صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

التفكير العقلاني في التصوف الشيعي / الجزء الثانی

نشر في آذر 13, 1404 في

التفكير العقلاني في التصوف الشيعي / الجزء الثانی

()

حضرة آية الله العظمى

المؤلف: ، ، 1327هـ –
عنوان الكتاب: التفكير العقلاني في التصوف الشيعي / الجزء الثانی /
مكان النشر: إسلام شهر: دار نشر
الطبعة: الأولى، سنة 1400 هـ
عدد المجلدات: 3 مجلدات
الترقيم الدولي: 978-964-2807-42-0
ملاحظة: هذا الكتاب هو شرح لكتاب “قواعد التوحيد” لمحمد بن حبيب الله التركه الإصفهاني.

الموضوع:

  • التركه الإصفهاني، محمد بن حبيب الله – (580 هـ)، قواعد التوحيد – نقد وتفسير
  • التصوف – النصوص القديمة حتى القرن الرابع عشر
  • العرفان – النصوص القديمة حتى القرن الرابع عشر

الناشر:
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: 1400 هـ
العدد المطبوع: 3000 نسخة
السعر: 2500000 ريال
عنوان الناشر: طهران – إسلام شهر – نسيم شهر – وجيه آباد
رقم البريد: 3769138575
هاتف المركز: 025-32-90-15-78
الموقع الإلكتروني:

تفاصيل النشر: 3 مجلدات.

الوصل السادس عشر: التناقض بين الصور الأربع والطبيعة الملزومة

قال:

“ثم نقول: إن مفهوم تلك الطبيعة غير مفهوم شيء من التعيّنات التي هي من العوارض المستدعية لتحقّق موضوعات تتعلق بها في الوجود العيني والعقلي، وجودية كانت أو عدمية، بالضرورة.

فإن قيل: إن تعيّنها الذي هو نفس تلك الطبيعة في الأعيان، يجوز أن يكون ملزومًا لمطلق التعيّن، ويكون قول التعيّن المطلق عليها وعلى غيرها من التعيّنات الباقية إما على سبيل التشكيك، وإما على سبيل الاشتراك اللفظي دون المعنوي، فيجوز أن لا يكون تعيّنها معقولًا ولا مستدعيًا لتحقق موضوع يتعلّق بها في الوجود على شيء من هذين التقديرين.

قلنا: قد بيّنا في كتبنا الحكميّة: إن مفهوم التعيّن ومعناه مفهوم واحد ضروري، لا يختلف إلا باختلاف الإضافات إلى الموضوعات، ومن البين أن تعقّل الإضافة لا يستدعي تعقّل المضاف إليه بكنه الحقيقة.”

الوصل السادس عشر: تناقض الصور الأربع مع الطبيعة الملزومة

ثم نقول: إن مفهوم هذه الطبيعة غير مفهوم، تعيّنا من تعيينات هي من العوارض التي تستدعي وجود موضوعات في الوجود العيني والعقلي على وجه الضرورة؛ سواء كان هذا العارض (التعيّن) وجوديًا أو عدميًا.

إذا قيل: إن تعيّن هذه الطبيعة في الأعيان قد يكون ملزومًا لمطلق التعيّن، ويكون التعيّن المطلق عليها وعلى غيرها من التعيينات الأخرى إما على سبيل التشكيك أو على سبيل الاشتراك اللفظي دون المعنوي، ففي هذه الحالة قد لا يكون التعيّن معقولًا أو مستدعيًا لتحقق موضوعات ترتبط بها في الوجود وفقًا للتقديرات السابقة.

نقول: لقد بيّنا في كتبنا الفلسفية أن مفهوم التعيّن ومعناه هو نفس المفهوم الضروري، الذي لا يختلف إلا عند اختلاف الإضافات إلى الموضوعات، ومن البديهي أن تعقل الإضافة لا يستدعي تعقل المضاف إليه في ذاته.

  1. “المقصود من العبارة «التي هي من العوارض المستدعية لتحقق موضوعات تتعلق بها في الوجود العيني والعقلي» هو أنَّ التعيِّنات التي تتجاوز ذات الممكنات وتعرض على ماهياتها، تُعتبر من العوارض المستدعية للموضوع في الوجودين: العيني والخارجي أو العقلي والذهني، الذي يتعلق به.
  2. أما عبارة «في الوجود العيني والعقلي»، فهي تشير إلى أن التعيِّنات والعوارض الخارجية تتطلب موضوعًا خارجيًا، مثل «أبيض» و«الجدار»، أما التعيِّنات والعوارض العقلية فتتطلب موضوعًا ذهنيًا، مثل «كلي» و«الإنسان». وهذه المسألة بديهية.
  3. أما المقصود من عبارة «وجودية كانت أو عدمية»، فهو أنَّ مثل «بصير» و«زيد»، هي تعيينات وعلائق وجودية تستدعي وجود موضوع مرتبط بها، كما في حالة «زيد»، وهو يختلف عن حالة «الجدار» الذي لا يتطلب مثل هذا الاستدعاء. أو مثل «أعمى» و«عمرو»، وهي تعيينات وعلائق عدمية.
  4. البرهان الذي قدمه الشيخ أبو حامد هو أنَّ مفهوم التعيّن للواجب، على خلاف الممكنات، هو عين ذاته. كما أنَّ التعيّن يتطلب موضوعًا، وبالتالي فإن ذات الواجب بحاجة إلى موضوع، وهذا يتناقض مع الضرورة العقلية لوجوده الذاتي. أما بالنسبة للممكنات، ففي ضوء أنَّ مفهوم التعيّن لا يتعلق بذاتها، فلا يتطلب التعيّن موضوعًا، وبالتالي لا يشترط وجود موضوع لها.
  5. المعترض يقول: هناك ثلاث تعيينات ينبغي النظر فيها: أ. مفهوم التعيّن المطلق، الذي يحمل بالاشتراك اللفظي أو التشكيك على الواجب والممكنات. ب. التعيّن الخاص بالواجب، وهو عين ذات الله تعالى. ج. التعيّن الخاص للموجودات الأخرى.
  6. ولذا يمكننا القول، بالنظر إلى هذه الأمور الثلاثة، أنَّ تعيّن طبيعة الواجب، الذي هو عين هذه الطبيعة في الموجودات، قد يكون لازمًا للتعيّن المطلق، وأنَّ حمل التعيّن المطلق على تلك الطبيعة في الواجب أو غيره من التعينات الأخرى للممكنات يكون إما بالاشتراك اللفظي أو التشكيك، ولا يمكن أن يكون اشتراكًا معنويًا. ومن هنا، قد لا يكون تعيّن طبيعة الواجب معقولًا، ولا يستدعي تحقق موضوعات تتعلق به في الوجودين المشار إليهما. وبالتالي، يكون التعيّن الواجب، الذي هو عين ذاته، غير محتاج إلى موضوع، بينما التعيّنات الأخرى في الممكنات، التي هي غير ذاتها، تحتاج إلى موضوع.
  7. الشيخ أبو حامد في نقد هذا الاعتراض يقول: لقد بيَّنا في كتبنا الفلسفية أنَّ مفهوم التعيّن ومعناه هو مفهوم واحد وضروري، يُحمل بشكل موحد على جميع الأفراد والمصاديق، مثلما يُقال «غلام زيد» و«كتاب عليّ». من هنا، إذا وُجد اختلاف في المصاديق والتطبيقات، فإنه ليس ناتجًا عن اختلاف في معنى التعيّن، بل نتيجة لاختلاف الإضافات إلى الموضوعات المختلفة، مثل أنَّ هذا المعنى الواحد في الواجب يظهر بشكل مختلف عن ظهوره في الممكنات. من البديهي أنَّ تصوّر الإضافة لا يتطلب تصوّر المضاف إليه بما هو حقيقته، فالتصور الإجمالي يكفي. وبالتالي، فإنَّ الاختلاف بين الأفراد والمصاديق لا يسري على مفهوم التعيّن.
  8. أما العبارة «أنَّ مفهوم التعيّن ومعناه مفهوم واحد ضروري» فهي تعني أنَّ مفهوم التعيّن، بما هو مفهوم، هو واحد وبديهي، ولا يتغير بتغيير المعروضات عليه. فالتعيّن لا يتحول إلى لا تعيّن، وكل شيء مضاف يحتاج إلى موضوع، ولا يوجد فرق بين الواجب والممكن في هذا الصدد.
  9. أما العبارة «ومن البيّن أن تعقّل الإضافة لا يستدعي تعقّل المضاف إليه بكنه الحقيقة»، فهي توضح أنَّ تصور الإضافة (التعيّن) لا يتطلب بالضرورة معرفة تفصيلية بالمتعلق أو المضاف إليه، بل يكفي التصور الإجمالي، كما في المثال: «غلام زيد»، حيث لا نحتاج إلى معرفة تفصيلية بـ «زيد»، بل يكفي التصور الإجمالي له.
  10. طبعًا، الشيخ أبو حامد يُصرّ على ضرورة التصور الإجمالي للمضاف إليه، لكن يمكن القول إنَّه ليس من الضروري أن يكون لدينا تصوّر شامل أو تفصيلي للمضاف إليه حتى نتمكن من تصور المضاف. كما أنَّ التعيّن، من الناحية اللغوية والفلسفية، هو مفهوم يعرض على جميع الكائنات، سواء كانت واجبة أو ممكنة، ولا يتأثر بتصور المضاف إليه بشكل تفصيلي.
  11. إلا أنه إذا كانت العلاقة بين المضاف والمضاف إليه علاقة حقيقية، كما في العلاقة بين العلة والمعلول، فقد يتطلب الأمر التصور الإجمالي للمضاف إليه. أما في هذه المسألة، التي تتعلق بالأمور النسبية والاعتبارية، فإنَّ التصور الإجمالي ليس ضروريًا.
  12. لذلك، فإنَّ إضافة مفهوم التعيّن إلى أي كائن لا يحول المفهوم إلى لا تعيّن، إذ أنَّ التحول المفهومي، مثل التحول في الماهية، هو أمر مستحيل. وبناءً على ذلك، إذا كان التعيّن لا يتحول إلى لا تعيّن، فإنه يعدّ عارضًا مرتبطًا بالذات، وبالتالي فإن التعيّن الذي هو عين الذات لا يحتاج إلى موضوع، لكن التعيّنات الأخرى التي تتعلق بالممكنات تحتاج إلى موضوع.
  13. أما العبارة «لما تقرّر عند القائلين بإثبات الطبيعة الملزومة»، فإنها تشير إلى كلام الفيلسوف ابن سينا في المطلب الرابع حيث يقول: “إنَّ طبيعة الواجب لا يمكن أن يكون لها فرد عيني أو ذهني، لأنه إذا كان لها فرد، فإنها لن تكون قادرة على أن تكون واجبة”، وإذا كانت الواجب يقتضي أن لا يكون له فرد، فإنه يجب أن يكون لهذا الفرد بعض الخصائص التي تجعل البعض واجبًا والبعض الآخر ممكنًا، وهذا أمر مستحيل. أما العارف، فيرى أن ما لا فرد له هو الوجود، وليس الواجب.
  14. المقصود من العبارة «والطبايع الممتنعة الأفراد ـ ذهنيًا وخارجيًا ـ منحصرة في الصور الأربع» هو أنَّ الطبيعة التي تكون أفرادها ممتنعة، يمكن تصورها في أربع صور. الصورة الأولى هي أنَّ التعيّن هو عين ذاتها. ويوضح الشيخ أبو حامد أنه لا يوجد أي من هذه الصور التي تتعلق بالوجود الممتنع.
  15. أقول:
  16. إنّ هذا إشارة إلى بيان انتفاء الصورة الثانية من الصور الأربع عن الطبيعة الملزومة، بحيث يُفهمُ منها معنى قول المحققين: “إنّ تعيّن الواجب هو عين ذاته”، ولهذا فقد تمّ التغاضي عن التصريح بأنّ التعيّن هو مقتضى الذات، كما هو مذكور في الصورة المشار إليها، لأنّ هذا يستلزم ما لا يخفى.
  17. وتقرير ذلك: أنَّ معنى قولهم: “إنّ تعيّن الواجب هو عين ذاته في الأعيان”، هو أنّ الواجب بنفسه متميّز عن سائر ما عداه، لا أنّه يستلزم صفةً زائدةً خارجةً بها يمتاز عن غيره. وإلا لكان هذا يستدعي الوقوع فيما كانوا يفرّون منه، وهو حاجة الواجب إلى أمرٍ خارجٍ عن ذاته.
  18. ثمّ إنّه قد يُتوهَّم هنا أنّ ذات الواجب لا بدّ أن تكون عبارة عن مجرد الشخصية، إذ لو كان مرادهم من تعيّن الواجب أن يكون بنفسه متميزًا عن سائر ما عداه بشكل مستقل، لزم أن يكون الواجب هو الشخصية التي هي عبارة عن الهوية الخارجية العرضية، وحينئذٍ يمتنع أن تكون عاقلةً لنفسها ولغيرها؛ لأن الهوية الخارجية هي الهيئة الاجتماعية التي تتشكل من لوازم وعوارض نسبية ترتبط بالشيء قياسًا إلى ما هو خارج عنه في الخارج، حتى يمكن أن يكون متميزًا به عن غيره، ولا شكَّ أنَّ هذه الطبائع مستحيلة أن تكون محلًا للجواهر المدركة أو الصور المعقولة. وهذا ما أشار إليه بقوله: “ولا يلزم”.
  19. وعندما أبطل القول بأنّ نفس الواجب هي الشخصية، أراد أن يبيّن معنى قولهم: “إنّ تعيّن الواجب هو عين ذاته” – كما هو الحق عندهم – وهو أنّ المعنى المقصود هو أنّ الواجب يفيد ما يفيده الشخص من حيث كونه شخصًا بالنسبة إلى غيره من الأشخاص.
  20. فإن قيل: أحد الأمرين لا بدّ منه، إما عدم انحصار الصور الأربع، أو صحّة عروض الاشتراك للطبيعة الواجبة، حيث إنّ الحقيقة الواجبة في هذا التقدير ليست من الصور الأربع في شيء. فإن كان من المستحيل أن تكون ذات أفراد، يلزم الأمر الأول، وإلا يلزم الثاني.
  21. قلنا: إنما يستحيل ذلك لو استلزم صحة عروض الاشتراك المقابل للامتياز والتشخص لهذه الطبيعة، ولكن الأمر ليس كذلك. فإنّ تشخصها إنما هو في عين الاشتراك كما نبهنا عليه مرارًا، حتى لا يلزم أن يكون تميزها بالنسب الخارجية ولا يكون تميزها بالذات. وهذه الغاية في نفي الاشتراك والامتياز، حيث لا مغاير لها يميزها عنها أو يتعين بها.
  22. ولبيان هذا الكلام بلغة أهل النظر، ينبغي التقديم بمقدمة ذوقية تحتاج إلى تلطيف السرّ ودقة النظر. والمقدمة هي أنّ التعيّن يُتصوّر على وجهين: إمّا على سبيل التقابل له أو على سبيل الإحاطة، ولا يخلو أمر الامتياز عن هذين الوجهين. ذلك أنّ ما يميز الشيء عن مغايره إمّا أن يكون ثبوت صفة له وثبوت مقابلها لما يميز عنه، كما في المقابلات، أو أن يكون ثبوت صفة له وعدم ثبوتها للآخر، كما في تميّز الكل من حيث كونه كلًّا، والعام من حيث كونه عامًّا بالنسبة إلى أجزائه.
  23. أما في الحالة الأولى، فلا بدّ أن يكون الامتياز خارجًا عن المتعيّن، لأنه عبارة عن علاقات أو مبادئ علاقات بين الأمور المتقابلة. أما في الحالة الثانية، فلا يمكن أن يكون هناك أمر زائد على المتعيّن، لأنّه بعدم تلك الصفة ينتفي التعيّن.
  24. ولا شكّ أن الهيئة المجموعية والصور الإحاطية للأشياء ليس لها حقيقة إلا اجتماع الخصائص واُحادية جمعها. وعليه نقول: إنّ التعيّن الواجبي هو من هذا القبيل، حيث لا مغاير له، ولا مقابل له، كما يُستفاد من الآية الكريمة: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الآية: 112].
  25. وبذلك نكون قد فهمنا معنى قوله: “إنّ الواجب يفيد لنفسه ما يفيد شخصية الشخص له”، ويتعين التأمل في هذه النقطة التي تحمل معاني متعددة وعميقة ذات فائدة كبيرة.
  26. مقصود من قول “هو أنه بنفسه ممتاز عن سائر ما عداه”، هو امتياز ذات الواجب عن غيره، أي عن الظهورات، وذلك لأنّ ما عدا الوجود المطلق ليس متعيّنًا في ذاته. هذا التميز المذكور تميز ذاتي، وليس غيريًّا حتى يكون محتاجًا إلى شيء آخر.
  27. وقد أورد ابن سينا (رحمه الله) في تفسيره للتميّز الذاتي في واجب الوجود إشكالات كثيرة بسبب تفسير مشائيّ، ونشأت منها توهمات عديدة، وقد تم الرد على هذين الاشكالين هنا.
  28. المراد من العبارة “وقولُه ‘ولا يلزم’ إشارةٌ إلى دفع هذا التوهّم”، هو أن ابن سينا في قوله “ولا يلزم من هذا أن تكونَ نفسُها هي الشخصيّةَ بعينها” في مقام دفع التوهم الذي نشأ عن مغالطة لفظية، حيث تم خلط مفهوم “الشخصية” بين الأمور العرضية والمعلولة، وبين الأمور العلية والطولية والإحاطية. في الأمور الطولية، الشخصية تعني الهوية الوجودية، بينما في الأمور العرضية تعني الهيئة الاجتماعية.
  29. بعبارة أخرى: إنّ الواجب متعين، وشخصيته عين ذاته، ولكن هذه الشخصية ليست كما يتصورها الناس في المفهوم المادي، أي ليست تساوي التحديد والحدود، بل إن الأشخاص الماديين هم الذين يتحددون بناء على أوضاعهم وملابساتهم الخارجية.
  30. وقد انتقل الشارح من البحث عن “التعيّن” إلى “التميّز”، مع أن الحديث في الأصل كان عن التعيّن لا التميّز، مع أنهما متحدان في الواجب تعالى. وقد سبق أن ذكرنا أن التعيّن هو وصف حقيقي ونفسي، وكل موجود – سواء كان واجبًا أو ممكنًا – له تعيّنه الخاص، ولكن التميّز هو وصف حقيقي نسبي لا يمكن الحكم عليه بدون النظر إلى غيره. التعيّن أمر نفسي، أما التشخص والتميّز فهما أمران نسبيان، غيريان وإضافيان. في التعيّن، يكون كل موجود هو نفسه، بينما في التشخص والتميّز يُقال: “إن الله تعالى في تشخصه لا يحتاج إلى غيره، بينما غيره محتاج إليه”. بمعنى آخر: الشخصية والتشخص هما الهوية الوجودية، ولكن إذا أخذ التشخص من حيث العوارض، يصبح “تميّزًا”. مع ذلك، فإن تشخص الواجب تعالى، على خلاف سائر الموجودات، هو من ذاته.
  31. المراد من العبارة: “فإن كان ممّا لا يَصحُّ أن يكونَ ذاتَ أفرادٍ يَلزمُ الأمرُ الأوّلُ، وإلّا يَلزمُ الأمر الثّاني” هو أنه إذا كانت طبيعة الواجب لا تقبل التعدد والإفراد، فيلزم الأمر الأول، أي عدم انحصار الوجوه الأربعة في الواجب، ووجوب إضافة صورة خامسة. وإذا كان التعدد ممكنًا للواجب، فيلزم الأمر الثاني، وهو اشتراك الواجب في كليته وأفراده.
  32. إن معنى التميّز الذي هو عين حقيقة الواجب، ليس في مقابل الاشتراك والكليّة، بل التميّز الذي هو عين حقيقة الواجب هو عين الكليّة والاشتراك، وهذا الاشتراك ليس مفهومًا ذهنيًا، بل هو اشتراك وجودي وإحاطي، بحيث لا يترك مجالًا لغيره للتميّز أو الاشتراك معه.
  33. المراد من قوله: “إمّا على سبيل التّقابل له أو على سبيل الإحاطة، لا يخلو أمرُ الامتياز عنهما أصلا” هو أن التعيّن إما يكون على سبيل التقابل أو على سبيل الإحاطة. ولا يمكن للتميّز أن يخرج عن هذين الوجهين، لأن ما يميز شيئًا عن غيره إما بتثبيت صفة معينة له (مثل البياض لزيد) ونفي تلك الصفة عن آخر (مثل السواد لعمرو)، أو من خلال التميّز العرضي والتقابلي.
  34. التميّز بين الأجزاء والجزئيات يكون في حملهما وعدم حملهما على الكل، بمعنى أن الأجزاء لا يمكن حملها على الكل، بينما الجزئيات يمكن حملها عليه. إذن الكل هو شيء متميز عن جزئياته، في حين أن الأجزاء هي مجرد مقدمات للتحقق الكلي.
  35. من هذا المنطلق، في مقام الفرق بين التميّز الإحاطي، العلاقة هنا تكون علاقة أحادية، أي أن الحق تعالى موجود والغير ليس شيئًا.
  36. إن التميّز بين الحق تعالى والخلق هو سلب وإيجاب، مع أن السلب ليس حقيقيًا بل هو ذهني، لأن في الخارج لا يوجد شيء يمكن أن يُسلب منه الوجود.
  37. أما ما يتعلق بنظرية الجمع والتركيب، فإن التمايز الذي يحدث في حق الحق تعالى لا علاقة له بالتركيبات التي تقتضي وجود أجزاء أو اجزاء متعددة.

هذا إشارةٌ إلى بيان انتفاء الصورة الثانية من الصور الأربع عن الطبيعة الملزومة بوجهٍ يُعلمُ منه معنى قول المحققين عن آخرهم: “إنّ تعيّنَ الواجبِ نفسُه”، ولذلک طوى التصريح بكون التعيّن مقتضى الذات على ما هو المصرح به في الصورة المذكورة، لأنّه يستلزمه على ما لا يخفى.

وتقرير ذلك: أنّ معنى قولهم: “تعيّنُ الواجب نفسُه في الأعيان”، هو أنّه بنفسه ممتازٌ عن سائر ما عداه، لا أنّه يقتضي صفةً زائدةً خارجةً بها يمتاز عمّا عداه، وإلّا يلزمهم الوقوعُ في ما هَرَبُوا منه، وهو احتياجُ الواجب إلى أمرٍ خارجٍ عن ذاته.

ثمّ إنّه يمكن أن يُتوهّم هيهنا: أنّ ذات الواجب حينئذ يلزم أن يكون عبارةٌ عن مجرّد الشخصية، فإنّه لو كان مرادهم بكون تعيّنِ الواجب نفسُه أن يكون بنفسه في الامتياز عن سائر ما عداه مستغنيًا، للزم أن يكون الواجبُ هو الشخصيةَ التي هي عبارةٌ عن الهوية الخارجية العارضة، وحينئذٍ تمتنعُ أن تكون عاقلةً لنفسها ولغيرها؛ إذ من البيّن أنّ الهوية الخارجية إنما هي الهيئة الاجتماعية الحاصلة من اللوازم والعوارض النسبية اللّاحقة للشيء بالقياس إلى الأمور الخارجة عنه في الخارج، حتّى يمكن أن يكون مميّزًا له مما عداه فيه، ولا شكّ أنّ أمثال هذه الطّبائع مستحيلٌ أن تكونَ محلاًّ للجواهر المدركة والصور المعقولة منها، وقولُه “ولا يلزم” إشارةٌ إلى دفع هذا التوهم.

ثمّ إنّه لما أبطل أن يكونَ نفسُ الواجب هي الشخصيةُ، أرادَ أن يبيّنَ معنى قولهم: إنَّ التعيّنَ نفسُ الواجب ـ على ما هو الحقُّ عندهم ـ وهو أنّ معناه إنّه يُفيدُ نفسُ الواجب ما يُفيدُ شخصيةُ الشخص له بالنسبة إلى غيره من الأشخاص الباقية.

فلئن قيل: أحدُ الأمرين لازمٌ، إمّا عدمُ انحصار الصور المذكورة في الأربعة، أو صحةُ عروضِ الاشتراك للطبيعة الواجبة، ضرورة أنّ الحقيقةَ الواجبةَ على هذا التقدير ليست من الصور الأربع في شيءٍ، فإن كان ممّا لا يصحُّ أن يكونَ ذاتَ أفرادٍ يلزم الأمرُ الأولُ، وإلّا يلزم الأمرُ الثانيّ.

قلنا: إنّما يستحيلُ ذلك أن لو استلزمَ صحةَ عروض الاشتراك المقابل للامتياز والتشخص لتلك الطبيعة، وليس كذلك، فإنّ تشخصها إنما هو في عينِ الاشتراك كما نُبّهتَ عليه غير مرةٍ، لئلا يلزمَ أن يكونَ تميّزُها بالنسب الخارجية ولا يكون تميّزُها بالذات، وهذا لو علمتَ هو الغايةُ في نفي الاشتراك والامتياز، حيث لم يكن لها مغايرٌ يتميّزُ عنه أو يتشخصُ به.

ولهذا الكلام بلسان أهل النظر توضيحٌ يتوقفُ على مقدمةٍ ذوقيةٍ يحتاجُ المتفطنُ في إدراكها إلى تلطيفِ السرّ وتدقيقِ النظر، وهي أنّ التعيّنَ إنما يُتصوّرُ على وجهين: إمّا على سبيل التقابل له أو على سبيل الإحاطة، لا يخلو أمرُ الامتياز عنهما أصلاً، وذلك لأنّ ما به يَمتازُ الشيءُ عمّا يُغايره إمّا أن يكونَ ثبوتُ صفةٍ للمتميّز وثبوتُ مقابلها لما يَمتازُ عنه، كالمقابلات، وإمّا أن يكونَ ثبوتُ صفةٍ للمتميّز وعدمُ ثبوتها للآخر، كتميّز الكلّ من حيث أنّه كلٌّ، والعامّ من حيث أنّه عامٌّ، بالنسبة إلى أجزائه وجزئياته.

وأماراتُ التميّز في القسم الأوّل منه لابدّ وأن يكون خارجًا عن المتعيّن؛ ضرورةً أنّها نسبٌ أو مبادئُ نسبٍ بين الأمور المتقابلة، وفي الثاني لا يمكن أن يكون أمرًا زائدًا على المتعيّن؛ ضرورةً أنّه بعدمه ينتفي الحقيقة المتعيّنة وبه صارت الحقيقة هي هي، إذ حقيقة الكلّ إنما تحقّقتْ كلّيتُه باعتبار إحاطته الأجزاءَ، وبها يمتازُ عن أجزائه، وكذلك العامّ إنما يتحقّقُ عمومه باعتبار إحاطته الخصوصياتِ والجزئياتِ، وجمعَها تلك الخصوصياتُ وبها يمتازُ عن خواصّه.

ولا شكّ أنّ الهيئةَ المجموعيةَ والصورَ الإحاطيةَ التي للأشياء ليس لها حقيقةٌ وراءَ اجتماعِ تلك الخصوصياتِ وأحاديةِ جمعِها، فحينئذٍ نقولُ: إنَّ التعيّنَ الواجبيَّ إنما هو من هذا القبيل؛ إذ ليس في مقابلته تعالى شيءٌ، ولا هو في مقابلةِ شيءٍ. وإن شئتَ زيادةَ تحقيقٍ لهذا المعنى أو إقامةَ بيّنةٍ لهذه الدعوى فتأمّل في قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوآ أَحَدٌ)، حيثُ سَرىَ النّفيُ فيه متوجهًا إلى النوعين الوجوديين من أنواع المتقابلات وأصنافها.

وإذا تقرَّر هذا، عرفتَ معنى قوله: “أنّ الواجبَ يفيد لنفسه ما يُفيدُ شخصيةُ الشخص له”، وتأمّل في هذه النكتة فإنّها منطويةٌ على معاني جُمَّةٍ كثيرةٍ ذاتِ الجدوى.

من أهم الإشكالات التي وُجِّهت إلى كتاب تمهيد القواعد هو أن هذا الكتاب يسعى لدمج موضوعات صوفية عالية وثقيلة مع موضوعات كلامية لا فلسفية، وهذا يعكس عدم اهتمامه بمنهج الصوفية في عرض هذه المواضيع. لا يمكن إخراج مثل ابن سينا، الذي كان ميدان الفلسفة العقلية يهيمن عليه منذ أكثر من ألف عام، بمثل هذه الطرائق الكلامية الخطابية الإقناعية. في هذه الحالة، يسأل أبو حامد عن مقصوده في حديثه عن “العاقل والمعقول” بالنسبة لحقيقة واجب الوجود؛ هل يعني بذلك العلم الحضورى أم العلم الحصولي؟ مراد ابن سينا وأتباعه، كما يوضحون، هو نفي معقولية الطبيعة الواجب في العلم الحصولي، وليس في العلم الحضورى. في هذه الحالة لم يتم التمييز بين هذين النوعين من العلم، وقد أصبح النقاش جدليًا. مراد الفلاسفة المشائيين من نفي المعقولية هو العلم الحصولي الذي يعتمد على التصور العقلي، بينما ما يعنيه أبو حامد هو المعقولية الوجودية، العينية والحضورى، وهذا يختلف عن المعقولية الحصولية التي يسعى الاستدلال الفلسفي لإثباتها. ومن هنا، فإنَّ المغالطة تكمن في استخدام المصطلح العام “المعقول” للتمويه على أن الاستدلال الذي يتناول الجزئيات يصبح مشوشًا.

الفلاسفة المشائيون يقولون: المعقولية في العلم الحصولي تتطلب وجود تجريد، وكليّة، وعقل للوجود الواجب، أما المعقولية الوجودية والعينية والحضورى فلا تشكل أي إشكال على برهان المشائيين. لذا فإن الإشكال المذكور في هذا السياق ليس في محله.

في المقابل، في الوجه الثالث من أوجه الامتناع، الذي يتحدث عن عدم إمكانية وجود الكثرة العقلية والذهنية بالنسبة للطبيعة الواجب، ذكر الفلاسفة المشائيون: “يجب أن تكون كل حقيقة معقولة، وإذا كانت الطبيعة الواجب غير معقولة فهي ليست كُلّية”. لكن، أشار أبو حامد وشارحوه بعد إبطال عدم معقولية الطبيعة الواجب بأن الطبيعة الواجب هي معقولة، وكل معقول هو كلي، وبالتالي اعتُبر الاستدلال الذي أوردوه غير دقيق، لأن المقصود من المعقول في المقدمات الأولى هو المعقول الحصولي، بينما إن كانت معقولية الحق تعالى بالنسبة إلى نفسه وبقية العقول حضورية وشهودية، فإن إثبات كليّة الطبيعة الواجب لا يتم.

نقطة “وإن لم تكن معقولة لأكثر العقول بكنه حقيقتها” تعد من النقاط الهامة التي تميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب الفلسفية الصوفية. يقول أبو حامد: “على الرغم من أن أغلب العقول لا تدرك كنه حقيقة الحق”. ويعني بذلك أن بعض العقول الكاملة يمكنها أن تدرك كنه حقيقة الحق، ولكن بدرجة محدودة، لا مثل ما يدركه الحق من نفسه، ولكن بقدر سعة وجودية وإدراك معرفي خاص لبعض أصحاب المقامات العالية.

على الرغم من أن هذا الكلام يُعتَقد أنه قد أُضيف إليه من قِبَل بعض الشارحين والهوامش، إلا أن الحقيقة هي أن هذا الكلام يعبّر عن حالة حيرة غير قابلة للإنكار، وأنه من أرفع وأجمل الأفكار التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها ويطاردها بعقله وبدعاء الله. كما أن القرآن الكريم أشار إلى هذه الحقيقة في العديد من آياته، مثل قوله تعالى: “وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى”.

في هذا المقام، لا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أمير المؤمنين عليه السلام يدركان الله تعالى بمقدار ما هو حق له، ولكن بقدر ما يمكن للبشر أن يدركوه من قريب، أي بما هو دون “قوسين” أو ما هو أقرب من ذلك.

المعقولية المقصودة في عبارة “إنها معقولة بالنسبة إلى كل العقول” تتعلق بالعلم الحضورى. أما ما ينكره الفلاسفة المشائيون، فهو العلم الحصولي، حيث يرى هؤلاء أن هذا النوع من العلم ليس حقيقيًا في الخارج.

المعقولية الوجودية لله تعالى تمتد لتشمل كل العقول، حيث أن الله تعالى هو معقول كل ذرّة في الكون وهو عاقل كل شيء في الوجود. وكل شيء في الكون، بما في ذلك الكافر، يُعتبر معقولًا من خلال وجوده وظهوره.

أما القول “بحسب الاعتبارات والإضافات والنسب” فيشير إلى أن المعقولية في هذا السياق هي في الظرف الظهوري لله في كل شيء، وأن الحق تعالى هو المظهر الذي يحتوي كافة النسب، الإضافات، والأحوال، سواء كانت سلبية أو وجودية.

مراد من العبارة “أنَّ النِّسَبَ والإضافاتِ والأحوالَ السَّلبيّةَ والوجوديّةَ” هو أن جميع التعيّنات والنسب الأسمائية هي شؤون ذات واحدة، وأن التعدد هو باعتبارات وإضافات، فلا يوجد هنا ما يسمى بالغير.

أما العبارة “وإذا صحَّ هذا في الطبيعة المطلقة الواحدة بالذات، فتلک الطبيعة الملزومة بذلك أجدر فتأمل فيه” فتعني أنه عندما تترافق الطبيعة المطلقة الواحدة ذاتياً، كما هو القول في العرفان، مع الوجود بمظاهرها بطريقة إحاطية، حيث تترافق المظاهر مع حَقِّ الله تعالى في ظرف الظهور، فسيكون من الأولوية أن تكون الطبيعة الملزومة بهذا الوجود الممكن وفقاً لقول الفلاسفة المشائين. وعليه، بما أن الاقتران المذكور قائم، فلا يمكن اعتبار الطبيعة الملزومة بدون أفراد.

أما القول “لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوآ أَحَدٌ” فهو يشير إلى أن الله تعالى لا يقع في التداخل أو الارتباط مع شيء آخر، ولا شيء يقارن أو يعارضه، وبالتالي فلا يمكن القول بالاقتران أو التوازي. فطبقاً لما يقوله العارفون، لا يوجد أي اقتران، حيث إن المظاهر ليست ملازمة للوجود.

وقد ذكرنا سابقاً أن الحديث عن “الطبيعة” وإنكار الأفراد يشبه التناقض، لأن الوجود ليس مجرد طبيعة أو مفهوم عام، بل هو حقيقة. وعندما تكون الحقيقة هي الوجود، فإن التعيّن والتحديد هما جوهر الذات نفسها، ولا يوجد تداخل أو اغتراب.

أما في رأي الفلاسفة المشائين، الذين يقبلون بوجود الممكنات، فليس هناك ما يسمى بالاقتران، لأن السبب والمعلول لا يترافقان. والمقارنة هنا تشبه المماثلة: “هذا يقترن بها، وهي تقترن به”، بمعنى أن كلاهما يقترن الآخر. فالمقارنة تشير إلى المماثلة، ولكن الفلاسفة المشائيين لا يقبلون المقارنة بين الواجب والممكن، إذ يعتبرون المعلول مجرد ظرف للظهور، وليس في حالة اقتران مع السبب.

الإجابة على السؤال التالي:
إذا اعترض الفيلسوف المشائي قائلاً: “إذا صحَّ ما ذكرتموه في بيان أن الواجب لذاته لا يمكن أن يكون الطبيعة الملزومة للوجود المطلق، فإنه من المؤكد أن الواجب لذاته لا يمكن أن يكون الوجود المطلق نفسه”، لأن إذا كانت حقيقته ذات أفراد عقلية، فلا بد أن يكون هناك فرد موجود، في حين يمتنع وجود الأفراد الأخرى، وإذا كانت لا تحتوي على أفراد عقلية، فالتنويع في الحقيقة سيكون مستحيلاً، وما تترتب عليه من ضرورة وجود بعض الأفراد وامتناع البعض الآخر يكون غيريًا، وليس ذاتيًا.

الإجابة على هذا الاعتراض هي: “إن الطبيعة الملزومة يجب أن تكون مغايرة للوجود العيني، بحيث لا تكون هي نفس الوجود الواجب القائم بذاته، الممتاز عن غيره بعين الحقيقة”.

الرد على الإشكالات المتعاقبة:

هذا الاعتراض هو في الواقع نقض عام للدليل الذي طرحه الفلاسفة المشائيون. إذا كان الصحيح أن الطبيعة الملزومة للوجود المطلق لا يمكن أن تكون هي الوجود نفسه، فبالتأكيد سيتعين أن يكون الوجود المطلق نفسه غير واجب. فإن وجود الفرد من الطبيعة يعتمد على نظرية التعدد، بينما يجب أن يظل واجب الوجود ممتنعًا عن التعدد.

التفسير الأخير:

المناقشة في هذا النص تتعلق بعمق الفروق بين مفهومي “الوجود المطلق” و”الواجب لذاته”. في الفلسفة العرفانية، يُعتبر الوجود المطلق هو الحقيقة العليا التي تشمل جميع المظاهر، بينما يختلف المشائيون في تعريف الوجود الواجب، حيث يرونه محصورًا في طبيعة محددة يمكن أن تكون متعينة أو مطلقة. وفي النهاية، يُسعى إلى إثبات استحالة تعيين الواجب إلا إذا كان مرتبطًا مع غيره.

النقد على الظواهر العرفانية

المعرفة الصوفية تميز بين عدة مفاهيم أساسية تتعلق بمفهوم الوجود والوجود المطلق. في المقام الأول، يعتقد أهل النظر أن هناك أربعة أمور: مفهوم الوجود، الوجود المطلق الذي يختلف عن الطبيعة اللازمة والواجب، والطبيعة الخاصة التي تُمثل واجب الوجود تعالى في مقابل الموجودات الخاصة، وأخيرًا، الموجودات الخاصة الممكنة. بينما يعتقد أهل المعرفة بثلاثة أمور: مفهوم الوجود، الوجود المطلق الذي هو عين الوجوب وواجب الوجود تعالى، والموجودات الخاصة الممكنة التي هي في الحقيقة مجرد ظهورات، وشؤون، وآيات الوجود المطلق.

هناك إشكالٌ على الفلاسفة المشائين الذين يعتقدون بوجوب الطبيعة الواجبة. وفقًا لآرائهم، يجب أن تكون هذه الطبيعة ملزمة بالوجود المطلق، في حين أن الإشكال على العرفاء غير موجود، لأنهم يرون أن الواجب هو الوجود المطلق الذي لا يتعين أو يتحدد بأي شيء؛ وبالتالي، فإن الحديث عن مغايرته أو عن عينية الوجود المطلق أمر غير مجدٍ. هذا التباين بين المعارف النظرية والتجارب العرفانية يكشف عن اختلافات جوهرية بين من يتصور الوجود كشيء قائم لذاته في مقابل الطبيعة اللازمة.

أما بالنسبة لإشكالية النص “فإنّ الإمكان حسب ما نُبّهت عليه في المقدمة”، فإنها تشير إلى اعتبارين في الوجود: الأول يتعلق بالمفاهيم المتعلقة بالوجود المطلق، والآخر يخص مفاهيم الوجود المحدود أو الممكن. إن الوجود المطلق هو الحقيقة الثابتة التي تتجاوز محدوديات الزمان والمكان.

الجواب على الإشكال المتعلق بالوجود المطلق:

الإشكال الذي قد يُطرح مفاده: لو كانت الحقيقة المطلقة واجبة لذاتها، فإنها لن تكون مطلقة بل ستصبح محدودة من حيث الوجوب الذاتي. في الرد على هذا، نقول إن الوجود المطلق لا يتقيد بأي من هذه الأحكام الضرورية، فلا يُخرجها عن حالة الإطلاق، لأن الأحكام التي تُفهم من هذا الوجود لا تُعتبر خارجة عن حقيقته، بل هي متصلة بشكل جوهري بذاته.

إجابة على الإشكال الفلسفي:

من حيث الفلسفة، يُعتبر أن “الوجود” و”الوجوب” ليسا متناقضين بل مترابطين. عندما نقول أن الوجود هو عين الوجوب، فإن هذا يعني أن الوجوب جزء من جوهر الوجود ذاته. وهذه الفكرة تتناقض مع المواقف التي تقول أن الوجود المطلق، لو كان واجبًا لذاته، يصبح مقيدًا بسبب الضرورة الذاتية.

الفصل الحادي والعشرون: الفرق بين العلم والوجود:

الفرق بين العلم الظاهر ووجوده الظاهر واضح، فالعلم يتعامل مع تعيين الإمكانات والتصورات النظرية، بينما الوجود يعبر عن حقيقة ذاتية للوجود المطلق. الفلاسفة يعتقدون أن الإمكان والوجوب ينفصلان عن الوجود، ولكن في الحقيقة، كل شيء موجود يظهر من خلال الوجود المطلق، وبالتالي تكون الإمكانية وصفًا لظهور هذا الوجود.

الفصل الثاني والعشرون: الطبيعة المطلقة قائمة بذاتها:

إذا قيل إنه من المستحيل أن تكون الحقيقة المطلقة قائمة بذاتها في العالم الخارجي بدون حاجة إلى اقترانها بأي من المحددات أو الأوصاف، فإننا نرد بأن كل واحد من الكائنات الممكنة هو جزء من الوجود المطلق، ومع ذلك، لا يمكن أن يتكون في الوجود الخارجي كائن آخر يحدد وجوده بشكل منفصل عنه.

الختام:

إن المقارنة بين الوجود المطلق والموجودات الممكنة تكشف عن التفاوت الجوهري بين مفاهيم الوجود المستقل وغير المحدود، وبين الوجودات الممكنة التي تتحدد وتظهر في مجال الكون.

يظهر أن دفع جميع الاحتمالات والشكوك يؤدي إلى تهيئة العقول الضعيفة لقبول الحقيقة، فتستقر الحقائق في هذه العقول وتمنع الحركة المضطربة للأفكار المشوشة التي يكون منشؤها الوساوس العادية (والتي هي شائعة) والتقليدات الباطلة (وليس التقليد الحسن كالتقليد من المجتهد أو المختص في كل مجال علمي) التي تعشش في النفوس الباحثة عن الحقائق.

أقول:

هذا إشارة إلى إيرادَيْن صعبَيْن استشكلهما المستبصرون من أهل النظر، حتى أصبحت هذه الإشكالات في غاية الصعوبة بالنسبة لأكثر الأذكياء من المخالفين. الحقيقة أن كلا من هذين الإشكالين هو بمثابة جذور عميقة تنبع منها أنواع الشغب والجدل، وأصلٌ تتفرع منه فروع الشبهات ووجوه الإشكال، ولا يمكن قطع مادتهما إلا بمعونة من الحدس الصحيح والتفكير السليم الخالي من شوائب التعصب والتقليد.

أما الأول منهما، فإنه يقوم على مقدمة اعتبرها الجمهور من الفلاسفة من المسلّمات، لشدّة التشابه بينها وبين المسلّمات، وهذه المقدمة تقول: إن الطبيعة المطلقة ـ من حيث هي مطلقة عند من يعتقد بوجودها ـ لا يمكن أن تكون قائمة بذاتها في الأعيان دون أن ترتبط بشيء من القيود. فوجود المطلق في نظرهم، إذا كان موجودًا، فإنه لا يكون إلا وجودًا مقيدًا، ولا يمكن تصور وجوده بدون قيد.

وعندما يتم تسليم هذه المقدمة، نقول: إذا صحّ أن تكون الطبيعة المطلقة ـ من حيث هي مطلقة، كما هي بديهية عند الجمهور ـ قائمة بذاتها في الأعيان دون أن ترتبط بأي تخصيص، وأنه يصح عليها الوجوب الذاتي كما تم إثباته سابقًا، فإنه لا يمكن هنا أن يُورد الاحتمال المذكور من حيث المنع أو النقض.

أما المنع: فإنه لا يتصور هنا لأن كل واحدة من مقدمي الدليل واضحة، الأولى بديهية والثانية مبرهنة. وأما النقض: فلا يمكن التصور بأن يخطئ الحكم في حالةٍ من الحالات التي استدلّ بها، لأن الطبيعة الملزمة إذا كانت من أفراد المطلق ـ كما أن المطلق ذاته هو الموجود في كل صورة ـ فإنها لا يمكن أن تكون عرضة للنقض.

عندما يكون الأمر كذلك، فإنه لا يجوز لمن له دراية بكيفية تحصيل المعرفة وأساليبها أن يجيب على مثل هذه الإشكالات، لأن البدء بالرد على مسألة غير واردة على قوانين البحث وأساليب المناظرة هو خطأ بحد ذاته. بل إن الالتزام بالجواب هنا لا يعود إلا بإطالة الكلام وتكثير المقدمات، ومنح المخالف الفرصة للمنع والنقض، وتدليس البيان. وكل هذا يعد من المحظورات في قواعد الجدل وعلوم البرهان.

أما الإشكال الثاني، فتقريره: إذا صحّ أن الوجود المطلق ـ من حيث هو مطلق ـ واجب الوجود، فإنه يؤدي إلى أن الوجود ليس صفة مشتركة بين جميع أفراد الوجود، وتالي هذا الأمر باطل. أما الملازمة فهي ظاهرة. أما بطلان التالي، فذلك لأننا نعلم بالضرورة أن كل فرد من الوجودات الممكنة الخاصة هو جزء من الوجود المطلق، وكذلك نعلم بالضرورة أن الوجود الواجب، الذي يناقض كل فرد من الوجودات الخاصة، هو أيضًا جزء من هذا الوجود المطلق.

وبما أن هاتين الشبهتين تحتويان على مقدمات مألوفة ومقبولة بالنسبة لأكثر الأذهان الذكية، خصوصًا المقدمة التي هي أساس الشبهة وأصلها، فإن دفعهما يتطلب نوعًا من الحدس. من خلال الحدس، يستطيع العقل اللامع أن يتخلص من القيود التقليدية والجدل الخادع الذي يمر عبره، ويتفكك التقليد الراسخ في النفوس بسهولة، مما يتيح له الوصول إلى الحقيقة. وذلك لأن العقل الأصيل الذي يتفكر بعيدًا عن التعلق بالظواهر والأوهام يستطيع أن يقف على جواهر الحقائق.

وبهذا، يتضح أن هناك علاقة بين الفكر والحدس في مجال المعرفة، تمامًا كما توجد علاقة بين السلوك والجذب في مجالات أخرى. ومن هنا، يبرز قوله في الجواب: “إن الذكي الحادس يعلم يقينًا أن الكون العيني الموجود في الخارج، الذي وجود الأشياء الأخرى في الخارج يعتمد على إشراق بعض من نور وجوده، لا يمكن أن يتكون في الخارج من خلال أي من الكائنات التي تتكون به وبمقارنته.”

السبب في ذلك هو أن غالبية أصحاب العقول لا يعتنون إلا بما هو مسلم وبديهي، الذي لا يحتاج إلى شيء سوى ترتيب المقدمات البديهية والأولية. أما أمثال هذه المقدمات التي تتطلب بالإضافة إلى الترتيب المنطقي المذكور، نوعاً من التخمين والذوق، فهي بعيدة عن طبيعتهم تماماً. لذا، لا بد من الرد على الشبهات التي تمنعهم من الصعود إلى درجات الحقائق، مع أن دفع الشبهة لا ينفع جميع الناس، إلا أنه مفيد لأولئك الذين يمتازون بذكاء أكبر ويبتعدون عن رذيلة البطء في الفهم وتقليد الأوهام والخيالات. هذه العبارة تشير ضمنياً إلى أن الكلام في هذه الرسالة ليس موجهًا إلى جمهور أهل النظر، بل إلى أولئك الذين يتمتعون بذكاء وفطنة أكثر من غيرهم، ويجب أن يكونوا بالإضافة إلى ذلك ذوي تخمين قوي وكشف ذوقي.

ومع أنه إذا قبلنا أن دفع هذا الاحتمال لا يمكن تبريره بالنسبة للمخالفين من أهل النظر، إلا أنه من الواضح أن دفع جميع الاحتمالات والشبهات المتعلقة بقاعدة الوجود، بالنسبة للباحثين عن الهداية، يعد سببًا لتجهيز أذهانهم الضعيفة ليتبين لهم الحق. وهذا يساعد في منع الحركات الفكرية المشوشة التي تنشأ من الوسوسة العادية والفطرية وتقليد العلوم الظاهرية التي لا أساس لها، التي تكون قد تجذرت في نفوسهم.

ومن المؤكد أن التعامل مع المسائل التي تساعد على تطهير العقل من المعتقدات التقليدية الجذورية، التي كانت تسبب الحركات المشوشة، يعد في هذا السياق بمثابة إزالة الموانع، وهي ما يسمى بـ “التخليّة”. ومن ثم، فإن هذا يعد واجبًا من حيث التعليم والتعلم. كما أن تقديم ما يساعد على تهيئة العقل، أي طرح المقدمات اليقينية التي تهيئ المكان المناسب لاستقبال الحقيقة، والذي يُسمى بـ “التحلية”، يعد واجبًا في هذا السياق.

ملاحظات النص:

  1. في هذا النص، يُطرح اعتراضان أساسيان على أهل المعرفة والادعاء الصوفي. الأول يتعلق بأسلوب النقاش الصوفي، وهو عدم الحاجة للاعتناء بإنكار المشككين إذا كان الادعاء بديهيًا. والثاني يتعلق بمبدأ البحث ذاته، وهو الوجوب المطلق للوجود.
  2. الاعتراض الأول يقول: بما أن الصوفي يدعي أن الله تعالى هو الوجود المطلق، وأنه لا شيء يرافقه ولا يتحدد بشيء، ولا يوجد شك في هذا، فلا ينبغي له أن يناقش أو يجادل أحدًا حول هذا الموضوع.
  3. جواب الصوفي على هذا الاعتراض واضح: نعم، الحق هو الوجود المطلق ولا يوجد شك في ذلك، ولا ينبغي للمرء أن يناقش أو يجادل في هذا. هدف التصوف هو النزول إلى مقام النقاش من أجل توضيح هذا المعنى العظيم لأهل النظر وأصحاب العقول.
  4. الاعتراض الثاني الذي يتعلق بأصل البحث يناقش تعارض الوجوب المطلق للوجود مع اتصافه بالممكنات. يعتقد الصوفي أن “الوجود المطلق واجب” وليس “الواجب موجود”. لذلك، لا يمكن الحديث عن وجودات ممكنة، لأن الوجود الواجب لا يتيح مكانًا للوجود الممكن.
  5. من الجدير بالذكر أن الاعتراض يتعلق بطبيعة المطلق، هل هو موجود مع الخصائص والأفراد، أم أنه موجود بذاته؟ الفيلسوف يرى أن الطبيعة الكلية لا تتحقق إلا بالأفراد، بينما يرى الصوفي أن المطلق في الوجود الخارجي لا يتطلب أفرادًا، لأن كل شيء آخر غيره هو العدم المطلق.
  6. جذور الاعتراض الثاني تتعلق بالخلط والتغليط بين المفهوم والمصداق، حيث اعتبر المعترض أن الوجود المطلق والواجب يتطلب الارتباط بالأفراد.
  7. مراد العبارة “حقيقة المطلق من حيث هي مطلقة قائمة بنفسها بحسب الوجود في الأعيان” هو أن الفلسفة ترى أن تحقق المطلق يعتمد على وجود الأفراد، بينما يرى الصوفي أن المطلق قائم بذاته، وإذا احتاج إلى الأفراد فإنه سيكون مقيدًا ولن يكون واجبًا.
  8. في عبارة “من المنع والنقض”، يُقال أنه لا ينبغي منح المخالف فرصة للإنكار أو النقض ضد برهانك القائم على أن الوجود المطلق واجب. النقض هو عندما يقول المعترض: الوجود المطلق ليس واجبًا، بل الطبيعة اللازمة هي الواجبة.
  9. لا بد من التنويه إلى أن هذا الاعتراض لم يُطرح من قبل الفلاسفة على الصوفي. الفيلسوف، صاحب العقل والفهم، إذا اعترض فإنه يفعل ذلك عن فهم، وإذا لم يتمكن الصوفي من إقناعه، فإن المشكلة ليست في الفيلسوف بل في نقص التصوف نفسه.
  10. يُعترض على الوجود غير المشروط (اللَّابَشرط) بأنه إذا كان واجبًا، فإننا لن نجد وجودًا ممكنًا، ويُعتبر الحديث عن الوجود الممكن غير ذي جدوى. ولكن جواب الصوفي هو: نعم، نحن نؤمن بالوجود المطلق واجبًا، ولا وجود ممكن؛ فكل ما هو غير الوجود هو ظهورات وأ ذلك الوجود الواحد.
  11. في عبارة “وبسنوحِهِ تنحل عقود التقليدات والاعتقادات الراسخة”، يجب أن نلاحظ أن رسوخ الاعتقاد لا يدل على صحته، إذ قد يكون الاعتقاد التقليدي قد ترسخ في الذهن، وفي بعض الأحيان قد ترسخ المعتقدات في الذهن بناءً على تكرار الأعمال، ما يؤدي إلى يقين عملي وليس عقلي.
  12. يشير المقطع “أنَّ الذَّكيَّ الحادسَ يَعلمُ يقيناً” إلى مكانة الحدس والجذب في الفلسفة والعرفان. فالحدس في الحكمة مشابه للجذب في العرفان؛ كما أن السلوك في العرفان يشابه الفكر في الحكمة. المسائل والموضوعات إما بديهية أو نظرية. والمسائل النظرية إما فكرية أو حدسية. إذا كانت الحركة من المبادئ نحو الغاية تدريجية، فهي فكرية، وإذا كانت مفاجئة مع حذف بعض المبادئ، فهي حدسية. قد يكون الحدس لاواعيًا أو مصحوبًا بالوعي. والحدسيات هي نوع من المسائل النظرية والمكتسبة التي تختلف عن الفكر من حيث السرعة والبطء، وكذلك من حيث التدرج والدفع وعدد المقدمات.
  13. وفي العرفان، كذلك، فإن بعض السالكين يسيرون تدريجياً والبعض الآخر أهل جذب وطائرون. الجذب في العرفان هو حالات وانتقالات مفاجئة تشمل المؤمن الذي يقطع الطريق الذي قد يستغرق مئة سنة في ليلة واحدة أو في ساعة، بل وأحيانًا في نظرة واحدة. في السلوك، قد تكون الحركة تدريجية أو مفاجئة، وأحيانًا تكون مزيجًا من كليهما. حكم الجذب والسلوك يختلف حسب الأشخاص وله خصائصه، ولكن الجميع يظهر في مقام السلوك، لا في مقام القعود.
  14. “الذكاء” هو السرعة في الإدراك والفهم السريع، و”الحدس” هو ذات المعنى. الاختلاف بين “الذكي” و”الحادس” يكمن في استعداد الفاعل في “الذكي” والحركة الفعلية في “الحادس”. صاحب الحدس الذي يمتلك قدرة على الطيران، لا يكون مجرد راجل، بل يكون طائرًا بمعنى أنه يمتلك سرعة في الفهم. قد يكون لدى شخص قدرة على الطيران في الأرض، لكن هذا ليس بالأمر المهم، لأن حتى الذباب يستطيع ذلك. ولكن الأهم هو الفهم السريع والسليم.
  15. المقصود من “الذكي الحادس” هو الشخص الذي يمتاز بالفهم السريع والسليم. الشخص الذي يمتلك هذه الصفة يمكنه إدراك الحقيقة التي مفادها أن الكون العيني والحقيقة المطلقة للوجود، التي لا يوجد غيرها في مقابلها، موجودة بذاتها في الخارج ولا يمكن أن تتكون من المخلوقات التي تخرج منها، ولا توجد إلا بتوافق مع تلك الكائنات.
  16. المقصود من “الكون العيني الكائن بنفسه في الخارج” هو حقيقة الحق؛ أي الوجود المطلق الذي لا يوجد شيء آخر في مقابله، وليس الوجود المطلق الذي يقابله وجود مقيّد.
  17. في عبارة “من الكائنات التي تتكون فيه به وبمقارنته”، تشير الكائنات إلى الأفراد و”فيه” تعني أنها تتكون في الخارج من هذا الكون العيني. “به” تشير إلى الأفراد التي تتكون مباشرة، مثل “العقل الأول” وسائر الأمور الإبداعية. المقصود من “بمقارنته” هو الكائنات والأفراد التي تتكون بواسطة وسائط. فيكون الواو هنا بمعنى “أو”. النتيجة هي أن: الكون العيني الذي هو قائم بذاته مستحيل أن يتحقق بوجود “غير” لأن تحققه يتم بذات نفسه.
  18. المقصود من عبارة “ولكن الجمهور إنما يعتقدون أن حكم مطلقه حكم سائر المطلقات من الماهيات الحقيقية العينية” هو أن الفلاسفة حسب ما تم التحقيق فيه في الحكمة والمنطق، يعتبرون تحقق الطبيعة مرهونًا بتحقق أفرادها ويعتقدون أن حكم الوجود المطلق مشابه لحكم باقي المطلقات من الماهيات الحقيقية العينية مثل طبيعة الماء والتراب والريح… ولا يعرفون الفرق بين الوجود المطلق والماهية المطلقة.
  19. يمكن القول إنه ليس هناك إشكال على الفيلسوف الذي يعتبر حكم الوجود المطلق والطبيعة كحكم باقي الماهيات، لماذا تعرفون الوجود المطلق بدايةً على أنه طبيعة لكي تواجهوا هذه المشاكل ثم تحاولون فصل حكم الطبيعة عن باقي الطبيعات؟ بل يجب أن تقولوا منذ البداية أن الوجود هو حقيقة وليس طبيعة حتى يظهر الحديث عن الأفراد.
  20. أما قول الفيلسوف بأن الطبيعة لا تتحقق بدون أفرادها، فالمقصود هنا هو ما قاله الفيلسوف في “منطق منظومة” سبزوارى، حيث أثبت صعوبة تحقيق “الكل الطبيعي” بذاته فقط، بمعنى أن الطبيعة بدون أفرادها ليست طبيعة.
  21. المقصود من “ويُنكرون الفرق بين الصورتين” هو أن جمهور الفلاسفة لا يميزون بين صورة تحقق الوجود بذاته كما قلنا، وصورة تحقق الوجود من خلال الأفراد كما يعتقدون.
  22. المقطع “لو صح أن تكون الطبيعة المطلقة…” حتى “لا منع ولا نقض” هو القياس الذي يقول في صغراه أن حقيقة الوجود، من حيث هي حقيقة الوجود، بطبيعتها غير قابلة للعدم، وهذا واضح عند الفيلسوف، وكبراه هو أن كل موجود غير قابل للعدم يجب أن يكون واجب الوجود.
  23. لكن الفيلسوف يقول إن هذه الحجة صحيحة، وإذا كان الأمر كذلك، فلا مجال للجدل ولا لإبطال هذا الاستدلال.
  24. وفي عبارة “أما النقض: فلأن تخلف الحكم من الدليل”، يعبر الفيلسوف بأن البرهان الذي قدَّمه العارف لوجوب الطبيعة المطلقة للوجود يسري على الطبيعة الملزومة، وبالتالي ينقض هذا البرهان لأن الواجب لا يمكن أن يكون له أكثر من فرد واحد.
  25. لكن الجواب هو أن الوجود المطلق، بسبب اتساعه وشموله، يشمل كل الوجودات، بما في ذلك الطبيعة الملزومة، ولذلك فإن الواجب هو الوجود المطلق، أما باقي الوجودات فهي جميعًا مظاهر لهذا الوجود.
  26. المقصود من عبارة “وجود سائر الأشياء في الخارج إنما هو بإشراق بارقة من بوارق نوره” هو أن وجود باقي الأشياء في الخارج هو نتيجة إشراق الوجود المطلق كما يظهر في “الإضافة الإشراقية” و”المعية القيومية”.
  27. أما مثال القياس في المشاهدات فهو مثل من ادعى في المبصرات من المحسوسات، حيث أن الأشخاص الذين وقعوا في الخطأ بشأن الوجود، يشبهون الأعمى الذي عندما يُقال له أن الجميع يوجد من الوجود، يقبل هذا الحكم. أما الوجود فهو موجود بذاته ولا يحتاج إلى شيء آخر ليظهر.
  28. في المقطع “وهذه حكمة من جملة حكم الله البديعة…” يعبر عن أن من يمتلك نور الحق، يستطيع السيطرة على الوهم، أما من لا يمتلك هذا النور، فإن وهمه يصبح خارجًا عن السيطرة.
  29. إلى جهةِ، المسافةُ قريبةٌ، وأنتَ لستَ قطُّ غائبًا عن مخلوقاتك، سوى أنَّ أفعالَهم هي التي تحجبهم عنك.
  30. لقد خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الوهمَ ليس لحفظٍ أو حراسةٍ، بل لأغراضٍ أخرى، وهناك فوائدُ جمةٌ تترتب على خلقه. وهذه هي الكسوةُ الطبيعيةُ التي غُطِّيتْ بالوهمِ، وتقومُ قوةُ هذا العالمِ وإدارتهِ على أساسِ الوهمِ. فالوهمُ هو المعمارُ الماهرُ للطبيعة، وهو المهندسُ للطبيعة البشرية، وسبلُ التنفسِ والتحققِ في هذا العالمِ. لذلك فإنَّ حديثنا هو أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يحتاجُ إلى حارسٍ أو حافظٍ، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عظيمٌ جدًا لدرجة أنه إذا اتجهنا إلى عتبةِ هذا العظمةِ، فلن نصلَ إلى شيءٍ.
  31. قال الشارح: “هذا كلامٌ اعتراضيٌّ وضع بينهما كتمثيلٍ”، وهو جملةٌ تعبيريةٌ أُعطيت كمثالٍ، وقد حان الوقتُ للانتقال إلى الممثلِ والأصلِ في الموضوع. كان المثالُ كالتالي: نحن نرى كلَّ شيءٍ بالنور، لكن لا نرى النورَ بذاته. نُسائلكم: هل يمكنُ رؤيةُ النورِ بذاته؟ إنَّ هذا النورَ الحسيَّ، الذي هو في جوهرهِ ماديٌّ، نراهُ عبر الهواءِ والحركةِ والريحِ والعديد من العواملِ الأخرى التي تتداخلُ معًا، ولا نرى النورَ من خلاله باعتباره نورًا، بل نراه كوجودٍ ماديٍّ وجسميٍّ عبر الظروفِ والوسائلِ المتنوعة.
  32. ممثلكم في هذه الحال هو: “إنهم لم يفرقوا بين المطلقِ هذا وغيره من المطلقات”.
  33. إنَّ القواعدَ العقليةَ لا يجوزُ تخصيصُها، وإنَّ أيَّ تخصيصٍ في القوانينِ العقليةِ يعدُّ دليلاً على خطأِ الفكرةِ. لذا فإنَّ القولَ بأنَّ الطبيعةَ المطلقةَ تختلفُ عن باقي الطبايعِ والمطلقاتِ هو تدخلٌ في الفلسفة المشائية. الطريقُ الصحيحُ هو أنْ تفصلَ بين “الوجود” و”الطبيعة”، وتعبِّرَ عنها بـ “الحقيقة”، كما تمَّ التنبيهُ عليه مرارًا.
  34. أما العبارة: “وأما أمثالُ هذه المقدماتِ المحتاجةِ مع ذلك الترتيبِ الفكري إلى ضربٍ من الحدسِ والذوقِ”، فهي تتحدث عن أسبابِ فهمِ الحقيقةِ ووسائلِ الوصول إليها.
  35. ادَّعى أبو حامد والشارح أنَّ فهمَ حقيقةِ “وحدة الوجود الشخصية” لا يكفي فيه السيطرةُ على الفلسفةِ والمباحثِ المنطقيةِ والبرهانيةِ، بل يحتاجُ إلى نوعٍ من الحدسِ وذوقٍ خاصٍّ. وهذا يشير إلى واقعٍ وهو أنَّ إثباتَ هذه المعاني يتجاوزُ نطاقَ العقلِ العامِ والمفاهيمِ المشتركةِ بين الناس، بينما لا نجد في الكتبِ السماويةِ أو التعاليمِ الإلهيةِ أو في رسلِ الله وأئمَّته حديثًا عن ضرورةِ وجودِ تلك الشروطِ لقبولِ أرفعِ الحقائقِ الإلهيةِ أو الربوبيةِ، بل الجميعُ مدعوٌّ إلى عبادةِ التوحيدِ والولايةِ بتلك الفطرةِ والعقلِ والعدالةِ التي وهبها اللهُ إياهم. نعم، نحن لا ننكر الحاجةَ إلى الطبيعةِ أو الذوقِ الثانوي في الوصول إلى بعضٍ من دقائِقِ التوحيدِ والولايةِ، ولكن هذا لا يعني أنه إذا لم يفهم شخصٌ ما كلامَ أهلِ المعرفةِ، فإنه يُتهمُ بعدمِ الكفاءةِ العقليةِ أو الذكاءِ. أليس من الشجاعةِ أن نوجهَ اتهامًا بنقصِ الذكاءِ للعبقريّ مثل ابن سينا؟ لذا من الأفضلِ أنْ نتحدثَ بشكلٍ يمكننا فيه تجنبُ اتهامِ كبارِ العلماءِ والحكماءِ في مجالاتهم.

الجزء الأول من البحث

تُظهر هذه الدراسة بوضوح أنه من المستحيل أن يكون الوجود المطلق – بما أنه مطلق – يحتوي على أفراد ذاتية مختلفة من حيث الوجود (أي الوصف الخارجي) والإمكان والامتناع؛ وذلك لأن الوحدة الحقيقية هي جوهره ذاتيًا. ويصبح هذا أكثر وضوحًا عند العودة إلى ما تم توضيحه في المقدمة، حيث أن الإمكان يظهر من حيث علمنا الظاهري (أي الوصف العلمي) بينما الوجوب يظهر من حيث الوجود الظاهري، ويُلاحظ هنا أن هناك فرقًا واضحًا بين علمنا الظاهري ووجودنا الظاهري (أي الوصف الخارجي).

أما القول القائل بأن “الواجب والممكن لا يتنافسان” (مع أن الواجب هنا هو نفسه الممكن؛ لأنه قيل عنه الوجود الخاص – أي الممكن) فيعتمد على فكرة تعدد أفراد الوجود، حيث يُفترض أن هناك فردًا معينًا من الوجود يكون واجبًا، بينما يكون الآخرون غير واجبين. وقد تم توضيح الخطأ في هذا القول سابقًا، وبالتالي لا حاجة للحديث المطول عن الرد عليه.

ملاحظات نصية

  1. في هذا المقطع، يناقش أبو حامد أمرين: أولًا، يشير إلى طريقة النقاش التي يعتمدها الجمهور والفلاسفة، ثم يتصدى للمشكلة الثانية في جوهر الموضوع. وبعبارة أخرى، هو يرد على الاعتراض الثاني عبر طريقتين: أولًا، يقوم برد هجومي مماثل على أسلوب الفلاسفة المشائيين في النقاش، كما كان في المقطع السابق عندما أشاروا إلى أسلوب النقاش في علم التصوف. ثم يقدم ردًا تحليليًا على جوهر الاعتراض الثاني.
  2. الاعتراض الذي طرحه الفلاسفة وأهل النظر على جوهر النقاش كان كالتالي: إذا كان الوجود المطلق واجبًا، فلن يكون هناك وصف مشترك وموحد للوجودات. ومع ذلك، من البديهي أننا نعلم أن الوجود المطلق مشترك بين الوجودات الخاصة مثل الواجب والممكن.
  3. يرد أبو حامد على هذا الاعتراض بطريقتين: أولًا، يتعرض لأسلوب النقاش الفلسفي، مشيرًا إلى أن الفلاسفة في اعتراضهم على أهل التحقيق قد ادعوا ضرورة وبداهة بأن كل الوجودات – سواء كانت واجبة أو ممكنة أو حتى ممتنعة – هي أفراد الوجود المطلق، وهذا الادعاء مخالف لقواعد المناظرة، حيث لا يمكن التحدث عن بديهية إلا إذا كانت مُسلّمة للجميع، وإلا فهي ليست بديهية. وبالتالي فإن أسلوب نقاشهم غير منطقي، لأن البديهية التي يتحدثون عنها هي بديهية فقط بالنسبة لهم، وليس للآخرين.
  4. ثم يجيب على جوهر الاعتراض نفسه، مُوضحًا أن الوجود المطلق ليس من نوع الوجودات التي تحتاج إلى أفراد لتتحقق. ويقدم مثالًا توضيحيًا في الإجابة التحليلية الثانية، موضحًا أن الوجود المطلق إذا كان سيحتوي على أفراد، فلا بد من التصور التالي:
    • في الحالة الأولى: يكون أفراد الوجود المطلق عبارة عن تعينات خاصة تمثل الوجود دون أن تُعتبر تعيينات عارضة.
    • في الحالة الثانية: تكون التعينات عارضة للوجود المطلق، ولكن لا يتم النظر في الوجود الذي تتحقق فيه تلك التعينات. وبذلك، هذه التعينات تكون غير موجودة في ذاتها.
    • في الحالة الثالثة: محاولة الجمع بين المعروض (الوجود المطلق) والتعينات كأفراد لها، وهو أمر مستحيل، لأن الوجود هو حقيقة بسيطة لا تتكون من أجزاء.
    • في الحالة الرابعة: يكون الوجود الممكن هو الذي يعرض عليه العوارض، مما يعني أن هذه العوارض تكون شؤونًا للوجود وليست جزءًا من الوجود ذاته.

توضيحات إضافية

  1. “الوجود الذهني” هو مثال آخر من النماذج الأربعة. حيث يُفترض أن الوجود الذهني لا يُعدّ فردًا من أفراد الوجود المطلق، لأن العروض الذهني لا يتماشى مع ما هو موجود في الخارج.
  2. مع هذا، في آخر الملاحظات، يُشير إلى أن في حالة وجود نزاع حول مسألة بديهية، لا ينبغي أن يكون هذا دليلًا على عدم بداهتها.
  3. في النهاية، تبيّن هذه الدراسة أن كل ادعاء بوجود أفراد للوجود المطلق، سواء كان ممكنًا أو واجبًا أو ممتنعًا، يتناقض مع جوهر الفهم الصحيح للوجود ذاته.
  4. ملاحظات النص
  5. وصل هذا الفصل هو الثالث من الأشكال التي عرضها أهل العرفان في نقض امتناع اختلاف أفراد الوجود المطلق إلى الوجود الذهني، وهو استمرار للوصل الواحد والعشرين. يُعد هذا الوصل من الأوصال المعقدة والثقيلة في الكتاب، حيث يتبع فيه النقاش حول الوجود والعلم. في هذا الوصل، يتناول الفيلسوف والعارف موضوع “حقيقة الوجود” و “الوجود الذهني” ويناقشون هذا الموضوع معًا. يرى العارف أن الوجود المطلق واجب، بينما يرى الفيلسوف أن الوجود “بشرط لا” واجب، أما الوجود المطلق فهو ممكن، ولهذا السبب، في هذا الوصل، يسعى لإثبات إمكانية الوجود المطلق وتوفير الأفراد له.
  6. كما تم توضيحه في الوصل السابق، نجد أن التفصيل في استحالة الحالة الثالثة من الحالات الأربع لإثبات وجود الأفراد للوجود المطلق وكذلك توضيح حقيقة الأمر في الأشكال والجواب المذكور في أسفله قد تم تضمينه في هذا الوصل.
  7. في الحالة الثالثة، تم القول إنه إذا كان المقصود هو مجموع الأمرين – أي المركب التركيبي من العارض والمعروض، الذي يعد الحالة الثالثة من الأقسام المذكورة – فلا نقبل أن يكون مثل هذا المركب ممكنًا للوجود، لأن من المستحيل أن يكون الوجود جزءًا من الماهيات في الأعيان (لا شيء يتكون من وجود، ولا يتكون الوجود من شيء آخر، لأن تركيب الوجود مع شيء آخر هو نفسه تركيب الوجود مع العدم، وهو مستحيل). كما هو ثابت عند أهل النظر أن التركيب في مجال الوجود مستحيل. في هذه الحالة، يكون من الضروري أن يكون امتناع الأفراد الذاتية في الأعيان بالذات، وهو ما يؤدي إلى اختلاف الأفراد في الوجود، في حين أنه قد ثبت سابقًا استحالة ذلك.
  8. هنا يُثار إشكال بأن الامتناع في هذه الحالة يجب أن يكون مطلقًا وذاتيًا، بينما في الواقع، يُشبه امتناع تحقق الكليات العقلية بالنسبة لبعض مراتب الوجود (أي الوجود الخارجي). على الرغم من أن الكليات العقلية ممتنعة في الخارج، فإن وجودها الذهني ليس مستحيلاً. وبالتالي، فإن الكليات العقلية ليست ممتنعة مطلقًا، بل امتناع الوجودات المركبة هو امتناع بالغير، وليس امتناعًا ذاتيًا. لذلك، من الممكن أن يكون الوجود قابلًا للتوافق مع إمكانية الوجود الذاتي. وبالتالي، فإن الوجود يتضمن نوعين من الأفراد: واجب وممكن.
  9. في نقد هذه الإشكالية، يتم القول: إن الفرد من الوجود المطلق الذي يُصدق عليه “هو هو” يجب أن يتطلب وجودًا ذاتيًا بالضرورة. لذا، من المستحيل أن يتطلب العدم في إحدى مراتب وجوده.
  10. بمعنى آخر: الكليات العقلية وما شابهها، مثل الماهيات، لا تحتوي على وجود بالذات، ولكنها توجد في بعض المراتب (أي في الذهن)، ولا توجد في مراتب أخرى (أي في الخارج) بشكل وجود حقيقي. ومع ذلك، فإن الفرد الخارجي للوجود، بصفته مصداقًا للوجود بالذات واحتياجه للعموم، لا يمكن أن يتطلب العدم في أي من مراتب وجوده.
  11. كما تم توضيحه في الوصل السابق، فإن الشارح يقبل الإشكال الأساسي، ولكنه في الواقع يرى أن الإشكال من الأساس غير صحيح؛ بمعنى أن التركيب بين العارض والمعروض مستحيل في كل من الذهن والخارج. من هنا، فإن الوجود المطلق ليس له أفراد – سواء واجبًا أو ممكنًا. كما أن تركيب العارض والمعروض مستحيل في الذهن تمامًا كما هو في الخارج؛ لأن التركيب في الخارج يحتاج إلى وجود، وكذلك التركيب في الذهن يحتاج إلى وجود. نعم، الفارق بين الذهن والخارج هو أن الإنسان في الذهن لديه القدرة على تصوّر أمور مستحيلة، مما يسمح له بدمج الوجود مع الماهية المعدومة، وجعل ما لا يمكن تحققه في الخارج يتشكل في الذهن كوجود ذهني. لذا، يجب أن نأخذ في الحسبان أن هذا الفرق بين الذهن والخارج لا يؤثر في حكم التركيب بين الوجود والعدم.
  12. بعد هذا التوضيح، يُطرح الإشكال في هذا الوصل بأن: “من المستحيل أن يتحول الوجود الذهني إلى وجود خارجي”، لأنه كما أثبتت الفلسفة، فإن الوجود الذهني مقيد بعدم تأثيره في الخارج، بينما الوجود الخارجي هو الذي يسبب آثارًا. إذا أصبح الوجود الذهني وجودًا خارجيًا، فإن هذا يؤدي إلى تناقض بين القدرة على التأثير وعدم القدرة على ذلك. وبالتالي، يتحقق الوجود الذهني في الخارج أمر مستحيل.
  13. إذن، أحد أفراد الوجود المطلق (وهو الوجود الذهني) يتعارض مع الوجود الخارجي، بينما الفرد الآخر (وهو الوجود الواجب) يتطلب ضرورة وجوده في الخارج، ويستحيل تصوره في الذهن.
  14. ويُطرح إشكال آخر في هذا السياق، وهو أن الوجود الخارجي لا يمكن أن يُعبّر عنه أو يُدرَك إلا من خلال وجوده الذهني، وهذا لا يعني أن الوجود الذهني يعادل الوجود الخارجي، بل يعني أن الوجود الذهني هو وسيلة إدراكه. لكن مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الوجود الذهني والوجود الخارجي؛ لأننا نعلم أن الوجود الخارجي له خصائص تختلف تمامًا عن تلك التي نتصورها في الذهن. فالوجود الخارجي يتسم بالتأثير في الأشياء الأخرى والاتصال بالواقع المادي، بينما الوجود الذهني هو مجرد تمثيلات ذهنية تُستعمل لإدراك تلك الأشياء.
  15. وعليه، فإن مسألة «الوجود الذهني» و«الوجود الخارجي» تشير إلى طبيعتين مختلفتين تمامًا للوجود، ولا يمكن اعتبارهما نوعين مختلفين من الوجود المطلق، بل هما مجرد طرق مختلفة للتعبير عن وجود واحد. وبالتالي، لا يمكن الجزم بأن الوجود المطلق يُبنى على أساس تباين الأفراد بين الوجود الذهني والخارجي، بل إن هذا التباين يعكس فوارق في تصوراتنا وتصوراتنا عن الواقع.
  16. ومن جهة أخرى، يَطرح الكتاب إشكالًا بشأن مسألة “الوجود المطلق” في سياق الفلسفة والعرفان. وتتمثل الإشكالية في فهم كيفية وجود “الوجود المطلق” دون أن يتناقض مع كونه لا يحتوي على أفراد معينة. كيف يمكن للوجود المطلق أن يكون محصورًا في صورة واحدة دون أن يكون له صورة ذاتية أو أفراد محددة؟ ذلك أن الوجود المطلق يجب أن يكون من طبيعة تكون فيه كل صور الوجود متكاملة، وليس مجرد صورة واحدة معينة.
  17. في هذه المسألة، يتم الإشارة إلى أن الوجود المطلق لا يمكن أن يتواجد في الوجود الذهني فقط، بل يجب أن يكون حاضرًا في كل صور الواقع سواء كانت مادية أو ذهنية. وبناءً عليه، فإن وجود الوجود المطلق في الوجود الذهني لا يعني انه غير ممكن في الواقع الخارجي، بل يعني ببساطة أن الوجود الذهني يتيح لنا إدراك وجوده في صورة جزئية.
  18. تستمر المشكلة إذن في دائرة الجدال حول العلاقة بين الفكر والوجود. فالعارف يرى أن الوجود المطلق يشمل كل شيء، بما في ذلك الفكر والتصورات الذهنية. بينما الفيلسوف يرى أن الوجود ليس فقط ما نتصوره، بل أيضًا ما نراه في الواقع، وهذا ما يجعل الفلسفة والعرفان يتعاملان مع الوجود بطرق مختلفة، حيث يصر العارف على أن الوجود المطلق متصل بالحقيقة الإلهية الكاملة، بينما الفيلسوف ينظر إليه من زاوية العقل البشري المحدود.
  19. ومن خلال هذه المداخلات، نجد أن هناك تقاطعًا بين الفلسفة والعرفان في مقاربة موضوع “الوجود المطلق”. ففي حين يتفق كلا الطرفين على حقيقة الوجود، إلا أن هناك تباينًا واضحًا في كيفية فهمه. يتبنى العارف وجهة نظر متكاملة أكثر تشمل جميع أبعاد الوجود، بينما الفيلسوف يميل إلى تفضيل التحليل العقلي والنقدي للوجود بناءً على مبادئ المنطق والتجربة.
  20. وفي الختام، يمكن القول بأن مسألة الوجود المطلق تظل واحدة من أعظم المعضلات التي يواجهها الفكر البشري، وما زالت محطًا للجدل والنقاش بين الفلاسفة والعرفاء على حد سواء. ولذلك، فإن هذه الإشكاليات بحاجة إلى معالجة متعمقة تعتمد على الجمع بين التفكير الفلسفي الدقيق والرؤية الروحية العرفانية التي تتجاوز حدود العقل المادي.
  21. الوصل الخامس والعشرون
  22. في تنبيه حاسم لمادّة النزاع
  23. قال :
  24. «تنبيهٌ ـ إعلم أنّ اعتقادَ كون المبدء الأوّل الواجب بذاته، إنيّةً خاصّةً نوعيّةً، يلزم من فرضها ـ على ما يقولون به ـ رفعُ ما يعتقدون فيه، مع اعتقاد كونها علّةً لسائر الأشياء والأنواعِ العينيّة الباقية بالمباينة وعدمِ المناسبة، ومندرجةً تحت الوجود العيني[40]  المطلق الّذي يَشملُ سائرَ الأشياء العينيّة
  25. المستندة إليها عندهم ـ اعتباريّآ كان كما ذهب إليه البعضُ، أو حقيقيّآ موجودآ بنفسه في الأعيان، كما ذهب إليه الباقونَ ـ مثل اندراجها تحت جميع الكليّات والأمور العامّة، وكثيرٍ من الكلّيّات الباقية ممّا عداها، فهو بعيدٌ عن الحدس المبين، والعقلِ السّليم والفكرِ الصّحيح، فتأمّل في المباحث السّالفة والآتية، عسى أن يلوحَ لک الحقُّ، ويَتبيّنَ اليقينُ لو كنتَ من أصحاب الذّكاء والفطنة والملكاتِ المرضيّةِ الفاضلة.
  26. على أنّا نقول: إنّا نعلم بالضرورة أنّ الكونَ ـ الّذي يَشترکُ فيه الأكوانُ العينيّةُ ـ كونٌ عينيٌّ، تكون طبيعتُه عينَ تلک الأكوان في الأعيان والأذهان، وأمّا اختلافُها وتعدّدُها فهو بالإضافات والنِّسب والاعتبارات المخصّصة لا غير، فتأمَّل».
  27.  
  28. تنبيه من يقضي على أصل النزاع
  29. اعلموا أنَّ اعتقادَ المشائيّة بناءً على قولهم، في أنَّ المبدء الأول (الذي هو واجب بالذات) هو وجودٌ خاصّ نوعيّ (أي وجودٌ مشروط بنوعٍ خاصّ، وأنَّ الفرد هو أحد أفراد الوجود المطلق، ويكون هذا الفرد مباينًا ومتناقضًا مع الوجود المطلق وبقية الموجودات)، يؤدي إلى أنَّ جميع الأحكام التي يعتقدها المشائيون بشأن الواجب يجب أن تُنزع عنهم. (أي أنَّ الاعتقاد بالوجود المشروط للواجب يؤدي إلى نفي وجوب الوجود عنه). ونظرًا لأنهم يعتقدون أنَّ وجود الواجب هو سبب للوجودات الأخرى والأنواع المتبقية، وأنَّ هذا السبب يتباين مع معاليله ولا يتناسب معها (بينما في الواقع توجد علاقة نوعية بين السبب ومعاليله)، وكذلك يعتقدون أنَّ الوجود الخاص للواجب يتواجد ضمن الوجود العيني المطلق الذي يشمل جميع الموجودات العينية المترتبة عليه (سواء كان هذا الوجود المطلق اعتباريًا كما ذهب إليه البعض، مثل شيخ الإشراق وأتباعه الذين يقولون بأصالة الماهية، أو كان حقيقةً ذاتيةً كما يذهب إليه غيرهم من الفلاسفة المحققين وأهل المعرفة) ـ كما أنَّ وجود الواجب يشمل جميع الكليات والحقائق العامة. وبالتالي، فإنَّ هذا المذهب بعيد عن التأمل الصحيح والعقل السليم، ومن غير المتوقع أن يتوافق مع الفهم السليم. لذا، عليك أن تتأمل جيدًا في هذا الموضوع ـ وإذا كنت من أهل الفطنة والذكاء والأخلاق العالية ـ ربما يتبين لك الحق، ويظهر لك اليقين بوضوح.
  30. إضافة إلى ذلك، نقول: نحن نعلم بالبداهة أن الوجود الذي تشترك فيه الأكوان العينية هو وجود عيني حقيقي (لا وجودًا مفهومياً كما يقول غالبية المشائيين)، وطبيعة هذا الوجود هي عين الأكوان في الأعيان والأذهان. (لأنَّ العقل والخارج كل منهما مرتبة من الكون العيني، ولا يمكن أن يتحقق شيء في العقل أو في الخارج إلا إذا كان موجودًا بالفعل، وبالتالي فإن القول بأن العقل يقابل الوجود العيني هو مسألة تقسيم فلسفي، لكن كما قيل، الوجود هو عين التحديد والتجسد الخارجي الذي يقابله فقط العدم المحض). أما اختلاف وتعدد هذه الأكوان فيعود إلى الإضافات والنسب والاعتبارات الخاصة، وليس من جهة شيء آخر. ففكر في هذا الموضوع جيدًا!
  31. قولنا:
  32. عندما انتهى من بيان المطلوب الأول في هذا العلم على طريقة الفحص والاستدلال، ودفع الاحتمالات المختلفة (أي وجود أفراد للطبيعة المطلقة)، وأبطل مذهب المخالفين، وبين أن مبانيهم تحتوي على نقائص واضطرابات، كان قد أتم ذلك وفقًا للطريقة التي التزم بها في بداية الرسالة. ثم أراد أن يضيف إلى تلك الأبحاث تنبيهًا كافيًا للمانعين والخصوم إذا نظروا بعين الإنصاف والاعتبار، ليبصر الطالب والمريد في هذا المجال، ويُعلمهم أن المطلوب (أي إثبات الوحدة الشخصية للوجود) من البديهيات التي لا تحتاج إلى إسهاب طويل في شرحها.
  33. توضيح ذلك: أنهم يعتقدون في إنيّة الواجب وهويته ما ينافي الصفات الواجبة الثبوت له حسبما يعتقدون. وكل ما يتنافى مع لواحق هذه المعتقدات في المذاهب والأحكام السابقة، يُثبت للمتأمل بطلانه إذا نظر فيه بتدقيق. لذلك سُمّي هذا البحث بـ”تنبيه”.
  34. توضيح هذا التنافي: أن المشائيين يعتقدون في الواجب أنه وجود خاص نوعي، أي أن الواجب له وجود عيني خاص يختلف بالذات عن باقي الأكوان العينية. وفي الوقت نفسه، يعتقدون أنه سبب للأكوان والأنواع الأخرى التي تظل مباينة له. وكذلك يعتقدون أن هذا الوجود الواجب هو تحت الوجود العيني المطلق الذي يشمل جميع الموجودات العينية المترتبة عليه حسب اعتقادهم، مع الاختلاف في معنى الوجود سواء كان اعتباريًا كما ذهب البعض، أو حقيقيًا كما يذهب الآخرون.
  35. بإجمال، حكمهم هو أن الوجود الواجب يتضمن جميع الكليات العامة والأمور المشتركة مثل كونه حقيقة وعلّة وواحدًا، كما أنه تحت كثير من الكليات الأخرى التي تقتضيها صفات مثل العالمية والقدرة والإرادة، وغيرها من الصفات اللازمة للواجب. ولا شك أن الاعتقاد بأن مبدأه هو نفس النسبة، وكذلك أولويته، يتنافى مع الاعتقاد بعدم التناسب بينه وبين معاليله، كما أن الاعتقاد بعدم التناسب يناقض الاعتقاد بأن الوجود الواجب مشترك في الكون العيني، الذي هو خاصيته.
  36. إذا قيل: إن الاشتراك اللازم في هذه الصور هو اشتراك في العوارض الخارجية (أي أن الاشتراك ليس اشتراكًا حقيقيًا بل اشتراكًا مفهوميًا)، إذ أن الكون المطلق عندهم هو مجرد عرض للوجود الواجب، كما أن المبدئية أيضًا عندهم هي من الأمور العدمية التي تعتري الوجود الواجب في الأمور الخارجية.
  37. نقول: قد تبين من الأبحاث السابقة، وما سيأتي من التنبيهات الذوقية والبراهين العقلية، أن الوجود لا يمكن أن يكون له أفراد متعددة الحقائق بناءً عليه، حتى يكون القول بالوجود المطلق عليه قولًا عرضيًا مشكوكًا فيه.
  38. أيضًا، من الواضح لمن لديه أدنى دراية بأساليب أهل الذوق من أصحاب الفطنة والذكاء، أن الضرورة تقتضي أن الكون العيني الذي تشترك فيه الأكوان العينية التي بها تتشكل الأعيان في الخارج يجب أن يكون كونًا عينيًا، وأن هذه الأكوان في الأعيان والأذهان هي عين الحقيقة، واختلاف تلك الأكوان وتعددها إنما يكون بالإضافات والنسب الاعتبارية المخصصة، لا غير. وأن ما فهموه من لفظ “الوجود” باعتباره اعتباريًا عقليًا، لا قيمة له في عرف التحقيق كما سبق بيانه عدة مرات. وكأن قوله “فتأمل إلى آخره” يشير إلى دفع هذين الإشكالين.

النص الأصلي:

ومن المسائل التي تمَّ بيانها سابقًا وما سيأتي في القريب من الزمان ـ من الأمور الذوقية والبرهانية العقلية ـ يتبين أنَّ الوجود لا يمكن أن يكون، من حيث ذاته، ذا أفراد مختلفة بحقائق متنوعة، حتى يكون حمل الوجود المطلق على تلك الأفراد حملًا عرضيًّا مُشكِّكًا.

كذلك لا يخفى على من له إلمام بسيط بأساليب أصحاب الذوق الكامل ـ الذين هم من أهل الذكاء والفطنة ومن ذوي الأخلاق الحميدة ـ أنَّ البداهة تحكم بأنَّ الكون العيني (الذي تشترك فيه الأكوان العينية، وتظهر الأعيان بفضل هذه الأكوان العينية في الخارج) لا بد أن يكون كونًا عينيًّا، وأنَّ تلك الأكوان في الأعيان والأذهان، هي عين الحقيقة لذلك الكون وطبيعته، وأنَّ اختلاف وتعدد هذه الأكوان يأتي من جهة الإضافات والنسب الاعتبارية المخصصة، لا من جهة غيرها.

وكذلك فإنَّ البداهة تحكم بأنَّ ما فهمه الفلاسفة من لفظ الوجود ـ بأنَّ الوجود اعتبار عقلي ـ ليس له اعتبار في عرف التحقيق، وفقًا لما تمَّ بيانه مرارًا (نحن ليسنا من أهل الأدب الذين يبحثون عن مفهوم الوجود، بل نحن في بحث عن الحقيقة والمصداق والمعنى الحقيقي للوجود). ويبدو أنَّ “فتأمَّل” في كلام أبي حامد تشير إلى دفع هذين الإشكالين (والجواب على هذين التناقضين الواضحين).

ملاحظات النص:

  1. بعد أن بيَّن أبو حامد وحدة الوجود الشخصي ودحض اعتقاد الفلاسفة المشائيين في خصوص الفردية للواجب ووجوده الخاص المشروط بـ “لا”، يقدم خلاصة من وجهة نظر العرفان حول هذا الموضوع كمحصلة. وفي هذا الفصل، يناقش أبو حامد معتقدات المشائيين في خصوص وجود الواجب وينقدها.
  2. هذا الفصل الذي يُطلق عليه “التنبيه” يُظهر أنَّ أساس المشائيين يتعارض مع فرعين متفرعين عنه، وأنَّ هذا التنافي يعكس عدم صحة الأساس أو المبنى أو كليهما.
  3. يعتقد المشائيون أنَّ الواجب تعالى ووجوده المشروط بـ “لا” ووجوده الخاص، وكذلك سائر الموجودات الممكنة المحدودة، جميعها أفراد للوجود المطلق، وهذه العناصر تتمايز. وهذا الأصل هو الذي تفرَّع عنه أمران: أحدهما أنَّ وجود الواجب تعالى الخاص في ذاته، رغم تمايزه وعدم تناسبه مع الوجودات الممكنة الأخرى، هو علَّة وسبب وجود تلك الممكنات. ومن المعلوم أنَّ بين العلة والمعلول يجب أن يكون نوع من التناسب والاتفاق، وإلا فلا يمكن أن يكون الواجب علَّة للممكنات، ولا تكون الممكنات معلولة له.
  4. كما أنَّ الفرق الثاني في هذه الرؤية هو أنَّ وجود الواجب تعالى الخاص يندرج تحت مفهوم الوجود العيني المطلق، وهذا المفهوم العام يشمل الوجود المطلق للواجب وكل الممكنات المتصلة به. من الواضح أنَّ إدراج الأشياء المتباينة تحت مفهوم مشترك واحد لا يتماشى مع تباينها وعدم تناسبها، بل يدل على اشتراك تلك الأشياء في هذا المعنى المشترك. وبالتالي، فهذا الفرع أيضًا فيه إشكال.
  5. في العبارة: «مع اعتقاد كونها علَّةً لسائر الأشياء والأنواع العينية»، يذكر أبو حامد تعبيرين مختلفين: “سائر الأشياء” و”الأنواع العينية”، حيث يشير الأول إلى مفهوم، والثاني إلى حقيقة فلسفية. وبالتالي، هما في الواقع يشيران إلى نفس المعنى ولكن من زاويتين مختلفتين.
  6. المقصود من العبارة «مثل اندراجها تحت جميع الكليات»، هو المفاهيم مثل “موجود” و”شيء”. بينما «الأمور العامة» تشير إلى صفات مثل “العالمية” و”القدرة” و”الوحدانية”، وهي صفات مشتركة بين الواجب والممكنات.
  7. أما عبارة “وكثير من الكليات الباقية مما عداها”، فهي تشير إلى الكليات التي تخص الصفات الناقصة والإمكان، والتي لا يجوز أن تنطبق على الحق تعالى؛ لأنَّ الصفات والكليات الكمالية هي مشتركة بين الحق والمخلوق.
  8. عبارة «فهو بعيد عن الحدس المبين، والعقل السليم والفكر الصحيح» توضح ترتيبًا في المباحث النظرية والفلسفية والعرفانية، حيث أن أصحاب الحدس المبين يدركون الحقيقة مباشرة بدون مقدمات، بينما أصحاب العقل السليم والفكر الصحيح لا يشكون في بطلان هذا الرأي (أن الواجب لا يمكن أن يكون فردًا من أفراد الوجود المطلق).
  9. أبو حامد في عبارته «وأما اختلافها وتعددها فهو بالإضافات والنسب والاعتبارات المخصصة لا غير» يرد على من يقول إنَّ الكون العيني المصادق والموجود في الخارج هو عين الأكوان في الأعيان والأذهان. والجواب هو أنَّ الاختلاف والتعدد ينشأ من الإضافات والنسب والاعتبارات الخاصة وليس من شيء آخر، لأنَّ غير الوجود ليس موجودًا.
  10. بناءً على وجهة نظرنا، فإنَّ الحديث عن الإضافات والنسب والاعتبارات المخصصة ليس تعبيرًا دقيقًا، لأنَّ ما سوى الحق تعالى هو ظهورات لتلك الحقيقة الواحدة بالوحدة الشخصية، وليس مجرد نسب أو أوهام أو خيالات.
  11. في العبارة “وكل ما ينافي لواحقه السابقة من المذاهب والأحكام، يتبين للمتأمل بطلانه”، يوضح المفسر أنَّ هذه الفكرة صحيحة في موضوع الكلام، لكن لا يمكن تعميمها على جميع المسائل. فقد يكون هناك أصل له فروعات لا تتوافق مع الأصل، وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الأصل به إشكال.
  12. وأخيرًا، في تعبير “قولا عرضيًا مشككًا”، يُلاحظ أنَّ مفهوم الشدة والضعف والتشكيك غير دقيق هنا؛ لأنَّ التشكيك يتعلق بالمصاديق، وليس بالمفهوم.

هذا الموضوع في الأمثلة (الوجدانية) المحسوسة يشبه الاعتقاد الذي يقول: بسبب ضعف البصر في الرؤية، يظن الإنسان أن ظهور الأشياء في الحواس الخارجية هو من خصائص الألوان المختلفة، وأن النور المطلق، الذي هو بيان ذاتي وبيان لأ أخرى، لا يظهر في الخارج إلا من خلال الألوان. السبب في هذا الحكم هو تراكم الأوعية المتورمة للجهل المركب الذي نشأ عن التقليد الراسخ، والذي يعوق البصر عن إدراك نور الوجود من دون مظاهر كثيفة وظلمانية. (وفي بحثنا، السبب في أن الفلاسفة المشائين يقبلون الماهيات المتعيّنة لكنهم لا يقبلون الحقيقة المطلقة، هو نفس ضعف البصيرة والقلب الذي لا يرى النور، بل يكتفي برؤية منوّرة فقط). لذلك، فإن العارف الحكيم لا ينكر إدعاءهم، بل من المناسب أن يصدّق منزلتهم، لأن إخبارهم عن المحلّ والمقتضى للإدراك وأماكن إشعاع أبصارهم ينبع من إدراكهم، الذي بسبب ضعفه، لا يتجاوز الألوان.

إذا كان أحدهم فاقدًا للعين السليمة، فإنه لا يكون عجيبًا إذا شكّ في ظهور الشمس في الصباح رغم وضوحها.

وبما أن هذه المرحلة هي أيضًا مرحلة من مراتب ظهور الحق بحسب مشاعرهم، ومجلى من مجالي كماله وجماله، فإنه لا ننكرهم. ومن هنا جاء عدم حكم الشيخ أبو حامد وأهل التحقيق ببطلان مذهبهم والمذاهب الأخرى. قد يكون المقصود من قوله “أولى” هذا المعنى.

من جاء إلى مرعاك، هو في هواك ويطلبك، وأنا شاهد هذا المكان الواسع، أطلب جميع من جاء إليك.

ملاحظات النص:

  1. هذا الوصل يبدأ من مناقشة مسألة وحدة الشخصية في الوجود، مع تقديم فروع تابعة، مثل الجمع بين التفرقة والجمع، أو تنزيه وتشبيه الذات، أو تعيين الحقيقة المحمدية.
  2. الشيخ أبو حامد بعد شرح توحيد بلغة أهل المعرفة، يتحدث عن حقيقة واجب الوجود الذي هو نفس الوجود المطلق وليس “وجودًا بشرط لا” كما يعتقد المشائيون.
  3. يجب أن يكون لدى القارئ الفهم الصحيح لكلمات مثل “الظهورات” و”التعيّنات” في الفلسفة والعرفان، حيث أن كل شيء في الكون هو تجليات لهذا الوجود المطلق.
  4. في هذه المسائل، يظهر الفارق بين رأي الفلاسفة المشائيين والعرفاء الذين يرون أن كل شيء في الوجود هو مجرد ظهورات للحق.
  5. الوصل السابع والعشرون[55]
  6. في أنّ الوجود المطلق لا اسم له ولا رسم له
  7. قال :
  8. «ومتى تقرَّر هذا عرفتَ أنّ الحقَّ هو الوجودُ المطلقُ الذي لا اختلافَ فيه ولا تكثّرَ، بل هو محضُ الوجود بحيث لا يُمازجُه غيرُه، ولا يُخالطُه سِواه، وهو بهذا الاعتبار لا تركيبَ فيه ولا كثرة؛ بل لا اسمَ من الأسماء الحقيقيّة ولا رسمَ، بل لا نعتَ له ولا وصفَ؛ فإنّ الصّفات والأسماءَ والأحكامَ لا تُنسبُ إلى الذات المطلق من غير اعتبار التعيّنات ووجوه التّخصّصات، وسلبُ ما عدى الإطلاق المحض عنه ـ الّذي يَستلزمُ سلبَ الأحكام والأوصاف والتّعيّنات الحقيقيّة ـ حكمٌ سلبيٌّ مبدءُهُ تعيّنٌ غيرُ حقيقيٍّ، فلا يصحَّ المناقضةُ عند التّحقيق.
  9. فتأمّل ذلک».

وصل بيست و هفتم: اسم و رسم نداشتن وجود مطلق

  1.  
  2. وقتى اين مطلب (وحدت شخصىِ حقيقتِ وجود) ثابت شد، شناختيد كه حق‌تعالى وجود مطلق است كه در وى اختلاف و تكثّر راه ندارد، بلكه حق‌تعالى محضِ وجود است؛ به‌طورى كه غيرى با وى ممزوج نيست، و ديگرى با وى مخلوط نمى‌باشد. در حق به اين اعتبار (يعنى اعتبار حقيقى) تركيب نيست، و كثرت در وى وجود ندارد، بلكه اسمى حقيقى ندارد و داراى رسم نمى‌باشد، بلكه نعت و وصف ندارد؛ زيرا صفات و اسما و احكام بدون اعتبار تعيّنات و صورت‌هاى تخصّص‌ها، به ذات مطلق منسوب نيست. سلب غير اطلاق محض از حق‌تعالى ـ كه مستلزم سلب احكام و اوصاف و تعيّنات حقيقى است ـ حكمى سلبى (به بيان ما حكمى ذهنى) است كه منشأ آن، تعيّن غيرحقيقى مى‌باشد. بنابراين، به نظر تحقيق، مناقضه (و نقض و رد كردن سخن ديگرى) با آن صحيح نيست. پس در اين‌باره انديشه كنيد.

أقول :

  1. متى تقرَّر أنّ الكونَ الحقيقيَّ العينيَّ القائم بنفسه القيّومَ لغيره، هو الكون المطلق، ولا شکَّ أنّه هو الواحدُ الحقيقيُّ بمعنى أنّ ما عداه ـ من الماهيات والخصوصيّات من حيث هي كذلک ـ عَدَماتٌ، ظهَر لمن طهَّر قلبَه عن الأدناس الطّبيعيّة وأخلصَ قلبَه وقواه عن العقائد التّقليديّة والصّور الخياليّة والوهميّة، أنّ الحقَّ سبحانه هو الوجودُ المطلقُ الذي لا اختلاف فيه ولا تكثّر؛ فإنّه إنّما يقتضي لذاته الوحدةَ الذاتيّةَ الحقيقيّةَ؛ إذ هي أوّلُ اسمٍ وأوّلُ عبارةٍ يُعبّرُ بها عنه، وذلک لأنّ التكثّرَ والاختلافَ إنّما يُعقلُ في ما يصحُّ أن يُتصوَّر فيه الإثنينيّةُ والتّعدّدُ، وحيث يُختَصُّ بعضُه بحكمٍ دونَ الآخر.
  2. وأمّا الواحدُ الحقيقيُّ المطلقُ الشّاملُ للكثير الذي سواه نفيٌ محضٌ وعدمٌ صرفٌ، كيف يصحُّ أن يكون عُرضةً للكثرة والاختلاف، نعم الاختلافُ والتّكثّرُ يُتوهَّمُ في مراتب تنزّلاتِه ومجالي ظهوراتِه بحسب شؤونه الذاتيّةِ وأحوالِه، وذلک حيثُ تُصادَمُ النّسبُ الأسمائيّةُ، واختُلف الإضافاتُ الاعتباريّةُ.
  3. وأمّا حضرةُ الإطلاق الذاتي ـ المعبّر عنه عند القوم بـ ِ «غيب الهويّة» و «اللّا تعيّن» ـ فلا مجالَ للاعتبارات فيه أصلا، حتّى عن هذا الاعتبار أيضآ، فلا يشوبه من اللواحق الاعتباريّة شيءٌ أصلا؛ بل هو محضُ الوجود البحت بحيث لا يُمازجُه غيرُه ولا يُخالطُه سِواه، فهو بهذا الاعتبار ـ أي: باعتبار إطلاقه الذاتي ـ لا تركيبَ فيه ولا كثرة؛ بل لا اسمَ له من الأسماء الحقيقيّة ولا رسمَ؛ إذ الاسمُ على اصطلاحهم هو الذّات باعتبار معنىً من المعاني ـ عدميّةً كانت أو وجوديّةً ـ يسمّون ذلک المعنى بالصّفة والنّعت، فلا اسمَ حيث لا صفة، ولا صفة حيث لا اعتبار مع الذات؛ إذ الذات بهذا الاعتبار هو المطلق من غير اعتبارِ شيءٍ من التعيّنات ووجوه التخصّصات، فيكون مجرّدآ عن سائر الأحكام والأسماء[56]  إلّا أنّ هذا الاعتبار لمّا اعتُبر حصَل للذات باعتباره إسمٌ، لكنّه ليس
  4. من الأسماء الحقيقيّة؛ إذ ليس حصوله باعتبار معنى مع الذات، بل بعدم اعتبار المعاني، وكونُ هذا معنىً من المعاني لا يُدفعُ هذا الأصلُ، فإنّه ليس من المعاني الحقيقيّة؛ إذ طبيعتُه إنّما هي نفيُ اعتبار المعنويّة وسلبُها، فيكون عروضُ المعنويّة لها إنّما هو بالفرض والاعتبار، فلهذا قيَّد الأسماءَ بالحقيقيّة، وعُلِمَ من هذا أنّه لا رسمَ له؛ ضرورة أنَّ الرَّسم إنّما هو بالخواصّ، وهي صفاتٌ خاصّةٌ بالشَّيء، وانتفاءُ العامّ يَستلزمُ انتفاءَ خواصِّه.
  5. وأمّا قوله: «وسلبُ ما عدا إلاطلاق عنه» فهو جوابُ دخلٍ مقدّرٍ. وتقريرُ ذلک: أنّ القاعدةَ القائلةَ بأنّ اعتبارَ المعاني والأحكام للذات موقوفٌ على اعتبار مبدئها من صنوف النِّسب ووجوه التّعيّنات، منقوضةٌ بنفس هذا الحكم؛ فإنّ سلبَ ما عدا الإطلاق حكمٌ من الأحكام مع أنّه لا يقتضي شيئآ من ذلک، وإلّا يلزم خلافُ الفرض[57] .
  6. فأجاب عنه: بأنّ هذا وإن كان حكمآ، إلّا أنّه حكمٌ سلبيٌّ، فمبدئُه يكونَ تعيّنآ غيرَ حقيقيٍّ، والكلامُ في التّعيّن الحقيقي والأسماءِ الحقيقيّة، فلا يصحُّ المناقضةُ به ـ أي: النقض الإجمالي ـ وإن كان بحسب الأغلب الأكثر إنّما يُطلقُ على النّقض التّفصيلي، إلّا أنّ الأظهرَ هيهنا هذا.
  7. فإن قلت : التعيّناتُ مطلقآ ـ على ما ذهبتم إليه ـ لا تكون أمورآ حقيقيّةً؛ بل اعتباريّةً عدميّةً ـ سواءٌ كان مبدءً للأحكام الوجوديّة أو السّلبيّة ـ فلا وجهَ حينئذ للتّخصيص.
  8. قلت : إنّ التعيّناتِ كلَّها وإن كانت أمورآ اعتباريّةً، إلّا أنّه فرقٌ بين ما يكون مبدءً للأسماء الحقيقيّة منها وبين ما لا يصحّ لذلک، وذلک لأنّ العقلَ إذا اعتَبر مع الذات معنى آخَرَ ـ سواءٌ كان وجوديّآ أو عدميّآ ـ حصل للذات باعتبار ذلک المعنى إسمٌ من الأسماء الحقيقيّة بخلاف ما إذا اعتبَرها مجرّدةً عن سائر المعاني والأحكام، حتّى عن نفس هذا الاعتبار أيضآ، فإنّه بهذا الاعتبار لا يكون لها تعيّنٌ ولا صورةٌ مخصوصةٌ يَصلحُ أن يكون مبدءً دون الأوّل، إلّا أنّه لمّا تصوَّره النّفسُ فباعتبار كونه متصوَّرآ فيها حصَل، وباعتبار خصوصيّة المحلّ تعيَّن بالعَرَض مُكْتَسَبٌ منه، ولو لم يُلاحِظْهُ النّفسُ لا تَستدعيه نفسُه، فهذا هو التعيّن الغيرُ الحقيقيُّ الّذي هو المبدء للأحكام السّلبيّة، الذي نحن بصدده، والمصحّحُ لإطلاق لفظِ «اللّا تعيّن» و «الوجود المطلق» و «غيب الهويّة» هو هذا الاعتبار.
  9. لا يقال: فلا يبقى مع هذا الاعتبار حينئذ على إطلاقه الصِّرف؛ فإنّ للعقل أن يُجرّدَ عنه مع عروضه له؛ إذ في وسع العقل أن يُجرّدَ الأمورَ عن الأوصاف المقصودة هي بها، كما في مسألة مجهول المطلق والمعدوم المطلق وسائر المطلقات على ما سبَق، فتنبَّة.
  10. ثمّ تدبَّر قولَهم في مَجمع الأضداد وحضرة تضايق الأضداد، وكذا في المسألة الغامضة ـ التي لا مجالَ للعقل الصرف فيها أصلا ـ إلّا مع تلطيفٍ من السِّرّ وتخليصٍ للتوجّه، عسى أن يلوحَ له الحقُّ على مَدْرَجَتِه وقولُه: «فتأمّل» إشارةٌ إلى مثل هذه الدّقائق.
  11. إثبات الوجود المطلق لله تعالى:
  12. عندما ثبت أن الوجود الحقيقي الفعلي الذي يكون قائمًا بذاته ويكمل الآخرين هو الكون المطلق، فإنه لا شك أنه حقيقة ثابتة. لأنَّ الماهيات والخصوصيات التي لا تتعلق به، من حيث كونها ماهيات وخصوصيات، ليست سوى العدم أو أمور تدل على عدم. هذا يظهر لمن طهَّر قلبه من أدران الطبيعة وأزال عن عقله الاعتقادات التقليدية والصور الخيالية والوهمية، أن الله سبحانه وتعالى هو الوجود المطلق الذي لا يوجد فيه اختلاف ولا تعدد. لأن الوجود، من حيث ذاته، يقتضي الوحدة الذاتية الحقيقية. الوحدة هي أول تعيُّن، وعبارة تعبر عن الذات الإلهية في مقام الوحدة الذاتية (التي تعني مقام الأحدية). كما أن الاختلاف يحدث في الأماكن التي يمكن تصور التعدد أو الثنائية.
  13. أما الوحدة الحقيقية المطلقة التي تشمل الكثرة (أي مظاهر الوجود غير المحدودة)، فلا يمكن أن يحدث فيها التعدد أو الاختلاف، لأنه لا شيء سوى هذا الوجود. الاختلاف والتعدد يحدث في مراتب النزول والتجليات، وهذا في مراتب وهمية أو اعتبارية في الذهن.
  14. في مقام الإطلاق الذاتي (الذي يعبر عنه العرفاء بـ “غيب الهوية” و”لا تعيّن”)، لا يوجد مكان للاعتبارات المتعددة، حتى هذا الاعتبار نفسه غير موجود هناك. لذلك، لا يمكن أن تتلوث الذات الإلهية بأي تأثيرات اعتبارية أو أعراض، بل هي مجرد وجود صرف. أي أن الذات الإلهية لا تتحد بأي شيء، ولا تخالط أي شيء، وهذا يعني أنه لا يوجد فيها تركيب أو كثرة. كما أن هذه الذات لا تحمل أي اسم من الأسماء الحقيقية أو الألقاب الرسمية، لأنه لا يوجد تعيُّن أو وصف حقيقي لها.
  15. عن مقولة الغزالي في سلب غير الإطلاق المطلق:
  16. الجواب على هذا الاعتراض هو أن سلب غير الإطلاق المطلق عن الله تعالى، رغم كونه حكمًا سلبيًا، لا يعني بالضرورة أنه ناتج عن تعيُّن غير حقيقي. في الواقع، سلب غير الإطلاق هو حكم سلبي، ولا يتطلب مبدأ من حيث الاعتبارات أو التعينات غير الحقيقية.
  17. التعيُّنات والصفات:
  18. رغم أن جميع التعينات هي أمور اعتبارية، إلا أن هناك فرقًا بين التعينات التي تُنتج الأسماء الحقيقية وتلك التي لا تصلح لأن تكون مبدأ لهذه الأسماء. عندما يقوم العقل بإعطاء معنى معين (سواء كان وجوديًا كالعلم والقدرة، أو عدميًا كالتقدس والقدسية)، يتم بناء اسم من الأسماء الحقيقية استنادًا إلى هذا المعنى. لكن إذا نظر العقل إلى ذات الله باعتبار أنه منزَّه من كل المعاني والأحكام، فإن هذه الذات لا تملك أي تعيُّن أو صورة خاصة، وبالتالي لا يمكن أن يكون لها اسم حقيقي.
  19. التعيُّن والتخصص:
  20. التعيُّن يختلف عن التخصص. التعيُّن هو الحالة التي لا يكون فيها شيء ذو وصف محدد أو صورة معينة، بينما التخصص يتعلق بتخصيص اسم أو صفة لحالة معينة، مثل تخصيص اسم “العالم” للعلم، و”القدير” للقدرة.
  21. الوجود المطلق:
  22. الوجود المطلق لله تعالى هو وجود لا يحده تعيُّن ولا تخصُّص، فلا يمكن أن نقول عنه “العالم” أو “القدير” في ذاته، إلا عندما يكون هذا الوجود في عالم التعينات والتجليات.
  23. الوجود المطلق:
  24. الوجود المطلق لله تعالى هو وجود لا يحده تعيُّن ولا تخصُّص، فلا يمكن أن نقول عنه “العالم” أو “القدير” في ذاته، إلا عندما يكون هذا الوجود في عالم التعينات والتجليات. الوجود المطلق هو حالة تامة من البساطة، وهي لا تحتوي على أي تركيب أو تنوع. هذه البساطة المطلقة هي التي تميز الله عن سائر الموجودات، حيث لا تشوبه أي صفات إضافية أو تعينات. وبالتالي، يُعتبر هذا الوجود هو الجوهر الذي لا يمكن تعيينه أو تحديده بأية صفة.
  25. التعيُّنات في مقام التجلي:
  26. عندما يُقال عن الله تعالى أنه “العالم” أو “القدير”، فهذا ليس في ذاته بل في مقام تجليه في الكائنات. بمعنى آخر، الأسماء الحسنى والصفات الإلهية تظهر عندما يتجلى الله في المخلوقات. هذه الأسماء والصفات هي بمثابة مرايا تعكس تلك الحقيقة المطلقة التي لا يمكن أن تكون محددة أو معروفة إلا من خلال تجلياتها في هذا العالم. لذلك، لا نقول عن الله في ذاته “العالم” أو “القدير” إلا بعد أن يتجلى بصفاته في الكون.
  27. التجلي وظهور الأسماء:
  28. التجلي هو ظهور الوجود المطلق في صور وأشكال متعددة من خلال مخلوقات الله. هذه الأشكال هي التي تُظهر صفات الله وتُسمى بالأسماء الحسنى. إذا كان الله تعالى في ذاته هو الوجود المطلق، فإن تجلياته في الكائنات هي ما يتيح لنا أن نُدرك شيئًا من تلك الأسماء والصفات. فإذا كان الله قد تجلى في صورة الخلق، فإننا نراه في مظاهر الكمالات الإلهية.
  29. عدم التعدد في الوجود الإلهي:
  30. لا يمكن أن يكون هناك تعدد حقيقي في ذات الله، لأن التعدد يقتضي وجود عدة عناصر أو كيانات مستقلة عن بعضها، بينما الله تعالى هو الوجود الواحد الذي لا يحده شيء ولا يشاركه أحد في كماله. إذا كانت هناك مظاهر متعددة للوجود، فإن هذه المظاهر هي تجليات ذلك الوجود المطلق، وليست كيانات مستقلة في ذاتها.
  31. التفسير العقلاني للهويتين:
  32. التفسير العقلي للهويتين، أي الذات الإلهية وتعيُّناتها، يتطلب منا النظر إلى الله لا على أنه كيان معزول أو محدود، بل باعتباره أساس الوجود الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار تجلياته في الكون. في هذا السياق، يصبح من الصعب التحدث عن الله تعالى بمفردات أو لغة بشرية، لأن الله ليس مفهومًا يمكن أن يُدرَك في حدوده المألوفة.
  33. الغاية من التعينات:
  34. غاية التعينات والتجليات الإلهية ليست سوى إظهار جمال الله وكماله في مختلف صور الخلق. الله يتجلى في الكون بطرق مختلفة لكي يتعرف عليه المخلوقات، لكن هذه التعينات ليست إلا ظلالًا أو صورًا من الوجود المطلق الذي هو الله.
  35. الموقف من الفكر الفلسفي:
  36. عند النظر إلى الفكر الفلسفي، نجد أن الفلاسفة قد حاولوا تفسير الوجود الإلهي من خلال مفاهيم عقلية مجردة، مثل مفهوم “الوجود” أو “الواجب الوجود”. بينما نجد أن المتصوفة والعرفاء قد حاولوا تجاوز هذه المفاهيم العقلية للوصول إلى فهم أعمق وأوضح للوجود الإلهي. فالمتصوفة يرون أن الله لا يُدرك بالعقل وحده، بل من خلال تجربة روحية مباشرة، حيث يشعر الإنسان بالوجود الإلهي في قلبه وفؤاده.
  37. الوجود لا يمكن تحديده:
  38. الوجود الإلهي هو أمر لا يمكن تحديده من خلال العقل المجرد أو من خلال التصورات البشرية. العقل البشري لا يستطيع أن يدرك الوجود الإلهي في جوهره لأن هذا الوجود يتجاوز حدود الفهم البشري. لذلك، فإن الفكر البشري لا يستطيع أن يحدد أو يصف الوجود الإلهي إلا عبر صور ومفاهيم رمزية أو مجازية.
  39. المعرفة الإلهية:
  40. الإدراك المباشر:
  41. من المهم أن نلاحظ أن المعرفة الإلهية لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الإدراك المباشر والتجربة الروحية. الفلاسفة قد حاولوا الوصول إلى فهم الله من خلال الفلسفة العقلية، لكن المتصوفة يرون أن هذا الطريق لا يكتمل إلا عندما يتجلى الله في قلب الإنسان. المعرفة الإلهية هي معرفة فريدة، تختلف عن المعرفة الحسية أو العقلية التي نستخدمها في عالمنا المادي. إنها معرفة نابعة من القلب، حيث لا يحتاج العارف إلى مفاهيم أو استدلالات عقلية للحديث عن الله، بل هو يعرفه في أعماق ذاته.
  42. التجربة الروحية والمباشرة:
  43. التجربة الروحية هي الطريق الذي يسلكه العارف للوصول إلى الله تعالى. هذه التجربة تتجاوز جميع المفاهيم الفكرية، حيث يتمكن الإنسان من العيش في حالة من الاتصال المباشر بالله. في هذه الحالة، يصبح الشخص “متوحدًا” مع الوجود المطلق، ولا يرى أي تفريق بينه وبين الله. إنه يصل إلى حالة من التحقق، حيث يتلاشى كل ما هو غير إلهي في ذاته، ويبقى الله وحده في الوجود.
  44. الشرط العقلي والموافقة القلبية:
  45. على الرغم من أن العقل لا يستطيع إدراك الله في جوهره، إلا أن العقل له دور في تهيئة النفس للاتصال بالله. العقل يعين العارف على فهم الحقائق، ولكنه لا يملك القدرة على الوصول إلى الله مباشرة. من خلال صفاء القلب وفتح أبواب الروح، يتمكن الإنسان من الوصول إلى الله عن طريق موافقة القلوب وتعميقها في الحب الإلهي. هذه الحالة هي التي تتيح للإنسان أن يشعر بالوجود الإلهي في حياته اليومية.
  46. الفلسفة والعرفان:
  47. بينما يسعى الفلاسفة إلى فهم الله من خلال أساليب تحليلية ومنطقية، فإن العرفاء يرون أن الفلسفة وحدها لا يمكن أن تكشف عن حقيقة الله. الفلسفة قد تساعد في فهم بعض جوانب الوجود الإلهي، ولكن لا يمكنها الوصول إلى الجوهر العميق لهذا الوجود. العرفان يعتمد على التجربة الذاتية المباشرة التي يتم من خلالها “كشف” الله للإنسان، وهو أمر لا يمكن تحليله أو تفسيره بالأدوات العقلية العادية.
  48. الوحدة مع الله:
  49. في الفهم العرفاني، الوحدة مع الله ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي حالة وجودية يعيشها العارف. في هذه الحالة، يكون العارف قد تجاوز جميع الفواصل بينه وبين الله، ويدرك أن كل شيء في الوجود هو تجلٍّ لله. الوحدة مع الله هي تجسيد لحقيقة أن الوجود الإلهي هو الوجود الوحيد الحقيقي، وكل شيء آخر هو مجرد تجليات له. لهذا السبب، يمكن للعارف أن يرى الله في كل شيء، وفي كل لحظة من لحظات الحياة.
  50. الغاية من المعرفة الإلهية:
  51. الغاية من معرفة الله هي الوصول إلى حالة من الكمال الروحي والإنساني. معرفة الله لا تُسعى لأجل العلم المجرد، بل من أجل الوصول إلى الحقيقة التي تُغيّر الإنسان من الداخل. هذه المعرفة هي التي تجعل الإنسان قادرًا على العيش في تناغم مع الكون ومع نفسه. عندما يتحقق الإنسان من وجود الله في قلبه، يشعر بالسلام الداخلي والرضا، وتُصبح حياته مليئة بالمعنى والهدف.
  52. التحقق الروحي والمعرفة الذاتية:
  53. التحقق الروحي هو العملية التي من خلالها يُدرك الإنسان حقيقته الذاتية ويكتشف نفسه في ضوء المعرفة الإلهية. بمعنى آخر، لا يتم الوصول إلى المعرفة الحقيقية لله إلا عندما يتعرف الإنسان على ذاته ويحقق انسجامًا داخليًا مع الوجود. هذا التحقق يتطلب تجاوز الحواجز النفسية والعقلية، ويحتاج إلى صبر وتفكر وتأمل عميق في الذات الإلهية. في هذه الحالة، تتجلى المعرفة الإلهية في قلب الإنسان، ويعيش في حالة من التواصل الدائم مع الله.
  54. الفصل التالي
  55. أما قوله: “وسلب ما عدا إطلاقه عنه”، فإنه يتناول حقيقة الإطلاق في الوجود، ويناقش الإشكاليات المتعلقة بهذا الموضوع.
    ومن الأمور المهمة في فهم ومعرفة هذا الاتصال، هي ملاحظة المبادئ الثلاثة التالية:
  56. أ. إن الحق تعالى في مقام اللاتعين وغيب الغيب له أسماء وصفات لاتعيُّن، أي “الرحمن الكامل”، “الجبار الكامل” وغيرهما. فتصور أن الله تعالى في مقام الهوية المطلقة ليس له اسم أو صفة إنما المقصود بذلك هو الأسماء والصفات المتعيِّنة، أما الأسماء والصفات فهي عين الذات، والذات اللاتعيُّن لها أسماء وصفات لاتعيُّن. من هنا، لا مجال للحديث عن الاعتبار والمعتبر في هذا المقام. ولكن حديثنا عن هذا المقام اللاتعين هو مجرد تعبير ذهني غير تام، وهو من بناء العقل والفكر.
  57. ب. نزول الحق تعالى في مراتب الوجود وتعين الذات في مقام الأحدية – بإجمال – وفي مقام الواحدية – بالتفصيل – يسبب ظهور الأسماء والصفات وكذلك ظهور وتجلي مظاهر علمية لها، وهي الأعيان الثابتة. وتعتبر هذه الظهورات الإسمية والصفاتيّة حقيقة كاملة ولا يتطرق إليها أي اعتبار أو افتراض، إذ أن الاعتبار والمعتبر هما أيضاً من مظاهر الأسماء الإلهية في العوالم السفلية، وهي حقيقة وواقعية من حيث الظهور. على الرغم من أن لا اعتبار في دائرة الحقيقة والوجود خارجًا عن هذه الظهورات.
  58. ج. ما نقوله من حكاية أو تقرير فكري وذهني حول تلك الحقيقة وهذه الحقائق، هو ناقص واعتباري، وليس حقيقيًا. وبالتالي، فإن الهوية المطلقة والأسماء والصفات غير ما نخبر عنها في تقاريرنا الذهنية.
  59. أما العبارة “لا تكون أمورًا حقيقية بل اعتباريّة عدمية”، فهي تحتوي على مغالطة واضحة. ما هو هذا القول الذي يقول بأن كل التعيّنات اعتباريّة؟! لقد كنا في صدد إثبات وحدة الحقيقة الوجودية الشخصية، وأن التعدد ليس سوى ظهورات لهذه الحقيقة الواحدة. من أين أتيتم بهذا الاعتبار؟ كيف يكون الله تعالى هو الحقيقة، وكل قواه وأسبابها اعتباريّة؟! كيف يكون هذا الخالق، ومخلوقاته اعتباريّة وعدمية؟!
  60. أما مراد العبارة “فلا وجه حينئذٍ للتخصيص”، فيعني أنكم قد قلتم بأن الأسماء والصفات الإلهية اعتباريّة، بينما الأسماء والصفات الخلقية حقيقية. عجبًا! كيف يمكن أن تكون الصفات الخلقية حقيقية، لأنها تعيّن في ذاتها، بينما الصفات الإلهية هي اعتباريّة؟! نعم، التعيّن موجود في مراتب الحقيقة الوجودية، ولكنكم جعلتم الاعتباريّة خاصّة بالأسماء والصفات الإلهية.
  61. أجاب الشارح: نعم، رغم أن كل التعيّنات هي اعتباريّة، إلا أن الأسماء والصفات الإلهية هي اعتباريّة من حيث أن التعيّن ليس ذاتيًّا فيها، ولذلك فهي ليست مطابقة للذات، وإنما هي مجرد اعتبار. وبعبارة أخرى: الفرق بين الممكنات والحق تعالى هو أن الممكنات متعيّنة في ذاتها، وأما نحن فنعطيها تعيّنًا يتوافق مع حقيقتها، وبالتالي تصبح صفات حقيقية. أما الحق تعالى، في ذاته ليس متعيّنًا، وبذلك فإن التعيّن الذي نعطيه له هو تعيّن صناعي، ومن ثم تصبح الصفات اعتباريّة.
  62. أما مراد العبارة “إلا أنه لما تصوَّره النفس فباعتبار كونه متصورًا فيها حصل، وباعتبار خصوصيّة المحل تعيّن بالعرض مكتسب منه”، فهو أن العقل، عند تصوره لعدم وجود أي اعتبار في ذات الله، يخلق، بناءً على ضيق التعبير، تعيّنًا عرضيًّا في ذاته، وهذا التعيّن ليس له أثر في الخارج من دون اعتبار العقل. لذلك، لا يمكن لهذا التعيّن غير الواقعي أن يكون مصدرًا لاسم الذات. من هنا، تُسمّى الحقيقة في العقل بـ “اللاتعيّن” و”الوجود المطلق” و”غيب الهوية”، بينما هي مجرد ألفاظ لا تدل على التعيّن الفعلي.
  63. أما مرادنا من التأمل في كلام العرفاء الذي قالوا “مَجمع الأضداد وحضرة تضايق الأضداد”، فيشير إلى أن تضيق الأضداد والتناقض بين الأسماء والصفات الإلهية يوجد فقط في مجال المفهوم الذهني. فإذا كانت “الهادي” لا تتفق مع “المضل” فلا يمكن أن يقال عن “الهادي” إنه “مضل”، وكل هذا يحدث في مجال الحكاية، ولكن في المجال المحكي، “المضل” هو “الهادي”، و”الهادي” هو “المضل”، كما أن “الأول” هو “الآخر”، و”الظاهر” هو “الباطن”. إذن، كل هذا التضاد والتضايق لا يوجد في المجال المحكي الحقيقي.
  64. ويمكن القول أن كلام الشيخ أبو حامد والشارح في هذا المقام ليس دقيقًا. حيث كان يجب أن نأخذ في الاعتبار مواضيع عالية لا يمكن أن تُعبّر عنها كلماتهم. ما يجب أن نفهمه هو أن مجال التقييم الذهني ليس هو المجال الربوبي. في مجال اللاتعيّن الربوبي، وفي مجال تعيّن الأحدية والواحدية وظهوراتها، لا يتعلق الأمر بأي اعتبار نفسي أو ذهني. نعم، نحن ننقل هذه المراتب والمقامات الربوبية من خلال عقولنا، ولذلك فإن بياننا لها يعتمد على الاعتبار، وهو مقيّد بصحة وقوة حكايتنا عن المحكي.
  65. الوصل الثامن والعشرون
  66. في كيفيّة تفريع التفصيل الأسمائي وتوقيفيّة الأسماء الإلهيّة
  67. قال :
  68. « واعلم أنّ تلک الهويّةَ المطلقةَ الواحدةَ بالوحدة الحقّة الحقيقيّة تَلزمُها النّسبةُ العلميّةُ أوّلا بحصول نفسها في نفسها لنفسها، وتَلزمُها بتوسّط هذا اللّازم الواجبيّة بالذات والموجبيّة والمفيضيّة وغيرها من الصّفات المترتّبة وغير المترتّبة اللّازمة لذاتها».

وصل بيست و هشتم: توضيح كيفيّت تفريع تفصيل اسمايى

  1.  
  2. و بدانيد كه آن هويّت مطلق (كه اين اطلاق نيز قيد آن نبوده و هويّت و مطلق نيز اسم آن نيست و) واحد به وحدت حقّ حقيقى است، به‌خاطر اين‌كه خود ذات در ذات براى خودش حاضر است، از آن نسبت علمى لازم مى‌آيد و به‌توسط اين لازم (يعنى نسبت علمى) واجبيّت ذاتى و موجبيّت و مفيضيّت و ساير صفات مترتّب و غير مترتّب ـ كه لازمِ ذات هستند ـ پديد مى‌آيد.

أقول :

  1. هذا شروعٌ في بيان تفريع التّفصيل الأسمائي على الإجمال الذاتي وكيفيّةِ انتشاءِ تلک الأسماء بأجناسها وأنواعها وأصنافها وتعيين متعلّقاتِ كلٍّ منها و مواطنِ اعتبارها، فإنّ لكلِّ اسمٍ مبدءً لا يَظهرُ ذلک إلّا في موطنٍ خاصٍّ من مواطن تنوّعاتِ الذات، ومرتبةٍ مخصوصةٍ من مراتب تنزّلاتها، لا يَطلقُ ذلک الاسم عليها إلّا بذلک الاعتبار، وهذا معنىً من معاني ما عليه ائمّةُ الشّريعةُ ـ رضي الله عنهم ـ أنّ أسماءَ الحقَّ توقيفيّةٌ، وذلک من أمّهات مسائل هذا الفنّ كما سبَق بيانُه في المقدّمة.
  2. ثمّ إنّ الكلام في هذه الرّسالة ـ كما سبَق غيرَ مرّةٍ ـ لَمَّا كان مع أهل النّظر والاستدلال وعلى نهجهم المسلوک في تقرير الحجج والبراهين، وجَب أن لا نَعْدِلَ عن مصطلحاتهم المتعارفة بينهم، ومخاطباتهم المتداولة لديهم؛ تنزيلا إلى مدارک أفهامِهم، عسى اللّه أن يُخلّصَهم من مضائق أوهامهم، ولأنّ التّنبيهَ على الكلمات المتداولة بين القوم وتنزيلَ كلام المصنّف على مصطلحاتهم واجبٌ في نظر التعليم، تسهيلا على الطالبين المسترشدين؛ إذ بين المعاني الذوقيّة الكشفيّة والألفاظ المعبَّر بها عنها في عرفهم مناسبةٌ خفيّةٌ، لها كثيرُ دخلٍ في إدراكها، لا يَطّلعُ على تلک المناسبة إلّا بنور الولاية ومشكاة النّبوّة، فحريٌّ بنا أن نَتعرّضَ في خلال هذه السّطور لِنَزْرٍ منها.

الوحدة الحقيقيّة الصمديّة والتعيّن الأوّل

  1. إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الذاتَ باعتبار اللّا تعيّن ـ المسمّاة بـ ِ «غيب الغيب» تارةً، و «الهويّة المطلقة» أخرى ـ يَمتنعُ أن يُعتبرَ فيها أمرٌ يَستلزمُ التعيّنَ والتقيّدَ ويَستدعي التكثّرَ والتعدّدَ :
  2. فأوّلُ ما اعُتبر فيها من المعاني الوصفيّة هي الوحدةُ الحقيقيّةُ الّتي لا يُتصوَّر اعتبارُ الكثرة والمغائرة فيها بوجهٍ من الوجوه، حتّى أنّ الكثرةَ لا تُغايرُ الوحدةَ بالنّسبة إليها، وكذلک الوحدةَ لا تُغايرُ الذاتَ.
  3. وتحقيقُ هذا الكلام ممّا سبق من أنّ الوحدةَ يطلق باعتبارين :
  4. أحدُهما: وهو الوحدةُ الذاتيّةُ المطلقةُ[62]  التي لا يعتبر في مفهومها ما يُشعرُ
  5. بتعدّد الوجود والإثنينيّة أصلا، حتّى أنّ عدمَ اعتبار الكثرة ـ لما فيه من الإشعار بمقابلتها للكثرة المستلزمة للإثنينيّة ـ غيرُ معتبرٍ في مفهومها.
  6. والثّاني : الوحدةُ الإضافيّةُ النّسبيّةُ[63]  الّتي هي عبارةٌ عن كون الشيء بحيث
  7. لا يَنقسمُ إلى الأمور المشاركة من حيث هو كذلک، وهذا هو الّذي يُقابلُه الكثرةُ بالعَرَض أو بالذات، والمعتبرُ هيهنا هو الوحدةُ بالمعنى الأوّل، والهويّةُ المطلقةُ عبارةٌ عن الوحدة بها، فتكونُ الذاتُ بهذا الاعتبار لها الإحاطةُ العامّةُ الّتي لا يَشذُّ عنها شيءٌ من المراتب حتّى المحسوسات، فتَلزمُها بهذا الاعتبار النّسبةُ العلميّةُ بحصول نفسها في نفسها لنفسها.
  8. ثمّ إنّ هيهنا نكتةً تَتضمّنُ فوائدَ لابدّ من الوقوف عليها، وهي أنّ للوحدة المعتبرة هيهنا اعتبارَيْن :
  9. أحدهما : متعلَّقُه طرفُ بطون الذات وخفائها وهو اعتبارُ إسقاطِ سائر النّسب والإضافات عنها، ويسمّى الذاتُ به «أحدآ».
  10. وثانيهما : متعلَّقُه طرفُ ظهور الذات وانبساطها واعتبارِ اثبات النّسب والاضافات كلِّها، ويسمّى الذاتُ به «واحدآ»، وبهذا الاعتبار يَصيرُ الذاتُ منشأَ الاسماء والصفات، وذلک في الواحد العددي ظاهرٌ، فإنّه إذا اعتُبر من حيث أنّه واحدٌ من غير أن يُعتبرَ المبدئيّةُ للأعداد، فهو الواحدُ المطلقُ الّذي ليس فيه تعدّدُ النِّسب والاضافات، وإذا اعتُبر من حيث أنّه مبدءٌ للأعداد حينئذ يَصير مبدءً للأسماء الغير المتناهية؛ مثل نصفيّةِ الإثنين وثلثيّةِ الثلاثة وربعيّةِ الأربعة، وهكذا إلى غير النّهاية؛ إذ به يحصل له باعتبار كلِّ مرتبةٍ من المراتب العدديّة نسبةٌ واسمٌ خاصٌّ ليس فيه شيءٌ من هذه النّسب والأسماء سوى محضِ الاعتبار.
  11. إذا عرفتَ هذا فنقول: لا شکَّ أنّ طَرَفي بطون الذات وظهورِها إنّما يَتمايزانِ بحسب المدارک والمشاهد وظهورِها لها باعتبارٍ وخفائها عنها بآخرَ، حتّى يسمّى بالأوّل ظاهرآ وبالآخر باطنآ. وأمّا بالقياس إلى الذات نفسِها، فلا ظهورَ على بطونٍ ولا بطونَ على ظهورٍ.
  12. فقد عُلِمَ بذلک: أنّ الوحدةَ بالنّسبة إلى الذات لا تمايز بين اعتبارَيْها أصلا، حتّى لا يَتميّزُ مسمّى الواحد فيها عن الأحد. فتأمَّل في هذه الدّقيقة فإنّ فيها أسرارآ جليلة، حقَّقنا اللّه وإيّاكم بالاهتداء إليها.

النسبة العلميّة

  1. ثمّ إنّ الذاتَ باعتبار اتّصافها بالوحدة الحقيقيّة تقتضي تعيّنآ يسمّى باصطلاح القوم بـ ِ «التعيّن الأوّل» تارةً وبـ ِ «الحقيقية المحمديّة» أخرى.
  2. لا يقال : التعيّنُ إنّما يُطلقُ على ما به الامتياز، ولمّا كان في هذه الحضرة ليس للغير أثرٌ ولا اعتبارٌ، ضرورةَ منافاته للوحدة المطلقة، لا حاجةَ لها إلى الامتياز، فكيف يُتصوّرُ التعيّنُ؟!
  3. لأنّا نقول : الامتيازُ تارةً يكون بحسب التقابل والتضادّ، وتارةً بحسب الإحاطة والشّمول، والمعتبرُ في تعيّن هذه الحضرة إنّما هو المعنى الثّاني كما سبَق تحقيقُ هذا.
  4. ثمّ إنّ التعيّنَ يقتضي التجلّيَ لذاته، فإنّ التعيّنَ هيهنا ـ على ما عرفتَ ـ هو توجّهُ الذات من كنه غيبِ هويّتها وعدمِ تناهيها إلى حضرة الإحاطة والتّناهي، وهو الظهورُ والتجلّيُ الأوّلُ المعبّر بـ ِ «النّسبة العلميّة». فالذاتُ بهذا التعيّن يقتضي أن يتجلّي على نفسها لنفسها، ظاهرةً لها بما اندمجت فيها من الشّؤون والأحوال واعتباراتها، واجدةً إيّاها، مُظْهِرةً لها، ثمّ حاضرةً عندها، فحصلتْ للذات باعتبار نسبتها إلى الشّؤون المذكورة أسماءٌ أربعةٌ هي الأسماءُ الأُوَل المسمّاة عندهم بـ ِ «مفاتيح غيب الذات»، المضافة إلى حضرة الهويّة في قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغيبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ»[64] ، وهي العلمُ الّذي هو الظهورُ،
  5. والوجودُ الّذي هو الوجدان، والنّور الّذي هو الإظهار، والشهود الّذي هو الحضور.
  6. وبيانُ كيفيّة اعتبارها على هذا الترتيب ظاهرٌ عند اللَّبيب الفَطِن، والمصنّفُ أشار إلى هذه الأسماء الأربعة هيهنا على الترتيب بعبارة تَليقُ بهذه الرّسالة، وإلى غيرها من الأسماء اللازمة لها المترتبة والغير المترتّبة، ذلک الترتيب المسمّاة بـ ِ «الأسماء الذاتيّة» فتأمّل.

اثبات العلم الاجمالي للحقّ تعالى في عين الكشف التفصيلي

  1. ثمّ إنّ هيهنا مقدّمةً أخرى لابدّ من الوقوف عليها، وهي أنّ الظهورَ المذكورَ لمّا كان مستلزمآ للشُّعور بسائر الشُّؤون والأحوال والاعتبارات للذات بمراتبها وأحوالها وأحكامها ولوازمها كلِّها حتّى المحسوساتِ على وجهٍ كلّيٍ جُمَليٍ، فمتعلّقُ الشُّعور المذكور :
  2. إمّا أن يكون الذاتُ في بطونها بحيث يكون الكلُّ ثابتآ مشاهدآ  كثبوت سائر المراتب العدديّة في الواحد مثلا، فحينئذ يسمّى هذا الشّعور في عرفهم بـ ِ «الكمال الذاتي» المستلزمِ للغنى المطلق الّذي هو عبارة عن ظهور الذات في بطونها على نفسها بالوجه المذكور بدون الاحتياج إلى التطوّر بالأطوار الغيريّة والأدوار السِّوائيّة أصلا. وإمّا أن يكون متعلّقُ الشُّعور المذكور، نفسَ الشُّؤون الذاتيّة، لا بإظهار ذواتها لأنفسها أو بإظهار بعضِها للبعض في المراتب، وحينئذ يُسمّى هذا الشعور بـ ِ «الكمال الأسمائي»[65] .
  3. إذا عرفت هذا، فاعلم: أنّه لا مغايرةَ بالاعتبار الأوّل بين الذات وكلِّ واحدٍ من الأسماء الأربعة، كما أنّه لا مغايرةَ بين كلِّ واحدٍ منها مع الآخر. وأمّا بالاعتبار الثّاني فبينهما تمايزٌ نسبيٌ، فلكلّ واحدٍ من العلم والوجود، هيهنا اعتباران؛ أحدهما: من حيث البطون، ولا امتيازَ بهذا الاعتبار بينهما أصلا. (و الآخر:) وأمّا من حيث الظّهور، فالوجودُ متعلَّقُه بهذا الاعتبار نفسُ الشّؤون المذكورة من جهة الظهور، وأمّا العلمُ فمتعلّقُه ذلک ايضآ، إلّا أنّه من حيث أنّها معلوماتٌ في عالم المعاني، فبينُ ظاهرِهما تمايزٌ نسبيٌ في هذه الحضرة الواحديّة.
  4. لا يقال : عبارةُ المصنّف هيهنا لا يطابق ما مَهَّده قبلَ هذا بالبرهان من إثبات التّوحيد الذاتي المطلق، ورفعِ التعيّن الخاصّ ونفيِ الإثنينيّة مطلقآ، وذلک لأنّ القولَ بالحصول العلمي[66]  المُشعـِر بوجودٍ مغايرٍ لم يكن، وكذا الموجبيّةِ
  5. المستدعيّةِ للعلّيّة، القاضيةِ بالتّباين، المستلزمةِ للتعيّن الخاصّ الواجبيّ ـ كما هو مذهب الخصم ـ في أمرٍ لا يمكن أن يُتصوَّر فيه سوى بروزٍ عن كمونٍ أو ظهورٍ عن بطونٍ، إنّما يُؤْذَنُ بالإضطراب وعدم الرّسوخ.
  6. لأنّا نقول : مرجعُ هذا النّزاع إلى مجرّد العبارة وارتكاب المصنّف هيهنا الألفاظ المذكورة وعدمِ تعبير المقاصد باصطلاحات القوم، وذلک لما التزمَه في صدر الرّسالة من إثبات المسألة على طريقة المشّائين، وسوق الكلام على أساليبهم ومصطلحاتهم، وأمّا بعد تحقيق معاني تلک الألفاظ وتبيين ما قصد منها هيهنا، فلا يَرِدُ شيءٌ من ذلک، فإنّه سيُصرّح في هذا البحث بعدم المغايرة بين الذات العاقلة[67]  والأعيان المعقولة[68] ، وأنّ الحصولَ هيهنا ليس بالمعنى
  7. المتداول عند المشّائين.
  8. على أنّا نقول: إنّ القولَ بالحصول العلمي والموجبيّة ـ حسَب ما حقَّقها المصنّفُ في كتابه المسمّى بـ ِ «الحكمة الرّشيديّة» المعمولة في تحقيق القواعد المشائيّة ـ لا يستدعي شيئآ ممّا ذكَرتم كما لا يخالفُ البروزَ والظهورَ فيه. وذلک لأنّه قال في الالهيّات ذلک الكتاب: «لا يَتحقّقُ الإدراکُ بمجرّد الحصول للأمر المجرّد فقط، ولا بأيِّ حصولٍ اتّفَق من الأنواع المندرجة تحت المطلق ـ كما سبَق بيانُه ـ بل المعتبرُ في تحقّقه هو حصولُ الشّيء للأمر المجرّد الّذي يكون مؤثّرآ فيه ضَرْبآ من التأثير.
  9. ثمّ إنّه لو كان موجِبآ له لذاته ـ أي: لذلک الشَّيءِ المُدرَک ـ من غير افتقاره في ذلک الإيجاب إلى غيره، لم يَحْتَجْ في إدراكه إلى اشتراطِ أمرٍ زائدٍ على ذلک الإيجاب، وإلّا ـ أي: وإن لم يكن موجِبآ ـ وجب أن يكون هناک شرطٌ آخرُ، وهو اقترانُه به؛ اقترانُ العَرَض بموضوعه، تأكيدآ لتحصيل مطلق التأثير المعتبر فيه. ولا تناقضَ بينه وبين ما ذهبنا إليه من الإيجاب؛ إذ الإيجابُ إنّما يُحصِّلُ الأثرَ بحيث يصير مع الموجِب كهو مع نفسه في الارتباط بينهما والقرب منه. وبيّنٌ أنّ اعتبارَ الأضعف لا يوجب عدمَ اعتبار الأقوى»، إلى هنا كلامُه.
  10. ولا يخفى على الفَطِن المستيقظ أنّ ملخّصَ هذا الكلام هو: أنّ الحقيقةَ الإدراكيّةَ ـ أي: الإدراک العقلي المنسوب إلى المجرّدات ـ ليس مطلقَ الحصول، بل الحصولَ الخاصَّ الذي هو عبارةٌ عن استحضار المؤثِّر أثرَه المتّصلَ به، ويَختلفُ ذلک ـ حسب اختلاف المدرِكين ـ في التأثير، فكلَّما كان المؤثّرُ أقوى في التأثير وأقلَّ احتياجآ إلى الوسائط، كان ذلک الاتّصالُ أقوى، وكلَّما كان أضعفَ وأكثرَ احتياجآ إلى الوسائط، كان ذلک الاتّصافُ أضعفَ.
  11. فمنهم مَنْ بلَغ في قوّة التأثير مبلغَ الإيجاب الذاتي الّذي يُحصِّلُ الأثرَ بحيث يصير المؤثّرُ كهو مع نفسه في الارتباط بدون الاحتياج إلى غيره من الوسائط والآلات، وهذا غايةُ القوّة في التأثير، لا يمكن أن يُتصوَّر لها مزيدٌ، فتكون النّسبةُ الارتباطيّة والرّقيقةُ الإيجاديّة الحاصلةُ له مع المدرَک أيضآ لا يمكن أن يَتصوَّر لها مزيدٌ في الوجود أصلا. ومنهم من بلَغ في الضَّعف إلى حيث لا يَقدرُ بدون إرادةٍ واختيارٍ زائدٍ عليه، ومع ذلک يحتاج إلى وسائطَ كثيرةٍ وأسبابٍ شتّى، وهذا نهايةُ الضّعف في التأثير، فكذلک النّسبةُ الارتباطيّة والرّقيقةُ الإيجاديّة في غاية الضّعف والبعد؛ حتّى ينتهي إلى المقارنة العَرَضيّة.
  12. فَعُلِمَ من هذا، أنّ لفظَيِ الحصول والإيجاب، مع عدم استدعائهما ما ذُكر من التّدافع وعدم التّطابق، يُفيدانِ ما يُستفادُ من لفظَيِ «البروز» و «الظهور» بأبلغِ وجهٍ وأتمِّ قصدٍ، مع دقائقَ لطيفةٍ وتنبيهاتٍ شريفةٍ لا يَعرفُها إلّا واحدٌ بعد واحدٍ من الأذكياء، وهكذا سبيلُ سائر المتداولات القدماء من الحكماء لا غبارَ عليه في إفادة التّحقيق وإيصال الحقّ إلى المسترشد الحقيق، إلّا أنَّ المتأخّرين من المشّائين لمّا دخلوا عليها ونَزَّلُوها على مُدرِكاتهم النّازلة المشوبة، وقعَ الاختلافُ والتّشويشُ؛ إذ تلک الألفاظُ إنّما أَخُذُوها خَلَفآ عن سَلَفٍ حتّى ينتهي إلى عُظَماء الكشف وأساطين النبوّة، مثل هرمس المسمّى بلسان الشّريعة بـ ِ «إدريس»  7، وآغاثاذيمون المسمّى بـ ِ «شيث»  7، وهما الإمامانِ المستندانِ لسلسلة القدماء في التّعليم والتّعلّم المخصوصان بتدوين الحكمة وتأسيس بنائها، ولا تغفل عن دقائق مرموزاتهم الشّريفة، فكم من خبايا في الزّوايا خفيّة.
  13. البداية في شرح تفصيل أسماء الذات الإلهية
  14. إنَّ بداية هذا الموضوع تتمثل في شرح تفصيل أسماء الذات التي تم الحديث عنها في الفصل السابق بصورة إجمالية، وكيفية انتشار وظهور هذه الأسماء، نزولها من الأجناس والأنواع والأصناف، وتحديد التعلقات التي تخص كلٍّ من هذه الأسماء (أي: أيُّ الأسماء خاضعة لحكم أي اسمٍ آخر)، وأماكن اعتبارها (وفي مصطلحنا: أماكن ظهور هذه الأسماء). إذ أنَّ لكل اسمٍ بداية معينة لا يظهر تنوع ذاتي له إلا في موطنٍ خاصٍ من مواطن الظهور، ولا يظهر إلا في مرتبة معينة من مراتب التنزل الذاتي، وهذا الاسم لا يُطلق على ذاتٍ إلا بحسب تلك المرتبة (أي الظهور). وهذه إحدى المعاني في مذهب أئمة الشريعة غير المعصومين، رضي الله عنهم، حيث تعتبر الأسماء توقيفية. وهذا الموضوع (السلطان الأسمائي والترتيب والتنظيم) يعد من أمهات مسائل هذا الفن (علم التصوف)، كما أُشير إليه في مقدمة الكتاب.
  15. من ناحية أخرى، كما تم التنويه عنه سابقًا، بما أنَّ الحديث في هذا الرسالة موجهٌ إلى أهل النظر والاستدلال، وفقًا للطريقة التي يسلكونها في تقديم حججهم وبراهينهم، فإنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن المصطلحات الشائعة في أوساطهم؛ حتى يكون كلامنا في متناول فهمهم وإدراكهم، عسى أن يوفقهم الله تعالى للخروج من ضيق الأوهام (الذهنية والفكرية). إذ إنَّ التنبه لمصطلحاتهم والتوافق مع أسلوب خطابهم يعتبر ضروريًا من وجهة نظر تعليمية؛ لأنَّ هناك علاقة خفية بين المعاني الذوقية المكتشفة والألفاظ الخاصة بها في عرف التصوف، وفهم هذه العلاقة له دور كبير في إدراك تلك المبادئ. ولا يمكن لأي شخص أن يطلع على هذه العلاقة إلا بواسطة نور الولاية والمصباح النبوي. لذلك، من الواجب أن نعرض بعضًا من هذه المصطلحات في أثناء هذه السطور.
  16. الآن، بعد أن أصبحتم على علم بالمفاهيم المذكورة، فاعلموا أنَّه في الذات الربوبية، باعتبار لا تعيّن لها – التي يُطلق عليها أحيانًا “غيب الغيب” وأحيانًا أخرى “الهوية المطلقة” – من المستحيل أن يُنظر فيها إلى أمر يستلزم التعيّن والتقيّد، ويطلب التعدد والاختلاف. وبالتالي، أول معنى من معاني الوصف التي تُعتبر في الذات هو الوحدة الحقيقية التي لا يمكن تصور التعدد والمغايرة فيها، حتى إنَّ التعدد لا يتناقض مع الوحدة الحقيقية في هذا السياق، وكذلك لا يتناقض الوحدة مع الذات.
  17. وقد مرَّ هذا الموضوع سابقًا في المقدمة، حيث يُطلق لفظ الوحدة على معنيين:
  18. المعنى الأول: هو الوحدة الذاتية المطلقة، التي في مفهومها لا توجد أي إشارة إلى التعدد أو الثنائية، بل حتى عدم الاعتبار للتعدد لا يُتصور في هذا المعنى؛ لأنَّ عدم التعدد نفسه يشير إلى مقابلة التعدد.
  19. المعنى الثاني: هو الوحدة الإضافية النسبية، التي تعني أنَّ الشيء واحد لدرجة أنه لا يُقسّم إلى أجزاء.
  20. وهنا، الذي نعتبره هو الوحدة بالمعنى الأول، وهي التي تشير إلى الهوية المطلقة التي تعني الوحدة المطلقة من حيث الشمول والاحاطة. ولذلك، لا يُستثنى شيء من مراتب الذات، بما فيها الحواسّ، من ذات الله. هذا يشير إلى أنَّ الضرورة الذاتية تتعلق بنسبة علمية هي التي تكون للذات تجاه ذاتها في نفسها.
  21. وفي هذا السياق، هنالك نقطة يجب التنبه إليها لأنَّها تتضمن فوائد مهمة، وهي أنَّ هذه الوحدة المطلقة لها اعتباران:
  22. الاعتبار الأول: هو اعتبار بطون الذات الخفي، حيث تتبخر جميع النسب والإضافات، وفي هذا الاعتبار، يُطلق على الذات “الأحد”، لأنَّ الأحدية هي الظهور الباطني للهوية المطلقة، على عكس الوحدانية التي هي الظهور الظاهري.
  23. الاعتبار الثاني: هو اعتبار الظهور والتوسعة، ويُطلق على الذات في هذا الاعتبار “الواحد”، ومن هذا المنطلق تنبع الأسماء والصفات. وهذا يشبه تمامًا عدد واحد في الرياضيات، حيث عندما يُعتبر الرقم “واحد” فقط بدون اعتبار للعدد المبدئي، هو في ذاته “واحد مطلق”، ولكن إذا اعتُبر كمصدر للأعداد، يصبح مبدأً لأسماء لا نهائية، مثل نصف اثنين، وثلاثة أرباع، وهكذا، وتبقى هذه الأسماء باعتبار مراتبها.
  24. عند فهم هذه المقدمة، نعلم أنَّ هناك تمايزًا بين بطون وظهور الذات، ويظهر ذلك بوضوح في السياقات العقلية والتجريبية، بحيث يطلق على الذات “الظاهر” من جهة الظهور و”الباطن” من جهة البطون. ومع ذلك، لا يوجد تمايز حقيقي بين الظهور والبطون في ذات الله، بل هما اعتباران ناتجان عن الإدراك.
  25. الآن، بعد أن تبينت هذه المعاني، نصل إلى أنَّ الذات باعتبارها متصفة بالوحدة الحقيقية تتطلب تعينًا أوليًا، والذي يُسمى أحيانًا “التعين الأول” أو “الحقيقة المحمدية” (من باب المظهرية)، إذ لا يوجد تعين خاص في هذا المقام.
  26. النص:
    بعد مقام اللاتعيّن والتعيّن لغيب الغيب والوحدة المطلقة ومقام الأُحدية، يصل الترتيب إلى مقام الواحدية. وهذا هو “الوجوب” الذي هو أصل جميع الأسماء والصفات؛ الوجوب الذي هو “الوجود”. ثم تأتي “الحياة”، وبعدها “العلم” و”القدرة”. إذاً، الوجود هو الوجوب، ولا يوجد شيء غير الوجوب في الوجود، وبعد الوجود يأتي العلم والقدرة. ورغم أن الحياة تتقدم على العلم والقدرة في لغة الروايات، إلا أن الحياة أعمّ من الوجوب وغير الوجوب، ولذا فهي متأخرة عن الوجود؛ لأن في لغة التصوف، لا وجود لغير الوجوب. لذلك، يمكن أن تكون الحياة هي ظهور الوجود والوجوب. وبالتالي، إذا أردنا أن نتبنى لغة التصوف والنقل، فإن الترتيب سيكون على النحو التالي: “الوجود، الوجوب، الحياة، العلم، والقدرة”.
  27. التفسير:
    في الجملة “فتأمل” في نهاية العبارة “والمصنف أشار إلى هذه الأسماء الأربعة هنا على الترتيب بعبارة تليق بهذه الرسالة”، يتم التنبيه إلى أن هذه الأسماء قد تكون أكثر من هذا العدد، بالإضافة إلى أن في هذه الأسماء الأربعة يوجد تكرار للوجوب؛ لأن الوجوب بذاته يُفهم منه هذا المعنى.
  28. النص:
    في العبارة “ثم إن هنا مقدمة لابد من الوقوف عليها”، يتحدث عن أن الظهور يتطلب الحضور. الحضور في الذات هو “كمال ذاتي”، والحضور في الصفات هو “كمال أسمائي”. إذاً، هناك نوعان من المعرفة: أحدها معرفة الذات بالذات، والأخرى معرفة الذات من خلال الصفات؛ أي معرفة الذات من خلال الصفات التي هي مجرد كثرة أسمائية ولا يوجد فيها ظهور فعلي أو فعلي في نظرها. هذان النوعان من المعرفة يتعلقان بالكمال، وفي نفس الوقت، فإن الحضور يتم في مكان التنزيل.
  29. إلهنا تعالى يمتلك نوعين من المعرفة في المستوى الأعلى والكمالي: أحدها هو معرفة الذات بالذات التي تتضمن معرفة جميع الأمور، أي أن في ذات الله، جميع الأمور غير مرتبطة بالأسماء موجودة. والنوع الآخر هو معرفة الذات بكل ما يترتب على الأسماء التي يمكن أن تكون تفصيلية.
  30. النص:
    في العبارة “فاعلم: أنه لا مغايرة بالاعتبار الأول بين الذات وكل واحد من الأسماء الأربعة، كما أنه لا مغايرة بين كل واحد منها مع الآخر”، يجب ملاحظة أن الأسماء الإلهية في مجال الظهور لها خصائص معينة وهذه الخصائص هي خصائص حقيقية وليست اعتبارية. فبالتالي، الوجوب سابق على الحياة، كما أن الحياة تسبق العلم، والعلم يسبق القدرة. والقدرة تأتي قبل الرزق، وكل تلك التقدمات والسلطات هي حقيقة. هذه التسلسل الزمني يحدث في مجال التعيينات والظهور. ولكن في المجال الباطني، جميع الأسماء هي عين الذات. وإذا كان هناك اختلاف في الأحكام والآثار، فإن هذا الاختلاف يتعلق بالظهور، أي في مجال المقارنة والتشابه، حيث أن كل اسم من الأسماء الإلهية هو بكل معنى من المعاني.
  31. النقد في العبارة “لا يقال: عبارة المصنف هنا لا تطابق ما مهده قبل هذا بالبرهان من إثبات التوحيد الذاتي المطلق” إلى “إنما يؤذن بالاضطراب وعدم الرسوخ” يقول:
  32. لقد قلت إن الذات هي غيب الغيوب، وهو الكنز المخفي الذي لا يمكن للتمييز أو الثنائية أن تتواجد فيه. التعيينات والاعتبارات هناك غير قابلة للتصور؛ لأنها بعيدة عن العقل والتصورات. ولكن الآن تذكر العلم الذاتي للذات الذي يثبت التباين والتمايز بين العلة والمعلول في الأفعال، وبالتالي، يثبت التعيّن الخاص في الواجب.
  33. الرد على الاعتراض:
  34. يقول: “نحن نقول إن مرجع هذا النزاع هو مجرد التعبير واستخدام المصنف هنا للألفاظ التي لا تعبر عن مقاصد الفلاسفة”. هذا يشير إلى أن الألفاظ المستخدمة قد تبدو مثيرة للاعتراض، ولكن في حقيقة الأمر، من غير الممكن التمييز بين هذه الألفاظ والتفريق بينها.
  35. النص:
  36. الوصل التاسع والعشرون
  37. في كيفية علم الحقّ بصفاتها ولوازمها
  38. قال :
  39. “ثمّ إنّ إدراكَها لذاتها، يَتضمّنُ إدراکَ سائر الصّفات التي تَلزمُها، لكونها عينَ ذاتها، وإدراکَ جميع ما تَستلزمُه تلک الصّفاتُ جَمْعآ وفُرادى”.
  40. التفسير:
  41. من جهة أخرى، فإن إدراكه (أي علمه) لذاته (أي علم الذات بذاتها) يتضمن إدراكه للصفات اللازمة للذات، لأن هذه الصفات هي عين الذات. وهذا الإدراك يتضمن أيضاً إدراك جميع ما تستلزمه تلك الصفات من أشياء، سواء كان ذلك جمعًا أو فرادى.
  42. أقول:
  43. لما كانت الهوية المطلقة تتطلب الظهور المذكور المسمى بـ “التجلّي الأول”، الذي يُعبَّر عنه بـ “النسبة العلمية”، فإنه لا بد من أن يتضمن هذا الظهور الشعور (أو كما نسميه: العلم) بكل الصفات التي تلزم الذات، لكون هذه الصفات عين الذات في هذا التعيّن (أي التعيّن الإحدى) رغم أنها تلزم الذات في تعيينات أخرى.
  44. وبهذا، يشمل الظهور أيضًا الشعور (أو العلم) بكل ما تستلزمه تلك الصفات من أحكام خاصة بكل واحدة منها، كما أنه قد تم التأكيد على أن جميع المراتب، بما في ذلك المحسوسات، تكون في تلك الحضرة مُشاهَدة على أنها عين الذات.
  45. كما قال الشيخ الأكبر:
  46. “أنا أنت، أنت نحن، نحن هو، والكل في هو هو، فسَلْ عمّن وصل.”
  47. وهذا هو المسمى بـ “الكمال الأسمائي”، بحيث يكون التعيّن المذكور متضمنًا للشعور بالكمال الذاتي والأسمائي، الذي هو ظهور الذات على نفسها في تعيّناتها الحاصلة بالفيض الأقدس (أي الأقدس من أن يكون المستفيض غير المفيض والإفاضة). وهذا هو الذي يُعبَّر عنه لديهم بـ “الجلاء” أو “الاستجلاء” في مظاهرها.
  48. التفسير التفصيلي:
  49. ذلك الظهور يتحدد في الصور الأربع ولا يمكن أن يكون أكثر من ذلك. فالظهور في المظاهر المتعيّنة على الذات إما أن يكون بحسب الظاهر، أو بحسب المظهر. أما الأول، فلا يُتصوَّر إلا من حيث شأن كلي ومظهر جامع لجميع شؤونها واعتباراتها، مثل “الإنسان الكامل”. فإن ظهور الذات الظاهرة على نفسها لا يكون إلا بكليتها وجمعيتها، وهذا لا يمكن إلا في مظهر يمتلك تمام الجامعية وكمال القابلية، وهو الإنسان الكامل. لأنه كما جاء في الحديث الشريف: “ليس كمثله شيء”.
  50. أمّا الثاني: فهو أن يكون ظهور الذات على نفسها بحسب المظاهر، فلا يخلو من أن يكون ظهورها على نفسها بخصوصيته المميّزة، مثل جزئيات العالم في حد ذاتها. فكل فرد من أفراد العالم له في حد ذاته ظهور على نفسه، وهو بداية التسبيح الذي ورد في قوله تعالى: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده”، أو أن يكون ظهور الذات على آخر من الأفراد المقابلة له في وجود المناسبات، مثل النسب الواقعة بين أفراد العالم من الموافقات والمنافرات.
  51. وبذلك، يمكن أن نستخدم هذه الأقسام جميعًا في قوله: “جمعًا وفرادى”.
  52. خلاصة التفسير:
  53. لما كانت الهوية المطلقة تقتضي هذا الظهور الذي سُمِّيَ “التجلّي الأول” (والذي يُعبَّر عنه بـ “النسبة العلمية”)، لا بد أن يتضمن هذا الظهور شعورًا (أو علمًا) بكل الصفات التي تلزم الذات. هذه الصفات هي عين الذات في التعيّن الواحد، ولكنها تُعتبر لازمة في تعيينات أخرى. كما أن هذا الظهور يتضمن شعورًا (أو علمًا) بما تستلزمه تلك الصفات من أحكام خاصة.
  54. فمن خلال هذا التفسير، يمكننا فهم كيفية ارتباط الذات بصفاتها وكيفية انعكاس هذه الصفات في المظاهر التي تحدد ظهورها في العالم.
  55. «أنا أنت، وأنت نحن، ونحن هو، وكلّنا في هو، هو، فاسأل عن الذي وصل»
  56. وهذا يُسمى بـ “كمال الأسماء”. لذلك، فإنّ التعيّن المذكور يتضمّن إدراكًا ذاتيًا وأسمائيًا، حيث يكون ظهور الذات على نفسها في تعيّناتها في ذاتها. هذه التعيّنات تحققت بفضل الفيض الأقدس، والمقصود بالـ “الفيض الأقدس” هو الفيض الذي يكون بعيدًا عن فكرة أن المُستفيض (أي الأسماء والمظاهر العلمية التي هي الأعيان الثابتة) غير المفيض (أي الذات) أو التفاضل. فالمستفيض عين المفيض وعين الفيض. وعند العرفاء، يُعبّر عن هذا بـ “الجلاء” أو في مظاهر الذات بـ “الاستجلاء” (الذي يعني الفيض المقدس والظهور العيني الذي لا يشوبه أي شبهة من التباين أو الغيرية). ويقتصر هذا الظهور على أربع صور فقط، ولا يتجاوزها، لأن الظهور في الذات في مظاهرها المتعيّنة على نفسها قد يكون إما بحسب الظاهر أو بحسب المظهر.
  57. الصورة الأولى: الظهور الذاتي بحسب الظاهر
    لا يُتصوّر إلا من حيث شأنٍ كليٍّ ومظهرٍ جامعٍ لجميع شؤونها واعتباراتها، مثل “الإنسان الكامل”. فالظهور الذاتي في مقام التعيّنات في ذاته (الذات تحت عنوان “الظاهر”، لا تحت عنوان “الذات”؛ لأنّ الذات لا تظهر إلا إذا تلبست بالظاهر) يكون بحسب الكلية، أي وحدوية جمع الذات. هذا الظهور لا يمكن أن يتحقق إلا في مظهرٍ جامعٍ يمتلك أكمل القدرة على استيعاب جميع الكمالات، حتى يتقبّل كل مقابلة له. هذا المظهر الوحيد هو الإنسان الكامل، ولا شيء غيره؛ لأنّ “ليس كمثله شيء”. وفي هذا السياق، إما أن يكون الظهور من حيث جمع هذا الشأن وكليته، كما في قوله تعالى: “وَمَا رَمَيْتَ إِذ رَمَيْتَ”، أو من حيث جزئياته التي تداخل معه، مثل نداء الشجرة لموسى عليه السلام: “إِنِّي أَنَا اللّهُ”.
  58. الصورة الثانية: الظهور الذاتي في المظاهر
    وهذا يكون ظهور الذات على نفسها بحسب المظاهر. في هذه الحالة، إما أن تظهر الذات بحسب تلك المظاهر التي تحمل خصوصيات مميزة، مثل جزئيات العالم في حدّ ذاتها بحسب مراتبها؛ لأن كل فرد من أفراد العالم له في حد ذاته ظهور على نفسه، وهذا هو مصدر التسبيح المشار إليه في قوله تعالى: “وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ”.
    أو قد يكون ظهورها على الآخرين من أفراد العالم بناءً على العلاقات والتناسبات التي بينهما، مثل النسب الواقعة بين أفراد العالم من توافقات وتنافرات.
  59. الملاحظات على النص
    في هذه الوصلة، يُتَحدث عن لوازم العلم الذاتي لله تعالى، والصفات والمظاهر المترتبة عليه. من علم الذات بالذات، والصفات وظهور علمي – الذي هو عين الذات ولا شبهة في انفصاله – يُسمى بـ “كمال جلاء”، ومن علم الذات بالمظاهر، الذي يشتمل على التباين، يُسمى بـ “كمال استجلاء”. وبالطبع، في هذه المرحلة، لا يُتَحدث عن الغيرية أو التباين.
  60. بعد أن تحدثنا في الوصلة السابقة عن علم الواجب بذاته، حان الوقت للحديث عن لوازم علم الذات بالذات.
  61. يجب أن يُلاحظ أن “العلم الفعلي” يكون في ظرف الاستجلاء، وأن العلم الاستجلائي غير العلم الذاتي. العلم الفعلي يختلف عن الظهور العلمي؛ لأنه ظهور عيني، والظرف يقبل الكثرة. الأعيان الثابتة، التي هي مظاهر الأسماء، موجودة بوجود حقّي علمي، هذا هو علم الحق، وليس وجود الأعيان بشكل مستقل. الأعيان الخارجية موجودة بوجودين: خلقّي وحقّي.
  62. وبما أن الهوية المطلقة واللاتعيّن تتحقق باتصافها بالوحدة الحقيقية، فإنّ ظهور هذا التعيّن للذات الإلهية يُظهر علم الذات بالذات. ظهور الذات على الذات يستلزم ظهور الأسماء والصفات ولوازمها. وتفصيل هذا الموضوع في شرح عبارات الشيخ أبو حامد والشارح قد ورد.
  63. النقطة المهمّة التي يتم تناولها في هذه الوصلة هي الوجوه والأشكال الأربع التي يمكن تصورها من ظهور الذات للذات، بحيث تشمل ظهور الذات في جميع مظاهر الجلاء والاستجلاء في مقام الظاهر ومرتبة المظاهر.
  64. بعبارة أخرى، ظهور الواجب تعالى لنفسه في تعيناته الخاصة في أربع صور يمكن تصورها: إما أن تظهر الذات بحسب ظاهرها الكلي والجزئي، أو بحسب مظاهرها النفسية وغير النفسية.
  65. الظهور الذاتي بحسب الظاهر يكون في حالة الإنسان الكامل فقط؛ لأن هذا هو الشخص الوحيد الذي يمتلك قدرة كلية على استيعاب جميع شؤون الله تعالى.
  66. خاتمة:
    هذه الظهورات، وإن كانت تظهر الذات، إلا أنه لا يوجد فيها عينية حقيقية. العينية تظهر فقط في الأسماء والصفات. أما في المظاهر، فلا توجد عينية. وهذا هو الفارق بين المظاهر والظاهر. علم الحق بذاته وصفاته هو علم عيني، ولكن علم الحق بالمظاهر هو علم فعلي، غير عيني.
  67. الوصل الثلاثون
  68. في منشأ توهّم تأخّر العلم التفصيلي للواجب على ما سواه
  69. قال :
  70. «ويُوجِبُ أيضآ[81]  على النَّسَق المنتظم في الوجود الخارجيّ،
  71. علمآ إجماليّآ جمعيّآ لا تفصيليّآ، لا لما قيل: إنّ العلمَ بالعلّة، يوجبُ العلمَ بالمعلول المباين لها بحسب الوجود على ما ذهب إليه المشّاؤون؛ فإنّ الماهيّاتِ والأعيانَ الثّابتةَ غيرُ مجعولةٍ ولا معلولةٍ بالذات، واعتبارُ كونِها معقولةً، إنّما هو باعتبار كونها غيرَ مغايرةٍ للـذّات العاقلة في الخارج، فإنّها ـ من حيث هي كونها مغايرةً لها ـ لا تكون موجودةً بالفعل هيهنا، ولا معقولةً بالمعنى الذي ذهب إليه محقّقُوا المشّائين، وهو كونُ الشّيء حاصلا للعلّة القابلة، أو حاصلا للعلّة الفاعلةِ الموجبةِ المباينةِ له، فلا يصحّ أن يقال: إنّها مفتقرةٌ إليها[82]
  72. بحسب أحدِ الوجوديْنِ الغيرِ الفرضيَيْنِ».

وصل سى‌ام: منشأ توهّم تأخّر علم تفصيلى واجب به ماسوا

  1.  
  2. هم‌چنين ادراكِ ذات (به تعبير ما علمِ ذات) موجب ادراك (و علمِ) اجمالىِ جمعىِ اين صفات بر وجه منظم در وجود خارجى مى‌گردد، نه اين‌كه علم و ادراك تفصيلى به آن‌ها تعلق گيرد (زيرا در مقام ذات و احديّت، كثرتى نيست تا تفصيلى باشد) و نه به آن وجهى كه (از طرف مشاييان) گفته شده: «علم به علت، موجب علم به معلولِ مباين آن، به لحاظ وجود مى‌گردد»؛ زيرا ماهيات و اعيان ثابته مجعول نمى‌باشند و بالذات معلول نيستند. اعتبار معقوليتِ اعيان ثابته، به اعتبار عدم مغايرت آن‌ها با ذات عاقل در خارج است؛ زيرا آن‌ها (ماهيات در لسان حكما و اعيان ثابته در نظر عرفا) از اين جهت كه مغايرت با ذات دارند، در اين موطن، وجود بالفعل ندارند (يعنى وقتى مى‌گوييم اعيان ثابته يا ماهيّات داريم، مقصود، ماهيات و اعيانى است كه ظهور حق‌تعالاست) و وجودات منحاز، مباين و مخالف، چنان‌كه به معنايى هم كه محققان مشّا بدان باور دارند، معقول نيستند، مبناى ايشان آن است كه شىء معلول براى علت قابل و يا فاعلِ موجبِ مباين با وى حاصل است. پس (بر مبناى عارف) صحيح نيست كه بگوييم معلول‌ها به لحاظِ يكى از اين دو وجود (وجود ذهنى و خارجى، و وجود فاعلى و قابلى) غير فرضى (يعنى حقيقى) محتاج ذات هستند.

أقول :

  1. لمّا بيَّن الحقيقةَ الواحدة بالوحدة الحقيقيّة، ولوَّح على كيفيّة انتشاء الكثرة الاعتباريّة منها على النِّظام المحكم في الوجود، يُريدُ أن يُنبِّه على مبلغ أفهام المشائين في هذه المسألة، ومنشأِ أوهامهم فيها.
  2. وتقرير ذلک: انّ إدراکَ الحقيقة المذكورة لذاتها، كما أنّه يَتضمّنُ إدراکَ سائر الصّفات على الوجه المذكور، كذلک يوجبُ إدراكَها على النَّسَق المحكم المنتظم في الوجود الخارجيّ، إدراكآ إجماليّآ جمعيّآ لا تفصيليّآ؛ إذ هذه الحضرةُ ليس لتفاصيل الأحكام فيها مجالَ أصلا، كما عرفتَ غيرَ مرّةٍ، وذلک لأنّ ظهورَ الذات بكليّتها وأحديّة جمعيّتِها ـ الـّذي هو من إحدى الصّور الأربع اللّازمةِ شعورُها ـ لا يمكن تعلّقُ الإدراک بها إلّا مع نسبةِ تأليفٍ توجبُ تقدّمَ بعض الجزئيات وتأخّرَ البعض، وإلّا لا يُتصوَّر الجمعيّةُ ولا أحديّتُها.
  3. فهذا هو الموجب للعلم بالنّظام الوجودي، لا ما ذهب إليه المشّاؤون من: أنّ العلمَ بالعلّة، يوجبُ العلمَ بالمعلول المباينِ لها بحسب الوجود[83] ، فإنّهم لَمَّا نَفَوْا
  4. المشيّةَ والإرادةَ المرجِّحةَ للمختار، اضطرّوا إلى إثباتِ صفةٍ للمبدء، تقتضي ذلک النِّظامَ المحكمَ، يُسمّونَها العنايةَ، وهي تمثّلُ النِّظام في علم الباري، الّذي هو حضورُ المعلول الأوّل عنده، بما اشتمَل عليه من المعلولات المتَّسقة المنتظمة من الأزل إلى الأبد، بناءً على أنّ العلمَ بالعلّة يوجب العلمَ بالمعلول المباين، وذلک لابتنائه على الباطل يكون فاسدآ، ضرورةَ كونه متفرّعآ على أنّ الماهيّاتِ والأعيانَ الثابتةَ من حيث أنّها مباينةٌ للذات بحسب الوجود، لها وجودٌ لذاتها مجعولةً كانت أو معلولةً على اختلاف الرأييْنِ، وقد عرفتَ ممّا سبق أنّ الأعيانَ بهذا الاعتبار ما شمَّتْ رائحةَ الوجود، والعدمَ الصِّرفَ، لا يمكن أن يكون مجعولا ولا معلولا.
  5. ثمّ إنّه يمكن أن يتوهّم هيهنا: أنّ هذا الكلامَ لا يُطابقُ ما تقدَّم ـ من أنّ إدراکَ الواجب ذاتَه يستلزم إدراکَ سائر الصّفات والأعيان؛ لكونها عينَها ـ فإنّه يقتضي وجود الأعيان ضرورة. فلو قيل: إنّها غير موجودة، يكون بين الكلامين تناف بحسب الظاهر، فلذلک قال: «اعتبارُ كون الماهيّات والأعيان معقولةً إنّما هو اعتبارُ كونِها غيرَ مغايرةٍ للـذّات العاقلة»، ولا شکّ أنّ هذا الاعتبارَ غيرُ اعتبار كونها مجعولةً أو معلولةً مباينةً لها بحسب الوجود، فعند تغاير الاعتبار، لا تَنافي بين الحُكْمَيْنِ.
  6. وأمّا[84]  بيان أنّ معقوليّةَ الماهيّات، إنّما هو باعتبار كونها غيرَ مغايرةٍ للذات
  7. العاقلة، فهو أنّها من حيث المغايرة لا وجودَ لها أصلا، لا خارجآ ولا عقلا.
  8. أمّا خارجآ، فلأنّها ـ من حيث هي مغايرةٌ للذات ـ مباينة لها بحسب الوجود في الخارج، وكلُّ ما يكون مباينآ لها كذلک، لا يمكن أن يكون موجودآ في الخارج؛ لما سبَق من أنّ الوجودَ حقيقتُه في نفسه، لا تُبايِنُ بين أفراده، فيكون المباينُ للوجود بحسبه في الخارج لا يكون موجودآ بالضّرورة.
  9. وأمّا عقلا، فلأنّ المعقوليّة بالمعنى الذي ذهب إليه محقّقوا المشّائين ـ وهو كونُ الشيء حاصلا للعلّة القابلة، وهو الانطباعُ المفسَّرُ به الإدراکُ، المسمّى بـ ِ «العلم الانفعالي» عندهم، أو بحصوله للعلّة الفاعلة الموجبة المعبَّر عنه بـ ِ «الحضور» المسمّى بـ ِ «العلم الفعلي» ـ منفيةٌ عن الماهيّات من الحيثيّة المذكورة، لأنّها من الحيثيّة المذكورة، مباينةٌ للذات العاقلة، فتكون مباينةً للوجود، مباينةَ العلّة للمعلول قابلةً أو فاعلةً. وقد عرفت أنّ المباينَ للوجود بحسبه، لا يمكن أن يكونَ له حصّةٌ من الوجود والحصول، لا في نفسه، ولا
  10. في غيره.
  11. وأيضآ المعقولُ ـ من حيث أنّه معقولٌ ـ يجب أن لا يكون مغايرآ للعاقل[85]
  12. إلّا بضربٍ من الإضافة، فلا يكون المباينُ لشيءٍ بحسب الوجود، معقولا له بهذا الاعتبار كما سبَق.
  13. وممّا يؤيّد هذا ما ذكره بعضُ المحقّقين من أهل الذوق: «أنّ العلمَ بالشّيء ـ أيُّ علمٍ كان ـ بالذّوق الصّحيح والكشف الصّريح عبارةٌ عن استجلاء العالِمِ ذلک المعلومَ في نفسه بالقدر المشترک بين العالم والمعلوم، الّذي من جهته يتّحدان، فلا يتغايران. وعبارة أيضآ عن استجلائه من حيث الأمر المميِّز للمعلوم عن العالِم القاضي بأن يسمّى أحُدهما معلومآ والآخَرُ عالمآ؛ إذ لا تسميةَ في الأحديّة ولا تعدّدَ. ولابدّ أيضآ في هذا القسم الثّاني القاضي بالتميّز من معنى يقتضي الاشتراکَ بين العلم والعالم والمعلوم وهو التميّزُ، وأمرٌ آخرٌ لازمٌ له لا يجوز إظهارُه»[86] .
  14. وإنّما أوردتُ هذا الكلامَ في هذا المقام، لبعد هذه المسألة عن مدارک أهل الاستدلال من العارين عن الذوق السَّليم، فعسى أن يَتأمَّلوا في فحاوي عباراتهم الجليّة، فيطّلعهم اللّهُ على بعض مرموزاتهم الخفيّة، (وَمَا ذَلِکَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ )[87] .
  15. وإذا تقرّر: أنّ الماهيّاتِ والأعيانَ باعتبار مغايرتها للذات، ليس لها حصّةٌ من الوجود أصلا، فلا يمكن إضافةُ الوجود إليها واعتبارُها معها بهذا الاعتبار، فلو أضيفَ إليها واعتُبر لها بوجهٍ من الوجوه، لا يكون ذلک المضافُ[88]  إلّا
  16. الوجودَ الذاتيَّ الحقيقيَّ، فلا يصحّ حينئذ أن يقال: إنّها مفتقرةٌ إلى الذات العاقلة بحسب أحد الوجودين الغير الفرضيَين؛ لأنّ الوجودَ المضافَ إلى الماهيّة حينئذ إنّما هو الوجودُ الذاتيُّ الحقيقيّ الّذي لا يمكن أن يفتقر موصوفُه بحسبه إلى شيء، فإنّ الافتقارَ إنّما يكون للموجود بالوجود الفرضيّ الّذي قد ثبَت انتفاؤُه مطلقآ.
  17. وملخّصُ هذا الكلام: أنّ الماهيّاتِ والأعيانَ، لو أُخذتْ مع اعتبار المغايرة، فهي معدومةٌ ضرورةً، لا يَصلحُ لأن يوصفَ بالمجعوليّة والمعلوليّة وغيرهما من الصّفات أصلا، ولو أُخذت مجرّدةً عن هذا الاعتبار، يمكن أن يُنسبَ إليها الوجودُ، لكن لا يصلح لأن يوصفَ بما يستلزم الافتقارَ والاحتياجَ، كالمجعوليّة والمعلوليّة؛ لأنّ الوجودَ المضافَ إليها حينئذ، إنّما هو الوجودُ الحقيقيُ الّذي له الغناءُ المطلقُ. فتقرَّر: أنّ القولَ بالمجعوليّة والمعلوليّة على التقديريْن فاسدٌ.
  18. “لأنَّ الفاضل أبو حامد، قد أوضح حقيقة الوحدة الحقيقية، وأشار إلى كيفية انتشار الكثرة الاعتبارية (كما قلنا أن الحديث عن الاعتبار في نطاق العقل، وإلا فإن الكثرات وتفاصيل الأسماء وظهوراتها هي الحقيقة الكاملة)، وألمح إلى النظام الدقيق للوجود، فهو الآن في سعيه لتنوير فكر أتباعه وإزالة الأوهام المتعلقة بمسألة (علم الحق تعالى بما سواه)”.
  19. وتقرير المسألة على النحو التالي:
    إدراك الحقيقة المذكورة (أي علم الذات بالذات) على نحو ذاتي، يتضمن إدراكًا (أي علمًا) ببقية الصفات على هذا النحو، كما أن إدراك تلك الحقيقة يؤدي إلى إدراك إجمالي جمعي – لا تفصيليًا – وفق ترتيب دقيق ومنظم في الوجود الخارجي، لأن في هذا المقام (التعيين الأول والمقام الوحيدية) لا مجال لتفاصيل الأحكام، كما سبق أن تم الإشارة إليه. فظهور الذات في كليتها (ومقام السعي) ووحدتها الجمعيّة (التي لا مجال فيها للكثرة) هو من تلك الصور الأربع التي تقتضيها شعور الذات (علمها). ولذلك، لا يمكن أن يكون هناك إدراك (علم) لها إلا عبر نسبة تأليفيّة (أي اجتماع وتزاوج الأسماء) تقتضي تقدم بعض الجزئيات (أي الشؤون الإلهية) وتأخر بعضها الآخر. وإلا، فإن لا الجمعيّة ولا الوحدة الذاتية ستكون قابلة للتصور.
  20. إذن، هذا (العلم بالذات) يؤدي إلى العلم بالنظام الوجودي (أي العلم بالظهورات وفقًا لمعتقدات العرفاء)، وليس وفقًا لما يعتقده الفلاسفة المشائيون الذين يقولون: “إن العلم بالعلة يؤدي إلى العلم بالمعلول، وهو معلول مباين ومفارق للعلّة في الوجود”. فهم، إذ نفوا الإرادة والمشيئة المترجحة في إطار المعلول، اضطُروا إلى أن يثبتوا صفة (علمية علتية) للمصدر الثابت تقتضي نظامًا محكمًا دقيقًا للوجود (أي نظام المعلول) الذي يُسمى “الرعاية”. وهذه الرعاية هي تمثّل نظام العالم (بصورته المرسومة) في علم الله تعالى، حيث يتضمن حضور المعلول الأول (المقصود هنا الأول الأول) في حضرة الحق تعالى مع جميع المعلولات المنظومة من الأزل إلى الأبد. وبالتالي، فإن العلم بالعلة يؤدي إلى العلم بالمعلول المفارق. ومن هنا، بما أن هذا الأساس قد بُني على أمر غير صحيح، فهو باطل، لأن هذا المبدأ مبني على أن الكائنات الثابتة (أو الحقائق) من حيث أنها مباينة للذات، هي حقيقة ذاتية، سواء كانت كائنات مفروضة (بحسب المذهب الإشراقي) أو معلولة (بحسب المذهب المشائي)، رغم اختلاف آراءهم.
  21. كما تعلمنا من النصوص السابقة، فإن الأعيان الثابتة (أو الحقائق) لا تملك وجودًا ذاتيًا مرتبطًا بهذه المباينة (أي الكثرة والفصل عن الذات)، ولم يشمّوا وجودًا. وعليه، لا يمكن أن تكون هذه الأعيان أو الماهيات مجعولة (بحسب مذهب الفلاسفة المشائيين القائلين بأصالة الوجود) أو معلولة (بحسب مذهب الفلاسفة الإشراقيين القائلين بأصالة الماهية).
  22. قد يتوهم البعض أن هذا الكلام (بأن الأعيان الثابتة لا تشمّ رائحة الوجود) يتناقض مع ما ذكرناه سابقًا، حين قلنا إن إدراك (علم) الواجب بذاته يستلزم إدراك صفات أخرى وأعيان. بما أن هذه الصفات هي عين الذات، فإن وجود الأعيان والصفات يبدو ضرورة. ولكن إذا قيل إن الأعيان والصفات غير موجودة، فقد يبدو هناك تناقض بين القولين (العينية للأعيان مع الذات، وفناءها المحض).
  23. ولهذا قال أبو حامد: “إن اعتبار الماهيات والأعيان معقولًا هو نفس اعتبار عدم مخالفتها للذات العاقلة”. ولا شك في أن هذا الاعتبار (الذي يكون المعقول عين العاقل) ليس هو نفس اعتبار كون الماهيات مجعولة أو معلولة مفارقة للذات في الوجود. لذا، عندما يحدث التغاير (والثنائية)، لا يوجد تناقض بين الحكمين.
  24. إذن، الأعيان الثابتة أو الماهيات لا توجد على نحو تبايني أو استقلالي أو معزول عن الوجود، بل هي موجودة في ذات الله تعالى كوجود علمي، لا كوجود مستقل بذاته. أما المعقولية للماهية فهي كما قيل سابقًا: أن الماهيات لا تحمل وجودًا بسبب تباينها مع الذات، فهي في الحقيقة لا تمتلك وجودًا سواء في الخارج أو في العقل.
  25. فيما يتعلق بوجود هذه الماهيات في العقل، فالمعقولية (من وجهة نظر الفلاسفة المشائيين، مثل ابن سينا وأتباعه) تعني أن الشيء موجود للعلّة القابلة (أي العلم الخلقي)، أو قد يُفهم المعقول بمعنى حصول الشيء في العلة الفاعلة (أي العلم الوجودي الفعلي)، وبالتالي لا يُتصور المعقول بهذا المعنى في الماهيات (من حيث تباينها مع الذات).
  26. أما علم الحق بوجوده:
    العلم، كما قال الفلاسفة الصوفيون، هو إدراك العلم (بأي نوع كان) في مقام الأحدية يعني أن العالم والمعلوم متحدان في ذاتهما. ولا يمكن التمييز بينهما على المستوى الوجودي، بل يظل كل منهما في وحدة وجودية.
  27. عليه، فإن الحديث عن التباين بين العلة والمعلول في الأعيان الثابتة، والذي تبنته الفلسفات المشائية والإشراقية، هو خطأ فلسفي لأن الأعيان الثابتة في هذه المقامات لا تملك وجودًا مستقلًا عن الذات.
  28. خلاصة القول:
    الماهويات والأعيان، إذا تم النظر إليها على أساس تباينها مع الذات، فلا يمكن نسب وجود إلى هذه الماهيات. فإذا أُضيف وجود إلى هذه الماهيات، فسيكون هذا الوجود هو الوجود الذاتي الحقيقي، وبالتالي لا يمكن أن نقول أن الماهيات بحاجة إلى وجود إضافي أو فرضي (عقلي أو علمي) سوى الوجود الحقيقي الذي هو عين غنى ذاتي.
  29. الوصل الحادي والثلاثون
  30. في أنّ تغاير العاقل والمعقول اعتباري
  31. قال :
  32. «فلئن قيل: العاقليّةُ يُقابل المعقوليّةَ، فعند انتفاء المغايرة، فلا عاقليّةَ ولا معقوليّةَ.
  33. قلنا: لو صحَّ ما ذكَرتموه مطلقآ، لوجَب أن لا يكونَ الواجبُ لذاته ولا شيءَ من الملائكة المجرّدة عاقلا لنفسه.
  34. ثمّ إنّ تلک المغايرة هيهنا إنّما حصلت بالاعتبار فقط، مثل حصول تلک الماهيات من حيث هي مغايرةٌ لها، ومن البيّن أنّ تلک الماهيّاتِ من حيث هي مغايرةٌ لها لا يكون إلّا نِسَبآ وإضافاتٍ تعيّنيّةً، لا تمايزَ بينها بالفعل بحسب الخارج؛ لكون موضوعِها واحدآ بتلک الوحدة الحقيقيّة، فلا يصحّ أن يقال : «إنّ شيئآ منها بتلک الحيثيّة موجودٌ بشيءٍ من الوجوديْن في هذا الموضع». نعم، إنّها باعتبار كونها عينَ تلک الهويّة في الخارج، تكون حاصلةً لها حصولَ نفسِها لنفسها».

وصل سى و يكم : تغاير اعتبارى ميان عاقل و معقول

  1.  
  2. اگر اشكال شود: عاقليت در مقابلِ معقوليت (به تقابل تضايف) قرار دارد، پس هنگامى كه مغايرت (بين عاقل و معقول) منتفى باشد، پس عاقليت و معقوليتى در ميان نخواهد بود.
  3. در پاسخ (به نقض) گوييم: اگر كلام شما به طور اطلاق (به خلاف علت و معلول يا جاعل و مجعول كه به‌طور مطلق ـ از حيث ماهيت و نيز هويت ـ مغايرت را طلب مى‌كنند) صحيح باشد، ضرورى است كه واجب ذاتى (و وجودِ به‌شرط لا، كه تعدّدى ندارد و عاقليّت و معقوليّت عين ذات اوست) و ملايكه‌ى مجرّد (به خلاف ملائكه‌ى مادى كه ممكن است تعدّد و تغاير در آن‌ها مطرح باشد) عاقلِ ذات خود نباشند.
  4. (پاسخ حَلّى) از طرفى مغايرت در اين‌جا اعتبارى است؛ مانند حصول خود ماهيات كه به لحاظ مغايرت با ذات، حصولى اعتبارى دارند، و از امور بديهى است كه اين ماهيات از آن حيث كه مغايرت با ذات دارند، جز نسب و اضافات تعيّنى نيستند كه به لحاظ خارج (واقع)، بين آن‌ها بالفعل تمايز نيست؛ زيرا موضوع اين ماهيات، به‌واسطه‌ى آن وحدت حقيقى يك چيز است؛ از اين رو صحيح نيست كه گفته شود: «ماهيات به اين حيثيت (يعنى مغايرت) با ذات به وجود ذهنى و يا خارجى در اين موضع (يعنى وحدت) موجود هستند». آرى، ماهيات به اعتبار اين‌كه وجود آن‌ها عين حقيقت وجود در خارج مى‌باشد، براى حقيقت حاصل هستند؛ همانند حصولى كه خودشان براى خودشان دارند.

أقول :

  1. هذا إشارةٌ إلى ما يمكن إيرادُه هيهنا ودفعُه؛ وذلک أنّه يلزم ـ على ما ذهبتم إليه ـ أنّ الماهيّاتِ والأعيانَ إنّما تكون معقولةً باعتبار كونها غيرَ مغايرة للذات العاقلة، وذلک محالٌ، لأنّ العاقليّةَ تُقابل المعقوليّةَ؛ تَقابُلَ المضاف، وذلک لا يُتصوَّر إلّا بعد تحقّقهما في موضوعيْنِ مباينيْنِ بحسب الوجود، فعند انتفاء المغايرة بين موضوعيْهما، لا تكون العاقليّةُ ولا المعقوليّةُ.
  2. وأجاب عن هذه الشّبهة بجوابيْن؛ أحدُهما: جدليٌّ في صورة النَّقض، وهو أنّه لو صحَّ ما ذكَرتموه من المقدّمات الدالّة على تقابل العاقليّة والمعقوليّة ووجوبِ التّغاير بين موضوعيْهما بحسب الوجود والحقيقة، لوجَب أن لا يكونَ الواجبُ لذاته ولا شيءَ من الملائكة المجرّدة عاقلةً لنفسها عندكم، والأمرُ ليس كذلک.
  3. ولمّا لم يندفع الشّبهةُ بهذا الجواب؛ بل ما زادَ إلّا تعميمآ لمواردها، أشار إلى وجهٍ تحقيقيٍّ به ينقلع مادّةُ الشبهة عن أصلها، وهو: أنّ التغايرَ الواقعَ بين العاقليّة والمعقوليّة، وإن كان تغايرَ التقابل، لكن مجرّدُ الاعتبار كافٍ في حصوله، كما أنّه كافٍ في حصول نفس تلک الماهيّات الحقيقيّة الّتي هي المبادي لحصول التقابل والتغاير وعروضهما، فإنّ حصولَ تلک الماهيّاتِ ووجودَها إنّما يُتصوَّر هيهنا بمحض الاعتبار، فما يكون وجودُه متفرّعآ عليها، أجدرُ بأن يكون كذلک.
  4. أمّا بيان أنّ الماهيّاتِ يكفي في حصولها مجرّدُ الاعتبار، فهو أنّ الماهيات ـ من حيث هي ـ مغايرةٌ للذات، لا تكون إلّا نِسَبآ وإضافاتِ تعيّنيّة لما عرفتَ أنّ الوحدةَ الحقيقيّةَ ـ المعبّرَ عنها بالوجود المطلق الشّامل الّذي ما عداه عدمٌ صرفٌ وباطلٌ محضٌ ـ يمتنع أن يكون هيهنا شيءٌ آخَرُ خارجٌ عنها.
  5. مصراع :
  6. «أَلاَ كلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهِ باطلٌ»[95]
  7. والماهياتُ ـ من حيث هي مغايرة ـ لا يكون لها تحقّقٌ أصلا إلّا أنّ تلک الحقيقةَ لمَّا اقتضت الظهورُ بحسب الجلاء والاستجلاء، اختلفت مراتبُ ظهوراتها في الجلاء والخفاء بحسب إدراكنا؛ لا بحسب الأمر نفسُه؛ فإذا نَسَبْنا بعضَ ظهوراتها إلى بعضٍ، وَجَدْنا بعضَها أتمَّ جلاءً[96] ؛ لكثرة آثاره في عرصة
  8. الظهور ووضوحها بحسب المدارک، وبعضَها أنقصَ؛ لقلّتها، فحصَل لتلک الظهورات باعتبار نسبتِنا بعضَها إلى البعض، تمايزٌ نسبيٌّ بحسب إدراكنا فقط.
  9. فعُلِمَ أنّ هذه الظهوراتِ المتعدّدةَ وتعيّناتِها، إنّما هي النِّسبُ الإدراكيّةُ والإضافاتُ الاعتباريّةُ، وأمّا تلک الحقيقةُ في نفسها فمجرّدةٌ عن هذه النِّسب والإضافات، كنور الشَّمس مثلا، فإنّه إذا وقَع شعاعُها على أجسامٍ صيقلةٍ، مختلفةٍ الألوان، كقِطَعٍ من الزُّجاج الملوّنة مثلا، لابدّ وأن يحصلَ لبعضِ أطرافِ ذلک الشّعاع بالنّسبة إلى بعضٍ تمايزٌ نسبيٌّ، وتعدّدٌ اعتباريٌّ بحسب إدراكنا، فيَحكمُ الوهمُ هيهنا: أنّ النورَ هو المنصبَغُ نفسُه، والواقعُ خلافُه؛ إذ لا لونَ للنّور، لكن للزُّجاج بدا شعاعُه، فتُرى فيه ألوانُه، فظَهر أنّ حصولَ تلک الماهيّاتِ إنّما هو باعتبارِ تعيّناتِ اعتباريّةٍ.
  10. فعلم أيضآ من هذا أن لا تمايزَ بينهما بالفعل بحسب الخارج[97] ، وذلک لأنّ
  11. التمايزَ بالفعل في الخارج يستدعي تمايزَ موضوعاتها فيه وتعدّدَها، وتعدّدُ الموضوع محالٌ؛ لكون موضوعِها واحدآ بتلک الوحدة الحقيقيّة، فلا يصحّ أن يقال: إن شيئآ من الماهيّات بتلک الحيثيّة ـ أي من حيث أنّها مغايرةٌ لتلک الهويّة ـ موجودةٌ بشيءٍ من الوجوديْنِ في هذا الموضوع؛ أي في هذه المرتبة.
  12. نعم، إنّها باعتبار كونِها عينَ تلک الهويّة في الخارج، يكون حاصلةً لها، حصولَ نفسها لنفسها، فباعتبار هذا الحصول النّسبي وإضافتِها إليه، تكون موجودةً، وهذه الإضافةُ إنّما هي محضُ الاعتبار. تدبَّر ما سمعتَ، فإنّه غايةُ التوضيح في هذا المقام، لعلّ اللّهُ يوصلک إلى المرام.
  13. هذه العبارات تشير إلى شبهة يمكن طرحها ودفعها هنا، وهي أنَّ هذا الإشكال ينشأ من أنَّه بناءً على معتقدكم (في التصوف المبني على وحدة الشخص في الوجود)، يجب أن تكون الكينونات والموجودات معقولة فقط إذا تم الاعتراف بعدم التمايز بينها وبين ذات العاقل، وهذا المعقول محال، لأنَّ العقلية تقابل المعقولية، والتضاد بينهما غير ممكن إلا إذا تحققا في موضوعين مختلفين من حيث الوجود والحقيقة، فإذا زال التمايز بين الموضوعين، فقد زالت العقلية والمعقولية.
  14. ثمَّ قدَّم الشيخ أبو حامد ردَّين على هذه الشبهة: الأول، ردّ جدلي على شكل نقض، حيث قال: إذا كانت مقدماتكم التي تشير إلى التناقض بين العقلية والمعقولية، وضرورة تمايز الموضوعين من حيث الوجود والحقيقة، صحيحة، فمن الضروري أنَّ الواجب الذاتي، ولا أحد من الملائكة المجردة، ولا الملائكة المادية التي تمَّ تعريفها في الأحاديث كموكلين على الأشياء والأجسام المادية، وكذلك في علمنا الحضورِي نحن البشر، لا يمكن أن يكونوا قادرين على التعقل بأنفسهم، بينما الحقيقة خلاف ذلك في رأيكم.
  15. وبما أن الشبهة لا تُحل بهذا الرد، بل توسع نطاقها إلى مجالات أخرى، أشار الشيخ أبو حامد إلى وجهة تحقيقية لتخليص جوهر الشبهة، فقال: إنَّ التغاير الموجود بين العقلية والمعقولية، وإن كان تغايرًا تقابليًا، إلا أنَّه يكفي أن يكون مجرد اعتبار في تحققه (لا يجب أن يكون التغاير في الوجود، بل التغاير المفهومي كافٍ)، كما أنَّ مجرد اعتبار في حصول هذه الكينونات الحقيقية (أي المظاهر) التي هي المبادئ التي يحصل من خلالها التناقض والتغاير بينهما كافٍ؛ لأنَّ وجود هذه الكينونات (أي المظاهر) في مقام الوحدة، يكفي لمجرد الاعتبار والتصور. وبالتالي، التناقض الذي يترتب على وجود هذه الكينونات، يكون أكثر ملائمة للاعتبار.
  16. ثم وضَّح أنَّ هذه الكينونات، من حيث تمايزها عن الوجود، ليست سوى نسب وإضافات تعيُّنية؛ لأنَّ الحقيقة المتمثلة في الوحدة الحقيقية (التي يُشار إليها بالوجود المطلق) هي التي تكون، وكل ما عداها هو محض عدم وباطل.
  17. وقال أيضًا: “اعلموا أنَّ كل شيء غير الله باطل”.
  18. وأضاف أنَّ الكينونات ـ لأنها متغايرة مع الوجود ـ لا تتحقق أبدًا، إلا إذا تمَّ الاعتبار لهذه الحقيقة عبر التجلي الذاتي والتجلي الإسمائي. لذا، تظهر هذه الكينونات بتدرج في الجلاء والخفاء من خلال إدراكنا، لكنَّ الحقيقة نفسها لا تتغير.
  19. في النهاية، أشار إلى أنَّ هذه المظاهر المتعددة وتعيناتها هي مجرد نسب إدراكية وإضافات اعتبارية، في حين أنَّ الحقيقة وراء هذه الإضافات ليست سوى الوجود المطلق.
  20. الوصل الثاني والثلاثون: في النفس الرحماني
  21. قال:
  22. “إنّها اقتضتِ الظهورَ والبروزَ من حدّ الغيب إلى الشَّهادة، وحصولَ تلک الصِّفات والتعيّناتِ متمايزةً في الأعيان بالفعل، وتَعَقَّلَها على وجه التَّفصيل”.
  23. الوصل الثاني والثلاثون: نفس رحماني
  24. ثمَّ الذاتُ اقتضتْ الظهورَ والبروزَ من غيبٍ إلى شهادة، ممّا أسفر عن تحقُّقِ الصفاتِ المتمايزةِ والتَّعيّناتِ بشكلٍ فعليّ في الأعيان الثابتة، كما أنَّه يتمُّ تصورها بصورة تفصيلية.
  25. أقول:
  26. إنّ التعيُّن الأول ـ الذي يجمع بين الواحديّة والأحديّة، ويُعبّر عنه بـ”الوحدة الذاتية” تارةً، و”الهويّة المطلقة” تارةً أخرى ـ قد هيمن عليه حكم البطون والوجود، ممّا أفقد التمييز بين معاني الأسماء والتعيِّنات، إذ لا توجد تفرقة حقيقية بينهما، بحيث تكون الكثرةُ في هذا السياق هي نفسُ الوحدة كما سبق بيانه. في هذا الإطار، لا يوجد مجال لظهور التعيِّنات بما يتناسب مع كمال الأسماء، لأنّ المراتب التي هي مواضعُ ظهورها مجتمعةٌ ومندمجة، بحيث تستهلك أحكامَها، تماماً كما أنَّ الحروف في مرحلة التنفس تستهلك في ذات النفس المتنفِّس.
  27. إذن، اقتضت هذه الهوية الظهورَ والتجلّي، لكن ليس من حيث ذاتها، بل من حيث الاعتبارات والشؤون التي تنسجم مع استعدادات القابليات القدسية، فكان هناك انبثاق لميلٍ إراديٍ وحركةٍ حبّيّةٍ وشوقٍ عشقيٍّ يظهر من خلالها التعيِّنات بشكلٍ أظهر وأوضح. يظهر هذا في مثال النفس المنتشر الذي يظهر فيه التميّز الفعلي للأعيان والصفات، وتتمّ معالجتها كما هو الحال مع التميّز بين الحروف في النفس عند انبعاثها في المخارج. هذا التجلّي يُسمّى بـ”النَّفَس الرَّحْمَانيّ”.
  28. وقد أطلق هذا المصطلح لأنَّه يشبه النفس الإنسانيّ، الذي هو عنصرٌ بسيطٌ في ذاته، إلّا أنّه يظهر في جزئياته بحسب تعامله مع المخارج المختلفة؛ وبالتالي، يُعتَبر “النفس الرحماني” المادةَ التي يَظهر من خلالها صور العالم، كما أنَّ نفس الإنسان هو المادة التي تنتج من خلالها الحروف والكلمات.
  29. أو قد يكون السبب في هذه التسمية لأنَّه من خلاله يحصل تنفيس الكرب، كما ورد في كلام الشيخ الأكبر في “فصوص الحكم”، حيث قال: “العالمُ ظهر في النَّفَس الرَّحمانيّ الذي نفَّس اللهُ تعالى به عن الأسماء الإلهية ما تجدُه من عدمِ ظهور آثارها بظهور آثارها…”.
  30. شعر:
  31. فالكلّ في عين النَّفَس
    كالضَّوْء في ذاتِ الغَلَس
  32. والعلمُ بالبرهان في
    سَلْخِ النَّهار لِمَنْ نَعَس
  33. فَيَرىَ الّذي قَد قُلْتُهُ
    رؤيآ تَدُلُّ على النَّفَس
  34. فَيُريحُهُ مِنْ كُلِّ غمٍّ
    في تَلاوَتِهِ عَبَس
  35. و لقد تَجَلّيَ لِلَّذي
    قد جاءَ في طَلَبِ القَبَس
  36. فرآه نارآ و هو نورٌ
    في الملوک و في العَسَس
  37. فإذا فَهِمْتَ مَقالتي؟
    فَاعْلَمْ بأنّکَ مُبْتَئس
  38. و لو كانَ يطلبُ غيرَ ذا
    لَرَآهُ فيه و ما نَكَس
  39. قد أوردتُ هذا الكلام بتمامه في هذا الموضع لأنه يحتوي على ما له مدخلٌ تام في موضوع هذه الرسالة، فَتَأمّلْ.

يقول جناب محيى الدين: «من أراد أن يعرف النفس الإلهية فليعرف العالم، لأنّ العالم هو صورة النفس الإلهية، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه الذي ظهر فيه. أي أن العالم ظهر في نفس الرحمن، الذي تنفّس الله به عن الأسماء الإلهية، حيث لم يكن آثارها ظاهرة بعد». وبناءً عليه، فإنّ كلّ من يرغب في معرفة النفس الإلهية، عليه أن يعرف العالم، وذلك لأنّ العالم هو تجلّي النفس الإلهية، ومن خلال معرفة نفسه، يعرف الله الذي ظهر فيه.

إضافة إلى نَفَس الرحمن، الذي هو مصطلح شائع للإشارة إلى ظهور الذات الإلهية في صور شتى، فإنّ هناك العديد من المصطلحات التي تُستخدم لتحليل أبعاد مختلفة من نَفَس الرحمن، مثل:

  1. الوجود العام.
  2. الوجود المنبسط: بالرغم من أن نَفَس الرحمن هو أول شعاع من وجود الله الحقيقي، وهو يشبه الوجود في درجة عالية، إلا أنه ليس الوجود الحقيقي نفسه، بل هو ظهور وامتداد لذلك الوجود الذي أضفى لون الوجود على جميع مظاهر العالم. ولذلك سُمّي بالوجود المنبسط أو الوجود العام.
  3. الصادر الأول.
  4. الجوهرة: في عرفان الفلاسفة، نَفَس الرحمن يُعتبر جوهرة واحدة، حيث أن جوهرية جميع الجواهر تأتي بفضل جوهرية نَفَس الرحمن. بعبارة أخرى، جوهرية العقول والمفارقات والأنفس والأرواح والأجسام هي بسبب سريان جوهر نَفَس الرحمن فيها.
  5. هيولى أولى: الهيولى الأولي في الفلسفة هي المادة الأولى التي تمثل حقيقة موجودة في العالم المادي، وهي قوى وإمكانية محضة قادرة على قبول أي صورة، سواء كانت صورة مادية أو غير مادية. في التصوف الإسلامي، نَفَس الرحمن يُشبه الهيولى الأولى، رغم وجود بعض الاختلافات الجوهرية بينهما. فكلاهما يقبل جميع الصور الموجودة في الكون.
  6. رقّ منشور: في الفلسفة، يُنظر إلى الهيولى الأولى كسترٍ كبيرٍ يتم عليه تسجيل كل الصور. أما في التصوف الإسلامي، فيُطلق على نَفَس الرحمن مصطلح “رقّ منشور”، وهو بمثابة الستار الذي يتم عليه تسجيل جميع الصور والأشكال الموجودة في الكون.
  7. الوجود الساري.
  8. التجلّي الساري: كل التجلّيات في ترتيب النظام الكوني تتحقق وفقاً لشروط معينة، لكن نَفَس الرحمن يتجلّى في كل الظروف بشكل شامل ومطلق. ولهذا يُطلق عليه “التجلّي الساري”.
  9. الرحمة العامة: كما أشرنا سابقاً، فإنّ نَفَس الرحمن هو تجلّي الله العام الذي يشمل جميع الكائنات، ولذلك يُطلق عليه “الرحمة العامة” التي تنبثق من رحمانية الله.

هذه بعض المصطلحات المستخدمة في تعريف نَفَس الرحمن وتجليه في العالم، وهي تمثل جوانب مختلفة من هذا المفهوم العميق في التصوف والفلسفة الإسلامية.

المرتبة الثالثة والثلاثون: في المراتب المتعيّنة بالتعيّنات الاستجلائية:

قال: «فأوجدت عالم الأرواح، أي عالم العقول والنفوس، فإنّ ظهور الوجود فيه أكمل من عالم المعاني، ثم عالم المثال، ثم عالم الأجسام. وفي هذا العالم تمّ ظهور الوجود؛ فإنّ ظهور التجلّي الوجودي كمل وتم عند إيجاد الجرم الأول، الذي هو مُحدِّد الجهات، أي العرش الجسمي ومقام الاستواء في الكلام الإلهي. ثم إنّ الترتيب المعتمد في كل عالم من هذه العوالم، وتفصيل المراتب المحصورة فيها، وتلخيص الحجج والبراهين في كل موضع، قد بيّنّاها في كتبنا التي ألفناها في صناعة الحكمة».

شرح:

بعد أن انتهى من بيان المرتبة الإلهية وما قبلها من المراتب المتعيّنة بالتعيّن الجلايِي، الذي هو مقتضى الكمال الذاتي الذي يغلب عليه أحكام إطلاق الذات ووجودها الحقيقي، بدأ في بيان المراتب المتعيّنة بالتعيّن الاستجلائي، وهي المراتب التي تغلب فيها أحكام التعيّنات وظهورها الاعتباري على أحكام إطلاق الذات ووجودها الحقيقي.

فما كان ظاهرًا في المراتب الأولى أصبح باطنًا في هذه المراتب، وما كان باطنًا في المراتب الأولى، أصبح ظاهرًا في هذه المراتب. ولهذا فإنّ العارف الذي قال: «باطن الخلق ظاهر الحق، وظاهر الخلق باطن الحق»، إنما قصد هذا المعنى.

وقبل هذه المراتب، لا يُسمّى شيء بالخلق أو الإيجاد، ولا يُسمى بأسماء تدل على تميز الفاعل عن المفعول، وذلك لأن الإيجاد عند المحققين يعني اقتران القوابل الأقدسية الثابتة في التعيّن الأول، الذي هو مصدر التعيّنات، بظاهر الوجود الذي هو الطرف الظاهري لنَفَس الرحمن. ولا شك أن الحاصل من اقتران هذين الأمرين المتغايرين يكون مغايرًا لهما تمامًا.

  1. ثمَّ هذا الوجود يُمكن أن يُنظر إليه في صورتيه: صورة مظهريّة تكون وسيلة لمفعولٍ يطلب الوساطة، وفي هذه الحال يُسمى “إيجادًا” و”قولا”. وذلك لأنَّ هذه النسبة قد وردت في القرآن الكريم بتعبير “قول”، حيث قال تعالى: «سَمْعُنا قَوْلَنَا لِمَا نُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ، فَقُلْنَا لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»، وهذا يدل على أنَّ هذه الأشياء تُسمَّى “كلمات الوجود” و”الماهيات” و”الأعيان الممكنة”. ولذلك سُمِّيَ هذا العالم “عالم الأمر”، حيث إنَّ “الأمر” هو بمثابة “القول”.
  2. ثمَّ المُوجودات في العوالم التي تلي الحق، الأقرب إلى الحق والأبسط من حيث هذه النسبة (أي نسبة النزول، لأنَّ الإنسان هو الأول من حيث الصعود)، هو العقل الأول، وذلك لأنَّ العقل الأول يتسم بتركيب واحد فقط وهو تركيب الماهية، الذي من وجهة نظرنا ليس إلا اعتبارًا ذهنيًا، مع الوجود، وهو أول مراتب الإمكان (ووفقًا لتعريفنا، هو أول مراتب الظهور، لأنَّ الإمكان يختلف عن الظهور، فالإمكان لا يؤدي إلى الوجوب، بل هو ضد الوجوب)، وهو من عالم الأرواح. فإذاً، أقرب العوالم بالنسبة إلى مرتبة الحق هو عالم الأرواح (وعالم العقول). لذلك، أول موجود مُبدع هو عالم الأرواح، وليس عالم المعاني (والأعيان الثابتة)، لأنَّ عالم الأرواح له استقلال في الوجود (أي من حيث النظر الخارجي)، وظهوره في تعيّناته وآثاره، مثل إفاضة الأحكام وصدور الآثار؛ خلافًا لعالم المعاني (الذي لا يملك وجودًا مستقلًا أو حدًا خارجيًا كي يكون له آثار).
  3. وإذا قيل: لماذا سُمّي عالم المعاني (والأعيان الثابتة) “عالمًا”؟ نقول: نظرًا لإحدى الجهتين المتضمنتين في صفاته ـ من حيث هي صفات ـ يُسمّى “عالمًا”؛ وذلك لأنَّ الصفات تغاير الذات، ولأنَّ الصفات، من حيث تغايرها مع الذات، لا يوجد لها وجود مستقل، فلا يُعدُّ هذا من عوالم الموجودات؛ لأنَّ كون عالم المعاني “عالمًا” هو اعتبار فقط.
  4. ثمَّ جاء بعد عالم العقل، الذي هو مجرد اعتبار الحدّ فيه، عالم المثال؛ لأنَّ المعاني (مثل المحبة والبغضاء) في هذا العالم تظهر في صور أشكال. وهذا نوع آخر من التركيب الذي نشأ هنا. ثمَّ عالم الأجسام، نظرًا لظهور جميع ما سبق فيه (أي من حيث وجود الحدود والشكل والمكان)، يأتي بعد العوالم السابقة. وهذا العالم هو أكمل تركيب، وظهور الوجود في عالم الأجسام (في مرحلة النزول) قد انتهى، لأنه لا يوجد ظهور أبعد من الحسيات. وبما أنَّ كثرة الإمكانية قد وصلت إلى أقصى حدودها، فقد نالت صلاحية للظهور بوحدتها الوجودية، لأنه كلما تجاوز شيء حدّه، يتحوّل إلى ضدّه. ولهذا، حينما تمَّ خلق الجرم الأول (الفلَك الأفلاك والجسم الكلي)، الذي هو العرش العظيم وعرش الرحمانية، انتهى تجلّي الوجود وبلغ الكمال. لأنَّ مقام الاستواء في القرآن الكريم هو هذا العرش. وهذا أحد معاني الاستواء من حيث اللغة؛ كما يُقال: “استوى الرجل”، أي بلغ نموه إلى النهاية واشتدّ شبابه.
  5. ثمَّ هذه هي العوالم الثلاثة، بالإضافة إلى مرتبة الجلاء التي تضم التعيينين المذكورين، أي “الأحدية” و”الوحدوية”. لذا، تصبح المراتب أربعًا. الخامسة هي المرتبة الشاملة لجميع المراتب، وهي المرتبة الإنسانية. والمراتب العليا ـ أي المراتب المتعيّنة ـ تُسمَّى لدى العارفين بالمجالي والمنصّات والمطالع؛ لأنَّ المراتب المطلقة عندهم ستة مراتب؛ لأنَّ مرتبة غيب الهوية واللاتعيّن تُدخل أيضًا في المراتب. ولكن المهم هنا هو المراتب المتعيّنة. نفس الرحمنية تعمُّ جميع المراتب الخمس وتظهر بقدرها.

vلا شك أنَّ الإشكال لا يظهر إلا إذا كان “الإمكان” من صفات الوجود الحقيقية (أي الإمكان الوجودي والفقر الذي تعتقد فيه الحكمة المتعالية. والإمكان الفقري هو القُدرة على الوجود والحظ منه، الذي يُشار إليه بوصف وجودي)، أما إذا كان “الإمكان” أمرًا اعتباريًا عدميًا (أي الإمكان الماهوي كما يقول الفلاسفة المشائيون، الذي يتحدث عن عدم ضرورة طرفي الوجود والعدم)، فلا يظهر هذا الإشكال.

فنقول في الجواب: على فرض قبولنا بالاعتبار العدمي للإمكان، يجب أن يكون له موضوع يمتلك قابلية للوجود حتى يُصدق عليه. ذلك أنَّ الأشياء المستحيلة (والماهيات الممتنعة عن الوجود، مثل الشريك الباري) تحتاج إلى مجال ذهني أو موضوع يتصور فيه الموضوع والحكم، وإلا فلا يمكن تصورها. وبالتالي، بما أنَّ الممتنع يحتاج إلى موضوع، فإنَّ الأشياء الممكنة بالضرورة تحتاج إلى موضوع. لا يمكن أن يتصف الإمكان بالأمر المستحيل، إذ إنَّ قلب الحقائق المستحيلة محال. يبدو أنَّ هذا المعنى هو الذي يشير إليه المؤلف عندما يقول: “غير قابل للوجود” للتخلص من هذا الإشكال.

الوجه الثاني: هو أنَّ القول بالإيجاب والاقتضاء باطل أيضًا، إذ أنَّ هذين المفهومين (الإيجاب والاقتضاء) هما من المعاني النسبية التي لا تتحقق إلا بين أمور متغايرة (الفاعل والمفعول). فإذا كان في دائرة التحقيق (سواء كان ذاتًا أو صفة) أمر واحد، فإنَّ المعاني الأخرى (من الأسماء والصفات) هي محض عدم. لذلك، لا معنى للإيجاب والاقتضاء هنا؛ إذ إنَّ المعاني النسبية لا يمكن أن تكون قائمة على موضوع واحد، وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل. إذ إنَّ العلاقة بين الوجود وغييره هي علاقة سلب وإيجاب، فالوجود الذي هو واجب لا يمكن أن يُقبل الإيجاب، والغير الذي هو عدم محض لا يمكن أن يُقتضي منه وجود.

الوجه الثالث: لهذا، لا يوجد معنى صحيح للاعتقاد بالظهور هنا (وفقًا للاعتقاد بوحدة الوجود الشخصية)، فإما أن يكون المقصود بالظهور هو الوجود ذاته، أو الكائنات التي هي مبدأ النسب والإضافات. إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المطلق، فلا معنى للظهور كما ذكرنا سابقًا. أما إذا كان المقصود هو الوجود المقيد، فيجب أن يكون المقيد إما مقيدًا بقيود معينة خارجية أو بعقليات ذهنية. لا يوجد مجال لإحداهما.

الفرض الأول: إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المطلق، فلا يصح؛ لأنَّ بطلان اقتضاء الظهور للوجود المطلق لا يحتاج إلى بيان إضافي، فكل شيء لا يكون مقتضيًا لظهوره إلا إذا كان هناك شيء آخر غيره.

الفرض الثاني: إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المقيد، فمن الواضح أنَّ هذا التقييد لا يقبل الإيجاب والتأثير. كما ذكرنا سابقًا في البرهان أنَّ “الوجود لا يقبل التأثير”، والأشياء التي تفتقر إلى الوجود لا يمكن أن تؤثر. بناءً على هذا، لا يمكن أن يكون هناك ظهور للوجود المقيد لأنه لا يمكن تصور وجود تأثير أو ظهور في مثل هذه الحالة.

إذن، إذا كان المقصود بالظهور هو القيود العقلية التي تحدد وجودات معينة، فذلك محال؛ لأنَّ المحال لا يمكن أن يقبل وجودًا عقليًا أو وجودًا خارجيًا.

الوجه الرابع: القول بوجود عالمٍ “مثالي” لا معنى له، إذ أنَّ أغلب فلاسفة المشاء قد نفوه بإجماع، وقد قدموا براهين قاطعة على ذلك في كتبهم. ومن المستحيل أن يكون الواقع مخالفًا لما يعتقده هؤلاء الفلاسفة العظام، وإلا سيتزعزع أساس الاعتقادات البديهية.

الوجه الخامس: القاعدة التي تقول “إنَّ ما هو أبعد عن مصدر الوجود، يكون ظهور الوجود فيه أكمل وأتم” هي قاصرة عن الحقيقة. بل على العكس، ينبغي أن تكون المسألة عكس ذلك. من الضروري أن يكون القرب مقتضيًا للظهور بين الأثر والمسبب، بينما البعد يعني أنَّه لا يكون هناك تأثير أو ظهور.

الملاحظات على النص:

  • حتى الآن تم بيان نزول الوجود بشكل إجمالي. وقد طرح الشيخ أبو حامد بعض الإشكالات الستة التي يتطرق فيها إلى بعض المسائل المتعلقة بالوجود ووحدته الشخصية، وهو يقدم أجوبة عليها من خلال عدة استدلالات.
  • كما رأينا في الإشكالات الستة على وحدة الوجود الشخصية، فإنَّ هذه الإشكالات تُقدَّم بناءً على اعتقاد أهل التصوف بوحدة الوجود والإطلاق الإلهي، والردود الصحيحة والبراهين يمكن أن تسهم في توضيح هذه الفكرة للمنكرين والمتوقفين.

لا شك أنَّ الإشكال لا يظهر إلا إذا كان “الإمكان” من صفات الوجود الحقيقية (أي الإمكان الوجودي والفقر الذي تعتقد فيه الحكمة المتعالية. والإمكان الفقري هو القُدرة على الوجود والحظ منه، الذي يُشار إليه بوصف وجودي)، أما إذا كان “الإمكان” أمرًا اعتباريًا عدميًا (أي الإمكان الماهوي كما يقول الفلاسفة المشائيون، الذي يتحدث عن عدم ضرورة طرفي الوجود والعدم)، فلا يظهر هذا الإشكال.

فنقول في الجواب: على فرض قبولنا بالاعتبار العدمي للإمكان، يجب أن يكون له موضوع يمتلك قابلية للوجود حتى يُصدق عليه. ذلك أنَّ الأشياء المستحيلة (والماهيات الممتنعة عن الوجود، مثل الشريك الباري) تحتاج إلى مجال ذهني أو موضوع يتصور فيه الموضوع والحكم، وإلا فلا يمكن تصورها. وبالتالي، بما أنَّ الممتنع يحتاج إلى موضوع، فإنَّ الأشياء الممكنة بالضرورة تحتاج إلى موضوع. لا يمكن أن يتصف الإمكان بالأمر المستحيل، إذ إنَّ قلب الحقائق المستحيلة محال. يبدو أنَّ هذا المعنى هو الذي يشير إليه المؤلف عندما يقول: “غير قابل للوجود” للتخلص من هذا الإشكال.

الوجه الثاني: هو أنَّ القول بالإيجاب والاقتضاء باطل أيضًا، إذ أنَّ هذين المفهومين (الإيجاب والاقتضاء) هما من المعاني النسبية التي لا تتحقق إلا بين أمور متغايرة (الفاعل والمفعول). فإذا كان في دائرة التحقيق (سواء كان ذاتًا أو صفة) أمر واحد، فإنَّ المعاني الأخرى (من الأسماء والصفات) هي محض عدم. لذلك، لا معنى للإيجاب والاقتضاء هنا؛ إذ إنَّ المعاني النسبية لا يمكن أن تكون قائمة على موضوع واحد، وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل. إذ إنَّ العلاقة بين الوجود وغييره هي علاقة سلب وإيجاب، فالوجود الذي هو واجب لا يمكن أن يُقبل الإيجاب، والغير الذي هو عدم محض لا يمكن أن يُقتضي منه وجود.

الوجه الثالث: لهذا، لا يوجد معنى صحيح للاعتقاد بالظهور هنا (وفقًا للاعتقاد بوحدة الوجود الشخصية)، فإما أن يكون المقصود بالظهور هو الوجود ذاته، أو الكائنات التي هي مبدأ النسب والإضافات. إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المطلق، فلا معنى للظهور كما ذكرنا سابقًا. أما إذا كان المقصود هو الوجود المقيد، فيجب أن يكون المقيد إما مقيدًا بقيود معينة خارجية أو بعقليات ذهنية. لا يوجد مجال لإحداهما.

الفرض الأول: إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المطلق، فلا يصح؛ لأنَّ بطلان اقتضاء الظهور للوجود المطلق لا يحتاج إلى بيان إضافي، فكل شيء لا يكون مقتضيًا لظهوره إلا إذا كان هناك شيء آخر غيره.

الفرض الثاني: إذا كان المقصود بالظهور هو الوجود المقيد، فمن الواضح أنَّ هذا التقييد لا يقبل الإيجاب والتأثير. كما ذكرنا سابقًا في البرهان أنَّ “الوجود لا يقبل التأثير”، والأشياء التي تفتقر إلى الوجود لا يمكن أن تؤثر. بناءً على هذا، لا يمكن أن يكون هناك ظهور للوجود المقيد لأنه لا يمكن تصور وجود تأثير أو ظهور في مثل هذه الحالة.

إذن، إذا كان المقصود بالظهور هو القيود العقلية التي تحدد وجودات معينة، فذلك محال؛ لأنَّ المحال لا يمكن أن يقبل وجودًا عقليًا أو وجودًا خارجيًا.

الوجه الرابع: القول بوجود عالمٍ “مثالي” لا معنى له، إذ أنَّ أغلب فلاسفة المشاء قد نفوه بإجماع، وقد قدموا براهين قاطعة على ذلك في كتبهم. ومن المستحيل أن يكون الواقع مخالفًا لما يعتقده هؤلاء الفلاسفة العظام، وإلا سيتزعزع أساس الاعتقادات البديهية.

الوجه الخامس: القاعدة التي تقول “إنَّ ما هو أبعد عن مصدر الوجود، يكون ظهور الوجود فيه أكمل وأتم” هي قاصرة عن الحقيقة. بل على العكس، ينبغي أن تكون المسألة عكس ذلك. من الضروري أن يكون القرب مقتضيًا للظهور بين الأثر والمسبب، بينما البعد يعني أنَّه لا يكون هناك تأثير أو ظهور.

الملاحظات على النص:

  • حتى الآن تم بيان نزول الوجود بشكل إجمالي. وقد طرح الشيخ أبو حامد بعض الإشكالات الستة التي يتطرق فيها إلى بعض المسائل المتعلقة بالوجود ووحدته الشخصية، وهو يقدم أجوبة عليها من خلال عدة استدلالات.
  • كما رأينا في الإشكالات الستة على وحدة الوجود الشخصية، فإنَّ هذه الإشكالات تُقدَّم بناءً على اعتقاد أهل التصوف بوحدة الوجود والإطلاق الإلهي، والردود الصحيحة والبراهين يمكن أن تسهم في توضيح هذه الفكرة للمنكرين والمتوقفين.
  • من هذا المنطلق كان من الأفضل أن يُقال: “الآن وقد تم الحديث عن الوجود – الذي هو واحد لا أكثر، وهو واجب الوجود، وما يقابله هو السلب المحض، لا العدم ولا الملكة – فإن مقابله سيكون العدم. وبما أن هذا هو الحال، فإنه لن يكون هناك إيجاب ولا اقتضاء، وبالتالي فإن الحديث عن الظهور وما شابه يكون غير ذي فائدة”.
  • من بين ستة إشكالات تم الإشارة إليها، فإن الشبهات الرابعة والخامسة لا علاقة لهما بوحدة الوجود الشخصية، ولا تتفرع من التوحيد العرفاني. ولذلك، ينبغي تقسيم هذه الإشكالات إلى إشكالات تابعة وغير تابعة، أو متعلقة وغير متعلقة، بدلاً من تقسيمها إلى إشكالات خاصة وعامة كما تم ذكره في التحرير.
  • يجب أن نلاحظ أن هدف المشكك – حتى وإن كان فرضياً – هو بيان هذه الحقيقة: أنه بالإيمان بوحدة الوجود الشخصية، لا يبقى مجال للحديث عن مواضيع مثل الإمكان، والإيجاب والاقتضاء، والظهور، وتعدد العوالم، وهذا يعني أن المشكك يعتبر هذه المسائل من البديهيات الفلسفية والضروريات الدينية والعقلية الأولى، ويريد أن يوجه ضربة قاصمة للبنية الفكرية والمعرفية للقائلين بوحدة الوجود الشخصية باستخدام هذه الأمور.
  • الوصل الخامس والثلاثون
  • في دفع الشك الأول
  • قال:
    “قلنا: إن موضوعات الإمكان وما يرتبط بها بطبيعتها هي التعيِّنات، ولا نُسلّم أن الماهيات والنِّسب والإضافات والصفات غير قابلة للوجود؛ فإنها إذا اقترنت بالوجود ورافقها الوجود، أصبحت موجودة بالضرورة. فمن التعيّنات ما يكون موضوعها الطبيعي الوجود الخارجي، ومنه ما يكون موضوعها الطبيعي الوجود العقلي، ومنها ما يكون موضوعها بالطبع الوجود المطلق.
  • نعم، هي ليست موجودة بوجود يكون عينها أو مقومًا من مقوماتها. وإذا كانت الماهيات – من حيث هي هي – غير مجعولة ولا معلولة، فلا يلزم أن تكون الماهيات الموجودة غير مجعولة ولا معلولة، لأنها لما صارت بمقارنة الوجود موجودة، احتاجت في وجودها إلى مقارنة الوجود الذي هو غيرها بالضرورة. ولا يجب أن يكون كل موجود موجودًا بالذات؛ فبعض الموجودات موجودة بالعرض، فتأمل في ذلك.
  • وهذه الموجودية من الاعتبارات العقلية، ولذلك قد تعرض لها الصفات السلبية والعوارض الذهنية العدميّة. ومن جعل الوجود المطلق من الاعتبارات العقلية، فقد يكون لم يفرق بينه وبين هذه الموجودية؛ بل التبس عليه الأمر بين القسميين، فاعتبر الحقيقة المحققة بذاتها – التي هي أصل جميع الحقائق الحقيقية – أمرًا اعتباريًا. فاعرف ذلك”.
  • الوصل السادس والثلاثون: الإجابة عن الشك الأول
  • نقول: إن موضوعات الإمكان وما يرتبط بها (والخصائص التي ترتبط بالإمكان، حتى المادة لا يمكنها أن تكون ممكنة حتى يظهر آثارها) هي التعيّنات الطبيعية (أي الماهيات حسب رأي المشكك وظهورات حسب رأينا، وبالتالي يمكننا القول أن التعيّنات هي نفس الكثرات الظهورية ومواضيع الإمكان) ولا نقبل أن الماهيات والنسب والإضافات غير قابلة للوجود؛ لأنها إذا اقترنت مع الوجود، ورافقها الوجود، فإنها تصبح موجودة بالضرورة، لأن الموضوع الطبيعي لبعض التعيّنات والماهّيات هو الوجود الخارجي، وموضوع الطبيعي لبعضها هو الوجود العقلي (والذهنى)، وموضوع الطبيعي للبعض الآخر هو الوجود المطلق (الذي هو أعم من الوجود العقلي والخارجي، وهذا المقصود هنا هو الظهور، والفيض والنفس الرحماني الذي هو موضوع للتعيّنات، حيث أن الوجود الخارجي والذهنى كلاهما مستفيض من هذا الفيض).
  • نعم، الماهيات الموجودة ليست موجودة بوجود يكون عينها أو مقوّمًا من مقوماتها. إذا كانت الماهيات – من حيث هي هي – غير مجعولة ولا معلولة، فلا يلزم أن تكون الماهيات الموجودة غير مجعولة ولا معلولة؛ لأنها لما صارت بمقارنة الوجود موجودة، فهي احتاجت في موجوديتها إلى مقارنة الوجود الذي هو غيرها بالضرورة. ولا يجب أن يكون كل موجود موجودًا بالذات؛ لأن بعض الموجودات موجودة بالعرض (أي وجود تابع). فالتأمل في هذا مهم.
  • الطریق الذي سلكه الإمام أبو حامد، والذي تبعه شارح المتن في الرد على هذا الاعتراض، هو بحث كلامي ومناظرة فلسفية من منظور الحكمة المشائية والإشراقية، التي تقبل للموجودات جعلًا واتصافًا بالوجود. بينما من وجهة نظر العرفان، فإن طرح هذه المسائل لا أساس له.
  • إثبات وتوضيح مسائل ومباحث العرفان العميقة باستخدام أسس فلسفية غير مكتملة ومتناقضة من الحكمة المشائية والإشراقية، لا يسهل عادةً. وهذا ما يبرز قدرة وإبداع الإمام أبو حامد وشارحه في هذا المجال، حيث تمكنا من اجتياز جزء من هذا الطريق الصعب تدريجيًا. وإذا كان اليوم الحديث عن هذه المسائل يبدو يسيرًا، فإن ذلك يعود إلى جهود ومثابرة هؤلاء العظماء. خاصة في ظل تطور العقلانية والعلوم، وظهور المدارس العقلية والعرفانية التي سهلت شرح هذه المشاكل وجعلتها أكثر فهمًا للعديد من الناس.
  • يقول الإمام أبو حامد: “إن موضوعات الإمكان وما يتعلق بها هي بطبيعتها التعيُّنات”. وهذا يعني أن موضوع الإمكان هو التعيُّنات والظهورات، ومن حيث أن الوجود له مظاهر وتعيُّنات، فإن “الإمكان” يتحقق. لكن يجب القول إنك قبل الرد على إشكال الإمكان، يجب الرد أولًا على إشكال الظهور، والذي هو نفسه الإشكال الثالث، فقط في هذه الحالة سيُصبح الموضوع مهيأ للوصف بالإمكان وللتعيُّنات والظهورات.
  • كان من الأفضل أن تُقال العبارة: “التعيُّنات هي موضوعات للإمكان”، بدلاً من قول “إن موضوعات الإمكان وما يتعلق بها هي بطبيعتها التعيُّنات”.
  • أما قول الإمام أبو حامد: “ولا نُسلِّمُ أن الماهيات والنِّسب والإضافات والصفات غير قابلة للوجود”، فهو غير صحيح، لأن التعبير عن التعيُّنات والأعيان الثابتة ـ التي هي الظهورات العلمية والظهورات الخارجية ـ بالماهيات التي هي مجرد اعتبارات ذهنية، ليس دقيقًا. لذلك يجب الحديث فقط عن الوجود والظهور، والتخلي عن المصطلحات مثل الماهية، والممكن، والإمكان، لأنها جميعًا مستمدة من الفلسفة المشائية السائدة، التي لا أساس لها من الصحة. الأعيان الثابتة هي لوازم ذاتية وظهورات حقيقية للحق، ولا يتناسب الحديث عن المقارنة في هذا المقام.
  • أما قول الإمام أبو حامد: “فإنها لو قارنت الوجود وقارنها الوجود صارت موجودة بالضرورة”، والتعبير عن مقارنتها بالوجود باعتبارها السبب في وجود الماهية، فهو القول بالجعل والاتصاف، وهو مرفوض في العرفان. الماهية ليست شيئًا يصبح موجودًا بمقارنة مع الوجود، وإذا كان يُفترض أن للماهية وجودًا قبل المقارنة مع الوجود، فهذا هو الرأي الذي يظن أن العلاقة بين الوجود والماهية هي علاقة عدميّة. بينما العارف يرى هذه العلاقة على نحو سلب وإيجاب، ويقول: “الوجود هو الحق، وغير الحق ليس شيئًا”.
  • وقد تبين أن الحديث عن المقارنة والاتصاف بالوجود والوجود العرضي والتبعي للماهية، وكذلك الحديث عن الجعل والعلية، ليس له مكان في العرفان. فإبداع الماهية التي هي في ذاتها عدَم، بالمقارنة مع الوجود هو مثل القول بخلق المخلوقات من العدم. لكن العرفان يتحدث عن ظهور العلم في عين الوجود، لا عن خلق من العدم. ولذلك، فإن المقارنة بين الوجود والعدم مستحيلة، ومن ثم فإن الحديث عن الاتصاف والجعل… هو أيضًا خطأ.
  • إمام أبو حامد يذكّر المرحوم شيخ الإشراق قائلاً: “لقد أخطأت في اعتبارك الحقيقة الوجودية ـ التي هي أصل جميع الحقائق الحقيقية ـ كاعتبارية”. لكن يجب أن يُقال للإمام أبو حامد نفسه: “إنك أنت أيضًا، حينما تقول: “إن هذه الموجودية من الاعتبارات العقلية، ولذلك قد تعرض الصفات السلبية والعوارض الذهنية العدمية”، قد جعلت جميع الظهورات اعتبارية وذهنية”.
  • إذا كان الحديث عن اعتبارية العلم والإدراك بالنسبة للظهورات مطروحًا، فلا ينبغي أن يُنسب ذلك إلى اعتبارية الظهورات نفسها. فعلى سبيل المثال، القول “زيد وعلمه” يعتبر اعتبارًا، بينما الظهور الاعتباري والخيالي شيء آخر.
  • أما الحديث عن وسائط في الثبوت أو العروض أو الاتصاف، فلا يخص مجال العرفان. فالحقيقة التي يصفها الإمام أبو حامد بعد المقارنة بين الماهية والوجود هي موجودية عرضية للماهية، وهذه الموجودية العرضية هي اعتبارية، ذهنية وغير واقعية.
  • في الوجود، لا يوجد إلا الحق وظهوراته. نحن نتحدث عن الظهورات، لا عن الممكنات والماهيات. وهذه الظهورات هي حقائق ولكنها ليست مستقلة. فهناك وجود واحد وهو الوجود، وظهور واحد وهو الظهور، وكل منهما حقيقة. الظهور هو تنزيل الوجود، وترقية الظهور هو الوجود نفسه.
  • علاقة الوجود بالظهور ليست وساطة في الثبوت، ولا في العروض ولا في الاتصاف، ولا في الإثبات؛ لأن في العلاقة بين الوجود والظهور، لا يوجد وسيط في الأصل بحيث يُتحدث عن الثبوت أو الإثبات.
  • أيضًا، الظهور ليس مجرد وجود محمول على شيء شرطًا للشيء، كما في المثال “زيد الموجود موجود”، بل يجب أن نعتبر الظهور من لوازم ذاتية للوجود، مثل الزوجية للأربعة.
  • ترجمه عربی:
  • إذا قيل: “إن التعيّنات (و الظهورات) معدومةٌ محضةٌ”، فالإجابة تكون:
  • في حال القول بأن التعيّنات معدومةٌ محضةٌ، يكون المقصود هو النظر إليها من ناحية مجرد كونها تعيّنات، وهي في هذه الحالة لا تحمل حقيقة ثابتة، بل هي اعتبار ذهني محض. ومع ذلك، إذا اعتبرنا التعيّنات من حيث هي حالات للوجود، تكون مرتبطةً بالوجود نفسه، وتظهر فيه كظهورات له، فإن التعيّنات حينئذ لا تكون معدومة؛ لأن التعيّنات، في بعض الأحيان، تُعتبر كثرة حقيقية (أي تنتمي إلى التعدد الواقعي)، وبالتالي هي ليست مجرد معدومات. في أحيان أخرى، وُجودها باعتبار كونها معروضًا للوحدة، يظهر وجودها، ويُعتبر ذلك أمرًا حقيقيًا أيضًا، إذ ترتبط هذه التعيّنات بالمفاهيم الأخرى للوجود، مثل الإيجاب والاقتضاء وما شابهها، كمفهوم العلية.
  • ملاحظات النص:
  • الملاحظة الثانية تتمثل في القول: “بناءً على وحدة الوجود الشخصية، لا يمكن أن يكون هناك مكان للإيجاب والاقتضاء”، إذ إن كل مظاهر الوجود، بما في ذلك أسماؤه وصفاته، تندرج ضمن وجود واحد. وبالتالي، لا يبقى مجالٌ للإيجاب والاقتضاء.
  • الجواب على هذه الملاحظة يكون أن المقصود من “الظهور” في معرفات أهل الحكمة هو تنزيل الوجود المطلق من إطلاقه الذاتي إلى تعيّناتٍ خاصة. لذلك، يُطلق على هذا النزول مصطلح “الظهور”، حيث أن هذه التعيّنات، بدءًا من مرتبة الوحدة العليا (الأحدية) حتى مستوى النطاقات النسبية (كالعالم المادي)، كلها تعتبر نزولاتٍ للوجود.
  • أما عن مسألة الإيجاب والاقتضاء:
  • الوجود، بما هو وجود، لا يتطلب اقتضاء لظهوره؛ لأن الإقتضاء يعني أن هناك حالة استعداد لتلقي الظهور، بينما وجود الظهور هو أمرٌ واجب وحقيقي في ذاته، ولا يتطلب أية فكرة تقاضٍ أو اقتضاء خارجي. لذلك، من الخطأ استخدام مصطلحَي “الإيجاب” و”الاقتضاء” معًا؛ بل الصحيح هو القول بأن “الوجود يوجب الظهور”.
  • النقطة الأهم في الإشكالات الأربعة المرتبطة بوحدة الوجود الشخصية:
  • تتمثل في مسألة الظهور. بناءً على الإشكال الثالث الذي ينكر الظهور، فإن الاعتقاد بوحدة الوجود الإلهية لا يمكن أن يستمر.
  • إذا كان المقصود من الظهور هو الوجود أو الماهيات، فإن الفرض الأول يتضمن إما الوجود المطلق أو الوجود المحدود (المقيد)، وهو أمر بديهي أنه لا يحمل أي تكامل في نفسه. أما الفرض الثاني، الذي يعتبر أن الظهور يعود إلى الماهيات التي هي غير مرتبطة بالوجود، فهو باطل أيضًا، لأن الماهيات والعيان تعتبر عدمًا محضًا في مقابل الوجود.
  • المفهوم الأساسي من الظهور في الجواب على الإشكال الثالث والرابع:
  • نحن في دار الوجود نعتبر أن هناك وجودًا واحدًا هو الحقيقة الإلهية، وظهور هذا الوجود يكون متعلقًا بما سواها. العلاقة بين الحقيقة والظهور تتسم بالاستقلال الذاتي والتبعية. ومن خلال هذه العلاقة، يمكن القول بأن الظهور ليس موجودًا بالمفهوم التقليدي، بل هو حالة تابعة للوجود، وبالتالي ليس معناه أن الظهور هو عدم.
  • إذاً، الظهور ليس مجرد تعدد، بل هو تجلي الوجود المطلق من خلال تعيينات مختلفة.

يستحق أن يُفهم أن “المطلق” هنا يشمل كلّ من الوجود العقلي والعيني، كما ذكر في بداية المقال، لا المطلق الحقيقي (السمّدي) الذي يستحيل فيه حدوث شيء.

وعلاوة على ذلك، على الرغم من أن هذا القول يبذل أقصى الجهد في هذا السياق، فإنه يدل فقط على وجود ذلك العالم بشكل إجمالي، ولكنه لا يدل بأي حال على حقيقته؛ لذلك تم تحويل البحث إلى كتاب “الحكمة المنعية” (وفي هذا المكان اكتفى فقط بذكر تمثيل لإزالة الاستبعاد والاستحالة).

ملاحظات النص:

  1. في هذه الفقرة، يجيب الإمام الغزالي عن الإشكال الرابع، الذي يتعلق بالتمييز بين الظهورات العقلية والعينية، أي بين الغيب والشهادة، وكذلك تمييز العوالم الثلاثة العقلية والمثال والطبيعية في الظهورات العينية؛ لأن التمييز بين شيئين أو أكثر يحتاج إلى مقياس ومرجعية، بينما بناءً على وحدة الوجود الشخصية، لا يوجد شيء غيري يمكن أن يكون أساسًا لهذا التمييز.
  2. يُطرح الإشكال هنا من ناحية كون وحدة الوجود عدديّة وبالتالي يعادل ذلك عدم وجود الكثرات. لذلك، إذا تم رفع هذا الإشكال، يمكن الإجابة على تمييز العوالم الوجودية.
  3. المُشكك في الإشكال يصرّ على أنه: بما أن الوجود واحد، فلا يمكن الاعتراف بوجود عوالم متعددة؛ لأن الوجود الذي هو فوق المعدومات لا يقتضي التعدد، إذ إن منشأ التعدد هو إما الوجود نفسه أو علاقات الأسماء والأعيان الثابتة أو مجموعهما. وبالتالي، فإن الوجود المطلق الذي هو واحد حقيقي لا يمكن أن يكون مبدأ للاختلافات، وبالتالي فإن الاختلاف بين العوالم وخاصة بين عالم الغيب والشهادة لا مبرر له.
  4. في إجابته على هذا الاعتراض، يقتصر الغزالي على رفع الاستحالة وإثبات إمكانية التعدد بين عالم المعاني والشهادة دون أن يدخل في تقديم برهان مفصل على إثبات عالم الشهادة.
  5. عند الإجابة على من يعترض على إمكانية وجود العوالم واعتبارها مستحيلة، يتعين علينا إثبات الإمكانية ورفع الاستحالة، ولهذا اكتفى الغزالي بتمثيل (من المعقول إلى المحسوس) الذي يفهم منه تعدد العوالم. وبالتالي، يمكن التعدد في العوالم مع الحفاظ على الوحدة.
  6. إذا كان هناك اعتراض على كيفية أن الوجود واحد بينما مظاهره متعددة، فالإجابة هي أنه كما لا يوجد اعتراض على أن طبيعة واحدة يمكن أن تكون مطلقة ولكن بخصائص متعددة من استقلال وعدم استقلال، فإنه يمكن التعدد في العوالم رغم وحدة الوجود.
  7. يمكن القول إن الجواب على هذا الإشكال غير مكتمل، لأن المثال الذي استخدمه الغزالي في شرح التعدد في العوالم لا يتناسب مع القضية المطروحة حول حقيقة الوجود.
  8. فيما يتعلق بالقول: “الوجود المطلق” الذي يتضمن الوجود العلمي والعيني، في كلام صاحب “التمهيد” هو مرتبة “الأحدية” التي تشمل عالم الوحدة والعوالم العينية الأخرى. هذه العوالم في هذه المرتبة مخفية ومستورة.
  9. في ضوء ما ذكره قونوي في “مفتاح الغيب”، يشير إلى أن الوجود المنبسط على الأكوان والاختلافات المدركة في الوجودات المتفرعة عن الوجود الواحد ترجع إلى اختلاف الحقائق الكونية القابلة، وليس لاختلاف الوجود ذاته. يوضح أن الوجود في ذاته واحد، ولكن ظهوره يكون مختلفًا بحسب الحقائق القابلة له، كما يظهر في مختلف العوالم.
  10. أقول :
  11. هذا تحقيقٌ تَنحلُّ به الشُّبهةُ الأخيرةُ، وتقريرُه: أنّ مرادَهم بأكمليّة المرتبة الأخيرة بحسب ظهور الوجود، هو تنوّعُ وجوه الظهور، وتعدّدُ آثاره؛ إذ المرتبةُ عبارةٌ عن أثرٍ يكون صورةً ومَظهرآ لمؤثّره، فكلُّ ما كان وجوهُ ظهور المؤثَّرِ في ذلک الأثر أكثرَ، وتنوّعاتُ قبولِ آثاره فيه أشملَ، كان أكملَ بالضَّرورة، وذلک بيّنٌ وظاهرٌ في المحسوسات[148] ؛ فإنَّ ما يكون مدرَكآ على سبيل الإجمال
  12. بحسب عوارضه الكلّيّة ولواحقه العامّة ـ ككونه موجودآ و ذاحياةٍ ـ ومعقولا على سبيل التفصيل بحسب ماهيّته وحقيقته من حيث ذاتيّاته ومقوّماته ـ ككونه ذا حسٍّ وحركةٍ ونطقٍ ـ هذا كلُّه من حيث حقيقته الكليّة.
  13. وأمّا من حيث تشخّصه الجزئي وتعيّنه الخارجي، فيكون عند غيبته عن الحواسّ وبُعْدِهِ مخيّلا بحسب صورته الشخصيَّة ـ ككونه ذا كمٍّ وكيفٍ ووضعٍ معيَّنٍ ـ وموهومآ بحسب المعاني الجزئية المتعيّن هو بها ـ ككونه ذا نسبٍ معيَّنةٍ، مثلُ أنّه أبٌ لشخصٍ وإبنٍ لآخَرَ، ومحبٍّ ومحبوبٍ وغيرِ ذلک ـ ومحسوسآ بالحواسّ الظاهرة عند حضوره وقربه، ولا شکَّ أنّ آثارَ الوجود وخواصّه فيه أكثرَ ممّا لا يكونُ مدرَكآ بجميع هذه الوجوه من المراتب، وذلک لاشتمال تعيّنِه الواحد الّذي هو الغاية القصوى للحركة الإيجاديّة على جميع تنوّعات الظهور المتكثّرة؛ إذ الظهورُ بأحديّة جمع الجمع هو الغايةُ.
  14. ثمّ إنّ سائرَ المادّيات من الجسمانيّات، وإن كانت مشتملةً على جميع الوجوه الظهوريّة المدركة القابلة، لكنَّه ليس فيها شيءٌ من الوجوه الإظهاريّة الإدراكيّة المتصرِّفة، إلّا المرتبةُ الأخيرةُ منها، هي النشأةُ العنصريّةُ الإنسانيّةُ[149] ؛
  15. فإنَّها كما أنّ لها إحاطةٌ بحسب ظهورها على جميع وجوه الظهور، ومراتبِ الصُّور، كذلک لها الإحاطةُ بحسب جميع مراتب الإظهار أيضآ؛ فإنّ الإنيّةَ المدرَكةَ المتصرَّفةَ الّتي فيها مدرِكةٌ بجميع هذه الإدراكات، بخلاف سائر الإنّيات المدرَكة المتصرِّفة الّتي في المراتب الباقية من العقول والنفوس؛ فإنّها ليس لها تنوّعاتُ وجوهِ الإدراک مثلها.
  16. فَعُلِمَ من هذا: أنّ للمرتبة الإنسانيّة أحديّةَ جمعٍ بحسبِ كلِّ واحدٍ من الطرفين ـ أعني طرَفَي الظهور والإظهار ـ إذ هو بالحقيقة مجمعُ بَحْرَيِ الفاعل والقابل، ولهذا يُعَبَّر عن حقيقته بـ ِ «قاب قوسي الوجوب والإمكان»، وسيجيءُ لهذا البحث مزيدُ بسطٍ، إن شاء اللّه تعالى.
  17. لا يقال : إنَّ السؤالَ كان عامَّ الورود بالنّسبة إلى جميع المراتب المَنزَّلة إذا نُسِبَتْ إلى ما هو أعلى منها، والجوابُ ـ حسَب ما قررَّه المصنّفُ ـ مخصوصٌ بالمرتبة الأخيرة، فكيف يَتطابقان.
  18. لأنّا نقول : وإن كان هذا الجوابُ بحسب صورته التمثيليّة ـ الّتي التزَم المصنّفُ ابتناءَ بيانه عليها، تقريبآ للأذهان المتعلِّمين ـ له اختصاصٌ بالمرتبة الأخيرة ظاهرآ، لكن لا يخفى على اللّبيب وجهُ تعميمه بحسب سائر المراتب، فإنّ سائرَ المراتب المتنزّلة إذا استقْصيتَ بالنِّسبة إلى ما هو أعلى منها، تَرى أثرَ الظهور فيها أتمَّ، ووجوهَه أكثرَ، كالحيوان مثلا بالنّسبة إلى النَّبات، والنَّبات بالنسبة إلى المعادن، والمعادن بالنَّسبة إلى بسائطها، وهكذا إلى آخره؛ فإنّ جميعَ ما هو أنزلُ، تَرى وجوهَ ظهوره أشملَ، هذا هو الوجهُ الإنّيُّ الّذي ذكَره المصنّفُ تقريبآ للأذهان.
  19. وأمّا بيانُ لِمّيّة ذلک، فهو أنّ الظهورَ بحسب المَدارک إنّما هو بحسب اختفاء الحقيقة وأحكامِها الذاتيّة الإطلاقيّة وظهورِ النّسب الأسمائيّة، وذلک إنّما هو حسب تَراكُمِ قيود الإمكانيّة، وتَعاكُسِ وجوه الكيانيّة، فكلُّ مرتبةٍ يكون أنزلَ بحسب مرتبة الوجود، لابدّ وأن تكونَ تلک القيودُ فيها أكثرَ؛ إذ النازلُ مشتملٌ على ما اشتمَل عليه العالي من تلک القيود، مع ما اختصَّ به في تنزّلاته، وكلُّ ما كان أنزلَ، لابدّ وأن يكونَ للخواصّ والأحكامِ أشملَ، وكلُّ ما كان أشملَ، كان أكملَ؛ ضرورةَ أنّ الكمالَ هو الجامعيّةُ التِي يَستتبعُ الخلافةَ الإلهيّةَ ـ كما سَتطّلعُ عليه، إن شاءَ اللّهُ تعالى ـ هذا معنى ما اتّفَق عليه كلمةُ القوم في
  20. هذا المقام.
  21. ثمّ إنّ المصنّفَ لمَّا كان في صدد إفحام الخصم على ما التزَمه من الطريق فلا يَستقيمُ له على قانون التّوجيه أخذ المسلّمات في طيّ المقدّمات، فلهذا عدَل عن عبارة القوم إلى تحقيقٍ له يكون كالوجه الإنّي لبيان المتنازَع فيه، بحيث تَصيرُ به المسألةُ كالمشاهَدات لا يُمكنُ لأحدٍ من ذوي العقول السَّليمة أن يَشُکَّ فيها، ونبَّه على ذلک بقوله: «لعلَّهم أرادوا».
  22. هذه هي الدراسة التي يُزال بها آخر شبهة (الاشكال السادس). والتقرير أن معنى إكمال المرتبة الأخيرة (أي عالم الأجسام) من حيث ظهور (وفعلية) الوجود هو تنوع أوجه الظهور وتعدد آثار الوجود؛ لأن “المرتبة” هي الأثر الذي يكون شكله ومظهره هو المؤثر. لذا، كلما كانت أوجه ظهور المؤثر في ذلك الأثر أكثر، وكان تنوع القبول للآثار فيه أوسع وأشمل، كان الظهور أكمل. وهذا في المحسوسات واضح وظاهر؛ (تقرير دليل الأول من جناب أبي حامد) لأن الموجود الذي يدرك إجمالًا من حيث العوارض العامة وملحقاتها العامة (أي العوارض العامة)، مثل كونه موجودًا وحيًا، وأيضًا بالتفصيل من حيث الماهية والحقيقة، أي من حيث الذاتيات والمقومات (أي الجنس والفصل)، يتم التأمل فيه كما لو كان يمتلك الحواس والحركة والكلام. وهذه كلها من حيث الحقيقة العامة لذلك الموجود.
  23. أما من جهة التخصيص الجزئي والتعيين الخارجي، الذي يظهر في الخيال عندما تغيب الحواس وتبتعد عنها، فيظهر في صورة شخصية كما لو كان له كمية وكيفية ووضع معين، أو بحسب المعاني الجزئية التي تعينه ويظهر في الخيال؛ مثل كونه والدًا لشخص معين أو ابنًا لشخص آخر، أو محبًا ومحبوبًا، وغير ذلك. وعندما يكون هذا الموجود حاضرًا قريبًا، يُحسّ بحواسه الظاهرة. هذا النوع من الوجود (عالم الأجسام) الذي يملك جميع هذه أوجه الظهور، تكون آثار وجوده وخصائصه أكثر من موجود آخر (عالم العقول) الذي لا يُدرك بكل مراتب هذه الأوجه للظهور؛ لأن تعيين هذا الوجود الواحد، الذي هو نهاية الحركة الخلقية، يشمل جميع تنوعات الظهور المتعدد، لأن الظهور في وحدة الجمع (أي الفعلية المحضة والإنسان الكامل). ولكن هذا القول – أي وحدة الجمع – يتنافى مع سير النقاش الذي كان يدور حول عالم الأجسام، والغاية من الحركة الخلقية (في القوة والنزول والعطش المحض).
  24. ثم إن المواد الجسدية (ما عدا الإنسان) على الرغم من أنها تشمل جميع أوجه الظهور المدركة، إلا أن أوجه الظهور الإدراكية المتصرفة لا توجد في الماديات، إلا في مرتبتها الأخيرة (أي في الماديات الجسدية التي هي نشأة إنسانية). لذا، كما أن النشأة الإنسانية تتمتع بظهور كامل لجميع أوجه الظهور ومراتب الأشكال، فهي تحوز جميع مراتب الإظهار أيضًا؛ لأن الوجود المدرك المتصرف في نشأة الإنسان (أي في عالم الماديات) هو مدرك لجميع هذه الإدراكات، بخلاف سائر الموجودات المدركة المتصرفة في المراتب الأخرى مثل العقول والنفوس؛ لأن هذه المراتب لا تملك تنوعات أوجه الإدراك (من حيث الجمع). فالعالم العقول والمثال، له ظهور وله إظهار، ولكن عالم المادة له ظهور فقط.
  25. الجزء التالي من النص هو:
  26. … الوجود الأعلى الذي يمتلك فعالية أكبر لا يحتاج إلى شيء من الموجودات الأدنى؛ لأنه يمتلك جميع الكمالات على أكمل وجه. يقول الشيخ الرئيس في “الإشارات”، الفصل الخامس من النمط السادس: “والعالي لا يكون طالباً أمراً لأجل السفلي”، حيث أن النظر إلى الأدنى لا يحتاج إلى حاجة أو طلب، لأن جميع الكمالات التي تخص العوالم العليا تكون كاملة في مرتبتها ولا تحتاج إلى شيء من الموجودات الأدنى.
  27. القضية الثانية: “الموجود في عالم الوجود لا يتجزأ”، بمعنى أن كل موجود في عالم الوجود لا يمكن أن يتجزأ. بعبارة أخرى، فإن عالم الوجود في جوهره واحد، وأي تغيير أو تحول يحدث في مراتب الوجود المختلفة هو في الواقع نوع من التفاوت في شدة وضعف تجليات الكمالات الواحدة. يظهر هذا بوضوح خاصة في عالم المجرّدات والمادة، حيث أن كل كمال يظهر في الكائنات الأدنى (مثل المواد والأشياء الفيزيائية) هو انعكاس للكمالات في العوالم العليا (مثل عالم العقل أو العوالم القدسية).
  28. ومع ذلك، يجب أن نلاحظ أن الفروق بين مراتب الوجود المختلفة تتعلق بتجليات الوجود وآثاره، لا بتقسيم الذات الوجودية نفسها. بمعنى آخر، كل موجود في أي مرتبة من مراتب الوجود هو “تجلي” أو “ظهور”

الترجمة إلى العربية الفصيحة:

المعنى:
وهذا يعني أن الشخص يبحث عن غاية وهدف خارج عن ذاته؛ فالفعل الذي يقوم به الشخص يتم بدافع الغرض والغاية، أي أن أداء الفعل هو الأولوية لديه، وهذا لا يتناسب مع الكمال المطلق الذي لا يتأثر بالحاجة أو الغرض.

في كتاب “الأسفار الأربعة” للفيلسوف صدر المتألهين، في الفصل الرابع عشر من الموقف الرابع، يُذكر: “وقد تحقق عند القوم أن العالي لا يلتفت إلى السافل، وإنما يراد به العالي من كل وجه أو العالي من جهة علوّه” [154].

القاعدة الثانية:
إنَّ “الظرف القابل” يختلف عن “الظرف الفاعل”، حيث أن القبول يختلف عن الفعلية. القابل هو ظرف الفقدان، بينما الفاعل هو ظرف الوجود. في القبول، نجد الشوق، لأنه طلبٌ لما هو مفقود، أما في الفعلية، فنجد الحب، حيث أن الحب يتعلق بالحفاظ على الموجود.

إذن، الفعلية هي ظرف الملكية والفعل، بينما القبول هو ظرف الطلب والاستعداد. من هنا، كلما زاد ظرف الفعلية، قلّ القبول، والعكس صحيح. بناءً على هذا المبدأ، نعلم أن الله تعالى في كمال فعليته التامة لا يملك أي قابلية، بينما المادة الأولى تمثل القابلية المطلقة ولا تملك أي فعلية، والفعلية هنا هي عدم فعلية هذه المادة.

وعليه، فإن أهمية عالم المادة والأجسام تكمن في قابليتها، وإذا كنا نتحدث عن السعة، فالمقصود هنا هو السعة المطلقة في القبول والاشتهاء. لذلك، يجب ألا نبحث عن الكمال والتمام في هذا العالم القابل، بل يجب أن نجد هذه الصفات في عالم الفعلية.

وفي العبارة: “وذلك لاشتمال تعيّنِه الواحد الذي هو الغاية القصوى للحركة الإيجادية على جميع تنوّعات الظهور المتكثرة؛ إذ الظهور بأحديّة جمع الجمع هو الغاية”، يظهر الخلط بين أصل قابليّة عالم الأجسام والفعلية الخاصة بالإنسان الكامل.

في القول: “فعُلم من هذا أن المرتبة الإنسانية أحديّة جمع بحسب كل واحد من الطرفين ـ أعني طرفي الظهور والإظهار ـ إذ هو بالحقيقة مجمع بحري الفاعل والقابل”، يجب أن نلاحظ أن العوالم تتوزع إلى ثلاث فئات من حيث الظهور والإظهار:

  1. عالم المادة والجسمانيات الذي يمثل فقط ظرف الظهور ولا يحتوي على الإظهار، أي أنه مجرد صورة تصور للعوالم الأخرى.
  2. عالم المجردات والعقول وعالم المثال الذي يمثل ظرفًا للظهور والإظهار على حد سواء، إلا أن الطرق لإظهار هذه العوالم محدودة.
  3. عالم الإنسان الذي يحتوي على كل من ظرف الظهور وظرف الإظهار في صفة الجمع، ويشمل جميع عوالم الظهور.

الاعتراض: “إنَّ السؤال كان عامَّ الورود بالنسبة إلى جميع المراتب المنزلة إذا نسبت إلى ما هو أعلى منها”، يعني أنه إذا كانت المرتبة الدنيا أقرب إلى المصدر الأعلى، فهي يجب أن تكون أكمل، وليس العكس؛ ومع ذلك، في إجابتكم، وضحت المرتبة الجسمية والحسية التي هي أكمل في جميع وجوه الظهور، لكن لم يتم التطرق إلى المراتب الأخرى.

إجابتي: أن الإجابة الأولى تتفق مع الاعتراض، ولكن الإجابة الثانية إذا أخذنا المادة كمُدرك، فهي صحيحة ولكن خاطئة، وإذا أخذنا الإنسان كمُدرك، تصبح الإجابة خاصة. وفي الواقع، لا تعد المرتبة الإنسانية هي الأخيرة، لذلك يبقى الاعتراض قائمًا.

التفسير الدقيق: يجب القول بأن كل نزول يكون أوسع، لكن ليس أشمل، أي أنه من حيث القبول لا من حيث الفعلية. كلما كانت المرتبة في النزول أوسع، فإنها تكون أقل كمالًا.

في القبول، المرتبة الأخيرة هي الهيولى الأولى التي تمثل القبول المطلق. وفي طريق الصعود، القبول هو من الإنسان وكماله هو الفناء؛ أي أن العارف السالك يصل إلى مرتبة النزول، وهي مرتبة الكمال التام وعدم الفعلية.

بالطبع، في لغة الفلسفة، الإمكان هو عدم الفعلية، وهذه العدمية هي مقابل للملكة التي يتم الحديث عنها في حكمت صدر المتألهين، وتسمى “إمكان الفقر”، أي أن القبول، الذي هو إمكان الفقر، فعلية بمقدار فقره. أما في اللغة الصوفية، التي تتحدث عن السلب والإيجاب، فإن القبول هو من الله تعالى، ولا يوجد في ظهورات الله قابلية.

إجابة الشارح: إن إجابة الشارح التي تقول: “لكن لا يخفى على اللبيب وجه تعميمه بحسب سائر المراتب، فإن سائر المراتب المتنزلة إذا استقصيت بالنسبة إلى ما هو أعلى منها، ترى أثر الظهور فيها أتم وأكثر”، قد تكون أساسًا للإجابة على الاعتراضات الأخرى. على الرغم من أن الإجابة قد تكون خاصة بمرتبة واحدة، إلا أنه يمكن تعميمها على مراتب أخرى، مثل: إذا كان الجسم والمعدن في الاعتبار، بما أن الجسم أعلى والمعدن أدنى، تكون وجوه الظهور في المعدن أكثر، لأن الأحكام المطلقة توجد في المقيّد، بالإضافة إلى الأحكام الخاصة بالمعدن.

المرجع الرابع:
دفع الاعتراضين الثاني والثالث على الجواب السادس.

ملاحظات النص

  • يتناول هذا المقطع تنوع الإدراكات واكتمال الإنسان بعد الموت. وصل الأربعين هو إجابة على الإشكالات التي تم طرحها في الوصل السابق. في الوصل التاسع والثلاثين، كان الحديث عن رد على الإشكال السادس الذي تم طرحه في الوصل الرابع والثلاثين. لذلك، يمكن القول بأن الوصل التاسع والثلاثين يشكل حلقة وصل بين مسألة وحدة الشخصية الوجودية والمسائل المتعلقة بالإنسان الكامل، وهذه الحلقة تنتهي في الوصل الأربعين.
  • على الرغم من أن الشيخ أبو حامد اكتفى بالإجابة على الإشكال، إلا أن الشارح بدأ أولاً بطرح الإشكالين وأوضح أن الإشكال الثاني الذي وُجّه إلى الرد على الإشكال السادس يتعلق بالجواب الثاني الذي اعتبر نشأة ناسوت وعالم الأُخرى، بحسب قاعدة “ما يكون أبعد يكون أشمل وأكمل”، جامعاً لجميع مراتب الظهور والإظهار، معتبراً ذلك أتم وأكمل ظهورات. وكان كلامنا أنه أدنى مراتب الوجود، وهو الأكثر بُعدًا، هو عالم الأجسام أو الهيولَى الأولى التي تمثل تقاطع الوجود والعدم، والقدرة والاستعداد. فالإنسان يظهر في بداية قوس الصعود؛ كما يذكر القرآن الكريم في سورة المؤمنون، الآيات 12 إلى 14:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)

  • وبالتالي، في صعود الإنسان، الذي هو ظرف الكمال والمقام الجمعي، يتواجد الإنسان بكافة عوالم الوجود. وهذا الإنسان هو الذي يملك كل ما يملكه الخيّرات والشرّيرون.
  • كان الإشكال الموجه على النحو التالي: إذا كان الكمال الإنساني يكمن في تنوع الإدراكات وجمعها، فلا يمكن أن يُعتبر أي من هذه الإدراكات مانعًا من الكمال، مع أن الكمل من أهل السلوك في تعليمهم وتربيتهم للسالكين يحثون على الامتناع عن استخدام القوى الإدراكية الحسية، الوهمية، والتخيلية، وأيضًا عدم التقيّد بالإدراكات العقلية.
  • وردًا على هذا الإشكال، جاء النقد بالقول: يجب أن نعلم أن الإدراكات الجزئية لا تمنع من الكمال، وأن أهل المعرفة لا يرون في هذه الإدراكات مانعًا من الكمال، بل جهودهم منصبة على عدم اقتصار إدراك السالك على هذا النوع من الإدراك، بحيث لا يكون بعيدًا عن الجذب الإلهي وفتوحات ربه.
  • أما الإشكال الثالث الموجه ضد الرد الثاني، فيتمثل في سؤال: إذا كانت تنوع الإدراكات يعد من الكمالات في نشأة الإنسان، فكيف يمكن اعتبار الموت من النقص؟ لأنه يفقد الإنسان قوته الجسمانية التي هي وسيلة لبعض الإدراكات، بينما يعتبر أهل السلوك والعرفاء أن الموت يعد كمالًا للإنسان.
  • وقد تم الرد على هذا الإشكال بالقول: يجب أن نعلم أن الموت لا يؤدي أبدًا إلى نقص للنفس الكاملة؛ لأن النفس البشرية، بعد أن تحقق الكمالات اللازمة عبر وسائل وآلات جسمانية، تواصل نشاطها دون الحاجة لهذه الوسائل، التي هي في الواقع علل مقيدة. وبالتالي، فإن القوى الجسمانية غالبًا ما تكون عائقًا في ممارسة الملكات.
  • ما تم ذكره هو تلخيص لكلام الشيخ أبو حامد. ولكن الشارح قد سلك طريقًا محققًا آخر للإجابة على الإشكال، وهو ما يمكن اعتباره بحثًا مستقلاً في علم الإنسان.
  • العبارة الدقيقة: “والإنسان المستكمل لا يكون كماله إلا بأن يحصل له ملكات هذه الإدراكات في مراتبها” تشير إلى أن الملكات لها أهمية كبيرة، حيث أن كمال الإنسان ليس في الإدراكات الحسية، بل في امتلاك ملكة حسية. إذًا، لا ينبغي التركيز على فعالية الإدراك، بل الأهم هو امتلاك الملكة والقدرة، لا صورة الفعل الخارجي.
  • أما عن اختلاف تنوع الإدراكات من وجهة نظر الشارح ومن وجهة نظرنا، فيمكن القول: أن الشارح يعتبر أن المعرفة الإنسانية تتحقق من ثلاثة طرق:

أ. المعرفة التي تأتي عبر الحواس والإدراكات الظاهرة والعلم التجريبي.

ب. المعرفة التي تأتي عبر القوى الباطنية، والتي تجري ضمن مفهوم العلوم التقليدية.

ج. المعرفة التي تنشأ من تطهير الباطن وتنقية السر.

  • أما من وجهة نظرنا، فالإدراكات الإنسانية تنقسم إلى ثلاث أنواع:
    1. الإدراكات الكلية والمعارف الذهنية الإنسانية التي لا علاقة لها بالعقل أو القلب، وهذه لا يمتلكها إلا الإنسان، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا أو غافلًا.
    2. الإدراكات العقلية والربوبية، التي تتجاوز الفكر الذهني وتضفي نورًا ورؤية على المعنى.
    3. الإدراكات القلبية والسرية التي تنبع من باطن الإنسان، وهي الإدراكات الوجودية والعينية التي تمثل أعلى مراتب الإدراك.
  • هذا النوع الأول هو مجرد كليات، خلافًا للأوهام والخيالات التي لا تحتوي على كليات. أما النوع الثاني، فيمتلك نورًا، بينما النوع الثالث يمثل ظهور باطن الإنسان.
  • تعتبر هذه الأنواع من الإدراك مترابطة، حيث لا يظهر النوع الثاني أو الثالث إلا بعد إتمام النوع الأول.
  • تختلف أيضًا في أن النوع الأول يظهر بالقوة، في حين أن الأنواع الثانية والثالثة تتطلب الاختيار أو تفضل الله تعالى.
  • أخيرًا، نؤكد على أن الإدراك الثالث، الذي هو الإدراك القلبي والباطني، وإن كان متأخرًا في الظهور عن النوعين الآخرين، إلا أنه مقدم عليها في الواقع.

هذا النص المعقد يعرض تصورًا دقيقًا عن الإدراك البشري، وحدود الوجود الإنساني وعلاقته بالكمالات الروحية، كما يقدم تفاصيل فقهية وعرفانية متطورة، مستعرضة التفسير القرآني والأحاديث النبوية.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V