صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

العلم الكافي

نشر في آذر 13, 1404 في

العلم الكافي
تبيين بعض الأحاديث الشريفة من كتاب الأصول الكافي التي توضّح ماهية العلم وسبل اكتسابه

معلومات الكتاب:

  • المؤلف: (مواليد 1948م)
  • العنوان: العلم الكافي: تبيين بعض الأحاديث من كتاب الأصول الكافي التي تعرض ماهية العلم وطرق اكتسابه /
  • الناشر: إسلام‌شهر، ، 2013م
  • عدد الصفحات: 87 صفحة
  • الحجم: 20.5 × 11.5 سم
  • رقم ISBN: 978-600-6435-93-0
  • وصف: شرح لأجزاء من كتاب “الأصول الكافي” لمحمد بن يعقوب الكليني
  • موضوعات: العلم واكتسابه من الناحية الدينية في الإسلام، الحديث الشريف
  • التصنيف: BP254/4 – ن8د2 1392

مقدمة

يُعد كتاب “الكافي” الشريف من أهم الكتب الحديثية الأربعة التي يستند إليها كبار العلماء والفقهاء في إصدار الفتاوى. في كتاب الأصول الكافي، بعد مناقشة موضوع “العقل والجهل” يتبع فصل “فضل العلم”. وهذا يعني أن تجسيد العلم يظهر في الفرد العاقل، إذ إن العقل هو الذي يمكنه استثمار العلم لنفسه، كما أن الدين يكون فعالاً في الإنسان العادل، ولا تأثير له في الإنسان غير العادل، كما لا تنفع التغذية الغنية الأشخاص الضعفاء العظام.

رغم أن العلوم التجريبية والفنية قد تظهر لدى من لا يملكون عقلاً قويًا، إلا أن قمة العلم تكمن في الأشخاص العقلاء، والعلم لا يؤثر كثيرًا في سعادة الآخرة للجاهلين. اكتساب العلم لشخص غير عاقل يشبه بناء عمارة شاهقة على أرض ضعيفة بلا أساس متين، فتنهار بسهولة.

تبدأ الأحاديث في كتاب فضل العلم بضرورة التعليم ووجوب التعلم على المسلمين. فلا فرق بين العلماء والناس العاديين في التعلم الديني، فالجميع يجب أن يعرف مسائل دينه. كما يخصص العلماء وقتًا لتعلم الدين، ينبغي للناس العاديين أيضًا أن يخصصوا وقتًا لتعلم الأحكام الدينية والمعتقدات الإسلامية، ولو بدرجة أقل.

ليس من الصواب أن يكون تعليم العلوم الدينية حكرًا على العلماء، ويترك الناس العاديون شؤونهم الدنيوية فقط. يهدف هذا الكتاب إلى شرح وتفسير أهم الأحاديث في هذا الجزء من كتاب الأصول الكافي، لتوضيح ماهية العلم وأساليب اكتسابه.

الحديث الأول: تعلم وتعليم المسائل الدينية

قال علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه: سُئل أبو الحسن عليه السلام: هل يجوز للناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟ فقال: لا.

سئل الإمام الكاظم عليه السلام إن كان يجوز للناس أن يتركوا المسائل التي يحتاجون إليها في الدين، فأجاب بالنفي، فلا يجوز لهم ذلك.

يبدأ كتاب فضل العلم بأحاديث توجب طلب العلم، حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم، إن الله يحب باغي العلم”.

أما في الحديث المذكور، يُسأل الإمام الكاظم عليه السلام عن ترك المسائل الدينية الضرورية، فيجيب بأن ذلك غير جائز. هل يلتزم مجتمعنا الإسلامي بهذا الحكم الشرعي؟ هل يعي الناس المسائل التي يحتاجونها في دينهم؟

الكثير من الناس يحرصون على تحصيل العلم الدنيوي لأجل الرزق، ويشجعون أبناءهم على الدراسة، ولكنهم لا يعيرون اهتمامًا كافيًا لتعليم الدين، الذي هو فرض وتركه معصية.

للأسف، التعليم الديني والأخلاقي يتراجع، ولا يوجد معلمون أكفاء في المدارس الدينية، ولا تقوم المساجد بدور تعليمي فعّال. في عصر النبي والأئمة عليهم السلام، كانت هناك مناهج تعليمية صحيحة، وانتشرت آلاف الأحاديث بين الناس، حتى يمكن لكل فرد رواية الكثير منها، أما اليوم فالكثير ممن يسمعون الخطب لا يستطيعون تذكر حديث واحد بعد الخروج من المسجد.

هذا يدل على ضعف أساليب الوعظ والتعليم الحالية، وليس بسبب نقص ذكاء الناس. الإمام الصادق عليه السلام كان يوصي بكتابة الدروس والحديث، أما اليوم فالمستمعون يكتفون بالمشاهدة ولا يدونون شيئًا، وموضوع الخطب أيضًا لا يعين على الفهم العميق.

لا بد لنا أولاً أن نؤمن بأن تجاهل تعلم الأحكام الدينية معصية لله، وثانيًا أن نقر بوجود مسائل دينية نجهلها، وثالثًا أن نعترف بأن ذاكرتنا ليست كمخزن إلكتروني يمكن استدعاؤها فورًا، بل يجب تدوين الملاحظات وتنظيمها.

في عهد الأئمة عليهم السلام، كان الناس يكتبون الأحاديث رغم الصعوبات، مثل ندرة الورق والقلم، والحظر السياسي، والاضطهاد، ومع ذلك لم يتوقفوا عن التعليم والحفظ ونقل العلم، في حين أن الطريقة الحالية للوعظ بعيدة عن هذا النظام العلمي.

المشكلة ليست فقط في منبري الوعظ، بل أيضًا في غياب نقد وتحليل المحتوى، حيث ينقلون الأقوال بدون فهم عميق، ويقبل المستمعون كل ما يُقال، مما يسبب تضاربًا في الأفكار الدينية.

المساجد ليست مدارس تعليمية منظمة، مما يؤدي إلى جهالة في معرفة واتباع الأحكام الشرعية، فهناك من يجهل أحكام عبادته أو معاملاته بعد سنوات طويلة.

(تابع المقدمة والحديث الأول)

إن كثيرًا من الناس يستمرون لأعوام طويلة في أداء عباداتهم ومعاملاتهم بصورة مخالفة للأحكام الشرعية، دون أن يدروا بواقع مخالفتهم. وهذا يعكس ضعف الوعي الديني وانتشار الجهل بالفقه الشرعي.

من المهم أن ندرك أن التعلم الديني ليس خيارًا، بل هو فرض واجب على كل مسلم، إذ إن جهل الدين يفضي إلى الضلال والمعصية، والتقصير في أداء الواجبات الشرعية. فكما أن الناس يحرصون على تعليم أبنائهم العلوم الدنيوية، يجب أن تولى العلوم الشرعية نفس القدر من الأهمية، حتى لا يتعرض الإنسان للخطأ في عقيدته أو عبادته.

إن عدم الاهتمام بالتعليم الديني يعود جزئيًا إلى ضعف أساليب التعليم والخطابة في المساجد والمراكز الدينية، حيث لا تتبع المناهج العلمية المنهجية، ويغلب عليها التكرار والضعف في التحليل والنقد، مما يضعف الأثر على المستمعين ويحولهم إلى متلقين سلبيين لا يملكون القدرة على الفهم والتحليل.

علاوة على ذلك، هناك نقص في المتون التعليمية المعاصرة التي تناسب زمننا، حيث إن كثيرًا من النصوص التعليمية قديمة وغير ملائمة للأساليب الحديثة في التعليم، وهذا يقود إلى عزوف الناس عن التعمق في الدين.

يحتاج المجتمع الإسلامي إلى تجديد المناهج التعليمية الدينية وتطوير أساليب الوعظ بحيث تصبح تعليمية، تحليلية، ونقدية، تُمكّن الناس من فهم العقيدة والفقه والشريعة بشكل واضح ومنهجي.

كما يجب تشجيع المستمعين على تدوين الملاحظات وتنظيمها، وتعليمهم مهارات الفهم النقدي، حتى لا يكونوا عرضة لتضارب الأفكار أو الانقياد الأعمى لما يُقال في المجالس الدينية.

في عهد الأئمة عليهم السلام، كان التعليم الديني مكثفًا ومنظّمًا بالرغم من الظروف الصعبة، حيث كان الناس يجتهدون في حفظ ونقل الأحاديث بالرغم من قلة الإمكانات، وكان ذلك دافعًا لبناء ثقافة علمية راسخة.

على العكس، في الوقت الحاضر، نجد أن التعليم الديني متوقف إلى حد كبير على المنبر التقليدي الذي لا يلبي حاجة الناس إلى التعليم المنهجي والعلمي.

يمكن تعويض الخطأ بسهولة! غالباً ما يرحل مثل هؤلاء الأشخاص مديونين، وتُلقى مسؤولياتهم على عاتق الابن الأكبر؟! لا ينبغي أن تكون الصلاة في الجماعة، والخطب في محرم وصفر ورمضان، وجلسات العزاء مجرد أعمال ثواب فقط، بل يجب أن تكون المساجد والمحافل الدينية بمثابة صفوف جامعية تُعلِّم الناس نص الدين المبين الخالي من الشوائب، لا أن نجلس في مجالس الوعظ والخطابة بأذانٍ لا تفهم سوى كلمات متفرقة بلا فهم.

لا مكان أفضل لتعلم المسائل الدينية من المسجد، ويجب تنظيم المساجد بشكل أكاديمي ومدرسي، وإعداد مناهج قوية للتدريس فيها، ليتمكن الناس من الإلمام بالأصول والفروع الدينية. ورد في الحديث:

«وحدثنا جعفر بن محمد بن قولويه، عن الحسين بن محمد بن عامر الأشعري، عن المعلى بن محمد البصري، عن محمد بن جمهور العمي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً».

ـ الإمام الصادق عليه السلام: من حفظ أربعين حديثاً من أحاديثنا يبعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً.

من يتعلم أربعين حديثاً من أهل بيت العصمة عليهم السلام، تتحول هذه الأحاديث في قلبه إلى ينبوعٍ من الحكمة والفطنة. إذا استمع الناس إلى أربعين مجلساً من الروايات، سيجدون بوابة حكمة داخل قلوبهم تؤدي بهم إلى فهم بعض الأسرار الموجودة في أحاديث المعصومين عليهم السلام. يجب الابتعاد عن أسلوب التعليم الحالي في المساجد والسعي لإصلاحه. يجب أن تكون المساجد منبراً للعلم، وأن تُرسخ فيها الثقافة التي تقول: “القلم في يد العالم أعظم من دم الشهيد”، لأن القلم هو من يولد الشهداء والعلم.

ولا تُذكر في المساجد مسائل التوحيد والمعاد وكيفية عالم القيامة والقبور والحشر إلا بشكلٍ عام وشائع، دون تحقيقٍ علمي. يجب أن يعتاد المستمعون على حمل القلم وتدوين ما يُقال من أحاديث وتصنيفه بشكل منظم ليتمكنوا من استخراج المعاني وفهمها.

إن نطاق العلم واسع جداً، وابن سينا الذي كان عالماً بارعاً في كثير من العلوم يقول: “عرفة شعرة ولم يعرف الفرق بين شعرةٍ وشقها”. العلم لا حدود له، ومع ذلك نظن أننا وصلنا إلى قمة العلوم الدينية بمجرد سماع بعض الأحاديث وقراءة بعض الكتب. ذكرت لأحد مسؤولي البنك المركزي أني أريد رؤية الأموال، فأخذني وشاهدت الأوراق النقدية مرتبة كأكوام القطن، ولم أرَ هذا الكم من المال في مكانٍ واحد! النظام هناك قوي جداً بحيث لا تتحرك الأموال إلا تحت سيطرة صارمة. والعلم كذلك، لا ينبغي أن نغرّ بأننا نعلم كل شيء. للعلم فروع وقواعد عديدة لم نسمع عنها حتى.

بعد مرور ثلاثين عاماً على الثورة الإسلامية، لم تُحل العديد من المسائل الدينية، ويواجه الناس نقصاً في الفتاوى الدقيقة للمسائل الجديدة، مع أن المفكرين الدينيين يجب أن يكونوا مستعدين لإصدار الفتاوى قبل وقوع المشكلات. العلم والكمال والمعرفة موجودة في آيات وأحاديث الأئمة المعصومين عليهم السلام، لكننا للأسف مقتنعون بجزء بسيط من العلم الذي لا يخلو من شوائب. يجب العمل بجدية على تطوير التعليم في المساجد ووضع خطط عملية تمكّن الناس من فهم مسائل دينهم. ولا ينبغي تجاهل دور الإعلام الوطني ووسائل الإعلام؛ فلا بد من تنسيق العمل بين المساجد ووسائل الإعلام. ويجب أن تتجنب هذه الوسائل تقديم برامج دينية ذات محتوى ضعيف أو متكرر، وأن تعتمد على المجتهدين الأكفاء بدلاً من الوعاظ الضعفاء، وألا تقدم الاعتبارات السياسية على نشر الدين الصحيح.

منهج الأئمة المعصومين عليهم السلام كان يعتمد على تدريب الأساتذة، ولم يتركوا جميع الناس مرجعاً في أحكام الدين إلا بعد تهيئة الطلاب الذين ينشئون بدورهم في المساجد ويجيبون على أسئلة الناس بناءً على اجتهادهم. قال الإمام الباقر عليه السلام لأبان:
«اجلس في مسجد المدينة وأفتي الناس، فإنّي أحب أن أرى في شيعتي مثلك».

كان الأئمة يسعون لنشر نظام الاجتهاد بين الشيعة حتى يلجأ الناس إلى تلاميذهم والمجتهدين. قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام لرجل جاءه يسأله مسألة دينية: “اذهب إلى قم وخذ جوابك من زكريا ابن آدم ممثلنا هناك، فلماذا تحملت عناء السفر وجئت إليّ؟” ويجب أن تتبع المساجد هذا النهج بالاستفادة من المجتهدين والعلماء لتعليم الدين ونقل الروايات.

ورد في الحديث:
«محمد بن إسماعيل، عن الفضيل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لوددت أن يُجلد أصحابي بالسياط حتى يتفقهوا في الدين».

ـ الإمام الصادق عليه السلام قال: أتمنى أن يُجلد أصحابي بالسياط ليزدادوا فقهًا.

العاقل بحاجة إلى العلم ليزداد حكمة، وإن لم يكن هناك عقل لما أرسل الله الأنبياء. العلم يؤثر بشكل جيد في الإنسان العاقل، ومن لا عقل له يكتفي بالمعلومات ولا ينتفع بالعلم. قال الله تعالى في سورة الجمعة:
«مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً».

من لا عقل له يشبه الحمار الذي يحمل الكتب على ظهره ولا يفهمها سوى عناء وثقل.

العلم بلا نور العقل لا فائدة منه ولا هداية، والعلم النافع هو الذي يعود على العقلاء بالنفع. بناءً عليه، يمكن تقسيم العلم إلى علم عاقل وعلم جاهل.

نعود إلى الحديث الأول ونؤكد أن من الأمور التي يجب العمل عليها في الدعوة هو أن كل شخص يجب أن يتعلم الأحكام والمسائل التي يحتاجها، وترك ذلك حرام.

صحيح أن التعليم المتخصص ثقيل ويقع على عاتق العلماء، لكن يجب على الناس تعلم الضروريات اللازمة.

للأسف، لأن الناس لا يسعون لعلم الدين، لا يتوجهون للسؤال، ولا يطلبون من العلماء أجوبة دقيقة، فضعفت روح البحث العلمي والتقدم. الناس العقلاء والفطنون هم الذين يحفزون العلماء على البحث والرد على التساؤلات الدينية، ويجب أن يشعر العلماء بهذه المسؤولية.

يُقال إنه ينبغي في مجال دراسة الدين أن يكون هناك إنتاج علمي. فإذا لم يجد التاجر زبائن لبضاعته، يغلق مشروعه ولا يتحفز لجلب بضائع جديدة.

بين العلماء الدينيين، هناك علماء وفقهاء يضطرون إلى إخفاء علمهم وعدم عرض نتاجاتهم، لأنّ ما لديهم من اكتشافات جديدة ومبتكرة في مجتمع تقليدي ومغلق لا يجد من يتقبلها، بل يواجهون المعارضة، بينما العلماء العاديون فقط هم من يجدون المجال للتعبير، وبهذا يخسر الناس ويبتعدون عن معارفهم وأحكام دينهم.

أهمية التفقه في الدين ومعرفة الدين كبيرة إلى حد أن الإمام الصادق عليه السلام يقول: «إني أحب أن يُجلد أصحابي حتى يتفقهوا في الدين».

المقصود بـ «التفقه» هو المعرفة البحثية للقضايا التي يحتاجها الإنسان في الدنيا والآخرة، وتشمل أصول العقائد وفروع الدين.

للأسف، الجهل بالقضايا الدينية بين النساء أكثر منه بين الرجال، حيث يقتصر اهتمامهن على أمور المطبخ أو الأعمال التي يقمن بها خارج المنزل. يجب على الرجال والنساء تخصيص ساعة يومياً على الأقل لتعلم أصول العقائد والأحكام الدينية وقراءة الكتب المفيدة غير المسمومة، حتى لا يعانوا في البرزخ من مشكلات كثيرة.

يجب أن يُدرك أن التعليم الديني الإلهي لا فرق فيه بين العلماء والدهماء، فالجميع يجب أن يعرفوا مسائل دينهم، والرواية التي تقول: «أحب أن يُجلد أصحابي حتى يتفقهوا في الدين» تشمل جميع الشيعة.

هذه الرواية تعبر عن اهتمام وحرص الإمام عليه السلام على تعليم القضايا الدينية.

وكما أن العلماء والفقهاء يخصصون وقتاً لتعلم الدين، يجب على الناس العاديين، بدرجات أقل، تخصيص وقت لتعلم الأحكام والعقائد الدينية. وليس من الصواب أن يكون تعليم العلوم الدينية حكرًا على العلماء فقط، ويشغل العوام بالأمور الدنيوية فقط.

ينبغي للناس أن يجعلوا من شخصية كالإمام عبد العظيم الحسني عليه السلام نموذجاً في التعليم الديني، فهو بالرغم من كونه مجتهداً عاصراً لثلاثة أئمة معصومين، كان يعرض عقائده الدينية على الإمام الجواد عليه السلام ليصحح له ما قد يكون فيه خطأ، حتى لا يواجه مشاكل عقائدية وعذاب البرزخ، ولهذا فإن زيارته في مدينة ري تعادل زيارة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.

عليه يكون للإنسان في الآخرة حجة على عقيدته، ويستطيع عند الحساب أن يقول: إنني أجزت عقائدي بموافقة ثلاثة أئمة معصومين، وهكذا يكون قد صفّى وأصلح آخرة نفسه منذ الدنيا.

لا ينبغي أن يصل الإنسان إلى عمر ستين أو سبعين ويشعر بالندم والقلق لأنه لم يخصص وقتاً لدينه، خاصة حين يرى نفسه يقترب من القبر ويفكر كم بذل من الجهد لكسب المال وشراء البيت والسيارة وضمان رفاهية أولاده، لكنه أهمل دينه، عقيدته، أخلاقه، وأحكامه، فيزداد ألمه وحسرته.

على الجميع أن يخصّصوا وقتاً لتعلم دينهم، خصوصاً الرجوع إلى القرآن الكريم، ذلك الكتاب السماوي العظيم الذي كتبه الله تعالى لهداية الناس، وتعليمهم أساليب الحياة السليمة في الدنيا وسبل السعادة في الآخرة.

القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة التي بقيت من الأنبياء، فالتوراة والزبور والإنجيل والصحف قد تحرفت وفقدت حجيتها، ولا يبقى إلا القرآن الكريم ككتاب سماوي كامل، جامع، سليم، وخاتم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

القرآن الكريم حتى اليوم معجزة حيّة، يدعو المنكرين إلى التحدي في قوله تعالى:
«إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (البقرة: 23).

دين الإسلام لا يزال معجزته اليوم، وكتابه السماوي يدعو جميع العلماء للخضوع له، فمعجزة النبي صلى الله عليه وآله هي العلم والمعرفة، وهو الذي بموجبها يحارب المنكرين. فإذا لم يستطيعوا أن يأتوا بآية مثل آيات القرآن، عليهم الخضوع والركوع أمامه.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: القرآن بحر عميق، بحر بلا شاطئ فيه ينابيع كثيرة، ولكننا للأسف منشغلون بمطاردة الأرض وشراء المحلات الزراعية ونبيع أنفسنا كالأطفال بشوكولاتة رخيصة ونرضى بذلك!

نسأل الله أن يوفقنا لرفع هذه الغفلة، وأن ندرك أحكام وعقائد ديننا التي سوف يُسأل عنها المرء في قبره، حين يضع وجهه على التراب، فلا يتذكر إلا ندمه على الدنيا التي راح فيها مع المال والتراب، وأشد من ذلك الندم لا وجود له.

ترك تعليم المسائل الدينية لا يُسبب حزناً عميقاً عند الناس، وينبغي أن يُنظر إلى العلم بنفس المنطق، بل إن وجوب طلب العلم أعظم من مثل الصلاة.

نسأل الله تعالى أن يوفق الإنسان ليؤمن بأن طلب العلم واجب، وأن يدرك أن كثيراً من المعتقدات الدينية لا يعلمها، فلا ينبغي له أن يظن أن الدين محصور في ما يعرفه هو أو يُلقى على المنابر فقط. والمقصود بالعلم الديني هو المعرفة الدينية الحقة الصفية. ونحن لا ندرك قيمة العلم وفعاليته في القبر والبرزخ والآخرة.

الحديث الثالث: تعريف العلم وفروعه

روى عن الإمام الكاظم عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل المسجد فرأى جماعة قد اجتمعوا حول رجل، فسأل: ما هذا؟ فقيل له: علامَة. فقال: وما العلامة؟ قالوا: أَعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية وأشعار العرب. فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه. ثم قال: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل.

يُبين هذا الحديث حقيقة العلم، ويوضح أن العلم الواجب تعلمه هو الذي يتألف من ثلاثة أركان: عقيدة راسخة، وواجبات شرعية مناسبة، وسنن حسنة قائمة، وكل ما عدا ذلك فهو فضل لا يلزم الجميع تعلّمه.

وقد وُجد في المجتمع عند الناس العاديين والمتعلمين وحتى في الحوزات العلمية كثير من التقاليد الخاطئة المتعلقة بالعلم. فحينما دخل النبي صلى الله عليه وآله المسجد، لم يكن يتجاهل الناس، بل استفسر عن سبب الازدحام، فأُخبر أن ذلك لرجل خبير بأنساب العرب وتاريخهم وأشعارهم. فقال إن هذا العلم لا نفع فيه ولا ضرر من جهله. فالعلوم التي تخص معرفة التاريخ والأشعار والأنساب دون فائدة تطبيقية ليست من العلم الواجب.

العلم المفيد ينقسم إلى ثلاثة أنواع: آية محكمة – وهي العقائد الدينية الراسخة؛ فريضة عادلة – وهي الواجبات والفرائض الشرعية؛ وسنة قائمة – وهي الأخلاق والآداب الاجتماعية الحسنة. أما ما عدا ذلك فهو فضل.

يجب على كل مسلم أن يتعلم هذا العلم اللازم. وليس كل ما يُقرأ يُفيد، فلا يمكن للإنسان أن يقرأ كل الكتب، بل عليه اختيار أفضل ما في كل مجال، كما قال النبي صلى الله عليه وآله: «العلم أكثر من أن يحصى، فخذ من كل شيء أحسنه».

للأسف، كثير من البنات بعد التخرج لا يعرفن حتى إعداد طعام بسيط، وكثير من الشباب لا يجيدون مهارات فنية بسيطة كإصلاح المكيف أو أعمال البناء الخفيفة، مما يسبب مشاكل في حياتهم الزوجية. الفريضة العادلة للبنت هي تعلم الطبخ والخياطة، حتى لو كانت طبيبة، لأن الأصل للمرأة أن تعرف إعداد بعض أنواع الطعام.

كذلك على كل شخص أن يعرف واجباته الشرعية والفنية حسب مهنته ووضعه، ويجب على الرجل أن يعرف أن يطبخ ولو نوعًا واحدًا من الطعام. الفريضة تعني الواجب، والعادلة تعني المناسب لكل فرد بحسب حاله. فمثلاً يجب على من يصل متأخراً إلى الصلاة أن يعرف كيفية الإقتداء والإتمام، ولا يجب أن يفسد صلاته بسبب الجهل.

الأخلاق والسلوكيات الاجتماعية الحسنة هي جزء من السنة القائمة، ويجب أن يكون الإنسان معتدلاً في الإنفاق والاقتصاد، ويُحسن التصرف حسب الظروف.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم الدين والعمل به.

ومن الضروري أن يعرف كل شخص، سواء كان رجلاً أو امرأة، واجباته الشرعية حسب جنسه ووضعه المهني والاجتماعي. فقد تكون امرأة ملاكمة وهذا فضل، ولكن يجب عليها أن تعرف كيف تبدل ملابس طفلها. ومعرفة هذه الأمور للمرأة العقيم تعتبر فضلًا لا فريضة. ولا يلزم الناس عامة أن يعرفوا كيف يلفّون العمامة، ولكن الطالب العلم يجب أن يستطيع ذلك، إذ أن معرفتها له واجب مناسب.

أما السنة الحسنة، فهي تتعلق بالأخلاق والآداب الاجتماعية. يجب على كل فرد أن يتعرف على الأخلاق الاجتماعية الصحيحة، وأن يمارسها في أماكنها. عليه أن يعرف معاني الإسراف والتقتير والاعتدال، وأن يكون إنفاقه متوازنًا بين التقتير والتبذير، بحيث ينفق في المكان المناسب ولا يتردد في الإنفاق إذا اقتضى الحال.

نسأل الله تعالى أن يمنحنا فهماً صحيحاً لعمل الدين.

الرواية الرابعة: العلم، المعرفة، والخشية

قال الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28):
“أي بالعلماء من صدّق فعله قوله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم”.

أي إن العالم الحقيقي هو من يطابق عمله كلامه، ومن لا يطابق فعمله كلامه ليس بعالم.

في كتاب “فضل العلم” وردت أحاديث كثيرة لا يمكن شرحها للمجتمع الحالي بشكل مفصل، لذا اخترنا بعض الروايات المهمة. الآية الكريمة تبين إحدى صفات العلماء، وهي الخشية من الله. فالعالم هو من يخاف الله ويخشاه، ويتأثر بعظمته وجلاله وقدرته:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.

أما إذا نطق اسم الله بضم اللام، فالمعنى يتغير ويصبح العكس، والعالم الذي يضر المجتمع روحياً وثقافياً ويدخل الناس في الضلال ليس بعالم.

وإذا لم يعمل العالم بعلمه، فإن مواعظه تذهب سدى كما يذهب المطر عن الصفا، كما ورد في حديث الإمام الصادق عليه السلام:
“إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا”.

فالعمل بالعلم هو ما يجعل الموعظة نافعة وقادرة على تجديد القلوب، وإن لم يكن العالم عاملًا بما يعرفه فلا تأثير لما يقوله، بل يشبه الأمر نزول المطر على صخور صلبة لا تمتصه ولا تنبت منها خيرا.

العالم الحقيقي هو الذي يتصف بالخوف والخشية من الله في خلوته وظاهر أمره، والذي لا يخاف الله ولا يراعي حقه فهو لا يعد عالماً.

يجب التمييز بين الخوف والخشية في القرآن، فالخوف خوف من العقاب، أما الخشية فهي خوف من عظمة الله وجلاله، والخشية علامة على العلم الحقيقي.

قبل أن نتحدث عن خوف الله وخشيته، يجب أن نعرف من هو الله، فالعلم شيء عام، أما المعرفة فهي التعرف الدقيق والتفصيلي. فلا يمكن أن نعرف الله بمعنى العلم فقط، بل بالمعرفة الحقيقية التي تؤدي إلى خشية الله.

ومن قال “أعرف الله بالله” فقد وصل إلى المعرفة الحقة، فالله لا يُدرك بالعلم العام فقط، بل بالمعرفة الشخصية التي تثمر الخشية والعمل الصالح.

العلم بدون عمل، أو خشية، هو علم مجرد لا ينفع صاحبه ولا مجتمعه، والعالم الحقيقي هو من يطابق قوله وفعله ويخشى الله حق الخشية.

إن من لا يمتلك الخشية الحقة من الله، ولا يطابق عمله قوله، فهو جاهلٌ مهما طال تعلّمه وارتدى لباس العلم. الخشية التي ذكرت في الآية ليست خوفًا من العقاب فقط، بل هي خشية تنبع من رؤية عظمة الله وجلاله وقوته، وهي التي تحرك الإنسان إلى الابتعاد عن المعاصي والذنوب من منطلق الهيبة والوقار لله تعالى.

يقال إن الخوف هو ما يشعر به الإنسان من هول العقاب ووطأته، أما الخشية فهي إحساس الإنسان بعظمة الله وقدرته التي تفرض عليه احترامًا عميقًا وخضوعًا تامًا، وهي التي تُولد في النفس شعورًا بالرهبة والسكون أمام عظمة الخالق. فالخوف قد يزول مع زوال السبب، أما الخشية فهي شعور دائم مستمر يرتبط بمعرفة الله وعظمته.

في هذا السياق، ينبغي التفريق بين العلم والمعرفة؛ فالعلم هو معرفة الأشياء بشكل عام وكلي، أما المعرفة فهي فهم دقيق وشخصي وتفصيلي، يُمكن أن يؤدي إلى الخشية الحقيقية لله. ففي اللغة العربية، نقول “أعرفه” عند التحدث عن شخص بعينه، ولا نقول “أعلمه”، لأن المعرفة شخصية وخاصة.

وهذا ينسجم مع ما ورد في أقوال الأولياء الكبار الذين قالوا: “اعرفوا الله بالله”، أي لا تقتصر معرفتك على فكرة مجردة عن الله، بل يجب أن تتعرف عليه بالذات الإلهية، حتى تتولد في قلبك الخشية الحقة.

أما من يقتصر على العلم المجرد فقط، فلا يخشى الله بحق، بل يخاف من العقاب فقط، وهذا ما يسمى بالخوف العلمي، وهو الذي يجعل الإنسان يستغل الله كوسيلة للوصول إلى أهداف دنيوية أو أخروية. هذا النوع من الخوف يؤدي إلى العمل من أجل الجزاء أو النجاة فقط، وليس من أجل الله ذاته.

إن معرفة الله الحقة التي تولد الخشية هي التي تدفع الإنسان للعبادة الخالصة، كما قال الإمام علي عليه السلام:
“ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا شوقًا إلى جنتك، بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”.

هذه العبادة المبنية على المعرفة الحقيقية بالله هي التي تجعل الإنسان يعيش حياة صادقة، خاشعة، لا يغش فيها ولا يخدع، ولا يستغل الدين لأغراض شخصية أو مادية.

إن الإنسان الذي يمتلك هذه الخشية، ويطابق عمله قوله، هو العالم الحقيقي، وأي علم بلا عمل وخشية ليس إلا علمًا بلا بركة ولا فائدة.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا العلم الحقيقي الذي يولد الخشية ينعكس على سلوك العالم في جميع جوانب حياته. فهو لا يتكلم بما لا يعمل به، ولا يخالف أقواله أفعاله، بل يكون قدوة في الأخلاق، والأدب، والعدل، والصدق. وعالم بهذا المعنى هو من يخشى الله في السر والعلن، فلا تجرؤ نفسه على مخالفة أمر الله، ولا يغضب على الحق إذا كان في مواجهته.

أما من يدّعي العلم، لكنه يخالف أقواله أفعاله، ويعمل للدنيا ومصالحه الخاصة، فهو بعيد كل البعد عن عالم الله الحقيقي، وهو في الحقيقة جاهل، حتى وإن حاز على درجات علمية رفيعة أو منصبًا دينيًا.

إن العلم الذي لا يترافق مع عمل وخلُق وخشية، كالزرع الذي لا يسقى بالماء، لا يثمر إلا القليل أو لا يثمر مطلقًا. وكم من عالمٍ عاش في ظلال المعرفة، لكنه جلب ضررًا على الناس وأوقعهم في الضلال، أو استغل الدين لتحقيق مصالحه الشخصية، وهؤلاء ليسوا من العلماء حقًا.

فالعلم الحقيقي هو الذي يفتح قلوب الناس ويُنير عقولهم، ويدفعهم إلى التقوى والعمل الصالح، ويُظهر أثره في تصرفات العالم في حياته اليومية.

وهذا ما أكده الإمام الصادق عليه السلام في قوله:
“إن العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا”،

أي أن العلم بدون عمل لا يؤثر في الناس ولا يُثمر في النفوس، بل يمر كالمطر على الصخر الأملس الذي لا يحتفظ بالماء ولا يُغذّي الأرض.

ومن هنا يتبين أن طلب العلم يجب أن يكون مقرونًا بالخوف من الله، والرجوع إليه، والعمل بما يعلم، حتى يتحقق فضل العلم الحقيقي، ويكون الإنسان عالمًا بحق.

ختامًا، يجب على كل من ينشد العلم أن يراجع قلبه، ويتأمل حقيقة معرفته بالله، وهل ولد في قلبه خشية جلالة الله وعظمته، أم أنه مجرد علم بلا عمل ولا خوف إلا من العقاب؟ فبهذا التصحيح يتجدد سلوك العالم، وتعود الكلمة والعلم حيين ومؤثرين في حياة الناس والمجتمع.

لا أعبدك لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة، بل لأنك وجدتك أهلًا للعبادة فأعبدك.

عبادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عبادة وجدانية ووجودية ترتقي إلى مراتب سامية تتجاوز العبادة المحبة والعشق، فذلك الوجد الوجودي هو الذي يجعل كل مصيبة وبلاء وظلم محتملًا ومستقبلًا عنده.

في المعرفة يُقال: يا الله، نحن نحبك فقط، ولسنا طلبًا للكسب أو الابتزاز. قدّم لنا ما شئت من نعمك، لكننا لا نبتغي الدنيا، المال، المنزل، الرياسة، السلطة، الشهوة، أو أي شيء آخر. أولياء الله يمتلكون مثل هذه المعرفة، وعبادتهم تقوم على الخضوع بلا طمع. يجب أن نحول إله العلم إلى إله المعرفة. علينا أن نسأل أنفسنا: هل نعرف الله حق المعرفة أم نكتفي بعلم مجرد أنه موجود؟ فالله سبحانه

شخص يُمكن التوجّه إليه، والجار الذي يمكن محبتُه، كما قال تعالى:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} (البقرة: 165).

المؤمنون لديهم حب شديد لله، فلا يمكن لمن عرف الله ألا يحبه، إذ إن الإنسان محب للكمال، وعندما يرى الكمال في شخص يحبّه. إذا رأيتم شخصًا ذا كمالات روحية وجسمية عظيمة، لا يمكن ألا تحبوه حتى وإن لم يكن بينكم أي علاقة. المعرفة تولد المحبة والعشق. إذا سمعت عن بطل، أو فنان، أو شخصية مشهورة، سترى نفسك تميل إليهم، ذلك لأن لديك معرفة إجمالية بهم. المعرفة والتعريف

أسمى من العلم فقط. في ساعة المساء، حين تستعد للنوم، تأمل مع ذاتك: هل أعرف الله حق المعرفة؟ هل رأيته؟ هل وجدت أثرًا له؟ أم أني فقط أعلم بوجوده؟ كثير من الناس يرون الله من أجل الجنة أو النار، لكن هذه المعرفة تختلف عن معرفة العشاق لله. فهم يعرفون من هو “هو” في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ومن هو {اللَّهُ الصَّمَدُ}؟ وهم يعرفون ما يعنيه “كاف” الخطاب في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وهو أقوى من ذوالفقار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يكسر الظهور.

هم يعلمون بمن يتحدثون، ولمن يقولون: “إياك”. بعض الناس يتخيلون كلمة “الله” مكتوبة على باب مسجد من نحاس أو برونز، ولكن هذا ليس “الله” الحقيقي. من يردد “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” مئة مرة في ركعة، كأنه يجلد نفسه بالسيوف، ولكن إن كان يفهم معناها حقًا، لابتلّ دمه من شدّة الحب والخشية.

قد تكون المعرفة بمراحل، فمنهم من يعرف الله بصفات العذاب والجنة، فيخشاه فلا يرتكب المعاصي، ويتأمل في نعم الله لكنه لا يتدبر في ذاته، لأن هذا طريق شاق لا يقدر عليه إلا الأقوياء في الفكر.

وبناءً على الروايات، العلماء هم الذين يمتلكون المعرفة والكمال، ويتواضعون أمام ربهم، فهم لا يرون الله بالجنة أو النار أو السماء والأرض، بل يرونه بالجمال والجلال والعظمة، وهذا خشية واحترام لله. العلماء يربطون “كاف” في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بالجمال والجلال. والله تعالى أمرنا أن نناديه بـ”أنت”، وهو منّ علينا بهذا، وإلا لما تجرأنا على مخاطبته. في هذا الخطاب، نتصور الجلال والجمال، والحب والصفاء، والرحمة واللطف، تلك البصيرة التي تأسر القلوب وتسيطر على العقول، وتمتد لعلم الأنبياء والأولياء.

لكن للأسف الدنيا وأعباؤها تشغلنا عن فهم هذه المعاني، وننسى حتى الجنة والنار والأرض والسماء. أولياء الله ليسوا كذلك، فهم عشاق حقيقيون، تركوا كل موجوداتهم في سبيل الله. صحيح أن الناس في الدنيا يحبون أشياء فانئة، أما أولياء الله فيحبون ما هو حي لا يموت.

المعرفة بالله لها مراتب كثيرة، وأعلى قمة هي معرفة الذات الإلهية، وليست مغلقة أو مستحيلة، فإذا كان لديك الجرأة والقدرة، فلتسلك هذا الطريق، وإن كان الثمن شاقًا من جرح وكسر ونار. النبي صلى الله عليه وآله عُرِج به إلى السماوات الأعلى ورأى الله في تلك الأعالي، وابتُلي في سبيل ذلك. وهذا الابتلاء يطهر ويقوي النفس.

“إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” يعني لا يجب أن يؤثر في الإنسان إلا الله، ومن لا يحترم قدرة الله سيخسر.

آباءنا، رغم قلة الإمكانات، كانوا يعيشون بحب وراحة أكثر منّا، والآن رغم كثرة الأموال والراحة، قلّ الحب والصفاء. نحن نضحي بقلوبنا من أجل أمور دنيوية، وقلوبنا تضعف، بينما كان بإمكانها أن تتسع للخوف من الله والمحبة له. إذا غاب ولدك، كيف يكون شعورك؟ القلق والتوتر ينهشك. أولياء الله عند فقدانهم لله يشعرون بهذا الألم. هم يرون جمال الله ويغيب عنهم جلاله، ويصعدون في درجاتهم ويزداد الطريق صعوبة، كما في تسلق الجبال.

قال النبي صلى الله عليه وآله: “تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله” لمن لا يستطيع الصعود إلى قمة المعرفة، فلا يحاول القفز، لأن ذلك قد يهلكه. هذا المنع هو لطف بالضعفاء.

وكما أنّ الصعود إلى هذا القمّة هو فضلٌ للمتقدّمين، كذلك في مساجدنا لا ينبغي أن يُقال فقط عن الآخرة وعذاب جهنم والخطيئة وثواب الجنة. يجب أن يُشرح الله عز وجل على منابرنا، لكي لا يكون غريباً أو بعيداً عن الناس، ولا يُثقل الكلام عن الله على ألسنتهم. الكلام عن الله ثقيلٌ، لكن الاقتصار على الكلام عن الجنة وحرائرها يُعدُّ تحجيمًا لفكر الناس وربما إهانة لهم. يجب أن نتدرج في الكلام عن الله لأن الأصل هو الله. التوحيد مقدمٌ على كل شيء، والكلام عن الولاية والنبوة أو عن المعاد والآخرة لا ينبغي أن يمنع ظهور الحقّ تعالى أو أن يكون حجابًا عن الله تعالى والتوحيد. لا يجوز أن نترك الله ونتحدث عن الإمام الحسين عليه السلام بدون توحيد! الله هو أصل الموضوع والتوحيد أساس كل عملٍ وكلام. كربلاء حدثت لتوصيلنا إلى التوحيد والحق تعالى، وكربلاء هي ظهور الله في نينوى. الإمام الحسين وسيد المؤمنين عليهما السلام

(59)

هما أسماء عظيمة للحق تعالى، أي أنهما طريق يمكن به معرفة الله.

نسأل الله أن يوفقنا، وأن يمنحنا ذرةً وقطرةً من ذلك الحب والفراق والبلاء والألم الذي أتعب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، كما قال: “ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيتُ”، أي أنّ الله قد عذبني وجعلني أقرب إليه من سائر الأنبياء. نسأل الله التوفيق للمعرفة والكمال والهداية، فخشية الله تتكوّن في ظل المعرفة.

(60)

الحديث الخامس: نسيم العلم الطيب

“محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعًا، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سلَك طريقًا يطلب فيه علمًا سلَّك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه يُستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم في ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر.”(1)

(62)

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سار في طريق يطلب فيه العلم، دخل الله به طريقًا إلى الجنة، والملائكة تفتح أجنحتها لطالب العلم، رضيًا عنه، ويسأل له الغفران في السماء والأرض حتى الحيتان في البحر. فضل العالم على العابد كفضل القمر على النجوم في ليلة البدر، والعلماء هم ورثة الأنبياء. الأنبياء لم يورثوا مالًا، بل ورثوا العلم، ومن أخذ منه نال نصيبًا وافرًا.

البيان: كما تقدم في كتاب “فضل العلم” هناك أحاديث قد تسبب بعض الصعوبة للقارئ لفهمها. قد ورد ذكر عظمة وجلال للعالم، وهذه الخصوصية توجد فقط في أئمة المعصومين عليهم السلام. توجد أحاديث تصنف الناس إلى ثلاثة أصناف: العالم، المتعلم، والأغصان والأشواك على الماء. منها الحديث التالي:

“محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزین، عن محمد بن مسلم، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: كن عالمًا أو متعلّمًا أو أحبّ أهل العلم، ولا تكن رابعًا فتُهلك ببغضهم.”(1)

الإمام الصادق عليه السلام يقول: كن عالمًا أو متعلمًا أو أحب أهل العلم، ولا تكن رابعًا تُهلك ببغض الثلاثة.

العالم في الحديث هو من يسير في طريق الجنة، والطريق إلى الجنة هو طريق العالم. هذه الجملة فلسفية ودقيقة ويجب النظر إليها في دروس الفلسفة.

(64)

العالم هو من تأتي الملائكة حوله وتفرش أجنحتها تحت قدميه لكي يجلس عليها.

العالم في الأحاديث السابقة هو من يخشى الله وتتناغم أفعاله وأقواله مع خشية الله. هذه المنازل لا تراها إلا عند أولياء الله الذين يرافقون أولياء المعصومين عليهم السلام ويعرضون دينهم عليهم. فضل هؤلاء كفضل القمر على النجوم في ليلة البدر التي يُضيء فيها القمر بقوة ويخفي النجوم.

الأنبياء لم يتفاخروا بالمال، ولم يرثوا دراهم ولا دينارات، بل ورثوا العلم. ومع ذلك، هذا لا يعني أن أبناء الأنبياء لا يرثون مالًا. من يتبع الأنبياء يجب أن يكتسب سلطانًا معنويًا وعلميًا.

(65)

اليوم يُقال أن قم مركز العلم، لكن لو سُئل الناس: من هو العالم؟ وما المطلوب منه؟ هل يستطيع أهل هذه المدينة أن يجيبوا؟

كما إذا لم يهطل المطر في سنة جفت الأرض وتحولت دجلة إلى مجرى جاف، كذلك إذا لم يوجد علماء في المجتمع لن يكون هناك ناس صالحون. للتوضيح يمكن تشبيه ذلك بالمساحات الخضراء. العلم هو المساحات الخضراء التي تحافظ على الهواء، كما أن العلماء هم الذين يحافظون على صحة الثقافة في المجتمع، ويجعلونه نقيًا، مشرقًا وعطرًا. ولكن لا يمكن للعالم أن يؤدي دوره ما لم يكن طاهرًا من الدنيا ولا يتفاخر بما يملك.

في الحديث: الملائكة تحب طالب العلم وتمدد أجنحتها له. يجب أن نعرف أن الملائكة والجن يستمتعون بالعلم، فهم يشعرون بطعمه ورائحته ونسيمه، حتى الجن الكافر ينجذب إليه. لكن للأسف الإنسان لا يدرك نسيم علم العلماء، بل يدرك فقط روائح الماديات. نسيم العلم والصفاء لا يدركه إلا قليل من البشر. الملائكة والجن لهم شمة قوية ويحبون رائحة العلم. في الرؤى والمكاشفات يظهر أن بعض الجن يتبع العارفين ويحبونهم. الجن أقوى من الإنسان في هذه الناحية، لكن معرفة الإنسان أكبر، لذا الجن يتبعون العارفين الإنس. الملائكة يحبون العلماء ويسعون لإرضائهم ليتعلموا منهم.

الناس لا تعرف القيم ولا تقدّر العلم والعالم. يعرفون المهن مثل الحدادة والخبازة والجزارة والتجارة، ويرون آثارها، لكنهم لا يفهمون العلم وأثره. لا ينبغي للناس أن يظنوا أن كل فضائل العلماء في مجال الروضات فقط، التي في بعض الأحيان تشبه التمثيل ولا تحتوي على مضمون سليم. نحن لا نعرف العلم حق المعرفة وما زلنا في البداية.

(68)

لا يزال قليل من المنابر يمكنه تفسير لماذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يغمى عليه في الصلاة وليس كما يظن البعض أنه يُغشى عليه. المغمى عليه مريض وله مشكلة. صلاتنا أصبحت كأنها تقليد أعمى، كطائر صغير يكرر الكلام بلا فهم، ونكتفي بقول “بَد بَد” فقط.

نحن نُسلم على النبي صلى الله عليه وآله وعلى أنفسنا وعلى عباد الله الصالحين في التحيات، لكن في التسليم الأخير لمن نسلم؟ “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” لمن هذا السلام؟ هل هو سلام أم وداع؟ هل نسلم على كل المخلوقات أو على جميع الوجود من أنبياء وملائكة؟ إذا سلمتم على كل الوجود يجب أن تتفتتوا ذرة ذرة كمن يريد أن يرفع جبل ويبقى عظمه سليماً. يجب أن يحمل السلام كل الوجود. میزان معرفتك يحدد كم من الوجود يمكنك رفعه في سلامك.

الأنبياء والأولياء استشهدوا لنشر المعرفة بين عبيد الله وللوصول بهم إلى الكمال، لكن للأسف نحن لا نأخذ النصيب الوافر من بركات المعرفة والحقائق الربوبية.

السلام الأول في الصلاة يشير إلى الأربعة عشر معصومًا عليهم السلام، السلام الثاني يشمل جميع عباد الله الصالحين من البداية إلى النهاية، والسلام الأخير يشمل جميع العبيد، صالحين وغير صالحين، مؤمنين وغير مؤمنين، فيكون لكل سلام سبعون حسنًا، وبحساب الثلاثة سلامات يصبح ثواب الصلاة لا نهاية له.

يقال إن يوم القيامة يوم ندم وخسارة، لأن من المحاسبات التي تظهر هناك كم كان لهذه السلامات من ثواب عظيم، ولو كان الناس يعلمون ذلك ليصلوا لتحقيق هذه الغاية.

(70)

السلام الختامي

كان صلى الله عليه وآله وسلم في ختام صلاته يقول: «السلام على جميع المسلمين وعلى عباد الله الصالحين»؛ حيث كان يُسلّم على الجميع ويطلب من الله أن يبلغ سلامه إلى أهلهم ويحتفظ لهم بالأجر والثواب، سواء ردّ المؤمنون عليه السلام أم لم يردّوا. وفي يوم القيامة يكون الأمر كذلك، حيث تكون الأعمال الصغيرة ذات ثواب عظيم، وحينها يشعر العبد بالندم والأسف لأنه لم يُدرك قيمة الدنيا للآخرة، وأضاعها بالأعمال الدنيوية الزائلة التي صرفت منه جهداً كثيراً.

وكذلك السلام على الزوجة والأولاد يجب أن يكون دائمًا، وليس مقتصراً على مرة واحدة فقط في اليوم، بل في كل لقاء جديد يُستحب أن يُحيّيهم بسلام جديد، لأن هذا السلام يجلب الصفاء والصحة. نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا جميعاً بمعرفة أحكام الدين، لنتعلّم ما هو مستحق وواجب علينا، ونعمل به.

الحديث السادس: أهل الرفقة الصالحة

روى الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله، من نجالس ونتصاحب؟ قال: من يذكركم الله برؤيته، ويزيد في علمكم بمنطقه، ويرغبكم في الآخرة بعمله.

هذا الحديث الشريف يدل على أن أفضل من يُصاحب هو من تذكرك رؤيته بالله، وكلامه يزيد علمك، وأفعاله تحثّك على العمل للآخرة. هذه الصفات الثلاثة تشمل النظر، السماع، والعمل، وهي معيار متكامل لاختيار الصحبة.

كما يبين الحديث أهمية النظرة الأولى في علم الفراسة، إذ العين لا تكذب غالباً، والنظرة الأولى تعكس حقيقة الإنسان، ومن خلالها يُمكن التمييز بين من يُذكرك بالله ومن يُذكرك بالدنيا وما فيها.

وفي الإسلام أُعطي النظر أهمية خاصة، فلا ينبغي الإسراف في النظر إلى ما يضر العين والنفس، بل يجب أن تكون النظرات محدودة ومعبرة عن صفاء القلب، فالعيون معيار الصدق والكذب، وأفضل وسيلة للمعرفة بين الناس.

الحديث السابع: التذاكر والتلاقي والحديث

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فإن الحديث جلاء للقلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف، جلاؤها الحديث».

في هذا الحديث الكريم توجيه إلى أهمية الحوار والمناقشة واللقاء والتداول في الحديث الشريف، فالكلام المتبادل ينقي القلوب كما ينقي السيف من الصدأ، ويُزيل الغشاوة عن القلوب، ويُسهم في نشر المعرفة والصفاء الروحي بين المؤمنين.

لذا يجب على الخطباء والوعاظ أن يقرأوا نصوص الروايات ويشرحوا معانيها في المجالس الدينية، ولا يقتصروا على سرد كلماتهم الشخصية، بل يستندوا إلى كلام أهل البيت عليهم السلام، ويحثّوا الناس على الحوار والنقاش المبني على تلك النصوص، مما يُنمي الفهم ويُقرّب القلوب إلى الله.

تَصَدَّأَتِ القلوبُ. في هذا الحديثِ يُستَخدَمُ مَثَلٌ هامٌّ لِلتَّصَدِّيءَ في القلبِ، إذ يُشبَّهُ القلبُ بالسَّيفِ. فالسيفُ إذا لم يُستخدم لفترةٍ ولم يُصقل، يُصدأُ ويُفقدُ حِدَّتهُ ويُصبِحُ قاتمًا. وهذا المَثَل كان واضحًا ومألوفًا في ذلك الزمنِ حيث كان السيفُ في يدِ كلِّ أحدٍ. وكذلك القلوبُ تَتَصَدَّأُ وتَفقدُ نَشاطَها وكفاءتَها، كما أنَّ السيفَ المصَدأَ لا يُنفعُ في الميدانِ ويُسببُ الهزيمةَ والهلاكَ، فكذلك القلبُ المُصدأُ لا يستطيعُ استقبالَ الفيوضاتِ والأنفاسِ الإلهيةِ، ويُصبحُ غيرَ فاعلٍ في أداءِ وظيفتِه.

لكنَّ تَلْميعَ القلبِ وتألقَهُ يكونُ بقراءةِ ومناقشةِ الرواياتِ والكلماتِ المُنبثقةِ من صاحبِ الوَلايةِ. بائِعو الذهبِ يُلمِّعونَ الذهبَ والفضةَ التي وقعت في الماءِ وتَحَوَّلَ لونُها إلى السوادِ. لديهمَ موادٌ تُعيدُ اللمعانَ بسهولةٍ، أما أنتم فبدونِ هذه المواد، مهما غَسلتُمها لا تَزولُ سوادَتها. والقلبُ أيضًا يحتاجُ إلى ما يصقلُه، وصقلُ القلبِ هو أحاديثُ أهلِ العِصمةِ والطهارةِ عليهم السلام. فإذا لم يسمع القلبُ أحاديثَ أهلِ البيتِ عليهم السلام، يُصبحُ مظلمًا كدِرًّا، ويفقدُ صفاءَهُ وباطنهُ، ولا يعودُ يُقبلُ على الصلاةِ والعبادةِ، بل يُنَفِّرُ منها ويؤديها على مضضٍ.

هذا القلبُ لا يصبرُ على الأعمالِ الصالحةِ، ويَسْرِعُ في المللِ منها. الحديثُ المعصومُ يُعبِّرُ عن العصمةِ، وهو الصاقِلُ للقلبِ، يُحوِّلهُ إلى مرآةٍ تعكسُ النورَ الإلهيَّ والولائي، فَيُرى في هذا القلبِ وجهُ الجمالِ والجلالِ الإلهيِّ، وتُكشفُ أسرارُ وغيوبُ الوَلايةِ. أحاديثُ أهلِ البيتِ عليهم السلام هي التي تُزيلُ الرواسبَ عن القلبِ؛ لأنَّها عصمائيةٌ وتحكي ثقافةً ونورانيةَ هؤلاءِ الأطهارِ عليهم السلام.

الذين يَهتَمُّونَ بالرواياتِ، خاصةً بين العلماءِ والمجتهدينَ الدينيين، تُسكَبُ في وجودِهم معارفُ خاصةٌ لا يعرفها الآخرون، خصوصًا في مسألةِ الوَلايةِ، وقد لا يَتمكنُ بعضُ الناسِ من إدراكها. كلما قلَّ الاهتمامُ بأحاديثِ الأئمةِ المعصومين، قلَّ نصيبُ التوفيقِ والعنايةِ الخاصَّةِ من قبلِ المعصومين، الذين يَسيرونَ بأيدي الذين يَهتَمُّونَ بالرواياتِ، خاصّةً في شأنِ الوَلايةِ الروحيةِ ومقامِ نورانيتِها والرواياتِ التي تتعلقُ بفصلِ النورِ الخاصِ بهذا البيتِ.

القلبُ يَصفُو ويُطهَرُ ببحثِ الرواياتِ، ويُصبحُ جاهزًا لاستقبالِ أسرارِ وغيوبِ بابِ الوَلايةِ، وتَلقي دورِ التوحيدِ. فالقلبُ تتراكمُ عليه غبارُ المعصيةِ والخطيئةِ، ويحتاجُ إلى صفاءٍ وصقلٍ.

ويَجبُ أن يُؤخذَ في الاعتبارِ أنَّ تشبيهَ القلبِ بالسيفِ يُشيرُ أيضًا إلى حدَّةِ القلبِ، التي تُمكنُ أن تمزقَ ملكوتَ السماواتِ وتَجتازَهُ. عظمةُ المؤمنِ تكمنُ في حدَّةِ قلبِه. القلبُ مثلُ الألماسِ، إذا صُقِلَ، يستطيعُ أن يُثقبَ كلَّ شيءٍ ولا يتركُ أثرًا للخطيئةِ والذنبِ في نفسِ الإنسانِ، بل يُحوِّلُ كلَّ معصيةٍ إلى ثوابٍ، وهذا يبيّنُ أهميةَ ومكانةَ البحثِ في الرواياتِ.

ينبغي في المساجدِ والمحافلِ الدينيةِ أن تُتلى الأحاديثُ، ويعتادَ السامعون على كتابتها وحفظها، ويَنتقلُ الخطباءُ والوعاظُ من إلقاءِ كلماتٍ من تأليفِهم الشخصيِّ، التي قد تفتقرُ إلى الاستناد العلمي، ومن الكلامِ عن الدنيا أو الفكاهةِ، إلى نقلِ الرواياتِ وبيانِ درايتها، ومناقشةِ الأحاديثِ.

ومع ذلك، يجبُ أن يُؤخذَ في الاعتبارِ أنَّ الرواياتِ تشملُ معارفَ متخصصةً كثيرةً، وليس كلُّ شخصٍ يستطيعُ استخراجَ تعاليمِها وفهمَ مقاصدِها. فالتشجيعُ على البحثِ والنقاشِ في الرواياتِ يَهدفُ إلى تبادلِ هذه المعارفِ بين المتخصصينَ والخبراءَ في مختلفِ المجالاتِ، ليتمكنَ كلُّ خبيرٍ من استنباطِ المعنى من جانبِ تخصصه.

للأسفِ، بعضُ الخطباءِ يُفسرونَ بعضَ الرواياتِ التي ليست من تخصصهم، فيشوهونَ معناها الحقيقيَّ ويُحوِّلونها إلى ما لا تُشيرُ إليه. العالمُ القادرُ على تفسيرِ الرواياتِ ليس من يملك معلوماتٍ عامةً وسطحيةً فقط، بل هو من يمتلكُ تخصصًا حقيقيًا.

ويجبُ أن نفرقَ في ثقافتنا الدينيةِ بين العلماءِ المتخصصينَ والروحانيينَ العاديينَ. لا يستطيعُ المبتدئُ أن يصلَ إلى مقامِ المجتهدِ في تفسيرِ الدينِ. والرجوعُ إلى المجتهدِ العادلِ هو الذي يُبيحُ التقليدَ شرعًا في الأصولِ والفروعِ، ويكونُ الحجَّةَ للإنسانِ يومَ القيامةِ أمامَ اللهِ، وليسَ الرجوعُ إلى عالمٍ دينيٍ غيرِ مجتهدٍ، لا يملكُ تفسيرَ المجتهدِ.

الرجوعُ إلى المجتهدِ وإن أخطأ في رأيهُ فهو عذرٌ للمقلدِ ولا يُسألُ من الله، بينما الرجوعُ إلى عالمٍ غيرِ مجتهدٍ ينقلُ الخطأَ للمقلدِ ويُحاسَبُ عليه.

يجبُ ترسيخُ ثقافةِ الرجوعِ إلى المتخصصينَ في تفسيرِ الرواياتِ وشرحِها. كثيرٌ من الأقوالِ التي تُقالُ في المنابرِ ليستْ آراءً علميةً صحيحةً، وهذه الأقوالُ تُشوّهُ الدينَ في أذهانِ الناسِ وتُحدثُ فوضىً واضطرابًا في معتقداتهم.

اليومَ، الصحفيونَ كثيرًا ما يسألونَ رأيَ العامةِ في الموضوعاتِ المتخصصةِ بدلًا من استشارةِ المتخصصين، وربما بسببِ ارتفاعِ تكاليفِ المعيشةِ وارتفاعِ التوقعات، يزدادُ تعددُ الوظائفِ بين الناس، فيكونُ البعضُ سائقًا وعامل بناءٍ وموظفًا وخياطًا في آنٍ واحدٍ. المجتمعُ الذي يُمارسُ الجميعُ فيه كلَّ شيءٍ يُصبحُ مجتمعَ جهلٍ، أما المجتمعاتُ المتقدمةُ فكلُّ فردٍ يعملُ ضمنَ تخصصهِ ومجالِ خبرتِهِ فقط.

ذات مرةٍ أردتُ شراءَ ميكروفونٍ لجهازِ التسجيلِ الخاصِّ بي، فقالَ البائعُ حين رآهُ: لا أملكُ معلوماتٍ كافيةً عن هذا الطرازِ، دعني أتصلُ بأخصائيِّ ذلكَ لأعرف. رغمَ تخصصِه الكاملِ في مجالِ الأجهزة، لم يُرد أن يُعطيَ رأيًا في شيءٍ لا يعرفُهُ تمامًا! يجبُ علينا أن نُطبِّقَ هذا المنطقَ في كلِّ الأمور.

حتى النساءُ في تدبيرِ المنزلِ والطهيِ والخياطةِ يجبُ أن يمتلكنَ تخصصًا، وأن يُعدّنَ خططَ تغذيةٍ عائليةٍ متخصصةً لمنعِ سوء التغذيةِ بين أفرادِ الأسرةِ. الإنسانُ يجبُ أن يُنجزَ كلَّ عملٍ بإتقانٍ، ولكي يُتقنَ العملَ يجبُ أن يكونَ متخصصًا، وإلا وقعَ في الضعفِ والهشاشة.

والأدهى أن يكونَ الشخصُ جازمًا في مجالٍ ليس من تخصصه، وهذا هو الجهلُ المركّبُ، على عكسِ من يقولُ “لا أعرف”، فهو يعلمُ الكثيرَ ممّا لا يعرفهُ الجاهلُ.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V