صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المرأة مظلومة عبر التاریخ الجرء الرابع

نشر في آذر 13, 1404 في

المرأة مظلومة عبر التاریخ الجرء الرابع

  • المرأة؛ مظلومةُ التاريخِ الدائم
    (المجلد الرابع)
    ()
  • حضرة آية الله
    السيرة الذاتية: ، ، 1327 هـ ش
  • العنوان والمؤلف:
    المرأة؛ مظلومةُ التاريخِ الدائم / .
  • بيانات النشر:
    إسلام‌شهر: دار نشر ، الطبعة الثانية: 1393 هـ ش.
  • المواصفات:
    4 مجلدات.
  • رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN):
    دورة كاملة: 978-600-6435-46-6
    المجلد الرابع، الطبعة الثانية: 978-600-6435-51-0
  • موضوع: النساء
    تصنيف الكونغرس: 1393 9 ز 8 ن / 1208 HQ
    تصنيف ديوي: 4 / 305
    رقم الفهرس الوطني: 2846409
  • الناشر:
    عدد النسخ: 3000
    سعر الدورة: 258000 تومان
  • العنوان:
    طهران ـ إسلام‌شهر ـ نسيم‌شهر ـ وجيه‌آباد
    شارع جواهرزاده ـ رقم 36
    الرمز البريدي: 3769138575
    هاتف مركز التوزيع: 025 32 90 15 78
    الموقع الإلكتروني:
  • حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

القسم العاشر: المرأة في المجتمع

الفصل الأول: مظلومية المرأة في المجتمع

  • دعم الإسلام للمرأة
  • في نظام الخلق العظيم، رغم أن كل شيء و كل شخص خُلق على هيئة أزواج، ولا فرق في الأصل بين الذكر والأنثى من حيث الخلق والآثار والحقوق، إلا أن هناك أسباباً عقلانية وطبيعية لوجود بعض الاختلافات التي لا يمكن إنكارها. ولكن عبر التاريخ، كان هناك أفراد وجماعات كثيرون ينظرون إلى الآخرين، وخاصة النساء، بمنظار غير عادل وظالم، استغلالي بعيد عن المسؤولية والالتزام؛ فمنهم من استعبد النساء وشبهن بالعبيد، مع الفرق أن العبد يُعتق بالمال، أما المرأة فتظل في قيود الأسر والعبودية.
  • كانت المرأة دائماً تعاني من أنواع عديدة من الاضطرابات في بيت أبيها وزوجها وفي المجتمع. وحتى اليوم، في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في الدول المتقدمة، تعاني النساء من نوع آخر من الأسر بين أنياب أشباه البشر. كما في الماضي، عندما لم تكن للنساء حقوق في الميراث ولم يكن لهم أهل، وكانوا يُدفنون أحياءً ليحفظوا الرجال من العار، تواجه النساء اليوم مشاكل لا تقل سوءًا.
  • في الأديان المحرفة قبل الإسلام، لم يكن هناك تقدير حقيقي للمرأة، كما أعلن المجمع الكنسي المسيحي بصراحة: “المرأة إنسان، لكنها خُلقت لخدمة الرجل”، كما هو منتشر في الكثير من الديانات المحرفة والقبائل الأخرى.
  • بين الشعوب، على سبيل المثال، لم يعترف اليهود بمساواة المرأة بالرجل، بل كانوا يطردون النساء أثناء الحيض مثل البرص وبعض الحيوانات في موسم الخريف.
  • الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف بمساواة الرجل والمرأة في جميع شؤون الحقوق الإنسانية، مع الاعتراف بالفروق الطبيعية والعقلانية بينهما، لا افراط ولا تفريط. وبعبارة أخرى، هناك مساواة في الحقوق وليس تشابه. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]
    ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 195]
    ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]
  • من هذه الآيات وغيرها يتبين أن البشر سواء تحت اسم الناس، وأنما تميزهم في الكرامة مرتبط بأعمالهم، والله لا يظلم أحداً. الإسلام يدافع عن المرأة بكل شمولية وواقعية، بعيداً عن الإهانة أو التمويه، أو الهيمنة الأعمى، أو السياسة أو الاستغلال.
  • هذا الدعم قائم على العقل والواقع، ولا يزال مستمراً، لأن المرأة اليوم تواجه استغلالاً جديداً بأسماء جميلة وخطط شيطانية، وتخرج عن طريق الفطرة والطبيعة.
  • كمثال على دعم الإسلام للمرأة في زمن ومجتمع كانت فيه المرأة كعبد وسبب عار، لم يكن هناك من يدافع عنها، نورد الحديث الشريف:
  • أربع بنات!
    عن حمزة بن حمران قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بولادة له، فغُيّر وجه الرجل، فقال النبي له: “ما لك؟” قال: “خير.” قال: “قل.” قال: خرجت والمرأة تحيض، فأخبرت أنها ولدت جارية. فقال النبي: “الأرض تقلها، والسماء تظلها، والله يرزقها وهي ريحانة تشمها.” ثم التفت إلى أصحابه وقال: “من كانت له ابنة فهو مفدوح، ومن كانت له ابنتان فليعُذ بالله، ومن كانت له ثلاث فقد رفع عنه الجهاد وكل مكروه، ومن كانت له أربع فليعينوه، وليقرضوه، وليرحموه.”
  • يبيّن هذا الحديث مدى القلق الاجتماعي ودعم الدين للبنات، وكذلك يشير إلى المواقف الصعبة التي كانت تواجهها البنات آنذاك.
  • وفي حديث آخر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
    “من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات وجبت له الجنة.”
    فقالوا: يا رسول الله، واثنتان؟ قال: واثنتان.
    فقالوا: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: وواحدة.
  • رغم أن الحديث يعدّ رعاية البنات والنساء باباً لدخول الجنة، إلا أن السؤال يطرح: لماذا يجب أن نرى المرأة محتاجة إلى دعم لهذه الدرجة؟
  • الجواب: لأن المجتمع آنذاك كان في حالة فوضى واضطراب تام، ولم تكن هناك إمكانية للإصلاح الكامل، لذا لجأ الدين إلى الأدوات المعنوية للحماية والدعم. وحتى اليوم، وبعد قرون من الجهل والظلم، لم يستطع الإنسان أن يحل هذه المشكلة بالكامل ويرسم حقوق المرأة بشكل عادل.
  • البنت؛ فخر النبي
  • عن الجارود بن المنذر، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «بلغني أنك ولدت بنتًا وتسخطها؟ وما عليك منها؟ إنها ريحانةٌ تشمّها وقد كُفيت رزقها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبًا لبناتٍ».
  • في هذا الحديث الشريف، يخاطب الإمام (عليه السلام) من يكره البنت بتعبيرات رقيقة من بلاغة اللطف وصفاء النفوس، تدل على كرامة المرأة وجمالها، فهي ريحانة طيبة الرائحة تُشمُّ وتعطر الجو، وهي فخر النبي الذي كان أبًا لعدة بنات، من بينهن فاطمة الزهراء التي لقبها النبي بـ«أم أبيها». وما معنى قول الإمام «البنت ريحانة طيبة الرائحة» أو أن تكون البنت أم أبيها إلا دليل على جمال المرأة وكمالها.
  • عن هشام بن الحكم، عن الجارود، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي بناتٍ. فقال: لعلك تتمنى موتهنّ! أما إنك تمنيت موتهن فماتن، لم توجر، ولقيت الله عز وجل يوم تلقاه وأنت عاصٍ.
  • هذا الحديث الشريف يحمل عدة دلالات هامة:
  • أ) إن قلق الجارود لم يكن من كون البنات بنات، بل من كثرة عددهن، وهو أمر قد لا يكون قابلاً للتغيير في زمانه، أما اليوم فيمكن ضبط النسل عبر الفحوص الطبية وتنظيم الأسرة.
  • ب) القلق من كثرة البنات لا ينبع فقط من نقص الأولاد، بل من عدم تمتع الفتيات بحقوقهن الاجتماعية وقدراتهن، وهذا لا يحدث في المجتمع الصحي المتوازن.
  • ج) عدم الرضا عن وجود أولاد، خاصة البنات، يجعل الأب والأم من العصاة، إذ لا ينبغي أن يحمل الوالدان أبناءهم كعبء أو منّة، فالله هو الذي يرزقهم ويحفظهم.
  • د) وصف صاحب الحديث بالعاصي يدل على خطورة الفكرة التي توازي رغبة موت الأبناء بقتلهم، وهي كبيرة جدًّا ومحظورة.
  • هـ) كل ما سبق لا ينافي ضرورة تنظيم عدد الأولاد بما يتناسب مع إمكانيات الأسرة والمجتمع، وضرورة التخطيط السليم.
  • ولادة البنت؛ خيانة من الأم؟
  • عن إبراهيم بن الكرخي، عن ثقةٍ من أصحابنا قال: «تزوجت بالمدينة فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف رأيت؟ قلت: ما رأى رجلٍ من خيرٍ في امرأةٍ إلا وقد رأيته فيها، ولكنها خانتني. فقال: وما هو؟ قلت: ولدت جاريةً. قال: لعلك كرهتها، إن الله عز وجل يقول: “آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا.”**
  • هنا يوضح الإمام (عليه السلام) بأن كره الولد (البنت) ناتج عن جهل بالفائدة الحقيقية لكل من الأبناء والبنات، مستشهداً بالآية التي تبين أن الآباء والأبناء كلاهما له فائدة ومصلحة قد لا يعلمها الإنسان.
  • **عن الحسن بن سعيد اللخمي قال: ولد لرجل من أصحابنا جارية، فدخل على أبي عبد الله (عليه السلام) فرآه متسخطًا، فقال له: أرأيت لو أن الله تبارك وتعالى أوحى إليك أن تختار لنفسك، ماذا تقول؟ قال: كنت أقول: يا رب اختر لي. قال: فإن الله قد اختار لك. ثم قال: إن الغلام الذي قتله العالم الذي كان مع موسى، وهو قول الله عز وجل: “فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحماً”، أبدلهما الله بجارية ولدت سبعين نبيًا.»
  • بهذا الحديث، يطمئن الإمام (عليه السلام) الرجل الذي سخط من ولادة بنت، ويبين له أن الله سبحانه وتعالى قد اختار له خيرًا، إذ إن نسل هذه البنت يكون عظيمًا، كما في قوله تعالى.
  • الإسلام ونظرته إلى المرأة
  • بعد بيان كيف دافع الإسلام عن المرأة وحارب الأفكار الجاهلية الخاطئة، ننتقل إلى نظرة الإسلام إلى المرأة، التي ينبغي أن تكون أساسًا لسلوك وتعامل كل مسلم.
  • يقول تعالى: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين…»، حيث جعل الله حب النساء والأولاد من زينة الحياة، وذُكرت المرأة والأولاد مقدمًا على غيرهم من الزينة كالذهب والفضة.
  • كما قال تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، فلا فرق بين ولد وبنت في هذا السياق، فجميع الأولاد زينة.
  • وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذّة أكثر لهم من لذّة النساء…» مبينًا أن لذة الزوجة وزوجها من أشرف وأجل الملذات في الدنيا والآخرة.
  • كما ورد في الآية: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، ونقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: «ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات؟ إنّي أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار…»، حيث يأمر بالتمتع بالحلال وينهى عن الامتناع عنه.
  • يعتبر ذلك العظيم بصراحة ودون مداهنة ورياء، نوم الليل والجماع وتناول الطعام في النهار من أساليبه الحسنة، وينأى عن الذين يتركونها.
  • … «و منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»[21]
  • قال الله تعالى: “ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.
  • فقد ورد في العديد من الروايات أن “الحسنة” تعبر عن الزوجة المؤمنَة الصالحة – رجلاً كان أو امرأة – وأن أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) قد عرفوا الزوجة الصالحة بأنها جوهرة الدنيا الثمينة، وجعلوها في مرتبة الحور العين في الجنة[22].
  • حقًا، ما أجمل وأثمن هذه الجوهرة اللامعة التي يمتلكها من كان، وما أعظم فقدانها لمن لا يمتلكها! أليس الله سبحانه قد خلق في الدنيا ما هو أثمن من هذه اللطيفة الإلهية، إلهة الحب، موئل العطف، ومعلمة الحنان والجمال؟
  • ومن الجدير بالعلم أن المقصود بالحسنة في الدنيا ليس فقط الزوجة الجميلة أو الغنية ذات الاسم واللقب، بل المقصود المرأة المؤمنَة الصالحة، النقية، المتميزة، التي تزداد زينتها بالإيمان والتقوى، والمؤمن الصالح يبحث عن مثل هذه الجوهرة اللامعة. أما أهل الدنيا فبعيدون عن هذا المعنى، ولا ينالون هذه الكنوز الإلهية في الدنيا؛ كما جاء في الآية السابقة:
  • «فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق»[23]
  • أي: هناك من يطلب من الله الخير في الدنيا، لكنه لا يعرف ما الذي يطلبه تحديدًا، ولا يطلب الحسنة، ولا يملك نصيبًا في الآخرة. هذه الفئة لا ينكر لهم الخير في الدنيا، ولكن لا يُثبَت لهم الحسنة، إذ ليس لديهم المعرفة، والإيمان، والاستحقاق، فلا يطلبون الحسنة، ولا يهبهم الله مثل هذه الجوهرة الثمينة. لذلك، قد ينال أهل الدنيا بعض النعم الإلهية، لكن الحسنة شيء آخر لا يتحملها ولا يستحقها إلا أهل الإيمان.
  • بالفعل، هناك نساء مؤمنات وصالحات يتمتعن بمكانة تؤهلهن لأن يكن جارات لأولياء الله الصالحين، رغم أن ذلك قد لا يتحقق في الواقع، فقد يقع المؤمن مع امرأة غير مؤمنة، أو المرأة المؤمنة مع رجل غير صالح، وهذا امتحان وابتلاء من الله تعالى.
  • «إنا أعطيناك الكوثر»[24]
  • إن الله سبحانه وتعالى قد منح نبيه (صلى الله عليه وآله) الكوثر، وهي الخير الكثير، التي ورد في الأحاديث أنها خاصة بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي هي خير عظيم وفريد من نوعه، وسيدة نساء العالمين، ومصدر النقاء والإيمان والعصمة.
  • وهي المرأة التي كشفت بسلوكها وأخلاقها عن عفة الدين وروح المقاومة، وكانت مظلومة فاضحة لكل الشرور والقبح.
  • الرأفة الإلهية بالنساء
  • قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله تبارك وتعالى على الإناث أرحم منه على الذكور، وما من رجل يدخل فرحة على امرأة بينه وبينها حرمة إلا فرحه الله تعالى يوم القيامة»[25].
  • إن رأفة الله بالنساء أعمق وأكبر من الرأفة بالرجال، والمقصود هنا هو أهمية المرأة ومكانتها السامية في نظام الخلق، ولذلك يجب أن ينظر الجميع إلى النساء برحمة وكرامة، فهذا هو قانون طبيعة الإنسان وكماله.
  • عن كليب الصيداوي قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «إذا وعدتم الصبيان ففوا لهم، فإنهم يرون أنكم الذين ترزقونهم، إن الله عز وجل ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان»[26].
  • توضح هذه الرواية عظمة مكانة النساء والأطفال عند الله سبحانه وتعالى، وأن الإضرار بهم من الأمور التي يستهجنها الله بشدة.
  • فضل البنين في المجتمع
  • ظلم آخر تعرضت له المرأة بسبب النظرات الخاطئة في المجتمعات المختلفة، وهو تفضيل الذكر على الأنثى. ولا زالت آثار هذا الفهم الخاطئ تظهر في بعض المجتمعات، بينما الإسلام لا يفرق بين الذكر والأنثى من حيث القيمة الذاتية، بل حارب الإسلام دفن البنات، ورفع مكانة الفتيات في المجتمع، بل وأحيانًا أعطاهم قيمة تفوق الذكور.
  • ما يهم هذا الدين العظيم هو كيفية تربية الطفل، لا جنسه.
  • ولكن يجب الاعتراف بأن الفتيات اليوم أكثر عرضة للظلم بسبب الظروف الاجتماعية، وهذا لا يعني تفضيل الذكر، بل يعكس ظروفًا اجتماعية صعبة.
  • وفيما يلي بعض الأمثلة على تقدير الدين للفتيات بإيجاز:
  • أم سبعين نبيًا
  • «وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما»[27]
  • فسر الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الآية قائلاً:
  • «أبدلهما الله عز وجل مكان الابن ابنة فولد منها سبعون نبيًا»[28].
  • هذا يدل على عظمة المرأة وكرامتها، كما قال تعالى عن مريم (عليها السلام):
  • «ليس الذكر كالأنثى»[29]
  • أي: لا يستطيع الذكر أن يبلغ مقام مريم، أم عيسى (عليه السلام)، أو مقام الكوثر، التي هي رمز العصمة وأساس الإمامة وأم أبيها.
  • الذكر أم الأنثى؟
  • قد يثير قول الله تعالى «و ليس الذكر كالأنثى»[30] شكوكًا، ظنًا أن الذكر أفضل من الأنثى، لكن الصحيح أن هذا القول إلهي، حيث كانت أم مريم تظن أن الأنثى لا تصلح لخدمة البيت، فأخبرها الله أن الأنثى مريم ستلد عيسى بدون أب، وهو أمر لا يمكن لأي ذكر القيام به.
  • قال الإمام السجاد (عليه السلام) عند بشره بولد: كان يسأل أولاً عن صحة الطفل قبل أن يسأل عن جنسه، وإذا كان سليماً كان يشكر الله لأنه لم يخلق منه شيئًا مشوهاً[32].
  • كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «البنات حسنات والبنون نعمة، فالحسنات يثاب عليها والنعمة يُسأل عنها»[33].
  • وأخيرًا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مونسات مباركات مفلّيات»[34].
  • مظلومية المرأة ومرافقة الحب
  • قال تعالى في سورة عبس:
  • «فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه»[35].
  • تشير هذه الآية إلى فرار الرجل من زوجته يوم القيامة لأنه مدين لها ولأنه ظلمها وأذّاها، أما المرأة فلا تفر من زوجها لأنه ليست هي المدين.
  • وقد جاءت آيات أخرى تصف مشاهد القيامة وكيف يفر الإنسان من الجميع خوفًا من الحساب.
  • أينَ ذاكَ الرجلُ الأنانيُّ إذَا ما جَرَمَ وَأُوقِعَ فِي الْمَكْرِ وَالذُّنُوبِ، فَيَخْذُلُ وَيَتَرَكُ، وَيَسْتَعِدُّ أَنْ يُفْدِيَ كُلَّ وُجُودِهِ فِي سَبِيلِ نَجَاتِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِكُلِّ مَا لَدَيْهِ مِنْ أَجْلِ نَجَاتِهِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، تِلْكَ الْمَظْلُومَةُ الدَّائِمَةُ فِي التَّارِيخِ، فَلَا تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا. وَفِي الْعَالَمِ يَظُنُّ الرِّجَالُ أَنَّهُمْ مَالِكُو الْمَرْأَةِ وَالأَوْلَادِ، كَمَا يُقَالُ: “أَنَا أُؤَمِّنُ نَفَقَتَهُمْ”، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَظُنُّ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يَدْرُوا أَنَّهُ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالأَوْلَادِ يَسْتَمِرُّ حَرَكَتُهُمْ، وَيَكْتَسِبُونَ الْقُوَّةَ وَالْجُهْدَ، وَيَبْقُونَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. فَنَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَبْذُلُ فَقَطْ فِي الْحَيَاةِ، بَلْ تُفْدِي نَفْسَهَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يُفْدِيَ الْحَيَاةَ وَالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ. وَلَكِنْ، هَذَا الْوَضْعُ لا يَشْمَلُ الأَفْرَادَ الصِّحِّيحِينَ وَالْإِنْسَانِيَّةَ الْمُتَقِيَةَ وَالْمُؤْمِنَةَ.
  • مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ يُسْتَخْلَصُ أَنَّ كُلَّ مَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ هُوَ لِلرَّجُلِ، وَبِهَذَا لَا تَتَخَلَّى عَنْهُ، وَلاَ يَزَالُتْ هَذِهِ الْحَالَةُ مِنَ التَّعَلُّقِ وَالِاعْتِمَادِ وَحَتَّى الْوِحْدَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْقِيَامَةِ وَهِيَ ظُهُورُ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلِكُلِّ سَبَبٍ – سِعْيٌ جَمَاعِيٌّ أَوْ تَعَدُّدُ وَتَنَوُّعُ آمالِهِ – لَا يَكُونُ كُلُّ مَا لَهُ هُوَ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَيَتْرُكُ الْمَرْأَةَ وَكُلَّ شَيْءٍ. وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ أَنَّ الأنَانِيَّةَ عِنْدَ الرَّجُلِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَفِي الدُّنْيَا أَيْضًا الَّذِي يَرْغَبُ فِي الْمَرْأَةِ يَرْغَبُ فِيهَا لِنَفْسِهِ وَلِمُتَعِهِ وَرَاحَتِهِ. نَعَمْ! هُوَ يُرِيدُ الْمَرْأَةَ لِنَفْسِهِ وَحَسَبُ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ مِنْ الأَنَانِيَّةِ فِي الْعَالَمِ – الَّذِي هُوَ ظُهُورُ الْفَنَاءِ وَدَوَامُ ظَاهِرَاتِ الدُّنْيَا – تَظْهَرُ بِمَا يُشْبِهُ لَمْسَةً إِلَهِيَّةً وَنَفَخَةً مِنْ حَقِّهِ، وَتَبْرُزُ إِلَى ظُهُورٍ أَبَدِيٍّ، حَتَّى يَتَجَلَّى الرَّجُلُ – الْمُسَمَّى سَيِّدًا – هَذَا الْمُخْتَفِي الْمُتَكَبِّرُ وَالْمُتَكَبِّرُ الْمُسْتَكْبِرُ الَّذِي فِي الدُّنْيَا بِحِيَلٍ كَثِيرَةٍ يَتَكَلَّمُ عَنْ الْحُبِّ، فَيُخْزَى. وَلَكِنْ هَلْ جَمِيعُ الرِّجَالِ هَكَذَا؟ أَبَدًا.
  • مِنْ تَعْبِيرِ “صَاحِبَتِهِ” بَدَلًا مِنْ “أَمْرَأَتِهِ” فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يُسْتَخْلَصُ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْقِيَامَةِ وَفِي وَقْتِ الشِّدَّةِ يَتَرَكُ الزَّوْجَةَ الَّتِي كَانَتْ رَفِيقَتَهُ وَمُؤَنِّسَتَهُ، وَيُفْدِيهَا. وَهَذَا بِالإِضَافَةِ إِلَى أَنَّهُ يُظْهِرُ خِيَانَةَ الرَّجُلِ وَتَكاسُلَهُ، وَفَزَعَهُ وَرُعْبَهُ فِي الْقِيَامَةِ. فَمَا أَفْظَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَنْسَى فِيهِ الْإِنْسَانُ رَفِيقَةَ طَرِيقِهِ وَمُصَاحَبَتَهُ! كَمَا ذَكَرَ فِي قَبْلُ: «وَلَا يُسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا»[39].
  • عِنْدَمَا لَا يَكُونُ الصَّدَاقَةُ الْحَمِيمَةُ وَالْعَلَاقَةُ الدَّافِئَةُ نَافِعَةً، فَمَا الْمُتَوَقَّعُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْوُدِّ الْعَادِيَّةِ!
  • نُقْطَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقِيَامَةَ هِيَ فَصْلُ كُلِّ اعْتِمَادٍ وَتَعَلُّقٍ بِمُخْتَلِفِ أَنْوَاعِهِ – إِلَّا اعْتِمَادَ الزَّوْجَةِ، ذَلِكَ الْوُجُودُ الْمُتَّسِقُ الْقَلْبِ. فَأَوَّلًا يُقْطَعُ الْاعْتِمَادُ عَلَى الْوَلَدِ – وَهُوَ أَشَدُّ اعْتِمَادٍ – ثُمَّ اعْتِمَادُ الْمَرْأَةِ – وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ – ثُمَّ اعْتِمَادُ الأَخِ – وَهُوَ مُتَسَاوٍ وَمُشْتَرَكٌ – وَبَعْدَهُ الْاعْتِمَادَاتُ الْعَامَّةُ وَالْبَعِيدَةُ مِنَ الْقَوْمِ وَالْقَبِيلَةِ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ. فَهَذَا رِسَالَةٌ أُخْرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَفِيدُ قَطْعَ كُلِّ اعْتِمَادٍ فِي مَجَالِ الْقِيَامَةِ الَّتِي هِيَ «يَوْمُ الْفَصْلِ»[40].
  • وَمِنْ تَضْحِيَةِ «مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» يُسْتَخْلَصُ أَنَّ الْإِنْسَانَ حَيْثُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الأَرْضَ وَهِيَ مَيْدَانُ تَحَرُّكِهِ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفْدِيَ جَمِيعَ مَنْ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ فِي الْأَرْضِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي أَمَانٍ مِنْ يَدِهِ وَيَكُونُ مَوْجُهَ أَنَانِيَّتِهِ.
  • وَالْآنَ، بَعْدَ بَيَانِ بَعْضِ النَّمَاذِجِ لِلْنَظْرَةِ الإِيجَابِيَّةِ لِلدِّينِ الإِسْلَامِيِّ إِلَى الْمَرْأَةِ، قَدْ يَخْطُرُ فِي الْبَالِ سُؤَالٌ: إِذَا كَانَ الإِسْلَامُ يَدْعَمُ الْمَرْأَةَ، فَلِمَاذَا لَا يَجْعَلُهَا فِي الْمَجَالِ الاِجْتِمَاعِيِّ مِثْلَ الرَّجُلِ؟
  • فِي الرَّدِّ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ يَجِبُ أَنْ نَقُولَ: الْمَشَاكِلُ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الْمَرْأَةِ وَالدِّينِ وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَهَا أَجْوِبَةٌ وَاضِحَةٌ وَمُقْنِعَةٌ، وَسَوْفَ نَرَى بَعْدَ بَيَانِهَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ نَاتِجَةٌ عَنْ أَفْكَارٍ وَتَوَهُّمَاتٍ وَفَهْمٍ غَيْرِ صَحِيحٍ لِأَحْكَامِ الإِسْلَامِ.
  • التَّوَهُّمَاتُ الَّتِي تُطْرَحُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ مَقْسُومَةٌ إِلَى جُزْأَيْنِ: بَعْضُهَا مَا لَيْسَ بِالْمَعْنَى وَبَعْضُهَا حَقِيقِيٌّ.
  • أَمَّا التَّوَهُّمُ الْأَوَّلُ وَالْهَامُّ فَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ دُونَ الرَّجُلِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالإِقْتِدَارِ وَالْعَدْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي هَذَا إِثْمٌ كَبِيرٌ، فَلِلْمَرْأَةِ حُقُوقٌ كَبِيرَةٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ وَالْقَدْرِ، وَذَلِكَ مَوْضُوعٌ إِسْلَامِيٌّ قَدْ أَثْبَتَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالشَّرْعُ.
  • أَمَّا الْحَقِيقَةُ الْمُهِمَّةُ الَّتِي يُجِبُ أَنْ تُفْهَمَ، فَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالرَّجُلَ خُلِقَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ وَالْطَّبِيعَةِ وَالدَّوْرِ الْاجْتِمَاعِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ لَيْسَ ضِدًّا، بَلْ هُوَ تَكْمِيلٌ وَتَعَاوُنٌ، وَإِجَابَةٌ لِحَاجَاتِ الْحَيَاةِ وَطَبَائِعِ الْإِنْسَانِ.
  • الْمَرْأَةُ هِيَ لَطِيفَةُ الْحَيَاةِ، وَهِيَ مَصْدَرُ الْمَحَبَّةِ وَالْوِدَادِ وَالرَّقَّةِ، وَتَمْثِلُ الْحَيَاةَ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا مِنْ أَلَمٍ وَفَرَحٍ، وَهِيَ الْمُهَيِّجَةُ لِلْحَسَّ وَالْوِجْدَانِ وَالشُّعُورِ. وَالرَّجُلُ، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، هُوَ الْقُوَّةُ وَالْعَزْمُ وَالْثَّبَاتُ وَالْمَشْيَةُ فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ.
  • وَكُلُّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ نَاقِصٌ وَمُعَوَّقٌ.
  • هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْفَهْمُ لِطَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ هُوَ مَا يَجْعَلُهُمَا يَتَعَامَلَانِ بِمَحَبَّةٍ وَاحْتِرَامٍ، وَيُكْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ الْآخَرَ بِرَحْمَةٍ وَوِدَادٍ.

بعبارة أخرى، هذه العوامل الثلاثة هي:

أولاً: الضمير الفردي، وهو العامل الداخلي في كل إنسان، وكل فرد يتمتع به إذا كان صحيحاً وسليماً.

ثانياً: الضمير الاجتماعي، وهو أساس تحقق القانون. فإذا كان في مجتمع ما القانون يُطبق من الجميع على الجميع وبشكل صحيح، يُقال إن ذلك المجتمع يمتلك ضميراً اجتماعياً وهو مجتمع قانوني وملتزم بالقانون.

ثالثاً: الإيمان، وهو أعظم حافظ لخصائص المرأة وجميع شؤون الفرد والمجتمع. والمقصود بالإيمان هو الإيمان الحقّ والعمل به، أي ما يدفع الإنسان إلى أداء واجباته والابتعاد عن الأفعال غير اللائقة، وليس مجرد الادعاء أو المظاهر الشكلية له، لأن ارتكاب أي جريمة يمكن أن يترافق مع هذه العناوين الشكلية.

مع وجود هذه القوى الثلاثة الأساسية وتنفيذها، يمكن الاستفادة بشكل سليم من شخصية وصفات وحقيقة المرأة، وغياب أيٍ منها يؤدي حتماً إلى استغلال المرأة، حتى وإن كانت صفاتها الكمالية الطبيعية قد تسهم في ذلك.

المقصود بالاستغلال هو الاستخدام المفرط والغير مبرر للمرأة. كما ذُكر في المثال، تختلف خصائص الثمار عن بعضها؛ فمثلاً، بالرغم من أن الكمثرى تُعد من أفضل الثمار وتُلقب بـ«ملك الثمار»، إلا أنها هشة جداً، وهذا الضعف هو نتيجة لطراوتها التي هي صفة كمالها. وإذا أصيبت الكمثرى بأذى، فذلك بسبب سوء الاستخدام أو التأخير في استخدامها. وخصائص المرأة هي صفات كمال لها، والاستخدام المفرط الذي يضرّ بها وبالمجتمع ناتج عن تعامل خاطئ من الرجل أو المجتمع معها، وليس من صفات المرأة الحسنة. وبأي حال، إذا تعامل الرجل والمرأة مع بعضهما بشكل مناسب واستُفيد من بعضهما في الجوانب الفردية والاجتماعية وعلى النحو الطبيعي والفطري السليم، تُحفظ شخصية وهوية المرأة كما تُحفظ صحة وصلابة الرجل ولا تُنتهك.

النظرة الخاطئة واستغلال المرأة

إذا كانت المرأة تُستغل في مجتمعات مختلفة، فليس بسبب جمالها أو محبوبيتها أو مشاعرها، بل بسبب النظرة الخاطئة إليها وغياب العوامل الثلاثة المذكورة وعدم الدعم الصحيح، لأن من الواضح أن أي كمال لا يمكن أن يكون سبباً في استغلال ذاته.

يمكن للمرأة أن تعيش حياة صحية ومتزنة في مجتمع توجد فيه أدوات دعم قوية ومتينة، ويغلب عليه الضمير الفردي، والأطر الاجتماعية الإيجابية، والقانون، والإيمان الخالص. تماماً كما في المجتمع الذي يفتقر إلى القانون أو يعاني من ضعفه، حيث يمكن للأفراد استغلال المرافق العامة بشكل غير مشروع وتحويلها إلى ملكيتهم. وفي مثل هذا المجتمع تُستغل المرأة وتتعرض للكثير من القسوة والظلم.

إذا كان القانون الصحيح يسير ضمن إطار الضمير والإيمان في المجتمع، يمكن للمرأة أن تعيش حياة سليمة مثل الآخرين وتُستغل بشكل مناسب. ومن الطبيعي أنه بغياب هذه العوامل الثلاثة، تصبح المرأة عرضة للاستغلال بسهولة، وقد يصطادها الرجل كذئبٍ صامت.

تقول فلسفة مثل هذا المجتمع: «بما أن المرأة كمال مطلوب، يجب أن يكون لها إنتاجية وعائد، والعائد هو استغلالها»، متجاهلة أن العائد يختلف عن التلويث، وأن الاستغلال الصحيح ليس سوى استخدام ملائم؛ علاوة على أن التعاون المتبادل والنجاح المشترك أمر يفوق مجرد الاستغلال الكامل للأشخاص والأشياء.

نعم، «الاستخدام» و«الاستغلال» كلمتان مختلفتان. لذلك، إذا أردنا حل مشكلة المرأة، يجب حل مشكلة المجتمع أولاً. وإذا أردنا مجتمعاً إنسانياً حقاً، يجب استعادة القانون والضمير والإيمان بشكل علمي وعملي.

وبالتالي، فإن ما يكتسب أهمية كبيرة فيما يتعلق بحقوق المرأة الأساسية هو هذه العوامل الثلاثة، وليس الأوهام التي تُثار بشأن القوانين الإسلامية والتي يروج لها بعض الجهات بدوافع تضعيف الروح الدينية أو بسبب انحرافات داخلية وطمع مادي.

المرأة والنشاطات الاجتماعية

بالنسبة إلى المرأة ودورها في المجتمع وسؤال: هل للمرأة في الإسلام موقع اجتماعي يمكنها من شغل مهنة وكسب عيش، أم هي كائن منزلي يُحصر في البيت فقط؟ وإذا قبل الإسلام عمل المرأة خارج البيت، هل وضع قيوداً على عملها؟ وهل الدين يعطي اهتماماً أو فهماً لدور المرأة المهني في المجتمع أم يراها مناسبة فقط للأعمال المنزلية؟

في هذا الموضوع الحساس والمثير للجدل، انتقد البعض أن الإسلام لا ينظر إلى عمل المرأة في المجتمع بنظرة إيجابية، ويقصرها على الأعمال البسيطة والمنزلية، ويحد من فرص نموها، لماذا لا يكون لها دور فعال في كل مناحي الحياة الاجتماعية كما للرجل؟ لماذا تُحصر في إطار الأسرة فقط؟

هل المرأة ركن رئيسي في الحياة أم في هامشها، ومكانها مخفي وصامت داخل البيت، أما القيادة والإدارة في المجتمع، وهي الميدان الرئيسي والأساس للحياة، فمحصورة بالرجل فقط؟

إذا كانت المرأة عضوًا فعالًا في جسد الوجود وقاعدة أساسية في الحياة المشتركة، فلماذا حولها الإسلام، الذي يُقال إنه متقدم وشامل وواقعي، إلى كائن ناقص القيمة ومخفي وغير مثمر، وحصرها في حدود ضيقة للبيت، مع أنها إنسان لا تقل في إنسانيتها وكمالها عن الرجل؟ أليست الحياة منهجاً مشتركاً، تُقسم فيه الجهود والخبرات والثمار بين المرأة والرجل بشكل متساوٍ؟

للاجابة على هذا السؤال الجوهري، خصوصاً في المجتمع الإسلامي، يجب توضيح موقع المرأة والرجل في البيت والمجتمع، ونصيب كل منهما في الشؤون العامة والخاصة، ثم بيان رؤية الإسلام في هذه الأمور.

طبقات المجتمع

ينقسم المجتمع البشري إلى ست طبقات عامة:

  1. الأطفال والكهول والمسنون؛
  2. الفلاحون والعمال؛
  3. الحكام والمديرون، وحراس المجتمع وحماة الحدود؛
  4. الحرفيون والتجار وأصحاب العرض والطلب؛
  5. العلماء والمفكرون والباحثون؛
  6. النساء.

والمراد بالطبقات هنا شامل وليس حصراً؛ فالنساء، رغم ضرورة مشاركتهن الفعالة في كل شؤونهن الاجتماعية، يمكنهن أيضاً المشاركة بنشاط في كل مستويات المجتمع. لكن لطافة النساء وحساسياتهن وجمالهن وضعف تحمّلهن مقارنة بالرجال يجعل من الضروري تقليل وقت انخراطهن في النشاطات الاجتماعية لتعزيز حيويتهن ودورهن في الأسرة.

النساء، مع مشاركتهن في كل الطبقات، لسن مطالبات بالمساواة التامة في النشاطات الاجتماعية، لكن يجب أن يكن مشجعات على جميع الطبقات وأن يقمن بأدوارهن المناسبة والضرورية.

الطبقات من 1 إلى 4 تمثل القوى العملية، والطبقة الخامسة تمثل القوى الفكرية والعلمية. وفي كل مجتمع متقدم، تحكم الطبقة العلمية بصفة طبيعية، وتُطاع من الطبقات الأخرى، وإذا غابت الطبقة العلمية عن أداء دورها، يضعف المجتمع وتختل الحرية والازدهار.

المرأة: كائن منزلي أم اجتماعي؟

السؤال الأساسي هو: هل المرأة كائن منزلي فقط أم اجتماعي؟ الجواب هو أن المرأة والرجل، كما يكمل كل منهما الآخر كلياً، كذلك هما في الشؤون المنزلية والاجتماعية، حيث لا يوجد ما هو خاص بالبيت فقط أو المجتمع فقط، بل هناك أمور مشتركة.

المرأة ذات روح رقيقة ونفسية حساسة وطباع جسدية ونفسية لا تتحمل الأعمال الشاقة والصعبة خارج المنزل، ومن ناحية أخرى، كثرة انشغالها في الخارج تفسد جمالها وحيويتها ونضارة أنوثتها، مما يضعف دورها كزوجة وأم.

لذلك، ينظر الإسلام إلى دور المرأة في إدارة المنزل كأساس الحياة الأسرية، ويؤكد على ذلك بشدة، لكنه لا ينكر دورها في المجتمع كركن أساسي يشكل نصف حياة الإنسان.

يجب على المرأة أن تحافظ على دفء وحيوية الأسرة، ثم تساهم بنشاط وحب في بناء المجتمع في المجالات التي تليق بها. رغم أن الكثير من الأعمال المنزلية والجزء من الأعمال الاجتماعية تقع ضمن مسؤولية المرأة، كما أن العديد من الأعمال الاجتماعية والجزء من الأعمال المنزلية من مسؤولية الرجل، يجب على كل من المرأة والرجل أن يؤدي أدوارهما الخاصة والمشتركة.

بالتالي، يمكن القول إن المرأة كائن منزلي – اجتماعي، في مقابل الرجل كائن اجتماعي – منزلي.

يمكن للمرأة أن تبذل وتطلب حقها في عملها خارج البيت، عدا بعض الأعمال المشتركة كالزواج وتربية الأولاد التي تتطلب تضافر الجهود.

بالرغم من أن عمل المرأة في المجتمع اختياري، لكنه ضروري في بعض المجالات التي تخص المرأة أو التي تستدعيها حاجة المجتمع، ليتسنى لها مكانة عملية واستقلالية مادية.

المجتمع يجب أن يكون صالحاً بحيث تدخل المرأة المجتمع بدافع الواجب الاجتماعي، لا لأسباب مادية أو حريات فردية عشوائية أو انحرافات.

المرأة مثل الرجل إنسان، ويجب أن تستعيد إنسانيتها في كل مكان تحت مظلة الصحة والطهارة.

وفق الخطة الإسلامية الدقيقة المذكورة، يجب أن تلعب المرأة دوراً رئيسياً في المجتمع بما يتناسب مع خصائصها، ولا يلزمها أن تشغل وقتها كاملاً في المجتمع، بل يجب أن تركز على دورها الأسري كأولوية، وتشارك في المجتمع حيث يكون لها دور مميز وطبيعي، مثل الطب والتمريض وتعليم النساء والقبالة، وهي وظائف لا يمكن لأحد سواها القيام بها.

فإن المرأة بالنسبة إلى شؤونها الفردية والخاصة، كالرجل لها موقع مميز ينبغي أن توازن فيه بين موقعها المهني ومسؤولياتها الأسرية، بحيث لا تؤدي جهودها الاجتماعية إلى نشوء مشكلات داخلية؛ ولذلك نقول: يمكن للمرأة لأي سبب معقول ومناسب أن تخرج من المنزل – كما تستدعي الضرورة – ولكن يجب أن تكون مسئولة وتحافظ على كرامتها، وعلى شؤون زوجها وأسرته وأولادها، لكي تتمكن من الحفاظ على خصوصيتها التي تميزها، وكذلك من استعادة موقعها الداخلي والاجتماعي بشكل جيد.

نعم، المرأة ذات طبيعة منزلية – اجتماعية، والرجل اجتماعي – منزلية. فالعمل العام في المجتمع يقع على عاتق الرجال، وأعمال المنزل، والقضايا الداخلية للحياة، والتربية الأساسية والمباشرة للأبناء، وباختصار إدارة الأسرة الداخلية، هي مسؤولية النساء؛ لذا ينبغي أن يعمل كل جانب في مجاله الخاص لتحقيق توازن الحياة، والأسرة، والمجتمع.

أصالة المرأة تكمن في منزلها، وأصالة الرجل في مجال عمله الاجتماعي. المرأة، كحقيقة مرغوبة، يجب أن تُحفظ، كما يجب عليها الحفاظ على غطاء خاص وعفافها – وهما من شؤونها المميزة – لأنها كائن مرغوب، والعفاف الخاص شرط لازم لرغبيتها، وهذا ما يتفق عليه الدين والعقل.

لذا، كما لا يجب على المرأة أن تتابع كافة أعمال الرجل في المجتمع، فلا ينبغي لها أن تهمل شؤونها الخاصة كذلك. على المرأة أن تكون نشطة في كل ما يتعلق بشؤونها في المجتمع؛ من شراء وبيع ممتلكاتها الشخصية مثل الملابس والمجوهرات، إلى التعليم واكتساب المهارات والتخصصات النسائية مثل الطب والجراحة… يجب السعي لتحقيق حضور متناسب للنساء في المجتمع وتحقيق استقلاليتهن في جميع هذه المجالات. طبعاً ليس من الضروري أن تلعب المرأة دوراً في الأمور الحصرية للرجال؛ فمثلاً إذا أصبحت امرأة سائقة حافلة أو شاحنة، فلن تُرفع عبء عن المجتمع أو المرأة، لكن إذا لم تستطع المرأة متابعة شؤونها في المجتمع، سيحدث خلل اجتماعي.

راحة المرأة؛ خاصية عملها

كما ذكرنا، يجب مراعاة التناسب بين العمل ونعومة المرأة، فلا يجب تحميلها أعمالاً شاقة أو حتى خفيفة بشكل مستمر أو طويل الأمد، لأن ذلك قد يؤدي إلى الاكتئاب والذبول والتشتت الذهني.

في هذا الصدد، يقول الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) إن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كتب لابنه الإمام المجتبى (عليه السلام):
«لا تملّك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة…»
أي لا تُكلف المرأة بما يفوق طاقتها، فهذا أصلح لحالها وأريح لبالها وأبقى لجمالها، لأنها كائن رقيق وليست كالرجل القوي.

وهنا تبرز قضيتان: أولاً، أن العمل في المنزل ليس واجباً على المرأة بالضرورة، وثانياً، تحديد كمية ونوعية العمل، فلا ينبغي أن تكون الأعمال ثقيلة أو غير مناسبة لها.

من جهة، يقول الفقهاء: العمل المنزلي ليس واجباً على المرأة، ويمكنها حتى أن تأخذ أجراً مقابل إرضاع طفلها، ومن جهة أخرى، كثير من النساء في المناطق الإسلامية يتحملن أعمالاً كثيرة وغير طبيعية.

في العديد من البيوت المسلمة، تصير المرأة كأنها خادمة وليس ربة البيت، إلى حد أن كثيراً من النساء يتولين شراء المنزل أحياناً، والأسوأ أن بعضهن يجمعن مال الشراء بأنفسهن، وفي بعض المناطق، يكون الرجال مجرد حراس أو رؤساء شكلية.

هذا التناقض بين معتقد الفقهاء وسلوك الناس يشير إلى عدم صحة ذلك، فكيف يكون العيش مشتركاً، ولكن أحد الطرفين (المرأة) بلا مسؤولية، والطرف الآخر (الرجل) مسؤول فقط؟ هذا التنافر يؤدي إلى الكثير من الفوضى في المجتمعات المسلمة؛ لذلك لم يقل الإمام (عليه السلام) عدم تحميل المرأة المسؤوليات المنزلية، بل قال: «المرأة زهرة وليست بطلة»، فلا ينبغي تحميل النساء أعمالاً شاقة أو كثيرة.

نعم، يجب على المرأة والرجل معاً إدارة دفة الحياة، وكلاهما مسؤول عن أعمال المنزل في الحياة المشتركة. لا يمكن أن تكون المرأة بلا مسؤولية ولا تعمل، ولا يمكن أن يكون الرجل متفرجاً يصدر الأوامر فقط. ولهذا نجد في العديد من الروايات توصية الرجال بمساعدة زوجاتهم في أعمال المنزل.

تقسيم العمل

موضوع آخر هو تقسيم العمل وشرح مهام المرأة والرجل. في تقسيم العمل والشؤون الاجتماعية، يجب مراعاة العدالة والإنصاف والواقعية بين جميع الفئات، وأن يؤخذ في الاعتبار ملاءمة العمل وضرورته ونتيجته بالنسبة للأفراد، بحيث لا تُخسر مواقع الأفراد ولا تقع الأعمال في يد غير المناسبين، ولا يكون هناك إفراط أو تفريط من جانب المرأة أو الرجل.

فبعض الأعمال خاصة بالنساء وبعضها خاص بالرجال، ولا يجب أن تكون مشتركة. مثلاً، التخصص في التوليد من حق النساء فقط، وقيادة المركبات الثقيلة على الطرق الخارجية من اختصاص الرجال فقط. لا يجب أن تلعب النساء أدواراً أساسية في الأعمال الشاقة والخطرة، كما أن الأعمال المنزلية خاصة بالنساء ولا يستطيع القيام بها إلا هن؛ لذا يجب على كل من المرأة والرجل أن يعرفا بوضوح نطاق مسؤولياتهما المنزلية ويؤديان واجباتهما على أكمل وجه.

مثلاً، الولادة من اختصاص المرأة بطبيعتها، ولكن تربية الطفل مسؤولية مشتركة بين المرأة والرجل. الرضاعة من مسؤولية المرأة، أما صيانة المنزل فمسؤولية الرجل، ولا يجب على المرأة التدخل فيها، ولكن لا يجوز للرجل أن يتجاهل المشاكل الداخلية للأسرة ويتنصل من مسؤوليته.

بالطبع، يمكن للمرأة والرجل معاً تولي كثير من الأعمال العامة في المنزل والمجتمع، وهذا يجب أن يكون وفق تنظيم العمل وعدم إرهاق الطرفين خاصة المرأة. يجب تحديد نسبة العمل الاجتماعي التي تناسب المرأة، بحيث لا يتكاسل الرجال أو يعانوا من البطالة، ولا تُجهد النساء أو تفسد صحتهن أو تتشتت أفكارهن أو يهرمن مبكراً، ولا تتحول المجتمعات إلى رجال كسالى ونساء مرهقات.

العمل الخدمي أم العمل؟

العمل نوعان: عمل داخل المنزل، وهو مسؤولية مهمة تتمثل في إدارة الزوجية والمنزل. إذا رأينا المرأة تنجر أحياناً إلى أعمال متدنية في المجتمع كخادمة أو عاملة خدمات، فذلك لسبب إما ضعفها في إدارة زوجها، أو عدم وجود زوج مناسب، أو مشكلات اجتماعية وأسرية أجبرتها على ذلك.

لو كانت المرأة تدير زوجها بشكل جيد، لما احتاجت إلى حمل الأعباء التافهة في المجتمع. المرأة يجب أن تكون قوة دافعة للرجال نحو الكمال، وأن تكون رافعة قوية لتحقيق صحة الفرد والمجتمع. كذلك إذا أخذت المرأة والزوج بعين الاعتبار التوافق بينهما عند الزواج، لما وقع هذا التدهور. كما أن أصحاب المال والقوة لو لم يثيروا الفوضى الاجتماعية، لما حدثت هذه المشاكل، ولما تعرضت المرأة لهذه البلاءات.

المرأة ليست عاطلة!

رد آخر على شبهات عمل المرأة هو: ما هو العمل أصلاً؟ وهل هناك من هو عاطل؟ المرأة ليست عاطلة لتعمل، بل عليها أعمال كثيرة لا يقل عنها الرجال. فبالإضافة إلى الأعمال المنزلية والزوجية وتربية الأولاد، عليها أن تقوم بكل ما يخصها في المجتمع من مهام مميزة لها. فالمرأة تتابع مواقف مختلفة: من البيت إلى المجتمع، ومن الزوج إلى الأبناء، ولا يوجد مكان في البيت أو المجتمع لا تظهر فيه المرأة ولا تبذل جهداً.

المجتمع الذي لا يملك نساءً صالحات في البيوت هو مجتمع ميت وفاسد. إذا فسدت البيوت، فسيدنس المجتمع. المرأة المحبوبة هي الأم والمربية، وليست الحمالة أو الحاملة للأثقال. المرأة ليست عاملة بسيطة، بل في كثير من الأحيان هي ربّة عمل. المرأة حرة في اختيار بعض المهن، لكنها ليست مضطرة لامتلاك مهنة. الرجل فقط مجبر على تحمل الأعمال العامة في العمل. ومع ذلك، تلعب المرأة أدواراً رئيسية في بعض المجالات التي سيُذكرها.

لا يمكن القول إن المرأة كائن منزلي فقط ولا ينبغي لها دخول المجتمع أو أن تكون لها مواقف ومهن اجتماعية، كما لا يمكن القول إنها مثل الرجل في كل شيء ويمكنها التقدم بسهولة مثله. كلا الرأيين فيهما خطأ ولا يتوافقان مع الدين أو العقل. الإسلام يعتبر المرأة كائناً منزلياً – اجتماعياً، والرجل اجتماعياً – منزلياً، ولهما حصانة في شؤونهم الفردية والاجتماعية، ولا يجوز ظلم أو استغلال أي منهما أو المساس بعفافه وطهارته.

الجاهلية والتعليم الديني الحديث

رداً على الشبهة القائلة بأن الإسلام لم يعد المرأة عاملة اجتماعية، أو على الأقل تجاهل عمل المرأة خارج المنزل ولم يخصص لها وظيفة اجتماعية، يجب مراعاة أمرين:

أولاً، الإسلام نشأ في عصر ومجتمع غير متقدم، كان بدوياً وأولياً مقارنة بعالمنا اليوم.

ثانياً، الإسلام في وضع القوانين وأحكامه نظر في كل الاحتمالات، ودرس التربية والواقع العملي وفرص تنفيذ هذه القوانين.

الدين والاحتياجات الحديثة

يثير هذا تساؤل: هل الدين القديم، الذي وُضعت قوانينه وفق ظروف ذلك العصر، هو قاصر أو عاجز أو متهاون تجاه احتياجات المجتمع الحديثة وخاصة النساء؟ لأن كل ما يخص المرأة في الدين هو نتيجة رغبة النبي أو قسر زمان أو موقع جغرافي، فهل يستطيع الدين إدارة الحياة الحديثة؟

الجواب: ليست المشكلات الزمنية خاصة بالأديان فقط، بل تحيط بكل الظواهر الإنسانية والمادية، لكن عظمة الدين تكمن في احتوائه وتجاوزه لكل الظروف غير الملائمة. خصوصاً الإسلام كدين خاتم وشامل لكل الحقائق والقوانين الإنسانية، استطاع أن يفتح آفاقه رغم الظروف الصعبة، ويقدم رؤية كاملة وصحية لحياة الإنسان.

الإسلام لم يقصر في وضع القوانين أو الرؤى البعيدة والقريبة، بل اختلف فقط في طريقة التعامل مع ظروف العرب القدماء. الإسلام حارب العادات الفاسدة مثل العبودية والرِقّ والرجعية، لكن بطريقة تدريجية وذكية للحفاظ على استقرار المجتمع.

فمثلاً، الخمر محرّم في كل الأديان، لكنه ظل منتشرًا بسبب الغفلة والتمرد، فالإسلام نهى عنه تدريجياً، بدءًا من التحذير ثم النهي الكامل، للحفاظ على المجتمع والدين.

في قوله تعالى:
{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}،
يربط الله الإثم بالمنفعة، مع تأكيد أن الإثم أعظم، معبرا عن حكمة التشريع.

في المرحلة الثانية، نزلت آية أخرى تقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[46]

“إن الخمر والقمار فعلٌ قبيحٌ من عمل الشيطان، فاجتنبوه لتفلحوا.” في هذه الآية، وصف الله الحكيم الخمر بكونه من أعمال الشيطان دون الإشارة إلى منفعة له، وأمر بالابتعاد عنه، مما يدل على شدة هذه الآية مقارنة بالآية السابقة.

ثم نزلت الآية الثالثة التي تحمل بيانًا أشدّ من الآيتين السابقتين:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾[47]

“إن الشيطان يريد أن يزرع العداوة والبغضاء بينكم بالخمر والقمار، ويصدكم عن ذكر الله والصلاة، فهل تنتهون عن ذلك؟” تتبع هذه الآية التحذير بالتأكيد والامتنان، مما يزيد من شدة التحذير، ثم تأتي الآية الرابعة التي تحكم بالحظر الكامل:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[48]

“قل – أيها النبي – إن ربي حرّم الفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والظلم بغير حق.”

في هذه المراحل الأربع، الحكم واحد وثابت لا يتغير بمرور الزمان أو اختلاف المكان، لكن أسلوب البيان يرافقه سياقات مختلفة، إذ كان لا بد من علاج هذا الداء العضال في تلك المرحلة دون المساس بالحقائق.

وعلى الرغم من أن الإسلام لم يرضَ بعبودية الرجال والجواري التي كانت فرضًا نتيجة الحروب والأسر، إلا أنه شرع أوامر كثيرة لتحرير العبيد، مثل تحرير عبد إذا أُفطر في رمضان أو نقض قسم أو ارتكب حرامًا في الحج، إضافة إلى الحث على فضائل تحرير العبيد، وبذلك قاوم الإسلام نظام العبودية دون رفض فوري، مراعيًا ظروف الدين والمجتمع في ذلك العصر، مما أفسح المجال لتفكيك هذا النظام عبر الزمن.

أما بالنسبة لقضية المرأة، ففي زمن ساد فيه الذكورية والظلم بحيث كانت تُدفن البنات أحياء، أتى الإسلام بحكمة ليشرع القوانين ويوصي بما يلزم لتعديل هذا الوضع، حتى وضع في قمة الطهارة والعصمة السيدة فاطمة(عليها السلام)، وأرسل الله سورة باسمهـا “الكوثر”، مما قضى على الوضع المأساوي للمرأة آنذاك وأعطاها مكانة عالية لا تُضاهى.

ومن جهة أخرى، رسم الإسلام الحب والعشق بين الرجال والنساء في إطار كريم، فتاريخ الأمس واليوم يشهد على ديناميكية الإسلام في ترقية مكانة المرأة، وأي نقص يظهر اليوم في العالم أو بين المسلمين لا يعود إلى القرآن أو الإسلام، بل بسبب الجهل والهوى والتحريضات الشيطانية.

بهذا التمهيد يتضح أن الإسلام وضع أحكامه بشأن المرأة في عصر كان فيه وضعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي مترديًا للغاية، وكانت مقيدة بالعديد من القيود، وإذا توافرت اليوم الظروف التي نعيشها، لكان بيان الشرع فيما يخص عمل المرأة أكثر تفصيلًا وحزمًا، لأن الواقع يؤثر بشكل كبير في صياغة الأحكام.

وعليه، فقد عالج الإسلام قضية عمل المرأة بدقة وحساسية وفقًا لما يسمح به ذلك الزمان، مع وضع قواعد عامة تصلح للأزمنة القادمة، مما يدل على عظمة التشريع الإسلامي.

العمل الاجتماعي للمرأة: الكلام والتحدث

لبداية الحديث عن بعض الأعمال العادية والمشتركة للنساء، يجب أولاً توضيح حكم التحدث بين المرأة والرجل الأجنبي. فمن البديهي أن نصف سكان المجتمع من النساء، وبالتالي فإن التواصل اللفظي ضروري بين الجنسين.

السؤال الذي يطرح هنا: هل يجوز للمرأة التحدث إلى رجل أجنبي في الحالة العادية، أم يُحرم ذلك إلا في الحالات الطارئة؟ الجواب على هذا السؤال يحدد موقف النساء من التعاملات العامة كالخطابة والتعليم والمرافعات القانونية أمام الرجال.

الإسلام دين الفطرة، ولا حكم فيه إلا وهو قائم على موازين خاصة. الأحكام ليست مجرد تعبد، بل لها أسباب وأصول عقلية، ولو لم تُدرك أسبابها من الجميع.

هناك أدلتان أساسيتان في إثبات أي حكم: الأولى نصوص القرآن الكريم، والثانية الأحاديث والروايات الصحيحة عن الأئمة المعصومين(عليهم السلام). كما يمكن للأدلة العقلية والمنطقية أن تكون أساسًا للحكم.

دليل الإباحة

الأصل في مسألة تحدث المرأة مع الرجل الأجنبي هو الجواز وعدم الحرمة، ومن يريد إثبات العكس يجب أن يأتي بدليل خاص. فلا مشقة في كلام المرأة مع الرجال ما لم توجد أسباب تمنع ذلك.

لقد شهد التاريخ تقلبات في مكانة المرأة، وعند نزول القرآن كان كثير من النساء مقيدات بأوضاع اجتماعية تمنعهن من الكلام مع الرجال، فاستُنتج خطأ أن الحديث مع الرجال غير جائز.

دليل التحريم

في الفقه الإسلامي، الستر في الصلاة فرض على المرأة، سواء كان هناك رجل أجنبي أم لا، لأن جسد المرأة كله عورة ما عدا الوجه والكفين، على عكس الرجل الذي يجب عليه ستر العورتين فقط.

أما صوت المرأة فلم يحرمه الفقهاء بشكل قطعي، فقد رُوي عن بعضهم أنه ليس وجوبًا على المرأة رفع صوتها في الصلاة الجهرية، وإن كان وجود الأجانب يستحب الإخفات. وورد في الأحاديث أن صوت المرأة ليس من العورة التي تحرم سماعها.

وقد ذُكر في كتب الفقهاء أن استماع الرجال لصوت المرأة في الصلاة ليس محرماً شرعاً ما لم يكن فيه فتنة أو لذة.

لقد وردت روايات عديدة تثبت أن السيدة فاطمة(عليها السلام) كانت تتكلم وتخطب أمام الرجال، وأن هناك نساء كن يؤممن الرجال في الصلاة ويكبرن بصوت مسموع.

لذلك، من الناحية الشرعية، لا يوجد دليل قاطع يمنع المرأة من التحدث مع الرجال، ويُعتبر الأصل في جميع الأحكام هو الجواز.

البَحْثُ في حُكْمِ صَوْتِ المَرْأَةِ وَتَكَلُّمِهَا

لم يُثبَت في نصوصٍ شرعيةٍ لا من الآياتِ ولا من الأحاديثِ، جوازُ منعِ تكلم المرأة بحجة أنَّ “صوتَ المرأةِ عورةٌ”، فقد أُخذ هذا القولُ من قِبَلِ بعضِ الفقهاءِ على سبيلِ التمسكِ، وهو قولٌ شائعٌ ولكنَّه ليس منسوبًا إلى نصٍ قطعيٍ من المعصومين، ولا يوجد إجماعٌ ثابتٌ على ذلك، إذ إنَّ مستند هذا الاجماع أقوالُ الفقهاءِ لا أقوالُ المعصومين(عليهم السلام).

من الناحية الدلالية، هذا القولُ يَحْتَوي على إشكالٍ، إذ كيف يمكن اعتبارُ صوت المرأة “عورةً” كعورتها؟ لو صح هذا التشبيه، لكان يُمنع التحدث في الضرورات أيضاً، وهذا مخالف لمنطق الأحكام الشرعية التي تستند إلى مبدأ جواز الكشف عن العورة في الضرورات. ولهذا لم يُفسر أي فقيه هذا القول تفسيرًا واضحًا، وإنما طرحوه بصيغة إجمالية وتخمينية.

وإذا قيل إنَّ هذا التعبير مجرد تشبيهٍ وليس دلالةً مطلقةً، فإنّه بذلك يفقد أهميته ويصبح غير معتبر.

ومن المستحيل أن يكون كلامُ المرأة عورةً، خاصةً وأنَّ الله تعالى جعله نعمةً وفضلًا على المرأة والرجل، ورمزًا لهويتهما الإنسانية وجزءًا من حسن الخلق.

أسباب المنع:

إنَّ الأسباب الوحيدة التي قد تمنع المرأة من الكلام هي المشكلاتُ الأخلاقية والاجتماعية التي قد تترتبُ على كلامها، ويجبُ توضيحُ هذه الأمور بدقة.

المبدأُ الأساسي الذي يجبُ مراعاته في التعامل بين الرجل والمرأة هو العفافُ والطهارةُ التي يحرص عليها الإسلام. فإذا تم توفير هذا العفاف في العلاقات، يكون الشرعُ راضيًا ولا حاجةَ للتشدّد، وأي تعاملٍ خارج العفاف يؤدي إلى الفساد فهو مرفوضٌ شرعًا.

وبالتالي فإنَّ العفاف هو المعيارُ الأساسي للحكم على صوت المرأة وكلامها. فإذا كان كلام المرأة مع الرجل عاديًّا ومعتدلاً بعيدًا عن التهييج والتحريض، فلا حرجَ فيه. أما إذا كان بنية التحريض الشيطاني، فيكون محرّمًا، سواءً في الكلام أو في الاستماع إليه، وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حدٍّ سواء، وإن كان صوت المرأة أكثر تأثيرًا في التحريض.

وعليه، فإن المرأة ليست محدودةً في الكلام مثل الرجل، ويمكنها أن تتحدث مع الرجال، وتُدرّس، وتكون محكمةً في المرافعات، وتتولى الوكالة، وتُؤدي الصلاة الجهرية، وتلعب دورًا في المجالات المختلفة بكلامها.

موضوعُ الغناء عند النساء:

هل يجوز للمرأة أن تغني في حضور الرجال، سواء كان الغناء شعراً أو روضة أو تلاوة قرآنية؟

جوابُ ذلك: الأصلُ في الغناء كالكلام هو الإباحة وعدم الحرمة، فلا دليلٌ صريحٌ على تحريم غناء المرأة، والمانع الوحيد هو انتهاك العفاف ومجاراته للفساد.

الروايات التي تُحرّم الغناء تتعلق بزمنٍ كان الرجال يدخلون أماكنَ مثل الملاهي والملاهي الليلية حيث كانت النساء عاريات وفاسدات، وهذا ما يدل على أن المنع لم يكن بسبب الصوت وإنما بسبب الفساد والاختلاط.

وأحاديث تحريم شراء وبيع المغنيات وردت في سياق التحريم على النساء الفاسدات، لا على الغناء ذاته، كما في أقوال الأئمة(عليهم السلام).

هناك رواياتٌ أخرى تبين أن الغناء المباح هو الغناء الذي لا يُفضي إلى الفساد ولا يكون مصحوبًا بالعري أو التحريض، مثل غناء النساء في الأعراس أو في المناسبات الشرعية.

الخلاصة:

  • الصوت والحديث للمرأة مباحان ما دامَا ضمن إطار العفاف والحياء.
  • الغناء جائز إذا لم يكن محرّضًا على الفساد أو مرفوضًا شرعًا.
  • التحريم يختص بالحالات التي تُفضي إلى الفساد والفحشاء.
  • يجب التمييز بين الطرب (حالة الفرح والانشراح من الصوت) وبين التهييج (الذي يثير الرغبة المحرمة).
  • الأحكام الشرعية عامة ولا تختلف بناءً على الظروف الاجتماعية ما لم تطرأ ظروف خاصة تبرر التقييد.

أوضاع العمل والوظائف للمرأة في الإسلام:

يُبيّن الشرعُ جواز عمل المرأة في الوظائف الحلال مثل التعليم والتربية، وقد ورد في الحديث عن امرأة كانت تقيم جوارٍ تربويّات تُصلحهنّ، وكان رزقها حلالًا من ذلك.

يُستفادُ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مِهْنَةَ التَّدْرِيسِ شَرِيفَةٌ، وَأَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ مَنْعًا لِلْمَرْأَةِ، بَلْ هِيَ مِنَ الأَعْمَالِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يُفَضَّلُ، مَا تَمَكَّنَ، أَنْ تَكُونَ المُعَلِّمَةُ لِلطَّالِبَاتِ وَالمُعَلِّمُ لِلطُّلَّابِ، حَيْثُ أَنَّ ذَلِكَ يُسَاعِدُ عَلَى تَجَنُّبِ المُخَاطِرِ النَّاجِمَةِ عَنْ اخْتِلَاطِ الْأَجْنَاسِ فِي بِيئَةِ التَّعْلِيمِ، وَيُحَسِّنُ مِنْ كَفَاءَةِ الْعَمَلِ التَّعْلِيمِيِّ. وَفِي الْمُجْتَمَعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ، يُعْتَبَرُ تَجَاوُزُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاسْتِخْدَامُ مُعَلِّمٍ غَيْرِ مُنَاسِبِ الْجِنْسِ مِنْ مَخَاطِرِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ تَجَنُّبُهَا.

وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ، بَعْدَ تَجْرِبَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ اخْتِلَاطِ الْجِنْسِ وَاسْتِخْدَامِ مُعَلِّمِينَ غَيْرِ مُنَاسِبِي الْجِنْسِ، قَدْ وَصَلَتْ إِلَى أَنَّ الْمَفْضُولَ هُوَ ذَلِكَ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ مُعَلِّمٍ مِثْلِ جِنْسِ الطَّالِبِ هُوَ الْأَفْضَلُ لِرَفْعِ كَفَاءَةِ التَّعْلِيمِ وَالْوِقَايَةِ مِنَ الْمَخَاطِرِ النَّاجِمَةِ عَنْ اخْتِلَاطِ الْمُعَلِّمِ وَالطَّالِبِ.

وَإِنَّ لِتَوَافُرِ هَذَا الْأَمْرِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ دَورًا كَبِيرًا فِي تَحْقِيقِ السَّكِينَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالنَّمُوِّ الْمَوَاهِبِ وَحَلِّ الْمَشَاكِلِ الْمُحْتَمَلَةِ لَدَى الطُّلَّابِ، لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ يَكُونُ قَدْ مَرَّ بِتَجَارِبَ وَتَحَدِّيَاتٍ مُشَابِهَةٍ لِجِنْسِهِ، مِمَّا يُمَكِّنُهُ مِنْ وَضْعِ خُطَطٍ وَحُلُولٍ مَنْسَجِمَةٍ مَعَ حَاجَاتِهِمْ.

وَفِي مَقَامٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْغِنَاءَ وَالْغِنَاءِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا مَصْدَرَ رِزْقٍ حَلَالٍ لِلْمَرْأَةِ. وَتَجِدُ فِي الرِّوَايَاتِ التَّسَاهُلَ فِي غِنَاءِ النِّسَاءِ فِي أَفْرَحِ الْمَحَافِلِ مِثْلَ أَعْرَاسِ الزَّوَاجِ، شَرْطَ أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ مُمَاهِنًا لِلمَحَرَّمَاتِ كَالاِنْكِشَافِ وَاخْتِلَاطِ الْجِنْسَيْنِ. وَقَدْ نَقَلَتِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْغِنَاءِ فِي أَيَّامِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَفِي مَحَافِلِ السُّرُورِ مَا لَمْ يَصْحَبْ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ.

وَفِي الْمُقَابِلِ، تُنْهَى الرِّوَايَاتُ عَنِ اسْتِمَاعِ أَصْوَاتِ الْمُغَنِّيَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْفَسَادِ وَالْعُرْيَانِ وَمَجَالِسِ الْمُخَالَطَةِ، وَتُعَدُّ أَمْوَالُهُنَّ حَرَامًا عَلَى الْمُسْتَفِيدِينَ.

أَمَّا فِي مَجَالِ نَوْحِ النِّسَاءِ وَالْمَدِيحِ، فَهُنَالِكَ أَدِلَّةٌ تُثْبِتُ جَوَازَةَ هَذِهِ الْمَهَنِ، مَا دَامَتْ خَالِيَةً مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الْكَذِبِ وَالْمَفَاسِدِ.

وَيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَأَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الدِّينِ دَرْعًا لِحِمَايَةِ نَفْسِهِمْ وَعِرْضِهِمْ، وَأَنْ يَتَّبِعُوا السُّنَنَ وَالضَّوَابِطَ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ لِضَبْطِ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، خَاصَّةً فِي مَوَاضِيعَ الْخَلَاوَاتِ وَالْخَلْطِ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ.

وَمِنْ أَهَمِّ مَا يُرَاعَى فِي مَجَالِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ تَفْرِيقُ الْمُعَلِّمِينَ وَالطُّلَّابِ بِحَسَبِ الْجِنْسِ، حَتَّى لاَ تَحْدُثَ مَفَاسِدُ مُخْتَلِفَةٌ تُؤَثِّرُ عَلَى سُلُوكِ الطُّلَّابِ وَتُحَدِّ مِنْ تَرَكِيزِهِمْ فِي الدِّرَاسَةِ وَالتَّعَلُّمِ.

وَفِي مَجَالِ الْفَنِّ وَالْغِنَاءِ، عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَسْمَعُهُ أَوْ يُشَاهِدُهُ يُطَابِقُ مَسَارِحَ الشَّرِيعَةِ، وَأَلَّا يَكُونَ فِيهِ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْفُسُوقِ أَوِ الْفَجْرِ، وَأَلَّا يُشَجِّعَ عَلَى الْفَسَادِ أَوِ الْإِغْوَاءِ.

وَفِي النِّهَايَةِ، يُمْكِنُ الْخُلُوصُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مِهْنَةٍ وَفَنٍّ يُرِيدُ الإِنْسَانُ مُمَارَسَتَهَا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي ضَوْءِ الْمَثَالِيَّاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَحْتَ ضَبْطِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَدَبِ الْعَامِّ، لِضَمَانِ الْحِفَاظِ عَلَى القِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ وَتَجَنُّبِ الْمُفَاسِدِ.

كما أنَّ الالتزامَ بالقيمِ والأخلاقِ الإسلاميةِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ يُعَدُّ أساسًا لبناءِ مجتمعٍ متماسكٍ وقويٍّ قادرٍ على مواجهةِ التحدياتِ المعاصرةِ. فلا بدَّ من غرسِ المبادئِ الإسلاميةِ في نفوسِ الأجيالِ الجديدةِ من خلالِ التربيةِ والتعليمِ المستمرِّ، مع التركيزِ على تنميةِ الوعيِ الدينيِّ والفكريِّ الصحيحِ، الذي يُبعدُهم عن الأفكارِ الهدامةِ والممارساتِ المنحرفةِ.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ التوازنَ بين العلمِ والدينِ هو المفتاحُ لتحقيقِ نهضةٍ حقيقيةٍ في مختلفِ المجالاتِ، فالتقدمُ العلميُّ لا يتعارضُ مع تعاليمِ الإسلامِ، بل إنَّه يُكمِّلُها ويُعززُها، بشرطِ أن يتمَّ هذا التقدمُ في إطارِ القيمِ والأخلاقِ الإسلاميةِ الساميةِ.

وفي الختامِ، فإنَّ السعيَ إلى تطويرِ الذاتِ والمجتمعِ مع الالتزامِ الصارمِ بالمبادئِ الإسلاميةِ يُعتبرُ الطريقَ الأنجحَ نحوَ حياةٍ أفضلَ، ومجتمعٍ متقدمٍ يُراعي الحقوقَ والواجباتِ، ويحفظُ كرامةَ الإنسانِ ويُحققُ العدالةَ والسلامَ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خيرٌ، اقتربي لأُعلمك.” قالت أم حبيب: اقتربتُ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أم حبيب! إذا فعلتِ ذلك، فاقطعي ذلك الجزء قليلًا ولا تقطعيه من الأصل؛ لأن ذلك يُضيء وجه المرأة ويجعلها أحبَّ إلى زوجها.”

وقال الإمام الصادق عليه السلام: «كان لأم حبيب أخت تُدعى “أم عطيّة” وكانت تعمل في التجميل. لما رجعت أم حبيب إلى أختها أخبرتها بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت أم عطيّة إلى النبي وأخبرته بذلك، فقال لها: اقتربي يا أم عطيّة! عندما تزيّنين بنتًا فلا تزيّني وجهها بالقماش، فإن القماش يُذهب بريق الوجه.»

في هذا الحديث المفصل تبيّن نوعان من المهن: التجميل والختان، ويمكن استخلاص جملة من الأحكام:

  1. التجميل والختان مهنٌ حلال ومشتركة بين النساء والرجال، بحيث تقوم المرأة بخدمة النساء والرجل بخدمة الرجال، وامتزاج الجنسين في ذلك أمر محرم، لأنه من المفاسد الخطيرة التي تُفسد المجتمع.
  2. عند إجراء الختان، لا بد من كشف ولمس الأعضاء التناسلية، وهذا أمر ضروري ولا يُعدّ محظورًا لأنه اضطراري.
  3. رغم أن مخاطب النبي صلى الله عليه وسلم كانت امرأة، وأن الأمر خاص، إلا أن النبي صلّى الله عليه وسلم بيّن خصوصيات العمل بأدب وعفاف، قائلاً “اقتربي يا امرأة” لكي لا يُفشى السرّ أمام الجميع.
  4. بيان هذه الأمور الخاصة ليس من قبيل الإساءة إلى الدين، بل يجب توفير التعليم الديني في جميع المهن.
  5. تلك المسائل المذكورة مهمة لفهم الحقائق العلمية والدينية، ولا ينبغي إهمالها.

التجميل والعناية بالبنات:

النقطة المهمة في الحديث هو أن التجميل والعناية لا تقتصر على النساء المتزوجات فقط، بل تشمل البنات أيضًا، وهذا مخالف لما هو شائع في مجتمعاتنا اليوم. حيث يُعتبر النظافة والجمال من حقوق المرأة والبنت على حد سواء.

فما هذه الثقافة التي تمنع الفتاة قبل الزواج من التجميل والعناية، وتجعلها تُهمل نفسها حتى موعد الزواج؟ هذه الأفكار والتقاليد القديمة التي تحرم البنات من الظهور في المسجد، والذهاب إلى الحفلات، وكأنهن لا يستحقن العيش الطبيعي.

بالطبع، الاختلافات بين النساء والفتيات في بعض الأحكام أمر مقبول ومعقول، لكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى الحرمان والنواهي غير المبررة.

وإذا قيل إن التجميل للبنات قد يفسد المجتمع ويخالف الحشمة والإسلام، فنردّ بأن الحشمة لا تتعارض مع النظافة والعناية. إن المرأة المؤمنة يجب أن تجمع بين التجميل والحشمة، وهذا لا يختلف بين المرأة المتزوجة والبنت.

كما أن التجميل لا يُجرى فقط لإرضاء الزوج، بل يُحسن من الوضع الشخصي للفتاة ويزيد من نشاطها وحيويتها، ويساعد في تعزيز فرص الزواج، ويزيل عوامل النفور والملل التي تؤثر على الشباب والفتيات.

الختان عند النساء:

في عدة روايات، ذُكرت تفاصيل مهمة حول ختان البنات وشروطه، مع تشديد على أن ختان الرجال سنة واجبة، أما ختان النساء فليس بواجٍب بل هو مستحب.

ورد في رواية عن الإمام باقر عليه السلام، أن الختان واجب على الرجال وليس على النساء.

وقد كان ختان النساء شائعًا في ذلك الوقت لدرجة أن النساء يعتقدن بوجوبه، لكن الإمام باقر عليه السلام نفى ذلك.

الختان سنة إبراهيمية تقبلها الشريعة الإسلامية، وهو واجب على الرجال ومستحب للنساء، وله آثار صحية ونفسية مفيدة.

النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لطريقة الختان عند النساء وقال لأم طيبة، المرأة التي كانت تقوم بختان النساء: “اقطعي قليلاً ولا تجرحي، فإن ذلك يُضيء وجه المرأة ويجعلها محبوبة عند زوجها.”

هذا يبيّن اهتمام الدين بالنظافة والصحة النفسية مع مراعاة العفة.

الجراحة للنساء:

في الرواية أيضاً، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم لطريقة ختان النساء جراحياً لأم طيبة، وهذا يدل على ضرورة أن تتولى النساء علاج وتشخيص النساء في المجتمع الإسلامي، ولا ينبغي اللجوء إلى الأطباء الرجال إلا عند الضرورة القصوى.

في المجتمعات المتقدمة، غالباً ما توجد مستشفيات خاصة للنساء تعالج النساء، وهذا مؤشر حضاري مهم.

الرابع: القابلة ومكانتها القيمة

في الأحاديث النبوية، اعتُبر مهنة “القابلة” مناسبة للنساء، وقد رُوعي لها نصيب من الأضحية (العقيقة). وفيما يلي بعض الأحاديث في هذا المجال:

عن عاصم الكوزي قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يذكر عن أبيه أن رسول الله(ص) عَقَّى عن الحسن(ع) بكبش وعن الحسين(ع) بكبش وأعطى القابلة شيئًا.

قال عاصم: نقل الإمام الصادق(ع) عن جده بأن رسول الله(ص) أهدى للقابلة جزءًا من لحم العقيقة التي ذبحها عن الإمام الحسن والإمام الحسين(ع).

عن أبي جعفر(ع) قال: «وأطعموا القابلة من العقيقة.»

عن أبي عبد الله(ع) قال: «وأعط القابلة طائفة من ذلك.»

عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله(ع) قال: «وأرسلوا رجل شاة إلى القابلة.»

قال الصادق(ع): «ويُطعم القابلة الرجل والورك.»

من هذه الأحاديث يتبين بوضوح أهمية ومكانة مهنة القابلة اجتماعيًا. هذه المهنة خاصة بالنساء ولا يجوز أن يقوم بها الرجال في المجتمع الإسلامي. ولا ينبغي أن ينقص النساء في أعمالهن التخصصية مثل الطب أو بيع الثياب، بل يجب أن يقمن بكل عمل بمستوى كافٍ.

تميز هذه المهنة يكمن في إدخال الفرح والسرور إلى الأسرة، ولهذا السبب اعتاد الناس على أن يكون أجر القابلة أعلى من الأعمال العادية، بل في بعض الأحاديث ذكر أن العقيقة كلها تعطى للقابلة.

الخامس: الرضاعة ورعاية الأطفال

عن أبي الصباح الكِناني عن أبي عبد الله(ع) قال: «إذا طلق الرجل امرأته وهي حاملاً، فلينفِق عليها حتى تضع حملها، وإذا وضعت فليعطها أجرها ولا يضرها إلا إن وجد من هو أرخص أجراً منها، فإن رضي بذلك فهي أحق بولدها حتى تفطمه.»

عن فضل أبي العباس قال: قلت لأبي عبد الله(ع): «هل الرجل أحق بولده أم المرأة؟» قال: «الرجل أحق، ولكن إذا قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحق به.»

عن أبي عبد الله(ع) في رجل استأجر داية فغابت بولده سنين ثم أتت به فنكرته أمه وقال أهلها: لا نعرفه، فقال: «ليس عليها شيء، الداية أمينة.»

عن عبد الله بن هلال قال: قال أبو عبد الله(ع): «إذا أرضعن لكم فامنعوهن من شرب الخمر.»

عن أبي عبد الله(ع): كان أمير المؤمنين(ع) يقول: «لا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع.» وقال رسول الله(ص): «لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد يشب عليه.»

عن محمد بن مروان قال: قال لي أبو جعفر(ع): «استرضع لولدك لبن الحسان وإياك والقباح فإن اللبن يعدي.»

عن زرارة عن أبي جعفر(ع): قال: «عليكم بالوضاء من الظورة فإن اللبن يعدي.»

وبناءً على هذه الأحاديث، فإن من المهن الشريفة للنساء أن يكنّ دائيّات يرضعن ويربّين الأطفال ويرعونهم. وهذه المهنة كانت دائمًا متعارفًا عليها، ويجوز أخذ الأجر عليها، حتى للأم نفسها.

ج: المهن الخاصة المحرمة

سبق أن ذكرنا أنه من وجهة نظر الإسلام، هناك مهن محرمة على النساء، ولا يجوز لهن العمل بها. الآن سنعرض بعض هذه المهن التي تزيل عن المرأة حقيقتها الإنسانية وفطرتها، وتحولها إلى أداة لا قيمة لها، مع ذكر بعض الأحاديث المتعلقة بذلك.

الأول: البغاء

قال أبو جعفر(ع): «والسحت أنواع كثيرة منها أجور الفواجر.»

عن السكوني عن أبي عبد الله(ع): «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغية والرشوة في الحكم وأجر الكاهن.»

عن سماعة قال: قال أبو عبد الله(ع): «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجام إذا شرط وأجر الزانية وثمن الخمر.»

الثاني: القيادة والوساطة المحرمة

عن سعد الإسكافي قال: سُئل أبو جعفر(ع) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن تصل إلى شعورهن، فقال: لا بأس على المرأة بما تزين به لزوجها.

قلت له: بلغنا أن رسول الله(ص) لعن الواصلة والموصولة فقال: ليس هناك، إنما لعن رسول الله(ص) الواصلة التي تزني في شبابها ثم تقود النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة.

في هذا الحديث، تناولت ثلاث مهن: اثنتان محرمتان صراحة، وهما البغاء والقيادة (أي التوسيط في الفاحشة)، والأخرى التزيين، وهي مباحة بشرط ألا تكون غشًا وخيانة للزوج.

الفصل الثالث: المرأة والملكية

الأصل في الملكية

بعد بيان مهن النساء، هناك مسألة مهمة وهي حدود الملكية. لا شك في أصل ملكية المرأة مساوية للرجل، لأن الأصل هو ملكية الإنسان. وما يبقى هو حدود أو اختلافات في الملكية للمرأة في بعض المواضع.

أصل الملك والملكية

الملك هو تسلط الفرد على شيء ما، بحيث يكون له الخيار في ذلك الشيء. وقد يكون هذا التسلط على حقيقة الشيء، كما هو الحال في ملكية الحق بالنسبة للخلق، أو تسلطًا على ذات الشيء من جهة اعتبار، كما في ملكية الإنسان للأشياء، أو تسلطًا على استعمال الشيء أو منفعته، كما هو في الإيجار والعارية، أو تسلطًا اعتباريًا وعنوانيًا، كحكم الدولة، أو تسلطًا من نوع النفوذ والسيطرة النفسية على النفس أو غيرها، مثل النفوذ والتنفيذ المعنوي لأولياء الحق في الواقع والهوية الخارجية.

إن الملك والمال وأصل الملكية هي أمور فطرية نمت مع الإنسان وظلت تحتفظ بهويتها الاعتبارية طوال حياته. فالمال هو ما يحفز رغبة الإنسان في التملك، وقد اشتُق مصطلح المال من “الميل” لأن النفس تميل إليه.

وبما أن الملكية ممكن أن تزول بسهولة، يُقال عنها إنها اعتباريّة وعرضيّة، في مقابل ملكية الحق التي هي حقيقية ولا يمكن زوالها.

الملكية في القرآن الكريم

زيادة الأموال للناس في القرآن الكريم هو إقرار لهذه الملكية من قبل الكتاب الإلهي. ورد ذكر الملك والمال في القرآن كثيرًا، سواء صراحة أو ضمنيًا، في آيات التجارة والمعاملات، مثل قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ} [النساء: 29]

وقوله تعالى:

{تِجَارَةً تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} [النساء: 29]

والملكية بين الرجل والمرأة في القرآن ليست محل اختلاف، فالله تعالى لا يميز بينهما في حق التملك والمال، كما يتضح من قوله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [لقمان: 20]

وكلمة “لكم” تشمل الجميع بدون تفريق بين الجنسين.

وكذلك قوله تعالى:

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]

مما يدل على تكافؤ الحقوق في الكسب والملكية بين الرجل والمرأة.

الأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في ملكية المرأة

تتضمن الروايات الإشارة إلى ملكية المرأة، ومنها ما رواه سعيد بن يسار عن الإمام الصادق عليه السلام فيما يتعلق بزوجة اشترت زوجها المملوك، وأكد أن الزواج يبطل لأنه ملك له وليس له اختيار.

ورواية أخرى تشير إلى أن المرأة التي ورثت زوجها وعتقه يجب عليهما تجديد نكاحهما، مما يدل على حرية المرأة في التصرف في أموالها بدون وصاية.

كما تبيّن الرواية التي تتحدث عن امرأة كانت ترعى البنات في المدينة وتكسب رزقها بأن هذا العمل الشريف والملكية على الدخل من حقها، سواء كانت امرأة أو رجلاً، مع مراعاة توازن الحياة الأسرية والاجتماعية.

الملكية الشخصية للمرأة وإذن الزوج

إذا كانت المرأة تملك مالاً مثل الإرث أو المهر، فهي حرة في التصرف به ما لم يهدد ذلك مكانة الزوج أو استقرار الحياة المشتركة، فلا يجوز لها التصرف بما يضر بالأسرة، كما أن التصرف المفرط أو الإسراف محرّم شرعاً وقانوناً.

أما المال المكتسب من عمل يومي، فالمرأة تملك دخله، ولا يمنعها “العيش المشترك” من التصرف فيه، ولكن يجب أن يكون عملها خارج المنزل محدوداً حتى لا يؤثر على الحياة الأسرية.

حق منع الزوج

إذا تسبب خروج المرأة من المنزل في مشكلات للأسرة، يجوز للزوج منعها، إلا إذا كان قد تم الاتفاق على خلاف ذلك في عقد الزواج. أما أن يطلب الزوج جزءًا من دخل المرأة مقابل السماح لها بالعمل، فهذا غير جائز شرعًا، إذ أن منع الزوج حق معنوي لا يجوز مقايضته بالمال.

نعلم أنه في أي تبادل إذا كان الشيء يتكون من جزأين خارجيين، يمكن لكل منهما أن يُقيَّم بشكلٍ منفرد أو مجتمَع، كما يُقال: سعر هذا المعطف والبنطال مئة ألف تومان؛ بحيث يكون المعطف وحده بستين ألفًا، والبنطال بأربعين ألفًا، بحيث يُدفع سعر محدد مقابل كل قطعة، أو يتمّ البيع معًا بسعر موحد. أما القول بأن سعر المعطف والبنطال ثمانون ألفًا، وأخذ عشرون ألفًا إضافية مقابل جمالهما، فلا يجوز؛ لأن الجمال ليس جزءًا خارجيًا يُمكن تحديد سعر مقابله، بل يمكن القول فقط: أبيع هذا المعطف والبنطال الجميلين بمئة ألف، أو أعطي هذا المعطف والبنطال غير الجميلين بثمانين ألفًا، بحيث يشمل السعر كامل المنتج.

وفي هذا السياق أيضًا، لا يمكن للرجل أن يطالب بشيء بسبب حقّه في منع المرأة من الخروج؛ لأن هذا الحق ليس جزءًا خارجيًا ولا وجودًا منفصلًا يمكن تسعيره؛ إذًا للرجل حق تطبيق منع الخروج فقط، ولا يحق له طلب مقابل مالي عن هذا الحق. وبالطبع، يمكن للزوج والزوجة الاتفاق على مصالحات لحل مشاكلهما، ولكنّ المصالحة أمرٌ اختياري وحُرّ، وهو خارج نطاق النقاش الحقوقي.

الحياة والعمل المشترك

الصيغة الثالثة أيضًا، والتي يقول فيها الرجل: “على المرأة أن تدفع لي جزءًا أو كل حقوقي مقابل الأعمال التي أقوم بها عند خروجها من المنزل”، ليست شرعية؛ لأن جميع الأعمال المنزلية التي تقوم بها المرأة ليست واجبة عليها، وإذا لم تستطع المرأة أداء بعض مهام المنزل لأي سبب، فلا يحق للرجل أن يطالب بأجر مقابل ذلك؛ كما أنّه إذا قامت المرأة بأعمال الرجل في المنزل، فهو أيضًا لا يحق له أن يطالب بأجر، لأن الحياة المشتركة هي حالة تشاركية ومشاعية، وإنجاز أحدهما يلغي الآخر، دون أن يتحمّل أي من الطرفين مسؤولية عن عدم أداء الواجب المعتاد.

لذلك، لا يجوز للرجل أن يطلب من زوجته جزءًا من حقوقها مقابل زيادة الأعمال التي يقوم بها في غيابها، لأن عمل الرجل حق معقول وعمل معتاد وغير قابل للمبادلة، ولا يمكنه أن يقول: “ادفع لي جزءًا من حقوقك لكي أقوم بأعمالك”، لأن الأعمال مشتركة ولا تقبل التجزئة.

الصيغة الوحيدة المتبقية هي أن يقول الرجل: “على المرأة أن تدفع جزءًا من حقوقها لكي أوظف شخصًا لأداء الأعمال المتراكمة”، لكن يجب أن يُعلم أن قبول هذه الصيغة أيضًا ليس إلزاميًا على المرأة؛ لأن إدارة الحياة بشكل عام تقع على عاتق الرجل، وإن رفضت المرأة، له حق منعها من الخروج.

من هذا كله يتضح أن الحياة المشتركة وموضوع الملكية هما موضوعان مستقلان تمامًا، ورغم تداخلهما في بعض المواضع، فإن لكل منهما حدود واضحة. حقوق الرجل، حرية المرأة في الأمور المالية، طاعة المرأة، وحق الرجل في منع الخروج، لكل منها أسباب منطقية ومعقولة.

قد يُثار مجددًا اعتراض يقول: “بهذا الوضع، حيث يحق للرجل فقط المنع، ومع عدم منعه تقع عليه غالبية الأعباء، فلن يسمح أبدًا بأن تخرج المرأة للعمل، وسيُمنع منها النشاط الاجتماعي بالقوة”.

والردّ هو: في هذه الحالة، تتطور الأمور طبيعيًا بحيث تدرك المرأة موقعها، وترد بشكل معقول على جهود الرجل وخروجه من المنزل، فتُعوض عن خروجها بتعاونها في الحياة المشتركة ومصاريف المنزل، لضمان مصالح الحياة العامة وتعاون الزوجين وتقوية كل منهما الآخر، دون ظلم أو استبداد أو ديكتاتورية، كما هو الوضع السائد في حياة الموظفين اليوم، حيث غالبًا ما تُقدّم المرأة راتبها لزوجها ولا تملك حق الإنفاق منه، أو تأخذ راتبها كاملاً ولا تصرف منه شيئًا على الحياة المشتركة، أو حالات وسط بينهما، وهذه الظروف غالبًا ما تصاحب عدم رضا الزوجين، وهي مصدر قلق في حياة الموظفين.

من الواضح أن كل هذه النقاشات موضوعها الحقوق القانونية، أما في الحياة المشتركة فيجب أن تسود المحبة والمودة، ويتبادل الزوجان ما يملكان بإخلاص وتعاطف، ويضحّي كل منهما من أجل حياة أفضل للآخر، فلا يمكن تنظيم الحياة والبيئة العائلية إلا بالمحبة والتعاون.

بعد بيان مبدأ ملكية المرأة، ننتقل الآن إلى موضوع الفروق والقيود والنقص في ملكية المرأة، ونذكر كلًا منها مستقلاً:

الولد وملكيته

في موضوع الملكية، يُثار سؤال حول العدالة الاجتماعية بين الرجل والمرأة في الحياة المشتركة، وهو: لماذا يكون الولد من نصيب الأب، وحتى في التسمية يُنسب إلى الأب؟ ولماذا في حال انفصال الوالدين أو وفاة أحدهما، يكون الولد من نصيب الأب، بل إن جد الأب يفضل على الأم، مع أن الولد نتيجة مشتركة لحياة مشتركة ويجب أن يكون الرجل والمرأة متساويين في هذه النتيجة؟

الجواب يتطلب النظر إلى عدة نقاط أساسية:

أ) الولد ليس ملكًا لكي يكون من حق الأب أو الأم، فالولد هو ولد، والأب أب، والأم أم، رغم أنه نتيجة حياة مشتركة، ثمرة حب ووصل، يظهر في صورة ولد أو بنت مثل أبيه وأمه.

وإذا ظهر عنوان في النسب – كالاسم العائلي – أو صفة في الشؤون – كالحضانة – فهو من باب التكليف والمسؤولية، إذ إن الإسلام أراد تخفيف العبء والمسؤولية عن المرأة.

ب) نسبة الولد إلى الأب لأن النطفة منه، وهو الفاعل الحقيقي في الإنجاز، أما الأم فتلعب دور القبول الطبيعي. لذلك يجب أن يُنسب الولد إلى الرجل حتى لا يتهرب من مسؤوليته، وإذا قصر في ذلك، يُحاسب وحده ويجب عليه تأمين حاجات الولد.

وعند فقدان الزوج، لا يجب أن تتحمل المرأة مسؤوليات جديدة، لأن هذا يثقل عليها ويزيد من معاناتها، لذا يجب ألا يكون الولد عائقًا أمام حرية المرأة لتكوين حياة جديدة بحرية.

لذلك تقع المسؤولية على جد الأب، حتى لا تتحمل المرأة مسؤوليات إضافية، وليس لأن الدين لا يقدّر المرأة، بل لأن الدين لا يريد أن تبقى المرأة رهينةً لممتلكات الزوج السابق. فالولد هو ولد، لكن حمل المسؤولية تقع على الرجل.

وفي حال الاتفاق أو عدم أهلية الرجل، يمكن اتخاذ حلول مناسبة لتمكين الأم من العناية بالولد.

الوراثة ونقص نصيب المرأة

سؤال آخر هو لماذا في الشريعة الإسلامية نصف نصيب المرأة في الإرث مقابل الرجل، مع أن للمرأة نفقات متنوعة وتحتاج إلى مال بقدر الرجل؟

الجواب: بسبب وجوب نفقة المرأة على الرجل، وعمله الكامل، ووجود المهر الذي يدفعه الزوج، يتضح حكمة هذا الحكم.

الإسلام لم يظلم المرأة؛ لأن دائمًا تحصل المرأة على ثلث التركة، والرجل على ثلثين، مقابل تحمل الرجل كل نفقات الحياة، والمرأة لا تتحمل نفقات كبيرة. وهذا الثلث للمرأة يُعتبر عطاءً للزيادات والاحتياجات غير الضرورية، بالإضافة إلى المهر الذي يعادل سدس التركة تقريبًا.

وبذلك يوازن الدين بين الحقوق والممتلكات في الحياة.

المرأة تمر بثلاث مراحل: في بيت الأب، في بيت الزوج، وإذا لم يوجد أحد، تقع المسؤولية على المجتمع أو الدولة. لذا لا تحتاج المرأة إلى ثروة ضخمة، فهناك دائمًا من يعولها.

قد يقال إن الرجل يحتاج إلى المال أكثر في بداية حياته، وهذا صحيح، لكن قدرة الرجل على العمل وكسب المال تعوض ذلك، فهو أكثر قدرة جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا على الكسب من المرأة، ولذلك القانون عادل.

الدية

سؤال شائع آخر هو لماذا دية المرأة نصف دية الرجل، ولماذا قيمة المرأة نصف قيمة الرجل؟

إذا كان الرجل والمرأة كلاهما إنسانين، ومن هذا المنطلق أنهما مخلوقان من الله وعبيد له، ولهما مكانة وقدر متساوية، فلماذا تُهمل هذه المكانة ويُنتقص من شخصية وهوية المرأة فقط لأنها امرأة وليست رجلاً في قانون الدية؟

إذا كان الإسلام دين الجميع والله رب الجميع، فلماذا تُستوفى حقوق الرجل كاملة في كل مكان ويُكرم ويُجلّ مكانته الإنسانية، بينما تُظلم المرأة في أحكام الدية ويُعطى لها وضع أدنى من الرجل وشخصية أقل شأنًا؟

يبدو أن الإسلام، مع ادعائه المساواة بين الرجل والمرأة في الملكية والحقوق الإنسانية، واعترافه باحترام ومكانة متساوية لكليهما، واعتبار التقوى والورع هما المعيار الوحيد للفضل، قد أغفل في قانون الدية هذا الأصل ولم يراعِ المساواة بينهما.

عدم التعارض بين الإنسان والمال

للرد على هذا الإشكال، ينبغي أولاً أن نأخذ في الاعتبار أمرين:

  1. إن موضوع الدية في الإسلام هو نفس الإنسان وشخصيته الحية، وخصوصًا الإنسان المسلم، وليس الفضائل والكمالات الجانبية، ولذلك لا تختلف الدية بين طفل وإنسان بالغ، أو بين عالم وعادي، إلا في حالات خاصة مثل اختلاف دية المسلم وغير المسلم، حيث يرتبط الأمر بأهمية حياة المسلم والمجتمع الإسلامي، وهو معيار يختلف عن معيار الكمال الفردي. إذًا، في قانون الدية لا يُؤخذ في الحسبان الفضائل والكمالات.
  2. الإسلام لا يضع الإنسان مقابل المال، وإنما شرع حكم الدية كضرورة نوعية في حدود الحقوق الدنيوية وحق الحياة، وليس للابتزاز أو المساومة.

ولهذا، في حالات الضرب أو القتل العمد، لا تفيد الدية بل يُحكم بالقصاص الذي يكون بيد ولي الدم، مع بقاء العقاب الأخروي كعقوبة أساسية، إلا في حال التوبة أو العفو أو الشفاعة.

الرجل: القلب الاقتصادي للأسرة والمجتمع

بعد هذا العرض العام لقانون الدية في الإسلام، يظهر السؤال عن الفرق بين الرجل والمرأة في الدية.

الإنسان له أربعة جوانب:

  1. النفس والحياة العامة
  2. الفضائل والكمالات الإنسانية
  3. قوة العمل من أجل الأسرة أو المجتمع
  4. مسؤولية الرجل والمرأة تجاه بعضهما البعض والأسرة والأبناء

الفرق في الدية لا يتعلق بالجوانب الأولى والثانية، بل يتركز في الثالث والرابع، إذ إن الرجل بطبيعته قوة العمل والإنتاج، وهو القلب الاقتصادي للأسرة والمجتمع، وموته قد يؤدي إلى انهيار الأسرة، بينما لا تملك المرأة هذا الدور بنفس الطبيعة، ووفاتها لا تؤدي إلى مثل هذا الانهيار، رغم الحزن والتأثر.

وفي الحالة الراهنة، تحمل بعض النساء عبء الحياة كله نتيجة لظروف غير طبيعية مثل مشاكل العمل والزواج، وهذا لا يعني أن الدين ينبغي أن يغير قوانينه ويخالف النظام الطبيعي.

أيضًا، بعد وفاة الرجل، لا تقع على المرأة مسؤولية ثقيلة، بل يمكنها بعد استلام المهر والمواريث الزواج مرة أخرى بدون مسؤولية خاصة تجاه أبناء الزوج السابق.

قلق الرجل وراحة المرأة

بفضل هذا القانون، تستطيع المرأة بعد وفاة زوجها أن تبدأ حياة جديدة بلا قلق على وضع أبنائها، وتكون لها حقوق زوجية ومهر جديد. بينما بعد وفاة المرأة، تقع على الرجل مسؤولية إدارة الحياة والأولاد، ولا مهرب له، ويجب أن ينظم حياته المستقبلية مع الأولاد سواء بزواج جديد أو غيره.

ولهذا، ورثت المرأة عن زوجها “العينية” فقط من المباني، ولا ترث “العرض” (الأرض)، لتصعب عليها البقاء في بيت الزوج السابق وتسهيل تشكيل حياة جديدة.

التمييز في الدية من منظور القرآن

بعض الناس يقولون إن حكم نصف دية المرأة مأخوذ من الأحاديث وليس من القرآن، ويدّعون المساواة، ولكن القرآن صريح في بيان الفرق.

قال تعالى في “القتل الخطأ”:
﴿مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾

وهذا الحكم نزل في سياق الحروب التي لم تشارك فيها النساء، مما يدل على أنه موجه للرجال فقط.

في آية القصاص:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾

يظهر هنا بوضوح أن المرأة تقابل المرأة في القصاص، والرجل للرجل، ولا يمكن استبدال رجل بامرأة في القصاص، لأن قتل الرجل يسبب تدمير الأسرة وتزلزل المجتمع أكثر من قتل المرأة.

إذا كانت الدية مساوية، لما ذكر التمييز بين “الحر بالحر” و”العبد بالعبد” و”الأنثى بالأنثى”، ما يعني أن دية المرأة تختلف عن دية الرجل.

التوافق بين العقل والنقل في حكم نصف الدية

حكم نصف دية المرأة له سند قرآني قوي، وأيضًا عقلاني، فلا يمكن تصور حكم شرعي بلا أساس عقلي.

فالمرأة والرجل كلاهما إنسانان، لكنهما يختلفان في الخصائص الطبيعية والاجتماعية، وهذا يبرر الاختلاف في بعض الأحكام الشرعية.

الخلاصة:

  1. الاختلاف في الأدوار بين الرجل والمرأة
    المرأة والرجل في الإسلام لهما أدوار مختلفة ومتكاملة. الرجل يتحمل مسؤولية إدارة المجتمع وتوفير نفقات الحياة، بينما تقوم المرأة بدور أساسي في البيت والأسرة. وقد نظم الإسلام هذه الفروق بناءً على توازن وحقيقة الواقع الاجتماعي.
  2. توازن الحقوق والواجبات
    في النظام الإسلامي، مثلاً، يدفع الرجل المهر وتكون النفقة على عاتقه، بينما ترث المرأة نصف الرجل في الإرث والديات. وهذه الأحكام وضعت وفقاً للتناسب بين الأدوار والمسؤوليات.
  3. عمل المرأة في المجتمع
    يسمح الإسلام للمرأة بالمشاركة في الأعمال الاجتماعية، لكن ليس بشكل كامل ومرغم كما هو الحال في العصر الحديث. التغيرات الاجتماعية التي أجبرت المرأة على العمل بدوام كامل ليست متوافقة مع تعاليم الإسلام، وإنما هي نتاج ضغوط سياسية واجتماعية.
  4. دور المرأة بعد وفاة الزوج
    إذا توفي الزوج، يجوز للمرأة الزواج مرة أخرى، ويكون الحفاظ على الأبناء من مسؤولية الجد أو المجتمع، مما يدل على أن الإسلام لم يضع أعباءً ثقيلة على المرأة.
  5. نقص عقل المرأة في النظرة الإسلامية
    أشار الإسلام إلى وجود نقص في عقل المرأة، وهو نقص ذاتي وطبيعي مقارنةً بعقل الرجل، حيث يعتبر العقل من أبرز ميزات الإنسان وهو الأساس في التكاليف الشرعية.
  6. البرآيند
  7. يكمن الفرق بين الرجل والمرأة في خصائصهما المختلفة. فالرجُل إنسان اجتماعي ـ منزلي، والمرأة إنسانة منزليّة ـ اجتماعيّة؛ بمعنى أن المرأة يجب أن تلعب دورًا جزئيًا في إدارة مجتمعها، ولكن الرجل يتحمّل مسؤولية أكبر في شؤون المجتمع حتى لا تُجهد النساء ولا يُصاب الرجال بالبطالة.
  8. وقد قاس الإسلام هذه الحقائق على أساس التوازن؛ فمثلًا: في العلاقة بين الرجل والمرأة عند الزواج، يجب على الرجل دفع المهر، وتحصل المرأة على المهر، والرجل مسؤول عن دفع النفقة وتأمين نفقات المعيشة. مقابل هذه الالتزامات المقدمة للمرأة، قُدّر إرثها والدية نصف إرث والدية الرجل.
  9. إذا عملت المرأة، ليس من الضروري أن تُنفق راتبها على معيشة الأسرة. وإن لم تشترط المرأة على نفسها العمل، يمكن للزوج منعها من العمل، لكنه لا يحق له أن يطلب منها أن تُعطيه جزءًا من دخلها إذا عملت.
  10. ويجب أن نعلم أن التغييرات التي حصلت في مجتمعنا المعاصر والعالم هي ضغوط سياسية تُستغل المرأة بطريقة أخرى. فالعمل الاجتماعي للمرأة ضروري، لكن العمل الإجباري بدوام كامل وعلى النمط المعاصر غير صحيح.
  11. لذا فإن هذه التغييرات التي حصلت في المجتمع غير صحية وحملت المرأة أعباءً كبيرة، ولا يمكننا أن نحكم بحكم ظالم بناءً على ظلم سابق وقع.
  12. وبموجب قانون الإسلام، إذا توفي الرجل، يمكن للمرأة الزواج، ويجب على جد الأطفال رعايتهم، وحتى إذا لم يكن الجد حيًا، فالنظام والمجتمع والناس والمؤمنون يجب أن يعالجوا هذه المشكلة. ومن هذا الحكم يتضح أن الإسلام لم يضع عبئًا على المرأة. وإذا تحمّلت المرأة مشاكل الحياة والأطفال نتيجة لمشاعرها العميقة، فهذا لا يعني صحة أو تناسب ذلك.
  13. استنادًا إلى هذه الخصائص وغيرها التي وردت في مواضع متفرقة من هذا الكتاب، إنكار الفروق بين خصائص الرجل والمرأة واختلاف بعض أحكامهما ليس معقولًا، وإنما هو ناتج عن جهل أو إلحاد وعداء؛ خصوصًا وأن هذا النوع من الدفاع عن المرأة غالبًا ما يشكل أداة استغلالية من قبل المستعمرين العالميين ومناصريهم من كبار وصغار.
  14. الفصل الأول: عقل المرأة
  15. نقص عقل المرأة
  16. من المسائل المهمة التي تثير الحيرة وتجرح مشاعر كل امرأة، موضوع نقص عقل المرأة. فقد ورد في الإسلام تصريح واضح بهذا الشأن، وبناءً عليه في بعض القضايا، مثل الشهادة، تُعادل شهادة امرأتين شهادة رجل واحد. وهذا يشير إلى أن الشريعة ترى أن عقل المرأة، مقارنةً بعقل الرجل، يعاني من نقصان وطبيعة ذاتية تقيد كمالها، فلا تُعتبر كامِلةً من هذه الناحية. وقد صرح الإمام علي(ع) في نهج البلاغة قائلاً: «عقل المرأة ناقص».
  17. هذه النظرة، بخلاف ما تحمله من تحقير وتصغير للمرأة، تمثل إشكالاً كبيراً وواضحاً في حق الخلق، إذ تُنسب القصور والعيوب إلى جوهر الوجود، وهذا أمر لا يمكن قبوله، إذ لا يجوز النظر إلى المرأة أو أي كائن آخر بازدراء، ولا يمكن اعتبار الكون منظومة ناقصة أو جسد الوجود بشوائب وقبح.
  18. فكيف يُمكن قبول أن المرأة، رمز الجسد الحقيقي للإنسان وواقع الإنسان، ناقصة في أسمى خصائص الإنسان، في حين تؤكد التجربة البشرية عكس ذلك، ويرفض العقل الإنساني هذه الأفكار؟! ماذا ينقص المرأة مقارنة بالرجل؟ وما الذي يمتلكه الرجل من إنسانية ومواهب بشرية لا تملكه المرأة؟! ما هي الجواهر القديمة من الفهم والعلم والوعي التي يفوقها عقل المرأة الحساس ونظرها الصافي؟!
  19. بلا شك، إذا اعتمدنا مثل هذه النظرة إلى المرأة، فلن تبقى لها مكانة في الفعاليات الاجتماعية الكبرى أو حتى في شؤونها الفردية، وسيُمحى وجودها وقيمتها الإنسانية.
  20. العقل والقلب
  21. قبل الإجابة على سؤال نقص عقل المرأة، يجب أولاً تحديد معنى العقل والذكاء وخصائصهما، ومقارنتها بالمقابل مثل القلب ومفاهيم أخرى كالنفس التي تمثل مجال العاطفة الإنسانية.
  22. يمكن القول بشكل عام إن جسم الإنسان يخضع لجوهر يسمى «النفس» أو «الروح». هذه النفس هي التي تتجلى فيها قوى ومعارف كثيرة معروفة ومجهولة، ومجموعة من مراتبها معروفة بأسماء مثل: «أنا»، «روحي»، «عقلي»، «نَفسي»، «الشعور»، «الإدراك»، «الوجدان»، «الذاكرة»، «الخيال»، «الشك»، وغيرها، وهي كلها تعبير عن مظاهر قوى النفس والروح.
  23. من بين هذه المفاهيم، يبرز مفهومان أساسيان هما «العقل» و«القلب»؛ وهما يمتلكان مقرين ماديين في الجسد: الدماغ للقلب والمخ للعقل. القلب هو مقر القلب الروحي والإرادة، والمخ هو مقر العقل المادي الذي تعتمد عليه القدرة التمييزية.
  24. العقل هو الذي يميز، والقلب هو الذي يتخذ الإرادة ويباشر الأفعال.
  25. كل من العقل والقلب يعبران عن قوة الإنسان، لكل منهما تجلّيان: ظاهري وحقيقي. الظاهر موجود عند الجميع، لكن الحقيقي لا يظهر بنفس الكمال في كل الأفراد. لدى الجميع «عقل صوري» وهو الفكر والتفكير، ولدى الجميع أيضاً قلب مرتبط بالمشاعر والميول، لكن العقل النوري القريب من الله، والقلب المؤمن الذي يمتلك ذاتًا إلهية لا يتوفر للجميع بنفس الدرجة، كما يشير القرآن في قوله: «لهم قلوب لا يفقهون بها» أي ليس الفهم العادي بل الإدراك القلبي.
  26. العقل النظري والعملي
  27. النفس لها مراتب ومظاهر، والعقل يقسم إلى عقل نظري وعقل عملي.
  28. العقل النظري يتناول الأسباب والمبادئ العليا (قدرة إدراكية)، والعقل العملي مرتبط بتحريك النفس والعمل. العقل هو القوة المميّزة، التي تعمل في الفكر والتصرف، والعقل مرتبط بالإرادة في القلب.
  29. في القرآن، العقل يُعتبر قوة تمكّن الإنسان من إدراك الحقائق الروحية والعمل بها. وذكاء الإنسان يُنظر إليه على أنه علم نابع من العقل.
  30. موضوع التكليف
  31. موضوع التكليف يرتبط بالعقل العام، وقيمة العبادة والأعمال الصالحة تُقيم بالعقل الفاعل.
  32. العقل قابل للنقص والزيادة، ويُمكن أن يظهر أو يختفي. النفس، الروح، القلب، والعقل تعبر عن جوهر الإنسان.
  33. العقل والجهل
  34. الجهل هو نقيض العقل والعلم، ولكن هناك درجات للجهل تختلف بين جهل أولي طبيعي وجهل مرتبط بالعلم. العقل يقيد الإنسان من الجهل والأفعال السيئة، وهو أساس العلم الأول، ويساعد في اكتساب العلم الثاني.
  35. العقل هو جوهر في الإنسان يميّز بين الصلاح والفساد، ويقود النفس إلى تحصيل السعادة.
  36. الخلاصة
  37. العقل منحة إلهية تختلف بين الأفراد حسب الحكمة الإلهية، أما العلم فهو قابل للاكتساب بالمجهود.
  38. الذمّ للأغلبية (استمرار)
  39. إنّ ذمّ الأغلبية في القرآن الكريم لا يقتصر على جهل خاص أو نقص في المعرفة، بل يتعداه إلى تقصير واضح في تفعيل العقل والقلب، وفقدان الإدراك الحقيقي واليقظة في ضمائر الناس، مما يؤدي إلى الغفلة والهلاك. ففي آيات كثيرة يشير القرآن إلى أن أكثر الناس لا يستخدمون عقولهم استخدامًا صحيحًا، ولا يَسْلكون طرق الهداية التي تؤدي إلى الحق، بل يظلّون أسرى لأهوائهم وشهواتهم، وعبيدًا للعادات والأعراف البالية، وهذا من أكبر أسباب ضعف الأمم وفساد مجتمعاتهم.
  40. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:
    «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِالْمُؤْمِنِينَ» (القصص: 56)
    والمراد هنا أن معظم الناس لا يُحسنون توظيف العقل في قضايا الإيمان والمعرفة الحقيقية.
  41. وكذلك قوله تعالى:
    «إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَدَى اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (الأحقاف: 12-14)
    وهذا يوضح تمييز الذين استثمروا عقلهم في الإيمان والتقوى عن الأغلبية التي غلب عليها القصور والجهل.
  42. أثر ضعف العقل في المجتمع والفرد
  43. إن ضعف العقل وعدم استثماره في مجالات العلم والعمل والتقوى يؤدي إلى غلبة الجهل، والفساد، والتخلف، ويجعل الفرد والمجتمع عرضة للانحرافات والضياع. وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم في وصف المستضعفين الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، والذين يحتاجون إلى عون وهداية سواء كانوا رجالًا أو نساءً أو أطفالًا.
  44. وهذا الاستضعاف ليس من قبيل عجز طبيعي أو نقص خلقي، بل هو نتيجة لتراكم عوامل اجتماعية وثقافية ودينية تعيق النمو العقلي والروحي.
  45. الخاتمة
  46. بناءً على ما سبق، فإننا نؤكد على أن العقل على اختلاف مراتب وجوده لا يقاس بالجنس، فالمرأة والرجل يشتركان في الأبعاد العقلية الأساسية، ويختلفان فقط في جوانب محددة تتعلق بطبيعة العواطف وتأثيرها على الفكر في المدى الطويل.
  47. كما أن الاستضعاف العقلي حالة عامة تصيب جميع البشر، ولا تخصّ جنسًا دون آخر، وإنّما هي مرتبطة بالعوامل البيئية، والتعليمية، والروحية التي تحدد مدى تفعيل العقل لدى الفرد والمجتمع.
  48. والحكمة الإلهية في تنوع هذه الحالات تكمن في حكمتها في خلق الإنسان على أكمل وجه، وفي تنظيم حياة الإنسان بنظام يحفظ التوازن بين العقل والعاطفة، وبين الفعل والنية، وبين الحرية والقيود، بما يخدم كمال الإنسان في الدنيا والآخرة.

مُقدِّمة في وصف غالبية الناس بالصفات الذميمة في القرآن الكريم

يُلاحَظ في آيات القرآن الكريم تعبيرات متكررة تصف غالبية الناس بصفات ذميمة، منها: «أكثرهم لا يعقلون»، «أكثرهم يجهلون»، «ما يتبع أكثرهم إلا ظنًا»، «ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون»، «أكثرهم كافرون»، «أكثرهم لا يؤمنون»، «ما كان أكثرهم مؤمنين»، «أكثرهم مشركون»، «ما وجدنا لأكثرهم من عهد»، «أكثرهم كاذبون»، «وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين»، «لا تجد أكثرهم شاكرين»، «أكثر الناس لا يشكرون»، «فأبى أكثر الناس إلا كفورًا»، «وقد ضل قبلهم أكثر الأولين»، «وأكثرهم فاسقون»، «كان الإنسان أكثر شيء جدلًا»، و«لكن أكثرهم للحق كارهون».

موضوع هذه الصفات الذميمة هو الإنسان والناس، وقد ورد لفظ «ناس» أكثر من «إنسان» في النصوص، واستخدام ضمائر «أكثرُكم» و«أكثرهم» يدل على أن الغالبية العظمى من الناس تتصف بهذه الصفات. والاستنتاج العام من ذلك هو أن «غالبية الناس تحمل صفات مذمومة كثيرة، وبسبب الإهمال لا تبلغ درجة الكمال المطلوبة».

مراجعة موجزة لمعاني هذه الآيات:

«غالبية الناس لا يعقلون ويميلون إلى الجهل»، «الغالبية تتبع الظن والظنون الباطلة»، «لا يعرفون الحق ولا يلتفتون إليه»، «يبدو أنهم يسمعون أو يعقلون، ولكن إيمان كثير منهم مشوب بالشرك والكفر»، «أغلبهم ليسوا مؤمنين بل مشركين»، «الكثير منهم غير ملتزمين بالعهد، كاذبون، فاسقون، جاحدون، غير شاكرين»، «يكثر منهم الجدال وكراهية الحق».

يتضح أن القرآن الكريم يعمم هذه الصفات الذميمة على الغالبية العظمى من الناس، وقد جاء الذم في كل صفات النقص: من نفْي العقل والتفكير (لا يعقلون، لا يعلمون)، إلى نفْي الإيمان والصفاء القلبي (لا يؤمنون، لا يشكرون)، وكذلك صفات معرفية مثل الجدال، وصفات عملية مثل الكذب والفجور.

المسائل الثلاث الجوهرية التي تحتاج إلى توضيح:

  1. لماذا هذا الذم الشديد للناس في كتاب الرحمة واللطف الإلهي؟ وما مغزى ذلك؟
  2. من هم الأفراد الذين تشملهم هذه الصفات الذميمة؟ وإلى أي مدى تصل دائرة تأثيرها؟
  3. ما الفرق بين هذه النواقص وبين نقص عقل المرأة؟

الإجابة على السؤال الأول:

هذه الصفات الذميمة المقارنة بالكمال الإلهي العالي، تُبيّن قصور الإنسان وضعفه، على الرغم من أن الوصول إلى الكمال متاح لكل فرد حسب طاقته وقدرته. ومع ذلك، كثير من الناس محرومون منه بسبب القدر أو الوراثة أو البيئة أو الإهمال.

الإنسان يعاني من قصور ونقص واضح في بلوغ الكمال الروحي، وليس كل الناس ملزمون بتحقيق القمة الكاملة من الصفات، بل هناك درجات متفاوتة. فالعدد القليل من الناس يصل إلى الكمال الواسع، وهم أولياء الله ورُسُل الدين، بينما يوجد أعداء الله وجنوده من الظالمين، والناس العاديون بينهم.

تصنيف البشر إلى أربع فئات:

  • الفئة الأولى: أولياء الله الذين يمتلكون كل صفات الكمال.
  • الفئة الثانية: الطغاة والمجرمون الذين يتحلون بكل صفات النقص.
  • الفئة الثالثة: الناس العاديون الذين لم يحققوا الكمال بسبب الإهمال والتقصير، وهم الغالبية العظمى.
  • الفئة الرابعة: الأخيار من الناس العاديين الذين يتبعون الخير ويبتعدون عن الشر.

الذم الموجه إلى الغالبية يشير إلى عدم الالتزام بالحدود الدنيا للفضائل، وليس إلى النقص في الكمال الكامل، فهذه الفئة ليست من أهل الشقاء ولا من أعداء الله، لكنها تقصر في أداء واجباتها.

الإجابة على السؤال الثاني:

هذه الصفات الذميمة تشمل كلا من الرجال والنساء، فالضمائر في الآيات تشير إلى الجميع بدون تمييز.

النقص المقصود هنا ليس نقص العقل النوعي في المرأة، وإنما هو إهمال في استخدام العقل والإيمان والعمل الصحيح، ويمكن للمرأة والرجل على حد سواء أن يكونا من هذه الغالبية المهملة.

الإجابة على السؤال الثالث:

الفرق بين هذا النوع من النقص وبين نقص عقل المرأة هو أن النقص في المرأة هو نقص نوعي فطري مرتبط بالطبيعة الخلقية، حيث يطغى العاطفة على العقل عندها بشكل طبيعي، وهذا جزء من الحكمة الإلهية.

العاطفة الشديدة عند المرأة تساعدها في القيام بأدوارها في التربية والرعاية، رغم أنها تحد من قوة العقل في المواقف العصيبة، وهذا ليس نقصًا حقيقيًا بل تكامل في طبيعة المرأة.

إذاً، الإهمال في تحصيل الكمال وظهور الصفات الذميمة عند الناس عامة، أمر مختلف جوهرياً عن طبيعة نقص العقل الفطري عند المرأة.

العاطفة الغنية والحدود العقلية:

من الطبيعي أن تتغلب عواطف المرأة على تفكيرها في المواقف الحرجة، وهذا يساعدها في أداء أدوارها الاجتماعية والأسرية.

عقل المرأة يقل ظهورًا مقارنة بعاطفتها الغنية، وهذا لا يعني نقصًا أو ضعفًا، بل كمال متميز.

في المقابل، إذا تقلبت الأدوار بشكل غير طبيعي، كأن يظهر عند المرأة عقلانية مفرطة أو عند الرجل عاطفة زائدة، فهذا يُعتبر خللاً ومذمومًا.

خلاصة:

القول بأن عقل المرأة ناقص هو توصيف للخصائص النوعية وليس عيبًا، ويجب أن لا يُساء فهمه على أنه نقص ذميم أو ضعف.

العقل والعاطفة متضادان في كثير من الحالات، والتوازن بينهما يمثل كمال الإنسان، وكل جنس يتفوق في جانب دون الآخر، وهذا هو نظام الخلق الحكيم.

المرأة والسرّ والاحتياج الدائم

في الرد على هذا الإشكال يجب أولاً القول: إن الشريعة لم تحرم المرأة في أيام الحيض والولادة من العبادة كليًا، فهي قادرة على إقامة كل أنواع الاتصال بالله سبحانه وتعالى والتضرع والدعاء في هذه الأوقات، ولذلك فإن الذكر والمناجاة في هذه الأيام مستحبان للمرأة، وإنّما المشكلة تتعلق بأداء الصلاة شرعًا على وجه الصحيح؛ فالمرأة تستطيع أداء الصلاة كاملةً مع ترك التكبير والنية، ويمكنها أن تقف في محراب العبادة وتؤدي جميع أنواع الذكر والركوع والسجود مع ربها.

ولا يقتصر المنع على المرأة فقط، بل يشمل الرجل أيضًا؛ إذ إن الصلاة والعبادة عمومًا تشترط وجود الطهارة، فالعبادة بدون طهارة لا تتحقق، فلا يصح أن يصلي الرجل أو يدخل المسجد أو ينوي الصيام في رمضان وهو على غير طهارة الجنابة.

وبناءً عليه، فإن ترك العبادة الخاصة بالمرأة في هذه الأيام إنما هو بسبب فقدان شرط الطهارة الشرعية، لا بسبب كونهامرًا خاصًا بالمرأة؛ ولا ينبغي أن يُحتسب ذلك نقصًا أو عيبًا في المرأة.

المرأة وامتنان الله تعالى

إن الحكمة من حرمة أداء بعض العبادات في هذه الأيام هي لطف وامتنان من الدين للمرأة، إذ تمرّ المرأة في هذه الفترة بأصعب الضغوطات والاضطرابات، وهذه الأحوال تسبب لها مشقة وقلقًا نفسيًا.

فعليها أن تتحمل هذه المصاعب بصمت وكتمان، وإذا أوجب عليها أداء الصلاة والصيام والعبادات الأخرى في هذه الظروف، لكانت المصاعب والمتاعب مضاعفة.

لذا فقد رفع الشارع المقدس عن المرأة هذه الفرائض لتسهيل أمرها ورفع المشقة عنها، خاصة وأن تحصيل الطهارة في هذه الأوقات عسير للغاية، كما هو الحال في جواز قصر الصلاة وترك الصيام للمسافر، وهذا نوع من الرخص التي أتاحها الإسلام امتنانًا ورحمةً بعباده.

الامتنان في العزيمة

قد يُقال إن الامتنان ينبغي أن يكون رخصة فقط لا عزيمة ووجوب، حتى يمكن للمرأة أن تؤدي عبادتها إذا شاءت، لكن الواقع أن الامتنان في العزيمة قائم أيضًا، لأن العزيمة تمنع المؤمن من تحمل المشقة الكبيرة بناء على رغبته الذاتية، فحرمة العبادة في هذه الحالة تمنع التوجه إلى مشقة الزائد بلا فائدة شرعية.

والعبادة بدون وجود الشرط كعدم الطهارة لا تصح، ولا تعد قربًا إلى الله، بل هي بعد وانقطاع.

قليل العبادة وأجر كبير

المرأة في هذه الأيام تتحمل مشاقًا كثيرة من تطهير وألم وضعف وسواها، وهذا كله من أعمال التعبد التي ترفع منزلتها وتحصل بها على أجر عظيم يعوض نقصان العبادة الخاصة.

فكل عمل ينوي به القرب إلى الله يعتبر عبادة، والمشقة في العبادة ترفع الأجر، والله تعالى يفيض برحمته على عباده.

الحديث عن نقص المرأة

الأحاديث التي تحدثت عن نقصان عقل وعبادة المرأة وحقوقها ليست خاصة بشخص أو زمان، بل تعبر عن حقيقة فطرية وموقف دائم لكل النساء، ولم يكن الأمر مجرد غضب أو موقف سياسي.

فهذا القول من الإمام علي (عليه السلام) ليس هجومًا على المرأة، بل بيان لحقيقة طبيعية وشرعية.

المرأة كائن عقلي

ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطبًا النساء أن نقصان دينهن وعقولهن يظهر في الحيض الذي يمنعهن من الصلاة والصيام، وفي أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل.

المرأة جوهرة الوجود

هذا الحديث يدل على حقيقة أساسية في تكوين المرأة ودورها، ولم يكن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصًا بزمان أو شخص، بل هو حكم شرعي عام.

النقطة الثانية:
من خطاب النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولِه: «يا معشر النساء» يُستفاد أن هذا الخطاب ليس موجهاً لفئة قليلة من النساء فقط، بل هو مخاطب لجنس النساء جميعاً. ولذلك، فإنّ فهم بعضهم لرواية الإمام علي (عليه السلام) التي تقول: «النقص مخصوص لشخص واحد» هو فهم خاطئ جداً.

النقطة الثالثة:
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما رأيت أحداً أدرك عقل أهل العقل إلا النساء»، يدل على رؤية وقطع ويقين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس على علم مجرد، وهي جملة مؤكدة وخاصة وليست محتملة أو مشتركة. وهذه الخصائص تدل على عظمة ومكانة المرأة.

في هذا القسم من كلام النبي، جاء الفعل «ذهب» بصيغة التفضيل «أفعل» التي تدل على الذهاب الكامل والعميق للعقل من أهل العقل، أي أصحاب الفهم الحقيقي، وليس الأشخاص العاديين الذين ليس لديهم إدراك ذاتي وإنما ما لديهم من تعلّم الآخرين فقط. ومن هذا المنطلق، يمكن الاستنتاج بأن المرأة رغم أن عقلها مغلوب على عواطفها، وعبادتها أقل من عبادة الرجل، إلا أن لديها عواطف ومشاعر غزيرة تمثل مقياس الوجود، وتبطل موازين كل رجل، ولطفها وخمرتها تخطف عقل كل عاقل، ونظرتها الحانية تثير قلوب العاشقين، ومكرها الحاد يوقظ السكارى، وطيبة روحها تحيي الأموات.

هذا البيان النبوي يكرم المرأة ويعطيها مكانة عظيمة، حتى إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكد: «أنتم بالعواطف تسرقون عقول الحكماء»، فالمرأة بالرغم من عدم تدبيرها الحاسوبي إلا أنها تشتت حساب كل حسابي، وبالرغم من استسلامها لعواطفها فهي غالبة على كل عقل، وكأنها جوهرة تقطر على كل مادة. فما هذه الجاذبية والهيمنة التي تجعل عقل أهل الحكمة يختطف، وقلوب العارفين تهيم في حيرتها؟!

النقطة الرابعة:
وفقاً لهذه الرواية، نقص الدين في المرأة ليس وصفاً ذاتياً كاملاً، بل هو وضع صنفي مرتبط بالحالة الطمثية، وهي سمة خلقيّة فريدة في المرأة، لأنه بدون هذه الدماء الطمثية لا يتحقق نمو الطفل.

يجب ملاحظة أن هذه الرواية رغم ارتباط موضوع الحيض بنقص الدين وليس بنقص العقل، إلا أنه يمكن القول إن نقص وكمال الدين مرتبط مباشرة بنقص وكمال العقل. ولهذا في رواية أخرى يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لا يتم دين الإنسان حتى يتم عقله»؛

وكما قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في رواية «التضرع» إن الغنى وعدم التعلق، وراحة النفس وسلامة الدين والدنيا مرتبطون بكمال عقل الإنسان.

الفرق بين نوعي العقل
هناك فرق كبير بين النقص العقلي الذاتي، الأولي، الحقيقي والكلي، وبين النقص العقلي الصنفي والمقيّد والمعلول.
النقص العقلي الذاتي هو مثل عدم إدراك الأجسام المحسوسة والنباتات الغير ملموسة، والتي مع اختلاف الدرجات تمتلك ذكاء فطري لكنها لا تصل إلى مرتبة الإدراك البشري، أو بعض المجانين الذين لا يملكون وعي عقلاني أصلي ولا قدرة على التحرر منه. كل هذه الحالات في نوعها أو فردها تمتلك نقصاً كلياً.
على العكس، المرأة نصف شفاف من حقيقة الإنسان، وكل عاقل يجد في قلبها جوهر عقله. فلا يجب خلط النقص في التفكير الصنفي والمقيّد المرتبط بالحالة الطمثية مع النقص الذاتي الكامل. دور الأمومة والإنجاب ولباس الزوجية ونعمة القلب المتحرر التي ترافق الحالة الطمثية لا تتعارض مع كمال الإنسان وتماثله الكامل.

حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«قد رأيت أنكن أكثر أهل النار يوم القيامة»
يشابه آية القرآن الكريم التي تقول: «إن الإنسان لفي خسر»، حيث إن أكثر الناس في خسارة، وذلك لأن الإنسان إن لم يكن مؤمناً ومتقيًا فسيصاب بالخسران، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل. ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا نساء! تقربن إلى الله بالتقوى والورع».

قد يُسأل: مع هذا الوضع الحرماني، فما جدوى الأمر بالتقوى؟ وكيف يمكن للنساء الاقتراب من الله إذا كن أكثر أهل النار؟
والجواب أن الكلام النبوي يدل على الإلزامات والاقتضاء، بمعنى أن النساء إذا لم يتقين، فسيسقطن مثل الرجال في النار. وللنساء بسبب عواطفهن يكون هذا الحمل أكبر. والكلام لا يدل على الحتمية المطلقة للنار، بل على أن العصيان والقصور يوقعانهن في العذاب مثل الرجال.

بشارة للنساء!
في رواية أخرى، أجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة تسأل عن سبب جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في قوله تعالى: «واستشهدوا شهداء من رجالكم» فقال:
«يا امرأة! ذلك قضاء من ملك عادل حكيم لا يظلم ولا يجور، ولا يحيف ولا يتحامل، ولا ينفعه ما تمنعن يدبر الأمر بعلمه. يا امرأة! لأنكن ناقصات الدين والعقل».
قالت المرأة: وما نقصان ديننا؟
قال: «إن إحداكن تقعر نصف دهرها لا تصلَّى حياءً عن الصلاة لله، وكن تكثرن اللعن وتكفرن العشيرة، تمكث إحداكن عند الرجل عشر سنين أو أكثر، يحسن إليها وينعم عليها، فإذا ضاقت يده يوماً أو خاصمها قالت له: ما رأيت فيك خيراً قط! ومن لم يكن من النساء هذا خلقها، فالذي يصيبها من هذا النقصان محنة عليها، التَّصبّر، فيعظّم الله ثوابها، فابشري».

المسار التحليلي

عند التأمل في هذه الروايات، يتبيّن لنا أن الإمام عليًّا(عليه السلام) لم يكتفِ بالإشارة إلى موضوع العاطفة الزائدة وضعف العقل عند المرأة في حادثة الجمل فقط، بل نجد النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(:) وفقهاء الإسلام، مستندين إلى القرآن الكريم، قد أشاروا وصَرّحوا بهذا الأمر في مناسبات أخرى أيضًا. نعم، أصحاب العصمة(:) لم يكونوا في مسعى لذم النساء، ولم يرغبوا في تعميم ضعف فردي مثل شخصية “عائشة” على جميع النساء.

الدين الإسلامي قد وضع المرأة في مكانتها الحقيقية بصدق، ولم يخرجها عن مسارها الطبيعي بسبب اعتبارات سياسية أو انتماءات حزبية، ولم يعرضها إلى صراعات نفسية أو انحرافات.

فلتكن البشرى للمرأة التي تسير على طبيعتها في مسار الحياة الصحيح، فتصل إلى كمالها المطلوب. أما المرأة التي تخرج عن طبيعتها السليمة، وتنجرف وراء المديح السياسي الزائف أو المداهنة غير الواقعية بما يخالف صفاتها وخصائصها، فتكون عرضة لصراعات نفسية كثيرة، وتبتعد عن بلوغ كمالها المنشود.

الفصل الثالث: التشاور مع النساء

الموضوع الآخر المتعلق بالمرأة هو: لماذا يعتبر الإسلام التشاور مع النساء مذمومًا ومنهيًا عنه؟ مع أن المرأة مثل الرجل تمتلك جميع المواهب الإنسانية، لماذا أبدى الشرع هذه الحساسية تجاه المرأة، ووصى بالتشاور مع الرجال فقط، ونهى عن التشاور مع النساء؟

ما هو ذنب المرأة التي يجب أن تُنتقص كرامتها ضمنيًا بسبب هذا التوصية الدينية، بحيث تُهمل إنسانيتها ومكانتها، بل ويُشكك في كمالها ومساواتها للرجل في الإنسانية والكفاءة؟

هل المرأة تفتقر إلى العقل والحكمة والذكاء لدرجة عدم استحقاقها أن تكون طرفًا في التشاور؟ وهل جميع العقلانية والحكمة والحصافة مجتمعة في الرجل فقط، فهو وحده جدير بالاستشارة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل خلق الله المرأة ناقصة وغير مكتملة، وتركها نصف ميتة في عالم الوجود، ومنح الكمالات والصفات الخاصة مثل الحكمة والعلم والذكاء للرجل فقط؟

من جهة أخرى، المرأة والرجل يشتركان بانسجام في ميدان الحياة، ويتقاسمان الأدوار والأدوار الاجتماعية والفردية، يشاركان في البيت والمجتمع وفي العمل الفردي والجماعي، ويشتركان في الأحزان والأفراح، في الصعاب والرخاء، في التحديات والصراعات، وكل منهما موجود في الحياة اليومية، ملم بما يحيط به من ظروف، ومتأثر ومؤثر فيها. فلماذا إذن، ومن خلال هذا الذم للتشاور مع النساء، يعتبر الإسلام نصف المجتمع الإنساني عاجزًا ومهمشًا، ويعتبر المرأة غير مؤثرة ولا قادرة على الإسهام في القرارات والعمل؟

هل لم يؤد هذا التوجيه الديني إلى حرمان المجتمع الإنساني، بل وحتى الرجال، من قدرات وطاقات المرأة، وتجاهل هويتها وقوتها وأصالتها؟

الرد على هذا الإشكال:

من المناسب أن نراجع بعض الروايات التي تناولت هذا الموضوع:

  • عن إسحاق بن عمار الرفعة قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن.»

هذا الحديث يشير إلى اختبار نفسي؛ إذ غالبًا ما تتخذ النساء قرارات عاطفية وسريعة، ومن البديهي أن الحكمة تتطلب ألا يكون الإنسان تابعًا لعواطفه العابرة، ولهذا كان النبي(صلى الله عليه وآله) يعاكس رأي النساء في الأمور الحساسة، خاصة في مواجهة الأعداء.

  • عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا تشاوروهن في النجوى، ولا تطيعوهن في ذي قرابة.»

هذا يشير إلى عدة نقاط مهمة، منها أن الحياة مليئة بالمشاكل، وبعضها يتعلق بالرجل ويجب أن يحلها بنفسه دون إثقال كاهل زوجته بالهموم، إذ أن التشاور يعني تحميل المرأة المشكلة قبل حلها، وقد يثير ذلك قلقها. كما أن كشف الأسرار للزوجة قد يثير عاطفتها ويؤثر على استقرارها النفسي، خاصة إذا كانت الأسرار تتعلق بالفشل والخسارة.

  • قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «كل أمر تدبره امرأة فهو ملعون.»
  • عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: ذكر رسول الله النساء فقال: «اعصوهن في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر.»

أي أن الحب قد يجعل الرجل تابعًا لعواطف زوجته فينحرف عن مسار التفكير السليم، لذلك يُنصح بأن يظهر عدم الطاعة في الأمور العادية حتى لا تظن النساء أنهن يملكن الطاعة المطلقة، فيسلكن طريق الخطأ.

  • عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «تعوذوا بالله من طالحات نسائكم وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف فيمرنكم بالمنكر.»
  • عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبي عبد الله يقول: «إياكم ومشورة النساء فإن فيهن الضعف والوهن والعجز.»

هنا، يُقصد بالضعف في السياقات الاجتماعية والسياسية الحساسة التي تتطلب صلابة العقل وحكمة متينة، إذ تتأثر النساء بالعواطف فتتراجع عن اتخاذ القرارات السليمة، وهذا ليس نقصًا في طبيعة المرأة، بل محدود بمهامها ودورها الطبيعي.

الخلاصة:

المرأة رائدة في العواطف والجانب الحسي، لكنها تميل إلى التردد في الأمور الصعبة، خاصة الحرب أو القرارات الكبرى. لذلك، يُستحب أن تبقى بعيدة عن هذه المجالات للحفاظ على استقرارها النفسي.

مخالفة رأي النساء في بعض الأمور الكبرى تجلب البركة، إذ المرأة تميل إلى الراحة والابتعاد عن المشاق أكثر من الرجل.

القول بأن المرأة والرجل متساويان في كل شيء غير دقيق، والتفاوت في الصفات موجود، وكل طرف له دوره المناسب. لا يتعارض مكانة المرأة وعاطفتها الغنية مع دور الرجل في إدارة شؤون الحياة الكبرى، وكلٌ منهما يتكامل الآخر في مجاله.

ساكنو بحر الحياة المتلاطمة

إنّ جميع هذه الروايات ـ التي لا تُشكّ في صحتها من ناحية السند أو تعدّدها، ولا يمكن إنكار دلالتها ـ تدلّ على مشاعر وعواطف المرأة التي بطبيعتها تكون عميقة ومتقلّبة في أوقات الأزمات، وهي مشاعر ينبغي الحرص الشديد على كبحها وضبطها. فلا ينبغي بالطاعة العمياء للمرأة أن يُثار طمعها في القيادة والسيطرة على شؤون الحياة، ولا ينبغي أن يُسلّم سكان سفينة الحياة في بحر المجتمع المتلاطم بالموج والعواصف القاسية لقيادة العواطف النسائية، إذ إن سيطرة المرأة على القرارات الأساسية في الحياة ستؤدي إلى مشاكل خطيرة وأضرار بالغة للأسرة والمجتمع.

الدين ينظر إلى المرأة والرجل من منظور واحد، ويرفض الذكورية والنسوية المطلقة، ويبيّن بواقعية الخصائص الخاصة بكل منهما مع تحديد الواجبات والمسؤوليات الخاصة والمشتركة لهما، كما يقول القرآن الكريم:

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية المباركة: أنّ أسماء بنت عميس، عند عودتها مع زوجها جعفر بن أبي طالب من الحبشة إلى المدينة، ناقشت زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول ذكر الخير في القرآن للنساء، فقلن: لا. ثم عرضت أسماء الأمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلة: “يا رسول الله، نحن النساء في خسران، إذ لم يُذكر لنا في القرآن ما ذُكر للرجال.” فأنزل الله تعالى الآية الكريمة.

ومعنى الروايات المتعلقة بالمشاورة هو ألا يقع الرجل أسير هواه أو هوى المرأة بسبب محبته لها، بل ينبغي الحذر، مع أنه قد وردت نصوص تشجع على المشورة مع النساء الفهماء ذوات الخبرة، كما قال الإمام الصادق عليه السلام:

«إياك ومشاورة النساء إلا من جربت بكمال العقل.»

فالمشورة مع المرأة ليست مرفوضة مطلقاً، بل مشروطة بوجود الفهم والعقل والخبرة.

وفي رواية أخرى:

قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “كان في بني إسرائيل رجل له امرأة صالحة… فقال: إن لي زوجة صالحة وهي شريك في المعاش، فاستشيرها في ذلك.”

وبذلك، فإن المشورة مع الرجل والمرأة تندرج ضمن شروط، مع اختلاف بسيط في الصياغة نظراً لطبيعة عواطف المرأة التي تستوجب الحذر في المشورة.

عدم التفريق بين الرجل والمرأة في المشورة

الإسلام لا يرفض المشورة مع النساء، ولا يُميز جنسياً في هذا المجال، بل معيار المشورة هو صفات الكمال والنقص، حتى في الرجال، فالشرع يمنع المشورة مع من لا تتوافر فيه هذه الصفات، لأن النتيجة المرجوة لا تتحقق إلا بتحقيق الشروط اللازمة.

من الأمثلة على ذلك:

  1. قال أبو عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام): «إن المشورة لا تكون إلا بحدودها، فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من نفعها له. فأولها أن يكون الذي يُشاور عاقلاً، والثانية أن يكون حراً متديّناً، والثالثة أن يكون صديقاً مواخياً، والرابعة أن تطّلع على سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثم يستر ذلك ويكتمه. فإنّه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته، وإذا كان حرّاً متديّناً جهد نفسه في النصيحة لك، وإذا كان صديقاً مواخياً كتمّ سرك إذا اطلعته عليه، وإذا اطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك تمّت المشورة وكملت النصيحة.»
  2. قال الإمام الصادق عليه السلام: «شاور في أمورك ممّا يقتضي الدين من فيه خمس خصال: عقل وحلم وتجربة ونصح وتقوى، فإن لم تجد فاستعمل الخمسة واعزم وتوكّل على الله، فإن ذلك يوديك إلى الصواب… ولا تشاور من لا يصدقه عقلك وإن كان مشهوراً بالعقل والورع.»
  3. قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من شاور ذوي الألباب دلّ على الرشاد.»
  4. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من استشار أخاه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلّبه الله لبه.»

وهذا الحديث ينذر بالخيانة والقصور، إذ إن المشاور الذي يغيّب النصيحة الصادقة يفقد نعمة العقل.

5- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«مشاورة العاقل النّاصح رشدٌ ويُمنٌ وتوفيقٌ من الله، فإذا أشار عليك الناصح العاقل فإيّاك والخلاف، فإن في ذلك العطب.»

يقول النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «الاستشارة مع شخص عاقل وخيّر النصيحة هي هداية وبركة وتوفيق من الله تعالى، فإذا دلك عليك هذا الشخص فلا تعارضه، لأن ذلك يؤدي إلى الخسارة والأذى.»

وفي هذا الحديث، يُحذّر المستشير من مخالفة النصح عند المشاور العاقل، لأن مخالفة ذلك تؤدي إلى الاضطراب والحرمان.

6- قال أبو عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام):
«ما يمنع أحدكم إذا ورد عليه ما لا قبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع.»

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): لماذا لا تستشيرون رجلًا عاقلاً متديّناً ورعاً عند مواجهتكم بمسألة جديدة لم تختبروها من قبل؟

هذا الحديث الشريف يوبّخ من يتخلى عن المشورة مع الأشخاص الورعين، ويبيّن أن المشورة ليست مجرد أمر مباح، بل هي من اهتمامات الشريعة الإسلامية، ويجب الاستعانة بأشخاص عاقلين وأمناء.

موانع المشورة

1- قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تشاور أحمق…»

أي: لا تستشر شخصًا قليل العقل.

2- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطبًا الإمام علي (عليه السلام):
«يا علي! لا تشاور جبانًا فإنه يضيق عليك المخرج، ولا تشاور بخيلًا فإنه يقصرك عن غايتك، ولا تشاور حريصًا فإنه يزيّن لك شرّها. واعلم يا علي! إن الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن.»

النبي الكريم ينصح الإمام علي بعدم الاستشارة مع الجبان، لأنه يعقد الحلول، ولا مع البخيل الذي يمنعك من بلوغ الهدف، ولا مع الحريص الذي يجعل الشر يبدو حسنًا لأجل مصلحته. ويشير إلى أن هذه الصفات الثلاثة متصلة بجذر واحد هو سوء الظن.

شرح وتحليل
هذه الصفات ليست مجرد نقص أو عدم، بل لها أُسس وجودية ونفسية في الإنسان، وقد تكون فطرية أو مكتسبة، وتزيد أو تنقص بحسب الحالة. سوء الظن هو السبب الرئيسي في هذه الصفات ويصاحبها. وقد يكون الشخص غير مؤمن أو ضعيف الإيمان مصابًا بهذه الصفات بسبب عدم ثقته بالله، لكن هذه الصفات موجودة حتى في غير المؤمنين، ويجب التنبه إلى ذلك عند اختيار من تستشيرهم.

أسس إلهية وأخلاقية
قد يكون الكافر أو المشرك أو من يشك في الله أكثر عرضة للخوف والبخل والطمع بسبب فقدانه الثقة بالله، لكن في العموم، هذه الصفات ليست حكرًا على المؤمن أو غير المؤمن، بل هي صفات إنسانية تؤثر في سلوك الإنسان بغض النظر عن عقيدته.

نصائح عامة حول المشورة
الإنسان يحتاج إلى حكمة الآخرين، لأنه لا يمكن أن يكون خبيرًا بكل الأمور. ولذا، وضعت الشريعة ضوابط ومعايير لاختيار من يستشار لتجنب الأضرار.

من الجدير بالذكر أن اختيار المستشار لا يعتمد على الجنس، بل على كونه صاحب علم وحكمة ونزاهة.

3- قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«ولا تشر على مستبد برأيه، ولا على وغد، ولا على متلون، ولا على لجوج…»

أي: لا تستشر الشخص المتعنت والمتسلط، أو عديم العقل، أو متقلب المزاج، أو العناد والمكابر، فهؤلاء غير مؤهلين للنصيحة، بغض النظر عن جنسهم.

4- قال لقمان الحكيم لابنه:
«يا بني! شاور الكبير، ولا تستحِ من مشاورة الصغير.»

لقمان الحكيم ينصح ابنه بالاستشارة مع من هو أكبر منه سنًا وحكمة، وأيضًا عدم الخجل من طلب النصيحة من الأصغر إذا كان ذا فكر ناضج وصحيح.

وهذا يوضح أن المشورة مسألة تخصص وخبرة، ولا علاقة لها بالعمر أو الجنس، بل بالحكمة والنضج.

حول دور العاطفة بين المرأة والرجل
قد يُطرح تساؤل حول كيفية الجمع بين هذه الروايات، وهل يعني ذلك أن المشورة تخص الرجال فقط ولا تنطبق على النساء؟

في الواقع، بعض الروايات عامة ولا تميز بين الجنسين، وتضع معيار الحكمة والنضج فقط. وأخرى خاصة تنصح بعدم استشارة النساء بسبب عواطفهن وشدة تأثرهن، إلا إذا كانت المرأة تتمتع بالوعي والثبات والصلابة المطلوبة.

وبناءً على ذلك، ليس صحيحًا القول إن كل الروايات تشير إلى استشارة الرجال فقط، فالمشورة مرتبطة بالحكمة والاستقامة وليس بالجنس.

فيما يخصّ مشورة النساء:

لا تشير الروايات العامة إلى جنس المستشار، ولا يمكن استنتاج حصر المشورة بالرجال أو النساء من خلالها، ولا هي روايات متقابلة تجمع بالأعم على المقيد. لذا فإن هذا الجمع لا يشمل جميع أبعاد الروايات المتنوعة، إذ مع وجود نهي عن مشورة النساء بسبب عواطفهن ومشاعرهن، ثمة إشارات إلى مشورة النساء المعتبرات والملتزمات، كما ورد في النهي الصريح عن مشورة الرجال غير المؤهلين. وبذلك، لا توجد في الروايات توصية خاصة بمشورة الرجال ولا نهي عن مشورة النساء العاقلات، وما يُقال بعدم وجود توصية لمشورة النساء يشابه القول بعدم وجود توصية لمشورة الرجال.

ويُقال إن السبب في نهي مشورة النساء يعود إلى عاطفة المرأة وميول الرجل نحو زوجته، والتوصية بعدم المشورة تأخذ بعين الاعتبار هذه الحساسية والدقة، وإلا فهناك توجيه في الروايات إلى مشورة النساء الصالحات، وليس من المألوف أن يُنكر وجود استحسان للمشورة من قبل النساء، بل يُستحسن المشورة مع النساء الصالحات كما هو الحال مع الرجال المؤهلين.

من مجموع هذه الروايات نستنتج أن قول الإمام علي (عليه السلام): “كل من يسلم تدبير أموره لامرأته فهو ملعون”، أو قول النبي (صلى الله عليه وآله): “اعملوا ضد رأي مشورة النساء في القتال”، وما ورد في المصادر الفقهية حول النساء، إنما يعزى إلى سببين: الأول هو العاطفة الغامرة لدى المرأة، والثاني هو ميل الرجل نحو المرأة الذي قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات عاطفية.

وعليه، لا يجوز إنكار هذه الحقائق العقلية والفطرية والدينية الواضحة في ظلال هذه الروايات بسهولة، ولا يجوز حذف الموضوع أو تأويله تأويلاً خاطئاً بسبب ضعف الفهم. بل ينبغي تفسير هذه الروايات تفسيراً صحيحاً وحكيماً، والاستفادة منها بشكل مناسب، لأن العقل والشريعة والفطرة والواقع متناسقة، ولا يوجد في لغة الشريعة أدنى ازدراء للمرأة، بل إن الدين يبيّن الفروق الطبيعية بين الجنسين التي تسهم في كمال كل منهما.

الفصل الرابع: المرأة والشهادة

من المشاكل التي تُثار في موضوع حقوق المرأة الاجتماعية، مع مساواتها للرجل في الإنسانية والصفات الفكرية، لماذا لا تُقبل شهادة المرأة على قدم المساواة مع شهادة الرجل؟ ولماذا تُحتكر شهادة الطلاق على الرجال فقط بحيث لا تكفي شهادة عدة نساء بدلاً من شهادة رجل واحد، بل لا تُقبل شهادة المرأة مع الرجل في هذا الشأن؟ ولماذا يُشترط في شهادة الطلاق وجود شاهدين عدلين من الرجال فقط؟

ولماذا في الحقوق المالية التي يُثبت فيها الحق بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، تُعد شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد؟ ولماذا في الأمور النسائية كالحيض والولادة والبكارة، التي يصعب على الرجال الاطلاع عليها، تُقبل شهادة الرجل إن أمكن، بينما لا تُقبل شهادة المرأة بمفردها إلا إذا كان عدد النساء الشاهدات أربع أو أكثر؟

شهادة المرأة في القرآن والروايات

في جواب هذه التساؤلات، نبدأ بمقدمة عن شهادة المرأة من منظور القرآن والروايات:

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ… وَاَسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَّامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء… ذَٰلِكُم أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (البقرة: 282)

فقد خطط الله تعالى بتدبير عقلي لهذا الأمر حتى يُغلق باب الشك والتردد في المعاملات والديون، خصوصاً في الأمور الاقتصادية المهمة، ليعيش الناس بسلام ووئام وتجنب الخلافات والنزاعات، ويطيعوا الله في راحتهم وطمأنينتهم.

أما إذا كان الله قد جعل شهادة امرأتين بدل رجل واحد، فلأن المرأة غالباً ما تكون أكثر عاطفة وأقل قدرة على الحفظ الدقيق والحساب الحاد للعقليات المجردة مقارنة بالرجل، وخاصة في مواقف الشهادة التي هي مهمة وحساسة، قد تطغى العواطف الطاهرة على القوة العقلية في المواقف النزاعية، فتضعف الحفظ وقد لا تستطيع المرأة نقل ما رأت أو سمعت بحيادية، وربما تأثرت بمشاعرها فتغير الحقيقة.

قول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في تفسيره لحديث الإمام علي (عليه السلام) عن الآية:

“إن الله جعل شهادة امرأتين بدلاً من شهادة رجل، بسبب نقصان عقل النساء ودينهن، فقال لعلهن مقيدات بالعاطفة أكثر من العقل. ثم خاطب علي (عليه السلام) النساء قائلاً: يا نساء، لقد خُلِقْتُنَّ محدودات في العقل والتعقل، وأُعطيتُن عواطف جياشة، فاحذرنّ أن تخطئن في الشهادة، فإن الله جعل لمن يحاول ضبط ما يرى ويسمع أجرًا عظيمًا.”

ومن هذا يُفهم أن المرأة تستحق الشهادة وتستطيع أن تكون شاهدة كالرجل، والاختلاف في الكم والنوع هو لأسباب تتعلق بالفروق الفطرية بين الجنسين، تماماً كما تختلف شروط شهادة الرجال حسب الموضوع.

حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في جواب امرأة سألت عن سبب مساواة شهادة امرأتين برجل واحد:

قال النبي (صلى الله عليه وآله):
“هذه النسبة التي أمر بها الله، وهو العدل الحكيم، لا ظلم فيها، فالنساء ناقصات عقل ودين. قالت المرأة: لماذا؟ قال: لأنكن تقصرن في الصلاة في أيام الحيض، وتكثرن من اللعن والسب، ولا تقدرن على الشكر، فإذا عشتِ مع زوجك عشر سنوات، ورأيت منه إحسانًا، فإذا صار فقيرًا أو وقع خلاف، تذمينه. فمن تخطت هذه الحالة فهي مبتلاة، وعليها الصبر، وله أجر عظيم.”

العواطف وتأثيرها على شهادة المرأة

لأن المرأة بطبيعتها أكثر عاطفة، ولأن الشهادة في النزاعات والخلافات قد تتسبب في إجهاد روحي، لم يشأ الإسلام أن يجهد المرأة في مثل هذه المواقف. لذا قيد شهادتها في بعض المسائل، وخاصة الطلاق، حفاظاً على روحها اللطيفة، في حين أقر شهادتها في القضايا المالية مع ترتيب يراعي هذه الفروق.

القسم من حيث كونه غاية مقصودة من الله تعالى له قد خصّه بعظمة خاصة، لكنه في مقابل شهادة الرجل أو المرأة يحتل مرتبة أدنى ومتأخرة، فهو في الواقع يُقام في حالة عدم إمكانية وجود شهادة للرجل أو المرأة. ولا بدّ من التنويه إلى أن القسم ليس الوسيلة الوحيدة للدفاع عن الرجل، بل يمكن للمرأة أيضاً أن تحلف في الحالات التي لا تتوافر فيها الشهادة لإثبات دعواها، وفي هذا الجانب تكون مساوية للرجل؛ فحينما لا يوجد دليل، يجب على المرأة والرجل أن يقسما بشروط متساوية.

ولا تقتصر أهمية القسم على فعل الرجل أو المرأة فقط، بل تعتمد أيضاً على ما يتعلّق به من حق، إذ إن القسم يتضمن ذكر اسم الله تعالى. ومن أجل تعظيم مكانة الإنسان في الشريعة، يكفي أن نعلم أنه رغم أن القسم هو عهد وميثاق مع الحق، فإن شهادة الإنسان تأتي مقدمة على القسم نفسه.

أما في أمور مثل الحيض، الولادة، العذرية وغيرها من الأمور التي بطبيعتها تكون من مجال شهادة النساء، ولكن يمكن للرجل في حالة الإمكان أن يشهد، فلا فرق بين المرأة والرجل من حيث الكم والكيف، ولا تقدم شهادة الرجل على شهادة المرأة. وعدم التفاوت في هذه المواضع يرجع إلى أن الشريعة لا تريد أن تثقل المرأة بهذه الأعباء أو أن تضيع حقوقها أو حقوق الآخرين من خلال غياب شهادة المرأة. وإلا فإن المرأة بطبيعتها في هذه المواضع أقدر على الإحاطة بالموضوع وشهادتها أكثر فاعلية.

لذلك، في المواضع التي تكون فيها المرأة أقدر من الرجل على الإحاطة والأداء، تأتي شهادة المرأة مقدمة، وفي غير ذلك لا تريد الشريعة أن تتورط المرأة في أحداث ومواقف غير ملائمة، أو تضيع الحقوق بسبب عدم وجود شاهد امرأة، فإذا قبلت شهادة الرجل في هذه المواضع، فذلك لأن المرأة وحدها لا تستطيع تحمل عبء الشهادة فيها، وهذا من كرم الله وفضله عليها.

أما عن السؤال الذي يقول: “لماذا يجب ألا تقل شهادة النساء في المواضع التي تُقبل فيها عن أربع نساء؟”، فالجواب هو أن المرأة بطبيعتها، بسبب عواطفها ومشاعرها، لا تتمتع بالتبصّر والعقلانية التي يمتاز بها الرجل، فهي منبع للعواطف والمشاعر، والشهادة مجال لا يتناسب مع العواطف، مما قد يجعل المرأة عرضة للانفعال في مثل هذه الأمور. لذا جاء الدين لحفظ حقوق الجميع، رجالاً ونساءً، فجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل سواء كانت منفردة أو مجتمعة، إذ إن المرأة في المواضع التي يوجد فيها نزاع وإنكار، وبسبب خصوصياتها النفسية ورقتها الروحية، مثل برميل بارود موضوع بجانب النار، حيث يمكن أن تنفجر بأقل مؤثر، وبناءً على هذا المبدأ، قيّد الدين شهادة المرأة، سواء بعدم قبول شهادتها في بعض المواضع، أو بتقييد قبول شهادتها بوجود الرجل، أو قبول شهادتها بعدد أكبر من الأشخاص، حيث يقل احتمال الخطأ مع زيادة عدد الشهود.

التقييد أم الإكرام؟

من منظور الإسلام، تتمتع المرأة والرجل بحرمة خاصة وقيمة إنسانية كاملة، وكل منهما يمثل تجسيدًا كاملاً للقدرة الإلهية، ويتعامل معهما بعدل تام في الحقوق. ولا توجد إلا اختلافات محدودة ومبررة بسبب خصوصيات الرجل والمرأة. فالتقييد المفروض على المرأة في بعض الأمور هو لطف وكرم لها لتخفيف الأعباء عنها، ولا ينبغي أن يُفهم هذا التمييز على أنه حرمان، لأن مثل هذه الفهم الخاطئ يحرم الإنسان من إدراك نعم الله وفضله، سواء في موضوع الدية، الإرث، الشهادة، أو في العبادات كالصلوات وغيرها.

وقد رسمت الشريعة أحكامًا مشتركة وأخرى خاصة بالمرأة والرجل، مع مراعاة ظروفهما النفسية والاجتماعية، بحيث في بعض المواضع لا تُقبل شهادة المرأة، وفي مواضع أخرى تُقبل بشروط محددة، وأحيانًا تُقبل شهادة امرأتين بدل رجل واحد. وفي جانب لها حق المهر ويجب على الرجل دفعه، وفي جانب آخر يكون نصيب المرأة من الإرث أقل من الرجل.

وقد وكل الإسلام النفقة وتأمين متطلبات الحياة وحماية الحياة الاجتماعية والأسرة للرجل، وفرض على المرأة طاعته فيما لا يخالف الشرع، وذاك لمصلحة ترسيخ دعائم الأسرة وتحقيق قوام الحياة الزوجية.

نعم، يتعامل الدين مع الجميع بإنصاف وكرم متناسب في جميع الجوانب، وإن كان فهم هذه الحقائق الدينية خاصة في هذه المواضيع لا يتيسر للجميع، وهذا ما أدى إلى بعض التصورات الخاطئة عن الدين وأدى إلى سلوكيات غير مناسبة تجاه المرأة، وربما نسبت هذه النتائج غير الصحيحة إلى الدين، لذا ينبغي العمل على تصحيح هذه الأفكار الخاطئة وتنقية الأذهان ورسم قوانين واضحة في هذا المجال، ليتم الحفاظ على صحة المجتمع وطهارته، وكذلك حماية الدين من الاتهامات الظالمة.

الفصل الثاني: المرأة والإمامة في الصلاة

من بين الوجوه البارزة في المناسبات التعبدية والسياسية في الإسلام، الصلاة الجماعية وصلاة الجمعة وصلاة عيد الفطر والأضحى وغيرها من الصلوات العامة والاجتماعية، ولكل منها شروط وأحكام خاصة. والصلاة الجماعية ـ على وجه الخصوص ـ لها شروط وأحكام مميزة، مثل البلوغ والعقل وكون الإمام رجلاً. وقراءة المرأة خلف امرأة في الصلاة الجماعية مقبولة عند كثير من الفقهاء، كما يدل عليه الدليل، ونحن أيضاً نقبل ذلك بقوة، ولكن هذا لا يعني عمومية حكم الإمامة للمرأة على الرجل.

على الإمام أن يكون ذا صلابة وعدالة وهيبة وفضيلة، وأن يتوفر له موقع الإظهار، وأن يكون معافى تماماً، بحيث لا يجوز للفرد السليم، حتى إذا كان واقفاً، أن يصلي خلف من له عذر كالمعاق أو من يصلي جالساً أو بالتيمم، لأن هذا الموقع يتطلب قدرة معينة. وكذلك صلاة الجمعة وصلاة الأعياد الإسلامية، التي هي من شؤون الحكم الإسلامي والإمام العادل، لها شروط وأعباء أشد، وهذا الموقع لا يتناسب مع المرأة.

ونظراً لأن صلاة الجمعة تحتوي على خطبتين ولا يمكن إقامتها بشكل فردي أو خفي أو بهدوء، ويجب على الناس الإنصات للخطبة، ويجب على الإمام أن يكون فصيح اللسان ويُلقي الخطبة بصوت مرتفع واضح، ومن جهة أخرى لا تُفرض على المرأة المشاركة في صلاة الجمعة ونحوها، يتضح أن خصائص هذه الصلاة لا تتلاءم مع موقع المرأة. وكذلك صلاة عيد الفطر والأضحى لها أحكامها وخصائصها التي لا تتناسب مع أوضاع المرأة، لذلك لا يجوز تولي هذه المناصب للنساء، لأن ذلك يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وأخلاقية ويتحملن مشقات كثيرة.

وبهذا يتضح سبب وجوب أداء هذه الأعمال من قبل الرجال، إذ أن صلاة الجمعة من الشؤون الاجتماعية ويجب على الإمام أن يؤديها بصوت عالٍ وواضح، وأن يظهر بمظهر مرتب وجميل، وأن يكون بيانه فصيحاً، ليكون في مرأى المؤمنين فيبعث السرور والقوة في القلوب، وهذه الصفات ليست من اللائق بالمرأة أن تعرض نفسها للعامة أو تظهر زينتها، بالإضافة إلى أن المرأة لا تستطيع دائماً الحضور للصلاة بسبب الحيض أو الحمل أو الولادة، وهذه أمور دائمة غير قابلة للتأجيل.

وبناءً على ما تقدم، لا يلزم أن تُعد الإمامة في صلاة الجمعة والجماعة من واجبات النساء، إضافة إلى أن أصل الحشمة والعفة العامة للمرأة تمنع ذلك، لأنه لو أصاب المرأة الحيض فجأة أثناء الصلاة الجماعية وسقط عنها التكليف، فكيف يكون وضعها؟ وما موقعها؟!

كما أن الشؤون العامة للمجتمع وموقع الحياء والعفة للمرأة لا يسمح بأن تتولى الإرشاد العام في صلاة الجمعة بهذه الحال، ولهذا السبب تستطيع المرأة أن تكون إماماً للنساء فقط، كما أن الفقه الشيعي لا يواجه مشكلة كبيرة في ذلك، رغم وجود اختلافات. ولا يجوز الاستدلال بالقياس على صحة إمامة المرأة للنساء في الصلاة الجماعية على صحة إمامتها في صلاة الجمعة، لأن القياس في الأمور العبادية غير جائز ويجب أن يكون لكل عبادة دليل خاص بها. وليس لدينا دليل شرعي على جواز ذلك في صلاة الجمعة.

الفصل الثالث: المرأة والقضاء

من المباحث السابقة يتضح أن القضاء أو الحاكمية العامة على المجتمع لا ينبغي أن تقع في دائرة المشاعر والصفات النسائية، فالرقة والحنان الأمومي والعاطفة لا تتلاءم مع قضايا العقوبات الجنائية، ومواجهة المجرمين الطغاة والجناة العنيفين.

الموقع الجسدي وتركيب الأعصاب والعواطف عند المرأة يستدعي ألا تواجه المجرمين مباشرة إلا في حالة الضرورة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «المرأة ريحانة وليست بقهرمانة»؛ أي المرأة زينة الحياة وليست بقوية الميدان.

لتقييم موضوع «قضاء المرأة» من الناحية الشرعية، نعرض أولاً مختصراً علمياً وفقهياً ثم نقدم رأينا مع استعراض الحجج والنقد باختصار، مع أمل تفصيله مستقبلاً.

قلة هي الأحكام الشرعية التي لا يوجد فيها اختلاف، ولكن حكم «حرمة قضاء المرأة» يبدو أنه محل إجماع لا خلاف فيه عند الشيعة وأهل السنة بكل فرقهم، وكذلك السيرة العملية للمسلمين من بداية الإسلام حتى اليوم.

في الفقه الشيعي، تُذكر هذه المسألة بألفاظ مثل: «بلا خلاف»، «لا إشكال»، «عدم الخلاف»، و«الإجماع على عدم انعقاد القضاء للمرأة».

وقد قال المحقق الحلي، صاحب «شرايع»، وهو كتاب مرجعي في فقه الشيعة:
«ولا ينعقد القضاء للمرأة وإن استكملت الشروط».

وكذلك قال الإمام الخميني (قده) في كتابه «تحرير الوسيلة»:
«يشترط في القاضي الذكورة»
ولا شرعية لقضاء المرأة، وهو يضع الذكورة ضمن شروط القطع مثل العقل والإيمان والعدالة.

وصاحب جواهر الكلام استدل على عدم صحة قضاء المرأة بالإجماع وبحديث النبي (صلى الله عليه وآله): «لا يفلح قوم ولهم امرأة»، وكذلك الحديث: «لا تتولى المرأة القضاء»، وأوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) بعدم صلاة الجمعة للمرأة وعدم توليها القضاء.

وخلص إلى القول: «لا أقل من الشك والأصل عدم الإذن»
أي أن الأصل في عدم الإذن للقضاء هو المسلّم حتى لو شك في الدلائل.

وهذه الآراء تعبر عن موقف الشرع، والمخالفة لها هي من أصحاب الأهواء أو غير المؤمنين بالدين أو المتأثرين بأفكار لائكية.

دلائل عدم جواز قضاء المرأة

أولاً: الآيات القرآنية

قال تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34)
وهذا يدل على أن الرجال مسؤولون عن إدارة شؤون النساء إلا في أمور خاصة بهن، لأن ثبات الإنسان مرتبط باعتدال عقله، والعواطف النسائية لا ينبغي أن تضرّ بثبات الأمور.

المصطلحات «رجال» و«نساء» عامة تشمل جميع النساء وليس فقط الزوجة.

وقوله تعالى:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228)
يفيد وجود درجة أعلى للرجال، وهذا يوجب أن تتولى الأعمال الخطيرة والمصيرية كالقصاص والقضاء من هم في موقع أعلى، أي الرجال.

وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير الآية: «خير الرجال من لا يظلم أهله ويحتويهم» مؤكداً أن القوامة ليست تعسفاً.

ثانياً: الأحاديث والروايات

من الروايات المهمة: رواية «عمربن حنظلة» التي يستند إليها في نصب القضاة في الغيبة، حيث يقول الإمام الصادق (عليه السلام) إن الحاكم لا يكون إلا من بين الرجال: «من كان منكم…» وهو لفظ لا يشمل النساء.

والروايات الأخرى تؤكد أن المرأة لا تتولى القضاء ولا الصلاة الجمعة، وأن رفض حكم المرأة يعتبر رفضاً لحكم الله وشركاً به.

البند الثاني: صحة حديث أبي خديجة

قال أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «احذروا أن يحاكم بعضكم بعضًا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئًا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيًا فتحاكموا إليه.» [237]

قال أبي خديجة: قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا تتوجهوا إلى قضّات الجور والحكام الظالمين من أهل السنة، بل انظروا إلى رجل منكم يفقه في بعض أحكامنا، واجعلوه قاضيًا عليكم، فقد جعلته قاضيًا لكم.»

وتبيّن عبارة «انظروا إلى رجل منكم» بوضوح وجوب كون القاضي رجلاً، ويتضح من هذا الحديث أن المقصود بـ«من كان منكم» في الرواية السابقة هو نفسه «رجل منكم». ففي الحديث السابق اعتمد على الضمير والالتفات، أما في هذا الحديث فصراحة في نفي ولاية المرأة على القضاء.

وفي ختام هذه الرواية ـ كما في السابقة ـ يقول الإمام عليه السلام: «فإني قد جعلته قاضيًا»، أي قد عينته قاضيًا عليكم. وهذه الرواية أفضل من السابقة من جهتين:

أولاً: لأنها نصت صراحة على كون القاضي رجلاً (رجل منكم)، بينما في الرواية السابقة كان الاعتماد على الضمير فقط.

ثانيًا: أن رواية عمر بن حنظلة ضعيفة السند ـ مع تعويض ضعفها بعمل الصحابة ـ أما رواية أبي خديجة فهي صحيحة ولا تحتاج إلى رواية تعويضية.

البند الثالث: الحديث النبوي

يُستند في كثير من أبواب الفقه، ومنها باب القضاء، إلى الحديث النبوي الذي ينهى عن تولي المرأة المناصب السلطانية:

«لا يفلح قوم وليتهم امرأة» [238]

أي: لن تنجح أمة يكون ولي أمرها امرأة. ويُقال: هذا الحديث به شُبُهات من حيث السند والدلالة، فهو يحتوي على مشكلة في السند، كما أنه من الأحاديث النبوية التي لم يُتمسك بها المعصومون صراحة، رغم تكرار عباراته بأشكال مختلفة ومتقاربة المعنى في كتب الشيعة والسنة، مثل:

«لن يفلح قوم تملكهم امرأة» [239]
«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [240]
«لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة» [241]

أي لن تنجح أمة يكون سيدها أو رئيسها امرأة أو تستند في أمورها إليها.

أما من جهة السند، ففيه إشكال في الإرسال، ولكنه ليس بمعنى أن المعصومين لم يتمسكوا به، بل ورد في عدة روايات عن الإمام الباقر عليه السلام، والحسين عليه السلام، وغيرهم من الأئمة عليهم السلام، تمسكوا بمعناه كما سنشير لاحقًا.

أما من جهة الدلالة، فقد يقال: إن الإمارة والحكم أشمل وأكبر من القضاء، إذ الإمارة هي الولاية والسلطة العامة، بينما القضاء أضيق منها، ولا يستتبع نفي الإمارة نفي القضاء بالضرورة.

وفي الرد نقول: القضاء هو نوع من الإمارة والسلطة، فكل قاضي هو حاكم في دائرة حكمه. وإن كان الحاكم له سيطرة أوسع، فإن القاضي وحده يتمتع بالسلطة القضائية الخاصة عمليًا.

وقد يُثار اعتراض بأن معنى «الفلاح» في الحديث يتعلق بالنجاح الروحي والأخروي، فلا يثبت به بطلان صحة القضاء وهو أمر دنيوي.

وفي الرد على ذلك: إذا كان عدم الفلاح الأخروي نتيجة لفعل دنيوي، فلا بد أن يؤثر ذلك على الأمر الدنيوي أيضًا، كما أن الحديث لا يحتوي على قرينة تدل على أن المقصود بالفلاح فقط الآخرة، بل سياق الكلام يدل على عواقب دنيوية كذلك. كما أن الفساد الدنيوي يؤدي إلى فقدان الفلاح الروحي والأخروي، لأن الصحة الدنيوية مرتبطة بنقاء المعنويات وسعادة الآخرة.

وعليه، يمكن القول إن هذا الحديث لا يخلو من الصحة سندًا ودلالةً، ومع استنادنا إلى الروايات الأخرى ومعرفة مذاق الشرع، يمكن الجزم بصحته وثبوته.

البند الرابع: رواية الإمام الباقر عليه السلام

روي عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا جماعة… ولا تولي المرأة القضاء ولا تلي الإمارة ولا تستشار.» [243]

في هذه الرواية، يرفع الإمام الباقر عليه السلام التكليف عن النساء في الأذان والإقامة، وصلاة الجمعة والجماعة، والولاية والقضاء والإمارة والاستشارة.

وقد يُعترض بأن «ليس على النساء» تدل فقط على رفع التكليف والوجوب، وليس على التحريم أو بطلان الصحة، كما هو الحال في الأذان والإقامة والجمعة التي لا تحرم على النساء. لذلك يمكن القول إن هذه الأمور ليست واجبة على النساء، لكن لا يدل على حرمتها إلا إذا أُثبت خلاف ذلك.

ولو قيل إن اختلاف الحكم على هذه الأمور التي ذكرت في صياغة واحدة يحتاج إلى قرينة، فالرد أن هناك قرائن واضحة في الروايات التي تنفي صحة ولاية المرأة والقضاء، وتثبت عدم وجوب الأذان والإقامة والجمعة على النساء.

وبالتالي، مع تجميع هذه الروايات وفهم مذاق الشرع، لا يبقى إشكال في دلالة رواية الإمام الباقر عليه السلام، خصوصًا مع وجود روايات مشابهة في كتب أخرى مثل «بحار الأ» التي تقول: «إن المرأة لا تولي القضاء ولا الإمارة.» [244]

وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال في رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام: «لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوَم لجمالها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة…» [245]

أي: ينبغي للمرأة أن تقتصر على أمورها الخاصة دون تجاوز ذلك، لما فيه صلاحها وراحتها وجمالها، فالمرأة زهرة ناعمة وليست محاربة صلبة. ويمكن للمجتهدة أن تأخذ برأيها ولكن لا يجوز للآخرين تقليدها، لأن هذا يفتح مجالًا يفوق حدود النساء ويعقّد المجتمع.

الأحكام العبادية والتوصيلية

بعد ذكر الأدلة المتعددة على عدم صحة قضاء المرأة، يأتي أمر مهم يحتاج إلى مقدمة:

تنقسم الأحكام الشرعية إلى نوعين: العبادية والتوصيلية.

الأحكام التوصيلية هي التي يراد تحققها فقط من الشارع، ولا يهتم بالكيفية، مثل تطهير الثوب النجس، سواء بنظافة صاحبه أو بالهواء أو غيره. وعند تحقق التطهير تحكم بالطهارة حتى لو لم ينتبه صاحب الثوب، ولا يترتب الشك في الطهارة على إبطال الحكم.

مثال آخر: إذا دفع الإنسان دينه وشك بعد الدفع هل كان المبلغ كاملاً أم لا، يُحكم بعدم وجود دين إضافي، والبراءة تسري.

أما الأحكام العبادية، فالشارع يطلبها مع قصد القربة، وجميع أركان العبادة يجب أن تكون متقنة، والشك في جزء منها يستوجب الاحتياط ولا يجوز تطبيق البراءة، لأن الشك يفقد اليقين بأداء العبادة.

وبالتالي، هناك اختلاف جوهري بين نوعي الأحكام، وقد يكون الأمر التوصيلي مع النيّة عبادة، لكن الأمر العبادي لا يقبل أن يكون توصلياً.

وعلى ذلك، فإن القضاة وإن لم تكن قضاء عبادة، فإن صحته لا تصح إلا بدليل، كما في الأحكام العبادية.

الأحكام الولائية والعادية

كما تقسم الأحكام الشرعية إلى أحكام «عادِيَة» وأحكام «ولائية».

العادية هي التي يكفي مجرد إجرائها، ولا تحتاج إذن الشرع، مثل الأعمال التجارية التي لا تكون محرمة. أما الولائية فهي التي تحتاج إلى تحقق الدليل والشرعية، مثل التكليفات التعبدية.

ونقول: القضاء من الأمور الولائية، لأن الأصل هو عدم الحكم الفردي على فرد آخر إلا بدليل خاص. فكل حكم أو قضاء فردي يحتاج إلى دليل معتبر، سواء صدر من رجل أو امرأة.

والفرق أن الرجال إذا توفرت فيهم الشروط، يكون الدليل على حجية قضائهم، أما النساء فلا يشملهن دليل الحجية حتى لو توفرت كل الشروط كالعدل والعلم.

فحتى في حالة الشك في الأدلة كلها، لا يجوز قضاء المرأة، لأن الشك في صحة قضائها يظل محتملًا، ويعود الأصل إلى عدم الصحة، ولا يمكن الدفاع عن صحة قضاءها.

القضاء من الأمور التي يجب أن يكون لها «دليل إحرازي» لإثبات صحتها، ولا يكفي مجرد عدم وجود دليل على فسادها.

النتيجة: الأصل في صحة القضاء

نخلص إلى أن القضاء مرتبط بوجود دليل شرعي يصحح حكمه، فالأصل عدم وجود حكم شرعي لأي شخص دون شرط. ومن شروط صحة القضاء أن يكون القاضي رجلاً، وإذا كان هناك شك في صحة قضاء المرأة، فإن القضاء النسائي لا يُعد شرعيًا.

فالقضاء من الأحكام الولائية التي تحتاج إلى دليل خاص. ولا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء.

مشاركة المرأة في الجهاز القضائي

أوضحنا أن القضاء من المناصب التي لا يتولاها النساء، وهو من المسؤوليات الكبيرة التي تختص بالرجال ذوي الشروط الخاصة كالعدل والعلم والعقل.

وكثير من الرجال الذين لا يستوفون هذه الشروط لا يجوز لهم القضاء كالنساء.

ويجب الانتباه إلى أن عدم شرعية القضاء يؤثر على آثار الأحكام، فإن حكم القاضي غير المستوفي للشروط لا يعتد به، ويعتبر تصرفًا عدوانيًا، ويلزم القاضي بما ينتج عنه من آثار شرعية وقانونية.

الباب الرابع: المرأة والزعامة الدينية

نختم الآن بقوله: كل ما ذُكر يتعلق بأصل القضاء والحكم، وأصل القضاوة بحد ذاتها بعيد عن موقع المرأة، أما الأمور الجانبية للقضاء مثل التحقيقات الابتدائية، تشكيل وتكميل الملف، الإدارة الإدارية للفرع، المساعدة والتعاون والمساندات الشعبية المرتبطة بالقضاء، وغيرها من الأمور التي لا يشارك فيها الفرد مباشرةً في إصدار الحكم الشرعي أو في التعامل مع قضايا الجنائيين والمتهمين، فهي جائزة للمرأة، ويمكن لها أن تشارك وتتدخل في هذه المجالات. كما أن المساعدات القضائية والعلوم المتعلقة بالقضاء وعلوم الجريمة، وخاصة في مجال النساء، ليست فقط جائزة بل مستحسنة وضرورية، وأحياناً تكون من مقتضيات الضرورة الخاصة.

السؤال الأساسي الآخر الذي يُطرح بالنسبة إلى المرأة هو: لماذا لا يجوز لها القيادة الدينية، والمرجعية الفقهية، وإصدار الفتاوى؟ إذا توافرت لديها الشروط، لماذا لا تُعتبر مرجعاً صحيحاً، ولا يُعمل بفتواها، ولا يمكنها تحمل الزعامة الدينية؟

لو كانت امرأة قد اجتازت المراتب العلمية اللازمة، وتمتلك العلم الكافي والتخصص في الفقه والأحكام الشرعية، فما المانع من أن يقبلها الرجال والنساء كمرجع ديني ويتبعوها؟

لو كانت امرأة تتمتع بالعلم، والذكاء، والحسم، والكفاءة، وقادرة على قيادة المجتمع الإسلامي وإدارته، لماذا لا تتحمل هذه المسؤولية الخطيرة وتستثمر قدراتها في هذا المجال؟

هل المعرفة، والعقلانية، والفهم، والقدرة على الإدارة حكراً على الرجال فقط؟ هل جميع النساء محرومات من هذه الصفات بحيث يمنع الإسلام المرأة من أن تتبوأ مكانة الإفتاء والزعامة الدينية وقيادة المؤمنين؟ مع أن هناك نساء يمتلكن هذه المواصفات والقدرات بشكل مماثل للرجال.

في الإجابة على هذا الإشكال، هناك ثلاثة أبعاد مختلفة يجب مراعاتها لكل منها:

  1. إمكانية الاجتهاد واستخلاص المرأة لأحكامها الشرعية: هل تستطيع المرأة أن تعمل باجتهادها ورأيها الخاص؟ أم يجب عليها دائماً اتباع مجتهد رجل حتى لو كانت مجتهدة؟
  2. إذا كانت المرأة مجتهدة وتمتلك شروط الإفتاء، هل يمكن للرجال والنساء اتباعها؟ هل يمكنها أن تتولى الزعامة الدينية وتجيب على المسائل الشرعية لمجتمع الناس؟
  3. هل تستطيع المرأة المجتهدة، إلى جانب إصدار الفتاوى واتباعها، أن تتولى المناصب الدينية العليا مثل تصرفات الإمام، والولاية على الصغار، والولاية العامة على المجتمع، وتكون مسؤولة عن تنفيذ الأحكام الإلهية في المجتمع؟

من حيث الحرية المتساوية للرجل والمرأة في اكتساب الفضائل، كلاهما يملكان القدرة والحرية نفسها في تحصيل الفضائل العلمية، والأخلاقية، وغيرها من الفضائل والكمالات، كالعلوم، والفنون، والمهن، وغيرها. ولا يحتاج تحصيل هذه الفضائل إلى إذن شرعي مسبق.

المرأة يمكن أن تكون شاعرة، أو مجتهدة، أو متخصصة في العلوم والفنون، دون أن يُشكك في علمها أو موهبتها، تماماً كما لا يُشكك في جمال الإنسان إذا كان جميلًا.

أما بخصوص سؤال هل يجوز للمرأة أن تستفيد من اجتهادها وتعمل برأيها؟ فلا يوجد دليل يمنعها من العمل بآرائها واجتهادها، وحتى يجب عليها الاستفادة من علمها. لكن هناك فرق بين العمل برأي شخصي وبين إصدار الفتوى التي هي مقام الزعامة الدينية وتحديد مصير الدين والمجتمع.

فيما يتعلق بإمكانية المرأة أن تكون مرجعا للفتوى والزعامة الدينية، فلا دليل شرعي على جواز عمل الناس بفتوى المرأة المجتهدة، ولا على جواز تولي المرأة المناصب الولاية التي تختص بالأنبياء والأولياء المعصومين.

حتى لو كان هناك شك، فإن الأصل هو عدم الشرعية، ولا يجوز تولي المرأة مثل هذه المناصب.

أما الدليل على منع المرأة من الإفتاء والزعامة فهو عقلي ونقلي:

  1. لا يجب أن تُحمّل المرأة عواطفها مسؤوليات كبيرة في شؤون المجتمع الكبرى.
  2. يجب حفظ المرأة من الانشغال بالأعمال الثقيلة.
  3. الإفتاء يعني أن تكون المرجع الذي يُسأل ويُرجع إليه، بينما الشريعة لا ترضى أن تُعرض المرأة لمثل هذه المواقف التي قد تمس عفافها وخصوصيتها.
  4. سيرة الأنبياء والأئمة معصومين تشير إلى أن جميعهم رجال، ولا توجد امرأة نبيّة أو إمامة في التاريخ، وهذا دلالة على عدم موقعيّة المرأة في هذه المناصب.

وأخيرًا، الإفتاء ليس مجرد نقل الأحاديث أو الأخبار، بل هو استنباط الأحكام الشرعية بناءً على العلم الشرعي، وهو مقام يتطلب شروطًا خاصة، والمرأة لا تناسبها هذه الشروط من وجهة نظر الشرع.

نقل الأحاديث من قبل النساء جائز وموثوق، ولكن إصدار الفتوى يختلف عن نقل الخبر، ويتطلب اجتهاداً خاصاً ومسؤولية لا يجوز للمرأة توليها.

الأدلّة الشرعية

في البداية، استنادًا إلى ما سبق من آيات ورد ذكرها مسبقًا، نتمسّك باثنين منها:
«الرّجالُ قَوّامونَ على النّساء…»[250]
«وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ وَلِلرِّجالِ دَرَجَةٌ»[251]

ومن خلال هذا النصّ نستنتج، بسبب قيام الرجال على النساء وفضل درجتهم عليهم، أنه لا ينبغي إشغال المرأة بالأعمال الكبرى. وبما أن هاتين الآيتين ذُكرتا في سياق القضاء، فقد اعتبرنا عدم الحاجة إلى إعادة التوضيح.

القيادة الدينية للمرأة

ننتقل الآن إلى السؤال الثالث: لماذا لا ينبغي للمرأة أن تتولى المناصب الدينية المهمة والزعامة الشرعية؟

بكل تأكيد، مع الإجابة على الأسئلة السابقة يتضح جواب هذا السؤال، ولكن لزيادة الوضوح نقول: كل ما ذُكر بشأن منع تولّي المرأة القضاء وإصدار الفتوى، ينطبق أيضًا هنا؛ سواء كان بسبب انصراف هذه المناصب عن المرأة، أو بوضوح السبب، أو بدليل الاقتضاء والأولوية.

فإذا كان تولّي القضاء، وهو حكم جزئي، وفتوى الأحكام الشرعية ـ التي لا تشكل انشغالًا عمليًا دائمًا ـ غير جائز للمرأة شرعًا، فكيف يُسمح لها بالزعامة الكلية والخارجية؟ إذ إن أعلى المناصب الدينية هي الولاية الشرعية وعزل وتعيين المسؤولين الاجتماعيين والدينيين، ومع غياب الجواز لصحة هذا الأمر للمرأة، فهي أيضًا تفتقر للقدرة على تصدي هذه المناصب.

وقد ذكر المرحوم كمباني، رغم اعتراضه على صحة فتوى المرأة، أن عدم حضور المرأة في هذه المناصب أمر بديهي وخالٍ من الإشكال، ولا يحتاج إلى نقاش وتحقيق.[252]

الدلائل النقلية

من دلائلنا النقلية: «حسنة أبي خديجة» حيث ورد: «ولكن انظروا إلى رجل منكم» و«مقبولة عمر بن حنظلة» حيث قال: «من كان منكم» في مسألة تعيين القضاة في الغيبة، وهاتان الروايتان تستندان إلى أن القاضي يجب أن يكون رجلاً.

وقد تثار شبهة في دلالة هاتين الروايتين، نوجزها كما يلي:

الشبهة الأولى: رغم أن هاتين الروايتين تدلان على رجولة القاضي، إلا أن شرط الرجولة خاص بالقضاء فقط وليس بالفتوى أو الزعامة.

الجواب: القضاء حكم جزئي، فإذا كان حكم تولّي المرأة للقضاء غير جائز في الجزئي، فالمنع يصبح قطعيًا بالنسبة للفتوى والزعامة الكلية، بسبب الأولوية والاقتضاء. كما أن مشروعية الزعامة العامة، التي هي في قمة الشؤون الاجتماعية، مرتبطة بتحقق شروط صحة الأمور السابقة. وعليه، إذ يأمر الشرع في قضية جزئية (القضاء) بالرجوع إلى رجل منكم، فيكون من المؤكد أن الزعامة الكلية (الفتوى العامة) لا تكون إلا للرجل.

الشبهة الثانية: قد يكون شرط الرجولة في الروايتين بسبب الغالبية، حيث كان أغلب القضاة والمفتين في زمانهم من الرجال، لذا قال الإمام (عليه السلام): «ارجعوا إلى رجل منكم»، وليس هناك دليل على منع المرأة شرعًا من القضاء والفتوى.

الجواب: عبارة «رجل منكم» لا يمكن أن تكون مجرد غالبية إذا وجدت قرائن تدل على العكس. في نقول الروايات، يوجد راويات نساء، لكن في مجال القضاء والفتوى والزعامة لم تسجل حالة واحدة لامرأة تولت هذه المناصب في التاريخ الإسلامي.

ولو كان للمرأة جواز ذلك، لما منعت من ذلك حتى من قبل الخلفاء الجور، ولا كانت النساء أنفسهنّ يمتنعن عن الترشح. إذن، لا قرينة على أن «رجل منكم» تعني غالبية فقط.

وقد عبّر بعض العلماء، كآية الله الخوئي ()، عن هذا الرأي بأن:
«عدم ذكر النساء في باب القضاء بسبب قلة أعدادهنّ لا بسبب الالتزام الشرعي والاحتكار للرجل».[253]

وبناءً عليه، الروايات ليست مجرد أغلبية أو نقل خبر، بل هي دلالة على الحصر الشرعي، وما دام هناك شكّ، يُرجح الحصر.

السيرة العملية والواقعية

أيضًا، السيرة العملية الشيعية والإسلامية عبر التاريخ لم تعرف تولي المرأة القضاء أو الفتوى أو الزعامة الشرعية، ولا حتى خلفاء الجور أعطوها ذلك. ولو كان ذلك جائزًا، لكان على الأقل في تاريخ طويل شهدنا امرأة واحدة على هذه المناصب. وجود نساء فاضلات كان ممكنًا للترشح لمثل هذه المناصب جزئيًا، لكنه لم يحدث.

لكن للأسف، هذا الأمر استُغل ليحرمن النساء من حقوقهن الاجتماعية.

لذا ينبغي أن نوجه جهودنا نحو إزالة العقبات الاجتماعية التي تمنع حقوق المرأة الطبيعية، لا أن نصرّ على إثبات ما هو غير جائز شرعًا، حتى لا نصبح متطرفين أو مفرّطين في حقّ المرأة.

مجال مناصب الفقيه

لتوضيح المجال، يمكن حصر المناصب الشرعية للفقهاء كما يلي:

أ) الفتوى في الأمور التي يحتاجها الجميع.
ب) الحكم الشرعي في جميع المنازعات القضائية وغير القضائية.
ج) الولاية على أموال وأنفس الناس في كل الأمور التي تحتاج إلى الفقيه، سواء اتخاذ القرارات بشكل مستقل أو منح التصرف للآخرين.

المقومان الأخيران يشملان كل الشؤون الاجتماعية، من حدود شرعية إلى تحصيل حقوق الناس، وكلها مسؤوليات فقيه.

وهذه المهام ليست سهلة حتى على الرجال، فكيف بها على المرأة؟

بالطبع، هذا غير شامل القيادة العامة الشاملة التي سنناقشها لاحقًا.[254]

خاتمة: المرأة والقيادة

من الملاحظ أن مناصب القيادة، التي هي أساس بناء المجتمع، لا ينبغي أن تُسند إلى المشاعر والحنان النسوي، لأن هذه المناصب تتطلب الحزم، الجهد، والرؤية الشاملة.

لا يجب أن نعرض المجتمع لتقلبات المشاعر الأنثوية، ولا يجب تحميل المرأة أعباء المسؤوليات الدينية والاجتماعية الثقيلة، التي تتجاوز قدرتها، حتى وإن بدت هذه المطالب مؤيدة لحقوق المرأة.

من المخجل أن يُعتبر حكمة الله ظلمًا أو حكرًا للرجال، ويُطلب من النساء تولّي مناصب لا تناسبهنّ، بينما تُترك تربية الأطفال والشؤون المنزلية لمن هم أقدر على ذلك.

المرجعية الشرعية – عند انفصالها عن القيادة الاجتماعية – من تكاليف وشؤون الرجل، والقيادة الدينية والاجتماعية، التي هي أثقل حملًا على الفرد، هي من تكاليف وشؤون الرجل كذلك. وبديهي أن هذه المسألة الكبرى هي أعظم القضايا، ولا يجوز تعريض مصير المجتمع والأمة للخطر لتسهيل مكائد السياسة.

ومن الواضح أن في الأوعية العُليا، جميع الأنبياء والأئمة الهدى عليهم السلام عبر التاريخ البشري والحياة الدينية كانوا رجالًا، مع وجود نساء صالحات ومطهرات كالسيدة فاطمة عليها السلام والسيدة خديجة عليها السلام والسيدة زينب عليها السلام والسيدة مريم عليها السلام وآلاف النساء الفضليات.

وكما ذُكر سابقًا، الاجتهاد للمرأة أمر ممكن، وإذا بلغت المرأة مقام الاجتهاد، فتعمل برأيها واجتهادها ويُحرم عليها التقليد، ولكن المرجعية الشرعية في التقليد للآخرين – من رجال أو نساء – ولا تصرفات الولاية وتولي شؤونها للمرأة ليست ضرورية، والمجتمع غير محتاج إليها، فضلاً عن أن المرأة لا تقدر على استيفاء هذا الأمر الخطير.

رئاسة المرأة وملكة سبأ

في هذا السياق، حاول بعضهم إثبات القيادة وموقعية الرئاسة والحكم للمرأة بالتمسك بقصة ملكة سبأ بلقيس، المذكورة في الآيات 22 إلى 44 من سورة النمل في القرآن الكريم، وذكروا مزايا لها ليست ذات قيمة علمية أو أساس منطقي. وحسب آيات القرآن الكريم، فإن ملكة سبأ كانت تحكم قومًا كافرين وعبدة للشمس، وكانت هي نفسها على هذا الدين، وكان الشيطان مسيطراً على أفكارهم جميعًا.

فكيف يمكن أن يُعتبر عمل قوم لا يؤمنون بالله الواحد، ويزين لهم الشيطان أعمالهم، معيارًا لتثبيت رئاسة أو حكم المرأة – هذا الكائن الرقيق، اللطيف، الحساس – وتوريط روح أجمل زهور الخلق في المشكلات والأزمات والمعاناة والخذلان والمهانة التي تنجم عن الحكم؟ وقد أشار القرآن الكريم من لسان بلقيس إلى بعض هذه النتائج السلبية.

فإذا كانت المرأة في موقع القيادة وتعرضت لهجوم الأجانب، فستتعرض حتمًا لمثل هذه المشكلات.

ومن هنا، في بعض الروايات، وُجِّه نقد وعتاب لطاعة قوم سبأ لحكم امرأة، ونكتفي بذكر بعض الروايات كمثال:

رئاسة المرأة وركود المجتمع

قال الإمام الحسين عليه السلام في منزل «الثعلبية» ردًا على سؤال «أباهرة الأزدي» عن سبب خروجه من بيت الله، بعد بيان طويل:

“والله إن أهل ظلم وظلم سيقتلونني، وعند ذلك يكسوهم الله لباس الذل العام، ويخضعهم بسيفٍ حاد، ويجعل عليهم حاكمًا يذلهم ذلًا لا يزال، أكثر مما كان قوم سبأ الذين ملكتهم امرأة وحكمت في أموالهم وأنفسهم.”

في هذه الرواية، يعتبر الإمام (عليه السلام) حكم المرأة سببًا لذل وهوان المجتمع، حتى ولو كانت الملكة بلقيس ذات موقع القيادة.

وفي رواية أخرى، قال الإمام (عليه السلام) ردًا على شخص:

“إن هؤلاء قد أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قتلي، فإذا فعلوا ذلك ولم يتركوا محرماً من محرمات الله إلا انتهكوه، بعث الله عليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من قوم الأمة.”

في هذه الرواية أيضًا، ذم الإمام (عليه السلام) حكم المرأة واعتبره أمرًا سيئًا، وذكر المرأة بلفظ مذموم (“كَنِيز”)، مع أن هذا اللفظ لا ينطبق على بلقيس.

حكم ابنة كسرى

في رواية واردة في «صحيح البخاري» جاء:

“عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرس ملكوا ابنةً، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.”

وفي رواية أخرى، يقول الإمام الباقر (عليه السلام) عن مؤامرات طلحة وزبير في معركة الجمل:

“ورأيتُ أنه لو تركتهم لأن أساعدهم على ما هم فيه من التنازع وسفك الدماء وقتل الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والطموحات على كل حال، كعادة بني الأصفر ومن صبغهم من ملوك سبأ والأمم الخالية.”

وفي رواية عن أبي بكرة قال:

“عندما وصل طلحه وزبير إلى البصرة، تشبثت بسيفي وكنت أنوي نصرتهم، فلقيت عائشة، وكانت تأمر وتنهى، وكنت أتذكر حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم تدبر أمرهم امرأة، فانصرفت واعتزلتهم.”

من هذه الروايات، يتبين أن القيادة وإدارة شؤون أي أمة يجب أن تكون من نصيب الرجال المفكرين والورعين، حتى لا تسبب المشاعر النسائية مشاكل وأخطاء لا داعي لها في الأزمات.

المرأة وإن وصلت إلى المراتب الروحية العالية، كأن تذهل النبي زكريا عليه السلام، لكنها لا تصبح نبيّة؛ لأن مقام القيادة والولاية الذي هو من شؤون الفتوة والكسوة والأولياء الحق، لا يتوافق مع خصائص المرأة أو حتى الرجل الذي يفتقر إلى الكمال. وتولي هذه المناصب الكبرى للغير أهليها هو اغتصاب له آثار سلبية دينية واجتماعية.

الكلمة الأخيرة

المرأة والرجل كلاهما إنسان، والكمال الإنساني متاح للجميع، لكن الإمكانات والقدرات ليست متساوية. ففي بعض الجوانب، للرجل قدرة وتميّز أكبر، ويلعب الدور الأساسي، وفي جوانب أخرى، تتفوق المرأة بخصائصها وقدراتها، حيث يجب أن تقوم بدور رائد.

لذا، لتحقيق الكمال الإنساني للمرأة والرجل يجب وضع كل منهما في موقعه الطبيعي وفق الحكمة والعناية.

لا يوجد سبب يستدعي تدخل الرجال في كل شؤون النساء، كما لا ينبغي للنساء التدخل في كل شؤون المجتمع والرجال. نسبة تولي الرجال للمناصب الاجتماعية أعلى، مقابل مسؤولية المرأة الأكبر في الأسرة والعاطفة تجاه الزوج والأبناء.

وعليه، لا ينبغي اعتبار القيود في بعض الجوانب ظلمًا أو انتقاصًا لحقوق المرأة. كثير من الدعم السياسي والاقتصادي للنساء يحمل رياء واستغلالًا، كما هو واضح في العالم المتجدد اليوم حيث يحتكر الرجال المناصب الحيوية والأساسية، والنساء تُستخدم أحيانًا في أدوار عرضية أو تدفع نحو أدوار صعبة ومؤلمة.

ويجب أن لا نتجاهل أوجه القصور والظلم الواقع على المرأة تاريخيًا وحاضرًا، ولا يجب أن نلصق هذه الفوضى بالدين.

مصادر المجلد الرابع

  • القرآن الكريم
  • آمدي، عبد الواحد، غرر الحكم و درر الكلم، طهران، مؤسسة نشر و طباعة جامعة طهران، الطبعة الثالثة، 1360 هـ ش.
  • ابن أبي جمهور، محمد بن علي، غوالي اللآلي، قم، مطبعة سيد الشهداء، الطبعة الأولى، 1403 هـ ق.
  • ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار إحياء الكتب العربية، 1378 هـ ق.
  • ابن حنبل، أحمد، المسند، بيروت، دار صادر.
  • الأصفهاني، محمد حسين، الاجتهاد و التقليد، دار الكتب الإسلامية، 1376 هـ ق.
  • البحراني، حسن بن علي، تحف العقول، قم، منشورات مكتبة بصيرتي، 1394 هـ ق.
  • البحراني، يوسف، الحدائق الناظرة، طهران، دار الكتب الإسلامية.
  • الترمذي، محمد بن عيسى، السنن، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
  • الجعفي، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، لبنان، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1313 هـ ق.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة، الطبعة الرابعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1391 هـ ق.
  • الحويزي، علي بن عبد جمعه العروسي، تفسير نور الثقلين، الطبعة الثانية، قم، مؤسسة الإسماعيليين، 1383 هـ ق.
  • الخميني (الإمام روح الله الموسوي)، تحرير الوسيلة، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، الطبعة الثانية، 1390 هـ ق.
  • الصدوق، محمد بن علي، الخصال، بتحقيق علي أكبر الغفاري، قم، مكتبة الصدوق، 1389 هـ ق.
  • ــــــــــ، ـــــــــــــــــ، علل الشرائع، النجف الأشرف، مكتبة الحيدرية، 1385 هـ ق.
  • ــــــــــ، ـــــــــــــــــ، من لا يحضره الفقيه، طهران، مكتبة الصدوق، 1392 هـ ق.
  • الطبرسي، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، النجف الأشرف، مطبعة الحيدرية، 1391 هـ ق.
  • الطبرسي، أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، الطبعة الأولى، مصر، مكتبة القدسي، 1356 هـ ق.
  • الطوس، محمد بن الحسن، أمالي، الطبعة الأولى، قم، دار الثقافة، 1414 هـ ق.
  • ــــــــ، ـــــــــــــــــــ، الخلاف، قم، دار الكتب العلمية (الإسماعيليين).
  • الفاضل الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللسام، طباعة حجرية، الناشر عبد الحسين سمسار أصفهاني.
  • فيض الإسلام، علي نقي، ترجمة و شرح نهج البلاغة، 1351 هـ ش.
  • كراجكي، محمد بن علي، كنز الفوائد، قم، مكتبة المصطفي، 1307 هـ ق.
  • كليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي، الطبعة الثانية، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1367 هـ ش.
  • المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال في أحوال الرجال، طهران، جهان، 1349 هـ ق.
  • المتقي الهندي، علي، كنز العمال، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1409 هـ ق.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأ، طهران، دار الكتب الإسلامية.
  • المفيد، محمد بن محمد بن نعمان، الاختصاص، النجف، مطبعة الحيدرية، 1390 هـ ق.
  • النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، النجف، مطبعة النعمان.
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، دار الكتب الإسلامية، 1392 هـ ق.
  • النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1392 هـ ق.
  • اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1392 هـ ق.
  • التوراة، المنسوب إلى النبي موسى عليه السلام، جمعية نشر الكتب المقدسة، 1981 م.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V