صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

اكتساب العلم والعنف

نشر في آذر 13, 1404 في

اكتساب العلم والعنف

حضرة آية الله (قدس الله نفسه الزكية)

البيانات التعريفية

  • المؤلف: ، (مواليد 1327 هـ ش)
  • العنوان: اكتساب العلم والعنف /
  • مكان النشر: إسلام شهر – دار نشر ، 1393 هـ ش
  • المواصفات: 131 صفحة؛ 14.5×21 سم
  • السلسلة: مجموعة الأعمال؛ العدد 154
  • رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN): 978-600-6435-67-1
  • حالة الفهرسة: فاپا
  • ملاحظات: قائمة المراجع على شكل هوامش
  • الموضوع: الإسلام – قضايا متفرقة
  • تصنيف الكونغرس: BP11 / ن8د2 1393
  • تصنيف ديوي: 297/02
  • رقم الفهرس الوطني: 2983486

المقدمة

يشغل التفكير في كيفية نمو وارتقاء المجتمع الإسلامي وسبل تطويره عقول جميع المسلمين. وفي هذا السياق، صدرت مؤلفات مثل “الروحانية والقيادة”، “الحوزة؛ التحديات والمشروعات”، و”العلماء الحقيقيون؛ تلاميذ الأنبياء” عن حضرة آية الله (دام ظله العالي). أما هذا الكتاب، وهو الرابع في هذه السلسلة من الكتابات التي تأتي في شكل مقابلات وحوارات مع الصحف والمجلات المعاصرة، فيتطرق المؤلف فيه إلى مستلزمات النظام التعليمي في الحوزات العلمية، ويجيب على الأسئلة التالية:

  • هل تلبي المناهج الدراسية في الحوزات العلمية حاجات الإنسان المعاصر؟
  • هل دروس الخارج التقليدية في الحوزات اليوم تتوافر فيها معايير التعليم الضرورية؟
  • هل الهدفية في طلبة العلوم الدينية آخذة في الضعف أم التراجع؟ وما هي الحلول لتعزيزها؟
  • ما هي الأضرار التي تهدد الحوزة من الناحية العلمية والأخلاقية؟
  • ما هي متطلبات تعامل الحوزة العلمية مع موضوع “الحركة البرمجية الناعمة” وإنتاج العلم؟ وما موقع الحوزات في توليد الفكر والنظريات العلمية؟
  • في النظريات، ما الفرق بين “الابتكار” و”البدعة”؟
  • هل صحيح أن هيكلة النصوص أو العلوم الحوزوية، لا سيما الفقه، ذات طابع فردي، فلا تستجيب للعلاقات الاجتماعية، وأن العديد من مشاكلنا العالقة تعود إلى هذا النقص؟
  • كيف يمكن لأصحاب الفكر والعلم في الحوزة أن يصلوا إلى قوة علمية تمكنهم من دعم الدولة الإسلامية بنظرياتهم؟
  • كيف يمكن توفير فضاء لتبادل الآراء والنقاشات في الحوزة ليتمكن النخبة من النقد البناء المتبادل في جو صحي؟

كما يوضح هذا النص موقع “علم الاستخارة” بين العلوم الدينية، وعلاقة الاستخارة بنفي القدرية، ويشرح مفهوم الذنب وتأثيراته في الحياة، ومسؤولية العلماء الدينيين في تشجيع الناس على الابتعاد عن الذنوب وطرق ذلك.

يطرح أيضًا أسئلة مثل:

  • هل يؤثر العلم الإنساني وظروف الزمان والمكان على تغيير مصاديق الذنب؟
  • لماذا تؤدي بعض الذنوب، كما ورد في الشريعة، إلى عواقب شديدة مثل ضيق الرزق أو منع قبول الدعاء أو حتى المصائب والموت المفاجئ؟
  • كيف يتعامل العلماء والدعاة مع مسألة الذنب؟ وهل هذا الأسلوب ملائم؟

وفي مقابلة أخرى، يناقش الكتاب “المرأة؛ المظلومة في تاريخها الدائم” وبعض تجديداته، وهي موضوع حوار مع آية الله (دام ظله). ويختتم قسم اكتساب العلم من الكتاب بهذا النص، ثم تأتي مقابلة بعنوان “البابا؛ العنف في خطاب العقل” التي تناقش مكانة الرحمة والعنف في الإسلام، وتنتقد كلام البابا بنديكتوس السادس عشر الذي حاول، عبر نقل مقتطفات من مناظرة إمبراطور بيزنطة مع مفكر إيراني في القرن الرابع عشر، تحدي مفهومي “الجهاد” و”العقلانية” في الإسلام. وقد كانت هذه المحاولة بدائية جداً، مما استدعى مناقشة المفهوم الصحيح للعقلانية في الإسلام في هذه المقابلة.

أما المقابلتان الأوليان فتتناولان تجديد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في إحداث انقطاع في مجرى التاريخ، وأسرار راحته، وطريقة دمج الأعياد الوطنية مع العزاءات التقليدية.

يجدر بالذكر أن عشرين مقابلة أخرى من مؤلفه قد نُشرت في كتاب “حوارات اجتماعية”.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لنفكر بوعي ونتأمل بوضوح في موقع القيادة لدى حضرة الأئمة عليهم السلام، فلا بد أن ندرس مسألة الإمامة مستندين إلى اختلاف الظروف الزمنية والتحديات القائمة في فترة خلافة بني أميّة وبني العبّاس. فقد كان للأئمة المعصومين عليهم السلام نظر خاص في التيار الحاكم، إذ كان المشهد السياسي والثقافي آنذاك يشهد وجود تيارين رئيسيين ومؤثرين، أحدهما ينتسب إلى الشجرة الطيبة للإمامة، والآخر مرتبط بالشجرة الخبيثة لخلافة بني أميّة وبني العبّاس.

وكان رد فعل الأئمة عليهم السلام تجاه الظروف السائدة متبايناً. فمن عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حتى عهد سيد الشهداء عليه السلام، نرى ظهوراً وحركةً وثورةً واستشهاداً، أما من زمن الإمام السجاد عليه السلام حتى الإمام الصادق عليه السلام فطبيعة القيادة تغيرت. إذ نلاحظ أن الأئمة في تلك الفترة كانوا يركزون أكثر على التعليم والتربية وبناء الوعي والبصيرة لدى الناس، دون أن يتدخلوا بشكل مباشر في القضايا الاجتماعية. أما في عصر الإمام الرضا عليه السلام، فقد توافرت له إمكانات الإدارة الاجتماعية والبيئة السياسية الملائمة، لكنه لم يستخدم السيف؛ فالسياسة كانت سيفه. ومن ثم، كانت أساليب تعامل الأئمة الأطهار عليهم السلام في كل زمن مناسبة لظروف ذلك الزمن ومختلفة عنها في أزمنة أخرى.

ومع بدء فترة الإمام الجواد عليه السلام حتى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، تغيرت استراتيجية الإمامة، حيث كان الأئمة عليهم السلام، وخاصة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، يُمهّدون لمرحلة الغيبة. ولهذا، كان حضورهم الاجتماعي أقل، تمهيداً لتهيئة أتباعهم لقبول الغيبة. ويُقال إن الإمام الحسن العسكري عليه السلام كان أحياناً يتكلم من وراء الستار، دون وجود أعين غير مأمونة، إذ إن الكلام من وراء الستار يحمل خطراً أكبر من الكلام المباشر، أو على الأقل يُثير شكوكاً أكثر، ومع ذلك كان يفعل ذلك تمهيداً لمرحلة الغيبة.

لذا، بالرغم من أن منهج قيادة الأئمة المعصومين عليهم السلام كان يقوم على مواجهة الظلم، إلا أن هذه المواجهة اختلفت باختلاف الأزمنة، وكانوا يتبعون استراتيجيات متباينة حسب مقتضيات كل عصر وظروفه. وكان خلفاء بني العبّاس يحاولون تقييد حركة الإمام قدر الإمكان، ويعينون أشخاصاً لمراقبته، وأحياناً يأمرونهم بإيذائه، لكن هؤلاء العملاء كانوا يلينون أمام لطف الإمام وكرامته وعظمته، ويرون فيه القائد الشرعي للأمة الإسلامية.

وبالتالي، كانت قيادة الإمام حكيماً وواعياً وبصيراً، لكن أسلوب قيادته كان خاصاً بفترة استثنائية لم تكن طبيعية. فالإمام الحسن العسكري عليه السلام، رغم حضور اجتماعي ضعيف، أنجب طفلاً واحداً فقط وهو الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، وبذلك كان يبعث برسائل خاصة. إذ بقي لفترة طويلة بدون ولد، ما أثار الشك والتردد بين بعض المقربين منه، حتى جاء الولادة التي لم تكن ولادة عادية. وفي هذه الظروف، كان الأصدقاء والخصوم يعيشون حالة من القلق، وإن اختلفت أسباب قلقهم، فالأصدقاء كانوا يخشون المستقبل ويحرصون على مصير الإمامة، في حين كان الأعداء مرعوبين من الغموض وعدم معرفتهم كيف يتصرفون.

لذا، كانت حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام تعبيراً عن هدوء ما قبل الآصفة، إذ كان على وشك أن تقع حادثة عظيمة. وقد كان له ولد واحد فقط، وكان ينوي تقديمه للعالم بطريقة غير تقليدية. وعظمة الإمام تكمن في أنه بالرغم من علمه بالحدث العظيم المقبل واستعداده له، حافظ على هدوئه بطريقة مدهشة.

ففي الواقع، أراد الإمام الحسن العسكري عليه السلام أن يقطع الاستمرارية التاريخية، إذ كان بإمكان أي شخص أن يعرض نسبه وأسلافه، لكنه أراد أن يجعل هذه الشجرة خالدة بطريقة مختلفة. بعبارة أخرى، كان هدفه أن يحقق التاريخ فجأة وليس تدريجياً كما جرت العادة.

وهذه العظمة تميز الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لأنه كان خاتم المولودين من الأئمة المعصومين عليهم السلام. هذه الرسالة التي أوكلت إليه جعلته يتخذ أسلوباً خاصاً في حياته. ونشهد من أقواله وأفعاله ما كان فريداً منه. فالأئمة المعصومون يواصلون طريق أسلافهم، إلا أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام اختار طريقاً مختلفاً، وكان هدوؤه يزعج أعداءه، ووقاره كان سلاحه الذي يعيي خصومه.

أما ما ورد في الكتب حول حياة الأئمة عليهم السلام، فيبدو كثير منه مكرراً، وإذا أردنا معرفة شيء عن حياتهم، نجد أن عدة مؤلفات تعيد نفس المحتوى. فما سبب ذلك في رأيكم؟

للأسف، نحن مقصرون في معرفة الأئمة المعصومين عليهم السلام. فآثارنا وكتاباتنا ربما تنقل بعض أقوالهم وأفعالهم، لكنها خام بحاجة إلى بحث وتحقيق كثيرين. فهم دوافعهم وفلسفة أقوالهم وأفعالهم أمر مهم يلبي حاجات اليوم. نقل الأقوال والأحاديث والتاريخ قيمته محفوظة، لكن تكرارها لا يعني العلم والوعي. الأهم أن نقيس إدارة وقيادة وتفاعلات الأئمة في ظروف مختلفة ونفهم استراتيجياتهم. ويجب أن ننظر إلى حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام من هذا المنظور.

عادة كبار العلماء يركزون على استدعاء التاريخ لا على إبداعه، أي أنهم ينقلون التاريخ أكثر مما يحلّلون ويستنبطون. لا يهم متى وُلد الإمام العسكري هل في ربيع الأول أم الثاني، بل ما طريقته وخطته السياسية التي اتبعها في حياته لها أهمية كبرى. وأعتقد أن معرفة الإمام الحسن العسكري بما سيكون عليه ابنه أمر مهم للغاية. قد ينجب الأبوان طفلاً دون أن يعرفا ما سيكون عليه مستقبلاً، لكن الإمام الحسن العسكري عليه السلام كان يعلم مصير ولده. ومن هذا المنطلق، إذا تأملنا في حياته وأقواله وأفعاله، ندرك استراتيجيته في زمانه.

نحن نقول إن حادثة كربلاء عظيمة جداً، أو سياسة الإمام الرضا مهمة للغاية، أو علم الإمام الصادق أو الإمام الباقر عظيم، لكن عن الإمام الحسن العسكري نقول إن له خصوصية فريدة، وهي أنه أنهى تسلسل العصمة وكسر هذا المسار المتتابع.

ونحن في معرفتنا بالأئمة المعصومين اكتفينا بمعرفة أنفسهم فقط، مع أن علينا أن نراهم في ظروف زمانهم، وأن نفهم سياسات الإمام الحسن العسكري في زمانه لأنه قاد خطوة كسر تسلسل العصمة. ومن يقطع مثل هذه الخطوة ويُحدث انفصالاً في التاريخ لا بد أن يكون كاملاً في العصمة ليتمكن من ذلك. أئمتنا ليسوا مجرد تكرار للتاريخ، بل هم امتياز التاريخ، ويجب أن نعرف هذه الامتيازات وكيف تمكنوا من الوصول إليها. ومع ذلك، فهم نور واحد منبعهم واحد.

ليس كل النصوص كاملة. نصوصنا على الطراز القديم، وكان أسلوب القدماء يتسم بالغموض والتلميح، مثل قولهم: “فاقْهَمْ”، “فتَأمَّلْ”. كان هذا الأسلوب سائداً في ذلك الزمان؛ ولكن في عالم اليوم، يُقدَّم أثقل المواضيع العلمية بأبسط لغة ليتمكن العامة من فهمها.

وبلا شك، لا يكفي أي من كتبنا في مجالات الأدب، الفقه، الأصول، الفلسفة، والتصوف. ومن جهة أخرى، المنهج المتبع فيها لا يخدم العلماء بصورة كافية. وهذا أمر متفق عليه من الجميع، ومن النادر أن نجد من يعارضه؛ لكن الحقيقة أن هناك أعمالًا قد أنجزت في الحوزة بعد الثورة. بعضهم حاول أن يجرد الكتب أو يختصرها، ولكن المشكلة لا تُحل بهذه الطريقة. علينا أن نكتب نصوصًا شاملة لكل التخصصات العلمية في الحوزة، بمعنى أن العلماء الكبار والمفكرين ينبغي أن يؤلفوا نصًا جامعًا يخدم المجتمع والعالم اليوم، كتابًا يحوي حلولًا عملية لمشكلات المجتمع والعالم. من الضروري أن يتحرك العلماء الأكفاء في كل مجال ليكتبوا نصوصًا متكاملة وثابتة.

في الحوزة يجب أن نُعطي العلم والعالم حقهما حتى يعمل كل فرد بدافع التخصص. حينها، يستطيع كل شخص في مجاله أن يحل المشكلات بشكل فعّال. ثم تُراجع النصوص المختارة وتُختبر، وبعد أن تثبت كفاءتها يُعتمد العمل بها. فهذه ليست مسألة شهر أو سنة، بل بعد التجربة والنتائج الإيجابية يُنفذ.

كيف تُقيّمون دروس الخارج السائدة في الحوزات العلمية اليوم؟

حالياً، يمكننا تحديد مشاكل دروس الخارج كما يلي:

  1. أول وأهم مشكلة لدينا هي أن الحوزة اليوم لا تملك دورة سطحية مناسبة تؤهل لدروس خارج عالية الجودة. كان الرأي التقليدي أن نتبع ما فعله السلف، “فعلوا كذا فنفعل نحن”، لكن لا يجوز أن نهدر وقت الطالب بهذه الطريقة. لأن البنية التحتية في الحوزة ضعيفة، فلا معنى لحديث دروس الخارج.
  2. يجب أن يكون من يُدَرِّس دروس الخارج من ذوي الخبرة في تدريس دروس السطح سنوات طويلة، لكن أحياناً يبدأ البعض دروس الخارج بدون إتقان للسطح. في الماضي، لو أرادوا السخرية من أحدهم، يقولون: “هو يقرأ الخارج مع السيوطي”. من يُدرِّس الخارج يجب أن يكون قضى معظم عمره في تربية الطلاب في المستوى السطحي. هؤلاء أصحاب رأي مستقل يستطيعون الاجتهاد والاستنباط، لا أن يأخذوا الإذن من غيرهم، إذ يجب أن يكون من يمنح الإذن قد اجتاز امتحاناً صارماً. المشكلة في حوزتنا أن الطلَّاب يُمتحنون باستمرار، أما من في الأعلى فمن يختبرهم؟ لا بد أن يُمتحن الأعلى أولاً ليُعرف مستوى علمه، ثم هو بدوره يختبر الآخرين.
  3. من يريد التدريس في الخارج يجب أن يعرض الأحكام الإسلامية بأسلوب حديث وعملي، ويطرح مناقشات جديدة ومبتكرة لم يخطر ببال الشيخ أو لم تُطرح في زمن الشيخ المفيد، الكليني، أو الشيخ الطوسي. يجب أن تكون المناقشات حديثة ومبتكرة ومتوافقة مع مشكلات الإسلام، الثورة، المجتمع، والنظام اليوم.

اليوم، لا تقلد حكومتنا الحوزة، لأن دروس الخارج لا تلبي احتياجاتها. في زمن ما، كان بعض ضعاف العلم يقلدون عالمًا، وكفى الشكوك في ذلك؛ أما اليوم فالنظام والدولة الإسلامية بحاجة إلى اجتهاد يعالج قضايا مثل الطاقة النووية، الاقتصاد الإسلامي، المضاربة، المساقات، وغيرها. فكيف للحوزة أن تعطي رأياً في قضايا لا تعرف عنها شيئاً؟

الحكومة الإسلامية تسألنا: “بأي آلية يمكنني القضاء على الربا في المجتمع بينما النظام العالمي يشجعه؟ هل يمكن أن نصدر فتاوى تحيّد الربا دون التأثير على النظام العالمي؟” هذه هي الأسئلة التي تطرحها الدولة. لم يعد الوزير يسأل عن الشكوك في الصلاة؛ النظام يعاني من مشاكل فقهية في قضايا كالموسيقى، الغناء، الحجاب، السفر، وغيرها.

على سبيل المثال، في طهران بعض الناس يصلون صلاتهم مفروضة، وآخرون يتممونها؛ لأن بعض العلماء يقولون إن الانتقال من جهة إلى أخرى في المدينة يفطر الصلاة، وآخرون لا يرون ذلك. من لا يستطيع حل هذه المسائل كيف يمكنه التعامل مع نظام يجلس أمام 25 دولة أوروبية؟ لذلك، تعمل الحكومة وفق فتاوى خاصة بها.

الاقتداء بالحوزات يجب أن يبدأ من النظام نفسه، بحيث يقلد النظام الحوزة ويقتدي الناس بنظامهم. يجب أن تكون للحوزة هيبة تجعل النظام يقلدها في مجتمع شاب وثوري يتحدى العالم.

من المهم مراجعة دروس الخارج ومواضيعها وعددها، فبعضهم يرى أن هذه النقاشات لا تخصهم وأن على الحكومة حل المشكلات. لكن هل الحكومة هي المرجع الأعلى؟ إذا كانت الحوزة نشطة وقوية، تكون دعماً للقيادة والحكومة.

شرط آخر لدروس الخارج هو أن تكون المناقشات جديدة وعصرية، وليس مجرد تكرار لما قيل قبل ثمانمائة عام. مع الأسف، الحوزة تعاني في هذا الجانب.

يجب أن تكون دروس الخارج قوية علمياً، وأن تُرفع عنها المسائل الجانبية التي تعيق الاجتهاد والعلمية.

كما يجب التركيز على الجودة لا الكم؛ فالمهم أن يحضر الخارج من أكمل دروس السطح. قديماً كانوا يقولون من يحسن السطح لا يحتاج إلى الخارج، ومن لم يحسن السطح فلن يفهم الخارج ويحتاج إلى إعادة السطح. علينا إزالة الكم الزائد. بيئة الحوزة يجب أن تكون واضحة ومفهومة؛ لأن عدم الوضوح يجعل الطلاب يفتقدون الحافز، وهو أمر واضح النتائج.

هل كثرة المشاركين في دروس الخارج قوة أم ضعف؟

برأيي هي ضعف. الشيخ الأنصاري، ابن سينا، وغيرهم كان لهم عدد قليل من الطلاب، لكنهم كانوا إما أعظم من أساتذتهم أو يعادلونهم. هذه الحالة غير موجودة في حوزاتنا، فالكثرة لا تعني كثرة العلم.

ابن سينا قبل ألف عام ربى تلميذاً واحداً ولم يترك وراءه كثرة. كثرة الطلاب تجعل الأستاذ يغفل عن الأذكى، ولا يحدث تواصل علمي حقيقي. الأستاذ المرحوم آقا مرتضى حائري رغم كثرة الحضور في المسجد، كان له أقل من خمسين طالباً، لكن منهم أربعون عالم ومرجع.

الأصول ليست الكم بل الجودة، وهي علم له مردود وتأثير وينقل الحقيقة بوضوح.

أين تكمن المشكلة؟ هل المشكلة في الحوزة أم في الطلاب؟

بالتأكيد المشكلة ليست في الطلاب. لو سألت دائرة التوظيف في البلدية عن أعداد المتخصصين، يزودونك بتقرير كامل. أما في الحوزة، فلا أحد يعرف عدد العلماء والعلماء الكبار، وإذا عُرفوا هناك مشكلات قبول بين الفرق. الطلاب ضائعون بين هذا وذاك.

يجب أولاً تحديد الوجوه العلمية في الحوزة بالدليل والبراهين، فالإجازة ليست مجرد عصا أو لحية بيضاء. يجب أن يجروا مناظرات ومسابقات علمية ليتبين مقدار مهارتهم في العلوم.

للأسف، لا توجد مسابقات علمية في الحوزة، أي لا يوجد منافسة أو اختبار علمي. يجب أن يُقام تنافس علمي، ويُثبت الاجتهاد بدليل، مثل أن يقول: “أنا فعلت ما لم يفعله الشيخ الأنصاري” أو “اكتشفت مسألة لم يكتشفها الشيخ المفيد”. حينها يصبح الاجتهاد علماً تطبيقيًا.

الحوزة يجب أن تُنتج العلم، وهذا الإنتاج قليل جداً لدرجة أنه غير مرئي.

بالتالي، كثرة الحضور ليست دليلاً على القوة، ويجب التركيز على الجودة. الحوزة والإدارة والكبار يجب أن ينظموا العمل بناءً على الحقائق.

ما هي البرامج التي تعزز هدفية الطلاب؟

أفضل طريقة لتحقيق ذلك هي المسابقات العلمية. يجب أن يُعرف كل أهل العلم أولاً، ثم يُختار مدير ذو شأن علمي أو عمر، ويُنفذ برنامج علمي متكامل لتعزيز البنية العلمية للحوزة. ثم تُنشأ مؤسسة علمية تستقبل الأعمال وتُدقق، ليُخرج منها كتباً ومقالات.

مراجعة الوضع العلمي للعلماء والعظماء في الحوزة، وعدد الفلاسفة، والفقهاء النشطين، والمفكرين، والمتصوفين الكاملين والوصوليين… يتم تحديدهم، وينشأ بينهم مسابقات ومناظرات علمية. وبشكل قهري، يرتفع دافع التعلم عند الطلبة الحوزويين. لذا يجب تحديد العظماء والطلبة المتميزين وأولئك القادرين على تخصيص وقتهم بالكامل للعمل العلمي، ويجب أن يُؤمن لهم الدعم الكامل في شؤون حياتهم، حتى لا يشغلهم البحث عن أرخص الأماكن لإصلاح حذائهم. كيف يمكن لطالب لديه عدة دفاتر أقساط أن يكون نشط التفكير؟ يجب علينا توفير البيئة المناسبة للطلبة المؤهلين عبر المسابقات والمناظرات العلمية والتعرف على أهل العلم. هذه الطريقة متبعة في جميع المراكز العلمية في العالم. إذ يقدمون مقالاتهم وأبحاثهم وآرائهم، ويقوم فريق من المختصين بمراجعتها وتقييم مستوى المعرفة لديهم. لهذا السبب تُباع المقالات المكتوبة في بلدنا في كندا، لأنهم يعرفون قيمتها العلمية. إن حيوية الحوزة تحتاج إلى الحافز، والحافز يتولد من المسابقات والمناظرات العلمية والتعرف على أهل العلم.

ما هي، في رأيكم، الأضرار العلمية والأخلاقية التي تهدد الحوزة العلمية؟

أول ضرر يهدد الحوزة والطلبة هو طريقة القبول الحالية. لا يجب أن يكون لدينا قبول، بل يجب أن نعتمد على «الاختيار». إن أعظم خطيئة اليوم هي أن يدخل شخص يعاني من نقص في المعلومات المعاصرة إلى الحوزة. في الماضي، كان البعض يعتبرون دروس الحوزة صعبة وثقيلة، وكانوا يقولون:

“من قرأ صرف مير مير، يكسر سبع أقفال وسبع سلاسل”

أو يقولون:

“مطول سر زلف جانان بود، ولی مختصر خواندن آسان بود”

هؤلاء الذين كانوا يرددون هذه الأبيات أو لديهم هذا الاعتقاد، كانوا قادمين من قرى نائية وليس لديهم معرفة، فكانت هذه الكتب صعبة عليهم. ولكن الآن، مع حصولهم على شهادة دبلوم، لم تعد تلك الدروس صعبة عليهم. لهذا السبب، أولئك الذين يدخلون الحوزة بهذا المستوى العلمي يدرسون أقل، ويدرسون فقط قبيل الامتحان ويحصلون على الدرجة الكاملة لأنهم لديهم معلومات عامة مسبقة. لذلك، لا يجب قبول أحد بشهادة «السیکل» في الحوزة. كيف يمكننا تحليل فلاسفة مثل كانط وهيغل بشهادة سیکل؟ يجب أن تتأصل مسألة الاختيار في الحوزة، بمعنى أن يُعرف العباقرة، والمفكرون، وأصحاب البلاغة، والذوو الفضل، ويتم اختيارهم. حتى يوم لا يعمل الحوزة بالنظام الحالي من القبول، بل بالاختيار، فلن تصل إلى نتيجة!

اليوم، حتى موظف البلدية يجب أن يكون حاصلاً على شهادة دبلوم. القوانين الحكومية الحديثة لا تقبل توظيف ذوي الأمراض الجسدية؛ يجب أن يكون الشخص ذا طول مناسب، وقلب سليم، وأعصاب قوية، وغير مدمن. يجب أن تضع الحوزة مثل هذه الشروط؛ لأن هذا الشخص في المستقبل سيكون بمثابة خليفة للرسول والأئمة، وعلية أن يكون معافى بدنياً.

بعد الاختيار، يجب دعم الطلبة بدعم ثلاثي: أولي، متوسط، وعالي.

الحمد لله، يوجد دعم أولي في الحوزة، حيث يخصص للطالب حجره وراتباً بسيطاً ويوفر له أستاذاً، وهذا الدعم جيد وربما أفضل ما تحقق حتى الآن. لكن حين يصل الطالب إلى المرحلة السادسة، يتلاشى هذا الدعم شيئاً فشيئاً. لقد ترك الطالب منزله وجاء إلى قم، ويريد الزواج لكنه يقابل الرفض في كل مكان. يجب على الحوزة دعم الطلبة، فمثلاً يمكن لمجتهد أو ممثل أحد المراجع أن يتقدم لطلب الزواج نيابة عنه، ويعلن نفسه كولي أمر له، لأنه قد غادر والده وانتقل إلى قم.

الكثير من المشاكل التي تؤثر على الأساس العلمي والأخلاقي للطلبة تنتج عن الزواج. هذا هو الدعم المتوسط. أما الدعم العالي، فهو إزالة العقبات العلمية. يجب أن تتحرك الحوزة بحيث تُرفع العقبات عن أهل العلم. كثير من العلماء يواجهون صعوبات كثيرة، ويجب على الحوزة أن تزيل هذه العقبات بحيث لا يلجأ العالم إلى الدنيا بل يحافظ على زي طلبته ويتناسب مع عالم اليوم.

يجب أن يكون للحوزة نظام يحتذى به من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة” (سورة الأحزاب: 21)

أي أن يحافظ على التناسب بين الشخص والدين. للأسف، هذا غير موجود؛ فالجميع يبدأون بالاهتمام بالدنيا ثم يتجهون إلى الآخرة في نهاية العمر، بينما الطالب الحوزوي يبدأ بالآخرة وينتهي بالدنيا. وبهذا يمكن معالجة المشاكل العلمية والأخلاقية على ثلاث مستويات: ابتدائي، متوسط، ونهائي.

إذا كانت لديكم توصيات خاصة أخرى، يرجى الإفصاح عنها.

في الختام، من المناسب ذكر خصائص العالم. يجب أن نولي اهتماماً كبيراً للاعتقادات، خاصة الاعتقاد في ولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام. أصل الدين مرتبط باعتقاداتنا، والولاية من ولاية الأئمة المعصومين إلى ولاية الفقيه لا تختلف، فهما متكاملان، ويجب أن تكون الولاية لتحقيق الدين كاملاً. الدين بدون ولاية لا يتحقق إلا جزئياً، سواء كانت ولاية الأولياء المعصومين أو الفقيه الذي يتمتع بالعلم الكامل، والصلاح الكامل، والصحة، والقدرة والإدارة.

أول خصائص العالم الديني هو اعتقاد صحيح يضم معرفة الحق وولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام.

النقطة المهمة الثانية هي الاهتمام بالعلم. نحن لم نأت إلى الحوزة لمجرد كسب الثواب. الناس يكسبون الثواب حتى من خلال العمل اليدوي بنية القربة. أما في الحوزة، فالبنية يجب أن تستند إلى العلم القوي. إذا كان الإنسان ضعيفاً في العلم، فلا ينبغي اعتباره جزءاً من الحوزة.

النقطة الثالثة المهمة هي الأخلاق:

“لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة”

و

“بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”*

يجب أن تنمو الأخلاق كثيراً في الحوزة.

الأمر الآخر الضروري للعلماء، خصوصاً الشباب، هو الاجتماعية، والثورية، والشعبية. هذه من المبادئ الأساسية للطلبة الحوزويين. يجب أن يكون الطالب اجتماعياً، وشعبياً، وثورياً لكي يعيش مع الناس ويفكر لهم. لا ينبغي أن يكون الطالب لا مبالياً بالثورة، أو النظام، أو قيادة عالم الإسلام، أو سير الأحداث في البلاد والعالم. هذه المبادئ من المبادئ العقلية الأولى. إذا تربى الطالب على هذا، ستكون لدينا أفضل الحوزات. يجب أن نستطيع أن نتحمل جزءاً من قيادة العالم، وأن نتحمل مسؤولية العلم والأخلاق، أي يجب على الحوزات أن تقود المجتمع والعالم. القيادة ليست أمراً شخصياً، بل الحوزة يجب أن تتولى قيادة النظام والعالم، والمقام القيادي هو رمز الحوزة.

بالطبع، بعض الأعمال قد أنجزت، ولكن لا ينبغي أن نرضى بهذا القدر، بل يجب حل المشاكل بشكل جذري.

نشكر الوقت الذي منحتمونا إياه.

الباحثة التي قدمتموها تتناول موضوعاً عميقاً ومهماً حول واقع الحوزات العلمية وعلاقتها بالمجتمع، وضرورة التجديد والابتكار في العلوم الدينية. يمكن تلخيص النقاط الرئيسية للنص كما يلي:

  1. الاختلاف بين حالة الحوزات في الماضي والحاضر:
    كانت الحوزات في زمن الشيخ الأنصاري تعيش في مجتمع أميّ، حيث لم يكن في الحي أو القرية اثنان يستطيعان الكتابة أو تدوين رسالة، فكانت الحوزات في تلك الفترة متقدمة على المجتمع، وعلماؤها كانوا متفوقين على مستوى عامة الناس.
  2. تخلف الحوزات الحالية عن المجتمع:
    اليوم، بالرغم من التطور الكبير في المجتمع ومستويات التعليم، تستقبل الحوزات طلاباً بمستويات تعليمية منخفضة كالشهادة الإعدادية، وهذا يعد تقليلاً من شأن العلوم الإسلامية ومؤسسات الحوزة.
  3. ضرورة الابتكار والإبداع العلمي:
    التعليم في الحوزات يعتمد بشكل كبير على الحفظ والتلقين، مع غياب الابتكار والتجديد، مما يحول الطلاب إلى ناقلين للمعلومات فقط وليس منتجين للعلم الجديد.
  4. التمييز بين الابتكار والبدعة:
    الابتكار هو الكشف عن معاني جديدة في النصوص الشرعية بوعي علمي، ولا يتعارض مع الدين، أما البدعة فهي مخالفة شرعية تنسب للدين ما ليس منه.
  5. فقه الحوزات فقه اجتماعي يمكن تطويره:
    الفقه ليس فردياً بطبيعته بل هو قادر على معالجة القضايا الاجتماعية، ولكن بسبب الظروف السابقة لم يتمكن الفقهاء من العمل في المجال الاجتماعي والسياسي كما يجب.
  6. أهمية تجهيز الحوزات لتكون داعماً للقيادة:
    القيادة تحتاج إلى دعم فكري وعلمي قوي، وهذا الدعم لا يمكن أن يأتي إلا من حوزات علمية متطورة قادرة على مواجهة تحديات العصر.
  7. لم تكن الحوزات متأخرة فحسب، بل كانت رائدة أيضاً. أما في زماننا الحالي فلا نرى هذا الواقع. وضع زماننا مختلف عن وضع زمان، على سبيل المثال، المرحوم الشيخ الأنصاري. إذا قارنتم هذه المرحلة بتلك التي عاشها الشيخ الأنصاري، ستؤكدون كلامي.
  8. كان الشيخ الأنصاري يعيش في عصر كان أغلب الناس فيه أميين، ولم يكن من الممكن أن تجد في حي أو قرية اثنين يستطيعان الكتابة أو تحرير رسالة. مع ذلك، كان الشيخ في ذلك الوقت مجتهداً وشيوخياً، وحتى اليوم يُعتبر مجتهداً وشيوخياً، بمعنى أنه في الفقه والأصول هو سلطان الحوزات وقائد الميدان.
  9. الحقيقة أن حوزاتنا العلمية متأخرة عن مجتمعها. اليوم هناك نحو مليوني طالب يتقدمون للالتحاق بالجامعة، لكن ليس كلهم قادر على الدخول، ومعظمهم يبقى في قائمة الانتظار. وإذا أراد أحدهم التوظف في أعمال البلدية، يجب أن يكون حاصلاً على شهادة الثانوية العامة، فالبلدية لا توظف من دون شهادة. لكن ماذا تفعل الحوزة؟ تقبل طلاباً بشهادة متوسطة فقط. هذا الوضع يعني أن الحوزة متأخرة عن المجتمع بمئات السنين. إن حفظ شخص لمكاسب أو کفایه لا يعني أنه عالم. حين كتب المرحوم الشيخ مكاسب، وكتب المرحوم آخوند کفایه، لم يكن مجتمعنا يعرف الكتابة. أما اليوم، فقد تطور المجتمع، ويحتاج إلى سنوات من الدراسة والحصول على شهادة ثانوية للعمل حتى في وظائف بسيطة. من وجهة نظري، أن تقبل الحوزة طلاباً بأقل من شهادة الثانوية هو إهانة للعلوم الإسلامية وللحوزة وذنب لا يغتفر. لقد تقدم العالم اليوم كثيراً ولا يمكن أن ننظر إليه كما في سنوات قليلة مضت. لا يمكن تحميل شخص أمي العلم، وهو الشخص الذي لا توظفه البلدية. الشخص الأمي في أساسه، ولو وصل إلى الاجتهاد أو الفلسفة أو مراتب علمية، سيبقى أميّاً. قبل ثلاثين أو أربعين سنة، كان معلمونا يقرؤون ست سنوات فقط، وكان يُعتبر معلم الست سنوات من المتعلمين، أما اليوم فهذا لم يعد كافياً. المستوى العلمي للمجتمع والناس في العالم قد ارتفع. بلدنا، خاصة بعد الثورة وفي السنوات الخمس وعشرين الماضية، تقدمت من ثمانين إلى تسعين مرتبة علمية، لكن موقع الحوزات العلمية أين هو في هذا المجال؟ الحوزات متأخرة عن ركب العلم وخارجة عن نطاقه، وفي المجتمع المعقد والواسع اليوم، لا تفعل شيئاً ولا تنتج شيئاً ولا تقدم أي سلعة، ولا دور لها في المجتمع. ماذا يفعل المتخرجون من الحوزة؟ كم منهم يستطيع كتابة كتب معاصرة؟ كم منهم يكتب على الأقل كما الشهيد مطهري؟
  10. امتحانات الحوزات أصبحت شكلية فقط. الطلاب يدرسون دروسهم بشكل مختصر وملخصات وبأسلوب سؤال وجواب، وينجحون بهذا الأسلوب. لا يدرسون كما يجب، ولا يمتلكون الدافعية والاهتمام بالتعلم العلمي المنظم. هم لا يقرأون النصوص القديمة التي لم تعد كافية لعصرنا، ولا يفهمونها جيداً، بل يحفظونها فقط. هذا النظام، إذا نجح، فإنه يركز فقط على الحفظ والإضافة إلى المعلومات، وامتحانات الحوزة الحالية هي امتحانات حفظ ومعلومات فقط، وليست امتحانات علمية. العلم هو تجديد الأفكار، وليس تكرار المألوف وشرح البديهيات. يجب أن يكون النظام في الحوزة بحيث يحرك الأفكار ويغذي الإبداع والابتكار، ويدفع إلى إنتاج الفكر والإبداع.
  11. يجب اختيار الطلبة الحوزويين بعناية، ولا يكفي قبولهم فقط بشهادة متوسطة.
  12. من جهة أخرى، حفظ ما قاله الشيخ ومقصود الآخوند لا يولد حركة علمية ولا يخلق عقولاً مبدعة ومبتكرة. يجب أن نطلب من الطلاب التعبير عن أفكارهم على الورق. يجب أن نرى هل يمكن للحوزة حل مشكلات المجتمع والدين اليوم أم لا؟ العمل المستمر على قضايا الماضي لا يفيد في اليوم. الحوزات لدينا في الأصل خارجة عن نطاق البلاد والمجتمع. الجامعات لها مهام واضحة، ما تنتجه مفيد للصناعة والمصانع، يصنعون آلات وأدوات. ماذا تنتج الحوزة للمجتمع؟ وما دورها؟ وما علاقتها بالمجتمع؟ وما الحاجة التي تلبيها للمجتمع؟ ماذا تفعل للناس سوى التكرار والإعلان عن المألوف؟
  13. القيادة تحتاج إلى دعم قوي. القيادة لا يمكن أن تكون شخصاً واحداً فقط، بل تحتاج إلى حوزة قوية وعصرية. إذا كانت الحوزات قوية وحديثة وفعالة وملتزمة بالتدين، ستكون دعمًا موثوقًا للقيادة. حتى لو كان القائد شخصًا قويًا ومتمكنًا، فإنه سيواجه ضغوطًا في حل المشاكل.

لقد ذكرتم فقَهنا بوصف «الديناميكية»، إلا أن بعض المنتقدين يعتقدون أن هذه الديناميكية تقتصر على الجانب النظري فقط، وأنها تغيب عند الدخول إلى مجال التطبيق والعمل. هؤلاء يقولون إن مشكلتنا تعود إلى حدٍّ ما إلى نصوصنا الدينية التي تضعنا في إطار محدود لا يسمح بالتحرّك الأكبر، ولذلك فإن المرجع اليوم يصدر الفتوى ذاتها التي كان يصدرها المرجع قبل أربعين عامًا.

  • لا، لا يمكن قبول هذا القول. ليس كل مراجعنا جاهلين بواقع القضايا الحديثة. على سبيل المثال، لا ينبغي أن نساوي بين أفكار الإمام الراحل وأفكار السابقين، كما أن الفقيد آية الله گلپايگاني قد أجاب عن المسائل المستحدثة في ثلاثة مجلدات. إذا قمنا بدراسة كتابَي «تحرير الوسيلة» و«مجمع المسائل» بنظرة علمية، فسنجد أنهما يختلفان اختلافًا كليًا عن الكتب الفقهية القديمة. وإن قارنّا بينهما وبين كتب فقهية أخرى، سنلاحظ فرقا كبيرا.

ومع ذلك، كما قلنا، فإن الفقهاء واجهوا مشكلات بسبب الظروف الزمانية والمكانية والاجتماعية، وبعض هذه المشكلات ما زالت قائمة. من ذلك، مثلاً، الاحتياطات غير المبررة التي في بعض الأحيان تخلق مشكلات أخرى. يجب أن نفهم أن عالم العلم لا مكان فيه للاحتياط المفرط، فالتردد الدائم «الأحوط» ليس له موضع في عالم البحث العلمي اليوم. عالم اليوم هو ميدان تحقيق وتجديد.

في رأيي، تعود هذه المشكلة جذريًا إلى «التقليد»، وأعتقد أن العلماء في منهجية العلوم الدينية أكثر من جَرَوا وراء التقليد وأقل اهتمامًا بالبحث والتحقيق. حتى ملا صدرا، مع كل ابتكاراته المهمة، لم يخلو من التقليد، فقد قيل إن كتاب «الأسفار» لملا صدرا في حقيقتِه لا يتجاوز مجلدين من محتوى أصلي، أما بقية المجلدات فهي آراء الآخرين. بعد ملا صدرا، أصبحت الفلسفة أسوأ حالًا، فالفلاسفة الذين جاءوا بعده لم ينتجوا، وإنما اكتفوا بإعادة سرد الفلسفة.

ربما ينبع هذا التقليد من الخوف الذي يعتري أهل الحوزة من نقد آراء السابقين ورفضها، فقد أصبح كبار العلماء مهابين إلى حد أن أحدًا لا يجرؤ على نقد آرائهم أو التشكيك فيها. لدينا أسلاف صالحون وأعلام لهم احترامهم، وهذا حق، ولكن هذا لا ينبغي أن يؤدي إلى الركود والجمود. في الغرب، الفلسفة تطورت بسبب الحرية الفكرية والفضاء المفتوح. نحن غير أحرار فكريًا، أحيانًا نتبنى رأيًا لمجرد أن أستاذًا قاله. نعم، يجب أن نحترم العلماء، ولكن هذا لا يعني عدم التدقيق في آرائهم. هم أنفسهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضًا ويطورون النظريات.

مثلاً، لدينا قبر ميرزا القمي في قم، والناس يزورونه ويأخذون حاجاتهم منه، مع أن الشيخ الأنصاري رفض نظرية انسداد باب العلم التي طرحها ميرزا، وقبل نظرية انفتاح الباب العلمي. الناس لا يتوقعون معجزات من قبر ميرزا، ولكنهم يحترمونه. احترام العلماء لا يعني أن تبقى آراؤهم العلمية مطلقة غير قابلة للنقد.

لا بد من أن يكون النقد منظمًا وعلميًا ومبنيًا على أدلة ومعايير. للأسف، في مجتمعنا أحيانًا يدخل غير المتخصصين في العلوم الإسلامية إلى مجال الفقه والتفسير والفتاوى، وهو أمر يشبه قيادة سيارة بدون رخصة، وهذا يُعد جريمة بمعناها الفكري، وجزء من المشكلة يعود إلى الحوزة نفسها. عندما لا تتحرك الحوزة، يدخل الآخرون إلى الساحة.

نحن بحاجة إلى تنقية العلوم والعقائد من الشوائب. يجب مراجعة شاملة للأحكام الشرعية، لمعرفة أيها مستند إلى دليل وأيها لا. الأصل في الأشياء الحلّية، وكل ما ليس فيه دليل على الحرمة فهو جائز. ومن له دليل على الحرمة، يجب أن يُبيّن ما الذي يجب فعله، لا الاقتصار على النهي فقط. يجب أن نشرح للناس نموذجًا عمليًا دقيقًا وليس مجرد عبارات عامة. عندما نقول إن شيئًا حرام، ويسأل الناس: هل هذا الشيء المحدد يشمله هذا الحكم؟ نقول لهم: اسألوا العرف! ولكن من هو العرف؟ هل هو المرجع؟ لماذا لا نجيب الناس بأنفسنا؟

هذا التقاعس في تحمل المسؤولية من جانب الحوزات يؤدي إلى مشاكل عديدة في المجتمع. مثلاً، في مدينة مثل طهران، الناس لا يعلمون هل يصلون الصلاة كاملة أم قصرًا، هل المضاربة حرام أم حلال، هل الاستماع إلى أصوات معينة جائز أم مكروه. عندما يحل رمضان، إذا أرسلنا دعاة إلى القرى نجد عددهم كثيرًا، أما في الجامعات فعدد الدعاة المؤهلين قليل جدًا، لأنهم يُسألون: لماذا؟ وليس لديهم جواب.

هناك من يعتقد أن مشكلة الحوزات تأتي من خوف العلماء من التكفير، إذ يعتقدون أن بعض النظريات التي عمرها طويل لا يجوز نقدها، وأن من يخالف هذه النظريات يُكفّر. هذا أمر رجعي. هل صحيح أن نكفّر عالماً لمجرد وجود رأي خاص لديه؟

اليوم، المسلمون يواجهون مشاكل كثيرة، وأمريكا تحاول القضاء على الإسلام، وإسرائيل تحيك المؤامرات، فهل من الحكمة أن نضيّع وقتنا في مثل هذه النقاشات الانحرافية؟ يجب أن نركز على توضيح حقائق أولياء الله وحقيقة عدوان الأعداء. يجب أن تُوجّه الحوزات العلمية نحو القضايا العملية والضرورية التي يحتاجها المجتمع.

يجب أن تكون دروس الخارج متعلقة بمشاكل المجتمع، وقادرة على إنتاج فكر فعّال لمواجهة متطلبات العصر.

  • ما هي حلولكم لهذه المشاكل؟
  • الحوزة لتخرج من أزماتها بحاجة إلى نظام علمي متكامل، بحيث تصنّف القضايا المطروحة بحسب أهميتها. بعض المواضيع يجب أن تُمنع من الطرح العام، على أن يكون البحث الفردي متاحًا. لأن طرح القضايا غير الضرورية يشتت ذهن المجتمع ويمنع التركيز على قضايا اليوم المهمة، مثل كيفية تعاملنا مع أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وقضايا الطاقة النووية. هل تساءل أحد لماذا النظام لا يستشير المراجع في هذه القضايا؟ هل التقليد للريف فقط؟ هذه قضايا قيادية.
  • لا يوجد قرار محدد. إذا كانت الحوزة تناقش في مباحث الفقه، والأصول، والكلام، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والسياسة مسألة الطاقة النووية، فإن الحكومة كانت تسألها عن الرأي، أو على الأقل كانت تسأل: ما رأيكم؟ في مسائل الطهارة مثل التيمم والوضوء والصلاة يُرجع إلى الحوزة، أما في قضايا العصر فلا يُرجع إليها، لأنهم لا يعتبرونها صاحبة رأي.
  • برأيي، من الضروري تصنيف المواضيع وإدخال ما يتعلق بالنظام والمجتمع وصحة وسعادة الناس ضمن مباحث الحوزة. في الوقت الحالي، حوزاتنا ليست حية، لا توجد فيها نقاشات علمية، وليست مواكبة للعصر. مئات الأساتذة الجامعيين يستخدمون الأقمار الصناعية، ويقولون إن الأستاذ يجب أن يكون قادراً على استخدام الأقمار الصناعية. في يوم من الأيام سألت أحد أعضاء مجلس إدارة الحوزة: كم من أساتذة الحوزة منحتم تصريح استخدام الأقمار الصناعية؟ لا بد أن نقول: أساتذتنا كلهم روضه خوان، والروضه خوان لا يحتاج إلى الأقمار الصناعية.
  • إذا أردنا أن يكون لدينا حوزة علمية، يجب أن ننظر إليها بنظرة علمية. أساتذة الحوزة ليسوا من عهد دقيوانس؛ يجب أن يستفيدوا من الإمكانات المعلوماتية الضرورية. لماذا لا ينبغي أن يتعرفوا على عالم اليوم؟ للأسف، ما زلنا نطلق على العلوم الحوزوية «العلوم القديمة». هل يمكن أن يكون العلم قديمًا؟ هل العلوم التي تُطرح في الحوزة أساطير؟! ألا يعد هذا التصور والتسمية مؤشراً على فهم خاطئ من المجتمع وحتى منّا نحن أنفسنا تجاه العلوم الحوزوية؟
  • لتجنب هذه الآفة، من الضروري تنظيم الحوزة نظامًا يُبيّن موقع كل شخص، ويوضع في مكانه ويُوكَل إليه واجب. دعونا نعطي مثالاً بسيطاً: عند إجراء انتخابات البرلمان، يدخل أشخاص من الأمة إلى البرلمان. ولكي يُحدّد مكان وواجب كل منهم، ويُعرف من يجب أن يكون رئيسًا ومن يجب أن يذهب إلى أي لجنة، يُجرى تقييم معين. أولاً، يُعيّن الرئيس الأكبر سنًا بشكل مؤقت ليرأس أعمال البرلمان، ثم يُقيّم النواب ويتم توزيعهم على اللجان حسب تخصصاتهم، ومن ثم يتحملون المسؤولية وينفذون المهام الموكلة إليهم، ويُحدد الرئيس وأعضاء الهيئة الرئاسية.
  • يجب على الحوزة أيضًا أن تعرف علماءها وتنظمهم. يجب أن يُعرف عدد العلماء ومجالات تخصص كل منهم، ومن هم الفقهاء، والفلاسفة، والمتكلمون في الحوزة. بالطبع، ليس بالادعاء، بل بالأدلة والمعايير الموثوقة. من الضروري أن يكون مسؤولو الحوزة من الروّاد العلمي والفكري والثوري، وأن يقدم كل منهم دليلاً على ما يدعيه، دون الاكتفاء بالكلام أو السن أو الادعاء أو الأمور الثانوية، لكي تستعيد الحوزات العلمية كفاءتها. لذلك، يجب أن نعرف أولًا عدد العلماء، ثم بعد التعرف على رؤوس أموالنا العلمية، نوزع المهام، ومن المهم في هذا الصدد أن نطلب من كل عالم أن يولي اهتمامًا لقضايا العصر والعالم والمجتمع. يجب أن يؤدي الجميع واجباتهم ولا يجوز لأحد الانسحاب من العمل. الجميع مسؤولون، ومن لم يلتزم بواجباته يجب توجيهه، وإذا كان لديه رأي فيجب الاستماع إليه، وإن لم يُسمع له كلام أهل الحق في النهاية، فيجب مساءلته. في الحقيقة، التهرب من المسؤولية يُعد تخريبًا وإفسادًا. يجب أن ندرك أن التقصير في أداء الواجب يسبب حتماً مشكلات للنظام والمجتمع.
  • بالطبع يجب حفظ حرمة الأشخاص، لكن هذا لا ينبغي أن يؤدي إلى التساهل والتهاون. يجب أن يكون العمل جديًا وحقيقيًا، لا شكليًا ومجرد مظاهر، كما أننا نشجع أحيانًا على أعمال بسيطة لا تؤثر على ازدهار الحوزة العلمية أو نمنح دكتوراه فخرية. مؤخرًا، يُطبق في الحوزة مشروع يشجع بعض المدرسين والأساتذة لأن فلاناً درس كتاب اللمعة خمسة وثلاثين دورة. هؤلاء الأساتذة محترمون جداً وشخصياتهم قيمة، لكن أي مشكلة يومية في مجتمعنا حلّوها؟ صحيح أن فلانًا درّس جيدًا وهو إنسان طيب، لكن هل لديه رأي أو طرح لمشكلات العصر مثل مواجهة أمريكا وأوروبا وإسرائيل أو غيرها من المشاكل الفقهية؟
  • عشرات العلماء الأمريكيين اجتمعوا وطرحوا نظرية “الحرب المقدسة” ودعموا العدوان الأمريكي، فهل لدى هؤلاء المدرسين الكرام الذين درّسوا عدة مرات كتب فقهية حلول لمواجهة هذه النظرية؟ من قبل كانت هناك أربع قنوات فضائية ناطقة بالفارسية ضد بلدنا، والآن وصلت إلى ثلاثين قناة. إذا عملنا في علم النفس، وعلم الاجتماع، والسياسة،… بشكل علمي ووفق الكتاب والسنة، يمكننا الصمود في مواجهة هذه الهجمات بل وشن هجوم مضاد.
  • كما أن دولاً مثل أمريكا وإسرائيل تحاول إثارة الخلاف بيننا وبين شعبنا الطيب وخلق مشاكل داخلية، يمكننا نحن أيضاً إحداث خلافات بينهم. إذا دخلت الدول العدوة في نزاعات فيما بينها، سنحصل على فرصة مناسبة. هذه هي قضايا عصرنا، وليس مسائل لا تمس أحدًا أو تمس عددًا قليلًا جدًا. إذا كانت حوزتنا علمية، يمكنها مساعدة النظام والدولة والبرلمان والقائد. اليوم، علينا أن نساعد النظام، نفكر في مشكلاته، لأن مسائل النظام والدولة مسائل المجتمع. هناك مشكلات تسبب معاناة للناس. حل هذه المشاكل يتطلب فكرًا وعلمًا. يجب أن يجلس فريق من الحوزويين ويفكروا في هذه القضايا ويقدموا آراء للحكومة والنظام الإسلامي.
  • يبدو أنه قبل أن يقدم أصحاب الفكر والعلم في الحوزة نظرياتهم لمساعدة الدولة الإسلامية، يجب أن يمروا بعدة مراحل. أولاً، من الضروري أن يعرضوا آراءهم على التنافس الفكري وينقحوها في فضاء حر ـ كما أشرتم ـ ليُناقشوا النظريات وينتقدوها. السؤال هو: كيف نخلق في الحوزة هذه الإمكانية؟ أي كيف نؤسس فضاءً صحيًا يجتمع فيه نخبة الحوزة لنقد أفكار بعضهم البعض وتنقيحها؟
  • ـ للأسف، الحوزات العلمية ليست في وضع جيد من هذه الناحية. في الوضع الحالي، نجمع عددًا من الطلبة ونقول ما نشاء، والطلبة لا يملكون القدرة على نقد آرائنا أو الرد عليها. بهذا الأسلوب لا يمكن التقدم. يجب أن يكون لدينا مكان خاص لطرح الفرضيات والنظريات، حيث يجتمع الخبراء والنقاد ويناقشونها وينقحوها. يجب أن تُصقل النظريات هناك وتُحَضَّر، ثم تُطرح في دروس الحوزة والطلبة. لا ينبغي أن نطرح أي كلام غير ناضج وغير متناسق لنغرسه في أذهان الطلبة.
  • من مشاكل النظام التعليمي والبحثي في الحوزة التي يجب الإشارة إليها، عدم وجود بنك معلومات، أي قاعدة بيانات تحوي معلومات دقيقة وسهلة الوصول عن المجالات التعليمية والبحثية المختلفة، وفيها محفوظة خلفيات النظريات المطروحة في الحوزة. كذلك يجب جمع معلومات وسجلات الأساتذة الذين يدرّسون أو يبحثون أو يكتبون في الحوزة. إذا جمعنا هذه المعلومات في بنك بيانات، يمكن مساعدة الطلبة في اختيار الأستاذ المناسب. للأسف، الآن إذا أردت معلومات عن شخص معين له كرسي تدريس، لا يوجد مركز يرشدك. يجب أن يكون لدينا مركز يجمع السجل العلمي والسياسي للأساتذة، لنستطيع عند الضرورة معرفة هل هو إيجابي، هل لديه نظرية، هل لديه فكر جديد؟ يجب أن تُجمع هذه الخلفيات في البنك لتتضح ملكية الآراء. إذا وُجد هذا البنك، يمنع الكثير من الادعاءات الكاذبة. أحيانًا يدعي البعض، رغم عدم عمق معلوماتهم، أنهم يجمعون العقل والنقل. هذا فوضى لا أحد وجد لها حلًا حتى الآن. يجب أن نواجه هؤلاء ونطالبهم بالأدلة على ادعاءاتهم.
  • نشكر حضوركم العلمي في هذا الحوار. إذا لديكم ملاحظة أخيرة، نرحب بذكرها.
  • ـ نؤكد مجددًا على أن الحوزة يجب أن تتجنب العموميات، وأن تقدم إجابات واضحة، محددة، مصنفة وصريحة لقضايا العصر. يجب أن توضح للناس ما هو الحلال والحرام بدقة. مثل أي الموسيقى حلال، وكيف تكون صلاة المسافر، ويُقال بوضوح ما هو واجب وما هو حرام وما هو مستحب. إذا حلل الله أو النبي شيئًا، فيجب أن يُشرح ذلك للناس بوضوح ودقة. لا يُقال فقط: “حرام الله إلى يوم القيامة حرام، وحلاله إلى يوم القيامة حلال”، لأن الولي في مقام البيان وقد ذكر كل ما نحتاجه.
  • النقطة الثانية، يجب أن تناقش الحوزة قضايا العصر، ويكون لجهودها العلمية تطبيق في حياة الناس، وتطرح أفكارًا جديدة. كما يخبز الخباز خبزنا اليوم ويلبي حاجتنا، يجب أن تنظر الحوزة إلى حاجات حياة الناس ولا تخرج مسائل من قرون مضت. مهمة العلماء الكبار ليست بناء المساجد أو الحسينيات أو بناء الآبار، بل إنتاج العلم والتعامل مع قضايا الناس المعاصرة. خلال ثلاثين أو أربعين سنة تدريس لي، حاولت أن أتناول قضايا تحتاج إلى إصلاح وتعاني من مشكلات، مثل قضايا المرأة والموسيقى والحكومة، مثل صلاحيات وواجبات ولاية الفقيه، وطبيعة ولاية الفقيه. طرح ولاية الفقيه وحق الفقيه في الولاية قضية عامة لا تحل المشكلات، بل يجب الدخول في التفاصيل وتوضيحها بدقة. الناس في الحوزة وفي المجتمع تعبوا من العموميات ويطلبون كلامًا واضحًا وجديدًا. يجب على كبار الحوزة أن يتفقوا بمحبة ورحمة لحل مشاكل المجتمع.

البدايةُ بمقدمةٍ تمهيديةٍ قبلَ الإجابةِ عن هذا السؤالِ؛ حيثُ لا بُدَّ أوَّلاً من بيانِ معنى الاستخارةِ. الاستخارةُ تعني طلب الخيرِ والسعيَ إليه، فكلمةُ استخارةٍ مشتقةٌ من كلمةِ «خير»، وكذلك كلمةُ «اختيار» مشتقةٌ من نفس الجذرِ «خير»، إلَّا أنَّ هناكَ فرقًا بينهما. فالاختيارُ هو نوعٌ من الاختيارِ العقلانيِّ المتوفرِ في متناولِنا، أمَّا الاستخارةُ فهي طلبُ الخيرِ من خارجِ حدودِ العقلِ، أي من الباطنِ والغيبياتِ التي لا يَبلغها الفكرُ بسهولةٍ.

بعبارةٍ أخرى، الاستخارةُ هي توجُّهٌ إلى ما وراءَ العقلِ، والطلبُ من القوةِ الإلهيةِ، بينما الاختيارُ يعتمدُ على العقلِ والقرارِ الواعيِ المُدركِ للنصفِ الظاهرِ من الحقائق. ولهذا السبب، يُقالُ إنَّ الاستخارةَ تَنعقدُ على التوكلِ والعنايةِ الإلهيةِ، والاختيارُ على العقلِ والتدبيرِ البشريِّ.

يمكنُ القيامُ بالاستخارةِ بطرقَ وأدواتَ مختلفةٍ ومتنوعةٍ؛ مثلُ استعمالِ المسابحِ، أو الكتابةِ على الورقِ، أو غير ذلك. وكذلك يمكنُ الاستخارةُ أن تكونَ عبرَ الدعاءِ وطلبِ الهدايةِ من اللهِ، أو أداءِ ركعتينِ من الصلاةِ المخصَّصةِ للاستخارةِ. وأفضلُ أنواعِ الاستخارةِ وأدقُّها منهجًا وأعلمها، هي الاستخارةُ بالقرآنِ الكريمِ، لأنَّ الوصولَ إلى الحقائقِ الباطنيةِ المخفيةِ عن طريقِ القرآنِ يُعدُّ أكثرَ مَوثوقيةً وإفادةً.

الإنسانُ مُنْهَمِكٌ في البحثِ والسعيِ، وهذه صفةٌ من خواصِّ الباطنِ البشريِّ، فالإنسانُ يسعى لفهمِ الحقيقةِ من خلالِ وسائلَ متعددةٍ. وقبلَ الإسلامِ كانت هناك طرقٌ شائعةٌ لهذا البحثِ، إلَّا أنَّ الإسلامَ منحَ هذه الطرقِ بعدًا جديدًا وعمقًا خاصًّا، عبرَ الوحيِ والقرآنِ الكريمِ.

هل الاستخارةُ أمرٌ مقبولٌ في الإسلامِ ومَنظورُ العلماءِ الدينيينَ إليها؟ وهل استخدامُها يُلغي دورَ الفردِ ويُعززُ القدريةَ؟

إذا نظرنا إلى الكتبِ والرواياتِ الإسلاميةِ، نجدُ أنَّ هناكَ عدةَ طرقٍ للكشفِ عن الحقائقِ المخفيةِ؛ منها التوجُّهاتُ الباطنيةُ، والاستجماعُ، والوحيُ، والالهامُ، التي يجيزها الشرعُ ويُقرُّها.

فضلاً عن ذلك، يقبلُ الفقهاءُ والمتصوفةُ والفلاسفةُ فكرةَ الاستخارةِ ويعملون بها بدرجاتٍ مختلفةٍ؛ لأنَّ الإنسانَ يتعرفُ على الحقيقةِ بثلاثِ وسائلَ: أولًا بالحواسِ، ثانيًا بالعقلِ، وثالثًا بالأمورِ الروحيةِ التي تشملُ الوصولَ إلى الغيبِ والوحي.

وهكذا، هناك ثلاثةُ أبعادٍ للمعرفةِ: المدى القصيرُ (الحواسُ)، المتوسطُ (العقلُ)، والطويلُ (الروحانياتُ). الاستخارةُ تقعُ ضمنَ بُعدِ الروحانياتِ، وهي طريقةٌ للبحثِ عن الطريقِ الصحيحِ وليستُ مجردَ وسيلةٍ لتجاوزِ الحيرةِ والقلقِ، لأنَّ لرفعِ الحيرةِ طرقًا أخرى كالرميِ بالقرعةِ (الشيء أو لا الشيء).

الاستخارةُ ليست متناقضةً مع العقلِ، بل هي تُكمّله؛ فالإنسانُ يَنمو ويزدهرُ بالحواسِ والعقلِ، كما يمكنُه ذلك من خلالِ الروحانياتِ. ولكنَّ الاستفادةَ من الروحانياتِ هي مجالٌ واسعٌ وعميقٌ لا يَصلُ إليهُ إلَّا الأنبياءُ والصالحونَ.

في الكتبِ والرواياتِ، مثل بحار الأِ وغيرها من كتبِ الفقهِ، وُجد بابٌ خاصٌ بالاستخارةِ، والعقلُ يرى أنَّ التدخُّلَ في الأمورِ الروحيةِ أمرٌ مقبولٌ ومنطقيٌّ، لذا فالاستخارةُ لا تتعارضُ مع العقلِ والمشورةِ، بل تتكاملُ معه.

في كلِّ أمرٍ نسعى لأن يكونَ عقلانيًّا، ولكن لأنَّ نصفَ الباطنِ خارجُ نطاقِ العقلِ، فمن الحكمةِ أنْ نلجأَ إلى مصادرَ أخرى تقودُنا إلى الباطنِ. مثلاً، إذا أرادَ أحدُنا شراءَ بيتٍ، يستشيرُ الخبراءَ ويأخذُ برأيهم، ولكن مع الاستخارةِ يمكنُ أن يُكشفَ لهُ جانبٌ خفيٌّ لا تراهُ العقولُ، فيتَّخذُ قرارًا أشملَ.

هذا يعني أنَّ حكمَ الاستخارةِ قد يخالفُ رأيَ العقلِ أو الخبراءِ، لأنَّ الاستخارةَ تشملُ جوانبَ غيبيةً وأبعادًا لا يدركها العقلُ، فتكونُ هي نصفُ الحقيقةِ التي يَكملها العقلُ بالنصفِ الآخرِ.

الاستخارةُ عبرَ القرآنِ تتيحُ التأملَ في ما وراءَ الظاهر، ومتابعةَ الأحداثِ الغيبيةِ والنتائجِ الباطنيةِ التي لا يمكنُ التنبؤُ بها بالعقلِ وحده، كالحوادثِ المفاجئةِ والكوارثِ التي لا تخطرُ على البالِ.

بالطبع، يجبُ أن نثقَ في الحواسِ والعقلِ، ولكن الاستخارةَ تفتحُ لنا آفاقًا أخرى، وهي متاحةٌ فقط لأولئك الذين لديهم قدرةُ الوصولِ إلى باطنِ الأمورِ من دونِ تشويشٍ.

الاستخارةُ بالقرآنِ الكريمِ هي التي تفتحُ مجالَ التصرفِ في الباطنِ، بينما الاستخارةُ بالمسابحِ أو الدعاءِ فقط لا تمتلكُ هذه الصفةَ.

للأسفِ، على مرِّ السنينَ، بسببِ حكمِ الطغاةِ، تراجَعَ دورُ القرآنِ في مجتمعاتنا، وأُخذ يُستخدمُ غالبًا لأغراضٍ سطحيةٍ مثل حفظه في الجيبِ أو السيارةِ للحمايةِ، بدلاً من استخدامه ككتابٍ حيٍّ ذو علمٍ وحياةٍ يتحدثُ إلينا، وكمعلمٍ حكيمٍ وطبيبٍ ماهرٍ يرشدُنا ويعالجُنا.

بالانخراطِ الحقيقيِّ في تعاليمِ القرآنِ، والامتثالِ لتوجيهاتِ المعلمِ الإلهيِّ، يمكنُ بلوغُ علمِ الأسماءِ والتفسيرِ، وهما من علومِ الاستخارةِ.

لتعلُّمِ علمِ الاستخارةِ، لا بدَّ من تحقيقِ ثلاثةِ شروطٍ أساسيةٍ:

  1. الاعتمادُ على القرآنِ الكريمِ كأساسٍ للعملِ؛
  2. المعرفةُ بأسرارِ القرآنِ ورموزهِ؛
  3. الصفاءُ النفسيُّ والباطنيُّ.

إذا تحققَت هذهِ الشروطُ، يصبحُ بالإمكانِ إجراءُ الاستخارةِ، أما نقصُها فيُفضي إلى ضلالِ النفسِ وابتعادِها عن الحقيقةِ، ولذلك لا يجوزُ إجراءُ الاستخارةِ بدونِ تحققِ هذهِ الشروطِ، إذ ليس كلُّ من يتلو القرآنَ قادرٌ على استخارتهِ.

كثيرٌ من العلماءِ الكبارِ امتنَعوا عن الاستخارةِ بالقرآنِ بسببِ عدمِ قدرتهم على فهمِ باطنهِ، ولذلك فليسَ من المناسبِّ أن يَقومَ أيُّ شخصٍ غيرُ متمكّنٍ بها.

الاستخارةُ بالقرآنِ علمٌ دقيقٌ ومنهجيٌّ، وإذا لم تُدرَس مبادئُه وقواعدُه جيدًا قد يؤدي استخدامها الخاطئُ إلى نتائجَ سلبيةٍ وخطيرةٍ، كأن يُعطي شخصٌ استخارةً إيجابيةً لعمليةٍ جراحيةٍ خطيرةٍ تؤدي إلى موتِ المريضِ.

لذلك يُؤكَّدُ بشدَّةٍ أنَّ الاستخارةَ علمٌ يجبُ تعلمُهُ وممارستُهُ بالطرقِ الصحيحةِ.

الآنَ، يوجدُ في الأسواقِ العديدُ من الكتبِ حول الاستخارةِ أو التفلُّلِ بالقرآنِ، وبعضُها يلقى رواجًا كبيرًا، ولكنَّها للأسفِ تفتقرُ إلى الأساسِ العلميِّ والمنهجيِّ، مما يسببُ تشويهًا لعلمِ الاستخارةِ ويُضعفُ مصداقيتهِ.

الاستخارةُ لها قواعدٌ وأصولٌ، ولا يجوزُ استخدامها في أيِّ أمرٍ كان. العلاقةُ بين الاستخارةِ والعقلِ دقيقةٌ جدًا، والاستخارةُ ليست بديلاً عن العقلِ، بل هي دعامةٌ له.

ولا يعني هذا أنَّه يجبُ استخارةُ كلِّ أمرٍ، بل يجبُ مراعاةُ طبيعةِ الأمرِ، وموضوعِ الاستخارةِ، والشخصِ الذي تُجرى له.

قد يكونُ آيةٌ واحدةٌ إيجابيةٌ لشخصٍ وسلبيةٌ لآخر، فإذا لم تُراعَ هذه الأمورُ، قد تُسببُ استخارةٌ غير مدروسةِ مشكلاتٍ وضررًا.

بناءً على ما تقدَّم، ليس كلُّ رجلِ دينٍ أو شخصٍ متدينٍ مؤهَّلًا للاستخارةِ، والاستخارةُ ليست لأمورٍ تافهةٍ، بل لكشفِ الحقائقِ الكبيرةِ.

الاستخارةُ بالقرآنِ تُعدُّ علمًا يُشبهُ الإدارةَ التي كانت في الماضي غير معروفةٍ كعلم، واليومَ يُدرَسُ كعلمٍ مستقلٍّ.

الاستخارةُ علمٌ مجهولٌ حتى الآن، ولم تُبذلْ جهودٌ كافيةٌ لتنظيمِه بشكلٍ علميٍّ ومنهجيٍّ، ونأملُ أن يأتي يومٌ تُكشفُ فيه حقائقُ القرآنِ بالكاملِ.

وَهذا الكِتابُ العَظِيمُ السَّماوِيُّ نَالَ مَكانَتَهُ الحَقِيقِيَّةَ كمَصدَرٍ لا يَنفَدُ لِلعُلومِ، وإن كُنَّا نَذكُرُ اليَومَ الاستخارَةَ كَأَحدِ عُلُومِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فَسَيَكتَشفُ الغَدُ عُلومًا غَيرَ مَعرُوفَةٍ كَثِيرَةً مِنَ القُرآنِ لَم تَكُن مَتَاحَةً لِفَهْمِنا الحَديثِ.

وعلى هذا الأساس، سَعَينا في الحَوزةِ العِلمِيَّةِ إلى نَظَرٍ جَديدٍ، مُنَظَّمٍ وَمَنَهَجِيٍّ وعِلميٍّ إلى الاستخارَةِ بِالقُرآنِ الكَريمِ، ومُتابَعَةُ حَيَاتِها العِلميَّةِ عَن طَريقِ تَعليمِ أُصولٍ وَقَواعِدَ خاصَّةٍ، وتَطْبيقِ هذه القَواعِدِ على جَميعِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ، دُونَ أن يُؤدِّيَ ذلكَ، كما ذَكرْتُم، إلى تَناقُضٍ مَعَ العَملِ العِلميِّ، أو تَضادٍّ مَعَ العَقْلانيَّةِ وَالمُشاورةِ، أَو أَن يُوصَفَ كَأمرٍ مُعارِضٍ للعقلِ؛ فَإِن كانَ الإيمانُ وَالعِقيدةُ مَقياسًا عِلميًّا، فَهذا هُوَ الحَقِيقَةُ. عَلَى سَبيلِ المِثالِ، الفَرضِيَّةُ القائِلةُ إِنَّ الآنَ نَهارٌ، فَإِن كَانَ الحَقِيقَةَ نَهارًا، فَإلى جانِبِ كَوْنِها إيمانا، هِيَ حَقِيقَةٌ أيضًا؛ وَلكِن إن كَانَ اللَّيلُ وَقُلتَ لِأَحَدٍ إِنَّهُ نَهارٌ، فَذَلِكَ قَد يَكُونُ لَدَيْهِ إيمانًا، وَلَكِنَّهُ إيمانٌ لا يُطابِقُ الحَقِيقَةَ.

المَعْرِفَةُ هيَ إدْراكُ المَعتقداتِ المُتَنَاسِقَةِ وَالمُتَوَافِقَةِ مَعَ الحَقِيقَةِ، وإذا كانَ غيرَ ذلِكَ، فَفَهْماً هُوَ وَهْمٌ؛ وَلكِن إِذا كانَ الإعتقادُ مَرفوقًا بالدليلِ وَالتَّجْرِبَةِ، فَلا نِزاعَ بَينَهُ وَبَينَ العَقلانِيَّةِ وَالحَقِيقَةِ.

فَتحْلُ المُشْكِلاتِ وَاختيارُ الخِياراتِ الصَّحيحَةِ في الحَياةِ لا يَقتَصِرُ على الإداراكِ الحِسِّيِّ أَو التَّعْرِيفِ العَامِّ وَالعَقلِ القادِرِ عَلَى اتِّخاذِ القَراراتِ العِظيمةِ فَحَسْبُ، بَل يَتَعدّاهُ وَيَكْمِلُهُ الاستخارَةُ كَخيارِ إدراكِ الباطِنِ، وَهِيَ تَكمِيلٌ لِلعَقْلِ وَلا تَنفيهُ، فَالاستخارَةُ هِيَ إيمانٌ يُطابِقُ الحَقِيقَةَ، وَلكِنَّها الحَقِيقَةَ التي لا يَصلُ إليها العَقْلُ المُقَيَّدُ وَالصُّوريُّ، بَل بِوَساطةِ القُرآنِ الكَريمِ وَالاِستِفادةِ مِن أُصولٍ وَقَواعِدَ خاصَّةٍ وَتَوَجُّهاتٍ باطِنِيَّةٍ.

مفهومُ الخَطيئَةِ وانعكاساتُها في الحَياة

(1)

السؤالُ الأوَّلُ في مَوضوعِنا هو: لماذا وَضعَ اللهُ -وَهُوَ الغَنيُّ المُطْلَقُ وَالكامِلُ وَالغَيرُ مُحتاجٍ إلى شيءٍ- الثَّوابَ وَالعِقابَ على الأَفعالِ؟

في الجَوابِ، نَقُولُ إِنَّ أفعالَ الإنسانِ تُؤدِّي إلى آثارٍ وَنَتائِجَ نَاجِمَةً طَبيعِيًّا عَن تِلْكَ الأفعالِ، وَلا تَتَعَلَّقُ بِالجَوانِبِ الخارِجِيَّةِ لِذاكَ الفِعلِ. عَلَى سَبيلِ المِثالِ، يُمكِنُ أن نَقُولَ إنَّ أثَرَ النارِ وَطِيبَةَ الزهورِ مَخلوقانِ مِن النارِ وَالزهرِ، وَالإيمانُ بِاللهِ أَو العَدَمُ مِنْهُ لا يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ؛ فَسواءٌ كُنَّا طَبيعِيِّينَ أَو مُؤمِنينَ، نَرى الآثارَ في النارِ وَالزهرِ. ولِذَلِكَ، أفعالُنا تُؤدِّي إلى آثارٍ تَظْهَرُ بِشَكلٍ مَحمودٍ أَو مَذمومٍ، وَهذِهِ الآثارُ تَظهَرُ دُنْيا وَأُخْرَى بَشَكْلٍ مُختَلِفٍ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرعِيَّةِ نُسَمِّي هَذِهِ الآثارَ «ثوابًا» وَ«عِقابًا»، وَمِنَ النَّاحِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ نَعْتَبِرُها تَبِعَياتٍ سُلُوكِيَّةً. فَالثَّوابُ وَالعِقابُ لَيسَا عَقدًا بَل تَبِعَةً طَبِيعِيَّةً.

هل الأحكامُ والواجباتُ مُرتبطةٌ بالمصالحِ والمفاسدِ؟ وهل المصالحُ والمفاسدُ تعنيان الطاعةَ والعصيانَ تجاهَ اللهِ أم لهما دلالاتٌ أخرى؟

في هذا الصدد، يجبُ أولًا أن نُدركَ أنَّ أفعالَنا لها انعكاساتٌ، وأنَّ لكلِّ فعلٍ حكمًا يُبنى عليه تقييمُ هذا الفعلِ إذا كانَ صحيحًا أم خاطئًا، وذلك من الناحية العقلية أو الشرعية. من الناحية العقلية نقولُ إنَّ هذا العملَ جيدٌ أو سيءٌ، ومن الناحية الشرعية نقولُ إنه واجبٌ أو حرامٌ. بناءً على هذا، فإنَّ فعل الخيرِ هو الطاعةُ، وفعل المعصية هو العصيانُ. وبما أنَّ كلَّ فعلٍ له انعكاساتٌ وآثارٌ، فإنَّ الأحكامَ تُرتبُ على هذه الأعمال. لكن بعضَ الفرقِ الإسلاميةِ تَعتقدُ أنَّ الأحكامَ الإلهيةَ ليستْ مُرتبطةً بالمصالحِ والمفاسدِ، وأنَّ اللهَ شاءَ أن يجعل الصلاةَ واجبةً والخمرَ حرامًا فقط. وهذه العقيدةُ غيرُ صحيحةٍ، لأنَّه في هذه الحالةِ لا يكونُ الدينُ قائمًا على الحكمةِ أو العقلانيةِ، ويبدو كأنه لعبةٌ أو تسليةٌ لا غير. إنَّ الواجبَ والحرامَ، والصلاحَ والفسادَ، تتحدَّدُ بمحتوى الأفعالِ، والمحتوى هو سببُ الحكمِ. ولذلك، فقد تمَّ تحديدُ الواجباتِ بناءً على مصالحَ ومفاسدَ واضحةٍ، وتطبيقُها أو مخالفتُها يؤدي إلى الطاعةِ أو العصيانِ.

هل المصالحُ والمفاسدُ دنيويةٌ أم أخرويةٌ؟ وهل المصالحُ الأخرويةُ أهمُّ أم العكس؟

إذا قَبِلنا أنَّ لأفعالنا نتائجَ، فلا بُدَّ أن نُقرَّ بأنَّ هذه النتائجَ تظهرُ في الدنيا، لأنَّ الدنيا هي ميدانُ ظهورِ الآخرةِ. بمعنى آخر، لا نصلُ إلى الآخرةِ إلا بعدَ انتهاء الدنيا، ولا يَبلغُها أحدٌ قبل أن يمرَّ بها. الدنيا هي البيئةُ التي تُعدُّ للآخرة، والآخرة هي نقيضُ هذه البيئة. في المجالِ الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ، نقولُ إنَّ السلامةَ هي البناءُ الدنيويُّ، والسعادةُ هي البناءُ الأخرويُّ، وبالتالي السلامةُ في الدنيا تؤدي إلى السعادةِ في الآخرة، والفسادُ في الدنيا يؤدي إلى الشقاءِ في الآخرة. لذلك، الآخرةُ هي نتيجةُ الدنيا، ولا يمكننا القولُ بوجود مصالحَ في الآخرةِ لا تنبعُ من الدنيا. كلُّ مصالحِ الدنيا ومفاسدِها تُحسَمُ في الآخرة. كما قيل: “كما تزرعُ تحصدُ”، فنحن نزرعُ أحيانًا في أرضٍ خصبةٍ وأحيانًا في مزبلةٍ، ونتيجةُ كلٍّ تختلف. فإذا زرعنا النفاياتِ، نحصدُ نفاياتٍ أيضًا.

هل يؤثرُ العلمُ البشريُّ وظروفُ الزمانِ والمكانِ على تغيُّرِ مفهومِ الخطأِ أو الذنبِ؟

العلمُ البشريُّ يُسهِمُ في فهمِ هذه الحقائقِ، فكلَّما ازدادَ العلمُ والوعي، تعززَ إدراكُنا لمعاييرَ دينيةٍ وأثريةٍ بشكلٍ أفضل، بشرطِ أن يكونَ هذا العلمُ سليماً. لكنه لا يستطيعُ تغييرَ حقيقةَ الذنبِ، بل فقط يُبيّنُ ما هو خطأٌ وما هو صحيحٌ. أحيانًا يُستخدم العلمُ في خدمةِ الاستكبارِ والاستعمارِ لتبريرِ الأفعالِ المنحرفةِ، مما يُشوّهُ الفضائلَ الإنسانيةَ، ونشهدُ هذه الظواهرَ في شكلِ ثقافةٍ تُروَّجُ على نطاقٍ واسعٍ.

الإنسانُ السليمُ لا يمكنُ أن يُمارسَ الانحرافَ، ولكن بالتكرارِ والدعايةِ، قد يتحولُ إلى مدمنٍ أو قاتلٍ أو سارقٍ، وقد يُصابُ بالساديةِ وحتى يستمتعُ بالألمِ الذاتيِّ. هذا ليس العلمَ بحدِّ ذاته، بل هو انحرافُ استخدامِه، فالعلمُ كالمصباحِ يُضيءُ خصائصَ العوالمِ والخيرَ والشرَّ، وبين الحقيقةِ العلميةِ وما يستغلهُ المستكبرونَ فرقٌ كبيرٌ.

في آيةٍ من القرآنِ الكريمِ، ذُكرَ أنَّ نتيجةَ ارتكابِ الذنبِ هي إنكارُ آياتِ اللهِ… كيف يُنزلُ الذنبُ الإنسانَ نفسيًا وعقيديًا إلى أن يصلَ إلى الإنكارِ والتكذيبِ؟ وهل هذا هو نفسُ مآلِ عصيانِ الإنسانِ لربِّه؟

الشيطانُ والمذنبُ قد يُظهِرانَ المنكراتِ على هيئةِ فنٍّ، ولذلك يُمكنُ أن يدفعَ الذنبُ الإنسانَ إلى الانحدارِ والتراجعِ. فالإنسانُ بسببِ الذنبِ يَتلوثُ، ويُصبحُ يرى الانحرافاتِ طبيعيةً. من يعيشُ في التلوثِ طوالَ حياتهِ يُحبُّ هذا التلوثَ. فالفعلُ يجعلُ الفطرةَ تتغيرُ وتتكيَّفُ مع السيئات.

مثلاً، إذا دخّنَ شخصٌ سيجارةً لأول مرةٍ، يسعلُ، ولكنَّ التكرارَ يجعلُهُ في الصباحِ يُفكِّرُ في التدخينِ قبلَ الأكلِ أو الشربِ. فيصبحُ لا يستمتعُ بالطبيعةِ، بل بالعادةِ غير الطبيعيةِ. وبالتالي قد يصبحُ الذنبُ جزءًا من الطبيعةِ الثانويةِ للإنسانِ. وإذا دخلَ شخصٌ مدينةً كلُّ سكانِها عُميٌ، فسيشعرُ بالمعاناةِ من وجودِ عيونٍ لديه، لأنَّ الحالةَ العاديةَ هناك هي العمى، وهذا ما يؤكدهُ القرآنُ بالعلمِ والتجربة.

وفي آيةٍ أخرى قالَ تعالى:
“ومن أعرض عن ذكري فان له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى”
هل يُعتبرُ ارتكابُ الذنبِ نوعًا من الإعراضِ عن ذكرِ الله؟ ولماذا لا تكونُ حياةُ غير المسلمينَ وأصحابِ عدمِ الإيمانِ صعبةً بناءً على هذه الآية، مع أنَّ المسلمينَ أنفسهم قد يواجهون حياتًا صعبةً؟

نعم، من يُدمنُ الانحرافَ يشبهُ النهرَ الذي يصبُّ في مستنقعٍ أو يُلقى فيه النفاياتُ باستمرارٍ، فيفقدُ الماءُ نقاءَهُ، مثلَ الجسدِ الذي تتجمعُ فيه الدهونُ والرسوباتُ في الأوعيةِ الدمويةِ، مما يؤدي إلى انسدادِها وظهورِ أمراضٍ كثيرةٍ. كذلك الذنبُ يُحدثُ مثل هذه الحالةِ للإنسانِ. القرآنُ يبيّنُ ذلك بأسلوبٍ فلسفيٍّ وعلميٍّ ونفسيٍّ، حيثُ يُوضِّحُ أنَّ الذنبَ يؤدي إلى الضيقِ والعمى الروحيِّ. ولأنَّنا غيرُ مَألوفينَ مع القرآنِ، فإنَّنا لا نعتبرُ هذهَ الحقائقَ علميةً، مع أنَّها مبنيةٌ على العلومِ.

نقد مسألة الصحة والذنوب من منظور ديني واجتماعي

أما الجزء الثاني من سؤالك المتعلق بكون غير المسلمين يتمتعون بصحة أفضل بناءً على آيات القرآن الكريم، فأرى أن هذا السؤال مهم، والإجابة عليه تكمن في أن مفهومنا للثواب والعقاب، أو الخير والشر، أو الكافر والمسلم، غالبًا ما يكون نمطيًا ومجردًا من الفهم العميق. نحن نظن أن المسلم يجب أن يكون صالحًا والكافر يجب أن يكون سيئًا، لكن علينا أن ننظر إلى الأداء الفعلي. فإذا كان المجتمع مسلمًا مفكرًا وذو سلوك صحيح، فمن المستحيل أن يكون متخلفًا أو واقعًا في المصاعب.

عندما نتحدث عن الذنوب لا ينبغي أن نقتصر على بعض الأفعال الظاهرة فقط. الإسلام دين تفكير وحضارة وتقوى، ومع ذلك نرى، مثلًا، أن بعض المسلمين يبنون بيوتهم من الطين، فإذا ما حدث زلزال تهدم كل شيء. هذا ليس إسلامًا بل جهلًا. المسلم هو مفكر أيضًا، لكن نلاحظ أن نفس الزلزال الذي يكسر بعض الأسلاك ويقضي على بعض الأشجار في اليابان، يدمر مدينة مثل “بم” في إيران. هذا يدل على تخلفنا ومأزقنا، والسبب هو أننا مسلمون نمطيون فقط. لو كنا مسلمين حضاريين لما حدث ذلك. والكفار كذلك يعيشون وفق نتائج أفعالهم، فالفقر والبطالة لديهم نتاج هيكل معرفي قوي، وفي المقابل، إذا كانت لديهم أزمات أخلاقية أو نفسية فهي نتيجة كفرهم.

بعض مشكلاتنا ناجمة عن جهلنا، وصفات مجتمعنا الجيدة مرتبطة بالتزامنا. لقد كنا تحت نير الاستعمار والحكم الطاغوتي لسنوات، ولكن بعد ثلاثين عامًا أصبحنا محور النقاش العالمي وهذا نتيجة أدائنا. في الماضي كان إسلامنا مجرد عنوان، أما اليوم فمضموننا هو الإسلام. لذا لا ينفعنا ظاهر الدين وحده، بل إذا كان الدين صحيًا فإنه يجلب السعادة في الدنيا والآخرة، وإذا لم يكن كذلك فسنظل محرومين من السعادة. إذا لم تكن قوانيننا ونظامنا يسعى إلى الصحة فلن نبلغ السعادة. ثمار السعادة الأخروية تنبت من شجرة الصحة الدنيوية، والتمييز بين كافر ومسلم بحد ذاته لا يحدث فرقًا كبيرًا.

المجتمع المسلم يسعى أولاً للعلم ثم للسلطة، لأنه إذا لم يتحقق للعلم سلطة فهو ليس علمًا بل وهمًا. لذلك لا تعني القوة أو التفوق لفظًا بقدر ما تعني المعنى والواقع.

تعدد تعابير الذنوب في القرآن الكريم وأبعادها

استُخدمت تعابير متعددة مثل “إثم”، “ذنب”، “سيئة”، “سوء”، “فحشاء” وغيرها في القرآن الكريم للإشارة إلى الذنب. هذا التعدد يدل على أن أفعالنا لها وجوه مختلفة، وكل تعبير يظهر جانبًا من جوانب الذنب. مثلاً “الإثم” يدل على فراغ العمل من المحتوى، أما “الذنب” فيشير إلى التبعية والتكرار الذي قد يؤدي إلى العادة والطبيعة، وحينها يصعب التوبة والتغيير. “السيئة” تؤكد على الأذى والشقاء، و”الفحشاء” تعبر عن الطغيان.

لا يوجد في اللغة الفلسفية مترادفات مطلقة، فكل كلمة تحمل خصوصية مميزة. كذلك تعابير الذنب تختلف لأجل بيان أبعاده المتنوعة.

الذنب في منظومة الإسلام للتربية والسعادة

في المنظومة التي رسمها الإسلام لسعادة الإنسان وأمته في الدنيا والآخرة، تُعرف بعض الأفعال بأنها “ذنوب” أو “منكرات”، وتشكل جزءًا مهمًا من الواجبات أن يمتنع المؤمنون والمجتمع الديني عن هذه المحرمات.

هذه المحرمات لا تقتصر على الأفعال فقط، بل تشمل بعض المعتقدات الخاطئة والخرافية مثل الشرك وعبادة الطواغيت والهوى والإنكار لربوبية الله والبعث والجزاء.

آثار الذنوب وعواقبها

بعض الذنوب لها آثار شديدة مثل ضيق الرزق أو عدم قبول الدعاء أو حتى الموت المفاجئ. هذه النتائج طبيعية، فكل فعل له أثر على الروح والجسد. مثلًا، من يعتني بتمارين الرياضة تزيد صحته، ومن يهملها يمرض. لذلك الذنوب لها نتائجها، ومنها فقدان القدرة على الدعاء والقيام بالواجبات.

مثلاً تحريم المسكرات بسبب تأثيرها السلبي على الدماغ والتوازن النفسي، وهذه من حقائق القرآنية التي تبين نتائج الأفعال بدقة.

نقد أداء العلماء والدعاة في مجال التوعية الدينية

أداؤنا في التوعية الدينية بعد الثورة لم يكن مرضيًا، رغم ارتفاع التوقعات. يجب أن تكون الدعوة منظمة علميًا وثقافيًا، ولا يمكن أن يكون عمل 200,000 رجل دين عشوائيًا. الدعوة تحتاج إلى بنية علمية حتى تكون مؤثرة، لأن التكرار بدون محتوى جديد يفقد المتلقي اهتمامه. الدعاة اليوم بحاجة إلى أن يكونوا باحثين أولاً، ثم يعلنوا نتائج بحوثهم.

بعض كبار العلماء نجحوا باستخدام أساليب دقيقة وخاصة، لكنها ليست متاحة للجميع، ولذلك علينا إدراك نقاط الضعف والعمل على تنظيم الدعوة بما يحقق أفضل النتائج.

تأثير الذنوب على الحياة الفردية والاجتماعية

ثابت أن طريقة تفكيرنا تؤثر على أفعالنا، وأفعالنا تظهر آثارها علينا، كما يقول المثل: “كما تكونوا يولى عليكم”. لذلك يجب أن نعي أن ما في داخلنا ينعكس على الخارج.

الاجتماع والفردية كذلك. إذا تعمقنا في المحتوى، فإن لكل منهما نتائجها الخاصة. الناس الذين يركزون على الشكل فقط ويتبعون مراحل التقدم، يرون آثار ذلك في نفس المجال، أما أولئك الذين يعتنون بالمحتوى ويُعيرون له اهتمامًا، فربما لا يتمتعون بزخرف الحياة الخارجية وقد يبدو ظاهرهم شاحبًا، لكنهم في داخلهم في سلام واطمئنان. ومن هنا، فإن التدين والكفر يظهران أكثر في المحتوى لا في الشكل والمظهر. لذلك، فإن النتيجة النهائية لمناقشتنا هي أن أفعالنا وأعمالنا لها آثارها التي لا تُفقد أو تُنقص ولو بمقدار ذرة.

المرأة، العفة، والحرية

(١)

مقدمة: نشر آية الله مؤخرًا كتابًا تحت عنوان: «المرأة؛ مظلومة في كل العصور». وتتناول المواضيع المطروحة في هذا العمل المكوّن من أربعة أجزاء، دوافع كتابته، القضايا الجديدة المطروحة فيه، والرؤية العامة له، من خلال حوار أُجري مع مؤلف الكتاب. ووفقًا لآية الله ، لم تُعرف حقوق المرأة في مجتمعنا، وبسبب عدم معرفة هذه الحقوق، تعرضت المرأة للظلم. كما قدم رؤية جديدة حول نوعية لباس المرأة وتعليمها.

  • هدفنا الأساسي هو تنقية المناقشات الدينية من الإضافات والشوائب، ومن أهم هذه القضايا قضية المرأة. عبر التاريخ لم يكن هناك تعامل سليم مع المرأة، ولا يزال الوضع على ما هو عليه. في الوقت الحالي، نشهد من جانب تَسلطًا ذكوريًا مفرطًا ومن جانب آخر نشاهد نزعات نسائية متطرفة، وهو وضع غير متوازن وخاطئ. في هذا العمل، حاولنا رسم صورة مختلفة للمرأة. الكتاب مقسم إلى اثني عشر قسمًا، كل قسم مخصص لموضوع معين.
  • في مجتمعنا، حُرمت النساء التقليديات من حقوقهن، في حين اتجهت النساء العصريات إلى طريق مختلف. القول هو أن التقليدية والتجديد لا يلبّيان حاجاتنا، ولا يمكن بهما حل مشاكل مجتمعنا. مثلاً، في هذا الكتاب قيل إن اللباس يختلف عن الحجاب، وأن الإسلام يأمر باللباس لا الحجاب، وبيّن أن النقاب عبء ثقيل على المرأة، وأن الإسلام لم يفرض عليها مثل هذا الالتزام الصعب. أو في موضوع الخطوبة، حيث ورد أن المرأة تستطيع طلب الزواج، وأن هذا الأمر ليس حكرًا على الرجال.
  • نقول إن إدارة شؤون النساء يجب أن تكون بيد النساء أنفسهن، وإن كان ذلك بدوام جزئي، لأن مسؤولية المرأة في الأسرة ثقيلة، وإذا أرادت أداء دورها في المجتمع بنفس الطريقة، سيكون لذلك نتائج سلبية منها الشيخوخة المبكرة وحتى الوفاة المبكرة. النساء مديرات المنزل، لكن يمكنهن المشاركة الفعالة في المجتمع. وقد سمّينا الكتاب «المرأة؛ مظلومة في كل العصور» إشارة إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي كانت مظلومة دائمًا، ولأن هذه المظلومية لا تزال مستمرة. أحيانًا يرتكب الرجل جريمة وتعاقب المرأة، فالرجل قد يُسجن بينما الزوجة والأطفال يعانون من الحرمان أو الضغوط الاجتماعية أشد مما يعانيه السجين.
  • من القضايا الأخرى التي نوقشت موضوع التعليم قبل الزواج. نتعلم كثيرًا قبل بدء أي عمل أو الحصول على رخصة، لكننا لا نحصل على تعليم حول بدء الحياة الزوجية. الحياة علم يجب تدريسه في المدارس والجامعات. نقرأ كتبًا في الحوزة والجامعة، لكن لا يوجد كتاب يشرح كيفية الحياة الزوجية. الآن، يتم فقط اختبار دم الأشخاص قبل الزواج، بينما ينبغي إجراء فحوصات عديدة لتحديد ما إذا كانوا مؤهلين للحياة الزوجية أم لا. معظم الإحصائيات حول الطلاق والمشاكل ناتجة عن عدم الوعي عند بدء الحياة الزوجية. ما اعتدنا عليه كان بناءً على فهم محدود وغير كافٍ. لدينا ثقافتان خاطئتان حول الحياة؛ الأولى تربط العفة بالجهل، والثانية تربط التعليم بالوقاحة. المجتمع الإسلامي يجب أن يكون واعيًا وعفيفًا في الوقت نفسه، فلا يجب أن تُضحى إحداهما بالأخرى. الإدارة العلمية المنظمة تحل المشاكل الحالية.
  • في هذا الكتاب تم الاعتماد بشكل رئيسي على القرآن الكريم والأحاديث النبوية، دون الاعتماد على مصادر أخرى، مع محاولة شاملة لتغطية المواضيع المهمة مثل العقل، العاطفة، الإرث، وقضايا النساء. الكتاب يستخلص من الكتاب والسنة، ولا يؤيد الذكورية المفرطة ولا يناصر النسوية المتطرفة. تم التأكيد على أهمية الاكتفاء الذاتي للنساء، خاصة في مجالات الصحة والعلاج، التي يمكن تحقيقها بالتعليم.
  • بشأن الفرق بين الحجاب واللباس، خصص للموضوع حوالي ١٥٠ صفحة. الحجاب يعني التستر أو ستر الرأس، واللباس يعني عدم إظهار شكل الجسد.
  • ناقش الكتاب أيضًا الطلاق وتعدد الزوجات بالتفصيل، حيث الطلاق هو الحرية، وتساءل كيف يكون هذا الحرية مقصورة على الرجل فقط؟ كما تناول مسألة تجميل النساء، وأكد أن النساء لسن أداة أو قوة عمل رخيصة، بل بحاجة إلى اهتمام أكبر.
  • حول حقوق المرأة والرجل في الإسلام، ناقش الكتاب الحقوق المشتركة والاختلافات وخصائص كل منهما. لا ينبغي القول بأن المرأة والرجل متساويان من حيث القيم، بل تُقاس القيم بمعايير شرعية. الإسلام حدد ذلك، لكن المسلمين والمجتمع الإسلامي تعرضوا للتطرف والتفريط. بناءً على القدرات التي تتمتع بها المرأة، يتم وضع القوانين. وقد حظي الكتاب باستحسان العديد من العلماء والجهات الرسمية.
  • في الأجزاء القادمة، يرمي الكتاب إلى تبرئة الدين من اتهامات الذكورية، ورسم صورة واضحة عن المرأة حتى لا تقع في فخ التجديد الجامح.
  • لقي الكتاب قبولًا من العلماء، ولم يُعارضه أحد، بل بعضهم أشار إلى شموليته بحيث لم يروا حاجة لطباعة كتب أخرى.
  • تفسير نمطين عارفين:
  • يُبيّن هذا الكتاب نمطين من البيانات العرفانية. يعتمد المؤلف في هذا الكتاب على منهج فلسفي، مقتصراً على بيان دقائق السلوك والتصوف على لسان الحكيم.
  • صحيفة العشق:
  • هذا العمل مقتبسٌ بشكل مختصر من دعاء مكارم الأخلاق من صحيفة سجادية سيد العشاق، الإمام السجاد عليه السلام. صحيفة السجادية، التي قلما حظيت بالاهتمام نظراً لعمق الحقائق وعظمة المضامين، تُعد بعد القرآن الكريم من أغنى المصادر التي تقدم علامات الوحي الرباني، وهي أسمى كتب التصوف والأخلاق. وفي هذا السياق، يتميز دعاء «مكارم الأخلاق» بمكانة خاصة.
  • «صحيفة العشق» هي خلاصة دروس آية الله التي ألقاها قبل سنوات أمام الحوزويين، ثم دونها بيده. يعترف هذا التقديم بمصدر استنتاج المبادئ الأخلاقية في ثلاثة مجالات: الكلام، الفلسفة، والتصوف، ويُحصي درجات الأخلاق العرفانية وأشكال الأخلاق الفلسفية والتصوفية، ويقدّم معايير تقييم كل مدرسة أخلاقية. ثم يتناول سؤال: ما هو التصوف؟ ومن هو العارف؟ ويبحث في معنى «مكارم الأخلاق»، ويرد على بعض التساؤلات المطروحة في فلسفة الأخلاق.
  • إنكار الله وأصول الإلحاد:
  • كتاب آخر من تأليف الأستاذ ، يبدأ بمقدمة تتناول السؤال الأساسي والدائم للبشر: هل الله موجود أم لا؟ وإذا كان موجوداً، فما تأثيره في العالم، وما الفرق الذي يحدثه في حياة المخلوقات؟ وإذا لم يكن الله موجوداً، فكيف ستكون علاقات المخلوقات مع بعضها ومع الوجود؟ وإذا كان الوجود نظاماً كاملاً، فما معنى وجود النقص والشر والآلام في العالم؟ ولماذا يوجد الحرمان الدنيوي والعقاب الأخروي إذا كان الله هو الفاعل والمالك والمصلح للجميع؟ هذه أسئلة من بين ما يناقشه الكتاب.
  • مؤلفات أخرى:
  • من بين مؤلفات آية الله أيضاً: «نماذج الفكر الديني»، «أنغام عرفانية»، «الفلسفة الحديثة»، «الإسلام: الهوية الحية الدائمة»، «عوالم المينا» وغيرها، وكلها صدرت في مجلدات صغيرة الحجم (جيب). وقد تناولت كل منها موضوعات عقائدية واجتماعية مهمة. وقد أُجريت عدة مقابلات معمقة مع آية الله في موضوعات مختلفة من قبل مجموعة الفكر.
  • البابا؛ العنف في خطاب العقل:
  • أثار خطاب البابا بنديكت السادس عشر ونقله الموجه لحوار إمبراطور بيزنطة مع مفكر إيراني في القرن الرابع عشر الميلادي غضب المسلمين، وأدى إلى استغراب المسيحيين وانزعاج بعض المقربين من البابا. حاول البابا تفادي ردود الفعل عبر نقل هذه التصريحات، وفي ذات الوقت تحدى مفهوم «الجهاد» و«العقلانية» في الإسلام، بيد أن هذه المحاولة جاءت بدائية، مما جعل أهل السياسة والدين يرفضون أسلوبه في النقل والحوار.
  • قال البابا، نقلاً عن الإمبراطور، إن العمل ضد العقل والمنطق يتعارض مع ذات الله، وأن في تعاليم المسلمين الله متعالي لا تخضع إرادته لقواعد العقل حتى لو فرض إرادة تدعو لعبادة الأصنام. ورد آية الله أن هذه التصريحات تعكس جهلاً عميقاً بالإسلام.
  • عقلانية الإسلام:
  • يؤكد آية الله أن الإسلام دين عقلاني بامتياز، حيث يدعو القرآن إلى العلم والعقل، ويكرر وصف الله بالرحمة أكثر من ٣٤٠ مرة. بداية كل عمل بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم» دليل على أن رحمة الله أساس كل أمر.
  • آية «لا إكراه في الدين»:
  • تناول آية الله موضوع آية «لا إكراه في الدين» وأكد أن النزاع حول تاريخ صدورها أو ظروفها لا يقلل من أهميتها، وأن العلماء المسلمين جميعاً يؤمنون بعدم نسخها ولا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، مشيراً إلى أن القرآن في مواضع أخرى يؤكد احترام حرية العقيدة.
  • يقول عمران تجاه هؤلاء العلماء: «هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجوا فيما ليس لكم به علم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (آل عمران: 64). أنتم أولئك الذين جادلتم فيما كنتم تعلمون ولم تحققوا نتيجة، فكيف تجادلون فيما لا تعلمون؟ وفي أسفل هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى: «والله يعلم وأنتم لا تعلمون». بناءً على هذه الآية يمكن القول إن ناقل الأقوال المذكورة هم من يتكلمون في أمور لا يعلمونها، ولكن على العكس من هؤلاء، فإن علماء الإسلام يمتلكون معرفة أشمل وأعمق بجوانب ومظاهر مسائل المسيحية أكثر من المسيحيين أنفسهم. حينما نقول نحن مسلمون، فهذا يعني أولاً أننا نعترف بالمسيحية ثم نعرفها جيدًا. الكتب المقدسة موجودة في بيوتنا، ونحن لا نتكلم جهلاً، في حين أن هؤلاء الغرباء عن القرآن الكريم لا يستطيعون حتى قراءته.
  • ونقل البابا أيضًا قولًا يفيد بأن الله في العقيدة الإسلامية كائن مطلقٌ متعاليٌ استعلائي، إرادته لا ترتبط بأي من المقولات التي يقبلها المسيحيون مثل العقل والمنطق. أليس هذا القول إشارة إلى معتقدات الأشاعرة حول إرادة الله؟
  • هذا الموضوع، الذي يطرح في مبحث «الجبر والاختيار»، هو من المواضيع العلمية المعقدة للغاية، وقد قدم العديد من المفكرين فيه آراء مختلفة، وهذه الآراء ليست قطعاً أو مطلقة.
  • وقد ورد في أقوال المعصوم وفي المأثورات: «لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين الأمرين» (الكافي، ج1، ص160). ولكن هذا البيان لم يحل كل المسائل. هناك اختلاف بين كبار علماء الشيعة حول مفهوم «الأمر بين الأمرين»، وهو الأمر الذي ليس جبرًا ولا تفويضًا، لكنه يجمع بينهما.
  • كل من هؤلاء العلماء قد فسّر هذا المفهوم بطريقة مختلفة. وفي دروس الفلسفة العليا تناولنا تاريخ هذا النقاش الذي يمتد لألف سنة، ثم قدمت مفهومًا جديدًا ومختلفًا له. يمكنني أن أقول باختصار أن الجبر والاختيار موضوع مشاع، لا منفصل. لا يمكن القول بأن دورنا في كل عمل هو عشرة في المئة ودور الله هو تسعون في المئة، ولا يمكن أن نعتبر أنفسنا لا نفعل شيئًا أو نفعل كل شيء. لذلك نقول إن هذا الموضوع مشاع؛ أي أن كل ظهور وكل فعل في ظل وجود الله يستلزم حقيقة الفعل، وكل شخص يُجازى في الدنيا والآخرة بحسب ذلك الظهور المشاع.
  • على أي حال، هذا موضوع يحتاج إلى نقاش علمي دقيق، ولا ينبغي لأحد أن يعرض مسألة نظرية معقدة عليها اختلاف كبير بطريقة ناقصة وغير ناضجة ويزيد من الخلافات.
  • يقول القرآن الكريم: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» (آل عمران: 64)، لكن البابا يبحث عن مسائل معقدة لتوليد الخلاف، إذ أن مثل هذه المسائل لا تحل ببساطة. بدلاً من هذا الكلام، يجب أن نعمل بما قاله القرآن الكريم ونسعى إلى التركيز على نقاط الاتفاق ونطمح إلى السلام.
  • فما هو رأي القرآن الكريم في الخلافات الدينية؟ وهل تناولت آياته هذه القضايا؟
  • نعم، القرآن الكريم تناول ذلك بوضوح، وآراء الإسلام في هذا الأمر واضحة جدًا.
  • في الوقت الراهن، حيث ازداد وعي الجميع بقضايا مختلفة، لم يعد من السهل الكلام في مثل هذه القضايا، ويحتاج ذلك إلى دقة مضاعفة.
  • يقول القرآن الكريم: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا» (آل عمران: 64)، أي يا نبي قل لأهل الكتاب لنتفق على كلمة واحدة هي ألا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئًا، «ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله» (آل عمران: 64)، فلا يتخذ الإنسان آخر إلهًا أو ربًا غير الله.
  • الله هو الله، ليس عيسى ولا الكنيسة ولا أحدٌ آخر معبود، وعلى هذا الأساس يجب على جميع أتباع الإسلام والمسيحية أن يتعاونوا ويتحدوا على أمر الله الذي هو وحدة الكلمة وتوحيد الله.
  • في هذا الزمن، ليس من الصواب أن نربك عقول الموحدين ونؤثر في قلوبهم بحيث ينفر الناس من الدين برمته. هذا السلوك ذاته هو من مظاهر العنف.
  • علينا أن نسأل: ماذا فعل العالم المسيحي اليوم من أجل السلام والطمأنينة؟ على الدول المسيحية أن تساعد على تحقيق السلام العالمي لا أن تثير الفوضى بالكلام أو الفعل.
  • الجميع يبحث عن الصحة والسلام، والقرآن الكريم يقول: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران: 19)، وعلى الجميع أن يقول: «إلا قيلًا سلامًا سلامًا» (الواقعة: 26). ومن واجب العلماء المسيحيين والعلماء الإسلاميين أن يسعوا لتحقيق «سلامًا سلامًا».
  • القرآن الكريم كله محبة ورحمة، وإن ظهرت في أي مكان مظاهر عنف من قبل مسلم، فهذا بسبب حكم الظلم والفساد في البلدان الإسلامية، ولا علاقة له بالدين الإسلامي الحقيقي. وقد أثبتت في سلسلة دروس «الأسماء الحسنى» أن الإسلام لا يأمر بالعنف ولا يوجد فيه قاعدة تشجع على العنف.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V