صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المدارس العلمية: التحديات والمخططات

نشر في آذر 13, 1404 في

المدارس العلمیة؛ التحديات والمخططات

البيانات التعريفية

المؤلف: ، مواليد 1948
العنوان: المدارس العلمیة؛ التحديات والمخططات /
دار النشر: إسلام شهر، ، 2014
الصفحات: 84 صفحة
الرقم الدولي الموحد للكتاب (شابك): 978-600-7347-59-1
حالة الفهرسة: فيبا
ملاحظة: الطبعة السابقة بعنوان «ظهور الشفق» عام 2007
الطبعة الثانية
الموضوعات: الحوزات العلمية – إيران
الموضوعات: رجال الدين – إيران
تصنيف الكونغرس: BP7/4/N8H9 2014
تصنيف ديوي: 297.071
رقم الفهرس الوطني: 3681743

المقدمة

يُعدّ القيادة السليمة والنشطة لرجال الدين ضماناً لاستمرارية وسلامة الثورة الإسلامية العظيمة في إيران، والتي تحتاج لاستمراريتها إلى فهم صحيح من قبل القائمين على الشؤون الدينية لطبيعة النظام الحوزوي وما يعانيه من أضرار ونقائص.

هذا النص هو مجموعة من المقالات التي كتبها المؤلف في السنوات الأولى لانتصار الثورة الإسلامية، حيث استعرض التحديات والنقائص القائمة في الحوزات العلمية وقدم مقترحات وحلولاً قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في نظام الحوزات.

إن وضع نظام أساسي شامل لإدارة الحوزات العلمية، إنتاج وبيع العلوم، تنظيم البحث العلمي في الحوزات، نشر النتائج، تنظيم النظام المالي، تبادل المعلومات مع المراكز البحثية العالمية، تجنب الالتباس في تحصيل الأموال بدلاً من الجوهر، والتمييز بين رجال الدين الحقيقيين ومن يقتصرون على المظاهر، مع تقييم كفاءة طبقات رجال الدين المختلفة، كانت من الموضوعات التي نوقشت في بداية الثورة في الأوساط العلمية والاجتماعية، وهي من مقترحات هذا الكتاب، والتي يُرجى أن تساهم في تحسين الوضع الحالي للحوزات.

استمرارية وسلامة الثورة الإسلامية والنظام الديني في إيران العظيمة مرهونة بقيادة فعالة ونشطة لرجال الدين. فالقيادة ليست مسألة فردية، ولا يمكن لشخص أن يتحمل مسؤوليتها إلا إذا كان لرجال الدين مكانة قيادية متميزة في المجتمع، ويجب أن تكون هذه المكانة قائمة على محتوى عميق وراسخ، مع توفر الشروط اللازمة لتحقيق ذلك.

الوضع الراهن غير المستقر لا يسمح بتحقيق ذلك بشكل مرضٍ، وقد يواجه مشاكل على المدى الطويل.

لتحقيق القيادة الفعلية والإرشاد العام لرجال الدين والحوزات على مستوى المجتمع والنظام، يجب أن تتشكل الحوزات العلمية الشيعية ورجال الدين بمظهر عملي ونظام إداري وظيفي صحي وقادر.

اليوم، هذا الواقع غير موجود بوضوح، ويقتصر الأمر على طبقة من الغموض والدعاية السطحية التي تلعب دوراً ثانوياً.

من الضروري أن تطرأ تغييرات جذرية في الحوزات العلمية، وهذا الكتاب يقترح تصوراً إجمالياً للحوزات الشيعية وحل مشاكلها، مع السعي لأن يكون ذلك بدون إفراط أو تفريط، وبهدف عملي.

  1. أولاً، يجب تحديد هوية جميع العلماء ورجال الدين في البلاد من خلال نظام دقيق كمي ونوعي من الأعلى إلى الأدنى، مع توثيق موقعهم في البلاد بصورة واضحة، برموز وأرقام فردية ومنطقية، بحيث لا يُهمل أحد، سواء كان ذا مرتبة عالية أو منخفضة، موافقاً أو معارضاً، ولا يقتصر التعريف على سجلات المنافع فقط. كما يجب أن لا يكون هناك من يتخلى عن مسؤولية متابعة أوضاعهم عند وفاتهم أو في حالات الفقر أو التعرض للمشاكل، وهو ما للأسف يحدث حالياً.
  2. بعد التحديد الكمي، في المرحلة الثانية يجب تقييم جميع أفراد الحوزات من الناحية النوعية، العلمية والأخلاقية، مع التعرف على الشخصيات البارزة وفق معايير علمية محددة، ليكون لهم دور أساسي في الإدارة العلمية، ويجب أن يحصل رجال الدين على مكانة فنية بجانب دورهم الدعوي، كما يجب تنظيم الحوزات العلمية والبحثية وأجزائها بشكل نظامي وقانوني، بعيداً عن السن أو البلاغة أو الدعاية أو المال.
  3. يجب تمييز الشخصيات العلمية في الحوزات عن الأفراد العاديين، وألا يكون النظام العلمي ملوثاً بالمصالح المادية، مع الاهتمام بتلبية الاحتياجات، رغم أن الواقع الحالي مزيج من الفقر في جهة والتكدس والتفريط في جهة أخرى.
  4. لتحقيق حوزة منظمة يجب وضع دستور اجتماعي مبني على عقائد ومفاهيم الفقه الشيعي، ليكون دستوراً للحوزات العلمية، يغطي كافة الجوانب الدينية والعملية والإدارية، ويبتعد عن الفكر الحر المفرط والتعصبات الجامدة، ويضع حداً للفوضى الحالية.
  5. لتحفيز التحصيل العلمي يجب خلق دوافع، ومتابعة العلم بشكل عملي، مع المنافسة والتسابق، وإقامة تبادل علمي فني مع باقي المراكز العلمية، وعرض الأبحاث على العالم، والتخصص المتزايد في البحث العلمي.
  6. للأسف، وضع العلم والعالم في مجتمعنا غير واضح، ولا يوجد حافز للتعلم. يجب تحفيز تعلم العلوم الروحية كما هو الحال في العلوم الدنيوية، وتحقيق أهداف العلماء، وجعل للعلم وجهاً دنيوياً مادياً أو غير مادي.
  7. يجب تحديد فروع الحوزات وتعزيز الفروع القائمة وإعادة تأسيس الفروع المتوقفة، مع الاستعانة بالأشخاص المؤهلين والمُعرّفين لتطويرها وتنظيم الحوزات في أساليبها وتقنياتها بشكل علمي ومنتج، لا عشوائي أو حسب الأهواء، مع إيجاد آليات قانونية طويلة الأمد لتعزيز القيادة العلمية والروحية التي تمثل مرتبة مناسبة للحوزات وتقديم العلماء بمختلف مستوياتهم للعالم.
  8. يجب أن يحصل النظام المالي للحوزات على وضع مستقر ويخرج من الفوضى الحالية، ويُقضي على الفقر بين رجال الدين، مع عدم استبدال ذلك بالسعي وراء الراحة، وألا تُمنح الثروات الدينية والمصادر دون حساب لأفراد أو…
  9. 8. يجب أن يحصل النظام المالي للحوزات على وضع مستقر ويخرج من الفوضى الحالية، ويُقضي على الفقر بين رجال الدين، مع عدم استبدال ذلك بالسعي وراء الراحة والترف. يجب ألا تُمنح الثروات الدينية والموارد المالية دون حساب دقيق للأفراد أو المؤسسات، وأن تكون هناك رقابة صارمة وشفافية في إدارة هذه الأموال، لضمان استخدامها في الأغراض العلمية والدعوية التي تخدم الحوزات والمجتمع.
  10. 9. ينبغي أن يُنشأ نظام تبادل معلومات فعّال مع المراكز البحثية العالمية، لتطوير البحث العلمي وتبادل الخبرات، وهذا يتطلب بنية إدارية وتقنية متطورة، مع فتح آفاق التعاون العلمي والثقافي على المستوى الدولي.
  11. 10. يجب الحرص على تجنب الاستيلاء على الأموال بحجة الخدمات الدينية أو العلمية دون تقديم المضمون الحقيقي، فلا يجوز أن تكون الأموال بديلاً عن الجهود العلمية والبحثية الحقيقية، ويجب مكافحة المظاهر السطحية والشكليات التي تضر بالمصداقية العلمية للحوزات.
  12. هذا هو جوهر المقترحات التي وردت في هذا الكتاب، والتي تستهدف بناء نظام حوزوي متين، علمي، إداري، ومالي، قادر على مواجهة التحديات المعاصرة وتحقيق الاستمرارية والريادة في المجتمع الإسلامي.
  13. يجب أن يكون جمع الأموال في البيوت بلا حساب أو قيود، وهذا لا يتعارض مع الثقة في العالم، مع أن الثقة في الجهاز التنفيذي لهذه المراكز غير كافية. ينبغي أن تتبع عملية جمع الأموال معايير صحيحة، بحيث يكون المتلقي والمعطي معروفين، وأن يكون هناك معطي على مستوى الجمع من جميع أنحاء البلاد والعالم، وليس أن تتدفق الأموال من كل مكان إلى بيت واحد وتُصرف بلا مبرر في زاوية ما بواسطة عدد من الأشخاص، ويُسلم الكثير منها لأشخاص غير مناسبين كالمتسولين أو المستبدين.
  14. ٨ ـ من الضروري فصل المواقع العلمية عن الجانب الدعوي، وأن يكون أفرادها معروفين، وتأخذ أقساماً منفصلة ومحددة، مع وضوح مجال العمل ونوع الدراسة ومدة التحصيل.
  15. ٩ ـ يجب على العلماء الحقيقيين في الحوزة أن يتواصلوا مع علماء العالم عبر وسائل الإعلام والإنترنت أو بالحضور المباشر، ويجب إشراكهم في التبادل والتفاعل، وإقامة مواجهات علمية ومسابقات تخصصية كجميع المجالات العلمية والرياضية، سواء مع المسلمين السنة أو غيرهم من غير المسلمين، فذلك يمثل أفضل حافز للنمو العلمي والعقائدي في الحوزة. يجب على رجال الدين أن يكونوا رواداً في نمذجة جميع المجالات المناسبة، إذ إن المشكلة الكبرى في النظام الإسلامي اليوم هي عدم الفاعلية في هذا الجانب. لقد فشل رجال الدين في وضع نماذج عملية لتعليماتهم وتوجيهاتهم، وإنما يطرحون مجرّد مبادئ جامدة لا تُعرف بشكل واضح ولا تملك أرضية تطبيقية.
  16. ١٠ ـ يجب أن تسير الحوزات نحو جعل العلم عملياً، بحيث يكون للكتب والعلم موقع تطبيقي واضح، وتتحدد نتائج الدراسة ومدة وكميتها بشكل طبيعي.
  17. ١١ ـ لا ينبغي أن تقتصر الحوزات على الحقوق الشرعية ونصيب الإمام والسادة فقط، لأن ذلك ثقافة استهلاكية. يجب على الحوزات تقديم أبحاثها العلمية في جميع المجالات داخلياً وخارجياً، وإذا أمكن، أن يتم تداول العلم عبر أسلوب تبادل وتفاعل صحيح. يجب أن يكون هناك قسم خاص لتبادل المعلومات والإمكانات العلمية، وأن تُعَدّ كفاءة عملية في هذا المجال، ويُعلن للعالم عملياً قبولنا للمشكلات العلمية في تخصصاتنا، مع توفير الإمكانات اللازمة للبحث والمعالجة.
  18. يمكن للعلماء الدينيين القيام بأبحاث ذات قيمة مادية، يتم تبادلها أو بيعها عالمياً، واستخراج العديد من الحقائق الإلهية والبيانات الخفية في السنة التي تحمل قيمة، والمنافسة عالمياً في هذا المجال.
  19. ١٢ ـ يجب تصميم أبحاث الحوزويين على مستويات مختلفة ولكل الدول والأعمار، بحيث تخلق نماذجً محفزة تعزز القيادة وتحقق الحضور الاجتماعي الفعلي، وتُشجع على البحث وتحقيق المنافع ورأس المال للحوزات.
  20. ١٣ ـ يجب أن تكون علاقة الحوزات مع الجامعات المحلية والعالمية علاقة علمية بحثية قائمة على التفاعل، إذ إن التعاملات الدعائية أو الواجهات الجسدية لا تكفي. يجب التعاون في الأبحاث والتبادل بين الحوزة والجامعة، ويجب أن تطلب كل جهة ما تحتاجه من الأخرى، مع تجنب التداخل بين التخصصات الجامعية والحوزوية.
  21. ما سبق هو جزء من المقترح، وكثير من المسائل ستظهر عند التطبيق العملي لهذا المشروع، وسيُعالج كل منها في حينه.
  22. ١٤ ـ يطرح سؤال: من هم الأشخاص الذين يجب أن يتابعوا هذه المسؤوليات الثقيلة؟ والجواب هو: بعد إيلاء الاهتمام لتنظيم النظام ووضع النظام الأساسي القانوني للحوزة والدولة، يجب إحداث نظام تعريفي ثانوي وبحثي فعال، حيث يُمنح العلماء في كل تخصص رتباً (1، 2، 3) بعد موافقة المجمع العلمي، ويتم منحهم شهادات علمية ورسمية.
  23. النظام العلمي يكون على النحو التالي: يبدأ بتشكيل مجمع من العلماء المشهود لهم والمرموقين، ثم يدافع المختارون عن أنفسهم ويردون على الدعاوى، ثم يدافع باقي المتقدمين عن أنفسهم بشكل منطقي، وفي النهاية يُكلف الأشخاص المؤهلون علمياً بالمجمع، ولا يُعتبر العمر أو الشهرة معياراً أساسياً إلا في البداية وعند الضرورة فقط.
  24. ١٥ ـ كل ما ذُكر هو أساسات النظام العلمي والدعوي لرجال الدين، ويجب إجراء بحوث حول عقائد الشيعة وتصحيحها، وكذلك حول الأخلاق المقبولة لديهم، والتخلق بها، وكذلك الأبعاد الاجتماعية والسياسية، بحيث تعود الحوزة إلى ملامحها الخاصة في ثلاث اتجاهات متميزة: العقائد، العلوم والتقنية، وتزكية الأخلاق والعمل الصالح.
  25. ١٦ ـ هذه المواضيع تأخذ في الاعتبار الوضع الحالي للنظام الحوزوي، ويجب أن يكون له نظام خاص بالنسبة لمن يرغب في الالتحاق بالحوزة مستقبلاً.
  26. لا يجوز لأي شخص الدخول إلى الحوزة بدون اختبار وفرز، ويجب تعريف المتقدمين وتطبيق الشروط والقوانين لقبولهم، بحيث يُختار الذين يملكون كفاءة في العلم والعقيدة والعمل، مع تطبيق قوانين وقائية لمنع مشاكل مستقبلية.
  27. ما يجب قوله في النهاية هو أن هناك العديد من المعارضين لهذه التغييرات الجذرية، من بين الذين نمت قدراتهم بشكل كاذب وطرحوا دعاوى باطلة، وهم يثيرون ضجة ويدعون أن الدين في خطر، ويريدون تدمير الحوزات، ويقولون إن هناك انقلاباً على الحوزات. لذلك يجب مواجهة هؤلاء المعارضين بشكل منظّم وفعّال، وهناك خطة عملية وسليمة لذلك، يمكن عرضها عند الحاجة.
  28. نظام الحوزات العلمية
  29. بعض الملاحظات:
  30. ١ ـ النظام المالي في الحوزات غير منظم ويعاني من الفوضى واللامسؤولية في الجمع والصرف، ويجب تصحيحه ليصبح منتجاً، بل وحتى عن طريق عرض وبيع “العلم” و”الابتكار” للعالم، ليُخرج الحوزة من حالة الاستهلاك والانعزال عن النظام العلمي العالمي، وتصبح مسابقة العلم وإنتاجه هي الأساس لتعزيز النمو والابتكار.
  31. يجب تنظيم جمع الأموال قانونياً، ويجب أن يكون المتلقي ضمن نطاق محدد لا يجمع الأموال من كل العالم ويصرفها في أماكن محددة بلا مسؤولية، حتى الطلاب لا يكونون مسؤولين.
  32. ٢ ـ يجب تحديد مجالات الحوزات العلمية مثل الفقه والفلسفة والتصوف وغيرها، وإيجاد بيئة صحية للارتقاء الكمي والنوعي لكل مجال.
  33. ٣ ـ يجب فصل الأقسام البحثية والعلمية عن الأقسام الدعوية، لأن اختلاط التخصصات يؤدي إلى الإهمال.
  34. ٤ ـ من مشاكل النظام الإسلامي الكبرى “عدم فاعلية رجال الدين في وضع نماذج”، ويجب أن تصبح العلوم الحوزوية تطبيقية مثل التخصصات الجامعية، وتحديد حاجات المجتمع والعمل عليها.
  35. ٥ ـ يجب أن يكون توجيه وقيادة رجال الدين والحوزات ليس على مستوى العامة فقط، بل بشكل شامل وعالمي، ويجب العمل عملياً في العالم وبشكل موضوعي، لتشمل الدعاية الدينية جميع شرائح المجتمع سواء مسلمين أو غير مسلمين.
  36. ٦ ـ لا ينبغي أن تكون الحوزات بدون نظام أساسي، ولا أن تُدار بشكل عشوائي، بل يجب أن تُدار جماعياً على المدى الطويل.
  37. ٧ ـ يجب أن يكون إدارة الحوزة في أعلى المستويات مع شخصيات علمية وروحية، ويتم اختيارها عبر اختبارات صارمة، وليس عبر التعاقد أو المجاملة، ويجب تنظيم الجهاز التنفيذي بنظام خاص.
  38. 2ـ منهج البحث
  39. الموضوع الذي يكتسب أهمية بالغة في منهج البحث، ويجب على كل طالب كمال ومفكر منصف أن يولي له عناية دائمة، هو الدقة في النظر واتساع الأفق الفكري.
  40. إن الوصول إلى المعارف والعلوم في أي مجال يتطلب الالتزام بالتعمق وعدم الاقتصار على جانب واحد فقط، والتجاهل لمثل هذا الأمر يجعل أي جهد مبذول عقيمًا بل ضارًا.
  41. التفكير الضيق والمحدود يعرقل مسار البحث العلمي ويقود الفكر الإنساني إلى الانحراف.
  42. (25)
  43. لا بد في كل نقاش من تتبع جميع جوانب وخصائص الموضوع بدقة وصبر، وبذل أقصى الجهود للوصول إلى حقيقة الأمر، دون الاقتصار على جانب واحد ضيق أو تصور ناقص للموضوع. فإذا نظر الإنسان إلى جميع جوانب ومسائل الموضوع العلمي بدقة، وتابع أسباب النفي والإثبات كاملة، فإنه يستطيع بالعقل والتدبر والجهد أن يصل إلى الحقائق المجهولة ويجري بحثًا علميًا ناجحًا. أما إذا دخل في أي مسألة أو موضوع بدون تأمل أو بعجلة وإهمال، وغفل عن الجوانب الأخرى، واعتبر الموضوع منتهياً وهو ناقص في حقيقته، فإنه يكون قد خدع نفسه وتسبب في التحريف والخراب. ومن هذا يتضح أن نسبة كبيرة من صراعات الشعوب وتشتت الآراء والأفكار في مختلف العلوم
  44. (26)
  45. والفنون والمعتقدات ترجع إلى هذا السبب.
  46. كل فرد أو مجموعة يركزون اهتمامهم على جانب معين فقط ويتبعونه، ويظنون أنهم وصلوا إلى الحقيقة ويطمئنون إليها، ويظنون أنهم نقوا وطهّروا أنفسهم، دون أن يدركوا أنهم في وهم وضلال وجهل.
  47. إذا جرت تبادلات فكرية وجلسات علمية بين مختلف الفرق الفكرية بصدق وإنصاف، وتمت المناقشة بعيدًا عن الخلافات والمآرب الشيطانية، فإن الكثير من المشاكل العلمية ـ العقائدية ستُحل بسهولة، ولن تصل البشرية إلى وضعها المتردي الحالي، مع أن اختلاف وتعدد الآراء أمر طبيعي ولا يمكن إنكاره.
  48. طريقة حل هذه المشكلة عامة تنطبق على جميع الأمور، سواء كانت مسائل علمية أو عقائدية أو من الحياة اليومية العادية. الإنسان دائمًا بسبب هذا الخطأ يقع في الحروب والصراعات المتنوعة.
  49. رغم أن البشر قد أنشأوا في عالمنا الحالي فروعًا متعددة من العلوم والفنون وحققوا نجاحات كثيرة، إلا أن النقص والعقبات التي تحملوها في مواجهة هذه المشكلة أكثر بكثير من نجاحاتهم.
  50. اليوم، في المجتمعات العلمية، رغم وجود الكثير من الأسرار والخفاءات، وتنافس الدول والباحثين في إخفاء أبحاثهم بهدف الربح أو عدم إتاحتها للجمهور، إلا أن هناك تبادلًا فكريًا وتعاونًا في كثير من المجالات العلمية، لكن للأسف، هذا المجال هو الوحيد الذي، بجانب التفكير الضيق، لا يوجد فيه أي تبادل فكري بين أفراده، ناهيك عن التبادل العلمي مع الطوائف العلمية الأخرى والمجتمعات المختلفة.
  51. كل صاحب نظرية، سواء كان ناضجًا أو خامًا، يجلس في منزله أو مختبر ذهنه المغلق والدغمائي، يفكر وينسج أفكاره، ويجري بحثه على أساس فكره المحدود، ويفرضها على مجموعة محدودة أو على عدد كبير من طلابه بخشونة وبشكل متسلسل، دون أن يعرض فكره على علماء آخرين ليتلقوا نقدًا وتحليلًا، وفي النهاية يعبر عن نتائج فكره المشوّه بشكل محدود وسري، ولا يهتم بآراء الآخرين، وهذا لا يؤدي إلا إلى العزلة والانطواء والجمود، بالإضافة إلى أن هذه الأفكار ذاتها انغلاقية، دغمائية، وجامدة.
  52. مع قليل من التأمل يتضح أن أي مجتمع أو بيئة علمية يكثر فيها الانفراد بالرأي، تتزايد فيه الجهل والاختلاف والتشتت والاضطراب.
  53. للتقدم لجميع الطوائف الاجتماعية والدول والأفراد، يجب أن يتوحد جميع البشر ويرتبطوا ببعضهم البعض، وينظروا بدقة في كل جوانب الأمور في كل النقاشات، وعلاوة على الخلافات العلمية، يجب أن تتوفر لديهم روح البحث عن الحقيقة، وليس الاكتفاء بالتشقيق في الجوانب وتفكيكها. كما ينبغي تأسيس بنوك معلومات واسعة في جميع الفروع العلمية والعقائدية، بحيث تتاح مسائل كل علم وفق أحدث النظريات العلمية لجميع الناس، لتجنب الأعمال المكررة والطرق الخاطئة والضائعة.
  54. يجب البدء في فصل العلوم الحوزوية، وفصل الأقوال الراسخة عن الأفكار غير المؤسَّسة، وعدم تقديم كل شيء معًا.
  55. منهج البحث في الحوزات محدود جدًا، مغلق، وركود. كثير من رجال الدين لا يصلون إلى مرحلة البحث والاجتهاد، والقليل الذين يدخلون هذا المجال يواجهون مشاكل كثيرة نوجزها فيما يلي:
  56. أ. كثير من المواضيع التي تُناقش قديمة، غير ضرورية، وقليلة الجدوى.
  57. (30)
  58. ب. لا يوجد اهتمام كافٍ بتحديد المواضيع الضرورية والملحة، والاكتفاء بالمواضيع الموجودة فقط.
  59. ج. البحث راكد، ولا يوجد طلب أو عرض في مجال الأبحاث، ولا توجد مراكز أو بنوك معلومات لاسترجاع أو تجميع الأفكار والأبحاث.
  60. د. لا توجد مرافق معيشية أو مستلزمات أساسية للباحثين، وكل عالم أو باحث يتحمل الصعوبات بشكل فردي، تقليديًا، أو بدافع العقيدة والقربة.
  61. هـ. لا توجد علاقة علمية بين الباحثين، والعلاقة الوحيدة هي بين الأستاذ والطالب بشكل شفهي وحواري من جانب واحد، ولا يوجد تبادل أو تعاون.
  62. ومن الواضح أنه رغم الجهود الخالصة والمتعبة، النتائج محدودة.
  63. (31)
  64. 3ـ التعرف على رجال الدين
  65. من المستحسن أن يتم فصل الطبقات غير العلمية من رجال الدين عن الحوزات، وأن تُؤمن لهم مراكز مناسبة، وأن تُبعد الطبقات العلمية عن الانفراد والعزلة، وأن تُنظم أفكار الباحثين في إطار علمي جماعي، وبعد التعاون وتبادل الأفكار تُعرض على الطلبة، وأن تُؤرشف كل الأفكار القديمة أو غير الضرورية.
  66. يجب متابعة الفروع التي كانت لدى العلماء السابقين والتي أصبحت ضعيفة أو محدودة اليوم، مثل العلوم الحقيقية، ويجب إدخال الفروع التي تحتاجها الحوزات وغير موجودة، وإلى جانب إعادة بناء العلوم النقلية، يجب استقبال العلوم العقلية بشكل مناسب.
  67. (32)
  68. الروحانيون الشيعة لهم جذور أساسية في المجتمع وقلوب المؤمنين وحتى الناس العاديين وغير المسلمين، ولا يمكن فصل هذه الطائفة عن الأنبياء والأئمة عليهم السلام، ولا يمكن اعتبارها مثل باقي المجموعات الاجتماعية. لذلك يجب النظر إلى رجال الدين في علاقتهم بالأنبياء والأئمة والقيادات الإلهية والسماوية عليهم السلام، سواء كنا نؤمن بهم أم لا.
  69. الاهتمام بهذا الجانب ضروري جدًا لأي باحث أو خبير اجتماعي يريد دراسة أدوار هذه الفئة الاجتماعية.
  70. (33)
  71. وعليه، إذا حاولت كل القوى المادية والمجموعات الاجتماعية في مجتمعنا مواجهة رجال الدين، فلن تحقق النصر، ولو استطاعوا إضعافهم فإنهم سيغيرون أساس الدين والدنيا والمجتمع الإسلامي، وهذا كارثة ستجر على الأقل المجتمع الإيراني إلى أزمة.
  72. الروحانيون مكانتهم في قلوب الناس كبيرة، ويقدرهم الناس أكثر من أنفسهم وأموالهم، بل يعتبرونهم كأنهم جزء من محارمهم، حتى يمكن القول: إن هناك نوعًا من القرابة والمحرمية غير المكتوبة بين المجتمع الشيعي وبينهم. الروحانيون هم تجسيد مطبق لقول “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم”(1)، وهذا الأمر على الأقل في مجتمعنا واضح.
  73. (1) – سورة الأحزاب، الآية 6.
  74. أحيانًا، الأمور التي لا يستطيع الناس مشاركتها مع أقربائهم، يشاركونها بسهولة مع رجال الدين.
  75. هذه الحالة لها جذور شعبية ودينية. عندما يولد طفل، سواء كان ذكرًا أو أنثى، يكون أول من يحتضنه رجل الدين، ويقرأ له الأذان والإقامة في أذنه، ويقبل وجنته قبلة قهرية، وعندما ينمو الشاب أو الفتاة، يكون رجل الدين هو الذي ينظم عرس الفرح لجميع الناس، حيث يزوج الولد بالبنت ويضع البنت في كنف الولد، ويشعر هذان الشابان بعد فترة قصيرة بأنهما عريس وعروس. وعندما يحين وقت الموت، يكون هو من يودع كل إنسان حتى نهاية حياته، ويراقب رحلته إلى دار الآخرة، وهذه الدورة الطبيعية تحدث لكل مسلم، ولا يمكن تصور مقام آخر أعلى من ذلك.
  76. (35)
  77. ولو افترضنا مستحيلًا، كمثال، أن يحدث خلاف بين الأنبياء ورجال الدين، وهما في الأصل من ذات المصدر، فمن منهما يجب أن يُقدم على الآخر؟ وأي منهما له الحق؟ لابد أن نقول إنه من المنطقي أن يكون الأنبياء مقدمين؛ لأنهم معصومون وهم من هدى ووجه رجال الدين؛ ولكن الحقيقة هي العكس والحق مع رجال الدين، لأن القول بأن رجال الدين باطلون يجعل الأنبياء أنفسهم باطلين، إذ إن رجال الدين فقط يقولون إن الأنبياء حق، وإذا بطل الأنبياء، يبطل كلام رجال الدين، فينتج عن ذلك بطلان الأنبياء.
  78. هذا التشبيه يشبه إذا افترضنا خلافًا بين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورب العالمين، فمن يجب أن يكون الحق معه؟ بالتأكيد تقول: “بديهي أن الحق مع الله، والإمام علي عبد من عباد الله”؛ ولكن يجب القول: إن الحق يجب أن يُعطى للإمام علي عليه السلام، لأن الله والأنبياء وجميع الناس منذ بداية الخلق يقولون إن الحق مع الإمام علي عليه السلام. فهل يمكن القول بأن الإمام علي عليه السلام باطل؟ العقل البشري يتجنب هذا الكلام ولا يستطيع التعبير عنه، فضلاً عن أن الإمام علي نفسه يقول: “الله حق”، فلو بطل الإمام علي، فلن يبقى مكان لحق الله، لأنه يقول: “بنا الله، بنا عرف الله، بنا بدأ وختم”.
  79. لذا، فإن نور الإمام علي عليه السلام وروحانية الشيعة التي تنبع من هذا النور لا يمكن أن تنطفئ أبداً، وهذان التياران، بالإضافة إلى كونهما مرتبطين ببعضهما البعض – لأنهما “خُلِقا من فائض طينتنا” – مرتبطان بسلسلة الأنبياء ورب العالمين، ولا يقبلا الفناء؛
  80. 1- بحار الأ، ج53، ص303.
  81. (37)
  82. رغم أن هناك احتمالية لتضعيف هذين التيارين بين الحين والآخر، وهذا سر من أسرار الخلق لا يعلمه إلا أصحاب القلوب، ولا يتحمل تعليمه إلا المخلصون للحق.
  83. عندما يدخل الإنسان في وسط رجال الدين ويتأمل في حياتهم وسلوكهم الظاهري، لا يصدق أن لهم هذه القوة والنفوذ، ولا يؤمن بأنهم كانوا سببًا في الكثير من أحداث التاريخ، وهذا سر يكمن في باطن الأمر، كيف يكونون في أقصى درجات التواضع والنقاء هم آخر من بقي؟
  84. يمكن القول إن أعظم معجزة في الإسلام بعد القرآن الكريم هي رجال الدين وعمامتهم، بالرغم من أن جميع الاستعمارين عبر التاريخ وحتى اليوم قاموا ضد رجال الدين وعمامتهم محاولين تدميرهم وإلغاء دورهم، وهم غافلون أن هؤلاء هم السبب غير المباشر في ازدهارهم وتقدمهم.
  85. (38)
  86. أكثر من ذلك، يجب القول إن بعض الفئات داخل المجتمع في كل زمن كانوا سببًا في عزلة وهزيمة رجال الدين، وكان لهم الدور الأكبر في إضعافهم، ورغم كل ذلك، لم يتمكن أحد منهم من تحقيق مبتغاه، وكما قال أحد العلماء، إرادة الله عز وجل قد جعلت رجال الدين وعمامتهم معجزة تاريخ الإسلام الحقيقي، تثبت أنهم قادرون، رغم أنظار الجهلاء والمعادين، على حماية الإسلام والقرآن بفضل عدد من الفقراء الذين يُدعون آخوندًا، ملا، روحاني أو عالم وعمامة، ويمثلون الولاية والعصمة والسنة إلى يوم القيامة.
  87. بالطبع، عندما نتحدث عن رجال الدين، يجب أن نعلم أن هذا المصطلح مساوي للإسلام، ويجب أن يكون له معايير وشروط خاصة، وإلا فلن يكون هذا الاسم صادقًا ولن يكون له صلة به، لذا فإن المصطلحات الجديدة مثل “الإسلام الحقيقي” و”الروحانية الملتزمة” هي عبارات خطيرة جدًا، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، لأنها تنبع من الاستعمار، حيث عندما فشلوا في كسر جسد رجال الدين العظيم، شرعوا في تفتيته، أي يقصدون تحطيمه، وإلا فلا داعي لهذه العبارات.
  88. فروحانية ملتزمة وإسلام حقيقي مثل العدالة الإسلامية أو الديمقراطية الإسلامية، لا حاجة للإسلام لها، ولا تحتاج إلى شرح، فكل ما هو عدل وحرية هو الإسلام ذاته، وما هو روحانية هو التزام فقط، فلا توجد نوعان من الروحانية الحقيقية والسليمة، وإنما هناك نموذج واحد، وكل ما هو خلاف ذلك ليس روحانية، سواء كانت ملتزمة أو غير ملتزمة، والإسلام لا يعرف إلا الصدق، فلا يوجد إسلام حق أو باطل، وإنما إسلام فقط، وكل ما عدا ذلك فهو ضد الإسلام والروحانية. الذين يحاولون تقسيم هذه المصطلحات العقائدية ليس لديهم إلا ضعف وعدم معرفة حقيقية، وهذه الخيانة الذاتية قد تكون ضربة قاتلة من أعداء الدين.
  89. بالطبع، لا ينبغي اعتبار فئة أو تيار فكري معين هو “الروحانية” أو تحطيم جميع أفكار هذا الطائفة، فهذا هو احتكار الفكر، وهو تفكير أحادي يؤدي إلى التفتيت. يجب البحث عن الروحانية مثل الإسلام في أبعاده المختلفة، وهذا أمر حتمي لكل عالم بعد اكتساب المعرفة والبحث أن يتبع نهجًا فكريًا ويحصل على منهج، ولا ينبغي الهروب من أي جانب من هذه البحر من الفكر وطبقات العلوم الدينية.
  90. يجدر التذكير بأن المعجزة التي قيلت عن الروحانية هي للعمامة والعالم معًا، وليس العلم وحده ولا العالم فقط ولا العمامة فقط، فلا يمكن لأي منهم أن يؤدي هذا الدور بمفرده، رغم أنه يمكن القول إن العمامة وحدها ليست أقل من العلم وحده، وهذا سر يحتاج للتأمل والفهم العميق. الذين يلخصون الروحانية في مصطلحات قليلة ويقولون إن العالم بلا عمامة ليسوا على صواب، فالعالم والروحانية بدون عمامة مثل الإسلام بدون آخوند، والذين يروّجون لهذه الفكرة يسيرون في طريق الأنبياء ويمتلكون فكر التشيع.
  91. قد يتساءل البعض: كيف يمكن لقطعة قماش أن يكون لها دور؟ وما المنطق الذي يجعل القماش رسام الفكر؟ لكن لا ننسى قول الشاعر:
  92. “أنت ترى الشعر وتلفه، وأنا أرى الإشارة في الحاجب”
  93. (42)
  94. لا ينبغي نسيان موضوع المعجزة وعدم الاقتصار على الظاهر، فهذه ليست قطعة قماش عادية. إذا كان القماش له دور، فيجب أن يكون تاجر القماش مركز الأفكار. قال أحدهم: ذهبت إلى سوق أصفهان، وكان الجميع يعرفونني وينادونني “حاج آقا” ويحيونني، وكأنهم يعرفونني، والجواب هو أنهم لم يعرفوك أنت، ولم يحيوك، وإنما عرفوا العمامة التي ترتديها، وعاملوك بالاحترام لأنها على رأسك. لذا يجب الحفاظ على هذه الوحدة والشكل التي اكتسبتها الروحانية عبر التاريخ ولا تزال، فدماء شهداء الإسلام معلقة بذلك، ومن يزيلون العمامة أو يقللون من أهميتها أو يغيرونها ويفككون هذه الوحدة، هم في الواقع يعادون “لكم في رسول الله أسوة حسنة” (1)، وهذا هو طريق أعداء الإسلام الذي يضر، عن قصد أو غير قصد.
  95. 1 – سورة الأحزاب: الآية 21.
  96. (43)
  97. طبعًا، يمكن أن يكون لرجال الدين أكثر من زي واحد، مثل زي القتال أو أشكال أخرى عند الضرورة، وهذا لا يتعارض مع ما سبق، كما أن الأئمة المعصومين عليهم السلام كان لديهم أكثر من نوع من الملابس، لكن يجب أن يكون كل زي موحدًا وليس مزيجًا من أنواع مختلفة، وهذا كارثة ودعم لأعداء الدين، وتخلي عن جبهة الحق.
  98. حب الروحانية ولباسها المقدس هو كحرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا، مثل الحب والولاء للإمام الحسين عليه السلام (1).
  99. 1 – 22 أبريل 1981 – مشهد المقدسة.
  100. (44)
  101. ٤ـ طبقات رجال الدين
  102. بناءً على الواقع الموجود في مجتمعنا، يمكن بشكل عام تقسيم الأشخاص الذين يُعتبرون من رجال الدين ويخاطبون الناس بصبغة دينية إلى عدة فئات:
  103. ١ـ قراء الروضات والمدائح
  104. هم القراء والمدائحون وقارئو القرآن الذين يقومون في كثير من الأحيان بأعمال العلماء، رغم عدم أهليتهم لذلك، إذ أنهم في الأصل ليسوا من الحوزات العلمية ولا درسوا فيها، ولا يملكون أي وعي علمي في هذا المجال، ويقتصر دورهم على إلهاء الناس بأمور باطلة وشكلية. وتضم هذه المجموعة عدة فئات، فمنهم من يمكن إعادة تأهيله ليكون مفيداً ومؤثراً، لكن للأسف كثير منهم بلا فائدة أو غير مناسبين أو حتى ضارين.
  105. ٢ـ الأخوندات الأولية
  106. تتألف هذه الفئة من أولئك الذين دخلوا الحوزات وقضوا بعض السنوات بينهم، واشتغلوا قليلاً بالعلم والنقاش، لكنهم لم يكن لديهم ميل قوي للاستمرار في الدراسة، أو واجهوا عوائق، فعادوا إلى الناس وبقوا في لباس قراء الروضات أو أئمة المساجد. رغم أنهم لم يكتسبوا علماً يذكر، فهم أفضل من الفئة الأولى، وأداؤهم بين الناس أفضل، لكن يمكن أن يسببوا مشاكل خاصة في الوسط الثقافي، إذ قد تكون أقوالهم وتصرفاتهم غير مناسبة لكثير من الناس، وقد تؤدي إلى الضرر بدلاً من الهداية.
  107. ٣ـ الأخوندات المدعون
  108. الكثير من الأشخاص في الحوزات قرأوا العلوم الأولية والمتوسطة بصورة عادية وغير دقيقة أو كاملة، مثل الأدب والمنطق والروايات والقرآن والفقه والأصول والتاريخ والمقتل. هؤلاء الذين يتابعون هذه العلوم بدرجات متفاوتة ولديهم استنتاجات منها، سواء بقيوا في الحوزة أو عادوا إلى الناس، قد يكون لديهم تعامل علمي مناسب أحياناً، لكن أحياناً يدعون ادعاءات غريبة، وتكون مراتبهم المعلنة غير واقعية، وغالباً ما تكون ضارة.
  109. يخرج بعضهم إلى الناس للدعوة والإرشاد، لكن من يبقى منهم في الحوزات لا يحقق ثمرة حقيقية، بل يكون عبئاً على الحوزات، إذ يتحملون تكاليفهم، ووجودهم يلوث البيئة العلمية بالبطالة والارتباك، وهو أمر خطير على الطلاب الشباب، وقد يؤدي إلى إحباطهم ومشكلات أخرى كثيرة.
  110. ٤ـ أهل الفضل
  111. هم أهل العلم الذين يمكن اعتبارهم أصحاب فضل، أي الأشخاص المتعلمين الذين درسوا وحاضروا وشاركوا في مجالس المنبر وبين الناس، ولديهم مستوى محدود من القراءة والاطلاع. يظهرون بمظهر مناسب ومعقول بين الناس، رغم أنهم ليسوا دقيقين في البحث والتحقيق، وغالباً ما تزيد مزاعمهم على جهودهم الحقيقية. وهم قريبون من العلم والتحقيق لكن لديهم مشكلات علمية عديدة لا يسعون لحلها أو لا يجدون الوقت لذلك.
  112. ٥ـ المجتهدون
  113. المجتهدون هم الذين درسوا بانتظام تحت إشراف أساتذة في الاستنباط الشرعي والأحكام الفقهية، ولديهم انشغالات علمية ودراسية. رغم أن أحداً لا يقلدهم شرعاً، فإنهم يعملون بشكل مستقل ولا يقلدون أحداً في المسائل الشرعية. قد يكون لبعضهم ارتباط علمي بأستاذه أو عالم آخر، أو مكانة علمية بين الناس. هؤلاء محترمون وله مكانة عالية، ومنهم من يشتغل بالبحث العلمي والاجتهاد.
  114. ٦ـ المجتهدون الأعلى
  115. بين المجتهدين يوجد عدد من أصحاب المراتب العلمية العليا، وهم الشخصيات البارزة وأعمدة الحوزة، وبعضهم يصل إلى مرتبة “المرجعية”، التي تختلف درجاتها، وتكون مركز رجوع الناس في المسائل الدينية. المرجعية تستحق أقوى وأكفأ المجتهدين، وإذا تحقق الاختيار الحقيقي، يمكنها حل العديد من مشاكل الناس الدينية والفكرية.
  116. بالطبع، يمكن لكل فرد أن يقلد أكثر من مجتهد في مسائل مختلفة أو متشابهة، وهذا لا يشكل مشكلة شرعية أو عملية، لكن قائد المجتمع الإسلامي يُنتخب من بين هؤلاء للحفاظ على الوحدة ومنع التشتت والاختلاف.
  117. ولاية الفقيه
  118. ولاية الفقيه ـ التي تُسمى “النيابة العامة” ـ من الحقوق المهمة للمجتهدين والفقيهين البارزين، وهم في زمن الغيبة بتفويض عام من الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يتولون شؤون الدين للشعب.
  119. تقسيمٌ آخر
  120. ما هو موجود في مجتمعنا بهذا الشكل والهيئة، من الفئات الأولى حتى المتخرجين من الحوزات العلمية، يُقسَّم لدينا إجمالاً إلى فئتين: الفئة الأولى هي العلماء والمجتهدون، وتشمل الفضلاء، المجتهدين، الأساتذة والمراجع، ونسمي هذه المجموعة «الطلبة» أو «العلماء». أما الفئة الثانية فنعتبرها تحت عنوان «الأخوند».
  121. الأشخاص الذين حظوا بالاهتمام الديني وذكر عظيم لهم، والذين ورثوا الدين، هم فقط الفئة الأولى، أما الآخرون فهم كالعامة ويجب عليهم أن يتوافقوا مع الفئة الأولى وإلا فإن أعمالهم لا تكتسب اعتبارات شرعية.
  122. يُعتَبر قول العلماء والمجتهدين (الفئة الأولى) حجّة عامة، أما قول الفئة الثانية من أهل العمائم — أي الأخوند — فلا يُقبل بالأساس إلا بعد التحقق من صحته. بمعنى آخر، إذا تم العمل بقولهم، فإن ارتكاب الخطأ لا يُبرر شرعاً للمُعمَل به، لأن كلام الفئة الثانية لا يتمتع بالحصانة الشرعية. لذا ينبغي التثبت من صحة أقوالهم قبل العمل بها.
  123. لا ينبغي إعطاء الأهمية المفرطة لمزاعم الأفراد، لأنها لا تكتسب مقام الإثبات في معرفة الحقائق، وغالباً ما تلعب الجدل دوراً مؤثراً. لذلك، يجب توخي الحذر الكامل وعدم الاعتماد على مجرد الادعاء، وهذا الأمر يثقل على الناس والمجتمع ويتطلب منهم اليقظة والانتباه.
  124. على هذا الأساس، لا يمكن الاعتماد على تعريفات وتمجيدات المحيطين والدعاة في معرفة الأشخاص وتقييم مواقعهم بدقة، بل ينبغي الحذر التام، إذ كثيراً ما تُبنى الشخصيات الزائفة بشكل جيد نتيجة للضجيج، وتحظى بقبول عام دون أن تكون مؤهلة أو جديرة.

الوجوه المتقابلة

في وسط العلماء والمجتهدين، تظهر وجوه متقابلة؛ فهناك فئة، رغم جميع مؤهلاتها ومكانتها العلمية، تختار الانعزال وتبتعد عن الضجيج والدعاية، في حين أن فئة أخرى تبذل قصارى جهدها لتحقيق الشهرة والمكانة، ولا تدخر جهداً في سبيل تحقيق أهدافها، حتى وإن اضطرت لاستخدام كل الطرق، الحسنة والسيئة، القبيحة والجميلة. في هذا السياق — كما ذُكر سابقاً — يجب على الناس أن يسيروا بحكمة وبصيرة أكثر نحو زيادة وعيهم ووعي المجتمع، وأن يبتعدوا عن الوجوه المثيرة للجدل والعناصر التي تفتقر إلى المحتوى أو ذات المحتوى الضعيف؛ لأن خلاف ذلك، سنشهد مجتمعاً يعاني من مشكلات مادية وروحية متعددة، مما يؤدي إلى اضطرابات كبيرة.

الجوانب الروحية والتأثير المتبادل بين الكم والنوع

ما تمَّ استعراضه حتى الآن هو الموقع العلمي للأفراد الحوزويين — أو لأهل العمائم والأخوند — والآن يُذكر بإيجاز الجوانب الروحية والعلاقة بين الكم والنوع في هؤلاء؛ إذ إن الجوانب الروحية، التي تلي الموقع العلمي، تمثل الشرط الأساسي، وهي التقوى والعدل الخاص. لذلك، يجب أن تؤخذ الجوانب الروحية والعلمية كل على حدة وبشكل دقيق بعين الاعتبار؛ لأن الجوانب العلمية فقط لا تكفي لقبولهم.

أما فيما يخص الكم والنوع في صفوف الحوزويين، فالعلاقة بينهما عكسية؛ أي كلما ارتفع مستوى الفضل والكمال، قل عدد هؤلاء من حيث الكم، وكلما انخفض المستوى، ازداد عددهم. يمكن القول إن الوجوه المتألقة في الحوزات والوسط الروحي تتعرض لهجوم أو مضايقة أو انشغال أو إهمال من جانب الكم الكبير، بحيث تتغلب الحقيقة والنوعية على الكم، مما يؤدي إلى تناقضات داخلية وارتباكات خارجية. ورغم وجود علماء فائقين مؤهلين حتى درجة استحقاق لقب «ورثة الأنبياء» في الحوزات، إلا أن الحوزات نفسها تعاني من وجود قوى مردودة كثيرة، ويعكس هذا الوضع ثنائية الكم والنوع داخلها، مما يسبب خسارة عظيمة.

الوجوه الحقيقية الأخرى

في تقسيم آخر، يمكن تصنيف الوجوه المقبولة في الحوزات إلى ثلاث فئات:

  • الفئة الأولى: العلماء المتخصصون في الظاهر، وهم الأذكياء الذين تصل ذروتهم إلى الاجتهاد والفقه، إلى حد تفسير الكلام والعقائد.
  • الفئة الثانية: العلماء الذين بجانب التدرج السابق، يدرسون الحكمة والفلسفة والتصوف بدرجة متوسطة أو كاملة، وهم يتمتعون بمقام جمعي أفضل وأكثر تأنياً في تحركاتهم وأقوالهم، رغم قلة وجودهم في مراكز المسؤولية. هم أقل انشغالاً بالظاهر أو المظاهر، لكن نجاحهم ليس كبيراً عددياً، وظروف الحوزات لا تتيح لهم فرصة نمو واسعة، وعدد قليل منهم فقط يستطيع السير بهذا الطريق.
  • الفئة الثالثة: الذين بالإضافة إلى مراحل الفئتين السابقتين، حققوا نجاحات محدودة أو واسعة في العلوم والفنون غير الظاهرية، مثل العلوم الغربية أو الحقائق الباطنية والشؤون الربوبية. هؤلاء قليلون، لكنهم يعادلون كثيرين من الفئات الأخرى، ويستحقون لقب «المقام الجمعي» ويسيطرون ويفوقون جميع الفئات السابقة، رغم أنه قد لا يكون لهم حضور ظاهري أو نفوذ شعبي، أو قد لا تلقي الحوزات أو الناس بالاً لهم بسبب المشاكل.

من الممكن أن يمضي البعض في الفئة الثالثة دون النجاح في الثانية، أو في الثانية دون النجاح في الأولى، وهذا المسار غير كامل في بعض الجوانب.

الروحانية الحقيقية

من المناسب في هذا المقال القصير أن نتحدث عن كيفية وجوب الكم والنوع في الروحانية، لكي لا يقع أحد في الخطأ أو الغلط في فهم هذه الفئة.

لو افترضنا وجود مئة ألف رجل دين، فينبغي اعتبار نصفهم بلا قيمة؛ رغم أن هؤلاء يمكن أن يستفيدوا قليلاً إذا وُجد برنامج صحيح، لكنهم في المجمل يسببون ضرراً عاماً للمجتمع ويؤخرون نمو الفكر العام.

ويجب اعتبار ثلاثين ألفاً من النصف الآخر علماء عاديين، لا يسببون أذى كبيراً، ويمكن أن يكونوا نافعين للآخرين.

ومن بين العشرين ألفاً الباقية، خمسة عشر ألفاً هم علماء، وخمسة آلاف هم أصحاب فكر وخطط مفيدة للمجتمع. ومن هؤلاء الخمسة آلاف، يمكن اعتبار خمسين منهم نخبة بشرية ومبتكرين، وخمسة فقط من هؤلاء يُعدّون حاملي الكمال والنقاء الفكري والمعرفي. هؤلاء الخمسة كلٌ منهم نجمة متألقة في طريق نمو الإنسان وسموه.

ورغم أن هذه المؤسسة الأصلية والديناميكية لطالما عانت من أحداث مأساوية وتحديات داخلية وخارجية، فإن هيكلها الأساسي بقي سليماً ومحصناً من كل ما يصيبها.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين جميع طبقات الروحانيين الذين يدعمون عقائد عامة واحدة ويتبعون الكتاب والسنة، إلا أنه لا يوجد تشابه حقيقي في النوع، إذ لكل فئة منهم ـ كالفقيه والمتكلم والفيلسوف والعارف ـ مجالات ذوقية وفكرية مختلفة، وقد سببت الخلافات والحروب في القرون الماضية صعوبات كبيرة داخل هذه الطوائف.

كما ذُكر، فإن الهيكل الأساسي والأصيل لهذا الصرح العلمي-الديني يمثل نسبة صغيرة مقارنة بالأشخاص الآخرين في هذه المجموعة، بينما الأشخاص الأقل علماً وتأثيراً يشكلون النسبة الأكبر، ومع الأسف، هؤلاء كثيراً ما يسببون مشاكل كثيرة ويعرقلون تقدم أصحاب الكفاءات العالية.

إذا ما دُعم المستوى العلمي والديني العالي للروحانيين بشكل كافٍ، وتم تقليل أعداد الجهلاء منهم ونفيهم، يمكن القول إن الروحانية هي الوجه الحقيقي، الأصيل، والحيوي للدين الإسلامي، ويمكن حينها التفاؤل بمستقبل مشرق لها؛ أما مع الوضع الحالي، فلا يمكن توقع مستقبل واضح بسبب المشاكل التي يسببها أولئك الذين يفتقرون إلى العلم ويعيقون تقدم العلماء الحقيقيين، مستغلين التظاهر والتزييف للتأثير على الساحة الدينية.

ومن المؤمل أن يسعى أولياء الدين والروحانيون بحكمة وقوة إلى معالجة هذه المشاكل الحقيقية.

ملخص

خلق الله تعالى جميع العوالم، ورفع الإنسان الكامل والمعصوم إلى أعلى مراتب الوجود، واختاره خليفة له بين البشر. في زمن الغيبة، حصر طريق العلم في البرهان والتشرّف بحضور المعصوم ـ وهو طريق غير متاح للجميع ـ لكن الله سهل طريق العلم للجميع للاقتراب من الدين وأصوله عن طريق أهل الباطن الذين يحملون المعارف والشرائع، أي علماء ربانيين وحكماء، يؤخذ منهم العلم والاجتهاد نيابة عن المعصوم ويجعلونهم قدوة وسنداً.

يجب أن يُتعرّف على الروحانيين الأصيلين الذين يحملون حقائق القرآن ويُجسّدون الدين بشكل سليم، فهم وحدهم القادرون على تفعيل الأحكام الإلهية وتحريك القلوب نحو الله، وتعريف المجتمع بثقافة الدين الحق.

حين نتحدث عن الروحانيين والعلماء والعارفين والسالكين، نعني هؤلاء الأشخاص الكاملين والسالمين، لا الفئات الضعيفة التي قد تتظاهر بالعلم وتدعي المعرفة بينما هي أضعف من عامة الناس.

فهم يشبهون ممرضاً يرتدي ثوب الطبيب، يعتقد أنه أكثر خبرة منه ويعالج المرضى وهم يجهلون حقيقته.

لهذا السبب يجب على الناس أن لا يحصروا الدين والروحانية في شكل محدود أو فئة محلية، بل عليهم بذل جهد للتعرف أكثر على الدين، واعتبار التعلم الديني جزءاً من حياتهم اليومية، وربط أنفسهم بالقرآن والسنة عبر علماء واعين ومطلعين، لكي لا يبتعدوا عن الدين أو يقعوا في فخ الجهل والتحريف.

يجب أن يطلب الناس أولئك الذين يتلو القرآن عليهم، وليس من يقرؤون القرآن فقط، وأن يتبعوا من يحمل كلامهم عبير العصمة، لا من يحملون كلاماً غير لائق ظاهره علمي وديني.

٦ـ الروحانية في حالة تحوّل

منذ القدم، كان من المعروف بين روحانيي الشيعة وعظمائهم أن الدين منفصل عن السياسة، ولم يتبع هذا المسار إلا عدد قليل من الأشخاص، وحتى هؤلاء لم يصلوا إلى المستوى العالي، سواء تم قبول ذلك أو لا.

وهذا الواقع لا يمكن إنكاره، أما كون هذا الأمر حقّاً أو باطلاً، أو مطابقاً لتعاليم الأئمة عليهم السلام في زمن الغيبة أم لا، فهذا موضوع آخر لا نتناول نقاشه حالياً، بل ننظر إليه فقط من ناحية التصور، دون نفي أو إثبات أو الحكم على صحته.

في بعض الأحيان، حصلت تحركات متفرقة من بعض أهل الدين تحركهم هذه الفكرة، خصوصاً بعد 15 خرداد 1341 هـ ش تحت تأثير أفكار السيد الخميني، وبدأت الروحانية تأخذ وضعاً خاصاً وتشكك في حالتهم السابقة، وانطلقت فكرة مقاومة الظلم والتدخل في السياسة.

في البداية، لم يكن أحد سوى السيد الخميني وعدد من رجال الدين الشباب ذوي الثقافة المحدودة وبعض الناس موافقين، بينما كان كبار السن يحاولون الابتعاد عن هذه النار، وأحياناً كانوا يعترضون أو يوافقون أو يتخذون مواقف متفاوتة.

لكن الحملات الدعائية القوية التي قام بها الطلاب الشباب الشجعان، مع فساد نظام الشاه الاستبدادي، جعلت هذه الفكرة والثورة تتبلور بسرعة، حتى أجبرت كبار السن على اللحاق بها، إما كرهاً أو رغبة، ومن لم يمتلك الجرأة أو القدرة على المواجهة اضطر بطرق قسرية أو تطرفية للسير في هذا الطريق.

بحلول نهاية نظام الشاه، أصبح غالبية العلماء ثوريين ووافقوا على هذه الفكرة، واتبعها المجتهدون والمقلدون بوعي أو دون وعي، وتم الوصول إلى النصر في الثورة، وضحى آلاف الشهداء، وانهزم نظام عالمي قائم على الكفر.

ومع ذلك، كان هناك علماء قالوا: “رغم أن هذا الطريق والمنهج ليسا الإسلام الحقيقي، وأن السيد الخميني لا يستشير أحداً ويتصرف بصورة فردية، فإن الواقع قد حدث، وحمل روحانية الشيعة مسؤولية، ولا ينبغي التخلي عنه، لأنه قد يضر الإسلام.”

في هذه المرحلة، لا نناقش ما حدث بعد الثورة، أو من تولى السلطة، ولكن من الواضح أن الجميع انقسم إلى ثلاث فئات: الغالبية منهم ثوريون ومؤيدون للسيد الخميني، وأقلية معارضة شرسة وداعية ضد الدين والثورة، وقلة غير مبالية وخائفة من المستقبل.

الفئة الأولى تظهر أقصى درجات التضحية، رغم وجود بعض الساعين وراء مصالح شخصية. الفئة الثانية لم تتوانى عن ارتكاب الجرائم بكل الوسائل الممكنة، أما الفئة الثالثة فتهتم فقط بحفظ مصالحها الخاصة.

وهكذا، من خلال هذه التجربة، برزت تغيّرات عميقة في روحانية الشيعة، حيث أصبح النشاط السياسي جزءاً لا يتجزأ من عمل كثير من رجال الدين، خلافاً لما كان سائداً في الماضي الذي فصل فيه الدين عن السياسة.

ورغم ذلك، بقيت هناك تحديات داخلية وخارجية تعوق هذا التحوّل، منها الصراعات بين التيارات المختلفة داخل المجتمع الديني، وكذلك الضغوط السياسية والاجتماعية التي تؤثر على دور الروحانيين.

كما أن بعض علماء الدين ما زالوا يتمسكون بالموقف التقليدي الذي يفضل الابتعاد عن السياسة، معتبرين أن التدخل السياسي قد يؤدي إلى تراجع الروحانية وفساد الدين.

على الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار أن الروحانيين الذين شاركوا في العمل السياسي قد أحدثوا تأثيراً واسعاً في المجتمع، سواء في مجالات التشريع أو التثقيف الديني أو التغيير الاجتماعي.

ويجب على روحانية العصر أن تتسم بالحكمة والوعي والقدرة على التفاعل مع المتغيرات المعاصرة، مع المحافظة على القيم الدينية الأصيلة، لتستطيع أن تلعب دوراً فعالاً في بناء المجتمع وتطويره.

ومع ذلك، يجب التنويه إلى أن هذا التحول في دور الروحانيين لم يأتِ دون تحديات ومشكلات جمة. فقد أدى انخراط بعضهم في السياسة إلى ظهور ظواهر سلبية مثل التنافس على المناصب، والانقسام بين التيارات المختلفة داخل الحوزة العلمية، وتضارب المصالح بين الدين والدنيا.

كما أن بعض رجال الدين الذين دخلوا المعترك السياسي لم يمتلكوا التأهيل العلمي أو الأخلاقي الكافي، مما أدى إلى فقدان الثقة في المؤسسة الدينية لدى بعض شرائح المجتمع.

ومن هنا، يتطلب الأمر من روحانية المستقبل أن تتسلح بالعلم، والتقوى، والابتعاد عن مظاهر الرياء والسمسرة السياسية، مع تعزيز دورها التربوي والتثقيفي.

وفي الوقت ذاته، ينبغي أن يدرك الجمهور ضرورة التفريق بين الروحانيين الحقيقيين الذين يحملون شعلة العلم والدين، وبين أولئك الذين يظهرون بمظهر الدين من دون أن يملكوا عمقاً علمياً أو روحانياً.

فالارتقاء بالروحانية لا يتم إلا بدعم الجودة العلمية والروحانية، والابتعاد عن الكمّ الهائل من الأفراد ذوي التأهيل المحدود، الذين قد يعطلون مسيرة التقدم ويعيقون التجديد.

وفي الختام، يبقى الطريق أمام روحانية الأمة واسعاً، لكن النجاح يتطلب تضافر الجهود، والحكمة، والتمسك بالقيم الحقة للدين، مع الوعي الكامل

إنّ العلماء الذين كانوا أغلبهم شبابًا وذوي ثقافة محدودة، في أعمار مختلفة، ساروا وراء السيد خميني وأهداف الثورة، ومعظمهم اتّبعوا مسارًا أحادي الجانب، إذ كانوا يرون أنفسهم محرّرين من كلّ قيد علمي أو شرعي، وكانوا أحيانًا يسخرون من هذه الأفكار ظاهريًا أو باطنيًا؛ مع أنّ بينَهم، بدرجات متفاوتة، أشخاصًا ورعين ومقيدين.

كان كبار العلماء والمراجع يخشون ويهابون، ويصمتون بحذر، وإن أظهروا رضاهم ولم يتكلموا، لأنهم كانوا يرون أن التيار الفكري لمن يديرون النظام لا يتوافق مع أفكارهم، فانبعدوا قدر الإمكان، وظلوا يراقبون من بعيد وهم مستاؤون، وأحيانًا عبروا عن استيائهم في الخفاء، وفضّوا عقدهم أمام أصحاب السر، مع فرق أن غالبية هؤلاء يحترمون آراء السيد خميني كمرجع وعالم راسخ، ويبررون سكوتهم بأن ذلك واجب، وأن إضعاف الإسلام يضرّ بهم.

أما حكّام الدولة ومديروها في السنوات الأولى للثورة، والذين غادروا البلاد، وأولئك الذين لم يكن لديهم ميل حقيقي إلى الروحانية، إضافة إلى جماعات دينية أخرى أو شبه دينية وغيرهم ممن كان لهم دور قبل الثورة، فقد خسروا أو هربوا أو اختفوا أو وقعوا في الأسر أو ماتوا أو سجنوا، نتيجة عدم توافق الفكر، والفساد الداخلي، والأوهام الباطلة.

وفي الوقت الراهن، لم يبق من رفاق الكفاح السابقين أحد، وكما يقول المثل: “علي بقي وحوضه”، أي السيد خميني وعدد كبير من آخوندات جدد وحماة، آخوندات متينون وشجعان، والحكومة بكاملها، وأغلبية الناس راضون أو ساكتون، والآخرون يعلنون رضاهم بصمتهم حتى يبقوا.

الغرض الأساسي من هذا النقاش، وإن كان فيه الكثير مما يُقال، هو التركيز على بعض النقاط التي يمكن تلخيصها على النحو التالي:

أولاً: ماذا سيفعل السيد خميني والروحانيون المتشددون والمحدودون مع الطلاّب الشباب والكثيرين منهم، ومع تقليدهم وتقليد كثير من الناس لهذا المنهج الفكري، في مواجهة الروحانيين القدامى من المراجع والعلماء والأساتذة والكبار أو المؤمنين بهم؟ كيف سيتوافقون مع بعضهم البعض؟ ماذا سيكون موقف خط السيد خميني الحاكم مع الآخرين المحكوم عليهم والمنعزلين؟

رأي الطبقة الحاكمة هو أن الروحانيين القدامى والشيوخ من العلماء الذين كانوا مؤمنين سابقًا وحتى الآن بفصل الدين عن السياسة، والذين اعتادوا على الخوف والتقية، وكان شعارهم دائمًا التفكير في الدرس والبحث والثمار العلمية البرزخية، لا يصلحون للعمل في السياسة والإسلام الثوري؛ لأن بهذا الفكر سيعود الإسلام والروحانية إلى وضعهما السابق.

ووفقًا لهذا الوضع، فإن الروحانية الحاكمة تُشتهر عمومًا بالجهل وقلة التدين، وعلى النقيض من ذلك، فإن الروحانية المحكوم عليها معروفة بالتدين الكامل والعلم الشامل.

الروحانيون الصامتون لا يعتبرون هؤلاء الحكّام علماء أو متدينين، ويقولون فقط إنهم أكثر نظافة من نظام الشاه، ومن حيث الثقافة أو الدين هم مثل بني صدر وشريعتى والبازرجان، الذين تعلموا الدين والإسلام من الكتب الفارسية والتعلم الذاتي، وهم إسلاميون بالكتب الفارسية والتعلم الذاتي أيضاً، ويسيرون على نفس الطريق، وقرأوا العربية وعددًا قليلاً من المقدمات بطريقة سطحية وضعيفة، لكنهم متحمسون، جريئون، أنانيون، مؤمنون، شجعان ولا يخافون، وباختصار ثوريون.

الطبقة الحاكمة تقول عن الطبقة المحكوم عليها: هؤلاء عباد الله قد رأوا الله في زاوية من البيت، وليس لديهم من الدين إلا مخزون من المصطلحات الجافة.

لا يملكون من الدين إلا مصطلحات جافة. هم جبناء، متكبرون بمعرفة زائفة، كسالى، بسيطون وأحيانًا ماكرون، يسعون لبناء أنفسهم وأقربائهم.

هؤلاء الطلاب الشباب والمتشددون، رغم أنهم يظهرون احترامًا لهؤلاء العلماء، إلا أن احترامهم في الواقع من مؤيديهم القليلين فقط، وهم يسخرون من الجميع، ولا يعترفون بأي قيمة قيادية لهم، واحترامهم الظاهري هو خوفًا من الناس وحرصًا على الوحدة وكثرة الأعداء. وإلا فهم لا يقبلون سوى السيد خميني ورفاقه، وكما يُقال، كما قال خميني: تحية للمراجع، وكلما مدحهم السيد خميني بمناسبة ما، يقولون: الغرض في الإنشاء، لا في المنشأ. لكنهم يقبلون انتقادات السيد خميني لهم بكل جوارحهم ولا ينسونها أبدًا، ولا يتوانون في تطبيقها.

رأيهم في هؤلاء هو أنه يجب

أن يستغلوا باحترام، وأن يُبْقَوْا جانبًا قدر الإمكان، وأن يُبعد الناس عنهم ويُقطع جذورهم الاجتماعية. في الخفاء، وأحيانًا عند الضرورة علنًا، إذا كان لهم لقب اجتماعي، يُمرر لهم السلام والتقدير حتى يموتوا، وإذا لم ينضبطوا وازداد معارضتهم وتمردهم، يُقضى عليهم فورًا وبسرعة بيد حزب الله، ويُخرجون من الساحة ولا يترك لهم أثرًا. وإذا لم يكن لهم لقب اجتماعي، فيُؤخذ منهم بسهولة ويُحاصروا ويُحجبون.

في نظر الطبقة الحاكمة، يجب التعامل مع هاتين المجموعتين هكذا حتى ينتهوا تدريجيًا، ويحل مكانهم علماء شباب وطلاب ثوريون وأفكارهم متفقة مع السيد خميني، سواء كانوا مؤهلين أو غير مؤهلين. المعيار الوحيد هو الفكر والخط؛ لا شيء غيره، لأن الحكم ليس لعبة ولا مزاح، ولا يمكن أن يكون هناك زعيمان وفكران. الحكم الديني لا يحتاج إلى مرشدين. الخط هو خط هؤلاء فقط ولا غير.

يجب أن يندمجوا أو يخرجوا من الساحة بسهولة ويُسكتوا، وإلا فإنهم سيتعرضون لعقوبة لا يبقى لهم فيها دين ولا ماء ولا دنيا، وسيكونون مثل فريسة في قبضة كلب معلم أسير بيد حزب الله.

أما المجموعة المحكوم عليها، فهما ينتظرون ما سيحدث بعد السيد خميني؛ لأنهم يعلمون أنه ما دام هو في القمة، فلا يمكن فعل شيء ولا شيء متاح لأحد. أما بعده، سواء كانوا هم أو لا، فهذا أمر آخر. وبكل الأحوال، خطهم سيبقى، وكلما ازداد السخط، يجدون مساحة أوسع، لكن ذلك في السر والخفاء، وخاصة بسبب الأعمال غير الناضجة للقادة والموظفين الحاليين الذين لا يتناسبون مع الحكم الإسلامي.

لأن الحكم يحتاج إلى عقل، وليس عبور جدول ماء يذهب فيه المجنون ويبقى فيه العاقل في حيرة.

لذا، هم ينتظرون، وهؤلاء ينتظرون، حتى يرى ما سيحدث. انتظار كل منهما قد يُرفع عن الآخر، أو ينتظران معًا مع مجموعة ثالثة، أو في وقت بعيد جدًا وطويل مع ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الذي سيُدين الجميع، وكما قال الخيام:

قومٌ متفكرون في سبيل الدين
وجمعٌ قد ظنوا أنهم على اليقين
أخاف يومًا يُنادى فيه
كيف للجاهلين أن يكون الطريق لا هذا ولا ذاك

والآن، لتحليل ونفي وإثبات كل واحدة من هذه الأفكار المختلفة مجال واسع للحديث، لكن ما ينبغي قوله هو: إذا استطاع رجال الدين أن يتحدوا ويتوحدوا، ليس بأن يكون الواحد منهم أو الآخر، بل بأن يصبح الاثنان واحدًا، وليس أن يختلطوا أو يصالحوا فقط، بل أن يكون رجال الدين المتدينين والعلماء، غيورين وثوريين، أو أن يصبح الثوريون متدينين وذوي علم، وأن يتحد الدين بعلم وعدل مع السياسة والثورة ويتخلصوا من الأهواء الشخصية، عندها سيُضمن مستقبل الثورة، وإلا فلا.

١- شهر اردیبهشت ١٣٦١ – السادس من رجب ١٤٠٣ هجري.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V