المرأة
المظلومة عبر التاريخ ( المرأة؛ المظلومة في كل تاريخ )
(المجلد الثالث)
()
الشيخ آية الله
المعرّف: ، ، 1327 هـ ش
العنوان والمؤلف: المرأة؛ المظلومة في كل تاريخ / .
بيانات النشر: إسلام شهر: ، الطبعة الثانية: 1393 هـ ش.
البيانات الشكلية: 4 مجلدات.
الرمز الدولي للكتاب: 978-600-6435-46-6 (للدورة)
978-600-6435-50-3 (للمجلد الثالث، الطبعة الثانية)
وضع الفهرسة: فيبا
الموضوع: المرأة
تصنيف الكونغرس: 1393 9 ز 8 ن / 1208 HQ
تصنيف ديوي: 4 / 305
رقم الفهرس الوطني: 2846409
الناشر:
طبعة: الثانية، تاريخ الطباعة: 1393 هـ ش
عدد النسخ: 3000
السعر: 258000 تومان
العنوان التفصيلي: طهران ـ إسلام شهر ـ نسيم شهر ـ وجيه آباد، شارع جواهردزاده 12، رقم 36
الرمز البريدي: 3769138575
هاتف مركز التوزيع: 025-32901578
الموقع الإلكتروني:
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
القسم السابع: الإسلام وتنظيم الأمور الجنسية
الفصل الأول: الميل إلى الحرية الجنسية
الحرية الجنسية؛ نداء فطرة الإنسان
في سياق النقاشات المتعلقة بالمرأة، يبرز سؤال أساسي وشامل، رغم وضوح إجابته من منظور الفكر الديني والأحكام الإلهية والثقافة الإيمانية، ولا يعارضه أهل الدين، إلا أنه يستحق التوضيح من حيث المبادئ وآفاق وعي الأفراد العاديين أو غير المتدينين، ويتطلب الإجابة عليه ضرورة بالغة.
السؤال الذي يتجلى بوضوح في عالم التكنولوجيا المتقدمة اليوم، وبصيغة جديدة وأوضح، هو: “ما المانع من وجهة النظر العقلية والعلوم الإنسانية أو فلسفة الإشباع واللذة في أن يستخدم الإنسان كل الإمكانات والطرق المتاحة لتحقيق الإشباع؟ هل من عيب في أن يستفيد من كل الممارسات الجنسية المعروفة عبر التاريخ، كاللواط، الزنا، ممارسة الجنس بين الجنس الواحد، وغيرها، بصورة حرة وطبيعية اليوم، وأن تكون له حرية التصرف في جميع طرق الإشباع، بحيث يستطيع الإنسان أن يشبع ويكتفي من خلال أساليب متنوعة، وحتى باستخدام المعارف العلمية والوسائل الصناعية والاختراعات البشرية؟”
لا بد من الإقرار بأن المنع الديني والتشريع والوعظ الأخلاقي وحدها لا يمكن أن توقف الإنسان عن السعي للاستفادة من هذه النعم الطبيعية والصناعية؛ فقد ثبت عبر التاريخ أن الإنسان، بالرغم من العديد من الفروض الدينية والدعم التقليدي، لم يتخل عن هذه الممارسات، بل ازداد سعيًا وتطورًا في استخدامها.
ينبغي على المفكرين البشريين وقادة الشعوب والمجتمعات الإنسانية أن يصلوا إلى مستوى وعي يدرك ضرورة ترك حرية الإنسان كاملة في هذه المجالات، التي تتوافق مع فطرته وغريزته الأصلية والعادية، وأن يتم تشجيعه بحرية اختيارية تامة، مع زيادة التوعية ليُرفع كل الحواجز القسرية وغير الطبيعية التي تعيق الإشباع، وتُنهي الحرمان والعقد النفسية والآثار السلبية المدمرة، وتؤمن الحرية الثقافية والقانونية والعملية لكل البشر في أرجاء العالم، وتُعدها من الحقوق الأصلية للإنسان.
الحرية الجنسية في ميزان النقد
النقد الأول: الطمع والزيادة في الشهوة الجنسية
في جواب هذا النقد، يجب القول أولاً: اللذة والسعي للإشباع والراحة عبر الحرية الجنسية اللامحدودة لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة المرجوة، فالمتبعون لهذه الحرية في الغالب لا يصلون إلى الغاية، إذ أن الحرية المطلقة في اختيار الأساليب والابتكار في الأمور الجنسية لا تُشبع النفس العطشى بل تزيدها تعطشًا واندفاعًا وارتباكًا، كما تفقد الإنسان نفسه في شبكة معقدة من الارتباك والانهيار النفسي، كما هو الحال في واقع المجتمعات الغربية اليوم وما تعانيه من مشاكل نفسية وجسدية.
إذا لم تُكبح الشهوات الجنسية، فإن النفس لن تشبع أبدًا، إذ مهما وصل الإنسان إلى درجة، يطلب دائمًا ما هو أعلى، وهذا يؤدي إلى الإدمان الجنسي، والسادية، والعنف، واللجوء إلى ممارسات غير عقلانية وظواهر غير مألوفة. لذا يدرك العقل والفطرة ضرورة وضع حد لهذه الرغبات بالقوة.
الواضح اليوم أن الطرق المتنوعة المتاحة لم تجبِ على رغبات الإنسان المتعددة، وما نتج عن فلسفة الحرية الجنسية اللامحدودة هو انحلال أخلاقي وحرمان وأمراض نفسية وجسدية.
لهذا، الفطرة السليمة والعقل الحاد يمليان وجوب وضع حدود للعلاقات والشهوات الجنسية مثلما هو الحال مع بقية الرغبات النفسية، فإذا عرف كل فرد حدوده، سيشعر بالرضا. هنا يأتي دور الفطرة والشريعة والأخلاق في تحديد الأطر والحدود اللازمة.
النقد الثاني: موت الحب
النقد الآخر لهذه الفلسفة هو أن فكرة “الإشباع اللامحدود” تقضي على الحب من ذات الإنسان، فتبعثه في طريق الموت والحرمان والنسيان، لأن الشهوة والإشباع رغبة نفسية محضة، ولا تحقق سوى لذة عابرة، بينما الحب حقيقة أسمى وأنقى.
الشهوة هي رواسب نزولية وتحفيزات مادية للحب، وتعقبها يحجب فضاء الحب الطاهر، والحرية في ملاحقة الإشباع الجنسي تقود إلى موت الحب.
لحماية فضاء الحب والحفاظ على جماليات الحياة مثل مفاهيم الزوجة، الأم، الأب، المحب والمحبوب، يجب الإيمان بالمبادئ الصحيحة للفطرة والطبيعة.
هذه الفلسفة لا تجفف الحب وروحه فحسب، بل تسبب القلق والعنف والاضطرابات التي تعتبر من المشاكل الكبرى في المجتمعات المنفتحة والفوضوية اليوم.
قصة الحب
اللذة والقرب والوصول هي أساس الإشباع، والصفاء والسكينة دلالة على الحب.
الحب حقيقة تنبع من داخل النفس، ويشمل اللذة والإشباع كطريق للوصول إليه.
الشهوة حالة نفسية قصيرة المدى، في حين أن الحب حالة دائمة ومتزايدة ترتقي بالإنسان إلى الكمال، ويصبح فيه العاشق قادرًا على حب بلا شروط وبلا حاجة إلى الآخر، فيجد في ذاته الفرح والسعادة الحقيقية.
تراجع الحب في عالم اليوم
ما نراه اليوم من إشباع لدى الناس في المجتمعات الحرة هو مجرد شهوة وهوس يلبس ثوب الإشباع، بسبب الشوائب والملوثات، يفتقدون معنى الحب الأسمى.
العلاقات الجنسية بين الناس غالبًا ما تنتهي بعد تلبية الحاجة العابرة، دون ارتباط عاطفي حقيقي، فتنتشر ظاهرة الانفصال والبعد، والبحث المستمر عن إشباع جديد.
هذه العلاقات ليست حبًا، بل هي مجرد ظهور للهوس والشهوة التي تفتقد الجوهر الحقيقي للحب.
هؤلاء الأشخاص في سَعْيِهِم لحَلِّ نَقَصِهِم يَطِیلُونَ فَترةَ اللَّذَّةِ، ويُعِیدُونَ تَکوینَ الاحتیاج الجَسَدیِّ داخِلَ أَنفُسِهِم مِن خلالِ المُنتَجاتِ الصُّناعیَّة، وَهوَ أمرٌ لا یُؤدّی إلى نَتیجةٍ مفیدةٍ، فَتَنتَجُ عَندَهُم عُقدٌ نَفسیَّةٌ، وَاکتِئابٌ، وَاضطرابٌ، أَو یُفضِی إلی السَّادیَّةِ، والعُنفِ، وإیذاءِ النَّفسِ، وَأَمراضٍ نَفسیَّةٍ ونَفسیَّةٍ أُخرَى. هذِهِ هیَ حالَةُ اللَّذَّةِ المُتَطَوِّرَةِ لِأُولَئِکَ المُتَسَلِّیِن؛ وَالتَّطوُّرُ هذَا یُؤَدّی إلی ازدیادِ أعدادِ المرضى النَّفسیِّینَ، وَالاِستِهلاکِ المُفرِطِ لِلأَدوِیَةِ، وَکَثرةِ المَجانِینِ الجِنسیِّینَ.
النَّفسَانِیَّةُ، الشَّهْوَةُ، وَالهَوَى هِیَ أقصرُ مَدى اللَّذَّةِ وَالإشباع، وَتَوجَدُ أیضًا فی العالَمِ الحَیوانِیِّ، وَجَمیعُ الحَیواناتِ تَستَفیدُ مِنْها، وَلا یَجِبُ عَلَى الإنسانِ الاِقتِصارُ عَلَیها؛ وَمع ذلکَ یمتلِکُ أُولُو الْکَمَالِ وَالمَعرِفَةِ هَذِهِ اللَّذَّةَ بِمَستَوى أَرقى وَإشباعٍ أکبَر، وَهذِهِ هیَ سَبَبُ کَمَالِ الإشباعِ وَالوِصالِ الحَقِیقِیِّ لِعِشْقِهِم، وَفَوقَ ذلِکَ یَصِلُ إلی مَرتَبَةٍ یَتَعَذَّرُ عَلَى أَهلِ الهَوَى وُصولُها.
فَیَجِبُ القَوْلُ: إنَّ الحَقِیقَةَ لِلإشباعِ تَظْهَرُ فِی الإنسَانِ حینَ تَکُونُ اللَّذَّةُ وَجهَ الحُبِّ النَّقِیِّ، وَالفَرقُ بَینَ المَدى الطَّویلِ لِلْعِشْقِ وَالمَدى القَصیرِ لِلْهَوَى هُوَ تَکاملُ الکائِنِ الإنسَانیِّ، وَهذَا یَتَحَقَّقُ عِندَما یُدرِکُ الإنسانُ أنَّ الهَوَى وَحدَهُ لایُسَمَّی إشباعًا، خُصوصًا إذا کانَ الهَوَى أحادیَّ الجَانبِ وَالطَّرفُ الثَّانِي مُشَاهِدٌ بَس.
فَهُوَ یَکُونُ مَثَلَ جُثَّةٍ بِلا رُوحٍ فِی یَدِ الطَّرَفِ الآخَرِ، یَتحَمَّلُ الألمَ وَالبَطَالَةَ حَتَّى یَبلغَ الهَوَى وَالشَّهْوَةُ ذِروَتَهَا، وَمِنْ ثَمَّ یَستَرْحِقُ، وَبِسَبَبِ ذلِکَ یَلتَجِئُ هؤُلاءِ المُتعَسِّرُونَ إلی المُسَکِّناتِ وَالمُخَدِّرَاتِ لِتَقْلِیلِ شُعورِ الألمِ وَالمَعاناةِ مع مرورِ الزمنِ. فَهَل یُمکِنُ الحُکمُ أنَّ هؤُلاءِ یَنالوُنَ الإشباعَ، وهل هذِهِ هیَ حَقِیقةُ الحُبِّ وَهُویَّةُ اللَّذَّةِ وَفَلسَفَةُ الإشباعِ؟!
مُثَلَّثُ الإشباعِ
الآنَ یَجِبُ الإشارةُ إلی أُصولِ الإشباعِ النَّاجِحِ مِنَ النَّظَرِةِ الفَلسَفیَّةِ.
فِی مُمارسةِ الجِماعِ العادیِّ، کَأَحَدِ أَوجُهِ اللَّذَّةِ وَالإشباعِ، یَظهَرُ ثلاثُ عَنَاصِرَ جَلیَّة: الإشباعُ (الاستقبالُ)، الإعطاءُ، وَالوُصولُ إلی اللَّذَّةِ. فِی غالِبِ الأحیانِ، یَصاحبُ الإشباعَ الإعطاءُ، وَاللَّذَّةُ تَظْهَرُ کَالحَقِیقةِ الخارِجِیَّةِ، وَهذِهِ الثَّلاثةُ تُشَکِّلُ ظُهورًا لِلحُبِّ. نَقْصٌ فِی أَحدِ هَذهِ العَنَاصِرِ یُؤَدّی إلی نَقْصٍ فِی الحُبِّ، وَالنَّقَصَاتُ وَالذُّرُوَّةُ فِی الحُبِّ لَهَا أَشکالٌ کَثِیرَةٌ.
کَثیرًا مَا یَحدُثُ أن یَظهرَ الرَّجُلُ أَوِ المَرْأةُ کَمُعطِی وَلا یَبلُغانِ الإشباعَ، أَو بِالعَکْسِ، وَعِندَ فَقْدِ حَقِیقةِ اللَّذَّةِ، تَحُدُّ الهَشاشَةُ وَالمرضُ مِنْ أُولئِکَ.
ما یُهِمُّ هُنا وَیُشَکِّلُ أَساسَ لَذَّةٍ صَحیحَةٍ وَحَیاةٍ ناجِحَةٍ هُوَ الإشباعُ المَرفُوقُ بِالعَطاءِ، وَلایَکفِی أن یَظُنَّ الطَّرفانِ أنَّهما یُشْبِعَانِ بَعضَهُما، وَلا بُدَّ أَن تَکُونَ اللَّذَّةُ حَقِیقةً نَقِیَّةً وَوَجهًا جَمیلاً، وَیَشعُرَ کِلاهُما بِمَشاعِرَ أسمى مِنَ الهَوَى وَالشَّهْوَةِ.
فِی هذِهِ اللَّذَّةِ وَالإشباعِ، لا تَتَّحِدُ أَعضَاءُ الجِسمِ فَقَطْ، بَلْ أیضًا القَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنَّفْسُ، وَلا یَبقَى مَکانٌ لِغَیرِ ذلِکَ. وَیَستَمِرُّ هذَا الحُبُّ وَالمَشاعِرُ النَّفْسَانِیَّةُ بَعدَ الجِماعِ وَذَرِّ البَذْرِ، وَیَرْبِطُ الطَّرَفَینِ رَباطًا قَویًّا یَمنَعُهُما مِنَ التَّحَمُّلِ لِلبُعدِ عَن بَعضِهِما.
هُنا یَظهَرُ مَعْنَى السَّلامِ، وَالمُجَاهَدَةِ، وَالإيثارِ، وَالمَحَبَّةِ، وَیَختَفِی الهَوَى.
لِذلِکَ، عِندَما نَقولُ: لا وُجودَ للإشباعِ فِی المُجتَمَعاتِ المُزَعَمةِ الحُرَّةِ، أَو عِندَما نَتَحَدَّثُ عَنِ الحُبِّ وَاللَّذَّةِ، فَنَحنُ نَقصِدُ المَدى الطَّویلَ لِلإشباعِ وَوَجهَ الحُبِّ وَالكَمَالِ الجَمیلِ.
کُلُّ مَا ذَکَرْناهُ حَتَّى الآنَ کانَ بِدُونِ أَخْذِ العَلاقَةِ بَینَ القَلْبِ وَالرَّبِّ وَالإیمانِ بِالخَالِقِ فِی الاعتِبارِ.
والآنَ نَقُولُ: إنَّ الإشباعَ یَرْتَبِطُ عَلاقَةً مُباشِرَةً بِالإیمانِ القَلْبِیِّ بِاللهِ؛ القَلْبِ الَّذی یَملأُهُ حُبُّ اللهِ وَذِکرُهُ وَالشُّوقُ إلیه، وَذلِکَ یُولِدُ حَیاهً وَعِشقًا رَفیعَیْنِ، یَفتَقِرُ إلیه عَدَدٌ کَبیرٌ مِنَ النّاسِ. وَمع ذلِکَ یَستَطیعُ کُلُّ شَخصٍ أن یَجدَ هذِهِ الحَیاهَ، وَلی
أ. الاستمناء
يُعتبر الاستمناء حرامًا ومُعرضًا للتعزير الشرعي، لِما فيه من قذارةٍ وشائنةٍ ومع ذلك، فإنه لا يرقى إلى درجة الفحشاء الجنسي مثل الزنا أو اللواط، وإنما يقع في مرتبة أقل من النجاسة الجنسية، لكنه لا يُفرّق عنه بأنسنةٍ بـ «العلاقة مع الحيوان»؛ فهو يمتاز بقذارةٍ خاصة به. ورغم عدم توقيع حد شرعي عليه، إلا أنه يُعاقب بالتعزير بما يقدّره القاضي الشرعي وفقًا للضرورة والحالة الفردية.
يسلّط النص الضوء على صور أكثر إدانة من تردّد الجنس الواحد وحتى “المساخطة” بين النساء، أو “تفخيذ” سواء بين الرجال أو الرجال والنساء، وكذلك “الدون الثقب” و”بين الأليتين”، وهي حالات شاذة من اللواط. وفي قمة هذه السلوكيات البغيضة يقع الزنا واللواط، ويُعتبر اللواط أشدها قذارة.
في الروايات تم توجيه تحذيرات شديدة اللهجة ضد اللواط، ووُصف بأن عقوبته تفوق الكثير من الذنوب المعروفة، لأن الفاعلين به كانوا في التاريخ منكِرين للدين: فالانغماس في اللواط يدفع بالفاعل إلى الردّة عن دينه، إذ لا دين يقبله، ولذلك يُحشر هؤلاء في النار تحت أهوال العذاب، بسبب آثامهم العقائدية والعملية.
ويعتبر أول من وقع في هذا المعصية قوم لوط، حيث أصبح الرجال ممارسين للواط، ثم ارتدت النساء إلى المساخطة، في علاقة غير طبيعية ومعيبة، نشرها هؤلاء بصورة قهرية.
ولواط الرجال لا ينحصر فقط في انحرافٍ عن العفة، بل يُعدّ أيضًا سببًا للأمراض المنقولة، فالعديد من عدوى تلك الأمراض تبدأ من ممارسات شاذة كهذه ثم تنتقل إلى غيرهم.
ب. الزنا
يُعد الزنا من أكبَر الفواحش، وفي طليعة الفساد الجنسي، إذ أتى عبر التاريخ دافعًا رئيسًا لتفكيك الأسرة، وزعزعة العفاف، وانحراف الجميع.
والقرآن الكريم يدين هذه الأفعال بشدة، وضع لها حدودًا شرعية تصل في بعض صور الزنا المحصن إلى العقوبة القصوى، بدءًا من الجلد وقد تصل إلى القتل.
روايات مختارة وترجمة تحليلية
1. حديث في الاستمناء
عن رجلٍ قال: سألته عن الخضخضة، فقال: هي من الفواحش، ونكاح الأمة خيرٌ منه.
(الإمام الصادق عليه السلام يبيّن أن الاستمناء من الفواحش، وأن زواج أمَة في الضرورة أفضل منه).
2. الرواية عن زرارة بن أعين
سألته أمير المؤمنين عن الدلك، فقال: نكاح النفس لا شيء عليه.
معناه: بالرغم من تحريم الاستمناء، إلا أنه لا يُدخِل صاحبه في دائرة الحد الشرعي، كونه جريمة فردية لا تُنشر ويُاخذ فيها بتقدير القاضي للتعزير.
3. قوله صلى الله عليه وآله:
ناكح الكف ملعون.
دلالة التعزير الشديد والتحقير للفاعل.
4. رواية عن طلحة بن زيد
قصة قطعت فيها يد مرتكب الاستمناء، وتلاسُرٌ بين التعزير والتدابير الإصلاحية، مثل تزويجه من بيت المال بعد تأديبٍ وحِسّ الشعور برفعة وكرامة، ما يدل على حكمة النظام الإسلامي في الأصلاح والتربية.
5. عن أبي بصير
قال: ما من ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة… والناّكح نفسه…
تحذيرٌ شديدٌ، فالله لا يحاورهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم، ولهؤلاء عذاب أليم.
ج. الزنا مع الحيوان
ورد في الأحاديث الشريفة تحذير شديد اللهجة:
- «ملعون من نكح بهيمة»: يعتبر مرتكب هذه الجناية ملعونًا ومرذولًا.
- «كل ما أنزل به الرجل ماؤه في هذا أو مثله فهو زنا»: أي أن أي وسيلة لتحصيل النشوة الجنسية خارج الطريق الشرعي تعد محرّمة وتُصنّف كزنا شرعيًا.
الخلاصة
- الاستمناء: حرام ومُمَجّد غير محصور في حد شرعي، يُعاقَب بالتعزير—وأشد ظروف الجيل الناشئ تحتاج إلى تربية شرعية حسنة لتعزيز العفة ونبذ الخلل.
- الانحراف الجنسي وتعدد العلاقات غير الشرعية: بما في ذلك اللواط وزنا المحارم وحتى التماسات مع الحيوانات—كلها تُعدُّ من أعظم الفواحش الشنيعة، وتحمل عقوبات شرعية وعقائدية قاسية.
- التعامل الشرعي: يجب أن يجمع بين الحزم في تقييد الأفعال البغيضة والرحمة في العلاج والتربية والتزويج، لا التشهير، والعقوبة بدون تساهل ولا تطرف في القهر.
3. عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:
من أتى بهيمةً – يعني جامعها جماعًا محرّمًا – «جلّد بالحدّ، وحُرّم لحم تلك البهيمة ولبنها، إن كانت مما يؤكل؛ فتُذبح فتُحرَق بالنار لتُتلف فلا يأكلها أحد، وإن لم تكن له، فالثمن منها في ماله.»
الإمام الصادق (ع) بيّن: «من يجامع حيوانًا يعاقب بالتعزير، وإذا كان ذلك الحيوان حلال اللحم، صار تناوله لحمه ولبنه حرامًا؛ لذا يُذبح أولًا حتى لا يعاني من عملية الإحراق، ثم تُحرق جثته كي لا يأكلها أحد، وإذا كانت ملكًا لغيره، فيجب على الجاني أن يُعطي ثمنها لصاحبها.»
ربما يتبادر إلى الذهن: ما العلاقة بين خطأ الإنسان وحيوان بريء؟
في الجواب: من البديهي أن الحيوان الذي تعرض للانتهاك لا يُحمّل ذنبًا ولا اختيارًا، لكن الإسلام يحث على قتله ذبحًا أولًا ليرحم ويخفف منه الألم عند الإحراق.
أما عن سبب القتل والإحراق، فهو لأجل:
- الصحة العامة: منع احتمالية انتقال الأمراض الناتجة عن الاتصال الحميمي بين الإنسان والحيوان.
- الحفاظ على نقاء المجتمع: فقد لوّثت رواسب المحرّمات الجنسية أحيانًا سُبل الغذاء واللبن.
لو نُفّذت توجيهات الإسلام الصحية المتقدمة—فيما يخص مشتقّات الألبان واللحوم—بنزاهة بالمجتمعات، لتجنّبنا كثيرًا من الأمراض المرتبطة بممارسات جنسية منحرفة.
فإذا أخطأ الإنسان واتخذ طريقًا منحرفًا، فقد يقترف أفعالًا لا تُحمد عواقبها، فتفقده كرامته، وتجعله ينحو نحو الانحطاط والاضطراب النفسي، ليهيم في طرق شائنة ويضل عن إنسانيته. بينما كانت هذه الأفعال—ولو نادرة في الأزمنة الماضية—مهانة يحتقرها الناس، اليوم باتت تُروّج لها ثقافات مزعومة، بل ويتباهى بها البعض.
لهذا، شَرِعت الشريعة هذه العقوبات—من تعزير وقطع حقوق مادية—كردع حمايةً لحرمة الإنسان، وأمن الحيوان، ومنعًا للآفات الناتجة عن الاختلاط المنحرف.
ج. المساحقة – (الممارسة الجنسية بين النساء)
المساحقة تخصّ التلذّذ الجنسي بين امرأتين، بوضع عضو امرأة على فرج الأُخرى. وقد قُسِّم المصطلح الفقهي كالآتي:
- مساحقة: إذا كانت الفاعلتان امرأتين.
- تفخيذ: إذا وضع الرجل عضوه بين فخذ امرأة أو رجل، دون دخول.
- بين الإليتين: إدخال العضو بين أرداف الطرف الآخر من الخلف، دون دخول.
هذه المفاهيم تشكّل ضمن نطاق أوسع هو المثلية الجنسية، وهي تشمل جميع ما سبق.
من الروايات المتعلقة بذلك:
- عن هشام الصيدناني عن أبي عبدالله (عليه السلام):
سأل رجلٌ عن قوله تعالى “كذّبت قبلهم قوم نوحٍ وأصحاب الرّسّ”، فمدّ يده تشرحًا ثم قال: «هنّ اللواتي باللواتي» – أي نساء يجامعْن نساءً – .
الآيات المشار إليها وردت في سورة “ق”:
«وكانت ثمود وعاد وفرعون وأخوال لوطٍ وأصحاب الأيكة وقوم تبّعٍ كلٌّ كذّب الرسل فحقّ وعيد»
حيث إن قوم “أصحاب الرّسّ” كانوا من النساء الممارسات للمساحقة.
- عن إسحاق بن جرير:
أتيت امرأة تطلب مقابلة الإمام الصادق (ع)، فاستأذنت فدخلت بصحبة أمـتها وسألته عن تفسير قوله تعالى “زيتونةٌ لا شرقيةٌ ولا غربية”، فأجابها بـأسماء البشر. ثم سألته: ما حد المساحقة بين النساء؟ فجاءه الرد:
«حدّها حدّ الزنا، يُؤتى بهنّ يوم القيامة وقد البسنّ مقطّعات من نارٍ، وقنون من نار، وسروال من نار، ويُدخل في أجوَافهن أعمدة من نارٍ، ثم يُقذفن في النار…»
ثم أضاف:
«أولى من عمل بها قوم لوط، إذ اكتفى الرجال منهم برجال، وبقيت النساء بدون رجال، ففعَلْن كما فعَل الرجال.»
نقاط مهمة من هذه الرواية:
- الإمام (ع) يبيّن أنها كذلك للعامة بمن فيهم النساء.
- المرأة سُمح لها بالسؤال بحرية دون مواربة.
- المساحقة تُعدّ مثل الزنا، إذ تخترق حريم العفاف بصيغ أخرى.
- العقاب الأخروي لها مثل عقاب الزناة العاديين، مما يدلّ على شدّة التعاطي الشرعي مع هذه الأفعال.
- بيّن الإمام أن تسلّط الرجال على الرجال كان سببًا لتوسّع النساء في هذا الفسق.
- وقد يُفتَرض تساؤلات عن مقام هذه المرأة، وإدخالها لجو من الصورة المباشرة في الحوار.
الخلاصة الأكاديمية:
المساحقة، كأحد أشكال المثلية الجنسية لدى النساء، تلقى رفضًا وحكمًا شرعيًا صارمًا في الإسلام، يشبه حكم الزنا. وقد بُذل جهد شرعي لتفسيرها وتوضيح أمرها بحقائقها ومخاطرها على الفرد والمجتمع، بغية الحفاظ على الفطرة الإنسانية والهدف الأخلاقي والديني من تنمية الأسرة والمجتمع السوي.
حقيقة الوضع الراهن في العالم اليوم:
إنّ الواقع الراهن يستوجب التأمل العميق، هل هي انحرافات من قبل بعض النساء بسبب ضعف الرجولة بينهنّ، أم أنها تُروّج تحت ذريعة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل؟ أم أن قوى خفية، تحت مخططات استعمارية كافرة، تسعى عبر وسائل الإعلام الضخمة إلى نشر الفساد وإغراق العالم في هذا النوع من الانحرافات، مستعينين بقلة من الدمى المُصنّعة؟ فهذا العالم اليوم لا يفتقر إلى الرجال حتى تلجأ النساء إلى مثل هذه الأمور، ولا ينبغي مقارنة هذا العصر بعصر قوم لوط وأصحاب الرس.
٣- عن بشير النبال قال:
رأيت رجلاً عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله: «جعلك فداءً، ماذا تقول في النساء اللواتي يمارسن اللواط؟» فقال له الإمام: «لا أخبرك حتى تحلف أن تبلغ النساء ما أقول لك». فحلف له، ثم قال: «هما في النار، وعليهما سبعون حلّة من نار، فوقها جلد جافٌّ سميك من نار، وعليهما نطاقان من نار، وتاجان من نار فوق تلك الحلل، وخفان من نار، وهما في النار».
وفي هذه الرواية اهتمام الإمام بهذا الموضوع، حيث يؤكد على أهمية تبليغ التحذير للنساء، ويصف عذابهنّ الشديد، مما يدل على رؤيته الواضحة لهذا الفعل المحرم. واللسان والسياق يشيران إلى حرص الإمام على تحذير المجتمع من هذا الانحراف.
٤- عن يعقوب بن جعفر قال:
سأل رجل الإمام أبي عبد الله أو أبا إبراهيم عن المرأة التي تساحق المرأة، وكان متكئاً، فجلس، فقال: «ملعونة الراكبة والمركوبة، وملعونة حتى تخرج من ثيابها، فإن الله تعالى والملائكة وأولياؤه يلعنونهما، وأنا ومن بقي في أرحام الرجال وأرحام النساء، فهو والله الزنا الأكبر، ولا والله مالهنّ توبة، قاتل الله لأقيس بنت إبليس ما جاءت به!»
فقال الرجل: «هذا ما جاء به أهل العراق». فقال: «والله لقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون العراق وفيهنّ». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المتشبّهات من النساء بالرجال، ولعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء».
من هذه الرواية يستفاد:
- شدة انزعاج الإمام من هذا الفعل، حيث يلعن الفاعلين من الله والملائكة والأنبياء وأتباع الدين.
- أن مساحقة النساء تُعدّ زنا أكبر بلا توبة، ويؤكد الإمام عدم وجود توبة لهؤلاء.
- ذكر الإمام لأقيس بنت إبليس كمن أدخل هذا الفعل بين النساء.
- المقارنة بين النساء اللواتي يشبهن الرجال والرجال الذين يشبّهون النساء، فالمثلية بكل صورها ممنوعة.
٥- عن أبي عبد الله قال:
لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال، قال: وهم المخنّثون واللاتي ينكحن بعضهن بعضًا.
وفي هذا الحديث:
- اللعن يشمل تشبّه الرجال بالنساء والعكس.
- المخنّث مصطلح يشير إلى الذليل الذي فقد صلابة رجولته، والنساء اللواتي يمارسن المثلية يُعدّلن مخنّثات أيضًا.
- المعنى أن هذا الفعل يسبب تلف الهوية الجنسانية، فلا يكتسب الرجل صفات المرأة، ولا تكتسب المرأة صفات الرجل، بل يكون هناك انكسار وتصدّع في كيان الإنسان.
٦- حول ظاهرة المثلية الجنسية:
إن انحرافات النفوس التي تشمل المثلية الجنسية كانت ولا تزال من أعظم مشاكل البشرية التي أدّت إلى فساد مجتمعاتها.
القرآن الكريم أشار إلى هذا الفعل في عدة آيات، منها:
- في سورة الأعراف، قال لوط عليه السلام لقومه:
«إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ»
أي أنكم تفضّلون الرجال على النساء في إشباع الغريزة، وهذا تجاوز للطبيعة والفطرة. - في سورة العنكبوت:
«أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ»
وهذا يشير إلى قطع الطريق وارتكاب المنكر، مع العلم أن العذاب الإلهي كان شديدًا. - في سورة الحجر:
«قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ»
وهو حديث لوط عليه السلام عن عرضه بناته للزواج بدلاً من الضيوف، تعبيرًا عن ذلّه وحيرته أمام قومه الفاسدين.
اليوم، تُشرّع بعض الدول المتقدمة الزواج بين الأشخاص من نفس الجنس، وتروّج لذلك تحت عنوان حقوق الإنسان، ما يعدّ تراجعًا أخلاقيًا وابتعادًا عن القيم الدينية والإنسانية.
إننا بحاجة ماسة إلى التمسك بتعاليم الأنبياء والشهداء، وإلا فإنّ العذاب الإلهي والجزاء العادل سيطال البشرية بسبب هذه الانحرافات.
البوسة المحرمة
عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قَبَّل غلامًا من شهوة، جَمَّه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار».[36]
يُروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) نقلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: “كل من قبّل غلامًا بدافع الشهوة، يُكبَّل في يوم القيامة بلجامٍ من نار في فمه”.
هذه الرواية تعتبر تقبيل الصبيّ بدافع الشهوة ذنبًا عظيمًا، بحيث أن العقاب في الآخرة سيكون شديدًا؛ حيث يُغلق فم الفاعل بلجام من النار، الأمر الذي يرمز إلى العذاب الشديد والاحتراق النفسي والبدني للآثم.
إذا سُئل: لماذا هذا الفعل يحمل عقابًا شديدًا؟ فالجواب أن تدمير عقلية الطفل الصغير وتلويثه بهذا الفعل أمر لا يقل خطورة عن هذا العذاب؛ إذ إن تأثيره لا يقتصر على الذنب فقط، بل يُشكّل أساسًا لانحراف أخلاقي مستقبلي في حياة ذلك الطفل، ويأتي ذلك من جانب شخص كان من المفترض أن يكون هاديًا ومرشدًا له.
في هذا البيان، يُعدّ أقل درجات الشذوذ الجنسي — وهو تقبيل الطفل بدافع الشهوة — ذنبًا عظيمًا يُعاقب عليه بالعذاب الشديد يوم القيامة، وهذا العذاب هو مجرد بداية لسلسلة الآثام المتعلقة بالشذوذ الجنسي.
البوسة المحرمة (تابع)
وقد ورد في الروايات أن القبلات التي تقع بدافع الشهوة تُعد من الكبائر التي تُعاقب عليها النفس يوم القيامة بأشد العذاب. ويُذكر في بعض المصادر أن هذه الأفعال تمثل خرقًا واضحًا للقيم الإنسانية والأخلاقية، وتتسبب في انحراف الفطرة السليمة التي فطر الله عليها الإنسان.
كما أن الإمام الصادق (عليه السلام) يشير في قوله: “إن عقوبة من يقبل غلامًا من شهوة هي اللجام من نار”، إلى أهمية حفظ الطهارة النفسية والجسدية للأطفال، وضرورة حماية المجتمع من الوقوع في مثل هذه الممارسات التي تهدم البناء الأخلاقي.
هذا النص الشريف يؤكد على أن كل فعل جنسي موجه نحو الأطفال هو محرم شرعًا، ويتسبب في أضرار نفسية وجسدية لا تُمحى بسهولة، بل تترك أثرًا عميقًا يدوم مدى الحياة.
والتدابير الشرعية التي نص عليها الدين الحنيف تهدف إلى الوقاية والحماية، فلا يُسمح بأي تجاوزات تُفسد المجتمع أو تضر أفراده، خاصة الأطفال الذين هم أعظم الفئات ضعفًا وحاجةً للرعاية والاهتمام.
إن المحافظة على نقاء المجتمع وسمو أخلاقه تقتضي وضع قوانين صارمة تُجرّم جميع أشكال الاعتداء الجنسي، وخصوصًا تلك التي تستهدف القُصّر، باعتبارهم أضعف الفئات وأحقّ الناس بالرعاية والحماية. وقد أكد الشرع الشريف على ضرورة تطبيق هذه القوانين بحزم وعدالة لضمان سلامة الأجيال القادمة وصون كرامتهم الإنسانية.
ولا يمكن إغفال التأثير النفسي العميق الذي تتركه هذه الجرائم على الضحايا، حيث يعاني الطفل المعتدى عليه من اضطرابات نفسية طويلة الأمد، تصل في بعض الأحيان إلى الانغلاق الاجتماعي، فقدان الثقة بالنفس، واضطرابات في النمو العقلي والعاطفي. لذا فإن التوعية المجتمعية والتربية السليمة لهما دور حاسم في الوقاية من هذه الظواهر المنكرة.
ختامًا، إن تعزيز القيم الأخلاقية والروحية، وتفعيل دور الأسرة والمؤسسات التربوية في غرس مفاهيم الطهارة والاحترام المتبادل، هو السبيل الأنجع للحفاظ على المجتمع من الانحرافات الخطيرة التي تهدد أمنه واستقراره.
وفي هذا السياق، يلعب القانون دورًا جوهريًا في وضع الأطر التنظيمية التي تحدد العقوبات الرادعة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الأطفال أو استغلالهم بأي شكل من الأشكال. ولا بد من أن تتسم هذه العقوبات بالصرامة والفعالية، بحيث تحقق الردع العام والخاص، مع ضمان حقوق المتهمين في المحاكمة العادلة، بما يتوافق مع المبادئ القانونية والإنسانية السائدة.
كما أن التعاون بين الجهات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية، والهيئات المجتمعية، يعد من العوامل الأساسية في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال برامج الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، وتأهيلهم للاندماج السليم في المجتمع بعد تعرضهم لهذه التجارب المؤلمة.
علاوة على ذلك، تتطلب معالجة هذه القضايا تنسيقًا مستمرًا مع المؤسسات التعليمية لتفعيل مناهج التربية الأخلاقية والتوعية بحقوق الطفل، وذلك بهدف تعزيز وعي الأطفال أنفسهم بكيفية حماية أنفسهم والتبليغ عن أي محاولات اعتداء.
في الختام، إن حماية الطفولة وصون كرامتها ليس مجرد مسؤولية قانونية فحسب، بل هو واجب أخلاقي واجتماعي يتطلب تضافر الجهود على كافة المستويات، لضمان مستقبل آمن ومستقر يتيح للأجيال القادمة النمو في بيئة سليمة ومحترمة.
كما يجب أن تتضمن السياسات الوطنية برامج تدريبية متخصصة للعاملين في مجال حماية الطفولة، سواء كانوا في القطاع القضائي أو الصحي أو الاجتماعي، لضمان قدرتهم على التعامل مع القضايا المتعلقة بالأطفال بحساسية ومهنية عالية، مع مراعاة خصوصية كل حالة وحماية حقوق الطفل بشكل كامل.
علاوة على ذلك، يستوجب وضع آليات فعالة للرصد والتقييم المستمر لمدى تنفيذ القوانين والسياسات، وذلك لضمان تحسين الأداء وتعديل الخطط بما يتوافق مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي قد تؤثر على حماية الأطفال.
كما ينبغي أن تتضمن الاستراتيجيات الوطنية أيضًا تعزيز التعاون الدولي، تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل، كالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، لضمان توافق التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الظواهر العابرة للحدود مثل الاتجار بالأطفال والاستغلال الجنسي.
إن بناء مجتمع يحترم حقوق الأطفال ويدافع عنها يتطلب تكاتف جهود جميع فئات المجتمع، بداية من الأسرة والمجتمع المحلي، مرورًا بالجهات الحكومية، وانتهاءً بالمنظمات الدولية، لتحقيق بيئة آمنة ومستقرة تضمن حق كل طفل في النمو والتمتع بحياة كريمة.
هـ) الإصابة بأمراض مختلفة مثل التلصُّص الجنسي، والمثلية الجنسية، والزنا، واللواط، وغيرها من أشكال هذا السلوك المؤسف، قد أدّت إلى نشوء حالات من القلق، والاضطراب النفسي، والاضطرابات الروحية والعقلية، والعديد من المشكلات الأخرى للبشرية.
هذه الأمراض التي غالبًا ما تظهر على شكل عادة، أو إدمان، وفي النهاية مرض إيذاء النفس والآخرين، تمثل أقبح وأدنى صور التلوث والرذيلة الإنسانية. ففي بعض الأحيان، يزداد إدمان هؤلاء الأشخاص على هذه الأفعال أكثر من إدمان المدمنين على المخدرات، حتى تتغلغل هذه الأمراض في نفوسهم وأرواحهم إلى حدّ الجنون والدمار، وما يشهده الغرب اليوم من انتشار واسع للأمراض النفسية يرجع إلى هذه الحالات.
أولئك الذين يصابون بهذه الأمراض هم أخطر مرضى الأمراض النفسية، وقد يصل احتمال شفائهم إلى الصفر، وقد يلجأون بسبب تشبّعهم إلى تعذيب الآخرين، فيتصرفون كالذئاب المتعطشة للدماء أو الكلاب المسعورة، فيعذبون ضحاياهم بمخالبهم وأسنانهم وأدوات التعذيب المختلفة. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى قتل من يقع في قبضتهم، كما هو شائع اليوم في حالات القتل المرتبطة بالأمراض الجنسية.
و) ما يُذكر في الروايات عن نفاد صبر هؤلاء الأشخاص وضعفهم يدلّ على تشديد المرض لديهم. هؤلاء الأشخاص قد يكونون من ذوي المراكز الاجتماعية والمظاهر اللائقة، ويخفي بعضهم مرضه، وقد يظهره آخرون. وتلعب الخصائص الوراثية، والوضع العائلي، والبيئات التربوية غير الملائمة دورًا كبيرًا في ذلك؛ لذلك يجب التحلي بحساسية عالية تجاه الأطفال في هذه المجالات.
هـ: الزنا
كان الفعل القبيح للزنا على مرّ التاريخ من أكثر الذنوب شيوعًا في مجال العلاقات الجنسية غير الشرعية. هذه الرذيلة، بخلاف إفساد العلاقات الاجتماعية وزعزعة البيئة الأسرية، تؤدي إلى انحرافات أخلاقية، وحرمات، وفقدان الصفات الفطرية البارزة مثل الضمير والغيرة، وتجعل الفرد يعاني من خباثة داخلية، ورغبة في الإجرام، وشعور بعدم المبالاة بحقوق الآخرين وحدودها. رغم أن هذا الفعل الشنيع كان موجودًا عبر تاريخ البشرية، إلا أنه لم يشكّل أية أمة أو دين أو شريعة في قباحته ونجاسته، ومع أن هذا الفعل البغيض كان متكررًا جدًا، إلا أنه لم يفقد طابعه الخفي.
قبل الخوض في الروايات المتعلقة بهذا الباب، نذكر باختصار بعض الآيات الكريمة في هذا المجال:
“ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا.”
(سورة الإسراء: 32)
تشير هذه الآية المباركة إلى عدة أمور في التحذير من الاقتراب من هذه المعصية:
أولًا: حرص القرآن العظيم على النهي والابتعاد عن الزنا يظهر في قوله: “ولا تقربوا”، وهذا يدل على وجوب الابتعاد أيضًا عن كل ما يؤدي إلى الوقوع في هذه المعصية.
ثانيًا: أن هذه المعصية نجسة للغاية بحيث إن الفحش والقبح ملازمان لها، فلا توجد حالة واحدة خالية من هذا الوصف.
ثالثًا: “ساء سبيلا” توضح أن هذا الطريق، رغم كونه واسعًا ومغريًا لإشباع الشهوات، إلا أنه طريقٌ سيء يؤدي إلى الهلاك.
“والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقى إثامًا.”
(سورة الفرقان: 68)
تشير هذه الآية إلى أمر مهم يتعلق بثلاثة محظورات مترابطة: الشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنا، وكل من يرتكب هذه الأفعال يعاقب بالعقاب الشديد.
وهناك إشارات أخرى مفصلة في النص حول معاني هذه الآيات وتأويلاتها الاجتماعية والأخلاقية.
ج) السؤال الأخير هو: ما هي الخاصية التي في الشرك التي جعلت الزاني والمشرك يأتيان معاً في كلا المقطعين من هذه الآية، مع أن الزنا هو فسق وله بعد عملي واعتباري، ولا يجعل فاعله مشركًا، بينما الشرك هو حالة فكرية وعقائدية، وقد ينجس الشخص المستنير حتى بنشوء ذرة واحدة من الفكر الشركي الخاص في ذهنه وقلبه.
في جواب هذا السؤال، ينبغي القول: مع أن الفرق بين الشرك والفسق هو ما ذُكر، إلا أن التلازم بين الزنا والشرك في هذه الآية يدل على أن جميع الأفعال السيئة التي يرتكبها الفاسقون تنبع من ضعف الإيمان ووجود مهدٍ للشرك في نفوسهم، ورغم أنه لا يجوز وصف الفاسق بالمشرك، إلا أن الشرك هو مظهر الباطن لكل فسق؛ لذا فإن اقتران الفسق والشرك في الآية يعبر عن الترابط الظاهري والباطني بينهما، لا سيما في ما يتعلق بالمعاصي الكبرى التي وُضعت بشأنها حدود إلهية.
قال تعالى:
«الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[1]
يجب جلد كل من الزاني والزانية مائة جلدة، ولا تُرحمهم في تطبيق حد الله، إذا كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ويشهد العقاب طائفة من المؤمنين ليكون عبرةً للآخرين.
بالنسبة لهذه الآية الكريمة، هناك عدة اتجاهات للنقاش، نذكر منها ما يلي:
أ) هذه الآية التي تصف حد الزنا وردت في سورة النور في المرتبة الثانية، يليها في الآية الثالثة حديث الزواج وتحريم نكاح الزاني أو الزانية، في حين أننا في هذا الكتاب خالفنا الترتيب القرآني وأتينا بالآية الثالثة أولًا ثم الثانية. قد يُثار سؤال: لماذا لم نتبع ترتيب القرآن الكريم في عرض المناقشة، خصوصًا وأننا أثبتنا أن لسان القرآن وصيغه وصفية لا أمرية؟ وكان من المناسب أن تبدأ الآية بوصف الحالة ثم تأتي الحدود والعقوبات لتُفند ظن الأمرية.
الجواب: الأمر ليس كذلك ولا ينبغي الظن به، فترتيب الآيات في السورة له غرض معين، إذ إن غفلة العامة عن فهم السياق الوصفي دفعت بالقرآن إلى تقديم آية الحد أولاً لأجل لفت نظر عام، أما نحن فلا نهدف إلى إثارة الرعب أو الوقوف عند الحد، لذا بدأنا بآية النكاح ثم آية الحد.
ب) مقارنة بين الآيتين (الثانية والثالثة من سورة النور) تكشف أن في آية النكاح ذكر الزاني ثم الزانية، وقيل إن الزاني لا ينكح إلا زانية، أما في آية الحد فقد تقدم ذكر الزانية على الزاني، وهذا يحتاج إلى تدقيق، إذ في مسألة النكاح يكون للرجل القرار، بينما في الزنا ليست هذه الحال، لأن الضرر على المرأة من حيث الأخلاق والسمعة والمقام أكبر، وهي التي تهيئ أسباب وقوع الفاحشة مع مسؤولية متساوية للرجل والمرأة في الحد، لذا تقدم ذكر الزانية في آية الحد ليبيّن دورها الأهم في هذه القضية.
ج) شدة القرآن الكريم في التعامل مع هذه المعصية التي وُضعت لها عقوبة شديدة يستحق الانتباه، إذ إن هذا الفعل الفاحش يُعد مدمراً لصحة وسعادة الأفراد والمجتمع، وبذلك لا يتعارض كون الدين توصيفي وهادي مع الوقاية ووضع القوانين والحدود، لأن بعض الذنوب تحمل أخطارًا منتشرة وأضرارًا عميقة لا يجوز أن يتجاهلها الشرع ونظام التطبيق والمجتمع.
د) يخاطب القرآن المؤمنين بأمرين في تطبيق الحد:
- الأمر الأول: وجوب وجود طائفة من المؤمنين عند تنفيذ الحد ليكون العقاب عظة للجميع، لأن فلسفة الحدود تتعدى التأديب إلى إقامة العبرة.
- الأمر الثاني: النهي عن الرأفة أو الترحم في تطبيق الحد على الزناة، مع التأكيد على الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن الترحم في هذا السياق كالحنان مع الحيوان المفترس.
آثار الزنا المدمرة
سبق القول إن الزنا من الكبائر التي تفشى في المجتمعات البشرية، وقد شجّع الله على إدانته بأقصى حد، إذ قال: “إذا كنتم تؤمنون بالله والآخرة فلا ترحموا الزناة في تطبيق الحدود”. ويحذر القرآن من الاقتراب من الزنا، بل حتى من مجرد التفكير فيه، ويُحض على اجتناب أسبابه الشريرة، لما له من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع، مادية وأخروية.
كما ورد في الأحاديث الشريفة، أن للزنا آثارًا سيئة عدة منها الفقر، الشيخوخة المبكرة، الموت المفاجئ، قطع البركات، الكوارث الطبيعية، والعذاب في البرزخ والنار.
قال الإمام الصادق(ع):
«للزاني ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة: في الدنيا يذهب نور الوجه، ويورث الفقر، ويعجل الفناء، وفي الآخرة سخط الرب، سوء الحساب، والخلود في النار.»[2]
ومن ذلك يتضح أن آثار الزنا مادية ومعنوية، دنيوية وأخروية، وأنها مستمرة وطويلة الأمد، ولا يقتصر الضرر على الجاني فقط، بل يشمل المجتمع.
وقال النبي(ص):
«في الزنا خمس خصال: يذهب ماء الوجه، يورث الفقر، ينقص العمر، يسخط الرحمن، ويخلّد في النار. نعوذ بالله من النار.»[3]
وهذا الحديث يؤكد أن الزنا محرم لما يترتب عليه من أضرار وتهلكة، وقد كان الإمام يعقوب ينصح ابنه قائلاً:
«يا بني! لا تزن، فإن الطائر لو زنى لتناثر ريشه.»[4]
ويعني هذا أن حتى الحيوانات لها نظام خاص بها، والتعدي عليه يؤدي إلى هلاكها.
كما ورد عن الإمام الصادق(ع) أن غضب الله يشتد على المرأة التي تدخل في بيتها من لا يحل لها، فتأكل من أموالهم وتنظر إلى عوراتهم، وهذا دلالة على الخطورة العظيمة لهذا الفعل.
وعن الإمام الباقر(ع) في كتاب علي(ع) أن رسول الله(ص) قال:
«إذا كثرت الزنا بعدي كثرت موت الفجأة.»[5]
وهذا الحديث يشير إلى علاقة بين انتشار الزنا وكثرة الأمراض والموت المفاجئ في المجتمع.
وأخيرًا، قال الإمام الكاظم(ع):
«اتقِ الزنا فإنه يمحق الرزق ويبطل الدين.»[6]
أي أن الزنا لا يهلك فقط الفاعل بل يضر الرزق والدين في المجتمع.
يمكن أن يكون المراد من الزنا هنا هو الزنا الجنسي، وفي هذه الحالة، تحكي الرواية عن وعي وتنبيه المعصوم، إذ يحذر من أن تنتهي النظرة إلى هذا الحد، ويأمر بقطع السبب من الآن.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها والتي تُستخلص من كلام الإمام هي أن العين خُلقت للرؤية، وأن كل وجه وشكل يستحق أن يُنظر إليه. الاختلاف يكمن فقط في نوعية الرؤية، ومدى النظر، والنوايا، والتفسيرات الشخصية. إذا كانت الرؤية ضمن حدود الشرع أو في حالات الضرورة، وكانت النفس سليمة والنوايا طاهرة، فلا بأس في الرؤية. أما إذا كانت النوايا غير طاهرة والنفس غير سليمة، فكل رؤية تصبح ملوثة؛ لذلك لا يمكن تنظيم العلاقات الاجتماعية الصحية من خلال القيود الصارمة والتخويف، بل ينبغي العمل على إزالة النقص والمشاكل، ونشر التربية والثقافة الصحيحة لتهيئة بيئة التفكير السليم والصحة النفسية في المجتمع.
ما يتبادر إلى الذهن استنادًا إلى هذا المبدأ هو أنه إذا كانت النظرة تشكل مشكلة شرعية، فإن العقل لا شعوريًا يبدأ في تحليل الوجه المرئي ومقارنته. في هذه الحالة، تتداعى في الذهن أوجه القبح والجمال من زوايا متعددة، ويشغل ذلك الرجل مثل المرأة، فلا يمكن أن تكون الرؤية بلا انعكاس أو مقارنة. هنا يقول الإمام: “هذه حقيقة، وإذا كانت النية صادقة والقلب صافياً، فلا مانع.”
إذا لم تحدث في هذه المشاهدات أية أدران أو إثارة أو شهوة أو أوهام شيطانية، فإن هذه الملاحظات والمقارنات أمر طبيعي ولا مشكلة فيه. التوصية الوحيدة هي صدق القلب والابتعاد عن المعصية، وهذا أمر آخر يجب الانتباه له بشكل كامل.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أتخبركم بأكبر الزنا؟ قالوا: نعم. قال: هي امرأة توطى فراش زوجها فتأتي بولد من غيره، فيلزمه زوجها، فذلك التي لا يكلمها الله ولا ينظر إليها يوم القيامة ولا يزكيها، ولها عذاب أليم.»
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هل تريدون أن أخبركم بأكبر الزنا؟ قالوا: نعم. فقال: الزنا الأكبر هو امرأة متزوجة تسمح لغير زوجها بالدخول إلى فراشها، وتلد منه ولدًا يلزمه زوجها، وهذه المرأة لا يتكلم الله معها يوم القيامة، ولا ينظر إليها برحمة، ولا يطهرها من الذنوب، ولها عذاب شديد.
الذي يجب مراعاته في هذه الرواية هو أن المقصود ليس مجرد الزنا فقط، بل زنا أكبر، وهو زنا المرأة المتزوجة التي لا تكتفي بالخيانة بل تلقي بنتيجة عملها القذر على عاتق زوجها. هذا الفعل يعكس ضعفًا وانحطاطًا في إيمان المرأة إلى حد أن الله لا يهتم بها، ويغلق باب الهداية أمامها، وينتظرها عذاب مؤلم يوم القيامة.
عن نعمان الرازي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: “من زنى خرج من الإيمان.”
يعني هذا البيان أن الزنا يسلب إيمان الإنسان، وأحد آثاره هو ضعف الإيمان؛ كما أن المؤمن الحقيقي لا يرتكب مثل هذا الذنب إلا إذا كان إيمانه ضعيفًا ومتهالكًا.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما زنى غيور قط.»
يقول الإمام علي (عليه السلام): الشاب الشريف لا يرتكب الزنا أبدًا.
الغيرة هي التغيير والغيرة جميعها من نفس الجذر، وهي تعبير عن الرفض والاحتجاج تجاه ما لا يرضى عنه الإنسان. الأشخاص الملوّثون، الضعفاء، عديمي المبادئ، المنفصلون عن عقائدهم، ذوو النفوس الباردة، ليس لديهم روح صافية أو عزة نفس. أما المحبون الحقيقيون، أصحاب القلوب المشتعلة، فهم لا يظلوا بلا رد فعل تجاه ما لا يرضون عنه، بل يظهرون التحرك والتغيير المناسب. وهذا التغيير إذا رافقه تدبير وحكمة فهو شجاعة، وصاحب الشجاعة له غيرة، والغيرة صفة كمالية رفيعة، والإنسان الذي يمتلكها يكون حكيمًا وشجاعًا، وإلا يكون في الجانب المعاكس المتمثل في التفريط والبرود أو الإفراط والعنف والتهور.
المؤمن غيور، والغيرة صفة ذاتية لله تعالى. الغيرة لازمة للإيمان، وترافق الرجولة والشجاعة، كما أن الذنب والنجاسة والزنا والخيانة هي أمراض القلوب التي تفتقر للغيرة. هذه الأمراض لا توجد في القلب الغيور، والزناة يفتقرون للرجولة والغيرة. كما قال الإمام: الشخص الغيور الذي يتمتع بالطهارة والعفة لا يقع في هذه الموبقات.
قال تعالى في الحديث الشريف: “إن الله غيور، ولا يرضى بالقبائح، والغيرة هي حق من حقوق الله تجاه نظام الخلق الحسن.”
وفي رواية صفوان قوله: «إذا فشا الزنا ظهرت الزلزلة.»
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله): “إذا ظهر الزنا بين الناس وأصبح أمرًا عاديًا، يظهر الزلزال.”
كما ذُكر سابقًا، من آثار الزنا الظاهرة الحرمان والهلاك، وذُكر في الروايات أنه من أسباب الموت المبكر والجلطات المفاجئة. وفي هذه الرواية يُذكر الزلزال كأحد العواقب القهرية لهذا الذنب. فالنتيجة أن هذا الذنب يؤدي من الفساد الفردي إلى الكوارث العامة.
قال النبي (صلى الله عليه وآله): «لن يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله عز وجل من رجل قتل نبيًا أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلة لعباده، ومن أفرغ مائه في امرأة حرام.»
يقول النبي (صلى الله عليه وآله): لا يوجد ذنب أعظم عند الله من قتل نبي، أو هدم الكعبة، أو الزنا.
في هذه الرواية، تم وضع الزنا جنبًا إلى جنب مع أعظم الذنوب الممكنة، سواء كان المقصود زنا الأكبر (زنا المرأة المتزوجة) أو لم يُذكر ذلك، فالرسالة أن هذا العمل من أعظم الكبائر، وهو تعبير عن شدة كراهية الدين له.
وقد وردت عبارات مثل:
«من أفرغ مائه في امرأة حرام»
أو
«من نطفة حرام وضعها أمرؤ في رحم لا تحل له»
قد تكون استعارات للزنا الذي يؤدي إلى حمل غير شرعي وولادة غير شرعية، وهذا الفعل مهما كان، لن ينجو صاحبه من عقاب الدنيا والآخرة. هل حقًا هذا الفعل هو تدمير لصحة المجتمع والأفراد، وهو الذي يبطل آثار الأنبياء والكعبة؟
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا تزنوا فيذهب الله لذة نسائكم من قلوبكم، وعفوا تعف نساؤكم. إن بني فلان زنوا فزنت نساؤهم.»
يقول الإمام علي (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا ترتكبوا الزنا، فإن الله يزيل لذة التلذذ بالزوجات من قلوبكم، وتعفّوا حتى تعفّ نساؤكم. إن بني فلان زنا أبناؤهم، فزنت نساؤهم.
تكشف هذه الرواية، بدقة بالغة، حقائق نفسية وتاريخية تعطي إنذارًا لكل غافل:
أ) تحذر من التلوث بالزنا لأنه يزيل لذة العشرة الزوجية، ويدفع الإنسان إلى البرود واللامبالاة، كما أن الزاني يميل تدريجيًا إلى الحرام ويمل من زوجته، وكذلك الزوجة تنفصل عنه تدريجيًا حتى تقع هي أيضًا في الحرام.
ب) طبيعة الكون وأنماط وجوده وأفعاله مترابطة، وكل كائن يؤثر ويتأثر في غيره، لذا يقول الإمام: تحلّوا بالطهارة لتظل نساؤكم طاهرات، وإن تلوثتم بالذنب فإن نساءكم حتمًا سيتلوثن، وهذه قاعدة من قواعد الطبيعة، كما يضرب مثلاً تاريخيًا ببني فلان الذين انتهكوا هذا القانون.
لأنّ هؤلاء قد ارتكبوا أفعالاً غير لائقة، وكانت نساؤهم أيضاً مشاركات في هذه الآثام. ولدى بني فلان قصة خاصة، ولكننا لا نُبيّنها الآن.
ج) بناءً على ارتباط وموازنة منطقية مباشرة، يمكن الاستنتاج بأن صحة وسعادة الرجل مرتبطة بصحة وسعادة المرأة، وكذلك صحة المرأة مرتبطة بصحة وسعادة الرجل. ومن الواضح أن الدور الأكبر في هذا التوازن والعلاقة يعود للرجل الذي يمكنه أن يؤثر بشكل كبير في البيئة الأسرية والاجتماعية.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كذب من زعم أنّه وُلد من نطفةٍ طاهرةٍ وهو يحبّ الزنا.»
هذا الحديث يحتوي على نقاط بارزة نوجزها فيما يلي:
أ) الإمام (عليه السلام) يلتفت إلى الحقيقة النفسية والوراثية التي تقضي بأن الصفات والخصائص التي يحملها الأبوان أو الأقارب تنتقل إلى الأبناء، سواء كانت هذه الصفات جيدة أو سيئة.
ب) الحديث لا يتحدث عن فعل الزنا، بل عن حبّه، سواء قام به الشخص أو لم يقم. فقد يكون أحدهم قد ارتكب الزنا ونادم عليه، وآخر لم يرتكبه لكنه يحبّ الفعل ويرغب فيه. لذلك، ليس هناك ملازمة بالضرورة بين الفعل والحب أو الامتناع عنه والكرهه.
ج) بما أنّ المظاهر الخارجية قد تختلف عن الحقيقة، فكيف يمكن لأحد أن يزعم بأنه من نطفة طاهرة أو غير طاهرة؟ الجواب هو أن قول الإمام (عليه السلام) يرمي إلى بيان الحقيقة التي لا تُغفَل، فإذا كان الإنسان يستمتع بهذا الفعل ويتلذذ به فهو آثم، وإن ادعى خلاف ذلك فهو كاذب، لكن هذا القول في ظرف اقتضاء وليس على سبيل الحتمية، إذ قد يكون الإنسان ملوثاً ولا يحبّ الفعل بسبب التربية والبيئة، أو محباً له دون أن يكون ملوثاً.
قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إن الزناة يُعرفون من رائحة فروجهم يوم القيامة.»
الرائحة النتنة للزناة هي أثر فعلي لعملهم، والذي لا يشعر به الإنسان في الدنيا بسبب الغفلة وعدم تحكم الحواس، بينما يشعر به أولياء الله ويتأذّون منه.
في حديث مناهي النبي (صلى الله عليه وآله): «إن من زنى بامرأة مسلمة أو يهودية أو نصرانية أو مجوسية، سواء كانت حرة أو عبدة، ثم لم يتب ومات مصرّاً على ذلك، فتح الله له في قبره ثلاثمئة باب تخرج منها حيّات وعقارب وأفاعي النار، فيحترق إلى يوم القيامة، وإذا بُعث من قبره تضرّ الناس من نتن ريحه، ويُعرف بذلك وبما كان يعمل في الدنيا حتى يُؤمر به إلى النار. إن الله حرّم الحرام وحدّ الحدود، فما أحد أغير من الله عز وجل، ومن غيرته حرّم الفواحش.»
توضح هذه الرواية الجوانب التالية:
أ) في تحريم الزنا لا فرق بين المرأة المسلمة أو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، لأن الموضوع هو أهل الكتاب والموحدين. أما المرأة الكافرة غير الكتابية فلا حرمة لها ولا اعتبار لعفتها.
ب) لا نناقش الآن كيفية التعامل مع النساء الكافرات في النكاح والنظر، لكن بشكل عام، النظر إلى جسد المرأة الكافرة إن لم يكن مع نية شهوة لا مانع منه، إذ لا حرمة للكفار.
ج) يعاقب الله بشدة من لا يتوب عن هذا الفعل ويصرّ عليه حتى الموت، بما لا يمكن إدراك شدة عذابه من قبل العوام.
د) الحدود والحلال والحرام هي أحكام واقعية من الله تعالى، ويجب الالتزام بها جديّاً وعدم التهاون فيها.
هـ) غيرت الله هي سبب تحريم الفواحش، ومن غيرته ألا يُرتكب ما يُغضبه.
من خلال جميع الآيات والأحاديث التي تتناول الزنا، يتضح قبح هذا الفعل وطهرانته، حتى إن المؤمنين لا يقربونه، ويلجأ إليه فقط من له خلل نفسي أو روحي.
موضوع اللواط:
اللواط هو معاشرة الرجل أو الصبي مع مثيله من الرجال دخولاً، وهو من القذارات التي حرّمها الدين تحريمًا قطعيًا، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تندد بهذا الفعل.
النبي لوط (عليه السلام) من الأنبياء العظام، قال الله تعالى:
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
﴿إِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
وقوم لوط كانوا جهلةً متجاوزين فاسدين، يقول القرآن في حديثهم مع نبيهم:
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اخْرُجُوا الْقَوْمَ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
أي عندما نبههم لوط على فعلهم المحرم، أنكروا عليه وطلبوا منه الخروج لأنهم يدّعون الطهارة.
قال تعالى:
«أتأتون الذّكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم بل أنتم قومٌ عادون. قالوا: لئن لم تنتهِ يا لوط لتكوننّ من المُخرَجين. قال: إنّي لعمَلكم من القائلين، ربّ نجّني وأهلي مما يعملون.» [76]
هل من بين العالمين تَختارون الذكور وتَفعلون الفاحشة وتَتَرُكون الأزواج التي خلقها لكم ربكم؟ بل أنتم قوم ظالمون. قالوا: يا لوط إن لم تكف عن قولك هذا، ستكون من المطرودين. قال: إني أبرأ إلى الله من أعمالكم الظالمة، ربّ أنجني وأهلي من عذابكم.
هذه الآيات الإحدى عشرة التي تخاطب قوم لوط عليه السلام تُوضح موقفه منهم، ونُلخصها فيما يلي:
كان لوط عليه السلام يصف فعلهم الفاسد بـ«الفاحشة» التي تُظهر رذالة ونجاسة هذا العمل بوضوح، موضحًا ذلك بقوله «وأنتم تبصرون»، أي كما تعلمون. وأضاف بأنّه لم يسبق أحدٌ منهم أن اقترف هذا الفعل الشنيع قبلهم، وأنّه حتى في زمانه هم وحدهم من يفعلونه. هم يختارون الذكور لإشباع شهواتهم، ويُهملون النساء اللائي خلقهن الله لهم، وهذا عمل مخالف للفطرة والعقل. وأكد لوط عليه السلام على معارضته الشديدة لهم، ووصفهم بأنهم قوم مسرفون ومتجاوزون.
رد قوم لوط عليه: «يا لوط إن لم تكف عن هذا، سوف تُطرد من مدينتنا»، وقالوا لبعضهم: يجب أن نطرد أهل لوط لأنهم طاهرون ولا يشاركوننا في هذه الفواحش.
ومن هذه الآيات يتضح مدى ضلال وفساد وقسوة هذا القوم.
الملائكة والعذاب
قال تعالى:
«قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطرى لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد؟ قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد.» [77]
«قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تحزن. قالوا ألم ننهاكم عن العالمين؟ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين.» [78]
في هذه الآيات، تأتي الملائكة حاملة رسالة العذاب لقوم لوط، ولم يَنتبه الناس أو حتى لوط إلى أنهم ملائكة، فلذلك لما حاولوا الاستيلاء عليهم، قال لهم لوط: «لا تذلوني عند ضيوفي، هؤلاء ضيوفي، فاتقوا الله». واقترح عليهم أن يأخذوا بناته (التي هي أنقى لهم) إن كانوا يرغبون. لكنهم أجابوا بأنهم يعرفون جيدًا ما يريدون، وهم لا يريدون البنات، بل يرغبون في أفعال محرمة.
هذه الحوارات تظهر مدى وقاحة القوم، وصدق وطهارة لوط عليه السلام.
ملاحظات فقهية ونفسية:
أ – هذا الفعل القبيح معروف منذ زمن لوط، وهو تصرف ينجم عن عادة سيئة أو مرض أو نقص في الوصول إلى الجنس الآخر، أو عجز جنسي، وهو مخالف للفطرة ويسبب أمراضًا وإيذاءً وتدميرًا للشخصية.
ب – هذا التصرف يؤدي إلى انحراف العلاقات الطبيعية واضطراب المجتمع.
ج – الممارسون لهذا الفعل يفقدون الإنسانية ويعيشون حالة من الضعف النفسي والاضطراب، وينحدرون إلى حالة من الانحطاط الأخلاقي والروحي.
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان طاهرًا وكريمًا، وحذر من العصيان والانحراف.
وفي القرآن الكريم في سورة البقرة أمرٌ بترك النساء في فترة الحيض، وهذا دليل على الطهارة والاحترام للطبيعة. بناء عليه، الاقتراب في غير أوقاته أو الممارسات غير الطبيعية مكروه ومحرّم في بعض الأحوال.
أحاديث نبوية وروايات:
- عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «حرمة اللواط أعظم من حرمة الزنا، فإن الله أهلك أمة بسبب اللواط ولم يهلك أحدًا بسبب الزنا.» [81]
ويُفهم من هذا أن اللواط من الكبائر التي قد تؤدي إلى هلاك الأمة. - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ألح في وطء الرجال لم يمت حتى يدعو الرجال إلى نفسه.» [82]
أي من يصر على هذا الفعل الشنيع يصبح هو نفسه مدعوًا ومأخوذًا بهذا الفعل بلا استراحة. - عن الإمام الصادق عليه السلام: «اللواط مادون الدبر، والدبر هو الكفر.» [83]
أي أن اللواط -بمعناه الفعلي- عمل كافر، وإن لم يكن فيه دخول. - عن ميمون البان قال: «قال الإمام الصادق عليه السلام: من مات مصّرًا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجر من تلك الحجارة التي أُهلك بها قوم لوط ولا يراه أحد.» [85]
أي أن الله يعاقب المُصرّين عليه بعذاب غير مرئي، قد يسبب الموت فجأة. - عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جامع غلامًا جاء جنبًا يوم القيامة، لا ينقيه ماء الدنيا، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له جهنم.» [86]
ويُذكر أن هذا الفعل يهز العرش الإلهي، ويُحبس الفاعل على جسر جهنم حتى ينتهي حساب الخلق، ثم يعذب في طبقات النار إلى الأبد. - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وأولاد الأغنياء والملوك، فإن فتنتهم أشد من فتنة العذارى في خدورهن.» [87]
أي أن فتنة الشباب الغنيين والأمراء أخطر على المجتمع من فتنة البنات.
خاتمة:
هذه النصوص كلها تدل على خطورة هذه الأفعال على الفرد والمجتمع، وتحذر منها بشدة. وتدعو إلى الوعي الاجتماعي والابتعاد عن هذه الممارسات الشاذة حفاظًا على النفس والمجتمع من الفساد والهلاك.
الرجال الحوامل!
٧- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن لله عبادًا لهم في أصلابهم أرحامٌ كأرحام النساء». فسئل: فما حالهم لا يحملون؟ فقال: إنها منكوسةٌ، ولهم في أدبارهم غدةٌ كغدة الجمل أو البعير، فإذا هاجت هاجوا، وإذا سكنت سكنوا».
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لله عبادٌ، وإن كانوا من الرجال، لهم رحمٌ في ظهورهم يشبه رحم النساء. فسئل عن سبب عدم حملهم، فقال: إن رحمهم منكوس، ولديهم في ظهورهم غدةٌ كغدة الجمل أو البعير، فإذا أثارت الغدة شهواتهم، هاجوا، وإذا هدأت، سكنت شهوتهم».
هذا الحديث ينطوي على حقيقة علمية عجيبة يصعب على الكثيرين في زماننا إدراكها.
في هذا الحديث يجب الانتباه إلى عدة نقاط، نذكر منها إجمالاً ما يلي وسنتناولها بالتفصيل في مجلدات لاحقة:
أولًا: احتمال استرجاع الرحم وحمل الرجال أو بعضهم من خلال وسائل طبيعية أو جراحية وزرع، قد يصل إليه البشر في المستقبل.
ثانيًا: الذين يميلون إلى الفاحشة (اللواط) سواء كانوا فاعلين أو مفعولين، تظهر لديهم هذه الغدة. ومع أن إثبات ذلك علميًا ليس يسيرًا اليوم، إلا أن المجامع العلمية العالمية يجب أن تبذل جهدها في هذا الاتجاه لاكتشاف هذا الأمر المهم الذي أشارت إليه فقط الروايات الإسلامية.
ثالثًا: التجارب العملية عبر التاريخ تشير إلى وجود رجال يحملون حالات نسائية، ويشعرون بمثل تلك الميول، ويستمتعون بها، ووجود هؤلاء بأعداد كبيرة يشهد لصحة هذا الأمر، خصوصًا مع تزايد من يسعون لتغيير جنسهم في العصر الحديث.
رابعًا: من الناحية النفسية، من الممكن إثبات هذا الأمر بسهولة عبر التجارب الأولية.
خامسًا: إذا لم نعمل على تصحيح هذه المشكلات التي قد تكون طبيعية وعادية في بعض الأحيان، فسوف نواجه نتائج قهرية كما هو الحال في عالمنا اليوم.
اللواط وعقاب الله
٨- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجلس من أصحابه، دخل رجل وقال: يا أمير المؤمنين، قد لقيت غلامي في اللواط فطهّرني. فقال له أمير المؤمنين: اذهب إلى منزلك لعله قد عاودك اضطراب في نفسك. ثم عاد في اليوم التالي فقال له مثل ذلك، فكرر الإمام عليه السلام الأمر ثلاث مرات، وعندما جاء في الرابعة قال له: قد حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مثلك بثلاثة أحكام، اختر منها ما شئت. فقال: وما هي؟ فقال: إما ضربة بالسيف في عنقك شديدة، أو رجم من جبل وأنت مقيد اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار. فقال: فأيها أشد علي؟ قال: الإحراق بالنار. قال: فاخترتها. فقال له الإمام: فاستعد لذلك».
فأقام الرجل وصلى ركعتين ثم جلس، وقال: «اللهم قد جئت من الذنب الذي أعلم، وإني خفت ذلك فجئت إلى وصي رسولك وابن عم نبيك، فاستأذنته أن يطهّرني فخيّرني بين ثلاثة عقوبات، فاخترت أشدها، فاجعلها لي كفارة لذنبي، ولا تحرقني بنارك في آخرتي». ثم جلس يبكي.
فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه جميعًا، ثم قال له: «قم يا هذا، لقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض، وتاب الله عليك، فقم ولا تعود إلى هذا الذنب».
استنتاجات هامة من هذا الحديث:
١. الإيمان الحقيقي والاعتقاد العميق يؤديان إلى انكسار النفس والندم، بحيث لا يخفي الإنسان ذنبه ولا يتجاهله.
٢. أمن المجتمع وصفاء ذهن الناس في ذلك العصر كانت تتيح للناس طرح مشاكلهم بصدق ووضوح.
٣. تأخير الإمام في اتخاذ الحكم يدل على خاصية ضبط النفس في تنفيذ حدود الله ويجب مراعاتها جديًا.
٤. شدة العقوبة، كقطع الرأس أو الرجم أو الإحراق، تشير إلى عظمة هذا الذنب وحرص الإسلام على حماية المجتمع.
٥. إعطاء المخير في اختيار العقوبة يظهر صدق إيمان الندم والالتهاب النفسي لدى المخطئ.
٦. الإيمان بالآخرة والجزاء هو أقوى عوامل ردع الإنسان عن المعاصي، كما أن ذلك الرجل قبل أقدس العقوبات ليرجو رحمة الله.
٧. تنفيذ الحدود الإلهية يهدف إلى حفظ أمن المجتمع وإصلاح الأفراد، وعندما يرى الإمام صدق التوبة يرحم.
٨. لا ينبغي للإنسان أن يغر بنفسه أو يظن نفسه معصومًا، فالخوف من الله والحرص على الابتعاد عن المعاصي ضروري.
الباب الأول: الخلفيات الاجتماعية للذكورية
السيادة الذكورية والخضوع النسائي
إحدى المسائل الجوهرية التي تُثار في سياق الحياة الزوجية والتي تفضي إلى انحرافات متعددة، هي موضوع «خضوع المرأة وسيطرة الرجل».
فالذكورية بمعناها الكامل تسود في جميع أوجه الحياة الزوجية الدينية، والمرأة كأنها أسيرة مطيعة تخضع لتقاليد ومعتقدات وأفكار ورغبات الرجل المختلفة، بينما ينبغي أن تقوم الحياة الزوجية على حياة مشتركة، هوية متميزة ووحدة حقيقية، ترافقها النموّ، الصلاح، الصحة والسعادة بحيوية ونجاح. إلا أنه يُلاحظ أن كثيرًا من هذه الجوانب تفتقد في العلاقة بين الزوجين، حيث تحكم المرأة مجموعة من التعاليم الدينية إضافة إلى القوة والسلطة التي يمتلكها الرجل التي تحدد مصيرها.
وفي مقابل هذا الاستبداد الذكوري، تلجأ المرأة في كثير من الأحيان إلى الخداع والمناورة، فتدخل في صراعات تؤدي إلى إفساد حياة الزوجين، وتشوّه وجه الحياة الجميل، وتزرع الغموض وتُفقد المحبة والصفاء.
على أي حال، المرأة هي التي يجب أن تحصل على رضا الرجل تماشيًا مع الشريعة، في حين لا توجد واجبات شرعية محددة على الرجل تجاه المرأة. فالذي يستطيع أن يُطلب منه أن تُسجد له المرأة هو الرجل فقط،[90] دون أن يُمنح للمرأة استقلالية أو حرية أو شؤون خاصة مميزة.
الرجل هو الذي يستطيع أن يضع المرأة في جوّ من الرعب والخوف، وأن يوجه لها اللوم والعتاب إذا أخطأت، أو أن يعاملها بالبرود واللامبالاة، بل وحتى أن يعاقبها بالضرب إذا اقتضى الأمر، بينما على المرأة أن تمتنع عن أي رد فعل عقابي أو انتقامي أو حتى مطالبة بالحقوق تجاه الرجل، فلا ترى أمامها سوى خيار الصبر والتحمل. هذا الوضع المهين والمأساوي ما هو إلا نتيجة لحق السيادة المطلقة والامتيازات الواضحة التي منحها الإسلام للرجل مقابل المرأة.
دراسة الخلفيات:
قبل الخوض في تحليل هذه الظنون والإجابة عنها، لا بد من الإشارة إلى عدة نقاط تمهيدية لضمان فهم صحيح، ولمنع الالتباسات الناتجة عن قراءات خاطئة، ولبيان الحقائق والانحرافات في هذه المواضيع، وكذلك لمعرفة العوامل التي جعلت المرأة تعاني من تبعات الشيطان الخبيثة، مع التأكيد على أن ظلم المجتمع والناس لا يجب أن يُحمّل للدين.
أ) الدور السلبي للنساء
رغم أن المرأة تعرضت عبر التاريخ للكثير من الظلم والقهر، وكانت في كل زمن أداة بيد هذا وذاك، إلا أن هذا الظلم لا يُبرر تقصير المرأة أو عدم مشاركتها في إهدار حقوقها وتدمير شخصيتها، لأنّها في كثير من الجوانب كانت وقودًا لنيران هذا الظلم الجهنمي. لهذا، على النساء أن يسعين جنبًا إلى جنب مع باقي أصحاب الحقوق لتحسين وضعهن، وألا يبررن قبح الظلم بحجج واهية، وألا يعرضن أنفسهن للدمار.
ب) الترسبات الفكرية الجاهلية
يمكننا في دراسة تاريخية أن نصل إلى نتيجة مفادها أن المرأة عبر العصور كانت محكومة بأفكار ورغبات الرجال المتنوعة. في العصور الماضية، كان وضع المرأة يحدده الحكام والأقوياء، وأحيانًا بعض الفلاسفة الذين فرضوا عليها أحكامًا دون معرفة حقيقية بها. رغم أن المرأة كائن عزيز وجميل ومحبوب، إلا أن كثيرًا من الرجال احتقروها واعتبروها عبداً مطيعًا، وفرضوا عليها قوانين وأعباء بجهل وأخطأوا بحقها، بحيث لم تنل سوى القليل من حقوقها وحُرمت من الكثير من النعم الطبيعية والشرعية والإلهية. وللأسف، رغم أن المرأة هي أساس الحياة وأفراد المجتمع هم من أقاربها المباشرين، فإن الكثير من الرجال أهملوا هذا الأساس.
بالتالي، رغم أن المرأة حافظت على وجودها واستمراريتها التاريخية، إلا أنها تعرضت لكثير من الظلم الفكري والعملي.
ج) الاختلاف بين المرأة والرجل
رغم أن كلاهما إنسان كامل ويساهم كل منهما في وحدة ونمو الآخر، إلا أن لكل منهما صفات بارزة تميّزه وتجعله بحاجة للآخر. فالاختلاف بينهما يكمل الوحدة الحقيقية ويؤدي إلى كمال كل منهما.
الرجل يمتلك في كثير من الجوانب البدنية والروحية قوة وإمكانيات أكثر، بينما للمرأة صفات فريدة تخصها فقط، تجعل الرجل بحاجة لها ومتأثرًا بها.
العاطفة والحنان والحيوية عند المرأة تجعل الرجل متأثرًا بها ومستسلماً لها، وهكذا تستمر المرأة في حياتها. والرجل بقوته العقلية والبدنية قد يحرك الجبال، لكن المرأة تستطيع أن تحرك قلب هذا الرجل وتجذبه إليها.
المرأة والرجل قد أبدعا تاريخيًا في استخدام قدراتهما، ولهذا نجد نساء متميزات ونساء شريرات كما هو الحال مع الرجال. لذا فإن التفوق العقلي والبدني للرجل لا يعني ضعف المرأة، فالمرأة تمتلك تميزًا خاصًا بها. واليقين هو أن الرجل يتفوق في العقلانية والإدارة والقيادة.
الفرق بين العقل والعلم
قد يُثار السؤال: كيف يكون الرجل أعلى عقلانية من المرأة بينما نجد نساء أكثر ذكاءً وتحصيلاً علميًا؟ الجواب أن العلم لا يساوي العقل. قد تكون المرأة متعلمة لكنها قد تكون عاطفية أكثر من أن تكون عقلانية، بينما الرجل عقلاني حتى وإن كان أقل تعليماً.
لذا يمكن القول إن المرأة عاطفية – عقلانية، والرجل عقلاني – عاطفي، وهذا من أهم الفروق بينهما، ولا يتعلق بالعلم أو المهارات.
هذان الكائنان يشكلان وحدة حقيقية لأن اختلافاتهما تكمل احتياجات كل منهما للآخر.
د) أساس المجتمع السليم
في المجتمع السليم يجب أن يكون الاحترام المتبادل قائمًا بين المرأة والرجل، وأن يسعى كل منهما لصحة وسعادة الآخر، وألا يهددا بعضهما. لا يستفيد أي طرف من الإضرار بالآخر، فخسارة أحدهما تعني خسارة الآخر والمجتمع كله.
يجب أن يبذل كل منهما جهده في القيام بواجباته؛ الرجل في الإدارة والقيادة، والمرأة في دعم الرجل والمجتمع، مستفيدة من مواهبها الخاصة، ليُحقق المجتمع السعادة والنجاح.
هـ) نظرة الدين للمرأة والرجل
القرآن الكريم يوضح موقفه من المرأة والرجل بموضوعية ودون مبالغة أو سياسة، ويبين مكانة كل منهما بوضوح. إذ يقول الله تعالى:
«أعطى كل شيء خلقه ثم هدى»[92]
أي منح لكل مخلوق كامل ما يلزمه في خلقة، ومنح للمرأة والرجل كامل الهداية والخلق.
كما يمدح الله خليقته بالقول:
«وتبارك الله أحسن الخالقين»[93]
ويؤكد أن تجاوز حدود الله ظلم للنفس:
«من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه»[94]
مخاطبًا المرأة والرجل على حد سواء، فكل منهما مسؤول عن التزام الحدود، والقوانين، والعقوبات.
الإسلام وضع لكل من المرأة والرجل واجبات ومسؤوليات تجاه الآخر، ووفقًا للعقل والشريعة، منح الرجل ولاية محدودة في الإدارة والقيادة، وجعل المرأة خاضعة له في هذه الجوانب من أجل وحدة حقيقية، لكنه نفى الظلم والاستبداد الذكوري، وبيّن مكانة المرأة القَيّمة بوضوح.
الشرط الوحيد الذي يجب أن يحكم العلاقات الزوجية والاجتماعية هو العقل والشريعة، فهما من يُوجهان سلوك المرأة والرجل. المرأة خاضعة للرجل في بعض الجوانب الخاصة، لكنها في أشياء أخرى لها مكانة متميزة. لذلك، لا يحق للرجل أن يحكم ظلماً، ولا على المرأة أن تطيع زوجها في معصية الله.
يمكن القول بهذا البيان: إذا كان مصطلح «السيادة الذكورية» يعني القيادة، والإدارة، وتحمل مشاق الحياة وصعوباتها، فلا إشكال في ذلك من منظور العقل، كما أن الشريعة تقبله؛ مع أن كلمة «سيد» تحمل هيبةً ومهابةً قد لا تناسب مجال الحميمية والمحبة الأسرية. أما إذا كان المعنى هو الظلم والاستبداد والبطش، فذلك لا يتوافق مع الشريعة ولا مع العقل؛ لأن المرأة في نظر الشريعة ليست عبدة أو أسيرة، بل هي زهرة المحبة ورحيق الحياة الحلو، وكما أن أساس الطبيعة قائم عليها وهي جانب من وجوهها، يجب أن تحظى بالحماية والمحبة التامة من الرجل لكي تستمر الحياة في حركتها المتزنة وتصل النزعات السليمة والكمالات الإنسانية إلى ذروتها.
فإن أذاى الرجل للمرأة من جهل أو سوء فهم للحقائق والمقاصد الدينية والحياتية، أو تسببّه في مشكلات لها، فهو عمل غير صحيح من جهة العقل والدين، كما قد تسبب المرأة للزوج اضطرابات وحيرة؛ وهذه التصرفات لا علاقة لها بالعقل أو القانون أو الدين، بل هي ناتجة عن الجهل أو القصور أو ضعف الذات في المجتمع والأفراد.
السبب الثاني: وحدة الإدارة وثبات الحياة
تكون الحياة الزوجية مدعومة من العقل ومقرّة من الدين حين تقوم على وحدة حقيقية وآثارها الخاصة. ولتحقيق هذا الهدف المقدس، يجب قبول أن الحكم التنفيذي للحياة الأسرية يجب أن يكون بيد شخص واحد، ونظراً لأن الأمر بين الرجل والمرأة، فإن للرجل الأسبقية في ذلك؛ لأن المشاعر لا تستطيع أن تكون قائداً للحياة. يجب على المرأة في أصول الحياة أن تطيع زوجها، مع أنها في جوانب كثيرة لها الحرية والاستقلال. ويجب اعتبار هذا الأمر مبدأً، لأنه ليس فقط لمصلحة الطرفين، بل لأن الحياة بدون هذا الأصل لا تدور في مسار صحيح. هذه الطاعة ذات أساس عقلاني ولا تتعارض مع التفاهم والمشورة والوحدة في الرأي.
وبهذا يتضح أن الأمر الذي أوصت به الشريعة بشأن رضا الرجل من المرأة هو لا شيء سوى الطاعة الشرعية المحدودة، ولا تعني رضاً مطلقاً غير محدود أو تمرداً وظلماً، بل هي فقط من أجل وحدة القيادة ومعرفة اتجاه سير الحياة.
بالطبع، لا يجوز للرجل تجاهل المرأة وعدم الاهتمام بأفكارها أو رغباتها وإسعادها، بل إن رضا الطرفين هو أمر واضح في حدود الشرع. وقد ورد في الشرع كثير من الأوامر لجلب رضا المرأة من الرجل، وحدود طاعة المرأة للرجل محددة، بحيث إن إهمال الرجل في دفع الحقوق المادية والمعنوية للمرأة يؤدي إلى حرمانه المعنوي، وتستطيع المرأة المطالبة بحقوقها قانونياً.
إن توصية الدين للمرأة في الطاعة من زوجها هي للحفاظ على ثبات الحياة ومنع الفوضى. ومكانة الرجل كالمسجد تعبر عن موقعه كزوج، لكي تستطيع المرأة تنظيم حياتها في سبيل الوحدة والارتقاء.
هذا الثناء والاحترام للرجل يوضح مكانته، كما أن الدين قد بين مكانة المرأة والأم والولد والبنت والابن بوضوح، ومنها قول الرسول عن حق الأم: «الجنة تحت أقدام الأمهات»، وهذه المكانة لا ينالها الرجل.
لذا لا ينبغي النظر إلى هذه التعريفات في الشريعة عن المرأة والرجل بمعزل عن بعضها واعتبارها محل نقد، بل يجب النظر إليها معاً بموضوعية ليظهر أن جميع هذه التصريحات تهدف إلى تثبيت الحياة وحفظ القيم.
السبب الثالث: طاعة المرأة وحماية الرجل
إذا كان الرجل والمرأة كلاهما مستقلين بحيث تخرج المرأة من دائرة طاعة الرجل وينزع الرجل حماية نفسه عنها، فلن يكونا مكملين لبعضهما البعض. الاستقلال الكامل لكل منهما يساوي تفكك الحياة. وهذا في حين أن تحقيق مجتمع صحي غير ممكن بدون حياة أسرية صحية، ولا يمكن إنشاء بيئة أسرية دون اتصال ووحدة خاصة بين الرجل والمرأة.
من الناحية النفسية والاجتماعية، توجد ثلاثة خصائص أساسية في المرأة تميزها وتعتمد عليها شخصيتها الحقيقية: الشعور، الرقة، والجاذبية.
ورغم أن الرجل مطلوب للمرأة والمرأة مطلوبة للرجل، فإن المرأة بشكل خاص مطلوبة للرجل والرجل طالب لها، وسبب هذه الجاذبية هو الشعور والرقة المودعة في خلق المرأة. ولهذا في قصة آدم وحواء عندما رأى آدم حواء لأول مرة قال: «إلىَّ، إلىَّ» فأجابته «أنت إلىَّ».
في المرأة الشعور والرقة والجاذبية، وهي وجه اللطف ومظهر من أسماء الله الحسنى «اللطيف»، وجسمها وروحها ملآن بلطف وشعور وجاذبية. بهذه الهوية، طاعتها للرجل ليست استغلالاً، بل سبب خضوع الرجل أيضاً.
جمال المرأة والمشكلات الخارجية
قد يُسأل: لماذا خلقت المرأة بهذا الشكل الرقيق الذي لا يستطيع مقاومة الرجل أو صعوبات الحياة، وتُنهكها المشاكل الطبيعية وغير الطبيعية؟
الجواب: الجاذبية في المرأة، بالإضافة إلى أنها تظهر جمالها وكمالها، هي سبب بقاء نسل الإنسان. والشعور في المرأة يجعلها مستعدة لتربية وحماية الطفل طوال عمرها، حتى في النوم وفي فترة الحمل ترعى طفلها لا شعورياً. الأم تتحمل آلام طفلها بفرح واشتياق، لا بكراهية أو عناء. لو لم يكن هذا الشعور والجمال والحب والرقة، لما أنجبت المرأة أطفالاً أو حمتهم، ولانقطع نسل البشر. ومع أن ألم الولادة من أشد وأصعب حالات المرأة، إلا أن الشريعة ترفع من منزلتها، فمن ماتت في الولادة كأنها شهيدة.
بعد الولادة، المرأة المتحمسة والمغامرة تسأل عن طفلها قبل التفكير في صحتها. هذا الحب والشعور العظيم دليل على جاذبية المرأة وتقدمها في العشق والشوق.
الجاذبية تختلف عن الرقة والشعور والحب، لكنها لا تنفصل عنها. هذه الثلاثة معاً تعطي صورة واضحة للجاذبية الخاصة، وتحدد مكانة المرأة المميزة.
إذا غاب أحد هذه الصفات الثلاثة، لما كانت المرأة كما هي. لذا نقول: هذه العوامل البشرية الدقيقة هي هويّة خاصة بالمرأة، وتحتاج إلى حامٍ. والرجل بسبب ارتباطه الفطري بالمرأة يجب أن يعتبر نفسه حامياً لها ولا يتخلى عن هذه المسؤولية الفطرية.
مثال: إذا قيل: «الزهرة يجب أن تكون رقيقة وعطرة وناعمة»، فلا يسأل أحد لماذا الزهرة عطرة ورقيقة ولماذا تذبل بسهولة وتحتاج للحماية؟ أو لماذا الزهرة زهرة؟ هذه أسئلة غير صحيحة ولا تعكس معرفة. وكذلك لا يجب أن يُسأل لماذا المرأة امرأة؟ ولماذا تحتاج للحماية كي لا تذبل؟ ولهذا يجب على الرجل أن يتحمل مسؤولية حماية المرأة.
جذر طاعة المرأة للرجل هو حماية الرجل الشاملة للمرأة. يجب على المرأة أن تطيع لتكمل حماية الرجل وتحصل على مصلحتها الفطرية.
بالتالي لا يجب أن يُسأل لماذا الرجل هو الحامي؟ لأن القريب إلى أي كائن هو هويته المرافقة. والرجل أيضاً إنسان، والإنسان يحمي الإنسان، مثل أعضاء الجسم التي تؤدي وظائفها. هذه ليست استغلالاً بل تعاوناً ودلالة على وحدة حقيقية.
لماذا المرأة امرأة؟
قد يُسأل: هل السؤال عن «الذات» خطأ؟ وما المشكلة في السؤال عن الذات؟ لماذا المرأة امرأة؟ لماذا رقيقة وناعمة مثل الزهرة، وتذبل بسرعة وتحتاج للحماية وتشعر بالاعتماد على الآخر؟
الجواب يبدأ بالتفريق بين «النوعية» و«الشخصية». النوعيات تحكمها قوانين ثابتة، بينما الشخصيات يمكن أن تختلف وتتغير. مثلاً، عندما نسأل لماذا النار نار والماء ماء، نقول: لماذا لا تكون النار ماءً أو العكس؟ لو لم تكن الأشياء كما هي، يختل نظام الحياة والكون. لذلك النوعيات ثابتة.
المرأة امرأة، كما الإنسان إنسان، وكل شيء هو ما يجب أن يكون عليه، ولا يمكن أن تكون نوعيته غير نوعيته. بناءً عليه، عندما تثبت النوعيات، تتبعها خصائص ونتائج ضرورية.
أما بالنسبة للشخصيات، فهي قابلة للتغيير والاختلاف، لذلك يمكن أن نسأل لماذا ولد هذا الطفل ذكر أو أنثى، لماذا هذه المرأة طويلة أو قصيرة، جميلة أو قبيحة؟ هذه أمور قابلة للتفسير والتغيير.
لذلك، السؤال لماذا المرأة امرأة، ولماذا رقيقة، ليس سؤالاً مناسباً ولا ينتج عنه نتيجة محددة.
وكذلك لو سُئل لماذا الرجل يحتاج إلى المرأة، فهذا سؤال مناسب ويجب أن يكون كذلك، لأن المرأة تكمل الرجل. لذلك حماية الرجل للمرأة ليست من باب الشفقة، بل من حاجة ذاتية، فالمرأة سبب بقاء الرجل وسعادته، مثلما رعاية الزهرة ليست من باب الشفقة.
في هذه الأثناء، السؤال المهم هو: ما هي حقوق المرأة الأساسية وكيف تستعاد؟ لماذا تُظلم المرأة وكيف نزيل هذا الظلم التاريخي؟ هذه الأسئلة لها إجابات وأسباب تُبحث في مواضع أخرى من هذا الكتاب.
القسم الثاني: الأدلة النقلية
الإدارة والطاعة
من وجهة النظر العقلية، يجب على المرأة أن تطيع زوجها طاعة عقلانية ومناسبة، وأن تمتثل لأوامره بما يليق بالحياة الأسرية السليمة، ولا يكون العكس مناسبًا لعلاقة زوجية صحية؛ لأن المرأة بطبيعتها العاطفية قد تسبب مشاكل في أوقات الأزمات، بينما طاعتها للرجل تقوي النظام الأسري وتعزز إدارته. في ظل إدارة صحيحة وقوية وطاعة عقلانية ومناسبة، يستطيع الزوجان تجاوز مشاكل الحياة بسهولة، وتحريك عجلة الحياة بسرعة وسلامة.
إن الدين الإسلامي المبين يضع أحكامه وتعاليمه السامية على أساس الفطرة والعقل السليم، مستندًا إلى الضرورات والحقائق، وفي إطار الواجبات والنهى. لذلك، قرر الإسلام وجوب طاعة المرأة لزوجها، ونصحها بأن تخضع له طاعة عقلانية من أجل كمالها وسعادتها وسعادة أسرتها ومجتمعها. أما طاعة الرجل لشهوات المرأة وأهوائها الفاسدة، فقد اعتبرها سببًا للفساد والهلاك، وأدانها بشدة. والآن نذكر بعض الآيات والأحاديث التي أكدت هذا الحكم العقلي وأيدته.
الدليل الأول: القرآن الحكيم
قال تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾[١]
أي: الرجال بطبيعتهم أقدر على القوامة والرعاية من النساء، ولهم أسبقية وتقدير وضعه الله لبعضهم على بعض، بالإضافة إلى النفقة التي يتحملونها في إعالة الأسرة. والنساء الصالحات يَخضعن لزوجهنّ، ويحفظن غيبهن وأسراره، بما أمر الله بحفظه.
ومن الصفات التي خص الله بها الرجال في هذه الآية كلمة «قوّامون»، وهو جمع «قوّام» وهو مبالغة من «قيم» التي تعني صاحب الوصاية والقيام على الآخر. ومراد «ما فضّل الله بعضهم على بعض» هو القدرة الأكبر على التدبير والرشد والإدارة لدى الرجل، و«بما أنفقوا» يشير إلى الإنفاق المالي على الزوجة والأسرة.
لو نظرنا إلى الأمر بعقلانية، نرى أن استمرار الحياة الأسرية بطبيعتها يتطلب وحدة في الإدارة والقيادة، فإذا أراد الرجل والمرأة أن يكونا كلاهما مديران، لا تتحقق هذه الوحدة والتنسيق الكامل. كما أن جعل المرأة هي المديرة الرئيسية يناقض جميع مقومات الحياة. ولذلك، يقرر العقل في النهاية أن الرجل هو القوام والمسؤول عن إدارة الأسرة، سواء في الحياة المنزلية أو في الشؤون الاجتماعية.
العدل والاختلاف في الخلق
قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾[٢]
أي: لا تتمنوا فضيلةً أو نعمةً أنعم الله بها على بعضكم على بعض، فالرجال لهم نصيب مما اكتسبوه، والنساء لهُن نصيب مماثل، واسألوا الله من فضله، فهو عليم بكل شيء.
وقد روى المفسرون أن هذه الآية نزلت ردًا على امرأة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عندما تساءلت لماذا الرجال يذهبون للجهاد والنساء لا، ولماذا يرث الرجال ضعف ما ترثه النساء.
وقال تعالى:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[٣]
أي: للنساء حقوق معروفة وواجبة على الرجال، وهي حقوق متساوية أو مناسبة، لكن الرجال لهم درجة أو رتبة على النساء، وهي ليست تحيزًا أو ظلمًا، بل حقيقة مرتبطة بالتكليف والمسؤولية والإدارة في المجتمع والأسرة.
اللفظ «المعروف» هنا يعني ما يعرفه الناس ويعترف به العقل والفطرة دون تحريف أو انحراف، وقد ورد في القرآن ٣٢ مرة في سياقات تدعو إلى الالتزام بالحق والفطرة.
كل ما جاء في الإسلام من أحكام تخص الرجال أو النساء هو متناسب مع طبيعة وواقع الأفراد، وأي تفاوت أو تفضيل له أساس من العدالة العقلية والمصالح الواقعية.
من أجل فهم هذه الحقيقة جيدًا، يجب الانتباه إلى انحرافين: أولًا، من ينكرون الفرق بين الرجل والمرأة زاعمين تشابههما الكامل، وهذا كلام غير منطقي ومضحك، وثانيًا، الظلم التاريخي الذي تعرضت له المرأة في مختلف الحضارات، وهو أمر مخزٍ ومحزن، بدءًا من القبائل الوحشية حتى المجتمعات المعاصرة التي تروج لمفاهيم زائفة باسم الحرية والتقدم.
الإسلام وحده، بهذا الاعتدال والعدل، يعرض الحقائق والحقوق بموضوعية دون غلو أو تفريط.
الدليل الثاني: روايات الأئمة المعصومين (عليهم السلام)
قال الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبي عبد الله: «إن قوماً أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله! إنّا رأينا أناسًا يسجد بعضهم لبعض. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.»[٤]
أي: إن مقام السجود عظيم ومرتفع لا يجوز إلا لله، ولكن لو كان مباحًا لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، دلالة على قدسية الزوجة وربطها الروحي والنفسي بزوجها، فهذه علاقة ليست جسدية فقط بل معنوية وروحية.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن من قسم المصلح للمرء المسلم أن يكون له المرأة إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته.»[٥]
أي: سعادة الرجل المسلم تكون بوجود زوجة صالحة تسره بحضورها، وتحفظه عند غيابه، وتطيعه في أوامره، وهذا يحقق بقاء الأسرة وسعادتها.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحجّت بيت ربها، وأطاعت زوجها، وعرفت حق علي (عليه السلام)، فتدخل من أي باب الجنان شاءت.»[٦]
أي: طاعة المرأة لزوجها شرط من شروط دخول الجنة، مما يدل على عظمة الطاعة وأهميتها في تكوين حياة أسرية مستقرة ومرضية.
وقال النبي صلى الله عليه وآله: «أما امرأة خرجت من بيت زوجها بغير إذنه لعنها كل شيء تطلع عليه الشمس والقمر حتى يرضى عنها زوجها.»[٧]
هذا التحذير يدل على خطورة خروج المرأة من بيتها بدون إذن الزوج، وأن ذلك يعتبر خروجًا عن النظام الطبيعي والانسجام في الحياة الأسرية، مما يستوجب عقابًا معنويًا شديدًا.
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه، ولا تعصيه، ولا تصدق من بيته إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وإن خرجت من بيتها بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها.»[٨]
أي: طاعة الزوج هي حق أساسي له على زوجته، وكل مخالفة لذلك تدخل في نطاق المعصية والضرر الروحي والاجتماعي.
عدة أمور تظهر من هذا الحديث:
أ. فيه ذكر للحق والطاعة والمعصية، إذ لم تكن البيانات السابقة تتناول موضوع السعادة فحسب.
ب. عدم اعتراض المرأة في الأمور الجنسية، حتى على صهوة الجمل – وهو ما يدل على عدم ملاءمة المكان – يدل على أن هذا الاهتمام يتجاوز حفظ الصحة ليضمن نجاح المرأة في كونها مرغوبة. إن تلوث الكثير من الرجال وعدم احترام كثير من النساء يعود إلى فشل المرأة في هذا الجانب. يمكن القول إن الأمر الوحيد الذي يحدد الدور الرئيسي للمرأة في الحياة وقيمتها عند زوجها هو هذا الأمر بالذات، والذي لا تعير له كثير من النساء أهمية كافية ولا يدرين موقعه، كما أن كثيراً من التلوثات الاجتماعية وفساد الرجال ناتج عن النقص والقصور في هذا المجال. عندما لا يُشبع الرجل في هذا المجال، تحاصره المشاكل النفسية والعاطفية حتى يغفل عن صحته وسعادته، فيتجه خارج البيت لتلبية حاجته، وهذا التأمين – سواء بالحلال أو الحرام – يهدد مكانة الرجل والمرأة والمجتمع تهديداً جدياً.
ج. يبيّن الحديث أيضاً إدارة الرجل وطاعة المرأة – وهي ضرورة عقلية – حتى لا يكون للرجل عذر في مواجهة المشاكل المحتملة. بناءً عليه، إذا واجه الرجل مشكلة لا يلجأ إلى زوجته، أما إذا وقعت المشكلة على المرأة، فغالباً ما يُسأل الزوج ويُحاسب.
عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
“جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على المرأة؟ قال: أكثر من ذلك. فقالت: فخبرني بشيء منه. فقال: لا يجوز لها أن تصوم إلا بإذنه – يعني تطوعاً – ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وعليها أن تتطيب بأطيب طيبها وتلبس أحسن ثيابها وتزين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه صباحاً ومساءً، وأكثر من ذلك حقوقه عليها.”
أهمية هذا الحديث تتجلى في:
أ. تحفيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمرأة على بيان حق زوجها، مبيناً في البداية والنهاية “أكثر من ذلك”، دلالة على اهتمام الدين بموقع الرجل وترسيخ أساس الحياة الزوجية.
ب. اعتباره صحة المجتمع والرجل مرتبطة بكفاءة المرأة، وأن كفاءة المرأة تكمن في قدرتها على إشباع حاجات زوجها النفسية والجسدية، فتمنعه من البحث عن ما قد يفسد أو يلوث نفسه اجتماعياً، لذا يوصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاهتمام بالنظافة، العطر، الزينة، والإطلالة المستمرة صباحاً ومساءً.
ج. نجاح المرأة وقوتها في الحياة الزوجية تكمن في تحقيق هذه القدرة، وهي تعادل قوة الرجل وصلابته.
حدود الطاعة:
- طاعة المرأة لزوجها واجبة شرعاً وعقلاً إذا كان الرجل مؤمناً صالحاً وصاحب صلاحية إدارة الأسرة، والأمر شرعي.
- لا يجوز للمرأة طاعة الزوج في المعصية أو أمر يخالف الدين أو العقل.
- إذا كان الزوج فاسقاً أو غير صالح لإدارة الحياة، يمكن للمرأة التصرف بشكل مستقل.
- الطاعة غير مطلقة بل معقولة ومرتبطة بالمصلحة.
التكافؤ في الزواج:
أمر الإسلام بالزواج بين المتكافئين في الدين والتقوى لضمان استقرار الأسرة، حيث قال تعالى:
«أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستويان»
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«المؤمنون بعضهم أكفاء بعض».
دور الأهل في اختيار الزوج:
على الأهل اختيار الزوج من حيث الدين والأخلاق لضمان طاعة المرأة لرجل صالح يحافظ على كرامتها وسعادتها، وتجنب الفتنة والفساد.
البَابُ الأوَّلُ: التَّوصِياتُ النَّبَوِيَّةُ فِي نَصْحِ زَوْجَةِ البِنتِ
قال الإمامُ الباقرُ عليه السلام في هذا الصَّدد:
«مَن خَطَبَ إلَيكُم وَرَضِيتُم دينَهُ وَأمانَتَهُ كائِنًا مَن كان، فَزَوِّجُوهُ.»[118]
فَإن جاءَ مَن خَطَبَ بِنْتَكُم وَأَعْجَبَكُم دِينُهُ وَأمانَتُهُ، فلا تَتَردَّدُوا في زَواجِ بِنْتِكُم مِنهُ، أيا كانَ.
وقد سُئِلَ الإمامُ الرِّضا عليه السلام عن طالِبِ زَواجٍ لابْنَتِهِ وهو ذا خُلُقٍ سَيِّئ، فأجابَ:
«لا تَزَوِّجْهُ إن كانَ سَيِّئَ الخُلُقِ.»[119]
وكثيرٌ من الأحاديثِ تُوصِي وتُؤكِّد على عدمِ تزويجِ بناتِكم للفاسِقينَ وسُكارى الخمرِ، لأنَّ لِذلك اعتباراتٍ هامةً منها:
أ- أنَّ الحياةَ الزوجيَّةَ رابِطةٌ مُقدَّسةٌ يَجِبُ أن يُولَى لها اهتمامٌ جِدِّيٌّ مِن البِدايةِ، ولا يجوزُ التَّهاونُ أو الاستهانةُ بها، خاصَّةً بالنِّساءِ اللواتي هنَّ أَكثرُ تَعرُّضًا للخَطَرِ.
ب- أنَّ ما يَجِبُ أن يكونَ أساسَ الزواجِ هو التَّديُّنُ وحُسْنُ الخُلُقِ والسلوكِ الطيِّبِ، فبِدُونِ هذهِ الصفاتِ لا يُمْكِنُ أن تَسيرَ الحياةُ بِصورةٍ سَلِيمَةٍ.[120]
ج- أنَّ طاعَةَ المرأةِ للرَّجلِ في إطارِ الزوجيَّةِ هي طاعَةٌ لما هو خيرٌ وطُهرٌ وأمورٌ يَرضاها اللهُ، فهذهِ الطاعةُ في حقيقتها هي طاعةُ العقلِ، وضمنَ مقامٍ رفيعٍ هي طاعةُ المؤمنينَ المتَّقينَ، وبالتالي هي طاعةُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
الفصلُ الثالِث: البُعدُ العاطفيُّ وَالعُنْفُ في التعاملِ مع الزوجة
موضوعُ البُعدِ العاطفيِّ، وما يُعرف بـ”بِلا مَحَبَّةٍ” أو العُنفِ الجسديِّ تجاهَ المرأةِ، هو مسألةٌ ذاتُ ظَاهرٍ مَرفوضٍ وشائِك، وقد أَشارت إليه النصوصُ القرآنيةُ، ولا يُمكنُ إنكارُها.
من مَوقِفِ الإسلامِ، للرَّجلِ حَقٌّ في استخدامِ الحِكمةِ والتَّأديبِ مع الزوجةِ في حالةِ العِصيانِ أو النُّشوزِ، ويَشملُ ذلك البُعدَ العاطفيَّ (الابتعادَ وعدمَ المودَّةِ) وأحيانًا العُنفَ الجسديَّ، كما ورد في قوله تعالى: «وَاضْرِبُوهُنَّ».[121]
لكن هذه الوصايا ليست دَعوةً للعُنفِ الأعمى، بل هي إطارٌ تربويٌّ ضَيِّق، وَمُقَيَّدٌ بشروطٍ تمنعُ الظلمَ والإيذاءَ المُفرطَ، ولا تَتَّفقُ أبدًا مع سِيَرَةِ الإسلامِ كدينِ رحمةٍ وعِطفٍ.
قال الإمامُ الباقر عليه السلام في تفسيرِ «وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ»:
«يحوّل ظهره إليها» أي يُديرُ ظهرَهُ عنها في الفراش، والابتعادُ عن المودَّةِ.
وفي تفسير «واضربوهن» قال:
«إنه الضرب بالسواك» أي الضرب بعودِ السواكِ، وهو ضربٌ خفيفٌ لا يُؤدِّي إلى أذى جسديٍّ جِدّيٍّ، بل يَشبهُ اللُّعبَ أو التنبيهَ.
والهدفُ من الضربِ هنا ليسَ الألمَ بحدِّ ذاته، بل إيصالُ رسالةِ التنبيهِ والتأديبِ، بحيث تشعرَ المرأةُ بأنَّ زوجها غاضبٌ، فتَسعى لتصحيحِ سلوكِها.
ردّ على الانتقادات:
- التَّأديبُ أحيانًا ضرورةٌ تربويةٌ، ولا يُمكنُ إنكارُهُ في العلاقات الإنسانية، وهو ليس قاصراً على الأطفالِ فقط، بل يشملُ جميعَ أفرادِ المجتمعِ.
- القرآنُ وَضَعَ هذه القواعدَ في إطارٍ ضيقٍ ومنظمٍ، مع تحذيرٍ شديدٍ من الظلمِ والعدوانِ، يقول تعالى: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.»[121]
- الإمامُ الباقر عليه السلام قال: «من ضرب امرأةً بغير حقٍّ فأنا خصمه يوم القيامة.»[124]
- كما أن الله تعالى لا يرضى بالعنفِ أو الظلمِ الذي يتجاوزُ حدودَ الشريعةِ.
الفروق بين الرجل والمرأة:
هذه الأحكامُ مبنيةٌ على فَرْقِ الفطرةِ والطبيعةِ بين الرجلِ والمرأةِ، حيث يُعطى الرجلُ دورَ القيادةِ والإدارةِ، بينما تَسودُ في المرأةِ عاطفةٌ ومَشاعِرُ قويةٌ، وهما يكملان بعضهما البعض في إطارِ الحياة الزوجية.
وقد قُسِّمَت النساءُ في الآياتِ والرواياتِ إلى فئاتٍ حسب استجابتهنَّ للتوجيهِ:
- نساءٌ صالحاتٌ لا يحتجنَ إلى تأديبٍ أو قسوة.
- نساءٌ يُصلحنَ بالنصحِ والوعظ.
- نساءٌ تحتاجُ إلى قسوةٍ مُحَدَّدةٍ، تبدأ بالابتعادِ ثمّ الضربِ الخفيفِ إذا لم يُجْدِ النصح.
خلاصة:
الإسلامُ لا يَقرُّ الظلمَ أو الأذى، والضربُ المذكورُ في القرآنِ يُفهمُ في إطارِ التربيةِ المحدودةِ التي لا تَتعدّى حدودَ الشريعةِ، ويجبُ أن يَكونَ بأسلوبٍ رحيمٍ وغيرِ مُؤذي.
وهو دعوةٌ إلى حفظِ كرامةِ المرأةِ والابتعادِ عن العنفِ المفرطِ أو الظلمِ، مؤكدةً على ضرورةِ المودةِ والرحمةِ كأساسٍ للحياة الزوجيةِ السليمةِ.
يمكن العثور على فئة أخرى من النساء: اللواتي تجاوزت أعمالهن نطاق المعاملة المنزلية ولا تُعالج بهذه الطريقة. وتنقسم هذه الفئة إلى مجموعتين: المجموعة الأولى هي التي ترتكب أخطاء تتعلق بأعمال غير مستحقة لا تشملها حدود الشريعة، وإنما هي مجرد معصية وخطأ عام. في هذه الحالات، يجب على الزوج حل المشكلة خارج البيت بواسطة التحكيم من كبار القبيلة، أو باللجوء إلى المحكمة والقاضي المعين من قبل الحاكم الشرعي، وإذا لم تُحل المشكلة واستحال استمرار الحياة الزوجية، يُفسخ عقد النكاح بالطلاق.
أما المجموعة الثانية فهي النساء اللواتي يرتكبن الكبائر التي تُطبق عليها حدود الله بحضور الأدلة والشهادات. ولا يجوز تنفيذ هذه الحدود داخل البيت على يد الزوج، بل يجب أن تتدخل السلطة الشرعية لإحقاق الحق. وإذا حدث أمر يمكن فيه للزوج أن يطبق حدًا داخل بيته – مثل الخيانة العلنية للزوج – فإن تطبيق الحد بهذا الشكل يخرج عن فرض الآية القرآنية، ويلزم وجود دليل خاص له.
وبالنظر إلى هذه المعطيات يتضح أن حكم “ضرب المرأة” يختص بفئة معينة فقط من النساء، وأن الغالبية لا يشملها هذا الحكم. الإسلام يريد أن تبقى المشكلة ضمن حدود البيت، ولهذا وضع الضرب كحل أخير لإصلاح الخلاف داخل البيت، وبشروط وقيود محددة في الكم والكيف. فالضرب ليس مجرد العنوان الواسع الشائع الذي يقتصر على الضرب بالعصا أو السوط، أو الذي يصحبه أذية جسدية ككسر الأيدي أو شد الشعر، بل المقصود في الآية الكريمة يختلف عن الفهم التقليدي. إذن، هذا الحكم الشرعي خاص ببعض النساء وفي موضعه الخاص فقط، وهو أفضل أسلوب تربوي في ذلك الظرف.
لماذا لا تستطيع المرأة؟
قد يُطرح سؤال: لماذا لا تستطيع المرأة تأديب زوجها إذا أخطأ، مع أن الخطأ وارد على كلا الطرفين؟
للإجابة عن ذلك، لابد من التوقف عند نقطتين: النقطة الأولى هي اختلاف طبيعة الرجال في البيت، ويمكن تقسيمهم إلى:
- رجال صالحون وأخلاقيون، يحققون رضا الزوجة والأسرة، وهؤلاء ليس موضوع بحثنا.
- رجال يرتكبون ذنوبًا يعاقبهم عليها الشرع سواء كانت هذه المعاصي متعلقة بالزوجة أو غيرها، وهذا يستدعي تدخل السلطة الشرعية، والزوجة لا يمكنها التدخل مباشرة.
- رجال يخطئون في البيت بأخطاء صغيرة تتحملها الزوجة ويصفح عنها غالبًا، لأنهم يعانون ضغوطًا خارج البيت. الشرع يثيب على الصبر على مثل هذه الأخلاق السيئة كما في قول النبي ﷺ: «من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله مثل أجر داود على بلائه، ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها مثل أجر آسية بنت مزاحم».
وهناك رجال يظلمون زوجاتهم ظلمًا لا يُحتمل ولا يُصفح عنه، فيحق للزوجة اللجوء إلى أهل البيت خارجًا أو إلى القضاء، وإن لم يُصلح الزوج فيمكنها الطلاق.
التأديب والحفاظ على كرامة الرجل
النقطة الثانية هي أن الحفاظ على كرامة الرجل داخل البيت مسألة ذات أهمية بالغة للحفاظ على الأسرة. فالمرأة مطالبة بالصبر على بعض الأخطاء التي قد يخطئ بها الرجل نتيجة ضغوط خارجية، لتكون ملاذًا وملاذًا له.
ولذلك، فإن عدم منح المرأة حق تأديب الرجل في البيت لا ينبع من الذكورية أو الظلم، بل لأن تأديب الزوج من قبل الزوجة داخل البيت أمر غير عملي وغالبًا ما يؤدي إلى مشاكل وخلافات.
تأديب الرجل المجرم
إذا كان الرجل من الذين يُطبق عليهم الحد الشرعي لجرائمهم، لا يجوز للمرأة أن تتصرف بعنف معه، بل عليها اللجوء إلى القانون بعد استعمال كافة الوسائل الناعمة والحكيمة. وقد قال النبي ﷺ: «لا امرأة تمد يدها على زوجها تريد أن تمسك شعرة منه أو تمزق ثوبه إلا ضرب الله كفيها بمسامير من نار».
لذا، يجوز للمرأة التصرف بعدل وحكمة، وبوسائل لا تثير المشكلات، وتحاول تغيير سلوك الزوج بطرق محببة أو ببرود يظهر أثره دون تصعيد الأمور.
اقتدار الرجل ودهاء المرأة
قد يُطرح سؤال آخر: لماذا جعل الله للرجل السلطة والقوة في البيت، بينما المرأة غير قادرة على الرد بنفس القوة إلا باللجوء إلى الخارج؟
والجواب أن الطبيعة منحت الرجل القوة والصلابة، ومنحت المرأة في المقابل قدرة خاصة في الدهاء والمهارة والتكتيكات الناعمة التي تمكنها من التحكم في العلاقة الزوجية وإدارة البيت، فإذا لم تنجح المرأة في استخدام هذه الأدوات، يكون السبب ضعفها الشخصي وعدم خبرتها.
ولهذا، فالأمر أشبه بجهاد للمرأة في فن التكيف والتأثير في زوجها، كما أن جهاد الرجل في المعركة لا يتم بدون سلاح وأدوات.
معركة الحب والتأثير المتبادل
طبيعة الخلق وُجدت على هذا الأساس: قوة وصلابة للرجل، ونعومة ودهاء للمرأة. وهذه المعادلة تخلق توازنًا يحمي الأسرة ويحولها إلى حقل للحب والحنان لا للعنف والصراع.
المرأة بمهاراتها الطبيعية تستطيع أن تقي نفسها من سوء استخدام الرجل لسلطته، وتحول البيت إلى ملجأ أمن وهادئ.
وبالتالي، فإن الخلق الإلهي صادق وعادل، وكل من الرجل والمرأة له دوره وميزاته التي تكمّل الأخرى، في معركة دائمة من التفاعل والتأثير.
وفي النهاية، إذا تلقى الطرفان التربية والتوجيه الصحيحين، لن تكون هناك حاجة لإخراج المشكلات إلى العائلة أو المحكمة، وعند ظهور مشكلة يجب أن تسعى الزوجان لإصلاحها أولاً بأنفسهم، وإلا فإن المحاكم ستُملأ بالمنفصلين.
تدبير النساء ومكر الشيطان
لقد أخبر الله تعالى في سورة يوسف عن قوة تدبير المرأة وحيلها النسائية بقوله تعالى:
«إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ»[134]
فقد وصف حيل النساء ودهاءهن بأنها عظيمة جداً وكبيرة. وفي المقابل، يقول الله عن مكر الشيطان:
«إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا»[135]
أي إن مكر وحيلة الشيطان ضعيف جداً.
فإذا استعملت المرأة هذه القدرة التي منحها الله لها في الاتجاه الإيجابي وبناء حياة طيبة مفعمة بالمودة، فإنّ مكرها لا يكون شيطانياً قبيحاً، بل يكون مكر رحماني محمود؛ كما أن الله تعالى ينسب لنفسه هذا الوصف في مواجهته لأعدائه بقوله:
«وَأَمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»[136]
أي أن الله يعطيهم فرصة تدريجية، وأن مكره متينٌ قويٌّ ومحكم وله أثر فعّال.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يكون، حسب بيان القرآن، مكر الشيطان ضعيفاً، ومكر النساء عظيماً؟[137]
في الجواب، يجب القول: الذي يقول إن مكر النساء عظيم هو زوج زليخة، أما الذي يقول إن مكر الشيطان ضعيف فهو الله سبحانه وتعالى. والمقصود أن مكر الشيطان ضعيف بالنسبة للمؤمنين؛ لأن الشيطان لا يستطيع إلا أن يؤثر في نفس الإنسان، والمؤمنون قادرون على ضبط أنفسهم، فلا يملك الشيطان قوة كبيرة في مواجهتهم. أما مكر النساء فمجاله يشمل الرجال بصورة عامة، ويستطيعون بذكائهم ومهارتهم التغلب على صلابة وقوة الرجال. إذن، صفة “المكر” تعبر عن قدرة المرأة على التدبير والخداع الذكي لتكون ذات قوة كافية أمام الرجل.
والمكر هو التدبير الذي يتسبب في ضرر للآخرين. والفرق بين تدبير المكر الذي يسبب ضرراً والخديعة هو أن الخديعة قد تكون مجرد تدبير دون ضرر أو ضرر بدون تدبير. فالمكر أخص وأشمل من الخديعة، وهو أشد من حيث التدبير والضرر.
وقد وردت كلمة “مكر” في القرآن الكريم بأشكال متعددة:
- “مكر الحق” أربع مرات[138]،
- “مكر النساء” خمس مرات[139]،
- “مكر الساحر” و”مكر فرعون” كل منهما مرتين[140]،
- “مكر إخوة يوسف”[141]،
- “مكر إبراهيم”[142]،
- و”مكر الخائنين”[143] مرة واحدة،
بينما ورد “مكر الكفار والمشركين” سبع مرات[144].
فالمكر هو التدبير الذي يلجأ إليه الإنسان في المواقف الخطرة والحساسة لإزالة النقائص، وغالباً ما يكون منبعه الأهواء النفسية. ومع ذلك، فقد يكون المكر محموداً في أمور الخير والحق، كما ورد في حالة الحق وإبراهيم، ويدل على القوة والتدبير، لا على الضعف.
تأديب المرأة والحفاظ على كرامتها
قد يُثار سؤال في موضوع حفظ كرامة الرجل (المسألة الثانية)[145] وهو: إذا كان المنزل والحياة الزوجية ذات قيمة ويجب المحافظة عليهما، ولا يجوز تأديب الرجل خشية فقدان قيادة الأسرة، فلماذا لا يكون الأمر كذلك بالنسبة للمرأة؟ أليس للمرأة دور رئيسي وأساسي في إدارة البيت؟ أليست الأم التي تربي الأولاد؟ هل فقدان المرأة لمكانتها بعد تأديبها في البيت لا يهدد الاستقرار ويضعف الأسرة؟
إذا أراد الرجل تأديب زوجته، وإذا وقف الأولاد والعائلة إلى جانب الأم، فإن الرجل (زوجها وأب الأسرة) يخسر مكانته. وإذا وقفوا إلى جانب الأب، فإن الأم تفقد احترامها ووقارها. وبالتالي، فإن هذا الصراع يضر بالحياة الزوجية.
الجواب: هذا الإشكال قائم فقط إذا تحقق التأديب بشكل علني ومخل بالاحترام، وهو أمر قبيح ومرفوض، خصوصاً إذا كان تجاه الأم. لكن في الغالب، لا تتم الأمور هكذا، ولا ينبغي أن تكون كذلك. لتوضيح الأمر، يجب ذكر أن تعامل الرجل مع زوجته عند الخطأ يمكن أن يكون بأحد الطرق التالية:
- الوعظ أو التجاهل الخفي بحيث لا يلاحظ أحد في البيت، وهذا لا يسبب ضرراً للبيت ولا يمس كرامة المرأة.
- التعامل بنوع من الشدة أو التأديب ولكن بشكل غير علني بحيث لا يعرف الأولاد.
- التعامل العلني الذي يعلم به الأولاد ويظهر فيه الصراع والاحتكاك بين الزوجين.
وهذا النوع الأخير إما أن يكون بسبب غضب أو خطأ الرجل أو لعدم وجود توافق دائم بين الزوجين بسبب عصيان الزوجة المتكرر، مما يسبب خلافات مستمرة يعلم بها الجميع.
وبالتالي، النوع الأول لا يسبب ضرراً، أما النوعان الآخران فهما مرفوضان شرعاً وعقلاً، لأن البيت مكان أمان وراحة ولا يجب أن يشاهد فيه الأولاد خلافات واضطرابات تؤدي إلى فقدان الاستقرار.
وعلى المرأة أن تتحمل مسؤولية تصرفاتها، كما يتحمل الرجل مسؤولية أفعاله. يجب أن تراعي المرأة حال زوجها وأولادها، ويجب على الرجل أن يحافظ على استقرار الأسرة دون إثارة الخوف والتوتر.
وبالتالي، فإن رضا الرجل وطاعة المرأة المعقولة لا يشكلان مساساً بحقوق المرأة، لأن الحياة الزوجية تحتاج إلى توافق الطرفين، وهذا لا يتحقق إلا بوحدة في الطاعة والتفاهم.
لكن هذا لا يعني القبول بالتعسف أو الظلم من قبل الرجل، فكل طرف مسؤول عن نفسه، ولا يجوز أن يُغفر السلوك الظالم تحت أي ذريعة. كما ورد في الحديث:
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«أيضرب أحدكم المرأة ثم يظلّل معانقها؟»[146]
فمن الواضح أن ضرب الزوجة ومن ثم احتضانها أمر لا يليق بالعاقل، لأن المرأة التي تتعرض للأذى من زوجها لا يمكن أن تبادله المحبة.
وفي حديث آخر:
عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«إنما المرأة لعبة من اتخذها فلا يضيّعها.»[147]
أي أن المرأة سبب للسرور والراحة، ومن اختارها فلا يجب أن يهينها أو يهملها.
خاتمة
على نساء المجتمعات المختلفة أن يكنّ واعيات لمكانتهنّ وألا ينخرطن في تصرفات خاطئة أو خداع سياسي، بل يجب أن يعرفن طرق التعامل السليمة مع المشاكل الزوجية ويكافحن القبيح في الحياة، مع تقدير الجميل فيها.
والدين، القرآن، وسنة الأئمة المعصومين هم الحامي الحقيقي للمرأة، وهم الذين يعبرون بصدق وموضوعية عن واقع الحياة الزوجية بكل إيجابياتها وسلبياتها، بعيدين عن التطرف والغلو.
واقعیّتان مختلفتان
قبل أن نجيب على هذا الوهم، يجب أن نُبيّن الفرق بين أمرين من الوقائع الخارجيّة، ليتضح موقع النقاش بصورة جلية.
الأمر الأوّل: هو صورة السلوك الفردي مع الأسرة والآخرين.
والأمر الثاني: هو المحبّة والمودة التي يكنّها الأفراد تجاه الأسرة والغير، والتي تختلف عن صورة السلوك.
فيما يخص صورة السلوك، يمكن القول: أنّ الأفراد عمومًا كما يكونون أكثر راحةً بين أفراد أسرهم، فإنّهم يراعون أدبًا وأخلاقًا أقلّ في تعاملهم معهم. فهم يتصرّفون أحيانًا بلا مبالاةٍ، أو بإهانة، أو بصخبٍ وصراخ، بل وربّما يستعملون كلمات قاسية أو العنف الجسدي تجاه مرؤوسيهم، ولا يحافظون على الاحترام والتهذيب، بينما يكونون في المجتمع أكثر تعاونًا وسلمًا، ويحترمون الآخرين ويقدّرونهم، وحتى يبدون انحناءً كبيرًا تجاه من هم أرفع منهم مكانةً.
وبالتالي، يكون سلوك الأفراد في المجتمع أفضل وأرقى من سلوكهم في الأسرة، ولم يُرَ أنّ شخصًا يحرص على اللياقة مع أسرته ولا يُراعيها مع الناس. والعادة هي أن يكون سلوك الإنسان في المجتمع أرقى منه في البيت.
أما الواقع الآخر، فهو أن الأفراد بشكل عام يكنّون محبّة ومودّة أكثر للبيت والحياة الزوجية والأولاد، مقارنةً بمحبتهم للأشخاص العاديين والأجانب.
فالأفراد يعتبرون الزوجة والأبناء وحياتهم الشخصية من شؤونهم الفردية، ويحبّونهم لذاتهم، وقد يفضلونهم على أنفسهم أحيانًا، وقد يحدث أن يظلموا الآخرين في سبيل الحفاظ على حياتهم الخاصة.
ونادرًا ما نجد من يحبّ الآخرين أكثر من زوجته وأولاده، أو يحفظ المجتمع أكثر من بيته وأسرته، إلا إذا وقع العشق على قلب أحدهم لشخص آخر يكون بمثابة منافس لأهل بيته، فلا يكون ذلك شخصًا عاديًا.
لذا، المحبّة تجاه الأسرة وأفراد البيت، لأنّها من الشؤون الفردية، تكون طبيعيًا أسبق وأعمق من المحبّة للغير؛ حتى في حالة أولياء الله والعارفين الربانيين الذين يرون حب الخلق حبًا لله، فإنّ هذا القرب يستند على القرب من الحق.
بعد هذا التمهيد، نجيب: إنّ كلام النبي (صلى الله عليه وآله) يدلّ على حقيقة نسبية في مجال السلوك، حيث إذا كان الإنسان في بيته عاقلاً متزناً لا يظلم زوجته وأولاده ولا يظهر عليهم تكبّرًا أو إهانة، فمن الطبيعي أن يكون كذلك في المجتمع؛ لأنّ من يتعامل مع من هم تحت نفوذه بمنطق وخلق حسن، بالتأكيد سيراعي ذلك أكثر مع الناس، الذين قد يقفون في وجه تقصيره أو سوء خلقه.
وكما أنّ الزوجة والأولاد بسبب قربهم وحبّهم يتحمّلون منه نقصه أو تقصيره، كذلك المحبّة واللطف تجاههم أكثر وأهمّ مقارنةً بمحبته للغير. لذا الحديث يتحدّث عن واقع السلوك لا المحبّة أو المودّة.
لأنّه قد يكون هناك أشخاص يحبّون أسرهم، لكن لا يتصرّفون بخلق حسن، أو الذين لا يحبّون الناس العاديين، مع ذلك يظهرون سلوكًا حسنًا معهم.
خلاصة القول: الحديث يبيّن أنّ حب الزوجة والأولاد وحده لا يكفي لرفع مقام الإنسان، بل يجب أن يرافقه سلوك حسن وأخلاق طيبة ليُثبت الإنسان ورُسُوخَه في الكمال.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«أحسن الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله، وأنا ألطفكم بأهلي.»
فحسن السلوك مع أهل البيت أمر عظيم وثمين، حتى إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) ينسبه إلى نفسه ويتفوق به.
صلة الإيمان بمحبة النساء
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«ما أظنّ رجلًا يزداد في هذا الأمر خيرًا إلا ازداد حبًا للنساء.»
وقال النبي (صلى الله عليه وآله):
«كلما ازداد العبد إيمانًا ازداد حبًا للنساء.»
وقال الإمام الصادق أيضًا:
«كل من اشتد لنا حبًا اشتد للنساء حبًا.»
هذه الأحاديث الثلاث، رغم اتفاقها في المعنى، إلا أنّ لكلٍّ منها نكهة خاصّة؛ الأولى تتحدث عن الخير الكثير، والثانية عن الإيمان، والثالثة عن شدة الحب لأهل البيت التي تترافق مع حب النساء.
ومن هذا يتبيّن أن المراد من المحبّة ليس شهوتًا أو نظرًا ملوّثًا، بل مثل محبّة الورد والعصافير، الصلاة والعبادة، المسجد والقرآن، وغيرها من الأمور الجميلة.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«ما أحبّ من دنياكم إلا النساء والطيب.»
وهذا يشير إلى صفاء النفس وصفاء القلب وحب النبي (صلى الله عليه وآله) العميق للنساء والعطر الطيّب.
وقال الإمام الصادق:
«من أخلاق الأنبياء حب النساء.»
وهذا يدلّ على أن حب النساء ليس محصورًا بالنبي (صلى الله عليه وآله) فقط، بل هو من أخلاق الطيبين عامة.
هل المحبّة ذنب؟
يحثّ النبي (صلى الله عليه وآله) على حب النساء ويجعلها من صفاته ويعتبرها شعاره، فهل هذه المحبّة مطلقة تشمل كل النساء، أم محصورة بالمحارم مثل الزوجة، الأم، الأخت؟
الجواب: المحبّة مطلقة، والدليل اللغوي لا يخص فئة معينة، وإنما جاء تعميمًا «حب النساء» وليس «حب الزوجة» أو «حب المحارم» فقط.
وأمّا نوع هذه المحبّة، فهي تشمل جميع مظاهر الحب الطاهر والنقيّ الذي ينبع من طهارة القلب وصفاء الروح، والتي لا تتضمن شهوانية ملوثة أو رغبات نفسانية، بل هي محبّة كالمحبة الإلهية والعدالة.
المحبّة والقرب الولائي
السؤال: كيف يمكن أن يكون حب النساء سببًا لقرب الولاء، مع أن كثيرين يحبون النساء ولا يعترفون بالولاية، أو حتى ينكرونها؟
الجواب: العلاقة بين حب النساء والقرب من الولاية علاقة ملازمة اقتضائية، حيث القلب المفعم بالمحبّة يكون متّصفًا بالصفاء والعطف، ويحب أهل البيت والنساء على حد سواء، أمّا القلوب الجافة والقاسية فلا تحبّ شيئًا حتى ولا نفسها.
المحبة وحفظ حرمة المرأة
قال النبي (صلى الله عليه وآله):
«فاشفقوا عليهن وطيبوا قلوبهن حتى يقفن معكم، ولا تكرهوا النساء ولا تسخطوا بهن.»
وقال الإمام علي (عليه السلام):
«فدارها على كل حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك.»
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«كانت امرأة عند أبي تؤذيه فيغفر لها.»
وقال النبي (صلى الله عليه وآله):
«أخبرني أخي جبريل ولم يزل يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه لا يحل لزوجها أن يقول لها: أفّ.»
فلا يجوز للزوج أن يسيء إلى زوجته حتى بأدنى كلمة، فكيف بالأذى الأكبر؟
سعادة المرأة في رضا الزوج
قال الإمام الباقر (عليه السلام):
«لا شفيع للمرأة أنجح عند ربها من رضا زوجها.»
وعندما توفيت فاطمة (عليها السلام) وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عليها وقال:
«اللهم إني راضٍ بنت نبيك.»
في هذا الحديث ذُكر فضل رضى الزوج بعظمة عظيمة، حتى إن هذا الرضا قد يكون سببًا في شفاعة المرأة ذات السلوك الحسن.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«ويلٌ لامرأةٍ أغضبت زوجها وطوبى لامرأةٍ رضي عنها زوجها»؛
«وَيْلٌ لِامْرَأَةٍ أَغْضَبَتْ زَوْجَهَا، وَطُوبَىٰ لِامْرَأَةٍ رَضِيَ عَنْهَا زَوْجُهَا.»
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):
«خير نسائكم الودود الولود المواتية وشرها اللجوج»؛
«خَيْرُ نِسَائِكُمْ الْوَدُودُ الْوَلُودُ الْمُوَاتِيَةُ، وَشَرُّهَا اللُّجُوجُ.»
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«أيما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله منها صرفًا ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتى ترضيه وإن صامت نهارها وقامت ليلها»؛
«أَيِّمَا امْرَأَةٍ آذَتْ زَوْجَهَا بِلِسَانِهَا لَمْ يُقْبَلِ اللَّهُ مِنْهَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا حَسَنَةً مِنْ عَمَلِهَا حَتَّى تَرْضِيَهُ وَإِنْ صَامَتْ نَهَارَهَا وَقَامَتْ لَيْلَهَا.»
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):
«من كان له امرأة تؤذي لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى تعينه وترضيه وإن صامت الدهر وقامت واعتقت الرقاب وأنفقت الأموال في سبيل الله وكانت أول من تُرد النار. ثم قال: وعلى الرجل مثل ذلك الوزر والعذاب إذا كان لها موذيًا ظالمًا.»
«مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ تُؤْذِي لَمْ يُقْبَلِ اللَّهُ صَلَاتَهَا وَلَا حَسَنَةً مِنْ عَمَلِهَا حَتَّى تُعِينَهُ وَتَرْضِيهِ وَإِنْ صَامَتِ الدَّهْرَ وَقَامَتْ وَاعْتَقَتِ الرِّقَابَ وَأَنْفَقَتِ الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ تُرَدُّ النَّارَ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الرَّجُلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْوَزْرِ وَالْعَذَابِ إِذَا كَانَ لَهَا مُؤْذِيًا ظَالِمًا.»
وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«أيما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدرك الأسفل من النار إلا أن تتوب وترجع.»
«أَيِّمَا امْرَأَةٍ هَجَرَتْ زَوْجَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ حُشِرَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ إِلَّا أَنْ تَتُوبَ وَتَرْجِعَ.»
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«والذي بعثني بالحق نبيًا ما من امرأة تمد يدها تريد أخذ شعرة من زوجها أو شق ثوبه إلا ضرب الله كفيها بمسامير من نار.»
«وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَمُدُّ يَدَيْهَا تُرِيدُ أَخْذَ شَعْرَةٍ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ شَقَّ ثَوْبِهِ إِلَّا ضَرَبَ اللَّهُ كَفَّيْهَا بِمَسَامِيرَ مِنْ نَارٍ.»
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها وتغمه وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه وتطيعه في جميع أحواله.»
«مَلْعُونَةٌ مَلْعُونَةٌ امْرَأَةٌ تُؤْذِي زَوْجَهَا وَتُغَمِّهِ، وَسَعِيدَةٌ سَعِيدَةٌ امْرَأَةٌ تُكْرِمُ زَوْجَهَا وَلَا تُؤْذِيهِ وَتُطِيعُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.»
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«أيما امرأة منّت على زوجها بمالها فقالت: إنما تأكل أنت من مالي، لو أنها تصدقت بذلك المال في سبيل الله لا يقبل الله منها إلا أن يرضى عنها زوجها.»
«أَيِّمَا امْرَأَةٍ مَنَّتْ عَلَى زَوْجِهَا بِمَالِهَا فَقَالَتْ: إِنَّمَا تَأْكُلُ أَنْتَ مِنْ مَالِي، لَوْ أَنَّهَا تَصَدَّقَتْ بِذَلِكَ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى عَنْهَا زَوْجُهَا.»
وعن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) وسألته عن المرأة الميسورة قد حجّت حجة الإسلام فتقول لزوجها: احجّني من مالي هل يمنعها؟ قال: نعم؛ يقول: حقي عليك أعظم من حقك عليّ في هذا.
«عَنْ إِسْحَاقِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ الْمُوسِرَةِ قَدْ حَجَّتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَتَقُولُ لِزَوْجِهَا: احْجُّينِي مِنْ مَالِي هَلْ يَمْنَعُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ يَقُولُ: حَقِّي عَلَيْكَ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّكَ عَلَيَّ فِي هَذَا.»
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدًا.»
«قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَدًا.»
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«يشبع بطنها ويكسو جسدها وإن جهلت غفر لها.»
«يَشْبَعُ بَطْنَهَا وَيَكْسُو جَسَدَهَا وَإِنْ جَهِلَتْ غَفَرَ لَهَا.»
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«يسلم الرجل إذا دخل على أهله وإذا دخل يضرب بنعليه ويتنحنح يصنع ذلك يؤذنهم أنه قد جاء حتى لا يرى شيئًا يكرهه.»
«يُسَلِّمُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ وَإِذَا دَخَلَ يَضْرِبُ بِنَعْلَيْهِ وَيَتَنَحْنَحُ يَصْنَعُ ذَلِكَ يُؤَذِّنُهُمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ حَتَّى لَا يَرَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ.»
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«إن للرجل حقًا على امرأته إذا دعاها ترضيه وإذا أمرها لا تعصيه ولا تجاوبه بالخلاف ولا تخالفه.»
«إِنَّ لِلرَّجُلِ حَقًّا عَلَى امْرَأَتِهِ إِذَا دَعَاهَا تَرْضِيهِ وَإِذَا أَمَرَهَا لَا تَعْصِيهِ وَلَا تُجَاوِبُهُ بِالْخِلَافِ وَلَا تُخَالِفُهُ.»
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«لا ينبغي للمرأة أن تتصدق بشيء من بيت زوجها إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوزر.»
«لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَعَلَيْهَا الْوِزْرُ.»
هذه الروايتان تحملان بيانًا ساميًا وصريحًا ينهيان كلّ التوهّمات التي يجهلها بعض الناس عن الدين. نعم، ليس الأمر كما يُشاع أن ضرب المرأة هو فعل شديد، مستمر وشائع بحقّ النساء جميعًا. فإذا أصاب الضرب المرأة أذى أو كدمة، وجبت على الرجل الدية الشرعية، وفي يوم القيامة يُضرب الرجل بدلَ صفعة واحدة سبعون صفعة على وجهه، وإن تعدّى الأمر ثلاث مرات، يصبح هذا الرجل المتعدي من أشد الناس خزيًا وعارًا بين المخلوقات، من الجنّ والملائكة والناس جميعًا.
فهل يمكن رسم بيان أشدّ من هذا بشأن رجل ضرب زوجته أكثر من ثلاث مرات وأساء إليها؟! يبدو أن عقاب هذا الرجل القاسي والظالم أعظم وأفزع من عقاب قاتل محترف. وهذا حق، لأن الرجل يجب أن يكون ملجأ وراحة لزوجته، ومن يضربها بلا مبرر يكون قد أساء استخدام قوته، مخالفًا طبيعة العلاقة الزوجية.
الآن، مع نهاية هذا القول يتّضح أنّ أحكام مثل «ضرب الزوجة» في الإسلام، هي موجة صغيرة بين أمواج أخرى كثيرة من التشريعات، لم تُسلّط عليها الأضواء كثيرًا. لكن كيف يُغفل هذا الكمّ الهائل من التشريعات الإلهامية المفعمة بالحبّ والرحمة تجاه النساء، في حين تُضخّم مناقشات مثل العقاب – التي هي في الأصل وسيلة تربوية عقلية وضرورية لفئة قليلة من النساء وبشروط صارمة -؟ أليس هذا دليلاً على ضعف التفكير أو تعنّت في مواجهة الحق؟
محبة المرأة في طاعة الزوج
إذا تأملنا قليلاً في هذه الأحاديث، ندرك أن الحديث عن الطاعة المعقولة للمرأة تجاه الزوج لا يعني الاستبداد أو القهر، بل الطاعة تكون مقرونة بالحبّ، المحبّة، الصفاء والرضا. إذ إن الإنسان فطريًا يطيع من يحب، كما يقول الله الحكيم:
«قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»[1]
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«مَن عَرَفَ اللَّهَ أَحَبَّهُ وَلَازَمَهُ»[2]
تكون الحياة جميلة حين تملؤها المشاعر والعواطف من جهة، وتتحكّم فيها العقلانية والاقتدار من جهة أخرى، فلا تخرج المشاعر عن مسارها الطبيعي. فالزوجان المرتبطان بالمعرفة والمحبة ينظّمان حياتهما بالعقل، الحكمة، الحب، العاطفة والصفاء، بعيدًا عن المشاعر الزائفة. هذه العلاقة تقوم على أساس الفطرة والمنطق، حيث تُطيع المرأة الرجل العاقل المتكافئ والمحترم، في جوّ من المحبة والرضا لا الظلم والقسوة.
الإسلام دين المحبة والعشق
في البيت الذي يسوده الحبّ والصفاء، توجد الطاعة والرضا والتآلف والصبر، أما في البيت الخالي من الحبّ فتعمّ الكراهية، العنف، القسوة والتهديد. لذلك أوصى المعصومون (:)، بالمودة والمحبة المتبادلة بين الزوجين حتى قالوا:
«هل الدين إلا الحبّ»[3]
لأن المحبة هي الأساس الذي يولّد الطاعة المعقولة والمقبولة عند الله.
عليه، يجب أن تكون الطاعة قائمة على علاقة حبّ متبادلة، خاصة بين الزوجين، إذ خلق الله الزوجات ليكنّ سكناً وسلاماً لأزواجهن، وخلق بينهما مودّة ورحمة:
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»[4]
حين يؤسّس الزواج على المحبة، يسير كل من الزوج والزوجة نحو الكمال والسعادة، حيث تحمل المرأة مسؤوليات البيت، والزوج مسؤوليات العمل والخارج، مما يعزّز النمو والتكامل في جوّ من المحبة. وفي هذه البيئة، تكتسب العلاقة الزوجية قداسة ويُصبح الحبّ قوة مقدسة.
والآن نذكر باختصار بعض الأحاديث التي تدلّ على أن الإسلام دين محبة لا عنف، وأن ذكر الضرب في بعض المواضع هو لأجل المصلحة والتربية، كمثل الجراحة التي قد تكون مؤلمة لكنها تؤدي إلى الشفاء.
الثواب العظيم للمرأة
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«إِمَّا امْرَأَةٌ رَفَعَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا شَيْئًا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ تُرِيدُ بِهِ صَلَاحًا نَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا، وَمَن نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ»[5]
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«وَإِمَّا امْرَأَةٌ خَدَمَتْ زَوْجَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أَغْلَقَ اللَّهُ عَنْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابِ النَّارِ وَفَتَحَ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ تَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَتْ»[6]
هذان الحديثان يوضحان مكانة المرأة في البيت، حيث يكون أقلّ عمل وأبسط خدمة سببًا لنيل رحمة الله والجنة.
كما قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَسْقِي زَوْجَهَا شُرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهَا مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ صِيَامِ نَهَارِهَا وَقِيَامِ لَيْلِهَا، وَيَبْنِي اللَّهُ لَهَا بِكُلِّ شُرْبَةٍ تَسْقِي زَوْجَهَا مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ وَغَفَرَ لَهَا سِتِّينَ خَطِيئَةً»[7]
وهذا يدلّ على أن الأجر العظيم مرتبط بنيّة المرأة في رضى الله، ولو كانت الأعمال بسيطة.
اليسر والراحة للمرأة
عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال:
«أَرْضَاكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَسْبَغُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ»[8]
أي: أحب الناس إلى الله هو أكثرهم رحمة ووسعًا على أهل بيته.
وقال الإمام الكاظم (عليه السلام):
«يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ كَيْلَا يَتَمَنَّوْا مَوْتَهُ»[9]
أي: ينبغي أن يكون الرجل كريمًا على أسرته حتى لا يفرحوا برحيله.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
«الْيَدُ الْعُلْيَى خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول»[10]
أي: اليد التي تعطي أفضل من اليد التي تأخذ، ويبدأ الإنسان بالعائلة التي يعولها.
وقال الإمام الرضا (عليه السلام):
«صَاحِبُ النِّعْمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْسِعَةُ عَنْ عِيَالِهِ»[11]
كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلَهُ بِشَهْوَتِهِ»[12]
أي أن المؤمن يعيش مع عائلته بمحبة وشوق، فيأكل معهم حسب رغبتهم، أما المنافق فيجبر عائلته على أكله حسب هواه.
وفي سؤال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«نَعَمْ، إِنَّ النَّفْسَ إِذَا عَرَفَتْ قُوتَهَا قَنَعَتْ بِهِ وَنَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ»[13]
أي أن النفس إذا علمت قوتها ورضيت به، يطيب لها ذلك.
إذا رغبت، يمكنني أيضاً مساعدتك في صياغة مقدمة أو خلاصة أكاديمية لهذا النص. هل تريد؟
[1] سورة آل عمران: 31
[2] الكافي، حديث 1
[3] بحار الأ، ج 16، ص 185
[4] سورة الروم: 21
[5] الكافي، ج 5
[6] الكافي، ج 5
[7] الكافي، ج 5
[8] نهج البلاغة
[9] الكافي، ج 6
[10] الكافي، ج 6
[11] الكافي، ج 6
[12] الكافي، ج 2
[13] الكافي، ج 1
عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كفى بالمرء إثماً أن يُضيّع من يعوله».
قال الإمام الصادق عليه السلام: «يكفي في ذنب الإنسان أن يُضيّع معيشة عياله ونفقاءه».
فأيّ ذنب أعظم من أن يضيع الإنسان أهله وعائلته، ويُهينهم ويُهدر مقامهم ويزلزل مكانتهم!
عن علي بن غراب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ملعون ملعون من ألقى كله على الناس. ملعون ملعون من ضيّع من يعول».
أي: اللعنة من الله على من يُلقي أعباء حياته كلها على الآخرين، واللعنة على من يُضيّع عياله.
وفقاً لهذه الرواية، هناك فئتان من الملعونين عند الله: الأولى الذين يلقون أعباء حياتهم على الناس، والثانية الذين يضيعون أهلهم وعوائلهم ويهينونهم.
عن أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: «لا أدخل السوق ومعي دراهم أشتري بها لعيالي لحماً وقد قرموا أحب إليّ من أن أعتق نسمة».
أي: إن الإمام السجاد عليه السلام يفضّل شراء الطعام والاعتناء بالأسرة على إطلاق سراح عبد.
عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان علي بن الحسين عليه السلام إذا أصبح خرج طالباً للرزق، فقيل له: يا ابن رسول الله، أين تذهب؟ قال: أتصدّق لعيالي. فقيل له: أتتصدّق؟ قال: من طلب الحلال فهو من الله صدقة عليه».
أي: إن طلب الرزق الحلال لعائلته يُعتبر صدقة من الله عليه، وليس مجرد عمل بشري.
عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من سعادة الرجل أن يكون القيّم على عياله».
الإمام الصادق عليه السلام يشير إلى أن من سعادات الرجل أن يقوم على رعاية عائلته، فلا يكون ذليلاً أمامهم بل يتحمّل مسؤولية توفير حاجاتهم.
قال تعالى: «الرّجال قوّامون على النّساء».
أي أن للرجل مقام القيادة والرعاية، ليس بمعنى السيطرة والتسلط، بل بمعنى الحماية والرعاية والتعاون.
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«يا عليّ، من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنّة بغير حساب. يا عليّ، خدمة العيال كفّارة للكبائر، وتطفي غضب الربّ، ومهر الحور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات. يا عليّ، لا يخدم العيال إلا صدّيق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة».
أي: من يخدم عائلته بإخلاص ودون تذمر يدخل الجنة بلا حساب، وخدمة الأسرة تطهر من الذنوب وتحصل له على أجر عظيم.
وفي حديث آخر:
«حقّ الرجل على المرأة إنارة السراج، وإصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بيتها، فترحب، وأن تقدّم إليه الطست والمنديل، وأن توضّئه، وأن لا تمنعه نفسها إلا من علة».
أي: من واجبات الزوجة أن تهيّئ المنزل وتنير المصباح، وتحضّر الطعام، وتستقبل زوجها بالترحاب، وتساعده في الوضوء، ولا تمنعه من معاشرته إلا لسبب شرعي.
هذا الحديث يبرز أهمية حسن تهيئة الزوجة لبيت الزوجية ودفء العلاقة، كما يعكس الاحترام المتبادل والحب في الحياة الزوجية.
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«كان عليّ عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز».
أي: أن عليّ وفاطمة عليهما السلام كانا يتعاونان في الأعمال المنزلية بشكل متبادل، نموذجًا للحياة الزوجية المتوازنة.
إنهما نموذج رائع للزوجين الصالحين، حيث يتشاركان المسؤوليات ولا يُشعر أحدهما الآخر بأنه خادم أو متسلط.
فالزوج والزوجة كلاهما مسؤول عن إدارة الحياة المشتركة، ويجب أن يتحملا مسؤولياتهما دون إفراط أو تفريط.
وفي الإسلام، الجهاد له مفهوم واسع يشمل:
- الجهاد في سبيل الله في مواجهة الأعداء الخارجيين.
- الجهاد الأكبر وهو قتال النفس والشهوات.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اعدي عدوّك نفسك التي بين جنبيك».
وقد حدّد أهل البيت عليهم السلام الجهاد الأكبر للمرأة في البيت، خاصة في تربية الأبناء وحسن معاشرة الزوج.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «جهاد المرأة حسن التبعل».
وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «كتب الله الجهاد على الرجال والنساء فجهاد الرجل بذل ماله ونفسه حتى يُقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى في أذى زوجها وغيرة».
أي أن صبر المرأة على أذى الزوج وعدم إثارة المشاكل هو من أعظم أشكال الجهاد.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أيما امرأة أعانت زوجها على الحج والجهاد أو طلب العلم، أعطاها الله من الثواب ما يعطي امرأة أيوب عليه السلام».
أي أن دعم الزوجة لزوجها في أمور الدين والعمل والعلم يُكافأ بثواب عظيم.
في شأن تربية الأطفال، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«والذي بعثني بالحق نبياً ورسولا، ما من امرأة تحمل من زوجها ولداً إلا كانت في ظل الله عز وجل حتى يصيبها طلق يكون لها بكل طلقة عتق رقبة مؤمنة، فإذا وضعت حملها وأخذت في رضاعه، فما يمص الولد مصة من لبن أمه إلا كان بين يديها نور ساطع يوم القيامة يعجب من رآه من الأولين والآخرين…».
أي أن الحمل والولادة والرضاعة لها أجر عظيم يُكافأ عليه بالجنة والرضوان الإلهي.
وبناءً عليه، رغم أن المرأة معفاة من القتال العسكري المباشر، إلا أن عليها جهاد في البيت والأسرة وتربية الأبناء، وهو جهاد عظيم ومثمر.
وفي الختام، يُؤكد الإسلام على ضرورة التعاون والتكافل بين الزوجين في بناء حياة زوجية ناجحة قائمة على المحبة والاحترام، بعيداً عن السيطرة أو التسلط، وجعل كل طرف مسؤول عن دوره.
يا حَوْلَاءَ! لا توجد امرأةٌ تحتملُ من زوجها كلمةً إلا كُتِبَ لها اللهُ بها أجرُ الصائمِ والمجاهدِ في سبيلِ الله عز وجلّ عن كلِّ كلمةٍ.
من خلال هذه الرواياتِ الملكوتية، يتضحُ الموقفُ الكاملُ للدينِ من مكانةِ المرأةِ والرجلِ. إذ يأمرُ الدينُ الرجلَ من جهةٍ أن يمتنعَ عن قولِ حتى “أف” لزوجتِه، ومن جهةٍ أخرى يوصي المرأةَ بأن تصبرَ على المشقاتِ والكلماتِ الجارحةِ من زوجها، فلا يَسْتَمرُّ الحياةُ إلا بذلك، ويَكونُ لها أجرٌ أخرويٌّ عظيمٌ.
ومن الجدير بالذكرِ أن تحمّلَ المرأةِ وصبرَها على الزوجِ الجارحِ لا يُبررُ أذى الزوجِ لها، ولا ينبغي أن يكون ذريعةً لتبريرِ سلوكِه السيء.
ومن ناحيةٍ أخرى، أُعفيت المرأةُ في الإسلامِ من الوجوبِ في قتالِ المعركةِ، لأن الإمامَ عليّاً (عليه السلام) قالَ:
“إِنَّ الْمَرْأَةَ رَيحَانَةٌ لَيْسَت بِقَهْرَمَانَةٍ.”
فالمرأةُ زهرةُ الحياةِ، وليستْ بطلةً أو مقاتلةً. ومع ذلك، يمكنُ للمرأةِ أن تشاركَ الرجلَ في هذا الجهادِ المقدسِ بشكلٍ مناسبٍ، وأن تستفيدَ من فضائلهِ المادّيةِ والمعنويةِ، كما قالَ الإمامُ الباقرُ (عليه السلام):
“إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) خَرَجَ بِالنِّسَاءِ فِي الْحَرْبِ حَتَّى يُدَاوِينَ الْجَرْحَى.”
القسم التاسع: عيوبُ خلقِ المرأة
في سياقِ الحديثِ عن المرأة، أثارَ البعضُ شُبُهاتٍ حول خلقِ المرأةِ واصفينَ إياها بـ “عيوبِ الخلق”. قالوا إن الطبيعةَ ظلمت المرأةَ، إذ في الزواجِ يستفيدُ الرجلُ من اللذاتِ وحدَه، في حين تتحمّلُ المرأةُ الآلامَ والأوجاعَ، خاصةً في ليلةِ الزفافِ وأثناءَ الولادةِ.
المرأةُ هي التي تتحمّلُ صعوباتِ الحملِ، ألمَ الولادةِ، وتأثيراتِها التي قد تؤدّي إلى مضاعفاتٍ جسديةٍ أو الوفاةِ، كما تُعدُّ شهيدةً في هذا المجالِ. والطفلُ من نصيبِ الرجلِ ويحملُ اسمه.
كما تتحمّلُ المرأةُ فترةَ الرضاعةِ لمدة عامين كاملينَ دون شكوى، وتتعاملُ مع الوضوءِ والغسلِ المتكرّرِ بسبب الأحكامِ الشرعيةِ، وهو أمرٌ مرهقٌ خصوصاً مع طولِ شعرِها.
لهذا، تبدو الطبيعةُ وكأنها تدعو المرأةَ إلى معركةٍ دائمةٍ من المشقاتِ، مُلحقًة بها الكثيرَ من المتاعبِ، بينما تُنْصِفُ الرجلَ بالمزيدِ من اللذاتِ والنتائجِ.
الردّ على هذه الشبهات:
أولاً: روعةُ الخلقِ
لقد اعترفَ البشرُ، رغمَ تقدمِهم العلميِّ، بعجزِهم عن إدراكِ أسرارِ الخلقِ وتعقيداتهِ، فهم عاجزون عن الفهمِ الكاملِ لطبيعةِ الموجودات.
وكل من يظنّ أنه قد أدركَ كلّ شيءٍ هو جاهلٌ، فالبحثُ العلميُّ يُظهِرُ المزيدَ من الغموضِ والسرّيةِ في الكونِ.
لذلك، ينبغي على كلّ إنسانٍ أن يتحلى بالتواضعِ، وأن يطرحَ أسئلةً بنّاءةً بدلاً من إطلاقِ الأحكامِ الجازمةِ على خلقِ اللهِ.
ثانياً: نظامُ “أحسنِ الخلق”
خلقُ الكائناتِ بنظامٍ دقيقٍ متكاملٍ لا يقبلُ أدنى نقصٍ، كما قال الله تعالى:
“لا يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.”
والآياتُ تُؤكّدُ كمالَ الخلقِ وعدم وجودِ تفاوتٍ في مخلوقاتِ الرحمن.
أيُّ إنسانٍ عاقلٍ يجب أن يخضعَ لعظمةِ هذا الخلقِ، وأن يعترفَ بعدمِ صلاحيةِ إطلاقِ الأحكامِ السلبيةِ على نظامِ الخلقِ الإلهي.
ثالثاً: خلقُ الإنسان
العالمُ الكبيرُ مقارنةً بالإنسانِ صغيرٌ، أما الإنسانُ فهو “عالمٌ صغير” يحملُ في داخلهِ عظمةً كبيرةً.
فالمرأةُ والرجلُ هما وجهانِ لذاتِ الإنسانِ، ولا معنى لأحدهما بدون الآخرِ، وكلاهما يحملُ صورةَ الكمالِ الإلهي.
تختلفُ خصائصُ المرأةِ والرجلِ طبيعتياً، ويجبُ احترامُ هذه الخصائصِ واعتبارُ كلٍّ منهما ذا قيمةٍ خاصةٍ ومكانةٍ هامةٍ.
في الختام، ينبغيُ التعاملُ مع المرأةِ باعتبارِها مخلوقاً كاملاً متكاملاً، محترماً، وتحليلُ أيّ اختلافاتٍ على ضوءِ كمالِ الخلقِ الإلهيِّ، بعيداً عن التهوّماتِ الجاهلة.
أ) عصمة الفعل في الخلق
لا بدّ في البداية من القول: إنّ العبارة القائلة: «إنّ الطبيعة أيضاً تميل إلى جانب الرجل، والمرأة مظلومة»، هي عبارة لا أساس لها على الإطلاق؛ لأنّ الخلق يمتلك عصمة فعلية، ولا معنى للتحيز فيه. في المباحث العلمية ينبغي تجنّب هذا الخطاب الشعائري والشعارات الشعبية، والاعتماد فقط على الدليل والبرهان الواضح.
حين يقول الله تعالى:
﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ﴾[224]،
تتضح الحقيقة أنّ الحقّ، بصفته الخالق وبعلمه وقدرته وحكمته، قد كسى جميع الموجودات بزي الوجود وعباءة الإيجاد، ونسبها إلى رحمته، ليبعد التوهم بأيّ تحيّز أو نقص من حرم خلقها. فرحمة الحقّ اللامتناهية ترسم ظلّها الواسع بشكل متساوٍ فوق الوجود، وتمنح لكل كائن ما يلزمه من استعداد وقدرة فعلية.
إثبات العصمة الفعلية للخلق
يمكن إثبات أيّ أمر بمتابعة جوانبه المختلفة، واستخدام المقدمات والأدوات اللازمة، وتقديم الدليل عقلياً أو نقلياً، شرعياً أو عقلياً، ومنطقياً أو تجريبياً؛ كما يمكن النظر في معاييره ككل أو بعض خصوصياته جزئياً، ليُقبل الاعتقاد أو يُثبت.
وكذلك، يمكن الاستعانة بالمشاهدات الروحية والغير حسّية في إثبات الأمر إذا كان ذلك مناسباً، أو الاستدلال بالحكايات والتاريخ والشريعة والدين كمعايير إثبات. كما يمكن للسنة الشعبية والأدلّة العامة والمعتقدات القومية أن تكون، إذا صحت، معيار إثبات. إذن، يمكن اتباع أي طريقة كدليل وبرهان لإثبات أي أمر، سواء قبلها الخصم أو رفضها، وسواء كانت طريقة الإثبات صحيحة أو خاطئة.
وبالمثل، يمكن إثبات العصمة الفعلية للخلق بواسطة الطرق المذكورة، والحصول عليها بأدلّة متنوّعة، سواء كانت نقلاً أو عقلاً أو مشاهدة أو بأوجه أخرى من الدليل؛ لأنّ فضاء الفكر وصفحة ذهن الإنسان، ووجوه جميع الأشياء والموجودات، تروي بحكم العصمة الفعلية بصمتها كلّ الخلق وتنسج أنشودة الصدق.
وإذا توهّم أحدٌ أن مسألة العصمة الفعلية ليست كذلك، يُقال له: إنّ مجموع الوجود متاح للجميع، وليس أمراً مستحيلاً. وإن لم نؤمن بصدق العصمة الفعلية للخلق، يمكننا مدّ اليد وفحص الموجودات واحدةً تلو الأخرى، أو سؤالها: أنت، نعم أنت، ما هي مشكلتك أو نقصك؟ أخبرني لأعرضها على أهل التوحيد وأصحاب الصدق.
نعم، إن لم تكن العصمة الفعلية مؤكدة، وكان هناك نقص في الوجود، فلا بدّ من إحضار دليل وشاهد، ولو جزءاً من الخلق أو فرداً منهم، ولكن إن تعذّر ذلك – وهو كذلك – فلا يبقى مجال للنقد أو الإنكار، وإن ظهر سؤال أو مشكلة، فلا بدّ من متابعتها بتواضع ودقة – كما جرى في هذا الكتاب.
إذاً، أفضل دليل على صدق العصمة الفعلية للخلق هو قامت الوجود الرشيدة، وقامة الكون المتزنة، ووجه كل مخلوق، إذ لا عيب أو نقص أو شائبة فيها، وهذا دليلاً عقلياً صريحاً على العصمة الفعلية للخلق.
غير هذا الأسلوب – الذي يسمى في منطق النقد «طريقة النقض» – يمكن استخدام طريقة التحليل – التي هي طريق إثبات المبدأ الحكيم وكمال العلة – وأيضاً استرجاع شروط الخلق الشفافة – واللذان يمثلان البرهان اللمّي والإنّي – يمكن الوصول إلى العصمة الفعلية للخلق، لأن صدق العصمة الحقّة بالبرهان اللمّي يستلزم صدق العصمة الخلقية، وصدق العصمة الخلقية بالبرهان الإنّي يتضمّن صدق العصمة الحقّة.
كلّ من هذين الطريقين، «النقض والتحليل» أو «البرهان الإنّي واللمّي» قادران على الإجابة على جميع الإشكالات في هذا المجال، وهما يشملان جميع طرق الاستدلال وأنواع الأدلة والبرهان، كما ذُكر، وهما مفتاح كلّ منها.
ب) الاشتراك في التلذذ والتلذذ به
من الانتقادات التي وُجهت إلى خلق المرأة، أنّ التلذذ الأكبر للرجل، وأنّ المرأة لا تستفيد منه اختياريّاً. وهذا وهم لا أساس له، وُضع عن جهل أو عناد أو إلحاد أو عداء للحق.
المرأة والرجل كلاهما مشمولان بالعطايا الإلهية، ولا يوجد نقص في أيّ جهة منهما، رغم ظهور اختلافات في الكيفيات، ولكلّ منهما خصوصياته.
المرأة والرجل ليسا فقط مشتركين في التلذذ – وهذه صفة بارزة ومن ميزات خلقهما – بل لهما دور مشترك في التلذذ به. وهذه النعمة ليست أقل من الأولى. القدرة على التلذذ والتلذذ به هبة إلهية، ودليل على عناية الحق الفريدة، التي وضعها في المحب والمحبوب، كما في سائر مخلوقات الكون.
كل منهما يعطي الآخر التلذذ، ويأخذ منه التلذذ به، وهذا التلذذ به مختلف عن التلذذ المتبادل. لهذا التلذذ هويّة مستقلة عن الحقيقتين الأخريين. وهذه الصفات الثلاث ليست محدودة، ولا تختص بالجوانب الشهوية فقط، بل تمتد إلى جميع ميادين الكمال.
جميع أعضاء وصفات المرأة والرجل تشمل هذه الصفات الثلاث، بحيث تتسبب كلّ جوانب وجودهما في حياة وحيوية الآخر، ولا يوجد أي نقص أو زيادة أو إفراط أو تفريط بينهما في أي جانب.
ج) إخفاء المرأة لرغباتها الجنسية
الافتراضات العلمية والتسلط الذكوري الأناني جعلت الناس منذ القدم يظنون أنّ المرأة لا تملك رغبة جنسية أو أنّ رغباتها النفسية غير مهمة. كانوا يعتقدون أنّ على المرأة ألا تمتلك مثل هذه الرغبات، وأن وجودها أو التعبير عنها يتنافى مع حياء وعفة المرأة. فالنساء، مع كلّ العطش الذي يكنّنه في هذا المجال، كنّ يخفين دوافعهنّ الداخلية خوفاً أو اعتقاداً، وكنّ يكممنها، وحتى مع أزواجهنّ كنّ يتصرّفن بحذر، وقد يظلّون طوال حياتهنّ يخفين أو يكتمون رغباتهنّ النفسية والجنسية. رغم أنّ هذا الأمر يختلف اليوم، إلا أن آثاره الفكرية والثقافية ما زالت موجودة على الأقل في مجتمعنا.
في السابق، كان التعبير عن مثل هذه الأمور من المرأة يُعتبر عيباً أو نقطة ضعف في نظر الناس المتخلّفين، وكان يعرّضها للاتهام، لكن في العالم المعاصر لم يعد هناك مثل هذا الخطأ في الفهم، رغم أنّ بعض المجتمعات السطحية والمتخلفة ما زالت تحتفظ بهذه التصورات. وفي بعض العائلات البعيدة عن الثقافة، لا تزال هذه الأفكار قائمة، ويجب أن يُنهى هذا الجهل بواسطة التوعية والإعلام، لكي لا يقع الرجل والمرأة أسير تعصّبات جاهلية.
لكنّ بيان الحقائق العلمية والإطلاع على متع النفس لدى المرأة والرجل واستخدامها بشكل صحيح يختلف تماماً عن الكشف المتعمّد والتشويش على الأخلاق والروحانية – كما هو شائع في الغرب المزعوم المتحضّر. فلا يجب تحت ذريعة التعليم والتوعية أن تُنتهك حرمات العفاف والطهارة، كما لا يجب بذرائع العفاف أن يبقى الناس في جهل. يجب أن يجمع المجتمع الديني بين العفاف والحب والتمتع والطهارة، وسوف ينمو المجتمع الإسلامي حين يستطيع تحقيق التدين والحضارة في واقع عام وشامل.
١. إشباع الرغبة الجنسية عند المرأة والفروق بينها وبين الرجل
لا يمكن لأي رجل أن يشبع امرأة بسهولة وبدون دقة. إشباع الرغبة الجنسية عند المرأة يتطلب ملامسات عاطفية دقيقة ومدروسة، وإذا افتقر الرجل إلى المعرفة أو الفعالية أو كان ضعيفًا أو عاجزًا، فإن المرأة قد تشعر بالإحباط. هذه الظواهر واضحة في مجتمعاتنا الحالية، والعديد من مشكلات الحياة الأسرية تعود إلى نقص الوعي أو العجز الجنسي.
عادةً ما تتلاشى الرغبة بسرعة عند المرأة، بينما يظهر الشهوة بطريقة غامضة ومتقلبة. المرأة تُشبع ببطء وقد تبدو غير راضية، رغم أنها في كثير من الأحيان تخفي هذا الشعور، ولكنه قد يظهر بأشكال وحالات مختلفة.
غلبة الشهوة عند المرأة قد تكون مصحوبة بمخاطر أكبر مقارنة بالرجل. إذ يصعب إثارة شهوة المرأة واستمراريتها، وكل امرأة تحتاج إلى رجل سليم، قوي وواعٍ في هذا المجال. وعلى الرغم من تعاون المرأة في إظهار هذه الحالات لديها ولدى الرجل، إلا أنها تتوقع بشكل أكبر أن يظهر هذا الإحساس من جانب الرجل، وهي بشكل خاص مهيأة للانبهار بقدرات الرجل.
٢. مدة الجماع
تختلف مدة الجماع بين المرأة والرجل، وهذه الاختلافات قد تؤدي إلى مشكلات. من الضروري الانتباه إلى هذه الفروق لمنع حدوث أية مشكلات.
عادةً ما يكون للرجل سرعة في القذف، بينما المرأة تشعر بالإشباع ببطء. المرأة قد تتكرر حالة الإشباع، بينما الرجل يختبر ذروة واحدة ويتسم بأداء متصل وسريع. الرجل يفكر بالمرأة خلال العملية، بينما يمكن للمرأة أن تكون منشغلة بأفكار أخرى. المرأة تفهم حالة الرجل، بينما يكون الرجل أقل قدرة على فهم حالتها.
٣. الإشباع والرضا
الإشباع الجنسي للرجل والمرأة يعتمد على اهتمام كل منهما بالآخر. الالتزام بجميع قواعد وأصول العلاقة الجنسية، واتباع آداب وأحكام الزواج، يساهم بشكل فعال في رضا الطرفين وصحة واستمرار الحياة الزوجية.
الصحة، القدرة والوعي عند الرجل والمرأة تلعب دورًا أساسيًا في التوافق، وأي مرض جنسي أو عدم توافق مزاجي، خلقي أو نفسي قد يسبب فشلًا في الإشباع. إهمال أو أنانية أي طرف تؤدي إلى عدم النجاح في هذا المجال.
الرجل غالبًا ما يهتم بإشباع نفسه، في حين أن المرأة، إلى جانب رغباتها النفسية، تدفعها عوامل متعددة للاهتمام بالرجل أكثر من نفسها. نادرًا ما تشعر المرأة بالرضا الكامل دون مراعاة زوجها، إلا في حال فقدان الاهتمام أو الإحباط من الزوج. الاختلافات الشديدة في الرغبات الجنسية، الفروق الجمالية أو العمرية قد تؤدي إلى يأس المرأة وابتعادها عن الزوج.
٤. التوافق في الزواج
عدم التناسب بين الزوجين من حيث الجسم، العمر، الجمال أو القبح، المزاج والخصائص النفسية، الوضع العائلي، وأحيانًا الوضع المالي، يسبب مشاكل كثيرة. هذا الأمر مذكور بوضوح في الدين الإسلامي تحت مسمى “الكُفء والمُواءمة”.
أسباب عدم التوافق في الحياة الزوجية والجوانب الجنسية يمكن أن تكون مشتركة، وقد يعاني كلا الزوجين من مشكلات سواء في الجوانب غير الطبيعية أو الطبيعية. كثير من حالات عدم التوافق تنبع من الضعف، النقص، عدم الوعي أو الزواج غير المناسب، ويجب توسيع برامج التوعية العامة للوقاية، لتعزيز عوامل المحبة والانسجام والرغبات النفسية والمعنوية بين الطرفين.
إذا تم مراعاة مبدأ “التناسب” في الزواج، ستختفي العديد من المشكلات الزوجية، وخاصة المشاكل المتعلقة بالرغبات الجنسية.
توسيع المعرفة الأخلاقية، النفسية، الطبيعية، الصحية، التربوية والدينية بين الأفراد قبل الزواج بشكل عام يساهم في حل الكثير من المشكلات.
يجب أن يتبادل الزوجان الأفكار والأفعال في المجال الجنسي، ويجب أن يدرك كل منهما الآخر جيدًا، مع مراعاة قوانين الجذب الطبيعية، والاهتمام بالنقاط الإيجابية. كما يجب عليهما الاجتهاد في معالجة أية نقص أو ضعف، والعمل بقوة وصحة وسلامة تامة. كما ينبغي الانتباه إلى الاستخدام العملي للمعارف النفسية، ومعالجة العوائق الأخلاقية، العلاجية والتربوية بالعلم والوصايا الدينية.
٥. خلاصة
يمكن الاستنتاج من ذلك أن الرغبة الجنسية، الإشباع، المتعة والاستمتاع مشتركة بين الرجل والمرأة، وليس الأمر أن المرأة محرومة والرجل مستفيد فقط. أي نقص في هذه المجالات يعود إلى عوامل خارجية وليس للطبيعة أو الخلق، حيث أبدع الخلق دورًا فعالاً كاملاً في هذه المجالات.
٦. الآلام والمعاناة النسائية
ثمة تساؤلات عقلانية تتناول آلام وليلة الدخلة، فقدان العذرية، الحمل والولادة ومشاكلها، التوافق الجنسي بين الزوجين، الدم والاغتسال، وغيرها من القضايا. كأن كاتب هذه الأمور يشعر بألم أكبر من النساء أنفسهن! فقد رصد الألم والمصاعب في خلقة المرأة دون التطرق إلى المتعة، النشاط، الفخر والنعمة التي تتمتع بها المرأة وتعيشها.
هذه التساؤلات تتناول أسباب خلق المرأة التي تبدو صادمة للبعض، مثل: لماذا لم يُعطَ للمرأة مثل الرجل من حيث الخلقة ليكون الزواج صحياً وسليماً ومتساوياً؟ ماذا لو لم يكن هناك ألم في الولادة؟ ماذا لو كان الحمل أقصر؟ ماذا لو كان الإنجاب يتم بالتلقيح بدلاً من الحمل؟
هذه التساؤلات قد تكون ضرورية لمناقشتها، رغم أن التفصيل غير مطلوب هنا، وهي تعكس أفكارًا أحرارًا ومعاصرين وبسطاء، ولابد من نقدها لتوضيح الأمور بشكل أفضل.
ChatGPT said:
البند الرابع: الألم؛ مصدرُ نشوةِ الفتاة
غشاءُ البكارةِ وعمليةُ إزالته، مشاقُّ الحمل، آلامُ الولادةِ، وما شابهُها من أنواع الألم الطبيعي التي فطر اللهُ المرأةَ عليها. ورغمَ أنَّ كلَّ واحدةٍ من هذه الحالات ترافقُها آلامٌ وأوجاعٌ وشدائدٌ كثيرة، إلا أنَّها تُنتجُ فوائدَ ومتعةً كذلك.
ألم إزالة غشاء البكارة، إذا ما كان طبيعيًا وخاليًا من الآلام الجانبية، فهو نفسيًا وفلسفيًا وتجريبيًا مصدرُ لذةٍ نفسيةٍ، يمكنُ أن تصاحبَهُ حالةٌ من النشاط والسرور العقلي. وهذه الحالةُ تُعدُّ غايةً مرغوبةً عندَ الفتاة، وهي حالةٌ خاصةٌ بالفتيات فقط. فالفرحةُ واللذة التي تنالها العروس في هذا المقام لا تقلُّ عن لذة إزالة الغشاء بالنسبة للزوج، ومع تحقُّق ذلك يشعرُ الزوجان بموقعهما الجديدِ ومبتهجان ويجدان نفسيهما في مرحلةٍ جديدةٍ من الحياة.
وعيُ الفتاةِ والشاب عند الجماع في ليلة الزفاف يساهمُ في تقليل هذا الألم. على الفتاة أن تتخلصَ من الخوف والحياء المبالغ فيهين من خلال إدراكِها للطبيعةِ الطبيعيةِ لهذا الحدث، وأن تحافظَ على جسمها ونفسها في حالةٍ طبيعيةٍ ومُفرحة. وعلى الشاب أن يكونَ رقيقًا ومسرورًا، وأن يتحلى بالصبرِ والجهد لتنسيق حالة الفتاة مع نفسه.
كثيرٌ من المشكلات والآلامِ غير المنتظمة في هذا المجال ناجمةٌ عن جهلِ الفتيات والشبان، وإلا فإن إزالة غشاء البكارة هي أسمى متعةٍ وضعها الخلقُ إعلانًا لوحدة الروحين وتحقق الحياة المشتركة، كهديةٍ إلهيةٍ في كيان الرجل والمرأة.
إذا ما اُلتزمَ بالاحتياطات اللازمة في إزالة الغشاء وتم تجنب الآثار الجانبية، فإن مقدار الألم الطبيعي مع أنَّه يحتمل، فإنه يكونُ مرفوقًا باللذة وله خصائصٌ وفوائد. ومن خصائصه، نظرًا للموقف الخاص لعمر الفتاة والشاب، خلقُ المحبةِ والإدراك الكامل للوحدة بين الرجل والمرأة عبر الإحساس.
كلُّ ما توصّل إليه الإنسانُ من حقائق الخلق وآثار الطبيعة هو نوعيٌّ ومقيدٌ وليس عامًا، وإن وُجدَ عمومٌ فلا دلالةً قطعية عليه، لأنه ليس بالأمر اليسير الذي يمكن للعقلِ والفكرِ أن يدركَه. لذلك، حين يُقال إن إزالة غشاء البكارة بواسطة الزوج، أو ألم الولادة عند الأم مختلفٌ عن سائر الآلام، وأن مثل هذه الآلام تؤدي إلى القرب والوحدة والارتباط الطبيعي، وتحفز العواطف الإنسانية، كلها تعبيرات عن نوعيّةٍ منطقية.
إزالةُ الغشاء وتحفيزُ هذا الألم الذي وضعه الله للحياء والصحة كبداية حياة مشتركة عند المرأة، يشبه عقدًا وإعلانًا طبيعيًا تعبرُ عنه الفطرةُ والطبيعةُ متوافقةً مع الشريعة.
هذا الألمُ يخلق قربًا واهتمامًا بين الرجل والمرأة كأنه يُحيي التئامَ الروحين ووحدة النفسين، كما يفعل ألم الولادة بين الأم والولد.
الرجل والمرأة يبدأان حياتهما المشتركة من خلال المتعة الطبيعية والقرب والوحدة الكاملة للنفس البشرية، فتتغذى العواطف الوليدةُ على أسس الاستمرارية في الحياة المشتركة.
ومثلما تختلف العواطف وتختلف خصائص الأشخاص، فإن أنواع الألم في إزالة الغشاء والولادة تختلف أيضًا، وكما تختلف الخصائص النفسية، يختلف الغشاء وتتولد حالات مختلفة.
وكما أن لذة إزالة الغشاء لدى المرأة لا تقل عن لذة إجرائها للرجل، فإن المتعارف عليه تقليديًا ومذهبيًا، رغم عدم تأييده في كل الظروف، أن لذة سماع أو رؤية آثار هذا الفعل من قبل أقارب المرأة لا تقل عن لذة معرفة أهل الزوج بحدوثه. ورغم أن هذه الملذات النفسية قد لا تكون ملذات عقلية، إلا أنها بالتأكيد من اللذات الحقيقية والمتعة النفسية.
غشاء البكارة: هبة إلهية
غشاء البكارة من الناحية العلمية له خصائص طبيعية، آثار نفسية، وقيمة أخلاقية. هذه الحقيقة عينها هبة إلهية تمكّن الفتاة من استعادة ذاتها والوصول إلى قيمها الروحية والافتخار بها.
من الناحية الشرعية، لغشاء البكارة أهمية خاصة عند الفتاة، وغيابه، إذا ثبت وجوده سابقًا، يتيح إمكانية فسخ العقد. في هذه الحالة يحق للرجل إذا شاء أن يفسخ الزواج ويبدأ مسار الانفصال. وإذا تعرض الغشاء للتلف أو الاعتداء، يكون له دية شرعية.
العلم الحديث، رغم تقدماته العديدة عبر القرون، لم يصل بعد لفهم دقيق للآثار الحقيقية لغشاء البكارة؛ لذلك تُناقش غالبًا الجوانب الأخلاقية في الثقافات والأديان المختلفة. الإنسان لم يدرك بعد كثيرًا من دقائق الخلق، وبرغم كل الإنجازات، لا يزال في بداية الطريق في وادي العلم والمعرفة.
حتى الآن، الإنسان لم يتمكن من فهم التفاصيل الدقيقة لأحكام الشريعة فيما يخص البكارة وختان المرأة والرجل، لأن الغشاء بالإضافة إلى جوانبه الأخلاقية والروحية له خصائص حقيقية ويعد ضرورة طبيعية للفتاة خلقها الله لهذه الإلهة العظيمة للحب والنشوة. الغشاء يلعب دورًا مهمًا في حماية المهبل من الأمراض والالتهابات في سن الطفولة.
وأمر الختان كذلك. رغم أن الشرع يلزم الرجال به ولا يلزم النساء، إلا أن كلاهما له معايير خاصة به. يجب على المجتمع العلمي مستلهمًا من القوانين الدينية أن يبحث بدقة في هذا الأمر لكي يتضح أن هذا الحكم الإلهي لا يتعارض مع الحقائق العلمية والتجريبية، بل يمكن دراسة فوائده الصحية، مثل الوقاية من بعض الأمراض المعدية والميكروبية، وأيضًا بحث آثاره النفسية والروحية وخصائصه الإيجابية الأخرى.
نعم، يجب تناول كل هذه العناوين والمعايير بشكل كامل لكي يزداد فهم العالم العلمي الحديث للأسس السامية للدين الإسلامي المقدس، ويسعى لاستثمارها على أفضل وجه.
لهذا نقول: عمومًا، الآلام الطبيعية التي وضعها الخلق في الإنسان ليست بلا فائدة أو مخالفة للمصلحة، بل كل واحدة منها، بالإضافة إلى فائدتها، تحمل نوعًا من اللذة، رغم أن الألم لا يُعتبر لذة، كما أن الطبيعة ليست ضد الفطرة، ولكل منهما غايته الخاصة.
ومع ذلك، كثيرٌ من الآلام التي تبدو طبيعية مثل إزالة البكارة، الحمل، والولادة ليست طبيعية بالضرورة، بل ترتبط بالضعف أو أمراض جانبية خفية أو جهل الأفراد بكيفية التعامل معها؛ لذلك لا يجب تحميل الطبيعة كل هذه المشكلات أو اعتقاد أنها بلا حكمة أو مصلحة. ومن الواضح أنه مع المزيد من البحث في كل هذه الأمور ستنكشف مصالح وآثار أكثر.
البند الخامس: ألم ومشقات الولادة
قبل الرد على الشبهة المطروحة، يجب تقديم بعض المقدمات لتوضيح الموضوع ثم الرد عليها.
التكاثر
ينشأ التكاثر من اتحاد الخلايا الجنسية للذكر والأنثى. الوظيفة الطبيعية للرجل والمرأة هي إنتاج هذه الخلايا. الرجل ينتج “الحيوانات المنوية” التي تلتقي مع بويضة المرأة في البيضة (الأوفول)، وإذا حدث هذا الاتحاد يتم التكاثر. شرح هذا الاتحاد يظهر دقة الخلق وحكمة الطبيعة.
هذه عظمة للمرأة التي توفر رحمها لنمو أسمى المخلوقات وتحمل الإنسان داخله وتربيه، فهي مربّية تكوينية للبشر.
الحيوانات المنوية للرجل مختلفة بوضوح عن بويضة المرأة؛ فالبويضة دائرية وثابتة، والحيوان المنوي طويل ومتحرك. ورغم كبر حجم البويضة، إلا أن عددها أقل بكثير من الحيوانات المنوية.
التكاثر يختلف بين الحيوانات تبعًا لموقعها وأهميتها الوجودية. الحيوانات الأعلى إدراكًا وقدرات تعيش الولادة، أما الحيوانات الأدنى فتضع بيضًا.
الميكروبات تتكاثر بالتجزئة الذاتية. بعض الحيوانات، مثل ديدان الأرض، تنتج من كلا الجنسين الحيوانات المنوية. وبعض الحيوانات المتقدمة لا يحدث تلامس مباشر بين الذكر والأنثى، بل يُطلقان خلاياهما في الماء فيحدث التقاء تلقائي.
أعلى الحيوانات تطورًا هي التي تلد، والإنسان هو الوحيد الذي يتمتع بصفات متميزة في نموه وأوجه أخرى.
آيات الله الحكيم
ربما يرى بعض الناس بعض العبارات في هذه الصفحات غير لائقة أو غريبة، ولا يظنون أن ذكرها في كتاب مناسب. ولكن الحقيقة أن النظرة إلى حقائق الكون تختلف باختلاف الأفراد. إذا نظر الإنسان إلى الكون كآية من آيات قدرة الله وحكمته، فلن ينتقد مثل هذه المواضيع، ولن يكون هناك حاجة للاعتذار عنها.
نجد أن الإمام الصادق عليه السلام في كتاب “توحيد مفضل” يشرح عجائب ودقة الخلق في أفعال الجماع وأعضاء الذكر والأنثى، مشيرًا إلى أن هذه العجائب تشمل الحيوانات أيضًا. يقول الإمام لمفضل، أحد تلاميذه المميزين:
“انظر الآن يا مفضل! كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعًا على ما يشاكل ذلك؛ فجعل للذكر آلة ناشزة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم إذ كان محتاجًا أن يقذف مائه في غيره، وخلق للأنثى وعاءً عميقًا ليشمل على المائين جميعًا ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم؛ أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف؟ سبحانه عما يشركون.”
أيها مفضل، تأمل موقع أعضاء الجماع لدى الذكر والأنثى وطبيعة الجماع، فالله جعل عضو الذكر عند الجماع في حالة انتصاب وتوسع مناسب ليتمكن من إيصال النطفة إلى الرحم، ثم يعود إلى حالته الطبيعية. أما للأنثى، فقد خلق الله وعاءً عميقًا قابلًا للتمدد والارتجاع ليحوي الطفل ويحفظه.
أليس هذا من حكمة الله ولطافته؟ سبحانه وتعالى من أن يشركوا به.
لو لم يكن عضو الرجل قابلاً للانتصاب والعودة، لكان ذلك سببًا للخجل والمشاكل للإنسان. قد يبدو الكلام غريبًا للبعض، لكنه من آيات الخالق الحكيم التي تتجلى في كل مظاهر الكون.
وهكذا، فإن هذا الكتاب المبارك يعيد القارئ إلى التدبر والتأمل، ويمحو غبار الغفلة والإنكار عن قلبه، ويوصله إلى شكر النعم التي قد غفل عنها طول حياته.
الجهاز التناسلي الذكري
يتكوّن الجهاز التناسلي الذكري بشكلٍ عام من قسمين داخلي وخارجي. القسم الأول (الداخلي) مسؤول عن إنتاج الحيوانات المنوية، والقسم الخارجي هو المسؤول عن نقل السائل المنوي إلى الرحم. كل من هذين القسمين يتضمن أجزاءً مختلفة ذات خصائص مميزة.
بصفة عامة، يختلف الجهاز البولي عن جهاز إنتاج المني. حيث يتدفق البول من الكلية عبر الحالب إلى المثانة، ومن هناك يُطرح عبر مجرى البول المخصص له. في الأنثى، يكون مخرج البول ومنطقة المني منفصلين، أما في الذكر فهما يشتركان في نفس المجرى، إلا أن المثانة تُغلق بالكامل أثناء خروج المني، ولا يخرج البول في هذه الحالة.
العضو الذكري يتمتع بحالة من المرونة والانتفاخ، وعند التحفيز تنتقل الدماء إلى الشعيرات الدموية في عضو القضيب، فيزداد صلابته وحجمه ويصبح منتصبًا. رغم اختلاف الأحجام والأشكال والخصائص بين الأعضاء الذكرية، إلا أن جميعها تؤدي الوظيفة الجنسية بنفس الكفاءة، ولا يوجد فرق في ذلك.
لذا فإن الروايات المتداولة حول أهمية حجم أو قطر العضو الذكري في الأداء الجنسي ليست ذات أساس علمي. فالعضو الذكري يحقق الغرض من العملية الجنسية على نحو متساوٍ، وإن كانت خصائصه تؤثر في نوعية المتعة وتنوعها.
السائل المنوي، هذه الكيمياء الحية، يشبه الهلام، لزج ومتماسك، له لون ورائحة مميزة، ويتكوّن من إفرازات غدة البروستات، وغدد كوبر، وغيرها من الغدد التناسلية. أما الحيوانات المنوية فهي العنصر الأساسي والفعّال فيه، وتسبح في سائل بلازمي معقد.
لا توجد علاقة مباشرة بين الخصيتين والعضو الذكري، إنما العلاقة غير مباشرة، فالخصيتان تتكوّنان من أوعية دموية دقيقة وتقعان داخل كيس خصوي.
الجهاز التناسلي الأنثوي
يختلف الجهاز التناسلي الأنثوي عن الجهاز الذكري من حيث التركيب والوظيفة. فقد خلق الله تعالى الجهاز الأنثوي بأفضل هيئة وانسجام، مما يدهش العقل ويثير الإعجاب.
الفرج هو العضو التناسلي الخارجي للأنثى، وله أشكال وأنواع متعددة تختلف باختلاف العمر والحالة. يضم الفر ج شفرات خارجية وداخلية تُغطّي فتحة المهبل، التي ترتبط بالرحم، والذي بدوره مرتبط بالمبيضين حيث يُنتج البويضة.
غشاء البكارة يقع عند مدخل المهبل، وله أشكال متعددة كالهلالي، الحلقي، الغربالي، أو بدون فتحات. قد يكون الغشاء مغلقًا تمامًا في بعض الحالات، ويتطلب فتحة جراحية للسماح بخروج دم الحيض. في حالات أخرى، يبقى الغشاء سليماً بعد الجماع حتى الولادة، ويُسمى حينها بالغشاء الحلقي.
الرحم هو موطن الجنين، وله قدرة على التوسع والنمو لاستيعاب نمو الجنين خلال فترة الحمل، وتتم عملية التوسع هذه بتناغم مع عضلات المهبل والأعضاء المحيطة.
الألم وغشاء البكارة
غشاء البكارة يمتاز بخصائص متفاوتة من حيث السمك والمرونة، ويختلف الألم الناتج عن تمزقه حسب نوعه. بعض أنواع الأغشية قد تنفصل بدون ألم، وبعضها يحتاج إلى تدخل جراحي.
هذه الأغشية توجد لدى الحيوانات العليا أيضًا، لكنها أكثر تطورًا وتعقيدًا لدى الإنسان.
الحمل والولادة
بعد التقاء الحيوان المنوي بالبويضة في قنوات فالوب، يحدث الإخصاب ويبدأ الجنين بالنمو في الرحم. يستغرق وصول الحيوان المنوي والبويضة إلى الرحم عدة أيام، والرحم يكون حينها مستعدًا لاستقبال الجنين.
خلال الأشهر الأولى، لا يتشكل الجنين بشكل واضح سوى بعض الأشكال الأولية، ومع مرور الأشهر يأخذ الجنين شكله البشري الكامل ويزداد نموه.
تبدأ الولادة بانقباضات متكررة في الرحم، ويصاحب ذلك ألم متزايد مع تقدم الطفل نحو قناة الولادة، وتنقسم الولادة إلى ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة الأولى هي انقباضات الرحم وفتح عنق الرحم، الثانية هي خروج الطفل، والثالثة خروج المشيمة.
الألم في الولادة يمكن أن يكون طبيعياً، لكن العوامل الصحية والاجتماعية قد تزيد من شدة الألم وتعقيد العملية.
خاتمة
تجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من الولادات تتم بشكل طبيعي، وأن الاهتمام بالصحة والوعي والتعليم يلعبان دورًا كبيرًا في تقليل المضاعفات والألم المصاحب للولادة.
العوامل الطبيعية ودورها في عملية الولادة وألمها
تلعب العوامل الطبيعية ـ مثل قدرة وصحة المرأة وتوازن نمو الجنين والطفل في رحم الأم ـ دوراً أساسياً في تقليل الألم وقصر مدة الولادة. أما العوامل القسرية وغير الطبيعية ـ كارتفاع أو انخفاض ضغط الدم، الأمراض القلبية والوعائية، السكري والكوليسترول لدى المرأة، أو المشاكل مثل قصور الرحم والشرج، عدم توازن الحوض، ضعف انقباضات الرحم، تمزق كيس الماء الذي يخرج من المهبل، عدم التناسب الطبيعي بين حركة رأس الطفل وحوض الأم، والحركة غير الطبيعية للجنين ـ فتؤدي إلى زيادة شدة الألم وإطالة زمن الولادة.
العوامل النفسية وتأثيرها
من أهم العوامل النفسية التي تساهم في تقليل الألم ومدة الولادة والحفاظ على صحة الأم والطفل، وعي المرأة بمسائل الولادة والأنوثة خلال فترة الحمل، وعدم وجود إفرازات غير طبيعية لديها نتيجة لعواقب محتملة أو وهمية، ووجود الأمل والنشاط في نفس المرأة، خاصة من جانب الزوج.
مرحلة ما بعد الولادة
بعد الولادة وانتهاء ارتباط الأم بالطفل، تستعيد الأم حالتها الطبيعية تدريجياً، ويبدأ الرحم بالانقباض التدريجي حتى يعود إلى حجمه الطبيعي خلال أسابيع قليلة، كما يستعيد عنق المهبل وجدرانه طيّاته الطبيعية السابقة.
نتيجة عامة حول مشكلات النساء
يمكن القول إن مشكلات النساء ذات اتجاهين: أولاً، النواقص غير الطبيعية والقصور والمشكلات الجانبية التي يمكن الوقاية منها وعلاجها، وتزيد حدتها بفعل الإهمال أو الجهل؛ وثانياً، مجموعة من الأمور والصفات الطبيعية التي خُلقَت بها المرأة، والتي رغم ما تحمله من مشقات، فهي لا تتعارض مع القيم والميزات التي تميز المرأة، ويمكن القول بحسم إن الطبيعة لم تظلم المرأة في هذه الجوانب.
الإجابة السادسة: الحيض والألم
الحيض هو فترة دورية تُرى خلالها المرأة دم الحيض لمدة عدة أيام شهرياً، ويسمى دم الحيض والمرأة خلال هذه الأيام “حائضاً”. أثناء الحيض، يكون عنق الرحم مسترخياً قليلاً وأقل بروزاً. تعاني المرأة في هذه الفترة من أعراض مختلفة مثل حرقة الرحم، القلق، التهيج، وفقدان الصبر. الدم في المهبل قد يهيئ بيئة مناسبة لنمو الميكروبات والأمراض المختلفة وقد يؤدي إلى التهاب الرحم.
الجماع خلال هذه الفترة قد يكون سبباً في نقل الأمراض والالتهابات إلى الزوج، مما يعرض صحتهما للخطر. من الأسباب الشرعية لتحريم الجماع أثناء الحيض هو هذا الخطر، بالإضافة إلى أن الجماع قد يسبب تورماً في جدران الرحم وزيادة في كمية الدم الحيضي، مما يؤدي إلى ضعف المرأة وتعبها وربما تحول دم الحيض إلى دم استحاضة يتجاوز العشرة أيام.
يبدأ الحيض عادة من سن الثانية عشرة تقريباً، ويحدث التبويض بعد عدة أيام من نهاية الحيض، وهذه العملية طبيعية حتى بدون تحفيز جنسي.
الرحم هو مكان لنمو الجنين، وهو جاهز دائماً لاستقبال البويضة، فإذا لم يحدث حمل، تُطرح البويضات مع دم الحيض.
دم الحيض علامة على قدرة المرأة على الإنجاب، وله علاقة مباشرة بالولادة والرضاعة، ويلعب دوراً حسّاساً في حياة المرأة والطفل: يسقط أحياناً، ويتحول أحياناً أخرى إلى مشيمة تغذي الجنين، وفي فترة الرضاعة يساهم في إنتاج الحليب.
الألم خلال الحيض في بعض النساء ينتج عن عوامل قسرية وجانبية، ولا يجب أن يكون مؤلماً بشدة طبيعياً، مع وجود حرقة أحياناً.
هناك علاقة وثيقة بين الهرمونات، المبيض، والحيض، حيث أن الحيض نتيجة نشاط المبيض. يمكن أن يحدث الحيض بدون تبويض أو تبويض بدون حيض.
التشريعات الشرعية المتعلقة بالحيض
شرع الإسلام قوانين دقيقة تحمي المرأة والرجل وتجنبهم الملوثات المادية والمعنوية. الإسلام هو المرجع الأعلم بخصائص المرأة، وينبغي للعلماء في كل المجالات العلمية أن يستفيدوا من أحكامه المقدسة بجدية، سواء كانوا من أتباع الإسلام أو غيرهم، لأن العلم ينبغي أن يكون مستقلاً عن المعتقدات.
في الإسلام، توجد أحكام دقيقة ومحددة بشأن طهارة المرأة من مختلف الإفرازات مثل المذي والودي، ودم الحيض والمني والبول، لكل منها أحكام محددة.
الإجابة السابعة: مشكلات الدم في الجهاز التناسلي الأنثوي
تُقسم دماء الجهاز التناسلي إلى عدة أنواع: دم الحيض، النفاس، الاستحاضة، دم الجروح، الدمامل، بكارة الدم، دم انقطاع الطمث، وغيرها. وللإسلام تشريعات خاصة لكل نوع من هذه الدماء، حيث يفرض الغسل للحيض، النفاس، والاستحاضة، ويكفي الغسل أو التنظيف بالماء لدم الجروح والدمل والبكارة. كما يحدد الدين شروطاً وأحكاماً خاصة لكل دم من حيث اللون، الشكل، الرائحة، ودرجة الحرارة.
- دم النفاس: يخرج مع الولادة ولا يتجاوز عشر أيام. إذا استمر الدم أكثر من ذلك أو ظهر قبل الولادة، فلا يُعتبر نفاساً.
- دم الحيض: هو الدم الشهري المعروف، ولا علاقة له بالولادة، ويدوم من 3 إلى 10 أيام. يُطلق على المرأة في هذه الحالة لقب “حائض”، ويترتب على ذلك قيود شرعية على العبادات والجماع وحضور المساجد.
- الدم الذي يظهر قبل البلوغ أو بعد انقطاع الطمث ليس دم حيض.
وجهة النظر الدينية حول دم الحيض
الإسلام يرى دم الحيض كجزء طبيعي من خلق المرأة، رغم أنه نجس، فهو مقدمة للطهارة والاكتمال الروحي والجسدي. بعد الاغتسال من الحيض تصبح المرأة طاهرة ومحبوبة عند الله. الرجال لا يواجهون هذه التعقيدات، ولهذا يجب على المرأة الصبر والالتزام.
قبل الإسلام، خاصة عند اليهود، كانت المرأة الحائض تُعتبر نجسة ويُتجنب الاختلاط بها بشكل كامل، كما ورد في التوراة أن كل ما تلمسه المرأة الحائض يصبح نجساً، حتى بعد الغسل. أما القرآن فقد أنهى هذا الاعتقاد بقوله:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
كما ترون، في لسان القرآن الكريم، تم تجاهل كل الأقوال الخرافية لليهود وأهل الجاهلية، باستثناء حكم الجماع، مع الحفاظ على طهارة ونقاء النص القرآني، حيث يقول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُطَهَّرِينَ»، ولكن الطهارة والبراءة أمر مختلف عن أن تكون المرأة محرومة من مكانتها الإنسانية والاجتماعية أثناء الحيض.
هذه هي الأحكام المتقدمة للإسلام التي أبطلت خرافات السابقين تمامًا، إلى حد أن اليهود اليوم لا يعولون على أقوال التوراة المحرفة، ويجب عليهم اللجوء إلى القرآن الحكيم لحماية المرأة؛ كما يجب على جميع الشعوب اللجوء إلى القرآن في حل مشاكلهم، خاصةً في قضية المرأة.
ج: دم الاستحاضة
الاستحاضة هي دم بارد يميل إلى اللون الأصفر، قليل الضغط، غالبًا ما يصاحبه حكة أو حرقة. وأحيانًا تتغير خصائصه وصفاته. المرأة التي ترى هذا الدم تُسمى «مستحاضة».
تنقسم الاستحاضة إلى ثلاثة أنواع: قليلة، متوسطة، وكثيرة. في الاستحاضة القليلة، يكفي الوضوء لكل صلاة، أما الاستحاضة المتوسطة فتوجب غسلًا يوميًا واحدًا، والاستحاضة الكثيرة تستوجب غسلين أو ثلاثة.
هذه الوضوءات والغسلات ضرورية لتطهير جسم وروح المرأة. دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة أو الصيام أو الجماع، وإنما يتطلب تحقق صفات الاستحاضة. الدم الذي ليس حيضًا أو نفاسًا أو دم جرح أو دم عفوني يُعتبر استحاضة.
الغسل أم الوضوء؟
الإسلام جعل الغسل واجبًا عند خروج المني والجماع والتطهر من هذه الدماء الخاصة، بينما اكتفى بغسل الموضع الخارج منه البول، وهذا يدل على دقة وتشريح الأحكام الشرعية. مثلاً، المرأة لا تشك في الحاجة إلى غسل الحيض أو النفاس أو مواعيدها، وهذا من عظمة وثبات التشريع الإسلامي، إذ لا يغيب عنه أي جانب من جوانب الإنسان.
هذه الأحكام وُضعت منذ آلاف السنين، وكلما تقدم العلم ازدادت حكمة هذه الشريعة ووضوحها، بخلاف قوانين البشر التي تتغير باستمرار.
أن الإسلام أوصى بالتخلص من البول بعد خروج المني وقبل الغسل، لتطهير مجرى البول. كما وضع أحكامًا خاصة للجنابة، حيث وُضعت حدود وقيود على الأشخاص الجنُب لتحديد حالة الطهارة.
الإسلام جعل أداء العبادات، وقراءة القرآن، ودخول المساجد والمزارات مقدمة بالطهارة والابتعاد عن الجنابة. وبيّن كيف تختلف كمية وكيفية غسل الدماء التي تستوجب الغسل، وهذا يتطلب بحثًا علميًا دقيقًا.
مع ذلك، ليست كل الإفرازات النسائية تستوجب الغسل، بل بعض الدماء فقط. دم الحيض والنفاس يُغتسل بعد انقطاعه، والاستحاضة قد لا تصيب جميع النساء، وعادةً ما تكون نتيجة ضعف أو مرض، ويمكن الوقاية منها.
لذا لا يُعد الغسل مشقة كبيرة على المرأة، ويمكن تقليل عدد الغسلات في الاستحاضة المتوسطة والكثيرة بطرق شرعية. وإذا كانت هناك مشقة، يمكن التيمم بدل الغسل.
وهكذا يتضح أن الغسل ليس مشقة كبيرة على المرأة، ولا أن الطبيعة أو التشريع يتآمران ضدها لتجعل منها ضحية تحقير وظلم.
الغسل والشعر الطويل عند المرأة
سؤال آخر: كيف تغسل المرأة التي تملك شعرًا طويلًا، بينما الرجال لا يواجهون هذا الأمر؟
الجواب: غسل الشعر ليس واجبًا في الغسل، ويمكن للمرأة ألا تبلل شعرها، كما ورد في كتب الفقه مثل «العروة الوثقى»:
«الواجب فيه غسل ظاهر تمام البدن»،
«ولا يجب غسل الشعر».
فالشعر ليس من البدن، وإن كان متصلاً به، يكفي أن تبلل فروة الرأس.
أما من حيث صعوبة غسل الشعر الطويل، فهذا يخص من تريد الاحتفاظ بشعرها الطويل ولا تستخدم وسائل التجفيف الحديثة، وهذه الحالات قليلة اليوم.
الجنابة والقيود
قد تُطرح أسئلة أخرى:
- لماذا المني، وهو سر تكوين الإنسان، يعتبر نجسًا ويُحرم تناوله؟
- لماذا فرض الإسلام الغسل بعد الجنابة، وما العلاقة بينهما؟
- لماذا فرضت الشريعة قيودًا على الأشخاص الجنُب؟
الجواب على الأول: النجاسة هنا مفهوم شرعي تأسيسي يختلف عن القذارة العادية، والمني رغم كونه سببًا في خلق الإنسان، إلا أنه نجس خارج مكانه الطبيعي، وله أحكام خاصة.
يمكن لمادة أن تكون مفيدة في وضع معين ونجسة في آخر، كما في الفضلات التي تُستخدم في الزراعة لكنها نجسة ولا يجوز تناولها أو ملامستها أثناء العبادة.
المني، بسبب تركيبته وخصوصيته، نجس ويُحرم تناوله، لضمان استعماله فقط في موضعه الطبيعي وعدم استغلاله في أمور محرمة أو ضارة.
لذا، قد يكون الشيء نجسًا، ومع ذلك ذو قيمة عالية من جهة أخرى؛ كما يمكن أن تتحد الروح والنفس المجردة في وعاء النزول والظهور الربوبي مع النجاسة، مثل روح الحيوانات النجسة ككلب وخنزير.
فالملاءمة بين الأمور والأشياء حقيقة واقعة، وليس كل شيء مناسب لكل مكان، ولا يكون لكل أمر فاعلية واحدة في جميع الأوعية. فبعض المواد صالحة للأكل، وبعضها غير مناسب لذلك؛ بعض الأشياء جميلة، وبعضها غير جذاب، وبعضها مكروه، وبعضها مستحب، وذلك بسبب اختلاف طبيعة البشر، أو بسبب نقاء أو دنس هذه الأمور، أو مع الأخذ بعين الاعتبار العناوين الشرعية مثل النجاسة، التحريم، والمنع الإلزامي وغير الإلزامي.
إذا قال أحدهم: أنا لا أعرف ما هو القذارة والنظافة، فهذا قول غير مقبول؛ لأن مفهوم هذين العنوانين بديهي ولا يقبل الإنكار، وإن كان قد يوجد اختلاف في تطبيقهما.
أما إذا قيل: لا نعرف أو لا نقبل أو لا نحب النجاسة أو التحريم أو المنع الشرعي، فهذا أمر معقول يجب التطرق إليه حتى يتضح أن الشريعة تهدف إلى حفظ الصحة وتقديم التنظيم الطبيعي للكائنات، ولا ينبغي للعاقل أن يهرب من ذلك. وإن كان الشريعة قد ترضى شخصًا أو لا ترضيه، إلا أن الملاءمات والكراهية ـ خصوصًا في الأمور المأكولة والمشروبات ـ أمر لا يمكن إنكاره، إلا إذا كان ذلك من باب العناد أو التمرد أو الالحاد أو التلاعب السياسي، أو بسبب تكرار الزمن، حتى اعتاد البعض على الأمور السيئة، كما أن عالم اليوم الملوث أجبر النساء على أفعال مذمومة كأكل النجاسات كالمني والبول وأنواع النجاسات الأخرى.
في هذا العصر الذي يدّعي التقدم، تسخر الحضارة من الجمال والروحانية، ولا تقبل التحريم والنجاسة، فتغريب الأوامر الإلهية يصل إلى حد أن الفاسدين في هذه المجتمعات يجرون أفعالًا مذمومة ويجبرون نساءً ملوثات مثلهم على أكل نجاساتهم، ليجعلوهن في ذل وهوان شديد! وللأسف، الغرب الذي يدافع عن حقوق المرأة، يشجع هذه الأفعال بوضوح. ويتضح من ذلك أن هدفهم من حرية المرأة هو استغلالها وابتزازها من خلال هذه الممارسات المشينة.
الاغتسال من الجنابة وراحة النفس
في جواب السؤال الثاني: خروج المني والانزال يؤدي إلى اهتزازات نفسية وانعكاسات مزاجية. وهذا يخل بالراحة الروحية والسكينة، ويؤدي إلى اضطرابات داخلية، وتلك الاضطرابات تتطلب إزالة بواسطتها الاغتسال، بحيث يمكن القول: الجنابة تُقفل حقيقة روح الإنسان، والاغتسال هو المفتاح لفتحها. لذا فرض المشرع الاغتسال لإزالة هذا الاضطراب والزلزلة النفسية والانهيار الطبيعي في الروح والجسد، لأن الاغتسال هو تطهير للجسد والروح بالماء مع النية والقصد القربي والوصول إلى الله. هذا يؤدي عند المؤمن إلى صفاء روحي وانتعاش نفسي، بالإضافة إلى نشر النظافة الشخصية والعامة. ولهذا السبب، تكون الراحة النفسية والعصبية لدى المتدينين أكثر من غير المتدينين الذين يجهلون هذا الحكم. بالتالي، الأحكام الدينية المتقدمة تهدف إلى صحة وسلامة الروح والجسد واحترام كمال الإنسان.**
وأما خروج الفضلات، رغم أنه يسبب تغييرات نفسية مشابهة، فإن الاغتسال فيه غير واجب. والفرق أن إخراج الفضلات هو إزالة نفايات غير ضرورية من الجسم ويوجد فيه راحة، بينما خروج المني هو فقدان جزء من القوى المفيدة للإنسان، ويرافقه رخاوة وضعف. كما أن تجميع الفضلات يقتصر على جزء من الجسم (الأمعاء)، بينما خروج المني يشمل كل وجود الإنسان، ولهذا يرافقه ضعف نفسي وجسدي شديد، ولا يستمر الإنسان في هذه العملية إلا مع وجود متعة.
وبالتالي، خروج الفضلات رغم انعكاساته النفسية، مختلف تمامًا عن خروج المني، ولذلك الشريعة تعتبر الوضوء كافياً لتنظيف النجاسة الناتجة عن الفضلات، أما الاغتسال من الجنابة فهو ضرورة روحية وجسدية.
أما السؤال الثالث: العبادة حالة روحية تستلزم تحقق شروط تؤدي إلى القرب من الله، والجنابة والنجاسة حاجز يمنع ذلك، لذلك الشريعة فرضت ترك العبادة في حالة الجنابة أو أذنت بها مع وجوب الاغتسال قبل العبادة أو أي عمل آخر، لأن الاغتسال هو الوسيلة اللازمة لرفع هذا الحاجز.
الطبيعة؛ الحامي الأفضل للمرأة
بعد عرض الأحكام العامة المتعلقة بالمرأة، تتبدد كل الشبهات. الطبيعة لم تدع المرأة للمعاناة بل هي الحامي الأمثل لها. الألم الطبيعي للمرأة ليس شديدًا أو صعبًا، بل له منافع، والألم غير الطبيعي له أسباب خاصة ويجب السعي لمعالجته من قبل الزوجة والأسرة والمجتمع العلمي.**
ليلة الزفاف وفتح عذرية المرأة يمثلان عالمًا من الأمل والفرح. هذا الألم هو ذروة الحب والشوق، وهو أعظم رمز للشرف والكمال والسرور. الحمل والولادة هما علامة عظيمة على مكانة المرأة التي تفخر بها، فهي تحتضن الإنسان وتنمي وجوده.
تربية الطفل والرضاعة استمرارية لكمال الأم، فالصفاء الصحي للمرأة وحليبها يُنتجان أبناء أصحاء. وللمرأة حق معنوي ومادي على زوجها في هذا المجال، كما هو واضح في الشريعة.
آلام الحيض والولادة هي طبيعية ومفيدة، وأي ألم غير طبيعي يجب البحث عن أسبابه وعلاجه. الدماء الشهرية ضرورية للطبيعة لإتمام دورة التكاثر. الاغتسال في هذه الحالات لا يسبب مشكلة، بل له دور في تطهير الروح والجسد.
المرأة، مثل باقي الثدييات، تمر بظروف خاصة في الولادة، وهذا يظهر كمالها وأهميتها في وجود الإنسان، فتربية الجسد والروح داخلها هي معجزة تستحق الحمد الإلهي.
في الختام، الحمل والولادة والألم الطبيعي هم ما يجعلون المرأة أماً، ويثيرون فيها المحبة والحنان، وهي هبة لا يمتلكها الرجل.
خاتمة
خلق المرأة هو من أسمى مظاهر الخلق الإلهي، ولا يعاني من أي نقص طبيعي، بل هو أكمل وأجمل. المرأة والرجل مكملان لبعضهما ولا يمكن تحقيق الكمال إلا باتحادهما.**
إن مشاكل المجتمع والنساء أسبابها غير طبيعية، ولا يجب لوم الخلق أو الدين عليها. يجب المحافظة على حقوق المرأة وفق الشريعة، وتجنب التحيزات والظلم من أي طرف.
يجب أن تنمو المرأة في المجتمع نمواً طبيعياً دون تقييد، مع ضرورة تجنب الاختلاط غير المبرر والتعاملات غير الصحية. كما ينبغي عدم استغلال المرأة في دعايات سياسية حزبية أو فئوية، بل يجب الابتعاد عن الشعارات والخطب الممجوجة في هذا الشأن، والتركيز على الحقائق، والسعي نحو تحقيق الطهارة وإبراز النمو الحسن.
إذا اعتبرت الشريعة جسد المرأة عورة وحددت له خصائص معينة في اللباس، فذلك لحفظ حرمة المرأة وصون حريم الطهارة وجمالها. إن الدين يريد أن يحفظ هذه الكائن الروحي والإنساني من الوقوع في براثن القبح والفجور، ومن أن ينظر إليها أشخاص فاسدون بطمع ويمارسوا عليها أمانيهم القبيحة.
ينبغي بناءً على التكوين، ومن أجل راحة الأفراد، وتحقيق طهارة المجتمع، وسعادة الإنسان، أن يحترم الإنسان المرأة ـ هذا الصفاء والازدهار للإنسان والعالم ـ ويحدد لها حريماً خاصاً، ويمنع سوء النية والانحرافات تجاهها. فلا يجوز أن تُعتبر موجوداً غير مرئي، ويُحصَر دورها في صندوق المنزل أو الزاوية، ولا يجوز أن تُجْلَب إلى جانب الرجل في ميدان ينعدم فيه الحياء ويتعرض للفضائح. بل يجب أن تنمو في مجالها الواقعي وضمن حدودها الطبيعية. ويجب الامتناع عن أي إفراط أو تفريط علمي أو غموض في الحديث عن المرأة، حتى لا تتعرض شخصيتها الغالية لمكائد الجهل والانحراف.
في هذه الحالة فقط يمكن أن نأمل في مجتمع صحي وحياة أفضل، ويكون المجتمع والناس مفعمين بالمودة والطهارة والمحبة والصداقة. لأن صحة المجتمع لا تتحقق أبداً بدون صحة المرأة، وفساد المرأة يؤدي إلى فساد المجتمع ويزيد من الاضطرابات القائمة.
الباحثون والمهتمون بهذا الموضوع يستندون في دراستهم إلى مصادر شرعية وعلمية موثوقة، منها:
- القرآن الكريم، كتاب الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو المصدر الأول للتشريع والحكم.
- كتب الحديث مثل “جامع الأحاديث الشيعة” للعلامة البروجردي، و”تفصيل وسائل الشيعة” للحر العاملي، اللذين يحتويان على روايات وأحاديث نبوية وأئمة أهل البيت عليهم السلام.
- التفاسير المعتبرة كـ”تفسير نور الثقلين” لعلي الحويزي، و”مجمع البيان” للطبرسي، التي توضح معاني الآيات وتبيّن الأحكام المتعلقة بالمرأة والحشمة.
- المؤلفات الفقهية والأخلاقية مثل “عوالم الأخلاق” للطبرسي، و”الروضة البهية” للعاملي، التي تفسر الأحكام الشرعية ضمن السياقات الأخلاقية والاجتماعية.
- المصادر التاريخية والأخبارية كـ”عيون أخبار الرضا” للصدوق، و”بحار الأ” للمجلسي، التي تضم أخباراً تتعلق بحياة الأئمة وأقوالهم في حقوق المرأة.
- المراجع الفقهية الأساسية مثل “فروع الكافي” للكليني، و”مستدرك الوسائل” للنوري، التي تشرح المسائل الفقهية المتعلقة بواجبات وحقوق المرأة في الإسلام.
هذه المصادر تُشكّل أساساً متيناً لفهم مكانة المرأة في الإسلام من حيث الحشمة، الحقوق، والمسؤوليات، مما يدفع الباحثين إلى التأكيد على أهمية مراعاة هذه المبادئ في معالجة قضايا المرأة في المجتمع المعاصر.
مصادر المجلد الثالث:
- القرآن الكريم
- البروجردي، حسين، جامع الأحاديث الشيعية، قم، مطبعة علمية، 1359 هـ ق.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة، الطبعة الرابعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1391 هـ ق.
- الحويزي، علي بن عبد جمعه العروسي، تفسير نور الثقلين، الطبعة الثانية، قم، دار الكتب العلمية (الإسماعيليان)، 1383 هـ ق.
- الديلمي، حسن بن محمد، إرشاد القلوب، بيروت، مؤسسة العلمى للمطبوعات، 1398 هـ ق.
- الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، النجف، المكتبة الحيدرية، 1386 هـ ق.
- ـــــــــ، ــــــــــــــــ، عيون أخبار الرضا (7)، النجف، مطبعة الحيدرية، 1390 هـ ق.
- الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران، مكتبة إسلامية، 1390 هـ ق.
- الطبرسي، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، النجف الأشرف، مطبعة الحيدرية، 1391 هـ ق.
- العاملي، محمد بن مكّي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، طهران، مكتبة علمية إسلامية، 1309 هـ ق.
- الفتال النيسابوري، محمد، روضة الواعظين، قم، منشورات الرضي.
- الفيض، محمد بن محسن، الوافي، الطبعة الأولى، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404 هـ ق.
- الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1350 هـ ق.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأ، طهران، دار الكتب الإسلامية.
- النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، طهران، مطبعة الإسلامية، 1382 هـ ق.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.