دائرة الوجود
كيف يصل الإنسان إلى التفاهم الموعود؟
السيرة الذاتية:
المؤلف: ، 1327 هـ.ش
العنوان: دائرة الوجود /
مكان النشر: إسلام شهر: ، 1393 هـ.ش
عدد الصفحات: 72 ص.؛ 19 × 9.5 سم
رقم الكتاب الدولي (شابك): 978-600-7347-65-2
تاريخ الإصدار: الطبعة الثانية.
موضوع: الإسلام – موضوعات متنوعة
تصنيف: BP11 / ن 8 د 2 1393
رقم الكتاب في الفهرس الوطني: 3674288
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
لقد تسببت محدودية الفكر والبساطة في تفكير البشر عبر التاريخ في الكثير من الأضرار.
لكن، كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من السذاجة ويمارس التفكر العميق؟ كيف يمكن له أن يصل إلى التفاهم الموعود؟ اليوم الذي تنتهي فيه الحروب والنزاعات، وتحول الجهل الذي يعصف بعقل الإنسان إلى معرفة، وتجد الفكر والثقافات البشرية نظامها العلمي.
يتناول المقال الأول من الكتاب هذه الأسئلة بالإجابة عليها.
أما المقال الثاني فيجيب على هذه الأسئلة بطريقة تحليلية، ويرى أن البساطة والسذاجة، والثقافات التقليدية والعلم والدين البشري، هي الأسباب التي تساهم في فوضى الإنسان. وهي أمور تجعل الإنسان يعبد العجل، ويحرف عن إله موسى.
ما هي العلاقة بين الدنيا والآخرة؟ كيف يمكن أن يحصل الإنسان على معرفة بالآخرة؟ هذه الأسئلة يعالجها المقال الثالث.
مقال “الإنسان المختلف” يتناول كيفية نشوء الفلسفات والمدارس الفكرية المختلفة، ويبحث في حقيقة كمال الإنسان. يوضح ما هو الكمال وكيفية الوصول إليه، ويستعرض مراتب الكمال ويذكر بعض خصائص أولياء الله.
المقال الصوفي “الحقيقتان الخالدتان” يتحدث عن ظهور الكائنات وسبل وصولها إلى الحق سبحانه وتعالى، موضحًا أن السالك الكامل هو من يدرك الحقيقة ويصل إلى غاية نفسه، ويتذوق التوحيد ويقطع عن نفسه من كل غير.
المقالان الأخيران يتناولان موضوعات علم النفس وتربية الأطفال، مقدماً إرشادات للأمهات والمربين.
في الواقع، الميزة المشتركة بين جميع هذه الكتابات هو أنه يتناول رحلة الإنسان من النزول والصعود في دائرة الوجود.
الحمد لله
التفاهم الموعود
إن ما جلب الخراب إلى العالم منذ البداية، وأدى بالإنسان إلى الفساد والبطالة، هو قصر النظر والسذاجة في التفكير البشري. إن حسن الظن وسرعة قبول الأقوال كانت ولا تزال العامل الرئيسي لهزيمة البشر عبر التاريخ. إذا لم يتمكن الإنسان بعد قرون من الزمن من تحديد مصيره، ومن السير على الطريق الصحيح، فذلك لأن هذه العوامل كانت دائمًا هي العائق الأكبر أمامه.
كل يوم ينقسم الناس إلى عدة طوائف، وكل طائفة تحصل على نصيبها من التحول سواء كان قليلًا أو كثيرًا، جيدًا أو سيئًا، طويلًا أو قصيرًا. الإنسان في كل يوم يواجه العواصف والفيضانات، والخراب الذي يحيط به.
هذه القضايا هي من أعماق الفكر والنظر في طريق الإنسان، وينبغي على المفكرين أن يولوا اهتمامًا كبيرًا لها. يجب أن يكون هذا الموضوع موضع تفكير عميق من قبل كل من يسعى في هذا الطريق، لأن كل جماعة تعتبر نفسها على الحق، وتحتفظ بالعلم والتفكير، بينما قد تكون في الحقيقة بعيدة عن الطريق الصحيح.
يتضح من كل هذا أن الإنسان غارق في حسن الظن والتفكير السطحي. سيكون من الأفضل أن يتخلى الجميع عن هذا الفكر الضيق، وأن يتعاملوا مع أنفسهم بحذر. يجب ألا يعتبروا كلامهم أو أفعالهم غير قابلة للخطأ. على الإنسان أن يتحلى بالصبر، وأن يعترف بأخطائه ويتعلم من الآخرين.
إذا حدث ذلك، فماذا سيحدث؟ إذا تغير الإنسان، فإنه لن يصبح ضحية الجهل، ولن يضيع دمه هدرًا، ولن تتحول الدنيا إلى ساحة للقتل والخراب. ستنتهي الحروب، وسيختفي الفقر والجهل. إذا أصبح الإنسان “آدم” حقيقيًا، فإنه سيحقق التفاهم الموعود.
البشر عبر التاریخ المظلم لم یصل بعد إلی مرحلة النضج التام.
لقد اعتقد كل شخص أن نفسه هي المعيار الوحيد لجميع الأعمال، واتباع فكر معين دفعه للذهاب مسرعًا نحو اليقين المطلق، دون أن يرى غيره في هذا الطريق، وعبر خطواته الصغيرة قام بتدمير كل شيء حوله، حتى لم يعد هناك من يتعارض مع قطعته ويقينه.
هذا اليقين، الذي يُسمى علمًا أو ثقافة، كان السبب وراء هذا اليوم المظلم للبشرية. لو لم تكن هذه الأمور موجودة، لما كان البشر قد وصلوا إلى هذه الظلمة، ولو أن التفاهم كان هو المعيار، لكان اليوم يومًا مختلفًا، ولأدرك الإنسان أن العديد مما توصل إليه اليوم هو أمر حيواني. كان عليه أن يقول لنفسه: “يا للعجب! كانوا يعتقدون أن الإنسان حكيم وبصير ومُلهم، وكانوا غافلين عن أن هذه القصص ستظهر فقط في يوم التفاهم، لا في يومٍ يكتنفه الظلام، حيث يعم الفكر البشري”.
إذا جاء اليوم -وهو قادم حتماً- واكتشف الإنسان نفسه في عالم التفاهم، فإن ذلك اليوم سيكون جديرًا بأن يُحتفى به، لأن الإنسان سيكون قد عبد ربه وسيدرك معني إنسانيته وقدرته على الإبداع.
يجب أن يكون واضحًا أن عالم التفاهم ليس مطلقًا، ولا ينبغي للإنسان أن ينام في انتظار هذا الكمال، بل يجب أن يراه في المستقبل ويسعى لتحقيقه بشكل نسبي. إذا تأمل كل شخص في ذاته وفكر في العالم الذي ينتمي إليه، فإن عليه أن يسعى لتحقيق هذا التفاهم تدريجياً، مبتعدًا عن مستنقع الجهل ومتجهًا نحو الفهم الحقيقي، ليطمح إلى زيادة هذا التفاهم والسعي للوعي الشامل، مدركًا ضرورة الاعتراف بكل فكرة قبل أن يصدقها، وألا يدمر الحقائق المحيطة به.
البشر لا مفر لهم من الاستعداد لهذا اليوم والعمل لتحقيقه.
هذا هو الطريق الوحيد للخلاص، وهو طريق النجاة الوحيد، وهو اليوم المنتظر؛ اليوم الذي سيجد فيه الإنسان نفسه في كنف العصمة، وسيشعر بأنه جدير بالانضمام إلى مجتمعٍ رفيع. فطوبى للمؤمنين السعداء الذين يصلون إلى هذا اليوم ويشرفون بحضورهم فيه.
السبيل إلى الخلاص
إن حياة الإنسان ووجوده في هذا العالم مُعدّان لتحقيق الخلاص والسعادة والحق. لقد وُضع الإنسان في مقصدٍ نهائي عميق وصحيح، وعندما يتحقق الخلاص الشخصي له، يكون ذلك مفيدًا لسلامة العالم وكل المخلوقات فيه.
على الرغم من أن الإنسان لم يجد هذا الوضع طوال تاريخ حياته، وبالرغم من الجهود العظيمة التي بذلها الأنبياء العظام وأولياء الله الصالحون، والفلاسفة والمفكرون النبلاء في هذا السبيل، فإنه لم يتمكن من إدراك دوره الحقيقي.
العوامل الأساسية التي أدت إلى هذه الحالة هي ثلاث:
الأول – البساطة والتبسيط والجهل لدى عوام الناس؛
الثاني – الأفكار غير المؤصلة، والتكرار الأجوف للمفاهيم الثقافية والدينية التي تروج لها بعض العقول غير المتوازنة باسم العلم والدين والمذهب؛
الثالث – الاستبداد والاستعباد من قبل الحكام المتسلطين، الذين فرضوا سلطتهم عبر القوة والقتل والظلم.
كل واحد من هذه العوامل له دور رئيسي في بؤس البشرية، وسنذكر بإيجاز كل منها، ثم نعرض الموقف الحقيقي للإنسان في عالمنا المعاصر.
التخبط الفكري
الكثير من التصورات التي ظهرت عبر تاريخ الإنسان كانت في الأساس مجرد أفكار بسيطة ونزعات قلقة واضطرابات نفسية، اعتبرها الناس علمًا وثقافة أو تقاليد محترمة.
هذه الأفكار التي لم تُصقل، لم تكن سوى اضطرابات فكرية ونفسية أدت إلى انحرافات عملية في سلوكيات الناس والمجتمعات. حتى يومنا هذا، لا يزال الفكر البشري مُعانيًا من هذه التكرارات الخالية من العمق تحت مسميات العلم والدين والمذهب والعقيدة.
عالم الكتاب والعلوم
عندما ننظر إلى أرجاء العالم المعاصر، نجد العديد من المكتبات والكتب التي يتم تصنيفها تحت أسماء الفكر والعلم دون النظر إلى صحة أو خطأ أو تأثير تلك الأفكار. وإذا سُئلنا عن ثمار هذا الكم الهائل من الكتب والفكر والثقافة -أو ما يُسمى بالعِلم- للإنسان في الماضي والحاضر، سنجد أن الناتج كان متناقضًا.
يمكننا تلخيص الفوائد التي جناها البشر من هذا الفكر في أمرين:
الأول – التقدم المدني والنمو الاقتصادي والصناعي للبشر؛
الثاني – القبح، والجريمة، والحروب، والقتل الحديث.
على الرغم من أن التقدم الاقتصادي والصناعي كان يُعتبر ثمرة هذا الفكر، إلا أن هذه المنافع لم تشمل جميع البشر، بل اقتصرت على بعض مناطق العالم، بينما كان لها آثار سلبية على الفئات الفقيرة والمحرومة.
اللغة المحرومين
هل يجوز للفقراء والمحرومين في المجتمع أن يقولوا إن هذه الفظائع، والجرائم، والمصائب، التي يعانون منها، هي نتيجة لعقولكم العلمية وفكركم؟ هل ما يُسمى بالعلم والفكر والبحث هو السبب في هذه الفوضى التي يعيشون فيها؟
هل آن الأوان ليتخلص المفكرون والعلماء من أحمالهم الفكرية والبحثية ويعترفوا بأن أفكارهم قد أضرت بالبشر؟
الطغاة وأمراء الحرب
العامل الثاني من عوامل انعدام الاستقرار في البشرية هو القسوة والطغيان من الحكام الجائرين. طوال تاريخ الإنسان، كانت هناك عصابات من الطغاة والقتلة الذين حكموا باسم الملك والسلطان، فاستمروا في تدمير الحياة البشرية باستخدام السيف والمال والتزوير.
لا يمكن أن يُنسى التاريخ الذي سطره هؤلاء الطغاة الذين مارسوا القمع والظلم في جميع أرجاء العالم، مستفيدين من “المال”، و”القوة”، و”الخداع”.
الخاتمة
التاريخ البشري مليء بمآسي معقدة، لكن التفاهم الحقيقي بين البشر والبحث الجاد عن السلام والتقدم الإنساني يبقى الأمل الوحيد للإنسانية.
من أنَّهم تركوا ألقابًا و عناوين مزخرفة و بنايات خالدة، و كتبوا نقوشًا على جدران العالم، وأخفوا إخفاقات البشر، متجاهلين الجبال والمنارات التي شيَّدوها من رؤوس الناس واعتبروها لا شيء.
هؤلاء الطغاة الجبناء والسلاطين المتوحشين، استتروا وراء أقنعة الفكر والأيديولوجيات والأديان والمذاهب، واستفادوا من ألقاب موسى والمسيحية والإسلام والدين والعلم والعقيدة وحب الوطن والمطالبة بالحقوق، ليظهروا أنفسهم ويصبوا سمومهم في المجتمع البشري.
عبدوا البقر وجعلوا فرعون إلهًا، ورفعوا القرآن على الرماح، وأشاعوا الفساد والظلم عبر العصور في ظل الخلفاء الأمويين والعباسيين والسلاطين، ليجلبوا الخطر والدمار على الإنسان.
إذا جاء يومٌ يُحاسَب فيه العالم على جرائم هؤلاء الطغاة، فسيُكشف حجم المآسي التي تسبَّبوا فيها، لكن من المستحيل أن يأتي ذلك اليوم في الدنيا، فهو يومٌ من أيام الآخرة، وليس من أيام هذه الدنيا.
إن غياب المحاسبة والتجاهل لما حدث في الماضي أدى إلى استمرار ظهور هؤلاء الطغاة في مختلف أنحاء العالم، يستمرون في تدمير الإنسان وبناء تماثيل وألقاب تخدم مصالحهم.
الأساس الثالث وعدمه الأساس في الذهن البشري
ينبغي اعتبار الأصلين السابقين بمثابة الأصل الفاعلي والعنوان الفعلي لتدمير عصر الإنسان، بينما يُعدّ الأصل الثالث، العنوان القابلي، وهو قبول الإنسان لكل هذه الفوضى والخراب.
لقد كان الإنسان هو من قبل كل هذه الفجائع والقبحات والفوضى، بسبب الجهل والغباء والخوف والحذر، وكأنه كان ميتًا في يد مغسّل الموتى.
لو لم تكن حركة الأنبياء عليهم السلام وأحرار العالم من المحاربين المؤمنين، لما كان للإنسان اليوم أي وجود، ولأصبح الطغاة يمارسون السلطة على الناس بكل قسوة، يجعلونهم في قيود وسلاسل، ويجبرونهم على العمل منحنيين على أربع، دون أن يبقى في داخلهم أي روح.
هذا الإنسان هو من تقبل كل هذه السلطة والاستبداد، وكان الذراع القوي لتحقيقها.
إن هذا الإنسان هو الذي جعل العجل إلهًا، وقبل فرعون باسم الإله. هذا الإنسان هو من زين وابقى على هذه الثروات والسلطة والاحتيال، وهو من كان مادة لكل هذه الانحرافات والجرأة في الأسس الأولى والثانية للمجتمع العالمي والعالم المعاصر.
كان هذا الإنسان هو الذي رفض موسى عليه السلام كنبي، وقبل العجل كإله، وأشعل النار في إبراهيم عليه السلام وأطاع نمرود، وأقام آلاف الآلهة الهندية والمصرية والأهرام المصرية وغير المصرية.
كان هذا الإنسان هو من وقف في وجه الأنبياء الإلهيين، وسخر منهم، وأزال أساسه من مكانه.
من صنع العجل؟ هل هو السامري أم الإنسان؟ من صنع العجل في صورة إله؟ هل هو السامري أم الإنسان؟
من هم الذين عبدوا فرعون؟ هل هو فرعون أم الإنسان؟ من هو الذي أعد النار وألقى إبراهيم عليه السلام فيها؟ هل هو نمرود أم الإنسان؟
من هو الذي رفع القرآن على الرماح؟ من هو الذي أقعد الإمام علي عليه السلام في بيته؟ من هو الذي أتى بالخلفاء الجائرين؟ من هو الذي جعل هؤلاء السلاطين من الرجال والنساء، الصغار والكبار، يصلون إلى السلطة، ويمنحهم القوة لتدمير نسلهم؟
إن السبب وراء كل هذه الفواجع والجرائم من هؤلاء المنحرفين الكذابين يمكن أن يُنسب إلى الإنسان وأجداده، الذين بسبب ضعفهم وجهلهم وعدم قدرتهم على التفكير والتمييز، صنعوا لأنفسهم هذه المحن الدائمة والجذرية.
نداء مؤلم ومؤثر
هنا يجب أن نوجه نداءً مؤثرًا ومؤلمًا إلى الإنسان في يومنا هذا، وإلى جميع وارثي الأفكار السلبية والطغاة المهيمنين، نقول لهم: أليس كافيًا؟!
أليس كافيًا لتدمير الإنسان، وفضيحة البشرية، والمشاكل التي يعاني منها الإنسان؟ أليس كافيًا للجهل والضعف، والخوف والجبن، والنهب والغدر، والخيانة والظلم، وفقر النوع البشري؟
ألم يحن الوقت ليعود الإنسان إلى نفسه، ويتخلى عن كل انحرافات النية والفكر والعمل، ويأخذ الطريق الصحيح ما دام الوقت ما زال متاحًا؟ ألا ينبغي أن يرفع علم الأنبياء الكرام والأولياء المعصومين عليهم السلام، ويضعه على عاتقه، ويسلك طريق الطهارة والعصمة والولاية، ويسعى لتحقيق آرمان الدين الحق، بعيدًا عن كل مظاهر الذهب والقوة والتزوير؟
مستقبل الإنسان
إلى اليوم الذي يضع فيه الإنسان كل الأفكار المضللة في مكانها الصحيح، ويقبل كل قوة ومال واحتلال، ويقبل كل عمل يُنسب إلى الدين والمذهب والقانون، لن يكون هناك أفضل من هذا الزمان، ولن يكون هناك أقل من هذا الحرمان؛ على الرغم من أنه لن يمضي وقت طويل حتى تنفجر جميع هذه المظاهر الكاذبة، وتنهار، فيستفيق الإنسان، ويأتي إلى العقل والوعي، ويسعى إلى العصمة ويطلب مخلصًا صادقًا.
من المحتمل أن يكتشف الإنسان في أقرب وقت، وبشكل موحد وصادق، الطريق الصحيح، ويختار الطريق الصحيح، وينبذ كل زيادات ونقصان في فكرته ويقبل الإسلام الحقيقي، والتشيع الأصيل الأحمر والأخضر والأبيض، التشيع العلوي والحسيني والمهدوي، بعيدًا عن كل الانحرافات، ويعمل على تحقيق الفرائض الحقيقية لأحكام الشيعة الأصيلة بعيدًا عن أي زيادات أو نقص.
الدنيا و الآخرة
الدنيا
الدنيا هي ساحة أعمال الإنسان و فضاء ناسوتي له، حيث تختلط فيه الحقائق والباطل، الحزن والفرح، وهذه هي الطبيعة التي يتفاعل معها الإنسان في حياته اليومية. إنها جزء محدود ومختصر من قدرة الإنسان المحدودة على الاختيار، التي تكشف عن جوهره الأزلي وكماله الأبدي.
يمر الإنسان في الدنيا بمراحل مختلفة من الحزن والألم، ومن ثم الفرح والسعادة. أحيانًا يجد راحته، وأحيانًا أخرى يعاني من الآلام. هذا هو الإنسان، الذي عليه أن يحدد هدفه الخاص في مواجهة هذه التغيرات الكثيرة.
حياة الدنيا قصيرة، ولكن عمر الإنسان أقصر. يجب على الإنسان أن يرى في هذه الفترات القصيرة بداية الأزل وعظمة الأبد، وألا يغرق في الأمور الفانية أو يضيع نفسه في التافه.
الدنيا مثل كرة ضخمة مغلفة بألوان متعددة؛ بعضها أخضر وأبيض، وبعضها أصفر وأحمر وأسود. المجموعة الأولى تمثل النقاء، والضياء، والمودة، والمحبة، بينما تمثل المجموعة الثانية التوتر، والعنف، والحدّة. وعلى الرغم من ذلك، يجب على الإنسان أن يكون نقيًا، مشرقًا، وصافيًا أمام جميع الألوان، وألا يتأثر بالظلمات، بل يجب أن يوجه نظره نحو الأبدية، وليس الأمور الزائلة.
الحكيم هو من يفهم أن الظروف في الدنيا ـ مهما كانت ـ لن تبقى على حال واحد. في لحظات الضعف، يجب أن يُظهر قوته، وفي لحظات القوة، يجب أن يتذكر ضعفه. عندما يكون سعيدًا، عليه أن يتذكر لحظات الحزن، وعندما يواجه الحزن، يجب أن يتذكر لحظات الفرح ويصبر.
الإنسان يجب أن يدرك أن كل لحظة في حياته هي انتقال من لحظة إلى أخرى؛ سواء كانت صعبة أو سهلة، جيدة أو سيئة، وكل لحظة تمضي ولا تبقى ثابتة إلا حتى تأتي لحظة أخرى.
الآخرة
الآخرة هي مفهوماً يشير إلى الحياة بعد الدنيا، عالم يتسم بالعظمة والخلود، يختلف عن العالم الذي نعيش فيه الآن. هذا العالم الأخروي يمتد في الزمن ويرتبط بالدنيا كنتاج لها. الآخرة ليست مكانًا منفصلًا عن الدنيا، بل هي نتيجة للخيارات التي يقوم بها الإنسان خلال حياته.
يعتبر عالم الآخرة باطن الدنيا، وعند الوصول إلى هذا العالم، تُكشف جميع الحقائق التي كانت غائبة عن الإنسان في الدنيا. في الآخرة، يتم مكافأة الناس أو معاقبتهم بناءً على أفعالهم في الدنيا، وتظهر الحقائق بشكل كامل للمؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء.
التجرد والغيبة بعيدتان. هؤلاء هم الذين في الدنيا يمكنهم أن يسيروا في الآخرة، ويرون وجوه ذلك العالم الآخر بعيون مفتوحة ويتأملونها.
الآخرة هي مجالات غيبية يمتلك الإنسان القدرة على الحضور فيها والوصول إليها، ويمكنه من خلال تجاوز الحدود المادية والظلمات المظلمة أن يكتشفها ويُعرّف نفسه بالمعاني والحقائق المرتبطة بها.
من الواجب أن يكون الإنسان حساسًا لموقعه الآخروي وألا يظن أن مصيره النهائي ليس له تأثير، بل عليه أن يسعى لتصحيحه وتحسينه، وألا يدمّر آخرة نفسه في دنيا فانية، بل ينبغي أن يوليها اهتمامًا خاصًا.
الإنسان المختلف
الحقيقة التي يسعى جميع الكائنات في الكون من أجلها، وتُصرف طاقتهم لتحقيقها، هي الرغبة في الوصول إلى الكمالات النسبية أو الكمال المطلق. ومن الواضح أن الكمال نوعان: طبيعي وإجباري، واكتسابي وإرادي. كما أن الكائنات تنقسم إلى نوعين رئيسيين: جبلية وإرادية. بالطبع، الإرادة بالمفهوم الشائع لا تشمل جميع الكائنات، وإنما تنطبق فقط على الكائنات التي تمتلك القدرة على تغيير وتعديل أفكارها وأفعالها.
من خلال هذا البيان الموجز، يظهر موضوعان أساسيان:
الأول: أن جميع الكائنات تسير نحو الكمال، ولا يوجد استثناء أو انفصال بالنسبة لأي منها، فجميع الكائنات، بأي شكل أو حالة كانت، ومع أي صفة أو خاصية فردية أو نوعية، تسعى نحو الكمال. في هذا السياق، لا مجال للحديث عن الصفات الجيدة أو السيئة، فهذا هو المعنى الطبيعي لسير الكائنات نحو الكمال، وهذا هو معنى قوله تعالى: “إنا لله وإنا إليه راجعون” الذي بدأ من الله ويعود إليه.
الثاني: أن الكمال للكائنات الطبيعية يتم بشكل قسري، وكل كائن وفقًا لطبيعته الخَلقية، يكون مُزودًا بالكمال الذي يناسبه، وبالتالي يسير طبيعيًا نحو ذلك الكمال، ويجد نفسه راضيًا ومستمتعًا بما لديه، دون أي نقص أو عجز، كما أنه لا يحصل على أي زيادة فوق ذلك. الكائن هو ما هو عليه، وهويته ووعيه هما نفس حقيقة وجوده.
الاختلاف الكبير في فهم الكمال
بعد ذكر هذين الموضوعين، يظهر التحدي الأكبر والأكثر أهمية في عالم الإنسان؛ وهو “المعرفة”. في الكائنات التي تتمتع بالإرادة، مثل الإنسان، ماذا يعني الكمال، ومن أين تأتي معاييره ومقاييسه؟ وما هو الهدف الأسمى والأسمى للإنسان؟ وكيف يتم تقييمه؟
هذه هي المشكلة التي طالما أوقعت الباحثين عن المعرفة في الحيرة، وفي كثير من الأحيان، بسبب الخيال أو التفكير الضيق وعدم القدرة على فهم الواقع بشكل صحيح، حاول كل شخص أن يقول كلمته، وأن يصنع تمثاله، ويصوغ فلسفته الخاصة، وكل واحد أعد طرحًا خاصًا به. ولكن في النهاية، مع مرور الوقت، تزداد الأسئلة والشكوك في دوامة الأفكار الخاطئة، وتظهر مدارس وأيديولوجيات جديدة يوميًا في سوق الجهل، يتبعها مجموعة من الناس. وفي النهاية، يظل أولئك الذين يتبعون هذه الأفكار إما في حيرة أكبر، أو يعادون الحقيقة، أو يواصلون السير في طريق الضلال، دون أن يشعروا بخطأهم، بل يمضون قدما دون أن يعترفوا بحيرتهم. ومن ثم، فإن نداءات المعرفة والوعي لا تتوقف عن الصيحة في سوق الجهل.
لذلك، يجب على الإنسان أن يتخذ خطوات دقيقة في مجال البحث عن الحقيقة، خاصة فيما يتعلق بكماله، وهو الهدف الأسمى والحق الوحيد الذي يطلبه. إن الوصول إلى الطريق الصحيح ـ صراط الحق ـ هو السبيل الوحيد للوصول إلى الهدف المقصود.
إن الإنسان في مسار حياته يواجه ثلاث طرق: الأولى هي اتباع شهواته وميله إلى الراحة الدنيوية؛ فالبعض قد يظن أن التخلص من أي قيد أو مسؤولية هو الكمال ذاته، فيعتقد أن الحرية المطلقة من جميع القيود هي الأفضل، وأن عيش حياة خالية من المسؤوليات وبدون قيود هو بمثابة التحقق الكامل للذات. لكن من الواضح أن هذا الطريق لا يتطلب كمالًا أو ضميرًا، وأنه لا يواجهه أي عبء من مسؤوليات أو تكاليف، لأنه ببساطة يتجاهل جميع الحقائق المتعلقة بالحياة والموت والحساب والآخرة. ومع ذلك، يجب أن يُترك هذا الطريق لمن يختاره، لأنه يناسب أولئك الذين لا يرون أي قيمة أو حساب للأشياء الحقيقية مثل القبر والقيامة، والذين يرفضون أي مفهوم للحق.
أما الطريق الثاني فهو أن يكون الإنسان أقل جرأة ولا يتخلى تمامًا عن الشهوات، بل يخطو في طريق الحق قليلاً. يتبع ما يرى أنه مفيد وفقًا لمصلحته الشخصية، ويأخذ من الأمور الدينية أو الأخلاقية بما يتناسب مع ميله الشخصي. في الظاهر، قد يبدو أنه يلتزم ببعض الشعائر الدينية مثل الصلاة والصدقة، ولكنه في الواقع يظل متساهلاً في أمور أخرى، ويتجاهل ما وراء المظاهر. هذا الشخص قد يقع في التناقضات ويقضي حياته بين الخوف والندم الزائف. رغم أن هذا الطريق قد يكون شائعًا بين الكثير من الناس، إلا أن جميع هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى المحاسبة الحقيقية لأنفسهم، ويمضون حياتهم في ضبابية حتى تنقضي.
أما الطريق الثالث، فهو طريق السالكين إلى الخلاص، الذين يسيرون في مسار المجاهدة والصبر والمحاسبة الدائمة. هؤلاء يضعون نصب أعينهم عواقب أعمالهم ويحاولون دائمًا التقوى والابتعاد عن المعاصي. على الرغم من صعوبة هذا الطريق والمجاهدات العديدة التي يتطلبها، فإن هؤلاء يصلون في النهاية إلى مرحلة من النقاء الروحي والتقدم الأخلاقي، حيث يصبحون بعيدين عن الشهوات الدنيوية ويركزون على ما ينفعهم في الآخرة. يتركون لذائذ النفس ويخضعون لجدية العمل والتقوى، حتى يصلون إلى مرحلة من “العصمة النسبية” والقدرة على تجاوز الفتن والشهوات.
إلا أن قلة من هؤلاء يصلون إلى مرحلة الكمال الحقيقي، حيث يصبحون قادرين على إحداث تغييرات جذرية في أنفسهم ويحققون درجة عالية من الكمال الروحي، ويصلون إلى مقامات عظيمة في طريق المعرفة والإيمان، وعلى رأسهم الأئمة المعصومين الذين وصلوا إلى أعلى درجات العصمة والكمال.
(50)
إن تكاليف هؤلاء لا تؤلمهم ولا تؤثر عليهم، ولكن يجب أن تُترك هذه الطريق لأهلها؛ لأن هذه الطريق مناسبة لمن يستطيع أن يتجاهل كل حقيقة وكل كمال، ولا يرى لنفسه حسابًا أو كتابًا أو قبرًا أو قيامة أو مسؤولية أو تكليفًا. من الواضح أن هذه الفئة من الناس ستشاهد هلاكها وحرمانها في الدنيا رغم إنكارها لكل شيء، ويجب أن يكونوا مستعدين لعذاب الآخرة.
هناك طريق آخر وهو أن لا يكون الإنسان شجاعًا ومتهورًا إلى هذا الحد، فيسلك طريق الحق إلى حد ما، ويقول لنفسه “ما يأتي خير”، ويعتبر الخير خيرًا، والشر شرًا، والقبح قبحًا، والجمال جمالًا، لكنه لا يلتزم بهذه الأمور إلا بمقدار ميله الشخصي. يتبع ما ينفعه ويبتعد عن ما يضره. لا يلتفت إلى أفكار الآخرين، ويبقى مهتمًا بنفسه فقط. يسعى للحصول على سمعة جيدة في حياته الخاصة ويقلل من اهتمامه بالخطيئة ما دامت سرية. في الظاهر، يكثر من أداء الصلاة ولكن لا يهتم بطهارة قلبه ولباسه الروحي. لا يقصر في الطعام والنوم والملذات، وأحيانًا ينوي التقرب إلى الله لأجل راحة نفسه ورضا قلبه. قد يتصدق أو يساعد الآخرين بشرط أن يكون ذلك علنًا. إذا حصل على مال من طريق حرام، فإنه يستخدمه دون أن يشغل نفسه بالتفكير في ذلك، ولكنه لا يترك الصلاة أو يفوتها، وإذا فاتته، فإنه يحاول إخفاء ذلك. وفي ما يتعلق بالصوم، فإنه يلتزم بصيام سهل ويسير ويؤدي باقي الواجبات بنفس الطريقة، ولا يترك أي أمر مهما كان. يتحدث كثيرًا عن إثبات الحق ولكن دون أن يرهق نفسه بالأعمال. يواصل ارتكاب المعاصي، وأحيانًا يظهر الندم والتوبة، سواء بالكلام أو بقلبه. في بعض الأحيان، قد يأخذ جانب الخطأ إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، وفي أحيان أخرى يتبع جانب الصواب. هذه هي أهم جوانب الحياة اليومية لهذه الفئة، التي تشمل عددًا كبيرًا من الناس. يمكن القول إن معظم الناس ينتمون إلى هذه الفئة، سواء كانوا في إطار الإسلام أو غيره. ولكن هذه الفئة تختلف في مراتبها، فبعضهم أقل وبعضهم أكثر تمتعًا بالكمالات. في كلا الجانبين، يوجد معارضون ومؤيدون، رغم أن هؤلاء جميعًا لا يملكون حسابًا دقيقًا لأعمالهم ولا يلتفتون إلى المحاسبة أو الحوار مع أنفسهم، حتى إذا تذكروا نقصهم أو خسارتهم، فإنهم يشعرون بحزن مزيف وسرعان ما ينسون ذلك، قائلين: “لقد فاتنا الأوان”، وإذا تحدثوا عن ذلك مع أحد، يقولون له بلهجة دينية: “احذر أن تصبح مثلنا وأن تقع في هذا الحال السيئ”. هذا الشخص يشبه من يرقص فوق القبور، وهو يبكي ويرتسم على وجهه ابتسامة. هذا الشخص يعيش في ارتباك في الدنيا، وسيتعرض لبرزخ مؤلم في الآخرة.
(53)
أما الطريق الثالث فهو طريق الفائزين. هؤلاء هم الذين يسلكون طريق المحاسبة والعتاب والمراجعة المستمرة. يتحدثون مع أنفسهم بتفكر عبر التدبر في مصيرهم، وهم دائمًا يفكرون في عواقب أعمالهم. يتجاهدون مع أنفسهم، مخفين في داخلهم آلاف الهموم، ويتذكرون دائمًا أسى الماضي وهموم المستقبل. يذكرون أنفسهم بضرورة ترك المعاصي ليجدوا السكينة في قلوبهم، ويظلوا يرددون ذلك باستمرار، مثل الطفل الصغير الذي يسير في طريق النمو والحياة، ليصير رجلًا ناضجًا قادرًا على التمييز بين الخير والشر. هذا الطريق لا يخلو من الاختلافات بين المبتدئين في المسار حتى يصلوا إلى أعلى درجات الطهارة والتقوى. هؤلاء السالكين هم في رحلة مستمرة نحو الصفاء الروحي والارتقاء بالمقام.
في الواقع، هذه الرحلة يجب أن تُعتبر معركة شخصية. كم هو صعب أن يتجاوز الإنسان لذة معصية سريعة ويغلب شيطان نفسه، فكيف إذا كان يتطلب منه أيضًا ترك اللذائذ الحلال؟ ومع ذلك، كم هو جميل ولذيذ عندما ينتصر الإنسان في هذا الصراع ويحول نفسه من حضيض الشهوات إلى أوج الكمال! هل يمكن وصف هذه اللحظة بالكلمات؟ مستحيل!
(54)
بالطبع، هذه المراحل تمثل حالة المبتدئين في سلوك طريق الكمال، أما الأولياء الإلهيون وأصحاب الهمم العالية فإنهم لا يتعلقون بشهوات النفس ولا بميلاتها، بل يرتفعون عن كل شيء دنيوي بسهولة.
بالنسبة لأصحاب المعرفة والكمال، فإن ارتباطهم بشهوات النفس يعتبر عذابًا كبيرًا، ويسهل عليهم تركها. لا يحتاج أولياء الله إلى رياضات قاسية لترك الدنيا، بل لا تدمع قلوبهم على فقدان العالمين.
كما أن ترك الدنيا بالنسبة لأهل الدنيا أمر صعب ويحتاج إلى رياضة، فإن ميلهم إلى الدنيا والشهوات النفسية يمثل تحديًا أيضًا لأهل الله، ويحتاجون أيضًا إلى جهاد مع النفس. كما أن أهل الدنيا يتعلقون بالدنيا، فإن أهل الله قد قطعوا تعلقهم بكل من الدنيا والآخرة.
(55)
أولياء الله يكرهون الدنيا كما يكره الإنسان القذارات. كما أن الميل إلى القذارات يسبب للإنسان النفور، فإن التعلق بالدنيا يُسبب لأهل الله نفس الشعور. رغم أن هذا قد يبدو صعبًا ومشكوكًا فيه بالنسبة لأهل الدنيا، فإن هذه حقائق لا تقبل الجدل بالنسبة لأهل المعرفة.
أولياء الله ينظرون إلى أهل الدنيا برأفة ورحمة، ويعتبرونهم في أدنى مراتب الوجود.
كما أن أهل الدنيا، بسبب الغفلة والجهل والغرور، قد لا يعترفون بأولياء الله ويظنون أنهم على صواب، فإن أولياء الله يرون أهل الدنيا في أسوأ حال ولا يشككون في هذا التقييم، حتى تتكشف الحقائق وتظهر من سيكون في الضلال والهلاك.
(56)
إن الحقائق الروحية الجميلة لا تُكتسب إلا بالمعاينة والرؤية الحقيقية، لا بمجرد السمع.
أولئك الذين يسيرون في طريق المعرفة، بعد محاولات عديدة وكفاح طويل، إذا كانوا ضعفاء، فإنهم يغلبون على أنفسهم ويستسلمون، ليصبحوا من الخاسرين في هذا الطريق، وهو أمر خطر للغاية، ويصبح الخلاص بعيدًا عنهم، وتغزو الرذائل قلوبهم ويصعب عليهم التخلص منها. أما الذين يتمتعون بالقوة والإرادة، فينتصرون ويحققون النجاح في معاركهم النفسية، حتى يصبحوا لا يخافون من معركة النفس، ويصلون إلى مرحلة من الطهارة والنبل الروحي التي تجعلهم يرفضون تمامًا المعاصي والطغيان.
(57)
هؤلاء السالكين يصلون إلى مرحلة من النقاء الكامل ويصبحون روادًا في مجال الكمال، ويصلون إلى مقام “العصمة النسبية”. أما عدد قليل منهم الذين يصبحون إنسانًا كاملاً في أعلى درجات الكمال، فإنهم يصلون إلى مقام العصمة الشمولية، مثل الأئمة المعصومين عليهم السلام الذين بلغوا أعلى مراتب العصمة والكمال. هؤلاء الأئمة يمتلكون مقامات عديدة تتجلى فيها العصمة وتزداد معرفتهم وظهورهم.
(58)
اللسان واللغة الأخرى
إن سير الإنسان وحركته نحو الهدف الأبدي تختلف عن أي تعبير مختصر وشامل، فقد تمّ بيان جميع أبعاد هذه الحركة والمراحل المختلفة لها. جميع الكائنات، خاصة الإنسان، تسير نحو الحق، وتتشكل حسناتها وقبائحها في شكل تعيّناتها التي تظهر عبر مسارها، وفي النهاية، جميع الكائنات ستصل إلى الربوبية، وسيجد كل كائن وموجود ذاته الخاصة به في الوصول إلى هدفه الأبدي، سواء كان هذا الوصول في صورة جمال أو جلال، محدودًا كان أو جماعيًا أو كاملاً.
الحقيقتان الخالدتان
الظهور والوصول
إن حركة ظهورات الربوبية واندفاع الكائنات في هذا الوجود هي في صراعٍ دائم بين النزول والصعود نحو معبودها وحقها المطلق. جميع المظاهر تسعى بكل جدية وحب للوصول إلى محبوبها الحقيقي، ولكن مهما ساروا أو جاهدوا، لن يصلوا إلى مكانٍ معين، سوى أنهم سيظهرون ويُعبّرون عن وجودهم ويجدون أنفسهم متجسدين في تعيّنات الربوبية. وعلى الرغم من أن جميع الكائنات التجريدية والممكنات الناسوطيّة في حالة ضياعٍ وحيرة، إلا أن الحق هو مقصدها الوحيد ولا تجد غيره في مسارها.
إن الإنسان وكل ما يُسمّى “الوجود” من الكائنات العلوية والسفلية، الجميلة والقبيحة، الكبيرة والصغيرة، على الرغم من أنهم يتبعون مسارهم التكويني والطبيعي نحو معبودهم الحقيقي، إلا أنهم لا يفتحون قلوبهم ولا يكشفون عن وجوههم إلا لذاتهم، ولن يجدوا محبوب الأزل بلا وسائط. مع ذلك، فالحق سبحانه وتعالى قد منح الوجود ذاته بلا وسائط، و”الظهور الدوري” له هو ما يُسمى الوجود.
على الرغم من أن الوجود له وجه الظهور، ويطالب بأن يسير نحو الحق، فإنه في كل مظهر له، يظل هناك عدد لا حصر له من الحجب والنور والظلمات، والأوجه المخبأة والمكشوفة التي تمنع الوصول الكامل، ويبقى الشعور بالعطش والفقد في قلب جميع المظاهر. هذه الفجوة والفقدان تُرافق كل ظهور ولن تُترك شيئًا إلا وقد وصله الفقد وظهر.
الوجود والوصول
إذا بلغ قلبٌ مرتبة أعلى، فإنّه سيكتشف أن “الوجود المطلق” و”مطلق الوجود” هو ما هو عليه، بلا نقص أو انعدام، وأن كل ظهور هو نفس الوصول الذي يُظهر ويُعبّر عنه. وفي كل شكلٍ ووجهٍ، لا يوجد شيء سوى الوصول، ولا يكون الوصول إلا طلبًا مستمرًا في تلك الأشكال.
العالم هو عين الوصول، والوصول المطلق هو عين الوجود والحق، الذي يعبّر عنه “الوجود المطلق” بصفته بلا قيود، وعين الوصول هو ذلك الكائن الثاني الذي يعبر عن هذا الوجود المطلق. جميع الظهورات هي وصولات من الوجود المطلق، وهي في الحقيقة عين الوصول المطلق، بينما الفقدان والغربة ليسا إلا أوصافًا تابعة لهذا الكائن المقدس.
نقد القلب
ما يصل إليك هو ما يجب أن يصل إليك، وما حدث لك هو ما كان مقدّرًا، وما وصل إليك هو وصول لوجودك الخاص. إن النقد الحقيقي للقلب هو أن الحق قد أُودع في الماء والطين لكي يستعيد القلب نضارته، ويُقيم خيمة الحب في قلب الأرض. إن الوجود المطلق هو نفسه الوصول المطلق، والظهورات الربوبية تجد نفسها في الوعاء الذي يحتوي على وصولٍ مطلق للحق، حيث يتجسد في تعيّنه. وإذا كنت تبحث عن معنى “من أنت؟” أو “ما الذي تبحث عنه؟” فالأولياء الإلهيون هم من يعرفون ذلك. وإذا لم تجد، يجب أن تعلم أنك ستجد ذلك في يومٍ ما، سواء في هذا العالم أو في عوالم أخرى. يجب أن تعلم أن الحقيقة التي تبحث عنها هي في داخلك، ولا يمكن أن تضيع أو تُفقد أبدًا، حتى وإن تأخر هذا اليوم، فإنك ستشعر بحرمان من الوصول.
المجهول المطلق والمعلوم المطلق
من يبحث عن غيره، فإنه يبحث عن المجهول المطلق. أما الحق في وعاء غيره فهو المجهول المطلق، وفي وعاء الحق هو عين المعلوم المطلق. على الرغم من أن “المجهول المطلق” هو نفسه “الوجود المطلق”، فإن عنوانه المطلق يُعدّ وصفًا للغيرية، بينما الحقيقة في الوجود لا تتغير، ويظل الوصول والوجود أحدًا في نفس الوقت. لا يوجد أي ثنائية أو غيرية في هذا المعنى.
الظهور والإظهار
كل ما يطلبه الناس في الحقيقة هو ما هو خفي فيهم. إن الوجود يسعى وراء ظهوره، والظهور هو مجرد إظهار لمحتوى باطني. كما أن الطلب هو عين الوصول الذي يظهر في الوعاء الذي يتجسد فيه هذا الوصول، وهذا هو الوجود المطلق، الذي يتجسد في المجهول المطلق.
نداء الملكوت
من يصل إلى هذا المعنى يكون قد وصل، ويمكنه أن يسمع النداء الملكوتي “لا إله إلا الله” و”إنا لله وإنا إليه راجعون”، وأن يدرك ما هي حقيقة العالم، من هو الإنسان، وما هو الحق، وكيف يكون الظهور والوجود في كل تعيّنٍ من تعييناته.
الواصل إلى الحقيقة هو من يلتقي بالحق في ذاته، ويشعر بالغيرية، ويختبر الأنانية، ويأخذ من صعوده وهبوطه ويقطع العودة إلى الله، ويشعر بنهاية وجوده الأرضي، ليصبح ذلك الشخص من أهل القلب، وصاحب السر، ويجد أن قلبه هو المسكن الوحيد للحق، ولا مكان له سواه.
دوران تكامل الإنسان
من غير المعروف بداية حياة الإنسان من أين تبدأ. هل يبدأ من مرحلة النمو الطبيعي وبلوغ الإنسان، أم من لحظة ولادته وبدء تكامل حياته البشرية؟ وهل يجب النظر في بداية هذه الحياة قبل الزواج، أم أنه يمكن القول بوجود عالم آخر قبل هذا العالم، وهو المصدر الحقيقي لوجود كل فرد، وما يمكن تسميته “عالم الذر”؟ أو إذا استمرينا في التقدم، يمكن أن نجد “علم العناية الإلهية”، الذي في ذلك العالم لا تلعب العوامل المادية أو البرزخية أي دور.
على أي حال، لا يهم من أين تبدأ الحياة، وما هو المهم هو كيف تبدأ حياة الإنسان، وإلى أين ستنتهي.
النقص والقصور سيظل في حالة تَشَوُّش.
بالطبع، تحصيل الظروف الأبويّة والأمويّة أمرٌ صعب للغاية، ويجب القول إن الناس يختلفون في نجاحهم في هذا الأمر. فكلما سعى الأبوان لتحسين نفسيهما، سيُنتج لهما طفلًا أفضل، ومع تحقق المراحل واهتمام الحق الأزلي، يظهر وجهٌ واضحٌ من فيض الظهور.
عندما يدخل الطفل إلى عالم الوجود، يجب على الوالدين أن يكتشفا قوتهما وقدرتهما لكي يكونا مستعدين نفسيًّا وروحيًّا لتقديم إنسانٍ يكون مصدر فخر للمجتمع الذي ينتمي إليه.
من الواضح أن معظم الجهد في سنوات الطفولة يقع على عاتق الأم، لأنها هي المعلمة الحقيقية والمُؤنس ليل نهار الطفل في هذه السنين، في حين أن دور الأب يقتصر على المسؤولية العامة، حيث أن الروح الحيوية للطفل في هذا الوقت تتشكل بشكل أكبر. من الضروري القول إن الأمومة هي مهمة صعبة جدًا، حيث تُحدد أساسيات الطفل في هذه المرحلة، وفي هذه الفترة، لا يمتلك الطفل سوى القوة الانفعالية، والأم هي التي توفر القوة الفعلية له. الطفل يصبح مرآة تمامًا للأم، ويؤثر فيها جميع صفاتها، سواء كانت جيدة أم سيئة. بالطبع، يجب أن نذكر أن هذه المرحلة، التي ينبغي أن تُعتبر واحدة من المراحل الأساسية للإنسان، هي فترة محدودة يمكن تحديدها بخمس سنوات، حيث يبقى الطفل في البيت ولا يمكنه الخروج منه. في هذه الفترة، لا بد للأم من السيطرة على الطفل بشكل أكبر، حيث أن خروجه من المنزل في هذه المرحلة يتم بشكل بدائي، وفكر الأم حول هذا الموضوع بدائي أيضًا، إذ تعتقد أن الطفل يمكن أن يخرج من المنزل، ولكن إذا خرج، فلا تعرف ما الذي سيحدث له.
تُختتم هذه الفترة، ويخرج الطفل من المنزل بشكل واضح متوجهًا إلى المدرسة. فترة المدرسة الابتدائية أو المرحلة الأولى من التعليم هي أول مرحلة يتواجد فيها الطفل في المجتمع، وفي حين أنها أفضل فترة لنمو الطفل، إلا أنها أيضًا من أخطر الفترات؛ لأنه يدخل إلى المجتمع وهو لا يعلم ما هو المجتمع، ولا يدرك أين هو، ولا يعرف كيف يمكنه تحديد ما هو خير أو شر فيه. يمكن أن نطلق على هذه المرحلة اسم “المرحلة الأولى على مفترق طرق الطفل”، حيث لا يُعرف إذا ما كان الطفل سيكتسب الخير أو الشر، الجمال أو القبح. باختصار، يمكن أن تسود فترات الحياة البدائية على طينته وأعماق تكوينه السابقة، وتتفوق التربية على العوامل المؤسسية السابقة. إذا نجا الإنسان في هذه المرحلة ووجد دوره المناسب، فإنه يقترب من هدفه المنشود، وإلا فإنه سيقع في الضلال والهلاك.
لذلك، من الضروري على معلم الطفل في هذه المرحلة أن يكون حريصًا جدًا في رعاية الطفل، وأن لا يتوانى عن القيام بواجبه في هذه الفترة، وإلا فإن الطفل سيقبل الفساد في بيئة غير مناسبة بشكل أسرع.
مراحل النمو الاجتماعي للطفل
عند انتهاء فترة التعليم الابتدائي، يصبح الوجه الحقيقي للطفل قد تشكل وأصبح جاهزًا للتفعيل المؤسسي والنمو. وفي حالة تمتع الطفل بالصحة النفسية والجسدية، يحقق الكثير من الأعمال الأساسية التي تؤدي إلى خلاصه، وعندئذ يصعب عليه تغيير مساره بشكل مفاجئ في مراحل لاحقة من حياته.
بعد هذه المرحلة، تبدأ فترة “البرزخ الاجتماعي” للطفل، حيث يتعين عليه أن يقرر إذا كان سيواصل سلوكه السابق أم سيتخذ مسارًا مختلفًا. على الرغم من أن الأب يجب أن يكون نشطًا جدًا في هذه المرحلة الوسطى، فإن الفرصة تكون ضئيلة، وما تم إنجازه حتى تلك اللحظة هو الذي سيؤثر في حياة الطفل. كما أن أفكار الشباب في هذه المرحلة لا تتيح لهم التأثر الكلي بأي شخص، بل يقررون بمفردهم مسارهم ووظائفهم. ولكن في هذه الفترة، تصبح أفكار الشباب اليوم وأفكار الطفل أمس أسيرة لأفكار المعلم، والمجتمع، والأصدقاء، وتحتاج إلى هذه العلاقات المستمرة لملء الفراغات الفكرية والغريزية وتحقيق احتياجاتهم.
وفي هذه المرحلة، يجب أن يولي المعلمون والموجهون الاجتماعيون اهتمامًا كبيرًا للجيل الشاب؛ حتى يتمكنوا من بناء مجتمعٍ مستعد وسليم. وإذا لم يتم ذلك، فإن الشاب سيسلك طريقًا خطرًا في حياته، وفي بعض الأحيان، يسعى إلى الانتقام من المجتمع. في هذه المرحلة، تبدأ مرحلة الحياة النهائية للإنسان، ويظهر هدف الحياة والنتيجة النهائية لعمل الإنسان، ويكتشف الشاب هويته الفكرية والاجتماعية.
بالطبع، يجب أن يتم دراسة كلٍ من هذه المراحل من الناحية النفسية والاجتماعية، ومن وجهة نظر عملية وتعليمية إسلامية، وذلك بشكل مفصل وبنظرة فاحصة ومهنية.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.