شمعة الحياة
المعلومات التعريفية
العنوان الرئيسي: ، ، ١٩٤٨ –
العنوان والمؤلف: شمعة الحياة / .
بيانات النشر: إسلامشهر: ، ٢٠١٤.
المواصفات الشكلية: ٤٨ صفحة.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-7347-32-4
وضع الفهرسة: فيپا
الموضوع: ، ، ١٩٤٨ – — مذكرات
الموضوع: المجتهدون والعلماء — إيران — مذكرات
تصنيف الكونغرس: BP55/3 / ن8آ3 2014
تصنيف ديوي: 297/998
رقم الفهرس الوطني: 3504608
مقدمة
الكتابات الشمعدانية في هذا الكتاب هي ذكريات عاطفية من أيام حياة متوهجة حول شمعة دافئة، ودمعة حارة على خدٍ مفعم بالحنان والرقة. هذه الكتابات الشمعدانية، التي تُعتبر ثمناً لجزء من عمر دنيوي، تعبّر عن فكر مستمد من علوم موهوبة. فكر خلاّق يتسم برؤية كلية تنأى عن النظرة الجزئية، وهو فكر أصله في الخفاء والإخفاء. هذه الكتابات تحكي عن الحزن العميق لكاتبها، وعن حكمة العزلة والابتعاد عن الشؤون الاجتماعية في عقدي السبعينيات والثمانينيات.
هذه الكتابات ليست مجرد فكر، بل هي معرفة، حيث تُروى قصة الرفيق؛ رفيق يظهر في كل مكان وبكل هيئة، بلا تردد، لا يخشى أن يظهر في أي حي أو زقاق. صاحب هذا القلب يمكن أن يكون فقط في المرتبة الأولى، ولا ينظر سوى إلى الله ووحدانيته، دون أن يكون له “نظر” أو “مصلحة”.
نأمل أن يُسهم هذا الكتاب في توسيع صدور القراء.
الحمد لله الحق
شمعة (1) فقط الله
كنتُ أقل من ثلاث سنوات. كنت ألعب في ساحة المنزل مع النمل. فجأة، عضّ نملة يدي بدلًا من الحبة. كان الألم شديدًا حتى أنني أطلقت أنينًا عميقًا من قلبي. كان ذلك الصوت كبيرًا في ذهني ولا يزال يرن في أذني إلى الأبد. كانت أمي تغسل الملابس بجانب البركة، ثم نهضت مسرعة ونظرت إلي. لن أنسى تلك اللحظة أبدًا! شعرت بالخجل من صرختي المفاجئة وخوف أمي فخفضت رأسي. حاولت تجنب نظراتها الحادة والفضولية، لكنني لم أستطع الهروب.
لا أدري ماذا فعلت بالضبط. ربما كانت يد القدر تدافع عني من النملة وتسبّب هذا الحدث.
في اليوم التالي، ذهبت مع والدي إلى مسجد قريب. كان يصلي في زاوية، وكنت أنظر من خلال الزجاج إلى نحلة تحاول الخروج، لكنها تصطدم بالزجاج. فتحت الباب وأشرت لها بإصبعي لتخرج، لكنني سحبت يدي فجأة وصرخت. أبى والدي يسرع في صلاته وأنهى الركعتين الثانية والثالثة بسرعة. وعندما جاء إلي وجد دموعي تسيل. أمسك يدي ولم يعط الأمر أهمية كبيرة. نظف دموعي وقال: “لا شيء.”
بعد ذلك، لا أتذكر شيئًا حتى استيقظت وشعرت أنني وُلدت من جديد. كان هناك خيمة معلقة على مسمار في الجدار على يساري، وكنت مستلقيًا على وسادة سميكة. بدأت أصوات الجيران تثير انتباهي، حيث كانت سيدة تسأل أمي عن حالتي، فأجابت: “لقد فقد وعيه منذ ثلاثة أيام وجسمه أصبح أسود اللون. لا أدري إن كان بسبب الحصبة أو مرض آخر.”
كانوا يتحدثون بصوت خافت كي لا أستيقظ. يا إلهي، كم كان ذلك مؤلمًا! كنت أدفع ثمن ذلك اللمس واللعب. من الذي خط لي هذا الطريق المليء بالعقبات؟ كلما حاولت الانضمام إلى مجموعة جديدة، سواء بين الحيوانات أو البشر، كان أحدهم يدفعني بعيدًا، دون أن أعلم أن هذا الإبعاد يقربني من التوحيد. كلما كان الرفض أشد، كان هذا أقرب بي إلى التوحيد. كنت أعيش وحدي لأشهر وأعلم أن هناك إلها.
الآن، بعد أن تجاوزت تلك المرحلة، ما زلت أرى تلك الممرات بين الموت والحياة تتجلى لي في كل لحظة. أحيانًا ينبض قلبي بشدة تكاد تموت فيها روحي ثم تعود للحياة، وأحيانًا أكون ميتًا ثم أعود للحياة. يبدو أن قدري لا ينفصل عن دورة الموت بعد الحياة والحياة بعد الموت.
كل أعضائي تعاني هذه الحالة، ويبدو أنها ستظل معي إلى الأبد، بلا توقف أو انقطاع. ماذا أفعل إن لم أرغب بالموت؟ وماذا إن مت ولم أحيا من جديد؟ من أستعين؟ أخاف حتى من يوم القيامة، إن لم تتركني الدنيا، فإلى أين أذهب؟ هل يمكن أن يُنسى الإنسان ويحذف من صفحات الوجود؟ ماذا لو حدث ذلك؟ هل يمكن أن ينتحر الإنسان ولا يبقى له أثر في هذا العالم أو غيره؟
يبدو كلما اقتربنا أكثر من الموت، أصبحنا أكثر حياة، لكن يجب أن يكون هذا القتل متوافقًا مع الشريعة وبحكمة، لأن هناك موتًا هو الانتهاء والتلاشي كالدخان.
حياتي مليئة بهذه الموتات والحياة من جديد. فقدت أغلى أحبتي في موت إنساني لم أره قط، وكان حزني شديدًا كأن جزءًا من قلبي قد فُصل عني. وعندما كانوا يعدّون ذلك الحساب، كنت أشعر بضغوط تفصل روحي عن جسدي.
حدثت هذه الحالة أول مرة في موتي الخاص، ثم في موت أصدقائي، ثم أصبحت تنتمي إلى كل الوجود، دون أن أكون سببًا في نشأتها.
شمعة (2) إشارات إلى الله
يا الله، ليس إلهك مرتبطًا بعبادتنا، وإن لم تكن بدونها. عبادتنا مرتبطة بإلهك، فاحلف يا الله بإلهك أن تحقق حقيقة عبادتنا.
يا الله، كل ما هو موجود منك. لقد قرأنا خطك، ولن نخضع أبدًا لأي حزن أو كدر. اغفر لنا وضعنا فقط في مسار صناعتك.
يا الله، خسرنا بسهولة وتخلينا عن كل ما ليس منك، لأنها كلها عابرة. لن نسمح للحزن أن يدخل قلوبنا، لأنها تحت سلطانك وأنت لا تحزن.
يا الله، إلى متى أستغفر وأحمل سجادة الصلاة وأسجد، وكل هذا ظاهر فقط؟ يا الله، كن أنت الظاهر أو اسحب ظاهري إلى الباطن.
يا الله، أنت تعلم أنني لا أوجد، فما معنى وجودنا إذن؟
يا الله، نحن لسنا أهل جدال معك، زدنا فقد لا نحتمل.
أجمع وأنت تقول ما هذا؟ أرى وأنت تقول هذا ليس، فما العمل؟
يا الله، إلى جانبك هناك أنبياء وأولياء وحركات تحرر بين الأمم، رغم أن جهودهم تتبدد بسبب النقص والقصور، ويبقى تاريخهم فقط.
من الأفضل أن ننزل قليلاً. الإنسان مشغول باليوم، بالدنيا، بالناس، بالضجيج، بالكتب والكلام، ويعيش عمره بهذا الشكل من نهار إلى ليل.
الأمر المهم هو قصة الليل والظلام، رغم أن كثيرين يقضون الليل في نوم أو راحة أو موت مؤقت، ويقضي البعض الآخر الليل في الغفلة أو المعصية أو الملذات الزائفة، المهم هو اليقظة والوعي في الليل.
كيف يجب على الإنسان أن يتبع الليل ويكتشف حقيقته؟ فبعضهم يقضيه في الفكر والدراسة والبحث والكتابة، وآخرون يسجدون ويذكرون، ويجمعون سجودهم مع سجود الأرض، أحيانًا يزيدون في كثرة، وأحيانًا يتوحدون في وحدة مطولة، مما يسعدهم ويشغلهم. ما يؤلمني الآن هو سؤال: ماذا أفعل؟ عندما يأتي الليل وأغمض عيني للنوم وأستعد لليوم الجديد، أسأل نفسي ماذا علي أن أفعل؟
كل ما ذكرته أراه أمامي أو ورائي، لكن الألم يبقى ولا يخفف. أخشى أن يكون كل هذا مجرد مشغولية لتجاوز الليل والظلام، حتى أنني في سجودي وركوعي وذِكري، ينفصل نومي فجأة في الصباح، وكأن الليل قد سُرق مني. أخشى أن يكون كل هذا سببًا للغفلة الكاملة.
فجأة تخرج من فمي هذه الكلمات: يا الله، هل صنعت لنا مشغولية الليل لكي تجعل الليل يقربنا إلى النهار؟ يا الله، قل لي ماذا أفعل؟ صلاة أم ذكر؟ سجود أم ورد؟ ماذا أفعل ليكون لي ولعملك نفع؟
يا الله، لديك لا شيء تحتاجه، فلا حاجة لك لتداركنا، لكن اهدِنا واعمل فينا واحرق ما نحن عليه، ودع الدخان يرى وجهك ويجدك ولا يتركنا أبدًا.
يا الله، يأتي الصباح والمؤذن يريد الصعود إلى المنارة، عجل بأمري ولا تدع لي ليلاً، واجعلني ألتقي بك لأنني لا أطيق رؤية النهار.
يا الله، قرأتَ كتابك ولم أعد أبحث عن الحبة السوداء أو البيضاء، ولا أريد منك إلا أنت، لأن كل ما ليس منك، معك هو، ومعك لا يمكن أن يفلت مني شيء.
يا الله، أشغلت الجميع بشيء ما، فلا تجعلني أتعذب بهذا الوضع، واشغلني بنفسك، ولا تلوث يدي بغيرك.
اللهم، إني أخشى أن تَسخر مني أمام الجميع، وأن تُلقي بكل واحد إلى الآخر.
اللهم، لا تضحك على وجهي؛ لأنني لم أرَ ضحكتك على غيري، ولا أطيق احتمالها.
اللهم، خذ بيدي ولا تتركني لغيرك. قد أصرخ وأقول: يا أيها الجميع! الجميع مجرد ذريعة! وأسقط الجميع على رأسك، وأجرّ دنياك إلى الخراب والهلاك.
اللهم، ألا تريد أن يبقى الجميع ملقى على الأرض، وأن تذهب الدنيا إلى الدمار؟ إذاً فاقبلني، ولا تحوّل ليلي إلى نهارٍ منير بلا روح، ولا الظلمة إلى نورٍ باهت.
(18)
الإنسان قليل، لكنه موجود، والحيوان كثير، ونحن محصورون بين الاثنين. الإنسان في أي مكان وزمان هو نفسه، سعيدٌ، حتى مع الشقاء، والحيوانات تبقى حيوانات، ومسرورة بحيوانيتها. أما نحن فلا نعلم ما نحن؟ وأي منهما نكون؟
اللهم، كل ما هو موجود منك، وكل ما ليس كذلك فهو منك أيضاً؛ فما شأننا إذن؟
الشمعة الثالثة: والقلب يطلب
الجميع يبحث عن كينونة الإنسان. الطفل يوجه لك اللكمات والصفعات في البيت. الزوجة تبحث عن إشباع رغباتها الجنسية والغريزية، وتطلب من الإنسان لحظة بلحظة ماء الحياة. الضيف يأتي طلباً للطعام. الأستاذ يشغل وقت الإنسان وسمعه. الكتاب يطالب بعينيك. الورق يشغل يدك وقلمك. الطوب والحجر والإسمنت والتراب تشغل يد البناء. فما بقي لي؟ كل مكان أذهب إليه يطلب مني شيء.
(19)
حتى الله تعالى يطلب قلبي، ولم يعد لي “كينونة” خاصة. فماذا أفعل وقد أعطيت قلبي النابض للحق الذي هو سير وجريان في كل الوجود، والحق كان له هذا القلب منذ البداية. الآن فهمت أن القلب للحق، فقد أعطيته قبل القلب رجلي، وكان يقول لي وهو جاد: “لأنك تصر، فاقبل”، ثم اشترى يديّ وعيني ولساني وأذني، وأخيراً قلبي أيضاً. الآن، كل ما أكتبه ليس رغبتي ولا عقلي، ولا هوى، بل القلم ويدي منه، والهوى والعقل والقلب منه هو الذي يتدفق إلى الورقة. هذا هو حال العالم في كل مكان.
الشمعة الرابعة: الحنين والانفراج
قلبي يحنّ إلى الأطفال. لا طفل لأشمّ رائحته وأقبّله. لا تلميذ لأحنّ عليه. لا رفيق يرافقني. في الوحدة والغربة، أصبحت أسيرًا بحيث لا ينجيني حتى الأساتذة والأئمة المعصومون عليهم السلام، ولا حتى الله تعالى. “يا أنيس من لا أنيس له”. الله تعالى لا يجيب اشتياقي، لأن: “كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه، مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم”. ولكني طالب حقيقة تتجاوز الأوهام والعقل والنفس والنفس ذاتها، لأتقرب إليها وأتأنس بها، ولكن هذا الأنيس هو أيضاً من خيالاتي، من خلق عقلي ونفسي، وهو أنيس لا يُنال.
تركت نفسي وقطعت بها، ثم رحل ذاتي، فصار الحق مرئياً. الحق صار ذاتاً يمكن إدراكها، فرأيتها وجدتها، ليس كما أرى نفسي، بل كما هي.
الشمعة الخامسة: فقط الأول
عندما دخلت الحوزة العلمية وأصبحت طالباً رسمياً، نصحني ابن عمي وناهاني عن هذا المسار. حين كنت أذهب للنادي، كان يتبعني ويقول: “الطريق الذي اخترته لا ينفع، ولا يداوي مرضاً. احتفظ على الأقل بشيء من الدنيا لنفسك”. رغم أنني حينها كنت أعلم حوالي ثمانين طالباً بالغاً في قراءة القرآن الكريم وتعليم التجويد، وجميعهم كانوا من التجار وأصحاب المال، إلا أنني كنت أذهب مشياً على الأقدام للنادي، ثم أذهب لدرس الإنجيل عند أستاذ مسيحي في كنيسة رافائيل في الجانب الآخر من طهران، وبعد ذلك أزور مسجداً في مدينة ري، وأستمر في الذهاب إلى خانقاه في بهارستان حيث كان المرحوم مصفايي يمنحني صفاءً باطنياً، وفي الليالي أذهب إلى مقبرة سيدات الثلاثة وأرافق سلطان الكسوة.
(21)
في أيام أخرى، حين كنت أرافق ابن عمي، كان دائماً ينصحني قائلاً: “الدنيا ضرورية للحياة، فلماذا تدير لها ظهرك هكذا؟” وكان ينصحني، وكنت لا أسمع له، حتى يوم كنا ذاهبين للنادي، وعندما كنا نمارس الرياضة في ميدان سبز، رأيت مدمن مخمور ساقط في مجرى مائي مليء بالوحل، وقلت لابن عمي: “يا أحمد، إما أن أنجح وأكون إلهاً، أو أكون عبداً مثل هذا المدمن المتسخ، لا أقبل حلاً وسطاً.” كانت كلماتي هذه كالماء على النار، فأصمت ولم يقل شيئاً. واليوم ما زلت على رأيي: إما الله أو لا شيء. إذا كنت الثاني، فسوف يفسد الأمر، وفي كل مكان كنت فيه الثاني، فسد العمل.
الشمعة السادسة: العلوم الموهوبة
العلوم التي أتحدث عنها — مثل علم التفسير، الاستخارة، والتعبير — جاءتني دون تعب، مجاناً، وأقدمها مجاناً لبعض الناس. لا تجد جملة أو عبارة من كلامي في أي مكان آخر. هذه العلوم هي رشحات من القرآن الكريم، لا تُحسب كثيراً. حوزاتنا في هذه العلوم القرآنية فارغة. هل تعلم لماذا أكتب هذه العلوم؟! لأقول لك بمناجاة:
“يا إلهي قلت: الجهاد كيف يكون؟ فأجبتني: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. فقلت: ما سبيل الله؟ قلت: حق اليتيم، الفقير، المسكين، الأسير، ابن السبيل والذي علق به الطريق.” قدمت أموالي كلها، ثم قلت لي إنها قليلة، فأعطيت رجلي ثم باقي جسدي، فقلت لي إن هذا أيضاً قليل، فأعطيت بيتي، فقلت لي قليل، وأعطيت زوجتي وأولادي، فقلت لي قليل، وأعطيت والدي وعرقي ونسبي، ومع ذلك قلت لي قليل. فسألتك: ماذا أعطي؟ فأجبتني: أعطِ كل ما ليس لديك! ففعلت، واقترضت وأعطيت، وعملت وأعطيت، حتى ذهبت أتسول وأعطيت، ومع ذلك قلت لي قليل. فلم أجد شيئاً في العالم، ونظرت إليّ: هل لديك قلب؟ فأعطيت قلبي أيضاً، لتكون راضياً. والآن، لا قلب لديّ، قد أعطيت قلبي أيضاً، تفعل ما تشاء به، وأنت تكسره كل لحظة، وأنا أقول: إنه لك، اكسره كما تشاء! إذا كتبت هذه الأمور وكنت أتكلم، فهو منك، وإلا فإني لا أحب الكتابة. مهما فعلت بي، فأنا كما أنا: فقير، يتيم، مفلس ووحيد، وقد جعلتني كذلك، فليكن ما يكون! لو قلت إنني عبدك، فلا أقول، ولو قلت مفلس، فلا أقول، لأن ظهورك وجمالك يا رب العالمين لا يوصف.
الشمعة السابعة: حكمة العزلة
لقد بذلت جهداً كبيراً لنشر الدين، لكني لم أوفّق، فاعتزلت. كنت أتحدث في فضاءات مختلفة، لكن كلماتي كانت صريحة، فقالوا إنهم لا يستطيعون سماعها، قالوا: عندما تتكلم، نشعر بالضياع، ولا تستطيع النفس الثبات، ولا نستطيع الحفاظ عليها، وتتغير كل برامجنا. سألتهم: كيف تعلمون أن كلامي مؤثر؟ قالوا: القلب يشهد بذلك.
بالرغم من أني أحرص دائماً ألا أجرح أحداً، إلا أن الأمر يحدث أحياناً ويخلق المشاكل. على سبيل المثال، في بيئة عسكرية كنت ألقي محاضرات وورش عمل، وكان من المفترض أن يحضرها الجميع. قلت لمسؤولهم: الحضور حر، وقلت في المحاضرة الأولى: أنا جئت من قم، وأتكلم بحرية خارج مسؤوليات هذا المكان. أنتم أحرار في الحضور، ولا أحد مسؤول عنكم. كنت أجلس معهم أكثر من ساعة، وكانوا يسمعون كلاماً جيداً، وأجريت معهم نقاشات وأسئلة. لكن البعض كانوا قلقين، من استقلالنا ومن قبولهم، لأنني أطلب الحرية، وهم لا يريدون ذلك.
قلت لهم: اسألوا عن كل ما تريدون، إذا كانت لديكم أسئلة على الدين أو الله أو الإسلام أو الثورة، فاسألوا. أنتم أحرار في هذا اللقاء. أحياناً كانت المحاضرات تتعارض مع آراء بعضهم حول العدالة الاجتماعية، لكنني كنت أتكلم عن الولاية العامة التي هي أعلى من العدالة الاجتماعية، فكان تحملهم قليلاً. قلت لهم: تقبلوا الكلام واعتبروا أنه جيد فقط.
كل مكان أذهب إليه يختل النظام. أحياناً كان هذا الاضطراب يزيل مشكلة أو يثبت نظاماً جديداً، لذا من أجل السكينة كنت أبتعد عن هذه الأمور. حين لا يوجد احتمال لتحمل، يجب التراجع. لم يكن اعتزالي بسبب عدم الجهد، بل بسبب عدم جهوزية الظروف…
الآخرون هم، والطريق الوحيد والسبيل الذي يمكن تحقيقه هو تأهيل طلبة العلم الفاضلين والواعيين. ولو افترضنا – مع الاعتذار عن احتمال هذا – أنني أصبحت مسؤولاً في الحوزة، فسأظل مشكلةً، لأن في بداية العمل، تقع الاعتراضات على العلماء الكبار وليس على الطلبة الصغار. وفي هذه الحالة أقول: يجب أن يبدأ الامتحان العلمي في الحوزات من الأعلى، لا من الطلبة الصغار، لأن العمل في جميع المجالات يجب أن يُصلح من الأعلى لا من الأسفل. ولا يمكن لبعض الكبار، أو بالأحرى بعض المشاهير الذين لم يخضعوا لأي امتحان وإنما نشأوا في أجواء غير اعتيادية، أن يكونوا في مواقع المسؤولية. هذا أمر لا بد أن يُدار بشكل صحيح.
وبهذا الوصف، تستعيد الحوزة مركزيتها، وتبدأ المعارضات والتأييدات، ولا يزال الناس لم يتذوقوا طعم الثورة الأولى حتى يمروا بتحول أكبر من التحول الأول. ومع أن هذه التحولات في صالح الناس، إلا أنه ما لم يرغب الناس فيها، فلن يتحقق شيء؛ من الطلبة إلى غير الطلبة. حينما يكون الاهتمام العام بالدنيا، لا يمكن غرس الروحانيات في قلوبهم أو إحداث تحول لديهم. يجب أن ترغب الجماعة والشعب لكي ينعم الدين والقانون بالثقافة العلمية والصحة.
(28)
إذا أراد الناس أن تكونَ الدِّينُ والقانونُ ثقافةً علميةً وصحيةً، فلا بد من ذلك.
عندما لا نُجيبُ على طلبات الآخرين في شرحِ التصوفِ وبيان ماهيتهِ بشكلٍ لائقٍ وصحيح، يحضرُ في هذا المجالِ أشخاصٌ لا يعرفون من التصوفِ إلا سلوكَهُ الظاهريَّ، فهم يتظاهرون بالتصوفِ عبرَ النرجيلةِ والدخانِ والشاربِ والكيسِ، وكأنّ التصوفَ ميراثُهمُ الوحيدُ هو ذلك الشارب الطويلُ. لكن التصوفَ ليس الشارب الطويل، ولا يُنالُ بالتدخينِ والدخانِ والصوتِ أو بالكيسِ المُعلقِ. التصوفُ هو النقاءُ والتطهّرُ والعيشُ النقيّ. الإمامُ عليٌّ عليه السلام لم يكن يتصفُ بهذه التصرفات ولا يستعملُ هذه الوسائل. والإرثُ الذي تركهُ الإمامُ عليٌّ عليه السلام عن التصوفِ، وهو مثبتٌ بسلسلةِ الأحاديثِ، ليس كذلك. فإذا دعا الفقهاء لمجادلة هؤلاء، فلا طائلَ من ذلك؛ لأنَّ المحتالينَ هم غالبون دائماً.
ينمو الإسلامُ في العلاقاتِ بين الناسِ، لا في العلاقاتِ الرسميةِ أو الورقيةِ أو القراراتِ الصورية.
(29)
في طريقة تحقيقِ هذا التحوّلِ والترتيبِ من الأعلى لا من الأسفل، لدينا العديدُ من المخطوطاتِ التي تقدّمُ هندسةً متقنةً للعمل؛ وإنَّ تنفيذها أهمُّ من تقديم خريطةِ الطريق، لأنَّ العقباتِ كثيرةٌ، ولا بد من إرادةِ اللهِ وتفضّلهِ ومددٍ غيبيٍّ لتجاوزِها.
الشمعةُ الثامنة: مبدأ الاختفاء
يجبُ على الإنسانِ أن يُخفي كلَّ شيءٍ، من مالِه ودينهِ، حتى من أقربِ الناسِ إليه، كزوجتهِ وأولادهِ، وكلما كان ذلك أكثرَ سريةً كان أفضل؛ لأنَّ الحمايةَ والأمنَ لا يأتيان إلا بالاختفاء.
الشمعةُ التاسعة: الرفيقُ في البيتِ وكلُّ الحبِّ
الحبُّ حقيقةٌ في داخلي، وحقيقةُ الحبِّ فيّ. إذا وصلني أي شيءٍ، أُحبهُ. إذا لم يكن لدي زوجةٌ – وليس لديّ – أبحثُ عن زوجةٍ. وإذا وجدتُها وتركنا في صحراءَ جرداء أو غابةٍ جامحةٍ بأشجارٍ تشبهُ البيوتِ، وأناسٍ أشبهُ بالأسودِ والنمورِ، وهددونا بالتمزيق، أقولُ لها: تكلّمي بي وارتاحي، فلا شيء في الدنيا يزعجُني، ولا يوجد رجلٌ غيري في العالم، وأنا أحبكِ.
إذا أخذوا مني كل شيءٍ وسجنوني، أعشقُ قضبانَ السجن، وإذا كان لديّ رفيقُ زنزانةٍ أُنشدُ له شعراً عاشقاً. وإن أُلقيتُ على جبل، أتحدثُ مع الصخرِ بالحق، وإذا رميتُ في وادٍ، لا أقولُ سوى كلامِ الحبِّ. وإذا صعدتُ إلى سطحِ محلِّ تدريب الحمام، أحبُّ ذلك؛ لأنَّ حمامهُ يطيرُ فوقَنا ويقضي ساعاتٍ أكثر في السماء، والحمامتانِ في السماء لهما سرٌّ لا يُقال.
كنت أتمنى أن أكون حمامةً وأطيرُ خلفَ حبيبي من الأزقّةِ إلى أسمى السمواتِ!
لكنَّ الشبابَ مهما قيل لهم أن يتزوجوا بعشقٍ، يقولون لا نجد بيتاً مناسباً، ولا وظيفةً، ولا وسيلة نقل، ولا زوجةً مناسبة، وكلُّ هذه الأمور يبحثون عنها في الخارج، مع أنهم غافلون عن أن الرفيق في البيتِ هو كلُّ الحبِّ.
الشمعةُ العاشرة: بيضةٌ بحجمِ الجنة
أحياناً يكون للشيءِ القليلِ كميةً، جودةٌ يصعبُ إدراكُها. كان والدي رجلاً صافياً محبًّا، ووالدتي كائناً رحيمًا. كنتُ مفتوناً بوالدي وأحبهُ حبًّا شديداً حتى صرتُ أتشبهُ به في كلِّ حركاتي وكلامي. كان يناديني “محمد” وهو أيضاً في اليقظة والنوم يناديني بهذا الاسم مراتٍ كثيرة. كان يتصرف بحبٍّ وتضحياتٍ وسخاءٍ، وكان دائماً يحملُ في جيبه بعضَ الحبوبِ والمكسراتِ ليُعطيها للأطفالِ في الطريق. وكان الجميعُ يحبُّه لأنه يُحلّي فم الجميع. كان رجلاً شجاعاً، وأذكرُ العديد من مواقفه البطولية. ذاتَ يومٍ جاء رجلٌ إلى بابِ بيتنا يحتاجُ مالاً، ولم يكن لدينا مالٌ. فقام والدي ورفع صورةً مؤطرةً وفتح خلفها مكاناً مخفياً ووضع فيه بعض النقودِ وأعطاها للرجلِ وقال لي: “يا بني، يجب أن تضعَ دائماً نصيبَ الآخرينَ جانباً وألا تصرفه، لكي لا يخجل أحدٌ إذا طلب شيئاً.” كان لديه مدخراتٌ كهذه ليُعينَ المحتاجينَ دائماً.
قبل وفاته، في آخر لقاءٍ في المستشفى، قال لي الممرضُ: “والدك يناديك.” عدتُ فوجدتهُ يناديني ببطءٍ: “محمد! محمد!” وأعطاني بيضةً كانت له وقال: “كل هذه.” كانت البيضة بحجمٍ خاصٍ لدرجة أنها كانت أكبرَ من أن تحوى في الدنيا والعالم. تذكرتُ قولَ ابن أبي العوجاء لمفضل: “هل يمكنُ أن يضعَ اللهُ العالمَ في بيضةٍ دون أن تصغرَ العالمُ أو تكبرَ البيضة؟” لو التقيتُ به، لأخبرته: “يمكنُ لله أن يخلقَ بيضةً لا تحصى في العالم دون أن تصغرَ أو تكبر، وهذه البيضة هي التي أعطاني إياها والدي.”
لذلك، إذا قال الإمامُ الصادقُ عليه السلام في جدالٍ أحسن: “الله وضع العالمَ في أصغرَ من بيضةِ العين”، فأنا بمنطق الحساب أقول: هذا لا شيء، فالأهمُ هي البيضة التي لا تحويها الدنيا، وأنا رأيتها وامتلكتها.
ولو افترضنا أن الله منحني كل ألوهيته، لما كانت مساويةً لهذه البيضة التي أعطاها لي والدي في لحظةِ مرضه، ولو وضعت كل ألوهيّة الله في كفة الميزان، وهذه البيضة في كفةٍ أخرى، لن تتساوى.
الشمعة الحادية عشرة: النظرة الكلية
أنا أرى البعيدَ أفضل من القريب، وإن نظرتُ للقريبِ، أتعبتني الرؤية. كما أنني أُتقنُ الأعمالَ الكبيرةَ وأتقنها بدقة، لكنني أجد صعوبةً في الانشغال بالأعمالِ الصغيرةِ والتفصيلية.
الشمعة الثانية عشرة: السؤالُ والتمحيص
إذا سُئلت: “ما هو الكتابُ الجيد؟” أقول: الكتابُ الذي يفهمه الإنسان ويُظهرُ له كلامَهُ الخاص.
إذا سُئلت: “ما هو العمل؟” أقول: العملُ نوعٌ من أنواعِ عدمِ العمل؛ مع أنَّ عدم العمل نوعٌ من العمل. العمل وعدم العمل كلاهما هما عناءٌ على عاتقِ الإنسانِ المسكين.
إذا سُئلت: “ما هو الدرسُ الجيد؟” أقول: درس المحبة، رغم قلة تلاميذه.
إذا سُئلت: “ما هو أسوأ درس؟” أقول: الدرسُ الذي هو كلامٌ فقط، كلامٌ وكلام.
إذا سُئلت: “ماذا كنت تفعل لو كنت في منصب؟” أقول: لا شيء، كما فعل الآخرون الذين كانوا في منصب، رغم ادعاءاتهم.
إذا قلت: الكثير من الأمور قد حدثت في العالم، أقول: ضع عمرَ الدنيا ورأس مال الوجود بجانب هذا الكائن لترى النتيجة.
إذا سُئلت: “ما هو الهدف؟” أقول: عند كثيرين هو البطن والشهوة، وعند آخرين هو الهوى، وهو في طبقةٍ أعلى في الجسم. وعند جماعةٍ أخرى هو أشياء أخرى قليلة من يتبعها.
إذا سُئلت: “أين تكون هذه الأشياء الأخرى في الإنسان؟” أقول: هذه الأشياء الأخرى ليست في مكانٍ معين من الجسد، بل الجسد يريد أن يصل إليها، لأنها ليست مرتبطة بمكان، بل هي مستقلة عن الموضوع. لها منزل في اللاجسد وتسير في العالم بلا جسد، لكن هذا لمن يملك هذا الوضع ويستطيع ذلك.
إذا سُئلت: “ماذا تود أن تكون؟” أقول: لا شيء، فقد كنت كل ما أردتُ، وأكتفي بأن أتحرر من براثن ذئاب الدنيا.
إذا سُئلت: “ما الذي أصبحت عليه؟” أقول: أصبحت نفسي، لا غيرها. كثيرون يقولون خوفاً وطمعاً إنهم أنفسهم، وهم يعلمون أنهم ليسوا كذلك، بل أعطوا ذاتهم للآخرين.
إذا سُئلت: “ما هو الخوف؟” أقول: اسأل أهلَه.
إذا سُئلت: “من هو الشجاع؟” أقول: آسف!
إذا سُئلت: “من أنت؟” أقول: أنا أنا، كما أنت أنت، رغم أنك قد لا تكون أنت.
إذا سُئلت: “ما هو المستقبل؟” أقول: لا شيء.
إذا سُئلت: “ما هو الماضي؟” أقول: الماضي قد مضى.
إذا سُئلت: “فما هو الحاضر؟” أقول: هو نفسه المستقبل والماضي.
إذا سُئلت: “أي زهرة جميلة؟” أقول: التي لا تتفاخر بأشواكها.
إذا سُئلت: “ما هو الشوك؟” أقول: هو أيضاً زهرة، والبستاني هو الله تعالى.
إذا سُئلت: “ما هو الله تعالى؟” أقول: ما ليس.
إذا سُئلت: “هل هناك إله أم لا؟” أقول: لا أحد بلا إله، رغم أن هذه الآلهة ليست هي الله، وأدناها من اللا إله.
إذا سُئلت: “إلى أين تذهب المخلوقات بعد الدنيا؟” أقول: تذهب إلى ذاتها، وهذا المسير مستمر أبدياً بلا توقف، رغم أن في الظاهر أبدية.
إذا سُئلت: “ما هي العدالة وأين هي؟” أقول: إن عرفت أين هي، عرفت ما هي.
إذا أدركتم ما هو، فتعلمون أنه غير موجود بيننا. الناس في العالم يفرحون فقط بلفظه، وإن كانوا لا ينكرون نسبيّة العدالة.
وإن سُئلتم: «ما الأشياء الموجودة؟ وما الأشياء التي كان من الجيد أن تكون؟ وما الأشياء غير الموجودة؟ وما الأشياء التي كان من الأفضل ألا تكون؟» أقول: لا يجب أن نعبث بتكوين الدنيا. كما هي الآن، هي جيدة، وإن لم تكن كاملة؛ لأنّ أي تدخل في تركيب الدنيا يزيد خرابها. وكلما قللنا من العبث بها، كان ذلك أفضل؛ والسبب أنّ الذين حاولوا التدخل في أجزاء من الدنيا منذ البدء حتى اليوم، أغلبهم لم ينجحوا، بل أفسدوا الأوضاع القائمة، وكما يُقال: «جاؤوا ليصلحوا حاجبها، فأعموا عينها»، و«جاؤوا ليحيّوها، فماتوها أكثر»، وكلما جفت، زادوا في ترطيبها.
وإن سُئلتم: «ما الإيمان؟» أقول: شيء نادر الوجود، رغم كثرة الجلبة والحديث عنه.
وإن سُئلتم: «ما التصوف؟» أقول: قلب محترق مات ولم يجرؤ على النطق.
وإن سُئلتم: «ما الحرية؟» أقول: اسأل القفص، فالحيوان تعلم هذا المعنى منه.
وإن سُئلتم: «ما القانون؟» أقول: شيء مؤلف من خمس حروف وأربع نقاط، وليس فيه سوى ألف واحد. وإن سُئلتم: «ما هو حرف الواو والنون فيه؟» أقول: الواو حسب قواعد النحو هو حرف البداية، والنون هي النون التي تُنطق كما في كلمة “نان”.
وإن سُئلتم: «أي السيوف أشدّ حدّة؟» أقول: الكلمة.
وإن سُئلتم: «ما أثمن الأشياء؟» أقول أيضاً: الكلمة.
وإن سُئلتم: «ما العمل الصالح للإنسان في الدنيا؟» أقول: عليه أن يرى ما يفعل الناس معه، فهو وحده ليس الفاعل.
وإن سُئلتم: «ما الذي يلين الإنسان؟» أقول: المحبة، إن وُجدت. المحبة تُليّن كل مخلوق، حتى بدون رغبة منه، ولو لم تكن نقية وصافية بل مختلطة بالأغراض المختلفة.
وإن سُئلتم: «من هو الإنسان؟» أقول: لم أرَه.
وإن سُئلتم: «من هؤلاء الناس؟» أقول: اسألوا أنفسهم!
وإن سُئلتم: «من هم أفضل الناس؟» أقول: هم الذين لا يتعصبون، ويفكرون بحرية، ولا يمدون يد الصداقة في قبضة القهر والصراع.
شمعة «13» رفيق الصفّ
عندما أرافق شخصاً لا يتناسب عمله مع عملي، أستطلع منه معلومات عن وظيفته وأجعله يتحدث، فأُنشئ بذلك صفاً دراسياً لنفسي، فلا أضيّع وقتي، ولا نجلس كغرباء متجهمين، بل أتعلم شيئاً من هذا المعلم.
شمعة «14»
طريقة الدعوة
في إحدى المدن التي ذهبت إليها للدعوة، كان هناك رجل أشر، معروف بالبلطجة واستخدام السكاكين، وأحياناً يشرب الخمر. صار من أتباعي المخلصين، وكان يرافقني في كل مكان، لكنه كان يبتعد عني أحياناً قائلاً: «أنا رجل سيء وأنت طيب جداً، إذا اقتربت منك سيشك الناس بك، وهذا ليس جيداً». كنت أصرّ على مرافقتي له، لأن شرّه لا ينتقل إليّ، بل كان يجذب إلى مجالسنا أناساً آخرين من أمثاله. كان يحبني حباً شديداً، وقال يوماً: «يا حاج آقا، أريد أن أقدّم لك أفضل هدية أمتلكها». فقلت له: لا يجب أن ترفض يداً تمدّ لك أفضل ما عندها. لما جاء بالهدية، تفاجأت؛ فقد كانت الخمور التي بدأ يسميها واحدة تلو الأخرى، معبراً عن قيمة هديته. ازداد حماسه وفرحه، وقبّلني، وامتلأ بالحماس. ثم قلت له: الخمر تُفقد الإنسان عقله، والله نهى عنها. صحيح أن بعض القتلة المحترفين يشربون كميات صغيرة، لكن الخمر تضيّع العقل الحاسوب، فأنا لا أشربها لأنني أحتاج عقلي. تأثر بشدّة وقال إنّه سيتخلّى عن الخمر ما بقيت في تلك المنطقة وتاب.
شمعة «15» العلوم غير الضرورية
ترتبط «ولا الضالين» بي بفترة كنت أدرس فيها علم التجويد. تعلمته وهو علم صعب ومعقّد، خاصة للأطفال، مثل قواعد المد في «ولا الضالين» التي تتطلب تلاوة صحيحة بالدوران بين النواجد والثنائيات. مع ذلك، هذا العلم مهمل في الحوزات ولا يُعطى اهتماماً كافياً. سابقاً، كان العلماء يوصون بالتفكّر في «قل سيروا في الأرض»، وكنا نتبع نصيحتهم. في إحدى الرحلات، تعرفت على رجل طويل القامة أسود البشرة يعمل في جمع العلق (الدواب) التي توضع في أكياس ليستخدمها في علاج الناس عبر مص الدم.
أنا، أكثر من غيري، أتمكن من تلاوة «الضالين» بشكل صحيح، إذ كان لي أستاذ ماهر في هذا. لو دققنا في هذا العلم، لرأينا أن كثيرين يخطئون في التلاوة. لكن، برأيي، لا ضرورة لأن يكون التجويد دقيقاً جداً في الصلاة، شرط ألا يغير المعنى. إذا أخطأ العرب في القراءة ولم يغيروا المعنى، فلا بأس. لا يجب أن نرهق الناس بالتفاصيل ونسبب لهم وسواساً يجعلهم ينفرون من الصلاة.
من يقول «السلام عليك» يعني السلام والبركة. اليوم، حتى «سام عليك» تعني السلام، ولا تستحضر في الذهن السيوف أو الموت. السلام لا يحتاج إلى مدّ وشدّ كثيرين، ولا يجب أن نُشدد كثيراً على هذه الأمور بحيث نغفل المعنى والحقيقة بسبب اللفظ.
شمعة «16» تخفيف التعب
عندما أكون متعباً، أسمع بعض الطرائف من أصدقائي، بعضها طريف جداً. هنا أورد بعضها لتسلية القارئ الكريم. ولكن الكاتب قد قال في موضع آخر: الطرائف يجب ألا تسيء إلى قوم أو أمة، وأن الطرائف المسيئة غير مقبولة.
روى أحدهم أنه اشتكى إلى الله قائلاً: يا الله، جميع الأرض مليئة بالجن، والناس جنّوا ولم نعد نعرف ماذا نفعل، فأجاب الله: جبريل، اجعل هؤلاء أيضاً من الجن حتى لا يشتكي المخلوقات إليّ.
رجل تضرع إلى الإمام الرضا عليه السلام، وأمسك بعتبة الضريح، ورأى فجأة قنبلة، فخاف جداً وقال: يا أبا الفضل، أنقذني من ضريح الإمام الرضا!
رجل آخر توسل إلى الإمام الرضا عليه السلام للفوز بجائزة «إرمغان» للرفاهية، وعندما أعلنوا الفائزين لم يكن اسمه بينهم، فدعا ثانية للفوز بـ «همای رحمت» ولم يكن اسمه في القائمة، فذهب إلى صحن الإمام يشكو لماذا لا تستجيب دعواته؟! فسمع رداً: لماذا لم تشترِ التذكرة؟
بعض الناس يريدون أن يختصروا الطريق، وهم مثل هذا الرجل. كل طريق له مقدمات، حتى الأئمة عليهم السلام يبدأون بالمقدمات والطريق.
فقير طرق باب غني، فلما فتح له قال: يا أخي، سلّم، افتح لي الباب لأدخل وأقسم المال الذي ورثناه من والدنا عدلاً. قال الغني: لا أخ لك في الدنيا! قال الفقير: نحن إخوة، والدنا آدم عليه السلام ووالدتنا حواء. فتح له الباب وأكرمه، ثم جاء بالرزق وقطعة خبز وقال: هذا حقك! قال الفقير: من كل هذا المال قطعة خبز فقط؟ أجاب: لا تقل شيئاً وكلها لك، لكن إن عرف الإخوة الحق لن يبقى لك شيء.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.