صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

مقامات العارفين

نشر في آذر 13, 1404 في

مقامات العارفين
شرح تفصيلي و موسع للنمطين التاسع والعاشر من كتاب
«الإشارات والتنبيهات»
()

البيانات الببليوغرافية
المؤلف: ،
العنوان: مقامات العارفين: شرح تفصيلي وموسع للنمطين التاسع والعاشر من «الإشارات والتنبيهات» / تأليف .
الطبعة الثانية، 1393 هـ، ، إسلام‌شهر.
عدد الصفحات: 448.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-6435-52-7.

المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

العارف هو الذي يطلب الحق ويجد الحق، ولا يختار شيئًا فوق الحق. إنه يتجاوز النعم والدول والآخرة، ويتجاوز كل طلبٍ حتى العرفان، فلا يرى إلا الحق. بل يفقد عينيه ويصبح الحق هو بصره وعينه.

العارف يطلب العرفان العلمي والعياني للحق. يريد ذات الحق التي ينبغي في محضرها الصمت، وإظهار العجز، فهي علوٌ لا يطيقه أذكى الطيور الحكيمة، ولا حتى العرفانية. ولن يتحقق هذا المعنى إلا لمحبي أهل البيت عليهم السلام، مع الاستمداد منهم.

الشخص الذي يمتلك وجودًا مطلقًا، وحضورًا مستمرًا مع كل ذرّة من الموجودات، وهو الأول والآخر، الظاهر والباطن، بل أسمى من كل وصف، لا يمكن للعارف أن يريد شيئًا غيره أو يفضله على حضرته، فليس له سابق أو لاحق.

العارف هو الذي يضيء نور الحق في سره، فلا يرى إلا الحق، ولا يرضى إلا بحضره، وهو لا يطمع في الحق، بل نفى الطمع من وجوده، ونفى حتى نفْي الطمع، فلم يبقَ فيه إلا المحبة، المحبة التي توحد العاشق والمعشوق، فلا يُقال عنها إلا السكوت ومشاهدة الحبيب بعين الحق.

العارف متحرر من كل شيء، غير غافل عن شيء، يرى الحق مطلقًا في كل مظهر، وفي هذا اللقاء يفتح بصره الحق وحده، محررًا من كل قيد.

تعريف الكتاب «الإشارات والتنبيهات»
في عرفان النظر، من بين الفلاسفة المسلمين، يبرز الشيخ أبو علي ابن سينا كأحد القلائل الذين تفوقوا بكتابة النمطين التاسع والعاشر من كتاب «الإشارات والتنبيهات»، إذ يُعتبر هذا الكتاب من أهم مؤلفاته، خاصة وأنه آخر أعماله، ويُقدّر أعلى من «الشفاء» و«النجاة» وغيرها من كتبه.

يتسم الكتاب بالاتساق المنطقي والتنظيم الدقيق، حيث يتألف من «نهج» و«نمط»؛ فالنهج يختص بالمنطق ويضم ثمانية فصول، والنمط يتناول الحكمة والطبيعة، ويشمل عشرة أنماط.

النمط التاسع بعنوان «مقامات العارفين» لا يتحدث عن الأرواح المجردة أو الملائكة، بل عن أهل الأرض الذين يسعون إلى حضرة الحق، ويبحث في كمالات الإنسان ومنازله في سيره الروحي.

النمط العاشر بعنوان «أسرار الآيات» يتمم مناقشة النمط التاسع، حيث تشير «الآيات» إلى العارفين وأسرارهم وخصائصهم.

ملاحظات حول عرفان ابن سينا
يبدو أن الشيخ في أواخر حياته قد ضجر من الفلسفة وعاش تجربة عرفانية، مصوّرًا المنازل والمقامات في النمط التاسع بصورة عامة. وهو لم يكن عارفًا بالمعنى الكامل، وإنما التحق بالعرفان في نهاية عمره، فمثله كمزارع يمارس الحصاد بنفسه بعد سنوات من الخبرة.

العبارات الواردة في الكتاب دقيقة، جميلة، منظمة، مختصرة، إلا أنها مشبعة بالفلسفة، كما في مثل «من الإناء يخرج ما فيه»، وهو تعبير قرآن كريم (كلّ يعمل على شاكلته).

النظام العقائدي والثقافي للشيخ، المتداخل مع الفلسفة، يظهر جلياً في هذا المقال، ويُكشف عن باطنه من خلاله. كان المرحوم الإلهي القمشه‌ای يرى أن الشيخ لا يمكن أن يكون لم يتذوق التصوف ليُخاطب بهذه الجمالية، غير أن الكاتب لا يتفق مع هذا الرأي، ويعتقد أن عبقرية الشيخ هي التي تجعله يكتب عن التصوف بهذه الحكمة والجمال. لغة التصوف لغة خاصة مميزة، يفهمها أهل القلب بعمق، ويميزون من وصل حقيقة التصوف ومن يتكلم فيه فقط.

في “النمط العاشر” الذي يتحدث فيه عن إمكان الإخبار بالغيب، يستخدم الشيخ كلمات مثل: “ارتسام”، “انتقاش”، و”حائل”، وهي مصطلحات لا تتناسب مع مشاهدات التصوف أو لغة الصوفية التي تتحدث عن “الوصول” و”المانع”، بل هي مخصصة لعلم الكلام والفلسفة المشائية الكلاسيكية.

ابن سينا في نهاية “النمط العاشر” يؤكد:
“ثم إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب فيما شاهدناه وفيما حكاه من صدقناه لطال الكلام، ومن لا يصدق الجملة هان عليه أن لا يصدق أيضاً التفصيل.”
هذا يعني أنه كان يشاهد حال العارفين لكنه لم يبلغ مرتبة التصوف، فهو يروي ما سمعه من صادقين، لكنه لا يدعي رؤيته للغيب بنفسه، إذ لم يكن له التمكن أو الفرصة لذلك.

الشيخ كان يشارك من بعيد في نيران التصوف، وكتابه مختلف كثيراً عن خبرات العارفين المخلصين الذين ذاقوا حقيقة الوجد وقدموا تجاربهم الصوفية الصافية. ابن سينا رغم تتبعه للتصوف بدقة وبلاغة، إلا أن ما قدمه كان نقاشاً فكرياً أكثر منه ذوقاً تصوفياً صرفاً، إذ كان يعتبر الحكمة المتعالية أعلى منزلة من الحكمة المشائية التي هي مجرد مناقشات مدرسية.

بينما يشير ابن سينا إلى أن التصديق يتطلب الكشف والذوق وليس مجرد الجدل العقلي، فإن الحكمة المتعالية عنده تدمج الفحص العقلي مع الذوق الروحي، على خلاف الحكمة الإشراقية التي تجعل الذوق الأصل والجدل ملحقاً، والحكمة المشائية التي تعتمد فقط على النقاش العقلي.

مع ذلك، هناك في بعض نصوص الشيخ توجهات كلامية ضيقة لا تتجاوز حدود التفكير الكلامي التقليدي، والتصوف المقدم في هذا الكتاب هو تصوف مبتدئين أو متوسطي الممارسة. غاب عن الشيخ كثير من مقومات التصوف الجوهرية، وبعض ما قدمه شابته نقائص.

ابن سينا قدم أفكاره النهائية في كتاب “الإشارات”، مسمياً حكمته “الحكمة المتعالية” تمييزاً لها عن الحكمة المشائية السائدة. فلسفة الشيخ عالية إلى حد أن يُقال إن الفلسفة المتعالية عند صدر الدين الشيعي نشأت من هذه المنابع، وهو من شروح حكمته. حتى الغزالي في “تهافت الفلاسفة” ناقش أفكار الشيخ وانتقدها واعتبره ممثلاً للفلسفة، وإن كان نقده شاملًا لكل الفلاسفة المخالفين.

الشرح التفصيلي لمقامات العارفين في هذه الدراسة ينتقد ويعيد النظر في مفاهيم الكتاب، موضحاً دقة وتأملات النصوص العرفانية، خاصة في “النمطين التاسع والعاشر” اللذين يعدان من كرامات الشيخ التعبيرية في تصوير التصوف بأرقى العبارات، رغم أن الشيخ لم يتجاوز التعبير اللغوي، فمسيرة الحب والسلوك العاشق لا تتم إلا بسخونة وجدّ.

الشرح يبدأ بتوسيع النص ثم يقدم شرح الخواجه بأسلوب جديد بعيد عن التكرار، وفي النهاية يناقش أبرز النقائص في النص والشرح، محاولاً نقد العيوب الأساسية.

الكاتب يتبنى منهجاً فلسفياً، يكتفي بتبيين رقة السلوك والتصوف بلغة حكيمة، دون الغوص في حقائق عميقة خاصة بعالم العارفين الأصيلين، لأن هذا النوع من التصوف يحتاج زماناً ومكاناً وأصحاباً معينين، وهذا الكتاب وغيره من كتب التصوف الحديثة تبعد كثيراً عن تلك الحقائق.

يأمل الكاتب أن يكون هذا النص دليلاً للصواب، ليُرشد الباحث عن الحقيقة وسط ضجيج العصر، حيث صار كثيرون يعبدون المادة ويتجاهلون الروح.

في “النمط التاسع” يروي الشيخ قصة “سلامان وأبسال”، رمزاً للحكاية العرفانية عن الإنسان ومسيرته نحو الكمال. يمثل سلامان الإنسان العارف وصاحب العقل، وأبسال رمز الدرجات العرفانية. الكمال الحقيقي هو زينة وسلامة السر الباطن، والتلبس بهذه الكمالات هو تسليم العارف للحق حتى الموت الظاهري.

المرأة تمثل في القصة مظهر الجمال والكمال وتجلي الحب، والرجل يمثل السلطة والعقل، وكمال الحب يتجسد في اتحاد الاثنين كما في قوله تعالى:
(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ).
العشق بينهما سبيل للكمال والتكامل.

الدنيا تشبه ذلك، فهي مكان اختبار، لمن لم يجتهد ويعاني فيها لا يحظى بباطن الخير الحقيقي، ولو كانت له متع ظاهرية فهي سريعة الزوال. أما العارف الحقيقي، رغم قلة المتع الظاهرة، ينال في الباطن لذّات عميقة تفضي إلى الفرح الأبدي، حتى يقول عند الوصول:
“فزت ورب الكعبة”.

الشيخ يؤكد أن هدف العارف هو الحق، ولا يمكن له أن يضع غير الحق غاية له.

الشيخ يتبع التصوف الإسلامي الذي يضع الحق في مركز الغاية، والعارف لا غاية له سوى الله.

حياة العارف لغز معقد، ووجوده رمزي متعدد الطبقات، لا يُدرك بسهولة. من عرف عارفا وفهم سره ونال منه حكمة جمة. أما من لم يجد عارفا كاملا، فلن يبلُغ الحقيقة إلا إذا كان من المحبوبين المباشرين، الذين لا يحتاجون إلى مشايخ، لأنهم تعلموا من حضرة الحق مباشرة.

يسمي الشيخ “النمط العاشر” بـ”أسرار الآيات”، ويقصد بالآيات أولياء الله وعلماء التصوف، وأسرارهم تتجلى في المعجزات والكرامات والأمور الغريبة.

يقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
أولياء الله الذين تنبع أفعالهم من أنفسهم،
العاقلون الذين يعقلون معجزات الأولياء ولا يستطيعونها،
والجهال الذين ينكرون كل ذلك ويرفضونه.

يسرد الشيخ أسرار الأولياء في ثلاثة أمور:
أ- الامتناع الطويل عن الطعام،
ب- الأعمال الخارقة كالسفر بين الأماكن،
ج- الإخبار بالغيب.

ويقدم نقاشاً مطولاً في ستة عشر فصلًا لإثبات إمكانية الإخبار بالغيب.

الشيخ في نهاية الكتاب يوصي:
ألا ينكر العاقل كل شيء، ولا يقبل أي شيء بدون دليل، وأن يكون متزناً في الحكم.
وألا يبوح بأسرار هذا العلم لكل من هب ودب، بل يجب أن يقتصر على أهل الحكمة، دون أن يمنع الحكمة عن أهلها.

من هذه النصوص يتضح أن الشيخ لا ينكر المقامات العرفانية وقد بلغها بعقل حاد، ولكنه كان عارفاً “محبّا” لا “عاشقا” أو “محبوبا” كاملاً. فقد لمس نسيم الحقيقة في نهاية عمره، واهتدى إلى درب التصوف نظرياً، لكن لم يحظَ برياضات مكثفة أو تمرين روحي عميق.

الشرح في “الإشارات” مختصر ولا يدخل في تفاصيل المنازل والحالات العرفانية، لذا فهو نوع من المقدمات العامة، ولا يفيد السالك عمليا في معرفة منزلته بدقة، بل هو كلام أخلاقي وزجري.

هذا النوع من الأخلاق الكلامية يشبه الطاحونة التي تدور دون تقدم حقيقي، حتى وإن كانت رقصتها جميلة، فظاهرها هادئ وباطنها صافي لكن لا تقود إلى القلب.

صاحب هذه الأخلاق، رغم طهارته من الذنوب، يبقى في مرتبة الذات فقط، وهذا أعظم ذنب في سلك التصوف، لأنه لم يبلغ مرحلة القلب. إذ يمحو الأعشاب الضارة عن أرض النفس، لكنه بعد أقل ضغط قد ينهار، لأن الإنسان طماع في المحظورات.

يقلُّ أن تتجاوز بيانات ونصوص التصوف إشاراتها إلى الأخلاق الكلامية أو الفلسفية، فتصل إلى التصوف والمعرفة والسير والسلوك العارف؛ ذلك السير العارف الذي يختلف عن السير العاشق، والذي قلّما يُذكر في الكتب.

والقول عند الشيخ هو أن العارف المؤمن هو طالب الحق، ولا يُقدم شيئًا على معرفة الحق، وعبادته لا غاية لها سوى الحق، وعبادته ومعرفته تعبير عن مودته. فمودّة العارف للحق وطلبه من عنده هو انصراف النفس إلى قدس الجبروت لاستشراق نور الحق، وهذا يعني الدوران كالمرآة أمام الحق. فالعارف هو حامل المرآة، وصانعها، ودائرها على وجه الحق، ونور الحق دليله للوصول إليه.

ويقول الشيخ في هذا السياق: “لكي تتحقق الصفاء وتلطيف السرّ، فرياضة النفس ضرورية”، ثم يتابع في بيان كيفية ذلك.
والقول كله عند الشيخ أن العارف هو مريد الحق، يتجه إليه بالباطن بمعرفةٍ وتوجه، وبالظاهر بالعبادة، وهذا أمر يختص بالمحبين، ويجب أن يُنظر إلى المحبوبين والعارفين العاشقين على أنهم في مقام أعلى بكثير وأرفع من ذلك.

وأخير دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الفصل الأول: مصير الإنسان
(قصة سلامان وأبسال)

تنبيه: درجات العرفان
“إن للعارفين مقامات ودرجات يختصون بها في حياتهم الدنيا دون غيرهم، كأنهم رغم أنهم متلبسون بأجسادهم كجلبابٍ قد خلعوه وتجردوا عنها إلى عالم القدس. لهم أمور خفية وأمور ظاهرة، ينكرها من ينكرها ويعظمها من يعرفها، ونحن نرويها لكم.”

فالعارفون في حياتهم الدنيا لهم مقامات ودرجات خاصة، مع أنهم في الدنيا ويلبسون ثيابها، لكن كأنهم لا يعيشون فيها بل في عالم القدس، بعيدون عن تعلقات المادة. لهم خصائص ونشانات لا يدركها إلا من عاينها، ومن لم يلاحظها ينكرها. والناس عند مواجهتهم ثلاثة أصناف: صنف لا يملك تلك المقامات لكنه لا ينكرها، وصنف يملكها، وصنف ينكرها.

للعارفين أسرار خفية، كما تظهر لهم أمور سرية، تشمل حالاتهم وكراماتهم. من هو في الجهل والعناد ينكر ذلك، ومن له معرفتهم يعظمها. ونحن نروي لكم ما هو ظاهر وخفي منها.

يمكن تشبيه مراحل ومقامات الإنسان برمز “سلامان وأبسال”؛ فالإنسان هو سلامان، والمقامات درجات أبسال، فإذا عرفت ذلك فهمت المقام.

موجز النقاش:
يقول فخر الرازي: بما أن قصة سلامان وأبسال غير موجودة في كتب العرب، فهي من اختراعات الشيخ، وأن قوله “إن استطعت أن تحل رمزه” أمر مستحيل، لأنه في الخارج لا يوجد شيء يحتاج إلى فك.

وهذا الكلام أغضب خواجه، فدافع عن صحة القصة وذكر روايتين مختلفتين، الأولى شرح المعنى، والثانية تعليق خواجه.
في النهاية، هل القصة حق أم مجرد خيال؟ هل هي لغز فقط أم تبيّن مراحل كمال الإنسان؟

عند دراسة القصة، يتبين أنها على نمط “منطق الطير”، رغم علوّ باطنها، لكنها لا تتوافق تمامًا مع مقامات الإنسان الحقيقية.

شرح خواجه:
“المقام” هو قيام دائم في قلب السالك، في مقابل “حال” التي هي عبور مؤقت.
الحال مثل نسيم أو شعور عابر من خشوع أو زيارة أو دعاء يثير صفاءً وسرورًا مؤقتًا.
أما المقام فهو دوام ارتباط القلب بنعمة مستمرة، بحيث يرى القلب النور دائمًا، لا في حال خاصة فقط.
من يصل إلى مقام، يصبح قلبه منيرًا دائمًا، يشمل الصفاء مع الجميع، فلا فرق لديه بين الصديق والعدو. لأن المقام هو قيام دائم في القلب.

الشيخ في هذا التنبيه يتحدث عن مقامات العارفين وليس عن الأحوال العابرة، التي لا تدوم.
مثلاً من يبكي في المسجد ولا يغير سلوكه بعد الخروج فهو في حال وليس في مقام.
أما من بلغ المقام، فتسبحه كسيف يطرد الشيطان، وفيه ذِكر الله وصلاة السيف توأمان.

النتيجة:
الشيخ في النمط التاسع يبيّن مقامات العارفين، ويصفها بترتيب لم يسبق إليه ولا تجاوز من جاء بعده.
العارفون في حياتهم الدنيا متلبسون بأجسادهم لكنهم روحانيون، خلعوا جلباب الدنيا، وارتقوا إلى عالم قدس النور، فهم أصحاب أسرار وخفايا لا يدركها العاديون، وتظهر لهم كرامات وآيات.
العارف الحقيقي يرى الحق وحده، ولا يرى سوى ظهور الحق في المخلوقات.
المقامات ليست مجرد أحوال مؤقتة بل هي كمالات ثابتة ودائمة في القلب، وتمكن العارف من رؤية الحق بنور دائم.
وقد بيّن الشيخ التمييز بين المقامات والدرجات، وأشار إلى أن هذه المقامات تعبر عن تثبيت الكمالات في القلب، بينما الأحوال زائلة.

قد يظنُّ البعضُ أنَّ الشيخَ قصدَهُ بيانُ المقاماتِ والكمالاتِ للعارفينَ فقط، لا شرحَ الخصوصياتِ الظاهرةِ أو آثارِ تلك الكمالاتِ. والشيخُ نفسهُ أشارَ إلى ذلك بقوله: «إنَّهُ يرومُ أن يكشفَ عن الأسرارِ الخفيةِ للعارفينَ».

وفي الردِّ على هذا الاشكالِ يمكنُ القولُ: إنَّ المقاماتِ وآثارَ الكمالاتِ تحملُ علاماتٍ ودلائلَ أبدى الشيخُ ذلكَ في قصَّةِ سلامانَ وأبسالَ، والتي تُعدُّ نموذجًا يُبيّنُ أنَّ الشيخَ أرادَ التعبيرَ عن تلك المقاماتِ بلغةٍ تمثيليةٍ، عبرَ عرضِ أمثلةٍ متنوّعةٍ استعانَ بها في بيانِ المقاماتِ الروحيةِ.

وكذلكَ، فإنَّ ما قصدَه الشيخُ حينَ قالَ: «إنَّ مقاماتِ العارفينَ لم يسمعْها أحدٌ من الأذنِ، ولم يرها أحدٌ من العينِ»، هو أنَّ إدراكَها ليس من قِبَلِ العينِ والأذنِ الظاهرتينِ، بل إنَّ العينَ والأذنَ الباطنيتينِ لكثيرٍ من أهلِ الطريقِ قد شاهداها، وقد تسربَ ذلكَ إلى مظاهرِهم، وبناءً عليهِ يمكنُ التكلّمُ عنها، مع مراعاة أنَّ الوصولَ إلى جميعِ الكمالاتِ والمقاماتِ يتمُّ تدريجيًا وبنسبٍ متفاوتةٍ، والعديدُ من المظاهرِ التي يراها البعضُ تبقى مخفيةً عن آخرين، والكثيرُ من الحقائقِ لا يطلعُ عليها إلا عددٌ قليلٌ من الناظرينَ.

قصةُ النفسِ الإنسانية
(حكايةُ سلامانَ وأبسالَ)

قال الشيخ: «فإذا قرع سمعَكَ فيما يقرعهُ وسرَدَ عليك فيما تسمعهُ قصّةُ سلامانَ وأبسالَ، فاعلمْ أنَّ سلامانَ مثلُ ضَرْبٍ لكَ، وأنَّ أبسالًا مثلُ ضَرْبٍ لدرجتكَ في العرفانِ إن كنت من أهله، ثمَّ حلَّ الرمزِ إن أطقت».

فالعارفونَ أحيانًا لهم أفعالٌ وآثارٌ تحملُها كثيرٌ ثقيلٌ، ولذلك قد يُنكَرُ ذلك على البعضِ، فلا بدَّ أنْ تحذرَ من إنكارِ ما ترى أو تسمعُ من أفعالِهم أو ما يُروى عنهم، بل عليكَ أن تسعى لمعرفةِ رموزِ ذلك.

قصّةُ سلامانَ وأبسالَ هي من هذه الأمور التي يجبُ أن تسعى لفهمِ رمزها، حيثُ يُمثّلُ سلامانُ نفسَ الإنسانِ ذاتًا، وأبسالُ موقعَك ومرتبتَك في العرفانِ إن كنتَ من أهلِه. فسلامانُ هو أنتَ، وأبسالُ درجتكَ في معرفتكَ. الآنَ وقد أطلعتُكَ على الرمزِ، فابذلْ جهدكَ في كشفِ معناه.

يجبُ التنبيهُ إلى أنَّ الشيخَ يقولُ لكَ: أنتَ من يفتحُ هذا الرمزَ بنفسهِ، وحيثُ هذا الأمرُ، يُثارُ السؤالُ: هل هذه القصةُ من تأليفِ الشيخِ؟ أم أنها مرويةٌ من مصدرٍ آخر؟ أم هي لغزٌ يحتاجُ إلى حلِّه؟

اللغزُ أو الأحجيةُ بهذا النوعِ لها أمثلةٌ كثيرةٌ، مثلُ:

ما هو الشيءُ الذي هو بالروحِ
يُكفِرُ أحيانًا ويُسلِمُ؟

يُقطَعُ رأسُهُ أحيانًا
ويُعلَّقُ على الرؤوسِ كالتاجِ؟

يأتي من الرومِ ومن الفَرَنْجِ
وأيًّا مَن يفتحهُ فهو من خدمِ الملوك؟

جوابُ هذا اللغزِ هو «السماورُ».

فاللغزُ يتطلبُ تأمّلًا، وعندما يُكشفُ، يتضحُ المعنى بسهولة.

فهل قصةُ سلامانَ وأبسالَ مثلُ هذهِ الأحاجي؟ إن كانت من تأليفِ الشيخِ، فلماذا يوصي بحلِّها؟ وإن كانت من روايةٍ أخرى، فهل قد شاهدها أو سمعها أحدٌ غيره؟

الفخرُ الرازي يعتقدُ أنَّها من تأليفِ الشيخِ، ويخالفهُ خواجةُ، وهو يرى أنَّها ليست مجرد لغزٍ يُعقل، بل قصةٌ حقيقيةٌ، وإن كانت رمزيةً.

شرحُ وتفسيرُ خواجة

«سَرْدُ الحديثِ» يعني تتابعُهُ وتتابُعُ نقلهِ بسياقٍ حسنٍ. و«سلامان» اسمُ شجرةٍ وموضعٍ واسمُ رجلٍ كذلك. و«أبسال» تعني التحريمَ أو الحبسَ، وقد تفسَّرت بمعانٍ مختلفةٍ.

الفخرُ الرازي قال: ما وردَ من الشيخِ ليس من جنسِ الأحاجي التي تُختصُّ بصفاتٍ متراكمةٍ يصعبُ إدراكُها، ولا هو من القصصِ المشهورة، بل هما لفظتانِ وضعهما الشيخُ لمعانٍ خاصةٍ لا يمكنُ للعقلِ المستقلِّ الوقوفُ عليها، فكأنَّ الشيخَ كلفَ القارئَ بمعرفةِ الغيبِ.

وقال الفخرُ: أفضلُ ما قيلَ أنَّ سلامانَ هو آدمُ، وأبسالَ هو الجنةُ، فآدمُ هو النفسُ الناطقةُ، والجنّةُ درجاتُ السعادةِ، وإنزالُ آدمَ من الجنةِ بسببِ تناولِ الشهوةِ هو هبوطُ النفسِ من تلك الدرجاتِ.

ردُّ خواجة على الفخر

خواجة يرى أنَّ كلامَ الشيخِ يشيرُ إلى وجودِ قصةٍ حقيقيةٍ يذكرُ فيها اسمُ سلامانَ وأبسالَ، وسياقُها يتناولُ طالبًا يبتغي مطلوبًا لا ينالهُ إلا تدريجيًا، فيُطبّقُ سلامانَ على الطالبِ وأبسالَ على المطلوبِ، وتُفسّرُ أحوالُهما رمزيةً للحالِ العرفانيةِ للعارفينَ، وأنَّ القصةَ قد تكون من قصص العربِ التي وردت بها تلك اللفظتان.

لذا، فتكليفُ الشيخِ بحلِّ الرمزِ ليس تكليفًا بمعرفةِ الغيبِ، بل هو توقيفٌ على الاستماعِ للقصةِ، وربما يُستقلُّ العقلُ بالوقوفِ عليها والاهتداءِ إليها.

الروايةُ الأولى للقصة

يذكر خواجة أنه بعد إتمام شرحه، وصلته روايتان منسوبتان إلى سلامانَ وأبسالَ، تروي أنه كان في قديمِ الزمانِ ملكٌ على اليونانِ والرومِ ومصرَ، وصاحبهُ حكيمٌ قدَّر له الأمورَ، وكان الملكُ يرغبُ في إنجابِ ابنٍ دونَ مباشَرةِ امرأةٍ، ففكر الحكيم وأوجد ابنًا باسمِ سلامانَ من نطفةِ الملكِ في غير رحمِ امرأةٍ، وربّته امرأةٌ اسمها أبسالُ، التي أحبَّها سلامانُ وألفى بها، رغمَ نهى الأب عنهما.

فرارا معًا، ورغمَ أنَّ الملكَ كان يراقبُهما، أتاح لهما العيشَ لفترةٍ، ثمَّ غضبَ وعذّبَهما بوضعهما في حالةِ الاشتياقِ المتبادلِ دون لقاء. ثمَّ اعتذر سلامانُ لأبيه، الذي نبّهَه إلى أنَّ الملكَ لا يملكُ من سيقوم مقامَه إذا وقع في حب أبسالَ، فجلسا في محنةٍ إلى أن ألقيَا نفسيهما في البحرِ، فنقذهما موكّلُ الماء بأمر الملك، وغرقت أبسالُ، وحزن سلامانُ، فدخل الملكُ والحكيمُ في أمرهما، بنيا هرميْنِ وضعت فيهما القصةُ وجثثهما، ولم يستطع إخراجها إلا أرسطو بتعليم أفلاطون، وانتشرت القصة، ورويها حنينُ بن إسحاقَ من اليونانيةِ إلى العربيةِ.

خواجة يرى أن هذه القصةَ مشابهةٌ لقصص الهندِ أكثرَ منها للعربِ، وأنها ليست مطابقةً لشرح الشيخ، لكنها تُظهر رمزًا رمزيًا هامًا عن النفسِ ودرجاتِ العرفانِ.

رأى الأبُ ابنهُ حزينًا وحزين القلب، فلم يكن قادرًا على حكم الملك، بل كان يوشك على الموت. لذا ذهب إلى صديقه الحكيم طالبًا منه حلًا قبل فوات الأوان، وقال له: «قبل أن يفقد ابني، أوجد له علاجًا، لأنه لم يعد له عمل». دعا الحكيم جناب سلامان، وقال له: «سأوصلك إلى أبسال بشرط أن تلتزم بما أقول». قبل سلامان وامتثل لأمر الحكيم، فأراه صورة أبسال ليقوده في مسيرة الجزم، فحصل على رجاء في التسلية. أبقاه الحكيم على هذه الحال حتى أعده لرؤية صورة الزهرة، التي تمثل الكمال والجمال وإلهة الحب. فاشتعل الشوق في قلبه، فانقشع حزنه وصار دائم الرفيق معها، ولم ينفصل عنها أبدًا. وبعد ذلك، تحرر من خيال أبسال واستعد للملك.

بنى الحكيم هرميْن، واحدًا للملك وآخر لنفسه، وخبّأ هذه القصة فيهما حتى جاء أرسطو بأمر أفلاطون، فشق أسفل الهرمين وأخرج هذه القصة، ثم ترجمها حنين بن إسحاق من اليونانية إلى العربية.

ملاحظات جناب الخواجه:

هذه قصة اختلقها أحد عوام الحكماء ونسب الكلام إلى الشيخ على نحو لا يتفق مع الطبيعة، فهي غير مطابقة له، لأنها تفترض أن الملك هو العقل الفعال، والحكيم هو الفيض الذي ينفذ إليه من فوقه، وسلامان هو النفس الناطقة التي أُفيضت من غير تعلق بالجسمانيات، وأبسال هي القوة الحيوانية البدنية التي بها تتمم النفس وتتآلف معها. عشق سلامان لأبسال يدل على ميل النفس الناطقة إلى الملذات البدنية، ونسبة الفجور إلى أبسال تدل على تعلق النفس المعيّنة بالمادة بعد انفصالها عن النفس. هروبهما إلى ما وراء بحر المغرب هو انغماس في الأمور الفانية البعيدة عن الحق. إهمالهما فترة هو مرور الزمن عليهما. تعذيبهما بالشوق مع الحرمان مع بقائهما معًا يدل على بقاء ميل النفس مع ضعف القوى بعد سن الانحطاط. رجوع سلامان إلى أبيه هو التفطن للكمال والندم على الاشتغال بالباطل. إلقاء نفسيهما في البحر هو تورطهما في الهلاك. أما البدن فهو انحلال القوى والمزاج، وأما النفس فمشايعتها إياه. خلاص سلامان هو بقاء النفس في البدن واطلاعه على صورة الزهرة واستمتاعه بالكمالات العقلية، وجلوسه على سرير الملك وصوله إلى كماله الحقيقي. والهرمان الباقيان هما الصورة والمادة الجسمانية الدائمة عبر الزمن. هذا تأويل القصة.

وسلامان مطابق لما عنى الشيخ، وأما أبسال فغير مطابق، لأنه أراد به درجة العارف في العرفان، وهنا مثل ما يعيقه عن العرفان والكمال. بهذا لا تكون هذه القصة مناسبة لما ذكره الشيخ، وهذا يدل على قصور فهم واضعها عن الوصول إلى فهم غرضه منها.

فالتحليل المفصل لقصة سلامان وأبسال يبيّن أن سلامان يمثل النفس الناطقة، أي الروح العاقلة التي تسعى إلى الكمال والارتقاء فوق المادة، أما أبسال فهي تمثل القوة الحيوانية المرتبطة بالأهواء والشهوات الجسدية. إذن، ميل سلامان إلى أبسال يشير إلى صراع النفس بين الرغبات المادية والروحانية.

وعندما هربا معًا إلى ما وراء بحر المغرب، يرمز هذا إلى غرق النفس في ملذات الزائلة والبعد عن الحق الإلهي. لكن رغم هذا الغرق في الملذات، تظل النفس محتفظة برغبة ما في الكمال، وهو ما يتجلى في عذاب الشوق والحرمان.

عودة سلامان إلى أبيه، أي الحكيم، ترمز إلى استيقاظ العقل والندم على الابتعاد عن الحقيقة، حيث يبدأ الإنسان رحلة التوبة والرجوع إلى الطريق المستقيم.

إلقاء النفس في البحر يشير إلى مخاطر الغرق في الفساد والانحلال، فيما يرمز الجسد إلى محلّ تحلل القوى وانفصال الروح عن المادة.

وبقاء النفس في الجسد، مع معرفتها بصورة الزهرة، تعني تحقيق توازن بين المادي والروحي، واستمتاع الروح بالكمالات العقلية التي تؤدي إلى الجلوس على سرير الملك والوصول إلى الكمال الحقيقي.

أما الهرمان اللذان بناهما الحكيم، فهما رمز إلى ثنائية الوجود بين الصورة المثالية والمادة الدنيوية، وهما الباقيان عبر الزمن، حيث الصورة تمثل الجوهر، والمادة تمثل الظاهر المتغير.

هكذا، تؤكد القصة على أهمية الانتصار على الرغبات الدنيوية والارتقاء نحو الكمال الروحي، وهو ما يتوافق مع فلسفة الشيخ التي تبرز في تفسيرها هذه الرموز.

ومن هنا يظهر الفرق بين تفسير الشيخ ووضع القصة على نحو مختلق، حيث إن القصة الأصلية تمثّل عبر الرموز حالة النفس البشرية وما تعانيه من صراع بين الماديات والروحانيات، وكيفية تجاوز هذه المرحلة للوصول إلى الكمال.

ومن الملاحظ أن القصة تقدم نموذجاً نفسياً وروحياً يعكس حالة الإنسان في رحلته نحو الذات والكمال. فالصراع بين سلامان وأبسال لا يقتصر على قصة حب عادية، بل هو تمثيل رمزي للصراع الداخلي بين العقل والنفس، بين الجسد والروح، بين الرغبات الدنيوية والتطلعات الروحية.

ويظهر هذا الصراع بوضوح في تردد سلامان بين الانجذاب إلى أبسال ومقاومته، مما يعكس حالة التذبذب التي يعيشها الإنسان في مواجهة غرائزه ورغباته، حيث يظل العقل يحاول أن يهيمن على هذه الرغبات لتحقيق حالة من التوازن والصفاء الداخلي.

كما أن تعبير القصة عن الانفصال والعودة يدل على مراحل النمو الروحي التي يمر بها الإنسان، فالهروب مع أبسال يمثل الانجراف وراء الملذات، والعودة إلى الأب الحكيم تعبر عن اليقظة والتوبة والرغبة في تصحيح المسار نحو النقاء والصفاء الروحي.

ويمكن القول إن رمزية البحر تمثل البحر الواسع الذي يحتوي على كل مظاهر الحياة ومتغيراتها، والغرق فيه هو رمز للغرق في متاع الدنيا وشهواتها، أما النجاة منه فهي رمز للنجاة الروحية والتحرر من القيود المادية.

في النهاية، تؤكد القصة على أن تحقيق الكمال والسمو لا يكون إلا بالانتصار على النفس الأمارة، والتمسك بالقيم الروحية والفضائل، وهذا ما ينسجم مع تعاليم الشيخ التي تدعو إلى تزكية النفس وتهذيبها، والتوجه إلى الله بالحقيقة والإخلاص.

كما أن استخدام الرموز والعناصر الطبيعية في القصة يعزز من عمق المعنى ويغني البنية السردية، حيث تمثل الطبيعة مرآةً لحالة النفس البشرية، وتعكس مراحل تطورها وتغيرها. فالبحر، كرمز مركزي، يجسد عالم اللاوعي الذي يحمل بين أمواجه أسرار النفس ومخاوفها وطموحاتها، بينما تمثل العودة إلى الأرض الصلبة ثبات الإنسان وتمسكه بجذوره وقيمه الأساسية.

علاوة على ذلك، يمكن اعتبار العلاقة بين سلامان وأبسال تجسيداً للعلاقة بين الإنسان وروحه، حيث تمثل أبسال النفس التي تغوي الإنسان بالملذات، في حين يمثل سلامان العقل الواعي الذي يسعى إلى التوازن والاعتدال. هذا التناقض يبرز أهمية الصراع الداخلي كجزء أساسي من عملية النضج الروحي والنفسي.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه التربية الدينية في تشكيل وعي سلامان، إذ يظهر تأثير تعاليم الشيخ في تحفيز سلامان على البحث عن الحقيقة والابتعاد عن الغواية، مما يعكس أهمية الإرشاد الروحي في مساعدة الإنسان على تجاوز أزماته الداخلية.

وبهذا الشكل، تصبح القصة ليست مجرد سرد لحكاية رومانسية، بل درساً عميقاً في فلسفة النفس والروح، يوجه القارئ نحو التأمل في ذاته وتحليل الصراعات التي يعيشها، ويدعو إلى السعي نحو السلام الداخلي والتوازن الروحي.

بعد مدة طويلة من الفتوحات، عاد أبسال وكان يأمل أن تكون زوجة أخيه قد نسيته، ولكن حبها لم يخفَ، وكانت تنوي معاشرته ومناجاته، فأبسل أبسال مرة أخرى وأبعدها عنه. ثم هاجم أعداء سلامان، فأرسل سلامان أبسال إلى الجيش، فأشترت المرأة جنوده بالمال وفرّقتهم حتى هزم أبسال. وكان أبسال جريحًا ومنهكًا، فظن الجنود أنه مات فتركوه. ثم أظهر له حيوان بري رحمةً ورعاه، وأدخل ضرعه في فمه وأطعمه حتى استعاد صحته. ثم انطلق نحو أخيه، فوجد أخاه محاصرًا. فتولى أبسال قيادة الجيش وهاجم الأعداء وهزمهم وأسر قائدهم، وأمّن البلاد لسلامان.

فلما رأت المرأة أن خطتها لم تنجح، دبرت مكيدة أخرى، فأغرت طباخ القصر وخادمه ليطعما أبسال السم في طعامه فأوقعوه في الموت. حزن سلامان حزناً شديدًا وتسلم الحكم لشخص آخر، ثم لجأ إلى الدعاء والابتهال، وفي ذلك كشف له من هو السبب في كل هذه البلايا، فسمّم القتلة وأهلكهم.

تأويل القصة من خواجه:

سلامان يمثل النفس الناطقة، وأبسال يمثل العقل النظري حتى يحصل على عقل مستفاد وهو أعلى درجات النفس الناطقة في العرفان، وإن كانت ترتقي إلى الكمال. وامرأة سلامان تمثل القوة البدنية الأمارة بالشهوات والغضب، المتحدة بالنفس وصارت شخصًا من الناس. وعشقها لأبسال يمثل ميل هذه القوة إلى تسخير العقل لسد حاجاتها الفانية. وامتناع أبسال عنها يدل على انجذاب العقل إلى عالمه، وأخت المرأة التي أملت عليها تمثل القوة العملية، وهي العقل العملي المطيع للعقل النظري، والنفس المطمئنة. واستبدال المرأة نفسها بأختها هو تسويل النفس الأمارة لمطالبها الدنيئة وترويجها على أنها مصالح حقيقية. والبرق اللامع من الغيم المظلم يمثل الخطفة الإلهية التي تظهر أثناء الانشغال بالأمور الدنيوية، وهي جذبة من جذبات الحق.

إعراض أبسال عن المرأة يدل على توجه العقل عن الهوى، وفتح البلاد لأخيه يعني اطلاع النفس بالقوة النظرية على الملكوت والجبروت وترقيها إلى العالم الإلهي، وقدرتها بالقوة العملية على حسن تدبير مصالح البدن وتنظيم شؤون المدن والبلدان. لذلك سُمي أبسال «أول ذو القرنين» أي من يملك الخافقين. ورفض الجيش له يعني انقطاع القوى الحسية والخيالية عن النفس عند عروجها إلى الملأ الأعلى، وفتور تلك القوى لقلة التفاته إليها. وتغذيته بحليب الوحش يعني إفاضة الكمال إليه من عوالم أسمى. واختلال حال سلامان لفقده أبسال يعني اضطراب النفس عند إهمالها تدبيرها لشغلها بالعوالم العليا.

رجوع أبسال إلى سلامان يدل على اهتمام العقل بتنظيم مصالح النفس في تدبير البدن. والطباخ يمثل القوة الغضبية المشتعلة عند طلب الانتقام، والمستخدم القوة الشهوانية الجاذبة لحاجات البدن. وتواطؤهما على هلاك أبسال يشير إلى انحلال العقل في سن الشيخوخة مع استعمال النفس الأمارة لهما لزيادة الاحتياج بسبب الضعف والعجز. وإهلاك سلامان لهما يعني ترك النفس استعمال القوى البدنية في آخر العمر وزوال هيجان الغضب والشهوة وانكسار اعتيادهما. واعتزال سلامان الملك وتسليم الحكم لغيره يعني انقطاع تدبير النفس عن البدن وتسلّم غيرها تصرفه.

وهذا التأويل مطابق لما ذكره الشيخ، ومما يؤكد ذلك أنه أورد قصة سلامان وأبسال في رسالته عن القضاء والقدر، وذكر فيهما حديث لمعان البرق من الغيم المظلم الذي أظهر لأبسال وجه امرأة سلامان حتى أعرض عنها.

الزاهد، العابد، والعارف:

الزاهد هو من يترك متاع الدنيا ويرتبط بالغرض الحقيقي وهو الحقّ. أما العابد فهو من يغمر نفسه في الطاعات والنافلات، لكن هدفه غالبًا ما يكون الجزاء والنجاة من العذاب أو الفوز بالجنة. العارف هو الذي لا يرى إلا الحقّ، ويحبّ الحقّ لذاته دون وسيط أو غاية أخرى.

الفرق بين العابد والزاهد والعارف:

  • العابد والزاهد كالتاجر والأجير؛ الزاهد يتاجر بالدنيا والآخرة، والعابد يعمل أجيرًا يطلب الأجر. هما لا يعبدان إلا للوصول إلى الجنة أو الخلاص من النار، والحقّ وسيلتهما لا غايتهما.
  • أما العارف، فهو من يعبد لأنّ محبته للحقّ فطرية، يقول: “عبدتك حبًا لك” أو “وجدتك أهلا للعبادة”. فعبادته نابعة من وجود الحقّ ذاته، وليست من أجل أجر أو خوف.

مراحل طلب الحقّ:

الطالب يبدأ بالتخلي عن كل ما يبعده عن الحقّ (تبرّي)، ثم يتوجه إليه (تولّي)، وينتهي بإدراك الحقّ وحضوره في قلبه. هذا الطريق يتطلب تنقية النفس من كل ما هو عائق، سواء كان ضدًّا، مخالفًا، أو مشابهًا للحقّ.

الزهد عند العارف وغير العارف:

  • عند غير العارف: الزهد عبارة عن صفقة، يشتري الآخرة بمتاع الدنيا، أو يبيع نفسه للوصول إلى الجنة. العبودية نوع من العمل للحصول على الأجر.
  • عند العارف: الزهد هو تنزيه للنفس عن ما يشغلها عن الحقّ، والعبادة رياضة روحية تهدف لترويض النفس وكشف الحقائق الداخلية، حتى يصبح القلب متصلًا بالنور الإلهي بلا انقطاع.

سلوك العارف:

العارف يسلك طريق العبادة ليس خوفًا من العقاب أو طمعًا في الجزاء، بل من محبة صافية للحقّ، ويسعى لترويض جميع القوى النفسية حتى تتحد مع الحقّ. هو من يزرع القلب بالضياء الإلهي، ويعيش في حالة مستمرة من الذلّ أمام الحقّ، وهو دائم الإنصات لنور الله.

الاستنتاج:

  • ليس كل زاهد وعابد عارف، لكن كل عارف متصف بالزهد والعبادة الحقيقية.
  • العابد والزاهد دون معرفة حقيقية هم في الحقيقة مرتبطون بعقود مادية، أما العارف فهو حرّ روحاني.
  • السلوك الروحي الحقيقي يبدأ بالتنقية من شوائب النفس، ثم بالمحبة الخالصة للحقّ، ثم بالوصول إلى حالة الاتحاد الروحي.
  • مع العارف
  • كما أنّ العارف يجذب كلّ قواه نحو العالم القدسي، فهو لا يترك أحداً في الطريق، لا يقتل ولا يجرح أحداً، بل يأخذ الجميع معه. ولهذا السبب، فإنّ أولياء الله، مثل النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم والإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لا يريدون أن يضلّوا كما ضلّ أبو لهب وابن ملجم، ولهذا يتضرّع النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل هدايتهم أن يأخذ الجميع معه، فيقول: (لعلّك باخع نفسك)؛ أي: أن تتعب نفسك لأنهم لا يؤمنون، وكأنّه يريد أن يحذّر من الهلاك الذي يلحق بالذي يسير وحيداً في الطريق، كما حصل للنبي يونس عليه السلام الذي دخل في بطن الحوت. فإنْ سلكت الطريق وحيداً كالنبي يونس، فإنّك قد تُساق إلى المجهول، لأنّ الراعي لا قيمة له بدون قطيعه، والقطيع لا يحيا بدون الراعي.
  • وكان السيد المسيح عليه السلام يستحضر عقوبة يونس عليه السلام حين قال: “يا الله، أنت تعلم أنهم عبادك، فافعل بهم ما تشاء، فلن ألعنهم”، لأنّ لعنة العباد تؤدي إلى مصير كالبطن الحوت (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فأنت العزيز الحكيم).
  • يُروى أنّ ناصر الدين شاه دخل إلى بيت المرحوم الحاجي سبزواري، وبعد مدة صمت الحاجي ولم يقل شيئاً، فأُعْجِبَ من صمته وقال: “يا شيخ، يبدو أن محمدكم أصبح درويشاً” (وكان محمد ابن الحاجي عالماً يدرس منظومة والده). فأجاب الحاجي: “حتى الملك أصبح درويشاً اليوم”، لأنّ إذا صار العالم صالحاً، صار الناس جميعاً صالحين، وإذا رأيت الناس في ضيق، فعلم أنّ المشكل من علماء تلك المنطقة.
  • وقال أحد أساتذتنا: “إذا دخلت أيّ مدينة وأردت أن تعرف كيف حال علمائها، امش في المدينة، إذا رأيت الناس يحترمونك ويتعاملون معك بسلام، فاعلم أنّ فيها علماء صالحين، وإذا رأيت العكس، فاعلم أنّك لا تستطيع التعامل مع أهل العلم هناك، لأنّهم ربّوا الناس على ذلك”.
  • ويضيف الشيخ بأنّ العارف حين يلتقي بالله لا تتزاحم قواه مع عقله وسره، كما لو كنت في طريق نادر وسائل النقل، وطفلك يبكي ولا يطيق الانتظار، فيُعطل المسير، كذلك العارف قد يتأثر بالهوى في الطريق، فيصعب سيره، ولكن إن كان وارِست، فلا يتبع الهوى، ويصير عقله خالصاً متبوعاً بقواه، ويكون العقل مركز قواه جميعاً، وعندما يقول: “سبوح قدوس”، يردد ذلك الجدار، وعندما يقول: “إياك نعبد وإياك نستعين”، ترفع أصوات الحق من حوله. فإذا كان سره قويًا، يُدخِل جميع قواه داخله، وإذا كان ضعيفًا، يتبع الهوى وقد يصبح سره أسوأ من نفس أمّارة.
  • الإشارة: المجتمع والنبوة
  • لأنه لم يكن الإنسان قادراً على إدارة أمر نفسه بمفرده إلا بشراكة مع غيره من بني جنسه، ومنازعة وتبادل بينهما، فكل واحد منهما يتفرع عن الآخر، ولو حاول الواحد أن يتولّى كل الأمور بنفسه لتراكمت عليه، وكان من الصعب جداً أن يُحفظ العدل بين الناس إلا بشريعة فرضها شارع متميّز بأدلة وآيات تدلّ على أنها من عند الله، وكان يجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير.
  • وجب معرفة المجازي والشارع، وفرضت العبادة التي تكررت للتذكير كي تستمر الدعوة إلى إقامة العدل لحياة المجتمع، وزيد بعد ذلك للأجر العظيم في الآخرة، وزيد لمن عرفوا فائدة خاصة استحقوها، فانظر إلى الحكمة والرحمة والنعمة، وانظر بعين الإعجاب.
  • الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يقوم بكل أعماله وحده، فلا بد أن يتخصص كلّ فرد في عمل معين ويتعاون مع الآخرين.
  • والمجتمع يحتاج إلى نظام عادل لا يقوم إلا بوجود نبي من عند الله، يحمل آيات تثبت صدقه، فلا يستطيع المجتمع أن يصلح نفسه بنفسه، ولا يحقق العدالة إلا بوجود شريعة من عند الله تحمي الحقوق، ولا يكفي أن يحكم الأغلبية لأنها قد تستغل السلطة، والقوانين البشرية ليست عادلة دائماً، ولا يمكن الاعتماد عليها لحل مشاكل المجتمع.
  • لذلك، يجب أن تكون العدالة محفوظة بشريعة إلهية، وأن يكون الشارع معصوماً، ليحقق مصالح الناس بإنصاف. وهذا هو سبب ضرورة وجود نبي معصوم وشارع مقدس.
  • وعليه، لا يكون اختيار الحاكم بناء على رأي الأغلبية، لأن ذلك قد يكون بالزور أو الخداع، بل يجب أن يكون هناك دليل قاطع على امتياز الحاكم وشرعيته، وهذه الشرعية تثبت بالآيات والمعجزات التي تثبت أن ذلك من عند الله.
  • وفي المجتمع، لابد من وجود جزاء وعقاب للمحسن والمسيء، وهذا لا يتم إلا بمعرفة من هو الجزاء والشارع، وهو الله أو رسوله أو الإمام المعصوم.
  • العبادة تذكير دائم بوجود المعبود والحفاظ على الدين، والإمام المعصوم يواصل الوحي، ويتكرر الذكر لكي لا ينساها الناس، وهذا سبب أهمية الشعائر الإسلامية كالآذان والإقامة والحج، للحفاظ على الدين والاستمرار في دعوة العدل.
  • والجزاء الكامل للأعمال لا يكون في الدنيا، لأنّ الدنيا لا تكفي لتغطية جميع حقوق الناس، فالجزاء الحقيقي في الآخرة حيث يحكم الله بين العباد.
  • وللزاهدين والعبّاد، الجزاء، وللعارفين، وهو المستعملون للشريعة، منافع إضافية تُعينهم على السير إلى الله.
  • وهكذا، تتضح الحكمة في الدين ونظام الكون، وكرم الله في حفظ عباده، فلا ضرر في أن يكون الإنسان في سبيل الله، بل هو في أمان وعزة.
  • شرح حضرة الخواجة
  • عندما ذكر في الفصل السابق أن الزهد والعبادة لا يصدران إلا من غير العارفين بهدف اكتساب الأجر والثواب في الآخرة، أراد بذلك الإشارة إلى إثبات الأجر والثواب المذكورين، فأثبت النبوة والشريعة وما يتصل بهما وفق منهج الحكماء، لأنهما متفرعان عليهما، وإثبات ذلك مبنيّ على قواعد.
  • وتقرير ذلك هو القول بأن الإنسان لا يستطيع وحده أن يستقل بأمور معاشه، لأنه يحتاج إلى الغذاء واللباس والمسكن والسلاح لنفسه ولمن يعوله من الصغار وغيرهم، وكلها أمور صناعية لا يمكن لصانع واحد أن يرتبها إلا خلال مدة لا يمكن للإنسان أن يعيشها فاقداً لها، أو قد يصعب ذلك إن أمكن، ولكنها تتيسر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها، حيث يفرع كل واحد منهم لصاحبه بعض تلك الأعمال فيتم التبادل بمعارضة، وهي أن يعمل كل واحد مثل ما يعمل الآخر، ومعاوضة، وهي أن يعمل كل واحد لصاحبه من عمله مقابل ما يأخذه منه، فإذاً الإنسان بطبيعته محتاج إلى اجتماع يؤدي إلى صلاح حاله، وهو المراد من قولهم: «الإنسان مدني بالطبع»، والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع، فهذه قاعدة.
  • قال الشيخ سابقاً: لإثبات الأجر والثواب لابد من إثبات لزوم النبوة والشريعة، وبناءً عليه فقد أثبت النبوة والشريعة وما يتعلق بهما وفق طريقة الحكماء، لأن إثبات الأجر والثواب متفرع على إثبات النبوة والشريعة، وحتى لا يُثبت الأجر والثواب في الآخرة دون إثبات النبوة والشريعة. كما أن إثبات الشريعة مبني على قواعد، ولا يمكن إثباتها لفرد واحد، لأن الشريعة والنبوة يكونان حيث وجود أمة، ولا بد أولاً من إثبات وجود الأمة، وإثبات الأمة يستلزم إثبات المجتمع، والمجتمع يتطلب التعاون والاختلاف.
  • سلاح التوحيد
  • الإنسان لا يستطيع وحده توفير حاجاته من الغذاء واللباس والمسكن وغيرها، فجميع هذه الأمور صناعية ولا يمكن لفرد واحد إعدادها كلها، ولو افترضنا ذلك، فإنه ينبغي أن يقضي مدة دون تلك الحاجات، وهذا مستحيل. لكن مع ظهور الجماعة والمجتمع، يتم توفير هذه الحاجات بالتشارك والتعاون، بحيث يفرع كل فرد بعض ما يعمله لغيره، فينشأ بذلك المعارضة والتبادل، ويعمل كل واحد من أجل صاحبه بما يعادل ما يأخذه. فموضوع الاجتماع هو الإنسان العادي.
  • يجب على الإنسان أن يكون اجتماعياً، لا أن يكون منعزلاً أو متهاوناً. ومن الحكمة، أن يكون الإنسان عاملًا في مجتمعه، وخاصة إذا كان عالماً أو فرداً نافعاً، فإن عدم عمله يعد من أعظم الذنوب، لأن تركه العمل يعني اجتياز حقوق الآخرين والاستفادة من جهودهم دون مقابل. لذا يجب على الإنسان أن يكون لديه حس بالمسؤولية تجاه مجتمعه ليقول إنه قد ساهم فيه، وإن لم يكن الجميع مطالبين بالأعمال العظيمة، فحتى الأعمال البسيطة كالكنس أو الخبز لها مكانها. لكن بعض الناس يتصرفون كأنهم أفضل من غيرهم، معتقدين أن لهم أفضليات خاصة، وهذا كلام غير عقلاني. فالتوقع من كل شخص يجب أن يكون بمقدار عمله، كما قال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا لَّكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). فمن لم يعمل في المجتمع لا يكون رزقه مباركاً.
  • المعاملة والعدل
  • ثم نقول: اجتماع الناس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة وعدل، لأن كل واحد يشتهي ما يحتاجه ويغضب من منازعه، فتدفعه شهوته وغضبه إلى الظلم، فيحدث الفوضى ويختل أمر الاجتماع. أما إذا كان هناك معاملة وعدل متفق عليهما، فلا يكون ذلك، إذن لابد من وجود شريعة. والشريعة في اللغة تعني مورد الشارب، وقد سميت بذلك لاستواء الجماعة في الانتفاع منه، وهذه قاعدة ثانية. إذن، يجب وجود المعاملة والعدل، وهذه لا تشمل الجزئيات غير المحصورة إلا إذا كانت لها قوانين كلية، وهي الشرع.
  • القاعدة الثالثة
  • ثم نقول: يجب أن يكون للشرع واضع يقنن تلك القوانين ويقرّرها على الوجه المناسب، وهو الشارع. ولو اختلف الناس في وضع الشرع، لوقع الهرج، فيجب أن يمتاز الشارع منهم باستحقاق الطاعة ليطيعه الناس في قبول الشريعة. واستحقاق الطاعة يتقرر بآيات تدل على أن تلك الشريعة من عند ربّه، وهذه الآيات هي معجزاته، إمّا قولية وإمّا فعلية، والخواص يطوعون للقولية أكثر، والعوام للفعليّة، ولا تتم الفعليّة بدون القولية؛ لأن النبوة والإعجاز لا يحصلان بدون دعوة إلى الخير، إذن لابد من شارع هو نبي ذو معجزة، وهذه قاعدة ثالثة.
  • القاعدة الرابعة
  • ثم إن العوام وضعفاء العقول يستحقرون اختلال العدل النافع في أمور معاشهم بحسب النوع عند سيطرة الشوق لديهم إلى ما يحتاجون إليه بحسب الشخص. فيقدمون على مخالفة الشرع. وإذا كان للمطيع والعاصي ثواب وعقاب أخرويّان، يحملهم الرجاء والخوف على الطاعة وترك المعصية، فلا تنتظم الشريعة بدون ذلك انتظامها به. إذن يجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند الله القدير الخبير بما يبدونه أو يخفونه، ويجب أن يعرف المجازي والشارع هذا على نحو واجب للممتثلين.
  • ولا تكون المعرفة العامية يقينية، فلا تثبت، لذا يجب أن يكون معها سبب حافظ، وهو التذكير المتكرر الذي يكون عبادة مكررة في أوقات متتالية كالصلوات وما يماثلها، فيجب أن يكون النبي داعياً إلى التصديق بوجود خالق قدير خبير، والإيمان بشارع مبعوث من قبله صادق، والاعتراف بالوعد والوعيد الأخرويّين، والقيام بعبادات يذكر فيها الخالق بصفاته، والانقياد للقوانين الشرعية التي يحتاجها الناس في تعاملاتهم، حتى يستمر الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع، وهذه قاعدة رابعة.
  • تَبْهُرُكَ عَجَائِبُهُ؛ أَي تَغْلِبُكَ وَتُدْهِشُكَ، ثُمَّ أَقِمْ؛ أَي أَقِمِ الشَّرِيعَةَ، وَاسْتَقِمْ؛ أَي فِي التَّوَجُّهِ إِلَى ذَلِكَ الْجِنَابِ الْقُدُسِ.
  • مَا ذُكِرَ (مِنْ إثْبَاتِ الشَّرِيعَةِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ …) لَيْسَ بِتَرْتِيبٍ عَرَضِيٍّ أَوْ غَرَضٍ خَارِجِيٍّ وَلا أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ فِي عِلْمِ عِنَايَةِ الْحَقِّ، وَالتَّنْظِيمَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَقَعَتْ فِي طَبِيعَةِ الْعَالَمِ وَتَثَبَّتَتْ بِالأَزَلِيَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الأَرْضَ وَالسَّمَاءَ فِي عِلْمِ عِنَايَةِ الْحَقِّ مُرَتَّبَةٌ، فَقَدْ رُتِّبَ فِيهِمْ النَّبِيُّ وَالإِمَامُ وَالأُمَّةُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ عَرَضِيًّا، وَكَمَثَلِ مَنِ اخْتَرَعَ مَاكِينَةً، وَكَانَ لَهَا مِنْ الْبِدَايَةِ قَصْدٌ وَأَعْلَنَهُ، وَوَضَعَ فِيهَا مِثَالًا لِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ وَالسُّرْعَةِ وَنَوْعِ الاِسْتِهْلَاكِ، وَكَانَتْ قَائِمَةً فِي طَبِيعَةِ هَذِهِ الآلَةِ. فِي عِلْمِ عِنَايَةِ الْحَقِّ أَيْضًا، تَأَصَّلَتْ كُلُّ الْحَاجَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ بَلْ هُوَ دَائِمٌ وَمَطْلُوبٌ دَائِمًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ نَفْعٌ أَفْضَلُ مِنْ نَفْعٍ إِلَى الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ النَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرَهَا مِنَ الظَّوَاهِرِ تَمْلِكُ نِظَامَ الْاِرْتِزَاقِ وَالْمَعِيشَةِ فَقَطْ، وَلَا تَمْلِكُ نِظَامًا مَعْرِفِيًّا مِثْلَ النَّبِيِّ وَالْإِمَامِ وَالإِنْسَانِ، وَهَذَا نَفْعٌ خَصَّهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَفْعٌ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ خَاصَّةٌ، وَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ.
  • وَيَنْعَمُ اللَّهُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ أَوَامِرَهُ، إِلَى جَانِبِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ الْعَظِيمِ، بِأَجْرٍ كَبِيرٍ فِي الْآخِرَةِ، وَيَثْبُتُ لِلْعَارِفِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَبِالإِضَافَةِ إِلَى النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالأَجْرِ الْآخِرِيِّ، يَنَالُ الْكَمَالَ الْحَقِيقِيَّ (عَالَمَ الْقُدْسِ وَحَقِيقَةَ الْيَقِينِ) الَّذِي هُوَ طَالِبُهُ.
  • يَجِبُ التَّدْقِيقُ فِي الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّتَيْنِ. فَالْمَرْدُودُ مِنَ الْحِكْمَةِ هُوَ بَقَاءُ الْمُجْتَمَعِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَانتظامِهِ، وَالرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ تَزِيدُ عَلَى الْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْخَصَائِصِ، فَتَمْنَحُ الأَجْرَ الْآخِرِيَّ، وَيَجِبُ أَنْ يُدْرَكَ نِعْمَةُ الْحَقِّ، وَهِيَ مُمَيَّزَةٌ عَنِ الأَجْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْآخِرِيِّ، حَيْثُ يُقَدِّمُ الْحَقُّ لَنَا لَذَّةَ الزِّيَارَةِ وَكَوْنِهِ مَعْبُودًا! أَنْظُرْ إِلَى إِفَاضَةِ الْخَيْرَاتِ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْجِنَابِ الَّذِي تُبْهِرُكَ عَجَائِبُهُ، فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ، فَأَقِمِ الشَّرِيعَةَ وَاسْتَقِمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى الْحَقِّ.
  • ChatGPT said:
  • البحث والاعتبارات للكاتب
  • أولاً: الحكمة هي حقيقة ظهورها في المجتمع يؤدي إلى إرساء الاستقرار والثبات والتنظيم والنظام الخاص. فالحكمة هي سبب النظام وليس النظام ذاته. النظام هو تجلٍّ للحكمة والعلاقة بين النظام والحكمة علاقة تبعية، حيث تكون الحكمة هي المأخوذ بها والنظام تابع لها، وإذا غابت الحكمة فلا وجود للنظام. النظام أمر تابع ومتعلق، قد يظهر أحياناً ويختفي أحياناً أخرى، أما الحكمة فهي حقيقة لا تزول ولا تعتمد على شيء، وإن لم تَرَها الأنظار أو خفيت عن العيون.
  • ثانياً: جَعل الخواجة “رحمة” الحق بمعنى الجنس واعتبرها مساوية لإيفاء الأجر، مع أن إيفاء الأجر ومنح الثواب، وإن كان مبنياً على رحمة الله الواسعة، إلا أنه ليس كل شيء، بل هو جزء ومثال صغير منها. لا لأحد حق على الله، ولكن الله تعالى بنظر رحمته الواسعة جعل لنفسه حقاً في مقابل كل واجب، واعتبر ذلك إحساناً مقابل إحسان بلطفه، فإيفاء الأجر ليس إلا إحساناً ومنشأه لطف الله ورحمته، لكن الإحسان والرحمة لا تقتصر على إيفاء الأجر ومنح الثواب.
  • ثالثاً: عرّف الخواجة النعمة بثلاثة أمثلة فقط، وهذا التعريف غير كامل، لأن وصف الرحمة الواسعة والحكمة الجامعة والنعمة التامة لله لا يمكن حصرها في بعض الأمثلة أو حصرها في نماذج قليلة.
  • رابعاً: من عبارة “فانظر إلى…” يبيّن الشيخ أن الشريعة سبب النظام، وأن الله عز وجل أسّس الشريعة على الحكمة والرحمة، وأن الالتزام بها يؤدي إلى انتظام المجتمع وصحة الحياة الدنيوية وسعادة الآخرة، وأن النفع العظيم الدنيوي والأجر الجزيل الأخروي والكمال والفرح الحقيقي الناتج عن تلك الرحمة والحكمة هو “نعمة” تامة.
  • خامساً: “فانظر” تعني أن الإنسان العاقل يجب أن ينتقل من مجرد المراقبة إلى إدراك الحقيقة، فالحكمة والرحمة والنعمة في النظام ظاهرة للعيان ولا يمكن توجيه الإنسان فقط للتأمل، بل المقصود أن يرى حقيقة الحق التي صفات الله تعالى فيها عجب وحيرة ودهشة للعاقل.
  • سادساً: كان قصد الشيخ إثبات وجوب معرفة الحق والشريعة الإلهية، وأن انتظام المجتمع وسلامته يتشكلان في ظل الشريعة، وأنه بدون معرفة الحق لا تقبل الشريعة. من الواضح أن بحث وجوب الشريعة ومعرفة الحق أو وجوب نسب الشريعة للحق، ومناقشة علاقة القانون بالله القائمة على معرفة الحق، ليست مساوية لوجوب وجود الحق. وهذه نقطة لم ينتبه لها فخر، الذي استبدل موضوع وجوب وجود الحق بوجوب نسب الشريعة له، مما أدى إلى تحريف كلام الشيخ. والخواجة دون اهتمام بهذا المعنى انحرف في نقداته التي بُنيت على تفسير فخر المشوّه، ودافع عن الشيخ بناءً على هذا الخطأ.
  • صحيح أن معرفة الشارع تستلزم وجوده، وفخر استدل على وجوده بوجوب وجوده، لأنه لا توجد معرفة لشيء إلا إذا كان موجوداً. لكن هذا التبرير لا يحل المشكلة، لأن معرفة شيء تفترض وجوده وليس بالضرورة وجوب وجوده، ووجود الشيء يجعله موضوع معرفة حتى لو لم يكن واجب الوجود. كما أن موضوع بحث الشيخ ليس وجود الحق قبل إثباته، لأنه إذا كان ذلك هو المقصود، فلا يمكن للمتبع للشريعة أن يعرف حقاً غير مثبت، وإذا كان المقصود وجود الحق بعد إثباته، فالمعرفة لا تستند إلى وجوب وجوده.
  • والآن سنراجع الأقوال الثلاثة التي ذكرها الكاتب حتى يقتنع القارئ بصحة هذا الطرح:
  • نص الشيخ: «لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه… وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع… ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء… فوجب معرفة المجازي والشارع.»
  • فخر في شرحه قال: «لما احتاج أهل العالم إلى الشارع وجب وجوده، وإن قصدتم به وجوده بالوجوب الذاتي فهو ظاهر الفساد، وإن قصدتم به وجوب تكوينه وإيجاده على الله كما يقول المعتزلة بأن العوض واجب على الله تعالى، وهو ما لا يقوله الفلاسفة.»
  • ما نقله الخواجة عن فخر ليس موضوع بحث الشيخ، ولو من حيث المعنى متفق مع كلام فخر في هذا الجزء، لكنه لم يلتفت لدقة النقل في جزء آخر. فخر قال: “إن قصدتم بوجوده وجوب وجود ذاتي فهو ظاهر الفساد”، بينما الخواجة نقلها “الوجوب الذاتي فهو محال”؛ حيث غير “ظاهر الفساد” إلى “محال” وهذا يحتاج إلى دليل وتوضيح.
  • قصد الشيخ ليس إثبات النظام الأحسن أو وجوب وجود الباري أو إثبات الآخرة، وإنما يهدف إلى القول إن المجتمع لا ينضبط بدون دين، وأن الدين يجب أن يكون من عند الله ليحدث النظام ويصاحبه أجر أخروي.
  • كما بيّننا سابقاً أن المقصود بالنظام هنا ليس نظام العالم كما فهم فخر بالخطأ، بل نظام الشريعة في المجتمع الذي ناقشه الشيخ بوضوح، بينما نقل الخواجة النقاش من نظام الشريعة إلى نظام الأحسن، وهو انحراف عن موضوع الشيخ.
  • في الختام، كان من الأفضل أن يستخدم الشيخ عبارات مثل “لزِم” و”استلزم” بدلاً من “وجب” حتى لا يُفهم على نحو خاطئ.
  • سابعاً: فخر قال في المعنى الثالث للوجوب: إذا كان المقصود ضرورة عقلية، فإن النظام الأحسن ضروري، لكن وجود نظام أحسن ليس ضرورياً. والخواجة شرح سبب وجوب النظام العقلي، وهذا الإشكال من فخر لا ينطبق عليه. بعبارة أخرى، إشكال فخر على ضرورة الفعل (النظام الأحسن) هو نفي الملاصقة، ولكنه لا يرفض بيان الملاصق (شرح معنى الوجوب). والخواجة تناول شرح الملاصق وسبب وجوب الفعل (السبب الغائي) لم تتلقفها إشكالية فخر.
  • قال الخواجة: «استناد الأفعال إلى غاياتها… كاف في إثبات أن هذه الأفعال حقيقية»، واعتبر الوجوب بمعنى الاستلزام الناشئ من السبب الغائي لفعل معين. لكن كلامه رغم أنه انحراف عن الموضوع، يواجه مشكلات، إذ أن السبب الغائي شرط لازم وليس كافياً لتحقيق الفعل.
  • أيضاً، الخواجة اعتبر السبب الغائي صورة الشيء في علم عناية الحق، مع أن الحقائق في علم عناية الحق هي أسباب صور وليس أسباب غائية، وسبب الصورة هنا لا يعني خلق صورة خارجية بل هو حقيقة علمية سبب الصورة والمادة الخارجيّة، والمفهوم مختلف عن تعريف المنطق.
  • ثامناً: يجب التفريق بين الاستلزام والاقتضاء. فارتكاب المعصية “يقتضي” ملكة، بمعنى أن الفعل يسبب ظهور ملكة تؤدي إلى العذاب، لكنه لا “يستلزم” وجود الملكة. بمعنى أن الفعل لا يحتاج إلى ملكة العصيان بل اقتضاء النفس السيئة كافٍ (كما في قوله تعالى: “إن النفس لأمارة بالسوء”). التكرار يؤدي إلى ترسخ الملكة التي بدورها تقتضي العذاب.
  • الخواجة دقق جداً في هذا المجال قائلاً: «ارتكاب المعاصي يقتضي وجود ملكة راسخة في النفس هي المقتضية للعذاب». في الاقتضاء يجب أن يسبق المقتضي المقتضى، بينما الاستلزام لا يتطلب تقدم أو تأخر اللازم والملزوم.
  • تاسعاً: النسيان نوعان: نسيان ذهني ونسيان نفسي. رغم أن كلاهما وصف للنفس، إلا أن وجود ملكة تقتضي عذاب النفس يجعل النسيان النفسي غير معقول، لأن النفس هي التي تعاقب، والنسيان الذهني لا يمنع العذاب، بل لا يمكن تخيّل نسيان ذهني في وجود عذاب إلهي.
  • عاشراً: كما سبق، برهان الشيخ ونقد فخر وردود الخواجة كلها سطحية وكلامية.
  • نقطة هامة: كلما زادت مقدمات الدليل، زادت فرص المناقضين للتشكيك به، وهذا الدليل يحمل مقدمات كثيرة، ومن ثم يواجه نقداً واسعاً.
  • حادي عشر: قال الشيخ إن الله ليس فاعلاً مختاراً، وهذا صحيح، لأن فعل الحق فوق الاختيار، فالاختيار فرع على التصور والتصديق، والله “فعل وخلق بلا روية”. فقولنا “الله ليس فاعلاً مختاراً” لا يعني أنه مجبور، بل أن الله أعلى من فاعل مختار.
  • ثاني عشر: قول الشيخ بأن الله ليس عالمًا بالجزئيات زمنياً على وجه جزئي مردود. الخواجة ينتقد هذا ويؤكد علم الله بالجزئيات، كما في قوله تعالى: “لا تسقط من ورقة إلا يعلمها”. لكن الشيخ قال: “لكن على نحو كلي”، وبدون دليل واضح. وقد ناقش هذا في دروس الفلسفة المتقدمة.
  • ثالث عشر: قد يُقال إن النظام الأحسن ليس واجباً، وأن الشريعة ليست واجبة، بل مجرد قانون. وهذا خطأ، لأن وجود شريعة واجب لضرورة النظام، وهذا أمر غائي.
  • رابع عشر: الخلاصة، ردود فخر والخواجة كلها مجرد محاولات لتغيير موضوع الشيخ.

النقد والملاحظات على النص

  1. الحكمة هي حقيقة يؤدي وجودها وظهورها في المجتمع إلى إرساء متانة وثبات ونظام خاص وانتظام. الحكمة هي سبب النظام وليست النظام نفسه. النظام هو تجلٍ للحكمة، والعلاقة بين النظام والحكمة علاقة تبعية، بحيث تكون الحكمة هي الأصل والنظام تابع لها، وإذا لم تكن هناك حكمة، فلن يوجد نظام. النظام أمر تابع ومتعلق قد يظهر أحياناً ويختفي أحياناً، ولكن ما لا يزول أبداً ولا يتبع شيئاً هو الحكمة والحقيقة، وإن لم تُرَ أو خفيت عن الأنظار.
  2. قدم الخواجة “رحمة” الحق بـ”أل” التعريف واعتبره متساوياً مع أداء الأجر؛ مع أن أداء الأجر ومنح الثواب، وإن كان مبنياً على الرحمة الواسعة الإلهية، لا يشكل كل الرحمة بل هو نموذج وانبثاق منها. لا يحق لأحد على الله حق، لكن الله تعالى، بناءً على رحمته الواسعة، جعل حقاً لنفسه مقابل كل واجب، واعتبر أداؤه إحساناً مقابل إحسان بلطفه. إذن، أداء الأجر ليس إلا إحساناً وليس له مصدر سوى لطف ورحمة الحق، ولكن الإحسان، لطف ورحمة الحق، لا يقتصر فقط على أداء الأجر ومنح الثواب.
  3. عرف الخواجة النعمة بثلاثة أمثلة، وهذا التعريف غير كامل، لأنه في مقام بيان الرحمة الواسعة، والحكمة الجامعة، والنعمة الكاملة لله تعالى، لا يمكن حصرها بأمثلة محدودة أو تعريفها عبر نماذج قليلة.
  4. من عبارة “فانظر إلى…” فصاعداً، يوضح الشيخ هذه الحقيقة بأن الشريعة سبب النظام، وأن الله عز وجل أقام الشريعة على أساس الحكمة والرحمة، وجعل الالتزام بها سبباً لنظام المجتمع وصحة الحياة الدنيوية وسعادة الآخرة، واعتبر النفع العظيم في الدنيا، والأجر الجزيل في الآخرة، والكمال والفرح الحقيقي الناتج عن تلك الرحمة والحكمة “نعمة” كاملة.
  5. “فانظر” تشير إلى أن الإنسان العاقل ينبغي أن ينتقل من مشاهدة هذا النظام الدقيق إلى حقيقة ذلك؛ لأن الحكمة الموجودة في النظام، والرحمة والنعمة التي تظهر فيه، وصلت إلى رؤية المتلقي، ولا يمكن فرض التوصل إليها أو مجرد طلب النظر فقط، بل المقصود من الشيخ هو أن يتأمل بعمق وينظر إلى الحقيقة التي هي ذات الحق، لأن صفاته ذات عجب وغموض يثير دهشة وحيرة الإنسان العاقل.
  6. كان الشيخ في هذا الإشارة يريد إثبات وجوب معرفة الحق والشريعة الإلهية، وأن النظام وصحة المجتمع لا تتشكل إلا في ظل الشريعة، وأنه دون معرفة الحق لا تُقبل الشريعة الإلهية. ومن الواضح أن النقاش حول وجوب الشريعة الإلهية ومعرفة الحق، أو وجوب انتساب الشريعة للحق تعالى وعلاقة القانون بالله التي تقوم على معرفة الحق، يختلف عن وجوب وجود الحق ذاته. وهذه نقطة لم ينتبه لها الفخر في اعتراضاته على الشيخ، حيث استبدل موضوع وجوب وجود الحق بوجوب انتساب الشريعة للحق، والخواجة أيضاً دون وعي وقع في نفس الخطأ واعتمد على كلام محرف للفخر للدفاع عن الشيخ.

صحيح أن لازمة معرفة الشارع وجوده، وقد أخذ الفخر على هذا الأساس من وجود المعرفة وجوب الوجود، لأن ما لا يوجد لا يمكن معرفته، لكن هذا التبرير لا يحل المشكلة، إذ إن لازمة المعرفة بشيء وجوده، وليس وجوب وجوده، ووجود الشيء يجعله موضوعاً للمعرفة، ولو لم يكن واجب الوجود. بالإضافة إلى أن موضوع نقاش الشيخ ليس وجود الحق تعالى، فإذا كان المراد وجود الحق قبل إثباته، فلن يكون هناك حق ثابت لمن يريد اتباع الشريعة الإلهية، والحق الذي لم يثبت لا يمكن معرفته، وإذا كان المراد وجود الحق بعد إثباته، فإن المعرفة لا تقوم على وجوبه.

والآن يُراجع الكلام الثلاثة ليتحقق القارئ من صحة هذا الرأي:

قال الشيخ: “لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه … وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع … ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء … فوجب معرفة المجازي والشارع”.

قال الفخر في شرحه: “لما احتاج أهل العالم إلى الشارع وجب وجوده إن عنيتم به كونه موجوداً واجباً لذاته فهو ظاهر الفساد، وإن عنيتم به أنه يجب على الله تكوينه وإيجاده كما يقول المعتزلة إن العوض واجب على الله تعالى، أي لو لم يفعله لاستحق الذم، فهذا ما لا يقوله الفلاسفة أصلاً”.

ما نقله الخواجة من الفخر ليس موضوع نقاش الشيخ، ورغم توافقه مع كلام الفخر في هذا الجزء، إلا أنه لم يتحقق بدقة في النقل، حيث قال الفخر “فهو ظاهر الفساد”، وخالفه الخواجة إلى “فهو محال”، بينما “ظاهر الفساد” يعني واضح ولا يحتاج إلى برهان، أما “محال” فيحتاج إلى تفسير وبرهان.

لم يقصد الشيخ بيان نظام الأحسن، أو إثبات وجود واجب الباري، أو إثبات الآخرة، بل أراد القول إن المجتمع لا يستقيم إلا بالدين، ويجب أن يكون الدين من عند الله، وعندها يحدث النظام ويصاحب ذلك أجر الآخرة.

كما تقدم، المقصود بالنظام ليس نظام العالم الذي أخطأ الفخر في ذكره، بل نظام الشريعة في المجتمع، الذي بحث فيه الشيخ بدقة، والخواجة نقل النقاش إلى نظام الأحسن، وهو انحراف عن موضوع الشيخ.

في الختام، كان من الأفضل أن يستخدم الشيخ عوض كلمة “وجب” كلمات مثل “لزم” أو “استلزم” حتى لا يُسفر عن هذا الفهم الخاطئ.

  1. قال الفخر في المعنى الثالث للوجوب: إذا كان المقصود بالوجوب ضرورة عقلية، فالنظام الأحسن ضروري، وهذا غير صحيح لأن وجود النظام الأحسن ليس ضرورياً. والخواجة يوضح سبب الوجوب والضرورة العقلية، وهو ما لا يعترض عليه الفخر. وبعبارة أخرى، اعتراض الفخر هو على لازمة وجوب الفعل وهو النظام الأحسن، ويريد نفي الملازمة، لكنه لا يعترض على شرح الملازم، وهو توضيح معنى الوجوب، والخواجة يوضح الملازم، كما أن اعتراض الفخر على سبب وجوب الفعل، وهو السبب الغائي، غير صحيح.

قال الخواجة: “استناد الأفعال إلى غاياتها … كاف في إثبات أن تلك الأفعال لها وجود”، وأخذ الوجوب بمعنى الاستلزام الذي ينبع من السبب الغائي لتحقيق الفعل. ومع ذلك، فإن هذا القول، بالإضافة إلى كونه انحرافاً عن الموضوع، فيه مشكلة؛ لأنه صحيح أن السبب الغائي يؤثر في تحقيق الفعل وهو شرط ضروري، لكنه ليس شرطاً كافياً، ولا يكفي مجرد ارتباط الفعل بالسبب الغائي لتحقيقه.

النقد والملاحظات على كاتب النص

١. الحكمة حقيقةٌ إن حضورها وظهورها في المجتمع يخلق استقراراً وتنظيماً خاصاً. الحكمة هي سبب النظام وليست النظام بذاته. النظام هو ظهور للحكمة، والعلاقة بين النظام والحكمة علاقة تبعية، فالحكمة هي المتبوع والنظام تابع لها، وإذا لم تكن هناك حكمة فلا نظام كذلك. النظام شأن تابع ومرتبط قد يُرى أحياناً ويختفي أحياناً، لكن الحكمة والحقيقة لا تزول أبداً ولا تعتمد على شيء، وإن غابت عن أعين كثيرين.

٢. ذكر الخواجة «رحمة» الحق بـ «الألف واللام» للجنس وجعله معادلاً لأداء الأجر، مع أن أداء الأجر والعطاء ليس كله رحمة الله الواسعة، بل هو مثال ونزرٌ منها. لا يحق لأحد على الله شيئاً، لكن الله تعالى برحمته الواسعة جعل لنفسه حقاً على كل واجب واعتبر أدائه إحساناً مبنياً على لطفه ورحمته. فأداء الأجر ليس إلا إحساناً لا مصدر له إلا لطف ورحمة الحق، ولكن الإحسان، والرحمة واللطف ليست محصورة في أداء الأجر والعطاء.

٣. عرف الخواجة النعمة بثلاثة أمثلة فقط، وهذا تعبير ناقص؛ لأن في مقام بيان الرحمة الواسعة، الحكمة الجامعة والنعمة التامة لله لا يمكن حصرها بذكر أمثلة أو حصرها في بضعة نماذج.

٤. ابتداءً من عبارة «فانظر إلى…» بدأ الشيخ يبيّن أن الشريعة سبب النظام، وأن الله تعالى أسس الشريعة على الحكمة والرحمة، وأن الالتزام بها يؤدي إلى انتظام المجتمع وصحة الحياة الدنيا وسعادة الآخرة، وجعل النفع العظيم في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة، والكمال والبهجة الحقيقية الناتجة عن تلك الرحمة والحكمة نعمة تامة.

٥. «فانظر» هي إشارة إلى أن الإنسان العاقل ينبغي أن ينتقل بفكره من مجرد رؤية النظام الدقيق إلى فهم حقيقته، فالحكمة الموجودة في النظام والرحمة والنعمة الظاهرة فيه تصل إلى نظر المتلقي، ولا يمكن الأمر بإجبار الشخص على التصديق، بل المراد من الشيخ هو أن يحقق رؤية أعمق للحقيقة الإلهية التي تحمل صفات عجيبة تثير دهشة وحيرة الإنسان العاقل.

٦. كان مقصد الشيخ إثبات وجوب معرفة الحق والشريعة الإلهية، وأن انتظام المجتمع وصحته تتحقق في ظل الشريعة، وأن بدون معرفة الحق لا تُقبل الشريعة. ومن الواضح أن البحث في وجوب وجود الحق مختلف عن بحث وجوب انتساب الشريعة للحق، وهذا أمر فخر لم ينتبه إليه في نقده، بل استبدل موضوع وجوب وجود الحق بوجوب انتساب الشريعة إليه، فتبعه الخواجة دون تمحيص وهاجم الشيخ بناءً على كلام محرف لفخر، ودافع عنه.

٧. لم يقصد الشيخ بيان نظام العالم أو إثبات وجود الله بالأصل، بل أراد أن يبين أن المجتمع لا ينتظم بدون دين، وأن الدين يجب أن يكون من عند الله ليظهر النظام ويكون مصحوباً بالأجر في الآخرة.

٨. وأخيراً، كان من الأفضل للشيخ استعمال كلمات مثل «لزمه» أو «استلزمه» بدلاً من «وجب» لتجنب سوء الفهم.

٩. لا يعني أن كل من يتكلم عن أسماء وصفات الله تعالى ويزعم معرفته الحقيقية بالله أنه عارف بحق، فقد يكون عالماً في اللاهوت فقط، وله معرفة سطحية بالأسماء. العلم وحده لا يضمن صلاح الشخص، فقد يكون العلم سبباً للادعاء وليس للفضيلة، خاصة إذا لم يكن متصلاً بالعمل والنية الصادقة.

١٠. المعجزة القولية بخلاف المعجزة الفعلية ليس لها نظير، لأن المعجزة تعتمد على كون الفعل أصلياً وفريداً، أما المعجزة القولية التي تقوم على الحكاية والبلاغ فلا يمكن الحكم عليها بعدم وجود شبيه، فقد روى الآخرون معانٍ شبيهة وأوقعوا الناس في الضلال.

١١. بالدليل الذي قدمه الشيخ والخواجة لم يثبت ضرورة وجود الدين عقلياً، فالدليل قائم على القسر، ولا يعني قبول الدين طبيعياً.

١٢. الخلاصة أن الشيخ أثبت أجر الزاهد والعابد على الله تعالى عبر إثبات مدنية المجتمع ودينه ونبوة الرسول، لإظهار ضرورة وجود الشريعة، مشروطاً بأن يثبت أنهم يطلبون الأجر الذي يُعطى في الآخرة.

١٣. يُذكر أن هذه الإشارة من رسالة ذو النون الكبير التي تناولها الفارابي تفصيلاً في «المدينة الفاضلة»، بينما لا مناسبة لذكرها في «مقامات العارفين».

١٤. العارف يريد الحق الأول تعالى لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيء على عرفانه إلا لأنه يستحق العبادة، فعبادته ليست للرغبة أو الخوف، بل لأن الحق هو الغاية والهدف الحقيقي، وليس الوسيلة.

١٥. العارف لا يختار شيئاً على الله، لا الآخرة ولا الخوف ولا النعيم، ولا حتى معرفته، بل يطلب المعرفة لأنها وسيلة للوصول إلى الحق، لا العكس.

العرفان للحق لا للعِرفان

يقول المرحوم خواجه في استكمال كلام الشيخ: إن قول الشيخ بأن العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره، يجعل إرادة العارف متعلقة بالحق، فلا يختار شيئًا غير الحق، بل إن العرفان نفسه طريق له لا غاية، فيختار الحق على عرفانه.

أحيانًا يحب الإنسان أن يتحدث عن العرفان، ويجعل الحق قالبًا فقط ليُظهر به فضله، فهذا ليس بعارف بل هو جاهل. وأحيانًا يختار الإنسان الحق، ولا يجد طريقًا للوصول إليه إلا العرفان، فيتعلم العرفان لأنه أقرب الطرق إلى الحق، فالعرفان له تأثير غير ذاتي في هذا المقام.

إذا كان الحق قالب العمل، فإن العرفان مؤثر بالغير، والحق مؤثر بالذات، وإذا كان الحق مؤثرًا بالذات، فالعرفان طريق ومؤثر بالغير، ولهذا قال الشيخ: «لا يؤثر شيء على عرفانه، فإن الحق مؤثر على عرفانه». فاختار الحق على العرفان، والعرفان طريق وسبب، والعرفان ذاته ليس مؤثرًا حتى يقول: أريد أن أكون عارفًا، فهذا ليس مقصود الله. والله هو قالب العمل، كمن يريد أن يمارس الرياضة ليقوى، والهارتل والدمبل وسائل لذلك، فالهدف هو القوة لا الرياضة نفسها.

إذا كان المراد بالعِرفان هو العِرفان ذاته، فالحق كالدمبل والهارتل فقط، يريد أن يتمرن عليه، أما إذا اختار الحق، فإنه يحتاج إلى لغة وفكر، فاختار علم العرفان لأنه أقرب سبيل للوصول.

تأملات في كلام الشيخ والخواجه

قال الشيخ: العارف لا يختار إلا عرفان الحق، وهذا يعني أن العارف يريد العرفان للحق لا للشيء غيره. كلام ابن سينا يحمل مقولتين: الأولى أن العارف يريد الحق فقط، والثانية أن العارف لا يفضل شيئًا على عرفان الحق.

لم يوضح الخواجه كيف نستنبط المقولتين من كلام الشيخ، والشرح أن العارف يريد ذات الحق التي لا أول لها ولا آخر، التي تتجاوز كل أوصاف الوجود، كما يقول أهل العصمة: «لا إثبات ولا نفي له»، ويقول أهل العرفان: «لا اسم ولا رسم له»، ولا يمكن حتى أن نقول «هو وجود بلا اسم أو رسم»، بل يجب الصمت والاعتراف بالعجز، وهو وصف إدراكي لنا لا صفه لله.

وهذا التصوير للحق يعني أنه ليس الأخير الذي لا قبله ولا بعده، بل مقام لا اسم له، والعارف يسعى لذلك، حيث ينير نور الحق سره دائمًا، فلا يرضى إلا بالحق، ويحب الحق دون أن ينشغل بحب أو رضا عرفانه، فالعرفان طريق للوصول لا غاية، والعارف لا يريد شيئًا إلا الحق، ويقول الحق عنه «أنا الذي أقول انف فلا تقول انف»، أي أن ما يقال كناية عن الحق.

إرادة العارف متعلقة بالحق لا بالعِرفان، وكلاهما مكمل لبعضهما. وإن وصف الشيخ للحق بصفته لا معين له، يفوق رؤية الشيخ نفسه، وهو نظر أرفع في الفهم.

العبارة الفرعية «لا يؤثر شيء على عرفانه» هي بمثابة حاشية على «العارف يريد الحق الأول»، والمقتضى البلاغي أن تُذكر الأصل أولًا ثم الفرع لا العكس.

إشارة: العارف محب للحق

قال الشيخ: من أَثَر العرفان بالعرفان فقد قال بالثاني، ومن وجد العرفان كأنه لا يجده، بل يجد المعروف به فقد غاص في لجة الوصول، وهناك درجات لا يمكن الحديث عنها أو وصفها بالكلام، فقط الخيال يكشفها، ومن أراد أن يعرفها فلينتقل حتى يكون من أهل المشاهدة دون المشافهة، ومن الواصلين إلى العين دون السامعين.

وهنا يحذر الشيخ أن العرفان لا يكون بتأثير ذاته، فيجب أن لا يصير العرفان للعارف معبودًا، فإذا اختار العرفان للعِرفان يكون شركًا، لأن حينها له مؤثران، الحق والعرفان. والعارف يختلف عن الزاهد والعابد، الذين يريدون العرفان للثواب وتجنب العقاب، أما العارف فلا يؤثر عليه إلا الحق.

شرح الخواجه

ذكر الشيخ غرض العارف والغير عارف من الزهد والعبادة، فبين غرض العارف. للعارف كمال حقيقي في حالتين: الأولى محبة الكمال لنفسه، والثانية حركة النفس كلها لطلب القرب، سمى الأولى الإرادة، والثانية التعبد، وكل ذلك متعلق بالحق الأول لا بغيره.

العارف لا يختار غير الحق للذات، بل إذا تعلق بغير الحق فهو لأجل الحق.

العرفان ليس مؤثرًا بذاته عند العارف، بل الحق هو المؤثر على العرفان.

الغير عارف يتأثر بالثواب والعقاب، أما العارف فلا يتأثر إلا بالحق الذي هو مؤثر بذاته.

تعلق عبادة العارف بالحق فقط، وإن كان العارف يتعبد لتقوية قواه للوصول إلى الحق، فإن القصد الذاتي هو الحق، والغير من عرضيات القصد.

العبادة علاقة شريفة بين العبد والحق، والحق مستحق للعبادة، والعبادة طريق للحق.

نقدات على كلام الشيخ

  1. التمييز بين الشرك والكفر:

الشيخ قال إن من يفضل العرفان للعِرفان فهو مشرك، لكن المشرك بمعناه الحقيقي هو من يجعل له مؤثران بذات، وهذا مستحيل، فالعارف إذا فضل العرفان على الحق يكون كافرًا لا مشركًا، لأن المؤثر بذاته يجب أن يكون واحدًا.

  1. العرفان للمبتدئ:

العبادة لتقوية القوى تناسب المبتدئ فقط، أما العارف الكامل فلا يحتاج لذلك، ويصلي من شدة الحب والانشغال بالحق، لا كرياضة أو تمرين.

  1. نظرية الفاعل الوجودي:

العارف يختار الحق إذا توافرت له العلة الفاعلة والغاية، والعلّة الفاعلة إما الحب أو الوجدان، وأفضل الغايات وجدان الوجود على ما هو عليه، والحب يختلف عن الوجدان.

العارف يريد الحق لا لثواب أو عقاب أو منفعة، بل لأنه الحق ذاته، ولو كان الحق في النار فإنه يحبه، لأن المحبة ليست محصورة في الكمالات بل في ذات الحق.

العبادة للحق لأنه هو، لا لفضل أو منة.

أشكال فخر بالتعبّد عند العارفين

ذكر الفاضل الشارح في هذا الموضع أنَّ تعبُّد العارفين يكون إمّا لذات الحقِّ أو لصفةٍ من صفاته أو لتكميل أنفسهم، وهي ثلاث طبقات مترتبة. أشار الشيخ إلى الأولى بقوله: «وتعبّده له فقط»، وإلى الثانية بقوله: «لأنّه مستحق للعبادة»، وإلى الثالثة بقوله: «لأنّها نسبة شريفة إليه».

وأقول: في هذا التفسير تجويز أن يكون للعارف معبود بالذات غير الحق، مع أن بقية الفصل تدل على خلاف ذلك. كما أشار الشيخ إلى كون غرض العارف مخالفًا لأغراض غيره بقوله: «لا لرغبة أو رهبة»؛ أي لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب، وبيّن فساد كون ذلك غرضًا بالقياس إلى العارف بقوله: «وإن كانتا»؛ أي وإن كانت الرغبة أو الرهبة المذكورتان غايتين للعبادة، فيكون الثواب المرغوب فيه أو العقاب المرهوب عنه هو الداعي إلى عبادة الحق، وفيهما مطلوب عابد الحق، ويكون الحق غير الغاية؛ بل هو الوسيلة إلى نيل الثواب أو الخلاص من العقاب الذي هو الغاية والمطلوب. فيكون هو المعبود بالذات لا الحق. وهذا شرح هذا الفصل.

يقول فخر: من عبارات الشيخ يستفاد أنَّ العبادة عند العارفين ثلاثة أنواع: عبادتُهم للحق بذاته، أو لعبادة صفة من صفاته، أو لاستكمال النفس. وبناءً عليه تكون العبادة حقًّا أو وصفية أو استكمالية، والشيخ نظر إلى الثلاثة جميعًا. فعبادة الحق عُبّرت بـ «تعبّده له فقط»، والعبادة الصّفتية بـ «لأنه مستحق للعبادة»، والعبادة الاستكمالية بـ «لأنها نسبة شريفة إليه».

وهذا مع أن حالات العارف ليست محصورة في هذه الثلاثة فقط، وأن ما يليق بالعارف هو العبادة للحق بذاته؛ لأن الاستكمال أمر خارجي، ولا فرق بين ذات الحق وصفاته. العبادة الوصفية طريق للمبتدئين والمتوسطين، أما العبادة للذات فهي مخصوصة لأهل النهاية، والشيخ لم يشأ التعبير عن العبادة للذات بل تحدث عن إرادة الحق فقط. ومن هذا المنظور، التعبّد عند العارفين ليس لذات الحق، وهذا يدل على عدم دقة فخر في استنتاجه من عبارات الشيخ.

والعبادات الثلاث المذكورة متصلة ومرتبة، وقد رُعي ذلك في كلام الشيخ.

والحق أن لا وجود للنظرتين الصفتية والاستكمالية في كلام الشيخ كما نسبها إليه فخر، فالحق مع صفاته مستحق للعبادة، ولا يمكن حصر العبادة في صفة واحدة، ولا يستفاد من عبارة الشيخ التعبير عن العبادة الاستكمالية، إذ بيّن الشيخ العلاقة بين العبادة والحق، والحق والعبادة، والعارف والحق. فالعلاقة بين العارف والحق ذات وجهين: نفسي وبدني؛ والعلاقة بين الحق والعبادة هي الاستحقاق، وبين العبادة والحق هي الشرف. لذلك، تقسيم فخر لا يستفاد من كلام الشيخ.

ردُّ خواجه نصير الدين الطوسي:

قول فخر بأنّ العبادة الاستكمالية نوع من العبادة عند العارفين فيه إشكال، لأنّ هذا التفسير يوحي بوجود معبود غير الحق عند العارف، وهو ما يخالف فلسفة الشيخ. فالعبادة الاستكمالية تعني أن العارف يعبد الحق لكي يبلغ استكمالًا ما، وهذا غير صحيح لأن الاستكمال ليس هدفًا بذاته، بل العبادة بالذات للحق، والاستكمال من آثار العبادة وليس غايتها.

خواجه يرى أن تفسير فخر غير دقيق ومخالف لقول الشيخ الذي أكد أن العارف يختار الحق وحده. وأضاف خواجه نصوصًا من كلام الشيخ تدعم رأيه. وأشار إلى أن إرادة العارف للحق هي حالة نفسية، والعبادة حالة نفسية وجسدية؛ فالعبادة هي استجماع للقوى وليس كثرة أو تعدد لها.

الإرادة تعبر عن الحالة الفكرية، والعبادة عن الحالة العملية، وقد تحقق العارف قوته الإرادية أحيانًا بلا عبادة جوارحي. بالتالي، لابد من التفريق بين الإرادة والتعبد، فالتعبد له آثار عملية.

خواجه بهذا يوضح أن تفسيره لأقوال الشيخ أدق من تفسير فخر الذي جعل العارف «ذو وجهين» في عبادته.

نقل الإشكالات وردود فخر:

نقل فخر إشکالين:

  1. من المستحيل أن يكون الله تعالى مرادًا بذاته، لأن الإرادة صفة لا تعلق إلا بالممكنات، ويستلزم ذلك ترجيح أحد طرفي المراد على الآخر، وهذا لا يليق بالحق، وهو واجب الوجود.
  2. كل من يريد شيئًا يجب أن يكون حصوله أولى من عدمه، وهذا يُبنى عليه أن كل مريد مستكمل، فإذاً من يريد الله تعالى ليس مراده هو الله تعالى بل استكمال ذاته.

ورد فخر عليهما بأنهما مصادر على المطلوب؛ لأنهما مبنيان على أن الإرادة لا تتعلق إلا بالممكن، وهو ما يدّعيه المعترض.

نقد المستشكل على فخر:

  • المستشكل يثبت أن الإرادة تتعلق باللّه تعالى وليس بشيء آخر.
  • يقول المستشكل إن إرادة الممكنات تتطلب ترجيح حصولها، وهذا لا يليق بالواجب، وعليه فإن متعلق الإرادة يجب أن يكون ممكنًا.
  • الاستكمال الذي يحصل للمريد ليس بسبب تعلق الإرادة بالحق، بل بسبب فعل المريد، والحق ليس فعل المريد.
  • التعبير عن إرادة الله تعالى في النفس أمر نفسي مع الإشارة للحق الخارج، ولا يمكن أن يكون متعلق الإرادة هو الحق بذاته.

نقد كلام خواجه:

  • متعلق الإرادة يجب أن يكون ممكنًا، ولو كان متعلق الإرادة «الحق» فهو في النفس ممكن (أي حق نفسي) وليس الحق الوجودي الخارج.
  • يريد أن يفصل بين الحق الممكن الذي يتعلق به الإرادة، والحق الوجودي الذي هو واجب الوجود ولا يتعلق به الإرادة مباشرة.
  • الخلاصة أن إرادة العارف تتعلق بوجهٍ نفسي، وهذه الإرادة تشير إلى الحق الوجودي، وليس أن الإرادة تتعلق بالحق الوجودي مباشرة.
  • في الإشكال الثاني قيل: إنّ الإرادة فعلٌ للعبد، وأوّلُ ما ينبثق عنها هو المراد. والمراد، في محلّ البحث، هو الله تعالى، وله وجهان: وجهٌ نفسيّ وعلميّ، ووجهٌ خارجيّ. فالإكمال أمرٌ نفسيّ، والمراد منه؛ أي الحق النفسي، هو عنوان مشير له وجهٌ آليّ، وهو ما يُنظَر إليه. أمّا الوجه الخارجي، وهو «ما فيه يُنظر»، فهو ذو اعتبار أصلي. النفس تكتمل بالحق الذي له وجه ثانويّ وهو العلم.
  • ومن جهةٍ أخرى، ليس كلّ من أراد فعلاً يحصل له الإكمال في الحال وبالذات من أجله، وإنّما كلّ ما يُراد يُحقّق إكمالاً، لكنّ الإكمال ليس هو الغاية الأولى دائماً. فإذا أراد العارف الحقّ، فإنّ مقصوده الأوّل هو الحقّ ذاته؛ وإن كان ذلك يحقق له إكمالاً، إلاّ أنّ الإكمال ليس الغاية الأولى له. كذلك، الإكمال ليس الغاية الثانوية للعالم، لأنّه في هذه الحالة لا يكون عارفاً، بل يكون عابداً أو زاهداً.
  • العارف لا يمتلك من الحق من الناحية العلمية والفعلية ما يشتمل عليه العبد، بل يريد الحق فقط، ولا يخطر في باله هل تحقق الإكمال بسبب إرادته أم لا. ومع هذا التوضيح، يجب القول: إنّ الإشكال المطروح لا يثبت، وأنّ ما ادعى أنّ ما نتحقق به الإكمال هو المراد والمقصود الأول، ونقد فخر الدين والبيان الذي قدمه خواجه، فيه إشكال.
  • ولبيان الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أنّ العارف أيضاً يريده حقّين: أحياناً يكون مراده من الحق منفعة الدنيا والآخرة، ويبحث عن إكمال النفس، وهذا لا يمكن أن يُسمّى عارفاً. العارف هو المحبّ، لا ينتظر من الحق منفعة، إكمالاً، أو دفع بلاء، بل الحق ذاته هو كمال إرادته، وهذا ما بيّنه المولى بقوله: «وجدتك أهلاً للعبادة». هو يعبد لأنّه وجد في الحق أهلية للعبادة، والسبب في العبادة هو أهلية الحق، فالعبد مفعول، والحق فاعل.
  • عبادته معلولة بأهليته، ولما كانت أهليته ثابتة، فعبادته كذلك ثابتة. وهذه العبادة ليست حباً، بل هي كرهاً، وواقعٌ مخصوص لأهل المعرفة. ومن يصل إلى هذا المقام يقف وجهاً لوجه مع الحقّ:
  • بِنَازَمْ بِحُبِّكَ مَا تَجْدَى    لِلشَّاقِي إِلَى الْمَلِكِ سِوَى
  • عبادة العارف ليست من أجل الجنة أو النار، ولا يعبّر له لون الجنة أو النار، ولا يرى جنةً أو ناراً، بل يرى أهلية الحق فقط. وإذا قال غير العارف بذلك، فهو يمنع الفيض، ويحرم نعم الله، وينكر قدرة الحقّ. كما قال الشيخ: يجب أن يكون هناك جزاء وعقاب حتى ينتبه الناس، وإن أُزيلت الجنة والنار، فسيترك كثيرون الدين. ومن يجب أن يقول ذلك هو من تجاوز الجنة والنار، وإلا فهو ضالّ.
  • أهلية الحق تسحر العارف، فلا شيء له أصلٌ في نفسه. من يصل إلى هذا المقام يعيش فقط بأهلية الحقّ، وعبادته لأهليته. ولو فرضنا محالاً أن الحقّ أصبح سائلاً في الشوارع، وأخذ منه الألوهية، وفقد الجنة والنار وكلّ الرزق، يبقى العارف محباً للحقّ. وإن ادّعى أحد ذلك، يلقي الله بالجنون في عقله، ويهلك دنياه وآخرته، ويختبره، فإن كان أهلًا، لما صُدم قال: «فزت وربّ الكعبة»، أي فاز في امتحانه، ويقول بسرور: اضرب حيث شئت، لأنّه وجدك أهلاً للعبادة. وهذا هو غاية عرفان العارفين، وهذه المرتبة العُليا، والله يكرم الإنسان ليبلغها، فغيرها ليست بحقّ، والحقّ الحقّ هو أن يكون سبب العبادة هو الحقّ نفسه، والعبد لا شيء، بل هو مظهر الحق.
  • إذا قيل: الإكمال للعارف مقصد عرضي، فيجب الردّ بأنّ ذلك غير صحيح، لأن من له هذا القصد لا يكون عارفًا، بل يكون عابداً أو زاهداً، مع ضرورة التنبيه إلى أنّ آثار المعرفة تظهر تلقائياً، وهي قهرية ولا تكون موضوع قصد، لكنّ الكلام هنا عن قصد العارف وغير العارف ونتائجه التي ذُكرت سابقًا.
  • وبناءً عليه، القول بأن «العارف يريد الحقّ فقط، ولا يريد شيئًا آخر» لا يفسر إلاّ بتفسير الكاتب، ويجب التنبّه إلى أنّ المراد من الحقّ عند العارف ليس الحقّ النفسيّ، بل الله تعالى فقط، وربّما لا يلتفت إلى اعتبارات النفس أو الفاعلية بالنسبة لإرادة الحقّ، رغم أنّ هذا الأمر موجود بدون نظر النفس، ويجب الانتباه إلى كلٍّ من وجهَيْ الحقّ لكي لا يختلط عند المستشكل بين الحق النفسيّ والخارجيّ.

مما سبق يُستنتج أن حقيقة التصوف أمرٌ أسمى وأعلى مما ورد في كلام ابن سينا أو خواجه نصیرالدین الطوسی، وحقيقة العارف أنه لا يرد الحق بإرادته، فحركته ليست إرادية بالمعنى العادي، بل هي حركة حبّية ووجودية. وقد بيّن مولى علي عليه السلام ذلك بقوله: «وجدتك أهلاً للعبادة»، أي أنت الذي جعلتنا نعبدك ونعرفك. وفي هذه الحال، الوجدان عين الكمال، فلا إرادة للعارف، بل إرادة الحق هي الفاعلة.

فالعارف لا يملك إرادة ليستهدف الحق، إذ ليس فيه نقص. وجود الإرادة في مقام الاستكمال خاص بالمبتدئين والمتوسّطين في السلوك، ولم يتجاوز ذلك الشيخ. فالعارف الكامل لا يمتلك إرادة، والحق هو الفاعل، الإرادة والمريد، ولكن إرادة الحق هي ظرف للفعل، وليست ظرفًا للذات، فالحق في ذاته لا إرادة له. ومن بلغ هذا المقام يتحوّل من الإرادة إلى الحب، فلا يبقى منه شيء.

ـ إشارة: أصولية الحق

(المستحّل توسيط الحق مرحوم من وجه؛ لأنه لم يذق لذة البهجة فيستطعمها، وإنما معرفته مصحوبة باللذّات المخدّعة، فهو مشتاق إليها غافل عمّا وراءها. ومثله بالنسبة إلى العارفين كالصبيان بالنسبة إلى المحنكين، إذ إنهم لما غفلوا عن طيّبات يحرص عليها البالغون، واقتصرت مباشرتهم على لذائذ اللعب، تعجّبوا من أهل الجدّ الذين زهدوا عنها، واعتزلوا لها ما غيرها.

وكذلك من غفل عن بهجة الحقّ، علق كفيه بما يليها من اللذّات، بغية الزور، فتركها في دنياه عن كره، وما تركها إلا ليستأجل أضعافها.

فإنما يعبد الله تعالى ويطيعه ليخوّله في الآخرة شبعها، فيبعث إلى مطعم شهى، ومشرب هنيء، ومنكح بهيّ، فإذا فُقد عنها، لا يطمح إلا إلى لذّات بطنه وذكرِه.

والمستنير بهداية القدس في عطاء الإيثار قد عرف اللذة الحقيقية، وولّى وجهه نحوها، مترحمًا على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضدّه، وإن كان ما يتوخّاه بجهده مبلّغًا له حسب وعده).

ابن سينا يقول: الحقّ إما غاية أو واسطة. العابد والزاهد الذين يجعلون الحق واسطة يُرحمون، ويُحصَرون بالحق بواسطة تلك الوساطة.

العابد أو الزاهد مرحوم، بمعنى يجب التراحم عليه، لأنه من قصّر في إدراك الحق، ولم يذق طعم اللذة الحقيقية. «من فقد حسًّا فقد فقد علمًا»؛ فعدم القدرة على جعل الله غاية تعني نقصًا في الاستعداد.

وابن سينا يُبرئه ويعتبره مرحومًا، لأنه لم يستطع إلا التعامل مع اللذّات المادّية، مثل الأطفال المحدودين باللعب، الذين لا يدركون متع أخرى.

الشيخ يقول: من يجعل الله وسيلة، ومن لا يقدر أن يجعل الله غاية، نظرته ناقصة، وإذا رآى من جعل الله غاية تعجب كيف يقول: «لا أريد الجنة ولا أخاف النار».

الذي يجعل الله واسطة، يفعل أعمال الخير عن كراهة أو لطلب الأجر، وهو أجيرٌ يأخذ أجره، وإلّا فالطبع «النفس أمارة بالسوء»، «الإنسان في خسارة». رمضان بالنسبة له شهر عبادة إجبارية.

الليل هو الذي له القدر، لا النهار، فالليل في رمضان خير من ألف شهر.

الذي يجعل الله واسطة يتحمّل مشقات العبادة، على خلاف من له إرادة الحق وعشقها، فالدنيا صعبة عليه، وإن طلبها صعبٌ عليه.

كما في «الحق مرّ لأهل الباطل، حلو لأهل الحق، والباطل حلو لأهل الباطل، والباطل مرّ لأهل الحق».

الذي بلغ مقام الحبّة والبهجة في الإيثار عرف إرادة الحق، ويُفضّل غيره على نفسه، لأنه يدرك لذة الحق، ويرحم من جعل الله واسطة، ولا يذمّهم، والله يعطي كلًّا ما يستحق، وهو لا يطلب جزاءً.

الغرض من هذه الإشارة التوسّطية هو عذر الزاهد والعابد الذي يجعل الحق واسطة للوصول إلى شيء آخر، لأنه لا يدرك أكثر من ذلك.

شرح خواجه:

المخدج: الناقص. والحنون: المشتاق المحنك بالحكمة والتجارب. «أزوّر عنه»: عدل عنه، و«عاف الطعام»: كرهه، و«عكف على شيء»: اعتكف عليه. «خوّله الله»: ملّكه، «بعثر عنه»: كشف عنه، «طمح بصره»: ارتفع.

القبقب: البطن، والذبذب: الذكر. والشيخ يلاحظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تقى مؤونة لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقى».

الشجون: جمع شجن، وهو طريق الوادي. الكدّ: الشدة في العمل.

الغرض من الفصل تمهيد العذر لمن يجعل الحق واسطة للحصول على شيء آخر، وهو من يتزهد في الدنيا ويعبد الحق رغبة في الثواب أو خوفًا من العقاب، وبيان نقصه.

وفي عبارات الشيخ لطائف:

  • اللذات الحسية ناقصة، لا يكتفي الإنسان منها.
  • تشبيه من لا يدرك بهجة الحق بالأعمى الذي يلتقط أي شيء.
  • الزهد غير العارف زهد إكراه وطمع.
  • من يجعل الله واسطة منزلة دنيا.
  • المذمّة خاصة للذة الشهوات.
  • المرحوم ينال ما وعد به الأنبياء لكنه لا يدرك المجردات.

ملاحظات الكاتب:

ترك الدنيا والآخرة متشابهان، وكلٌ فيهما لذة. من يترك الدنيا للآخرة يترك شهوة قليلة لطلب شهوة أكبر. العارف إذا قال اللذة هي الله فهو في لذة مشتركة. الزهد للآخرة طمع، ومن يترك الآخرة لطلب لذة الحق طماع أكثر، وهو في الجوهر هوسي.

اللذة والألم حقائق لا ينكرها العقل. كلما كانت اللذة أكثر تجردًا كانت أنقى وأفضل. اللذات المادية لها جانب نفسانية وتجردية، وليس هناك لذة مادية محضة.

العارف إذا عرف لذة الحق قصدها باعتبارها حقًا لا باعتبارها لذة. فمن قصد اللذة فقد أخطأ.

وبالتالي الإشارة للذة مناسبة لكن ليس للإرادة العرفانية. العارف لا يطلب اللذة بل يطلب الحق ذاته.

منازل السلوك

النمط التاسع / الفصل الثالث / منازل السلوك

ـ إشارة: الإرادة

(أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة. وهي ما يعترض المستبصر باليقين البرهاني والساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال، فما دامت درجته هذه فهو مريد).

يُبين الشيخ منازل السلوك ومبادئ العرفان في إحدى عشر إشارة، ويجعل المنزل الأول منزل الإرادة. في منازل السائرين، تأتي الإرادة في مرتبة المبادئ التي تُحكم بالقلب. وهنا أيضًا يبدأ الشيخ من القلب. فالمتصوف المبتدئ والمتوسط في السلوك، بداية عرفانه ليست بداية سلوكه، وعلى هذا الأساس فإن الشيخ حين يتحدث عن الإرادة والمريد، يُعتبر ما قبلها هو مبادئ السلوك وليس بداية السلوك.

يبدأ السلوك بالإرادة. والمرتبة الأولى لصاحب الإرادة هي المريد، ثم أعلى من ذلك هو المراد. ومن ثم، لا بد لكل مريد من إرادة، لكن ليس كل من له إرادة يكون مريدًا؛ فقد يكون أعلى مرتبة منها.

للإرادة أربع مراحل: الإدراك (التصور)، التصديق، الجزم والعزم، وحركات العضلات.

يقصر الشيخ هذه المراحل الأربع إلى ثلاث، مستثنيًا حركات العضلات لأنها ليست ضرورية للإرادة لتكون فعلًا ماديًا. فالعارف يريد أن يُرِيد الحق، ولا يحتاج إلى أداة مادية.

علاوة على ذلك، لأن إرادة العارف تتصف بالوحدة، فإن الجزم والعزم لا يُعتبران أمرين منفصلين، على عكس الإرادة العادية التي قد تختلف فيها هاتان الحالتان. ففي الإرادة العادية قد يكون الشخص جازمًا بأن شيئًا ما حسن لكنه لا يتبعه، أو يكون عازمًا لكنه ليس جازمًا، وهذا الفرق موجود، أما إرادة العارف فتتمتع بالوحدة فلا يفصل بينهما.

أما المريد فيُطلق عليه نوعان: أحدهما الذي يتحرك بسرّه نحو الحق بالبرهان، والآخر الذي يتحرك بالعقيدة التقليدية العامة التي يؤمن بها صاحب الشرع المقدس والكلام المعصوم: «إن للناس على الله حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة». فالحجة الظاهرة هي مثل كلام المعصوم الذي يؤمن به، والحجة الباطنة هي البرهان والعقل الذي يُرشد إلى المعنى، وهنا المريد، لكن في كلتا الحالتين، الطريق ذهني، موضوع الإرادة هو العلم والمعرفة، وليس الشخصية والتخصيص، بل الحصول على العلم إما بدليل ظاهري أو باطني.

من يمتلك الميول ليتمسك بالحق، يبدأ باطناً بالتحرك. علمه الذهني يحرّكه بهدوء ليصل إلى الحقيقة. وعندما يبلغ هذا المقام، وينشأ فيه شيء من الاستبصار والميول التي تحرك الباطن نحو الحق، يصبح مريدًا ويحتاج إلى المساعدة. فهو الآن صاحب إرادة، لأنّه صاحب اعتقاد، ومن لا يملك اعتقادًا لا يكون صاحب إرادة. من لا يستطيع أن يمارس إرادته، ذلك لأنه لا يزال في مقام النفس، فالذي في مقام النفس لا يحقق اليقين ولا يصل إلى التصديق والقبول، بل هو في طريق يرافقه الهوى والنفس. وحين يصل إلى الإدراك والتصديق واليقين والقلب، يصبح صاحب إرادة. ولا يكون شخص ما بلا إرادة مع يقين، وإن كان بلا إرادة فهو بلا يقين. كما جاء في القرآن الكريم: (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم). إذا كان علم اليقين فستراه، وإن لم تراه فاليقين غير موجود. وإذا كان اليقين موجودًا، فالإرادة موجودة لأنها التي تحرك الباطن. إذًا، المريد هو الذي يكون ثابتًا، وإذا قال له شيخه أو مولاه “مت”، يموت ويعتبر ذلك خيرًا له.

تعبير الخواجة: «اعتراه؛ أي غشيه» أي إن اليقين يغمره ويليه، ولا يلزم أن يذهب وراء اليقين.

فأول منزل هو أن يتحرك القلب في طلب الحق، ولكن يجب تقوية هذه الإرادة، أي يجب أن يتواجد القلب. بالطبع، يجب تجاوز النفس والتخلي عن هوى النفس. وبعد أن تنتهي النفس وأهواؤها ويصل إلى مقام القلب ويصبح صاحب إرادة ويملك يقينًا (سواء من العلم أو اللسان العام)، يصبح صاحب إرادة ومريدًا، ويجب عليه الطاعة والمضي في منازل السير. المنزل الأول هو منزل الإرادة، فإذا لم تكن الإرادة، فلا نجاح في العمل. وكما في لغة السلوك العلمي، إذا لم يكن للشخص اعتقاد بكتاب أو استاذ، فلا فائدة مهما قضى من الوقت في القراءة، فهو لديه الذاكرة والمعلومات لكنه بلا علم واكتساب حقيقي. يحتفظ بما يسمع لكنه لا يستفيد شيئًا؛ لأنه بلا إرادة، ولهذا السبب وضعت الإرادة أول منزل. ومع تحقق الإرادة، يتابع صاحب الإرادة كل ما يفهمه ولا يشتت نفسه بالأشياء المضادة أو بالأهواء، فلا شيء يستطيع تزيين النفس له، بل يصبح كقطعة الحديد التي تتبع كل ما تؤمن به.

وهذا مقام عظيم، وإن كان أول منزل لكنه أول منزل يستقر في القلب ويطلق صاحب الإرادة من النفس ومبادئ النفس المتعددة.

شرح وتفسير الخواجة

«اعتراه؛ أي غشيه. واعتلاق العروة الوثقى: الاعتصام بها.

واعلم أن الشيخ أراد بعد ذكر مطالب العارفين وغيرهم أن يذكر أحوالهم المترتبة في سلوكهم طريق الحق من بدء حركتهم إلى نهايتها التي هو الوصول إليه تعالى، ويشرح ما يسنح لهم في منازلهم. فذكرها في أحد عشر فصلًا متتالية، أولها هذا الفصل، وهو مشتمل على ذكر مبادئ حركاتهم، فذكر: أن الإرادة هي أول درجاتهم المترتبة بحسب حركاتهم، وهي المبدأ القريب من الحركة، ومبدأها تصور الكمال الذاتي الخاص بالمبدأ الأول الفائض آثاره على المستعدين من خلقه بقدر استعداداتهم، والتصديق بوجوده تصديقًا جازمًا مع سكون النفس، سواء كان يقينيًا مستفادًا من قياس برهاني أو كان إيمانيًا مستفادًا من قبول قول الأئمة الهادين إلى الله تعالى. فإن كل واحد منهما اعتقاد يقتضي تحريك صاحبه في طلب ذلك الفيض.

ولما كانت الإرادة مترتبة على هذا التصديق، عرفها بأنها حالة تعتري بعد الاستبصار أو العقد المذكور، ثم صرح بأنها رغبة في الاعتصام بالعروة الوثقى التي لا تزول ولا تتغير. فهي مبدأ حركة السر إلى العالم القدسي، وغايتها نيل روح الاتصال بذلك العالم».

استمرار شرح الخواجه

«واعلم أنّ الشيخ قد ذكر في النمط الثالث أن للحركة الإرادية الحيوانية أربعة مبادئ مرتبة: الإدراك، ثم الشوق المسمّى بالشهوة أو الغضب، ثم العزم المسمّى بالإرادة الجازمة، ثم القوة المؤتمرة المنبثقة في الأعضاء. والحركة المذكورة هنا إرادية لكنها ليست بحيوانية. فهي تشتمل على المبادئ الأولى، وهو ما عبّر عنه بالاستبصار أو العقد المقارن لسكون النفس، والثانية والثالثة، وهما ما عبر عنهما بالإرادة، إذ اتحدتا هنا لأنهما لا يتباينان إلا عند اختلاف الدواعي والصوارف، وهذا الاختلاف لا يتصور مع سكون النفس التي اشترطها هنا، وسقط المبدأ الرابع؛ لأن هذه الحركة ليست جسمانية.

وقد أورد الفاضل الشارح في تفسير هذا الفصل أصناف طلبة الحق، والرياضات اللائقة بكل صنف، وهذا غير مناسب لما فيه.

الشيخ في النمط الثالث ذكر أن الحركة الإرادية تقوم على أربعة مبادئ: الأول الإدراك (التصور والتصديق)، الثاني الشوق المسمى بالشهوة أو الغضب، والذي قد ينشأ إما من ميل إلى الجنة أو خوف من النار، الثالث العزم بمعنى الإرادة الجازمة، والرابع قوة مؤتمرة تنبعث في الأعضاء وتُدخل في النفس فتجعلها مطيعة.

والحركة الإرادية للمريد هي إرادية لكنها ليست حيوانية، خلافًا لما ذُكر في النمط الثالث الذي أطلق عليه ابن سينا حركة حيوانية إرادية. ولذلك فإن مبادئ الحركة الإرادية تتطلب فقط الثلاثة الأولى، التي عبر عنها في المنزل الأول بالاستبصار أو الإيمان المصاحب لطمأنينة النفس، ومن المنزل الثاني والثالث بالإرادة، حيث تتحد الشوق والعزم هنا، إذ لا اختلاف بينهما إلا عند اختلاف الدوافع والصوارف، وهو اختلاف لا يتصور مع طمأنينة النفس التي اشترطها هنا.

أما المبدأ الرابع فهو تحريك العضلات للقيام بالفعل، ولا حاجة له هنا لأن هذه الحركة ليست جسمانية.

وبناءً عليه، فإن صاحب الإدراك يحتاج أولاً إلى التصديق، ثم ينشأ الشوق، وبعد ذلك يتحقق العزم والجزم، والعزم والجزم متحدان.

كلام الفخر في تقسيم المريدين

قسّم الفخر المريدين إلى أربعة أقسام: من يسيرون بالقرآن الكريم، ومن يسيرون بالدليل العقلي، ومن يسيرون بهما معًا، ومن يسيرون بدون أي منهما، متكلّمين عن التصوف لا نقلاً ولا عقلاً. ثم بيّن لكل مجموعة رياضة خاصة بها.

وقد نقد الخواجه هذا التقسيم قائلاً: “وذلك غير مناسب لما فيه”، دون أن يبيّن سبب عدم ملاءمته.

نقد الكاتب لتقسيم الفخر

إن وصف المريد بأنه يسير بالعقل أو بالدلائل أو بغيرهما ليس وصفًا للارادة العرفانية التي موضوعها القلب، بل هو وصف لمريد عادي لم يتّخذ إرادة متينة في الطريق.

إشارة إلى منزلة الرياضة

ثم أشار الشيخ إلى أن المريد يحتاج إلى الرياضة، التي توجه إلى ثلاثة أغراض: الأول تنحية ما دون الحق عن سبيل الإيثار، والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة بحيث تنصرف القوى الخيالية والوهمية إلى توهمات مناسبة للأمر القدسي، والثالث تلطيف السر للتنبّه. ويعين الأول عليه الزهد الحقيقي.

ويُعين الثاني عليه أشياء عدة: العبادة المشفوعة بالفكر، والألحان التي تؤثر على قوى النفس وتجعلها تستجيب، والكلام الواعظ البليغ.

أما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي يأمر فيه شمائل المعشوق لا سلطان الشهوة.

هذه الإشارة تحمل مطلبًا مهمًا وفنيًا في السلوك، وهي معقدة ومتنوعة، وتبيّن ضرورة الرياضة وطرقها للمريد المبتدئ أو المتوسط.

عندما يمتلك السالك الإرادة ويحقق المراد، يصبح مطمئنًا، وهذه الطمأنينة زاد له للقيام بالرياضة والوصول إلى عالم المعنى والحق.

بعد اليقين والإرادة، يجب على المريد أن يمارس الرياضة لإزالة العوائق الداخلية والخارجية وتحضير نفسه للسير نحو الحق.

يركّز الشيخ والخواجه في هذا النقاش على:

  1. معنى الرياضة وحقيقتها؛
  2. الغرض من الرياضة؛
  3. ما يساعد الإنسان على النجاح في الرياضة.

الرياضة هي نوع من التدريب لإعداد النفس للتمكين. والغاية منها عقلية أو نفسية أو طبيعية لتحضير الجسد للقاء المحبوب.

ما يساعد الرياضة هو دفع الموانع وجذب المناسبات لتقوية المريد.

قد يتعارض هذا مع ظاهر الشريعة خصوصًا مع ذكر الألحان والموسيقى، لكن يجب أن تُعرض بما يتوافق مع الشريعة.

الشيخ يقول إن المريد بحاجة للرياضة، فإن لم يمارسها لا يحقق غاية. للرياضة ثلاثة أغراض:

أ. تنحية غير الحق باختيار، والإيثار أفضل من الاختيار.

ب. إخضاع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، التي هي أعلى درجات النفس.

ج. رياضة تلطّف السر لتفتح له الطريق.

تُعين الزهد الحقيقي على الغرض الأول، وأمور كالعبادة الواعية والألحان والكلام المؤثر تعين الغرض الثاني، والفكر اللطيف والعشق العفيف يعينان الغرض الثالث.

أنواع المعين

المعين على الغرض الأول هو الزهد الحقيقي، أي عدم التعلق بغير الله وترك الانشغال والدنيا.

على الغرض الثاني تعين:

  • العبادة الواعية، لا العاطفية؛
  • الألحان والأصوات التي تقبلها النفس؛
  • الكلام المؤثر والواعظ الذي يكون بليغًا، لطيفًا، غير فظّ.

على الغرض الثالث يعين:

  • الفكر اللطيف الهادئ، غير مشتت؛
  • العشق العفيف، الذي هو غير مرتبط بالشهوة.

شرح الخواجه

المقصود من هذا الفصل هو بيان حاجة المريد للرياضة وأغراضها. والرياضة في البهائم منعها من الحركات غير المرغوبة وإجبارها على الطاعة، والقوة الحيوانية هي مبدأ الإدراكات والأفعال الحيوانية في الإنسان، فإذا لم تخضع للعقل صارت كالبهيمة.

أما إذا رضيت العقل بمنعها من التخيّلات المثيرة للشهوة والغضب، وصارت مطيعة لعقله العملي، كانت النفس مطمئنة، والقوى الأخرى مؤتمرة.

وهناك حالات بين الحالتين بحسب استيلاء إحداهما على الأخرى، ففي أحيان تتبع الحيوانية شهواتها، ثم تندم وتلوم نفسها، فتكون لوامة.

في مقام السلوك العملي، الرياضة لا غنى عنها، فكما يحتاج البطل للتدريب، كذلك السالك يحتاج الرياضة لتنمية النفس وامتلاك القوة.

الخواجه يؤكد أن النفس الحيوانية إذا ارتقت من نفس أمارة إلى نفس مطمئنة تكون قد حققت أعلى درجات السلوك والكمال.

بين النفس الأمارة والمطمئنة مراتب كثيرة، وليس الحال إما كلها أمارة أو كلها مطمئنة، بل يتدرج الإنسان في ذلك.

الكثيرون لا يصلون إلى النفس اللوامة، ويعيشون في بداية الطريق ويستسلمون للذنوب.

النفس فيها طول وعرض، ويجب محاربتها حتى تخضع جميع القوى للعقل، وحينها يحقق الإنسان النفس المطمئنة والإيمان الصحيح.

والعمل هو ثمرة الإيمان، ومن لا يعمل إيمانه ضعيف، كما في قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات).

وقد يطول السير من مرحلة إلى أخرى سنوات، أو قد يقطعها في لحظة.

إذا استطاع الإنسان أن يُخضع قواه لنفسه بحيث تتبع عقله، فإنّ مقدار خضوع القُوى للعقل يمثل مقدار نموّه وارتقائه، وكلّما أُذعن النفس كان ذلك دليلاً على انحداره ووضاعته.
وقد يكون مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كالأنعام بل هم أضلّ﴾، أي ينزل إلى دَرَجات الحيوان الأدنى، وأحيانًا قد يتجاوز النفس المطمئنة إلى مراتب أعلى حيث لا وجود للنفس أصلاً!

وقد فسّر الخواجة هذه الرياضة التفصيلية في كتابه الآخر «الأخلاق الناصرية».
فقال الخواجة الطوسي: إنّ رياضة البهائم هي منع النفس الحيوانية من ممارسة الحركات التي لا ترضيها الرياضة العقلية، والمراد بالبهائم هنا ليست الحيوانات التي تحكمها الغرائز، بل النفس الإنسانية في مرتبة النفس الحيوانية.
فرياضة النفس البهيمية هي منعها من الإصرار على القيام بالأفعال التي لا يرضى عنها العقل، بمعنى أن يقوم النفس بما يسمح به العقل، ويتجنب ما ينهى عنه العقل.
فإذا أمر العقل بفعل أو ترك فعل، ولم يطِع النفس خفيةً من عقلها، فإنها لم تستطع أن تخضع نفسها للعقل، ويجب إجبارها على الابتعاد عن ما لا يرضاه العقل.
ولا يجوز تدليل نفس كهذه أو الدعوة إلى قول: ﴿لا إكراه في الدين﴾، بل يجب إجبارها وتأديبها بالضرب والتأنيب لتربيتها.

الإرادة هي التي تأمر النفس وتتحكم، والعقل مراقب فقط يوجه النظر، فلا العقل هو القائد بل الإرادة التي تصدر الأمر، وإذا لم تكن الإرادة قوية، لا يحدث شيء.
النفس الأمّارة إذا كانت قوية قد تُخضع حلقوم العقل وتجعله تابعًا لها، والعقل النظري دوره إرشادي فقط، ولا يملك سلطة القائد في العقل العملي.
فالعقل النظري يختص برؤية الحقائق فقط دون أن يوجه الفعل، أما العقل العملي فيقاس بفعالية الإرادة وقوتها.

منع النفس وإجبارها هو من أجل التدريب والتربية، ويجب أن يبدأ ذلك منذ الطفولة ليصير تابعًا، فالذي يلاطف طفله دائمًا يكون تابعًا له، لذلك يُشترط التدريب وليس التكليف في السن الصغيرة، فالأطفال حتى سن السادسة كأنهم ملوك، فلا يُطلب منهم الالتزام لكن يجب تدريبهم.
وكذلك النفس الإنسانية، فعلى الرياضي أن يختبر نفسه في خصوصياته، هل هو تابع لنفسه أم لا؟
يجب أن يبدأ التدريب ببطء وبشكل لطيف، كالسّائق مع حصان عنيد يجب تدريبه بلطف دون شدة حتى لا يُلقى على الأرض.

القوة الحيوانية هي مصدر الإدراكات والحركات الحيوانية، وهي لا تطيع العقل إلا إذا تحصّلت على ملكة الطاعة عبر الرياضة، وإلا فإنها تنادي بالشهوة والغضب، وهما يحركان القوى التخيلية والجزئية، فتحدث الحركات الحيوانية المختلفة التي تغلب العقل وتخضعه.

النفس الأمّارة تقوم بالحركات الحيوانية مستعينةً بالدوافع مثل الغضب والشهوة، وتجر العقل إلى خداع الآخرين.
أما إذا درب العقل النفس ومنعها من التخيلات التي تحرك الشهوة والغضب وأجبرها على الطاعة، فإن النفس تستقر وتصبح ذات إرادة قوية تُطاع منها كل القوى، ويصبح العقل مطمئنًا، ويتحول إلى نفس مطمئنة.

بين عناد النفس واطمئنانها درجات طولية، وهناك أيضًا درجات عرضية لم ترد بالتفصيل في الكتاب لكنها تذكر إجمالًا.
رياضة غير العارف هي نهي النفس عن هواها وأمرها بطاعة المولى، والمولى هنا هو العقل تجليًا والحق تعالى تجليًا آخر، وأيضًا الدين والشريعة والائمة المعصومين.
الرياضات تختلف بحسب الغايات العقلية، منها ما شرّع الله ومنها ما يتفق مع العقل والحكمة ولا يخالف الشريعة، ويمكن للمرشد الصالح تدريب النفس عليها.

رياضة العارفين أدق وأشمل، فهم يمنعون النفس من الالتفات إلى غير الحق ويجبرونها على التوجه نحو الحق فقط، ويصبح ذلك الميل والانقطاع ملكة لديهم، ويختلف ذلك باختلاف درجاتهم في السير الروحي.
على السالك أن يحاسب نفسه ويميز موقعه في الحبّ والتقرب، وأن يبدأ بالرياضات التي تناسب نفسه ويحاسب ذنوبه، مع عدم الوقوع في وساوس لا فائدة منها.

اللطف في السرّ هو استعداد باطني لتجسيد الصور العقلية بسرعة، والنفس مثل البئر العميق الذي كلما تأخر الوصول إلى الماء كان أفضل، وعندما يصل إليه يصبح من الصعب إيقافه.
السالك يجب أن يضبط كلامه ويأخذ وقته، ويزيد في العمق بالتدريج.

الخواجة يوضح أن من يساعد في تحقيق هذه الأغراض الزهد الحقيقي للعارفين والتنزه عن ما يشغل السرّ عن الحق، والعبادة المصحوبة بالتفكر هي من أهم وسائل ذلك، إذ تجعل البدن تابعًا للنفس الموجهة نحو الحق.

الثاني: الألحان، وهي تعين النفس بالذات وبالعارض.
ووجه إعانتها بالذات أن النفس الناطقة تلتفت إليها إعجاباً بالتأليفات المتفقة والنسب المنتظمة الواقعة في الصوت، وهو مادة النطق، فيذهل بذلك عن استعمال القوى الحيوانية في أغراضها الخاصة، فتتبعها تلك القوى، وحينئذ تكون الألحان مستخدمة لها.

وأما وجه إعانتها بالعارض، فهو أن الألحان توقِع الكلام الذي يقارنها في موقع القبول في النفس من جهة الأوهام، لاشتمالها على المحاكاة التي تميل النفس إليها بطبعها. فإذا كان ذلك الكلام واعظاً وباعثاً على طلب الكمال، أصبحت النفس متنبّهة لما ينبغي أن تُفعل، فغلبت على القوى الشاغلة لها وطوّعتها.

الثالث: نفس الكلام الواعظ؛
وهو الكلام المفيد للتصديق بما ينبغي أن يُفعل على وجه الإقناع وسكون النفس. فإنه ينبّه النفس ويجعلها غالبة على القوى، لا سيما إذا اقترن بأربعة أمور:
أحدها – يعود إلى القائل، وهو كونه زكيًّا، لأن ذلك كشهادة تؤكد صدقه، ووعظ من لا يتعظ لا ينفع، لأن فعله يكذّب قوله.
والثلاثة الباقية تعود إلى القول، منها واحد يتعلق باللفظ، وهو كونه بعبارة بليغة، أي أن يكون مستحسنًا واضح الدلالة على كمال ما يقصده القائل من غير زيادة أو نقصان، كأنّه قالب أُفرغ فيه المعنى.
وواحد يعود إلى هيئة اللفظ، وهو أن يكون بنغمة رخيمة، فاللين في الصوت يُفيد النفس هيئة تُعدّها نحو التسامح في القبول، وشدته تفيدها هيئة تعدّها نحو الامتناع عن القبول، ولذلك للنغمات تأثيرات مختلفة في النفس تناسب كل صنف منها صنفًا من الهيئات النفسية، والأطباء والخطباء يستعملونها في معالجة الأمراض النفسية وإيقاع الإقناعات المطلوبة بحسب تلك المناسبات.
وواحد يعود إلى المعنى، وهو أن يكون على سمت رشيد، أي يكون مؤدياً إلى تصديق نافع للمريد في السلوك بسرعة.

وأعلم أن نفس الكلام الواعظ يُسمى في صناعة الخطابة «العمود»، والأمور المذكورة اللاحقة به المعينة على الإقناع تُسمى «الاستدراجات».

وأما الثالث فقد ذكر ما يعين عليه شيئين:
الأول: الفكر اللطيف، وهو أن يكون معتدلاً في الكيفية والكمية، وفي أوقات لا تكون الأمور البدنية كالامتلاء والاستفراغ المفرط وغيرها شاغلة للنفس عن الإدراك العقلي، فإن كثرة الاشتغال بمثل هذا الفكر تفيد النفس هيئة تعدها لإدراك المطالب بسهولة.
والثاني: العشق العفيف.

وأعلم أن العشق الإنساني ينقسم إلى حقيقي (مرّ ذكره) ومجازي، والثاني ينقسم إلى نفسي وحيواني.
والنفسي هو الذي يكون مبدؤه مشاكلة نفس العاشق لنفس المعشوق في الجوهر، ويكون أكثر إعجابه بشمائل المعشوق لأنها آثار صادرة عن نفسه.
والحيواني هو الذي يكون مبدؤه شهوة حيوانية وطلب لذة بهيمية، ويكون أكثر إعجاب العاشق بصورة المعشوق وخلقه ولونه وتخطيط أعضائه لأنها أمور بدنية.

والشيخ أشار بقوله: «العشق العفيف» إلى الأول من المجازيين؛ لأن الثاني مما يقتضيه استيلاء النفس الأمارة، وهو معين لها على استخدام القوة العاقلة، ويكون في الأغلب مقارناً للفجور والحرص عليه.
والأول بخلاف ذلك، فهو يجعل النفس لينة شيقة ذات وجد ورقة منقطعة عن الشواغل الدنيوية، معرضة عما سوى معشوقها، جاعلة جميع الهموم همًّا واحدًا، ولذلك يكون الإقبال على المعشوق الحقيقي أسهل على صاحبه من غيره، فإنه لا يحتاج إلى الإعراض عن أشياء كثيرة. وإليه أشار من قال: «من عشق وعفّ وكتم ومات مات شهيدًا».

العشق الطاهر والعفيف

العشق الطاهر والعفيف هو معين لتلطيف السرّ المضاف إلى الفكر اللطيف. فالعشق بصورة عامة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون حقيقيًا أو مجازيًا. والعشق المجازي ينقسم بدوره إلى قسمين: إما حيواني أو نفسي.
العشق الحيواني هو العشق الذي يلتفت إلى جمال ظاهر المحبوب ويبحث عن العلامات الخارجية كالعينين والحاجبين. أما العشق النفسي فهو الذي يتناول خلق المحبوب وصفاته.

أما العشق الحقيقي، فلا يعتمد على الصورة أو الشكل أو الخيال، بل يتتبع حقيقة المحبوب فقط.
ومقصود العشق العفيف هنا ليس العشق النفسي أو الحيواني، اللذان غالبًا ما يكونان شهوانيين ويؤديان إلى مشكلات للإنسان، بل هو العشق الحقيقي الذي يطهّر النفس وينقّيها ويرشد الإنسان إلى الحقيقة.

قال السيد خواجه في تفسير هذا المعين:
الهدف الثالث وهو تلطيف السرّ، له معينان:

  • فكر معتدل في الجودة والكمية، لا إفراط فيه ولا تفريط، وهو الفكر اللطيف.
    هذا الفكر ليس سريعًا إلى درجة يصعب تصورها، ولا بطيئًا إلى درجة تجعله متعثرًا، وليس سطحيًا ولا غارقًا إلى حد الحيرة.

ينبغي أن يُمارس الفكر في الوقت المناسب، وألا يكون المعدة ممتلئة، لأن امتلاء المعدة يجعلها نشطة ويجعل الفكر في حالة انفعال. يجب أن تكون المعدة فارغة جزئيًا، لا ممتلئة ولا جائعة، كما لا ينبغي أن يكون الإنسان ناعسًا أو مريضًا أو غاضبًا عند التفكير، إذ في هذه الحالات لا يكون الفكر لطيفًا وقد يؤدي إلى قرارات خاطئة.

مع الممارسة، يصبح المريد صاحب رياضة روحانية مثالًا للرواية التي تقول: «مَن أخلص لله أربعين صباحًا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».

والهدف الرابع من المعين هو العشق العفيف الذي هو عبارة عن اشتياق روحي نقي يرتفع عن كل ما هو مادّي وظاهر، ويتجه إلى الكمال المطلق والحقّ الأسمى.

فالعشق الحقيقي هو قوة تهذيبية تنقي القلب من الشوائب وتزرع فيه فضائل الأخلاق والتواضع والحكمة.
بهذا العشق يرتقي الإنسان روحيًا ويصل إلى درجات عليا من الإدراك والوعي، حيث يتلاشى التعلق بالأمور الدنيوية ويزداد اشتياقه إلى معرفة الحقائق الغيبية.

وقد ذكر العلماء أن العشق الحقيقي لا يمكن أن يُحصَل عليه إلا من خلال المعرفة الحقة بالله، والاقتراب منه بالعبادة والذكر والتأمل الصادق.
وبذلك يكون العشق طريقًا مقدسًا للارتقاء الروحي والتواصل مع الحق المطلق.

ويجدر بالذكر أن هذا النوع من العشق يختلف جذريًا عن العشق الجسدي أو العشق الشهواتي، حيث لا يقتصر على الرغبات المادية بل يتجاوزها إلى عالم الروح والجوهر.

في الختام، يمكن القول إن العشق الطاهر والعفيف هو جوهر السلوك الروحي السليم، ومفتاح الوصول إلى الكمال والطمأنينة الحقيقية.

إن فهم العشق الطاهر يتطلب إدراكًا عميقًا لأبعاده الفلسفية والروحية، حيث يتجاوز حدود اللغة والتعبير العادي إلى حالة من التجربة الذاتية التي يعيشها العاشق في انسجام تام مع معشوقه، سواء كان ذلك المعشوق هو الله تعالى أو الحقيقة المطلقة.

وقد أكد الفلاسفة والمتصوفة أن هذه الحالة من العشق تمنح الإنسان القوة على تجاوز معاناة الحياة اليومية، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة من الحكمة والسكينة الداخلية.
فعندما يتحقق العشق الحق في القلب، تنفتح قنوات الإلهام والرحمة، وينبعث في النفس شعور بالاتحاد مع الكون ومكوناته.

وعليه، فإن تحقيق العشق النقي لا يكون إلا بالزهد عن الماديات، والتوجه بخالص النية نحو التطهير الداخلي، والممارسة المستمرة للذكر والتأمل والتفكر في عظمة الخالق وقدره.
فالعشق بهذا المعنى هو رحلة مستمرة للنقاء والارتقاء الروحي لا تنتهي بمرحلة معينة بل تستمر في صعودها الدائم نحو الكمال.

كما أن هذا العشق يشكل دعامة أساسية في بناء الشخصية الأخلاقية الفاضلة، حيث يتعلم الإنسان من خلاله الصبر، والتواضع، والرحمة، وحب الآخرين دون استثناء، ما يرسخ القيم الإنسانية السامية التي تدعو إليها جميع الشرائع السماوية.

ويجدر بالذكر أن الأدب العربي والإسلامي قد أغنى موضوع العشق بمعانٍ متعددة تجلت في قصائد الشعراء وتصوف المتصوفة، حيث جسدوا العشق بأبهى صوره كمصدر إلهام ووسيلة للاتصال المباشر بين العبد وربه.
وقد كان جلال الدين الرومي، وابن الفارض، والحلاج، من أبرز من تناولوا هذه الحالة الروحية بأسلوب فني عميق، مؤكدين أن العشق لا يقتصر على الحب البشري، بل يتعداه ليصبح نوعًا من التوحيد والاندماج الروحي الكامل.

وفي هذا السياق، فإن العشق يمثل صيرورة تحول داخل النفس، ينتقل بها من حالة التفرقة والاغتراب إلى حالة الوحدة والاتحاد، حيث تختفي حدود الذات وتتلاشى في بحر المحبة الإلهية.
هذا البحر الذي لا شاطئ له، والذي يمنح العاشق القدرة على استشراف حقيقة الوجود وما وراء الوجود، ويساعده على تجاوز محن الحياة ومآسيها بروح من الصبر والثبات.

وعليه، فإن دراسة العشق من منظور أكاديمي يفتح آفاقًا واسعة لفهم الإنسان بعمق، ليس فقط ككائن مدرك، بل ككائن روحي يبحث عن معنى وجوده ومصدر سلامه الداخلي.
ومن هنا، تصبح دراسة العشق موضوعًا متعدد التخصصات، يجمع بين الفلسفة، واللاهوت، وعلم النفس، والأدب، ليكشف عن أبعاد هذا الشعور الذي يعد من أسمى التجارب الإنسانية.

كما يمكن النظر إلى العشق كظاهرة ثقافية واجتماعية، إذ لا يقتصر على البُعد الروحي والفردي فحسب، بل يتجلى أيضًا في التقاليد والعادات التي تشكلت عبر التاريخ في المجتمعات المختلفة.
فالقصص والحكايات والأساطير التي تناقلت عبر الأجيال ما هي إلا تعبيرات عن تجارب العشق ومشاعره المتنوعة، التي توثق العلاقة بين الإنسان ومحيطه، سواء في الحب الرومانسي أو في الحب الأسري أو حب الوطن.

وتتسم دراسة العشق في السياق الأكاديمي بضرورة استخدام مناهج متعددة تتيح تحليل النصوص الأدبية والفلسفية، بالإضافة إلى دراسة التصورات النفسية والاجتماعية التي تحيط بهذا المفهوم.
فمنهج التحليل النصي يسمح بفهم دلالات العشق في الشعر والنثر، بينما توفر المناهج النفسية أدوات لفهم تأثير العشق على السلوك والمشاعر، أما الدراسات الاجتماعية فتفسر كيف تؤثر المعايير الثقافية على شكل وتجليات العشق.

وفي الختام، يبقى العشق موضوعًا غنيًا ومتجددًا في الدراسات الأكاديمية، لما يحمله من عمق إنساني وروحي، وقدرة على تفسير جزء مهم من تجربة الإنسان في هذا العالم.
إن استكشاف العشق من خلال هذه العدسات المختلفة لا يثري المعرفة فحسب، بل يساعد أيضًا على بناء فهم أعمق للعلاقات الإنسانية وما يميزها من تعقيد وجمال.

الغناء والموسيقى ؛ على الرغم من أنها مناسبة للجميع ويجوز استخدامها إلى حد ما، إلا أن المجتمع الحديث يتعامل معها كدواء وليس كغذاء ضروري مثل الماء والخبز، بل باعتبارها توابل كالملح والفلفل التي يجب الحرص الشديد على مقدارها.

يجب اجتناب الجمود في هذا المجال، فالشخص الجامد يفتقد المحبة والصفاء، ويشبه القرع الذي لا يحمل ثمراً:

قلب بلا محبة كقرع بلا ثمر،
وشفة بلا ابتسامة كسقف جدار.

الشخص الجامد يبقى مثل الشق في الجدار أو القرع الخالي من الثمر، وفي الصلاة أيضاً يكون منكر الذات “من من” ويفرّ الملائكة عنه.

للأسف، لم يكن هناك حكيم أو عارف ذو يد باسطة يحدد الحالات العلاجية والمجازة للموسيقى، ولم يمنح حتى إذن استخدام الألحان في تلاوة الصلاة. وحتى الصلاة ذاتها تحتوي على لحن، وضرورة اللحن موجودة في التلاوة أيضاً. مثلاً، (وَالضَّالِّينَ) بمدٍّ يصدر من خلف أسنان اللسان من الحلق، ويُربط بين سني الأسنان و”ز” الطنان، يشكل جهازاً موسيقياً يخلق نغمة تتفتح معها اللحن.

كذلك، يميز الطبيب النفسي بين المرضى الذين يضحكون باستمرار ومن يبكون باستمرار. لا دواء لهم سوى الموسيقى والغناء، خاصة الذين يضحكون. الضحك قد يجلب جنوناً أكثر من البكاء. وعندما يصف الطبيب الموسيقى لهؤلاء، فهذا لا يعني جواز الموسيقى للجميع. أما في مجال السلوك الروحي، عندما يصل المريد إلى مقام الفكر، فلا يحتاج لسماع الموسيقى، وقد تكون ضارة له وتشغله، لأنه يجب أن يكون منشغلاً بعالم آخر.

يجدر بالذكر أن الكاتب قد ناقش جميع جوانب الموسيقى في مجلدات عديدة، ويشرح فيها بشكل تفصيلي وموضوعي وأسلوب استدلالي أحكام الأصوات والموسيقى والغناء واللحن، ويختم العديد من النزاعات في هذا المجال، فيمكن اعتباره الفصل الخطابي في هذه المسألة. الكتاب الحالي، الذي يتألف من عدة مجلدات، هو نتاج عامين من دروس خارج الفقه في موضوع الموسيقى والغناء.

2) نقد تقسيم الحب
إن تقسيم الحب إلى ثلاث مراتب: الحب الحقيقي، حب السيرَة، وحب الصورة، ليس صحيحاً. الحب بمعناه هو الوصول الناتج عن الشوق، ومن هذه الناحية هو واحد ولا يقبل التعدد. الإنسان الذي لديه شوق هو فاقد للمعشوق، وبعد ذلك يصبح موجوداً فيه. المحب هو من وصل إلى معشوقه، والشائق هو من لم يصل بعد. الشوق هو طلب المعشوق، والحب هو الحفاظ على وجوده. الحب هو حب، والشوق هو شوق، ولا فرق في موضوع الحب. موضوع الحب قد يكون صورة أو سيرة أو حقيقة، لكن حقيقة الحب واحدة.

وعليه، فإن الحب العفيف يشمل الثلاث صور ولا يختص بحب السيرة أو الحب الحقيقي فقط، وهذا لا ينافي العفة. يمكن أن يكون الحب لصورة ما لكنه عفيف، أو للحب للسيرة لكنه غير عفيف. وقد يحب الإنسان من هو ظالم جداً، والسيرة ليست مقصورة على الأمور المعنوية. الطباع السيئة هي سيرة كذلك. لذلك، صفة العفيف لا يجب أن تكون مقيدة بالصور فقط، والحب للصورة يمكن أن يكون عفيفاً. العفيف هو من خالٍ من العصيان والطغيان والانحراف.

أيضاً، الحب للصورة لا يستدعي النفس الأمارة، بل يستدعي النشاط وينعش النفس، كما أن المريد يحتاج إلى اللحن ليجدد نفسه وينشطها، حتى لا تجف. الحب للصورة يجدد النفس، لكن زيادته هي التي تستدعي العقل، وليس الحب ذاته، والزيادة في كل شيء مذمومة.

ليس صحيحاً أن الحب للصورة غالباً ما يكون مصحوباً بالفجور والمعصية، وإذا وجد فذلك ليس بسبب الصورة بل بسبب خباثة نفس المحب. تماماً كما يوجد فرق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات في اللحن. هذا التعبير عن الحب يسيء إلى مفهوم الحب. الحب هو الحب. والقرآن الكريم يدعونا للتأمل في الصور:
(انظروا إلى آثار رحمة الله)،
(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الأرض كيف سطحت)،
(سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
“انظروا” يعني التأمل والمشاهدة. الحب يجلب الصفاء والمعرفة، والحب للصورة كذلك.

الحب للشمايل أقوى وأكمل من الحب للصورة. ولكن ذلك لا يعني أن الحب للصورة سيء. الحب للصورة ليس حباً لشيء فانٍ، لأن الحب لا يزول، والصورة التي تزول هي موضوع الحب لا الحب نفسه. إذا قيل إن الحب للصورة مذموم، فهو نتيجة تأثير الرهبانية، بينما الأولياء المعصومون والرسول صلى الله عليه وسلم في أفعالهم يعارضون ذلك، وكان تعدد نكاحهم لنفي هذه الخرافات، وليبينوا أن الحب العفيف لا يتناقض مع شمايل وصورة المحبوب. الحب للصورة ليس عيباً، بل هو حسن، ولكن إذا رافقه سوء وذنب فهو نقص.

الحب للصورة يحيي نفس السالك، وبناءً عليه، قول “من عشق وعف وكتم ومات، مات شهيداً” لا يختص بحب الشمايل فقط. إذا أحب الإنسان ولم يرتكب معصية ومات بعفة، فهو شهيد. وإذا كان المقصود الحب للسيرة، فاللفظ “وعفَّ” لا ضرورة له، لذلك المراد هو الحب المطلق. لذا لا يجب التقليل من قيمة الحب للصورة.

ابن سينا يعتبر الحب المادي قليلاً ومحدوداً، ويقول: الحب هو الحب المجرد، “والحسية محصورة قليلة”. والحب مجرد عالٍ ورفيع، وهذا صحيح، لكنه لا يعني أن الحب المادي والصورة قليل القيمة أو محدود، رغم أن التجرد يجعل المادة صغيرة.

يجب التمييز بين موضوع الحب وأصل الحب الموجود في الذات المجردة التي تحب. كذلك، الحب المادي أو اللذة أو الألم المادي ليست قليلة أو محدودة، بل يمكن أن تكون واسعة جداً، وهذا ما فصله الكاتب في موضوع المعاد.

ابن سينا في نقاش المعاد الجسدي يذكر العذاب المعنوي وكأنه أقل أهمية، بينما هذا غير صحيح، فحتى أقل ألم جسدي يضعف الإنسان. أما أمير المؤمنين في دعاء كميل، فيعظم العذاب الجسدي والمعنوي، ويقول: كيف أحتمل الفراق بعد تحمل العذاب كله؟ فهو يذكر بقوة كل من العذاب المادي والتجريدي.

3) نقد تفسير الشيخ للرياضة الروحية
قال الشيخ: يجب على المريد أن يمارس الرياضة الروحية، وأن يستعين بنقاء الفكر، الصلاة، الصوت الحسن، والنظر إلى الصورة الجميلة، ويجب عليه أيضاً استخدام الألوان الجميلة، وعدم ارتداء الأسود أو الأحمر، وأكل الطعام الخشن والقاسي مرفوض.

في نقد هذا التفسير، نقول: هذا النوع من الرياضة يريح المريد ويضعه في حالة من التدليل، ويصبح الجميع راغبين في أن يكونوا مريدين بهذا الشكل. صحيح أن النفس يجب أن تتوازن بين الإفراط والتفريط، لكن الرياضة تعني على الأقل للمبتدئين: تحمل المشقة، الألم، والبعد.

قال حافظ:
“كان الحب في البداية والنهاية متمرداً ودامياً،”
وهذا هو واقع الأولياء المعصومين الذين قتلهم حبهم، وكان المحبوب يسمح بقتل المحب. الحب كله ألم، شوق، فراق، وصال، حرق، ووفاق. كل الوجود في الحب، ولا يمكن لأحد أن يخرج من هذه المعركة. وحافظ لأنه لم يبلغ نهايتها، قال ما قال.

رغم أن الحب في البداية والنهاية يكون متعباً ودامياً، فإن السالك الكامل لا يكون متمرداً، ويحمل البلاء بحب، وهذا ما يميز المحبوبين الذين يتطلب ذكرهم كتاباً آخر.

يستطيع أن يكون مريد من كان مكلفاً بالبلاء، “البلاء للولاء”. الألم والشوق والهيام كلها ليست من عامة الناس بل من أهل البلاء. يجب القول:
“من هو أقرب في هذا المجلس يعطى كأس البلاء أكثر،”
“من يريد سيف المحبوب يعطى ماء شفاه السيف.”

لا يعطونه حتى ماء الشفاه، بل بداية من رأس السيف، ثم إلى الشفاه. في الطريق الروحي لا يُقطع الرأس بالشفرة بل بالرأس نفسه، ثم يُمسح الشفاه. باب الرياضة باب الألم والحزن والبلاء، وليس مكان الغناء والنظر إلى الصورة الجميلة. يبدو أن تفسير الرياضة عند الشيخ خلط بين ليلة الزفاف ويوم الرياضة.

الرياضة تعني التوازن مع النفس، لا أن تُؤذيها حتى تحترق، ولا تهرب حتى تهلك، ولا تأكل حتى تجف عقولك وتتكلم بالهذيان. الرياضة باب البلاء، وعندما يمارس الأولياء الرياضة لم يكونوا بحاجة إلى مثل هذه الأشياء. رياضة الشيخ رياضة المدارس، والله من يُدخل في باب الرياضة يطيح به حتى يكسر جمجمته.

يجب أن يمضي المريد بالتوكل والاعتماد على الله، ويمارس الرياضة ذات البلاء، لكن الرياضة التي رسمها ابن سينا أشبه بالعافية وليست رياضة. لم يتحدث عن تعقيدات الرياضة، الألم، والتعب، بل أشار فقط إلى ضرورة عدم جفاف النفس والحفاظ على الغذاء والمظهر.

4) الفرق بين التصوف المحبّي والتصوف المحبوبي
ما ورد في هذا الكتاب وفي الكتب الصوفية الدارجة من حديث عن الرياضة مخصص للعارفين المحبّين، أما العارفون المحبوبون، وهم قليلون وثمنهم غالٍ، فلا يحتاجون إلى هذه الرياضات، ولا يمرون بالكثير من الأحوال المذكورة في هذا الكتاب. أفعالهم تكون بدافع الشوق والحب، وإن كانوا يلقون العطايا والبلاء، فالبلاء عندهم عطاء، والعطاء بلاء.

موضوع الحب والرياضة أوسع مما يمكن للشيخ أن يشرح، وأعقد مما يمكنه تمهيده. هذا الأمر يحتاج إلى قلب محترق وطبول مهشمة، تجاوز كل شيء، حتى العين التي تطمع في الله. كيفيات ذلك في كتابات الكاتب المفصلة في باب التصوف.

إشارة: الرياضة وفتحُ بَصَرةِ الباطن

ثم إنّ السالك إذا بلغ الإرادة والرياضة حدًا معينًا، غشا قلبه وهجُ نور الحقّ اللذيذ كوميضٍ يخفق إليه ثم يخبو عنه، وهذا ما يسمونه “الأوقات”. وكل وقتٍ يكشفه الوجد هو وجدٌ إلى الحقّ ووجدٌ على فراقه. وتتزايد هذه الغواشي عليه كلما أمعن في الرياضة.

بعد بذل المريد للرياضة والمجاهدة، تتجلّى آثارها عليه. في المرحلة الأولى، يكون الأثر آنياً وزائلاً، ويسمى “الوقت” أو “الحال”. في الرياضة، يبلغ المريد مرتبة وحالة يرى فيها صورًا ومعاني تختلف عن الظاهر. يرى ما لا يراه غيره، وهو ما يحصل في حالة الخلسة، عالم الغياب عن الذات والانشراح من العقل. في هذه الحالة، يشعر المريد بلذّة بصيرة مصحوبة بحزنَين: حزن قربٍ إذ أنّ القرب ثقيلٌ عليه، وحزن فراقٍ عندما تزول هذه الرؤيا. إذًا، وجد الوجدان محبٌّ مفرح، وحزن الفقد مُؤلم، ويزداد ثقل هذه الحالة فوق ثقل الرياضة.

إذا تزداد قوة المريد وتقوى رياضته، يتمكن من تحقيق هذه الحالة حتى خارج أوقات الرياضة، فيرى باطن الأشياء، ويُشاهد ما لا يراه الآخرون. في هذه الحالة، يفقد بعض السيطرة على ظاهره، كما لو فقد توازنه فجأة. ولكن مع الاستمرار في الممارسة، يكتسب القدرة على التحكم بظاهر نفسه، فلا يظهر عليه شيء من حالات الباطن. وهذا ما يُسمّى “حيل العارف”، أي استتار العارف عدم إظهار ما يدركه للناس حفاظًا على نفسه وعلى سيره.

يقول الشيخ: إذا بلغ المريد نضجًا أكمل وقطع منزلتي الإرادة والرياضة، تظهر عليه حالات “الغيبة عن الذات”. ولكن يجب أن تكون رياضته متزنة، فلا يؤديها بخشونة أو استعجال، بل بالطمأنينة والوقار. المريد الحقيقي يؤدي رياضته كاملةً، يتحمل مشاقها، ولا يغفل لحظة، وإلا يفقدها.

إذا بلغ هذا النضج، يحل عليه ما يُسمى “الغيبة عن الذات”، وهو فقدان للوعي بالنفس نتيجة التماس نور الحق، الذي يترافق بلذّة وثقل شديد، كوميض برق يخطفه، وإذا طال اشتغاله به يحترق ويفنى. هذه الحالة تُعرف بـ”الوقت”، وهي محاطة بولدين من الوجد: شوق وحنين للوقت، وحزن لفواته.

هذه الحالة فيها لذة وحزن معًا، لأنها مرتبطة بثقل القرب، وحزن الفقد. وإذا تعمّق رياضته، تظهر عليه الخلسة والوجد بكثرة، ويغشى عليه من النشوة.

شرح خواجه:

أقول: المراد بقول الشيخ “اعترض وخلص واختلص” هو استسلام القلب للحقّ، والوميض هو لمعان خفيف يشبه برقًا لا يُعترض في نواحي الغيم. والشيخ أشار هنا إلى أول درجات الوجد والاتصال، التي تحصل بعد الاستعداد بالارادة والرياضة وتزداد بازدياد الاستعداد. وسمّوها “الوقت” استنادًا إلى قول النبي ﷺ: “لي مع الله وقتٌ لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل”.

الوجدآن المحيطان بالوقت غير متساويين، الأول حزن على تأخر الوجد، والآخر أسف على فواته. هذا يشير إلى أن الاستعداد والصفاء الداخلي شرط أساسي للوصول، فلا يكفي الجهد وحده بدون “رزق حلال” وصلاح الباطن.

فيما بعد، فإنّ المريد إذا أعمق في رياضته وتدريباته، تنكشف له مظاهر جديدة وأسرار أخرى في عالم الباطن، حيث تتبدّل حالاته وأحواله بين غياب الذات وظهور الحقائق الغيبية.

الشيخ يشير إلى أنّ كلما ازداد السالك في المحبة والوجد، كثرت عنده “حيل العارف”، أي تمكّن من إخفاء ما يحسّ به ويشاهده في عالم الباطن، فلا يظهر له أحد ذلك إلا من استحقّه الله تعالى. وهذه الحيل تَحمي السالك من الفتن والغرور والافتتان بنفسه أو غيره.

ثم يذكر الشيخ أنّ من علامات النضج الروحي تجاوز حالتي الإرادة والرياضة، والوصول إلى “حالة الغيبة عن الذات”، حيث يغيب إدراك المريد لنفسه ويذوب في نور الحقّ، فتختفي المظاهر الخارجية للحال، ويبقى المريد في صفاء كامل مع الله، لا تشغله نفسه ولا تحركه مشاعره الدنيوية.

ويؤكد الشيخ على أهمية التوازن في ممارسة الرياضة وعدم الاستعجال أو القسوة في ذلك، لأن القسوة تعطل سير الروح وتشتت القلب. لذلك يجب أن تكون الرياضة مُفعّلة بالطمأنينة والسكينة، حتى يتحقق التوحيد الحقيقي ويصل العارف إلى معرفته الربانية.

الشيخ يصف الغيبة عن الذات بأنها حالة يصاحبها لذّة وجدانية عميقة وثقل روحاني جبار، كوميض البرق الذي يخطف القلب، وهذا هو “الوقت” الحقيقي الذي يشتهيه كل مريد. غير أن هذا الوقت مصحوب بحزن لفراقه وشوق لدوامه، لأن النفس البشرية تعلق بالمحبة ولا تقوى على البُعد.

ويخلص الشيخ إلى أنّ هذه المراحل من الوجد والغيبة تتطلب صبرًا ومجاهدة دائمة، وأنه لا سبيل للوصول إليها إلا بنقاء الباطن وصلاح الأخلاق وامتثال أوامر الله، وأخذ العلم من أهل الحقيقة.

وأخيرًا، يشدد الشيخ على أن طريق المعرفة الروحية لا يكون إلا بصبرٍ وثبات، فلا بد من أن يستمر المريد في مجاهدة النفس، ومقاومة الهوى، وملازمة الطاعة، والتزام الدعاء، فإن ذلك هو السبيل إلى تنقية القلب وفتح أبواب الحكمة.

يقول الشيخ إنّ الغيبة عن الذات ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لمرحلة أعمق من الوعي الروحي، حيث يزداد الحضور الإلهي في القلب وتزداد صفاء النفس وتواضعها أمام عظمة الله تعالى. في هذه المرحلة، يتبدد كل وهم ويُستبدل بحقيقة الشعور بوحدة الوجود، فلا يفصل بين الذات والآخرين، ولا يرى سوى الله في كل شيء.

ويحذر الشيخ من خطر الغرور والرياء في هذه المراحل، فالمريد يجب أن يكون دائم التذلل والخشية، لأنه كلما ازداد في الروحانية زادت مسؤوليته، وكلما ارتفع في درجات القرب من الله ازداد عليه حمل مراقبة النفس والالتزام بأخلاق الصالحين.

كما يشير إلى أن هذه العلوم لا تُؤتى إلا لمن أعطاه الله من فضله، فلا يملكها أحد بغير إذن الله، ولا يمكن لأحد أن يدعيها بغير استعداد نفسي وروحي عميق.

وفي الختام، يؤكد الشيخ أن السر في نجاح هذه المسيرة يكمن في المداومة على الذكر، وحفظ القلب من الغفلة، والإخلاص في العمل، وأن يكون السالك على صلة دائمة بالله عبر المراقبة والاعتبار، لأن ذلك هو ما يثبت على الطريق ويمنع التزلزل.

إشارة: منزلة الحضور بين الحاضر والغائب

(وربما إلى هذه الدرجة يظهر عليه ما فيه، فإذا تعمق في هذه المعارف قلّ ظهوره عليه، فصار غائبًا حاضرًا، وظاعنًا مقيمًا).

حين يكتسب العارف مصاحبة الحق، قد يلاحظ رفيقه أنه في حالة سُكرٍ روحي وتعلق باطني، إذ يظهر عليه حال المريد، ولكن كلما تعمق في هذا المقام وازداد شهوده وعمق معرفته، لم يعد أحد يدرك ذلك، فيصبح حديثه مع الغائب عنوان حاله، وهو في حال غيابه وسيره في الباطن، حاضرٌ ويتحدث مع رفيقه، ولا يُدرك الآخرون أنه في سير، بل يظنون أنه واقفٌ وثابت، وهم لا يرون سيره.

شرح وتفسير خواجه نصير الدين الطوسي

«أقول: تغلغل الماء في الشجر أي اختراقه ودخوله إلى أعماقه. والظعن يعني السير والمشي. المعنى أنه قبل هذا المقام كان يظهر عليه أثر الابتهاج والفرح عند الذهاب والأسف، وهي حالة الانقلاب، فأصبح في هذا المقام بحيث يقل ظهور ذلك عليه، فيراه جليسه متصلًا بجناب الجلال حاضرًا عنده مقيمًا، وهو في الحقيقة غائب عنه ظاعن إلى غيره.»

تغلغل بمعنى الانغماس والاختراق، فإذا قيل “تغلغل الماء في الشجر” أي دخل الماء في أعماق الشجرة. وظعن تعني السير والحركة مع الاستقرار الظاهري، أي كأنه واقف.

معنى كلام ابن سينا أن المريد حين يجد وجدًا يكون سيره ظاهرًا، وإذا انقطع سيره يتبين أنه توقف، ولكن حين ينمو ويبلغ مرحلة التغلغل، يقل ظهور حاله على المريد، ومن ثم يتصل بجناب الحق، ويرى رفيقه أنه واقفٌ أمامه، بينما هو في حقيقة الأمر غائبٌ عنه ويسير مع غيره. فالعارف في هذا المقام يستطيع إخفاء حاله، ولا يخلط بين الظاهر والباطن، فيحافظ على مظهره الظاهر ويقوم بعمله العادي، وباطنه في سير وحركة، دون أن يدرك رفيقه ذلك.

إشارة: منزلة الرؤية الإرادية

(وربما في هذه الدرجة تتيسر له هذه المعرفة أحيانًا، ثم يتدرج حتى يكون له وقت يشاء).

كان المريد سابقًا لا يمتلك مصاحبة إرادية مع الحق، بل كان يقع في اللقاء أحيانًا دون اختيار، ومع الاستمرار في الرياضة يصل إلى أن يرى الحق رؤية إرادية، وتظهر إرادته في المصاحبة، خلافًا للمرحلة السابقة التي لم يكن له فيها تدخل إرادي.

شرح خواجه

«وفي بعض النسخ: “إنما يتسنّى له” أي يفتح ويتيسر له. قيل: سنّاه بمعنى فتحه وسهّله.»

في بعض النسخ بدل «يتيسر» ورد «يتسنّى» بمعنى الانفتاح والتيسير، أي أن الحق يفتح للطالب باب المصاحبة بلا إذن مسبق، بل الباب مفتوح كلما شاء دخل.

إشارة: بلوغ السالك مقام الباطن

(ثم يتقدم هذه المرتبة، فلا يتوقف أمره على مشيئته، بل كلما لاحظ شيئًا لاحظ غيره، وإن لم تكن ملاحظته للاعتبار، فينسح له تعريج عن عالم الزور إلى عالم الحق مستقرًا به ويحتف حوله الغافلون).

أحيانًا يتقدم المريد بعد أن بلغ المصاحبة الإرادية إلى ما هو فوق الإرادة، حيث يرى الباطن باستمرار ويتصل بالحق بلا توقف، حتى وإن لم يشأ، يرى الحق في كل شيء، كأنه ينظر إلى البحر فيراه الحق وليس البحر. يتحول من عالم الظاهر إلى الباطن، ويغلب الباطن عليه، ويستقر فيه، والناس من حوله غافلون عن حاله، فهو يتكلم معهم ويحافظ على ظاهره، لكنه يرى كل شيء بدون إرادة.

شرح خواجه

«يقال عرج أي ارتقى، وعرج عليه تعريجًا أي أقامه أو مال وانعطف. التعريج هنا إما مبالغة في الارتقاء أو الميل والانعطاف. واحتفّ حوله أي دار حوله واستدار. والمعنى ظاهر.»

«عرج» بمعنى الصعود، و«عرّج عليه» في باب التفعيل تعني إما إقامة أو ميلان. والتعريج له معنيان: إما صعود كبير أو ميلان إلى الباطن. «احتفّ حوله» تعني تجمّع حوله الناس وهم غافلون عن مقامه.

الرؤية الإرادية للعارف تعني أن له السلطة أن يرى وقتما يشاء، وليس أن يرى أشياء لا يريدها. السالك يملك القوة أن يحكم رؤاه ويختار ما يشاهد.

إشارة: رياضة العاشق

(فإذا عبّر الرياضة إلى النيل صار سره مرآةً مجلّاة محاذية بها شطر الحق، ودرّت عليه اللذات العلى، وفرح بنفسه لما بها من أثر الحق، وكان له نظر إلى الحق ونظر إلى نفسه، وكان بعد مترددًا).

حين تنتهي رياضة السالك ويبلغ مقام النيل، يصبح سره كمرآة صافية أمام الحق، فيتجلّى الحق فيه، وتفيض عليه اللذات الروحية العليا، فيفرح بنفسه لما ناله من أثر الحق، ويكون نظره بين الحق ونفسه، لكنه يبقى مترددًا بينهما.

شرح خواجه

«يقال درّ اللبن أي فاض وانصب. المعنى أن العارف إذا كملت رياضته واستغنى عنها بوصوله إلى الاتصال الدائم بالحق، صار سره خاليًا مما سواه كمرآة جلية بالرياضة، محاذية شطر الحق بالإرادة، فتمثل فيه أثر الحق، وفاضت عليه اللذات الحقيقية، وابتهج بنفسه لما ناله من أثر الحق، وكان له نظران: نظر إلى الحق المبتهج به، ونظر إلى ذاته المبتهجة بالحق، وكان بعد في مقام التردد بين الجانبين.»

إشارة: سفر الخلق إلى الحق

(ثم يغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي بزينتها، هناك يحقق الوصول).

يرى السالك مقام القداسة، وهو غائب عن نفسه الحقيقية، فإذا لاحظ نفسه فلا يكون ذلك من حيث النفس بذاتها، بل من حيث كونها لاحظة للحق، وهنا يحقق الوصول الحقيقي.

شرح خواجه

«هذه آخر درجات السلوك إلى الحق، وهي درجة الوصول التام، يليها درجات السلوك فيه التي تنتهي بالمحو والفناء في التوحيد. في هذا المقام يزول التردد وتتم الغيبة عن النفس والوصول إلى الحق.

واعلم أن الغيبة عن النفس لا تنافي ملاحظتها، ولهذا قيل: “وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي بزينتها”.»

خلاصة:

الشيخ رحمه الله صنّف المنازل إلى ثلاثة أقسام رئيسية: بداية السلوك، وسطه، ومنتهاه، وكل قسم يتضمن مراحل ابتدائية، وسطى، ونهائية. والسلوك رحلة تدريجية من الظهور الظاهري إلى الغياب الباطني ثم الوصول الكامل إلى الحق.

البحث التنبيهي

(الانتباه إلى ما يَتنَزَّه عنه الشغل، والاعتماد على ما هو طوع للنفس من العجز، والتبجّح بزينة الذات من حيث هي للذات وإن كان ذلك بالحق تيهًا، والإقبال كليًا على الحق هو الخلاص).

يقسم الشيخ السير إلى أربعة أقسام: الانتباه إلى الزهد، والانتباه إلى العبادة، والتوجّه إلى بهجة النفس من الحق، والسير إلى الحق.

ويُشير إلى أن الزهد والعبادة وبهجة النفس كلها ليست الحق في ذاتها، وإنما الانتباه الخالص إلى الحق يتحقق حين يرى العارف الحق فقط.

فالزهد يعني ترك غير الله، ولا بد أولاً من تصور غير الله حتى يمكن تركه، فالترك هنا نوع من غير الله.

والعبادة لها مصير مماثل، فالعابد في عبادته يحاول ترويض النفس الأمارة وقواها لتُطيع النفس المطمئنة، وهذا يدل على عجزه وضعفه، إذ يريد ببطء ترويض النفس، وهذا ليس حقًا، بل هو ترويض النفس.

والبهجة برؤية الحق ليست حقًا، بل هي لذة النفس، والحق هو أن يصل السالك في رؤيته إلى أن لا يرى إلا الله، فلا يرى النفس، ولا الزهد، ولا العبادة، ولا البهجة. وفي هذه الحالة يكون في حضرة الحق، فلا يبقى شيء أو أحد أو نظر أو اتجاه له.

وإذا بلغ السالك هذا المقام فقد وصل إلى الإخلاص والخلوص، وابتعد عن غير الحق ومن الزهد والعبادة والبهجة والمحبة، وفي هذا المقام يقول: «وجدتك أهلاً للعبادة»، وهو إدراك وجداني ووجودي وحضوري.

ومن استطاع تصور هذا المعنى، وبعد تصديقه، اجتاز مراحل السلوك، فلا يكون له فخر وزهد، ولا يعتبر العبادة عظيمة لنفسه، ولا يكون تعالى متعلق لذته، ولا يشتهى الحق – بمعناه الأسمى -، ويمكنه فصل النفس عن ذاته، يكون واصلًا فارغًا وفانيًا، ويدرك معنى القرب والوصول إلى الحق، وليس الاتحاد بالحق أو حلول الوحدة التي هي أوهام وهرطقات شعبوية اختلقها الدراويش.

فالحلول والاتحاد والوحدة تعني التعدد والازدواجية، وهذا لا يتوافق مع التوحيد الخالص، وخاصة إذا تحدث عن وحدة الموجود بالمعدوم التي لا معنى لها، والوحدة الحقيقية فقط هي السير الحق الذي تعجز عنه الكلمات والعبارات.

وبناء عليه، الفناء ليس بمعنى الانتهاء من النفس والذوبان في الحق، لأن كل ما هو موجود هو الله.

خلاصة كلام الشيخ: الانتباه لما نزه عنه الشغل هو انشغال بالدنيا، لأنه يجب تصور الدنيا لتجنبها.

والاعتماد على طاعة النفس هو عجز، والانقياد للنفس الأمارة ليس له علاقة بالله، والتمكين من النفس دليل ضعفها.

والسرور والبهجة لأن النفس والذات زُيّنتا بالحق هو تيه، لأن النفس لها أصالة، وتقول: أنا البيت الذي صار لله ضيفًا.

والاقبال على الحق بكليّة وبدون نظر إلى النفس أو التمكين أو الطوع أو الزهد أو الدنيا هو الخلاص.

شرح خواجه:

«حين انتهى من ذكر درجات السلوك وبلغ درجات الوصول، أراد أن ينبه على نقص جميع الدرجات السابقة مقارنة بالوصول، فبدأ بالزهد الذي هو تنزه عن ما يشغل عن الحق، وذكر أنه شغل كذلك، فقال: «الالتفات إلى ما تنزه عنه يعني ما سوى الحق شغل».

فالزهد يؤدي إلى ما يجب التحفظ عنه، ثم عرج على العبادة التي هي تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لمساعدتها، وذكر أنها عجز فقال: «والاعتماد بما هو طوع من النفس عجز»، أي الاعتماد على ما يطوع النفس هو عجز.

فالعبادة أيضًا تؤدي إلى ما يجب التحفظ عنه. ثم عرج على أعلى درجات السلوك المنتهية إلى الوصول، فالانتباه إلى نقصها يتضمن الانتباه إلى نقص الدرجات التي قبلها، وذكر الابتهاج بما تحصل عليه الذات من حيث هي للذات وإن كان ذلك هو الحق نفسه، هو تيه وحيرة يقتضي ترددًا بين جانب النفس والجانب الآخر وهو الحق، فهدفه الهداية من الحيرة، فقال: «والتبجح بزينة الذات من حيث هي للذات وإن كان بالحق تيه».

وبالتالي، الوقوف في هذه الدرجة من السلوك يؤدي أيضًا إلى ما يجب التحفظ عنه بالسلوك، ثم ذكر أن الخلاص من كل ذلك يكون بالوصول الأخير، فقال: «الإقبال بالكليّة على الحق خلاص».

وهناك يظهر معنى قولهم: «والمخلصون على خطر عظيم».

وبعد أن فرغ الشيخ من ذكر درجات السلوك ومنازل السفر من الخلق إلى الحق، وأتم ذلك بالوصول إلى الحق، بيّن نقص كل المراحل السابقة، وبدأ بالزهد الذي هو تطهير النفس مما يبعد السالك عن الحق، والذي يحتاج إلى تصور الدنيا، وهذا بحد ذاته دلالة على انشغال بالدنيا، أي بالزهد ذاته، فلا بد أن يتذكر الدنيا ليتركها.

والاهتمام بالنفس الأمارة والقوى التي تطيع النفس المطمئنة هو عجز. والعبادة تصل به إلى قوة تُبعده عن صفة ما.

ثم ذكر الشيخ أعلى درجات السلوك التي تنتهي بالوصول، فوعي نقص هذه الدرجات يعني وعي نقص الدرجات السابقة. لهذا ذكر الابتهاج النفسي، لأن النفس مع ذلك، وإن كان الناتج هو الحق، إلا أنه لذة نفسية، وهذه لذة نفسية تؤدي إلى التيه والارتباك.

في هذه المرحلة يريد السالك أن يَهتدي ليخرج من التيه، فالبقاء في هذه الدرجة من السلوك يعني أيضًا البقاء في غير الحق.

وأخيرًا يشير ابن سينا إلى أن الخلاص من كل هذه النقصانات يكون بالوصول إلى أعلى درجة، والاقبال على الحق بكل الكيان هو السبيل للخلاص والنجاة، وليس حمل الزهد والعبادة.

في هذه المرحلة يكون السالك في حضرة الحق، لا يرى إلا الحق، هو مجرد نفى.

إذا وصل إلى هذا الخلاص، لا يرى أحدًا ولا شيئًا، وهنا تأتي قولتهم: «المخلصون على خطر عظيم»، وليس الذين في حالة الإخلاص فقط، بل الذين تجاوزوا الإخلاص في خطر عظيم.

وأذكر أنني في حلم كنت في وضع رأيت فيه الله يوم القيامة – نحن في الدنيا عادة يجب أن يكون الطالب وقورًا بين الناس، ولباسه أنيق ومناسب، لا يُلبس الملابس الرديئة أو الممزقة أو القذرة.

الطالب يجب أن يقلل من نفقاته لكنه يلبس ثيابًا جيدة.

أتذكر عندما أردت ارتداء لباس العلماء، وزعت كل ما لدي كأنه ميراث، الملابس والأحذية والساعة… وكل شيء وزعته ولم أعد بحاجة إليه.

ولكني كنت أحتفظ بالملابس الممزقة لأنني كنت متعلقًا بها وأخشى الإسراف، فكنت ألبسها في البيت كملابس داخلية.

كنت أصلي بعباءات ممزقة.

كنت في ذلك العالم منخفض الرأس لا أرفع عينيّ، كما في الدنيا لا أريد أن أنتبه أو أُبدي طمعًا.

كنت أنتظر بلا حركة وأتساءل: ماذا عن الله؟ لأنني قطعت الطمع والتوقع من نفسي، ولم يخطر ببالي شيء من العلم أو العبادة أو الصلاة.

فقط قلت في نفسي: يا الله، أنا أرتدي كل هذه الملابس الممزقة، هل تعتقد أنها مشكلة لك؟

في ذلك العالم أدركت أن هذه الملابس الممزقة كانت عائقًا لي، فلذلك توقفت عن استخدامها لفترة.

ولكني عدت لاستعمالها لكي لا أهدرها، ليس لشيء آخر.

المقصود أن هذه العبارة: «والمخلصون على خطر عظيم بالاقبال الكلي على الحق» تعني أن لا يكون لديك آلاف الطلبات والتوقعات من الحق: لماذا لم يأت؟ لماذا تأخر؟ هل ينسى الحق؟

كل عمل قمت به كان لله، ولا تطلب شيئًا، فالصلاة والزهد وكل شيء كان له، وأنت مجرد تجلٍ له.

لذلك «الإخلاص هو الخلاص» فقط.

الخلاص يعني أنك عندما توزن، لا يخطر ببالك أي طلب، وهذا أمر صعب جدًا، ولا يصل إليه إلا من بلغ مقام «لا حول ولا قوة إلا بالله الكلي»، حيث كل ما هو موجود هو لله، ولا أحد يملك شيئًا لنفسه.

إذا كان كل شيء لله، فما الطلب؟

إذا فنيت، فعليك تحمل متعلقاته.

من لا يريد تحمل أي مصيبة من أجل الله ويريد الله الذي يمنحه كل النعم دفعة واحدة، فمكانه بعيد عن الحق، بعكس السالك المنفصل الذي لا يناقش الله ولا يطالب.

حين تزول النفس لا يبقى حب، وحين لا يبقى حب لا يبقى طلب، ويبقى فقط «الإخلاص هو الخلاص».

لذلك يجب أن يكون للإنسان في السلوك زهد وعبادة وبهجة، لكنه لا يجب أن يحمل أيًا منها باتجاه الحق، بل عليه أن يعتبرها كلها مظاهر للحق، ومن باب أنه لابد من فعل شيء واختيار العبودية.

لهذا، إذا كان له لعب أو تسلية، يجب أن يفضلها على كل تلك العبادات المرفوضة، لأنه يستطيع بذلك القصد للقرب، لأنه يفعلها لنفسه فلا يضخمها.

لا يهم إذا كان صاحب بنك أو لديه مئة ألف، أو أستاذ صرف مير، فالفرق لا يهمه.

وكان المرحوم الأديب النيشابوري يقول: لنا الكفاية وصرف مير سواء، لأنهما كتابان دراسيان، ومن دفع المال نتعلم له، ولا فرق كثير، المهم الانشغال.

ولكن إذا قيل لأحد: قل الكفاية، قد يقول لك بعد عشرين سنة: كنت تقول الكفاية قبل عشرين سنة! وكأن الكفاية أصغر منك!

هذا هو النفس الذي لا تسمح.

ولكن إذا كان ذكيًا، ولو كان شيخ الأنصاري ويدرس درس الخارج بهذه الجودة، يمكنه أيضًا تعليم صرف مير، ولن يكون ذلك ثقيلاً عليه.»

إشارة: التخلية والتحلية

(العرفان يبدأ من التفريق والنفض والترك والرفض، معنون بجمع، وهو جمع صفات الحق للذات المريدة بالصدق، ومنتهٍ إلى الواحد، ثم الوقوف).

هذه الإشارة تحلل التخلية والتحلية في العرفان. ويجدر التنويه بأن مصطلح التخلية والتحلية في العرفان يختلف عن المصطلح المتعارف عليه بين أهل الكلام والأخلاق، حيث في الأخلاق التخلية تعني التخلي عن الرذائل والقبائح، والتحلية تعني التحلي بالأخلاق الحميدة والفضائل، وهي كثرة. أما في العرفان، فالتخلية تعني التنزيه عن كل ما سوى الحق، حتى الفضائل، والتحلية تعني التخلق بصفات الله.

يقول الشيخ: التخلية أربعة أقسام: فرق، نفض، ترك، ورفض.

  • الفرق: يعني الفصل والانفصال عن الرذائل. واستخدم لفظ “فرق” للتشديد، أي بمعنى الضغط والتنقية.
  • النفض: إضافة إلى الفرق، يعني تحريك النفس وخلاصها من الشوائب، كما يُنفض كيس ليخرج منه الغبار.
  • الترك: بعد الانفصال، يجب ترك النفس نفسها، أي ترك الكمالات والصفات الحسنة.
  • الرفض: وهو ترك الذات نفسها بالكامل، أي التنازل عن وجود النفس وذاتها.

بعد ذلك يأتي مقام التحلية بصفات الله. وعاء التحلية هو مقام الوحدة، وهو مقام الصفات الإلهية. مقام الوحدة مقام كثرة يجب تجاوزه للوصول إلى مقام الألوهية. في مقام الألوهية يصل السالك إلى المقام النهائي، وهو الفناء والبقاء، حيث يتوقف عند معرفة الله، وهذا هو غاية العرفان، وهي العجز والوقوف.

الوقوف هو غاية السلوك، وهو صادر عن المعرفة، وأيضًا بدايته من الجهل. العارف يسعى للهدم وليس للبناء. همته أن يهدم نفسه حتى تثبت هدمته: “وحده لا شريك له، لا إله إلا هو، لا حول ولا قوة إلا بالله، بسم الله وبالله من الله، إلى الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله”.

حين يصل إلى هذا المقام، لا يبقى لأحد دور: “ليس في الدار غيره ديار”، وهو تعبير عميق. كما أنه “ليس في جبّتي إلا الله”؛ والذي يقول هذا يجب أن يُرمى بالحجارة لأنه مشرك، لكنه يشرح التوحيد، وهذه الحجارة تشرح التوحيد له، حيث أن التوحيد الحقيقي هو في هدم الذات. يجب أن يتحطم هذا الجبه ليقول “إلا الله”. غاية العرفان أن يرتفع العارف عن ذاته ولا يملك نصيرًا سوى الحبيب، فهذا هو التوحيد الحقيقي.

في الفناء بالإحدية، يُقال: “من عرف الله كل لسانه”، فيصمت السالك، ولا يمتلك كلامًا يعبر به، لأنه لا قلب له يتكلم، ولا يستطيع فتح فمه، فكل شيء هو الحق.

اللفظ “للذات” رغم أنه قد يوحي بالتناقض مع نفي الذات، إلا أنه قُصد به ذات الحق بعد ترك الذات الشخصية، فالذات هنا هي الحق، والصدق يدل على أخلاق الحق، التي لا تحتوي على شيء من الذات.

الفرق بين الكمال الذي يسعى إليه الأخلاقيون وصفات الحق التي يتبعها العارفون يكمن في هذه النقطة: فالشجاعة والصدق والوفاء صفات حسنة، لكن من يعتبرها من ذاته يقع في مشكلة، أما من يراها صادرة من الحق فهو عارف.

التعبير بـ”استجماع” بدلاً من “جمع” يدل على أن السالك يقوم بهذا العمل بسهولة، وله مراتب: الأولى “ممعن” تعني عميق، حيث يجمع الصفات رغم كثرتها.

شرح وتفسير خواجه:

الشيخ جمع جميع مقامات العارفين في هذا الفصل، وأقول في تقريره: إنه معروف بين أهل الذوق أن تكميل الناقصين يكون بتخلية وتحلية، كما أن معالجة المرضى تكون بتنقية وتقوية.

الأول سلبي، والثاني إيجابي، ويعبّر عن التخلية بالتزكية، ولكل منهما درجات:

درجات التزكية هي التي ذكرها الشيخ في أربع مراتب: تفريق، نفض، ترك، رفض.

  • التفريق: مبالغة الفرق، أي الفصل بين شيئين لا ترجيح لأحدهما.
  • النفض: تحريك شيء لينفصل عنه أشياء مهملة كالغبار.
  • الترك: الانقطاع عن شيء.
  • الرفض: الترك مع الإهمال وعدم المبالاة.

العرفان يبدأ بتفريق ذات العارف عن كل ما يشغله عن الحق، ثم نفض آثار هذه الشواغل، ثم ترك لتحقيق الكمال لأجل ذاته، ثم رفض ذاتها كليًا.

أما التحلية، فإن العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق، يرى كل قدرة مستغرقة في قدرته، وكل علم مستغرق في علمه، وكل إرادة مستغرقة في إرادته، وكل وجود صادر منه. فصار العارف متخلقًا بأخلاق الله تعالى حقًا.

ثم يرى هذه الصفات متكاثرة بالنسبة للكثرة، موحدة بالنسبة للأصل الواحد، فلا وجود لذات أخرى، فالكل واحد كما قال تعالى: (إنما الله إله واحد).

عندما يصل العارف إلى هذا المقام لا يبقى واصف ولا موصوف ولا سائر، بل “هو الواصف والموصوف والعارف والمعلوم”.

ويقول: «قد متُّ من نفسي»؛ وهذا الأمر يتحقق لبعض الناس قبل موتهم، وللبعض عند اقتراب الموت، وبعضهم لا يدركه حتى لحظة الموت. وأولئك الذين يذهبون وهم غارقون في أنفسهم، ويناقشون أنفسهم، حين يأخذ الملائكة أرواحهم. وهناك من يرى ذلك ولا يصدّق، ولا يرضى بالرحيل، ويعد الله عدواً له، ويقول: «الله أخذ مني» ويتعارض مع الحق. ويرى ما كان يراه لنفسه يضيع منه، ولم يكن يعلم أن الحياة لله، وأنها أمانة بين يديه. وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر.

إن الذي يحب يُعرف من بُعد، عيونه سكرى، وشفاهه مرحة.
إن أهل الدنيا متميزون عن أهل الحق، وإن منّ الله على الإنسان أن ينهض من نفسه بسلاسة هو من السعادة الكبرى، وليس كما يُرفع ويُدعم تحت الإبطين وهو لا يزال يرتجف. فطوبى لمن يقول بسهولة: «كل شيء للحق، ونحن لا شيء» فهو في راحة.

حين يسير الحق، يكون السالك واعياً، وبقاؤه هو بقاؤه قبل الفناء. وليس الأمر «هذا وذاك»، ولا «أخيراً وفي الواقع»، ولا حتى «يُصدق بأنه ليس». الإيمان يحتاج إلى قلب، ومن ألقى كل شيء لم يبق له قلب.

نحن لا نعرف إلا أنفسنا، ولا نستطيع أن نفترض زوال ذاتنا، فنحمل ذاتنا ونحدّث عن ذاتنا وعن إيماننا. التوحيد لا نهاية له، ولا يُستكمل، بل الشخص هو الذي ينتهي، والتوحيد بداية الطريق، وليس له وصول ولا انتهاء.

— إشارة: شرك العارف

(من اتخذ العرفان بالعرفان فقد قال بالثاني، ومن وجد العرفان كأنه لا يجده؛ بل يجد المعروف به فقد خاض لجّة الوصول. وهناك درجات ليست أقلّ من الدرجات السابقة، واختصرنا فيها؛ إذ لا يفهمها الحديث، ولا تشرحها العبارة، ولا يكشف المقال عنها إلا الخيال. ومن أحب أن يتعرف عليها فليتدرج حتى يصير من أهل المشاهدة لا المشافهة، ومن الواصلين إلى العين لا السامعين للأثر).

قلنا سابقاً إن العارف والسالك يرغب في الحق، والعرفان هو الذي يوصّل العارف إلى الحق. هذا المعنى يتحقق حين لا يكون للعُرفان ذاته أصالة عند العارف، بل مراده وهدفه في العرفان هو المعروف، أي الحق. إذا كان المراد من العرفان العرفان نفسه أو العرفان والمعروف معاً، فذلك شرك، وإذا كان المراد فقط العرفان دون الاهتمام بالمعروف فهو كفر.

أما الغاية من أن يكون العرفان هو غاية العارف، فهي أن يكون علم العرفان وكلماته محببة له، وعندها يجب أن يُعد مدمنًا، يشبه من أدمَن المخدرات، إذ غايته أن يستمتع وينال السرور.

يقول الشيخ: نختصر هذه المعاني، لأن القول فيها لا يُفيد، والمهم هو المشاهدة. ولا تُحل المشكلة بالمصافحة، بل يجب أن تؤخذ هذه المعاني من العلم إلى عين اليقين، لا من السمع إلى الفهم فقط، ولا يمكن التعبير عنها بالكلمات، لأن اللغة وضعت للناس العاديين، ولا تستوعب المعاني الروحية الرفيعة التي تتجاوز الزمان والمكان. العرفان هو الحق لا العرفان بحد ذاته، ويجب أن يُنظر إلى العرفان كوسيلة وأداة.

من يجعل العرفان هدفًا فهو ذا نظر ثنائي، ومن يختار العرفان والمعروف معاً فهو مشرك. وأما من يكتسب العرفان فلا يعني أن يحتفظ به، بل أن يتخلق بقواعده وقوانينه، فلا تكون للعَرفان عنده أصالة، بل يعلمه ليستدل به على المعروف، وعندها يدخل في لجة الوصول وصفاء الباطن.

الوصول والسير في الحق له منازل ومراتب، ليست أقلّ من المنازل التي وصفناها سابقًا، لكن الكلام عنها صعب، واللفظ ناقص، لأن واضع الكلمات لم يصل إلى تلك المراتب، وتكون الألفاظ مجرد صور تخيلية، تشبه وصف الحجاج لمناسك الحج، إذ لا ينال السامع من ذلك إلا صورة تخيلية. إنما المشاهدة الحقيقية لا تُنتقل بالكلام.

لذا الكلام عن العرفان لا ينفع، ومن يريد إدراك تلك المنازل يجب أن يرتقي ليصبح من أهل المشاهدة، لا أن يكتفي بالسمع ويكون عارفًا نقّالًا.

العرفان القارئ مثل خريطة المدينة، أما أن تجري في الأزقة والشوارع لتجد مكانًا فهو أمر آخر.

— شرح وتفسير خواجه الطوسي:

«العرفان حالة للعارف بالنسبة للمعروف، ولا شك أنه ليس المعروف، فمن كان هدفه العرفان نفسه فهو ليس من الموحدين، لأنه يريد مع الحق شيئًا غيره، وهذه حال المتبجّح بزينة ذاته، وإن كان بالحق. أما من عرف الحق وغاب عن ذاته فهو غائب بلا شك عن العرفان الذي حاله لذاته، فهو وجد العرفان كأنه لا يجده، بل يجد المعروف فقط، وهو الذي غاص في لجّة الوصول. وهناك درجات للتزكية بالأمور الوجودية، وهي أوصاف إلهية، وهذه ليست أقل من الدرجات السابقة، التي هي تزكية بالأمور الخلقية التي تتعلق بالأوصاف العدمية. لأن الإلهيات محيطة وغير متناهية، والخلقيات محاطة ومحدودة، كما يشير الله في قوله: «قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي» (الكهف:109).

الارتقاء في هذه الدرجات هو سلوك إلى الله، وهذه السلوكيات تنتهي بالفناء في التوحيد.

واعلم أن التعبير عن هذه الدرجات مستحيل، لأن التعبير وُضع للمعاني التي يتصورها أهل اللغات. وأما التي لا يصل إليها إلا غائب عن ذاته وأيضًا عن قوى جسده فلا يمكن وضع ألفاظ لها أو التعبير عنها. كما أن المعقولات لا تدرك بالأوهام، والموهومات لا تدرك بالخيالات، والمتخيلات لا تدرك بالحواس، كذلك ما يعاين بعين اليقين لا يمكن إدراكه بعلم اليقين. لذلك يجب الاجتهاد في الوصول إليها بالمشاهدة، لا بالبرهان. وهذا بيان ما ذكره الشيخ، واستثنى الخيال لأنه كما سيُبيّن في النمط العاشر، فإن العارفين إذا انشغلوا بمشاهدة عالم القدس تظهر لهم خيالات تحاكي ما يرونه بشكل بعيد، كالأحلام، ولكن في التعبير يستخدمون ألفاظًا لا تليق بهذه المعاني).

العرفان حالة للعارف بالنسبة للمعروف، ولا شك أنها حالة، لأن المعروف ليس حالة بل هو مقام. ومن كان غرضه من العرفان العرفان نفسه فهو ليس من الموحدين، لأنه يريد مع الحق شيئًا غيره، فإن كان معه فهو مشرك، وإن كان بدونه فهو كافر. وفي كلتا الحالتين، سواء كان مشركًا أو كافرًا، فهو مدمن على هذه الحالة كمدمن المخدرات، إذ الغاية أن يسرّ به ويستمتع.

أما إذا تركته الحالة، وابتعد عنها، وحلّ معروف الله محلها، وغاب عن ذاته، فهو قد وجد العرفان كأنه لا يجده، بل وجد المعروف فقط، وعند ذلك يدخل في لجة الوصول ويجد الباطن.

وهناك درجات تزكية بالأوصاف الإلهية، ليست أقل من درجات السابقة، التي تتعلق بالأوصاف الخلقية. صفات الربوبية محيطة وغير متناهية، وصفات الإنسان محاطة ومحدودة. ويشير الله إلى ذلك في قوله: «لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي».

الارتقاء في هذه الدرجات هو السلوك إلى الله، وتنتهي بالموت في التوحيد.

والعبارة عن هذه الدرجات مستحيلة، لأن الألفاظ وُضعت لمعانٍ تصوّرها الناس، ومن لا تصل إليه إلا روحه غائبة لا يمكن التعبير عنها، وكما لا تُدرك المعقولات بالأوهام، فلا تُدرك هذه المعاني بالخيال أو الحواس.

لذلك من يريد ذلك عليه أن يجتهد في المشاهدة لا في البرهان. الشيخ استثنى الخيال لأنه، كما سيُبيّن في نمط لاحق، حين يشاهد العارفون عالم القدس قد تظهر لهم خيالات تحاكي ما يرونه لكنها بعيدة جدًا.

شرح خواجه يختلف عن مقصد الشيخ، فالخواجه يقول إننا لا نملك ألفاظًا لمعانٍ عرفانية عالية لأن واضعي اللغة كانوا من العامة، ولا يفهمون هذه المعاني، أما الشيخ فيقول: يمكن للعارفين أن يضعوا ألفاظًا جديدة، لكنه يؤكد أن العرفان لا يُدرك بالكلمات، بل بالمشاهدة. لذلك اختار الاختصار.

في العرفان، الكلمات مثل الخال واللب والماء والخمر والجام تعبيرات لا تصف المعاني التي يشاهدها العارف.

الفصل الرابع: صفات العارفين

النمط التاسع / الفصل الرابع / صفات العارفين

ـ تنبيه: مقام الرضا

(العارف هشّ، بشّ، بسّام، يُبجّل الصغير من تواضعه كما يُبجّل الكبير، وينبسط من الخامل كما ينبسط من النبيه، وكيف لا يهشّ وهو فرحان بالحقّ، وبكلّ شيء، فإنه يرى فيه الحقّ، وكيف لا يسوّي والجميع عنده سواسية، أهل الرحمة قد شغلوا بالباطل).

ذكر المرحوم شيخ با يادكرد مقام الرضا وخصائصه فقال: العارف خرم، شادمان وخندان؛ لأنه موفق، قد بلغ الحقّ ويرى الخلق أهل الحقّ وأهل بيت الحقّ، وإن ارتقى إلى مقام أعلى من ذلك فإنه يرى الحقّ فقط، ولهذا يستقر في مقام الرضا، وهو مقام رفيع لا يبلغونه إلا أولياء الله. فالسالك في هذا المقام لا يميز بين عباد الله، لا يرى أحداً غنيًّا والآخر فقيرًا، ولا مشاهيراً ومجهولين، بل يراهم جميعاً متساوين كما ينظر القاضي إلى طرفي النزاع بعين واحدة.

العارف مست، خرم، متسع البال، وإن كان من الممكن أن يكون شخص سعيد خرم غير متسع، فإن العارف يبتسم، وبفضل هذه الصفات الثلاثة يكون ذا قلب واسع، وجوهريّته واضحة، ولكنه ليس واسعًا بشكل مبالغ فيه بحيث تبدو أضراسه وفكه، فوجهه وشفتيه متسعتان دون فمه.

قلب لا يحبّ لا ينمو، وشفاه بلا ابتسامة كالجدار المتصدّع.

السالك يجب أن تكون شفتاه مفتوحتين وليس فمه، فالمُصرخ فمه مفتوح، وأما المبتسم فشفتيه مفتوحتان فقط؛ للسالك قلب مفتوح، ووجه مفتوح، وشفاه مفتوحة، وهو منفتح على نفسه والآخرين، حتى على المفتوحين والمغلقين منهم؛ لأن العارف يجب أن يكون مستاً، لأنه من «الْمُفْلِحِينَ»، لقد كان حقًّا فغلبه الحقّ ولم يفقد شيئًا ولم يحزن، فلماذا لا يفرح؟ هو ليس غير مبالٍ، بل لا خيال له، فمن كان لديه خيال أو كان غير مبالٍ فهو ناقص، وأما العارف فلا شيء ينقصه وعلامته قوله تعالى: «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم»؛ فالعارف لا يحزن على ما فات ولا يفرح بما آتاه.

تابع الشيخ قائلاً: العارف يكرم الصغار كما يكرم الكبار، ويسر من الضيف المجهول كما يسر من الضيف المشهور، فكيف لا يكون سعيداً وهو شادّ بالله تعالى وبكل الوجود؟

“للعالم خَيرٌ من العالم له، وأنا عاشق لجميع العالم لأنّ كلّ العالم منه”.

وبالتالي، إذا كان فرحه بالحق، يجب أن يفرح بكل شيء لأنه يرى الحق في كل شيء، وكيف لا يساوي بين الخامل والنبيه، وكل شيء عنده سواء باعتبار أنهم جميعًا أولاد الله تعالى، وليس قائلاً: “أنا أُحسن فقط إلى المؤمنين”. العارف لا يلوم أحداً ويحب الجميع لأنهم أولاد الحقّ، ويحبّهم بحكم الحقّ.

شرح جناب خواجه

«أقول: لما فرغ من ذكر درجات العارفين، شرع في بيان أخلاقهم وأحوالهم. يُقال: رجل هشّ بشّ؛ أي طلق الوجه طيب. بسّام؛ أي كثير التبسّم. النبيه: المشهور، ويقابله الخامل. وسواسية على وزن ثمانية؛ أي أشباه، وهي قريبة الاشتقاق من لفظة “سواء” وزنة “فعافلة” أو ما يشبهها، وليست على قياس؛ ومعنى الفصل ظاهر.

وهذان الوصفان – أعني الهشاشة العامة وتسوية الخلق في النظر – أثران لخلق واحد يسمّى بالرضاء، وهو خلق لا يبقى لصاحبه إنكار على شيء، ولا خوف من هجوم شيء، ولا حزن على فوات شيء، وإليه أشار عزّ من قائل: (ورضوان من الله أكبر)، ومنه تبيّن تأويل قولهم: خازن الجنّة ملك، اسمه رضوان».

الهمس: هو الصوت الخفي، وحفيف الحصان حين جريه، وكذلك حفيف جناح الطائر.
الخلجة: تعني جذبه وانتزاعه، وأيضًا تعني شغله.
أزعجه فانزعج: يعني أخرجه من مكانه فانهزع.
تاج له: أي قدّره وأظهره.

المعنى أن للعارف حالات لا يحتمل فيها إحساسٌ بأي شاغلٍ يردّ إليه من الخارج، ولو كان ذلك الشاغل أضعف ممّا يحسُّ به فضلاً عمّا فوقه. وتلك الأحوال تكون في أوقات توجهه بسرّه إلى الحقّ، فإذا ظهر في تلك الأوقات حجاب قبل الوصول إلى الحق، أو قدّر له حجابٌ إمّا من نفسه كأن يشغله ما يزيل استعداده للوصول، أو من جهة حركة سرّه كأن يتمايل في فكره فيعرض له الالتفات إلى شيء غير الحق، وبالجملة لا يتم بسبب أحد المانعين وصوله بالحق، بل يبقى منتظرًا متحيرًا، فيغلب عليه بسبب ذلك السأم من كل وارد غير الحق والملل عن كل شاغل عنه.

فلا يحتمل شيئًا ممّا وصفناه، أما عند الوصول والانصراف فلا يكون كذلك؛ لأنّه عند الوصول لا يخلو من أمرين:
الأول: أن تكون القوّة بحيث لا تقدر مع الاشتغال بالحق على الالتفات إلى غيره إمّا لقصوره، أو لشدة الاشتغال، وحينئذ يكون مشغولًا بالحق فقط غافلًا عن كل ما يرد عليه، فلا يحسّ بالشواغل الخارجية.
والثاني: أن تكون القوّة بحيث تفي بالأمرين معًا فلا تملّ بالأمور الخارجية؛ لأنّها لا تكون شاغلةً عنه عن الحقّ.
وأما عند الانصراف فلأنه يكون حينئذ أهشّ الخلق ببهجته، فيتلقّى ما يرد عليه مع انبساط وبشاشة.

الهمس بمعنى الصوت الخفي والحفيف، وهو صوت الحصان عند جريه، وكذلك رفرفة جناح الطائر.
الخلجة تعني الجذب والانزعاج، وأيضًا تعني الشغل.
أزعجه فانزعج هو فعل متعدي بمعنى انقطع من نفسه إلى الحقّ، وإذا قُطع بتمام وجوده وصل إليه.
تاج له تعني أظهره.

يقول خواجه: إنّ للعارف حالات لا يستطيع فيها احتمال إحساس أي مشغول أو مانع خارجي، وأقل شاغلٍ مزعج يكون كافيًا لذلك، وهذه الأحوال تظهر قبل الوصول، حيث يكون هناك حجاب من نفسه أو استعداداته يحول دون الوصول، مثلاً أن يختلج شيء في ذهنه أو يشوش فكره فيضيع وصوله، أو حجاب خارجي يشتته.

عندما يفقد العارف وصوله، يحلّ به الملل والانزعاج من كل شاغل ومانع، ولا يحتمل شيئًا منها، أمّا عند الوصول، فلا يكون الأمر كذلك، لأنه إمّا يكون مشغولًا بالحقّ تمامًا، فلا يشعر بما عداه، أو يكون مشغولًا بالحقّ ويشاهد غيره لكن دون ملل أو قلق.

وعندما ينصرف العارف إلى الخلق، يكون ممتلئًا ببهجة الحقّ، فَيُلاقي الآخرين بابتسامة وسرور.

تنبيه:

العارف لا يهتمّ بالتجسّس والتحسّس عن أحوال الناس، ولا يغضب عند مشاهدة المنكر، بل يعتريه الرحمة، لأنه يدرك سرّ القدر. وإذا أمر بالمعروف، يأمر برفق ونصح، لا بعنف وعيب. وإذا عظم المعروف، فقد يغار عليه من غير أهله. العارف مشغول بنفسه، لا يتطفّل على أحد، ولا ينتقد أحدًا. إذا رأى منكرًا، لا يغضب، بل يعلّل الأمر بسبب مشاعية العالم. إنّ غضبه أو عدم غضبه لا يتعارض مع أمره بالمعروف.

شجاعة العارف:

العارف شجاع، لأنه لا يخاف الموت، إذ تذوق لذة الموت الاختياري في رياضته. ولا تُعدّ الشجاعة مجرد عدم الخوف، بل يجب أن تكون مدعومة بالحكمة، وإلا كانت مجرد تهور.

عارف كريم، جواد وكريم النفس؛ فلماذا لا يكون كذلك وهو الذي لا يميل إلى الدنيا؟
البخيل هو من يحب الباطل، أي الدنيا، أما العارف فلا يحب الدنيا، فيكون جوادًا.
مظاهر الدنيا إذا لم تكن للحق فهي باطلة. كذلك العارف رحيم، متسامح، وقابل للعذر، فلماذا لا يكون كذلك وهو الذي نفسه كبيرة بحيث لا يستطيع أحد أن يزعجه بزلّة أو خطأ؟
كما أنه ناسٍ ومتسامح، إذا أساء إليه أحد لا يذكر ذلك، ولا يحمل ضغينة أو عقدة أو همًّا، فكيف لا ينسى وهو منشغل بالحق؟
يبقى في ذهن الإنسان ما له أهمية، وأما في ذهن العارف فلا شيء إلا الحق.

يذكر جناب خواجه هذه الصفات بتفصيل في كتاب “أخلاق ناصري”.

شرح وتفسير جناب خواجه:

“أقول: الكرم إما ببذل نفع لا يجب بذله، أو بكفّ ضرر لا يجب كفّه.
الأول يكون إما بالنفس وهو الشجاعة، أو بالمال وما يجري مجراه وهو الجود، وهما وجوديان.
والثاني إمّا أن يكون مع القدرة على الإضرار وهو الصفح والعفو، وإمّا لا مع القدرة وهو نسيان الأحقاد، وهما عدميان.
والعارف موصوف بالجميع كما ذكر الشيخ وذكر علله.”

تفسير مصطلحات:

  • الكرم ببذل نفع: يعني بالعطاء الذي لا يلزم فريضة، سواء كان المال أو النفس (الشجاعة).
  • الجود: بذل المال وما يماثله من الممتلكات غير النفسية.
  • الصفح والعفو: كف الأذى رغم القدرة على الإضرار (وجودي).
  • نسيان الأحقاد: عدم الاحتفاظ بالضغائن (عدمي).

تنبيه: حالات العارف المختلفة

العارفون يختلفون في هممهم حسب اختلاف خواطرهم، وقد يستوي عند بعضهم القشف والترف، بل يفضل البعض القشف. وربما يتساوى عندهم التفل والعطر، أو يفضلون التفل. وهذا مرتبط بما يشغل بالهم من استحقار ما سوى الحق، أو ميلهم إلى الزينة.
العارف يطلب الجمال والبهاء، لأنه ميزة وعناية إلهية وأقرب إلى ما عكف عليه بحواسه.
حالات العارف مختلفة، فقد يفضل الجبال والبراري أحيانًا، ويجلس على عرش سليمان في أحيان أخرى. أحيانًا يترك الدنيا وأحيانًا يزينها.
كل ذلك بحسب نية العارف ومدى صحتها، وهذا يتطلب مرشداً. إذ يمكن أن يؤدي عدم وجود هداية إلى انحراف، كما حدث مع من شوهوا طريق التصوف بأفعال غير عقلانية.

شرح خواجه طوس:

  • “القشف” هو جفاف القلب بسبب الفقر أو الشمس.
  • “المتقشف” الذي يكتفي بالقوت والملبس المرقع.
  • “المترف” هو المتجاوز في الترف.
  • “تفل” يعني غير مطيب، لكنه لا يعني قبحًا بمعنى كلامي؛ فالعارف لا يحب القبح.
  • “عقيلة كل شيء” هي أفضل ما فيه، وعقيلة البحر هو اللؤلؤ.
  • “الخداج” يعني النقص، و”السقط” المتاع الرديء.
  • “ارتاد” تعني طلب مع تعاقب.
  • “البهاء” يعني الحسن، و”المزية” تعني الفضيلة.
  • العارف يطلب القرب من الحق ويحب جمال كل شيء مرتبط بالحق، ويكره كل ما يخالفه.

تنبيه: غفلة العارف عن العبادة

العارف قد ينسى في حالة اتصاله بالعالم المقدس ما في العالم الدنيوي، وقد يتخلى عن الواجبات الشرعية دون أن يكون مذنبًا؛ لأنه في حكم من لا يُكلَّف.
التكليف لا يقع إلا على من يعقل التكليف ويعيه.
ومع ذلك، لا يعني ذلك إسقاط المسؤولية بشكل مطلق؛ فالعرفان لا يجوز أن يبرر الإهمال الكامل في الدين، وإلا كان بداية الانحراف.
العارف الحقيقي يجب أن يحافظ على التوازن بين العرفان والشريعة، فلا يترك فرضًا من فروض الدين.

نقد الكاتب:

العارف الذي يفقد القدرة على أداء التكليف بسب اختياره، يشبه من سكر ولم يعد مكلفًا مؤقتًا، لكنه يظل مسؤولاً عن أفعاله.
العرفان الذي يجعل الإنسان يتهاون في الصلاة والعبادات هو عرفان منحرف وخطير.
الشريعة لا تُلغى ولا يُرفع التكليف عن أحد، وأي ادعاء خلاف ذلك هو خرافة وضعف في الروح.

البند لا يمكن اللجوء إليه ليقوم الحضور بالتصرف في مال شخص آخر مع الأخذ بعين الاعتبار الولاية الإلهية التامة والكاملة.

النتيجة أنَّه لا يجوز بأي حال من الأحوال رفع التكليف عن المكلف قبل الموت، أي أنه ما دام الإنسان في حياته الطبيعية والدنيوية فلا يجوز رفع التكليف عنه دون دليل قوي ومتقن. وحتى من يكون في حالة غرق يجب عليه أن يصلي ولو بعينه أو بقلبه. وفي كل الأحوال، ترك الصلاة وترك التكليف في الدنيا غير ممكن للإنسان صاحب الحياة، إلا بحكم الشريعة أو بدليل عقلي متين، مثل: «رفع ما لا يعلمون» أو «رفع ما اضطرّوا عليه»، ويتم اتباع ذلك وفق ما هو متيقن مع الحفاظ على سند الدليل. وأيضًا مثل الشخص الغافل أو النائم الذي يعفيه العقل من التكليف بسبب فقدان القدرة، ويعتبره من مصاديق «تكليف ما لا يطاق».

نعم، إذا فعل العارف شيئًا أدّى إلى سقوط التكليف عنه من دون علم أو توقع، فلا إشكال عليه في ذلك، لأنه في حالة الخلسة لا يكون مكلفًا، ولم يكن لديه نية تجاه المقدمات والمبادئ، وكأنه يشرب الخمر ظنًا أنه ماء، فلا يكون مكلفًا في ذلك الوقت ولا يكون عليه إثم. أو كالملاعبة في رمضان حين يطمئن الإنسان إلى عدم حدوث احتلام، فإذا حدث فجأة فلا ذنب عليه لأنه لم يقصد ذلك. وكذلك السالك في حالات الحيرة والخلسة، إذا كان واثقًا من عدم وقوع ذلك، ومراقبًا نفسه في طريقه الروحي، فإذا حدث له شيء لا إراديًا فلا ذنب عليه.

ومن المهم التذكير أن طريق السلوك خطير جدًا، لذا يجب على السالك ألا يمضي فيه بدون مرشد ومربي ليعرف أين ينتهي به الطريق. من يذهب إلى السجود ويبقى في سجوده يومًا كاملاً ويُقضي صلواته، فهو واقع في الشرك والشيطان، وهو كمن هو مدمن أو مخمور لا يميز الليل من النهار ولا يصلي.

وكذلك في هذا النقاش، كما في موضوع الموسيقى، لا يجب الخلط بين مقام الإثبات الذي ذكرناه وبين مقام الثبوت. في مقام الإثبات قد يصل واحد من كل ألف سلك إلى هذا المقام، ويحدث له مثل هذا الأمر، وهذا إن لم يكن لديه مرشد متمرس. فالحكم لا يشمل كل من قرر السلوك وحلق شاربه وقرأ في الخانقاه بعض الأشعار.

العارف يجب أن يكون مطيعًا للشريعة كغيره، والعارف الذي ليس مجتهدًا يجب أن يتبع المجتهد في الشريعة، حتى لو كان في التصوف متقدمًا ومتمكنًا.

إشارة: الوصول إلى الحق توفيق نادر

(جلّ جلال الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو مطلع عليه إلا واحدًا بعد واحد. ولذلك، ما يتضمنه هذا الفن هو ضحكة للمغفل وعبرة للمحصّل. فمن سمعه واشمأزّ عنه فليتّهم نفسه لعله لا يناسبه، وكل ميسّر لما خُلق له).

بابه عالي، لا يدخله كل عابر أو من عرفه إلا من خاص، فليس كل من قال «يا الله» يُجيب الحق «لبيك وسعديك». لذلك، الوصول قليل الحدوث، ولهذا الغربة عند العارفين، فإن ما يحويه التصوف يبدو للجاهل هزلاً، وللمتعمق فيه عبرة عظيمة.

فإذا لم يُعجبك ما سمعته في التصوف، فلا تلُم التصوف، بل لوم نفسك، فقد لا يكون مناسبًا لك. «وكل ميسّر لما خلق له» حقيقة، وكل إنسان خلق لشيء يناسبه، كما يُقال «الطير الذي يأكل التين منقاره معوج».

شرح الخواجة:

«أقول: الشريعة موضع ورود الشراب، والاشمئزاز منه يعني قبض الخائف. والمقصود قلة عدد الواصلين إلى الحق، وسبب إنكار الجمهور للفن المذكور هو جهلهم به، فالناس أعداء لما جهلوا. وهذا النوع من الكمال لا يحصل بالاكتساب المحض، بل يحتاج إلى جوهر مناسب حسب الفطرة».

الاتصال بالغيب

النمط العاشر / الفصل الثالث / الاتصال بالغيب

  • تنبيه: الإخبار بالغيب

(وإذا بلغك أن عارفًا حدث عن الغيب فأصاب مقدّمًا بالبشرى أو النذير فصدق ولا يصعب عليك الإيمان به، فإن لهذا في مذهب الطبيعة أسبابًا معلومة.)

إذا سمعت أن عارفًا أخبر عن الغيب أو بشّر أو أنذر بما قد تحقق سابقًا، فلا يصعب عليك تصديقه، لأن ذلك في قوانين الطبيعة له أسباب معلومة، ويعد أمرًا طبيعيًا.

شرح خواجة نصير الدين الطوسي:

«أقول: هذه خاصية أخرى أسمى من الخصائص المذكورة، ادعاها في هذا الفصل، وسأبينها في ستة عشر فصلاً تالياً.»

بعد ذكر خاصيتي الامتناع عن الطعام والقدرة الخارقة للعارف، يشير الآن إلى خاصية أخرى وهي الإخبار بالغيب، التي هي أسمى وأشرف من الخاصيتين السابقتين، وسيتم تفصيلها خلال الفصول الستة عشر القادمة.

  • إشارة: المعرفة بالغيب في اليقظة

(التجربة والقياس متطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تبلغ من الغيب ما تبلغه في حالة المنام، فلا مانع من أن يقع مثل ذلك الإدراك في حال اليقظة إلا ما كان إلى زواله سبيل لارتفاع مانع. أما التجربة فالتسامع والتعارف يشهدان به، وليس أحد من الناس إلا وقد جرّب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق، إلا من كان فاسد المزاج نائم قوي التخيّل والذكر. وأما القياس فاستبصر فيه من التنبيهات.)

التجربة والقياس يتفقان على أن النفس الإنسانية يمكنها أن تدرك الغيب أثناء النوم، فلا مانع من حصول ذلك في اليقظة إلا إذا كان هناك مانع قابل للزوال مثل انشغال النفس بالمحسوسات. أما التجربة فالشهادتان عليها هما سماع الخبر من الآخرين والتعرف الذاتي، ولا يكاد يوجد إنسان لم يختبر ذلك بنفسه، إلا من كان مزاجه فاسدًا أو تخيله وضعيف الذاكرة.

شرح خواجة:

«أقول: يريد بيان المطلوب على وجه مقنع، فذكر أن الإنسان قد يطلع على الغيب في حالة النوم، فالاطلاع عليه في غير تلك الحالة ليس ببعيد، ولا مانع إلا مانع يمكن أن يزول كاشتغال المحسوسات. أما الاطلاع على الغيب في النوم فيدل عليه التجربة والقياس. التجربة تثبت بأمرين: أحدهما، باعتبار حصول الاطلاع المذكور للغير، وهو التسامع. والثاني، باعتبار حصوله للناظر نفسه، وهو التعارف. والمانع عن الاطلاع النومي هو فساد المزاج وقصور التخيّل والتذكّر، لتعليق ما يراه النائم في نفسه بالمتخيّلة، وفي حفظه وذكره بالمتذكّرة، وأنه مطابق للصور المتمثّلة في المبادئ التي ستزول موانعها المزاجية. وأما القياس فسيُبيّن في التنبيهات القادمة.»

  • تنبيه: دليل إمكان الاتصال بالغيب

(قد علمت فيما سلف أن الجزئيات منقوشة في العالم العقلي نقشًا على وجه كلي، ثم نبّهت لأن الأجرام السماوية لها نفوس ذوات إدراكات جزئية وإرادات جزئية تصدر عن رأي جزئي، ولا مانع لها من تصور لوازم الحركات الجزئية للكائنات عنها في العالم العنصري. ثم إن كان ما يلوّحه ضرب من النظر مستورًا إلا على الراسخين في الحكمة المتعالية، فهي ذات عقول مفارقة لها كالمبادئ نفوس ناطقة غير منطبعة في موادها، بل لها علاقة معها كما لنفوسنا مع أجسادنا، وتنال بذلك كمالًا مما صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك لتظاهر رأي جزئي وآخر كلي يجتمع له مما نبّهنا عليه أن للجزئيات في العالم العقلي نقشًا على هيئة كلية، وفي العالم النفسي نقشًا على هيئة جزئية شاعرة بالوقت أو النقشان معًا.)

علمت مما سبق أن الجزئيات في العالم الدنيوي منقوشة في العالم العقلي نقشًا كليًا، وأن الأجرام السماوية لها نفوس ذات إدراكات إرادات جزئية تصدر عن رأي جزئي، ولا تمنعها من تصور لوازم حركاتها الجزئية في العالم العنصري. وإذا كان هذا النظر من الأسرار المخفية إلا للمتعمقين في الحكمة المتعالية، فهي عقول مفارقة ذات نفوس ناطقة، ليست منطبعة في المواد، بل لها علاقة كما علاقة النفس بالجسد، وتنال بذلك كمالًا، مما يجعل للأجسام السماوية معنى زائدًا، لأن رأيًا جزئيًا ورأيًا كليًا يجتمعان، وهذا ما نبّهنا إليه: أن الجزئيات في العالم العقلي منقوشة على هيئة كلية، وفي العالم النفسي منقوشة على هيئة جزئية مدركة للزمن، أو قد تكون النقوش معًا.»

شرح وتفسير خواجة:

«أقول: القياس الدال على إمكان اطلاع الإنسان على الغيب حالتي نومه ويقظته مبني على مقدمتين: الأولى، أن صور الجزئيات الكائنة مرتسمة في المبادئ العليا قبل كونها، والثانية، أن للنفس الإنسانية أن ترتسم بما هو مرتسم فيها. الأولى ثبتت فيما مضى. والشيخ أعادها في هذا الفصل بقوله: “قد علمت فيما سلف أن الجزئيات منقوشة في العالم العلوي نقشًا على وجه كلي” إشارة إلى ارتسام الجزئيات على الوجه الكلي في العقول، وقوله: “قد نبّهت لأن الأجرام السماوية …” إشارة إلى وجود سماوية منطبعة في موادها، وكونها ذوات إدراكات جزئية هي مبادئ تحريكاتها، وإلى أن العلم بالعلّة والملزوم غير منفك عن العلم بالمعلول واللازم. كل ذلك يدل على جواز ارتسام الكائنات الجزئية كلها في النفوس الفلكية، إذ أن المعلول في نفوس العلو ينعكس، إلا إذا اقتضى أن تكون الكليات في شيء، والجزئيات في شيء آخر، وهو رأي المشائين.

ثم أشار بقوله: “ثم إن كان ما يلوّحه ضرب من النظر” إلى رأيه الخاص المخالف للمشائين، وهو إثبات نفوس ناطقة مدركة للكليات والجزئيات معًا للأفلاك، وهو قول بارتسامهما معًا في شيء واحد.

هذه قضية شرطية، ولفظة “كان” ناقصة، و”ما يلوّحه” اسمها، وما بعدها خبرها، وقوله: “صار للأجسام السماوية زيادة معنى في ذلك” تالي القضيّة، ومعناها أن ارتسام الجزئيات في المبادئ مع وجود نفوس ناطقة للأفلاك يكون أتمّ، لتظاهر رأيين عندها أحدهما كلي والآخر جزئي، قد يستلزمان النتيجة كما في الذهن الإنساني.

لفظة “مستور” تعني أن هذه المسألة سرية لا تظهر إلا للباحثين المتعمقين، وهي من الحكمة المتعالية نسبة إلى الحكمة البحثية الصرفة.

وأخيرًا، الشيخ بعد تذكار ما مر، أشار إلى ما اجتمع من ذلك بقوله: “ويجتمع لك مما نبّهنا عليه” إلى “شاعرة بالوقت” إلى الحاصل من رأي المشائين، وبقوله: “والنقشان معًا” إلى ما اقتضاه رأيه.

في بعض النسخ: “أو النقشان معًا” وهو الأظهر؛ أي في العالم النفسي إمّا نقش واحد على هيئته الجزئية أو النقشان معًا بحسب الرأي الثاني.»

وكذلك قول ابن سينا: «إن كان ما يلوحه ضربٌ من النظر» إلى قوله «لتظاهر رأي جزئي وآخر كلي»، يشير إلى وجهة نظره الخاصة التي تخالف رأي المشائين، وهي إثبات نفوس ناطقة تثبت العلم الكلي والجزئي للأفلاك. فالأفلاك لها نفس كلية ونفس جزئية، وبناءً عليه، للأفلاك سير كلي وسير جزئي، السير الجزئي متعلق بالنفس الجزئية، والسير الكلي متعلق بالنفس الناطقة الكلية. وهذه العبارة هي قضية شرطية، ولفظ «كان به» في قول الشيخ «ثم إن كان» ناقص، و«ما يلوحها» هو اسمها، وباقي عباراته حتى «كلاماً متعلقاً به» تابع للاسم، و«حقاً» خبر له. وقول الشيخ «صار للأجسام السماوية» هو زيادة في المعنى ونتيجة للقضية الشرطية التي تقول: إن نقش الجزئيات في المبادي العليا بناءً على هذا الرأي الذي يرى أن للأفلاك نفساً ناطقة يكون أكمل، فالعلم الأعلى أقوى، وذلك بسبب تظاهر رأيين في موضوع الأفلاك، إذ لها نفس كلية وأخرى جزئية، ومثل الإنسان الذي له علم جزئي وعلم كلي، وقد قيل عن العلم الجزئي: إنه لا كاسب ولا مكتسب، بينما العلم الكلي كاسب ومكتسب.

أما كلمة «مستور» في بعض النسخ فوردت مرفوعة، لتكون صفة لـ«ضرب من النظر»، أي «ضرب مستور»، وفي بعضها وردت منصوبة لتكون حالاً لضمير (ه) في «ما يلوحه»، والقراءة الثانية صحيحة لأنها الموصوف في «استتار» ذاته حكم بوجود نفوس ذكرها الشيخ في بعض مواضعها على أنها سر، وليست الموصوف استتار نظر يؤدي إليه حكم.

يعتبر الشيخ هذه المسألة (العلم الناطق الكلي) من الحكمة المتعالية، لأن الحكمة المشائية مجرد بحث، وهذه النقطة أن للأفلاك نفساً ناطقة هي إضافة تتجاوز مجرد البحث والنظر، فتتم بالكشف والذوق. إذن، ابن سينا يعتبِر نفسه من أهل الكشف والذوق، والحكمة التي تشمل الفحص والكشف والذوق متعالية مقارنة بالحكمة المشائية التقليدية التي هي مجرد بحث. فالحكمة المتعالية تأخذ البحث كأصل والذوق كمتمم له، خلاف الحكمة الإشراقية التي تضع الذوق أصلاً والبحث متمماً له، والمشائية تكتفي بالبحث معياراً لفهم الوجود ومراتبه، أما ما هو أبعد من كل هذه المعارف المدرسية فهو موضوع التصوف – وهو حضور العارف.

وفيما يلي، يشير خواجه إلى أن الشيخ حين قال: «ويجتمع لك مما…» حتى قوله «شاعرة بالوقت» كان يشير إلى رأي المشائين، وعندما قال: «والنقشان معاً إلى…» عبر عن وجهة نظره الخاصة.

لذا، إخبار الغيب ليس مستحيلاً، بل له مقتضى ويجب رفع المانع. النفس يجب أن تزيل كدرها، وتُصقل، وتصفو حتى لا تتنجس بلمسة، وتستطيع بالاتصال بعالم القدس أن تدرك الأمور الغيبية.

نقد ورأي الكاتب

الرأي الصحيح هو أن إمكانية الإخبار بالغيب تكون مبررة إذا كان عالم المجردات متفوقاً على عالم الناسوت، وعالم القدس له اعتبار علّي لعالم الناسوت، وإذا استطاع النفس أن تُصفى وتتصل بسكان ذلك العالم الذين لهم إشراف على هذا العالم، يمكنه حينها الاطلاع على خصائص غير الصورية لعالم الناسوت.

عبارات الشيخ مشوبة بالغموض، وخوّجه بذل جهداً كبيراً لاستخلاص المعنى منها، ولكن قول الشيخ فيه عدة مشاكل:

يرى الشيخ أن المعرفة بالغيب ممكنة عبر عالم الأجرام والأفلاك، فالأفلاك لها نفوس منطبعة ونفس ناطق، ولها اعتبار علّي لعالم الناسوت، وبناء عليه يمكن بالاتصال بها الإحاطة بما هو مغيب في عالم الناسوت.

في نقد هذا الرأي: عالم الأفلاك لا يمتلك نفساً، لا نفساً جزئية ولا نفساً كلية ناطقة. المشائين كانوا يرون الأفلاك لها نفوس جزئية منطبعة، والشيخ ناقش هذا في أربعة مواضع من كتابه لكنه لم يؤكد رأيه، بل هنا فقط يقول أن الأفلاك وفق الحكمة المتعالية لها نفس ناطقة، وهو رأي يفوق المشائين. لذا استدلال الشيخ يصبح غير مجدي إذا أنكر وجود نفس للأفلاك.

أيضاً، ابن سينا يعتبر العلم إدراكاً كلياً، وقد نُقِد هذا في مكان آخر. ابن سينا يعتبر علم الحق تعالى وعلم المبادي العليا للوجود كلياً، لأن العلم الجزئي يؤدي إلى تغير في العلم وذات الحق تعالى، وهذا غير ممكن لأن علم الحق تعالى ثابت، إذن الحق تعالى ليس لديه علم جزئي بالأشياء، وعلمه حصولي وكلي. والقرآن الكريم يقول: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها)[102] أي نفس ثبوت العلم هناك، لكن ابن سينا بحسب مبناه يجب أن يقول: «إلا يعلمها على نحو كلي لا جزئي»، بينما نقول: «لا تسقط ورقة إلا يعلمها على نحو جزئي» والله تعالى لديه علم جزئي قبل وبعد وأثناء السقوط.

كل الوجود هو وعاء علم الحق، وكل جزئية من العلم هي عين علم الحق. والله لديه علم بجميع هذه الحالات.

من جهة أخرى، العلم الحاضر هو وجودي وحقيقي، والعلم الحصولي لا وجود خارجي له، والأفلاك أجسام لا تملك نفساً ولا علماً بالناسوت. هناك مجردات تعلم الناسوت، لكنها ليست أفلاكاً. بمعنى آخر، العلم الحاضر يتطلب وجود، ولكن يجب إزالة المانع ليُمكن الاطلاع على المغيبات.

كذلك، المعلوم والعلم مرتبطان، ولا يمكن الحصول على علم كلي من معلوم جزئي. ملا صدرا في الأسفار وجه انتقادات عدة لابن سينا في هذا الشأن.

أيضاً، الشيخ اعتبر التجربة والقياس دليلين مستقلين على رأيه، بينما التجربة ليست برهاناً إلا إذا اقترنت بالقياس، إذ القياس وحده لا يُثبت العلم.

كلام خواجه فيه بعض المشكلات، حيث قال: «أما اطلاع على الغيب في النوم فيدل عليه التجربة والقياس»، والصحيح: إما أن نأخذ «في النوم» ونقول: «أما اطلاعه على الغيب في النوم فيدل عليه التجربة»، لأن القياس لا يمكن أن يثبت موضوعاً خاصاً وجزئياً كالنوم، بل التجربة هي التي تثبت ذلك.

نقد آخر على رأي الشيخ هو أن العارف يتصل بعالم القدس، وليس أن يتصور عالم الغيب في نفسه ويرسم عليه، لأن عالم القدس لا يوجد فيه نقش أو صورة، وبيان ابن سينا يتعلق بعالم المثال فقط، لأن الانتقاش لا يتجاوز المثال.

وجود المقتضي والاستعداد وزوال المانع – وهما عاملان يؤهلان الاتصال – يعتمدان على السالك وليس على الغاية، لأن في العالم الأعلى يوجد المقتضي والفعلي للكمال، وبوجود الاستعداد ورفع المانع يصل النفس إلى الفعلي. لذلك يقول: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)[103]، أي تمسك بالعبودية حتى يأتيك اليقين، والعبودية تمهد للإتيان باليقين. بناءً عليه، الشرطان اللذان ذكرهما الشيخ (الاستعداد ورفع المانع) هما من جانب الفاعل ـ السالك ـ وليس من جانب الغاية وعالم القدس حيث يوجد المقتضي والفعلي للكمال.

هنا يجب أن نأخذ في الحسبان أمرين: أولاً، الاستعدادات مختلفة، فمن لا يملك استعداداً للاتصال بالغيب مهما اجتهد لن يصل، لذا في المرحلة الأولى يجب توفر استعداد وتهيئة، وثانياً، في المرحلة التالية يجب رفع المانع، سواء كان نفسياً، أو طريقياً، أو من عدم وجود مرشد، وهكذا.

بوجود الاستعداد ورفع المانع، لا توجد مشكلة في الوصول، وقد قلنا في باب الأسماء الحسنى: يجب على كل إنسان أن يراجع نفسه، ويقيّم استعداداته وموانعه، ليدرك لماذا صلّى خمسين سنة ولم يرَ الله أو النبي أو الملكوت، بل ضاع في نفسه! هذا يدل على وجود مشكلة يجب معرفتها وحلها.

في ختام هذا البحث، ينبغي التنويه إلى أن النفس يجب أن تكون طاهرة نقية حتى تستطيع الاتصال بالعالم القدسي، والمهم أن النفس لا تُنجس من أثر صدمة أو تلونٍ بسيط.

وللأسف، أكثر الذين يطلبون السلوك والمعرفة إذا تعرضوا لأي تلون أو ضربة ينحرفون ويُنجسون أنفسهم. فإذا أبدى مجنون غلظةً لأهل السلوك، وردّ عليه أحدهم بغيظٍ وانزعاج، فهو أيضًا مجنون، وهذا هو التلون والنجاسة، والذي لا يُفضي بصاحبه إلى أي مقصد.

المعرفة وفهم أسباب الجذب والدفع أعظم وأثقل من مجرد امتلاكها. من يقول: “أنا إنسان مطمئن لا أتأثر إن ضربني أحدهم بالحجارة”، فهو إنسان مهمَل. المهم أن يعرف الإنسان أين لا ينبغي أن يتلقى ضربة، وأين يجب أن يتذوق مرارة الصفعة ومرار كأس السم، وهذا الفهم ليس يسيرًا على الجميع، ولهذا السبب المعرفة أعلى منزلةً من العمل.

ترك المعاصي أمرٌ جيد ومهم، لكن معرفة المعصية أشد أهمية. يجب أولًا أن يُعرف ما هي المعصية وما ليست بمعصية، فتمييز هذا أمر بالغ الأهمية. كون الإنسان صالحًا مهم، لكن الفهم الصالح أهم كثيرًا. لهذا السبب، يذهب جميع أهل الحكمة والمعرفة إلى أن المعرفة لا تقارن بالعمل.

الأولياء المعصومون كانوا على هذا النهج. أمير المؤمنين عليه السلام في مواضع ينحني كي يمر من خلفه، وفي مواضع أخرى لا يستطيع أحد مخاطبته، وفي بعض الأحيان كان لسانه أشد من ذوالفقار.

إشارة: شروط الوصول إلى العالم الغيب

(ولنفسك أن تنتقش بنقش ذلك العالم بحسب الاستعداد وزوال الحائل، وقد علمت ذلك فلا تستنكِرَنّ أن يكون بعض الغيب ينتقش فيها من عالمه، ولأزيدنك استبصاراً).

قدّم الشيخ في السابق برهانين لإثبات إمكان الإخبار عن الغيب: أحدهما شواهد طبيعية كالنوم والرؤيا، والآخر اتصال النفس بنقاء وتجرد بعالم أعلى، وهو مقتضى قاعدة «تعرّف الأشياء بأسبابها».

للنفس الإنسانية قوى متضادة ومتفاوتة، وكلما تقوّت ناحية منها، ضعف جانب آخر قهرًا. ومن أراد أن يحيط بالغيب علمًا، فلا بد أن يزهد في الجهل وكثرة تعلقه بالماديات والظاهر، وكلما أزال هذه الحواجز والاستقرارات، اقترب من الباطن. وكذلك كلما توجه إلى الباطن، تخلّى عن الظاهر. ومن قلائل من يبلغون مقام الجمع بين هذه القوى المتضادة، فيجمعونها في ذات واحدة في مقامٍ متوحد، يصعدون في لحظة وينزلون في أخرى، وفي كل لحظة منشغلون بشيء. هؤلاء هم المحبوبون الذين يفيض الله عليهم، فإذا وطئت أقدامهم مكانًا، تنزل عليهم الفعالية والوجود، ولا يتكبدون المشاق الكبيرة.

الإخبار بالغيب من أولياء الله ليس مستحيلًا، بل ممكنٌ، ولكنه لا يتيسر للجميع إلا بتحقيق شرطين: وجود مهيّئ ورفع مانع، وهذا ما يبينه السلوك في المنازل، وسيأتي التفصيل في الفصول القادمة.

تنبيه: تعامل النفس وتنازع القوى فيها

(القوى النفسية متجاذبة متنازعة؛ فإذا هاج الغضب شغل النفس عن الشهوة، وبالعكس، وإذا تجرد الحس الباطن لعمله لقلّة اشتغال عن الحس الظاهر، فيكاد لا يسمع ولا يرى، وبالعكس.

وإذا انجذب الحس الباطن إلى الحس الظاهر أمال العقل آلته، فانبثق دون حركته الفكرية التي تفتقر كثيرًا إلى آلته. عرض أيضًا شيء آخر، وهو أن النفس أيضًا تنجذب إلى جهة الحركة القوية، فتتخلّى عن أفعالها التي لها بالاستبداد، وإذا استمكنت النفس من ضبط الحس الباطن تحت تصرفها خارت الحواس الظاهرة، ولم يتأد عنها إلى النفس ما يعتد به).

القوى النفسية تتنازع وتتنافر، فعندما ينشأ الغضب، يبتعد النفس عن الشهوة، والعكس صحيح. وعندما يتجرد الحس الباطن بفعل باطني، يكاد الإنسان لا يسمع ولا يرى، حيث يقل انشغال الحس الظاهر، والعكس صحيح.

توجه النفس للحس الظاهر يؤدي إلى انجذاب العقل وأداته الفكر نحو الظاهر، فتتوقف حركة الفكر اللازمة للفهم الصحيح. كذلك النفس تنجذب إلى حركة أقوى، فتترك أفعالها الخاصة كالاستدلال والتفكر، وعندما تستولي النفس على الحس الباطن تحت سيطرتها تضعف الحواس الظاهرة وتفقد تأثيرها الحقيقي على النفس.

نقد الكاتب على قول الشيخ

قال ابن سينا: «إذا تحرك الغضب ابتعد النفس عن الشهوة والعكس صحيح»، لكن هذا القول ليس عامًا، بل ينطبق على الناس العاديين. فبعض النفوس القوية قد تتزامن فيها الشهوة والغضب، كما في بعض حالات السادية أو أشكال معينة من التوتر النفسي.

الغضب والشهوة يختلفان؛ فالشهوت عادة أثقل وأكثر رطوبة، والغضب سريع ومتفجر كالبنزين. وفي علم النفس الحديث دراسات عديدة حول هذا التداخل النفسي المعقد.

ChatGPT said:

البشرُ يتغير مزاجُهم بسرعة، ومن يأكل كثيرًا ولا يشبع، لا يستطيعُ حتى في أقلّ مرضٍ أن يأكل أقلَّ وألذَّ طعامٍ. ومن كان قويًّا، إذا خاف، يبهتُ وجهُه كأنّه ميتٌ، ويصيرُ لا يرغبُ في أيِّ نوعٍ من الطعام. وصدقُ هذه الأعراض وتكرارُها يدلُّ على أن الامتناعَ عن الطعام في حالاتِ اضطراب نفسيّ غيرُ مستبعدٍ بل ممكنٌ، وقد حدثَ بالفعل. وهذا ما بيّنه الشيخُ لإزالة الاستغرابِ عن المسألة، وشرح سببِها وطريقةَ حدوثِها.

ولو قيل: مع أنّ المريضَ لا يأكلُ المأكولاتِ المحببة، إلّا أنه يأكلُ غيرَ المحبّبة، ويتلفّ نفسهُ بالحزنِ والغمّ، بينما السالكُ لا يستفيدُ من غيرِ المحبوب، بناءً عليه لا يمكنُ استنتاجُ قدرة العارفِ على الامتناعِ من قدرة المريض، فالجوابُ: لا نقصدُ من الامتناعِ أن العارفَ لا يأكلُ، ولا نسألُ عن بدائل الطعام، بل نبحثُ في إمكانية الانقطاعِ عن الطعامِ. وسيُقالُ إن السالكَ يتغذى بالحبّ، والصفاء، والتجردِ، والقوةِ الروحية.

ـ تنبيه: تفاعل النفس والجسد

أليسَ قد ظهر لك أن الحالات النفسية التي تصيب النفسَ تؤثرُ على القوى الجسمانية، كما أن القوى الجسمانية تتأثرُ بالحالات التي تصيبها، فكأنها ترتبطُ وتتفاعلُ مع النفس؟ كيف لا، وأنت تعلم ما يحدثُ للحواسِّ من ضعف الشهوة، وفساد الهضم، والعجز عن أداء الأفعال الطبيعية عند الخوف؟

النفس والجسد متصلان اتصالًا وثيقًا، فإذا أصاب الجسدُ ضررٌ أثّرَ في النفس، وإذا أثرت النفسُ تغيرًا، أثّرَ ذلك في الجسد. كمثلِ الذي يخجلُ فيتغيرُ حالُه ويظهر ذلك في لونه ووجهه. وأكلُ المال الحرام يجعل النفس خبيثةً وشقيةً وقذرةً، وأكلُ الحلال ينقي النفسَ ويطهّرها.

شرح خواجه:

أقول: نبّه في هذا الفصل على الامتناع عن الطعام بسبب اضطرابات نفسية، وأشار بقوله «أليس قد بان لك» إلى ما ذكره في النمط الثالث، وهو أنّ كلًّا من النفس والجسد يتأثران بالحالات التي تصيبهما.

ابن سينا في الإشارة الثانية للنمط الثالث شرح أنّ النفس والجسد يتفاعلان تأثيرًا متبادلاً، فحالة الخوف تسبب ضعف الشهية واضطراب الهضم.

كما قلنا، الظاهرُ والباطنُ يعبّران عن بعضهما، فمن كانت نفسه طاهرة، ظهر ذلك في سلوكه وجسده.

ـ إشارة: توجّه العارف إلى العالم القدسي

إذا هدأت النفس المطمئنة قوى الجسد، فإنّ هذه القوى تنجذب خلف النفس في احتياجاتها التي تنشغل بها سواء احتاجتها أم لا، وإذا زاد الانجذاب، زاد الانشغال عن القوى التي يعتمد عليها، فتتوقف الأفعال الطبيعية كالهضم والشهوة، ولا يحدث التحلل إلا بدرجة أقل مما يحدث في المرض.

فالعارف لديه انشغال طبيعة عن المادة، إضافة إلى فقدان التحلل الطبيعي كما في سوء المزاج الحار، وغياب المرض المضاد للقوة، كما أن الجسد ساكن في حركاته، وهذا أمرٌ محمود. فالعارف أولى بالحفاظ على قواه، وما يُقال عن امتناع العارف عن الطعام ليس مخالفًا للطبيعة.

حينما تهذب النفس القوى الجسمانية وترغمها على الاتباع، تتبعها القوى في الأمور التي تتجه النفس إليها، فتزداد السيطرة على القوى، ويتوقف عمل قوى النفس النباتية والمادية، ولا يتم هضم الطعام سوى كمية قليلة غير محببة تدخل الجسد، وهذا لا يشبه المرض الذي يصاحبه حرارة وحاجة ماسة للطعام لتعويض الجسم.

فالعارف لا يواجه مثل هذه الأعراض المرضية ولا يحتاج إلى التعويض. فالعارف هو الذي يستطيع الامتناع عن الطعام مدة طويلة وهو أقوى من غيره.

شرح وتفسير خواجه:

أقول: السبب في كون العرفان مقتضيًا للامتناع عن الطعام هو توجّه النفس كليةً إلى العالم القدسي، وهذا يستلزم تشييع القوى الجسمانية لها، مما يؤدي إلى تركها أفعالها التي تشمل الهضم والشهوة والتغذية وما يتعلّق بها.

وقد قارن ابن سينا بين الامتناع العرفاني والامتناع المرضي، ولم يقارن بين الامتناع العرفاني والامتناع الناتج عن الخوف؛ لأنّ الخوف والعرفان حالات نفسيّة، والاعتراف بأن أحدهما يقتضي الامتناع يعني جواز كون الحالات النفسيّة سببًا له، أما المرض فهو حالة مادية تختلف عنهما، إذ يتعلّق بوجود مادة تتصرّف فيها القوّة الغذائية.

وبيّن الشيخ أن الامتناع العرفاني أولى من الامتناع المرضي؛ لأن المرض في بعض الصور يقتضي الحاجة للطعام لأمرين: الأول متعلق بالمادة الجسدية وهو تحليل الرطوبات البدنية بسبب الحرارة السلبية المسماة بسوء المزاج، إذ تكون الحاجة للطعام لسد بدل هذه الرطوبات، وكلّما زاد التحليل زادت الحاجة، والثاني متعلق بالصورة وهو ضعف القوى البدنية بسبب المرض الذي يعارضها، فيتطلب الحفاظ على الرطوبات للحفاظ على هذه القوى، وكلّما ضعفت القوى زادت الحاجة للطعام.

وأمّا العرفان فيتميز بأمر ثالث، وهو السكون البدني الناتج عن ترك القوى البدنية لأفعالها عند متابعة النفس، وهذا السكون والهدوء هو نقيض الحركة الدائمة في المرض.

لذا فالعارف قادر على الامتناع عن الطعام لفترة طويلة لا يستطيع غيره العيش خلالها بدون طعام.

الفصل الثاني: الاقتدار النفسي

النمط العاشر / الفصل الثاني / الاقتدار النفسي

إشارة: الأعمال الخارقة للطبيعة

إذا سمعتَ أن عارفًا أظهر قوةً أو حركةً أو فعلًا يفوق طاقة غيره، فلا ترفض ذلك تمامًا، فقد تجد له سببًا في قوانين الطبيعة.

إن رأيت عارفًا يقوم بأعمال خارقة للطبيعة لا تدخل في القدرة المادية العادية، ككسر حصون أو أشياء ثقيلة، فلا تستنكر، فهذه الأفعال يمكن تفسيرها بقوى طبيعية غير ظاهرة. مثلاً، رفع حصانٍ مع راكبه، أو شق خرطوم فيل بضربة يد، أفعال غير عادية لكنها من القوة العضلية والمهارة.

أما حركاتٌ كإيقاف قطار بقوة النظر أو تحريك أشياء دون لمسها فهي ليست قوة مادية، بل قوة نفسية روحية.

فالذي يحطم عدة أحجار بضربة يد يعتمد على السرعة والقوة العضلية، وهذا لا علاقة له بالعرفان، لكن إذا حطّمها بنظرة فقط فهذا من قوة نفسية.

الإنسان قادر على أداء هذه الأعمال بقوته النفسية، وهذه القوة ليست ضد الطبيعة، رغم أنها ليست قوة مادية أو مادية مباشرة. وقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «ما قلعتها بقوة جسدية بل بقوة روحية».

وقد يحصل أحيانًا أن تصاحب القوة النفسية قوة مادية، وأحيانًا تكون القوة النفسية وحدها هي التي تقوم بالعمل، وهذا يفسر كيف يستطيع العارف فعل أمور خارقة مادية غير ممكنة للجسد فقط.

كما أن قوة النفس لدى المرتاض والعارف متشابهة، فكلاهما يترك المادة ويتقوى النفس، لكن الفرق أن المرتاض لا يبتغي الحق بينما العارف يطلبه. والمشعوذ أيضاً يملك قوة نفسية، ولكنها ظلمة شيطانية، بينما المعجزة نورانية إلهية.

شرح خواجه الطوسي:

أقول: هذه خاصية أخرى للعارف يدّعي إمكانها الشيخ في هذا الفصل، وسيأتي شرحها في فصل لاحق.

الخاصية الأولى كانت الامتناع عن الطعام، والخاصية الثانية هي القدرة الواسعة للعارف واقتداره النفسي، والذي يبرزه الشيخ ويدعي إمكانية تحقيقه، ويشرح كيف يمكن بلوغه في الفصل القادم (تنبيه).

تنبيه: تفاعل النفس والجسد (متابعة)

قد يكون للإنسان، وهو في حالة اعتدال، حدٌّ محدد لما يمكنه أن يتحكم فيه ويحرّكه من قواه، ثم تتعرض له حالات نفسية تنقص قوته عن هذا الحد حتى يعجز عن أداء حتى عُشر ما كان يؤديه، كما يحدث عند الخوف أو الحزن.

أو تتضاعف قوته حتى يستقل بها بشكل أكبر كما يحدث في الغضب أو المنافسة، وكذلك في الفرح المعتدل والسرور.

لذا لا عجب إن أصابت العارف اهتزازاتٍ كاهتزاز الفرح، فتصير القوى التي لديه لها سلطان أو تغشيه كبغيض المنافسة، فتشتغل قواه بحماسة، وهذا أعظم وأكبر مما يكون في حالات الفرح أو الغضب.

وهذا الأمر صريح في الحق ومبدأ القوى وأصل الرحمة.

تنبيه: الحسّ المشترك ورؤية الصورة

(الحسّ المشترك هو لوح النقش الذي إذا تمكن منه صار النقش في حكم المشاهد، وربما زال الناقش الحسي عن الحسّ، بقيت صورته وهيأته في الحسّ المشترك، فبقي في حكم المشاهد دون المتوهّم. وليحضر ذِكرُكَ ما قيل لك في أمر القطر النازل خطاً مستقيمًا وانتقاش النقطة الجوّالة محيط دائرة، فإذا تمثّلت الصورة في لوح الحسّ المشترك صارت مشاهدة، سواء كان في ابتدائي حال ارتسامها فيه من المحسوس الخارج، أو بقائها مع بقاء المحسوس، أو ثباتها بعد زوال المحسوس، أو وقوعها فيه لا من قبل المحسوس إن أمكن).

البحث في إثبات الأخبار عن الغيب، وفي هذا السياق، يستدل الشيخ بالحسّ المشترك ليُثبت إمكانية رؤية ما لا يُرى بالعين المجردة بواسطة حسّ باطني.

في الفصل التاسع من النمط الثالث، حيث أثبت القُوى الإنسانية، ذكر الشيخ الحسّ المشترك (البنتاسيا) وقال: الإنسان يمتلك قوّة الخيال، قوّة الواهمة، وقوّة الذاكرة، بالإضافة إلى الحسّ المشترك. الحسّ المشترك هو مركز الصور التي تُستقبل فيه وتُرى بالعين. على سبيل المثال، عندما تُدوَّر النارُ الدوارة، تُرى بشكل دائرة، أو حين يسقط قطرة المطر تبدو خطاً مستقيماً، رغم أن كل منهما في كل لحظة يشغل مكاناً محدداً؛ فالقطرة نقطة واحدة فقط. ومن هذين المثالين يتبيّن وجود الحسّ المشترك، لأنّ رؤية قطرة المطر تتم عبر نقل صورتها إلى الحسّ المشترك، حيث يظهر التحرك من موضع إلى آخر في مكان واحد، وهكذا تُرى النقطة كخط والنار كدائرة. العين لا تستطيع رؤية أكثر من نقطة واحدة في كل لحظة، فالرؤية الدائرية للنار ليست من عمل العين، بل هي انتقال من نقطة العين إلى الحسّ المشترك والنفس، والنفس أو الحسّ المشترك يربط هذه الحالات المتعددة فتُرى الدائرة أو الخط. من هذا يستفاد أن الرؤية ممكنة بواسطة ما هو غير العين، وأنه يمكن رؤية أشياء لا تراها العين.

تصوير الحسّ المشترك يعتمد على عاملين: أحدهما خارجي، كما سبق، والآخر داخلي، وهو الاضطرابات النفسية لبعض المرضى الذين يرون أشياءً لا يمكن القول بأنها غير موجودة أو موجودة بشكل عام. هذه الاضطرابات النفسية تؤدي إلى تشكّل صور في الحسّ المشترك وتصورها ورؤيتها.

قال الشيخ: الحسّ المشترك هو وعاء الصورة، وعندما يتمكن من الصورة يجعلها في حكم المشاهدة ويفعلها، حتى لو كانت العين مغلقة. فمثلاً، أحياناً تنظر إلى بيت مفتوح العين، وأحياناً تغلق عينيك وترى البيت الذي رأيته سابقاً؛ وهذه الرؤية بدون العين تتم عبر الحسّ المشترك.

هذه الصورة ليست توهماً أو خيالاً، بل مشاهدة، ولكن مشاهدة لا تتم بالعين، والحسّ المشترك هو ما يدل على هذه الصورة.

الدليل على وجود الحسّ المشترك هو أن قوّة الواهمة والخيال هي قوّة صورة، والوهم صورة جزئية ومعنى، والخيال تمثّل وصورة. الحسّ المشترك يحتفظ بهذه الصور والمعاني الجزئية، والذاكرة تدعمها، والحسّ المشترك هو موضع الصورة التي تحفظها الذاكرة. وبما أن قوة واحدة لا تستطيع وحدها القيام بكل هذه الوظائف، ينشأ السؤال: هل هي قوة واحدة ذات جهات متعددة، أم أن هناك قوى متعددة في الإنسان، لكل قوة عملها؟ في النمط الثالث ذكرنا أن للإنسان قوى متعددة، كلها متحدّة بالنفس، التي لها قوى متعددة بحسب المراتب والخصائص.

في الفصل التاسع من النمط الثالث، قال الشيخ كيف أن قطرة المطر تبدو خطاً مستقيماً، وكيف أن النار الدوارة تبدو دائرية أثناء دورانها، وأن ذلك يحدث في الحسّ المشترك.

شرح المحقق الطوسي

هذه مقدمة أخرى، وهي تذكير بما تَقَرَّر فيما مرّ من فعل الحسّ المشترك، وهو أن المرتسم فيه يكون مشاهدًا مادام مرتسمًا فيه، وللارتسام سبب لا محالة إمّا من داخل أو من خارج. والذي يحدث مع حدوث السبب كحصول صورة القطر النازل في الخيال عند مشاهدته في مكانه الأول. ويبقى أحياناً مع بقاء السبب كبقاء صورته المنتقلة إلى مكانه الثاني، وأحياناً مع زوال السبب كبقاء صورته الكائنة في مكان الأول عند مشاهدته في مكانه الثاني. وهذه الأمور الثلاثة ظاهرة الوجود، فإن مشاهدة القطر النازل خطًا لا يتم إلا بها. أما الارتسام الذي يكون من سبب داخلي فمحتاج إلى دليل على وجوده كما سيأتي، ولذلك لم يجزم الشيخ بوجوده في هذا الفصل.

هذا التنبيه مقدمة أخرى في بيان وصول الإنسان إلى الغيب، وكما سبق يشير إلى خاصية الحسّ المشترك.

أسباب ارتسام الصور في الحسّ المشترك منها:

  1. سبب داخلي يسبب ارتسام الصورة في الحسّ المشترك (وسيُذكر في الفصل التالي).
  2. سبب خارجي في بداية ارتسام الصورة في الحسّ المشترك، مثل قطرة المطر والنار الدوارة.
  3. سبب في بقاء الصورة الناتجة مع بقاء المحسوس الخارجي، مثل بقاء الصورة المنتقلة لمكانها الثاني.
  4. سبب في ثبات الصورة بعد زوال المحسوس الخارجي.

إشارة: سبب داخلي للارتسام الصور

قد يشاهد بعض المرضى وأصحاب الاضطرابات النفسية صوراً محسوسة ظاهرة لا نسبة لها إلى محسوس خارجي، فيكون ارتسامها من سبب داخلي أو مؤثر داخلي. والحسّ المشترك قد ينتقش أيضاً من الصور الجوّالة في معدن التخيل والوهم كما كان ينتقش في معدن التخيل والوهم من لوح الحسّ المشترك، وهذا يشبه انعكاس الصور بين المرايا المتقابلة.

المرضى النفسيون أو الذين لديهم اضطرابات عصبية يرون تخيلات دون وجود شيء خارجي، والسبب إذن داخلي وباطني. هذه الصور ليست مرتبطة مباشرة بالعين، بل تنتقل من الباطن إلى الحسّ المشترك عبر القوة المتخيلة. مثلاً، الخوف يؤثر في النفس، والنفس تؤثر في القوة الخيالية، فيتشكل شكل يخيل فيه أن شخصاً ما في الظلام أو يرى ميتاً. أحياناً الحسّ المشترك يعطي هذا الشكل للباطن والقوى الخيالية تراه دون تأثير خارجي.

لذلك يمكن إخراج هؤلاء المرضى من هذه الحالة بطريقتين: إما بإشغالهم بحاسة خارجية تمنع الحسّ المشترك من التركيز على تلك الصور، أو إشغال الحسّ الباطني بالفكر والوهم حتى يمنع الخيال من التأثير في الحسّ المشترك.

وبناءً على ذلك يجب القول: إن الأخبار من الغيب ممكنة؛ لأن الأخبار ليست محصورة في العين أو الحواس الظاهرة، والصورة الذهنية حقيقة محسوسة لا يراها الآخرون. لذلك العلم والإحاطة ليستا محصورتين بالرؤية أو المشاهدة الحسية فقط، وقد يرى الإنسان ما ليس موجوداً في الخارج.

شرح خواجه

يقول: أراد إقامة الدليل على وجود الارتسام الخيالي من السبب الداخلي، وتقريره أن الصور التي يشاهدها المرضى مثل الذين غلبت عليهم المرّة السوداء ليست معدومة؛ لأن المعدوم لا يشاهد، ولا موجودة في الخارج، وإلا لرآها غيرهم. فهي مرتسمة في قوة باطنية تسمى الحسّ المشترك، وارتسامها ليس بسبب الحواس الظاهرة، فهو إمّا من سبب داخلي، أي القوة المتخيلة التي تتصرف في خزائن الخيال، أو من سبب مؤثر في السبب الداخلي، وهو النفس التي تؤدي الصور عبر المتخيلة إلى الحسّ المشترك.

ثبُت أن الحسّ المشترك ينتقش من الصور الجوّالة في معدن التخيل والوهم، أي الصور المرتبطة بأفعال هاتين القوتين. المتخيلة إذا تصرفت فيها ارتسم ما يرتبط بتصرفها في الحسّ المشترك، كما كانت تنتقش من لوح الحسّ المشترك أيضاً في معدن التخيل والوهم، وهذا يشبه تعارض الصور في المرايا المتقابلة.

قائل الشرح يقول إن جواز رؤية ما ليس موجوداً في الخارج سفسطة، مخالف تماماً، لأن إنكار رؤية المرضى أيضاً سفسطة. والقوانين العقلية تكفي في التمييز بين النوعين.

الشيخ يريد دليلاً على وجود ارتسام خيالي داخلي، ويقول إن الصور التي يراها المرضى والمجنونين لا يمكن أن تكون زائفة أو معدومة، بل هي في قوة باطنية هي الحسّ المشترك، وهذه ليست نتيجة حواس ظاهرية بل سببها باطني.

يمكن للحسّ المشترك أن يرى صوراً في داخله دون أن يستقبل شيئاً من الخارج، لذلك الحسّ المشترك يأخذ صوراً متداولة ويتصرف فيها المتخيل، والمتخيل يُنتقش الصورة فيه بواسطة الحسّ المشترك، فالقوة المتخيلة فاعلة والحسّ المشترك هو الوعاء الذي تُنحت فيه الصور.

الجزء الأول: إشارةٌ: شواغل النفس

النوم يشغل الحَسّ الظاهر شغلاً ظاهرياً، وقد يشغل ذات النفس أيضاً في الأصل بما تنجذب إليه إلى جانب الطبيعة المسؤولة عن هضم الطعام المُتصرّف فيه، إذ تسعى للطَّرَد عن الحركات الأخرى انجذاباً، وقد دُلِلّ على ذلك. فإذا استبدّت أعمال النفس، شغلت الطبيعة عن أداء وظائفها، كما أشير إليه، فيكون من الصواب الطبيعي أن للنفس انجذاباً نحو مظاهرة الطبيعة، شاغلاً للنفس، مع أن النوم أشبه بالمرض منه بالصحة. وإذا كان الأمر كذلك، فالقوى المتخيّلة الباطنة تكون قوية السلطان، ويُعطل الحسّ المشترك، فتلويح النقوش المتخيّلة يتمُّ على هيئة مشاهدة، فتُرى في المنام أحوال في حكم المشاهدة.

الجزء الثاني: تفسير ابن سينا حول النوم وشغله للنفس

قال ابن سينا: النفس هي السلطة، وطالما النفس تمتلك السلطة، فإن قوة الخيال تكون ضعيفة طبيعياً. وإذا أصبحت قوة الخيال قوية، فذلك يدل على وجود مشكلة ما، حيث أن النفس استهلكت ذاتها في مكان آخر، فأصبحت ضعيفة، إما بسبب النوم أو امتلاء المعدة بكثرة الطعام، فتعاون النفس مع الطبيعة لهضم الطعام، أو بسبب المرض الذي يشغل النفس بمعالجة المرض، ولهذا السبب تكون القوة الخيالية ضعيفة رغم قوة النفس، وبضعف قوة الخيال، يصبح الحس المشترك تحت سيطرة النفس والعقل، لكن مع ضعف النفس، تسرق قوة الخيال الحس المشترك وتتصرف فيه بما لا وجود له في الخارج.

في هذه الإشارة، يذكر الشيخ بعض الشواغل للنفس، فيقول:

النوم هو أحد هذه الشواغل؛ حين يغفو الإنسان، يشغل النوم حواسه الظاهرة، وينصرف انتباهها عن الرؤية والسمع وغيرها، وينشغل الباطن، فتتقوى قوة الخيال ويستطيع أن يخلق صوراً في الحس المشترك.

النوم هو نوع من المرض، ونقيض اليقظة التي تمثل الصحة، والفرق بين النوم والمرض أن النوم مرض طبيعي يجب على كل إنسان أن يناله قدراً منه، أما المرض فليس كذلك. النوم مرض دائم طبيعياً، أما المرض فمرض مشروط.

النفس حين تواجه مشكلة، تلجأ إلى النوم أو العلاج لإصلاح طبيعتها، لذا النوم نقص عام، ولهذا وصف الله تعالى نفسه بقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم).

الجزء الثالث: العلاقة بين النفس والطبيعة أثناء النوم والأكل

من الشواغل الأخرى للنفس، شغلها الذاتي؛ حين تنشغل النفس بنفسها، تنصرف نحو الطبيعة. عندما تحتاج النفس إلى الطعام وتطلب مزاجه، يجب على الطبيعة أن تعمل على مزاج الطعام، ولهذا يجب أن تكون النفس في حالة فراغ لتساعد الطبيعة على هضم الطعام. مع هذا الفراغ، تقل سلطة النفس، وتزداد قدرة الخيال على التصرف في الحس المشترك، إذ حين ترى النفس نفسها ضعيفة، تتجه إلى الخيال.

لذا من الأفضل لمن يريد أن يجعل نفسه تحت سلطان العقل ألا يفرط في الأكل، فلا يُقال: “نأكل كثيراً ونعلم كثيراً”، لأن تقليل الأكل يُساعد على فهمٍ أكبر. كثرة الأكل لا تجلب العقل، بل تضعف النفس والإدراك، وتركيز الإنسان على الحواس والطعام والشهوات يضعف العقلانية. حتى المرضى لا يزدادون قوة إدراك بتقوية النفس بالأكل، وإنما تقوية النفس لا تعني بالضرورة تقوية الإدراك.

الجزء الرابع: المرض وشغل النفس

إذا أصاب الأعضاء الرئيسية مرض، انجذبت النفس إليه كله، وانشغلت به عن ضبطها لنفسها، فضعف أحد الضابطين، فلا عجب أن تظهر الصور المتخيلة في الحس المشترك فتكون علامة فتور أحد الضابطين.

هذا المرض في الأعضاء الأساسية، مثل العين أو القلب، نادر الحدوث، لكنه يعزز نشاط الخيال وتقويته، مما يؤدي إلى تلويح صور في الحس المشترك قد لا تكون لها واقع خارجي.

الجزء الخامس: تنبيه الشيخ عن قوة النفس وتأثيرها

يقول الشيخ: كلما كانت النفس أقوى، كان انفعالها عن المجاذبات أقل، وضبطها لكلا الجانبين أشد، وكلما كانت أضعف، كان الأمر بالعكس. كذلك، كلما كانت النفس قوية، كان شغلها بأمور تشغلها عن فعل آخر أقل، وكان الفضل من الفعل متاحاً أكثر.

إذا كانت النفس مرتاضة، كان تحفّظها عن مضادات الرياضة أقوى، فتزداد قدرتها على التحكم والسيطرة على نفسها في مناسباتها المختلفة.

لأنّ القوّة والضعف للنفس لهما درجات من الشدّة والضعف، فإنّ مراتب الأنفس تتفاوت بحسب هذه الشدّة والضعف التي لا نهاية لها.

ويقول الأستاذ خواجه في المتابعة: في بعض النسخ ورد بدل كلمة «محاكيات» كلمة «مجاذبات» وهي أفضل.

في حال كانت النسخة «محاكيات» يكون البيان كالآتي: إنّ القوّة المتخيّلة تتوجّه دائماً إلى الأشياء التي لها مناسبة معها مباشرةً، وأيضاً تتوجّه إلى الأشياء التي ليست مناسبة لها ذاتياً لكن بواسطة وسيط. أي إذا لم يكن هناك وسيط، فإنّ المتخيّلة تقوم بوظيفتها، وإذا وُجد وسيط فإنها تتبع الوسيط. وإنفعال النفس بما يُسمّى بالحكايات الخيالية يمنعها من أداء وظيفتها الخاصة التي هي التعقّل، ويحول دون تعقلها بسبب انشغالها بالخيال.

أما إذا كانت النسخة «مجاذبات» يكون البيان كالآتي: كلما كانت النفس أقوى، كان انفعالها بجاذبات مختلفة مثل الشهوتين والغضب والحواس الظاهرة والباطنة أقل، وكانت السيطرة والاقتدار على الجانبين (الظاهر والباطن) أو على الشهوتين والغضب أشد، وبالعكس كلما كانت النفس أضعف، ازدادت تلك الانفعالات. وكذلك كلما كانت النفس أقوى، قل انشغالها بالأمور التي تشتّتها، وتخصص حيزاً أكبر للجانب غير المشغول، خاصة إذا كانت النفس في حالة رياضة، لأنّ النفس بالرياضة تزداد قوة وتتجاوز الموانع التي تعارض الرياضة، ولا تنحرف عن مسارها المرغوب.

وبناءً على ما سبق، يتضح أنه عندما تمتلك النفس اقتداراً، تنخفض شواغلها، ولا تتخلّف عن أداء وظائفها. فالذين يقولون: «لدينا أعمال كثيرة» أي أنهم ضعفاء جداً، وإلا فالإنسان القوي يظهر حال «لا يشغله شأن عن شأن». فمن يقول: «لديّ أعمال كثيرة» يعني أنه منهك جداً، ومن يقول: «أدرس كثيراً» يعني أنه جاهل جداً، ومن يقول: «أصلي كثيراً» يعني أنه متخلّف وفقير، وإلا فالنفس القوية لا تحتاج إلى تلك المطالب والاقتضاءات. وقد ورد في الأخبار: «فمن يمت يرني» أي من مات يراني، أي ليس فقط أنا أراه، بل هو أيضاً يراني، وهذا حين تكون النفس قوية، إذ حين تكون النفس قوية يقل انفعالها وتقل أعمالها.

قال تعالى: (ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي الخلق للعبادة، ولكن في الظاهر العمل الوحيد الذي لا يتم هو العبادة، لأنّ أنفسنا ضعيفة فتتعلّق بكل شيء وتشتهي كل ما ترى، فيزداد المطلوب، أما إذا قوت النفس، فلا يبقى في قلبها إلا الحق تعالى، ولا تعشق شيئاً ولا تشتهي شيئاً، وتكون منشغلة بالعبادة، ولا يرضيها إلا ذلك. في الحقيقة، تبقى لها فقط القوى العقلية، أما النفس الضعيفة فترضى بأصغر وأدنى الأمور. مثلاً، بعض برامج التلفزيون رديئة جداً، لكن بسبب ضعف النفوس، يستمتعون بها.

النفس القوية تدرك كل شيء: «أشهد أنك تسمع كلامي وترد سلامي وتشهد مقامي». والزيارة التي نقوم بها عند الاقتراب من ضريح الأولياء المعصومين هي لزيادة التركيز، وإلا فالبُعد والقُرب لا يفرقان بالنسبة لهم. والتوصية بالزيارة من السطح أو تحت السماء لزيادة الانتباه، وإلا فالمسافة ليست مهمة بالنسبة لله أو للأولياء، وكما يقال: «في اليمنى قُدّامي».

نسأل الله تعالى أن يمنح الإنسان التوفيق لينتبه لأمور نفسه، وألا يُضيّع عمره في أعمال لا قيمة لها، وألا يكرر قول «لدي أعمال كثيرة»، بل يجب أن يعرف ما هو العمل الأساسي: (ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي العمل الأساسي هو العبادة، وما سوى ذلك يكون على قدر الضرورة. ومقصود «يعبدون» ليس فقط الصلاة، بل الأصل هو المعرفة.

ـ تنبيه: اتصال النفس بعالم الغيب

(وإذا قلّت الشواغل الحسية وبقيت شواغل أقلّ لم يبعد أن يكون للنفس فلتات تخلص عن شغل التخيّل إلى جانب القدس، فانتقش فيها نقش من الغيب، فساح إلى عالم التخيّل وانتقش في الحسّ المشترك، وهذا في حال النوم أو في حال مرض ما يشغل الحس ويضعف التخيّل، فإن التخيّل قد يضعفه المرض أو كثرة الحركة لتحليل الروح التي هي آلته، فيسرع إلى السكون والفراغ، فتنجذب النفس إلى الجانب الأعلى بسهولة.

فإذا طرأ على النفس نقش انزعج التخيّل إليه وتلقّاه أيضاً، وذلك إمّا لمنبّه من هذا الطارئ وحركة التخيّل بعد استراحته أو وهنه، فإنّه سريع الحركة إلى مثل هذا التنبّه، وإمّا لاستخدام النفس الناطقة له طبعاً، فإنّه معاون للنفس عند أمثال هذه السوانح، فإذا قبله التخيّل حال تزحزح الشواغل عنها انتقش في لوح الحسّ المشترك).

فعندما تكون الشواغل الحسية قليلة، وللنفس اقتدار، يمكنها أن تربط نفسها بعالم الغيب، لأنه عند انخفاض الشواغل تسيطر قوّة الخيال، وهنا تتاح الفرصة للاتصال بالغيب، فتستطيع النفس أن ترى صورة من الغيب، وعندما ترى شيئاً في عالم الغيب، تستقي صورة ومعنى لذلك في المتخيّل ثم ينتقل إلى الحس المشترك، فإذا كانت في النوم ترى رؤيا صالحة، وإذا كانت في المرض تتوقف الحواس وتضعف الخيال، لأن بعض الأمراض أو كثرة الحركة تضعف الخيال، كما لو أرادوا صرف شخص عن مادة، فيثيرون أمام عينيه حالات متعددة وسريعة حتى تتعب حواسه وتتحلل قواه، فتتوجه النفس فجأة إلى جهة أخرى. والروح تتعب بكثرة الحركة وتحلل، والنفس تتجه إلى حالة من السكون التي هي الغيب، وعندما تأخذ النفس من عالم الغيب شيئاً، يذهب الخيال نحو المعنى الذي أخذه النفس ليشكله، ويجسد المحبة مثلاً في صورة الحلاوة أو التمر أو العسل.

النتيجة:

إنّ الرؤية لا تقتصر على المحسوسات وما يُرى بالعين فقط، بل يمكن للنفس أن ترى ما هو غير محسوس أيضاً، وهذا الأمر ليس بمستحيل.

شرح وتوضيح خواجة:

أقول: إذا قلت الشواغل الحسيّة، أُتيح للنفس أن تجد فرصةً فجائية للاتصال بالعالم القدسي، فتتحرر من استعمال التخيّل المعتاد، فيرسم فيها شيءٌ من الغيب على وجه كلي، وينتقل أثر ذلك إلى التخيّل، فيتصوّر التخيّل في الحسّ المشترك صوراً جزئيةً مناسبةً لذلك المرتسم العقلي. وهذا لا يكون إلا في حالتين: إحداهما النوم الذي يشغل الحسّ الظاهر، والثانية المرض الذي يُضعف التخيّل، إذ يُوهن التخيّل إمّا بسبب المرض أو بسبب تحلّل آلته، وهي الروح المنصبّة في وسط الدماغ بسبب كثرة الحركة الفكرية. وعندما يضعف التخيّل، يسكن النفس عنه ويتفرّغ للاتصال بعالم القدس بسهولة.

إذا ورد على النفس من أمر غيبي منبّه، تحرّك التخيّل نحو ذلك بسبب أمرين: الأول يعود إلى التخيّل ذاته، إذ إذا استراح زال كلله، وكان الوارد أمرًا غريبًا، تنبّه له بسرعة، لكونه بطبعه سريع الانتباه للأمور الغريبة. والثاني يعود إلى النفس، حيث تستعمل التخيّل بطبعها في جميع حركاتها وأفعالها، فإذا قبل التخيّل ذلك، وكانت الشواغل متباعدة بسبب النوم أو المرض، انطبعت تلك الصورة في لوح الحسّ المشترك.

للنفس فرص فجائية لا تُحصى، خصوصاً للمتوسّطين في السلوك الروحي، الذين قد يجدون لحظات يقظة أو وعي فجائية أثناء النوم أو اليقظة، وهذه اللحظات تكون أوضح في اليقظة، وهي ليست من قبيل الخيال، بل من عالم أعلى.

عندما تقل الشواغل الحسية، تجد النفس فرصة لتبتعد عن الحسّ الظاهر والتخيّل، وتتصل فجأة بالعالم الأعلى، سواء بوعي أو بدون وعي. في هذه الحالة، لا يتدخل الخيال، ويُرسم في النفس معنى كلي من الغيب، إذ إن الغيب لا صورة له، ثم ينتقل هذا المعنى إلى التخيّل ليشكّل صورًا مناسبةً له في الحسّ المشترك، كما يحدث في المنام حين تُرى معانٍ تُفسّر.

هناك سببان يُعطّلان اقتدار التخيّل: أحدهما إرهاق الروح، والروح هي آلة التخيّل الموجودة في وسط الدماغ، والتي تضعف عندما تنشغل الفكرية بكثرة، وعندما يجهد التخيّل، يتحرر النفس منه ومن الحسّ، فتتصل بسهولة بالعالم القدسي وتسيطر عليه.

إذا دخل على النفس أمر غيبي، يشكّل التخيّل ذلك المعنى الروحي، إذ حين يتوجه النفس إلى الأعلى، يستريح التخيّل ويستمدّ قوة جديدة، فتزداد قدرته على تشكيل المعاني. لأن الأمر الغيبي ينبه النفس بسرعة ويجعلها واعية.

والسبب الثاني الذي يجعل التخيّل يشكل معاني العالم الأعلى هو أن النفس تستعمل التخيّل في جميع حركاتها وأفعالها، أي أنّ النفس تعطي التخيّل ما تأخذه من الأعلى ليشكّلها ويحوّلها إلى الحسّ المشترك.

إشارة: الخلسة

إذا كانت النفس قوية الجوهر وتستطيع السيطرة على الجوانب المتضادة، فقد تبلغ مرحلة تصل بها إلى اتصال لحظي بالعالم المعنوي، فتغمرها حالة الخلسة، فيظهر الأثر الغيبي ويتجلّى في التخيّل بوضوح، فيختطف التخيّل لوح الحسّ المشترك ويرسم ما انتقش فيه، خاصة إذا كانت النفس الناطقة ظاهرة له ولا تصرفه عنها، كما يحدث للتوهم عند المرضى والممرّين، وهذا أولى.

وعندما يحدث ذلك، يصبح الأثر محسوسًا بوضوح، مثل رؤية صورة أو سماع صوت، وربما يظهر مثال بديع الهيئة أو كلام منظّم، وربما يكون ذلك في أسمى حالات الزينة، أي في أعظم حالات الظهور، كما يُقال في بعض النسخ «في أجلى أحوال الزينة»، وهو ما يُعبّر عنه بمشاهدة وجه الله الكريم وسماع كلامه بلا واسطة.

الخلسة هي اتصال لحظي ومباشر بالعالم الغيبي سواء الأرضي أو الأعلى، حيث يغفل الإنسان عن نفسه وعن الظاهر وينفصل عنهما. والانتهاز يعني المبادرة السريعة، وفي الخلسة تُراعى لحظية الاتصال وسرعته.

عندما تسيطر النفس على قواها في مختلف الاتجاهات، يتحقق لها اتصال معنوي وتصل إلى لذة معنوية ونورانية، فتستطيع حفظ ذلك في ذاكرتها أو لا.

إذا تعاونت النفس الناطقة مع التخيّل ولم تتحول إلى جهة أخرى، فإن التخيّل يمكنه أن يُشكّل صورًا للمعاني الغيبية في الحسّ المشترك، كما يساعد التوهم في المرضى على خلق صور في الحسّ المشترك.

خاتمة:

يُستنتج أن الإنسان يمكن أن يصل إلى درجة اتصال بالعالم المعنوي والغيب، وينقل هذه المعاني إلى التخيّل ثم إلى الحسّ، وقد يصل إلى مشاهدة جمال الله وسماع كلامه بلا واسطة، وهذا الأمر ممكن وواقع، فلا يجب حصر الرؤية فيما يُدرك بالحواس فقط.

أهمية قوة المتخيِّلة في النفس

يُشير الشيخ في هذا التنبيه إلى أهمية قوة المتخيِّلة وخيال النفس، ويُبرز أن السرعة والجهد والحركة التي تتسم بها هذه القوة تجعلها ذات أهمية بالغة. فالمتخيِّلة تُخبر النفس بكل ما تراه من الأشياء، سواءً كانت مجردة أو مادية، وتصوّرها على هيئة ذاتها أو شبيهها أو ضدها، وأحيانًا على هيئة شيء آخر. وهي، كما يقال، تصنع من الجبل قشًّا، ومن القشّ جبلًا. وإذا ما كانت المتخيِّلة تحت سيطرة النفس ومنضبطة بأمرها، تزداد أهميتها وعظمتها، وإلا فهي تنشغل بالتجوال والتشتت.

ويقول المرحوم الشيخ: لو لم تكن المتخيِّلة على هذه الصفة، لما أمكن إدراك الوسط (القياس) والأمور التي تحلّ محله، ولما تيسرت استذكار الأمور المنسية وغيرها من المصالح.

وتتميز قوة المتخيِّلة بسرعة انتقالها، وهو ما يمكّننا من الوصول إلى نتائج كثيرة والتنقل من فكرة إلى أخرى واتخاذ القرار.

كما ذُكر، المتخيِّلة هي المرشد في انتقال الفكر. وفي عملية القياس يكون الانتقال عبر الوسط، وتقوم المتخيِّلة بدور توضيحي في إيجاد هذا الوسط وأمثاله من الاستقراءات والتمثيلات.

ومن فوائد قوة المتخيِّلة أنها تساعد في استرجاع ما نُسي، إذ يذكّرنا بعنصر معين عند رؤية شيء مرتبط به.

لكن المتخيِّلة تواجه خطرًا كبيرًا وهو انزلاقها نحو أقل الأمور، إذ تؤثر فيها الأحداث الصغيرة، ما لم تكن المتخيِّلة قوية والنفس مسيطرة عليها وتوجهها. أما إذا ضعف النفس عليها، فإنها تكون سريعة الانتقال ولا ثبات لها.

ويُذكر أن ضبط قوة المتخيِّلة يكون بطريقتين: إما أن تخضع لمراقبة النفس وطاعتها، أو أن تتجلى لها صورة جذابة تجذب النفس إليها حتى يتلهى بها وينصرف عن الجوانب الأخرى، فيُثبت قبول النفس لها وتتقوّى تمثلاتها.

وفي الحالتين، توجد قوتان تسيطران على الخيال وتمنعانه من التردد والانشغال، فيُضبط أثناء التصوير أو التخيّل.

تُخبر المتخيِّلة أحيانًا عن الهيئة الإدراكية، مثل تصوير الخيرات والفضائل بصور جميلة، والشرور والرذائل بأضدادها القبيحة، وأحيانًا عن الهيئة المزاجية، كتصوير غلبة الصفراء بالألوان الصفراء وغلبة السوداء بالسواد، إذ إن للألوان تأثيرًا على المزاج؛ فالألوان القاتمة مثل الأحمر الداكن تؤثر على الأعصاب وتسبب العصبية، والعكس صحيح للألوان الفاتحة التي تُسهم في البهجة والسرور.

شرح وتفسير خواجه

«محاكاة المتخيِّلة للهيئة الإدراكية كما في تصوير الخيرات والفضائل بصور جميلة، وتصوير الشرور والرذائل بأضدادها، ومحاكاة الهيئة المزاجية كما في تصوير غلبة الصفراء بالألوان الصفراء، وغلبة السوداء بالألوان السوداء. وقوله: “ما نستعين به في انتقالات الفكر مستنتجًا للحدود الوسطى” أو “مستليحًا للحدود الوسطى” نسختان، والأظهر الصحيح الأخير، لأن طلب الحدود الوسطى لا يسمى استنتاجًا، فالاستنتاج هو طلب النتيجة منها. وما يشبه الحدود الوسطى هو الجزء المستثنى في القياسات الاستثنائية، أو ما يشابه الأوسط في الاستقراءات والتمثيلات. والمصالح الأخرى التي ذكرها تتعلق بالعقل والفكر فيما يجب أو لا يجب فعله.»

خواص قوة المتخيِّلة

تُخبر المتخيِّلة بكل ما تواجهه أو يقترب منها، سواء أكان هيئة إدراكية أو فضائل وأفكار أو هيئة ومادة مزاجية. مثلاً، رؤية اللون الأحمر أو الأسود يؤثر في المزاج؛ لأن الخيال عند رؤيته ينقل التأثير إلى النفس، وهذا يفسر أثر الألوان على النشاط العصبي.

وكلمة «بالجملة» تشير إلى التشابه أو التضاد أو ما يناسب الشيء من أسباب وملازمات.

ولا تميل المتخيِّلة إلى شيء بدون سبب، وهذا السبب لا ندركه عادةً بشكل كامل.

تُصور المتخيِّلة أحيانًا الهيئة الإدراكية بصورة الخير والفضائل جميلة، أو تفسر النور بالشّادّة، أو تحوّل المحبة إلى صور من الحلاوة، وتصور الشرور بصورة القبح.

وأيضًا تُمثل الهيئة المزاجية، مثل غلبة الصفراء باللون الأصفر الباهت وغلبة السوداء بالسواد، لأن الألوان تؤثر في المزاج.

وأما قول ابن سينا: “ما مستعين به في…” فهناك نسختان: «مستنتجًا» و«مستليحًا»، والأصح «مستليحًا»، لأن طلب الحد الأوسط لا يسمى استنتاجًا.

ضبط المتخيِّلة

  • الضبط الأول: قوة النفس التي تعارض ما يؤثر عليها من خارج أو داخل، فإذا كانت النفس قوية، تمنع المتخيِّلة من التجول والانشغال.
  • الضبط الثاني: شدة ارتسام الصور في الخيال، التي تمنع الانشغال والتردد، كما يحدث في الحس عند رؤية حالة غريبة، ويظل أثرها في الذهن مدة.

حالات الآثار الروحانية

تشير الآثار الروحانية للنفس في حالتي النوم واليقظة إلى درجات مختلفة بحسب قوتها وضعفها:

  1. أثر ضعيف لا يحرك الخيال ولا يبقى له أثر.
  2. أثر متوسط يحرك الخيال لكنه غير ثابت في الذكر.
  3. أثر قوي جدًا يترك صورة واضحة في الخيال والذكر، لا تتشوش بالانتقالات.

هذه المراتب لا تخص الآثار الروحانية فقط، بل جميع الأفكار والخواطر التي تمر بالذهن، فمنها ما يثبت ومنها ما ينسى، وبعضها يمكن أن يعود إليه الإنسان بالتحليل، وبعضها لا.

تذنیب: الوحي، الإلهام والرؤيا

(فما كان من الأثر الذي فيه الكلام مضبوطًا في الذكر سواء في حال اليقظة أو النوم مضبوطًا ومستقرًا كان وحيًا أو إلهامًا صريحًا أو حلمًا لا يحتاج إلى تأويل أو تعبير. وما كان قد بطل هو وبقيت محاكياته وتواليه احتاج إلى أحدهما، وذلك يختلف بحسب الأشخاص والأوقات والعادات؛ فالوحي يحتاج إلى تأويل، والحلم إلى تعبير).

الأثر الذي يتواجد في الذهن سواء في حالة النوم أو اليقظة ومُحكم الحفظ، في غير الأنبياء يسمى “إلهامًا”، أما في الأنبياء فهو “وحي” خالص أو حلم واضح لا يحتاج إلى تعبير أو تأويل. النوم غير الرؤيا، بل النوم هو الإطار الذي تحتويه الرؤيا. ويسمى ما يُرى أثناء النوم “رؤيا”. أما إذا بطل ذلك الأثر وبقيت فقط حكاياته، فإنه يحتاج إلى تعبير، والتعبير يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والعادات. فالوحي يحتاج إلى تأويل، والرؤيا تحتاج إلى تعبير.

ويقول الكاتب: للإلهام والوحي والحلم خصائص روحية، وهناك أيضًا أحلام تثيرها الوساوس الشيطانية، والتي خصصت لها قواعدها وعلاماتها في كتاب مستقل للتعبير. وهذا الكتاب هو الأكثر تفصيلًا الذي تناول قواعد التعبير بأسلوب علمي.

شرح وتفسير الخواجه

“أقول: الصراح يعني الخالص. ويختلف التأويل والتعبير بحسب الأشخاص والأوقات والعادات؛ لأن الانتقال التخيلي لا يحتاج إلى تناسب حقيقي، وإنما يكفي فيه تناسب ظني أو وهمي. وهذا يختلف بالنسبة لكل شخص، ويختلف أيضًا بالنسبة لشخص واحد في وقتين أو بحسب عادتين. وباقي الفصل ظاهر، وبذلك يتم المقصود من الفصلين السابقين، ويتم الكلام في هذا المطلوب.”

إذا بقيت الآثار الغيبية والروحية محفوظة في الذهن، سواء في النوم أو اليقظة، فإن هذا الأثر الروحي – سواء كان إلهامًا أو وحيًا أو رؤيا – لا يحتاج إلى تأويل أو تعبير لأنه صريح وواضح. ولكن إذا بطل ذلك الأثر الغيبي وبقيت فقط حكاية عنه، فإنه يحتاج إلى تأويل أو تعبير، ويختلف التأويل والتعبير بحسب الأشخاص والأوقات والعادات؛ لأن انتقال الخيال لا يحتاج إلى تناسب حقيقي، بل يكفي فيه تناسب ظني أو وهمي، ويحدث بوساطة القليل. هذا الاختلاف يصدر بالنسبة لشخص واحد وفي أوقات أو عادات مختلفة.

الغرض من الفصلين الأخيرين هو أن النفس إذا أصبحت قوية يمكنها الاتصال بعالم المعنى، وليس صحيحًا أن الرؤية مقصورة على البصر أو المحسوسات، بل الرؤية تحدث أيضًا في عالم الأحلام والمرض وغير ذلك. والخلاصة أن الرؤية الغيبية تتحقق بقوة النفس.

إشارة: الاتصال بالغيب من خلال الأمور الطبيعية

(قد يستعين بعض الطبائع بأفعال معينة تسبب للحواس حيرة وللخيال توقفًا، فتتهيأ القوة المتلقية للغيب تلقائيًا، ويُوجَّه الوهم إلى غرض معين فيتخصص في قبوله. كمثل ما يؤثر في بعض الأتراك الذين إذا استنجدوا بكاهنهم في حالة خوف، يُصاب الكاهن بهياج شديد حتى يلهث ثم ينطق بما يخيله، والمستمعون يضبطون أقواله بدقة لتدبير الأمور بناءً عليها.

وكما يُشغل النظر في شيء شفاف يرتجف أمام العين أو في بقعة سوداء براقة وأشياء تترقرق وتثور، كلها تثير الحيرة في الحس وتحرك الخيال حركة مريبة وكأنها إجبار لا طبع، وفي حيرتهما تتحقق الفرصة للخلسة المذكورة. وأكثر ما يحدث ذلك في الأشخاص الذين يميلون إلى الدهشة ويقبلون الأحاديث المختلطة، كالجنين والأطفال. وربما ساعد على ذلك الإسهاب في الكلام المختلط والإيهام بحضور الجن وكل ما فيه حيرة ودهشة. وإذا اشتد اعتماد الوهم على هذا الطلب سرعان ما يحدث الاتصال، فتارة يكون لحظات غيب قوية، وأخرى يكون مشابهًا لكلام من جني أو صوت من غائب، وأحيانًا مع ظهور شيء بصري معادلة ليشاهد صورة الغيب.)

يقول الشيخ في هذه الإشارة والتنبيه التالي لإثبات الغيب وإمكانية الوصول إليه: إنه يستند إلى نماذج طبيعية وتجريبية، حيث يحدث لبعض الأشخاص اختلال في الحواس والخيال نتيجة حالات وحركات معينة، فتضعف حواسهم ويقعون في حيرة، ويصبحون قادرين على الاتصال بالعالم الغيبي والمعنوي وإبلاغه. وهذه الظواهر تجريبية، فإذا اختبرها الإنسان بنفسه، فإنها تمنحه يقينًا عقليًا ومنطقيًا، وإن كانت في أصلها ظنية وليست قطعية.

مثال على ذلك: سرعة الحركة أو الظلمة التي تُربك العين وتسبب له أن يستطلع الغيب ويخبر عنه. ومن يكفر بهذا الاختصار، يكفر أيضًا بالتفصيل، لذا لا حاجة إلى المزيد من النقاش.

ويقول الشيخ: أحيانًا يستعين بعض الطبائع والأشخاص بأفعال خاصة تضعف الحواس وتحيرها، فتحدث توقفًا في الخيال، ومن ثم يمكنهم الانفصال عن الظاهر والاتصال بالباطن، وتتهيأ قوتهم العقلية لاستقبال أخبار الغيب، لأن الحواس والخيال، التي تعيق الاتصال بالغيب، تكون مشغولة ومتعبة، فتضعف وتتفرغ كما في عالم النوم وترتبط بالعالم الأعلى.

بشكل عام، كلما أراد الإنسان الاتصال بالغيب والباطن والمعنى، يجب عليه أن يضعف حواسه الظاهرة ويُرهق حسه وخياله حتى لا يكونا عائقًا له، ويجد القدرة على الانتباه إلى ما هو آخر، كحالة النوم، الغيبوبة، الأمراض الشديدة والحمى التي تضعف الحواس الظاهرة، فتجعل الإنسان أكثر استعدادًا للانكشاف على الباطن. وأحيانًا يركز نظره على نقطة واحدة إلى حد التخلي عن الحواس، فيتهيأ لتلقي مقصد معين بسهولة).

البحث عن منشأ الأعمال الخارقة للعادة

النمط العاشر / الفصل الرابع / منشأ الأعمال الخارقة للعادة

ـ تنبيه: أولياء الله والأعمال الخارقة للعادة

(ولعلك قد وصلت إليك أخبار عن العارفين تكاد تبدو للوهلة الأولى مخالفة للعادة فتنجرف نحو التكذيب، وهذا يشبه ما يُقال: إن عارفا استسقى للناس فمطروا، أو شُفي لهم بدعائه، أو دعا عليهم فحلّ بهم زلزال أو هلاك، أو دعا لهم فصرف عنهم الأمراض والموت والفيضانات، أو خُشع لهم سبع، أو لم يفر منهم طائر، أو مثل ذلك مما لا يُقبل في طريق الاستحالة الصريحة، فتوقف ولا تعجل؛ فإن لأمثال هذه الأمور أسبابًا في أسرار الطبيعة، وربما أتيحت لي الفرصة لسرد بعضها عليك).

قد تسمع أخبارًا عن عارفين يقومون بأعمال تبدو خارقة للعادة، فلا تتعجل في تكذيبها، إذ لهذه الأعمال أسباب طبيعية يمكن للعقل أن يدرُكها عند البحث في عللها، سواء كانت أعمال شفاء أو طلب استسقاء، أو دعاء للخير أو الشر، مثل الأعمال الخارقة التي تُنسب إلى الأنبياء والأولياء، كالاستسقاء لسقاية الناس، أو مثل قارون الذي ابتلعه الأرض، أو خوف حيوان مفترس من عارف، أو طاعته له.

لإثبات عقلانية هذه الأعمال، يجب القول: النفس الناطقة، رغم تجردها، يمكن أن تؤثر في الجسد المادي، وإن كانت قوية بما يكفي فإنها تؤثر خارجه أيضًا، بحيث تستطيع أن تجعل العالم والأشياء وكأنها جسدها، فتتصرف فيها بحيث تطيع المادة وأركانها، كما تطيع المادة داخل جسدها.

شرح وتفسير خواجه

“أقول: بعدما أنهى ابن سينا بيان الآيات الثلاث المشهورة المنسوبة للعارفين وغيرهم من الأولياء، أراد أن ينبه على أسباب سائر الأفعال الموسومة بالخوارق العادة. فذكرها في هذا الفصل وبيّن أسبابها في الفصل التالي. وقال: ‘يكاد تأتي بقلب العادة’ ولم يقل: ‘تأتي بقلب العادة’ لأن تلك الأفعال ليست خارقة للعادة عند من يعلم أسبابها، بل هي خارقة بالقياس لمن لا يعلمها.

والموتان على وزن الطوفان: أي موت يقع في البهائم، أما المواتان على وزن الحيوان فهي للمعدنيات، وهذا غير مناسب في هذا الموضع.”

بعد ذكر ابن سينا للآيات الثلاث (الإمساك، القوة على الأمور القوية، والنبوة)، يرمي إلى شرح أسباب الأفعال الخارقة للعادة التي يقوم بها العارفون، مبينًا أن هذه الأفعال خارقة للعادة فقط من وجهة نظر الجاهل بعِلَلها.

“مراد الشيخ من الموتان على وزن الطوفان هو موت الحيوانات، مقابل الموتان على وزن الحيوان المستخدم للمعدنيات، وهو أدق لهذا المقام.”

بناءً عليه، إذا سمعت عن أعمال غير عادية لأولياء الله أو الأنبياء، فلا تكذبها، بل ابحث عن أسبابها، فهناك أسباب طبيعية قد لا يعرفها الكثيرون، كما بين الشيخ.

ـ تذكرة وتنبيه: علاقة النفس بالجسد

(أليس قد ظهر لك أن النفس الناطقة ليست علاقتها بالجسد علاقة انطباعية فقط، بل هي نوع من العلاقات أعمق، وعلمت أن هيئة هذه النفس وما يتبعها من اعتقادات وأوهام تؤدي إلى تأثير في جسدها رغم اختلاف الجوهر بين النفس والجسد؟ فمثلًا وهم المشي على جذع فوق فراغ يجعله ينزلق، بينما إذا كان الجذع على الأرض فلا ينزلق. وتتغير أوهام الناس المزاج تدريجيًا أو فجأة مسببة أمراضًا أو شفاءً. فلا تستبعد أن يكون لبعض النفوس ملكة تتجاوز تأثيرها جسدها لتشمل العوالم الأخرى، وتكون كأنها نفس العالم كلها، فتؤثر فيها كما تؤثر في مزاجها الخاص.)

في نمط سابق تحدثنا عن نفس ناطقة وعلاقتها بالجسد بأنها ليست انطباعًا بسيطًا، بل علاقة اتحاد وتأثير متبادل. النفس تؤثر في الجسد، والجسد يؤثر في النفس، وكما أن الاعتقادات والمشاعر تؤثر في الجسد، فإن هذه العلاقة تتعدى الجسد ذاته.

مثلاً، الوهم قد يؤدي إلى سقوط شخص على فرع شجرة مرتفعة بسبب الخوف، وتغيرات مزاجية مثل الخجل أو الغضب تظهر على لون الوجه. هذه كلها دلائل على تأثير النفس على الجسم رغم اختلاف الجوهر.

تقول الفقرة إن بعض النفوس الناطقة تمتلك ملكات قوية تجعلها تؤثر على أجسام أخرى خارج جسدها، وكأنها تدير العالم كله. وهذه النفوس يمكن أن تخلق مسببات في المواد المختلفة التي تتناسب معها.

ـ دفع التدخل المقدر

إذا ظنّ أحد أن النفس الناطقة لا تستطيع أن تخلق شيئًا ليس موجودًا فيها لأن السبب لا يمكن أن يقتضي ما لا وجود له، كالإنسان الذي لا يملك المطر فلا يستطيع أن يدعو لاستسقائه، فالرد هو أن لا ضرورة لأن يكون كل من يسبب حرارة هو نفسه حار، أو كل من يسبب برودة هو بارد. فالشمس تسبب حرارة لكنها ليست حارة بذاتها، والماء يبرد لكنه ليس باردًا بذاته، بل المادة التي تؤثر.

خواجه يؤكد أن النفس قد تؤثر خارج جسدها، كما تؤثر في جسدها، خصوصًا إذا كانت النفس قوية قد صقلت نفسها بترويض الشهوات والغضب، مما يجعلها قادرة على السيطرة على قوى أخرى خارجية.

يجب التمييز بين دعاء ضعيف يستجيب الله له وبين فعل خارق من نفس قوية، فإذا امتلكت النفس ملكة السيطرة على شهواتها وغضبها، فهي قادرة على السيطرة على الخارج أيضًا، كما أن السيطرة على النفس شرط للسيطرة على الكون.

ـ اعتراض الفخر الرازي

يرى فخر الرازي أن استدلال الشيخ بأن الوهم يسبب سقوط الشخص لا يعني بالضرورة أن النفس أقوى تأثيرًا من الوهم، ولا يعني أن النفس تؤثر بشكل مباشر في المادة. ويقول إن القوى الجسدية قوية يمكن أن تسبب أفعالاً خارقة، وهذا لا يتعلق بجردانية النفس.

ويخلص إلى أن هذا الاستدلال قد يزيل الاستبعاد لكنه لا يثبت وجود تلك القدرات أو ينفيها.

أولاً: إنّ الاستعانة بالأمثلة في المسائل العلمية، لا تؤدّي بالضرورة إلى توضيح المقصود، ولا تفضي إلى استدلالٍ صحيح، بل قد تكون أحياناً مضلّلة أو ناقصة.

ثانياً: ما قيل من أنّ “فاقد الشيء لا يُعطيه”، لا يمكن الجواب عنه بالمثال الطبيعي الذي قد يكون قاصراً أو خاطئاً، بل ينبغي الردّ عليه بأسلوب فلسفي دقيق.

وقد سبق أن قلنا بشأن الحقّ تعالى: لما كان فاقد الشيء لا يمكنه أن يعطيه، فإنّه سبحانه ليس بجسم ولا مادة، فكيف يخلق الجسم والمادة؟ وكيف يوجد الناسوت وهو ليس بناسوتي؟ إنّ الله تعالى ليس بمخلوق، لكنه يخلق المخلوقات، أي أنّ له وجوداً يُمكنه من إيجاد سائر الموجودات، وكذلك النفس الناطقة.

فالنفس إذ تبلغ من القوة مرتبةً تُؤثّر فيها على الأشياء متى شاءت، فإنها ليست فاقدة، بل هي واجدة لوجودٍ يمتلك هذه المعاني، وبهذا الوجود تتحقق تلك الأمور. فالنفس القادرة لا تكون فاقدةً لما تُوجده، بل تكون واجدةً له، وتُوجِد ما هو دون قوتها.

ثالثاً: إنّ إشكال فخر الرازي لا أساس له، إذ إنّ موضوع البرهان هو النفس الناطقة المجرّدة، وهي التي تُحرّك سائر القوى: الغضبية، والشهوانية، والنفسية، والشيطانية. والكلام إنما هو في النفس الإنسانية الناطقة، لا في القوى الجسدية. كذلك، فإنّ قوى الوهم والخيال وسواها ليست مادية، بل هي من مظاهر النفس المجردة. وإذا كانت قوّة الوهم ــ مع كونها قوى جزئية وتجلياً تجريدياً ــ تؤثّر في المادة، فإنّ النفس الناطقة أَولى بالتأثير.

ومن هنا، فبحث الشيخ لا يهدف فقط إلى رفع الاستبعاد، بل يُقدّم برهاناً منطقياً يثبت فيه أنّ النفس المجرّدة تؤثّر في البدن المادي، وإذا اشتدّت قوتها أثّرت أيضاً في غير بدنها. وإنّ هذا التأثير ناشئ من قوّتها النفسية المرتبطة بمعرفتها وروحانيتها وتجردها.

رابعاً: وإن ثبتت علل وأسباب الظواهر الخارقة للعادة، فإنّ ذلك لا يُخرِجها من كونها خارقة، ولا يمنع من التعبير عنها بهذا اللفظ.

إشارة: في علل الأفعال الخارقة للعادة

قال الشيخ:
(قد تكون هذه القوّة للنفس بحسب المزاج الأصلي لما يُفضي إليه من هيئة نفسية تُشخّص النفس، وقد تحصل لمزاجٍ طارئ، وقد تحصل بضرب من الكسب تُشبه النفس فيه المجرّدة بشدة الذكاء، كما هو حال أولياء الله الأبرار).

فالنفس القوية ذات الاقتدار على أنواع: فمنها ما قوّته جبليّة وفطرية وتشخصية ــ كالعين والحسد ــ ومنها ما هو عارض وكَسبي. والنفس القوية إمّا سعيدة وخيّرة وراشدة كأولياء الله، وإما أن تنزلق إلى الشرّ والسحر. وهذه الأمور التي تظهر على غير العادة، هي أمور واقعية لا يجوز إنكارها.

فالظواهر الغريبة إمّا من آثار النفس، أو من قوى سماوية، أو من تأثيرات الأجسام.

شرح خواجه نصير الدين الطوسي:

قال:
(لما ثبت وجود قوة لبعض النفوس الإنسانية، أعني القوة التي هي مبدأ الأفعال الغريبة، وجب إسنادها إلى علّة تخصّ بعض النفوس. وذكر الشيخ أن العلّة قد تكون عين تشخص ذلك البعض من النوع، وقد تكون أمراً آخر، إمّا كَسْبياً أو غير كَسْبي).

وهذا يعني أنّ هذه القوة قد تكون نابعة من المزاج الأصلي الذي يمنح النفس هيئة نفسية تُشخصها، أو من مزاج طارئ، أو من كَسْبٍ كما في حال الأولياء.

وقد ذكر فخر الرازي أنّه لا بدّ للشيخ من إثبات علّة لهذه الخصوصية؛ لأنّ النفوس البشرية عنده متساوية في النوع. والجواب أنّ اتحاد النوع لا ينفي التفاوت في التشخّصات والخصائص الوجودية.

ملاحظات الكاتب:

  1. تقسيم الشيخ غير دقيق؛ فالنفس القوية إما جبليّة وفطرية، وإما كَسْبية. والقوة الجبلية إما غير محدودة (كالأولياء الكاملين) أو محدودة (كالمحبوبين)، والقوة الكسبية دائماً محدودة (كالمحبّين).
  2. ليس كل اقتدار الأولياء اكتسابياً كما قال الشيخ، بل بعضهم فطرته جبلية، والاقتدار متحقّق لديهم قبل التجرد.
  3. كلام فخر الرازي غير وارد، إذ إنّ القول بأنّ الإنسان نوع واحد لا يعني أن كلّ أفراده متساوون في الاقتدار. فبعض الكمالات عامة، وبعضها خاصّ، كالعصمة والنبوّة. والقول بوحدة النوع لا ينفي اختلاف التشخّص.

إشارة: أقسام النفوس القويّة

قال الشيخ:
(الذي تكون هذه القوة في جبلّته، ثم يكون خيّراً راشداً مزكّياً لنفسه، فهو نبيّ معجزته، أو وليّ له كرامة. وتزكيته تزيده قوةً فوق ما اقتضته جبلّته. وأمّا من يكون شرّيراً ويستعمل قوّته في الشر، فهو الساحر الخبيث).

فمن كانت نفسه قوية فطرياً، وكان خيّراً، صار من النبيين أو الأولياء، وتزكيته تزيده علواً. ومن استعملها في الشرّ، صار ساحراً، وقد يُضعف نفسه ويهلكها.

ملاحظة الكاتب:

اجتماع الجِبِلّة والاكتساب ممكن في الشرّ أيضاً، فقد يكون الإنسان ذا نفسٍ قوية فطرياً، ثم يكتسب الشرّ فيستعملها في الإفساد.

إشارة: العين (العين الحاسدة)

قال الشيخ:
(الإصابة بالعين تكاد أن تكون من هذا القبيل، فإنّ المبدأ فيها حالة نفسية تُعجب فتؤثر تأثيراً شديداً في المعجَب به. ويستبعد ذلك من يظنّ أن التأثير لا يحصل إلا بالملاقاة أو بإرسال جزء).

شرح الطوسي:
النهك: هو النقص والمرض، وقوله “يكاد أن يكون” يدل على أن الإصابة بالعين أمر ظني، لا يقيني، لأنّ التأثير بالجسم ـ بحسب العامة ـ لا يكون إلا بالملاقاة، أو بإرسال أجزاء، أو بنقل الكيفيات في الوسط، كما تُسخن النار الماء.

ملاحظة الكاتب:

ما ذكره الطوسي من كون الإصابة بالعين أمراً ظنياً، غير صحيح. بل العين أمر حتمي في نفسه، وإن لم يُعلَم مَن يملكها. والآية (وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَـٰرِهِمْ) دليل على وجوده.

تنبيه: منشأ الظواهر الخارقة

قال الشيخ:
(الأمور الغريبة تنبعث من ثلاثة مبادئ: الأول، الهيئة النفسية كالسحر. الثاني، خواصّ الأجسام العنصرية، كمغناطيس الحديد. الثالث، القوى السماوية إذا اقترنت بقوى أرضية خاصة بأحوال ملائمة).

فالسحر من النوع الأول (النفس)، والمعجزات والكرامات من الثاني (الأجسام)، والطلسمات من الثالث (القوى السماوية).

شرح الطوسي:

بعد أن ذكر الشيخ أسباب الأفعال الغريبة الصادرة عن النفوس، أراد بيان علل سائر الظواهر الغريبة في العالم، فحصرها في ثلاثة أقسام. وأخطأ فخر في حصر القسم الثاني في النيرنجات فقط، لأنّ الشيخ أدرج فيه النيرنجات والمغناطيس، دون أن يجعله خاصاً بالنيرنجات.

ملاحظة ختامية:

قد تحصل بعض المعجزات أو الكرامات أو السحر بالتوسّل إلى الأرواح السماوية أو الجنّ، لا من النفس فقط. والشعبذة والنيرنجات أيضاً يمكن أن تنشأ من النفس أو من الجسد بالتدرّب.

وقد خصّص الشيخ هذا النمط للبحث في إمكانية تأثير النفس في الأمور الخارقة للعادة، وبيان أسبابها ووجوه الخير والشر فيها.

نصيحة: قبح الإنكار بلا دليل

قال الشيخ في نهاية الإشارات:
(إيّاك أن تظنّ أن التعقّل والتميّز يكمن في إنكار كل شيء، فإنّ ذلك خفّة وعجز، وليس العيب في تصديق ما لم يظهر برهانه، بل العيب في التكذيب من

نظرًا لأنّ الحسّ حالةٌ عاصيةٌ، فإنّها تمنع الانتباه إلى ما هو خارج دائرة النظر، ولهذا يقول الشاعر:

“من يد القلب والعين نادى
فكل ما رأت العين يذكر القلب”

يجب القول: لا بدّ من ضبط البصر لا من تعطيله، فالقلب حرّ، ولكن إذا لم يكن البصر المبصر تحت السيطرة، يغرق الإنسان في مراقبة الظاهر، ويغفل عن الباطن.

وقد ورد في بعض الروايات أنّهم إذا واجهوا مشكلةً، لجأوا إلى كاهنهم ليطلعهم على المستقبل، وكان الكاهن يركض بسرعة شديدة حتى يلهث، ويخرج لسانه من فمه، ويصل إلى حالة الإغماء، وعندما يفقد وعيه كان يتحدث عما يتخيله، وكان الكاتب الخاصّ به يدون كلامه بدقة، ويستند الآخرون إلى تلك الأقوال في اتخاذ تدابيرهم.

في مثال آخر، عندما يريدون الحصول على معلومات من شخصٍ ما، يشغلونه حتى يتعب، يضربونه، يمنعونه من النوم، ويشوّشون حواسه ليُضعف إرادته، فيقول كلّ ما في داخله. وكانوا يعرضون أمام عينيه شيئًا شفافًا كالبلور أو الزجاج، بحيث يتحرك أمام عينيه ويُذهله بصفائه، وأحيانًا يُجهدون عينيه بضوء الشمس ليوقفوا خياله اللا إرادي.

يمكن استخدام وسائل أخرى لإرهاق الحسّ، مثل تغطية شيءٍ ما بسوادٍ لامعٍ يحتوي على موجاتٍ ووميض، لإحداث حالة خمول في الخيال والخيال، بحيث تدخل النفس في حالة شبيهة بالنوم، ويحدث خلل في الحسّ والخيال، مما يتيح حالة انفصال الحسّ عن الظاهر.

بعض الناس يجدون صعوبة في النوم، بينما يغوص آخرون في النوم بمجرد أن يمسكوا كتابًا أمامهم. هؤلاء الأشخاص ذوو الطبيعة الحساسة يميلون إلى الحيرة والخوف والقلق، ويستوعبون الأشياء المختلطة بشكل أفضل، ولديهم نوعٌ من الغباء، بينما لا يمكن نوم الأطفال الأذكياء بسهولة.

كذلك يمكن إحداث الحيرة في الحسّ والخيال عبر كثرة الكلام.

علاوة على ذلك، إذا لم يستطع الوهم رؤية شيءٍ أو اتخاذ قرار بشأن أمرٍ ما، أي فقد توكله، فإنه يلجأ إلى هذه الأساليب لاستعادة قوّة القرار.

الظهور الغيبي يكون أحيانًا على هيئة ظنّ قوي يرى فيه الإنسان شيئًا، وأحيانًا في صورة خطاب يسمعه من الجنّ والملائكة، وأحيانًا برؤية مباشرة لصور الغيب والملكوت.

كلّ هذه الأمور التي يقوم بها كلّ شخص حسب ذوقه هي حقائق، بل هناك فرق تقوم بأعمالٍ خاصة مبنية على التجربة لتشويش الحسّ والخيال والوصول إلى حالةٍ ما.

تفسير خواجة:

“يؤثر أي يروي، والشدّ الحثيث يعني الركض السريع، ولهث الكلب حين يخرج لسانه من التعب أو العطش، والإنسان كذلك. الرعش هو الارتعاش، وأرعشه أي جعله يرتعش. الرجرجة تعني الاضطراب، والدهش هو الحيرة، وأدهشه يعني حيّره. ترقرق أي لمع وتلألأ، وتمور موراً أي تموج موجًا. اهتبال الفرصة يعني اغتنامها، والإسهاب هو الإكثار في الكلام. المسيس هو المسّ، ويقال لمن أصابه المسّ من الجنّ: ممسوس. التوكّل هو إظهار العجز والاعتماد على الغير، وفلان يكافح الأمور أي يقوم بها بنفسه.”

البلور أو الزجاج المسدّس إذا وُضع أمام الشمس يكون سببًا لاهتزاز العين، ويؤثر في التكهنات عند الكهنة. أما الأشياء السوداء اللامعة فتثير الحيرة، مثل السواد الناتج عن الدهن الملتصق بالمقدار، وتوضع أمام ضوء المصباح، مما يذهل الناظر.

الأشياء التي تلمع مثل الزجاجة المستديرة الممتلئة ماءً الموضوعة أمام الشمس أو النار، أو الأشياء التي تموج مثل الماء الذي تثيره الريح أو الغليان الشديد، تخلق انعكاسات غير عادية في الإنسان.

ويختم خواجة بالإشارة إلى أنّ المقصود من هذا الفصل هو إيراد الأدلة على أنّ الاتصال بالغيب له طرق طبيعية، بالإضافة إلى الطرق الباطنية، حيث يمكن بالتهيئة وإحداث خلل في الحسّ والخيال الوصول إلى ذلك، كإثارة الحيرة والخوف أو إرهاق الحواس.

مثال على ذلك ما ورد عن الكاهن الذي كان يجري حتى يصل إلى حالة الإغماء، ثم يتحدث بكلام يُعدّ تنبؤًا، أو التحديق في أشياء شفافة تسبب فقدان الوعي، ومن ثمّ تظهر معارف غيبية في النفس.

هذا الاتصال الغيبي قد يكون في صورة ظنّ قوي، أو خطاب من الجنّ أو الهداة الغيبيين، أو رؤية مباشرة لصور الغيب.

كلّ ذلك حقيقي، وهناك من يخصّص تجارب محددة لتحقيق خلل في الحسّ والخيال للوصول إلى حالات غيبية.

فهرس آيات القرآن الكريم

  • أَتَانِي الْكِتَابُ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (ص 299)
  • إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ (ص 258)
  • إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (ص 282)
  • اِشْرَبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعَجَلَ (ص 118)
  • اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (ص 278)
  • إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (ص 183)
  • النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (ص 296)
  • إِلَهُهُ هَوَاهُ (ص 199)
  • إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (ص 159)
  • إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (ص 159، 199)
  • إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (ص 204)
  • إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (ص 125، 159، 177)
  • إِنَّ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ (ص 103)
  • إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ (ص 127)
  • إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ (ص 92)
  • إِنَّمَا اللَّهُ إِلٰهٌ وَاحِدٌ (ص 256)
  • إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا (ص 349)
  • إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (ص 98)
  • إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (ص 89، 93، 142)
  • أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (ص 296)
  • «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» (ص 173)
  • أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ (ص 218)
  • أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (ص 244)
  • أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (ص 244)
  • أُنْظُرُوا إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ (ص 218)
  • بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ص 325)
  • تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ (ص 287)
  • دَنَا، فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ (ص 75)
  • رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً (ص 84)
  • سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا (ص 218، 258)
  • شِفَاءً وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ (ص 198)
  • عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى (ص 99)
  • فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (ص 203)
  • فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (ص 105)
  • فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (ص 99)
  • فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ (ص 41، 43)
  • فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (ص 99)
  • فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ؛ الَّذِينَ هُمْ عَنْ (ص 193)
  • فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (ص 306)
  • قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ (ص 265)
  • كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (ص 183)
  • كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (ص 83)
  • كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (ص 169)
  • كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا لَكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (ص 102)
  • كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (ص 22)
  • كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ (ص 83)
  • لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (ص 184)
  • لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (ص 366)
  • لَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (ص 292)
  • لَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (ص 126)
  • لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ (ص 92)
  • لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ (ص 274)
  • لَمْ تَقُلُونَ مَا لَا (ص 201)
  • لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا (ص 179، 202)
  • مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (ص 127)
  • مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (ص 134، 140، 244، 376، 377)
  • وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (ص 343)
  • وَانْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (ص 278)
  • وَإِنْ يَكَادِ الَّذِينَ كَفَرُوا (ص 428)
  • وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (ص 275، 276)
  • وَلَا الضَّالِّينَ (ص 216)
  • وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (ص 342)
  • وَمَا يَهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ (ص 349)
  • وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (ص 137)
  • وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (ص 199)
  • وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (ص 159)
  • هُمُ الْفَائِزُونَ (ص 274)
  • هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأَى (ص 62)
  • هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ (ص 26)
  • هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (ص 136)
  • يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ص 177)
  • يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي (ص 43)
  • يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ (ص 86)
  • يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (ص 86)

فهرس الروايات

  • النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا (ص 299)
  • إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوِيّ (ص 382)
  • إِنَّ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّتَيْنِ (ص 168)
  • إِنَّ لِي مَعَ اللَّهِ حَالَاتٍ (ص 227)
  • إِنَّ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتًا لَا يَسَعُنِي (ص 227)
  • إِنِّي أُحِبُّكَ (ص 87، 144، 151)
  • إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدَّمَنِ (ص 219)
  • أَتَسَلَّطُ النَّارَ عَلَى وُجُوهٍ خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ سَاجِدَةً (ص 220)
  • أَشْهَدُ أَنَّكَ تَسْمَعُ كَلَامِي وَتَرُدُّ سَلَامِي (ص 377)
  • بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ وَخَيْرٌ (ص 222)
  • حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا (ص 261)
  • حَبَّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكَ هَذِهِ ثَلَاثٌ: الطَّيِّبُ وَالنِّسَاءُ (ص 293)
  • خُدَّامُنَا شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ (ص 198)
  • رُفِعَ مَا اضْطُرُّوا عَلَيْهِ (ص 296)
  • رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ (ص 296)
  • سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ (ص 27)
  • عَبَدْتُكَ حُبًّا لَكَ (ص 81)
  • فُزْتُ وَرَبَّ الْكَعْبَةِ (ص 27، 156)
  • قُولُوا لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا (ص 108)
  • كَالزُّبَرِ الْحَدِيدِ (ص 170)
  • كُلُّ مُيَسَّرٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ (ص 158)
  • كُنْ لِلْدُّنْيَا كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا (ص 258)
  • لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (ص 282، 325)
  • لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ (ص 131)
  • لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ (ص 364، 376)
  • لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ (ص 226)
  • مَا قَلَعْتُهَا بِقُوَّةٍ جَسَدَانِيَّةٍ؛ بَلْ بِقُوَّةٍ رُوحَانِيَّةٍ (ص 322)
  • مِنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا (ص 206)
  • مَنْ تَقَى مُؤُونَةَ لَقَلْقِهِ وَقَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ فَقَدْ وَقَى (ص 160)
  • مَنْ عَرَفَ اللَّهَ كُلَّ لِسَانِهِ (ص 254)
  • مَنْ طَلَبَ مَا لَا يَعِينُهُ، فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ (ص 283)
  • مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا (ص 26، 43)
  • وَاللَّهِ مَا قَلَعْتُ بَابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جَسَدَانِيَّةٍ (ص 322، 326، 327)
  • وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ (ص 144، 151)
  • وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ (ص 81، 88، 141، 143، 155، 156، 157، 246)
  • وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ (ص 253)
  • وَكُلُّ مُيَسَّرٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ (ص 298)
  • هَبْ لِي كَمَالَ الْاِنْقِطَاعِ إِلَيْكَ (ص 257)

الكتابَاتُ المُسْتَعْمَلَةُ

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، قم، الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1414 هـ.
  3. أبو البركات، محمد بن أحمد، جواهر المطالب، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
  4. الأحسائي، عوالي اللآلئ، قم، سيد الشهداء، الطبعة الأولى، 1403 هـ.
  5. العجلوني، إسماعيل بن محمد، كشف الخفاء والمزيل الألباس، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1408 هـ.
  6. حرّي عاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
  7. رضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تحقيق: محمد عبده، بيروت، دار المعرفة.
  8. الصدوق، علي بن بابويه، الأمالي، طهران، بعثت، الطبعة الأولى، 1417 هـ.
  9. الطبرسي، علي، مشكاة الأ في غرر الأخبار، قم، دار الحديث، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
  10. الطوسي، محمد بن الحسن، شرح الإشارات والتنبيهات، طهران، حيدري، 1379 هـ.
  11. المجلسي، محمد باقر، بحار الأ، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1414 هـ.
  12. نوري الطبرسي، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
  1. [1] ـ اسراء / 84 .
  1. [2] ـ اسماعيل بن محمد العجلونى ، كشف الخفاء ، ج2 ، ص290 .
  1. [3] ـ بقره / 187 .
  1. [4] ـ شيخ طوسى ، مصباح المتهجد ، ص696 .
  1. [5] ـ بحارالا ، ج41 ، ص2 .
  1. [6] ـ سجدة / 17 .
  1. [7] ـ فرقان / 7 .
  1. [8] ـ سجده /17 .
  1. [9] ـ وأمّا القصة الثانية وهي التي وقعت إلىّ بعد عشرين سنةً من اتمام الشرح . ص367 .
  1. [10] ـ يوسف / 24 .
  1. [11] ـ جوزان از شهرهاى سابق بلخ و خراسان بوده است .
  1. [12] ـ نجم / 8 .
  1. [13] ـ ابن ابى الجمهور احسايى ، عوالى اللئالى ، ج2 ، ص11 .
  1. [14] ـ نور / 35 .
  1. [15] ـ بقره / 200 .
  1. [16] ـ بقره / 207 .
  1. [17] ـ حشر / 9 .
  1. [18] ـ نگارنده ، بحث‌هاى پيچيده‌ى شناخت شيطان ، جن و فرشته را به تفصيل در كتابى مستقل آورده كههنوز به چاپ نرسيده است .
  1. [19] ـ شعراء / 3 .
  1. [20] ـ مائده / 118 .
  1. [21] ـ بقره / 30 .
  1. [22] ـ ذاريات / 55 .
  1. [23] ـ زلزله / 7 ـ 8 .
  1. [24] ـ جمعه / 11 .
  1. [25] ـ طور / 19 .
  1. [26] ـ يونس / 38.
  1. [27] ـ بقره / 23 .
  1. [28] ـ حاكم نيسابورى ، المستدرك ، ج1 ، ص15 .
  1. [29] ـ بقره / 93 .
  1. [30] ـ شرحي الاشارات ، ج2 ، ص106 .
  1. [31] ـ يوسف / 53 .
  1. [32] ـ انعام / 59 .
  1. [33] ـ اسراء / 7 .
  1. [34] ـ ملك / 3 ـ 4 .
  1. [35] ـ بحارالا ، ج95 ، ص304 .
  1. [36] ـ ذاريات / 56 .
  1. [37] ـ حديد / 4 .
  1. [38] ـ نجم / 7 .
  1. [39] ـ ذاريات / 57 .
  1. [40] ـ نگارنده دو كتاب مصباح الانس و منازل السائرين را شرح نموده است و مى‌توان آن را تفصيلى‌ترينشرح توضيحى و انتقادى بر اين دو كتاب دانست كه به بازانديشى مفصل آن مى‌پردازد و تفاوت عرفانمحبى و محبوبى را به نيكى بيان مى‌دارد .
  1. [41] ـ عوالى اللئالى ، ج2 ، ص11 .
  1. [42] ـ مستدرك سفينة البحار ، ج10 ، ص590 .
  1. [43] ـ يوسف / 53 .
  1. [44] ـ عصر / 2 .
  1. [45] ـ قدر / 1 .
  1. [46] ـ مستدرك الوسائل ، ج9 ، ص31 .
  1. [47] ـ الكافي ، ج1 ، ص16 .
  1. [48] ـ تكاثر / 5 ـ 6.
  1. [49] ـ نساء / 59 .
  1. [50] ـ يوسف / 53 .
  1. [51] ـ فجر / 27 .
  1. [52] ـ آل عمران / 159 .
  1. [53] ـ مراد از رياضت بهايم همان رياضت نفس بهيمى است ؛ نه حيوانات ؛ چون حيوان اهل رياضت نيست .
  1. [54] ـ عصر / 3 .
  1. [55] ـ اعراف / 179 .
  1. [56] ـ بقره / 256 .
  1. [57] ـ ماعون / 4 ـ 5 .
  1. [58] ـ عنكبوت / 45 .
  1. [59] ـ شيخ طوسى ، الغيبة ، ص345 .
  1. [60] ـ اسراء / 82 .
  1. [61] ـ ماعون / 4 ـ 5 .
  1. [62] ـ فرقان / 43 .
  1. [63] ـ عصر / 2 ـ 3 .
  1. [64] ـ صف / 2 .
  1. [65] ـ آل عمران / 159 .
  1. [66] ـ مزمل / 20 .
  1. [67] ـ نساء / 139 .
  1. [68] ـ بحارالا ، ج67 ، ص249 .
  1. [69] ـ روم / 50 .
  1. [70] ـ غاشية / 17 .
  1. [71] ـ انعام / 11 .
  1. [72] ـ الوسائل ، ج14 ، ص19 .
  1. [73] ـ ر . ك  : امالى طوسى ، ص154 ، 255 .
  1. [74] ـ مصباح المتهجد ، ص32 .
  1. [75] ـ بحارالا ، ج18 ، ص360 .
  1. [76] ـ ذاريات / 57 .
  1. [77] ـ انعام / 37 .
  1. [78] ـ بقره / 100 .
  1. [79] ـ طبرسى ، على ، مشكاة‌الا ، ص306 .
  1. [80] ـ نساء / 171 .
  1. [81] ـ سيد بن طاووس ، اقبال الاعمال ، ج3 ، ص299 .
  1. [82] ـ نصر/ 1 ـ 3 .
  1. [83] ـ بحارالا ، ج70 ، ص73 .
  1. [84] ـ كهف / 109 .
  1. [85] ـ حشر / 20 .
  1. [86] ـ حديد / 23 .
  1. [87] ـ توبه / 72 .
  1. [88] ـ توبه / 72 .
  1. [89] ـ علق / 1 .
  1. [90] ـ شعراء / 214 .
  1. [91] ـ فرقان / 72 .
  1. [92] ـ جواهر المطالب ، ج2 ، ص152 .
  1. [93] ـ صف / 11 .
  1. [94] ـ ملك / 3 .
  1. [95] ـ  عوالى اللئالى ، ج3 ، ص343 .
  1. [96] ـ اسراء / 1 .
  1. [97] ـ احزاب / 6 .
  1. [98] ـ نهج‌البلاغة ، ج4 ، ص42 ، كلمه‌ى 172 .
  1. [99] ـ مريم / 30 .
  1. [100] ـ ذاريات / 22 .
  1. [101] ـ نمط سوم .
  1. [102] ـ انعام / 52 .
  1. [103] ـ حجر / 99 .
  1. [104] ـ جاثيه / 24 .
  1. [105] ـ نمط سوم ، فصل سوم .
  1. [106] ـ بقره / 255 .
  1. [107] ـ مصباح المتهجد ، ص306 .
  1. [108] ـ بحارالا ، ج3 ، ص141 .
  1. [109] ـ ذاريات / 57 .
  1. [110] ـ محمد بن مشهدى ، المزار ، ص211 .
  1. [111] ـ محمد بن يعقوب كلينى ، الكافي ، ج2 ، ص74 .
  1. [112] ـ قلم / 51 .

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V