صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

العلم والسعي في تحصيله

نشر في آذر 13, 1404 في

العلم والسعي في تحصيله

المعلومات التعريفية

العنوان: العلم والسعي في تحصيله /
المؤلف: ، ١٩٤٨م –
مكان النشر: إسلام‌شهر: دار نشر ، ٢٠١٢م
عدد الصفحات: ١٠٨ صفحة؛ ٢٠.٥ × ١٤.٥ سم
السلسلة: مجموعة أعمال؛ ١٥٧
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-6435-49-7
الوضع في الفهرسة: فاپا
ملاحظة: على الغلاف الخلفي بالإنجليزية: Knowledge of Learning
الموضوعات: العلم واكتساب المعرفة – الحديث النبوي – الدراسة والتعلم
تصنيف مكتبة الكونغرس: AZ101/N8D2 2012
تصنيف ديوي العشري: 001/2
رقم الفهرس الوطني: 2929255

المقدمة

يسعى كل إنسان في حياته إلى اكتساب العلم والمعرفة، وفي هذا العصر الذي يُعتبر فيه انتشار المعرفة من الأسس الأولى للتنمية، أصبح تعليم العلوم أمرًا واسع الانتشار. يهدف هذا الكتاب إلى شرح طرق التعليم والتعلم، وبيان الضرورات والمخاطر التي تواجه النظام التعليمي الحالي. يناقش الكتاب أهمية المعرفة وعلاقتها بالقدرة، طرق نشر العلم، التحديات والتهديدات التي تواجه اكتساب المعرفة، الصراع بين العلماء الذين يركزون على المظاهر والعارفين الحقيقيين، أضرار العلم الصوري، توقيت تحصيل المعرفة، العلاقة بين العلم والصبر، اغتنام فرصة المدرسة المحدودة والوقتية، ضجيج العلماء اليوم، أهمية الأستاذ الماهر والخبير، أسلوب التحصيل عند هذا النوع من الأساتذة، التركيز على الأستاذ الذي يمتلك عقلًا شطرنجياً ورياضيًا، أهمية التعليم الذي يركز على الأستاذ، مذمة التعلم الشره، حكم تكفير المتشددين الظاهريين، غفلة الجهل، وشرح جهود الاستكبار لوقف تقدم العلوم الروحية. هذه المواضيع تدور حول محور “علمانية التعليم” في هذا النص.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

العلم (1): المعرفة والقدرة

ذُكر كثيرًا عن العلم والمعرفة؛ لكن ما أراد المؤلف التطرق إليه هنا هو النتيجة التي تحققها المعرفة، وهي أن العلم الحقيقي والمعرفة يجب أن يصاحبهما قدرة روحية وسلطة إلهية، وإلا فالعلم والمعرفة الحقيقية التي تحوز على قيمة الصدق لا تكون موجودة، وإنما يكون مجرد ادعاء وشكل خارجي. المعرفة التي تفتقر إلى السلطة الروحية أو تسبب ضعفًا روحيًا هي جهل. من يريد أن يعرف مقدار علمه الحقيقي يجب أن ينظر إلى قدرته، وكلما كان هناك ضعف في السلطة الروحية الإلهية، كلما كان نقص في العلم والمعرفة. قال تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}، فمن له علم يقيني يرى الجحيم، ومن لا يراه فهذا دليل على افتقاره إلى العلم اليقيني. الرؤية الحقيقية للأمور غير الشكلية هي من آثار القوة الروحية واليقين. لا يمكن أن يكون لدى أحد يقين دون أن يرى.

ينبغي للعالمين وأهل التصوف والمنطق أن يعلموا أن كل القواعد والمعلومات التي لديهم ما هي إلا صورة ظاهرة للمعرفة، إلا إذا تحققت فيهم السلطة العملية. ومن ثم، لا يجوز لأحد أن يدعي العلم والمعرفة دون وجود هذه الآثار.

أهل المعرفة والتصوف إلى جانب العلم يمتلكون سلطة روحية، وكلما ازداد علمهم زادت سلطتهم. أما من يعتبرون العلم مجرد قواعد أو مصطلحات أو تمثيلات فهم بعيدون عن هذا المبدأ ويفتقدون إلى الروحانية الإلهية.

ويجب التفريق بين مراتب العلم والسلطة في كل المجالات، فالذي يملك علمًا ويمارس به يملك نوعًا من السلطة، والذي يملك الكثير من العلم لكنه لا يعمل به فهو جاهل. أول مرتبة للسلطة العلمية هي العمل بالعلم، ومن ثم تظهر آثار أخرى. العمل بالعلم يتطلب قوة الإرادة، وهذا من آثار العلم. ومن لا يتحكم في أفعاله رغم علمه فهو جاهل.

العلم (2): نشر المعرفة

يجب اعتبار المجامع العامة والخاصة مراكز للفكر والتأمل. يجب أن توجه المنابر والمساجد والكنائس وغيرها من المراكز الدينية إلى الفكر وإعادة اكتشاف أفكار السابقين والابتكار العلمي. لا يجب أن تتحول المنابر إلى أماكن للصراخ والضوضاء ويجب ألا تُترك لأشخاص غير مثقفين. يجب أن تكون المنابر والمساجد مراكز نشر علمي منهجي وتدار من قبل أهل العلم والفضل.

العلم (3): تحديات وتهديدات اكتساب المعرفة

كما أن الجهل ضار، فإن العلم أيضًا قد يكون ضارًا إذا لم يكن مناسبًا للفرد، بل قد يسبب مشاكل أكثر. لذا، لا يناسب كل شخص جميع العلوم، بل يجب أن يختار كل شخص العلم المناسب لحالته.

قال الحكماء القدماء: العلم أمر خاص له أهميته بسبب حصره على مجموعة معينة، وليس من اللائق لكل الناس الاقتراب منه.

إذا كان المقصود هو أن الأشخاص الأكفاء والذكياء هم الذين يجب أن يسعوا وراء العلم، فهذا صحيح، لأن كل موهبة لها علم مناسب لها، والضعفاء مهما حاولوا لن يحققوا الكثير.

أما إذا كان المقصود أن العلم محصور فقط على طبقة معينة كالطبقة الحاكمة أو الأشراف، فهذا غير عادل وغير صحيح. فاللقب لا يضمن نجاح العقل، وقد يكون ابن الفقير عبقريًا أكثر من ابن الغني.

العلوم العليا ومراحل البحث العميق تحتاج إلى عقل ناقد ومتميز، أما العلوم الأولية فضرورية لكل الناس بغض النظر عن قوتهم أو ضعفهم.

في العلوم الدينية، الأمر أشد، إذ يحتاج السلوك العلمي فيها إلى موهبة وصفاء نفس وطهارة أصول. طلبة العلوم الدينية يجب أن يتم اختيارهم بعناية، فليس كل من بدأ قادر على الاستمرار. ومن لا يتمتع بأسس سليمة في النشأة قد يواجه صعوبات كثيرة حتى وإن كان ذكيًا.

صحيحٌ أن العلم حقيقةٌ ثمينة، إلا أنه ليس خالياً من الحدود أو بلا قيود، وعلم الدين له حدود أكثر، ولا يجوز التهاون في تحصيل شروطه؛ لأن العلم والعالم، لا سيما علم الدين، كما يمكن أن يقرب العبد من الحق تعالى، قد يحمل خطراً أعظم على أصحابه. أما الناس العاديون في العلوم العامة والحرف والفنون، ولو كانوا متخصصين ويتعمقون في المعرفة، فمخاطر حادة أقل تهددهم. العالم الذي يقترب من الحقائق الروحية، وقد يكون في طريق الكمالات العليا، قد يفقد دينه بأفكار خاطئة أو أفعال غير لائقة، وقد يصيبه الحرمان الأبدي. قد يصبح عالمٌ بكفرٍ أو شركٍ بسبب عقيدة باطلة، بحيث لا يغسله حتى ماء البحار عند موته، ويكون نجساً في بيت الغسل، دون أن يشعر أحد أو يظهر ذلك، لأن النجاسة ليست حسية ولا تظهر بصفات مثل ذيل الخنزير.

وعليه، قد يصلي العالم طوال عمره بنجاسة الكفر والشرك ويتعلم العلم وهو نجس، ولا يدرك ذلك. قد يفقد دينه عملياً ويُسوّغ ما يخالفه بتبريرات دينية مزيفة، ويبيع دينه، بينما العاديون، مع قلة معرفتهم وبعدهم عن الحقائق، لا تهددهم مخاطر كبيرة.

الشخص العادي، وخصوصاً المسلم العادي، لا يجد في نفسه مجالاً للكفر، رغم ضعف إيمانه، ولا يكون سوقاً للبيع والشراء في الدين. وإذا حمل ذنوباً كثيرة، لا ينقل النجاسة إلى بيت الغسل، لأن العصيان له أثر عملي ولا يؤثر على العقيدة كلياً.

العلم يمكن أن يجعل العالم في قرب الله ويمكّنه من مقامات روحية ويكشف له حقائق العالم، لكنه قد يورطه بالحرمان الأبدي ويجعله في صراع مع الله. أما العاديون، رغم محدودية نموهم، فلا تهددهم مخاطر جدية.

ولا ينبغي فهم هذا الكلام بأن العلم خطر فيجب تركه والعودة إلى حياة العوام، فهذا تفكير يعطل الفكر السليم. بل يجب متابعة العلم، مع التحفظ الكامل، والتدقيق، والحرص في اختياره وطوال فترة الدراسة، لا سيما علم الدين الذي يتطلب شروطاً أعظم.

الشخص العادي قد يقضي عمره في الذنوب الكبرى ولا يقع في الكفر أو الشرك، ولا يبيع دينه، ولو كان ساقي خمر أو فاسقاً. أما العالم، فقد يصبح كافراً أو مشركاً أو يبيع دينه ويستخف بمقدسات الله من أجل الدنيا، رغم عدم ارتكابه معاصي ظاهرة.

وقد يرتكب الإنسان أعظم الذنوب، كقتل النفس، دون أن يكون كافراً أو مشركاً، لأنه قاتل وليس نجساً. والعكس قد يكون عالم لا يقتل ولا يشرب الخمر ولا يرتكب معاصي ظاهرة لكنه يبيع دينه، فحرمانه أبدي.

القرآن الكريم يكرر: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فإن الثمن مهما كبر قليلٌ في مقابل بيع الدين والحرمان الأبدي.

وقد تذكر قصص من التاريخ، مثل حميد بن قحطبة، الذي باع دينه للخليفة مقابل دنيا وأموال وأهل، وبهذا يكون آخر ما يبيعه الإنسان دينه.

وبهذا يتضح أن العلم والعالم، كما لهما قيمة عظيمة، قد يكون لهما أضرار جسيمة. كما أن العلم قد يكون هداية أو ضلالاً للمجتمع، خلافاً للعوام الذين سلبياتهم وإيجابياتهم محدودة ولا تسبب دماراً أساسياً.

العلم (4): المعرفة والادعاء بالعلم

إذا قال شخص: «أعلم أني لا أعلم شيئاً»، فهو بالفعل كما قال لا يعلم شيئاً، ومن يدّعي العلم فهو في حقيقة أمره جاهل. العالم الحقيقي هو من يعلم ولا يدّعي العلم، ولا ينطق بما لا يعلم.

العلم (5): صراع العلماء الظاهريين مع العارفين الحقيقيين

دائماً ما كانت هناك عداء ومواجهة بين العلماء الذين يركزون على الظاهر والظاهرية، والعارفين الذين ينظرون إلى الباطن والحقائق الخفية. فقد كان الباطنيون أكثر تفهماً للظاهرين وأقل إنكاراً لهم.

ولكن يجب أن نطرح سؤالاً: لماذا يحقق العلماء الظاهريون أقل تقدّم؟ ولماذا يكتفون بالعلم المكتوب والقراءة دون بلوغ مستويات أعمق؟

علينا أن نفهم أن سبب تسميتهم بـ«أهل الظاهر» هو انشغالهم طول العمر بتعلم الكلمات والمعاني والمفاهيم، وتركيزهم فقط عليها دون النظر لما وراءها.

الكثير من أهل الظاهر ليس لديهم مواهب كبيرة، ولذلك يقضون العمر في الدراسة والقراءة بين الكتب، أملاً في التقدم في العلوم. أما العلماء الموهوبون، فيستثمرون طاقتهم في البحث عن الجديد والمجهول، وهو ما لا يصل إليه الآخرون.

نادرًا ما يهتم أهل الظاهر بأنفسهم أو يتأملون في الأمور الغيبية، بل يظلّون محاصرين في حبال الكلمات والعبارات والقواعد والمفاهيم. يتنقلون بين الكتب والعلوم كمن يغوص في بحر من الكلمات دون الوصول إلى جوهر الحقيقة.

كثيرًا ما يضيعون عمرهم في الكلمات دون أن يفكروا في أنفسهم أو يحققوا تقدماً حقيقياً. وعلى الرغم من وفرة الكلام في الدنيا، إلا أن كلامهم خالٍ من الروح والمعنى الحقيقي. وإن تحدثوا، يبقى كلاماً فارغاً لا يُغني من جوع.

في بعض الأحيان، يؤدي احتكاك علماء الظاهر بالكلام والمفاهيم إلى فقدان طبيعتهم السليمة، فيصبحون عاجزين عن فهم الأمور، وينتقدون آراء الناس العامة دون أن يكون لهم موقف أفضل.

الكثير من أهل الظاهر يعلقون في شبكة الكلمات والعبارات، فيثقلون بها ظهورهم ويسقطون تحت ثقلها، والله وحده يعلم ما الذي يسببه ذلك لهم وللناس.

مع ذلك، هناك عدد قليل من علماء الظاهر، بعد سنوات من الاجتهاد، تنبعث في قلوبهم نسمة روحية، فتدفعهم إلى الانصراف عن المظاهر، والاقتراب من باطن الحقيقة، فتتغير حياتهم، ويبحثون عن السكينة في باطن الأمور، لكن هذا نادر الحدوث.

العلم (6): العلم الظاهري والرؤية الربوبية

يحمل الإنسان ألقاباً وصفات ومراتب متعددة تلعب دوراً أساسياً في تشكيل شخصيته وهويته. وهذه الأمور لا تقتصر على الجوانب الجيدة أو السيئة فقط، بل تظهر بشكل خاص في كل إنسان.

ينبع أصل الهوية والشخصية من مدى معرفة الإنسان وجهله. فالمعرفة هي ثمرة الخير، والجهل هو أصل الشر والاختلالات.

يجب الانتباه جيداً إلى أن المعرفة الحقيقية هي التي تشكل أساس نجاح الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي تختلف عن العلوم الظاهرية أو الدنيوية التي لا تلعب دوراً روحياً عميقاً، رغم أنها قد تهيئ الأرضية للخير والسعادة.

كل العلوم الظاهرية تؤدي دوراً مساهماً في الصحة والسعادة، لكنها ليست السبب الكامل، وأحياناً تتحول هذه المعرفة إلى حجاب يمنع الإنسان من الوصول إلى ذاته الحقيقية.

صحيح أن العلوم الإنسانية الإسلامية وعلم التصوف، إذا تم استخدامها بشكل صحيح، تكون منصة صلبة للارتقاء الروحي، لكن إذا تم تجاوز دورها الأساسي، فإنها تصبح عائقاً، وتشكل شبكة تقيد العالم وتوقعه في الانحطاط وسقوط الهوية.

قد يكون العالم الذي تحصّل العلوم الظاهرية والإنسانية ليس فقط غير صالح ومؤمن، بل قد يكون ذئباً مفترساً أو دباً شرهًا أو خنزيرًا شهوانيًا، يجلب الضرر لنفسه وللآخرين.

وعلى الرغم من أن هذه العلوم عادة تعطي نتائج إيجابية لأصحاب المواهب، إلا أنها قد تكون مصدراً للانحطاط والسقوط بالنسبة لقلة منهم. فالكمالات الظاهرية عادة تحفظ الإنسان بشكل سطحي، لكن ليست كلها هادية، بل بعضها يسبب الانحراف.

علم الظاهر لا ينقصه البعد الروحي الظاهر، وهذا سبب انحراف البعض. كثير من أصحاب العلوم الظاهرية يظنون أنفسهم ملئوا بالروحانية، ويتكبرون ويتظاهرون بالورع، ويستخدمون الخداع والنفاق لتعويض نقص باطنهم.

ليس كل من يعرف الفقه والتصوف ويقرأ القرآن ويفسر الآيات يستطيع الثبات أمام الشيطان والمعصية. وقد يكون ماهراً في علمه لكنه ضعيف في حفظ النفس من الذنوب.

ما له قيمة حقيقية ويستطيع ضبط الإنسان وتحصينه من الشر هو المعرفة الربوبية الحقة التي ترتكز على الفكر السليم والمعرفة الحقيقية. فالعلم الحق هو ذلك الذي يتجسد في رؤية روحية، لا مجرد معرفة تقنية أو مهارات دنيوية.

المعرفة الحقة تحفظ الإنسان من المعصية، بينما المعارف الأخرى لا تضمن ذلك ولا ينبغي الاعتماد عليها في ذلك.

المعرفة الحقة هي التصوف الحقيقي الذي ثمرته العمل الصالح والبعد عن الشر. أما العلوم الظاهرية فلا تحمي من الخطأ، بل قد تقود إلى الضلال، مع أنها قد تكون ذات فائدة سطحية.

على هذا الأساس، إذا قيل: العلم لا يورث تزكية، فالمقصود بذلك المعارف الشكلية والظاهرية. الأمر هو أن العلم الشكلي يقتضي التزكية ولكنه لا يكون سببا لها بالضرورة. قد يصل العالم إلى عمق هذه المعارف لكنه لا يتحقق فيه تزكية النفس وتنقيتها. صحيح أن تبلور المعارف الشكلية يدل على وجود تزكية عند العالم، لكن هذا الدليل هو أيضا دليل شكلي وظاهري قد لا يكون واقعيا. ولا يمكن الحكم بيقين على وجود التزكية في العلم الشكلي إلا إذا قدم دليل قطعي عليها، وحتى الوصول إلى هذا الدليل يجب الاكتفاء بالحكم الظاهري وعدم تحميل ذلك آثار التزكية الحقيقية.

ما سبق كان حديثا عن المعارف الظاهرية، أما إذا كان المقصود من العلم المعرفة الربوبية والفكر السليم الإلهي والبصيرة الرحمانية، فمثل هذا العلم لا يكون إلا تزكية، والتزكية من ثمراته الحتمية. الشعور بوجود هذا العلم في الفرد يحمل معه وجود التزكية، ويجب فقط الاجتهاد في صحة هذا الإدراك، وعند تحققها في الفرد يحكم بآثارها. ولكن يجب التنبه إلى أن المعرفة الربوبية في الفرد لا ينبغي أن تختلط بصورة الربوبية الظاهرة، إذ كثيراً ما تتشابه الصفات مع الأصل فتكون تمييز الأصل عن المشابه صعبة.

(13)

العلم «7» توقيت اكتساب العلم

هل الإنسان كالكيس المملوء بالذهب، والعلم كالكنز الذي يجب العثور عليه ليصبح الإنسان منجماً للعلم؟ عن الأئمة المعصومين عليهم السلام قيل إنهم مناجم وذخائر العلم الإلهي، مليئة بالموارد التي إذا شاءوا يمكنهم إظهار العلم في أي لحظة. لكن أين يترسخ العلم فعلاً؟ في الذهن، الذكاء، الدماغ، القلب، أو في الجلد واللحم، أم في مكان آخر؟

العلم هو مجموعة من المعلومات والوعي الذي يدخل إلى الإنسان تدريجياً لحظة بلحظة، ويستقر في جسده ودماغه وقلبه. يجب أن يعلم أن العلم يظهر جملة جملة، لأن العلم عادة لا يأتي دفعة واحدة أو فجأة.

قيل لشخص: في مدينة كذا أموال كثيرة، اذهب وخذ ما تشاء، فلما وصل إلى بوابة المدينة وجد ديناراً، تركه وقال سأذهب إلى وسط المدينة ربما تكون كل الدراهم هناك وأجمعها دفعة واحدة، ولكن كل دينار كان في مكان مختلف من المدينة.

كما يجمع المال على مدى طويل، ويجد الشخص نفسه عند النهاية ذا لحية بيضاء ويرى ثمن شبابه في جمع المال، كذلك العلم. في طلب العلم يجب أن تجمع كل ما تراه تدريجياً حتى تصبح عالماً بعد مدة طويلة. مرور مثل هذه المرحلة في تشكيل العلم أمر حتمي ومهم على طالب العلم أن يدركه ويتصرف بناء عليه.

العلم «8» العلم؛ دلائل السلوك

للعلم معانٍ ومصطلحات وتطبيقات مختلفة حسب وجهات النظر المتعددة، فبعضهم يقابل العلم بالفلسفة، وبعضهم يعتبره ضد العمل، وبعض الكتب تصف العلم بأنه فنون أو معارف تجريبية مختلفة.

ما يبينه هذا العلم أن الحقيقة ليست إلا ظهور السلوك، أو ما نسميه آثاراً أو دلائل. نقاء الباطن، ازدهار القلب، الإيمان الجازم، التصديق، كلها علامات للعلم تظهر في السلوك. وهذا السلوك قليل من يقدر على تحصيله بمعناه الحقيقي، وهو كنز لا يصل إليه إلا القليل، وسيأتي ذكره.

مثل هذا الفهم ونوع العلم هذا نادران، ويظهران فقط عند أولياء الله والصادقين، وهم من يقدمون هذا المنظور النادر عن العلم. الذين يقبلون هذا الفهم قلة من يملكونه حقاً، وشرحهم له غالباً يكون بشكل مجرد أو تقليدي.

العلم «9» العلم؛ جهد العاجزين

العلم هو جهد الضعفاء وازدهار الجهلاء.

راجع: زيارة الجامعة الكبرى «ومعدن العلم».

(14)

العلم «10» العالم الحقيقي

العالم هو من يملك القدرة على الإنشاء والإبداع من ذاته، وليس من يتفاخر بإبداعات الآخرين ويصبح ببغاء كلامهم.

العلم «11» الجزم واليقين

اليقين حقيقة مجهولة، وقليل من ينال توفيق رؤية أهلها.

العلم «12» العلم المهلِك

كثير من العلم يهلك جوهر الإنسان، كما أن الجهل يدمره أيضاً.

العلم «13» القدرة على تحمل العلم

لا يستطيع الوصول إلى المعرفة إلا من اكتسب القدرة على تحملها وحفظها، وإلا فإن العلم أو اليقين قد يؤديان به إلى ضلال نسبي أو مطلق.

العلم «14» العلم والصبر

الصبر زينة العلماء، والعالم بلا صبر يضيع علمه.

العلم «15» صقل العلم والروح

العلم كالماء، كلما زادت عمقه زاد الضغط عليه، وإذا لم يكن الوعاء قادراً على التحمل يكسره. العلم قد يشقق إنسانية الإنسان ثم يكسرها. لذلك يجب أولاً صقل وعاء العلم ثم التزود بالعلم. العلم قد يصقل الإنسان أيضاً. الإنسان والعلم يتعايشان في تناغم. من صقل نفسه زاد علمه، ومن زاد علمه صقل وجوده. الصقل هو التواضع وعدم الأنانية.

العلم «16» المدرسة؛ فرصة محدودة وعابرة

المدرسة لا تجعل الإنسان عالماً بحد ذاتها، وإنما هي مجال لبروز كمالات الإنسان. العلم الكمالي يظهر إذا كان الطالب يبحث عن صاحب الكمال الحقيقي ويجده.

على طلاب العلم قراءة الكتب بسرعة وفهمها بعمق ثم تجاوزها للسعي وراء الكمال الحقيقي غير الموجود في كتب المدرسة.

(15)

العلم «17» ضجة علماء اليوم

كيف تحلل الوضع العلمي اليوم في مجال العلوم الإنسانية؟ هل هم حقاً علماء أم مجرد صخب يقرع طبولاً فارغة؟ يتحدثون عن فضائلهم وأسماء مأثورة؟ اليوم يتحدثون عن جمجمة ابن سينا، الذي غيّر عالم الفكر وأحضر علوم جديدة في الطب والفلسفة، فهل نُعطى له حقه في مجتمعنا؟ هل تُصحح كتبه؟ هل يفكر أحد أن ابن سينا قد أخطأ في بعض الأمور؟ هل الطريق إلى أن تكون مثل ابن سينا ممهد؟

لماذا أسألكم هذا؟ دعونا ننظر بتمعن في المجتمع العلمي العالمي لنجد ما نحتاج إليه للإجابة على هذه الأسئلة. من يريد العلم يجب أن يدرس أعمال العلماء السابقين وحركاتهم وأقوالهم. العلماء السابقون في كتبهم، والعلماء اليوم في أقوالهم.

بعد ذلك، ماذا عن الحكام والمسؤولين؟ كيف يرون العلم؟ أغلبهم يعرضون العلم بطريقة تخفي أصحاب الفكر الحقيقي عن العامة. المشكلة ليست في الناس، بل في كثرة من يدّعون العلم ويجعلون التمييز صعباً، وهذا ما يدعمه الحكام لأن هؤلاء العلماء يديرون الناس أو يدعمون الحكام.

في مجتمعنا تناقشوا مسألة العثور على جثة ابن سينا وجمجمتها بعد ألف عام، فهل ما تزال الجمجمة تحمل العلم أم هي مجرد عظام؟ هل العظام صنعت علم ابن سينا؟ قد يكون الادعاء كذباً، ويستخدم لأغراض تجارية.

ذكرت مؤخراً قصة العثور على سن هتلر وبيعه بثمن غالٍ. ما الهدف؟ هل يريد المشتري إشعال الناس بهذا السن؟ هل لا يوجد سوى نهب الأموال عبر تزوير التحف؟ هل سن قاتل دموي يمكن أن يكون تحفة؟ وما معنى التحف؟ هل تتحول عظام قاتل إلى تحف ثمينة فقط لأن الناس يدعون ذلك؟

الجمجمة وعلم ابن سينا

هل الجمجمة المدفونة تحت أطنان التراب تحمل العلم؟ وهل كل المعلومات مخزنة في جزيئات العظام الجمجمية؟ هل يصبح الإنسان ابن سينا إذا أكل عظامه أو ربط علم الجمجمة بعظمة أخرى؟ وهل يتحول الإنسان إلى حيوان إذا زُرعت عظمة حيوانية في جمجمته؟ هذه معتقدات خرافية عظيمة، والعجيب أن وسائل الإعلام الوطنية والخاصة أحيانًا تؤجج مثل هذه الجدل، في حين أن نتائج هذه النقاشات لا تزيد عن غربلة العلم وغربة المعرفة.

كيفية تشكل المعرفة

الحقيقة أن العلم ليس في الدماغ أو العظم أو اللحم أو الجلد، رغم أنه قد يمرّ في تلك الأجساد. الحقيقة أن العلم يبدأ من الذرة ويتجوّل في العالم. الذرة التي تحيا في رحم الأم تحمل علماً، وتعرف ما تفعل، وعندما تستقر في مكانها، تبحث عن الغذاء، وتتصل بالرحم لتأخذ حاجاتها من الأم، حتى تتأثر بالضغوط النفسية التي تمر بها الأم.

الجنين كالحبة المزروعة في الأرض، فإذا لم تصل الحبة إلى غذائها أو لم تستطع امتصاصه، يعيق ذلك نموها. الجنين يمتلك قدراته التي تظهر إذا توفرت له العناية الجسدية والروحية، ويختلف أثر صفات الأب والأم عليه بحسب ظروفهم النفسية، فحتى العظمة والكرامة قد تختلط بصفات أخرى.

انتقال العلم

العلم ينتقل بهذه الصورة؛ فالجنين يحمل علماً ويقوم بما يلزم ليتطور. إذا استطاع الإنسان أن يخترق الجنين ويفهم معلوماته، يمكنه أن يسمع قصته وحياته منذ بدايته. الجنين يستمد معارفه من السماء وجودة غذاء الأم، وعندما يولد الطفل يحمل معه علماً ابتدائيًا، يعرف كيف يحصل على الغذاء ويستخدم حواسّه.

الفرق بين العلم والمعرفة السطحية

العلم الحقيقي يتطلب استيعابًا وتأملاً عميقًا، كما يمتص الطفل الحليب من الثدي وليس من اللهاية. فالعلم ليس مجرد معلومات أو حيل ذكية، بل هو فهم جوهري يضيف للإنسان قيمة حقيقية، وإلا فالمكابرة تؤدي إلى خسارة العمر.

العلم نور

العلم هو النور في ذاته، وهو مرغوب بطبيعته، سواء كان علم الطب أو الفلسفة. لذلك لا يجوز تحقير الفلسفة لمجرد أن جثة ابن سينا وجدت متفسخة، أو مقارنة ذلك بفقهاء آخرين كان جسدهم محفوظًا. الادعاءات المبنية على هذه المقارنات تفتقر إلى الأساس.

حدود العلم

حتى السرقة وصناعة الخمر والرقص هي علوم تتطلب قواعد ومهارات. قد يكون اللص مفكرًا بارعًا في مجاله، والراقصون يتدربون جاهدين. ولكن الفرق بين العلم والعمل الحسن هو أن بعض الأعمال محرمة شرعًا رغم علمها، ويجب أن يُدرس ذلك علميًا وفنيًا لضبط المجتمع.

من الجزئيات إلى الكليات

ابن سينا وغيره من العلماء بدأوا دراساتهم من الأمور الطبيعية والمادية، ثم صعدوا إلى الرياضيات والعلوم الروحية. هذا النهج هو الأنسب للتعليم والتربية، حيث يبدأ الإنسان بدراسة المادة وما هو ملموس ثم يصل إلى المعارف العليا.

خاتمة

العلم الحقيقي يبدأ من المادة، ثم ينتقل إلى المبدأ، ويجب أن يستند إلى مبادئ واضحة ومتفق عليها لتجنب النزاعات العقيمة. الاستاد الماهر هو الذي يوجه الطالب وينقحه، كما فعل مير داماد مع ملا صدرا، الذي طور وراجع تعاليم ابن سينا رغم محدودياته.

يتفوه الإنسان بالكثير من الأقوال التي لا تستند إلى قلوبه أو تفكيره، وإنما هي مجرد لغوٍ لا قيمة له. ولا يمكن اعتبار مثل هذه الأقوال علماً بمعناه الحقيقي، أي ما يتوافق مع الحقيقة ويتميز بالقيمة المنطقية للصدق. كما أن العديد من المقترحات التي يُعتقد أنها منتجة عن تفكير منطقي لا تُعد علماً حقيقياً، إذ قد يُحلّ مسألة في الذهن وينتج عنها نتيجة خاطئة. مجموع المعلومات التي في العقل يمكن أن تكون علماً أو جهلاً، لكن إذا ما أُخذ القلب بعين الاعتبار، يتضح أن ما ينبع من القلب هو العلم المتطابق مع الواقع الخارجي، وما يصل إلى العقل ويُحلّل وينطق به هو العلم المكثف. بناءً عليه، يجب القول إن من أراد أن يعرض علمه، عليه أن يُكثّف علمه أولاً بانفجارٍ في الكلمات ثم بانفجارٍ في الذهن، وعندما تتكوّن هاتان المرحلتان، يتغلغل هذا العلم المكثّف في قلب المستمع فيظهر له العلم أيضاً. أما العلم المتفلت من العقل أو مجرد لغوٍ فهو ليس علماً، ولا يشفي جرح المتكلم نفسه فحسب، بل لا يُفيد الآخرين، وربما يُظهر جزءاً ضئيلاً من الحقيقة، لأن ما هو مجرد لغو ومن مصدر شخص كثير الكلام يتكلم في كل موضوع دون تفكير، وإن كانت نسبة من كلامه تتطابق مع الواقع، لا يُنتج علماً. ولا يجوز اختيار مثل هذا الشخص كأستاذ، لأن الطالب دائماً يكون في مرتبة أقل من المعلم. وإن استمع الطالب لكل أقوال المعلم وكان ذهنه جيداً، يستطيع جمعها وتصنيفها، ولكن إذا كانت معظم مقولاته متفرقة لا علاقة بينها ولغو، ولم تكن من القلب والعقل، فلن يتعلم الطالب إلا هواءً فارغاً من معلمه.

وإذا كان الإنسان يتعلّم عند أستاذٍ يعمل ذهنه بمنهج رياضي ويستغل عقله كثيراً، فإن ما يسمعه منه يتغلغل في روحه تلقائياً، لأن العلاقة الرياضية أكثر ارتباطاً بالعقل. أحياناً يستقر الرياضي في قلب الإنسان فيدرك حقيقة الأشياء رياضياً، ويرى أن كل الأشياء مبنية هندسياً. عقلٌ رياضي يجعل ما يُكوّن في الذهن ويُنطق به ضمن إطارٍ منطقيٍّ محفوظ. مثل هذا الإنسان لو أراد أن يقوم بعملية شراء، يساعده علمه الرياضي في تنظيم حياته أيضاً. وإن استمع الطالب إلى كلمات هذا الشخص في مسائل جزئية مثل الحساب والدخل والإنفاق، يفهمها وفقاً للمنهج العقلي للمعلم، وإن تكلّم في أشياء أخرى غير الحساب مثل المحبة والعداوة، قد يكون هناك تناقض في الكلام، لكن المنهج الحسابي يبقى قائماً.

وبناءً على ما سبق، إذا سيطر الحساب على قلب الإنسان، بمعنى وجود أستاذٍ يتملك القلب بالحساب، فإن كل أعماله وأفكاره تستند إلى حساب، وكلامه يخلو من ذلك غالباً. مثلما أن المشي، اتخاذ الخطوات، مسار الحركة، حركة اليد، الفكر، العقل، العقائد، الكلام، الأكل وكل شيء مبني على حساب في الذهن. وإذا صار المرء تلميذاً لمثل هذا الشخص، يدرك تداخل كلامه وأفكاره، ويستطيع استجلاب الحساب إلى قلبه وعقله.

في جميع العلوم، هذه هي الحال. إذا أراد طالب الفلسفة تعلّمها، يجب أن يكون عند أستاذٍ قد فلسف كل حركاته، وأعضاءه، وبصره، وسمعه، واستعماله للغة. عندها فقط يستطيع الطالب أن ينهل الفلسفة من ذلك الأستاذ بروحه وقلبه. كذلك إذا كان هناك أستاذٌ غارقٌ في الكيمياء لدرجة أنه يضع ساعته في الماء المغلي انتظاراً لطهي البيضة، يُعتبر أهلاً لأن يكون أستاذاً. وفي العلوم الدينية، إذا وجد الإنسان أستاذاً حياً بقلوب وأقوال وأفعال دينية، وعمل بكل جوارحه لفهمه، فإن الدين يدخل قلبه ويخرج منه، وإلا فإن فهم الدين بالعقل والكلام لا يكفي، أي أن فهمه يكون ناقصاً، إجمالياً، وغامضاً.

ويجب أن يعلم أن الطريق إلى الباطن يمر عبر الظاهر. لا نعرف حقيقة الدين كما نزل على النبي صلى الله عليه وآله إلا بالفهم التدريجي لظاهر أحكامه، ثم تنميتها حتى تستقر في القلب، ويثبتها فيه. وهذا لا يخص الدين فقط، بل جميع الحقائق في العالم. حقيقتها علم يُدرَس ويناقش بالعقل، لكنه لا يُصبح واقعياً إلا إذا كانت له دعائم قلبية، بحيث يخترق الظاهر القلب والعكس صحيح. اللغة أداة لتمثيل المعاني المنطقية وتحويل التحليل العقلي والنتائج القلبية إلى كلام. فالكلام وسيلة لظهور ما في الضمير، وإن كان أحياناً لا يعبر بدقة عن ما في الحقيقة.

ويجب أن يُدرك أن الأسلوب التعليمي السائد خاطئ، فطالما لم يصل الطالب إلى قدرة على استيعاب العلم القلبي للمعلم، لا يجني ثمرة من تعلّمِه. من لا يستفيد من أستاذٍ يستعين بجميع حواسه، لا يمكنه الاستفادة من علم خفيّ في الموجودات الأخرى.

ومن لا يمكنه أن يستفيد من أستاذٍ يهديه بعشرات الإشارات، كيف يمكنه أن يستفيد من لوحات إرشادية قديمة؟ وإذا لم يستطع التلميذ استيعاب حقيقة الأستاذ القوي، فكيف ينال معرفة من طرقٍ أخرى بلا وسيلة لغة؟ الإنسان كالكرة، والأستاذ كالهواء المحيط بها، يفيض علماً من كل الجهات، ويكشف جوهر قلبه، لكن إذا لم يستوعب الطالب هذا، فلا يمكنه أن يفهم حقيقة حتى جزئية صغيرة مثل رؤية حجر للحظة. وإن لم يتعلم الطالب شيئاً من أستاذه، فلا يرجو أن يتعلم من غيره، رغم أن في كل نواة علوماً مخفية، ولكن تعقبها بلا أستاذ لا يجدي، بل قد يضر.

يجب تعلم العلم من عالم، والذهاب إلى الصفوف، ومقابلة المعلمين، لأن مجرد التبليغ عن العلم لا ينفع الناس، بل يضر. لذا، ينبغي تشجيع الناس على أن يبدأوا في كل علم برؤية معلمهم بكل وجودهم، والتأمل في كلامه وحركاته، وذلك بعد التحقق من استحقاق المعلم، وليس التمسك بأفكار أشخاص بالية.

المشكلة في دروس الأخلاق العامة هي أن الحديث فقط يُسمع دون أن يُرى فعل من قبل أستاذ الأخلاق، فلا يصل إلى نضج وخبرة الطالب، ولا يُثمر الأخلاق في نفسه؛ ورغم ذلك، فإن هذه الدروس اليوم تُقام بصورة أقلّ وتلقى اهتمامًا أقلّ، وما يُدرّس غالبًا هو الفقه وأصوله فقط.

العلم (29): من طلبة العلم إلى محو الأمية

إن مجتمعنا يرغب أكثر في محو الأمية منه في تربية الطالب الحقيقي. كلٌّ يسعى لأن يصنع لنفسه أثرًا شهيرًا ويبرر عمله بأعذار ليبدو مبرّرًا، في حين يتجاهل أو يتعمّد الجهل بالخسائر التي تلحق بالعلم بهذا البلد وبعقول شبابه. عندما يرى الشباب الموهوبون أن كتب ابن سينا العلمية تُدرّس في الغرب، بينما يُحتفظ بجُمجمة فارغة له في همدان، يشعرون بالألم، ويرون الجامعات الغربية هي ملاذهم لطلب العلم. مجتمعنا دائمًا منشغل بالقضايا الجانبية للعلم، مما يُقتل العقل المُستكشف ويُدمّره. عقول شبابنا الموهوبين تحترق في مثل هذا السوق المضطرب، ويفرّ البعض منهم طلبًا للعلم. أليس من الأفضل أن نجعل البلاد بلدًا علميًا؟ أليس من اللائق أن نحول البلد إلى مدرسة للعلم لا مجرد صفوف لمحو الأمية تعلّم القراءة والكتابة فقط؟ يجب أن نبدأ موجة إصلاح طلب العلم من الجامعة، ونجعل البلاد كلها جامعة علمية!

العلم (30): نشر العلم لا امتصاصه كالدُّود

طلب العلم ليس كمصّ الدم كالدودة التي تستهلكه فقط، بل يجب تحصيل العلم ونشره. إذا اكتفى الطالب بحيازة العلم لنفسه دون أن يُسلمه إلى الأستاذ أو المجتمع أو الآخرين، فإن هذا العلم يهلكه ويُسبب اختناقه. العلم المخزّن بلا فائدة لا جدوى منه! فما قيمة مصنع مغلق؟ أولئك الذين يحتفظون بالعلم لأنفسهم يشبهون الديدان التي تستهلك دمًا حتى تمتلئ وتموت. أولئك الذين يفتقرون إلى الإيثار في العلم، مع أنهم يدرسون دروس الإيثار ويعرفون الآيات المرتبطة به، لا يتبرعون بساعة من وقتهم أو جزءًا من مالهم للآخرين، حتى للأستاذ الذي ربّاهم ويطلب منهم إيثار وقته. العلم الذي لا يكون له تطبيق ليس علمًا، بل خرابًا وفسادًا وضلالًا.

العلم (31): التنظيمات العلمية

يجب أن يكون للمجتمع العلمي تنظيم، فلا يُمكن الوصول إلى نتائج من خلال الجهود الفردية فقط، لأن قوة الفرد في المجتمع قليلة. إذا اجتمع أفراد المجتمع حول عالم فاضل ومرشد عظيم وأسسوا تنظيمًا، حينها يبدأ هذا النظام بالتحرك وتعمل المجموعة بقوة تحت قيادة الأستاذ، ويمكن لكل فرد أن يخدم المجتمع بحسب قدرته. إن تأسيس مثل هذه التنظيمات ضروري جدًا، لكن حول من يجب أن يكون قائدًا ومن يستطيع إنقاذ المجتمع من الانهيار وحل مشكلات العالم الإسلامي مسألة في غاية الأهمية. يجب التعرف على هؤلاء ووضعهم في رأس هذه التنظيمات، مع وجود العديد من المدعين وطرق الضياع.

العلم (32): التمييز بين طريق السعادة والشقاء

إذا أراد الإنسان أن يعرف إن كان يسير على طريق الخير والسعادة أم على طريق الشر والهلاك، فعليه أن ينظر إلى شيء يتعلمه ويفهمه، هل يجعله سعيدًا أم لا؟ فإذا شعر بالفرح فهذا دليل على أنه في طريق الخير، أما إذا شعر بالحزن فعليه أن يعلم أنه لا يسير نحو السعادة بل هو في تراجع نحو الهلاك.

العلم (33): تحطيم الألقاب الكبيرة

في النقاشات والمناظرات والتعليم، إذا استُخدم الاستهزاء، فإن تأثيره في تحطيم هيبة الطرف الآخر أو العلم المعني يكون أكبر من سنوات من النقاشات والكتب. كلمات مثل: «جامع معقول ومنقول»، «الفلسفة المسلطة»، «درس الخارش»، «درس اللقمة» وغيرها تترك تأثيرًا قويًا. هذه الدروس قد تكون عظمى لدى بعض الطلاب، وكأنها قمم لا تُدرك، وعندما يسمعون مثل هذه الكلمات المحطمة، يرون الطرف الآخر صغيرًا أو العلم غير مهم، فيسهل عليهم تحصيله.

العلم (34): طريقة كتابة الكتب الدراسية

يجب أن تكون الكتب الدراسية ذات مستوى علمي رفيع وغنية بالأفكار الجديدة، ولكن لا ينبغي أن تُكتب بأسلوب ثقيل وصعب، بل يجب أن تكون بسيطة وسلسة. البساطة لا تعني الابتذال، ويجب أن تتسم بالمنهج العلمي والتنظيم المنطقي، وأن تتناسب مع كل عصر ونوع القرّاء حتى يتمكن كل الطلاب والقراء من فهم محتواها.

العلم (35): الوعي بمكانة كل علم

هناك معلمون لا يتمكنون من استيعاب الدرس في أعماقهم، ومع ذلك يدرّسون. هؤلاء يرون العلم وسيلة لكسب المال وليس لنشره، ويجهلون تطبيقه في الواقع، ويفتقرون للقدرة على تدريسه، لأن لكل علم مكانة في المجتمع، وهم بسبب ضعف فهمهم لهذه المكانة يعانون من ضعف علمي ويثقلون طلابهم. يجب أن يعلم الجميع أن لكل علم وجودًا خارجيًا، وإذا لم يُلمس هذا الوجود فلا يعد العلم إلا أسطورة. مثلاً، في الطب والتشريح، لا يفهم الطالب إذا لم يرى جسدًا ميتًا ويُشخصه، والمعلم الذي لم يشاهد أو يشق جسدًا لا يمكنه التدريس. كذلك، الحديث عن الفلك دون أدوات رصد دقيقة مثل التلسكوبات والأقمار الصناعية هو هراء. الكتب الدراسية في الفلسفة والكلام والحكمة والعلوم الطبيعية والرياضيات كتبها خبراء عمروا في البحث، لكن المعلم الذي لا يعي الواقع أو يدرس سطحياً يؤلم الطلاب. يجب أن يعيش الأستاذ العلم ويشعر بمكانته ليتمكن من تدريسه بسلاسة وفعالية.

العلم (36): طريق الطلبة المستوي

إذا وجد الطالب أستاذًا ذي علم ناضج وفهم عميق، يصبح طلب العلم سهلاً، ويُلقى العلم له بلا تعقيد، ولكن أعداء العلم لا يسمحون بظهور هؤلاء الأساتذة، ويجعلونهم في عزلة، لأنهم لو نطقوا، لفهم الجميع العلم وأحبوه واتبعوه. أما الذين يسعون للمناصب فلا يحبون العلم الحقيقي ويعرقلونه، ويرون العظمة في جعل العلم صعب الفهم.

العلم (37): العلم الفردي والجماعي

هل طلب العلم فردي أم جماعي؟ هل يجب أن يكون شخصيًا أم اجتماعياً؟ لا بد من معرفة الخلفية العلمية والتاريخية للموضوع، فالعلم تراكم عبر آلاف السنين. لا يمكن لأي شخص أن يؤسس علمًا جديدًا دون معرفة العلوم السابقة، ولا بد من تعلم المصطلحات من الآخرين أو في المدرسة. تتطلب الابتكارات العلمية تعاون أفراد، فالعلوم الاجتماعية ليست فردية. العلم الموجود في شخص واحد لا يزدهر ولا يفيد المجتمع. في التبادل والنقاش العلمي تظهر المعرفة، وإلا فانفراد الفرد يؤدي إلى اختفاء العلم أو ضياعه.

العلم ٣٨: علم اللسانيات

في طلب العلم يجب أن يكون المرء دقيقًا جدًا، وأن يعرف الأستاذ من خلال كلامه، فلا تأثير لكونه شيعيًا، سنيًا، كافرًا، مسلمًا، فيلسوفًا أو عارفًا في تقدير أستاذته. يجب أن يُنظر إلى ما يقول الأستاذ ثم يُقبل الصحيح من كلامه ويُصحح خطأه.

العلم ٣٩: العلم والتعامل القهري

الكثير من النقاشات والمقارانات مثل علاقة العلم بالقوة، والعلم بالدين، والعلم والفلسفة تُطرح من قبل أشخاص لا يعرفون طرفي القضية. يجب أولًا معرفة ماهية العلم والثروة، ثم تعريف الدين والحرية، وبعدها تُجرى المقارنة بينهم.

كما أن الجاهل والجاهل حين يُسأل عن أي سؤال يُجيب، وهذا دليل على الغباء، وكما أن إدارة بلد بيد أميين تؤدي إلى الركود، فكذلك هذه النقاشات تسودها حالة من الركود العلمي وليس الحماس العلمي. كثير ممن كتبوا في هذا المجال لم يجدوا الحقيقة في أي من هذه المقولات وتحدثوا بعين مغلقة، وإذا أقررنا بالنسبية، نقول: لكل إنسان فهم بحسب وسعه، وبعضهم اقترب من الحقيقة، وقليل هم من وصلوا إلى معرفة الحقيقة، وكثير منهم يغوصون في عمق الجهل ويتكلمون. هؤلاء جعلوا سوق الترجمة مزدهرًا لأن سوق البحث والتأليف والابتكار عند العلماء المحليين في ركود. ويجب أن نعلم أن التعامل مع هؤلاء الأشخاص بالعنف أو الإكراه خطأ وينتج عكس المراد. الثقافة يجب أن تُغسل بالثقافة والنقاش والمناظرة؛ لأن القاعدة الأخلاقية: «إن ابن آدم حريص على ما منع» تسري هنا أيضًا. الناس يشتد شغفهم لما يُمنعون منه. إذا وُضع شخص يدعي العلم والثقافة في السجن أو منع من العمل، فإن المجتمع يميل إليه أكثر، وإذا قدم أقوالًا مخالفة للتعاليم الدينية، فإن مثل هذه القيود تكون ضد الدين.

العلم ٤٠: العلم والثروة

العلم والثروة حقيقتان، وإذا تحرك أحدهما يُمكن بلوغ الآخر. إذا اعتبرنا الثروة هي امتلاك الموارد والممتلكات بما فيها المال والعقارات والزوجة والأولاد، فالعلوم، العقل، المعرفة والفن هي أيضًا من الثروات. جزء من ممتلكات كل إنسان هو علمه، معلوماته، وقوته.

إذا تحركنا من العلم واعتبرناه معلومات وحقائق العالم المعنوي، فهذه الحقائق والمعلومات هي أيضًا ثروة وممتلكات. كل علم هو ثروة، وكل ثروة مثل العلم هي من الموارد. والسبب في أننا لا نعتبر الثروة علماً هو أن الثروة منفصلة عن الإنسان، على عكس العلم الذي هو متحد بجوهره وحقيقته.

العلم ٤١: المستثمر؛ راعٍ للعلم

الشخص الذي يملك ثروة يعتمد على ثروته، وبما أنه يستطيع أن يستخدم العلم والعالم لخدمته، يفتخر بذلك. والعالم يقول: المستثمر يكون كما يشاء، لكن هذا العلم هو الذي يحرك ثروة المستثمر، لذا أنا أعلو عليه. العالم يفتخر بعلمه، كما يفخر كل شخص بحرفته.

أولئك الذين يحبون الدنيا كثيرًا يقدرون العلم ويدعمونه بثروتهم، لأن حبهم للعلم هو رغبتهم في السيطرة على العالم. الحقيقة أن الأرض ملك الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات، والسماء أيضًا له، ومن يساعد العلم ويستخدم الدنيا خيرًا يُعين ويُحسن، ومن لا يفعل أو يضر يُترك ليهلك.

الله تعالى عندما يريد أن يربي أحدًا، يضعه أولًا تحت الصفر وخط الفقر، وكلما ازداد خبرة ونضجًا زادت عليه الشدائد.

المصيبة الكبرى للعالم هي العيش بين جهلة لا يفهمون، وكلما حاولوا أن يفعلوا خيرًا يُساء فهمهم. في دول العالم الثالث، بعض الذين وصلوا لنصف النمو يصبحون مشهورين، ولكنهم يجهلون أن التعليم الحقيقي هو إصلاح العالم الثالث. لو اجتمع كل المفكرين، كان العالم الثالث سينمو بسرعة، لكنهم هاجروا للدراسة بالخارج فتعثر نموهم. الذين تحملوا المشقة وبقوا في وطنهم كانوا مفيدين. الغرب يعتمد على هؤلاء الذين نشأوا في الشدائد، فالعلم في الغرب قائم على جهود هؤلاء الذين جلبوا الراحة لهم. أينشتاين ونيوتن في الغرب، وملا صدرا وابن سينا في الشرق، عاشوا بصعوبات وقدموا العلم لنبقى مرتاحين.

العلم ٤٢: كتابة العلم أو قيء العقل

تساقط العلم يشبه قيء العقل، أي تلك المعاني التي تخرج من عقل الإنسان وتُكتب فقط على الورق. هذا التساقط إذا كان مدعومًا بالقلب، يترسخ في القلب، فقيء القلب وتدفق القلب هو الذي يخترق الأشياء ويستقر في الإنسان، وحينها يُحب الإنسان بلع ما كتبه مرة أخرى.

الكاتب يشبه مريضًا يعاني من الغثيان ويقئ، فالفرق بين قيء الطعام وقيء العلم على الورق هو فقط المكان. قيل لي مرة: لا تكتب بالقلم الرصاص لأنه يُمحى، فاكتب بالقلم الحبر كي يبقى، وكأنني أُطلب مني إفراغ قيئي في دلو. تألمت كثيرًا حينها، لأن كل ما يُكتب هو قيء العقل. من محدودي العقل يفرغون كل شيء على الورق، ثم يُغلفونه ويصنفونه، وتُحصر الأفكار في حدود لا يستطيع الإنسان تجاوزها، خلاف الحقائق الروحية والعلوم الربانية التي تولد نورًا كاملاً وصفاءً حقيقيًا.

العلم ٤٣: الدقة وليس كثرة القراءة

كنت أطلب بشغف كتاب الشفاء لأبي علي، وكان من الكتب النادرة ولا يُطبع آنذاك. انتظرت عشرة أشهر ودفعته عشرين ضعف سعره، لكنني رفضت قراءته قائلًا: لو قرأته أصبح مغفلًا، وإن دفعت الثمن يفقد عقلي قيمته، لهذا لم أشتريه.

بعض الناس يتعلمون العلم من الكتب فقط وليس من الحقائق الخارجية، يبحثون عن الاقتصاد في الكتب، في حين أن العلم موجود حولنا ويحتاج فقط للدقة، وليس للقراءة الكثيرة.

العلم ٤٤: دعم الأفكار

مساعدة اليتيم والفقراء والمحتاجين أمر جيد وقيم، لكن مساعدة الأفكار هي أعلى وأجل وأبقى، فهي عالمية وشاملة وأبدية، تبقى في جوهر الإنسان لا لفرد أو زمان محدود.

العلم ٤٥: صحيفة دائمة وأبدية

«اقرأ كتابك كفا بنفسك اليوم عليك حسيبا»؛ الإنسان ليس مالكًا دائمًا للكتب التي في مكتبته، لأنها مجرد ورق وحبر وترثها الأجيال. الكتاب الحقيقي هو ما يُكتب في القلب ويتحد مع الحقيقة.

العلم ٤٦: لحظة بلحظة، جديد دائمًا

عندما يرى الإنسان أستاذه، تلميذه، أو أدوات الكتابة، يظن أن كل شيء مكرر، لكنه يتجدد لحظة بلحظة، فكل لحظة تتضمن لحظات لا حصر لها مختلفة. الإنسان الذي يمر في طريق كل يوم، يمر فيه في اليوم الثاني وهو أكبر سنًا، وفي يوم جديد من الأسبوع، وقد يرى شخصًا اليوم لا يراه غدًا.

العلم ٤٧: حدود العلم وتداخل العلوم

العلوم كلٌ لها حدود واضحة، لكنها ليست منعزلة عن بعضها البعض. العلم محدود، ومن لم يصل إلى الكمال يظنه بلا حدود. قال الحكماء: «العلم نقطة كثره الجاهلون»؛ العلم نقطة فقط والجهلاء يوسعونها. النقطة في الرياضيات هي صفر، وهي شاملة، ومن خلالها يمكن صنع وكتابة كل شيء. مثلاً، «ألف» هي امتداد النقطة طولاً، و«باء» امتداد النقطة عرضًا، وتمتد النقاط عبر الطول والعرض والعمق لتكون سطحًا؛ إذًا العلم نقطة فقط، والجهلاء، أي من لم يصلوا لعمق العلم، يوسعونه.

العلم «48» المفاهيم الروحية والإدراك السطحي

هناك العديد من المفاهيم والكلمات التي تتداول على ألسنة الناس عامةً وتُستخدم في الكلام العادي، ولكن معاني هذه الكلمات لا تُدرَك حقاً لديهم، وتُستخدم دون تدبر وتأمل. عندما يظهر الحكم المبصر، ويتحقق الإدراك البصري الحاكم، تُتصوَّر المفاهيم جيداً وتُظهر آثارها. المال، البيت، والحياة من هذه المفاهيم. أما المفاهيم الروحية، فهي لدى عامة الناس مجرد مفاهيم سطحية لا أكثر. فالله تعالى يختلف عن البيت، والجنة تختلف عن الحقول والبساتين، والنار والجحيم تختلف عن ضربات اليد أو الجلد.

المفاهيم الروحية لا تتردد كثيراً في الذهن، لذلك لا تثير الإنسان، بخلاف الأمور المادية والدنيوية. نحن نتأثر بسهولة بالمظاهر المادية ونرتبط بها، ولكن لا نشعر بأي تأثر من ذكر الجنة أو النار. لدينا ذكريات عن الحليب والسكر، ولكن لا توجد لدينا ذكرى عن الجنة أو النار. كما أن البعوض يزعجنا، فإن النار لا تؤذينا. الأمور الروحية تُستقبل بشكل غامض، وحقيقتها لا تدركها العقول العادية. كثيرون يقولون “الله” ويدعون الإيمان بالله تعالى، ولكن ماهية هذا الله وما هو مستوى انتباههم له غير معلوم. ولهذا السبب، فإن الأمور الروحية تثير فينا تحفيزاً أقل، بينما الدوافع المادية تحركنا أكثر.

الله الخالق للوجود هو في الحقيقة أسمى وأجمل وأكمل من كل الظواهر، ولكن الوجود ومظاهر العالم الدنيوي تشغلنا وتبعد الله عن أذهاننا، مع أن الحق تعالى يجب أن يشغل الإنسان بحيث لا يتصور شيئاً غيره في ذهنه. بناءً على هذا، يمكن القول إن المفاهيم نوعان: بعضها يُدرك جيداً وملموس للإنسان، وبعضها الآخر غير ملموس، وهذا النقص في الإدراك يجعل الإنسان ينصرف إلى الطريق الخاطئ وينشغل بـ “لا شيء” ويبتعد عن نفسه.

الأشخاص الذين يدركون الأمور الروحية على الأقل بقدر الأمور المادية لا يمكن أن يكونوا من عامة الناس. فهم يُعتبرون من أولياء الله، ولا يكونون أبداً محبوسين في حياة مادية أو مظاهر دنياوية. هؤلاء لا يمكن أن ينشغلوا بأمور وهمية، لذلك يربطون قلوبهم بالله وحده. السبب الوحيد الذي يجعل الناس لا يدركون الأمور الروحية هو الجهل، وعدم العلم، ونقص التدريب العلمي والعملي في مختلف مراحل الحياة – من البيت إلى المدرسة وبيئة العمل والمجتمع – بحيث يكون تعليمهم الديني مجرد شكل ظاهري شعائري لا أكثر، وهذا لا ينبغي أن يعطي أكثر من هذا الناتج.

العلم «49» الجماهير والمخاطبون الخاصون

يمكن تقسيم الناس بشكل عام إلى ثلاث مجموعات:

الأولى: أهل الحق والحقيقة؛
الثانية: الذين يريدون الحقائق الموجودة ويرضون بها؛
الثالثة: الجهلاء.

الجهل بالرغم من عدم وجود كثير من طالبيه، إلا أنه واسع الانتشار وقد أحاط بتاريخ الإنسان. الذين يذكرهم التاريخ هم في الغالب من هذه الفئة الثالثة.

إذا تميزت هذه الثلاث مجموعات عن بعضها، يظهر وضوح مثلثهم وضرورته. أهل الحق هم الذين يسعون إلى الوصول إلى حقائق الوجود وموضوعاته، ولم يبخلوا بتضحيات حتى على أنفسهم في سبيل ذلك. هم في طلب الحقيقة.

أما المجموعة الثانية، فلا يملكون استعداد وفهم المجموعة الأولى، ولا يريدون بالضرورة الوصول إلى الحقيقة، ولكن يريدون أن يعرفوا ما لديهم جيداً. مثلاً، لا يهمهم ما يأكلون، بل فقط يهمهم معرفة ما يأكلون.

أما المجموعة الثالثة، فهم الجهلاء الذين يغترون بالكلام والمظاهر والخيال، ولا يملكون قوة التمييز والفهم.

كم هم قليلون أهل الحق من حيث العدد، أما من حيث الجودة، فكل منهم يشكل مجموعة بحد ذاته. والمجموعة الثانية قليلة، ونادراً ما يوجد من يتقبل الواقع بذاته وبالآخرين.

ولتوضيح ذلك، نأخذ مثالاً: لكل شخص من حوله زوجة أو أبناء أو أصدقاء أو جيران أو أقارب، ويتعلق بهم ويحسن الظن بهم، ويظن أنهم أفضل من روحه وجانبه، ولكن عندما يكتشف عيوبهم يبعد عنهم ويكرههم كأنهم أعداء أبديون، مع أن المحبوب لم يتغير، بل تغير تصور هذا الشخص له.

إذا قال القرآن: «أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، «وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ»، «وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ»، «أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»، «أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ»، «وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ» فهو على هذا الأساس. وإذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لَوْ تَكَاشَفْتُمْ مَا تَدَافَنْتُمْ» فهذا أيضاً على هذا الأساس.

مثل هذا الإنسان يعشق الجهل ويبتعد عن الحقيقة، ولا يرضى بالواقع ولا يتجه إلى الحق، ولا يتخلى عن الباطن. هو يصر على جهله ولا يحاول إصلاح النقص في الآخرين، بل يثير الفوضى خاصة إذا كانت القضية ظاهرة وبالاسم والصفة.

العلم (57): التشخيص البصري والشمّي

كثير من الذين يدّعون العلم ويعتبرون أنفسهم علماء، علمهم مجرد محفوظات لا تمتلك آثارًا وضعية واضحة. قد يحفظون موضوعًا بمئات الآيات والروايات ويستطيعون بيانه جيدًا، دون أن يخطوا خطوة في اتجاه تشخيص جوهر ما توصلوا إليه أو معرفة مصاديق كلامهم. يعرفون الكلام العام ويبرعون في التعبير عنه، لكنهم يجهلون التفاصيل والمصاديق الخارجية لذلك ولا يدركون ماهية العلم. يعلمون أن هناك آيات عن الظلم، لكنهم يغفلون عن تفاصيله الدقيقة، وغالبًا ما يكونون من ظالمي الناس أو أعوانهم. يتحدثون عن فضيلة الدين دون أن يكونوا قد فهموا روحه وحقيقته. يذكرون الكفر والرياء والزيف، بينما هم غارقون فيها. هؤلاء بسبب انحرافهم عن الفطرة لا يشعرون برائحة السوء ولا يفهمون عبير الخير، يدعمون بلا معيار أشخاصًا وأشياءً لا علاقة لهم بها، وينتقدون أمورًا هم أنفسهم مصاديقها.

العلم ليس مجرد معرفة، ولا القراءة والكتابة فقط، بل هو إدراك الحقائق والأمور الملموسة. العالم هو من يدرك لون ورائحة الخير من مصاديقه، ويفهم الشر من آثاره. هو من يميز بين الخير والشر، ويعرف آثار كل منهما بشكل ملموس، ولا يغرق في ألفاظ وكلمات فقط.

من يعتبر العلم كلمات وعبارات فقط، هو جاهل بلا حدود، ولا أمل في نجاته. من ينشغل فقط بالنقول، ويأتي بكل موضوع بآيات وروايات، من العار أن يطلق على نفسه عالمًا، فهم من أسوأ الجهلة، ويجرون الناس والمجتمع إلى الانحطاط والهلاك. من يعتقد أن العلم هو صرف ونحو وقراءة وتركيب وتحليل فقط، ويعتبر هذا العلم الصوري علمًا حقيقيًا، لا يدرك مدى سوء فهمه. هذه الأسس الصورية لا تكشف حقائق الأمور ومعاني التوحيد والوحدة والمعرفة، رغم أن تعلمها ضروري، لكنها ليست كافية. من يفتخر بهذه الأسس ويظن نفسه عالماً، إما ضال أو مجنون، لا يدرك ولا يعترف بجهله أو علمه الحقيقي.

صفاء القلب ونقاء روح المجتمع والثقافة، وتقدم الناس والمجتمع مرتبط بالعلم والمعرفة وفهم آثارها. المعرفة الحسية والإدراك الصحيح للأشياء والأمور هو ما يبني الفرد والمجتمع ويرتقي بهم، وليس الاقتصار على الكلمات والعبارات التي تسبب الجمود والتراجع وضيق الأفق.

القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين هم كيمياء وشريان الشريعة، ولكن الكيمياوي الحقيقي هو من يستطيع استيعابها، ولا يمكن لأي جاهل بامتياز أن يحرز طريقًا من حفظها فقط.

مقام الآيات والروايات هو القلب، قلب واسع كالبحر، مرتفع كالجبال، نقي كالغيوم، حتى تصل كلمات النور إلى الناس ويصفى قلوبهم. الآيات والأحاديث تتحدث، لكنها لا تفتح الطريق لكل الناس، ولا ترفع العزة والشرف إلا للقلوب النقية والأشخاص الزاهدين في الظلم والمزدانين بالنقاء، فتمنحهم السعة والدقة.

العلم (58): غربة علوم القرآن الكريم

أكبر سبب لغربة القرآن الكريم هو أن القرآن أصبح وسيلةً لأقوال وقصائد هذا وذاك، ولم يصبح مَنبع فكر وعمل للجميع. بدلاً من التفكر والتدبر في القرآن، بقي مجرد تلاوة فقط، وبدلاً من التعليم واكتساب المعرفة من الآيات الإلهية، اقتصر الأمر على التبليغ عنها. تبليغٌ لا يرتكز على الوعي والنمو، بل كان مجرد كلامٍ شاعري.

لو كان أهل العلم حقاً أهل علم، ولم يُحتسب كل جهلٍ على قدم المساواة، ولم يُستخدم القرآن وسيلةً للإطالة في الكلام، لكان حال المسلمين أفضل من ذلك، ولم يكن المسلمون اليوم من أكثر الشعوب تخلفاً، ولم يحتاجوا للدفاع عن دينهم بالعنف والتكفير.

العلم والمعرفة يتعديان الحكي العام، ولا ينبغي أن يُعتبر من يكرر الكلام العام عالماً، لأن العالم هو من يجعل قلبه معنيًا بفهم الحقائق والمعاني.

العلم (59): جهود الاستكبار لركود العلوم الروحية

عالم الاستعمار دائماً يدعم العلوم التي يمكن السيطرة عليها وتعود عليه بالنفع المادي، وينشرها، بينما يهاجم العلوم الروحية والغيبية، بل ويعمل على تدميرها بلا تردد.

قوة العلوم الغيبية والروحية تكون في أيدي الأشخاص الزاهدين، الذين لا يسلمون أنفسهم أو علومهم لأتباع الطغيان. وأتباع الباطل دائماً يسعون لهدم هذه العلوم بالطرق الدعائية والقوانين المجهولة والمال والقوة، وحققوا نجاحات كبيرة في هذا المجال.

علوم الأنبياء وأنواع المعرفة، مثل التفسير، علم الغيب، الأحلام، علوم الجفر والرمل، قراءة الكف والوجوه وغيرها، أُخمدت وأُعطلت بخدع كثيرة، وأصبح قليل من الناس قادرين على اجتياز مراحلها العليا، ومعظم الذين يلجأون إليها يبقون في مراحل الكلام والنقاشات والمبادئ الأولية.

الاستعمار حوّل العديد من الحقائق الروحية إلى خرافات وبُعدها عن التقدير العلمي، وأبعد أصحابها إلى العزلة، حتى أن محتوى هذه العلوم فقد اعتباره العلمي.

التقدم في العلوم الإنسانية والمادية والاقتصادية والاجتماعية والعلوم التجريبية اليوم يخدم مصالح أصحاب الدنيا، والمصالح الروحية تقل وتُعتبر من التبعات غير المرغوبة، حيث لا يهتم أهل الدنيا إلا بالمصالح المادية ودعم سلطتهم، وينظرون للاتجاهات الروحية بلا مبالاة أو كأعداء.

العلم (59) (تكملة):

الكثير منهم لا يؤمنون بهذه الحقائق الروحية، ويرون الخير في نطاق المادة والأمور المادية فقط، ويتحدثون عنها بعناد وأنانية، ولا يستطيعون أن يتجاوزوا المادة وأمور الاستغلال السطحي.

عندما وقعت الدنيا في يد هؤلاء غير الأكفاء وأصبح أتباع الشيطان هم الذين يديرون الأمور، بدأ الخير يتراجع، وضعفت المعاني الروحية والحقائق الربانية وصفات الكمال، وتضاءلت تدريجياً حتى غابت تقريبًا، في حين نمت الصفات الشيطانية والانحرافات الشيطانية بشكل كبير.

اليوم، إذا تم البحث بدقة في العالم البشري، يصعب العثور على عقائد سليمة وأشخاص صالحين وصفات إنسانية جيدة، بينما يمكن التعرف بسهولة على القبح والشر.

في العالم الحالي، بسبب ركود الروحانية، قلّت الصفاء والود والرحمة والمحبة والصدق، وصار من الصعب رؤية هذه الحقائق.

بسبب ركود الروحانية وتعطيل السلوك الروحي والحقائق الربانية، تراجعت هذه الأمور في القيمة والاستقبال، وأصبح القليل فقط يسعى لاكتساب هذه الحقائق.

عندما تختفي الروحانية والمعرفة من المجتمع وتتعطل العلوم الغيبية، تقل صفات الكمال بين الناس، وتستبدل بدوافع سطحية وشهوات مادية، وهذا أدى إلى أن حتى بين أهل الدين قلّ الحماس للكمال والصفاء والمحبة، وأصبح الدين والقرآن والمعتقدات تأخذ طابع الدنيا، ويكتفي الناس بمظاهر الدين. الصلاة كثيرة لكنها بلا عروج، والصوم موجود لكنه بلا صحة، والقيام قائم لكن بلا إقامة، والجهاد موجود لكنه بلا إخلاص، فكل المفاهيم والأسس والمبادئ الروحية والمعرفية تتلخص في ظاهرها فقط.

وهذا من جرائم أعداء الحق وأتباع الشيطان وأصحاب الدنيا الذين يعادون الكمال والروحانية والباطنية والعقلانية، ويستثمرون في إضعافها، وجعلوا الدنيا والناس في هذا الوضع.

إذا ما نُوقش العلم في المجتمع، لا يظهر نور، وإذا ذُكر التصوف، لا تُرى رؤى، وإذا قُرئ القرآن، لا تُحل المشاكل، وكل ذلك لأن الحقيقة فُقدت من كل هذه الصور، والروح ابتعدت عن هذه الحقائق الروحية.

الجميع يتحدث عن الله، لكنهم لا يرون الله، ويقولون عن العدل والصدق والاستقامة، لكن آثار هذه القيم لا تظهر منهم، وذلك لأن أتباع الباطل جعلوا المياه عكرة، وأفسدوا الحق، وأوقعوا أهل الحق في الظلام ليتمكنوا من صيد سمك الفساد والدمار.

إلا إذا ظهر يد الحق من الغيب، وأنهى كل هذا الضلال والانحراف، وحكم الطهارة والحق على المجتمع والناس، وجعل أهل الباطل يركعون، فذلك اليوم ليس ببعيد، رغم أن القليل فقط من الناس يعلقون الأمل الحقيقي على ذلك.

نسأل الله أن نكون في هذا الطريق، وأن نجد هذا الأمل، وأن نرى هذا اليوم في أنفسنا.

العلم (60) العلم الفني

العلم الاصطلاحي وما يُقصد به في فكر أهل العلم والعمل لا يشابه العلم الحقيقي بأي شكل، بل هو أقرب إلى الفن والحرفة.

العلم الصوري يجلب الكبر والغرور، أما العلم الحقيقي فيجعل الإنسان متواضعاً، صافياً ونقي القلب.

هناك فرق كبير بين العلم والصورة الظاهرية للعلم، وكذلك بين العلم الحقيقي والعلم الصوري في جوانب متعددة. العلم الحقيقي ينفخ الروح، أما العلم الصوري فيثقل النفس ويجعل الروح أسيرة الأرض.

العلم الاصطلاحي هو مجرد شكل من أشكال العلم، ولا يلعب دوراً في الإرادة والمنشأ الباطني والتركيب الروحي للإنسان.

المفسر العلمي للقرآن الكريم، أو العالم بالأصول أو الفلسفة، أو الفقيه والمجتهد والمفتي، لا يكتسب تحولاً ذاتياً من خلال هذه العلوم الصورية. هذه العلوم في يدهم تصبح مجرد أدوات وآلات قيمة ذات فاعلية كبيرة في ما يتعلق بالصفات الباطنية للأشخاص، لكنها لا تُحدث تحوّلًا داخلياً.

المفسر، الفقيه، الفيلسوف أو الأصولي يمتلك نفس السلوك والأخلاق التي كان يمتلكها حتى لو لم يكن لديه هذه العلوم الصورية، أي خصائصه، مواقفه، طباعه الباطنية والخفية، التي ورثها عن أجداده أو أخلاق عائلته ومنطقته، وهذه العلوم الصورية لا تستطيع تغيير ذلك أو إحداث تحول فيه.

الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية، روحية، فردية، اجتماعية، عائلية أو قومية، لا يتوقعوا أن تعالجهم العلوم الصورية والظاهرية، أو تأخذ بأيديهم وتخلصهم من هذه النواقص. هذه العلوم يمكنها فقط تعزيز فهمهم وزيادة قدرتهم على استخدام قواهم، وليس أكثر من ذلك.

الأشخاص الذين يسعون وراء العلوم الظاهرية يجدون بعد مرحلة طويلة من الدراسة والاكتساب، أنهم يعودون إلى نقطة البداية، ويجدون أن المشاكل نفسها، والنواقص نفسها، والصراعات الباطنية نفسها لم تتغير.

إن التعلّم الحقيقي يتطلب تحوّلًا داخليًا عميقًا، لا يقتصر على الحفظ أو التكرار أو حتى التفسير السطحي للنصوص، بل هو فهمُ جوهر الحقائق والربطُ بين المعاني الظاهرة والباطنة، وما وراء الكلمات من روحٍ ومعانٍ.

العلم الحقيقي هو ذلك الذي يغير القلب، ويرتقي بالروح، وينير الفكر، ويجعل صاحبه يسعى نحو الكمال والتزكية، لا أن يبقى حبيسًا للمظاهر والقشور.

فمن يتعلّم العلم لمجرد تكوين الحصيلة اللغوية أو القواعد النحوية أو صياغات الكلمات، لا يكون عالمًا بالمعنى الحقيقي، وإن كثرت محفوظاته وازداد تعلّمه.

العالم الحقيقي هو من يعين المعرفة على التغيير النفسي والروحي، ويصل بها إلى التطبيق العملي، ويجعلها منبعًا للسلوك القويم والخلق الحسن.

أما من بقي علمه نظريًا مجردًا، فإنه يبقى أسيرًا للألفاظ والعبارات، لا يغوص في معانيها ولا يربطها بحياته ومجتمعه، ولا يخلق منها فعلًا صالحًا.

هذا هو الفرق بين العلم الحقيقي والعلم الصوري أو الفن، حيث الأول يهدي إلى نورٍ وهدى، والثاني يُثقل النفس ويزيد من الظلمة والبعد عن الحقيقة.

النفع الذي يمكن أن تحققه العلوم الصورية للآخرين لا يعود بالنفع ذاته على أصحابها؛ لأنّ أصحاب الأصول والميادين قادرون أكثر على الاستفادة منها من أصحابها الحقيقيين. في الواقع، هذه العلوم الصورية ليست إلا فنونًا وأدوات لها سوق خاص، ويجب أن تُدرج في خانة «المهنة» و«الحرفة» ولا يجوز أن يُطلق عليها اسم العلم.

هذه الفنون ليست إلا أدوات وآلات، حيث بدلًا من استخدام الفأس والمنشار والمِلْعقة، يجب استعمال مثل هذه الأدوات للحصول على نتائج محددة، ولا يمكن توقع أكثر من ذلك من أجل الكسب المادي والسمعة فقط؛ لأنها لا تصنع الإنسان، ولا تُثمر الآخرة الروحية، ولا تجلب بصيرة. وما يمكن اعتباره نفعًا معنويًا لمن يملك هذه العلوم هو مقدار نقاء القلب وصفاء النفس لديهم، فكلٌّ ينال قدر ما يتمتّع به من طهارة باطنية، أما الاستخدامات الأخرى لهذه العلوم فهي نفعات صورية ومادية دنيوية فحسب.

العلم جامع العلوم العقلية والنقلية

العلوم الإنسانية والمعارف البشرية دائمًا ما تتجدد، وتلحق بها صفة «كل يوم هو في شأن»؛ فهي ليست محصورة في معارف الأمس أو ما هو موجود اليوم فقط. أن يدّعي الإنسان أنه جامع لكل العلوم والفنون، رغم ما قد كان ذلك مرغوبًا في زمنٍ سابق، إلا أنه اليوم دليل على محدودية ذلك الإنسان وبساطة معرفاته. فقد تعمقت العلوم الإنسانية وتخصّصت، وتفرعت المجالات العامة إلى فروع كثيرة تتجزأ بسرعة متزايدة، وقد لا تتطابق مسيرة العلوم مع مصير العلوم، حيث يكتشف البشر يوميًا حقائق جديدة في علوم كانت مجهولة أو منكرة سابقًا.

الأهمّ هو اكتشاف المجهولات الإنسانية وفهم حقائق الوجود؛ سواء عرفها فرد كامل أو غير عادي كالأنبياء والأولياء المعصومين عليهم السلام، أو تعقبها فريق أو فرد آخر مع تحقيق تجديدات كثيرة. وما هو واضح أن معارف الإنسان ليست ثابتة ولا محصورة في المعارف الحالية.

يجب الانتباه إلى وجود قوانين وحقائق ثابتة في الفكر البشري، لا يتم استرجاعها إلا عبر تطور الإدراك، وليس صحيحًا أن تتداعى كل الأفكار يومًا بعد يوم، أو تظهر أفكار معارضة لها. نمو الإنسان وكماله لا يقوم على هذا.

وإنما تفريق القوانين والأحكام الثابتة عن الأحكام المتغيرة أو العارضة أمر في غاية الأهمية، ويجب على العلماء بذل الجهد الكامل في هذا المجال لتجنب الخلط والتداخل.

الفرازمانية في العلم والعالم

العلم، والمعرفة، والكمال هي حقائق أبدية تتجاوز حدود الزمان والمكان. صحيح أن العلم والعالم قد يحققان منافع دنيوية كثيرة، ويُستخدمان في الحياة الدنيا، لكن هذا لا يعني أن العلم والعالم محصوران في الحياة الدنيوية فقط. وإن لم يستطع العالم أن يجد موقعًا اجتماعيًا في الدنيا، فهذا لا يعني أنه لم يكتسب شيئًا أو فقد رأس مال.

ليس على العالم أن يبني نفسه من أجل الناس والمجتمع، أو ليخدم الدنيا، لأن للعلم ثمرات وآثار أخروية عظيمة، والعالم يبقى عالمًا في العوالم الأخرى، حيث سوق العلم والمعرفة أشد حرارة من هذه الدنيا.

يجب على العالم أن يهيئ نفسه للقاء المعبود، لا للدنيا، أو للناس، أو للمحراب والمنبر. وكل هذه النتائج إن لم تكن موجهة للآخرة، فهي سوق دنيوية فاسدة.

ثمار العلم الدنيوية أو الدعوية هي آثار جانبية عرضية، أما الثمرة الحقيقية فهي البقاء، والاستمرارية، والصفاء، والظهور أمام وجه الله تعالى.

من يبني نفسه من أجل الناس فهو للناس، ومن يملأ ذهنه بتعابير الدنيا فهو قد جمع مؤن أهل الدنيا في مخزنه، وأعمال الناس قد اختبرت هذا في الخارج.

ليس صحيحًا أن العلم لا يثمر في الدنيا، لكنه أيضًا ليس مقصورًا عليها إلا العلم الذي يُخصص للدنيا فقط ولا يتوجه نحو الآخرة.

التوحيد، والعرفان، والعلم الديني، والمعرفة هي التي تفوق في نفعها الآخروي نفعها الدنيوي.

يجب على العالم أن يعد نفسه للزيارة الإلهية، وللحضور في البرزخ والظهور في القبر والقيامة، وأن يوفر ما يلزم لتلك العوالم، لا أن يملأ ذهنه بمجموعة من الأقوال، والمصطلحات، والقواعد التي تذهب كلّها مع التراب بعد الموت.

العالم الحقيقي لا يشكو من الوحدة أبدًا، ولا يسعى إلى حضور الناس أو حضور الناس عنده، إلا إذا كانت الواجبات تقتضي ذلك.

ما هو حقيقي في وجود العالم يحتفظ بفعاليته في الآخرة، وما عدا ذلك هو مجرد بضائع السوق الدنيوية التي لا فائدة منها ولا مشترين في الآخرة.

خصائص العلماء الشيعة

يمكن معرفة العلماء الشيعة بخصائص وصفات مختصرة منها:

  • فضلاً عن العلم، التقوى، وشعار الشيعة الذي هو الهدف الأساس لهم، كقراءة الأدعية، والزيارات كزيارة عاشوراء، ودعاء كميل، واستخدام مهر التراب، واحترام السادات، والأعمال النافلة، وإظهار حب شديد للأئمة المعصومين عليهم السلام، وإظهار بغض شديد لأعدائهم.**

من يستخفّ بهذه الأمور يكون كافرًا بنعمة الله، وسيُلقى عواقب وخيمة. البُعد عن مجالس العزاء والروضة والبكاء والنّداء على الأئمة، خصوصًا الإمام الحسين عليه السلام، له آثار سيئة في حياة الناس وذريتهم.

من لا يلتفت لهذه الأمور لا يلتفت إلى مبدأه ومذهبه، وربما لا يكون له مذهب أصلاً.

كل الحب في الله والبغض في الله هو أن نظهر شعائرنا ونحييها في زمن الغيبة، بجانب كل الواجبات العلمية والعملية والفردية والاجتماعية.

ما يبقى لنا ويعوّل عليه هو هذه الشعائر التي تحافظ على روحنا.

صعوبة عمل العلماء كالمشي على شفرة السيف

عمل العالم، إذا كان عالماً مؤمنًا حقًا، أصعب بكثير من الناس العاديين، وكلما زادت قيمته ورفعة مكانته، كان عليه بذل جهد أكبر، كالمشي على الجبل أو السباحة في قاع البحر مقارنة بالمشي في الشارع المعبّد.

الشخص العادي ربحه وخسارته محدودة، والعالم قد تكون خسارته وربحه واسعة النطاق للآخرين ولنفسه أيضًا.

فالأخطاء والمعاصي التي يرتكبها العادي محدودة التأثير ولا تلطّخ كيانه بالنجاسة الروحية، بينما قد يغرق العالم في النجاسة والضلال بفكر مختل حتى وإن كان ظاهرًا متديّنًا.

القتل والنهب من أقبح الذنوب لكن لا تنتج نجاسة كفر، في حين يمكن أن يظلّ أحدهم طوال عمره في الصلاة والطاعة، ويظهر كمسلم، لكنه في باطنه قد يكون في طريق الهلاك بسبب الرياء والرياء.

الذهن والقلب لدى الإنسان دقيقان، والأعمال الحسنة والسيئة تتأثر بهما، ولو تحركت القوى الداخلية بسرعة تفوق الضوء، لكان ممكنًا أن يسقط الإنسان في لحظة، لكن الأعمال الظاهرة تتطلب وقتًا.

من يتمتع بقوى داخلية نشطة ينبغي أن يتحلى بالمراقبة الذاتية أكثر.

الغرفة الفكرية للمجتمع

أهم ركن في المجتمع هم وجوه العلماء المشرقة، فهم العقول المفكرة ومحركات الأفكار العامة.

العلماء كالفضاء الأخضر الذي لا يمكن الاستنشاق الصحي بدونه.

يتمتع العلماء بمسؤوليات جسيمة، ويجب أن يقدموا نتائج واضحة عن عملهم في أوقات محددة، وأن يكونوا روادًا في مواجهة المشاكل الاجتماعية، ويجب أن يتجنبوا التماهي مع العامة.

يجب على الجميع، من شعب وحكومة، احترام أفكار العلماء، واعتبار رفضها تمردًا.

ينبغي أن يحافظ العلماء على نقاء حياتهم العلمية من الجهل والخيانة والتزييف، وأن يتصدّوا لإعادة بناء المجتمع.

يجب أن يبتعد العلماء عن التزييف العلمي والديني، وأن يهيئوا بيئة علمية ودينية واضحة في المجتمع.

الجدارة والتطهير المستمر للمجتمع العلمي

يجب أن تخضع المجموعات العلمية في البلاد للتطهير المستمر، ولا يجب حرمان أحد من القدرة العلمية، ويجب أن تستمر عملية النمو والتطور.

لا يجوز للأشخاص غير الأكفاء أن يتبوؤا مناصب علمية، خاصة في الحوزات العلمية، حيث يكون الخطر أكبر.

يجب الفصل بين الحوزات البحثية وبين المراكز غير البحثية كالدعوة والمنبر.

يجب أن يكون واضحًا مستوى الأفراد العلمي ورتبهم حتى لا يحصل فوضى أو تضليل.

السلطة العلمية يجب أن تقوم على العلم لا على المناصب أو النفوذ السياسي.

تنوع الرؤى وتماسك العلماء

لا ينبغي أن يؤدي اختلاف آراء العلماء إلى التفرق، بل من الضروري عقد اجتماعات دورية لتنسيق الاحتياجات والنتائج الحديثة، دون أن تكون شعاراتية أو سياسية.

يجب أن تجرى هذه اللقاءات بين كبار العلماء، وأن يتم توثيق نتائج البحث بشكل واضح ومنسق.

تجديد العلوم الشرعية يجب أن يكون بناءً على إثبات التحديث والتمايز عن آراء السابقين.

لا تقبل الادعاءات بلا دليل مهما كان مصدرها.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V