صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المرأة والحرية تحليل، دراسة ونقد الكتاب «نظام حقوق المرأة في الإسلام» تأليف الشهيد مرتضى مطهري (رحمه الله)

نشر في آذر 13, 1404 في

المرأة والحرية

تحليل، دراسة ونقد الكتاب

«نظام حقوق المرأة في الإسلام»

تأليف الشهيد مرتضى مطهري (رحمه الله)

السيد آية الله العظمى

بيانات المؤلف:
، ، 1327 هـ ش.

عنوان العمل واسم المؤلف:
المرأة والحرية: الحقوق الطبيعية للنساء
نقد كتاب “نظام حقوق المرأة في الإسلام” للشهيد مرتضى مطهري
تحليل، نقد ودراسة: .

بيانات النشر:
إسلام شهر، دار ال، 1401 هـ ش.
عدد الصفحات: 242 صفحة.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-600-7347-33-1.

مقدمة

هذا الكتاب هو تحليل، دراسة ونقد لكتاب «نظام حقوق المرأة في الإسلام» الذي ألفه آية الله الشهيد مرتضى مطهري. وقد كتب الشهيد المطهري هذا الكتاب على شكل سلسلة مقالات في أعوام 1345 و1346 هـ ش، ونشرت في مجلة «المرأة اليوم» آنذاك. وكان دافع كتابة هذه المقالات هو المقترحات التي كانت تقدم آنذاك لتغيير القوانين المدنية المتعلقة بحقوق الأسرة وتحسين وضع المرأة من قبل المفكرين والمجددين في ذلك الزمن.

قضية المرأة وحقوقها وحرياتها في عالمنا المعاصر قضية حيوية ومعاصرة حتى أنها دخلت الاستراتيجيات السياسية وارتبطت بها ارتباطًا وثيقًا. أما في العقود الماضية، فلم تكن هذه القضية تلقى اهتمامًا عامًا يذكر بين الشباب، وذلك استنادًا إلى الآيات والأحاديث دون تحليل علمي وبدون التزام بمنهجية البحث العلمي.

إذا كان كتاب «نظام حقوق المرأة في الإسلام» للشهيد مطهري لا يزال يُعتبر مرجعًا، فذلك لأنه تناول موضوع المرأة وحرياتها بأسلوب تخصصي وفني. إذ نظر الكاتب، كفيلسوف حر، إلى الموضوع بدقة، مستعينًا أحيانًا بالاستقراء وأحيانًا أخرى بالاستدلال والأمثلة، بلغة شعبية ومبسطة. ومع ذلك، فإن ارتباطه بالأصول الفقهية وافتقاده إلى النقد الفقهي الصحيح تسبب في معاناة الكتاب حدّ التقليل من الحريات المشروعة للمجتمع النسائي، خلافًا لكتاب «المرأة في مرآة الجلال والجمال» للآية الله جوادي الآملی، الذي أجرينا تحليلاً ونقدًا له أيضًا، ووجدنا أنه يعاني من ضعف في لغة الحوار العلمي والمنهجية، ويعتمد على الآيات والأحاديث بشكل خطابي وجدلي، متجنبًا التعمق في تحليلات فقهية محددة. وهذا، رغم أن مؤلفه يُعتبر عالمًا منطقيًا وفيلسوفًا معروفًا، إلا أن المجتمع العلمي يطلب منه معايير أعلى وأكثر دقة مما هو مقدم في ذلك الكتاب.

تهدف كلا الدراستين إلى الإجابة عن السؤال الأساسي: هل الحقوق الطبيعية والإنسانية للمرأة والرجل متساوية ومتطابقة، أم أنهما مختلفتان؟ هل الطبيعة والخلق تنظر إلى الحقوق الإنسانية باعتبارها واحدة غير متمايزة بين الجنسين، كما يرى الشهيد مطهري، أم أن هناك اختلافات طبيعية تُفرِق بين حقوق الرجل وحقوق المرأة؟ ويذهب الكتاب الأول إلى أن حقوق المرأة والرجل طبيعية ومختلفة، ولكل منهما حقوق فطرية وكونية، وأن مخالفة هذا الأصل تؤدي إلى عواقب سلبية.

يذكر الشهيد مطهري في مقدمة كتابه أن القرآن الكريم – سواء من مؤيد أو معارض – أقر بحقوق المرأة، وأن القرآن كان دائمًا محافظًا على طبيعة المرأة كما خلقتها، حيث هناك توافق تام بين أوامر القرآن وأوامر الطبيعة، فالمرأة في القرآن هي المرأة في الطبيعة.

ويتابع أن القوانين الإسلامية التي تتعلق بحقوق الأزواج وعلاقاتهم مع بعضهم البعض أو مع الأطفال أو غيرهم، قد تم استعراضها وتحليلها، حيث تم إثبات أنها مبنية على اعتبارات نفسية وطبيعية واجتماعية دقيقة، مع مراعاة الكرامة الإنسانية للمرأة والرجل على حد سواء.

أما الكتاب الثاني، فينطلق من أن المرأة والرجل مرتبطان بالجسد فقط ولا تأثير للجنس على الروح. وقد أظهر تحليلنا ونقدنا للكتاب الثاني قصر نظره وعيوبه في الإجابة عن السؤال المطروح.

في النهاية، يشير الكاتب إلى أهمية دراسة قضايا المرأة، باعتبارها من الموضوعات الحيوية والجذابة في العصر الحديث، مستشهدًا بتقرير من كتاب تاريخ الحضارة لويل ديورانت الذي قال إن أكبر حدث في الربع الأول من القرن العشرين لم يكن الحرب أو الثورة الروسية، بل كان تحول وضع المرأة.

وبناءً على ذلك، فإن مطالبة المجتمع اليوم بتوفير إجابات علمية وعملية لقضايا المرأة أمر ضروري.

النقد المقدم للكتابين يهدف إلى إزالة الشوائب عن بعض المفاهيم الدينية والعلمية المتعلقة بالمرأة، وإلى إعادة النظر في القوانين التي كانت متجحفة أو غير مناسبة نتيجة تغيّر الواقع.

في الإسلام، تستند الحقوق إلى الفقه، والفقه يتطلب الاجتهاد والاستخلاص العلمي المستمر، ويجب أن تكون دراسة حقوق المرأة مبنية على فهم دقيق ومعاصر للموضوع.

ختامًا،
أعرب عن أمنيتي أن تحظى هذه الدراسة بالقبول والاهتمام من قبل المجتمع العلمي.

إن حقوق المرأة من جهة، هي قضية اجتماعية تتطلب معرفة عميقة بمجال علم الاجتماع لفهم موضوع المرأة بشكل كامل، ومن جهة أخرى هي منبثقة من طبيعتها ومنسجمة معها، بل هي نابعة من علاقات الوجود والظهور، لذلك فإن معرفة هذا الموضوع تتطلب الاعتماد على الفلسفة، وعلم التصوف، والعلوم الطبيعية والتجريبية. ومع تعميق المعرفة الدقيقة للموضوع، يمكن استخلاص الحكم الشرعي، وبالأخص من النص القرآني الوحياني.

في كتابنا «الحقوق المحدثة» ناقشنا تفصيلاً أصل الحقوق واعتبرناها نابعة من «الوجود» وعلاقته بـ«الظهور»، أي حقيقة واحدة موجودة في الخارج. فالحقوق ليست موجودة بذاتها في الخارج ولا يمكن الإشارة إليها باليد، ولكن عقل الإنسان يستمدها من الوجود ومن الظواهر الحياتية التي هي بحق أوّل حق لكل كائن، ومن آثار الحياة، ومنها طريقة تواصل الكائنات مع بعضها البعض. الفلاسفة مثل أفلاطون رأوا أن الحقوق الطبيعية جزء من الأخلاق الاجتماعية مثل إدارة المنزل والسياسة المدنية، وأن قواعد الحقوق الطبيعية مستمدة من الأخلاق الاجتماعية، وهذا في حين أن أصل الحقوق أسمى من الطبيعة والفطرة والأخلاق الاجتماعية، لأنها نابعة من «الوجود» و«الظهور»، والفطرة والطبيعة والمجتمع هي فروع عليهما. فالحقوق من آثار الوجود، ولكل الكائنات حقوق، وخطأ في أصل الحقوق هو أعمق نقد لحقوق الإنسان. الحقوق التي تفترض الحل لكل مشاكل الأسرة ومآزقها من خلال منح المرأة حرية مساوية للرجل – مع الخطأ في فهم طبيعة الجنسين وإهمال حقوق وجودية أساسية – كانت سببًا في وجود أخطاء فادحة. وهذا الخطأ وصل إلى منبع النقاشات الحقوقية في هذا الكتاب.

في الصفحة 28 من الكتاب يقول الشهيد مطهري:
«في بعض فصول هذا الكتاب نوقش موضوع (مصادر الحقوق الطبيعية) بشكل كافٍ. وقد أثبتنا أن أساس ومصدر الحقوق الطبيعية والفطرية هو الطبيعة نفسها؛ أي إذا كان الإنسان يتمتع بحقوق خاصة لا يملكها الحصان أو الغنم أو الطيور، فإن سبب ذلك هو الطبيعة والخلق. وإذا كان جميع البشر متساوون في الحقوق الطبيعية ويجب أن يعيشوا أحرارًا، فهذا أمر صادر من جوهر الخلق ولا سبب آخر له. كما أن العلماء الذين يؤيدون المساواة والحرية كحقوق فطرية للبشر لم يكن لديهم دليل سوى هذا. وبطبيعة الحال، في مسألة نظام الأسرة الأساسية، لا يوجد مرجع ولا مصدر سوى الطبيعة.»

وقد ناقشنا هذا الرأي تفصيليًا في المجلد الأول من كتاب «الحقوق المحدثة».

تُعد دراسات المرأة من أهم وأكفأ وأكثر المواضيع جذبًا في العصر الحالي، إذ نقل الشهيد مطهري عن كتاب «تاريخ الحضارة» لويل ديورانت قوله:
«لو افترضنا أننا في عام 2000 ميلادي ونريد أن نعرف ما هو أكبر حدث في الربع الأول من القرن العشرين، لوجدنا أن هذا الحدث لم يكن الحرب أو الثورة الروسية، بل كان التحول في وضع المرأة. لم يشهد التاريخ مثل هذا التغيير الهائل في زمن قصير.»

وهذا التغيير العالمي قد شمل حتى المجتمع التقليدي والثقافي في إيران، وأصبح مطلب النساء والأفكار العامة يستلزم إجابات علمية وحلولًا موضوعية.

النقد المقدم للكتابين المشار إليهما يهدف إلى تحقيق هذا الهدف، وإزالة الشوائب من بعض المقولات الدينية والعلمية المتعلقة بالمرأة، والتأكيد على ضرورة إعادة النظر في القوانين التي قد تكون جائرة أو غير مناسبة بسبب تغيّر الموضوعات، رغم أن نتائج هذا النقد قد وُضعت بشكل مفصل ومجمل ضمن قوانين مقترحة في كتاب «الأسرة».

ويجب أن ننتبه، كما أشار الشهيد مطهري، أن القوانين غير العلمية والجاهلة والجائرة هي من أهم عوامل تفكك نظام الأسرة واندثار مكانة المرأة في المجتمع، وما يترتب على ذلك من تداعيات تؤثر على المجتمع ككل.

النقد المقدم يهدف إلى التشخيص والفصل النقدي للأسس الفكرية الخاطئة التي كانت وراء صياغة هذه القوانين الجائرة ضد المرأة. كما أن هذا النقد قد يكون نقدًا لإعلان حقوق الإنسان الذي صدر بعد الثورة الفرنسية الكبرى، حيث ورد ضمن القانون الأساسي الفرنسي كمبادئ لا تقبل التجزئة.

وفي الختام، يجب التنويه إلى أنه متى ما ورد ذكر «الكتاب» في هذا النص دون تحديد، فإن المقصود هو كتاب «نظام حقوق المرأة في الإسلام». ونأمل أن يحظى هذا الجهد بالقبول والاهتمام من قبل المجتمع العلمي.

الجزء الأول: الخطبة والخِطبة

الخطبة وقوة جسد المرأة

ـ يبدأ الشهيد مطهري كتابه بموضوع «الخطبة والخِطبة» ويشرح سبب ذلك قائلاً:
(ص 49) «أبدأ كلامي حول أربعين مادة مقترحة من نفس النقطة التي ابتدأت بها تلك المقترحات. ففي هذه المقترحات، ناقش القانون المدني أولاً مسألة الخطبة والخِطبة.»

ويصف الرجل بأنه الطَالِب والمُرِيد، والمرأة بأنها المطلوب والمستجيبة، وهي صفة تعوّض ضعف جسد المرأة:
(ص 54) «إنّ عادة الخطبة هي تدبير حكيم ورفيع للحفاظ على كرامة واحترام المرأة. فقد قلنا إنّ خلق الرجل على صورة الحاجة والرغبة والطلب، وخلق المرأة على صورة المحبوبة والمستجيبة، هو أفضل ضمان لكرامة واحترام المرأة وتعويض لضعفها الجسدي مقارنة بقوة جسد الرجل، كما هو أفضل عامل للحفاظ على توازن واستقرار الحياة المشتركة بينهما. هذا نوع من الامتياز الطبيعي الذي مُنح للمرأة، وهو تكليف طبيعي مُلقى على عاتق الرجل.»[2]

لكنّ ادعاء الشهيد مطهري بضعف البنية الجسدية للمرأة لا يستند إلى أدلة علمية. جسم المرأة رقيق لكنه ليس ضعيفاً. نظام الخلق جعل المرأة والرجل مكملين لبعضهما، وكل منهما كامل وقوي في طبيعته دون نقص. لا يجوز مقارنة طبيعتين مختلفتين مع بعضهما بطريقة صحيحة. كما لا يجوز مقارنة المرأة بالرجل، بل تُقارن المرأة بالنساء الأخريات. مثلاً، المرأة أكثر عاطفة من الرجل، والرجل أقوى في التفكير، لكن قلة العاطفة في الرجل لا تعني ضعفاً. تركيب المرأة الطبيعي يتناسب مع الدور الذي خلقت له، وأي إضافة عليه تعتبر نقصاً.
صفة مثل الشجاعة مشتركة بين الرجل والمرأة، كما ورد في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[3]

وتجسيد هذا الآية هو السيدة خديجة رضي الله عنها التي لم تخف من لوم الناس في زواجها من النبي ﷺ، رغم طردها من أهلها وقبيلتها، وحتى لم يحضر أحد لمساعدتها في الولادة. لقد أنفقت أموالها على دعم الإسلام، لا تخاف من الفقر، وصمدت في الدفاع عن النبي ﷺ، مما يدل على قوة امرأة مؤمنة وعاشقة.

في كتاب «الأسرة» تحدثنا عن الخطبة وقوانينها. وذكرنا أن الخطبة هي التعبير عن الرغبة والميل والمقترح للحوار المباشر بطريقة عقلانية وسليمة بهدف التعرف على الخصائص والظروف بين الطرفين لاتخاذ قرار مناسب بشأن الزواج. ويمكن للمرأة مثل الرجل أن تطلب الخطبة وتمارس حقها في الاختيار والحوار من أجل تحقيق تفاهم، وإذا ما سلبت منها هذه الحرية فإن كلا الطرفين يعاني. لذلك، من الضروري أن تحترم القوانين حق المرأة في طلب الخطبة وأن لا تعيقها.

هذه الثقافة ليست مألوفة في الفقه الإسلامي، حيث «اختيار النساء» هو من حق الرجل، والمرأة لا تُعطى الحرية الكاملة في اختيار الزوج.

الهدايا في الخطبة غير الناجحة

ـ في حالة فسخ الخطبة أو العقد، لا تُعاد الهدايا التي تم تقديمها للغير، والقانون الذي يلزم بإعادة الهدايا أو قيمتها غير شرعي ولا يترتب على المخالف غرامة.

(ص 55) «وفقاً للمادة 1037، يجب على كل من الطرفين الذي ينهي الخطبة بدون سبب مشروع، أن يُعيد الهدايا التي قدمها الطرف الآخر أو أهله أو الغير لأجل الخطبة، وإن لم تكن الهدايا موجودة فعليه رد قيمتها، إلا إذا تلفت الهدايا بدون خطأ منه.»

أما تكاليف الطرفين في فسخ الخطبة فتكون كما يلي:
أ- إن كانت الهدايا ليست هدايا بل أشياء مشتركة يُستخدمها الطرفان فهي ملك للمالك ويجب إرجاعها.
ب- الأطعمة والأشياء التي تستهلك ولا يمكن ردها، لا تجب استعادتها.
ج- لا يتحمل أي طرف تكاليف الزواج التي فاتت، سواء كانت أسباب الفسخ عمدية أو غير عمدية.
د- إذا أفسد أحد الطرفين أشياء الطرف الآخر، عليه شراء مثلها وإرجاعها.

الجزء الثاني: الزواج المؤقت

الفرق بين الزواج الدائم والمؤقت

ـ في الفقه الشيعي، تختلف حقوق الوالدين والطفل في الزواج الدائم والمؤقت، لكن الكتاب تجاهل هذه الفروق وقال:
(ص 62) «الفرق الأساسي والجوهري بين الزواج المؤقت والدائم هو أن الزواج المؤقت من حيث القيود حدودها أكثر حرية، فهو يعتمد على إرادة الطرفين وعقدهما؛ حتى مؤقتيته تمنح نوعاً من الحرية.»

في الزواج الدائم، لا يجوز لأحد الزوجين منع الإنجاب دون موافقة الآخر، أما في الزواج المؤقت فلا حاجة لذلك.
(ص 63) «الطفل الناتج عن الزواج المؤقت لا يختلف عن الطفل من الزواج الدائم.»

في الزواج المؤقت، إذا رفض الرجل الطفل، يبقى الطفل للمرأة، وإذا رفضت هي الطفل، على الدولة رعايته كما ترعى الورثة بلا وارث. قبول الرجل للإنجاب خاص بالزواج الدائم وليس في المؤقت.

في كلتا الحالتين، يحق للرجل منع الإنجاب، ولكن لا يحق للمرأة منع الإنجاب إذا رغب الرجل، لأن الحضانة والتربية من مسؤولية الرجل.

البلوغ الجنسي والاجتماعي

ـ كما ذكرنا في كتاب «الأسرة»، الأصل هو الزواج الدائم كأساس متين للحياة، ويجب أن يسعى الجميع إلى الزواج الدائم.

لكن مطهري يعارض هذه الرؤية:
(ص 64) «الزواج الدائم يفرض مسؤوليات كثيرة على الزوجين، لذلك لا يوجد شاب أو فتاة جاهزان من أول بلوغ طبيعي للزواج الدائم. عصرنا يبعد بين البلوغ الطبيعي والاجتماعي والفكري، فكان الشاب القديم يقدر على العمل مبكراً، لكن اليوم هذا مستحيل…»

(ص 65) «هل يقبل الشباب بمرحلة «الرهبنة المؤقتة» ليهيئوا أنفسهم للزواج الدائم؟ وهل تستطيع الطبيعة تحمل الآثار النفسية الخطيرة لمنع ممارسة الغريزة؟…»

ويعتبر الزواج المؤقت وسيلة للحد من تعدد الزوجات ومنح الحرية في ظروف الدراسة وغيرها، مع أن الزواج الدائم هو الزواج الرسمي والمدعوم من النظام.

ويشير إلى أن تعدد الزوجات ممكن للرجل لكنه غير ممكن للمرأة.

الزواج التجريبي

ـ يورد الكتاب رأياً لراسل لتبرير الزواج المؤقت كوسيلة للتأكد من مدى توافق الزوجين قبل الزواج الدائم:
(ص 65-66) «قد يتزوج الرجل والمرأة لفترة محددة للتجربة، فإذا اقتنعا يستمران، وإلا ينفصلان. والسؤال هو لماذا توجد أماكن لرعاية النساء الفاسقات في أوروبا؟ ذلك لأن الرجال العزاب خطر على الأسرة.»

هذا التبرير اعتبره الكاتب جريمة بحق المرأة ويؤكد أن الحل يجب أن يكون بالحد من المعاصي عبر دعم الزواج الدائم، ثم الزواج المؤقت لضبط الشهوات، مع ضرورة وجود مراكز استشارية للزواج.

عيوب الزواج المؤقت

ـ أول عيب يذكره الشهيد هو نسخ الزواج الدائم:
(ص 68-69) «يجب أن يكون الزواج مبنياً على الدوام، ويجب على الزوجين أن يعتقدا أن ارتباطهما أبدي ولا تفكر في الانفصال، لذلك الزواج المؤقت لا يمكن أن يكون عقد استقرار.»

لكن الزواج عقد ويمكن أن يكون دائماً أو مؤقتاً، والدوام مسألة عقدية.
الزواج الدائم له حكمة في بناء الأسرة والاستمرار، أما المؤقت فلا يهدف لهذه الأمور.

ومع ذلك، الزواج الدائم هو الزواج الرسمي ويجب أن يكون الأساس، والزواج المؤقت أمر ثانوي يُستخدم عند الضرورة.

النقد الثاني للزواج المؤقت: عدم ترسيخ ثقافته في المجتمع وعدم قبول الجمهور له:

(ص 69) «2. لم يحظَ الزواج المؤقت بترحيب النساء والفتيات الإيرانيات ـ وهن من المذهب الشيعي ـ بل اعتبروه نوعاً من الإهانة لأنفسهن. لذلك يرفضه الرأي العام الشيعي ذاته.
والرد على ذلك أن الكراهية تجاه المتعة بين النساء ناتجة أولاً عن سوء استخدام بعض الرجال الشهوى في هذا المجال، ويجب على القانون أن يوقفهم، وسنناقش هذا الاستغلال لاحقاً. ثانياً، توقع أن يحظى الزواج المؤقت بقدر الترحيب الذي يحظى به الزواج الدائم ـ مع أن فلسفة الزواج المؤقت تقوم على عدم جاهزية أو عدم إمكانية أحد الطرفين أو كلاهما للزواج الدائم ـ هو توقع غير مبرر وخاطئ.»

ليس صحيحاً أن كراهية الزواج المؤقت تنجم فقط عن سوء استخدام الرجال الشهوى، إذ توجد سوءات استعمال جنسية للنساء في جميع المجتمعات. في المجتمع الشيعي، لم يقم أي جهاز حكم بتنظيم وتنفيذ نظام صحي للزواج المؤقت، ولم تُمارس صيغة الزواج المؤقت عملياً في الشيعة. الكراهية تجاه المتعة سببها أن أهل السنة الذين حكموا إيران لفترات طويلة اعتبروها محرمة، وقد تسرب هذا الفكر السني إلى أفراد المجتمع الإيراني وأصبح تقليداً وثقافة.
ترسيخ ثقافة الزواج وكيفية العلاقة بين الرجل والمرأة مرتبط بالنظام الحاكم. كانت إيران دائماً تحت حكم وهجوم الدول السنية. وإلا، فإن نظام البهلوية الذي دعم قانونياً دور الدعارة، كان قد أنشأها في أحياء خاصة، ولكن أنظمة الحكم الإسلامية المزعومة لم تستطع إدارة بيوت العفاف بشكل صحيح، ولا بناء نظام زواج مؤقت قانوني شامل ومنظم. كانت دور الدعارة الرسمية وغير الرسمية تستغل النساء جنسياً وتنحرف بهن.

الرد الثاني على التوقع غير المبرر لقبول الزواج المؤقت غير صحيح كذلك. إذا أُقيم الزواج المؤقت وفق نظام قانوني صحي وإدارة تنفيذية صحيحة كما شرحنا في كتاب “الأسرة”، سيحصل على مكانته المناسبة بعد الزواج الدائم، وسيقبل به المؤهلون له. من طرق إصلاح المجتمع ترسيخ ثقافة الزواج المؤقت لمن هو مؤهل له. من لا يستطيع الزواج الدائم في بعض مراحل حياته، إذا توفر له الزواج المؤقت بنظام مؤسسي وقانوني، سيلجأ إليه. موضوع استخدام الزواج الدائم والمؤقت مختلف، ولا يستبدل أحدهما الآخر، وكل منهما يقبل حسب النظام الذي يتناسب معه.

النقد الثالث الموجه للزواج المؤقت يتعلق بأصل النكاح، ولا يختلف بين الزواج المؤقت والدائم؛ فالمهر هو أصل في النكاح والفرق بينهما في الزمن فقط. وهذا النقد موجه لأصل النكاح أيضاً: لماذا يُفرض المال والمهر في الزواج؟

(ص 69) «3. النكاح المنقطع يخالف كرامة واحترام المرأة، لأنه نوع من تأجير الإنسان وشرعنة لبيع النفس؛ وهو مخالف لكرامة الإنسانة التي تُسلّم وجودها مقابل المال الذي تتلقاه من الرجل.»

هذا الاعتراض غريب جداً. أولاً، الزواج المؤقت بالمواصفات التي ذكرناها في المقال، ما علاقته بالتأجير؟ هل قصر مدة الزواج يحول النكاح إلى عقد إيجار؟ وهل لكون المهر محدداً وثابتاً يجعله إيجاراً؟ وهل لو لم يكن هناك مهر ولم يقدم الرجل شيئاً للمرأة، هل تستعيد المرأة كرامتها الإنسانية؟

الشهيد مطهري بسؤاله هذا نفى علاقة الزواج المؤقت بالتأجير والأجرة، رغم أن وجود مهر في العقد يشبه عقد الإيجار ويثير شبهات. لاحقاً، وهو يدافع عن النفقة في الحياة المشتركة، قال:
(ص 221) «الإسلام يعرف الرجل كمشتري والمرأة كبضاعة. من وجهة نظر الإسلام في الاتصال والحياة المشتركة بين الزوجين، يجب أن يُعرف الرجل كمستفيد ويتحمل تكاليف هذا الأمر.»

الشهيد مطهري الذي يعتبر المهر هدية ويتجنب اعتبار الزواج شراء وبيع، يظهر تناقضاً في هذه الفقرة حين يتحدث عن الشراء والاستفادة.

النقد الأساسي هو: ما هو الإيجار؟ عقد الزواج كالإيجار والبيع والصلح هو عقد واتفاق. في إيجار الإنسان، يبيع الفرد نفسه أو قوته، ويقول: أنا أجيركم من الصباح إلى المساء، أو أبيع علمي. حتى من يبيع كلويْه يفعل ذلك. هذه المرأة تبيع لذة جسدها التي تخصها، مع احتمال تلقيها للمتعة أيضاً. في الزواج، المتعة متبادلة وليس أحادية، إلا إذا استُغلت المرأة استغلالاً دائماً.

الرد هو: في عقد الزواج، سواء كان دائماً أو مؤقتاً، يُفرض مهر، لكن وجود المال أو شيء معنوي في العقد لا يعني أنه إيجار. وصف الشيء المؤجر لا يُؤجر، لأن موضوع الإيجار يجب أن يكون مقابل مادي خارجي. مثلاً في الفقه إذا بيع مطربة الجارية بقيمة، فالبيع باطل لأنه لا يوجد مقابل مادي خارجي. في الإيجار هناك مقابل مادي خارجي، أما في النكاح فالمرأة تُنتفع ولا يوجد مقابل مادي مستقل. إذن هناك فرق بين النكاح والإيجار، رغم وجود المال في كل منهما.
علاوة على ذلك، كل من الزوج والزوجة ينتفعان في الزواج. دفع المهر والنفقة من الرجل بسبب القيود التي تتحملها المرأة في الزواج، مثل ضيق الاستقلال المالي والاجتماعي، وليس مرتبطاً بالمتعة. سنتحدث لاحقاً بالتفصيل عن المهر والنفقة.

الأبناء غير المرغوب فيهم

طرق منع الإنجاب، رغم تنوعها، لا تمنع بالكامل الحمل غير المرغوب فيه.

(ص 72) «أحد الفروق بين الزواج المؤقت والدائم يتعلق بالتكاثر. في الزواج الدائم لا يمكن لأي من الزوجين الهروب من الحمل بدون موافقة الآخر، أما في الزواج المؤقت، فكل طرف حر. في الزواج المؤقت، لا ينبغي للمرأة أن تمنع استمتاع الرجل، لكنها يمكن أن تمنع الحمل دون الإضرار به، وهذا يتم حله تماماً بوسائل منع الحمل الحديثة.»

الزواج المؤقت لا يمكن تصوره بدون أطفال غير مرغوب فيهم. النفس لها شهوة قوية تضعف إرادة الإنسان. الغرب، رغم توفر وسائل منع حمل متقدمة، يواجه مشكلات الأطفال غير المرغوب فيهم. الدولة مسؤولة ويجب أن تضع قوانين صارمة وقابلة للتطبيق للوقاية وتحمل المسؤولية عن هؤلاء الأطفال ورعايتهم بشكل منظم.

المعاوضة في الزواج

النكاح عقد وميثاق، وهو أمر توقيعي لا تأسيسي. الدين يقبل «لكل قوم نكاح». الإسلام وضع خصوصيات وقوانين للزواج. هل اللفظ شرط للنكاح؟
(ص 75) «المادة 1062 التي تقول: (النكاح يتم بالإيجاب والقبول بألفاظ تدل صراحة على قصد الزواج) ليست خاصة بالزواج الدائم فقط، بل تشمل كلا الزواجين الدائم والمؤقت.»

كما أقر الشيخ الأنصاري المعاوضة في العقود مثل البيع، كذلك المعاوضة في النكاح صحيحة، ولا يشترط لفظ معين، فالعقد يمكن أن يكون قولياً أو فعلياً. عدم وجود دليل معتبر على اشتراط اللفظ. الإجماع الفقهي لا يعد دليلاً لعدم وجود دليل شرعي. إذا طبقنا ما يُقال عن العقود الأخرى على النكاح، فإن كثيراً من العلاقات التي تعتبر زنى عند الفقهاء، تكون زواجاً شرعياً، وتنفيذ العقوبات عليها ظلم وظلم.

الحريم والزواج المؤقت

الشهيد مطهري درس أسباب تكوين الحريم، وهل للزواج المؤقت دور في ذلك، وذكر عاملين مهمين: التمييز الاجتماعي وعفاف المرأة.

(ص 76) «أول عامل لتكوين الحريم هو التقوى والعفاف لدى المرأة، أي أن الظروف الأخلاقية والاجتماعية يجب أن تمنع النساء من إقامة علاقات جنسية مع رجال مختلفين في آنٍ واحد. في هذه الحالة، يجد الرجل الشهوى المتمكن نفسه مضطراً لجمع مجموعة من النساء عنده لتكوين حريم.»

تكوين الحريم في الشرق ليس من تقوى المرأة، بل من استغلال الرجل واستثماره لها، ورغبات الرجال الشهوية المختلفة. الغرب اليوم أيضاً يستغل النساء بطرق أخرى. دائماً ما أعطى المستغلون واللصوص في العالم صوراً مختلفة للظلم ضد المرأة.

الزهد والرهبانية

الكتاب يعتبر أن الإسلام يرفض الزهد والرهبانية، لكنه لا يبيح الشهوة بلا ضوابط. الإسلام يرضي الغرائز حسب الحاجة، لكنه لا يسمح بإشعالها بلا نهاية.
(ص 79) «ميزة الإسلام أنه يرفض الزهد والرهبانية، وليس أنه يبيح الشهوة. يجب إشباع الغرائز (الجنسية وغيرها) ضمن حدود الحاجة الطبيعية. إذا اتسم شيء بالشهوة الجارفة أو الظلم، فهو مخالف لمنظور الإسلام.»

القوانين التي يضعها البشر يجب أن تحفظ حقوق المرأة وتكليف الرجل. القوانين التي تطالب بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الواجبات والأدب تضر بالمرأة واحترامها وتخل بالتوازن لمصلحة الرجل.

ليس الزهد والرهبانية متساويين، والرهبانية ليست مقبولة للمرأة. الزهد مثل الصلاة والصوم والذكر، وليس رهبانية. المرأة كانت ولا تزال مستهدفة للاستغلال والتجاوز، أحياناً أُدخِلت إلى السوق وأحياناً أُخفيت. في العصر الحديث، تم إدخال المرأة إلى المجتمع لتكون عاملة وجسد للشهوة. استُغلّت بحجة علم النفس الجنسي وغيره. إخفاء المرأة في البيت جاء من استغلال قديم. الإسلام لا يخفي المرأة ولا يرهبنها ولا يعرضها، بل يعتبرها كائناً منزلياً واجتماعياً حسب طبيعتها، بينما الرجل اجتماعياً أولاً ثم منزلياً. المرأة منزلية أولاً ثم تشارك في المجتمع حسب جنسها. الأصل للمرأة البيت وللرجل المجتمع. الرجل يساعد في البيت حسب الحاجة. إخفاء المرأة في البيت يجعل المجتمع محرومًا من أدوار نسائية ويزيد الهيمنة الذكورية. الإسلام ينظر إلى المرأة بواقعية ومتوازنة.

في طلب الزواج، يجوز للمرأة أن تطلب بنفسها مباشرة أو عبر وسيط.

النهي السياسي عن الزواج المؤقت

  • استشهد الكتاب عن العلامة كاشف الغطاء، حيث اعتبر الخليفة الثاني النهي عن المتعة نهيًا سياسيًا وحكمًا حكوميًا:

(ص 80) «الزواج المؤقت من خصائص الفقه الجعفري، ولا يعتبر مسموحًا في بقية المذاهب الفقهية الإسلامية. يتفق المسلمون على أن الزواج المؤقت كان جائزًا في صدر الإسلام. الخليفة الثاني حرّم النكاح المنقطع أثناء خلافته… وكان يرى الخليفة أن له الحق في تحريم هذا الأمر لأنه يظن أن هذا الأمر يدخل ضمن صلاحيات ولي أمر المسلمين… بمعنى آخر، كان نهي الخليفة نهيًا سياسيًا لا شرعيًا ولا قانونيًا. ومن الواضح أن هذا السبب كان مؤقتًا. أما سبب قبول المسلمين لهذا التحريم في ذلك الوقت فكان لأنهم اعتبروا أمر الخليفة مصلحة سياسية مؤقتة، لا قانونًا دائمًا، وإلا لما قال الخليفة أن النبي أمر بهذا وأنا أُحَرّم، ولا كان الناس يقبلون قوله.

لكن فيما بعد، بسبب ظروف خاصة، وخصوصًا سيرة الخلفاء السابقين، خاصة الخليفتين الأولين، أصبحت هذه المسألة برنامجًا ثابتًا وتحولت إلى قانون رئيسي بسبب التعصب.»

تحريم المتعة من قبل عمر كان بدعة واضحة ومخالفة للحكم الصريح للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يكن هذا التحريم نابعًا من مصلحة سياسية أو حكم حكومي، بل كان سببه تعصب ومزاج شخصي للخليفة. وفي الثقافة الشيعية، أوصى بالمتعة للوقاية من الوقوع في المعاصي والفواحش من قبل من لا يستطيعون الزواج الدائم، وبذلك يحفظ النظام الشرعي ويمنع التهاون، ومن هنا لا يُستحب لمن له زوجة أن يتزوج مؤقتًا. لذا، الزواج المؤقت ليس للترويج للشهوات، بل إن احكامه إذا رُعيت تهدف إلى الوقاية من الفساد.

القسم الثالث: المرأة والاستقلال الاجتماعي

مسألة إذن الأب

  • طرح الشهيد المطهري مسألة ولاية الأب على البكر وناقش قانون اشتراط إذن الأب في عقد الزواج لأول مرة، ودافع عن هذا الشرط، وكتب:

(ص 91 ـ 92) «الأمر المسلّم والقطعي هو أنه إذا امتنع الأب بلا سبب من الموافقة على زواج بناته، تسقط حقه ويصبح للبنات الحرية التامة في اختيار الزوج، وهذا ما اتفق عليه جميع فقهاء الإسلام.

أما في مسألة كون موافقة الأب شرطًا في العقد أو لا، فقد اختلف الفقهاء، وربما الغالبية خصوصًا من الفقهاء المتأخرين لا يشترطون إذن الأب، لكن بعضهم يعتبره شرطًا. والقانون المدني في بلادنا يتبع هذا الرأي الأخير الذي هو مطابق للاحتياط.

وحيث أن هذه المسألة ليست مسألة قطعية من الناحية الإسلامية، فلا نناقشها من الناحية الشرعية، ولكن من الناحية الاجتماعية أجد أنه من اللازم التطرق إليها. ورأيي الشخصي أن القانون المدني قد سار على الطريق الصحيح في هذا الخصوص.»

  • في المناقشات الفقهية أشرنا إلى أنه لا يوجد دليل فقهي قوي يثبت وجوب إذن الأب في زواج البكر، مع أن الشائع هو قبول هذا الشرط. إذن الأب في الزواج هو أمر أخلاقي يتناسب مع احترامه ويتبع العقل، ولكن إذا تزوجت الفتاة بدون إذن الأب، فإن العقد صحيح ولا يبطل، ولو خالفت والدها حتى وإن عاقها. أما إذا زوّج الأب ابنته دون إذنها ومخالفتها، فالعقد يكون باطلاً لأنه عقد فضولي.
  • إذن الفرق واضح بين إذن الأب وإذن البنت؛ الشرط الحقيقي لإبرام العقد هو إذن البنت، أما الأب فله مجرد اعتبار أخلاقي واحترام، وليس له تدخل قانوني إلا إذا كان مصلحته تحترم مصلحة البنت، وإذا لم يحترم الأب مصلحة ابنته يسقط حقه، بينما للبنت إذا عرفت أنها ستُسوء حالها وتزوجت بدون إذن الأب، يكون عقدها صحيحًا. إذن الإذن الأخلاقي للأب لا يقيد البنت، بل بسبب غلبة مصلحة الأب في توفير الأمن للبنت، وهو أمر مستحب وليس الزامياً.

الشهوة والمحبة

  • في الكتاب خلط بين كتمان المرأة في مواجهة الجوّ المحبّ أو الشهوة، وبين الصبر والجلد اللازمين:

(ص 92) «الرجل عبد الشهوة، والمرأة أسيرة المحبة. ما يزلزل الرجل ويسقطه هو الشهوة، والمرأة بحسب اعتراف علماء النفس أكثر صبرًا وثباتًا أمام الشهوة من الرجل. أما الذي يهزّ المرأة ويأسرها فهو أن تسمع لحن المحبة والصفاء والوفاء والعشق من فم رجل. وهنا تكمن سهولة تصديق المرأة.»

  • الرجل والمرأة السويان كلاهما يمتلكان قوة الشهوة. قد يكون هناك رجل لا يُسيطر عليه الشهوة أبدًا. الشهوة والرغبة في الجنس المكمل موجودة لدى كلا الجنسين، لكن من ناحية علم النفس، الفرق بين المرأة والرجل أن الكتمان لدى المرأة أكبر، بينما التعبير عن الشهوة يكون أكثر وضوحًا عند الرجل.
  • الكتمان مختلف عن الصبر والجلد. قد لا تكون المرأة صبورة في بعض الأحيان، وقد تبكي أو تستشيط غضبًا، لكنها تكتم ذلك، وهذا بسبب الحياء الذي تزداد مظاهره عند النساء مقارنة بالرجال، ويختلف الحياء أيضًا حسب مراحل العمر: البكر أكثر حياءً من المتزوجة، والمتزوجة أكثر حياءً من المطلقة، وكذا الحال بين العوانس، النساء المتزوجات، والأرامل، وكل واحدة تختلف عن الأخرى. وربما من حكم الشريعة التي تستوجب إذن الأب للبنت أن البنت بحكم حيائها الشديد قد لا تجرؤ على التعبير عن رأيها، فالإذن من الأب يساعدها على إعلان وجهة نظرها. مع ذلك، هذا أمر نسبي، فقد توجد نساء غير حيائيات ورجال يتمتعون بالحياء.

القسم الرابع: الإسلام والتجدد في الحياة

  • الأديان التي كان نهرو على اتصال بها، خصوصًا الهندوسية، والبوذية، والمسيحية، مليئة بأنواع من الزخارف الدينية والجمود والتصلب العقائدي. شهيد مطهري يصف نهرو بهذه الطريقة:

(ص 100) «نهرو، رئيس وزراء الهند الراحل، كان يعتنق أفكارًا معادية للدين ولم يكن يؤمن بأي دين أو مذهب. من أقواله يظهر أن ما جعله ينفر من الدين هو جانب الجمود والتوحيدية التي ظن أنها موجودة في كل دين.»

  • في أواخر حياته، شعر نهرو بفراغ داخلي في نفسه وفي العالم، واعتقد أن هذه الفراغ لا يمكن ملؤه إلا بالقوة الروحية. في نفس الوقت، كان يخشى الاقتراب من الدين بسبب ذلك الجمود والتصلب الذي كان يعتقد أنه سمة كل الأديان.
  • نهرو كان شخصًا ذا معنوية وعقل ناضج، وكان يعاني من الأديان التي تلوثت بزخارف دينية متباينة. حارب تلك الزخارف بناءً على قوته الروحية وعقله العلمي. لم يكن ضد الله، بل كان يبحث عن الله بمعنوية غير مرتبطة بالشريعة. رغم ميله نحو الله، لم يكن يمكن اعتباره معاديًا للدين فقط بسبب عدائه للزخارف الدينية، خاصة العنف الديني الذي ينبع من نقاء المعنوية والعقل العلمي. وهذا ليس عيبًا في شخصيته، رغم أنه لم يكن يملك وصولًا كاملاً إلى الحقيقة.

القسم الخامس: مقام الإنسانة من منظور القرآن الكريم

  • العالم الغربي، كقاعدة عامة، يعتبر الرجل الإنسان الكامل الذي يتمتع بكل حقوق الإنسان، ومن ثم لا يعترف بكون المرأة إنسانة كاملة إلا إذا تمتلك حقوقًا مساوية لتلك التي للرجل. شهيد مطهري يصف هذا الاستدلال:

(ص 128) «لو أردنا أن نعطي هذا الاستدلال شكلًا منطقيًا أرسطيًا، فسيكون كالآتي: إذا كان الإسلام يعتبر المرأة إنسانًا كاملاً، لكان قد منحها حقوقًا مماثلة ومساوية للرجل، لكن الإسلام لا يمنحها حقوقًا متساوية، إذن الإسلام لا يعتبر المرأة إنسانة حقيقية.»

  • يجب أن نسأل هؤلاء: هل الإنسان الكامل أو الحقيقي يعني الرجل فقط؟ المرأة إنسانة حقيقية وكاملة، كما الرجل كذلك، لكن ليس بالضرورة أن تكون حقوقهما متساوية أو مماثلة، بل لكل منهما حقوق خاصة ومميزة.
  • الادعاء الثاني هو أن الإسلام لم يضع المرأة في مرتبة الرجل، لذلك لم يعطها حقوقًا مماثلة. أي: إذا كان الإسلام يعتبر المرأة في مستوى الرجل، كان سيعطيها حقوقًا متساوية، وبما أنه لم يفعل، فهذا يدل على أنه لا يقدّرها في ذلك المستوى.
  • شهيد مطهري يفرق بين مفهومي «المساواة» و«التشابه» في الحقوق بين المرأة والرجل، ويقول:

(ص 128) «الفرضية التي يستخدمها هذا الاستدلال هي أن اشتراك المرأة والرجل في الكرامة الإنسانية يعني بالضرورة مساواتهما في الحقوق. السؤال الفلسفي الذي يجب التركيز عليه هو: هل اشتراك المرأة والرجل في كرامة الإنسان يعني بالضرورة مساواتهما في الحقوق؟»

  • ثم يشرح ضرورة التمييز بين هذين المفهومين:

(ص 129-130) «كلمتا (المساواة) و(التشابه) تحملان في طيّاتهما معنى التماثل وعدم التمييز، ولهذا لهما قدسية وتأثير خاص، خصوصًا إذا اقترنت بكلمة (حقوق). مساواة الحقوق! أي تركيب جميل ومقدس! من ذا الذي لا يخضع أمام هذه الكلمات؟ لكن لا أفهم لماذا يجب أن نسمح للآخرين بفرض نظرياتهم عن (تشابه حقوق المرأة والرجل) تحت اسم (مساواة الحقوق) علينا؟ هذا مثل أن يبيع بائع الشمندر الشمندر تحت اسم الكمثرى.»

  • يجب أن نسأل شهيد مطهري: ما النتيجة العملية المختلفة بين «التشابه» و«المساواة» في حقوق المرأة؟ تقولون: المساواة نعم، التشابه لا. هذان المفهومان متطابقان منطقيًا. التشابه يعني أن شيءًا ما يشبه آخر، والمساواة تعني أن شيئين متساويان. الغرب يرى التشابه مساواة، وهذا مخالف للمنظور الإسلامي الذي يعتقد أن المرأة والرجل مختلفان في الجوهر والنوع، رغم كونهما بشريين.
  • في الإسلام، الرجل هو مخاطب الوحي، ويحظى بحق الحكم والإدارة والقضاء والرياسة. كل الأنبياء والأئمة المعصومين رجال، وحتى الملوك والقادة كانوا رجالاً. المرأة، من ناحية أخرى، لها مكانة خاصة في الخلق، وموقعها مختلف عن الرجل.
  • إذًا المرأة والرجل ليسا متساويين ولا متشابهين. الهرمونات التي تشكل الرجل والمرأة مختلفة. العلماء الغربيون أنفسهم يقولون إن كل خلية في الرجل والمرأة مختلفة.
  • كيف يمكن إذًا إثبات أن المرأة والرجل متساويان؟ إذا قلنا إن المرأة والرجل مكملان لبعضهما البعض، فهذا يعني أن لكل منهما خصوصيته ولا يمكن لأحدهما القيام بعمل الآخر.
  • نحن لا نؤيد مساواة المرأة والرجل، بل نتبع نظام الأفضلية (النظام الأحسن) الذي يجب أن يؤسس على دراسة فلسفية عميقة قبل النظر في الحقوق، كما فعلنا في كتاب «الحقوق المستحدثة» حيث أسسنا الحقوق على فلسفة «الوجود والظهور».
  • في نقد كتاب «المرأة في مرآة الجلال والجمال» درسنا الفروق الفلسفية والحقيقية بين المرأة والرجل ودور هذه الفروق في التشريع والحقوق الخاصة بكل منهما.

خلق المرأة في القرآن الكريم

  • لقد وضع الشهيد المطهري في تفسيره لموضوع تساوي طبع الرجل والمرأة، المجتمع كموضوع أساسي في الفلسفة. وهذا مع أنه يوجد ثلاثة موضوعات رئيسية للفلسفة: “الله”، “العالم” و”الإنسان”. فلا يمكن اعتبار المجتمع موضوعًا مستقلًا عن الإنسان والعالم، بل هو من نتائجهما وملحقاتهما، حيث ترتبط بعض مسائل علم الاجتماع بالعالم كالمكان، وبعضها الآخر بالإنسان. يقول الكتاب في هذا الصدد:

(ص 131) “القرآن ليس كتاب فلسفة، لكنه أعطى رأيًا قاطعًا حول العالم والإنسان والمجتمع – وهي المواضيع الأساسية للفلسفة… ومن المسائل التي فسّرها القرآن موضوع خلق المرأة والرجل… وإذا أردنا معرفة رأي القرآن في خلق المرأة والرجل، يجب أن ننتبه إلى مسألة طبيعة المرأة والرجل، التي تطرقت إليها الكتب الدينية الأخرى أيضًا. فالقرآن لم يصمت في هذا الموضوع. يجب أن نرى هل يعتبر القرآن أن طبيعة المرأة والرجل واحدة، أم مختلفة؟ بمعنى هل خلق الله المرأة من طينة مماثلة لطينة الرجل أم من طينتين مختلفتين؟ القرآن يقول بوضوح في آيات متعددة: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا” [الروم: 21] أي إن النساء من جنس الرجال ومن طينة مشابهة لطينتهم… وفي القرآن لا أثر لما جاء في بعض الكتب الدينية من أن المرأة خلقت من مادة أدنى أو أن لها طبيعة ثانوية أو أن زوجة آدم خلقت من ضلع أيسر له، بل لا يوجد دليل على ذلك في الإسلام. ومن ثم، لا توجد نظرية تحقيرية تجاه المرأة من حيث الطبيعة والطين في الإسلام.”

  • في التفسير السائد للقرآن الكريم، يُقال إن المرأة تأتي دومًا في المرتبة الثانية في نظام الخلق. ليس فقط في النظام البشري، بل في الأنظمة الحيوانية والنباتية أيضًا، حيث يكون الجنس المذكر في المرتبة الأولى، والأنثى في المرتبة الثانية واللازمة. ولكن يجب التأكيد على أن الرجل والمرأة كلاهما إنسان، وكل منهما مكمل للآخر، ولا يمكن مقارنة صنفين مختلفين على قدم المساواة. إن انفعال المرأة هو كمالها الطبيعي، كما أن فعالية الرجل هي كماله الطبيعي، وهذا من خصائص النظام الإحسن دون أن يعني أن يكون أحدهما الإنسان الأول والآخر الثاني، ولا ينبغي أن يؤدي هذا الكمال الطبيعي والاختلافات الطبيعية إلى التمييز وخلق طبقات.

عنصر الخطيئة

  • في الفقرات التالية يجب التأكيد على أن المرأة ليست عنصر الخطيئة، بل إن الشيطان هو الذي يغوي للمعصية، كما أن الرجل بطبيعته ليس معصومًا من الخطيئة. دخل الشيطان إلى آدم مباشرة، وليس عبر حواء:

(صص 131-132) “من النظريات التحقيرية التي سادت سابقًا، والتي أثرت سلبًا على الأدب العالمي، نظرية أن المرأة هي عنصر الخطيئة، وأن الشر والوسوسة ينبعان من وجود المرأة، وأن المرأة شيطان صغير. يقولون إن كل جريمة ارتكبها الرجال كان وراءها امرأة. ويقولون إن الرجل بريء بطبيعته من الخطيئة، وأن المرأة هي التي تغويه. ويقولون إن الشيطان لا يدخل إلى الرجل مباشرة، بل عبر المرأة، فالشيطان يوسوس للمرأة، والمرأة للرجل. ويقولون إن آدم الأول خدعته المرأة؛ فغوى الشيطان حواء، وحواء غوت آدم.

القرآن يروي قصة جنة آدم، لكنه لم يقل إن الشيطان أو الحية خدعت حواء، وحواء خدعت آدم. القرآن لم يُلقِ بالمسؤولية على حواء ولا أبرأها. يقول القرآن: “وَقُلْنَا اهْبِطَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هَدْيٌ فَمَن تَبِعَ هَدْيِي فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى” [طه: 123]، ويذكر الشيطان يوسوس لهما معًا بصيغة المثنى: “فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ” [الأعراف: 20].”

الموهبة الروحية

  • أن المرأة في الوقت الراهن ليست موضوعًا يمكنها من خلاله اجتياز المراحل الروحية العليا مثل السفر الثالث والرابع، يعود ذلك إلى طبيعتها واستعدادها، وهذا الاستعداد الطبيعي لا يعني تحقيرًا لأي صنف. يقول الشهيد المطهري:

(ص 132) “من النظريات التحقيرية الأخرى التي طُرحت بخصوص استعدادات المرأة الروحية، أن المرأة لا تذهب إلى الجنة، ولا تستطيع اجتياز المراتب الروحية والإلهية التي يصلها الرجال، وأنها لا يمكن أن تبلغ قرب الله كما يفعل الرجال. لكن القرآن في آيات كثيرة يؤكد أن الثواب الأخروي والقرب الإلهي ليسا مرتبطين بالجنس، بل بالإيمان والعمل، سواء من الرجل أو المرأة. ففي القرآن يُذكر إلى جانب كل رجل قديس امرأة قديسة…

الإسلام في رحلة (من الخلق إلى الحق) لا يميز بين الرجل والمرأة، لكن في رحلة (من الحق إلى الخلق) أي في العودة من الحق إلى الناس وتحمل مسؤولية النبوة، يرى أن الرجل أكثر ملاءمة لهذا الدور.”

  • وهذا الرأي صحيح، حيث أن جميع الأنبياء والأئمة كانوا من الرجال، ولا يمكن للمرأة أن تتولى منصب الرسالة والدعوة. لم يكن هناك ميقات أو كوه طور للنساء. في القرآن الكريم ذُكر عدد قليل من النساء، في حين ورد ذكر آلاف الرجال. حتى في المقامات الروحية، فإن المرأة في المرتبة الثانية. ولو كان إلى جانب كل رجل قديس امرأة قديسة، فإن مجرد الذكر لا يعني أنها قطعت كل المراحل الروحية الأربع.

التشابه لا يعني التساوي

  • الكتاب يعيد طرح موضوع التشابه والتساوي، ويعتقد أن الغرب يؤمن بالحقوق المتشابهة، بينما الإسلام يؤمن بالحقوق الإنسانية المتساوية بين المرأة والرجل:

(ص 137) “قلنا إن للإسلام فلسفة خاصة في العلاقات والحقوق الأسرية للمرأة والرجل، تختلف عما كان عليه الحال قبل أربعة عشر قرنًا، وتختلف أيضًا عن ما يحدث في العالم اليوم.

الإسلام لا يناقش ما إذا كانت المرأة والرجل متساويين في الإنسانية أو إذا كان يجب أن تكون لهما حقوق متساوية في الأسرة. الإسلام يعتبر الرجل والمرأة كلاهما إنسان، ويتمتعان بحقوق إنسانية متساوية.

ما يهم الإسلام هو أن الرجل والمرأة، بسبب اختلاف جنسهما، ليسا متشابهين في كثير من النواحي، ولا يعيشان في عالم واحد، ولم يخلقهما الله بشكل متماثل، وهذا يستوجب أن تكون لهما حقوق وواجبات مختلفة في الكثير من المجالات. في الغرب، يُسعى إلى فرض قوانين وحقوق موحدة على الرجل والمرأة، متجاهلين الاختلافات الفطرية والطبيعية بين الجنسين. هنا يكمن الفرق بين الإسلام والنظم الغربية.”

  • وأوضح الكتاب أن المساواة تعني أن الله لم ينقص من حقوق المرأة ككائن في المرتبة الثانية، وكذلك لم ينقص من حقوق الرجل، وكل منهما مُعطى ما يناسب مكانتهما الطبيعية والوجودية.
  • في المنظور الفلسفي، لا وجود لتشابه أو مساواة تامة بين كيانين؛ فكل كائن فريد من نوعه، ولا يوجد اثنان متماثلان بالذات. وهذا التنوع هو جوهر الجمال والكمال.

السعادة والازدهار للمرأة

  • الكتاب يرى أن المساواة في الحقوق تعني أن المرأة تتمتع بحقوق تتناسب مع طبيعتها. عند الحديث عن سعادة المرأة، لا يجب أن تُقاس بسعادة الرجل، فالسعادة لكل جنس تتناسب مع طبيعته. ليس من الضروري أن تحقق المرأة سعادة الرجل لتكون سعيدة.

(ص 138) “في أوروبا قبل القرن العشرين، كانت المرأة بلا حقوق إنسانية عمليا وقانونيًا، لا تملك حقوقًا متساوية أو مشابهة للرجل. في الحركة النسائية التي حدثت في أقل من قرن، حصلت المرأة على حقوق مشابهة للرجل جزئيًا، لكنها لم تحصل على حقوق متساوية بسبب اختلاف طبيعتها واحتياجاتها الجسدية والنفسية. إذا أرادت المرأة حقوقًا متساوية مع الرجل، يجب أن تتخلى عن التشابه الحقوقي وتطالب بحقوق مناسبة لطبيعتها، وكذلك يفعل الرجل. بهذه الطريقة فقط يتحقق التوافق الحقيقي بين الرجل والمرأة، وتصل المرأة إلى سعادة مساوية أو أعلى من سعادة الرجل، ويمنح الرجال حقوقًا عادلة وصادقة للنساء.”

  • القرآن يقول: “إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ” [العصر: 2-3]، ولم يفرق بين رجل وامرأة.
  • قال المؤلف (ص 161):
    «المرأة والرجل يشاركان في الحياة الأسرية بمواهب واحتياجات متشابهة وبأسس قانونية مماثلة مستمدة من الطبيعة. لذا، يجب أن تُنظم الحقوق الأسرية على أساس المساواة والتشابه.»
  • ولكن الصحيح هو القول إن المجتمع والأسرة يشتركان في الفروقات الطبيعية؛ ورغم أن الطبيعة في الأسرة والعقد والاقتناء في المجتمعات غير الحديثة تكون أكثر وضوحًا، فإنها في المجتمعات الحديثة العلمية والروحية تظل الطبيعة محسوسة وغالبة:
  • (ص 161): «كون الرجل زوجًا يفرض عليه واجبات وحقوقًا خاصة بصفته زوجًا، وكون المرأة زوجة يفرض عليها واجبات وحقوقًا أخرى… الفرضية (عدم تشابه الحقوق الأسرية بين الرجل والمرأة) التي أقرها الإسلام مبنية على هذا الأصل.»
  • إذا تم الحفاظ على طبيعة المجتمع على طبيعتها وفطرته وخلقه، فسيعمّ الوِحدة الاجتماعية والروحانية المجتمع، ويصبح المجتمع نموذجًا متقدمًا وأوسع نطاقًا من الأسرة الحديثة. فالمواهب الطبيعية في كل من المجتمع والأسرة تُنتج نظامًا متكاملاً للفاعل والمفعول، وليس كل امتيازات الأسرة والمجتمع مكتسبة فقط. فالرجل باعتباره زوجًا له حقوق، والمرأة باعتبارها زوجة لها حقوق أخرى، وكذلك كون الشخص أبًا أو أمًا أو طفلًا في الأسرة يخلق امتيازات وحقوقًا خاصة تجعل حقوق كل عضو من الأسرة تختلف نسبياً في مقابل الآخر. وكذلك في المجتمع، في الأمور غير المشتركة وعندما يُنظر إلى المرأة كطبقة مقابلة للرجل، كما أن الرجل والمرأة طبيعتان مختلفتان، فلهما حقوق مختلفة لا متناقضة. فـ«الاختلاف» ليس «التنافر». الاختلاف يستلزم التعارض والصدام، وليس هناك خضوع أو تناغم أو توافق، أما في الاختلاف فيمكن وجود الخضوع والتنسيق. في التنافر يوجد اختلاف، ولكن ليس كل اختلاف يعني تنافرًا. كأعضاء الجسم، فالعين والأذن والحاجب مختلفة لكنها لا تتنافر. في الكتاب تم استخدام مصطلح «التنافر» بدلاً من «الاختلاف» في عدة مواضع، وهذا خطأ.
  • حتى الآن مما سبق يتضح أن من الأسس الستة، الأساسان الرابع والخامس مرفوضان.
  • يعتبر الشهيد المطهري الحياة الأسرية طبيعية بالكامل وخالية من أي عقد اجتماعي، ومع أنه يقبل الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة في الأسرة، إلا أنه يؤمن بمساواة الحقوق بينهما. وقد تم شرح معنى المساواة في الحقوق سابقًا. ويكتب:
  • (صص 163-164): «الحياة الأسرية للإنسان طبيعية بنسبة 100٪، أي أن الإنسان خلق طبيعيًا (منزليًا). ولنفترض وجود شك في طبيعة حياة الإنسان المدنية، فلا يمكن الشك في طبيعة حياته المنزلية أي الحياة الأسرية. كما أن العديد من الحيوانات، رغم عدم وجود حياة اجتماعية طبيعية لها، بل تفتقر تمامًا للحياة الاجتماعية، تمتلك نوعًا من الحياة الزوجية الطبيعية، مثل الحمام وبعض الحشرات التي تعيش بشكل «زوجي». يجب التفريق بين الحياة الأسرية والحياة الاجتماعية. في الطبيعة توجد تدابير تجعل الإنسان وبعض الحيوانات يتجهون بشكل طبيعي نحو الحياة الأسرية وتكوين الأسرة وإنجاب الأطفال… الدلائل التاريخية لا تظهر فترةً كان فيها الإنسان بلا حياة أسرية، أي أن الرجل والمرأة عاشا منفصلين أو أن العلاقة الجنسية كانت جماعية وعامة.»
  • يرى الكتاب الحياة الأسرية طبيعية بالكامل ويوضح أنه رغم وجود الملكية الجماعية في فترة ما، فإن الشراكة الجنسية والعلاقات الجنسية غير المحدودة لم تسيطر على البشر في أي فترة تاريخية. بالطبع، مجرد الاستناد إلى الفترات التاريخية وخلفيات موضوع له جوانب فلسفية واجتماعية ودينية لا يبرر صحة أو قبول أو شرعية أسلوب حياة معين، ولا يقنع القارئ، ولا يقدم نفعًا عمليًا للنقاش. ومع ذلك، فإن الاستناد إلى الأبحاث العلمية المتعلقة بطبيعة الإنسان في المسائل الجنسية، التي ترتبط بالطبيعة الأصلية للإنسان، أمر جدير بالاهتمام؛ لكن الحصول على دليل موثوق من فترة لا تتوفر فيها وثائق مكتوبة ليس بحثًا علميًا. بالإضافة إلى أن الإنسان الأول كان من القردة العليا، وحياتهم حسب القفزات التطورية تعطيهم قربًا للحياة الحيوانية. الحياة الأسرية، مثل الحياة الاجتماعية، طبيعية ويمكن أن تخضع للعقود والاقتناء، وليست طبيعية مئة بالمئة. لذلك، كما يقال في الفلسفة «السياسة المدنية»، يقال أيضًا «إدارة المنزل»، ويمكن وضع قوانين للأسرة وإدارتها بشكل منظّم. بخلاف حياة الحيوانات التي تعتمد فقط على الطبيعة والغريزة، فإن الطبيعة في الأسرة أكثر وضوحًا من الطبيعة في المجتمع، والعقود فيها تكون مخفية ومغلوبة. الطبيعة تدخل في الحياة الأسرية والمدنية بوسائل العقل والاختيار والقانون وحتى التقاليد. الحياة الحيوانية لا تملك هذه الخصائص، فهي طبيعية صرف. الإنسان طبيعي في حياته المنزلية والمدنية، والحياة المدنية للإنسان طبيعية، لكن البيت هو المجتمع الأصغر والمجتمع هو البيت الأكبر. بالإضافة إلى الطبيعة، تدخل شؤون أخرى في الحياة الأسرية والاجتماعية، ويمكن للإنسان بالتربية والاقتناء الصحيح أو الخاطئ أن يتطور أو يتدهور بشكل عادي أو قفزي.
  • دائمًا ما كان الرجل والمرأة غير قادرين على العيش منفصلين، وكان هذان الصنفان يتآلفان ويكملان بعضهما البعض، كما أن الحيوانات يمكنها التآلف. بالطبع، التآلف الإنساني حقيقة تظهر بشكل أوضح وأصدق. دراسة التاريخ لا تعطي دليلًا على اشتراك المرأة أو تخصيصها. الحياة الغربية المعاصرة، التي هي نتاج تربية خاطئة ومنقطعة عن الشريعة ووحيها، لا تعطي قيمة للعلاقة الزوجية ولمكانة المرأة وتمنح حرية غير مقيدة في العلاقات الجنسية، وهذا يدمر نسيج الأسرة. في حين أن البشر في قضية المال انتقلوا من الملكية الجماعية إلى الملكية الخاصة وأدركوا مفهوم الملكية الخاصة والربح، مما أضعف التعاون والمساعدة في استخدام الموارد. وهذا نتيجة نمو إدراك الإنسان لمفهوم الملكية. لذلك، ما يقوله الكتاب بأن الملكية الجماعية نتاج مشاعر العائلة والقبيلة غير صحيح:
  • (ص 164): «في مسألة الملكية، تقبل الجميع حقيقة أن شكلها كان في البداية جماعيًا ثم أصبح خاصًا، لكن في مسألة الجنس لم يكن الأمر كذلك أبدًا. سبب كون الملكية في بداية حياة الإنسان الجماعية هو أن المجتمع في ذلك الوقت كان قبليًا وأساسه الأسرة، أي أن أفراد القبيلة الذين عاشوا معًا كانوا يستفيدون من مشاعر عائلية ومن ثم كانت الملكية جماعية.»
  • لم يكن الإنسان في الماضي يستخدم موارد الآخرين بدافع مشاعر العائلة والقبيلة، بل لم يكن له ملكية فطرية في البداية، والملكية نشأت في مرحلة ثانية وتم تثبيتها. استخدم الإنسان مالًا وبقي في حوزته ثم أدرك الملكية. في المرحلة الأولى، لم يكن لدى الإنسان إدراك للملكية وهذا أمر يمكن إثباته نفسيًا وتاريخيًا واجتماعيًا. الملكية أمر فطري كما هي غريزة الملكية في الحيوانات. الحيوانات تستخدم مواردها حصريًا في نطاقها وبعضها له مناطق نفوذ. الطفل لا يدرك الملكية، لذا يأخذ ألعاب الآخرين ولا يفهم حتى يُعلم أن هذه اللعبة ملك لغيره. لدى الطفل رغبة طبيعية فقط في استخدام الممتلكات لكنه لا يدرك الملكية. لذا، اهتمام الإنسان بالملكية ليس في البداية بل هو رغبة. الحيوانات أيضًا كذلك، رغباتها تؤدي إلى الاستحواذ وليس الاعتقاد بالملكية. رغبات الإنسان البدائي أدت إلى الاقتراب من الأشياء والاستحواذ عليها. كما أن الملكية الجماعية أو الخاصة غير مثبتة بشكل قاطع عبر المصادر التاريخية لأن مصداقية هذه المصادر محل شك. الملكية استنادًا إلى مشاعر العائلة والقبيلة كانت جماعية في المرحلة الثانية من تاريخ البشر، وليس في المرحلة الأولى التي هيمنة فيها الغرائز الطبيعية على الإنسان. عدم وجود حياة جنسية جماعية غير مقيدة للبشر لا يوجد له دليل تاريخي موثوق، خصوصًا أن الإنسان الأول كان من القردة العليا، التي هي حيوانات متحورة اختلطت لاحقًا بالأنساب البشرية. حتى في الحيوانات ليس كل منها لديه حياة جنسية جماعية، وبعضها يتزاوج مع نسلها. بعض الحيوانات تستغل أبناءها جنسيًا. هذه الظاهرة ليست ثابتة ومتساوية لجميع الحيوانات.
  • الميول الطبيعية للبشر والغريزة الجنسية
  • ما ورد من السيدة منوچريان في تقسيم علم اجتماع حياة المرأة والرجل، له جذور في تعاليم الشيوعية؛ كما نقل الشهيد مطهري:
  • (ص 166) «فرضية الأربع مراحل في علاقات المرأة والرجل هي تقليد أخرق لفرضية الأربع مراحل التي يؤمن بها الاشتراكيون عن الملكية. فهم يقولون إن الإنسان قد مر بأربع مراحل في الملكية: مرحلة الاشتراك الأولي، مرحلة الإقطاع، مرحلة الرأسمالية، ومرحلة الاشتراكية والشيوعية التي تعود إلى الاشتراك الأولي لكن على مستوى أرفع.»
  • في البداية، وفي المرحلة الطبيعية، كان الإنسان يعيش فقط وفق ميوله وميولات الطبيعة، فالذكر الطبيعي يدعو الأنثى بحسب ميله الطبيعي ويقول “إليَّ إليَّ”. الأطفال والحيوانات يتصرفون بناءً على ميولهم. يكتب الشهيد مطهري:
  • (ص 165) «السيدة مهرangiz منوچريان في مقدمة كتاب “نقد القوانين الأساسية والمدنية في إيران” تقول: من الناحية الاجتماعية، حياة المرأة والرجل في مختلف بقاع الأرض تمر بإحدى هذه المراحل: 1. المرحلة الطبيعية 2. مرحلة سيطرة الرجل 3. مرحلة احتجاج المرأة 4. مرحلة المساواة بين المرأة والرجل.
  • في المرحلة الأولى، يختلط الرجل والمرأة ويتزاوجان بدون أي قيد أو شرط….»
  • القرآن الكريم بناءً على سيطرة الميول الطبيعية على الإنسان وحصره في التحرك ضمن هذه الميول النفسية يقول: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)[14]؛
  • هكذا يكون الإنسان معرضًا للخسارة. في ميول الإنسان الأولى، لا فرق بين المرأة والأشياء ورغبة التملك لها. وكان الإنسان الذي يتبع الميل محكومًا بعدم فهم الملكية والقوانين المعقدة. لا يوجد دليل على إثبات الملكية المشتركة أو الخاصة في مرحلة الميول الطبيعية، ولا شيء يُثبت ذلك، ولكن مرحلة “سيطرة الرجل” لا سند تاريخي لها، بل على العكس، الأدلة التاريخية تشير إلى حكم النساء في بعض المناطق، لكن من الناحية الفلسفية والنفسية قد تكون صحيحة. فالذكر كان له سلطة أكثر وحكم وسيطر على المرأة بل وأوقع عليها ظلمًا لا يحصى، كما استولى على الأشياء. أما مرحلة “احتجاج المرأة” فيمكن استنتاجها من نتائج الطبيعة، فالظلم والقهر لا يدومان، والمرأة حسب ميولها التحررية تبدأ بالاحتجاج لتخلص نفسها من الظلم وتطالب بحقها في الاعتراض، خاصة إذا اقتنعت بأنها ليست جنسيًا ضعيفة، وأن لها قوى طبيعية خاصة بها. أما مرحلة “المساواة بين المرأة والرجل” فلم تتحقق أبدًا. وحتى اليوم، ما زال الرجال يسيطرون على النساء، والنساء يعترضن على ذلك. اعتراض المرأة نابع من أنها لا ترضى أن يستغلها الرجل أو يظلمها أو يغتصبها، وترغب في أن يحفظ كل رجل كرامتها وشرفها. لكن الاعتراض الواسع والعالمي للنساء لا يعني أنهن وصلن إلى المساواة، بل ما زالت النساء في جميع أنحاء العالم مستغلات، وما زالت طبيعة الفطرة والحقيقة والحكمة والعلم والنفس الإنسانية تتجاهل المرأة.
  • هذه هي حقيقة موقف إثبات المرأة. لا الثورة الفرنسية ولا حقوق الإنسان التي نشأت منها، ولا الثورة الشيوعية في روسيا، ولا حتى الثورة الإسلامية في إيران استطاعت تحقيق هذه الآمال.

الباب السابع: الفروق بين المرأة والرجل

– تناول الشهيد مطهري، ضمن هذا البحث، وبما يتناسب مع إمكانات خمسينيات القرن الماضي وقدرة جمهور مجلة «زن‌روز» على التحمّل والمتابعة – الفروق بين الرجل والمرأة في الفصل السابع من الكتاب (صـ 171–190). ولم يكن القصد تقديم تحليل فلسفي أو نفسي شامل ومُشبَع؛ بل اقتصر على عرض آراء أفلاطون وأرسطو، وفي صفحة 177، تحت عنوان «رأي العالم المعاصر»، تم استعراض نتائج أبحاث ذلك الزمن. فالنزاع الأساسي في قضية حقوق الرجل والمرأة يستند إلى تحديد هذه الفروق بدقة. والفروق الدينية مبنية على اختلافات فلسفية ونفسية وتجريبية.
فعلى سبيل المثال، في صيغة عقد النكاح، المرأة تُعدّ الطرف الآمر والأول، والرجل الطرف القابل والثاني. والفلسفة – إن أرادت القول شيئًا ذا قيمة – لا بُد أن تستند إلى الخبرات والتجارب؛ لأن الرجل والمرأة يمتلكان شخصيات فريدة تُنسَب إلى كيانات واقعية.

إذا لم تكن هناك فروقات بين الرجل والمرأة، لما تكوّن النظام الأسري – برغم ما فيه من جمال – كما هو، ولا لكان العالم (الناسوت) نظامًا أفضل، ولا لكان له غاية، لأنّ غاية الناسوت تتجلّى في تحقيق النظام الأسري وقيمه، ومنها العشق.
كلّ من المرأة والرجل تقع له دورٌ مسبوق ودورٌ مؤخر، وليس صحيحًا أن الرجل أول دومًا أو المرأة دوم دومًا؛ بل الأمر نسبي. كما أن أية مزايا لا تُقاس بالمقارنة بين الجنسين. فلكلٍّ كمالٌ نوعيّ (فالإنسانية مشتركة) وكمالٌ وجودي: ليس الرجل كاملاً بمفرده، ولا المرأة بكاملها بدون الرجل، فلكل منهما امتيازاته.

المرأة والرجل لا يتشابهان كليًا في صفات إنسانيتهما، وليس أحدهما متفوّقًا على الآخر من حيث الإنسانية. ولكن من حيث الصفات الجندرية، يتسبب هذا التفاوت في ترتيب أدوار «الأول» و«الثاني». فالتفاضل هنا إنما ينشأ من خصائص فطرية، لا من امتلاك أحدهما شيئًا زائدًا على الآخر.

كُمال الإنسان لا يُشترط في أصل النوع، بل في ظهور الصفات والطاقات، التي تتطلب الفعل والقدرة والكسب. فمثلاً، المرأة اليوم – بشكل عام، لا فرديّ – ليس مؤهلة في القدرة الوجودية لنبوّة أو إنقاذ البشرية، لكنها تملك في صفاتها النفسية القدرة على الكمال.

المرأة، مثل الرجل، لا تملك الطموح لحياة مستقلة بمعنى العيش في عزلة، ولكنها – شأن الرجل – يمكنها أن تكون مستقلة داخل فضائها الطبيعي، دون الحاجة للطرف الآخر.

الإدارة والقيادة:

إدارة الأسرة الكبرى تتطلب العقلانية والبعد عن الانفعال، لهذا فهي تُناط بالرجل، بينما تُولى المرأة إدارة شؤون المنزل الداخلية، التي تحتاج للدفء والانفعال. يقول القرآن الكريم:

«الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»

فالأول–الرجل–يتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات العقلانية والرؤية الثاقبة، بينما تُضفي المرأة الدفء والتشجيع، وتُوجّه مشاعر الأسرة.

نظام الخليقة جعل الرجل بطبعه قائدًا حاميًا يتّسم بالحزم والتدبير، والمرأة بطبعتها مرشدة عاطفية تملأ قلب البيت بهيجًا. إن الحفاظ على هذا التوازن لا يُعدّ تقييدًا للحرية، بل حماية لبنانيات الحرّية داخل الأسرة والمجتمع، وصونًا للكرامة الإنسانية من الانسياق وراء الانفعالات العاطفية الجامحة.

وقد صرّح الشهيد مطهري قائلاً (صـ 173–174):

“في القرن العشرين، خصوصًا مع التقدّم العلمي الهائل، بدت الفروق بين الرجل والمرأة أكثر وضوحًا… ولكن هذه الفروق لا تعني أن أحدهما أرقى من الآخر. فالقانون الخلقي لم يُنشئ هذه الاختلافات للتفوق، بل لتقوية الروابط الأسرية وتقسيم الحقوق والواجبات بينهما.”

فالفروق لا تهدف فقط إلى تعزيز الروابط الزوجية، بل إلى تحقيق كمال الإنسان والمجتمع. فهي ليست تمييزًا، بل دلالة على التناسب الطبيعي، وهذه التناسبات التي تحافظ على النظام الاجتماعي والعائلي هي من شروط الحرية الحقيقية.

آراء أفلاطون في الجمهورية:

ينقل الشهيد مطهري بعض أفكار أفلاطون من كتابه «الجمهورية»، حيث يُشير إلى المساواة في القدرات بين الجنسين، قائلاً أن المرأة والرجل يمكن أن يتوليا نفس الوظائف ويتمتعان بنفس الحقوق. وينسب إليه:

“جوهر الأفكار الحديثة حول المرأة، التي قد تبدو راديكالية حتى في القرن العشرين، يمكن العثور عليها في فلسفة أفلاطون…”

لكن الشهيد مطهري ينتقد تجاهل أفلاطون للفروق النوعية، ويوضح أن المشاركة في تربية الأطفال أو الزواج المشترك دون نظر إلى الطبيعة الجندرية لا يتوافق مع الشريعة. وهو يرى ما في تنظيرات أفلاطون حول تنظيم النسل والإصلاح، لكن لا يرى في تطبيقها بلا ضابط أخلاقي وفق المنظور الإسلامي.

ملحظتان حول الجمهورية من «نظام حقوق المرأة في الإسلام» (صـ 176):

  1. أفلاطون يعترف بأن النساء أضعف مما الرجال من ناحية كمية، رغم تماثلهن معهم من ناحية المواهب الروحية والذهنية.
  2. يقول أفلاطون معلنًا: “أشكُر الله أنني لم أكن امرأة”، منبّهًا إلى التمييز النوعي الذي يراه بين الجنسين.

ولهذا، يرى الشهيد مطهري – وكما اعتبرناه مشرفًا – أن مقارنة الطبيعتين بشكل مباشر تشوه المفهوم، وأن الضعف والفرق الكمي يؤدِّيان لا محالة إلى تمايزات نوعية.

رأي المعاصر:

يشير الكتاب إلى الجدل المعاصر الذي يعكس – في الرأي – الثنائية بين الرجل والمرأة في الجوانب الجسدية والنفسية والعاطفية، ويصف هذا التباين بأنه من أعظم آيات الخلق. وهذا صحيح فيما يخص الفروق الجسدية. لكن بعض السمات النفسية والعاطفية التي استُعِرَت من علم النفس الغربي، ذي الأصول الثقافية المختلفة، قد تحتاج إلى مراجعة، فقد تقع ضحية تأثير المحيط أكثرَ من تأثير الطبيعة ذاتها.

فتقول (صـ180):

“الرجل أسير شهوته، والمرأة أسيرة حبّه… الرجل يحب المرأة التي اختارها، والمرأة تحب الرجل الذي قدرها وأعلن حبه لها… نشتهى أن نمتلك المرأة، وترغب المرأة في أن تسيطر على قلب الرجل… الرجل من الأعلى، والمرأة تسعى للنفاذ إلى قلبه… والرجل طامع، والمرأة منتظَمة… المرأة تطلب الشجاعة، والرجل يطلب الجمال… المرأة تستطيع أن تسيطر على شهواتها أكثر من الرجل؛ ليس لها شهوة بدنية مباشرة، بل استجابة عاطفية.”

لكن مطهري يعقب بأن هذا القول ليس مُطلَقًا، وأن كلا الجنسين يختبران الشهوة والوفاء والعاطفة، مع اختلاف في الشكل الظاهري. فالمرأة تظهر حياءً وتكتمًا، وليس أعظم قدرة على ضبط الشهوة. والبعض من هذه العبارات أكثر شاعرية من كونه قائمًا على حقائق علمية دقيقة.

ويقتبس الكتاب من عالم نفس أمريكي يُدعى بروفيسور ريك:

“إن عالم الرجل مختلف تمامًا عن عالم المرأة… صحيح أن المرأة والرجل من نفس الجسد، لكنهما – باختلاف التركيب الجسدي – مختلفان كليًا… لا تتصرفان ذات التصرف، فكل منهما يدور في فلكه الخاص… يمكن أن يفهم أحدهما الآخر ويكملانه، لكن لا يندمجان تمامًا؛ ولهذا يمكنهما أن يعيشا معًا ويحبّ أحدهما الآخر من دون أن يشعر أي منهما بالملل من الآخر.”

جذر الحقوق في الغرب

ينطلق أصل الحقوق في الغرب من فرضية فلسفية كما جاء في الكتاب عن هربرت سبنسر قوله:

«العدالة ليست مجرد مشاعر بل هي مزيج من شيء آخر وهو الحقوق الطبيعية للبشر، ولكي توجد العدالة بشكل فعلي يجب احترام الحقوق والامتيازات الطبيعية.»

هذا القول العلمي الجميل، يُثبت أن العدالة لا تتحقق بدون مراعاة الحقوق الطبيعية، أو بشكل أدق، الحقوق الوجودية. العدالة لا تبدأ بالحقوق الإنسانية فقط، بل تبدأ من الحقوق الطبيعية والفلسفية، أي الحقوق الوجودية، كنقطة انطلاق لتحقيق العدالة. في الشرق، يعتمدون على العاطفة، الثواب، البكاء، الحماس، والثورات في السياسة، بينما هذا مجرد نقطة انطلاق تعليمية، لا وجودية وطبيعية.

البشر يمتلكون قوتين أساسيتين: العاطفة والعقل، ولكن المجتمع الغربي توجه نحو العقلانية الفلسفية والتجربة العلمية والحقوق، وأسّس المعرفة البشرية على هذا الأساس، لا على العاطفة أو الحماس بدون معرفة. في إيران، إثارة المشاعر والدعاية أكثر فعالية من الأداء العملي، والعقلانية والحقوق والتطبيق على تعاليم الأئمة المعصومين لا تُطبّق بشكل عملي. يجتمع الناس في ليالي عاشوراء ويذرفون الدموع، ولكن في صباح عاشوراء أو ليلة الإحياء، ما زالت هناك إحصائيات عن السرقة والجرائم، من أشخاص صادقون قد بكى البعض منهم في الليلة السابقة.

الغربيون لم يتحدثوا عن إثارة المشاعر فقط، لأن العدالة لا تتحقق فقط بالعواطف، بل يجب أن ترافقها حقوق الإنسان الطبيعية، بل الحقوق الوجودية، وليس فقط الحقوق البشرية المطلقة. استطاع العلماء الغربيون تحويل هذا المفهوم إلى ثقافة عامة.

إن الروح الأخلاقية في الشرق والروح الحقوقية في الغرب أمر مرتبط بالتربية والاكتساب وليس بالبيئة أو الطبيعة. المجتمع الغربي يتفاعل مع العلماء الحقيقيين، أما المجتمع الشرقي فمرتبط بأشخاص يدّعون العلم دون محتوى علمي حقيقي. العلماء الشيعة المجتهدون الحقيقيون الذين لم يربطوا رزقهم بالناس، لم يكن لهم اتصال فعلي بالجماهير، والناس تقلّدوا هؤلاء الذين لا علم لهم.

لذا، هذا الأمر ليس مرتبطًا بالروح الشرقية أو الغربية، بل هو تابع للبنية وخصائص الحكم والإدارة الاجتماعية التي يجب متابعتها بشكل صحيح. طريقة العلماء في الغرب كانت بأن يؤدوا دورهم تجاه الناس بشكل جيد، فكتابة الروايات الفلسفية المبسطة والمسرحيات والأفلام المبنية على الأبحاث العلمية والفلسفية مثال على هذا التواصل الاجتماعي الوثيق، بينما مشكلة الباحثين الشرقيين هي افتقارهم إلى علاقة فعالة مع الناس وعدم القدرة على التحدث معهم بلغة علمية مبسطة. هذا العجز في التواصل أدى إلى إغفال الثقافة الدينية الصحيحة الخالية من التزييف، وكذلك عدم معرفة حقوق النساء وغياب المطالبة القانونية لتفعيل هذه الحقوق.

الفلسفية لإعلان حقوق الإنسان

كما ذُكر سابقًا، الحقوق مبنية على الفلسفة والمعرفة بالوجود والعلاقات بين الوجود والظهور، وهي اختصاص الفلاسفة القانونيين، لكن هذا لا يعني أن هذه الحقوق تحتاج فقط إلى الفهم النظري ولا تتطلب اختيارًا تشريعيًا أو برلمانيًا لتحويلها إلى ثقافة عامة.

يقول الكتاب:

«من المضحك أن يقولوا إن نص إعلان حقوق الإنسان قد صادقت عليه البرلمانين، وبما أن مساواة حقوق المرأة والرجل مدرجة في مواد الإعلان، يجب قانونًا أن يتمتع الرجل والمرأة بحقوق متساوية.

هل نص إعلان حقوق الإنسان شيء من اختصاص البرلمانين ليصادقوا عليه أو يرفضوه؟ محتويات الإعلان ليست عقدًا يمكن للسلطة التشريعية للدول المصادقة عليه أو رفضه.

إعلان حقوق الإنسان يناقش حقوقًا ذاتية وغير قابلة للنزع أو التنازل، وهي حقوق يدعي الإعلان أنها لازمة للكرامة الإنسانية، وأن القوة الخالقة التي وهبت الإنسان العقل والإرادة والكرامة قد منحت هذه الحقوق أيضًا.

لا يمكن للبشر أن يضعوا أو يسقطوا محتويات الإعلان لأنفسهم. فما معنى المرور عبر مصادقة البرلمان؟ الإعلان فلسفة وليس قانونًا، ويجب أن يصادق عليه الفلاسفة، وليس الممثلون. لا يمكن للبرلمان عبر التصويت وضع فلسفة ومنطق للشعب. فإذا كان الأمر كذلك، يجب أن تُعرض فلسفة النسبية لآينشتاين على البرلمان للمصادقة، وكذلك فرضية وجود الحياة في الكواكب.»

قوانين البشر هي نتاج المعارف الفلسفية، ولكي يتم تحويل المذهب والمعرفة الفلسفية إلى كيان اجتماعي قابل للتنفيذ، يجب أن تتحول إلى قانون يحظى بالمصادقة والقبول الشعبي. مثلما الإسلام دين الحق، فإن مجلس الشورى الإسلامي يحتاج إلى النقاش والتصويت لتطبيق الأحكام الثابتة على الموضوعات، وتحويل التعاليم الدينية إلى قوانين ثقافية واجتماعية معززة بالجزاء، ومن ثم تُرسخ هذه القوانين في المجتمع.

ليس صحيحًا أن المجلس يسن القانون دون دعم فلسفي وعلمي من العلماء والفلاسفة. التصديق على القانون يعطيه قيمة عملية وضمان تنفيذ.

فلسفة النسبية لآينشتاين تُقبل في الأكاديميات العلمية، وهذا يعني تصديقها. أما البرلمان فيصدق بعض القوانين الفلسفية، والجامعات تصادق على القوانين العلمية، والطبيب على قوانين الصحة. فوزارة الزراعة تختبر القمح والفواكه في المختبرات، ثم تقدم النتائج العلمية للمزارعين، وتلزمهم باستخدام البذور المعدلة. نفس الأمر في مراكز البحث العلمي، حيث يُوقع العلماء على نتائجهم ويصادقون عليها. هذا الأمر يشبه الحصول على شهادة جودة للمنتج.

استشهد الشهيد مطهري بعبارة تُظهر تجاهله لضرورة ربط الفلسفة والقانون بالقوة التشريعية ومقبولية الشعب، حيث قال:

«عندما يصدر إعلان من مجموعة من المفكرين والفلاسفة، يجب على الشعوب تقديمه إلى فلاسفة ومجتهدي حقوقهم، فإذا تأكد هؤلاء من صحة الحقوق، يجب على الجميع احترامها كحقائق فوق القانون. والسلطة التشريعية ملزمة بعدم سن قوانين تتعارض معها.

أما الشعوب الأخرى، فلا تلزمها هذه الحقوق حتى تثبت لهم ذاتيًا وجودها الطبيعي. وهذه القضايا ليست تجريبية أو مختبرية. وهذه الوسائل متاحة للأوروبيين وغير متاحة للآخرين؛ فكسر الذرة ليس سرًا يمتلكه سوى قلة محدودة. الفلسفة والمنطق أدواتها العقل والقدرة على الاستدلال.»

حقوق الإنسان مبنية على فلسفة الطبيعة والإنسانية والمحورية الإنسانية، ولكن يجب أن تبنى على فلسفة الوجود. حقوق الإنسان الغربية مقبولة من حيث المبدأ لا كليًا، وبعض موادها بها أخطاء وتحتاج إلى نقد وتصحيح. لا يُمكن فرض حقوق الإنسان على الشعوب بالقوة. حقوق الإنسان محترمة لأنها في صالح البشر، لا بسبب هيمنة الدول.

الخلط بين تغيير الموضوع وتغيير الحكم

الكتاب في عبارات معينة خلط بين تغيير الموضوع وتغيير الحكم. بعض الموضوعات مع تطور العلم والصناعة تصبح مرتبطة بظروف جانبية مؤثرة وتتغير، وهذا يعني وجود موضوعين مختلفين: الموضوع القديم بحكمه الخاص، والموضوع الجديد الذي يجب إصدار حكم جديد له.

تغيير الموضوع لا يعني تغيير الحكم السابق، بل يحمل الحكم الخاص بالموضوع الجديد. في الإسلام، الأحكام كلها ثابتة ولا تتغير. «الأحكام ثابتة ومتغيرة» تعبير خاطئ، فالأحكام كلها ثابتة.

مثال الدم والفضلات التي كانت محرمة للبيع لأنها لم تكن ذات فائدة، مع تقدم العلوم أصبح الدم موضوعًا جديدًا يمكن استخدامه، فأصبح البيع جائزًا. الحكم في الإسلام لم يتغير، لكن موضوع الحكم تغير.

الفرق بين الفلسفة والحقوق

الكتاب خلط بين مقام الثبوت والفلسفة وبين مقام الإثبات والتنفيذ. اكتشاف الفلسفة للحقوق مختلف عن تنفيذها. لا يصل القانون إلى التنفيذ والثقافة بدون قبول شعبي.

الفيلسوف القانوني يجب أن يصف الحقوق علميًا ويبينها ويفسرها ويبررها ليصل بها إلى قبول شعبي واعٍ، ثم تتحول إلى قانون واضح مع ضمان تنفيذ.

إذا لم تتبع هذه العملية، تُفقد الحريات الكبرى اجتماعيًا. الكتاب يعتبر ربط الفلسفة بقانون مباشر غير عملي.

الرجوع إلى آراء الشباب والناس ضروري، لأنهم أصحاب التجربة المباشرة. فلسفة الحقوق يجب أن تدمج بين الفلسفة العلمية والرأي الشعبي ضمن حلقة متكاملة للقانون.

مقدمة

من الضروري أولاً تناول موضوع أصل وجذر حقوق الإنسان، ثم دراسة خصوصيات حقوق المرأة والرجل. يجب أن يرجع أصل الحقوق إلى المدارس الفلسفية لا إلى الحركات أو المدارس القانونية. وقد أجرينا هذا البحث في كتاب “الحقوق الحديثة”. النقاش القانوني مسألة أساسية، ويجب بدايةً دراسة الأسس الفلسفية لهذه المسألة، لمعرفة إن كان من الناحية الفلسفية طبيعة الجنسين، أي المرأة والرجل، متشابهة أم متساوية، ثم يتم طرح النقاش القانوني بناءً على ذلك. فلا بدّ من التعرف على طبيعة المرأة والرجل لتحديد صفاتهما وخصائصهما.

لقد تحدثنا عن طبيعة الذكورة والأنوثة في نقد كتاب “المرأة في مرآة الجلال والجمال”. ثم يواجه الكتاب مسألة فلسفية أساسية في “انحدار الإنسان وسقوطه في الفلسفات الغربية”، لكنه لا يتابع هذا السؤال من الناحية الفلسفية الجذرية ولا يصل إلى حقوق الوجود.

يقول الشهيد مطهري:
“هنا نواجه مرة أخرى مسألة فلسفية قديمة: تقييم الإنسان ومقامه وشرفه مقارنة بالمخلوقات الأخرى، وشخصيته التي تستحق الاحترام. يجب أن نسأل: ما هي تلك الشخصية الذاتية الإنسانية التي كانت مصدرًا للحقوق وجعلته متميزًا عن الحصان والبقرة والغنم والحمام؟ وهنا تظهر تناقضات واضحة بين أساس إعلان حقوق الإنسان من جهة وتقييم الإنسان في الفلسفة الغربية من جهة أخرى.”

ينتقد الشهيد مطهري الفلسفة الغربية في فهم الإنسان وكرامته لأنها تخلت عن مفهوم الإنسان المتعالي واعتبرت الإنسان مثل الحيوان والآلة. بعض الفلاسفة الغربيين ينكرون الحقائق الغيبية التي يؤمن بها الشرقيون، وفلسفتهم تختلف عن الإنسان‌شناسیة الشرقيّة. الفلسفة السائدة في الغرب إنسانية ومادية، لا تستند إلى ذات مستقلة للوجود. كما ينكر بعضهم النفس المجردة للإنسان وينكرون الكثير من الحقائق المرافقة، لكن هذا الأمر ليس مرتبطًا بحقوق الإنسان.

الغربيون يقولون إن هذا الإنسان المادي له حقوق يجب أن يتمتع بها لإقامة المجتمع، وهذا الادعاء لا علاقة له بموضوع تجرد النفس. اليوم أكثر من مائة دولة قبلت حقوق الإنسان، وهي تنتمي إلى ديانات ومعتقدات عديدة مثل الهندوسية، المسيحية، الإسلام، اليهودية، وغيرها، وهذه الحقوق ليست مرتبطة بالحقائق الغيبية أو الميتافيزيقية.

يقول الكتاب خطأً:
“يجب أن يصدر إعلان حقوق الإنسان من قِبل من يرى الإنسان في مرتبة أعلى من مجرد تركيب مادي آلي، ولا يقتصر الدافع والدفع الإنساني على الأمور الحيوانية والشخصية فقط، بل يعترف بالضمير الإنساني. يجب أن يصدر الإعلان من الشرق الذي يؤمن بأصل (إني جاعل في الأرض خليفة) ويرى في الإنسان مظاهر للوهية.”

لو كان الشرق يمتلك القوة العلمية والسياسية وكان قادرًا على تطبيق مبدأ التوافق الأقصى والوسطية، لكان بإمكانه فرض هذا الخطاب الحقوقي على العالم. من يعتقد أن الإنسان خليفة الله في الأرض، يجب أن يمتلك الإمكانيات والنظام لتحقيق هذا الفكر ليصبح ثقافة عالمية عامة. من دون هذه الأدوات لا يمكن إصدار إعلان حقوق عالمي.

من ناحية أخرى، ما أصدره الغرب لا يناسب الشرق الذي يمتلك فكرًا فلسفيًا مستقلًا. لا يمكن الحديث عن الخلافة الإلهية والولاية العامة أمام الغرب من دون العلم والقوة، وإن كان “ما لا يدرك كله لا يترك كله”. مع ذلك، هذا الإعلان يحمل بعض الإيجابيات؛ فحقوق الإنسان، إذا أُحسن تطبيقها بشكل نظامي وعادل وحتى حد أدنى، تبقى هدفًا مرغوبًا.

يشرح الشهيد مطهري انحراف الغرب في “نسيانه لنفسه ولنفس إلهه”:
“المسألة المهمة هي أن الإنسان قد حقّر نفسه، وغاب عن التأمل الداخلي والضمير، ووجه اهتمامه كله نحو العالم الحسي والمادي. لا يرى هدفًا غير التلذذ بالماديات، ويعتبر الخلق عبثًا، وينكر نفسه، ويفقد روحه. معظم بؤس الإنسان اليوم ناتج عن هذا التفكير المؤسف، وهو على وشك أن ينتشر عالميًا ويهلك البشرية تمامًا. هذا التفكير في الإنسان أدى إلى أن الإنسان الحقيقي يجب أن يُبحث عنه في الماضي، فكلما توسعت الحضارة ازداد الإنسان وضاع.”

يقول غاندي:
“الغربي يستحق لقب إله الأرض لأنه يمتلك كل الإمكانيات والموارد الأرضية، وقادر على أعمال يُعتبرها الآخرون قوة إلهية. لكنه عاجز عن شيء واحد: التأمل في داخله. هذا يكفي لإثبات بطلان بريق الحضارة الجديدة.”

يرى الشهيد مطهري أن هذا النسيان الكبير والغياب الداخلي للإنسان قد أدى إلى نفي عملي لإعلان حقوق الإنسان من قبل الغرب نفسه، الذي يدعي أصول هذه الحقوق ويطالب بتطبيقها من الشعوب الأخرى:
“لذلك، إعلان حقوق الإنسان تم نقضه قبل الجميع وبواسطة الغرب ذاته. الفلسفة التي يتبعها الغرب في حياته تؤدي حتمًا إلى فشل الإعلان.”

مع ذلك، لا ننسى أن الشرقيين أيضًا لم يحققوا السلطة على العالم ولا وجدوا ذاتهم أو إلههم بسبب الانشغال بالعديد من الخرافات والعادات العلمية والإنسانية. الفرق بين الغرب والشرق هو أن الغربيين أدركوا خلال عصر النهضة أنهم غرقوا في الخرافات باسم الدين والمسيحية، وقاتلوا ضدها واتجهوا نحو العلم والصناعة والتقدم. ترك الغرب الخرافات كان أمرًا صحيحًا، لكن إنكار كل شيء باسم محاربة الخرافات أدى إلى انحرافهم. إنهم أنكروا الحقائق أيضًا، ولم يسعوا لمعرفة الحقائق بشكل علمي. المشكلة الغربية هي الإنكار، والشرقيون لم يستطيعوا بعد إنكار الخرافات، بل يعيشون في ركود وتصلب خلف جدران تلك الخرافات، ويستخدمون كثيرًا من الخرافات باعتبارها حقائق. لم يجدوا طريقًا إلى السعادة الحقيقية في الدنيا ولا في الآخرة.

العالم كله ينتظر طبيبًا حكيمًا يُعلم الشرقيين كيف لا يفقدوا دنياهم، ويبين للغربيين أن لا يعتبروا الحقائق خرافات، ويكشف الحقيقة لكلا الجانبين. الشهيد مطهري يتجه في نقده إلى الغرب بطريقة حادة وهو أمر مذموم، فالإنسانية واحدة ويجب أن يكون العلماء منصفين. الغرب لديه جوانب إيجابية في حقوق الإنسان، والشرق بحاجة إلى تأسيس علم جديد يُسمى “علم نقد الخرافات” حتى لا يقع المجتمع في منكرات إنكار الحقائق والميتافيزيقا كما حدث في الغرب مع الكنيسة.

الفصل السادس: الأسس الطبيعية للحقوق الأسرية

في هذا الفصل يشرح الكتاب الأسس الطبيعية لحقوق الأسرة، وهي مسألة مهمة ومعقدة، ولها خلفية تاريخية وجدل واسع، وتحتاج إلى دراسة دقيقة وحذرة.

الأسس المختصرة كالآتي:

  • الطبيعة هدفية، وتعطي الحقوق حق التفعيل بناءً على القدرات الطبيعية.
  • الإنسان، ككائن كامل، يمتلك حقوقًا إنسانية تختلف عن الكائنات الأخرى.
  • يتم التعرف على الحقوق الطبيعية من خلال النظر في الوجود وقوانين الخلق والعلاقات بين المخلوقات.
  • الأشخاص في المجتمع المدني يمتلكون حقوقًا طبيعية متساوية ومتشابهة، لكن الحقوق المكتسبة قد تختلف.
  • التنظيمات الاجتماعية ليست طبيعية، فلا تفرض الطبيعة فروقًا بينها.
  • حقوق الأسرة بين المرأة والرجل متشابهة لأن الأسرة تشبه المجتمع المدني في أن الطبيعة لم تحدد لهما تقسيمات أو أدوارًا طبيعية، والاختلافات في الحقوق اكتسابية.

أما فرضية عدم التشابه فتقول إن الأسرة تختلف عن المجتمع المدني، والمرأة والرجل مختلفان في القدرات والاحتياجات، والطبيعة قد وضعت لكل منهما وضعًا مختلفًا وأدوارًا محددة.

يرى الشهيد مطهري أن معيار التحقق من صحة أي من هاتين الفرضيتين هو الرجوع إلى الطبيعة ومعرفة القدرات والاحتياجات الطبيعية للرجل والمرأة، باعتبار ذلك المرجع الوحيد لاكتشاف حقوق الإنسان.

يقول الشهيد مطهري:
“روح وإطار إعلان حقوق الإنسان هو أن الإنسان يمتلك شخصية ذاتية محترمة وحقوقًا وحريات في الخلق لا يمكن الانتقاص منها أو التنازل عنها، وهذا ما توافق عليه الإسلام والفلسفات الشرقية. ما لا يتوافق مع هذه الروح هو التفسيرات التي تقدمها بعض الأنظمة الفلسفية الغربية للإنسان وطبيعة الكون.”

الحقوق الطبيعية والفطرية تستند إلى أن الخلق يوجه المخلوقات نحو الكمال وفقًا لقدراتها. كل قدرة طبيعية تشكل أساسًا لحق طبيعي وسندًا له. مثلاً، الطفل له حق التعلم لأن لديه قدرة عقلية على التعلم، لكن الغنم لا يملك هذا الحق لأنه لا يمتلك هذه القدرة.

الحقوق التي تفوق الطبيعة تُكتشف من وجود العلاقات بين الظ

طبقًا للمفاهيم الفلسفية التي توضّح أن المرأة والرجل صنفان من نوع واحد (الإنسان)، وليس صنفين مستقلّين، فإن العالم الخاص بكل منهما لا يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا للدرجة التي تفيد بأنهما نوعان مختلفان، لأنه لو كانا كذلك فإنهما يُعتبران نوعين مختلفين، وهذا يتعارض مع وحدة النوع وكرامة الخلق.

الفروقات الجندرية الأساسية تجعل من الرجل والمرأة صنفين متميّزين يكملان بعضهما دون أن يكونا متشابهين. ولولا هذه الفوارق لاكتظّت الوجودية بخلق عبثي لا يتوافق مع “النظام الأحسن” الإلهي. كلاهما خلْق من نطفة واحدة، والنصوص التوراتية المحرّفة غير علمية.

لو كان الرجل والمرأة نوعين مستقلين، لما نشأت علاقة حب بينهما، لأن الحب ينشأ بين متكاملين ومتجاذبين – أي أن كلَّ طرف يرى في الآخر كمالًا من نوعه. وكذلك الإنسان الذي يعجب بجمال زهرة، لأنه يرى فيها صورة لنفسه؛ وكذلك الوالدون يحبّون أبناءهم لأنهم يرون فيهم امتدادًا لأنفسهم.

القرآن يقول:

﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾

فالرجل والمرأة مِن جوهر واحد وإن بدت مظاهرهما الجندرية متباينة. ولهذا لا يمكن أن يكون عالمهما غير متمايز كليًا.

أما عن الفروقات النفسية والسلوكية المشترَكة بين الرجل والمرأة وفقًا لما أورده “البروفيسور ريك” (ص 181):

  • يختلف الرجل والمرأة في طبيعة تفاعلهم العاطفي، فالرجل قد يشعر بالإنزعاج من التواجد الدائم، بينما المرأة تجد المتعة في قرب من تحبه يوميًا.
  • ترغب المرأة بالتجدد الدائم أمام زوجها، وتحب الكلمات التي تعبّر عن تقديرها له (“عزيزي، أحبك”)، بينما الرجل يحب أن يشعر بالاحترام (“أنا أفخر بك”) لأن قوته مصدر افتخاره.
  • غالبًا، تغار المرأة من تعدّد العلاقات السابقة للرجل، بينما يُنظر للرجل متعدد العلاقات على نحو جذّاب في بعض الثقافات، لكن هذا ليس طبيعيًا بل عارض ثقافي تربي عليه.
  • في الشيخوخة، يُشعر الرجل بالتعاسة إذا فقد مكانته أو عمله، أما المرأة فتشعر بالرضا إذا حصلت على بيت وأحفاد، ما دامت تحظى بالاحترام والدفء العائلي.

التلخيص النفسي العاطفي وفق “ريك”:

“رجل يريد أن يغير دينه أو جنسيته من أجل المرأة التي يحب… أما المرأة فتميل لأن تُغيّر دينها وجنسيتها انطلاقًا من حبها للرجل”

وهذا يشير إلى أن العاطفة فورانية لدى المرأة وتتعلق أكثر بالأمان والاتجاه العاطفي الفوري.

والفصل حول (من يقود العلاقة – مثلما في القران الكريم) يشير إلى أن العلاقة لا تقوم على الشهوة فقط، بل على مودّة ورحمة، وهي أعلى من الشهوة وأعمق؛ إذ إن العشق الذي يربط الزوجين هو الذي يؤسس لاتحاد روحي يتجاوز رغبة الجسد.

وفي سياق الظلم ضد المرأة، يوضح الشهيد مطهري أن السبب ليس الجهل أو العرف فقط، بل طبيعة الإنسانية التي تميل إلى أنانية الذات، وبالرغم من تعلق الرجل بالمرأة أو بأبنائه، فإن غريزة حب النفس قد تدفع إلى ظلمهم أيضًا.

أما الحقوق الشرعية والجندرية: فهي تتفرّع إلى نوعين:

  • الحقوق ذات الطبيعة غير الفطرية كالعادات والتقاليد التي لا يجب أن تؤسس لقوانين شرعية؛
  • والحقوق المتولدة من الفروق الطبيعية الجندرية التي تستند إلى الفطرة الخلقية لكل من الرجل والمرأة، ثم إلى ما تتفرّع عنه من تكليفات شرعية.

وبالتالي، ليست كل فروق الأدوار بين الجنسين قائمة على الفطرة، وأنماط الحقوق والتكليفات يجب أن تكون مستندة إلى الفطرة ولا يجوز أن تُبنى على الاعتباريات الباطلة.

خاتمة:

  1. الرجل والمرأة صنفان من الكائن البشري الواحد، والفروق بينهما تكمّل ولا تنفي وحدة النوع.
  2. الحب والانوثة ينبعان من إدراك الإنسان امتداده في الآخر، لا من اختلاف النوع.
  3. الفروق النفسية والعاطفية موجودة وموضعية وليست مطلقة على جميع الأزمنة.
  4. العلاقة الزوجية أساسها العشق والمودّة، ولا تبنى فقط على الرغبة الجنسية.
  5. الظلم ضد المرأة منبعُه الطبيعة الأنانية البشرية، ولا يجوز تبريره بعرف أو شريعة مختلقة.
  6. لا بد لأحكام الحقوق والتكاليف أن تُبنى على الفطرة الطبيعية، لا على العادات أو الأعراف غير الشرعية.

البند القانوني: مهر شرعي اعتباري لا طبيعي

  • يقول المرحوم مطهري إن تأثير المرأة في الرجل حقيقي وذو حضور قوي، حيث يكون تأثير المرأة في الرجل أعمق وأكبر من تأثير الرجل في المرأة. وهذا التأثير يعود إلى التحفظات الدقيقة للمرأة والمستمدة من الحياء والعفاف. ولكن القول بأن المرأة تؤثر في الرجل بشكل عام ومطلق غير صحيح، فالتأثير بين الرجل والمرأة متبادل ونوعيته تختلف حسب الكمية والنوعية. الرجل يؤثر بالقوة والذكاء والسياسة، والمرأة باللطف والكتمان.
    ويخلص مطهري إلى القول:

(ص 200) «المهر هو جزء من نظام شامل منصوص عليه في خلق الإنسان، وهو إعداد فطري بواسطة الفطرة.»

وفيما بعد، تحت عنوان «المهر والنفقة (2)» يعيد صياغة موقفه من المهر متجنبًا نسب الضعف للمرأة:

(ص 203) «في الفصل السابق شرحنا فلسفة وأصل المهر. ظهر أن المهر نتيجة لوضع قانون الخلق أدوارًا منفصلة لكل جنس. المهر ينبع من مشاعر الرجل الرقيقة والعطوفة وليس من مشاعر المِلْكية الخشنة. والمشاركة النسائية في هذا الأمر هي حس التحكم والاحتشام، وليس الضعف أو الانهزام. المهر هو تدبير إلهي لرفع مكانة المرأة ووضعها في مرتبة أعلى، يعطيها شخصية وقيمة معنوية أكبر من قيمته المادية.»

في الطبيعة، البلبل يحب الزهرة دون وجود مهر متبادل، إذ تغمر الكائنات كلها المحبة والعشق النقي. وكلما كان العشق أنقى وأكثر إخلاصًا، يصبح بلا طمع ولا حاجة للمهر. المهر هو عقد اجتماعي بشري، وليس من طبيعة الخلق ولا من إبداعه. لذا، بما أن المهر ليس فطريًا أو طبيعيًا، فلا يمكن القول إن القرآن الكريم أعاده إلى صورته الفطرية، بل يُفهم الأمر كما في تعامله مع السنن الاجتماعية الأخرى مثل شرب الخمر أو الرق؛ لم يُلغِ المهر لكنه جعله حقًا للمرأة ملتزمًا بالعادات، حيث توافق الأعراف تختلف عبر العصور.

المرحوم مطهري يكتب تحت عنوان «المهر في القرآن»:

(ص 200) «القرآن الكريم لم يخترع أو يبدع المهر كما وصفناه في المرحلة الخامسة، لأن المهر من خلق الخلق. القرآن أعاد المهر إلى حالته الفطرية.»

القرآن الكريم اعترف بالمهر كعرف اجتماعي وأقرّه، وصححه لحماية المرأة وجعله ملكًا لها. كما قال عن البيع والشراء: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [27]، إذ أقر البيع كتجارة مشروعة وحرم الربا. المهر في القرآن:

قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) [28].

يشرح المرحوم مطهري الآية قائلاً:

(ص 200) «القرآن الكريم أشار في هذه الجملة إلى ثلاث نقاط رئيسية:

أولًا، سمّى المهر “صدقة” (بضم الدال) وليس “مهر”، والصّدقة مأخوذة من الصدق، ومن هنا يسمّى المهر صداقًا لأنه دليل صدق حب الرجل. وأكد بعض المفسرين مثل صاحب الكشاف هذه النقطة.

ثانيًا، بإلحاق الضمير (هنَّ) يريد أن يؤكد أن المهر يخص المرأة نفسها وليس والدها أو والدتها، فلا هو أجر الرضاعة أو التربية.

ثالثًا، بكلمة (نحلة) بيّن أن المهر هو هدية ونعمة بلا مقابل.»

والصدقة في اللغة تحمل معنى العطاء الذي له مقابل معنوي مثل رضا الله أو دفع البلاء، وليست عطاءً بلا مقابل. أما المهر فهو له مقابل مادي. وعند صياغة عقد الزواج، يُمكن تسمية المهر صداقًا أو مهرًا، ولكن القرآن اختار “الصداق” ليبرز أن المقابل ليس ماديًا فقط بل تصديق حب الرجل للمرأة، فهو علامة صدقه. فكلما أعطى الرجل أفضل وأغلى ما يملك كان إثبات حبه أكثر صدقًا. وفي العرف، يقدم الناس الهدايا لمن يحبون كنوع من التكريم، والمهر كذلك هو هدية ودلالة على الاحترام.

الرجل بإعطائه مهرًا يثبت صدق حبه، والمرأة تظهر حبها بطريقة مختلفة: فهي تملك اللطافة والكتمان، ولا تعلن حبها علنًا بل تجذب الرجل إليها بصمت. الرجل بإهدائه المهر يعلن قطع ملاحقته ويُظهر حبه حقًا. حتى في فترة الخطبة، يُهدى الزهور والحلوى كدليل صدق.

في علاقة الحب، الرجل هو الذي يتنازل ويعطي الهدايا لأنه صاحب القوة، والمرأة بطيبتها وصبرها تكسب النفوذ. والمرأة ليست ضعيفة، بل تمتلك قوة ناعمة، والرجل يمتلك قوة مادية. تنازل الرجل ودفع الهدايا هو احترام له لطافة المرأة. أما في حالات خاصة، قد تخسر المرأة في الحب مثل قصة زليخا التي قدمت نفسها هدية ليوسف.

وهذا العقد الاجتماعي يعكس قانون الطبيعة: من يصبر ويستطيع التحمل يكون المنتصر، ومن يخسر يجب أن يقدم هدية. في المصارعة أيضًا المنتصر هو من يطول صبره، والمرأة غالبًا تتغلب بطبيعتها اللطيفة وصبرها، والرجل بصلابته وقوته غالبًا ما ينكسر لكنه يتنازل كي يحفظ الحب. المرأة تحب بصمت لكنها قوية وذات تأثير عميق.

وكمثال عملي، السيدة خديجة رغم معارضة عائلتها، هي من دفعت المهر للنبي محمد عليه السلام، وهي بذلك تعلن حبها والتزامها تجاهه.»

من طُرُزِ جَمالِ وَحُسْنِ الْمَرْأَةِ اللَّطَافَةُ، فَحِينَ يَنْقَطِعُ حَبْلُ اللَّطَافَةِ عِنْدَ الْمَرْأَةِ، لَا تَعُودُ تَسْتَطِيعُ كَتْمَ حُبِّهَا، وَتَصْرِفُ نَفْسَهَا إِلَى إِظْهَارِهِ، كَمَا فَعَلَتْ زُلَيْخَا حِينَ أَفْشَتْ حُبَّهَا، فَقَدْ رَأَتْ يُوسُفَ أَلْطَفَ مِنْهَا فِي الْحُبِّ. وَرَأَتْ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ 3 أَلْطَفَ مِنْ نَفْسِهَا، وَكَمَّلَتْهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَأَحَبَّتْهُ، وَلَكِنَّ مَسِيرَةَ هَذَيْنِ الْحُبَّيْنِ مُخْتَلِفَةٌ. فَالسَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ 3 تَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْكَمَالِ وَالْوَقَارِ وَالْعِفَّةِ وَالطَّهَارَةِ، وَأَمَّا زُلَيْخَا فَفَقَدَتِ التَّوَازُنَ فِي حُبِّهَا وَخَالَفَتْ شَرْعِيَّةَ الطَّرِيقِ، وَأَصْبَحَتْ تَسْعَى إِلَى الْإِثْمِ.

وَعِنْدَمَا سَخِرَ النِّسَاءُ مِنْ زُلَيْخَا بِسَبَبِ حُبِّهَا لِيُوسُفَ، أَخَذَتْهُنَّ إِلَى فَخِّ جَمَالِ يُوسُفَ، وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ لُطْفَ يُوسُفَ الْبَاهِرَ. وَكَانَتِ النِّسَاءُ فِي مَوَاجَهَةِ الْإِمَامِ الْحَسَنِ 7 كَذَلِكَ، حَيْثُ كُنَّ يُحِبُّنَهُ كَثِيرًا لِأَنَّهُ أَلْطَفُ مِنْهُنَّ وَأَحْلَى.

فِي مَجَالِ الْحُبِّ، مَن يَفْقِدُ تَحَكُّمَهُ وَيَسْتَسْلِمُ، يَبْدَأُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَى الْمَحْبُوبِ. وَالرَّجُلُ لَا يُنْفِقُ إِلَّا حَتَّى تَسْتَمِرَّ لُطْفَةُ الْمَرْأَةِ وَكَتْمُهَا وَحَسُّهَا بِالْحَيَاءِ، وَحَتَّى لَا يَصِلَ الْحُبُّ إِلَى حَدِّ الْحَرْقِ وَالْإِبْرَادِ النَّهَائِيِّ لِلرَّجُلِ. فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، كَمَا فِي قِصَّةِ زُلَيْخَا، يُضْحِي الرَّجُلُ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ لِأَجْلِ الْمَحْبُوبَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قِصَّةَ حُبِّ زُلَيْخَا قَائِلًا:
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) [يوسف: 52].
فَهُنَا تَصْرِحُ الآيَةُ بِالْحَاجَةِ وَالْغَرَزِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَكِنَّ زُلَيْخَا قَدْ فَقَدَتْ تَحَكُّمَهَا بِسَبَبِ لُطْفِ يُوسُفَ.

وَيَقُولُ الْقُرْآنُ أَيْضًا:
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف: 53].
وَهَذِهِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ تَأْمُرُ بِالسُّوءِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الْحُبَّ الَّذِي يَأْتِي طَبِيعِيًّا وَمَبْنِيًّا عَلَى الْفِطْرَةِ، يَعْتَمِدُ عَلَى لُطَافَةِ وَجَمَالِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَدْفَعُ الرَّجُلَ إِلَى إِهْدَاءِ الْهَدَايَا وَالْإِفْرَاضِ لِكَيْ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مَعَهُ. وَلَا يَهُمُّ أَنْ يَكُونَ الْزَّوَاجُ قَانُونِيًّا أَوْ مِنْ نَوْعِ الزَّوَاجِ الشَّرْقِيِّ أَوْ الغَرْبِيِّ أَوْ غَيْرِ قَانُونِيٍّ.

وَعَلَى الرَّجُلِ، بِحَسَبِ مَا ذَكَرَ الْمُطَهَّرِيُّ، أَنْ يُبْدِيَ دَفْعَهُ الطَّبِيعِيَّ فِي حُبِّهِ، وَيُقَدِّمَ الْهَدِيَّةَ وَيُحَمِّلَ نَفْقَةَ الْمَرْأَةِ. وَهَذَا الْمَهْرُ يَنْبُعُ مِنْ حُبٍّ وَرَأْفَةٍ، وَلَيْسَ مِنْ مَلَكِيَّةٍ وَعُنْفٍ.

وَيَكُونُ الرَّجُلُ مُنْفَعِلًا فِي الْحُبِّ أَمَامَ لُطَافَةِ وَكِتْمَانِ الْمَرْأَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْلِنَ حُبَّهُ وَيَطْلُبَ يَدَهَا وَيُقَدِّمَ الْمَهْرَ.

وَذَلِكَ فِي حَالِ أَنْ لَمْ تَقْطَعِ الْمَرْأَةُ عِشْقَهَا، وَتُعْطِيَ الرَّجُلَ فُرْصَةً لِإِظْهَارِ حُبِّهِ. وَالْكِتَابُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَى نَاحِيَةِ الْحُبِّ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ.

وَفِي حَالِ تَسَلُّطِ الْحُبِّ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَذْهَبُ إِلَى الطَّلَبِ وَالْخِطْبَةِ مِنَ الرَّجُلِ، وَهَذَا لَيْسَ إِهَانَةً لَهَا وَلَا فَقْدًا لِلْقِيمَةِ.

وَلَكِنَّ الْمُنَاسَبَ أَنْ تَسْتَخْدِمَ الْمَرْأَةُ لُطْفَهَا وَغَرَاوَتَهَا لِتَجْلِبَ الرَّجُلَ إِلَى الطَّلَبِ، وَتَكُونَ مَظْهَرًا لِلُّطْفِ الإِلَهِيِّ.

وَحَظْرُ الطَّلَبِ مِنْ الْمَرْأَةِ أَوْ أَهْلِهَا يُسَبِّبُ تَدَنِّيَ نِسْبَةِ الزَّوَاجِ وَبَقَاءَ النِّسَاءِ فِي دَوْرَةِ انْتِظَارِ الْزَّوَاجِ.

وَذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالْكَلِمَةِ (نِحْلَةً) أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ إِلَّا هَدِيَّةً وَعَطِيَّةً بِدُونِ مُقَابِلٍ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَى أَنَّهُ لَهُ صِفَةُ التَّعْوِيضِ، بَلْ لَهُ عَوَاضٌ غَيْرُ مَادِّيٍّ، كَمَا هُوَ عُمْرُ الْمَرْأَةِ وَعَطَاؤُهَا لِلرَّجُلِ.

وَمِنْ صِفَاتِ (النِّحْلَةِ) أَنْ تَكُونَ قَلِيلَةً وَمَرْضِيَّةً مِنَ الرَّجُلِ. وَيُسَمَّى الْمَهْرُ صَدَاقًا إِذَا أَصْبَحَ دَلِيلًا عَلَى الصِّدْقِ وَالْوُدِّ، وَلَيْسَ كَرَاهَةً.

وَتَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الْمَهْرَ كَامِلًا مِنْ أَمْوَالِهَا وَهُوَ مِنْ مَالِ طَيِّبٍ وَصَحِيحٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءً لَهَا.

الطَّبِيعَةُ الفِطْرِيَّةُ

  • لَيْسَ مِنْ ضِدِّ الطَّبِيعَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُبَادِرَةُ بِالطَّلَبِ وَالْحُبِّ. وَالْقُرْآنُ أَيَّدَ هَذَا فِي قِصَّةِ بَنَاتِ شُعَيْبٍ، وَلَكِنَّ الشَّهِيدَ الْمُطَهَّرِيَّ نَكَرَ حُبَّ الْمَرْأَةِ الْمُبَادِرَ وَقَالَ:

(ص 207): «دَوْرُ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ مُرَدَّةً عَلَى مَحَبَّةِ الرَّجُلِ، وَمَحَبَّةُ الْمَرْأَةِ جَيِّدَةٌ إِذَا كَانَتْ رَدَّةَ فِعْلٍ لِمَحَبَّةِ الرَّجُلِ، وَلَكِنْ مَحَبَّةُ الْمَرْأَةِ الْمُبَادِرَةُ تَكُونُ مَخْرُوبَةً وَمُحْطِمَةً لِلشَّخْصِيَّةِ».

وَأَضَافَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ الْكَثِيرِينَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مَعَ نِسَائِهِمْ الَّذِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُبَادِرَةُ بِالْحُبِّ، غَالِبًا مَا يَفْشَلُ زَوَاجُهُمْ.

وَأَكَّدَ أَنَّ الْحُبَّ الْمُبَادَرَ مِنَ الرَّجُلِ لَا يَعْنِي دَائِمًا بَقَاءَهُ.

وَقَالَ أَنَّ مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُطْلُبُ وَالْمُخْطُوبُ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَلْطَفُ وَمِنَ الْطَّبِيعَةِ أَنْ تُجْعِلَ الرَّجُلَ يُحِبُّهَا وَيُطْلُبُهَا.

الآراءُ الْمُطَرَّحَةُ فِي الْمَقَالِ غَيْرُ مَدْعُومَةٍ بِبَحْثٍ عِلْمِيٍّ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ زَوَاجَ الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ يُكُونُ أَثْبَتَ وَأَقْوَى مِنَ الزَّوَاجِ الْمُفْرَضِ.

وَلَا يُمْكِنُ إِلْصَاقُ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْمَرْأَةِ، فَالْوَفَاءُ مِنْ خَصَائِصِ النَّفْسِ وَيَتَأَثَّرُ بِالثَّقَافَةِ وَالتَّرْبِيَةِ.

وَالإِيْمَانُ هُوَ مَا يُعْطِي الْمَرْأَةَ الْوَفَاءَ، وَلَيْسَ الْحُبُّ وَحْدَهُ.

وَلِذَلِكَ، لَا يَجُوزُ قَوْلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَمَسَّكُ بِالْوَفَاءِ إِلَّا فِي الْحُبِّ الْمُبَادَرِ مِنَ الرَّجُلِ.

وَالْقَانُونُ الطَّبِيعِيُّ لِلْمَهْرِ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَبْدَأَ الْحُبُّ مِنَ الرَّجُلِ وَتَكُونَ الْمَرْأَةُ رَدَّةَ فِعْلٍ.

وَذَلِكَ لا يَنَقُضُ مَرَاحِلَ الإِحْتِرَامِ وَالشَّخْصِيَّةِ الْمَرْأَوِيَّةِ.

– ثم نرى في تحقيقه الاجتماعى، الشهيد المرتضى مطهري، كيف بدأ بدراسة جذور ظهور «سُنّة المهر»: لماذا وُضِع وكيف تطور؟

يتناول الشهيد مطهري فترة “سلطة الأم”، حيث كانت المرأة هي الأساس الاجتماعي والاقتصادي في الزواج، والزوج مجرد تابع لها لا أكثر؛ كانت العلاقة تُبنى على القوة الجسدية والرفقة، فكانت المرأة بحاجة للرجل لأداء معين تشبعيًّا ورفقة تدعمها دون أن يكون لها استقلال.

لاحقاً، بدأت مرحلة «سلطة الأب»: حيث صار الرجل هو المسيطر في العلاقة، تُعامل المرأة كخادمة اقتصاديّة، حتى أصبح إنتاجها وعملها يعود للرجل أو لعائلته، بلا استقلال مالي أو اجتماعي. ويعلق:

«كانت المرأة بلا خيار في تحديد من تتزوج، ولم تستطع أن تملك استقلالًا ماديًا؛ فالمال الذي يدفعه الرجل مهرًا أو نفقًا، هو مقابل للعمل الاقتصادي الذي تنتجه المرأة خلال الزواج.»

ويعرض شهيد مطهري تطورًا تاريخيًّا:

  1. في مرحلة الحرب القبلية، لا يُسمح بالزواج ضمن نفس القبيلة، فكان الرجل يختطف الفتاة من قبيلة أخرى.
  2. بعد نزول سلم القبائل، أصبح الرجل يشتغل عند والد الفتاة ثم يُكلل ذلك بالزواج.
  3. مع تراكم الثراء، اختصر الرجل سنوات العمل بإهداء مبلغ مالي (هدية) للوالد مقابل الزواج، فظهر ما نسمّيه اليوم “المهر”.

يقول مطهري:

«هذه المراحل ما هي إلا فرضيات وتخمينات، وليست حقائق تاريخية موثّقة أو علمية/تجريبية. إنّ الروايات عن “سلطة الأم” أو “سرقة الفتيات” ليست ثابتة.»

السؤال الرئيسي: في ظل العدالة والحقوق الطبيعية للمرأة والرجل، هل لا تزال المهر والنفقة ضرورة؟ هل يمكن تأسيس الزواج الدائم بدون مهر؟

في الماضي كان الرجل يتبنى مسؤولية معيشتها، مالية واجتماعية وأحيانًا عاطفية، فكان البيت يضم الجميع تحت رعايته. ولم يكن مهر الزواج يطلب من المرأة، بل كان ضمانًا للرجل لإظهار تضامنه وقدرته على آن يغطي نفقات العائلة.

السؤال الآن: هل يمكن ضمان هذه النسبية الروحية العاطفية في الزواج دون استخدام التعقيدات القانونية، مما يكون فيه الزواج مبنيًا على المحبة المتبادلة، وليس على تعقّد النواحي المالية؟ إذا كان الرجل مستعدًا لتأمين العاطفة وتبيان الالتزام، بالمال أو بغيرها، كمهر للمرأة، فلماذا الدفع القانوني الصارم؟

دورة تطور المهر النفقة حسب مطهري:

  • المرحلة الخامسة (الإسلامية): أصبح المهر مقدمًا للمرأة مباشرة، دون وصاية من والدها؛ فتستعيد استقلالها المادي وتختار زوجها بنفسها، وتتحصل على دخلها بملكيّة كاملة، دون حاجة لولاية أو كفاءة الرجل.
    ويقول:

«المرأة تأخذ مهرًا بذاتها، وتختار زوجها بنفسها؛ وليس لأي جهة الحقّ أن تستثمر عملها أو تجبرها على الخدمة. والرجل يحصل فقط على الحق في النكاح، ويُكلّف بتأمين حياة المرأة مادام موجودًا معًا.»

ولكن الشهيد مطهري يُقرّ بأن هذه المعزولات في النصوص – إن وجدت – تمثّل الإمكان، وليست الواقع، إذ أن الفقه السائد يلزم الرجل بالدفع ويعطيه الحق الشرعي بتحصيل المهر قانونيًا، حتى يحق إيقاف الحسابات أو الحجز إذا امتناع، وأن المهر يجب أن يكون مقدّرًا ومحدّدًا، وإلا فالعقد يبطل.

الاستقلال الفعلي للمرأة:

رغم أن المرأة تُقرّ مالكيتها لعائدها، فإنها – وفق الفقه – تحتاج إلى إذن الزوج لتصرف أو تدبير مالها في شؤون ترى أنه يخالف مصالح العائلة، ويُقارن وضعها بوضع القاصر أو المعتوه، أي مالك ولكن مقيد في التصرف. حتى الخروج من البيت مرتبط بإذن الزوج، والمراعاة الملقاة على المرأة تشمل الطاعة.

الخلاصة:

  1. في الواقع الشرعي، المهر ليس هدية، بل حقٌ قانوني ملزم.
  2. استقلال المرأة الفعلي محدود، إذ تخضع بعض القواعد الشرعية فيما يخص عملها ومالها وسفرها.
  3. طرح مطهري لزواج مبني على المودة والمحبة المطلقة بلا المهر يُعتبر نمطيًا شِعريًا أكثر من كونه متكاملًا واقعًا.
  4. في إطار وجود عاطفة قوية بين الزوجين وقدرة الرجل على ضمان تلك العلاقة، يبقى المهر-كنظام-هو التعبير القانوني عن هذه الرابطة الاجتماعية.
  5. فإذا غاب المهر، فقد يعدّ ذلك نسيانًا لحقوق القانون أو ظلمًا للعدالة بين الزوجين، خاصة إذا استندنا إلى القواعد الفقهية التي تعترف به.

الخلاصة الأكاديمية:
مهر المرأة في الإسلام له أساس تاريخي واجتماعي، ثم تأطير شرعي واضح، يبقى متعددة الأبعاد: ماليًا، قانونيًا، رمزيًا؛ يوفر توازنًا بين الاستقلال والرابطة الأزلية بين الزوجين. والمهر، رغم دوره التاريخي والفقهي والاجتماعي، يطرح تساؤلات مهمة حول الازدواجية بين الظاهر القضائي والواقع العاطفي، والتي تفرض على الفقهاء إعادة النظر في إعادة تأويله بثقافة قد تكون أقرب للمودة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن أدوات القوة والضغط.

فلسفة المهر الحقيقية

– للاستدلال على لزوم المهر في عقد الزواج، أورد الشهيد المطهري الفلسفة الآتية:

(ص 197) «في رأينا، إن نشوء المهر هو ثمرة تدبير ماهر غُرِس في طيّ الخلق والوجود لتعديل العلاقة بين الرجل والمرأة وربطهما ببعضهما البعض. لقد وُجد المهر لأن دور كل من المرأة والرجل في مسألة الحب يختلف عن دور الآخر.»

الحب هو الحفاظ على المحبوب والطموح إليه والسعي لامتلاكه، هو الشعور بالوجود والرغبة والتوق للشيء المفقود وإيجاده. الحب هو الإدراك والامتلاك، والشوق هو الفقدان والبحث. الحب لا يقتصر على جنس محدّد؛ فالمرأة تستطيع أن تحب كما يفعل الرجل، لكن نوعية الحب وتجلياته تختلف بينهما، كما جاء في الكتاب:

(ص 198) «في المقالة الرابعة عشرة من هذه السلسلة، حين ناقشنا فروق الرجل والمرأة، بيّنا أن نوع مشاعر المرأة والرجل تجاه بعضهما ليس واحدًا. فقد جعلت سنّة الخلق الجمال والغرور والاكتفاء عند المرأة، والحاجة والشوق والغزل عند الرجل.»

إن مشاعر الرجل والمرأة مختلفة نوعيًا وكمًا؛ فمشاعر المرأة تغلب عليها أكثر مما تغلب مشاعر الرجل على الرجل. كما تختلف ظواهر المشاعر بين الجنسين؛ كل منهما يملك حساسيّات خاصة: المرأة حسّاسة في حبها لمجالات لا يطراها متعة كبيرة لدى الرجل. والحساسيّة عند المرأة أكثر من عند الرجل.

ويقول المطهري: «سنّة الخلق جعلت الجمال والغرور والاكتفاء في جانب المرأة، والحاجة والشوق والغزل في جانب الرجل.» لكن الخلق عزّ وجل لم يخصص الجمال للمرأة وحدها. الإنسان كلّه جميل، ذكرًا وأنثى، كما يؤكّد القرآن الكريم: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحسَنُ الخَالِقينَ﴾؛ وهذا قولٌ عامّ لا يخصّ جنسًا دون جنس. الإنسان هو الأكمل جمالًا بين المخلوقات، بل إن نساء البشر أحيانًا يفضّلن على الحور العين بعين اللَّه، جميلات بحسن الله، مستنبطات من صفاته.

وقد تحلى النبي ﷺ، والحسن، والحسين، والعباس، ويوسف عليه السلام بجمال الوجه والهيئة، لكن لم يُشبّه أحد جمال زليخا. وحسّ الجمال لدى فاطمة الزهراء رضي الله عنها من أعظم في التاريخ، وإن كثرت النساء الجميلات في التاريخ فإنها لم تُذكر لجمالهن من أجل حفظ الحياء. فلا يجوز حصر الجمال في المرأة أو التغاضي عن جمال الرجل.

كما أن الجمال يختلف بأوطان البشر، لكن في المرأة هناك رقة ولطافة لا تُقاس بالجمال النسبي. فقد تفضّل المرأة لدى الرجل أحيانًا بالرقة واللطف، لا بالجمال الخالص. وإذا كانت المرأة تجذب الرجل بالجمال، فإن الرجل كذلك يجذب المرأة بجماله، لكن كلٌ بحسب لياقته: لا تختار المرأة امرأة جميلة كما تختار الرجل امرأة جميلة، والعكس صحيح.

وصفتا «الغرور» و«الاكتفاء» اللتان أوردهما المطهري للمرأة اجمالاً هما مشتركتان بين الجنسين، لكن موضوعهما مختلف. فالمرأة لا تكتفي من الرجل. فالمرأة أيضًا تحب، وإن أظهرت العواطف أقل من الرجل، لأجل حيائها. فالحيا عندها درجات: حياء البنت أرفع من حياء الزوجة، وحياء المتزوجة أرفع من العجوز. فتتنوع درجات الكشف والانكشاف حسب مراحلهن العمرية. المرأة والرجل يكمل كل منهما الآخر، وهما صنفان متكاملان، لا يوجد تفوّق واحد على الآخر، وقد ذكر المطهري لاحقًا:

(ص 221) «كما قلنا مرارًا، فإن الإسلام في تشريعاته التزم بمبدأ الرجل مظهر الحاجة والاستغناء من جانب المرأة.»

غير أن هذا المبدأ لا يعكس طبيعة الكائنين، ولا يبدو أن الشريعة الإسلامية قرنته على أساس طبيعة ثابتة. المطهري يرى أنّ الخلق أرسى الحاجة والشوق والغزل لدى الرجل وحده، لكن الحقيقة أن المرأة أيضًا تحبّ وتعشق وتحتاج. إلّا أن طلب المرأة معقّد بحياها وكتمانها وصبرها، فالمرأة تطلب مظاهر حبّها عبر الكتمان، فيما يفصح الرجل عن حاجته تلقائياً وبشكل صريح. وهذا لا يعني أن الحب مختص بالرجل. فكثير من المخلوقات يحمل الحب بذاته، وفوق ذلك، في الله ذاته الحب بلا حصر.

وإذا قيل إن الرجل أكثر حاجة من المرأة (ص 201)، فذلك مردّه فقط أن الرجل يعلن حاجته ويظهرها، أما المرأة فتكتمها برقتها وصبرها وخجلها، وهي في الحقيقة أيضًا محتاجة لأنها تسعى لمدان وحبيب وسند، والرجل يطلب محبوبًا فقط. وإذا قالت المرأة للرجل «لا أحُبّك»، فإن الرجل يصبر، أمّا إذا قال الرجل للمرأة «لا أحبّك»، فتهوي الدنيا به. ولذلك أوصى القرآن بالتخويف من الذين يخشون معصية النساء: ﴿وَاللّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فنهى عن التهاون مع الرجال لكنه لم يأمر النساء بالاكتفــاء.

فالمرأة الحساسة قلقة أمام ازدراء سنّها أو مظهرها، أما الرجل القوي فثابت كالأسد حتى بكبره. والمرأة والرجل كلاهما محتاج، لكن صفاتهما تختلف، والحب عند المرأة أظهر من الرجل لأنها تريد محبًا ونصيرًا، وبذلك هي أكثر حاجة. بينما الرجل يظهر تواضعه وفعاليته لا لحاجته، بل لقوته، أما المرأة الرقيقة فتجعل من تواضع الرجل جمالًا.

والغزل والتودد عند الرجل أكثر، وقد برع في نظم الشعر والعشق العلني، لأن المرأة تخفي عشقها، ولو غزَلَت فخاطبت به محبوبها بليغًا دون إعلان. في الباطن تغزل بعبارات كأن تقول: «روحي فداء قلبك»، وما أشد وقع كلماتها. فغزلها رغم كثرة الكتمان أبلغ من الغزل المزعوم! والمرأة شاعرة بالفطرة، لكن كتمانها يجعل غزلها أقل ظهورًا.

في تحليل لا أساس له، يرى المطهري أن «ضعف المرأة مقابل قوة الرجل توازنت بالإتيكيت»، ويذكر مشاركة الرجل في التقدّم لخطبته، وأن الرجل كان دائمًا يتقدّم للمرأة لأنه أقوى. لكننا أوضحنا أن المرأة ليست ضعيفة بل رقيقة، وأن اللطافة ليست ضعفًا، فإن كانت المرأة قوية كالخشب، لفقدت رقتها، والرجل لو أخذَ رقة المرأة، لكان ناقصًا. الجمال النسائي قائم على اللطافة، لا على الضعف، وجمال الرجل قائم على القوة والهيبة. قوة الرجل لا تعني ضعف المرأة، كما أن علامة الاستعلاء النسوي هي رقتها المختفية. ومن ثم فإن مقارنة الضعف والقوة بين الجنسين خاطئة؛ فكلٌ مكمل للاخر.

وإذ قال الشهيد المطهري إن الرجل يتقدّم للزواج لأنه قادر على التعبير بينما المرأة تكتم ثم تجذبه بمهارتهن، فذلك صحيح جزئيًا؛ لكن الأسباب ليست المنقولة عن طبيعة الرجل الأقوى أو المرأة الأضعف، بل هي حول القدرة التعبيرية والظاهرية للرجل وكتمان المرأة ودعوتها الرقيقة. وكذلك ما ورد في «أن الرجال أشد شهوانة، وأن المرأة أقوى على الكتمان ضد الشهوة» صحيح. غير أنهم يستدلون بصيغة «الرجل أضعف إزاء غرائزه» بينما الواقع أن الرجل أسرع في الإعلان، والمرأة أكثر ضبطًا وصمتًا.

أخيرًا، يرى المطهري أن سبب تنافس الذكور على اقتناء الأنثى هو أن دور الذكر المتقدّم يختلف عن دور الأنثى، وأن الأخير لا يسعى ورائها. لكن الحقيقة النفسية تقول إن المرأة تنافس أيضًا، لكن بطريقة خفية لا مباشرة، من خلال حيل أنثوية رقيقة. مشاعرها جنسية ورومانسية، لكنها مخفية ضمن حيائها. إنها تصيد الشريك برقة لا بقوة، وتدرك أن الكتمان يصنع جاذبيتها. ذكاؤها الخفي في الطبيعة قادها إلى إطلاق سلاح الحب في الكتمان والصبر. والرجل يبدي العشــق علانية، والمرأة تنسج برجولتها السرية في الخلف. هذه الخصائص غير مرتبطة بالمهر أو انطباع ضعفها. إنها من صفات الحب والجمال والرقة الطبيعية.

ChatGPT said:

البِحْثُ عَنِ الانْتِقاداتِ

ـ يَسْتَعرضُ المَتوفّى مطهَّري هنا نَقْدَ السيدةِ مَنوشِهريان، ولكِنَّ بَدَلَ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى مُسْتَوَى المَلاحظاتِ وَيُجِيبَ عَلَيْهَا، يُلْحِظُ العاطفةَ وَالعناديَّةَ الكامنةَ في نَفْسِ المُنتَقِدَةِ، فَيَتَّخِذُ قَلَمُهُ نَغْمَةً شَديدَةً وَيَتَجَرَّأُ عَلَى تَصْرِيحَاتِهَا. والنَّقْدُ الَّذي أَوردَهُ مَطَهَّري مُصَابٌ بِعَيْبٍ وَلم يُجَاوِبْ عَلَى الاعتراضِ بِصورةٍ وَافِيَةٍ. في هَذا الزَّمَنِ الَّذي يَتَطَلَّبُ فِيهِ الحَيَاةُ المُشْتَرَكَةُ عَمَلَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، فَلو أَفْرَضْنا – كَمَا يَذهبُ الشهيدُ مطهَّري – تَساوِي الحُقوقِ بَيْنَ الزَّوجَةِ وَالمَهْرِ، فَكيفَ يُفَسَّرُ المَهْرُ؟ ولِماذا يَجِبُ أَنْ تَكونَ الزَّوجَةُ مَمْنُوَّةً؟ هذا هُوَ السُّؤالُ وَالنَّقْدُ الَّذي تَقَدَّمَتْ بِهِ السيدةُ مَنوشِهريان، وَهُوَ نَقْدٌ مَناسِبٌ وَمُهِمٌّ خُصوصًا فِي الزَّوَاجِ الصَّديقِيِّ وَالمُبْرَمِ بِالطَّرِيقَةِ الغَرْبِيَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى الفُقَهَاءِ الإِجَابَةُ عَلَيْهِ. وَالرَّدُّ الَّذي وَرَدَ مِنَ الشهيدِ مطهَّري هُنا غَيْرُ مُقْنِعٍ وَلا يُعْتَبَرُ رَدًّا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ شِعارِيٌّ وَمُتَأَثِّرٌ بِالعَاطِفَةِ وَالهيجانِ. وَفَوْقَ ذلِكَ، هُوَ مَخْلُوطٌ بِمُغالَطَةٍ فِي تَخْلِيطِ بَيْنَ دَافِعِ النَّقْدِ وَقَصْدِ الكَاتِبِ لِكِتابِ “الأربعين اقتراحًا” ـ إنْ جازَ إثباتُ ذلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِ تَفْكِيرٍ حُرٍّ وَالبَحْثِ ـ بَدَلَ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا مَوْجُودًا وَبَرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ أَوْ خَطَإِ المَدَّعَى.

فيما بعدَ، رَأت السيدةُ مَنوشِهريان أنَّ الرَّجُلَ في الإسلامِ مالِكٌ للمرأةِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفقَتُها، كَما يَوجِبُ مَلاكُ الدوابِّ عَلَيْهِمْ تَوفيرُ المَأكَلِ وَالمَشْرَبِ، وَكَتَبَتْ: «مَلاَكُ المرأةِ يجبُ أَنْ يُؤَمِّنَ لهُنَّ المَأكَلَ وَالمَسْكَنَ». ولا يُمْكِنُ القَوْلُ بأنَّ هذا الاستنادَ الكاذِبَ إلى الأحكامِ الإسلاميةِ ناتجٌ عن التَّعَصُّبِ وَالعناديَّةِ، إذ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مالِكًا للمرأةِ وَالحُصولَ على النَّفقةِ لا يُحَوِّلُها إلى مَمْلُوكَةٍ لهُ.

كان الشهيد مطهري يَعتَقِدُ مُسبَقًا بِتَساوِي الحُقوقِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي الإسلامِ، لكنه هنا يُفَرِّقُ بَينَهُمَا قائلًا: «الزَّوجُ وَالزَّوجَةُ لَيْسَا فِي حَالَةِ احْتِياجٍ مُتَسَاوِيَةٍ». وقال رحمه الله:

(ص 209) «ظَنَّتْ كاتِبَةُ النَّقدِ أَنَّ فَلْسَفَةَ المَهْرِ هِيَ أَنْ يُدْفَعَ نَقْدٌ لِلزَّوجَةِ عِوَضًا عَن سَلْبِ حُقُوقِهَا الاقْتِصَادِيَّةِ. هَلْ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ لَهَا أَنْ تَلْجَأَ إِلَى القُرْآنِ وَتَتَفَكَّرَ فِي تَعْبِيرَاتِهِ عَنِ المَهْرِ وَتَدْرُسَ فَلْسَفَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ وَتَفْخَرَ بِهَذَا المَنطِقِ العَالِي الَّذِي يُحْتَوِيهِ كِتَابُهَا المُنْزَلُ؟»

هذه العباراتُ ليست نقدًا للمَدَّعَى وَلَا تَسْتَندُ إلى دَلِيلٍ عَلَى الاعتراضِ.

النَّقْدُ هُوَ:

(صص 209 ـ 210) «كاتِبَةُ “الأربعين اقتراحًا” في العددِ 89 من مجلةِ الزَّنِ الرُّوز، صَفْحَةُ 71، بَعْدَ ذِكْرِ وَضْعِ الزَّوجَةِ المُخْلِبِ فِي الجاهليةِ وَالإِشَارَةِ إلى خَدَماتِ الإسلامِ فِي هذا المَجَالِ، كَتَبَت: “حيثُ إنَّ الزَّوجَ وَالزَّوجَةَ مَخْلُوقَانِ مُتَسَاوِيَانِ، فدَفْعُ الأُجْرَةِ أَوِ الثَّمَنِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ لَيْسَ مَنطِقِيًّا وَلا يَسْتَنِدُ إِلَى دَليلٍ عَقْلِيٍّ، لأَنَّ الرَّجُلَ يَحْتَاجُ إِلَى المَرْأَةِ وَالمَرْأَةُ تَحْتَاجُ إِلَى الرَّجُلِ، وَالخَلْقُ جَعَلَهُمَا مُعْتَمِدَيْنِ عَلَى بَعْضِهِمَا، وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ يَتَساوَى وَضْعُهُمَا، وَبِالتَّالِي لَيْسَ مِنَ المَنْطِقِ إلْزَامُ أَحَدِهِمَا بِدَفْعِ المَالِ لِلآخَرِ.

وَلَكِنْ مِنْ نَاحِيَةِ أَنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ مِنْ طَرَفِ الرَّجُلِ وَأَنَّ المَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا تَأْمِينٌ فِي الحَيَاةِ المُشْتَرَكَةِ مَعَ الرَّجُلِ، فَقُدِّمَ لَهَا حَقٌّ يَتَضَمَّنُ إِلَى جَانِبِ الثِّقَةِ فِي شَخْصِ الزَّوْجِ، وَثِيقَةً مَالِيَّةً مِنْهُ… .

فِي الصَّفْحَةِ 72 تَقُولُ: “إذا تَمَّ تَعْدِيلُ المَواقِفِ وَأَصْبَحَ المَرْءُ وَالمَرْأَةُ يَعْمَلاَنِ لِحِسَابِهِمَا وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَرَّفَ الرَّجُلُ فِي مَالِ المَرْأَةِ أَوْ أَنْ يُمْنَعَتْ مِنْهَا مِنْ أَجْلِ تَعْلِيقِ ذَلِكَ بِالأَهَمِّيةِ وَالاحتياجِ، فَإِنَّ بَحْثَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَفَهْمِ مَوَاقِفِ الفُقَهَاءِ وَالْمُجْتَهِدِينَ وَالكُتَّابِ فِي عَصْرِهِمْ وَالمُتَأَخِّرِينَ يُحْدِثُ حَوْلًا هَائِلًا فِي مَفْهُومِ المَهْرِ وَمَكانَتِهِ وَأَساسِهِ”.

النقد الحقيقي له علاقة بالأدلة وتفسير النصوص، وليس فقط الاستنكار العاطفي. الشهيد مطهري ينصح بالتفكير العميق في النصوص القرآنية وعدم اختزال الأمور في العواطف.

المرحوم المطهري في تفسير طبيعة الطلاق وضرورة الانفصال

في سياق هذه المناقشة والجدال، يواصل المرحوم المطهري تفسير طبيعة الطلاق وضرورة الانفصال، حيث يعزو الحب والمودة فقط إلى الرجل، وكأن المرأة معفاة منهما، فيكتب:

(ص 261) «الميكانيزم الطبيعي للزواج الذي وضع الإسلام قوانينه بناءً عليه، هو أن تكون المرأة في المنظومة الأسرية محبوبة ومكرمة. فإذا سقوطت المرأة من هذا المقام لأي سبب، وطفأت نار محبة الرجل لها وأصبح بلا اهتمام تجاهها، فإن أساس الأسرة يتداعى؛ أي أن مجتمعًا طبيعيًا حسب الطبيعة قد تفكك. الإسلام ينظر إلى هذا الوضع بأسف، لكنه بعد أن يرى أن الأساس الطبيعي للزواج قد تلاشى، لا يستطيع قانونيًا اعتباره أمرًا قائمًا وحيويًا.»

ليس فقط عندما تنطفئ نار محبة الرجل، يصبح الزواج ميتًا، بل كذلك إذا انطفأت محبة المرأة أيضًا يفقد الزواج حياته. غير أن الزواج لا يعتمد فقط على المحبة والاهتمام، بل التعايش بين الرجل والمرأة يولد ألفة بينهما، تجعل حتى في حالة الخلاف يعتاد كل منهما على الآخر، ويشعر بالحزن إذا لم يكن بجواره. حتى الأعداء يعتادون بعضهم، وإذا مات أحدهم، يشعر الآخر بالحزن لفقدانه، رغم استمرار العداوة بينهما.

المقصود أن الرجل قد لا يحب زوجته، لكن يمكن تنشيطه وتحفيزه ليحافظ على العلاقة، وإذا كان هناك أُلْفة، يستمر الزواج. الزواج يعني الاختلاط والاندماج، وهذا يجعل من الصعب على الزوجين الانفصال بسهولة. الزواج هو مودة مشتركة، حتى في الخلافات والخصومات، لا تنطفئ نار الألفة بينهما. أحيانًا يحب الرجل زوجته لكنه يطلقها، وهذا ما يوصي به الشارع حينما لا تتوقف المرأة عن الفسق والفجور. هذا الطلاق بسبب فساد المرأة ضروري، يطلقها الرجل لكنه يبكي فراقها. في هذه الحالة، ينفصلان لكن نار محبة الرجل لم تنطفئ.

اعتماد حياة الأسرة على المحبة المتبادلة

المرحوم المطهري ذكر في هذه الفقرة أن حياة الأسرة تعتمد على محبة الطرفين لا طرف واحد، وهو قول صحيح، لكنه أخطأ في تفسير ذلك بأن الطبيعة أعطت مفتاح المحبة للرجل فقط:

(صص 262 ـ 263) «حياة الأسرة تعتمد على محبة الطرفين، وليس طرفًا واحدًا. الاختلاف هو في نفسية المرأة والرجل… الطبيعة جعلت اهتمام الزوجين بحيث تكون المرأة مستجيبة للرجل.

المحبة الحقيقية والثابتة عند المرأة هي رد فعل على محبة الرجل واحترامه لها. لذا، محبة المرأة للرجل هي نتيجة لمحبة الرجل لها ومعتمدة عليه. الطبيعة أعطت مفتاح المحبة للرجل؛ فإذا أحب الرجل زوجته وبقي مخلصًا لها، فإن المرأة تحبه وتبقى مخلصة له. وبالتأكيد، طبيعة المرأة تجعلها أكثر وفاءً من الرجل، وعدم وفاء المرأة هو رد فعل على عدم وفاء الرجل.

الطبيعة أعطت للرجل مفتاح فسخ الزواج الطبيعي؛ بمعنى أن الرجل بعدم اهتمامه وعدم وفائه يصبح سببًا في برودة المرأة، بعكس المرأة، فعدم اهتمامها إن بدأ منها لا يؤثر على الرجل، بل أحيانًا يزيد اهتمامه. لذا، برودة اهتمام الرجل تؤدي إلى برودة الطرفين، أما برودة المرأة فلا تؤدي إلى ذلك. برودة الرجل وموت محبته يعني موت الزواج ونهاية الأسرة، أما برودة المرأة تجاه الرجل تجعل الزواج في حالة مرضية، لكن فيها أمل للشفاء. وإذا بدأت البرودة من المرأة، فإن الرجل الحكيم والمخلص يستطيع باستعادة المحبة وإظهار العطف إعادة اهتمام المرأة، وهذا ليس إهانة للرجل أن يُجبر محبوبته على البقاء بالقانون ليُروضها تدريجيًا، لكنه إهانة لا تُحتمل للمرأة أن تُجبر بالقانون على الحفاظ على شريكها.»

ولكن ليس من الضروري أن تكون محبة المرأة للزوج ناتجة عن محبته المباشرة؛ أحيانًا تحب المرأة الرجل وتخفي ذلك، حتى هو لا يعلم. وأحيانًا لا يحب الرجل المرأة ويخونها، لكنها تحبه. عدم وفاء المرأة ليس بالضرورة رد فعل على عدم وفاء الرجل.

ولا توجد أدلة قاطعة على أن المرأة أكثر وفاءً من الرجل، ولا على وجود اختلاف محسوس بين وفاء المرأة والرجال.

أيضًا، يمكن أن تكون المرأة من البداية غير مهتمة بزوجها، مكروهة ومحتقرة له. وكون عدم اهتمام المرأة لا يؤدي إلى برودة الطرفين غير صحيح. إذا استمرت المرأة في إظهار عدم اهتمامها، يبدأ الرجل تدريجيًا في فقدان الاهتمام، ويصبح الطرفان بلا مبالاة.

المرحوم المطهري يرى أن محاولة الرجل لإعادة محبة زوجته ليست إهانة، والمقابل أن محاولة المرأة لجذب محبة الرجل ليست إهانة أيضًا. فالمحبة محبة ولا فرق بين رجل وامرأة.

اعتماد المرأة على الرجل

في الزواج، تعتمد المرأة على الرجل، حتى تتحمل مشاق الحمل والولادة لإرضائه. وإذا فهم الرجل معاناة المرأة في الحمل، يدرك مدى اعتمادها عليه. في هذه الفترة التي كانت فيها المرأة سببًا في إمتاع الرجل وإنجاب الأطفال، تتوقع منه احترامًا واهتمامًا أكثر. وإذا لم يكن هناك حب واحترام في تلك الفترة، تصبح آلام الحمل أكثر صعوبة، لأن الحب بينهما غائب.

لكن إذا كان الحب موجودًا، فإن علاقة الأم والطفل ليست ثنائية، بل ثلاثية، ويزداد اعتماد المرأة على الرجل. الرجال الذين ينتظرون مولودهم الأول كالفراشات يحيطون بزوجاتهم ويُكرمونهن، ويريدون الطفل مع الزوجة. كما ذكرنا، احتياج الرجل للمرأة واحتياج المرأة للرجل متبادلان ومتناسقان مع طبيعة كل منهما.

والنتيجة التي يصل إليها المرحوم المطهري في هذا البحث هي:

(صص 265 ـ 266) «فكر الآن: كائن يحتاج إلى العواطف والاهتمام والرعاية من كائن آخر، يستطيع احتمال كل شيء بعواطفه، وبدون عواطفه لا يفهم حتى معنى الطفل، كائن يحتاج إلى قلب ومشاعر كائن آخر، فكيف يمكن إجباره بالقانون على الالتصاق بهذا الكائن الآخر المسمى بالرجل؟…

عمومًا، حيث توجد المحبة والإخلاص والولاء، وهي أساس العمل، لا مكان للإجبار القانوني؛ قد يكون هناك أسف، لكن لا مكان للإكراه والاضطرار…

الأمر الأساسي هو أن الإسلام يعتبر الحياة الأسرية اجتماعًا طبيعيًا، ووضع لهذا الاجتماع الطبيعي ميكانيزمًا خاصًا، والالتزام بهذا الميكانيزم ضروري وغير قابل للتجاوز.»

ثم يعرض مثالًا عن عدم جواز إجبار الناس على محبة الإمام أو الالتزام بالتصويت لمن لم ينتخبوه، وينطبق ذلك على موضوع طاعة الزوجة لزوجها، وأيضًا على قبول الدين، فلا يجوز إجبارها.

إذا عصت الزوجة ولم تطع زوجها الذي ينفق عليها، لا يستطيع القضاء إجبارها على الطاعة، والطاعة أمر نفسي بين شخصين، وحتى لو أذنت الزوجة بالمعصية، لا يمكن إجبارها قضائيًا.

الإسلام لا يجبر المرأة على الزوج، ولا الرجل على المرأة. المحبة مثل قبول الدين، لا إجبار فيها. قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[34].

لا يمكن للقانون إجبار المرأة والرجل على حب بعضهما، ولا فرق بينهما في هذا الشأن. مع ذلك، المرحوم المطهري يقبل المحبة الجبرية للمرأة ويدافع عنها.

ChatGPT said:

الباب التاسع / مسألة الإرث

(ص 159 ـ 160) «لماذا يتمتع جميع الأفراد بوضع متساوٍ ومماثل من حيث الحقوق الطبيعية الأولية والاجتماعية؟ لأن الدراسة في أحوال البشر تثبت أن الإنسان لم يُخلق بطبيعته رئيسًا أو مرؤوسًا.»

لقد ذكرنا سابقًا أنه لا توجد مساواة أو تشابه بين حقوق المرأة والرجل، لا في الأسرة ولا في المجتمع، حيث تسود الاختلافات الطبيعية بينهما، وقد منح الشرع والطبيعة لكل منهما وظيفة خاصة تبعًا لهذا الخلق والفطرة، ويتوجب على العلم والبحث الموضوعي كشفها وإعلانها بصدق وبدون تحيز. لقد تكررت أقوال المرحوم مطهري عن المساواة بين الرجل والمرأة في هذا الكتاب، ولكنه عندما ينتقل من مرحلة الإثبات إلى مرحلة التطبيق، يتعارض مع ادعاءاته المتكررة. على سبيل المثال، قال المرحوم مطهري سابقًا:

(ص 159) «البشر من حيث الحقوق الاجتماعية خارج نطاق الأسرة، أي من حيث الحقوق التي يكتسبونها في المجتمع الكبير، يتمتعون بوضع متساوٍ ومماثل؛ أي أن حقوقهم الطبيعية الأولية متساوية ومماثلة لبعضهم البعض، فجميعهم لهم الحق في الاستفادة من نعم الخلق.»

ولكن إذا كان للرجل والمرأة حقوق متساوية في المجتمع، فلماذا يقول المرحوم مطهري هنا إن الرجل والمرأة لم يُخلقا متساويين أو متماثلين من حيث قوة العمل والأنشطة الإنتاجية والاقتصادية العنيفة؟ وإذا كان للمرأة والرجل طبيعة متساوية، فلماذا لا تستطيع المرأة مواكبة الرجل؟

(ص 222) «علاوة على ذلك، الرجل والمرأة لم يُخلقا متساويين أو متماثلين من حيث قوة العمل والأنشطة الإنتاجية والاقتصادية العنيفة. وإذا كان البُعد قائمًا، والرجل يقف في وجه المرأة ويقول له لن أصرف قرشًا واحدًا من دخلي عليها، فلن تستطيع المرأة أبدًا مجاراته.»

الصحيح أن يُقال إن الرجل والمرأة يختلفان طبيعيًا ويكمل كل منهما الآخر. فالمرأة مظهر للطف وهي مرغوبة من قبل الرجل، والرجل طالب لها لأنه يمتلك القدرة والقوة على الإظهار. لا يمكن أن يُقارن مهر أو نفقة المرأة بمقابل استخدام المرأة. الزواج ليس كالإيجار أو البيع لأن الانتفاع ليس كسلعة أو منفعة مادية، بل الرجل في حالة حب ويُعبر عن حبه بالنفقة والمهر ويُظهره.

في الكتاب، لتبرير وجوب النفقة، يُشير إلى أن الحاجة لدى المرأة إلى الترف والرغبة في التزيين والتنوع والظهور أمر وضعته الطبيعة في فطرتها:

(ص 222) «فضلاً عن ذلك، وأكثر من ذلك، حاجة المرأة إلى المال والثروة أكبر من حاجة الرجل. الترف والتزيين جزء من حياة المرأة ومن حاجاتها الأساسية. ما تنفقه المرأة في حياتها العادية على الترف والتزيين يساوي مصاريف عدة رجال. الرغبة في الترف تخلق بدورها رغبة في التنوع والتغيير لدى المرأة. الرجل يرتدي قطعة ملابس واحدة ما دامت صالحة، لكن المرأة كيف؟ المرأة ترتديها طالما تمثل مظهرًا جديدًا. وقد لا تكون قطعة ملابس أو زينة واحدة عند المرأة ذات قيمة لأكثر من مرة ارتداء. قدرة المرأة على العمل لكسب المال أقل من الرجل، لكن استهلاك المرأة للثروة أكبر بكثير.»

المرأة بطبيعتها تميل إلى التبرج والظهور والنظافة والجمال، وهذه صفة طبيعية وجمال إذا استُخدمت للرجل. المرأة تقوم بالتبرج والتنوع من أجل الرجل لكي لا تبدو ذابلة أو متكررة، بل تبرز حداثتها أمامه. هذه الروح الطبيعية تزيد من مصاريف المرأة. والرجل أيضًا يزين نفسه من أجل جنس متمم له. هذا يبين الحاجة المتبادلة بين المرأة والرجل، فلا تكمل المرأة بدون الرجل ولا الرجل بدون المرأة، ولا يمكن لأحدهما أن يكون صحيحًا بدون الآخر.

التبرج والترف الذي أشار إليه المرحوم مطهري هنا هو شأن الطبقة الثرية والمرفهة في المجتمع، الذين يشعرون بالحرج أحيانًا من إعادة ارتداء ملابس ثمينة، وهذا لا يعني أن احتياجات المرأة أكثر بكثير من الرجل بشكل عام، وهذا هو نوع من المبالغة في توضيح مصاريف المرأة، كما أن تعبير السيدة منوچريان عن النفقة كان مفرطًا أيضًا باعتبارها كفافًا فقط. تبرج النساء الفقيرات مختلف، فهن يظهرن رغبتهن في الحيوية والانتعاش بتكاليف قليلة وبإيماءات طبيعية.

كما قال الشهيد مطهري «قدرة المرأة على العمل لكسب المال أقل من الرجل» ليس لأن الطبيعة خلقت المرأة ضعيفة – لأننا قلنا المرأة ليست ضعيفة – وإنما لأن المرأة كائن منزلي بالأساس ثم اجتماعي، والرجل كائن اجتماعي بالأساس ثم منزلي. لذا يجب أن تقوم المرأة بدورها الأساسي الأول في المنزل، مع ضرورة عدم نبذها من المجتمع، بل يجب أن تتحمل المسؤوليات الاجتماعية التي تناسبها. لا ينبغي أن يقتصر دور المرأة فقط على المنزل لكي تبقي الدفء في الأسرة، لأن طبيعة المرأة إنسانية واجتماعية ويجب أن تؤدي دورها الاجتماعي مع مهامها دون أن يتضرر دورها الأساسي. تعليم النساء يجب أن يتناسب مع طبيعة اختلافهن، وتعلم البنت والولد بمناهج مشتركة بالكامل ليس أمرًا طبيعيًا. هناك مهن مخصصة للنساء وأخرى للرجال، ولكن أن تبقى المرأة في البيت ولا تتعلم ولا تمارس المهن المناسبة لطبيعتها غير صحيح، وكذلك العمل بدوام كامل ليس مناسبًا للمرأة لأنه يهدد الأسرة وينتهي بتدمير المجتمع. يجب أن تمتلك المرأة مهنًا مناسبة ومخصصة تعمل بها بدوام جزئي لكي تحافظ على صحتها وراحتها النفسية، وهذا أمر مهم للرجل. وإذا كانت المرأة تعمل خارج المنزل وتتعب بسبب ذلك، يجب على الرجل مساعدتها في الأعمال المنزلية. للأسف، ثقافة المجتمع اليوم تشبه الثقافة الغربية التي تجاهلت الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة في العمل داخل وخارج البيت، ودفعن المرأة للعمل بدوام كامل كالرجل. الشركات الاقتصادية الكبرى تستغل الضعفاء بدون تفريق بين الرجل والمرأة، وتغريهم بدعاية كاذبة تدفعهم نحو الهلاك وهم يفتخرون بذلك.

المرأة إذا أرادت حياة صحية ومتقدمة فهي تحتاج إلى الرجل، لكن حاجاتها ليست فقط مالية أو مهورًا ونفقة، رغم أن غالبية النساء يعانين من احتياجات مالية ويجعلن الرجل ينفق عليه بسبب الحب. لذلك لا يصح القول:

(ص 223) «المرأة خلقت بحاجة للرجل من الناحية المالية والمادية، والرجل من الناحية الروحية.»

حتى النساء الغنيات ماليًا يحتجن إلى الزوج للراحة والسلامة النفسية والصفاء الداخلي، والمال لا يغطي كل حاجاتهن. والمرحوم مطهري قال سابقًا: «معيار نفقة الرجل للمرأة ليس حاجة المرأة»، لكن كلمته الأخيرة في موضوع المهر والنفقة صحيحة:

(ص 230) «قانون الخلق جعل المرأة والرجل بحاجة إلى بعضهما البعض ليجمعهما أكثر ويقوي رابطة الأسرة، وهي الأساس الحقيقي لسعادة البشر. إذا جعل الرجل نقطة اتكاء المرأة من الناحية المالية، جعل المرأة نقطة اتكاء الرجل من الناحية الروحية. هذان الاحتياجان المختلفان يجمعانهما أكثر ويقويان وحدتهما.»

قانون الخلق جعل الرجل والمرأة يكملان بعضهما البعض، ويجب عليهما الاعتماد المتبادل لتحقيق السعادة. الرجل يعتمد على المرأة لراحة باله، والمرأة تعتمد على قوة الرجل، لكن حاجاتهما لبعضهما شاملة ومتبادلة ومتوافقة مع طبيعتهما وليست أحادية البعد.

المثل الأول والثاني حول الطلاق في المجتمع الأمريكي

في المجتمع الأمريكي، هناك مثلان شعبيان عن الطلاق مشهوران أكثر من غيرهما: الأول يقول: “حتى أصعب التوافقات بين الزوجين أفضل من الطلاق”، والمثل الثاني يعارض الأول ويقول: “الحب الثاني أطيب”.

أما المثل الأول، فبصيغته الواسعة لا ينطبق دائماً، إذ إنّ الأسوأ من الطلاق هو الحياة الملوثة بالمعصية والظلم نتيجة عدم التفاهم بين الزوجين. الاستمرار في حياة مليئة بالظلم والمعصية أشد إزعاجاً وأسوأ من الطلاق. في الوقت الحاضر، أصبحت النساء أكثر وعياً بحقوقهن وقادرات على الدفاع عنها في وجه الظلم والاستبداد. العيش في أي ظرف مع الزوج وتجنب الطلاق حتى في حالة عدم التفاهم الشديد وتحمل الظلم والاستبداد الذكوري لا يتوافق مع الدين ولا مع الطبيعة والفطرة والإنسانية.

من ناحية أخرى، فإن العوامل الاجتماعية السيئة مثل الفقر والفساد والفجور والانحرافات الجنسية تزعزع الأسرة، وارتفاع نسب الطلاق لا يعود فقط إلى وعي النساء، بل أيضاً إلى الفساد الاجتماعي، خاصة الفساد النظامي من جانب الحكومات، وانتشار الفساد والعنف من قبل القوى العالمية الاستعمارية بهدف تدمير إرادة المجتمعات وتحطيمها ثقافياً واجتماعياً، ونشر الانحلال والترويح عن النفس بلا هدف، مستفيدين من ذلك في استغلال اقتصادي حديث.

أما المثل الثاني، فهو أيضاً غير مطلق، لأن الزوجين في علاقة حب ثانية قد يملكان خبرة أكثر ويفهم كل منهما الآخر بشكل أفضل، إلا أن الزواج الثاني قد يفشل حتى وإن تم بحذر. كلا المثلين نسبيان ويعتمدان على الظروف ولا يجوز تعميمهما. كما أن الطلاق ليس طريقاً للوصول إلى حب أجمل، بل هو وسيلة للانفصال من اليأس في حالة عدم التوافق، وليس لتحقيق رغبات عاطفية أو شهوانية عابرة.

ملاحظات حول الطلاق

لقد ناقشنا سلبيات الطلاق في المجلد الثاني من كتاب “المرأة؛ مظلومة عبر التاريخ”. من هذه السلبيات أن الحياة الزوجية مشتركة بين الرجل والمرأة، ولابد أن يكون لهما دور متساوٍ في الطلاق. فلماذا يجب أن تكون حق الطلاق مقصوراً على الرجل فقط، ولا تتمتع المرأة بحق متساوٍ في اختيار الانفصال؟ هل ليس هذا حقاً طبيعياً للمرأة؟ التوجهات العاطفية والميول موجودة لدى كلا الجنسين، فالمرأة قد تملّ أو لا تجد سعادتها في الحياة الزوجية. إن حرمان المرأة من حق الطلاق قد يدفعها إلى العلاقات غير المشروعة، والفطرة تدعو إلى أن يكون لها حق الطلاق.

الإسلام أعطى المرأة حق الإيجاب في الزواج، لكنه منح حق الطلاق للرجل لأن طبيعة الرجل عقلانية، تحسب الأمور، تفكر بحكمة، ولا تتخذ قرارات انفعالية عاطفية، بعكس المرأة التي تغلب عليها المشاعر وقد تتخذ قرارات متسرعة دون اعتبار للمستقبل. إذا كان الطلاق بيد الرجل، فإن ذلك يقيّد اندفاعات المرأة العاطفية التي قد تكون مدمرة. هذا ليس تقييداً لحرية المرأة، بل حمايتها وحرية لها. إعطاء حق الطلاق للمرأة يشبه إضاءة عود ثقاب داخل خزان وقود، وهو أمر غير حكيم.

حق الطلاق ومخاطره على الرجل

صحيح أن الطلاق بيد الرجل، لكنه غالباً ما يكون على حسابه، خصوصاً إذا اضطر إلى دفع المهر. الزواج مرة أخرى بعد الطلاق صعب على الرجل، خاصة إذا كان لديه أطفال، لأن الأطفال لن يكونوا تحت رعاية الأم دائماً، والخيارات المحدودة للزوجة الجديدة تجعل حياته أصعب. هذا كله يجعل الرجل يفكر ملياً قبل اتخاذ قرار الطلاق، وهذا هو السبب في أن الطلاق أُعطي للرجل.

الشهيد المطهري أشار إلى أن مسؤولية تربية الأطفال في غياب الأم تشكل عبئاً على الرجل، مما يردعه عن الطلاق.

حول طلاق الرجل وعدالته

حق الطلاق المطلق بيد الرجل لا يعني أن يستخدمه دائماً، فله حدود أخلاقية، ولكن من الناحية القانونية، الطلاق من حقه مطلق دون شروط. يمكن أن يكون الطلاق جائراً أو عادلاً، ولكن الإسلام يرفض الطلاق الجائر ويرى في الإيمان والمحبة والإيثار وسائل للحد منه.

الإسلام لا يريد إجبار الزوج على البقاء في زواج تعيس، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الحياة الزوجية. إعطاء حق الطلاق للمرأة والرجل معاً يجعل الزواج هشاً وغير مستقر، أما منح الحق للرجل فقط فيجعل إدارة الحياة الزوجية أكثر استقراراً.

الطلاق في الإسلام: بين التشريع والتنفيذ

حق الطلاق في التشريع الإسلامي مطلق، لكن في التنفيذ يحتاج إلى شروط يثبتها القضاء لضبط العملية، حتى لا يحدث فوضى. التشريع يفصل بين إثبات الحق وتنفيذه. بعض القوانين تتأخر في إصدار أحكام الطلاق، ما قد يسبب معاناة، وهذا أمر غير مرغوب فيه.

الطلاق لا يجب أن يكون قضيّة بحتة، ولكن يجب أن تدار بشكل يضمن استقرار الأسرة والمجتمع.

القوانين الطبيعية للزواج والطلاق

الكتاب يشير إلى أن الزواج يقوم على جذب طبيعي يشبه مهاجمة الذئب للغنم، حيث يهاجم الذكر ليأسر الأنثى، والأنثى تهرب فتجذب الذكر.

صحة المجتمع والأسرة بين المحبة والإيثار

المجتمع يكون صحيحاً إذا استطاع أن يُرسّخ في نفسه ثقافة المحبة العامة والإيثار الجزئي، حتى يتمكن الإيثاريون الجزئيون من تعويض الأضرار والخسائر التي تسببها الظالمون والمتعدون والمجرمون الجزئيون. والأسرة كذلك، فلا يمكن أن تُحلّ جميع مسائلها بمقياس العدالة والإنصاف والحقوق دون الأخذ في الاعتبار المحبة وقدرة الإيثار. فالأنانية إذا بلغت حد التجاوز، تضرّ بالعدل، والإيثار والتسامح والمحبة هي التي تعوّض ذلك. تحقيق الحقوق ومطالبها دون إيثار وتسامح وروح معنوية لا يثمر في البيت والمجتمع نمواً أو تقدماً؛ لأن المتعدين يخلّون بالعدل والمساواة، وإذا غاب الإيثاريون، تبقى الجراح دون شفاء، فتتحول إلى التهاب وامتعاض عام.

لا تتحقق صحة المجتمع بمجرد الشعارات حول العدالة الاجتماعية، بل يجب أن تكون المحبة العامة والإيثار الجزئي موجودين لتعويض النقص الناتج عن نهب وطغيان المستبدين. وكما أن شعار المساواة والعدالة الاجتماعية وحده لا يمكنه إدارة المجتمع وإيصاله إلى الصحة، كذلك الحال في الأسرة، إذ تحتاج الأسرة لصحتها إلى المحبة والإيثار من بعض أعضائها.

الفروق في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل

سبق وذكرنا أن للمرأة والرجل حقوقاً وواجبات أسرية واجتماعية مختلفة، وأن العدالة في الحقوق بينهما تتحقق بأخذ هذه الفروق بعين الاعتبار، بحيث يكون لكل صنف مكانته الخاصة. أحياناً تتقدّم المرأة وأحياناً يتقدّم الرجل. وبالطبع في الحقوق المشتركة بينهما، العدالة تعني المساواة والتكافؤ. والاختلاف في الحقوق الخاصة لا يعني منح حق أكثر لأحدهما، بل لكلٍ منهما حقوق طبيعية تناسب طبيعته.

المشاعر الزوجية والأمومة

المرأة تتمتع بمشاعر غزيرة وجياشة، وهي قادرة على نقل مشاعرها إلى الرجل. المرأة، أكثر مما تستقبل من الرجل من عواطف، هي منبع لهذه العواطف، لذا تغدق بالمحبة على زوجها، ويمنحها الرجل في المقابل سلطته وسياساته، فتتقوى العلاقة الزوجية وتصبح متينة. المرأة تعتمد على الرجل، وبهذا الاعتماد تجد الحماية والسلطة.

يرى المرحوم مطهري، مستنداً إلى قول خاطئ، أن الإسلام يعارض استخدام القوة القانونية لإجبار الرجل على بقاء الزوجة في البيت، لأن ركن الحياة الأسرية هو العواطف والمشاعر. فالزوجة هي التي تتلقى وتستقبل مشاعر الزوج، لتتمكن بدورها من بذل المحبة لأطفالها. فغياب مشاعر الزوج يبرد البيت ويظلمه، لأن مشاعر الأمومة مرتبطة بشكل كبير بعواطف الزوج تجاهها.

وبالتالي، وجود المرأة يحتاج إلى عواطف الرجل لكي تسقي أولادها من ينبوع فياض من المحبة. وإن كانت مشاعر الأمومة فطرية، فإنها تتغير وتزداد أو تنقص بحسب البيئة والعلاقات.

علاقة العواطف بين الزوجين

يُظهر الرجل اقتداره وحبه للمرأة، فتشعر الزوجة بأنها محبوبة ومرغوبة، وتستمد قوتها وثباتها من هذا القبول والاعتماد على زوجها. وإذا غاب القبول والحب من الزوج، تضعف مشاعر المرأة، لأنها تعتمد على الزوج الذي يمنحها الحماية والسلطة.

لذلك، أكثر ما تتأثر المرأة هو بسلطة الرجل عليها، والتي تؤدي إلى تعميق عواطفها. فسلطة الرجل وحبه ينشطان المشاعر لدى المرأة، والزوج مركز السلطة في الأسرة والمرأة هي منبع العواطف. وكأن قوة الرجل تشبه قطع الحديد، والمشاعر الأنثوية كالطلاء الذي يمنع حرارة القطعة من الاحتراق. الرجل والمرأة يكملان بعضهما، فبسلطة الرجل ومشاعر المرأة تتوازن الحياة الزوجية وتصبح متماسكة.

شروط تنفيذ الطلاق

الطلاق حق مطلق لكل رجل، لكن في التنفيذ له شروط. يرى الشهيد مطهري أن الطلاق يجب أن يتم بحضور شاهدين عادلين يعرفان الزوجين، ليكون الطلاق صحيحاً وقابلاً للشهادة. وينتقد ممارسات الطلاق التي تتم بحضور شاهدين لا يعرفان الزوجين، لأن ذلك لا يحقق هدف الإسلام.

ولكن من الناحية الفقهية، لا يشترط التعرف الشخصي على الزوجين من قبل الشهود، فمثل هذه الشروط غير مطلوبة في الصلاة والعمرة وأداء الحقوق الشرعية، والشهادة على الطلاق تكفي إذا تم سماع صيغة الطلاق بين الزوجين.

المرأة تاريخيًا وقبل الإسلام كانت محرومة من الميراث.
يرى الشهيد المطهري أن السبب الرئيسي لحرمان المرأة من الميراث هو منع انتقال ثروة الأسرة إلى أسرة أخرى تُعتبر غريبة؛ لأن الرجال كانوا يعتبرون أبناء الذكور فقط أولادهم، لا البنات. وقد أرجع المطهري السبب الجذري لهذا الحرمان إلى المعتقدات الدينية القديمة، فقال:

(ص 234) «في الفيدا الهندية وقوانين اليونان وروما مذكور أن قوة الإنتاج تقتصر على الرجال، ونتيجة هذا الاعتقاد القديم كانت تخصيص الديانات الأسرية للرجال، ولم يكن للنساء أي دور مباشر في الشؤون الدينية بدون واسطة الأب أو الزوج… وبما أنهن لم يكنّ مشاركات في أداء الطقوس الدينية، فقد حُرمن قسرًا من باقي مزايا الأسرة.»

في الماضي، كانت حتى المرأة تُورث كأنها مِلك. أما في الإسلام فالابن بالتبني والعهد والمرأة ليسوا من الورثة. مع ذلك، للمرأة نصيب في الميراث، يختلف حسب دورها كابنة أو أم أو زوجة. نصيب البنت نصف نصيب الولد. ويعتبر الشهيد المطهري هذا النصيب عادلاً ومقبولاً، ويبرره قائلاً:

(ص 237) «سبب أن الإسلام جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل هو وضع خاص للمرأة من حيث المهر والنفقة والخدمة العسكرية وبعض القوانين الجزائية؛ أي أن الوضع الخاص للمرأة في الإرث نابع من وضعها الخاص في المهر والنفقة وغير ذلك… من وجهة نظر الإسلام، إلغاء المهر والنفقة وخاصة النفقة يُسبب زعزعة أساس الأسرة وانجذاب المرأة إلى الفحشاء. وبما أن الإسلام يُلزم المهر والنفقة ويُحمّل الرجل عبئًا من هذا القبيل، فهو يريد تعويض هذا الحمل عبر الميراث، لذا جعل نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة. فالمهر والنفقة هما اللذان يخفضان نصيب المرأة في الميراث… والوضع الخاص للمرأة في الإرث هو نتيجة المهر والنفقة.»

ويقصد ببعض القوانين الجزائية إعفاء المرأة من دفع الدية في بعض الجرائم الخطأ التي يتوجب على ذوي المضرور دفعها.

الإسلام يريد بتخصيص ميراث أكبر للرجل تعويضه عن المهر والنفقة، وأيضًا وضع الثروة بيد الرجل التي تعبّر عن الحب والعاطفة، ويُنفقها على المرأة. بالإضافة إلى أن الرجل يستطيع تشغيل هذه الثروة وجني الدخل منها، بينما المرأة تواجه قيودًا قانونية في هذا المجال. صحيح أن النفقة التي تأخذها المرأة نقدية، والميراث للرجل مؤجل، ولكن في المقابل للرجل استقلال اقتصادي كامل وسلطة سياسية، فيتحقق توازن بين النفقة النقدية والميراث المؤجل. ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن هذه الحجج لم تحل كل الإشكالات، ويحتاج الفقه إلى بحث معمق في هذا الشأن ليتمكن من استنباط الأحكام المعروفة والمقبولة التي لا تتعارض مع القرآن الكريم.

أولئك الذين يساوون نصيب المرأة بالرجل في الميراث، يجبرون النساء في بعض البلدان على الخدمة العسكرية، مما يضعهن في خطر القتل والأسير والاعتداء الجنسي مثل الرجال. ومن ثم، فإن طرح المساواة في الميراث مع الإلزام بالخدمة العسكرية للنساء هو جريمة في حق المرأة. الإسلام بحظر الخدمة العسكرية على المرأة يحميها من هذا الخطر ويكرم طبيعتها، ويمنح الرجل بحق الإرث الأكبر مقابل مخاطر أكثر، كما جاء في القرآن الكريم:
(فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنْثَيَيْنِ).

الإسلام لا يمارس تمييزًا ظالمًا في الميراث بين الرجل والمرأة، لأن القانون الإرثي في حالة وجود ولد وبنت ينقسم الميراث إلى ثلاثة أنصبة، سهم واحد للمرأة وسهمان للرجل، ومع ذلك تُلقى على الرجل مسؤولية كافة نفقات المرأة ونفقاتها. والمرأة لا تتحمل مصاريف خاصة كبيرة لا تدخل ضمن النفقة الواجبة على الرجل، والنصيب الموروث للمرأة هو من باب الإحسان والتكريم لحاجاتها الزينة والكمالية. كما أن المرأة لها مهر يُعوض جزءًا آخر من نصيبها في الثروة، دون أن تُلقى عليها نفقات كبيرة. بغض النظر عن الوضع المالي للأفراد، فإن الدين قد وضع قانونًا يرعى تحقيق التوازن في الملكية والثروة بين البشر. ولا يأخذ هذا القانون في الحسبان مدة الخدمة العسكرية للرجل أو مخاطره، لأن الخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن من اختصاصات الرجل ومنسجمة مع طبيعته، ولا تدخل في الموازنة والتطبيق.

الباب العاشر / حق الطلاق

الطلاق حرية محررة

أولًا نورد وجهة نظر الدين الإسلامي حول الطلاق بشكل موجز، ثم ندخل في نقد النقاط المطولة في الكتاب حول الطلاق. الطلاق يعني الحرية وقطع رابطة الزواج وفصل الرجل عن المرأة. بعضهم يعتقد أن الحياة الزوجية يجب أن تستمر تحت أي ظرف، ولا يحق للزوجين حق الانفصال والطلاق. هؤلاء يقولون: الخطأ في البداية يجب أن يُتبع بخطأ في النهاية، فلا يجب المساس بالزواج لأنه مقدس. هذه المقولة صادرة عن جهل أو خوف ويأس، وهي غير صحيحة.

الحياة الزوجية تكون مستقرة إذا تم الزواج عن وعي واختيار وبعلم، وبمراعاة التوافق الجسدي والنفسي والروحي بين الزوجين. وإن كان الزواج غير واعٍ أو إجباري أو بدون مراعاة التوافق، وحدثت خلافات لا تُحل، فإنها تتحول إلى مستنقع من الذنوب والفساد والضيق والضغط والمعاناة. مثل هذا الزواج الذي يصعب إصلاحه يجب أن يُنهي بالطلاق في أسرع وقت، كي يدخل الفرج والراحة على حياة كل من الزوجين، ويُلبى حاجتهما بطريقة حكيمة وقوية:
(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّآ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعآ حَكِيمآ).

استمرار الحياة الزوجية التي لم تُبنى على التوافق ولا تحتوي على الخير والصفاء هو خطأ آخر، وهذه الحياة تحتاج إلى الطلاق. الطلاق هو الحل الصحيح والواجب لإزالة المعاناة، وليس العيب في زيادة نسب الطلاق بل في بقاء حالات العيش في ظلام وعبودية وعدم حرية للمرأة والرجل. الإسلام يحرّم الطلاق إذا طلق الرجل زوجته الصالحة بدون سبب معقول. الطلاق حرام بمعنى الالتزام الديني، وليس كأن الطلاق باطل شرعيًا. كذلك الطلاق واجب إذا استمرار الزواج يؤدي إلى المعصية. فالزواج الذي يكون سببًا للمعصية لا خير فيه، والطلاق يمنع وقوع المعصية. الطلاق إذًا حلال مكروه، أي أن الأصل في الطلاق هو الحق والحرية، لكنه مكروه إذا وقع في غير موضعه.

من المدهش أن كاتبًا محترمًا يمتلك القدرة على تحليل القضايا الدينية قد أخطأ في مسألة تعدد الزوجات، وأخذها بحق المرأة خلافًا لفقه الشيعة، مع أن تعدد الزوجات حق حصري للرجل. يقول القرآن الكريم في شأن تعدد الزوجات:
﴿فَانكِحُوا مَا طابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾[37]؛ أي أن تنكحوا ما طاب لكم من النساء زوجين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإذا خفتم ألا تعدلوا فواحدة فقط.

إنّ الميل إلى التنوع بحد ذاته ليس أمرًا مذمومًا يستدعي التوصية بالإصلاح، إذ إن حب التجديد والازدياد هو في طبيعة الإنسان، وهو كمالٌ أصيل. لكن إذا تحول هذا الميل إلى سوء في التطبيق أو سبب تعارضًا وانتهاكًا لحقوق الآخرين، فلا بد من إدارته. والفساد والانحلال يختلفان عن الميل الطبيعي إلى التجديد. نحن هنا في مقام النظرية والفلسفة حول تعدد الزوجات، لا في مقام التنفيذ أو الشروط العملية له. أما في التنفيذ، فالفقر وقلة الموارد، بالإضافة إلى المراقبة الدائمة للزوجة وتدخلها في هذا الحق، من العوامل التي تضعف الرغبة في تعدد الزوجات. فالإنسان الفقير لا يستطيع أن يحب أو يفتن ليحبذ تعدد الزوجات. وهذه العوامل نفسها تنطبق في المجتمعات التي تسمح بتعدد الأزواج عند النساء، مما يجعل النساء أيضًا يفتقدن الرغبة في ذلك. الإيمان والتربية الأخلاقية يمنعان تعدد الأزواج عند النساء. وعلى العكس، فإن الانحلال الأخلاقي والرفاهية يزدادان من ميل الرجل والمرأة إلى تعدد الزوجات.

التجديد والبحث عن التنوع، رغم أنهما أساسًا متضمنان في طبيعة الإنسان، ينتشران في كل الأمور، إلا أن التربية الأخلاقية والإيمانية تغير من ميل المرأة وتقيدها، فيظل هذا الميل مخفيًا أو محصورًا ضمن تربية صارمة والتزام إيماني يجعل المرأة ترفض التجديد كلما تعارض مع كمالها الحقيقي. كما أن الفرد الصائم يمتنع بإرادته ورغبته عن الطعام حتى في وجود أشهى الأطعمة، لأنه قد ربّى نفسه تربية إيمانية فيستطيع الامتناع عن الأكل والشرب في أوقات محددة. كذلك المرأة والرجل إذا تربيا تربية سليمة، يبتعدان عن ارتكاب المعاصي في الأمور الجنسية برغبة وإرادة، ولا يحبذان ارتكابها، رغم أن هذه التربية أقل تحقيقًا لدى النساء، وهنّ في هذا المجال أكثر احتشامًا وإخفاءً. الرجل بسبب سلطته وممارسته للسياسة إذا انجذب إلى أمر ما، يكون أكثر ثباتًا عليه، أما المرأة فبما أنها تحمل مشاعر شديدة، فإن ميلها للتجديد وعدم الوفاء يزداد إذا لم يُدار بضبط، وخاصة من قِبَل سلطة الرجل.

يورد الكتاب خلاف هذا الواقع من خلال اقتباسات عن مشاهير غربيين، فيقول:
(ص 339) «ذات يوم قال لي طبيب مشهور: إن تعدد الزوجات عند الرجل (حب التنوع والرغبة في التعدد) وازدواجية الزوجة عند المرأة (الحصرية والتمسك بشريك واحد) أمر بديهي، لأن الرجل ينتج ملايين الخلايا المنوية، بينما المرأة تنتج بويضة واحدة فقط خلال فترة الاستعداد. بغض النظر عن فرضية كينزي، هل الوفاء صعب على الرجل؟ كتب هنري دومنتيرلان الفرنسي ردًا على هذا السؤال: الوفاء ليس صعبًا على الرجل، بل مستحيل. المرأة واحدة للرجل، والرجل لجميع النساء. إذا خان الرجل زوجته، فليس تقصيره، بل تقصير الخلق والطبيعة التي زرعت فيه عوامل الخيانة.»

النساء ظاهريًا يعارضن العلاقات الجنسية المتعددة ويقاومنها بالامتناع والاحتشام، لكن داخلهن، إذا لم يكن هناك تربية دينية وأخلاقية، فإن الأمور تختلف. على العكس من الرجل الذي يظهر ضعفه أمام الشهوة، ويفقد صبره في الأمور الجنسية، المرأة أكثر عفافًا واحتشامًا وتحملًا.

كثرة الحيوانات المنوية تجعل خيانة الرجل أمرًا بعيد الاحتمال، لكن عواطف المرأة سبب أقوى لخيانتها. إن القول بعدم قدرة الرجل على الوفاء نظرية خاطئة. فالخيانة ليست حكراً على الرجل، فالمرأة والرجل كلاهما قادران على الخيانة، وإن كانت الخيانة لدى المرأة من الناحية الفلسفية وبسبب شدة مشاعرها أكثر احتمالًا.

إن الطبيعة معقدة ولا مجال فيها لليأس أو الحتمية. الخيانة ليست جزءًا من طبيعة الرجل حتى يُعفى من الذنب. بالإضافة إلى ذلك، الخيانة ليست مرتبطة بالجنس، فكل من المرأة والرجل لهما ميل للخيانة. الميل إلى الخيانة في النفس غير المرباة يؤدي إلى السقوط في الذنوب، والإنسان قادر على الخطأ، وهذا من كماله، أما ارتكاب الذنب فهو المرفوض.

ويواصل المرحوم مطهري بالقول:
(ص 340) «في فرنسا، الزوجان يحلّان قضية الخيانة بينهما بوضع قواعد وحدود. إذا لم يتجاوز الرجل هذه القواعد، فإن خيانته ليست مهمة. هل يستطيع رجل بعد عامين من الزواج أن يكون وفيًا؟ بالتأكيد لا، لأنها ضد طبيعته. أما النساء فهناك فرق، ولحسن الحظ، هنّ واعيات بهذا الفرق. في فرنسا، إذا خان الزوج، فإن الزوجة لا تغضب أو تشعر بالاستياء لأنها تعتقد أن الروح والعواطف تخصها وحدها، بينما الجسد قد ذهب مع آخر.»

يجب أن يقوم التحليل النسائي على الفهم الفلسفي والطبيعة الخاصة بكل من الرجل والمرأة، وليس على أساس رجال منحرفين في منطقة معينة. هذه الكتابات تخدع النساء السطحيات وتمنحهن عذرًا يعتمد على المشاعر فقط، وهي محاولة للتلاعب بالعقول من أجل حرية الرجل الجنسية بلا قيود. لا يوجد سبب فلسفي يجعل الرجل إذا مارس علاقة مع امرأة أخرى، أن روحه ومشاعره تذهب إليها كذلك. هذه ثقافة اجتماعية خاصة بلا أساس فلسفي، وإذا نظرنا إليها بنظرة نقدية، نجد أنها مؤامرات مدبرة لتشكيل ثقافة الغرب. المرحوم مطهري لا يثق بمثل هذه الأقوال. علم النفس الجنسي يؤكد خطأ هذه الادعاءات. من الناحية الواقعية، النساء يعانين من تعدد الزوجات لأن الرجال غالبًا ما يسيئون استخدام هذا الحق.

يذكر المرحوم مطهري:
(ص 340) «في رأينا، هذا الوصف لطبيعة الرجل غير صحيح على الإطلاق. من ألهم هؤلاء المفكرين هو وضعهم الاجتماعي الخاص وليس طبيعة الرجل الحقيقية.»

أضرار ومساوئ تعدد الزوجات

  • تعدد الزوجات مناسب للرجل القوي القادر على تحمل مخاطره وحمايته منها. الزواج الأحادي يمنح الضعفاء راحة وهدوءًا، لكن إذا لم يكن لدى الرجل مهارة التحكم والقدرة على إشباع النساء في تعدد الزوجات، فإنه يفقد الوحدة والانسجام بين الزوجين.
  • إذا لم يكن الرجل قادرًا على التحكم في المتعة بدون القذف، فإن التكرار يؤدي إلى تدهور صحته وسرعة الضعف والتعب، رغم أن تعدد الزوجات يعزز النشاط الروحي والمعنوي أحيانًا. ومع كل هذه الأضرار، فإن الفوائد إذا رافقها اقتدار الرجل وسلامة نمط حياته تفوق الأضرار.
  • أما بالنسبة للمرأة، فإن تعدد الأزواج يؤدي إلى تدهورها وفقدان فوائد دائمة.
  • يشير المرحوم مطهري إلى آراء المنتقدين الذين يرون أن السعادة الزوجية تقوم على الصفاء والتفاهم والتضحية والوحدة، وكل هذه الأمور تتأثر سلبًا بتعدد الزوجات.
  • كما يذكر أن المسؤوليات التي تفرضها تعدد الزوجات ثقيلة على الرجل، وأن الكثير ممن يرضون عن تعدد الزوجات هم في الحقيقة من يتجنبون مسؤولياته الشرعية والأخلاقية، حيث يهملون بعض الزوجات كما في “المعلقة” التي ذكرها القرآن.
  • هناك مثل شعبي شائع يقول: “الله واحد، والمرأة واحدة”. وهذا الاعتقاد منتشر بين معظم الرجال، وهو منطقي إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية السعادة والراحة الشخصية. لكن إذا اعتقد الرجل أن تعدد الزوجات مفيد له رغم مسؤولياته، فهو مخطئ. الزواج الأحادي أفضل من حيث السعادة والراحة، لكن…

الله واحد، لا شريك له ولا عدد له، وليس كما في الزواج أن تكون المرأة محصورة بواحدة فقط. الرجل إذا كان قادرًا على تحمل المسؤوليات، فإن تعدد الزوجات مناسب له ولزوجاته، ويحقق رضاهم أفضل من الزواج الأحادي. الرجل هو الذي يتحمل المسؤوليات الكبيرة، ويمتلك القدرة على توسيع العائلة. فوائد تعدد الزوجات كثيرة، وإذا أُحسن التعامل معها وكان العدل موجودًا، فهي تستحق الجهد. أما إذا كان الرجل ضعيفًا، فإن تعدد الزوجات يسلبه الراحة. مثلما أن عدد سكان بلد كبير إذا أُدير بشكل جيد يكون أقوى وأفضل من بلد صغير.

  • إذا توفرت الشروط، فإن تعدد الزوجات أفضل من الزواج الأحادي من حيث المصالح والسعادة. كما أن تعدد الزوجات يقوي الرجل بالتقوى والإيمان، ويزيل القلق الجنسي، ويمنحه صفاء القلب.
  • بالتالي، القول بأن الزواج الأحادي أفضل هو قول غير دقيق. فليس بالضرورة أن يؤدي الزواج الأحادي إلى السعادة، وقد يعيش الرجل مع زوجة واحدة حياة مليئة بالمعاناة، بينما قد يحيا مع عدة زوجات حياة سعيدة، إذا توفرت الظروف المناسبة. الأمر متوقف على الظروف.

تقسيم العاطفة

  • ينتقد المعارضون لتعدد الزوجات أنه لا يمكن تقسيم الحب والعاطفة بين عدة أشخاص، لذا فإن بعض الزوجات تعيش بلا حب أو شعور، وهذا يجعل تعدد الزوجات مرفوضًا.
  • يقولون:
    (ص 349) «الحب والعبادة يختصان بالشريك الواحد، لا يقبلان شريكًا أو منافسًا. الحب ليس كالحبوب التي يمكن تقسيمها إلى حصص. كذلك المشاعر لا يمكن التحكم بها. الإنسان تحت رحمة القلب لا القلب تحت رحمة الإنسان. لذلك، تعدد الزوجات مرفوض.»

يرد المرحوم مطهري على ذلك:
(ص 349-350) «هناك مبالغة في هذا القول، فصحيح أن روح الزواج هي العاطفة والمشاعر، وأن المشاعر لا تخضع لإرادة الإنسان، لكن القول بأن المشاعر لا يمكن تقسيمها هو خيال شاعري أو مغالطة. لأن المقصود ليس تقسيم جسم أو قطعة بل السعة العاطفية للإنسان. الإنسان قادر على حب أكثر من شخص. فالأب قد يحب عشرة أبناء حبًا عميقًا ويضحّي من أجلهم جميعًا.

نعم، من المؤكد أن درجة العاطفة لا تصل إلى ذروتها في حالة تعدد العلاقات كما في الوحدة، فالعاطفة العالية لا تتناسب مع التعدد، وكذلك العقل والمنطق.»

لكن هناك تناقض بين القولين، فحب الأب لأبنائه العشرة يشبه ذروة الحب، بينما القول الآخر ينفي ذلك. الإسلام يسمح للرجل بتعدد الزوجات ليُظهر شخصيته ويجد محبة متعددة، ولكن إذا لم يستطع العدل بينهم، فإنه يخسر كل شيء.

الخيانة بالنسب (خيانة النسل)

ينبغي التنبيه إلى أن القول بأن اكتفاء الرجل بزوجة واحدة هو خيانة للنسب لا يتعلق بالكمية، بل بالجودة، إذ إن الاقتصار على زوجة واحدة يُضعف النسل، بينما يتقوى النسل في تعدد الزوجات. كما أشار المرحوم مطهري، فإن هذا الكلام خاص بالمجتمعات الفاسدة والمتحرّرة جنسيًا، حيث لا يستطيع الرجل أن ينمو ويتحفز إلا بممارسة الجنس الجماعي أو بمشاهدة مناظر مثيرة. في هذه المجتمعات، يعاني الرجال من ضعف القدرة الجنسية بسبب الإفراط في الشهوات، ولا تستيقظ غرائزهم إلا بمشاهد جنسية تحفزهم، حتى أن هناك مراكز مخصصة لهذا الغرض كي يتمكنوا من القيام بالعلاقة الجنسية، وإلا يعجزون عن ذلك. أما الرجال الأصحاء الذين لا يفرطون في الشهوات ولا يمارسون حياة جنسية مفرطة، فلا يحتاجون إلى تعدد الزوجات لتقوية نسلهم.

إن الأفراد الأصحاء على العكس من المتحررين جنسيًا، يمتلكون شهوة مركزة تُثار بإشارة حسية بسيطة. وتعتبر المجتمعات الفاسدة جنسيًا مجتمعات مريضة وضعيفة، ولهذا يتحدث الأشخاص في هذه المجتمعات بهذه الطريقة.

ثقافة تعدد الزوجات

في مجتمعنا، لا تلقى تعدد الزوجات قبولاً واسعاً، وذلك بسبب التربية الاجتماعية والثقافة الشعبية السائدة. في المجتمع الإيراني، تُعتبر الزوجة الواحدة مظهراً من مظاهر الرجولة ويُفخر بها. إدارة الأسرة بزوجة واحدة تتطلب جهداً كبيراً، ويكثر الفقر ونقص الموارد وسوء المعاملة والعنف من الرجال تجاه النساء. كذلك، لا تتوفر للنساء بيئة لإظهار الذات أو التزيّن، ولهذا استقرّت ظاهرة الزوجة الواحدة في المجتمع.

حتى في المجتمعات الثرية، يفضل الناس رفقاء وصديقات وليس زوجات متعددات. هذا الأمر ليس دليلاً على حسن اختيار، بل هو نتيجة المشكلات الاجتماعية. تعدد الزوجات أمر حسن ومحبذ لكنه يفتقر إلى ثقافة عامة تقبله.

يلخص الشهيد مطهري قضيته السابقة قائلاً:

“تعدد الزوجات ناتج عن مشكلة اجتماعية وليس طبعًا فطريًا للرجل. من البديهي أنه إذا لم تكن هناك مشكلة في وجود عدد زائد نسبيًا من النساء المحتاجات للزواج مقارنة بالرجال المحتاجين، فإن تعدد الزوجات سينحسر أو يكاد ينعدم. وإذا أردنا ألا تبقى نساء بلا أزواج في مثل هذه الظروف (افتراضياً)، فإن تعدد الزوجات ليس كافياً ولا صحيحاً. ولتحقيق ذلك، هناك أمور أخرى مطلوبة: أولاً، العدالة الاجتماعية، والعمل، والدخل الكافي لكل رجل محتاج للزواج ليتمكن من تأسيس أسرة. ثانياً، حرية إرادة واختيار المرأة، بحيث لا يُجبرها الأب أو الأخ أو غيرهم على الزواج من رجل غني ميسور. من البديهي أنه إذا كانت المرأة حرة ومختارة، وكان بإمكانها الزواج من رجل أعزب، فلن تصبح زوجة رجل غني وتكون “هوى” له. الأهل هم من يبيعون بناتهم أو أخواتهم للرجال الأغنياء طمعًا في المال. ثالثاً، يجب أن لا تكون عوامل الإثارة والإغراء والفساد منتشرة بشكل مفرط، إذ تسحب عوامل الإغواء النساء المتزوجات من بيوتهن إلى بيوت الغرباء، فكيف الحال بالنساء العازبات؟ إذا كانت المجتمعات ترغب في الإصلاح والدفاع عن الزواج الأحادي الحقيقي، عليها العمل على تحقيق هذه العوامل الثلاثة، وإلا فإن المنع القانوني لتعدد الزوجات لن يؤدي إلا إلى فتح أبواب الفساد.”

يرى الشهيد مطهري، بدلاً من إيضاح الأسباب الطبيعية أو القرآنية لتعدد الزوجات، أن تعدد الزوجات حقٌ للمرأة، ويربطه بزيادة عدد النساء العازبات مقارنة بالرجال، وينظر إلى ظاهرة تعدد الزوجات من منظور المجتمعات الغربية الفاسدة.

ويضع العدالة الاجتماعية والعمل كشرط لتعدد الزوجات، مع أن هذين الشرطين ضروريان أيضًا للزواج الأحادي، وإلا ستواجه المجتمعات أزمات ومشكلات اجتماعية. كما أن الزواج القسري ممنوع في الزواج الأحادي كما هو في تعدد الزوجات، ويجب احترام حرية المرأة ورغبتها في كلا النظامين.

ليس صحيحًا أن الرجل العازب دائمًا أفضل من الرجل المتزوج، فالأمر يعتمد على الظروف والحالات الخاصة. كما أن عوامل الإثارة والفساد قد توجد أيضًا في الزواج الأحادي، ويجب على المجتمع أن يتعامل معها بحزم.

ينبغي على المجتمع أن يدرك اختلاف قدرات الرجال، ويؤسس الصدق والإرادة والاحترام حتى لا يعاني الأفراد من نقص ومرارة وحسرة، ومن خلال تصحيح الثقافة العامة، يمكن القضاء على الرياء. يجب أن يُمنح الرجل القادر على تعدد الزوجات دون مخالفة شرعية المجال لتحقيق ذلك، فهذا دليل على نضجه وفهمه الصحيح. وإذا لم يتطور المجتمع إلى هذا المستوى، سيصبح الرجال والنساء جميعًا فاسدين في سلوكهم، كما هو الحال في الثقافة الغربية السائدة التي هزت أركان الأسرة وأضعفت المجتمع، وجعلت النساء موضوعًا للرغبات الجنسية والحركات المثيرة من أجل الربح، وأضعفت المشاعر، وعمّقت الخيانة بكل أشكالها، حتى الخيانة بين الأصدقاء.

لكن موضوع هذا الكتاب ليس تحليلًا فلسفيًا عن المرأة والرجل الغربي أو الثقافات الشعبية لأي بلد، بل هو دراسة عن طبيعة المرأة والرجل، وهما صنفان من البشر.

[1] – مجموعه آثار استاد شهيد مطهرى، ج 19، نظام حقوق زن در اسلام، ص 38.

[2] – مجموعه آثار استاد شهيد مطهرى، نظام حقوق زن در اسلام، ج 19، ص 54.

[3] – مائده / 54.

[4] – اعراف / 20.

[5] – قصص / 7.

[6] – نحل / 68 ـ 69.

[7] – ملك / 3.

[8] – ملك / 3.

[9] – عصر / 2 ـ 3.

[10] . كافى، ج 1، ص 58.

[11] – بقره / 188.

[12] – بقره / 275.

[13] – بقره / 30.

[14] . عصر / 2.

[15] . نساء / 34.

[16] – نحل / 72.

[17] – روم / 21.

[18] . عصر / 2 .

[19] . عصر / 3.

[20] . عصر / 2.

[21] . يوسف / 53 .

[22] . يوسف / 53 .

[23] – الكافى، ج 5، ص 506 . من لايحضره الفقيه، ج 3، ص 438. وسائل‌الشيعه، ج 20، ص157.

[24] – مستدرك الوسائل، ج 14، ص 256. النوادر (راوندى)، ج 1، ص 43.

[25] . مؤمنون / 14.

[26] . نساء / 34.

[27] . بقره / 275.

[28] . نساء / 4.

[29] . يوسف / 24.

[30] . يوسف / 53 .

[31] – نساء / 176.

[32] . نساء / 130.

[33] . احزاب / 6.

[34] . بقره / 256.

[35] . حجرات / 10.

[36] . يوسف / 53 .

[37] . نساء / 3.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V