر، فهو من خصائص الأنبياء وأخلاقهم. العطر يقوّي القلب ويبهج النفس؛ كما أنّ أجر الصلاة مع العطر أفضل من سبعين صلاة بدون عطر، وهذه الصلاة تجلب للمؤمن السكينة والصفاء.

إنّ حقيقة الإنسان وروحه ترتبط بالتماسك والازدهار النفسي، ولا يقتصر ذلك على الشهوة الحيوانية فقط، فالشهوة وحدها لا تجلب الرضا، بل قد تؤدي إلى الفوضى والانحراف النفسي. الليل والصلاة والعطر والمرأة يجلبون السرور والصحة النفسية والصفاء، وهي صفات تهدئ القلب وتطهّر الروح ولا تتحقق بدون وجود المرأة.

قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث مشهور:
«حُبّب إليّ من الدنيا ثلاث: النساء، والطيب، وقرّة عيني في الصلاة.»

هذه الأمور الثلاثة تؤمن وحدة الروح للإنسان.

هذا المنهج الديني في تحقيق السعادة والرضا يواجه عالمًا ماديًا فاسدًا يدمر الإنسان خاصة المرأة، فيجعلها أداة للاستغلال بأقسى أشكاله، ولكنه في الوقت نفسه لا يحقق الرضا الحقيقي، لأن الحب الحقيقي أعلى من الشهوة الحيوانية، والشهوة لا تعني الجنون أو العنف بل هي تجلٍّ من مظاهر الحب.

في العصر الحديث، أدى التطرف المادي وانعدام الحياء إلى فقدان مكانة الحب والرضا الحقيقيين، إذ أن الحب هو الدلال واللطف، والشهوة هي الحماس والوداعة، والرضا هو الفرح والنقاء الذي يصاحب الليل والصلاة والمرأة، حيث تجد المرأة عزتها والرجل غيرته وشوقه، ويكون اللقاء مستودعًا للقرب الإلهي والسرور الحقيقي.

التعدد بين الرجل والمرأة من منظور الهوية والوحدة

المرأة كائن بشري مرغوب فيه، ولها وحدة طلب تجاه من يطلبها، ولا تحتمل تعدد الطامعين في وقت واحد. طلب المرأة للتمام والتكامل يجعل تركيزها على طالبٍ واحد شرطًا أساسيًا لسعادتها، لذلك فإن تعدد الأزواج يهدد هويتها ويشوش ذهنها.

الغاية المطلقة لا تقبل التعدد، فكما أن البداية تكون واحدة، فالغاية كذلك لا تحتمل التعدد. لذلك فإن اكتمال محبوبية المرأة يتحقق في إطار وحدة طلبها للزوج، ووحدة الزوج هي التي تحافظ على هويتها.

المرأة تحقّق ذاتها في حالة الوحدة، والتعدد يجرّها إلى التشتت والاضطراب، ويجعلها تفقد جاذبيتها وحقيقتها. ولهذا فإن تعدد الزوجات للمرأة محرّم عقليًا ودينيًا.

في المقابل، الرجل يختلف في هذه النقطة، إذ أن لديه القدرة على تنظيم عواطفه وإدارته، وربما يساعده تعدد الزوجات في توازن قواه العقلية والنفسية، شريطة توفر الشروط اللازمة والعدالة، ويجب أن لا يكون هدفه مجرد إشباع الشهوة.

وهذا يستلزم قدرة ومؤهلات ومبررات شرعية، كما أن تعدد الزوجات ليس أمرًا إلزاميًا لكل الرجال.

حكمة العدة في الدين الإسلامي

من حكم العدة في الدين الإسلامي للمرأة التي فقدت زوجها لأي سببٍ كان – سواءً بالموت أو الطلاق – أنها ضرورةٌ لضبط النفس وإعادة تهيئة المرأة نفسيًا واجتماعيًا لتقبل زواج جديد. إذ لا تستطيع المرأة بسرعة نسيان ذكريات الحياة الزوجية الماضية، سواء كانت مرّة أو حلوة، وإنما تحتاج إلى مرور الزمن كي تستعد نفسيًا لاستقبال رجلٍ آخر في حرم شخصيتها. وهذا ما لا يشبه حالة الرجل الذي لا يملك مثل هذا الحكم والخصوصية؛ إذ أن قوة الرجل الجسدية والنفسية، ونظرته المستقبلية وصلابته، تجعله قادرًا على التكيف مع أي ظرفٍ أو محنةٍ في وقتٍ قصير.

ولا يُخفى أن هذا الحكم الديني موجودٌ في كافة الأمم والشعوب، وإن تنوّعت صوره وأشكاله، فلا يختص به الإسلام فقط.

ومن هذه المعطيات، يمكن استخلاص ثلاثة مبادئ كبرى تخدم المرأة والرجل في كافة مراحل الحياة:

  1. الزواج يعمل على تثبيت الحياة في مواجهة الوحدة، ويوفر موقعًا اجتماعيًا مؤكدًا للمرأة والرجل.
  2. الزواج لا يقتصر على الأمور الجنسية والملذات المادية فقط، رغم أنه يتضمنها بشكل كامل.
  3. رغم الفروقات النوعية بين المرأة والرجل كحقيقةٍ طبيعية، إلا أن هذا الأمر لا يجب أن يكون مبررًا للظلم والاعتداء والتسلط من قبل الرجل، ويجب مراعاة التوازن بين الأدوار والحقوق، بحيث ترافق المحبة والرحمة هذه العلاقة ويظهر ذلك ضمن الحدود الطبيعية والمقبولة.

ويجب التنبيه إلى أن كثيرًا من السلوكيات السيئة التي يصدرها بعض الأفراد، وخصوصًا الرجال، لا علاقة لها بالأحكام الشرعية الإسلامية، رغم أن بعضهم يعتصم بها بلا مبرر.

فمنذ الأزل، كان هيمنة الرجال وقوتهم الجسدية والمالية سببًا في ظلم المرأة وظلمها، والتاريخ قليلٌ ما شهد عدلًا حقيقيًا في حق النساء أو منحهن الحقوق الحقيقية، إلا في حالات نادرة.

أما من جهة أخرى، فلا نغفل أن بين الرجال كثيرًا من الصالحين والعادلين والمحافظين على حقوق النساء، الذين يكرمونهن ويصونون كرامتهن.

تصور وحدة المرأة الزوجية

حينما يُقال إن من خصائص المرأة هي القدرة على الولادة، وهذا أمر محسوس واضح لا يثير حيرة، فإن تصور أن من خصائصها الوحدة الزوجية والتمسك بشريك واحد، ليس أمرًا يسير التصديق، لأنه أمر غير محسوس ظاهريًا، وإن كان بديهيًا في حقائق الحياة كما هو بديهي ضرورة حفظ الوطن والدفاع عنه.

فلتصور هذا الأمر، نذكر التوجيهات الشرعية التي تحث على حفظ المرأة من الاختلاط بالأجانب، وحماية حريمها من التعدي، لأن الشيطان لا يترك الإنسان لحظة في غفلة، وبخاصة المرأة التي تتميز بالعاطفة والحنان، وهي أسرع ما تتأثر.

عندما تبتعد المرأة عن حقيقتها – وهي التمسك بالوحدة الزوجية – فإنها تفقد قدرتها على الوفاء والحب الحقيقي، فتتحول إلى مجرد أداة للمتعة والتسلية أو جسد فارغ من المعنى.

لذا، لا ينبغي للمرأة أن تخاف من وحدة الرجل، لأنها السبيل الوحيد للحفاظ على كيانها وأمانها، بينما تعدد الزوجات يمثل تهديدًا مستمرًا لسلامتها النفسية والاجتماعية.

موقف الرجل من المحبة

الرجل يستطيع أن يحب زوجته حبًا كبيرًا وأن يكون عاشقًا مخلصًا، لكنه قادر أيضًا على حب أخرى بدون أن يفقد توازنه أو هويته. فالحب عند الرجل لا يقتصر على أبعاد عاطفية فقط، والتعدد عنده أمر طبيعي قائم على قدرة مختلفة عن قدرة المرأة.

الفروقات في الحب والعاطفة بين الرجل والمرأة

المرأة مظهر الشوق والعاطفة، وهي تبرز هذا الحب في صورتها وكيانها، وعندما تضيء في قلبها نار الأمل تجاه زوج واحد، يتحول كل كيانها إلى حرارة وشوق، لكن عندما يدخل أكثر من رجل إلى حرم قلبها، يخمد هذا الشعور ويتركها باردة ومحطمة.

أما الرجل، فحبه متعدد الأوجه، وقادر على التعامل مع تعدد العلاقات العاطفية بصورة طبيعية ومنسجمة مع ذاته.

خلاصة

  1. المرأة والرجل يشتركان في الإنسانية، لكن هناك اختلافات نوعية واضحة في صفاتهم.
  2. الوحدة الزوجية ضرورية للمرأة، بينما التعدد للزوجين أمر طبيعي لكنه ليس فرضًا.
  3. إدارة الزواج المتعدد تحتاج إلى شروط ومسؤوليات، فلا يجوز الخروج عن الضوابط الشرعية.
  4. المرأة مطلوبها والرجل طالبها، فالحب عند الرجل أكثر تعبيرًا وظهورًا، وعند المرأة أكثر حجبًا وتحفظًا.
  5. التوازن بين الرجل والمرأة قائم على فروقات طبيعية في التعبير عن الحب والعاطفة، ويجب احترامها لضمان علاقة سليمة ومستقرة.

الطالب والمطلوب وثلاثة عيوب رئيسية

أ‌) الحب الحقيقي في الرجل والمرأة

قد يخطر في الذهن هنا أن المرأة أيضاً، مثل الرجل، تقع في الحب وتصبح طالبةً، وقلبها متعلق برجل يحمل صفات خاصة. فالحب وحدة خارجية وذاتية حقيقية، يملك الرجل والمرأة فيه قدرة فعلية ومقدرة متقابلة، ويصبح كلاهما طالباً ومطلوباً لبعضهما البعض. ولذلك، يتحقق الحب بين الرجل والمرأة بعلاقة متبادلة، مباشرة وكاملة، وليس أن يكون الرجل فقط طالباً أو المرأة فقط مطلوباً.

الحب الخفي عند المرأة

في هذا السياق يجب القول: نعم، تقع المرأة في الحب وتصبح طالبةً لرجل، ولها رغبات كثيرة تجاه الجنس الآخر وتميل إليه، لكن يجب أن يُعلم أن الحب بوحدته الحقيقية موجود، والرجل والمرأة كلاهما يلعب دوراً كاملاً فيه، إلا أن المرأة تُظهر رغباتها من خلال دورها كمطلوبة، وتمارس ضبط النفس والكتمان تجاه رغبات الرجل بدرجة أكبر بكثير.

ورغم أن المرأة أحياناً تقع في الحب أولياً وتشتاق إلى رجل، وتنشأ عندها عواطف مليئة بالشغف والانجذاب تجاه محبوبها، فإن كل هذه الدوافع المشحونة والرغبات المتنوعة تضبطها وفق طلب الرجل، وتظهرها من خلال دورها كمطلوبة، وتعمل في هذا المجال بحذر كامل وكتمان تام.

ب‌) الحب الابتدائي عند المرأة

يمكن القول: الحذر وضبط النفس عند المرأة أمر، والوقوع في الحب الأولي والتعبير عنه أمر آخر. كما يقع الرجل في الحب ابتداءً، قد تقع المرأة أيضاً في الحب ابتداءً؛ سواء أظهرت حبها أو أخفته، سواء كانت صريحة أمام المحبوب أو حذرة تخفي عشقها.

نبات الحب

في الرد على هذا القول يمكن أن نقول: رغم أن ضبط النفس والكتمان من خصائص المرأة وتستلزم الكثير من الأمور، وفي بعض الأحيان تقع المرأة في الحب بشكل جنوني وصريح، إلا أنه من المؤكد أن الرجل في البداية يوقظ الدوافع في المرأة، ويمنحها الإذن للتعبير عن هذا الحب؛ سواء كان هذا الإذن لفظياً أو غير معلن. فظهور المشاعر الفعلية الإيجابية والدوافع العملية للرجل تُحيي هذه الزهرة في قلب المرأة، وتضع نبات الحب في كاسها، وبأفعاله الظاهرة تسمح لها بأن تظهر حبها وتزخرف نفسها في ذات الوقت كمطلوبة.

ج‌) عشق المرأة أحادي الجانب

قد يُقال: كثيراً ما يُرى أن المرأة تقع في حب رجل ما ابتداءً، وتحترق في فراقه وتصبح عاشقة مأخوذة به، دون أن يشعر الرجل بالمثل؛ فهل يمكن القول إن المطلوبية أو التعبير عنها محصور بالمرأة فقط؟ بل قد يكون الرجل مطلوباً أيضاً، بحيث تصبح المرأة أسيرة، مولعة ومضطربة بسببه.

في الرد يجب القول: ظهور وتعليم حب المرأة للرجل وحده ليس دليلاً على مطلوبية الرجل، ولا يثبت حصرية أو اشتراك الرجل في أن يكون مطلوباً. ما يحدث في الواقع والتاريخ العاطفي هو أن الرجل غالباً ما يكون هو الأول مأخوذاً بالمرأة، وهذا الحب عند الرجال أكثر شيوعاً، حتى وإن لم تكن المرأة في نفس الوضع، رغم أن هذا الشوق والتعبير عن المحبة من الرجل أو المرأة لا يدل على أن أحدهما طالب أو مطلوب بشكل خاص. بمعنى أن تعبير الحب من طرف المرأة وحده لا يجعل المطلوبية، التي هي صفة المرأة، تنحصر في الرجل، ولا تجعل الطلبيّة، التي هي صفة الرجل، تنحصر في المرأة. بل تثبت فقط عدم احتمال كل طرف للآخر.

قد لا تحتمل المرأة فراق الرجل وتضيع نفسها أمام محبوبها، وكذلك قد يكون الرجل كذلك، لكن في كل الأحوال، هو الرجل الذي يكون الفاعل ويتحمل المسؤولية في ظهور الحب، وهو الذي يزرع بذور المحبة في قلب المرأة ويجعلها تقع في حبّه، حتى لو كانت المرأة تسحب الرجل وتجعله مأخوذاً بها.

لذلك، نوعية الطالب والمطلوب أمر واحد، وحدوث الحالة المعاكسة نادر، رغم أن الطالب والمطلوب يشكلان علاقة تبادلية؛ كل طالب مطلوب وكل مطلوب طالب، وهذا النوعية المختصة بهما هي في الواقع من باب الغلبة في الأحكام.

حب المرأة ودوافع الرجل

المرأة تقع في الحب، لكنها عادةً تقع في حب رجل يدرك -واعياً أو لا واعياً- أنه طالب لها، بينما الرجل لا يكون كذلك، فهو يقع في الحب دون أن تجد المرأة نفسها مشتاقة له، ويُعبّر عنه بسهولة. حب المرأة للرجل مشروط ومقيد، بينما حب الرجل للمرأة مطلق. حب المرأة ناتج غالباً عن دافع من جانب الرجل، في حين أن حب الرجل للمرأة ناتج عن جمالها وجلالها، سواء كانت المرأة تولي الرجل اهتماماً خاصاً أم لا، لذلك قد يتحقق حب الرجل دون اهتمام المرأة به، بينما حب المرأة نادراً ما يتحقق بدون حب الرجل واهتمامه.

وبالتالي، يمكننا بدقة وبحث معمق أن نفهم أن المرأة هي المطلوبة، وهذه صفة خاصة بها، والرجل غالباً هو الطالب، والطلب والفعل في الطلب من خصائصه الخاصة. والمرأة تقبل بهذا الطلب وتستمتع به وتفتخر به.

قد تقع المرأة أيضاً في الحب وتصبح مأخوذة برجل، لكنها تضع هذا الطلب ضمن إطار مطلوبيتها، فالعلاقة العاطفية دائماً يضطلع فيها الرجل بالدور الفاعل والأساسي، والمرأة بالدور القابل والتبعي والانفعالي، رغم أن المرأة هي فاعل ومبدع في الحب، لكنها تظهر حبها من موضع المطلوبية وتستمد لذتها من ذلك.

شواهد حب الرجل الابتدائي

بعيداً عن ما سبق، يمكن أن تثبت صفات وسلوكيات الرجل والمرأة الحب الابتدائي للرجل، فمن خلال تصرفات النساء وردود أفعال الرجال يمكن استنتاج ذلك بوضوح.

الرجل هو الذي يسبق في إظهار الحب ويعلن محبته، بينما تخبئ المرأة الحب في داخلها وتخفيه في أعماق عينيها العفيفتين وحركاتها الرقيقة. وتغطي حبها بطبقة من الحذر، ونادراً ما تعبر عنه بصراحة وجرأة، بحيث كلما زاد الرجل في الحب تبتعد المرأة عن التعبير.

الرجل يعكس حبه في الظاهر ويعلن عنه بحركات صريحة، أما المرأة فتجعل حبها عاطفيّاً، خفياً، متوازناً، وتعطيه لون المطلوبية، وتجعل الرجل منشغلاً بها وتستمد لذتها من ذلك.

نادراً ما يتصرف الرجل بشكل أنثوي ويتخذ دور المطلوب، بينما المرأة بسهولة تعبر عن هذه الحالة وتستمتع بها، وتثق في قوتها في ذلك.

كل تصرفات المرأة تحمل في طياتها الدلال والغنج، وهي تعتبر الظهور والفتنة حقاً لها، ولا تُظهر اهتماماً إلا إذا وجدت في المحبوب نصرها وقوتها، وفي هذه الحالة تتخلى عن الحذر والكتمان وتُسلّم نفسها له تماماً.

المرأة لا تسمح للحب المباشر والمستقل والابتدائي بالدخول إليها بسهولة، وتعبر عن حبها دائماً بلباقة واحتشام. تستخدم هذه الطريقة للوصول إلى محبوبها، ولا تهاب أي مخاطرة أو ضرر، بل تذهب إلى استقبالها بلا خوف.

الهيكل التكويني لرغبة المرأة

الهيكل التكويني ودور المرأة والرجل وطباعهما وشخصيتهما، هذه الكيانات المعقدة والمتشابكة، تشكل أفضل دليل على كون الرجل طالباً والمرأة مطلوية. فالمرأة وحدها هي التي تستطيع بوجودها الطبيعي أن تُظهر بريقها وجمالها، أما الرجل فلا يستطيع سوى التعبير عن رغبته تجاهها. لون البشرة، والعينين، والشعر، والطباع، والمشاعر الحساسة والرقيقة للمرأة، كلها دلائل على هذا الأمر.

رغم أن المرأة تقع في حب الرجل وتُعشقه، وقد تذهب أحياناً إلى حد التضحية بذاتها وكرامتها، إلا أن هذه الحالة في جوهرها هي نتيجة طلب الرجل لها. فالرجل هو الذي يوجه رغبته نحو المرأة ويُدخلها في علاقة حب. والمرأة بدورها تجد حياة حبها في عمق هذا الطلب، وتمشي في ظلال حب الرجل.

الأدلة النقلية على مطلوية المرأة

طموح المرأة هو الرجل

في المجتمعات الرواية، وردت أحاديث كثيرة تشير إلى أن “طموح النساء” هو الرجال، مثل: «همّة النّساء الرّجال». وهذه العبارة تعكس حقيقة علمية واضحة، تظهر أن المرأة مطلوية والرجل هو الطالب.

الـ«همّة» حسب معاجم اللغة تعني العزم والقصد نحو تحقيق الفعل، والـ«اهتمام» هو اختيار هذا العزم، وهذا العزم مصحوب بحزن احتمال عدم النجاح.

وبالتالي، معنى «همّة النساء تجاه الرجال» هو أن المرأة لا تكن لعثورها على الرجل المناسب دون مبالاة أو تجاهل، بل هي تهتم وتسعى بحزن حتى تجد رجلها المرغوب، فتستريح وتجد كامل حياتها الإنسانية.

قد يُطرح سؤال: إذا كانت «الهمّة» ليست محصورة على النساء فقط، بل الرجال أيضاً يمتلكونها تجاه النساء، كما ذكر القرآن الكريم:
«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا» (يوسف: ٧)، أي زليخا همّت بيوسف، ويوسف همّ بها، فكيف نفرق بين الهمّة عند المرأة والرجل؟

الجواب هو أن الرجل رغم كونه طالباً أكثر قوة وصراحة، يبحث عن المرأة دون خوف أو حزن، بينما المرأة بسبب كونها مطلوية، تخفي رغبتها، وتعاني من الحزن والقلق، خصوصاً في ظل الأعراف التقليدية. هذه الحشمة والسرية تجعل مصطلح «همّة» أقرب وأصدق عند المرأة.

وفي القرآن الكريم نجد أن همّة زليخا كانت مطلقة ومبادرة، أما همّة يوسف كانت تبعية ومشروطة ببرهان الله. وهذا يؤكد أن همّة المرأة مطلقة أولية، وهمّة الرجل تبعية ثانوية.

يُثبت هذا أن همّة المرأة تجاه الرجل صادقة، وأن اعتماد المرأة على زوجها أكبر من اعتماد الرجل عليها، وأن المرأة تعول على زوجها أكثر من أهلها.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن لا شيء يوازي مكانة الزوج عند المرأة.

ورغم أن الهمّة في المرأة فاعلة، إلا أنها تدل على مطلوبيتها للرجل، فالمرأة والرجل متبادلان في طلب بعضهما البعض، لكن الغلبة في الطالب للرجل، وفي المطلوية للمرأة.

وحدة المطلوب والطالب

بعد إثبات مطلوية المرأة وطلب الرجل، نقول إن المرأة ترغب أن تبقى مطلوية بالكامل وحبها يعمّ كل وجودها، كما يريد الرجل أن يمتلك كل كمال مطلوبه، بحيث لا يبقى أي مجال لغريب. هذه الحالة ليست خاصة بالإنسان فقط، بل تُرى في الحيوانات التي تحمي زوجها بأرواحها.

إذا قبلت المرأة طلبات متعددة، تفقد مطلوبيتها السليمة والكاملة، لأن الهدف يصبح مشتتاً، ويضعف حبها الحقيقي.

حين تتحقق محبوبيّة المرأة في قلب رجل محب صادق، تُغلق دائرة المحبوبيّة والمطلوبيّة، ولا يمكن قبول طلب آخر. الرجل لا يتحمل طلباً غريباً، ويصبح غيرته مستعدة للتضحية بالنفس للحفاظ على مطلوبيته المطلقة.

المرأة تتوافق مع هذا المبدأ، وتحاول بكل قوة أن تحافظ على مطلوبيتها الكاملة في قلب زوجها، ولا تسمح لأنصاف الطلبات أن تقسم محبوبيتها.

الرجل طالما هو طالب مطلق، فطلبه يتسع ليشمل عدة مطلوبات، فهو يستطيع أن يتحمل ويقبل تعدد المطالب دون تشتيت.

وهذا يعود إلى أن الرجل لا يستطيع أن يحقق مطلوبيته المطلقة مع شخص واحد فقط، في حين أن المرأة تستطيع أن تحقق مطلوبيتها الكاملة مع طالب واحد.

المرأة بطبيعتها يمكن أن تتقبل وجود مطلوبات أخريات بجانب زوجها، إذا لم يمسّ هذا كمال مطلوبيتها.

بالتالي، إذا استطاع الرجل تلبية حاجة المرأة الطبيعية هذه، يمكنه التعايش مع أكثر من زوجة في سلام وحب، وإلا تصبح الحياة جحيماً مليئاً بالمشاكل النفسية.

الطبيعة المطلقة لطلب الرجل ووحدة مطلوبيّة المرأة

إنّ حب الرجل وعشقه، وطلبه الواسع والمتعدد للمحبوبات، مع اعتباره المطلق والكامل، قد يتفاوت في شدّته وضعفه بحسب القدرات النوعية، إلا أنه من المؤكد أن طلبه حين ينعقد في دائرة شمولية ومطلقية تجاه أحد المطلوبيات ويبلغ ذروة تمامه، فلا يمكن بعد ذلك أن يقبل طلبًا آخر لمحبوبة مختلفة، إذ سيُعدّ ذلك نقصًا وضعفًا في مطلوبيّة المطلقة وكمالها بالنسبة لتلك المرأة. وهذا أمرٌ ترفضه المرأة بشدة وتفرّ منه.

ومن هذا المنطلق نستنتج أن طلب الرجل مطلق وجمعي بطبعه، ونفسه تميل إلى المطلقية في الطلب، بينما مطلوبيّة المرأة مطلقة مقابل المقيد، فهي غير مقيدة بطلبات أخرى، وهي في الواقع تطلب أن تكون محبوبة في قلب طالب واحد فقط. فمطلوبيّة المرأة لا تتسم بالشمولية والانتشار والسعي الجمعي، بل تنحصر في طلب رجل واحد محدّد، وتبلغ كمالها بحب ذلك الرجل، ولا يمكنها التوسع إلى طالبي حب آخرين، لأن ذلك يفقدها كمالها في المطلوبيّة والمحبوبيّة المطلقة في قلب أول طالب.

حقًا، الرجل لا يستطيع أن يشعر بوجود طالبي حب آخرين إلى جانب محبوبته، إلا إذا كان مستعدًا لتحطيم نفسه وتدمير محبوبته، وخروج من دائرة القيم الإنسانية ونفي موقعه الجمعي.

في الحقيقة، وحدة مطلوبيّة المرأة هي هدية إلهية ثمينة لبقاء القيم الإنسانية، وموكولة في ذاتها، وهي تحافظ عليها قدر الإمكان.

عملية تمييز المطلوب في طالب واحد

بعد هذا البيان يتضح ما نعنيه بالطالب ووحدة الطلب والمطلوبيّة المطلقة: الرجل طالبٌ بطبعه، وطلبه جمعي ومطلق، فيمكنه أن يمد طلبه المطلق من مطلوب إلى آخر، وبالتالي يكون له مطلوبات متعددة، أما المرأة فهي مطلوب طالب واحد، وطالبة مطلقة لسعي الرجل الواحد، ولا يمكن أن تكون مطلوبيتها مقيدة أو متطلبة من عدة طلبات.

لذا، تعدد الطلبات في طبيعة المرأة وهويتها أمر غير طبيعي وغير سليم.

المرأة لا يمكن أن تكون طالبة لمطالب متعددة، لأن المطلوب المطلق عندما يتحقق في طالب واحد، يفقد إمكانية التكرار والتعدد والتمييز المتعدد.

هذه المطلوبيّة المطلقة لا تتحدد إلا بوجود طالب واحد ووحدة طلب، وإذا تعددت الطلبات الفعلية أو تعدد الطالِبون، تفقد المرأة كامل مطلوبيّتها، ولا يصبح أحد الطلبات طالبًا للمطلوب الكامل، بل تتحول إلى مطلوب مجزأ ومؤقت لتسكين نقص ووجع وحيد الرجل.

نشوء الحب والعشق الحقيقي

يولد الحب الحقيقي عندما تتجسد المطلوبيّة في طالبٍ واحد، فتكتمل صورة العاشق والمعشوق، ويظهر جمال وجلال الحق في هذا التحقّق، حين تجد المرأة مطلوبيّتها في وحدة طلب وحب عاشق واحد.

وإن لم يكن الأمر كذلك، فلا يكون الحب حقيقة، بل مجرد أهواء نفسية وشهوات شيطانية تظهر على هيئة مشاعر ملوّثة، وتحول المرأة إلى عفريتة قاسية تلعب بالرجل، وتجعل منه شيطانًا مخمورًا متجبّرًا متمردًا.

تعدد الزوجات وموقف المرأة

يمكن للرجل أن يتزوج عدة نساء بدون أن يواجه مشاكل طبيعية أو نقص في الإمكانات، طالما تتوفر الشروط الخاصة. لكن المرأة بطبيعتها لا تستطيع أن يكون لها عدة أزواج أو تطلب من رجال متعدّدين، لأن ذلك يفقدها الحب ويؤدي إلى اضطرابات نفسية، ويعرض جسدها للتدهور والأمراض، ويضعها في أزمات أخلاقية واجتماعية.

عندها، لن تكون المرأة مطلوبًا كاملاً لأي من هؤلاء الرجال، وتفقد هويتها وقيمتها، وتصل إلى حالة من اللامبالاة تجاه الرجال، فتكون مجرد أداة تحريك، ووسيلة بقاء، وموضوع اقتصادي، ودافع مادي وأداة شهوانية. كذلك يستغل الرجال المرأة بهذه الصورة لأغراض شيطانية مؤقتة.

قوة الرجل في التعبير عن حب متعدد

الرجل، عند توافر الشروط الطبيعية والتشريعية، قادر على التعبير عن حبه لنساء متعددات، والحفاظ على دفء علاقته بهن، دون أن يصاب بفوضى أو ضعف. والنساء المتعددات قادرات على تمكين قوة الرجل، وتحقيق رغباتهن، دون نقص في المحبة.

هذه الحالة الصحيحة تحدث حين تتوفر سلامة المجتمع وقوة الرجل وأمان المرأة. وإلا فإن التعدد قد يؤدي إلى مشكلات كثيرة.

الفروقات الطبيعية بين الرجل والمرأة في الحب

يختلف الرجل والمرأة في بنية طبيعتهم وتركيبتهم العاطفية، إذ للرجل غرائز متعددة وأدوار اجتماعية، مما يدفعه إلى سعي متعدد ويكون عقلانيًا في إدارته.

بينما المرأة، بطبيعتها وعواطفها الفطرية، لا تستطيع كبح أو تقييد ميلها لأكثر من شخص، بل تسبب لها تعدد المحبوبين اضطرابات وقلقًا وتدميرًا.

تماشي طبيعة المرأة مع وحدة المطلوبيّة

التركيب الجسدي والنفسي للمرأة، وموقعها التكويني والتشريعي، يجعل من الضروري ألا تُستغل جنسيًا بصورة مستمرة من قبل زوج واحد، فكيف إذا كان ذلك من عدة رجال؟

فالقيود التشريعية والطبيعية كالحيض والحمل والولادة والرضاعة، كلها وضعت لحماية المرأة من الاستغلال الجنسي المستمر، بينما الرجل لا يخضع لمثل هذه القيود.

لذا، المرأة لا يمكن أن تخضع باستمرار للمتعة الجنسية حتى من رجل واحد، فكيف من عدة رجال؟ لأن ذلك يعرض صحتها وحياتها لخطر شديد، ويقصر عمرها الطبيعي ويؤدي إلى أمراض واضطرابات نفسية.

وحدة الطلب وتأثيرها على حياة المرأة

يمكن للمرأة أن تعيش عمرًا أقصر وأضعف، أو أطول وأفضل حسب نوع العلاقة والزواج. المرأة في ظل رجل واحد صالح، وباتباع الشروط، تعيش عمرًا أفضل من حيث الجودة والكمية.

لكن المرأة التي تتعامل مع رجال متعددين تكون كسلعة مستهلكة، معرضة لأقصى الضرر وقصر العمر، ولا يمكن اعتبارها صحية أو مستقيمة نفسيًا وجسديًا.

هذا النوع من العلاقات يدمر المرأة ويولد مشاكل اجتماعية وأسرية كثيرة.

النتيجة

ينبغي أن تكون المرأة مطلوب طالب واحد، والوحدة لدى الرجل للمرأة ليست فقط مبدأ عقلي وفلسفي، بل تحافظ على صحة المرأة الجسدية والنفسية، وتحقق رغباتها المشروعة، وتضبط شهواتها ونزواتها، وتضمن سلامتها.

واقع المرأة والرجل مختلف، وطبيعتهما مختلفة ومتكاملة، وبتفهم هذه الفروقات يمكن للمجتمع والأفراد تحقيق النمو السليم والصحة الاجتماعية وتجنب المشاكل القائمة.

الوحدة المطلوبة وأمن نظام الأسرة

يجب الاعتقاد بأن المرأة مع وحدة الرجل تستطيع أن تعبر عن عواطفها ومشاعرها دون أي نقص أو نقصان. صحة المجتمع وحفظ نظام الأسرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بهذا الأمر. فالمرأة بجانب زوجها الوحيد تستطيع أن تظهر ذاتها، وتعبر عن ميولها النفسية وقدراتها الإنسانية، وتستفيد من نعم الزوجية والأمومة، وتجعل بيتها وعائلتها ميدانًا للحب والمودة والشغف والطهارة والنقاء. وإلا، فإن أواصر الحياة ستتفكك تدريجيًا، وستتعرض راحة الفرد والمجتمع وأمن نظام الأسرة للخطر.

من الواضح أن المرأة بجانب عدة رجال لا تنال الراحة اللازمة، ولا تستطيع تلبية كل ما يرغب فيه الرجال، لأن تعدد الرجال في فترة قصيرة يسبب مشاكل عديدة لا تُحصى، إلا إذا أرادوا إشغال طبيعتهم الدنيئة بها ولعبوا بها، كما تفعل المناطق المنحرفة اليوم. كذلك في هذه الحالة لا يتضح نسب وأصل أطفال المرأة، مما يحول الأسرة التي ينبغي أن تكون ملاذًا آمنًا إلى مركز للصراعات والمشاكل الكثيرة.

نعم، المرأة كالوردة التي لا ينبغي استخدامها كثيرًا كي لا تذبل وتتلف بسرعة. علاوة على ذلك، هي مركز العفة وخزانة أمانة الأمومة، والتواصل والتزاوج مع عدة رجال ينزع هذه الصفات منها ويجعلها أداةً لشهوات الآخرين، فلا تكون حينها عشيقة أمينة مرغوبة ولا صديقة وفية للرجل ولا أمًا عفيفة لأطفالها.

مودة الأمومة

الأم ومودة الأمومة أجمل كلمات في قاموس الإنسان. مودة الأمومة حقيقية لا يختص بها إلا الأم، ولا يملكها حتى الرجال، ولا حتى الأنبياء، الذين يستقون من هذا النبع الطاهر.

العين التي لم تر أمها تفقد نورًا خاصًا، وإذا أضيف إليها فقدان الأب تصبح أضعف. العين التي بلا أب يتيمة، والطفل الذي بلا أب وأم هو طفل مكلوم ومتضرر.

فقدان الأم يربي الطفل بطريقة تختلف عن الطفل الذي رآها. الطفل الباكي يتوق إلى مودة الأم، وحضن الأم هو سرير وملجأ الطفل. الطفل الذي لا أم له لماذا يبكي ولمن؟ لأنه لا يوجد من يحن عليه إلا الأم. ألذ طعم وأجمل زهرة هي الأم، وهي تحفة الخلق المليئة بالمودة. صوت الطفل رد على مودة الأم، والأم هي مربية الطفل ومعلمة الحنان. رغم أن الأب والأم يعشقان الطفل، فإن الأم هي العاشقة الأكثر حبًا بلا حدود.

كل ألم له وجع، وألم الأم وحده مؤلم لأنه مفعم بالمودة. الأم تحب طفلها بغض النظر عن الألم والمعاناة، تخلق الحياة بالحب الإلهي، وتعلّم طفلها التحليق في سماء الحب، وتجعل دموع الطفل لآلئ في قلبها. مودة الأم كيمياء تفقد وجود الطفل بدونها قوته، فالأم هي الأم، وهي أصل كل حقيقة للطفل. الأم تكون أمًا حين يكون لها زوج، والزوج يكون زوجًا حين تكون هناك وحدة. المرأة التي تسعى وراء شهواتها الدنيئة وتفتح قلبها لرجال غرباء لا يمكن أن تمتلك مودة الأمومة، فهي امرأة ولكنها ليست أمًا. الأم هي المرأة التي يعيش وجودها في وحدة مع زوجها. الأم صانعة حياة لا تصنع ذهبًا، بل إنسانًا. الأطفال بلا أم، وبحقيقة بلا أب وأم، هم خشب عقدة وحسرة تحطم المجتمع وأفراده. لذا فالطفل ومودة الأم والوحدة الزوجية هي أساس الحب وعماد الوجود، وهو أمر يظهر بأشكال مختلفة وليس حكرًا على الإنسان.

عدة آباء وطفل واحد!

دليل آخر على وحدة الرجل للمرأة هو أن نفقة الطفل وتربيته ورعايته تقع عادة على عاتق الأب، وفي حال التعدد لا يُعرف من هو الأب الحقيقي، ومن سيتولى مسؤولية الأسرة وحماية الأم والطفل. حين يتعدد الرجال في حياة المرأة، لا يكون هناك أب، فتضطر المرأة إلى أن تكون الأم والأب معًا، وهذا ظلم للمرأة والطفل.

هنا ينهار نظام الحياة، ويُترك الأطفال في الطرقات أو يُودعون في دور رعاية، وهذا يتعارض مع نظام الأسرة ومودة الأم، ويسبب اضطرابًا وقلقًا للأم، إضافة إلى أن الأطفال المنحرفين وغير السليمين لا يصلحون لمجتمع سليم.

من الجدير بالذكر أن سعادة وصحة الزوجين في الحياة الزوجية تبقى ما دام كل منهما يحافظ على إيمانه، ويحترم الحدود والحقوق المتبادلة، ويبتعد المجتمع عن الانحرافات العامة، ويحرص الجميع على الالتزام بالشروط الأخلاقية والدينية التي تضمن حياة زوجية سعيدة ومكتملة.

متعة المرأة من تعدد الأزواج؟!

قد يُقال إن المرأة لا تشعر بهذا التوحد، وأن وحدة الزوج لا تملك هذه الآثار، وأن طبيعة المرأة تستمتع بتعدد الرجال والتواصل المختلف، وأن لذة تعدد الأزواج أمتع. وأن المرأة مثل الرجل تحب الجديد، ولا تختلف عنه. وأن تعدد الرجال والتواصل المعقول لا يسبب لها قلقًا أو فراغًا.

في الرد على هذا الطرح، نذكر أربع نقاط:

  1. اختلاف هوية وطبيعة المرأة:
    حقيقة المرأة والرجل مرتبطة بالفطرة والضمير، وطبيعة الحب والعاطفة تختلف بينهما، ولا يمكن أن يكونا متشابهين.
  2. الأحكام العقلانية والرغبات النفسية:
    النفس البشرية لا تخضع دائمًا للعقل، والرغبات قد تتجاوز العقل، ويجب التفريق بين العقل والرغبات النفسية.
  3. الأفكار والمعتقدات غير العقلانية:
    بسبب الفساد الاجتماعي والثقافي، تتشكل لدى كثير من الناس أفكار خاطئة ومعتقدات غير صحيحة لا تعبر عن الحقيقة.
  4. الفرق بين الحب والشهوة:
    الحب والشهوة مختلفان، والشهوة قد تكون تعبيرًا منخفضًا عن الحب، وقد تنحرف إلى أنانية ونفسية.

من هنا يتضح أن الاستمتاع بوجود رجال متعددين ليس دليلًا على رغبة الروح الحقيقية للمرأة، وإنما هو تعبير عن رغبات النفس المريضة.

المجتمع السليم: مرآة وحدة المرأة

لقد قيل سابقًا إن وحدة الزوج تُزهر هوية المرأة، وتمنحها الراحة الحقيقية، ولا يجب الخلط بين هذه الحقيقة والرغبات النفسية أو الشهوات الدنيوية. كما لا يجب اعتبار كل تواصل جنسي مصدرًا للحب والراحة النفسية.

الأبحاث العلمية تشير إلى أن الاتصال الجنسي خارج إطار الزواج الحقيقي يسبب القلق والاضطراب لكلا الطرفين، بينما في ظل الزواج يمنح الارتباط الجنسي بعد الرضا حالة من الراحة والسكينة.

إذا كان المجتمع سليمًا، وناسُه يتمتعون بثقافة صحيحة بعيدًا عن الملوثات النفسية، يظهر بوضوح أن جوهر المرأة الحقيقي هو وحدة الزوج، وأنها تفضل زوجها على كل جديد، ولا تدور حول الغرباء.

لا يمكن اعتبار رغبات أصحاب النفوس المريضة دليلًا على هوية المرأة الحقيقية، ولا يُعتبر حكمهم حكمًا لجنس النساء.

إذا استمتعت امرأة بالجديد، فهي امرأة تعودت على تلك الأوضاع بسبب النفس المضطربة أو القصور النفسي أو الزيادة الشديدة في الشهوات، ولا تعبر عن الحقيقة.

النساء الزاهِدات في هالةِ الغموض!

يرى المعارضون للنِّكاح أنَّ وحدويَّةَ المرأةِ هيَّ وهمٌ؛ إذ يقولون: في كل مجتمعٍ تُرى نساءٌ كثيراتٌ يتحلَّين بالطهارةِ والنقاءِ، لكن في ذاتِهنَّ يكمن الميلُ إلى التعددِ، ويستمتعنَ بتنوُّعِ الرجلِ وحداثةِ صفاتهِ؛ بحيثُ لو لم تكن هناكَ موانعُ مختلفةٌ كالخوفِ والرُّعبِ والمعاييرُ التقليديَّةُ التي تردعُهنَّ، ولَما أخفينَ رغباتِهنَّ النفسانيةَ بسببِ الاعتباراتِ الخارجية، ولتابعنَ طبيعتَهنَّ بحريةٍ وعلانيةٍ مثل نساءِ المجتمعاتِ المتقدمةِ، لما امتنعنَ عن ذلك. لذلكَ، فإنَّ التجديدَ والتعددَ في المرأةِ لهُ أصلٌ طبيعيٌّ مثلَ الرجلِ، وليسَ خاصًّا بالنساءِ الفاسداتِ، لأنَّ الجنسَ الأنثويَّ كالذكوريِّ، ولهما طبيعةٌ واحدةٌ ولا فرقَ بينهما في هذا الشأن.

الأهواءُ النفسانيةُ والنساءُ الظاهراتُ زاهِداتٍ

وفي ردٍّ على هذا الوهم نقول: في المجتمعِ نساءٌ صالحاتٌ كثيراتٌ يمكن رؤيتُهنَّ بوضوحٍ، ويُقرُّ بالجودةِ والطهارةِ فيهنَّ، لكنَّ الأمرَ لا يعني أنَّ كلَّ امرأةٍ تبدو زاهدةً في ظاهرها هي في باطنها كذلك، إذْ تعاني من مشكلاتٍ نفسانيةٍ ونواقصَ داخليةٍ.

وقد يكونُ حالُ نفسيَّةِ كثيرٍ من هؤلاءِ الظاهرياتِ الزاهِداتِ في الحقيقةِ متأثرًا بالحسرةِ والأهواءِ النفسانيةِ والتلوثاتِ العامةِ أو نقائصِ الشخصيةِ، فتكونُ في واقعِ الأمرِ سبَّاحاتٍ ماهراتٍ في بحارِ القذاراتِ، لكنَّ مظهرَ الخوفِ والرعبِ والمعاييرَ التقليديَّةَ قد كَبَّلَهنَّ، وإلّا لكان في أعماقِ هذا المظهرِ اللائقِ قلقٌ داخليٌّ محميٌّ بشكلٍ غير طبيعيٍّ.

ومن ثمَّ، لا يمكنُ أن تُؤخذَ أحكامُ ورغباتُ هذه النسوةِ كمقياسٍ للرغباتِ الداخليةِ والحقيقيةِ للجنسِ الأنثويّ، خصوصًا حينما يتعلَّقُ الأمرُ باللذّةِ والرضا التي تتحققُ في جوهر النفسِ والهوى. ومن الواضحِ أنَّ المرأةَ أيضًا في هذا المستوى من الهويةِ والشخصيةِ كالرجلِ تُعاني من الأهواءِ الشيطانيةِ، بينما ليست تعددية الزوجةِ في الرجلِ أمرًا نفسانياً بحتًا، ولا غايته مقتصرةً على النفسانيّة.

اتباعُ الأهواءِ الشيطانيةِ والهوى النفسيِّ لا يُحتسبُ من صميمِ هويةِ الإنسان أو المرأة

فالمرأةُ في مرتبةِ هويتها الحقيقية غيرُ المرأةِ في موقعِ النفسِ الزائفة، والتجدُّدُ والتعددُ في المرأةِ يتشكّلُ في إطارِ الأهواءِ النفسانيةِ التي لا ينبغي تجاهلُ تعقيداتها النفسية.

والنتيجةُ أنَّ الرغباتِ المنحرفةَ والشيطانيةَ في ميدانِ النفسِ تختلفُ عن وحدويَّةِ المرأةِ في مرتبةِ هويتها الحقيقية والطبيعية، ويجبُ التفريقُ بينهما.

تحميلُ وحدويَّةِ المرأةِ (!)

وهنا يُثارُ وهمٌ جديدٌ بأنَّ سلبَ حريةِ المرأةِ كان دائمًا مقرونًا بالنفاقِ والمجاملاتِ والإجبارِ والسلطةِ الذكورية، فإذا قالتِ المرأةُ: «جنسُنا مثلُ جنسِ الرجلِ، في حالِ توافرِ الشروطِ وعدمِ وجودِ موانعَ، يستمتعُ بتعددِ الزوجاتِ»، يُقالُ لها: «هذا الرغبةُ من النفسِ الكاذبةِ والانحرافِ». وعندما يُرادُ تحميلُها «الوحدويَّةَ المفضلةَ» يُقالُ: «هذه هي فطرةُ وهويةُ المرأةِ الحقيقية»، مع أنَّ هويةَ النفسِ والذاتِ إنسانيةٌ واحدةٌ، ولا تبتغي تعدديةً.

جوابٌ فلسفيّ

لتوضيح هذا الشبهةِ والردِّ عليها، لا بدَّ من مراعاةِ ثلاثةِ أصولٍ فلسفيةٍ تجنبًا للوهمِ والادعاءِ غيرِ المبرر:

  1. أصل الثبوت والإثبات؛
  2. أصل الحقيقة والواقع؛
  3. أصل اختلافِ هوية الإنسان الحقيقية عن النفسِ الكاذبةِ والمضللة.

أصل الثبوت والإثبات

الثبوتُ عنوانٌ ذهنيٌّ وذاتيٌّ للشيء، ويعني وجوده الخارجيّ، بغضِّ النظرِ عن الدليلِ أو الاعتقادِ أو الإثبات. مثلًا: النارُ حارةٌ، الماءُ سائِلٌ، والناسُ موجودون، والنجومُ تظهر في الليل، سواء قبلنا هذه الحقائق أم لم نقبل.

أما الإثبات فهو أمرٌ زائدٌ، يتضمّنُ نظرًا ذهنيًا، ومسعىً للدفاعِ والدحضِ، وقد يؤدي إلى الاختلاف بين الأشخاص، مثل من يُثبت احتراقَ بيتٍ، ومن ينفي ذلك.

أصل الحقيقة والواقع

الحقيقةُ هي ذاتُ الشيءِ الجوهريةُ الثابتةُ، التي لا تتغيّرُ أو تزولُ. الواقعُ هو وجودُ الشيءِ فعليًا، وقد يكون عارضًا، مثل المرضِ أو العجزِ، وهو أمرٌ قابلٌ للزوالِ.

كلُّ حقيقةٍ هي واقعٌ، ولكن ليس كل واقعٍ حقيقةً. فالظلمُ واقعٌ، لكنه ليس بحقيقةٍ دائمةٍ على العكس من العدلِ.

أصل هوية الإنسان واختلافاتها

الهويةُ الحقيقيةُ للإنسانِ، مع كونها واحدةً، لها مجالاتٌ واسعةٌ من الحالاتِ والعوارضِ والصفات. ولكي نعرفَ وصفًا معيّنًا، لا بدَّ من الدليلِ والإثباتِ. قد يوجد شيءٌ ما مثبتًا، لكنه ليس حقيقيًّا، أو العكس.

الخلاصة والردّ على الإشكال

هل المرأةُ وحدويّةٌ بالفطرةِ، وترى راحةَ نفسِها في الوحدة الزوجية؟ أم أنَّ هناك تنوّعًا وتعددًا في نزواتها مثلَ الرجل؟ وهل التعددُ لدى المرأةِ انحرافٌ نفسيٌّ وأخلاقيٌّ، أو هو أمرٌ طبيعيٌّ يُكتمُ بقسرِ المجتمع؟

يجب أن نأخذ بعينِ الاعتبارِ أنَّه ليس كل النساءِ يحملن هذا الميلَ، وأنَّه يمكن أن يكونَ لبعضهنَّ هذا الرغبةُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ، نتيجةً للتأثيراتِ الاجتماعيةِ أو الشخصيةِ.

التنوّع في الخارج أمر قهري وطبيعي
يمكن القول إن التنوّع في الخارج أمر قهري وطبيعي؛ لأنّ كل نفسٍ من النفوس الإنسانية أو كل امرأةٍ من النساء قد تستقبل مثل هذا الوضع في حال تحقق الشروط وعدم وجود الموانع، إلا إذا وُجدت في داخلها عوامل نفسية وتربوية، أو التزامات دينية وأخلاقية تمنعها من ذلك. كما يمكن القول: إنّ الهوية والطبيعة الحقيقية للمرأة بطبيعتها لا تستقبل مثل هذا الأمر، فالمرأة تسعى إلى الوحدة الزوجية، التي تحقق لها الصحة والطمأنينة النفسية.

وينبغي دراسة هذين القَولين بدقة، ولا يجوز قبول أي منهما بمجرد الادعاء فقط؛ كما سبق أن بيّنا في مقام الاستدلال على الوحدة الزوجية، أنّ طبيعة وهوية المرأة وقداستها الروحية لا يمكن أن تُستمد إلا من خلال الوجهة النهائية والمطلوب الأسمى للوحدة الزوجية؛ لأن القداسة والجاذبية والعواطف النفسية للمرأة تشتاق إلى تلك الوحدة. المرأة تجد ذاتها كاملة وسليمة في صورة الرجل الواحد، وتعتبر التعدد والتكثير في طول أو عرض العلاقة سبباً في التشتت والانحلال النفسي لها.

يمكن القول: إن كثيرًا من النساء، لا سيما في العالم الذي يُطلق عليه اليوم “العالم الحرّ والمتقدم”، يجدن في داخلهنّ مثل هذا الدافع، وهذا واقعٌ خارجي لا يحتاج إلى برهان؛ إذ إن وقوع الأمر نفسه هو أبلغ دليل على حقيقته.

وفي الرد على هذا القول، يجب القول: نعم، وقوع أمرٍ ما قد يكون دليلاً على تحققه في الواقع الخارجي، ولكن ليس كل تحقق خارجي دليلٌ على حقيقة الأمر؛ لأنّ مثل هذا الدليل والبرهان يكونان فعّالين فقط حين يكون ما تحقق في الخارج هو تجسيد حقيقي لمفهوم كلي، وأن يكون هذا التجسيد نتيجة طبيعية وخيار حر. أما إذا كان هذا الواقع الخارجي لا يمثل بدقة الكلي، أو لم يتحقق بشكل طبيعي، فلن يكون دليلاً على صحة الأمر. إذ إن تحقق هذا الأمر لدى فئة من النساء لا يدل على فطريته، بل قد يكون نتيجة لهوى وشهوات، وليس خيارًا طبيعيًا، بل بسبب سوء التربية والبيئات المحرّضة.

نعم، لا يمكن إنكار وجود هذا الواقع الخارجي عند بعض النساء في مجتمعات مختلفة، لكن هذا الميل عندهن لا يدل على الحقيقة والهوية الجوهرية للمرأة، بل هو نابع من دوافع نفسية وشهوات شيطانية، ونتيجة لتربية فاسدة، وأفكار إلحادية، وعداء للروحانيات، وسخرية منها. إذ إن في تلك المجتمعات نساءً كثيرات يرفضن هذا التوجه ويلومن من تتبناه.

إذاً، واقع هذا الميل حتى لو وجد في قلوب كثير من النساء، لا يدل على جوهرية حقيقية له، وإن كان وجود شهوة وشهوة متعة في هذه الفئة غير قابل للإنكار حتى من قِبَلِهنّ.

المرأة والرغبة في تعدد الأزواج

بعد بيان هذا الأمر، يجب أن نُولي اهتمامًا خاصًا لموضوع آخر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما سبق، وهو: هل وجود هذا الدافع لدى بعض النساء لتحقيق المتعة ليس نتاجًا للتشجيع والتربية السيئة، التي أدت في النهاية إلى ميلهن لهذا الأمر والاستمتاع به؟ هل يشير تحقيق هذه المتعة إلى حقيقة فطرية لهذا اللذة؟ وهل صحة وصدق الأمر يعتمد فقط على إدراك المتعة وحبها؟ بالتأكيد لا!

من البديهي أن الإنسان قد يحب العديد من الأمور والأفعال رغم كونها ضارة قطعيًا ولا شك في ذلك؛ لذلك، رغم احتمال وجود مثل هذا الميل في قلوب كثير من النساء، فإن ذلك لا يشكل دليلًا على صحته، بل ينبغي وجود دليل إثباتي لوجود هذا الميل في كل النساء، وهذا الدليل غير موجود. ووجود هذا الميل في قلوب بعضهنّ لا يدل على صحته، كما أن الميل إلى أمر ما والاستمتاع به لا يثبت حقيقته. فقد توجد أفعال، رغم ضررها وخطورتها كالمعاصي، تكون محببة للإنسان. نعم، حقيقة الأمر تختلف عن كونه مرغوبًا، فربما يكون الشيء مرغوبًا للنفس لكنه غير مستحق.

وبناء عليه، يمكن القول إجمالًا: إن حقيقة الروح والطبيعة الإنسانية، وخصوصًا المرأة، تتسم بالوحدة والعمومية الواسعة، والتي بالرغم من تكاملها وترابطها، تتميز بتنوع خاص في مختلف مستوياتها.

الاختلاف بين الرجل والمرأة في التعدد

قد يُثار الاعتراض مجددًا قائلًا: لا فرق بين الرجل والمرأة في هذه الأمور، فالرغبة في التعدد عند الرجال، كما النساء، إما نتيجة دوافع شيطانية وشهوات نفسية أو متجذرة في الهوية الإنسانية، ولا يمكن إثبات فرق بين الجنسين في هذا السياق.

لذا فإن وحدة الرجل للمرأة ووحدة المرأة للرجل يحملان حكمًا واحدًا، فإذا لم يكن التعدد مشكلة عند الرجل، فلا ينبغي أن يكون عند المرأة، وإذا كان مشكلة عند المرأة، فلابد أن يكون عند الرجل أيضًا. وبوجه عام، جميع البشر متساوون في هذه الأمور ولا فرق بين الرجل والمرأة.

وفي الرد على هذا الاعتقاد، يجب القول: إن هذا تعميم خاطئ بين الأمور والأحكام، ولا يجوز تناول المسائل العلمية عبر مقارنة مطلقة أو استنتاجات سطحية. ففهم هذه المسائل الفلسفية الدقيقة يتطلب دراسة عميقة وتحليلًا دقيقًا.

كما ذكرنا سابقًا: رغم أن الرجل والمرأة كلاهما إنسان، ولا اختلاف في حقيقة الإنسان بينهما، إلا أنه ليس من الضروري أن يكونا متساويين في جميع الصفات والخصائص والآثار، إذ إن اختلاف الصفات يستلزم اختلاف الأحكام والنتائج.

فهم الخصائص النفسية والروحية للرجل والمرأة يجب أن يكون مبنيًا على أدلة علمية لا على المقارنات السطحية أو التشبيهات، إذ لا يعقل مثلاً أن يُقال إن المرأة يجب أن تكون لها لحية كما للرجل أو أن الرجل يجب أن يلد كما تفعل المرأة، فمثل هذه المقارنات تفتقر إلى المنطق.

وبالتالي، لا يجوز التعامل مع هذه المسائل الدقيقة بعقلية سطحية أو إهمال؛ بل ينبغي دراسة الأمور بدقة كما تم الإشارة إلى الوحدة المنشودة والتي سيتم تناولها لاحقًا بتفصيل أكبر.

تعدد الزوجات؛ مَقامُ اختبارِ الزوج والزوجة

في هذا المقام، ما يُلاحَظُ ويُعطى أهمية بالغة هو أن رفض تعدد الزوجات من قِبل المرأة ليس له أسبابٌ خارجيّة أو عرضيّة، ولا يهدفُ فقط إلى صيانة الأسرة والطفل والمجتمع؛ لأنّ ذلك يعني أنّ المرأة تحيد عن هويّتها الجوهرية ومكانتها الحقيقية، وتتحول إلى عبء على المجتمع والأسرة فحسب. بل السبب الأهم هو رغبة المرأة الجوهرية في الوحدة من الناحية الروحية والنفسانية، ولضمان سلامتها وسعادتها الفردية. إذ إذا ما تحققت عند المرأة الرغبة في التعدد، فإنّها تصاب بالضعف والانحراف والفساد والاضطراب والقلق النفسي.

لقد جعلت الطبيعة والفطرة والدين اختلافًا بين المرأة والرجل، وفرضت لكل منهما أحكامًا خاصةً بالاختبار. فعلى الرجل أن يُفعّل سلطته وقدراته العديدة وفقًا لقانون التعدد، أما المرأة، فليس عليها ذلك، بل يجب عليها أن تؤمّن سلامة نفسها وكبح شهواتها بالوحدة والرغبة في شريك واحد، وأن تختبر كمالها وتمامها بالتمسّك بزوجها وحده.

إذا تمكن الرجل من إقامة العدل والأمن والرضا في حياته الزوجية والاجتماعية بالرغم من تعدد الزوجات، فإنه يحقق كماله المطلوب، وإلا فإنه لا يبلغ كماله الفعلي، وقد يُصيبُه حرمانٌ عظيم. وكذلك، إذا استطاعت المرأة أن تقبل زوجة أخرى لزوجها بجانبها، وتحافظ على علاقة حسنة مع زوجها، وتنظم موقعها معه، فقد أتمت كمالها وغلّبت نفسها. أما إذا عجزت عن تحقيق ذلك وضبط حدودها الطبيعية وأحكام فطرتها، فإنها تكون راسبةً في الاختبار، ولا ينبغي لها أن تتحدث عن كمالها الفعلي.

لذلك، فقد خلق الله اختلافاتٍ في فطرة المرأة والرجل، وفرض لهم اختبارًا خاصًا لتحقيق السلامة والسعادة، وللحفاظ عليهما، لتمييز الأفراد الأكمل والأرْسَخ من ضعاف النفس والغير سليمين.

نعم، هذه القوانين، إذا أُدركت بشكل صحيح ونُفذت بدقة، فإنها تؤدي إلى سلامة الفرد والمجتمع، مع ضرورة مراعاة الخصوصيات والدقائق بتأنٍّ بالغ، لكي لا تتحول إلى أسباب للفساد والأنانية والحرمان. ويلزم التمييز في بيان شروط وأحكام هذا الموضوع لكي يظل خاليًا من الإهمال والإجمال.

كل ما ذُكر عن الوحدة والرغبة في التعدد كان متعلقًا بالخصائص النفسية والروحية والباطنية للإنسان، في حين أن معايير هذه الحقائق ليست مقتصرة على الأمور النفسية والخيرات المعنوية والأخلاقية فقط، بل إنّها تشمل أيضًا الأبعاد الخارجية والمسائل الفرعية المتعلّقة بالفرد والأسرة والمجتمع والنسل والغير، وسوف يُذكر ذلك بتفصيل لاحق.

رغبة المرأة الجوهرية في الوحدة الزوجية

لو كانت الآفات المنتشرة في المجتمعات البشرية قابلة للضبط، ولم تكن المرأة تنغمس في الانحرافات، ولم تملأ عينيها وقلبها بالحرام، ولم تئنّ من الحرمان والشوق، لظهر كيف أن الوحدة الزوجية هي الرغبة الجوهرية لكل امرأة، وكيف أن ذلك يحقق لها السكينة والصحة النفسية، وحينها لا تميل المرأة إلى غير زوجها، بل ترى نفسها موحدةً وحيدةً، وتستنير بهذا الوضع، وتفتخر به.

ومع ذلك، يجب الإقرار بأن هناك في كل المجتمعات، بالرغم من المشاكل والمذاهب والاعتقادات المختلفة، رجالًا صالحين ونساءً كرامًا وراسخين في هويتهم، وليس كل النساء قد فقدن أصالتهن وهويتهن، أو سقطن تحت وطأة الانحرافات النفسية.

النفسانية والنسبية

يجب أن نعلم أن كل المعايير المتعلقة بالخير والشر والكمال والأهلية الأخلاقية، رغم مطلقيتها في النوع والواقع، لكنها موجودة نسبياً في الأفراد. لذلك، فإن صلاح أو فساد النساء، شأنه شأن الرجال، ليس مطلقًا، بل يتفاوت باختلاف نفسانية الأفراد، ويختلف مقدار الخير والشر بين النساء الجيدات والنساء السيئات، لأن النفسانية تختلف بين الناس، وكذلك الأخلاق.

وعندما يُقال عن نجاسة القلب أو طهارته، يُراد بهذا النسبية أيضًا، وهذا النسبية يمكن تطبيقها على باقي الشهوات والأخلاق والطباع الحسنة أو السيئة.

نعم، مقدار الفضائل والصفات الحميدة والرذائل في الأفراد يختلف، ونسبة كل منها تختلف بين الناس.

النتائج الرباعية للزواج

إثبات حقيقة الزواج وبيان معناه الصحيح، بالإضافة إلى ما ذُكر سابقًا، يمكن أن يكون له خصائص وآثار كثيرة أخرى، توضح ضرورة حصره ووحدته، وهي تُذكر هنا بإيجاز.

حفظ النسل والأعراق البشرية المختلفة مرتبط بالزواج ووحدته الزوجية. معرفة الأعراق المختلفة والاستفادة منها، ومعرفة أصول الفرد والمجتمع والشخصية الإنسانية، والقرابة والعلاقات الأسرية والقبلية، كلها مرتبطة بوحدة الزوجية.

تتحقق عناوينٌ جميلة وقيمٌ ثمينة مثل: الأب والأم، الأخ والأخت، الزوج والزوجة، حرمة العرض، الغيرة والشجاعة، المسؤولية التربوية المباشرة للأطفال، وغيرها من المفاهيم المهمة، عبر الزواج الشرعي ووحدته، وإلا فإنّ هذه المفاهيم لا تتحقق.

أ) حفظ النسل

حفظ وصيانة النسل والأعراق المختلفة هو أصل كل الكرامة الإنسانية، وأساس المجتمع البشري. عدم تحقّق هذا الأمر يؤدي إلى تحطيم قيمة الإنسان وتحويله إلى كائن مهمل بلا هدف، كما يمنعه من النمو الروحي والارتقاء.

الحفاظ على النسل يعني استمرار الجذور الصحيحة والمتوازنة للإنسان في مساراتها المحددة، ويشمل الحفاظ على الأعراق المختلفة تحت مسميات معينة كالقبائل والعشائر، التي تتميز بصفات مزاجية وروحية مميزة.

حفظ النسل وتمييزه يوضح أبعاد الروح والجسد البشرية، ويفتح آفاقًا لفهم أعمق للإنسان، وهو أمر مهم للمعرفة الإنسانية.

من خلال ذلك يمكن دراسة مشاكل الإنسان النفسية والجسدية، والوقاية منها، كما أن حفظ النسل يساهم في التخلص من الأمراض الوراثية وتنمية الجوانب الإيجابية.

كل هذا يتحقق عبر الزواج الصحيح ووحدة الزوجية، وهو أمر إلهي وثقافي لكل أمة.

ضبط جودة السكان

على مر التاريخ، كان الأطفال، مثل النساء، عرضةً لقرارات خاطئة من الرجال أو أفكار المجتمع المتباينة، فتارة يُشجع كثرة النسل، وتارة يُشدد على التقليل منه، وكلاهما غلو وتطرف.

الواقع أن القتل الجماعي للسكان (الإبادة) خطأ كبير لا يجوز الترويج له، ولكن من المهم ضبط النسل ليس بكثرة مفرطة ولا بندرة مفرطة.

يجب تحسين نوعية السكان وليس زيادة كميتهم فقط، عبر دعم الأفراد الأقوياء والأصحاء وتشجيعهم على الإنجاب، وتقليل الإنجاب للأفراد الضعفاء والمصابين بالأمراض أو نقص الذكاء أو بعدم الطهارة الروحية.

ينبغي أن تتبنى الحكومات برامج إصلاح اجتماعي وصحي، وتدعم الأفراد المؤهلين لتربية أجيال صحية، وقد تقدم لهم المساعدات المالية لتشجيع ذلك.

المجتمع السليم يتطلب ضبط جودة النسل، فزيادة عدد السكان دون محتوى تؤدي إلى الفقر والحرمان.

رغم أن البعض قد يعتقد أن ذلك يحد من الحرية الفردية، إلا أن الحرية تقيد لصالح المصلحة العامة، فإذا كانت الحرية تؤدي إلى كثرة سكان غير منتجة وفارغة من المحتوى، فإن المجتمع يفرض قيودًا.

لا يجوز إنجاب أطفال غير أصحاء يحمل المجتمع أعباءهم، ويكفي أن الموارد تُصرف على علاجهم وتعليمهم.

في كل المجالات الزراعية والحيوانية، هناك دراسات واختبارات صارمة لضمان جودة المنتج، فكيف للإنسان أن يُترك دون رعاية أو ضبط؟

قلة الوعي بهذا الأمر أدت إلى مشاكل كبيرة في عدد من البلدان الإسلامية، التي تعاني من ضعف في التنمية، رغم أن الإسلام يحمل من القيم ما يجعل هذه المجتمعات في وضع أفضل.

ب) معرفة الفرد والمجتمع

معرفة الفرد والمجتمع والإنسان والعالم وتنوعهم مرتبطة بالزواج وحفظ النسل. عدم الانتباه لذلك يؤدي إلى فساد الفرد والمجتمع وعرقلة التقدم.

معرفة المجتمع تعتمد على فهم الاتجاهات العقائدية والعلمية لأفراده، والتي تظهر في الزواج وعلاقاته.

فهم القوانين الاجتماعية والتقاليد أمر مهم، وتثبيت هذه القوانين يعتمد على الأسرة السليمة، التي بدورها تقوم على الزواج الصحيح.

الزواج الذي يتبع السنن الإلهية والفطرية والاستحقاقات الطبيعية يتمتع باستقرار خاص، أما الزواج المبني على الشهوات العابرة والقوانين الشكلية فهو هش وضعيف، ولا يفي باحتياجات الأفراد والمجتمع، بل يؤدي إلى انهيار.

ج) البيت والأسرة

البيت والأسرة هي الأساس الأهم للوحدة وأصغر وحدة اجتماعية. أعمق مركز للعواطف والقيم، ونمو المجتمع مرتبط بها. الأسرة هي اللبنة الأساسية لبقاء الإنسان واستمراره، وصحتها تتوقف على الزواج الصحيح.

بدون هذا، لا يمكن أن نأمل في مجتمع متماسك ومتجانس.

العالم البشري بدون هذا الأساس يكون أشد قبحًا من الغابة، لأن الحيوانات تستفيد فطريًا من الزواج والأسرة وتحافظ عليهما.

الوحدات القبلية والنسبية في العالم ترجع إلى الحفاظ على الأسرة، وكثير من الفوضى الحالية بسبب إهمال الأسرة والارتباطات غير السليمة.

احترام قواعد الأسرة يمكن أن يحل الكثير من النزاعات العرقية والاجتماعية، ويقضي على الحروب والصراعات.

الأسرة مكان السلام والمودة والحب، وهي مصدر كل الأمل والعواطف لدى الإنسان، وتنبثق منها معانٍ كالأبوة والأمومة والغيرة والشجاعة والعفة وغيرها من القيم.

كان يعتقد أنَّ النكاح هو منبع كلّ الجمال والطهارة والقيم الفطرية والروحية. فالأب، تلك الكلمة المقدسة والحقيقة التي تجسّد إدارة الحياة بشكل كامل، والأم، الوجه الكامل للعطف والمحبّة، هما اللذان يحفظان دفء البيت. وتُقَدَّر قيمة الإنسان بارتباطها بهذه الحقائق والمعاني، وظهور الفعاليّات، ونموّ الكمالات، وتجلي الجمال الروحي والمعنوي للإنسان، وغيرها من مفاهيم الجمال والكمال، مرتبط بتحقّق الزواج، وبالشغف والعشق والمحبة التي يحملها؛ وبدون ذلك، لا يمكن لأيّ من هذه الأمور أن يتجلّى بصورة صحيحة وكاملة.

الإنسان بدون هذه المعاني والحقائق ليس إنساناً حقّاً، بل هو أقل من الحيوان، ويدنو من مرتبة الذئب والخنزير!

د) تربية الأولاد

في حياة أسرية، وفي مجتمع صغير يسمى “البيت”، يمكن ملاحظة عناوين التماسك: الأب، الأم، الأخت، والأخ، وهم أعضاء البيت.

يحتاج الولد في البيت إلى مسؤول مباشر وولي أمر، ليُلبّي خلال فترة نموّه حاجاته المادية والمعنوية تحت رعايته، وليتمتع بالإمكانيات الخاصة المتوفرة تحت إشراف الأب والأم.

وتقع المسؤولية المباشرة لإدارة الحياة على عاتق الأب الذي يمتلك قدرات مختلفة، رغم أن الأم هي في كثير من النواحي أهمّ، بل العامل الوحيد أحياناً في نمو الطفل. فالطفل بدون وجود الأب والأم لا يمكن أن ينعم بنفسيّة صحيحة وسليمة، وهذا أيضًا مرهون بتحقّق الزواج الشرعي، حيث ترتبط وحدة الزوج بعلاقة مباشرة بتحقيق ذلك. ومن دون أمّ صحيحة ووحدة زوجية، لا يمكن أبدًا أن يُعتبر للولد موقع ثابت وبنّاء في المجتمع الإنساني، ولا يمكن ضمان حمايته المادية والمعنوية بشكل مناسب، ولا يمكن توجيهه في طريق محدّد وصحيح.

المسؤولية المباشرة لإدارة الحياة تقع على عاتق الأب الذي يمتلك قدرات متعددة، مع أن الأم في كثير من الجوانب تُعتبر العامل الأهم، بل العامل الوحيد في نمو الطفل. فالطفل لا يمكن أن ينعم بروح ونفس سليمة بدون وجود الأب والأم، وهذا مشروط بتحقق الزواج الشرعي، ووحدة الزوج لها علاقة مباشرة بتحقيق ذلك. بدون أم سليمة ووحدة الزوج، لا يمكن أن يُتوقع للطفل موقعًا ثابتًا وبناءً في المجتمع الإنساني، ولا يمكن ضمان حمايته المادية والمعنوية بشكل مناسب، ولا يمكن وضعه على الطريق الصحيح والمحدد.

الزواج؛ رحيق المحبة الحلو

في خلاصة عامة يمكن القول: صحة المجتمع ونموه مرتبطان بتكوين بيت وأسرة، وهذا بدوره مرتبط بالزواج. الانحلال، الفساد، الفجور، الفساد والعصيان كلها نتائج بعد الإنسان عن هذا الأمر أو الإهمال واللامبالاة تجاهه.

الابتعاد عن الزواج الصحيح أو الإهمال في شأنه يهيئان الأرضية لكل ما هو نجس وفاسد. انعدام العفة، فقدان الشرف، الزنا، الاختلاط غير المشروع بين الرجال والنساء في المجتمع والبيئة الحياتية، اللهو والسهر الليلي والعلاقات غير الشرعية المفرطة، كلها عوامل رئيسية في هدم المجتمع الإنساني، وتشير إلى انعدام هوية الفرد والمجتمع.

المجتمعات والأفراد الذين يبعدون أساس الزواج والمعايير الأخلاقية عن أفكارهم وأفعالهم ولا يعيرونهم اهتمامًا، لن يتذوقوا قط رحيق الخير والصلاح والصحة والنشاط والمودة والمحبة، وسيظلّون محرومين من الشوق والحماس والعواطف الإنسانية.

الغلو في ما يسمى بالعالم الحر اليوم، أفراد المجتمع المنحلين والمراكز الفاحشة المنتشرة هنا وهناك على المستويين الفردي والجماعي، أفضل مثال على هذه الحياة الفارغة والفاشلة.

الدليل الأوضح على الحياة بلا قيود، بالرغم من الفساد والقبح والنقص والحرمان وسط اللهو والسكر المستمر، هو العالم الملوث لعصر التحديث ومراكز الفسق والفساد. مشاهدة مثل هؤلاء الناس ورؤية مثل هذه المراكز بخصائصها الخاصة هي أصدق دليل على إدانة هؤلاء الأفراد وهذه الثقافة. لا يوجد شخص عاقل وحكيم يقبل دخول هذه الأماكن مع أسرته أو السكن فيها لحياة قصيرة مؤقتة أو أن يكون مثل هؤلاء الناس.

لذا فإن من يروّج بلا تردد للانحلال ويشجع الفسق ويدعم الاختلاط غير الصحي، سواء بقصد أو بدون قصد، يسبب ضررًا للمجتمع الإنساني. المعرفة والمشاهدات من هذه المراكز في المجتمعات الحرة تشير إلى ظلم كثير لا يليق بالأشخاص السليمين والنبيلين، ومن يدعمون هذه الأمور لا يمكن أن يكونوا من الأشخاص الأصحاء.

الزواج في عالم الحيوان

الزواج ووحدة الزوج ليست حكرًا على الإنسان، بل توجد أيضًا بين الحيوانات، فهي ليست غير مبالية أو غير مهتمة بهذا الأمر. الغريزة الطبيعية للكرامة والدفاع عنها، والمشاعر الأبوية تجاه الأبناء موجودة بقوة بينهم. ويمكن أيضًا تعميم هذا الموضوع إلى عالم الجمادات، حيث يعتقد أن الجمادات أيضًا، في تحقيق وجودها، ليست خالية من نوع من العلاقة المحددة، وتتابع مسارًا طبيعيًا خاصًا في البقاء والاستمرار، وهو متجذر في أصل وجود الكائنات.

على الرغم من أن العلم المعاصر بذل جهودًا كبيرة لفهم عالم الحيوان وخصائصه، يجب على المجامع العلمية العالمية أن تبذل جهودًا أوسع لدراسة خصائص المواد والعناصر النباتية والحيوانية، حتى بالإضافة إلى التعرف على أحكام وقوانين الطبيعة الحاكمة عليها، يمكن للإنسان أن يستفيد منها بأفضل صورة.

في عالم الحيوان، يجب مراعاة أمرين مهمين: أولًا، هل تلتزم الحيوانات أيضًا بالزواج ووحدة الجنس الذكري في التزاوج، وهل لديها حدود مثل الإنسان في هذا الشأن؟ ثانيًا، إذا ثبت ذلك، فما الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه هذا الأمر في حياة الإنسان؟

فيما يتعلق بالأمر الأول، يمكن القول إن الحيوانات عمومًا تلتزم بهذا الأصل، ووحدة الجنس الذكري وحفظ النسل يعتبران من المبادئ الثابتة والمقبولة لديهم. مسألة العفة والدفاع عن الحرم الأبوي والإنجاب وغيرها من الأمور ملموسة وبقوة بينهم، وإن شُوهد خلاف ذلك في بعض الحيوانات فقط، مع اختلافات كثيرة.

يجب على علماء الحيوان دراسة هذه الفئة التي لا تلتزم بالشروط المطلوبة، لتحديد موقعها في عالم الحيوان. ينبغي توضيح مدى ارتباط الزواج، وحدة الجنس الذكري، الكرامة، حفظ النسل والدفاع عنه بصفات الحيوانات، وهل يمكن اعتبار هذا معيارًا لمعرفة مرتبة إدراك الحيوانات والكائنات؟ وهل الحيوانات التي لا تلتزم بهذه المبادئ في مرتبة أدنى ذهنياً وحيوانياً؟ هذه القضايا يجب متابعتها بدقة.

فيما يتعلق بالأمر الثاني، إذا ثبت تحقق الأمر الأول وتحديد ميزان الالتزام والتمييز بين مراتب إدراك الحيوانات، يمكن القول إن الالتزام بهذه الأمور عند البشر فطري وواقعي، والإهمال من بعض الأفراد علامة على فقدان الهوية الإنسانية وانحدارهم إلى أدنى مراتب الحيوانية. كذلك الدوافع الحيوانية والانحلال والتخريب لهذه المبادئ يُعدّ ازدراءً للمعنوية والكرامة الإنسانية. لذلك، من يطرح هذه الأفكار يجب أن يُعتبر عدوًا للمجتمع الإنساني، وأفكارهم سبب رئيسي للهدم والفساد الاجتماعي.

خلاصة النقاش حول الزواج

يمكن الخروج بالنتيجة أن الزواج حقيقة لا إنكار لها، وإنكارها يدل على الجهل أو الفساد، وهذه الحقيقة لا تتعارض مع حرية المرأة. على الرغم من أن الزواج له ميزات تميزه عن الزنا، إلا أن هذه الميزات ليست قيودًا بل هي اختلافات جوهرية بين الأمرين.

الصداقة، المعاشرة الجنسية مع نساء متعددات، سواء بالتزامن مع الزوج أو بدونه، أو بشكل جماعي، وهو أمر يدعمه البعض في ما يسمى بالدول المتقدمة، يؤدي إلى فساد المرأة ويجعلها مهملة وغير ذات قيمة. المرأة والرجل ليسا متشابهين في جميع الصفات، وإلا لكان وجودهما متكررًا وليس مكملًا. وصف صفات كل منهما لا ينبع من تعصب قومي أو تقليدي أو أحكام أحادية.

الممارسات الجنسية المختلطة والفاسدة لا تحقق للمرأة لذة أو سرورًا، بل تسبب لها القلق والتشويش. الزواج برجل واحد ليس احتكارًا للمرأة، كما أن الاعتداء عليها أو الخيال البشع لا يعني حرية المرأة، والحفاظ على حدود هذا الأمر ضرورة كغيره من الأمور.

الزواج – وهو السنة المتبعة عند جميع الشعوب – بالإضافة إلى فوائده الفردية والاجتماعية العديدة وثماره الروحية، هو الطريق الأساسي لبناء الفرد والأسرة والمجتمع، والسبيل الوحيد لإنشاء نظام إنساني سليم، وهذه حقيقة ذات أبدية وضرورة عقلية خاصة.

في هذا النقاش، لم نكن نريد فقط القول إن الزواج الشرعي ووحدة الرجل للمرأة هو الأسلوب الأفضل أو الأصح، وأن الطرق غير التقليدية غير صحيحة، بل الغرض هو أن الزواج الشرعي والتقليدي في كل قوم وأمة هو الطريق الصحيح لاستمرار الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان، وظهور فضائل الإنسان ونموه وتوطيد نظام المجتمع البشري مرتبط بتحقيق هذا الأمر، كما أن ثمر الزواج هو الإنجاب الصحيح وصحة الأجيال القادمة، وقطع هذا النسل أو انحرافه يؤدي إلى هلاك المجتمع البشري أو انحطاط الأجيال القادمة.

الزواج والكمال

كثير من أفراد مجتمعنا يفهمون الزواج فقط على أنه “التواجد معًا”، بينما الزواج هو تحقيق الكمال الإنساني الحقيقي، وهو حقيقة أعمق من مجرد التزاوج أو التواجد معًا. لكل كائن – ولا سيما الإنسان – مطلوب، ولا مطلوب بلا طالب. رغم الاختلافات الكبيرة بين الرجل والمرأة، هناك تناغم فطري ونفسي واجتماعي بينهما، ولا ينبغي أن تشكل حياة الإنسان وعاداته بناءً على العادات أو الإجبار. بناءً على هذا المبدأ، فإن الكثير من الزيجات التقليدية التي تكون أكثر بهدف امتلاك منزل أو تأمين مأوى أو الحصول على وظيفة أو مكانة اجتماعية، هي وجود مؤلم وغيابه أليم.

وبما أن البشر يختلفون، يجب على كل شخص أن يعرف من هو الشخص المناسب والمكمل الحقيقي له، ومن خلال لطفه الفردي يمكنه الاستقرار، وهذا اختيار حياتي لتكوين الأسرة والحياة المشتركة. لذلك الزواج هو أصعب قضية وأجمل اختيار للإنسان.

طريقة الزواج الحالية – وهي طريقة تقليدية توفر فقط التواجد معًا – لا أساس لها جيد، وكثير من مشاكل الأسرة والمجتمع ناتجة عن هذا الأمر.

يجب أن يصنع الزواج من هذين الرجل والمرأة كائنًا اجتماعيًا – أسريًا واجتماعيًا – والمجتمع الحالي مع مشكلاته لا يسمح للمرأة بأن تكون امرأة بكامل كمالها وحياتها الفردية والاجتماعية المتوازنة إلا بصعوبة وبشكل محدود.

المطلوبات في الزواج مختلفة؛ مثل: المكانة الاجتماعية، العلم والمعرفة، الثروة، وغيرها. في الزواج يجب أن يحدد الإنسان مطلوبه وإلا يصبح وجوده عبثًا. الحياة هي أن تكون كل لحظة أفضل من التي قبلها، مليئة بالمزيد من الجهد والسرور؛ لأنه إذا وصل الإنسان إلى درجة من الكمال، تصبح المشقات ممتعة له.

إذا أراد أحد أن يكون شمعة وينشد سلامته وسعادة نفسه والآخرين، يجب أن يتخلص من التقاليد الخاطئة، ويبذل جهدًا عظيمًا ليؤدي دوره الصحيح، وأن يجهز نفسه بالعلم والقدرة العملية. الحياة المشتركة وتكوين الأسرة يحتاجان إلى وعي وقدرات مناسبة، وعلى الأفراد والنظام الاجتماعي السعي لتحصيلها، وإلا عليهم الاستعداد للمزيد من الفوضى والاضطرابات.

الزواج ليس نهاية الطريق

يجدر في نهاية هذا القسم الإشارة إلى مشكلة أخرى في الزواج. قد يُقال أحيانًا: قد لا تستطيع امرأة أن تجد زوجًا مناسبًا، أو تضطر للزواج من شخص غير مناسب وتواجه مشاكل كثيرة، أو بعد الزواج لا يرضيها الزوج، أو توجد تعارضات مزاجية وأخلاقية بينهما، أو مشاكل جنسية أو غيرها لا يمكن علاجها، وفي هذه الحالات تكون المرأة مضطرة للتكيف وتحمل ولا تجرؤ على الشكوى.

نقول: ليس صحيحًا أن المرأة لا تستطيع متابعة مشاكلها. هي تتزوج لحل مشاكلها الفردية والاجتماعية والوصول إلى أمانيها الطبيعية، لا لتحميلها مشقات لا تطاق. الزواج لا يعني استعباد المرأة. الشريعة، كما تراعي وحدة الزوج للمرأة، تراعي أيضًا قدرات الزوج تجاه المرأة وفق شروط وصفات محددة.

إذا لم يستطع الزوج أن يسعد زوجته لأي سبب، تستطيع المرأة أن تتخذ قرارًا عقلانيًا وأن تفترق عنه إذا لزم الأمر. في الإسلام، كل هذه الأمور محددة ومفصلة، والعقل والشريعة وضعا أحكامًا لا تترك مجالًا للشك للإنسان المفكر.

الشريعة أمرت بأن يكون الزواج قائماً على الوعي والدقة. ينبغي أن يكون الزواج بحيث يطلع كل من الزوج والزوجة قبل إتمام العقد على مزايا وعيوب ومشاكل ونقائص بعضهما البعض بدقة، وأن يخطوا في هذه المسيرة بعد استشارة وبحث متأنٍّ، دون إغفال أدق التفاصيل.

يجوز لهما قبل العقد أن يجتمعا ويتعرفا على صفات بعضهما البعض، بل يمكنهما أن ينظر كل منهما إلى جسد الآخر كاملاً – عدا العورة – حتى لا تظهر في المستقبل أية مشاكل. وإذا نشأت بعد العقد مشاكل عقلانية لا يمكن حلها وتعيق استمرار الحياة الزوجية، يمكن للزوجة أن تطلب الطلاق من الزوج، وسنتناول ذلك لاحقًا.

من مزايا الطلاق الشرعي أن الزوجين لا يشعران بقلق أو استعباد دائم في الحياة المشتركة، ولا توجد قيود أو حرمان مفروض بلا مبرر؛ فالنتيجة المرجوة من النكاح – وهي وحدة الزواج، أو اتحاد الروحين – أن تزول كل التناقضات، ولا مكان لأي استعباد أو حرمان فيه. وإذا ظهرت في المجتمع سلوكيات سيئة أو غير ملائمة، فلا علاقة لها بالشريعة، بل هي نتاج فهم خاطئ أو تقاليد اجتماعية وثقافية تحتاج إلى الإصلاح.

القسم الثالث

الحياة المشتركة

الفصل الأول: الخطبة

الخطبة: هل هي مصادرة على حرية المرأة؟

المرأة: كائن بلا اختيار!

إحدى الانتقادات التي تثار حول الزواج تتعلق بظروف التمهيد وبدايات تشكيل الحياة الزوجية.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يجب أن تكون المرأة في حالة انتظار، غير قادرة على التعبير عن حبها واهتمامها تجاه شخص ما في البداية، رغم أن المستقبل والحياة الزوجية مشتركة بين الرجل والمرأة؟ لماذا يُسمح للرجل بممارسة حرية اختيار الزوجة في أي سن، بينما تُحرَم المرأة من أي حرية أولية في اختيارها؟

لماذا يمكن للرجل أن يتخذ أي قرار بخصوص الزواج، بينما يُجبر المرأة، أحيانًا بسبب ضغط المجتمع أو ندرة الراغبين، على قبول أي شخص دون شروط أو مطالب، خوفًا من فقدان الفرصة؟

في مراسم الخطبة، يكون الرجل هو صاحب القرار والاختيار والرفض، بينما تكون المرأة كائنًا مقيدًا بلا رأي أو مبادرة في مستقبلها، فلا يبقى لها إلا الانتظار بلا صوت أو اعتراض. فالسؤال هو: لماذا لا يمكن للمرأة أن تكون هي المبادرة للزواج؟ ولماذا يجب عليها أن تصبر في حالة انتظار طويل وألم وصمت؟

للرد على هذا النقد – الذي يحمل بعض الصحة – نقول أولاً: ما ذُكر لا يعود إلى الشريعة الإسلامية، بل هو نتيجة للعادات والتقاليد الاجتماعية.

رغم أن بعض الناس يدافعون عن هذا النظام ويعتبرونه شرعيًا، فإن هذه الأفكار والتقاليد ليست من الدين، بل قد تخالفه أحيانًا.

الآن، سنناقش الخطبة والارتباط من منظور العقل والدين بشكل مختصر، على أمل أن تسهم في حل بعض المشكلات الاجتماعية.

الخطبة والذكورية

المفهوم الشائع في القواميس والمجتمع للخطبة هو طلب الرجل من المرأة بأن تتخلى عن نفسها له، وهذا يعكس سلطة الرجل، وفعاليته، وحريته في الاختيار، ويجعل المرأة في موقف بلا خيار، مما يسبب لها الإهانة والخضوع.

فعلاً، بعد طلب الرجل، قد تعبر المرأة عن رغباتها، لكن القضية الرئيسية هي حق المبادرة الأولية، التي يمتلكها الرجل فقط بينما تُحرَم منها المرأة.

هذا الواقع القاسي يولّد آثارًا سلبية كثيرة مثل الإهانة، والإحباط، والاستسلام، وتحمل المرأة مسؤولية غير عادلة، رغم أنه لا أساس عقلي أو ديني له؛ إذ إن طلب الشيء يفترض أن يكون علامة على احتياج الشخص، وليس على تحقير الطرف الآخر.

أما في عرفنا، فالرجل هو الذي يطلب، والمرأة هي التي تُهان، وتُجبر على إخفاء حاجتها، وتنتظر في قلق وذل قرار الرجل.

طلب الرجل يفترض التواضع

لو قيل إن طلب الشيء لا يعني التواضع أو الافتقار، بل قد يصاحبه الكبرياء والسيطرة، فالرد هو: هذا لا ينطبق على حالة الخطبة، لأن طبيعة الطلب تدل على حاجة وافتقار، وإلا سينتظر الطلب الرفض.

الخطبة من طرف واحد: إهانة للمرأة

أبرز مشكلة في الخطبة هي أنها عملية أحادية الجانب، تعطي الرجل سلطة اختيار ومبادرة كاملة، وتجعل المرأة في موقف سلبي عاجز عن اتخاذ أي خطوة.

هذا الأمر يجعل قرار المرأة وكأنها مشلولة، ويعزز مكانة الرجل، ويضعف الشخصية النسائية.

معنى الخطبة الحقيقي

الخطبة ليست طلبًا أو استسلامًا، بل هي اقتراح أولي وحوار يسبق اتخاذ قرار الزواج النهائي.

يجب أن يكون الخطاب عن الخطبة معبرًا عن لقاء أولي يهدف إلى التعارف والتفاهم، لا طلبًا نهائيًا أو تنازلًا من أي طرف.

الخطبة بهذا المعنى ليست فعل طلب أو طلب تنازل من المرأة، بل حوار مبدئي بين الطرفين، قد يؤدي إلى اتفاق أو لا يؤدي.

الخلاصة: الخطبة اقتراح أولي لا طلب نهائي

وفق هذا المنطق، الخطبة هي مجرد اقتراح أو تواصل أولي، لا طلب أو استسلام أحادي الجانب.

مثل هذه الفكرة تمنع كثيرًا من الإساءات الاجتماعية التي تسبب الإحباط والحرمان وإهانة المرأة.

ومن هنا، يمكن القول إن الخطبة فعل اقتراح وحوار بين طرفين، سواء كان من الطرف الأعلى أو الأقل أو طرف ثالث، وليس طلبًا أو تسليمًا مهيمنًا.

البحث عن الخاطب؛ الاستطلاع والتعرف

قد يُطرح هنا سؤالٌ يقول: إذا كان معنى الخِطبة مجرد حوارٍ أوليٍّ واقتراحٍ مبدئيّ، فهذا المعنى يتعارض مع المفهوم الشائع للخِطبة (الطلب والرغبة)، ويستلزم اختيار لفظٍ جديدٍ يتناسب مع هذا المعنى وطرح مفهومٍ جديد. وربما يكون سبب تعريفات معاجم اللغة هو اعتمادها على هذا المفهوم الشائع، مما أدى إلى إهمال فهم المعنى الصحيح للخِطبة.

وفي الردّ على ذلك، يجب القول: كما ذكرنا، الخِطبة ليست سوى اقتراحٍ أوليّ وحوارٍ من أجل اتخاذ قرارٍ بشأن الزواج، دون أن تتناقض مع معناها أو تستلزم لفظًا جديدًا، رغم أن الخطأ في التعريف والتطبيق في المجتمع جلب مشكلاتٍ كبيرة. والشيء الذي يجب الانتباه إليه هنا هو: هل موضوع هذا “الطلب والرغبة” هو الزواج أم مجرد حوارٍ بسيطٍ مبدئي للتعارف بين الطرفين؟ فإذا قيل: الخِطبة، حتى وإن كانت تعني الاقتراح والحوار المبدئي فقط، فهي تشمل الطلب والرغبة، ولا يمكن أن يكون الاقتراح والحوار الأولي دون طلب ورغبة، فالرد سيكون: مع أن نوعًا من الطلب موجود حتى في الاقتراح المبدئي، إلا أن هذا الطلب ليس جوهر الاقتراح وهوية الخِطبة، بل هو طلبٌ من الفاعل لتحقيق الاقتراح خارجيًا، وهذا الطلب موجود في تحقيق أي أمر، بينما نقاشنا هنا هو وجود الطلب في جوهر هوية الاقتراح، لا وجود طلب الفاعل كشرط تحقق خارجي.

وقد يُطرح اعتراضٌ آخر يقول: إن معنى الخِطبة، في أي معنى كان، يتضمن الطلب والرغبة ولا يمكن أن تخلو منه، بينما الاقتراح والحوار المبدئي لا يتضمنان طلبًا أو رغبة، وهذا يعني أن الخِطبة ليست اقتراحًا، كما أن مجرد الاقتراح لا يعبر عن مفهوم الخِطبة.

وفي الجواب نقول: هذا الاعتراض لا أساس له، ولتوضيح ذلك يجب أولًا تعريف مفهوم الطلب.

الطلب: البحث، لا الطلب

الطلب في الأصل اللغوي يعني البحث والاستقصاء، رغم أن للبحث سياقان: الأول هو البحث من أجل الحصول على معلومات ومعرفة أمرٍ ما، والثاني هو البحث للوصول إلى الشيء ذاته.

ومن المناسب هنا لتعريف الطلب والبحث، الاستشهاد بتعريفٍ أدبي من عالم اللغة المرحوم “راغب الأصفهاني” في كتابه “المفردات” حيث يقول:

“الطلب هو الفحص عن وجود الشيء عينًا أو معنى.”

ومن هذا التعريف نفهم أن الطلب ملازم بنوع من النقص لدى الطالب تجاه الغاية والمطلوب، فيتبع بفاعليته البحث عن تحقيق هذا المطلوب أو الوصول إليه خارجيًا. فالطالب هو الموجود والفاعل الوحيد في الطلب، وهو يفتقر إلى الشيء الذي يطلبه. ويشمل الطلب البحث والاستقصاء عن المفاهيم والحقائق العلمية أو الوقائع الخارجية، ويرافقه شعور بالنقص والحيرة والقلق تجاه تحقيق الهدف أو عدمه.

ومن هذا يتضح أنه رغم وجود نوع من الطلب في الخِطبة، إلا أن هذا الطلب يتوزع على ثلاثة مستويات: قريب، متوسط، وبعيد. فقط الطلب المتوسط هو الموجود في جوهر الخِطبة، والطلب القريب والبعيد ليسا من جوهر الخِطبة، فالطلب القريب يعني الاستقصاء والتحقق من وجود الشخص المرغوب، وهذا خارج طبيعة الخِطبة، وهو فقط من مقدمات الخِطبة وقد لا يحتاج إليه عند وجود معرفة أو صلة قرابة كاملة بين الطرفين.

الطلب المتوسط – وهو جوهر الخِطبة – هو الحوار المبدئي، التعارف المباشر، تحصيل المعرفة عن الطرفين، واتخاذ قرار بشأن المستقبل، وقد لا ينتج عن ذلك قرارٌ بالزواج، وفي هذه الحالة لا يصل الطلب البعيد إلى حيز التنفيذ.

الطلب البعيد هو تحقيق الزواج ذاته، ويأتي بعد تحقيق الطلب القريب (التحقق الخارجي) والمتوسط (المعرفة والقرار). وفي كثير من الحالات لا يتم الوصول إلى هذا الطلب البعيد ولا يحدث الزواج، رغم وجود الخِطبة، وكما هو مألوف نقول: “خطّبنا ولم نتفق، لم نرد، أو هم لم يرغبوا، أو لم يوافق الطرفان على الزواج.”

لذا، رغم وجود طلبٍ بشكل عام في الخِطبة، إلا أن هذا الطلب ليس طلب الزواج، بل هو طلبٌ للمعرفة من كل طرف بصفات وظروف الطرف الآخر لاتخاذ قرارٍ بشأن الزواج في المستقبل، والذي قد ينتهي بالرفض أو الانسحاب.

فالخِطبة ليست طلب الزواج بحد ذاتها، بل طلب الزواج يحصل بعد التعارف واتخاذ قرارٍ من الطرفين، لأن الخِطبة في الأصل مجرد اقتراحٍ مبدئي للتعرف على الوضع بهدف اتخاذ قرار، دون وجود طلب عملي أو رغبة مباشرة في الزواج. لذلك لا ينبغي الخلط بين هذه الأنواع الثلاثة من الطلب: الطلب للمعرفة الخارجية، الطلب للتعارف المباشر، والطلب الفعلي للزواج.

لو كان معنى الخِطبة هو طلب الزواج، لكان في حال عدم حصول الزواج، ما وقع لا يسمى خِطبة. ولكن في كل الأحوال، الخِطبة تتحقق بالطلب المتوسط – وهو التعارف المباشر – حتى وإن لم يُتخذ قرار بالزواج؛ لأن عدم اتخاذ قرار يعني اتخاذ قرار بالرفض، والقرار أو عدمه موجود في الخِطبة. إذًا، جوهر الخِطبة ليس طلب الزواج، بل هو مجرد الدخول المباشر في طلب التحقيق والتعبير عن الرغبة، رغم أن كثيرًا من الحالات تؤدي إلى اتخاذ القرار وطلب الزواج وتحقيقه.

وبالرغم من وجود طلب في الخِطبة، إلا أننا نؤكد أن هذا الطلب ليس طلب الزواج، بل طلب المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار بشأن الزواج، والطلب الأول والبعيد (الاستقصاء الخارجي) خارج جوهر الخِطبة ومقدم لها، والطلب الثالث (الزواج) هو نتيجة للاقتراب أو الابتعاد من الخِطبة. والخِطبة هي المرحلة الثانية – التعارف المباشر، التعبير عن الرغبة والاقتراح – والتي تتحقق حتى بغياب قرار الزواج.

وبالتالي، في تعريف الخِطبة – وهي اقتراح وحوار مبدئي – يوجد طلب، كما في كل اقتراح، لكنه طلب للتعارف وليس طلبًا للزواج بحد ذاته. فبالرغم من أن لكل اقتراح هدفًا وغاية، وأن الظروف الإيجابية تتيح الاقتراح، إلا أن الاقتراح ليس طلبًا نهائيًا للقيام بالمطلوب، بل هو نقاش من أجل دراسة المصلحة في تحقيق ذلك.

علينا أن نعلم أنه رغم أن الظروف الإيجابية تساهم في تقديم الاقتراح، إلا أن الخِطبة كاقتراح ليست اقتراحًا للهدف النهائي (الزواج)، بل اقتراحًا لتحقيق شرط مسبق لذلك وهو التعارف. فإذا قيل: الخِطبة ليست طلبًا للزواج، فلا يعني ذلك عدم وجود طلب في الأصل أو أن المطلوب لا قيمة له، بل تعني أن الخِطبة طلب الدخول في النقاش والمراجعة بشأن الزواج المحتمل، وهذا الزواج قد لا يتحقق أحيانًا.

وبالتالي، يمكن القول عمومًا: للزواج – وهو أهم أمر في حياة الفرد – مرحلتان من التحقيق والمراجعة:

المرحلة الأولى: التحقيق الخارجي، العام والبعيد عن الطرف الآخر، عبر الناس، إذا لم تكن هناك معرفة أو قرابة كاملة.

المرحلة الثانية: التحقيق المباشر، القريب، الصريح، الذي يتم إذا كانت المرحلة الأولى إيجابية، ويسمى الحوار المباشر، الخِطبة، التعبير عن الاقتراح والرغبة.

فالمرحلة الأولى والثانية للبحث والمراجعة، رغم أنهما موجهتان نحو الزواج، إلا أنهما ليسا طلب الزواج ذاته، بل هما المقدمات العلمية والخارجية للزواج. لذا يجب التمييز بين الطلبات الثلاثة: البحث الخارجي، التعارف المباشر، والزواج الفعلي، لأن طلب البحث والتعارف يختلف عن طلب الزواج ذاته.

من بداية هذا القسم وحتى الآن، سعينا لتوضيح معنى الخِطبة بشكل صحيح، عبر مناقشة الاعتراض على جانب واحد منها، ثم توضيح غياب طلب الزواج في جوهر الخِطبة، مع قبول طلب البحث والتحقيق المبدئي. والآن نتقدم خطوة إضافية ونقول: في الأساس، لا يوجد في الخِطبة طلب أو رغبة حقيقية أو طلب جدي.

يجب معرفة أن بعض الكلمات متشابهة لفظيًا ومتقاربة معنويًا لكنها تختلف، وهذا يؤدي إلى الخلط والمغالطة عند استخدامها، لذلك يجب الحذر في التعامل مع هذه الكلمات. على سبيل المثال: “الطلب” و”الرغبة” متشابهان لفظيًا لكن مختلفان في المعنى، لأن “الطلب” يشمل وجود فاعلية وطلب حقيقي، أما “الرغبة” فقد تكون مجرد ميل أو أمنية دون طلب أو متابعة جادة.

مثال: الشخص المحكوم عليه بالإعدام قد يرغب في النجاة (لديه رغبة)، لكنه لا يطلبها لأنه فاقد القدرة أو مأيوس من الوصول إليها.

وقد يراجع الشخص داخله فيجد لديه رغبات لكن بدون طلب أو قدرة على تحقيقها، مثل شخص يريد فتاة لكنه بسبب اختلافات اجتماعية أو شخصية لا يطلبها فعليًا.

وهكذا “الرغبة” تختلف عن “الطلب” و”الطلب” لا يخلو من رغبة.

وعليه، يتبين أن الخِطبة ليست طلبًا للزواج بشكل مباشر، بل تعبير عن رغبة مع وجود طلب ضمني نحو التحقيق والمتابعة.

كما ذُكرَ سابقًا، هناك اختلافٌ واضحٌ بينَ المَرحَلَةِ الأولى والثانية والثالثة من الطَّلبِ (البَحثُ الخارجيُّ، التَّعارفُ الحَضوريُّ، والزَّواجُ). فإذا تحقَّقَ التَّعارفُ والمتابعةُ الخارجيَّة ـ التي هي نوعٌ من الطَّلبِ والسُّؤالِ من المحيطين ـ دونَ تعارفٍ حضوريٍّ واتِّخاذ قرارٍ من الرَّجلِ أو المرأة، يشتدُّ في الإنسانِ الرَّغبةُ من دونِ أنْ يتحوَّلَ هذا إلى طلبٍ صريحٍ لتحقيقِه. أمّا إذا أدَّت المتابعةُ الثَّانية ـ وهي التَّعارفُ الحَضوريُّ، والتحقيقُ والوصولُ إلى الاطمئنانِ ـ إلى اتِّخاذ قرار، فإنّ حقيقةً أعمقَ من الرَّغبةِ تتشكَّلُ في الرَّجل أو المرأة، وهي الرَّغبةُ والطلبُ نحوَ الزواجِ نفسه، وإلّا فتنتهي الرَّغبةُ دون طلبٍ.

وباختصار، فإنَّ معنى “الخطبة” هو الإعلانُ عن رغبةٍ فقط، لا هو الرَّغبةُ والطلبُ معًا، وإن كان قد يؤدي إليها. ومن خلالِ هذا نستخلصُ النتيجةَ التي أصررنا عليها منذُ البداية، وهي أنَّ “الخطبةَ ليست إلّا اقتراحًا ومُحادثةً أوليّةً وتعبيرًا عن رغبةٍ ليُتبيّنَ ما إذا كانت هذه الرَّغبةُ ستولدُ طلبًا صريحًا أم لا. فالرغبةُ أمرٌ نفسيٌّ قد لا يصاحبُه فعلُ الطلب، في حين أنَّ الرَّغبةَ والطلبَ معًا أمرٌ إضافيٌّ وهو المطالبةُ بالأمرِ. وبعد هذه الأسس الأدبية والفلسفية، نجدُ الدليلَ اللغويَّ في أصل كلمة “خطبة” التي تعني في الأصل “طلب الرغبة” لا “طلب الطلب”.

لذلك، من الضَّروري في ملخصٍ عامٍّ أن نرسمَ تصوّرًا واضحًا حولَ أصل الخطبةِ، أسسها، ونتيجتها، لنتجنَّبَ أي غموضٍ أو اختصارٍ.

بعدَ إيجادِ الموضوعِ وجذبِ اهتمامِ فردٍ به، يبدأُ البحثُ الخارجيُّ من المحيطين، وهو بحثٌ غيابيٌّ ويُعدُّ من مقدماتِ الخطبةِ وليس منها، وقد يصاحبه بعض التواصل المباشر كالمشاهدة في المجالس والطرقات والأماكن العامة.

وبعدَ التأكُّد من هذا البحثِ الخارجيِّ، يبدأ الخطابُ الحقيقيُّ مع التَّعارفِ الحَضوريِّ وإظهار الرغبة، من خلال الاتصال بعائلةِ الطرفِ وطلبِ الإذنِ بالدخولِ إلى المنزلِ لعرض الأمر، بوضوحٍ ـ نريد أن نتقدّمَ للخطبة ـ وأحيانًا مع نوعٍ من التلميحِ أو الإخفاء حول رأي العائلتين. وهذه المرحلةُ، وهي التحقيقُ والتعارفُ المباشرُ وإظهار الرغبة، هي أصلُ الخطبة.

بعدَ ذلك، وفي حالِ تبادلِ الكلام، قد يتراجع أحد الطرفين أو كليهما، أو يطمئن أحدهما أو كليهما من تناسبِ الطرف الآخر لدرجةِ إعلانِ الرغبةِ في الزواجِ صراحةً خلالَ المجلسِ نفسه. وغالبًا ما يتمُّ ذلك في مجلسٍ آخر، ويتأجّل الردُّ إلى وقتٍ لاحق، حيث يكون ردُّ الرجلِ سلبيًّا يعني عدمَ المتابعة، وإيجابيًّا يعني المتابعةَ والاستفسارَ مرةً أخرى. وإن كان ردُّ المرأة سلبيًّا، فهذا هو نهاية الأمر، وإن كان إيجابيًّا، يتمُّ ترتيبُ مجلسٍ آخرَ لعرضِ الشروطِ العمليةِ واتخاذِ القرارِ النهائيّ. وفي حالِ عدم وجودِ مشكلاتٍ، تتم متابعةُ الزواجِ.

بالتالي، لا يجبُ اعتبارُ البحثِ الخارجيِّ الذي هو من مقدماتِ الخطبة، خطوةً من الخطبةِ ذاتها، كما لا يجبُ اعتبارُ الظروفَ الأساسيةَ التي تؤدّي إلى الزواجِ نتيجةً للخطبةِ.

الخطبةُ تبدأ فقط بدخولِ مرحلةِ التَّعارفِ الحَضوريِّ والمباشرةِ وإظهارِ الرغبة، وتنتهي بالاطمئنانِ واتخاذِ القرارِ بتكوينِ أو عدمِ تكوينِ هذا الرابطِ.

إذا سُئلَ عن تسمية كل مرحلةٍ، نقول: البحثُ العامُّ الخارجيُّ هو مقدمةُ الخطبةِ، والتعارفُ الحَضوريُّ وإظهارُ الرغبةِ هو الخطبةُ نفسها.

بالتالي، الخطبةُ تبدأ رسميًّا عندما يُطلبُ الإذنُ من عائلةِ الطرفِ بالدخولِ والتعارفِ الحَضوريِّ وإظهارِ الرغبة، وقد يكون هذا الطلبُ مصحوبًا ببعض الإخفاء.

التَّصحيحُ لبعضِ المفاهيمِ الخاطئة

غالبًا ما يُفهم الخطبةُ على أنَّه طلبُ الرَّجلِ الزواجَ من المرأةِ، لأنَّه يُعتقدُ أنّ الرجلَ هو الطَّالبُ والمرأةُ المطلوبة، وأنَّ المبادرةَ يجب أن تكونَ من الرَّجلِ، لما في ذلك من توافقٍ مع التقاليدِ والطبيعةِ. كما يُذكر في قصةِ آدم وحوّاء أنّ آدم هو المبادرُ بالقولِ “إليَّ إليَّ”، وحواء تردُّ “أنتَ إليَّ”.

ويُقال أيضًا إنّ المرأةَ كالوردةِ والرَّجلُ كالبلبل، والمرأةُ كالشمعِ والرَّجلُ كالفراشةِ، والرجلُ هو الطَّالبُ والمرأةُ هي المطلوبة.

لكنّنا نقول بصراحةٍ: لا يوجدُ دليلٌ علميٌّ أو دينيٌّ صريحٌ يدعمُ هذا التصويرَ الأحاديَّ الجانبِ للطلبِ في الخطبة. فالمرأةُ والرجلُ كلاهما طالبٌ ومطلوبٌ، مع اختلافٍ في طريقةِ التعبير، حيث يُظهر الرجل طلبَهُ بوضوحٍ، بينما يكون طلبُ المرأةِ أكثر كتمانًا، ويُظهرُ الرجلُ المطلوبيةَ بشكلٍ أقل، والمرأةُ المطلوبيةَ بشكلٍ أوضح. إنّه من باب التضاعفِ والتكاملِ في الأدوار، لا من باب الإقصاء.

بذلك، الخطبةُ هي اقتراحٌ أوليٌّ لإظهارِ رغبةٍ، قد تصدرُ من الرجلِ أو المرأةِ، مع اعتبارِ أنَّ كلًّا منهما قد يكون طالِبًا ومطلوبًا، وهذا ما يجعل من الضروري أن يتاحَ للمرأةِ حقُّ المبادرةِ.

من الخطأِ الشائعِ والمضرِّ في مجتمعنا أنّ المبادرةَ يجب أن تكونَ من الرجلِ فقط، فهل من المعيبِ أن تُبادرَ المرأةُ إلى عرضِ الزواجِ بهدوءٍ واطمئنانٍ دونِ أنْ يُفسَّرَ ذلك على أنه ضعفٌ أو إذلالٌ لها؟

قصيدَةُ الحبِّ والعشقِ

لا ينبغي أن يُنظرَ إلى الرجلِ والمرأةِ كزهرةٍ وبلبلٍ، أو شمعةٍ وفراشةٍ، لأنَّ هذه الصورَ لا تمثّلُ العلاقةَ الحقيقيةَ التي تقومُ على التوازنِ، الاحترامِ، والوعيِ الكاملِ.

أما قصة آدم وحواء، فإنها تُظهرُ حالةَ عشقٍ وتعلقٍ فطريٍّ وليسَ حالةَ خطبةٍ رسميةٍ، فقد كانت العلاقةُ بينهما عفويةً وعميقةً، ولم تكنْ طلبًا رسميًّا أو شرطًا مسبقًا كما هو الحالُ في الخطبةِ. الزواجُ بينهما لم يكن نتيجةَ بحثٍ أو تفاوضٍ، بل نتيجةُ انسجامٍ روحيٍّ وأصالةٍ تكوينيةٍ.

رقةُ المرأةِ ليست ضعفًا

المرأةُ تجسيدُ الرقةِ واللطفِ، وهذا لا يعني ضعفًا جسديًا أو نفسيًا. وقوّة الرجلِ لا تتعارضُ مع طلبه وتمنّيه. الرقةُ تكسرُ صلابةَ الرجل، وصلابةُ الرجلِ تُثبّتُ رقةَ المرأةِ. فلا ينبغي النظرُ إلى رقةِ المرأةِ كضعفٍ يُمكنُ أن يُخضعها.

اللهُ سبحانهُ خلقَ الإنسانَ ليكونَ مظهراً كاملاً للجمالِ، وخلقَ المرأةَ لتكونَ نورَ الحياةِ وبهجتها، فلا بدَّ من احترام هذا التوازنِ الكاملِ في العلاقةِ الزوجيةِ.

البَسمِ اللّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم

إليكَ الترجمة إلى العربية الفُصحى الرسمية بنمط أكاديمي للنصّ الذي أرسلته:

الشيطان، مع كونه ضالًّا، يُفقد كلّ ضالّ ماء وجهه ويُدمّر حياة أهل الدنيا. الإنسان هو سيّد الوجود وقائدُه، والمرأة، رغم أنها ليست كرجل أو شيطان، تُمزّق صدر الرجل وتُضعف صلابته الرجولية وتحطّم إرادته.

إذا كان لموسى اليد البيضاء، وعيسى يُحيي الموتى، وإبراهيم يحطّم الأصنام، فالمرأة هي كاسرة الرجال، وفي هذه المعركة غالبًا ما تنتصر إلا في صفوف الأبرار والأولياء الإلهيين.

الإنسان هو زهرة الخلق ونقطة التوازن في الكون، والشيطان يوسوس للجميع، والرجل يكسر كل صخرة بقلبه القاسي ويُذيب بسلاحته أشرس الأسود، لكن في النهاية هي المرأة التي تُهلك الرجل وتُقصي عنه كل قدرته.

جمال المرأة يكسّر صلابة الرجل، ورقتها تُزيل وقاره. بغمز حاجبيها، تُحلّل حزام رجولته، وبسهم رمشها تخترق قلبه الواسع، وتفتنه بتدلّلها ومغازلتها، فتجرّه برقة نحو الأرض وتُمحق هيبته بسهولة، حتى تصير كالغبار، وأحيانًا أقلّ من ذلك. وهي التي ارتقت ببعضهم إلى السماء، وفي ذات الوقت كانت مشعلةً لنيران كثيرين.

خلق الله المرأة لتكون رفيقة الرجل، ليُمسك بها الرجل، لتكون صخرة صبره، وملجأ روحه، وجمال وجوده، وحتى تكون قلبه وجرحه وشفاء آلامه.

رغم أن رستم تجاوز سبعة مخاطر، وعطار اجتاز سبع مدن، إلا أن آدم – أب البشر – لا يزال في معركة قلبه مع المرأة. فهذه المرأة هي التي مزّقت صدر الرجل وامتصّت روحه، وجعلت آدم في حيرة بلا قرار.

كم هو ساذج من يقول إن المرأة ضعيفة، وأكثر سذاجة من يقول إن هذه المرأة – تلك الصلبة كالصخر – ضعيفة!

فلذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)[165]
إن من دلائل الخلق أن الراحة والسكينة للإنسان تتحقق في وجود الشريك المتكافئ له، فالمرأة هي النظير الحقيقي للرجل.

ورغم أن القرآن يقول:
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ ضَعِيفًا)[166]
وأن مكيدة الشيطان ضعيفة:
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)[167]
وأن الله يضعف كيد الكافرين:
(إِنَّ اللَّهَ مُوهِـنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ)[168]
فإن كيد المرأة عظيم:
(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)[169]

تلك الحوريات المصريات اللواتي كنّ يبتسمن بسخرية أمام زليخا، ما إن رأين يوسف حتى بدأن بفعل ما لا شعوريًّا. زليخا ألقت به في السجن لتطهر نفسها، وصنعت من عذابه طريقًا إلى مرادها.

كل مكر هو في مواجهة مكر المرأة لا يساوي شيئًا، وكل حيلة في وجهها صغيرة جدًا، رغم أن الحق هو خير الماكرين:
(وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[170]
وأن مكره متين:
(إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)[171]
لكن كيد المرأة عظيم. ومتانة مكر الحق تظهر في جعله كيد المرأة عظيمًا بحيث إن كل رجل يرفع رأسه، تُشنق روحه على مشانقها، وتُهدَم أمواله وذريته.

الحق يعلم كيد المرأة كما قال يوسف:
(إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)[172]
وهذه المعرفة للحق، لا ليوسف فقط.

فالحق يكيد:
(كَذَٰلِكَ كَدَنَا لِيُوسُفَ)[173]
وإبراهيم يكيد:
(وَتَاللَّهِ لَا كَيْدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)[174]
والكفار يكيدون:
(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا)[175]
وإخوة يوسف يكيدون:
(فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)[176]
والشيطان يكيد:
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)[177]
والخونة يكيدون:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)[178]
والساحر وفرعون يكيدون:
(إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدَ سَاحِرٍ)[179]
و(مَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ)[180]

كلهم يكيدون، لكن كيد المرأة وحده عظيم ومهيب، رغم أن كيد الله متين لأنه هو الذي خلق كيد المرأة.

لو لم يخلق الله الإنسان، لما خضع الملائكة والجن والشيطان للاختبار، ولو لم يكن هناك شيطان، لما ظهرت مكانة الإنسان والملائكة والجن، ولو لم تخلق المرأة لما اختبر الرجل. فالمرأة تختبر في معركة واحدة مع الشيطان، والرجل في معركتين: مع المرأة والشيطان، مع فارق أن كيد الشيطان ضعيف كما وصفه الحق، أما كيد المرأة فكما نص القرآن عظيم وكبير.

لو لم تخلق المرأة، لما زاد ادعاء الرجل بألوهيته، لكن بما أنها خُلقت قال:
(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)[181]
فتخلق المرأة ليقل الكفر والشرك في حياة الرجل، ولتُعيد الرجل إلى موضعه، تضعه على ركبته وتطرح من حوله، تُمزق ثيابه وترميه إلى جانبها، ليرتاح قلبه المرتجف بذكر:
(سُبُّوحٌ قَدُّوسٌ رَبُّنَا وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ)[182]

لذلك، ينبغي التفكير بعقلانية وعدم ربط صلابة الرجل بضعف المرأة، بل يجب رؤية كل منهما في مجاله الخاص بعين الحكمة والعدل، والابتعاد عن الظلم والتحامل والمصالح الشخصية أو التقليدية. لا ينبغي الظن بأن روح المرأة الرقيقة وجسدها الناعم ضعيفان، فالمرأة ليست ضعيفة لا جسديًا ولا روحيًا، بالرغم من قوة وصلابة الرجل. لكن لا يجوز مقارنة الموقِعَتَين بشكل غير عادل أو دون مراعاة الخصائص المختلفة.

الخطبة ووصمة العار على المرأة؟

هناك من يقول: إن طلب المرأة الزواج من الرجل يُعدّ مخالفةً للهيبة والكرامة، ويُسبب لها الذلّ والمهانة، بحيث إن قبول الرجل لها على هذا الأساس يظل سببًا للإهانة طوال الحياة الزوجية، حيث قد يلومها على طلبها ويقول إنها لمّا طلبتني إلا بدافع الضعف أو الخطأ.

ومن جهة أخرى، إذا رفض الرجل طلبها، فإن ذلك يُحدث لها ألمًا نفسيًا وعاطفيًا يصعب تعويضه، فلماذا تُعرّض المرأة نفسها لهذه المعاناة بطلب الزواج؟

لكن هذه الفكرة، رغم ما تبدو عليه من منطق، ليست صحيحة إذا كان الطلب مجرد اقتراح مبدئي وليس تسليمًا بلا شروط. فالخطبة هي طرح مبدئي وفتح باب للحوار والبحث المتبادل، سواء من الرجل أو المرأة.

أما القول بأن الرجل قادر على تحمل الرفض من المرأة، والمرأة لا تطيق رفض الرجل، وأنه يجب فقط على الرجل أن يطلب الزواج، فهو قول غير صحيح، لأن رغبة كل فتاة وامرأة هي الحرية والشوق والحب، وهو ما يُمكن تحقيقه من خلال الخطبة كعملية تعارف متبادلة.

كيف يُعقل أن تُحرَم الفتاة أو المرأة من هذه المشاعر، وتُجبر على انتظار الرجل خلف الباب، لتقبل بأي عرض يأتِيها، حتى ولو كان غير مرغوب فيه، أو تعيش حياة بائسة؟

أليس الرفض من الرجل الذي لم يُقدّم الطلب هو نوع من الردّ السلبي؟ لأن في المرحلة الثانية – مرحلة الخطبة – المرأة تُعرض على الرجل، والرجل هو الذي يقرر القبول أو الرفض، وكلاهما يشارك في العملية بشكل متبادل.

إذاً، المشكلة في مجتمعنا هي تقليل دور المرأة في هذه المرحلة، وفي الواقع لا يجب أن يكون دورها هامشيًا أو سلبياً، بل دورًا واضحًا ومبدئيًا.

والحقيقة أن هروب الرجل من عملية الخطبة، سواء بشكل صريح أو ضمني، هو رفض للمرأة التي عرضت نفسها عليه، والفرق بين طلب الرجل وطلب المرأة في هذه الحالة ليس جوهريًا، فالمرأة هي الطرف الذي تُقدم له الطلب ويُقبَل أو يُرفض.

وبناءً عليه، إذا كانت الخطبة عملية تعارف متبادلة، فليس فيها إذلال أو إهانة، أما إذا كانت طلبًا أحادي الجانب، فهي سبب للتحقير والإذلال.

المأزق الشائع حول طلب الزواج من قِبَل المرأة

يقول بعضهم: إذا قامت المرأة بطلب الزواج في البداية وقبل الرجل، فإن المرأة تُصبح مهانة ومكسورة، لأن الرجل قد يقول لاحقًا: «أنتِ التي بادرْتِ إليّ، وأنا قبلتك من باب الرحمة».

الرد على هذا المأزق:

إن رفض الرجل في طلب الزواج هو رفضُ الاقتراح لا رفضُ طلب الزواج ذاته. وإذا قبل الرجل، وبناءً على المعنى الصحيح لطلب الزواج — وهو ظرف مطلوب وليس طلبًا بمعناه السلبي — فإنَّ مجال التفضل أو المنّ يصبح غير موجود، إلا في إطار الثقافة المريضة للمجتمع التي تجعل من ذلك ممكنًا حتى عندما يكون الرجل هو الطالب.

لذا، يمكن القول بشكل عام إن أصل الاقتراح والتحري والتبادلية في طلب الزواج لا يسبب أي مشكلة، خاصة وأن هذا الاقتراح لا يحدث بدون أساس أو بدون معرفة وجذب طبيعي بين الطرفين. أما مقاومة المجتمع واتهام هذا الأمر بالطبيعية أو المنطقية فهي في جوهرها مرتبطة بطبقات ثقافية مريضة وعميقة.

الكلام المستقبلي والمخاوف

قد يُقال: مع أن هذه الأقوال ليست صحيحة علميًا، إلا أنها قد تسبب مشاكل في مجتمعنا، وربما تُلحق الأذى بأسر عديدة نتيجة هذه الكلمات، وقد تمضي الحياة بصعوبة وخلافات ونزاعات؛ فما بالنا إذا كان الطلب من المرأة؟!

والرد على هذا القول: كما ذكرنا، كل هذه الأقوال سببها الثقافة المريضة للمجتمع. فلماذا مع كون الرجل هو طالب الزواج في مجتمعنا، ما زالت هذه المشكلات تحدث؟ إذًا، يجب أن يتغير ثقافتنا الاجتماعية، وأحد أسباب هذا التغيير هو إقرار مبدأ التبادلية في طلب الزواج. لذلك، يجب أن تزول هذه الأقوال مهما كانت أوهامًا ذهنية مريضة أو حقائق اجتماعية مرة، ويحتاج تحقيق ذلك إلى جهود كبيرة من المثقفين وأصحاب النفوذ.

كل كلمات التفضل والاستهزاء والعبث هي نتاج عقول مريضة ومرهقة. أما إذا تعاون الرجل والمرأة بتفاهم وإدراك في كل مجالات الحياة والمواقف الاجتماعية، فلن يبقى مكانٌ لهذه الأقوال، فالفهم والوعي يسهلان تجاوز هذه المشكلات، فلا فرق حينئذ بين أن يكون الطلب من الرجل أو من المرأة.

لا ينبغي أن تبقى المرأة جالسة مكتوفة الأيدي

إن القول بأن الفتاة تبقى في بيتها حبيسة أو مسجونة في بيت أبيها لا يعني أنها ليست عزيزة على والديها، بل هي عزيزة مهما كانت حالتها، فكيف إذا كانت ابنة كريمة؟ لكن إذا مرت فترة الزواج والفتاة لم تبادر بأي خطوة ولم تحرك ساكنًا، فإن ذلك البيت يصبح سجناً لها رغم محبتهم لها، لأن العزة لا تعوض ذل الحاجة، والفتاة تحتاج إلى الزواج، ولا يعوضها حب الوالدين.

في الحقيقة، كل من الفتيات والنساء والآباء والأمهات يحترقون تحت وطأة هذه المواقف السلبية والعادات الخاطئة التي تمنع نشاط المرأة في المجتمع. رغم أن الفتيات اليوم يخرجن إلى المجتمع أكثر من الماضي، إلا أن ضعف الثقافة والمشكلات الاجتماعية ترفع من سن الزواج.

أهمية استعادة موقع المرأة الاجتماعي الصحيح

إذا استرجعت المرأة مكانتها الاجتماعية الحقيقية وتعاونت مع المجتمع والرجال بشكل إيجابي، لن نحتاج أن تبقى الفتاة في الزاوية تنتظر من يأتيها، ولن تضطر العائلات للسؤال من هنا وهناك في سرية وخجل.

ففي مجتمعنا المريض، هناك الكثير من الشباب الباحثين عن فتيات مناسبة، لكنهم لا يجدونهن بسبب غياب معرفة حقيقية، وهذا ما يمنع تحرك الفتيات في المجتمع ويغلق أبواب الزواج عليهن.

خاتمة:

يجب كسر الطلاسم الاجتماعية التي تقيد الفتيات وتجعلهن مجرد سلع استهلاكية، والاعتراف بأن طلب الزواج هو مجرد اقتراح يمكن أن يأتي من الرجل أو المرأة أو من وسيط. ولا ينبغي لأي أحد أن يُهان أو يُحبط بسبب هذا الاقتراح.

ولا بد من العمل الجماعي على تصحيح الثقافة الاجتماعية لتمكين المرأة والرجال على حد سواء من التعارف الصحيح والاختيار الحرّ، مما يفتح المجال لحياة زوجية مستقرة وسعيدة.

في مجتمع الأمس، كان كثير من الأفراد قد لا يخرجون من قريتهم حتى بعد مرور مائة عام، ولا يعلمون أن هناك غير القرية فقط، وكان من الممكن أن يكون للأهل والأقارب والجيران تأثير في التعارف، لكن في المجتمع المفتوح والواسع اليوم، حيث لا يعرف الجار جاره، ويعيش الناس في تنقل مستمر بين المدن والأحياء، لم تعد هذه الطرق المحدودة في التعارف كافية، ولا يمكن ترك مسألة البحث والتعرف المتبادل بين الفتاة والشاب للقَدَر فقط.

الود؛ تصور جديد

ما لا ينكر هو الحضور المتزايد للفتيات في مجتمعنا اليوم، ولكنه من الضروري الإقرار بأن هذا النوع والكم من الحضور غير كافٍ. يستطيع مجتمعنا أن يجد حلولاً لمشاكله في مجال الزواج فقط إذا دخلت المرأة في ميدان العمل في جميع المجالات والأماكن المناسبة لها – مع مراعاة الحشمة الكاملة والاحتشام، وبدوام جزئي – وكان المجتمع الديني يتفهم هذه الحالة ويُساندها بوعي وبصيرة متفتحة.

يجب أن يصل المجتمع الإسلامي إلى درجة يمكن فيها للرجل والمرأة، في ظل الدين والتقوى، أن يؤديا واجباتهما جنبًا إلى جنب، بكفاءة وتنافس صحي، مع الحفاظ على العفاف والطهارة. لأن فرض الحشمة والطهارة بالقوة والتهديد أو بإخفاء النساء والفتيات عن أعين الآخرين لا يؤدي إلا إلى بقاء النساء في المنزل وظهور الفوضى الاجتماعية والثقافية، حتى ولو التحقت الفتيات بالمدارس والجامعات.

لا يمكن بناء مجتمع شاب صالح بالتخلي عن النساء والفتيات وإخفائهن والانطواء.

المجتمع الذي يغرس في اللاوعي الجماعي للكثير من أفراده نتيجة لهذا الإخفاء والتجاهل، الجشع والحسد والندم، لا يمكنه أن يجد أرضية حقيقية للصلاح والتقوى.

يجب أن يُستبدل الخداع والتهديد بالعطف، والتربية بدل القوة، كي لا يتحول شبابنا إلى التمرد بدلاً من الطاعة، ولتكون المعرفة والدين بمثابة الصفاء والصدق والفضيلة، ولتحقق الأسرة والبلد التوازن والطمأنينة مع السرعة والتقدم. ونسأل الله أن يتحقق ذلك قريبًا.

العقد الغير مباشر؛ تساهل الدين

حقاً، ما بين أحكام وتعاليم الدين الإسلامي الشريف وأخلاقنا وسلوكنا مسافة بعيدة، إذ إذا قدمت فتاة طلب الزواج لرجل، يُعتبر هذا سلوكاً غير لائق، رغم أن الفقه الشيعي العميق يجيز “العقد الفضولي” في الزواج مثل أي عقد آخر، حيث إذا تزوج أحدهم فتاة من غير إذنها أو زوّجها شخص آخر عن نفسه، وكان هناك رضا لاحق من الغائب (فتاة أو شاب)، يكون العقد صحيحًا ولا حاجة لإعادة الزواج.

هذا التساهل يعكس دعم الشريعة وحفظها للمؤمنين، ولا يشكل فرضًا أو تعديًا على الأفراد، إذ إن الموافقة اللاحقة تعادل الموافقة السابقة وتُعتبر إرادة وقرارًا من المؤمنين.

كم نحن بعيدون عن ثقافة ديننا! فمع أن بقاء الثقافة الدينية يستند إلى مثل هذا التساهل، لا نجد أي مثال له في مجتمعنا، ولا حتى من قبل بعض العلماء.

من الجدير بالذكر أن العقد الفضولي، مثل العقد العادي، يجب أن يستوفي جميع الشروط، وليس تعبيرًا عن تجاهل الأعراف والآداب.

فتيات مجتمعنا

كانت فتياتنا في الماضي القريب محرومات من حق الحضور في المجالس والمحافل، وحتى المساجد ومجالس العزاء، لأن المجتمع كان يعتقد أن ظهور الفتاة في المجتمع أو حتى ذهابها لمثل هذه الأماكن المقدسة ينافي الحياء والشرف. وكان يقال إن الفتاة المتدينة والمحجبة يجب أن تبقى في البيت وتصلي فيه، وإلا اعتُبر ذلك خروجًا عن الحشمة، وكأنها تذهب للبحث عن زوج!

يا لها من أفكار جامدة وقاسية تضر المجتمع وما زالت آثارها السيئة قائمة حتى اليوم. هذه الأمراض المزمنة التي إن استمرّت عفنة، تهدد الحياء وتذبل جذور العفة، حتى أصبح من الصعب المحافظة على حدودها، لأن هذه القيود الصارمة تدفع الفتيات للهرب والتمرد، وأصبحن عرضة للخطر في الشوارع، رغم تحمّلهن كل ما قد يصيبهن.

بكل تأكيد، هذا التمرد والهرب له أسباب نظرية وعملية، ولا يمكن حلها إلا بالاستفادة من ثقافة دينية حية وعملية، تسعى لهدم هذه الأعراف القديمة التي تُسوّق على أنها دينية.

وفقًا للثقافة الدينية الصحيحة، مع ظهور الرغبة في الرجل والجاذبية في المرأة، فالطلب من الرجل هو الأكثر قبولًا، لكن طلب الفتاة من الشاب لا يتعارض مع العفة أو الكرامة أو الاحترام.

طلب الفتاة من الشاب؛ لماذا لا؟

عندما تُدار المجتمع بمشاركة الجميع، من النساء والرجال، وتحصل المرأة على مراكز مناسبة اجتماعيًا، فبالمصادفة والمنطق، من خلال العلاقات الاجتماعية والعملية واللقاءات الدينية والثقافية، يتعرف الرجل والمرأة على بعضهما البعض بشكل طبيعي دون مشاكل، ولا يحدث أن تُثار أعمدة السماء أو تُنزل الآيات لمنع ذلك.

كما ورد في التاريخ، كان زواج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من السيدة خديجة (رضي الله عنها) بناءً على طلبها أو مبادرتها، وقد قال ابن هشام إن السيدة خديجة أظهرت رغبتها في الزواج به بسبب خلقه وحسن أخلاقه.

هذا الطلب من المرأة للرجل أمر طبيعي وفطري، والغرائز البشرية تعترف به، رغم أن طلب المرأة قد يظهر على شكل تودد والرجل على شكل حاجة، وكلاهما حاجة حقيقية.

لذلك، فإن طلب الزواج من الفتاة لا يناقض الطبيعة، وطرحه لا يسبب انهيار السماء على الأرض، وليس الزواج في حقيقته شراءً وبيعًا، رغم اختلاف الدوافع والأسباب لدى الطرفين.

كذلك، لا يُعتبر طلب الزواج من الرجل واجبًا، بل هو تعبير عن الحب والشوق والارتباط، حتى وإن كان الرجل هو الغالب في إبداء الطلب، فالمرأة يمكنها قبول الطلب برضاها.

إن الإصرار على رفض هذا الأمر استنادًا إلى أفكار غير سليمة لا أساس علمي ولا ديني لها.

ثمار الحب

في رؤية أوسع، يمكن للرجل والمرأة أن يعرضا أنفسهما لبعضهما البعض بشكل شرعي وصادق، وأن يعبر كل منهما عن محبته بصدق، دون أن يؤدي ذلك إلى طمع أو إذلال، لأن العين والقلب قد يقعان في المحبة بصدق، وفي هذه الحالة، الإخفاء والرياء أمر مذموم.

فما الضرر لو قدّمت امرأة أو رجل أنفسهم للمعشوق بصدق وعفاف، دون ذنب أو طغيان؟ هل يسقط السماء على الأرض؟ أو ينعم القلب بالطمأنينة؟

كل الحب هو صدق، والصدق هو تجلٍ للحب، والحب ينبني على الطهارة والإيمان والزهد.

الهبة في الحب

وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكد هذا الأمر في قصة المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وسلم) إن أراد أن يتزوجها بدون مهر.

قال تعالى:

{وَٱمْرَأَةًۭ مُّؤْمِنَةًۭ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنٓ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَـٰلِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]

وهذا الزواج الهبتي خاص بالنبي، ولا يجوز لغيره.

وقد تبيّن أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان له عدة أنواع من النساء المحللات، كما في الآية:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكْتَ يَمِينَكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَٰتِ عَمِّكَ وَبَنَٰتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَٰتِ خَالِكَ وَبَنَٰتِ خَالَٰتِكَ ٱلَّٰتِى هَٰجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةًۭ مُؤْمِنَةًۭ إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَـٰلِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]

وهذا يظهر تساهل الدين في بعض الأحوال، خصوصًا مع النبي، وأيضًا يعكس الحماية والحب والثقة في المرأة والرجل.

في هذا النقل ورد: «هذه المرأة الأنصارية زينت نفسها، وأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمام عائشة بوضوح وصراحة، وقالت بلا حياء ولا خجل: يا رسول الله، هل تحتاج إليّ وتختارني زوجة لك؟ ولم تنتظر جواب النبي صلى الله عليه وسلم، بل قالت: إني أهدي نفسي لك. فلما رأت عائشة ذلك الأمر، غضبت وانتقدت المرأة قائلة: ما هذا الطلب وهذه المبالغة في شهوات الرجال؟! فنصر النبي صلى الله عليه وسلم تلك المرأة وكبح عائشة وقال لها: يا عائشة اصمتي، هذه المرأة دلّت على إيمانها وولائها للنبي، وأنتِ قد جففت قلبك عني، وكنتِ لي بغير ود، وتؤذينني. ثم قال لتلك المرأة: رحمك الله، ورحم الله الأنصار الذين نصروني ونساءهم اللواتي يحببنني. اذهبي، رحمك الله. وفي هذا الشأن كنت أنتظر الوحي الإلهي».

وبعد هذا الحدث نزلت هذه الآية. وقد ورد هذا البيان أيضاً في تفسير «نور الثقلين» مع اختلاف في هذه العبارة «إذ زهدتن فيه» حيث تُذَم تلك المرأة من قِبل بعض نساء النبي، كما ورد في «الميزان» عند حفصة قوله: «ما أقل حياءك وجرأتك وشغفك…» مما يعزز احتمال صيغة الجمع المؤنثة «إذ زهدتن فيه».

وقد وردت العديد من الروايات التي تؤكد أن مثل هذه الزيجات الهبية كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث تتحقق دون مهر وعقد، فقط بهبة المرأة ورغبة النبي، كما ورد في عدة أحاديث في كتاب تفسير «برهان» في الروايات الثالثة والتاسعة والحادية عشرة التي تصرح بذلك.

سبع نقاط حول آية الهبة:

  1. الآية التي تتحدث عن الحلول جعلت للرسول صلى الله عليه وسلم سبعة أصناف من النساء حلالاً له: نساء بمهر، مثل نساء قريش وغيرهن من المهاجرين والأنصار، ونساء من الغنائم والأنفال، حتى الهبة من الحب. ومن الغنائم: «ماريه القبطية» والدة إبراهيم عليه السلام، ومن الأنفال: صفية وجويرية، وهما كانتا ملكتين للنبي وكانتا بدون عقد حلالتين له، لكنه فضّل تحريرهما ثم تزوج بهما.
  2. هذه الهبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وليست للمؤمنين الآخرين، كما في الآية: «قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم» بمعنى أن التحديد في عدد الزوجات والمهر للمؤمنين، في حين له توسع من باب العلم الحكيم ليتمكن من أداء رسالته.
  3. المهم في هذا البحث هو الزواج الهبي الذي يتم بدون مهر أو عقد، كما هو الحال مع «ملك اليمين» التي تُحدث المحرمية بدون عقد أو مهر، فيُفهم أن الزواج لا يكون فقط بالمهر أو العقد أو اللفظ، بل قد يتحقق بطرق أخرى، ويحل الله هذا للنبي فقط، ولو أراد للناس أجاز ذلك، لكن لم يكن من المصلحة التشريع لذلك.
  4. من الآية يتضح أنه لو أن الشريعة قبلت الهبة في الزواج للجميع، لكان الزواج الهبي أمراً واقعاً، ولكنه مخصوص للنبي فقط، لأن الزواج بدون مهر للناس غير صحيح شرعاً. وبالرغم من أن الزواج بالمهر القليل جائز ولا يفرق في الحب.
  5. ينبغي أن يُنتبه إلى كيف أن الحق في القرآن يبيّن أحكام الزواج والعلاقة الزوجية بصراحة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم دافع عن هذه المرأة أمام عائشة، وكيف تقدمت المرأة بصراحة دون خجل، وهذا يدل على مجتمع نقي ومتحرر مع حدود شرعية واضحة.
  6. الاستنتاج هو أن طلب المرأة للزواج من الرجل لا حرج فيه، كما طلب الرجل من المرأة، مع مراعاة الحشمة والشرع، والهبة من المرأة بعفّة لا مانع منها، مع ضرورة عقد صحيح ومهر ولو قليل.
  7. القلب والروح والعشق لا قانون لهما، والقوانين الشرعية فقط تحدد الطرق للوصول إليهما، وكل قلب له حق الطلب، مع وجوب مراعاة الشرع في الوسائل، وهذا لا يختلف بين النبي وغيره من الناس إلا في الأحكام والموقع.

بالتالي، إذا هبّت امرأة مؤمنة ذات جمال وشأن نفسها لرجل تحبه بمهر قليل، فلا حرج في ذلك، ولا ذلّ ولا إهانة، بل هو حب ونقاء، وليس ضعفاً أو ذلاً، وإنما المذموم هو الرياء والخداع والفقر الروحي.

لقد أجاز الله لنبيه، بلا رياء ولا خجل، عدة أصناف من النساء بمهر أو بدون مهر، كما قال تعالى في سورة الأحزاب: «يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أوجارهن»، فحلل له سبعة أصناف من النساء، بدءاً باللواتي أُعطين مهرهن، وحتى المرأة التي تهب نفسها بحب.

وهكذا خلق الله عبدَه المحب في كمال الطهارة مع توحيد الحق والعبودية، وتجلّى فيه الحب الصادق.

في الختام، ما نعانيه اليوم من غموض وكتمان وحياء مبالغ فيه يؤدي إلى فقدان الطهارة والنقاء في المجتمعات الإسلامية، مع أن الله قد أباح للهبة والحب والطلب المباشر، فما الذي يمنع المرأة أن تعبّر عن رغبتها في الزواج دون خجل أو رياء؟!

نأمل أن يتحقق تحول ثقافي ديني يعزز التفكير الحر الإسلامي ليأتي بالراحة النفسية الحقيقية مع العفاف الديني، وأن يسعى العلماء والمفكرون إلى تبيين الحقائق الدينية وإزالة الشوائب الباطلة.

أولًا: المصروفات التي تحدث أثناء إقامة الولائم في مراسم الخطوبة

هي مصروفات معقولة أو إسراف وتفويت مالي يتم بملء الرضا خلال إقامة تلك المراسم. هذه المصروفات لا يترتب عليها تعويض أو استرداد بالمثل أو بالقيمة، لأنها تُبذل أو تُفوّت برغبة واختيار.

ثانيًا: الهدايا والأشياء المتبادلة التي تفوّت قسرًا وفقدت

هذه أيضًا لا تخضع للتعويض أو الاسترداد سواء بالمثل أو بالقيمة.

ثالثًا: الأشياء التي تُهدى من قِبل الشاب أو الفتاة أو الأقارب للطرف المقابل

تخضع هذه الحالة لحكم الهبة، فإذا طلب أحد الطرفين استردادها وكان الشيء لا يزال موجودًا، يجب إعادتها. ومع ذلك، هناك تفاصيل وأحكام خاصة كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

ضرورة الانتباه إلى الأعمال التي لا تستند إلى وضع شرعي أو التزام ديني أو قانوني

من الأفضل ألا يتم العمل بما لا أساس شرعي أو إلزامي له، ولا يُعطى شكل التقاليد والعرف.

من أشهر هذه التقاليد العرفية التي لا قيمة شرعية لها وتحمل مخاطر كبيرة هي مراسم الخطوبة. للأسف، في هذه المراسم تتوطد العلاقات بين الشاب والفتاة قسرًا، ما يؤدي إلى وقوع مشاعر غير مناسبة وبعض الذنوب، ومع الوقت تتفاقم العيوب وتظهر بوضوح، مما يهيئ الأرضية للاضطرابات والمشكلات التي قد تصل إلى الطلاق أو البغضاء.

لذا، من الأفضل قبل تقديم الطلب الرسمي للزواج، أن تتم دراسات واستقصاءات دقيقة، وأن يتقدم الطرفان للزواج الشرعي بنية واضحة، سواء تم العقد في فترة قصيرة تظل فيها الفتاة في بيت والدها، أو تم الزواج دفعة واحدة. ومن الأفضل ألا تطول فترة الخطوبة لتجنب مشاكل غير متوقعة يصعب حلها.

اللقاء الأول

أساس الزواج المقدس، هذه الوحدة الروحية، يبدأ غالبًا بطلب الخطوبة بعد التعارف الأولي. هذه الحكمة الإلهية تسمح للرجل والمرأة بالاقتراب بحرية ورغبة وشوق إلى الوصال، فيجعل الزواج تجلِّيًا لجمال الحق في حياة خالية من السأم والانعزال والجمود.

الشريعة الإسلامية تهتم حتى قبل انعقاد النطفة بطهارة وصحة الوالدين، لضمان ولادة إنسان صالح وسليم.

الإسلام يقدم إرشادات دقيقة وعميقة وبسيطة في اختيار الزوجين، لخلق أسرة سليمة ومستقرة. هذه التوجيهات هي لخير وصلاح الأبناء، ويجب أن يأخذها الآباء والأمهات على محمل الجد.

أهم التوصيات لاختيار الزوج

  1. يجب أن يكون طالب الزواج راغبًا بصدق ومحبة ودون مصلحة أو إكراه، وأن يحترم الطرفان كرامة وعفة بعضهما البعض.
  2. لا يجوز اتخاذ قرار الزواج دون تحقيق ومعرفة دقيقة بالجانب الديني، الأخلاقي، الثقافي، والظروف الأسرية، لأن الكثير من المشاكل تنشأ بسبب نقص المعرفة.
  3. يجب ألا تكون المظاهر المادية أو الزينة المادية أساس اختيار الزوج، بل يجب التركيز على جوهر الإيمان والأخلاق والعفة والكرامة، مع الاعتراف بأن ظروف الحياة والاقتصاد أمر مهم لتجنب المشكلات لاحقًا.

تنبيه للرجال

لا يجوز التهاون في اختيار الزوجة. قال الإمام الصادق (عليه السلام):

“انظر أين تضع نفسك ومن تشركه في مالك وتطلعه على دينك وسرك.”

الزواج هو ربط الروح بحياتك ومستقبلك وأسرارك. يجب اختيار الشريكة بعناية كبيرة.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام):

“إنما المرأة قلادة فانظر إلى ما تقلده.”

هذا الكلام موجه للرجال، لكنه ينطبق أيضًا على النساء في إطار المشاركة في الأخلاق والكرامة.

لا يجب أن يقتصر الاختيار على المال أو الجمال فقط، بل الأصل هو النسب، النجابة، التدين، التقوى، والمكانة الاجتماعية والثقافية.

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

“من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم يرَفْعها ما يحب، ومن تزوجها لمالها، لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين.”

وقال أيضًا:

“لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرد بها، ولا لمالها فلعل مالها يطغيها، وانكح المرأة لدينها.”

الجمال والمال لهما قيمتهما، لكن الاعتماد عليهما فقط مذموم.

تنبيه للفتيات

ينبغي للفتيات وأولياء أمورهن ألا يربطن اختيار الزوج بالمال والجمال فقط، وأن لا ينسين الدين والأخلاق، وإلا فإن الله قد يتركهن ويمنع عنههن رحمته.

من أهم صفات الزوج الصالح: التدين، الأمانة، حسن الخلق، العفة، والمال بما يفي بالغرض.

التدين شرط صحة الزواج، والصفات الأخرى شرط كماله.

من الأفضل أن لا ترفض الفتاة طلب الزواج من شاب عفيف وحسن الخلق، ولا تبقى في بيت والدها تنتظر الرجل المثالي الذي قد لا يأتي، لأن ذلك يؤدي إلى معاناة الوحدة والخيبة.

الخلاصة

الإيمان والأخلاق الحسنة هما أساس الحياة الزوجية، بدونهما تصبح الحياة باردة وخالية من الروح.

قد يكون هناك زوجان فاسقان لكن بحسن الخلق والتوافق يعشان حياة هانئة، ولكن الإيمان بدون أخلاق كالهيكل الخالي من الروح، وغيابهما يحول الحياة إلى جحيم.

الأبوان! القسر لا!

للآباء والأمهات مسؤولية عظيمة في كيفية اختيار زواج أبنائهم. يجب عليهم أن يجعلوا الصفات المذكورة أساس اختياراتهم وأن يحرصوا على معرفة من سيطيع ابنتهم في المستقبل، ومن سيعيشون معه مدى الحياة؛ وكيف ستكون الأم بالنسبة لأولادهم، ومن سيؤتمن على أسرار العائلة، ومن سيُسند إليه دين ودنيا أبنائهم. هذه المسؤولية كبيرة جدًا، إذ إن أبًا إن زوج ابنته بخمرٍ أو مدمن خمر، فإنه من وجهة الشرع المقدس يكون قد قطع رحمها، وكأنه أرسلها إلى الزنا؛ لأن مدمن الخمر لا يهاب من ارتكاب المعاصي وخرق حجاب الحياء والعفة بينه وبين خالقه.

مع كل ذلك، يجب الانتباه إلى أن الأب والأم لا ينبغي أن يفرضوا شخصًا من اختيارهم على البنت أو الولد، مهما كانت رغبتهم مناسبة وملائمة، لأن الزواج يجب أن يتم بكامل الحرية والاختيار وممارسة الذوق الشخصي، والذوق يختلف كثيرًا بين الأفراد، فلا يجوز للأب أو الأم فرض خيارهم على أبنائهم. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يعتبر الأبناء أنفسهم في غنى عن مشورة ونصيحة الوالدين. في النهاية، الإكراه ليس له وجه شرعي ويجب تجنبه تمامًا.

قال الإمام الجواد عليه السلام في جواب رسالة:
“كتبت إلى ابن جعفر الثاني أسأله عن النكاح، فكتب إليّ: من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته، فزوجوه من كان.”

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.”

وقال الإمام الصادق عليه السلام:
“الكفو أن يكون عفيفًا وعنده يسار.”

في هذا الحديث، أساس الحياة السليمة هو التناسب بين الرجل والمرأة في الصفات والقدرات اللازمة للحياة، فإن غياب أي منهما يوقع المشاكل التي قد تُنهك الإنسان. وقد لا تكون القدرات المادية أمرًا ثابتًا، فقد يكون الغني محتاجًا، والفقير غنيًا، لكن التناسب الطبيعي هو الأكثر دوامًا، لذلك يجب أن يهتم الرجل والمرأة أكثر بالكفاءة والتناسب في اختيار الزوج أو الزوجة، سواء في الصفات الظاهرة أو الخصائص الأخلاقية، لأن عدم التناسب قد يجعل حتى الصفات الحسنة مضرة.

وقال الإمام الصادق عليه السلام:
“من زوج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها.”

رغم أن هذا الحديث قد يشير إلى أضرار جسدية ووراثية، إلا أنه أكثر تعبيرًا عن الجوانب الروحية، لأن مدمن الخمر يضر نفسه وسعادته، ويشوه نسله ويبعده عن الصحة والنقاء.

وقال الإمام الصادق عليه السلام:
“ليس شارب الخمر أهلاً أن يزوج وأن يؤتمن على أمانة، لقوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}.”

تكمن أهمية هذا الحديث في وصف مدمن الخمر بالسفيه وعديم العقل، فالخمر تهدد عقل الإنسان وأمانته، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
“فرض الله… وترك شرب الخمر تحصينًا للعقل.”

ومن هنا، يمكن القول إن مدمن الخمر الذي يعاني من نوع من الحرمان العقلي، لا يصلح لإدارة الأسرة وتأمين سلامتها وسعادتها.

المعاطاة وأصل الاحتياط

قد يُثار اعتراضٌ مفاده أن الحكم بالمعاطاة في النكاح يخالف مبدأ الاحتياط الشرعي.

وفي الردّ على ذلك، يجب القول: إن الحكم بالمعاطاة في النكاح لا يعدو كونه وسيلةً لتيسير الأحكام، وامتنان في تطبيقها، وتقليل المعاصي، وتوسيع دائرة الاستفادة العملية في سبيل إصلاح الأمور بالنسبة للدين وللناس. وإلا فإن عقد الزواج، لا سيما باللفظ العربي، لا يعاني من أي مشكلة، بل هو أفضل بهذه الطريقة. إلا أن المسألة المهمة تكمن في: هل هذه الشروط الزمانية والكيفية ضرورية وملزمة بالدليل، أم لا؟

هل من شأن هذه الأحكام، خصوصاً في النكاح المؤقت، أن تخلق عُسرًا ومللًا من الدين، وتفتح مجالات الحرمان لأهل الدين؟

ولماذا يجب أن يُفرض على الناس العسر والصعوبة بسبب الأمور الاستحسانية والاحتياطات غير الضرورية والأوامر المقيدة؟ ولماذا نحصر دائرة التكليف والواجبات بشكل يجعل الالتزام بالدين والسلوك الإسلامي يُصبح حالة عسر وحَرَج وثقل؟

السؤال إذًا: ما الدليل على وجوب هذا الاحتياط، مع أن الموضوع من باب الشك في التكليف، والذي ينبغي معه أن يُعتَبر البراءة وليس الاحتياط؟ خاصة وأن الأحكام الشرعية القطعية والقاعدة العقلائية تدلّ على عدم الحاجة إلى مثل هذه الشروط.

وفي هذا المقام يُثار سؤال آخر: إذ توجد أدلة على المعاطاة في أبواب فقهية أخرى، هل يمكن الاستشهاد بأدلة مماثلة في باب النكاح؟

والجواب: نعم، ذلك ممكن، ونستشهد في هذا المقام بحديث من الروايات. ومن الممكن تقديم شواهد أخرى، ولكننا لسنا في مقام التفصيل.

الروايات والنكاح المعاطاتي

قضية حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) والخليفة الثاني (عمر بن الخطاب)

روى ابن كثير عن الإمام الصادق (عليه السلام) روايةً نعرض عليها تحليلاً مختارًا:

حضر امرأة إلى الخليفة عمر بن الخطاب واعترفت بالزنا وطلبت منه تنفيذ الحد عليها. حكم الخليفة بالرجم دون تحقيق أو تمحيص. وصل الخبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان رغم محدودية سلطته، يراقب الخليفة ويسعى لتصحيح أخطائه. سأل المرأة: “كيف زنيت؟” فأجابت بتفصيل قصتها: كانت في الصحراء، أصابها العطش الشديد، طلبت ماء من رجل، فلم يعطها إلا مقابل أن تخضع له. رفضت أولًا، لكنها استسلمت لعطشها.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«تزويجٌ ورب الكعبة»؛
بحلفه بالله، هذا هو الزواج!

وهذا يوضح أن النكاح المعاطاتي هو تبادل المنفعة، التمتع مقابل شيء، كالماء في هذه القصة، دون الحاجة لعقد أو صيغة لفظية.

الإسلام وخصائصه: الرحمة والامتنان

في هذا النقل يجب الانتباه إلى عدة نقاط:

  1. المرأة اعتبرت الفعل زنا لأنها كانت تعتقد أن النكاح لا يكون إلا بالصيغة المعروفة السعيدة، كما ظن الخليفة.
  2. الإسلام دين امتنان وتيسير، يهيئ للمؤمن أسباب عدم العصيان ويقلل من المعاصي، ولا يجب أن يُصوَّر الدين على أنه حصري للعلماء والأكابر فقط.
  3. من الصعب قبول الحقائق المخالفة للعادات بسهولة، لذا استخدم أمير المؤمنين القسم برب والكعبة، رمزَي القداسة والحق، لتأكيد موقفه.
  4. تصريحه بأن هذا تزويج لا ينفي وجود أشكال أخرى من النكاح.
  5. هذا النقل يظهر كيف أن الدين يرمي إلى التيسير لا التشديد.
  6. يظهر الفرق بين تعاطف أمير المؤمنين (عليه السلام) ورأي الخليفة المتصلب والمتسرع.

الرد على الاعتراض بأن الحكم بالرجم يعني وجود زوج

الجواب: لا، إذ أن اعتراف المرأة لم يكن موضع سؤال، ولا يعني وجود زوج بالفعل. وإذا كانت المرأة متزوجة أصلاً، لما قال أمير المؤمنين: «بهذا القسم، هذا تزويج». الظاهر أن المرأة ظنت أنه زنا، وأمير المؤمنين أنكر هذا الظن.

أدلة من باب المتعة

لزيادة التوضيح، نستشهد بأحاديث من باب المتعة، التي تؤكد أن المتعة تتوقف على “تحديد المدة” و”المهر” فقط، ولا يشترط فيها لفظ عربي أو صيغة معينة.

روى زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن المتعة تعتمد فقط على هذين الشرطين.

وأيضًا في رواية أخرى، يقول الإمام: “نحن نتفق على ما شاء من الأجل.”

المتعة والمعاطاة من حيث الجوهر والمضمون لا تختلفان، بل تختلفان في الشكل والصفة التي ينظمها الشرع والعقل.

خلاصة

  • النصوص لا تشترط لفظاً معيناً أو صيغة عقدية محددة للنكاح، بل تكفي الرضا والاتفاق على شروط الزواج.
  • من الأفضل أن تتبنّى المجتمعات الدينية، خاصة العلماء والحوزات، توجهًا يزيل التعقيدات غير الضرورية، ويُعيد للدين هيبته كدين رحمة وسهولة وطهارة.
  • يجب ألا تُكبّل العادات والممارسات التقليدية المجتمع بمقيدات تجهد الناس وتبعدهم عن الدين.
ChatGPT said:

البطاقة الشرعية لزواج البكر

شرط إذن الأب في الزواج يكون خاصًا بالبنت البكر، أي التي تتزوج للمرة الأولى. فإذا تزوجت البنت ثم فقدت بكارتها بسبب حادث أو ارتباط شرعي أو غير شرعي، لم يعد إذن الأب شرطًا في زواجها، لأنها لم تعد بكرًا خامًا بل أصبحت ذات خبرة وتجارب سابقة تمكنها من اتخاذ قرار عقلاني مستقل بشأن حياتها المستقبلية. مع أن استشارة الأب تبقى مفيدة لها دائمًا.

قد يُطرح هنا سؤال: هل فقدان البكارة يعني بالضرورة اكتساب الخبرة الزوجية؟ خصوصًا أن الفقد قد يحدث لحظة واحدة دون أن ترافقه نضج أو تجربة فعلية. رغم ذلك، في حالات مثل الأرملة التي فقدت زوجها بالطلاق أو الوفاة، يحمل الفقد خبرة عملية. لكن عمومًا لا يمكن القول بأن الفقد وحده هو معيار الخبرة. يُحتمل أن يُقبل هذا باعتباره حكمًا شرعيًا مبنيًا على التمسك بكلام الشارع.

وفي الرد على هذا السؤال نلاحظ:

  1. فقدان البكارة غالبًا ما يرافق الزواج، وهو دليل عقلاني عام على مرور البنت بتجربة حياة زوجية، ولو كانت محدودة.
  2. رغم أن الفقد قد يحدث خارج إطار الزواج، إلا أن القانون يراعي القاعدة العامة وليس الحالات النادرة، لأن القوانين تعتمد على العموميات وليس على الاستثناءات.
  3. الفقد بأي سبب يزيل حالة العذرية، وهي دليل الطهارة التي لا تتكرر، لذا فإن إذن الأب يرتبط بحالة البكارة وليس بحالات الفقد اللاحقة.
  4. المبادئ الحياتية والاجتماعية تقوم على المعايير العقلانية، ولا يُقيد الإذن إلا في الأمور العبادية.

يجدر التنويه أن إذن الأب محترم طالما يكون لمصلحة البنت وخيرها، أما إذا كان رفض الأب قائمًا على أسباب شخصية أو جهل، ولا يخدم مصلحة البنت، يُلغى شرط الإذن. وفي كل الأحوال، رضا البنت شرط أساسي في الزواج، ولا يجوز إجبارها على زوج غير مرغوب فيه، لأن العقد في هذه الحالة باطل.

البنت الذكية!

روى أن بنتًا اشتكت للنبي صلى الله عليه وسلم من أن أبيها زوجها دون رضاها، فأمرها بالرضا. لكنها قالت: لا أحب هذا الزوج ولا أريد أن أكون زوجته. فأذن لها النبي أن تختار زوجًا آخر. حينها قالت: يا رسول الله، أنا أحب هذا الزوج ولا أريد غيره، لكني أردت أن أوصل لأهل النساء أن لا يجبر الآباء بناتهم على الزواج بدون رضاهن.

من هذا الحديث نستفيد:

  • الأصل في الزواج رضا الطرفين، والبنت هي الفاعل الحقيقي.
  • لا يجوز للأب أن يفرض إرادته على البنت.
  • الزواج بالإكراه باطل ولا يوجب المحرمية، ويمكن للبنت الانفصال بدون طلاق.
  • في المجتمعات الدينية المفتوحة، يحق للمرأة والدفاع عن حقوقها باحترام.
  • قول النبي «فجعل النبي أمرها إليها» يدل على أن البنت لها القرار النهائي في الزواج، وليس للأب سلطة مطلقة.
  • رغم ذلك، في مجتمعنا الحالي، بسبب المشكلات والأخطار التي تواجه الفتيات، لا يُنصح بالتصرف دون استشارة الأسرة.
  • فرض الآباء آراءهم يؤدي إلى تمرد الشباب، والعكس صحيح، إذ توفير الحرية والفرص هو الحل.
  • الغضب والتمرد صفات نفسية طبيعية للشباب ويجب التعامل معها بحكمة.
  • الحب والميول الشخصية هما أساس الحياة الزوجية السعيدة.

الزواج هو اتحاد روحين وتجلٍ للشوق والحب، ولا يتحقق إلا بهما. العقد هو إعلان رسمي لهذا الحب والشغف. القلب الذي يخلو من الحب هو كالقلب الميت، والمجتمع بدون حب هو مجتمع فاقد للحيوية.

يجب أن يشجع الجميع على الحب والشوق في حياتهم، ويجعلوا ذلك أساس التربية والمعرفة والعمل. الحب هو النادي الأفضل، والمسجد الأفضل، والبيت الأفضل، وهو الأساس في تكوين حياة زوجية صحية.

وأخيرًا، الزواج الحقيقي يجب أن يكون مبنيًا على الحب الحقيقي والاختيار الحر، وليس على الإكراه أو المصلحة المادية أو الاجتماعية.

الفصل الثالث: عقد الزواج وألفاظه

أحد الانتقادات الحديثة هو كيف تصبح الأشياء محرمة أو مباحة بمجرد النطق بكلمات عقد أو طلاق. هل الكلمات وحدها تغير الواقع؟ هل الحلال والحرام مجرد اتفاق اجتماعي أم لهما وجود حقيقي؟ هل الكلمات مجرد شكل قانوني أم تحمل جوهرًا وحقيقة فعلية؟ ما هي طبيعة وأهمية هذه الكلمات في الزواج؟

بعض الناس يرون أن الحلال والحرام هما مجرد اعتبارات اجتماعية ولا وجود حقيقي لهما، وهذا ما سنتناول تحليله لاحقًا.

في الرد على هذا الوهم، لا بدّ أوّلاً من الانتباه بدقة إلى حقيقتين علميتين – فلسفيتين: تصنيف الموجودات وموقعها الوجوديّ في علاقتها بالواقع الخارجي.

ينبغي تقسيم الموجودات بشكل عام إلى أربعة أقسام:

الأول: الأمور الحقيقية والحقائق العينية؛
الثاني: الواقعيات الخارجية؛
الثالث: الاعتبارات الصادقة؛
والرابع: الاعتبارات غير المؤسّسة.

القسم الأوّل هو الأمور الحقيقية، والذات الخالصة، والحقائق الواقعية التي لها أسمى موقع وجوديّ، وتشمل من حضرة الحق تعالى إلى جميع المعنويات العينية – المجردة.

القسم الثاني (الواقعيات العينية) بالرغم من أنّ لها معيارًا خارجيًا، فقد تفتقر إلى الحقيقة، بل قد تكون باطلة مثل وجود الظلم والعدوان أو الشرك والإلحاد.

القسم الثالث (الاعتبارات الصادقة ذات النظرة الذهنية) إذا كانت لها معيار حقيقي أو واقعي، ولها أساس خارجي ومنشأ استنتاجي، فإنّها تحظى بموقع حقيقي، مثل كلّ القضايا التي تعبر عن الحقائق والأمور الخارجيّة.

القسم الرابع هو القضايا التي لا تمتلك مثل هذا المعيار، وتُعدّ من الخرافات والابتكارات الذهنية التي لا تقوم على أيّ أساس حقيقي سوى موقعها المفهومي.

المعقولات الأولى والثانية:

تقسّم الموجودات من جهة موقعها الوجودي إلى أربعة أقسام:

أ) المعقولات الأولى؛
ب) المعقولات الثانية الفلسفية؛
ج) الهويات المنطقية؛
د) المهملات الذهنية.

القسم الأول هو الموجودات الخارجية التي يتحقق إدراكها من خلال الذهن؛ فالمعقولات الأولى هي أوصاف علمية للحقائق والواقعيات العينية الخارجية.

القسم الثاني، المعقولات الثانية، هي معقولات علمية للأشياء، وإن كان العروض الذهنيّ فيها اتصافًا خارجيًا، فهي معقولات ثانية فلسفية ولها معيار حقيقي خارجي وتمثّل اعتبارات عينية للأشياء، وإن كانت اتصافاتها ذهنية فتكون أصولًا وقواعد منطقية تنتمي للقسم الثالث، وإذا لم تكن التصورات الذهنية صحيحة المعيار، فهي مهملات ذهنية وتنتمي للقسم الرابع.

العقد؛ أمرٌ واقعي

بعد بيان هذين التمهيدين، يُقال: العقد والنكاح الشرعيّ هما من المعقولات الثانية الفلسفية، ومع أنّ لهما عروضًا ذهنية، إلا أن اتصالهما خارجي، وبالمقارنة مع المعقولات الأولى، يُعدّ خارجًا ثانيًا، على غرار المعقولات الأولى التي تُعدّ خارجًا أوليًا. ورغم عدم استقلاله الوجوديّ الكامل في الخارج، فإنه ذو وجود خارجي سواء في ظرف الاتصاف (حقيقة النكاح) أو ظرف الدلالة (هوية العقد). فالوثيقة والدال عليه أيضًا يُعتبران خارجيين، ولا يُعدّ العقد من المهملات أو الأكاذيب أو الخرافات؛ إذًا فإن حقيقة النكاح أو العقد واسم الدلالة عليه ليس أمرًا مبتذلًا ولا بلا أهمية.

نعم، من خلال التحليل المنطقي الصحيح والتنظيم الفلسفي السليم، والتعرف على مرتبة وجود كل قسم مع خصوصياته المختلفة، يمكن التوصل إلى فهم دقيق وعميق للحقائق الدينية والأحكام الإلهية.

فالأمور الواقعية، رغم واقعيتها وكونها خارجية، وتمتلك قيمة ووجودًا، قد تفتقر إلى قيمة حقيقية وثابتة؛ مثل تلك التي تنتمي إلى القسمين الذهني والاعتباري، التي لها معايير صحيحة ومنطقية وإن كانت جميعها من الواقعيات، إلا أنها لا تنتمي إلى مرتبة الواقعيات الخارجية، ولكنها ليست مهملات ذهنية أيضًا، بل لها موقع علميّ وواقعيّ مناسب.

لذلك، الأمور الواقعية لا تختزل في نطاق الواقعيات الخارجية فقط، بل الاعتبارات، والقوانين العقلائية، والأوامر الشرعية، والأحكام القانونية هي حقائق ذات جذور في كثير من الواقعيات.

وكما يمكن أن يكون الأمر واقعيًا وحقيقيًا، أو واقعيًا وباطلًا، أو اعتباريًا ذو معيار حقيقي، أو اعتباريًا بلا معيار حقيقي – مثل المهملات – كذلك كلّ المجردات والمعنويات من حضرة الحق تعالى إلى الطهارة والخيريات الأخرى، تجمع بين الحقيقة والواقعية، لكن الظلم والعدوان والقبح رغم واقعيّتها وشعور الناس بها لا تعدّ من الأمور الحقيقية بل واقعيات باطلة.

وكذلك كلّ القوانين والموازين العرفية والدينية، رغم كونها اعتباريّة، تُعتبر واقعية وحقيقية، وكل الأحكام والقوانين ملموسة في اعتبارها، بخلاف الاعتبارات التي تُنتجها الذهن فقط ولا تأثير لها خارجًا، كخيال شخص يظن أنه يملك جناحين أو أكبر من جبل أو أصغر من إبرة. كل هذه الأمور لها وجود ذهنيّ فقط ومنظورة ذهنيًّا، لكن الحقيقة الواقعية الحقيقية تخصّ الخارج، والذهن هو حقيقة خارجيّة بمعنى مختلف، إذ إن الخارج هو خارج خارجيّ، والذهن وذهنية الفكر هي خارج ذهنيّ، سواء كانت ذهنية صحيحة أو خاطئة؛ لأن معيار الصحّة والباطل يعود إلى الخارج، وليس للوجود الذهني أي فرق فيما يتعلق بالخارج.

الرد على الإشكال:

العقد؛ عنوان دالّ

بعد هذين التمهيدين، في الرد على الإشكال يُقال: حقيقة النكاح وألفاظه في الشريعة الإسلامية وأي شريعة أخرى، أو أي أمر يُستخدم بدل العقد والألفاظ في شعوب وأمم مختلفة، لها جوانب متعدّدة تشرح بإيجاز.

الأصل في النكاح والزواج وحقيقته – وهي العلقة والود والمحبة والاتحاد وآثاره مثل المؤانسة والتكاثر والثمرات الأخرى – كلّها من الواقعيات الخارجية ولها حقيقة. والألفاظ والعبارات التي تُستخدم في عقد النكاح أو أي قول أو فعل آخر يدل على تحقق النكاح بين الزوجين هي عناوين دالة على النكاح والارتباط الخارجي، ومُعنونة ومعبّرة عن مصداقها.

عندما يشعر الرجل والمرأة بالقرب والمحبة، يلزم لتعبير هذه الحقيقة الخارجية بينهما وبين الناس عنوان دالّ، وهذه الألفاظ والعبارات تدلّ على تلك الحقيقة.

فالألفاظ عند وجود القصد الإنشائيّ والجديّة والشروط الخارجية مصاحبة لها تدلّ على تحقيق الزواج والنكاح، بحيث تكون هذه الألفاظ عنوانًا دالًا وموقعًا ظاهريًا لجميع آثاره وثمارها، ولها لغة تعبّر عن جميع هذه الحقائق الواقعية والواقعيات الحقيقية.

لذلك، الزواج ليس مجرد ألفاظ، وهذه الألفاظ وحدها لا تفسّر الأمر، بل لابد من وجود القصد والإرادة والجديّة ليُشهد بذلك واقعًا خارجيًا. حينئذٍ، ورغم كون العقد من ناحية موقعه عنوانًا دالًا وذهنياً، فإنه يتخذ صورة خارجية.

نعم، دون وجود الرجل والمرأة وما يرتبط بهما من مشاعر وأمور لازمة، لا يؤدّي العقد كلفظ فقط إلى شيء، ولا ينتج أثرًا بلا إرادة وقرار، وإنّما بدون أداة دالة ووسيلة للتعبير عن المعاني لا تكتسب التوجه الخاص، والزواج لا يتحقق بدون عنوان دال، ولا يحصل على معيار عرفي وعقلي.

لذلك، في المجتمع يجب أن يكون لكلّ أفكار وأفعال الإنسان لغة واضحة ومحددة، ولهذا السبب وضعت الشريعة لغة خاصة وشروطًا وخصوصيات من أجل وضوح الأفعال والسلوكيات وعدم الإبهام، فمثلاً: العقد بالإكراه والضغط لا يُعتبر صحيحًا، والعقد بدون قصد الإنشاء لا أثر له، والعقد الذي لا تتفق خصوصياته وملحقاته الخارجية مع الحقيقة لا يثمر.

فالعقد والنكاح الشرعي بكافة خصوصياته وشروطه يمكن أن يكون عنوانًا حقيقيًا للنّكاح الواقعي وبيانًا للحدود الواضحة لأمر حقيقي وواقعي. هذا الأمر ليس مبتذلاً ولا بلا أهمية، ولا ينكره إلا بدون دليل، ولا يحتاج إثباته إلى جهد كبير.

المعاطاة في الزواج

وهنا نقطة مهمة يجب الانتباه لها: عمومًا، كل عقد أو فعل إراديّ مثل البيع، والإيجار، والنكاح، والطلاق ليس فقط لفظًا، بل هو فعل وإجراء إراديّ، ويُمكن الاعتماد في الدلالة على تحقّقه على غير اللفظ، إذ إن الألفاظ كنوع من الدلالات هي مجرد أداة تعبير عن المعاني، وليس لها ذاتية شرعية أو عرفية أو عقلائية في هذه الأمور. ولهذا، من منظور الدين، «المعاطاة» في المعاملات العامة مثل الألفاظ تحمل كل الخصائص والآثار والأحكام ذاتها التي في البيع والتجارة.

لذا يمكن القول: عقد الزواج، سواء الدائم أو المؤقت، مثل البيع والعقد، لا يحتاج إلى لفظ، ويمكن أن يتم فعليًا بدون لفظ، وهذا أيضًا عنوان دالّ على تحقق النكاح، لأن العنوان الدال لا يختص باللفظ، وإنما كل وسيلة دالة تكفي، فالإرادة والفعليّة وتحقيق الزواج بأي وسيلة دالة يكفي، وإن كان للفظ خصوصية في التعبير والبيان.

وكما في البيع أو أي عقد آخر المعاطاة صحيحة، في الزواج أيضًا إذا تحققت الشروط والضوابط العامة، لا مانع من المعاطاة. وقد لا يكون هذا واضحًا تمامًا في أقوال الفقهاء، وقد تظهر حدة في الفتاوى، لكن – بحمد الله – لا يوجد عندي أدنى شك أو تردّد في هذا الاعتقاد، لأنه في الشريعة الإسلامية والكتاب والسنة، لا دليل صريح على وجوب اللفظ في عقد الزواج، خاصة وجود «الاطلاقات» التي لا تترك مجالًا للشك.

العامل الوحيد الذي قد يسبب الاحتياط أو الاعتقاد بوجوب اللفظ بين الفقهاء هو «الإجماع»، ولكن نظرًا لعدم وجود معيار علمي أو شرعي، لا يُعدّ ثمرته ضرورية في هذا المجال ولا دليلاً على وجوب اللفظ في عقد النكاح.

وفي هذا السياق، للتوضيح أكثر، نعرض خلاصة حول موضوع الإجماع وأهميته وعدم صلاحيته في هذا الموضوع:

الإجماع عمومًا نوعان: مدرَك وغير مدرك. الإجماع المدرَك لا أهمية خاصة له، ويجب الرجوع إلى الدليل؛ لأن الاعتماد عليه هو تقليد في الدليل. والإجماع غير المدرَك لا يُعدّ حجة حتى عند الفقهاء المتأخرين، واعتبار إجماع القدماء مبني على أنه كشف عن دليل (الذي هو مفقود)، إذ فقد بعض الأدلة من الروايات بسبب اعتداء الأعداء، وكان أهل الإجماع والفقهاء من زمن المعصومين من العادلين والمتخصصين، لذا يُفهم أن إجماع القدماء بناء على الأدلة والروايات التي فُقدت. ولكن إثبات مثل هذا الإجماع صعب، خاصة هنا حيث نقطع بعدم وجوده، لذا الاعتماد على الإجماع غير مؤسس ولا يجب الالتفات إليه. والسبب الوحيد الذي يُذكر كدليل لوجوب اللفظ في عقد الزواج هو سيرة الفقهاء السابقين، لكنها ليست ملزمة ولا لها دليل أو اعتبار، والاحتياط في مراعاة تلك السيرة ليس دليلاً إلزاميًا في هذه المسألة الخاصة.

الرد على الإشكال: عقد الزواج وموقع المرأة

قبل الرد على هذا الإشكال، ينبغي توضيح مضمون العقد المطلق والعلاقة بين أمرين بشكل جلي. العقد هو تعبير عن تحقق ارتباط بين أمرين، ولغة للتعبير عن علاقة بين شيئين؛ بحيث يبدأ أحد الأفراد بدور أساسي كفاعِل (إيجاب) موجهًا الطرف الآخر، وينشئ العقد، ثم يقوم الطرف الثاني إما بالقبول أو بالرفض.

وبالتالي، كما لا يتحقق العقد بلا طرف، لا يتحقق أيضًا بطرف واحد فقط، فكلا الطرفين هما السبب في تحقق العقد. العقد علاقة متبادلة بين طرفين، وبدون إيجاب أو قبول من أحدهما، لا يتم تفعيل العقد؛ بحيث أن الإيجاب بدون قبول لا يُحدث عقدًا، والقبول بدون إيجاب لا يكون له أثر. والفرق هنا أن بدون قبول لا يمكن للإيجاب أن ينشط العقد، أما بدون إيجاب فلا يوجد أساس للقبول كي يتحقق عقد كامل أو ناقص.

وبناءً عليه، مضمون صيغة العقد مبني على تناغم متبادل يبدأ من جانب وينتهي بالجانب الآخر. وعادة، يكون الطرف الذي يبدأ بالعقد هو الذي يقوم بالإيجاب، لأنه يمتلك موقع وقيمة تقديم العرض أو المعاملة.

في البداية، يقدم صاحب السلعة أو المانح الشيء المعروض، ويحدد الطرف الآخر موقف الإيجاب بالقبول أو الرفض. فإذا قبِل، يمنح العقد محتواه، وإذا رفض أو سكت – وهو دلالة على عدم القبول – يبطل الإيجاب.

ومن هذا يتضح أن عقد الزواج هو تعبير عن تحقق علاقة شاملة في الحياة المشتركة بين المرأة والرجل، وحيث إن المرأة مرغوبة وتمتلك موقعًا وقيمة خاصة، والرجل يتحمل مسؤوليات الحياة الثقيلة، فإن الإيجاب يكون من جانب المرأة والقبول من جانب الرجل.

فالمرأة في الإيجاب تطرح نفسها كركن من الركنين الأساسيين لعقد الزواج والحياة المشتركة، والرجل يقبل ذلك ويعلن رضاه؛ بل يمكن القول إن حيث أن أساس كل عقد يكمن في الإيجاب، والقبول هو آخر خطوات تحققه، في عقد الزواج تكون الريادة والأهمية من نصيب المرأة لأنها تقوم بالإيجاب، والرجل دوره قبول الإيجاب، رغم أن قبول الرجل هو إيجاب فعلي في حد ذاته – تمامًا كما إيجاب المرأة هو نوع من القبول – إلا أن قبول الرجل يتبع إيجاب المرأة، والإيجاب هو الأساس.

عقد الزواج: أنشودة وحدة الروحين

المرأة تضع مواهبها المفرحة على طبق الإخلاص وتهديها لزوجها ومحبوها، معلنة استعدادها للتعاون والتضحية إلى جانبه، وتطلب قبوله لهذا التناغم. لذا، مضمون عقد الزواج بعيد عن الإجبار والفرض، بل هو لحن جميل وأنشودة متناغمة لوحدة الروحين. كما أن هذا العقد لا يقضي على خصوصيات حياة المرأة والرجل، بل يحفظ حدودهما الخاصة.

لذلك، لا يمكن للعقد أن يتضمن استقلالية مطلقة؛ لأن استقلالية المرأة أو الرجل تتعارض مع وحدة الروحين. من الواضح أن عقد الزواج لا يطمح إلى إلغاء الخصوصيات، بل يخلص الإنسان من الوحدة ويعوض النقص الفردي والعام دون أن ينزع هوية كل منهما.

العقد تعبير عن حياة مشتركة بوحدة كاملة، ومظهر للمودة والحب والصفاء الروحي بين فردين من ذات الحقيقة الإنسانية.

وبهذا يتبين أن المرأة ليست مجرد أداة لإشباع الرغبات فقط، وإن كانت تحتوي على مواطن سرور لا متناهية ومستعدة لهذا العمل الفردي والاجتماعي، إلا أنها لا تتحول إلى سلعة. وعلى الرغم من وجوب احترامها للزوج ضمن الحدود القانونية والوظيفية، إلا أن هذا الالتزام ليس أحادي الجانب، بل تقع المسؤولية الأكبر على الرجل. ولهذا، شرع الله وضع القوانين والواجبات لضمان حقوق الطرفين في حال الخلاف.

ولا ينبغي الاعتداد بالسلوكيات السيئة أو الاستبداد المنتشر في المجتمع، التي غالبًا ما تأتي من جانب الرجال وأحيانًا من النساء، فهذا لا يتعارض مع صحة المبادئ وشرعية الأوامر الإلهية، لأن هذه التصرفات السيئة ناتجة عن عدم الالتزام بالقوانين الدينية والأخلاقية، ولا يجب تحميل الدين مسؤوليتها، فالدين حريص على الابتعاد عنها.

تناقض الشرع مع الطبيعة؟

يثار إشكال آخر حول عدم توافق الطبيعة والخلق مع العقد الشرعي، حيث يُقال: المرأة فاعلة، سبب، ومُبْدِية الإيجاب، والرجل قابل. في الزواج، تبدأ المرأة بقول: “أنا أضع نفسي تحت تصرفك”، لكن الرجل لا يتمتع بهذا الموقع، وإنما يقبل إيجاب المرأة فقط. وهذا لأنه لمنح المرأة حرية الاختيار، فالطلاق حق للرجل لأن فيه يرفض القبول الشرعي، والمرأة التي هي فاعلة الإيجاب لا تملك الطلاق.

كل هذه القوانين تتناقض مع الطبيعة الخارجية للمرأة والرجل؛ إذ الرجل فاعل وطالب، والمرأة مرغوبة، ولا يمكن للمرغوب أن يكون فاعلًا، بل هو فقط قابل للطلب. إذاً كيف يكون في العقد الشرعي المرأة فاعلة إيجاب والرجل فاعل قبول؟

الجواب:

أولاً: الطالب والمطلوب منطقياً متضادّان وتكميليّان، وليسوا أحاديي الجانب. كل طالب، مع كونه فاعلًا، قابل أيضًا، وكل مطلوب، مع كونه قابلًا، فاعل أيضًا. السبب الفاعل، مع كونه طالبًا، قابل للمطلوب، والمطلوب سبب فاعلية الطالب أيضًا.

مثال: الشخص العطشان (الطالب) يطلب الماء (المطلوب). الماء مع كونه مطلوبًا، فهو أيضًا سبب دفع العطش وتحريك الطالب. الطالب والمطلوب متكاملان بوجود علاقة تبادلية.

كذلك، الرجل مع كونه طالبًا وفاعلًا، المرأة مع كونها مطلوبًا وقابلًا، لكن المرأة هي سبب طلب الرجل له، وهي فاعل تجاهه.

ثانيًا: الطبيعة تمنح الرجل الفكر السائد والحساب، والمرأة المشاعر والعواطف. الشرع لمنح المرأة ـ التي هي مرغوبة ـ فضلاً وحق الاختيار، جعلها فاعلة الإيجاب، وجعل الرجل القابل، حتى يحفظ حقها ويعطيها فرصة اتخاذ القرار، والرجل الأقل حاجة إلى التدقيق.

النتيجة:

لا يوجد تعارض بين العقد الشرعي والطبيعة في جانب الطالب والمطلوب، فالطالب والمطلوب متضادان ومتبادلان. كما أن الشرع بمنحه المرأة ـ ذات العواطف العميقة ـ دور الفاعل، يمنحها امتنانًا وحق اختيار، ويرى الرجل ـ العقل الحاكم ـ كقابل.

مصادر المجلد الأول

  • القرآن الكريم
  • ابن الأثير الجذري، علي بن محمد، أسد الغابة في معرفة الصحابة، طهران، المكتبة الإسلامية، 1377 هـ
  • ابن سلامة، محمد، مسند الشهاب، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405 هـ
  • ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، بيروت، دار إحياء التراث العربي
  • البحراني، يوسف، البرهان في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، قم، دار الكتب العلمية
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة، الطبعة الرابعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1391 هـ
  • الحكيم، السيد محسن الطباطبائي، مستمسك العروة، الطبعة الرابعة، قم، دار الكتب الإسلامية، 1391 هـ
  • الحلّي، جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، 1377 هـ
  • الحويزي، علي بن عبد جمعه العروسي، تفسير نور الثقلين، الطبعة الثانية، قم، دار الكتب العلمية (الإسماعيليان)، 1383 هـ
  • الخوئي، سيد أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، الطبعة الثانية، النجف، مكتبة الآداب، 1385 هـ
  • الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، طهران، مكتبة الصدوق، 1391 هـ
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1393 هـ
  • الطبري، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، النجف الأشرف، مطبعة الحيدريّة، 1391 هـ
  • الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، الطبعة الأولى، طهران، مكتبة الصدوق، 1376 ش
  • العاملي، زين الدين علي، مسالك الأفهام، قم
  • العاملي، محمد بن مكي، الدروس الشرعية، قم، صادقي، 1398 هـ
  • عميد، حسن، فرهنگ عميد، الطبعة الخامسة، طهران، منظمة الطباعة والنشر جاويدان، 1350 ش
  • الفيض، محمد بن محسن، المحجة البيضاء، طهران، مكتبة الصدوق، 1339 ش
  • ـــــــ، ــــــــــــــــــــ، الوافي، الطبعة الأولى، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404 هـ
  • فيض الإسلام، علي نقي، ترجمة وشرح نهج البلاغة، 1351 ش
  • الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1350 ش
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأ، طهران، دار الكتب الإسلامية
  • معين، محمد، فرهنگ معين، الطبعة الرابعة، طهران، أمير كبير، 1360 ش
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1392 هـ
  • النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة، قم، مكتبة المرتضوية، 1396 هـ
  • النوري الطبري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، طهران، المكتبة الإسلامية، 1382 هـ
  • اليزدي، محمد كاظم طباطبائي، عروة الوثقى، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1392 هـ

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V