صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

مقدمة في التعرف على القرآن الكريم

نشر في آذر 13, 1404 في

مقدمة في التعرف على القرآن الكريم

المعلومات التعريفية:

  • المؤلف: (مواليد 1327 هـ ش)
  • العنوان: مقدمة في التعرف على القرآن الكريم /
  • مكان النشر: طهران، دار نشر ، 1393 هـ ش
  • وصف المطبوع: 81 صفحة؛ 9.5×19 سم
  • رقم الإيداع الدولي (شابك): 978-600-7347-86-7
  • ملاحظات: الطبعة السابقة صدرت تحت عنوان «ظهور شفق» عام 1386 هـ ش؛ هذه الطبعة هي الثانية.
  • الموضوعات: القرآن الكريم – دراسة وتحليل / القرآن الكريم – بحث
  • التصنيف حسب مكتبة الكونغرس: BP65/4/N8D4 1393
  • التصنيف حسب نظام ديوي العشري: 297/159
  • رقم الفهرس الوطني: 3703728

المقدمة

قال تعالى: «يا رب إني قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا» (سورة الفرقان، الآية 30).

إن دراسة أسباب غفلة القرآن الكريم في الحوزات العلمية ضرورة ملحة يجب معالجتها والسعي الجاد لمعالجتها عبر تشخيص دقيق ومتخصص للمشكلات، بغية تأسيس طرق للخروج من هذه الحالة دون غلو أو تفريط.

من جهة أخرى، يُعتبر الحوزات العلمية باعتبارها منوطة بالمسؤولية الدينية وراية الحركة الإسلامية في عصر الغيبة، ملزمة باعتماد أساليب عامة ومتخصصة لاستخدام القرآن الكريم، لتمكين هذا الكتاب السماوي من الحضور الفاعل في المجتمع الإسلامي، ولتحقيق التآلف بين جميع الأفراد والقرآن.

ويجب تيسير طرق فهم الحقائق القرآنية والردّ على الشبهات بطريقة علمية ومنهجية، وبيان ختمية هذا الكتاب السماوي وإجابته عن جميع احتياجات البشر.

هذا الكتاب يعالج هذه القضايا الأساسية في ست مقالات، ويبين طرق التآلف مع القرآن الكريم وكيفية التشرّف إلى محضر القرآن، ويشرح أسباب تعدد التفسيرات وأوجهها.

عناوين المقالات الستة:

  1. غفلة القرآن الكريم في الحوزات العلمية؛
  2. طرق استخدام القرآن الكريم؛
  3. ماهية القرآن الكريم؛
  4. في محضر القرآن الكريم؛
  5. التفسير وعلم القرآن الكريم؛
  6. الأكثرية في القرآن الكريم.

1. غفلة القرآن الكريم في الحوزات العلمية

يرجع سبب إهمال القرآن الكريم عمليًا في الحوزات الشيعية إلى اعتقاد أن الشيعة لا يستقلون في فهم القرآن، وإنما يعتمدون على الروايات المنقولة عن الأئمة عليهم السلام في تفسير الآيات والعمل بها، سواء اتفقت مع ظاهر الآية أم لا.

مثال على ذلك: قوله تعالى «وإذا حُيّيتُم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردوها» (سورة النساء، الآية 86). يظهر من الآية أن ردّ السلام بأفضل منه أفضل، ويشمل جميع الأحوال، الصلاة وغيرها. لكن الفقهاء يجيزون زيادة الرد فقط خارج الصلاة استنادًا إلى الروايات.

لذلك، بالرغم من وضوح نص القرآن، إلا أن كلام المعصوم هو المعتمد في العمل.

وبناءً عليه، لا تعتبر الشيعة أنفسهم مستقلين في فهم القرآن بل يلجأون إلى المعصوم، وهذا يفسر اعتمادهم الكبير على الروايات على حساب التفكر المباشر في النص القرآني.

وهذا الأمر يؤدي إلى إهمال النقاش والبحث العميق في تعاليم القرآن.

غالبًا ما يكون العالم المجتهد قادرًا على مناقشة قواعد فقهية لعدة أشهر لكنه قد لا يحفظ بعض الآيات الصحيحة من القرآن عن ظهر قلب، ولا يفكر بعمق في معانيها إلا عند الضرورة.

الشيعة استفادوا من معارف المعصومين في فهم القرآن، لكنهم لم يستفيدوا كفاية من محضر القرآن الكريم ذاته.

القرآن الكريم وأهل السنة

في المقابل، يعطي أهل السنة أهمية كبيرة لظواهر القرآن وحفظه، ويشغلون المبتدئين بحفظ السور، لكنهم يغفلون عن الفهم والتحقيق العميق في معاني القرآن، مع أن من توجه إليه الخطاب “من خوطب به” قد نُسي.

بشكل عام، هذه الطريقة عند أهل السنة لا تضمن النجاة الحقيقية.

وعلى الشيعة تصحيح منهجهم العملي مع القرآن، بحيث لا يقتصر اهتمامهم على الاعتقاد الصحيح فقط، بل يشمل الفهم والحضور العملي للقرآن الكريم.

2. طرق استخدام القرآن الكريم

يجب على الشيعة جعل دراسة القرآن وتحقيقه في رأس المناهج، وليس فقط تفكيك الآيات أو سرد القصص كما هو الحال الآن، لأن هذا الأسلوب لا يليق بهذا الكتاب العظيم.

القرآن هو الكتاب السماوي الكامل الذي لم يصبه أي تحريف، وهو دليل لكل الاحتياجات المادية والروحية للبشر في كافة المجالات.

الأهم هو طريقة الاقتراب من القرآن واستخدامه التي تحتاج إلى صفاء باطن واستعانة بسنة الأولياء المعصومين للتقرب منه والانكشاف عليه.

الطرق العامة لاستخدام القرآن الكريم

هناك ثلاث طرق متداخلة للاستفادة من مواهب القرآن:

  • أولًا: الطريق العام، وهو وصول الناس جميعًا إلى القرآن عبر أولياء الله وأهل المعرفة الذين يحمون الناس من الانحراف.
  • ثانيًا: طريق الاستدلال والبحث الذي يحتاج إلى مقدمات خاصة ولا يناسب الجميع، بل هو لمن يسعون علميًا وإيمانيًا.
  • ثالثًا: الطريق الخاص الولائي، الذي يتطلب صفات معنوية وقربًا إلهيًا وحضورًا في حقائق الله، وهو خاص بالأولياء.

الطريقة الأولى: استخدام الجميع للقرآن

هذه الطريقة التي هي الأقل عمقًا لكنها الأكثر شمولًا، يمكن لجميع المؤمنين وغيرهم استخدامها، شرط أن تتم بواسطة أهل القرآن الحقيقيين وبمناهج صحيحة، لتجنب الانحرافات والتأويلات الخاطئة التي تؤدي إلى الجهل والاضلال.

أعظم خسارة روحية للأمة الإسلامية هي الغفلة عن فهم القرآن والتحلي بأخلاقه، حيث يعاني كثير من المسلمين، خصوصًا غير الناطقين بالعربية، من حرمان القراءة والتدبر في القرآن.

وينبغي على العلماء في جميع البلاد الإسلامية بذل الجهد لرفع هذا الحيف.

أن يكرسوا الجهود ويزيلوا هذا النقص والعار من كيان الأمة الإسلامية؛ لا سيما من جسد الشيعة.

الطريقة الثانية: منهج البحث

للاستفادة البحثية من العلوم والوصول إلى معاني القرآن الكريم، يجب أن يتحلّى الباحث بصفات علمية خاصة كي لا يضلّ طريقه أثناء الاستفادة من القرآن المجيد. لا يمكن لأي شخص أن يدرس القرآن دراسة بحثية ويستفيد منه استفادة كبيرة إلا إذا توافرت لديه الجوانب العلمية اللازمة. وفي هذا المقام، تُذكر الجوانب الرئيسية والأسس اللازمة بشكل موجز، على أن تُتبع في موضع مناسب بهذا الشأن بطريقة واضحة ومفصلة.

الموضوع الأول والعلم الأساسي للدخول إلى دراسة القرآن هو علم سند القرآن وعلم القراءة. يجب في هذا العلم بيان ماهية سند القرآن، ودلائل إثباته، وعدد أنواع القراءة وأسس كل منها، ثم بعد إثبات كيفية القراءة، يجب دراسة أي قراءة هي الأفضل وما هو المنهج المتبع في اختيار القراءة.

(18)

حتى يتبين بدقة وصحة ارتباط القرآن بمصدر الوحي والرسالة، بحيث لا يكون الكلام النبوي في السند متقطعًا، ويشعر كما لو أن كل من يتلو القرآن الكريم قد سمعه مباشرة من لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه الأمور في سبيل ما تقتضيه الضرورة، ولا بد أيضًا من متابعة بحث التحريف لمعالجة العقبات، والتغلب على المشكلات الجوهرية، لكي يبقى القرآن الكريم لدى الباحث محصنًا شكلاً ومضمونًا من الشكوك.

الموضوع الثاني، علم القراءة في العبارة والتجويد، وهو علم خاص ومتوسع. رغم أن هذا العلم لا يؤثر كثيرًا في فهم معاني القرآن، فهو مهم لصحة القراءة وطريقة النطق الصحيحة. وقد وردت توصيات من الأئمة المعصومين عليهم السلام بصحة القراءة والتجويد، مما يدل على أهمية هذا الموضوع، رغم أن بعض الحالات تتعلق بمعاني مرتبطة وتقصير في ذلك قد يؤدي إلى تغير المعنى.

(19)

وبالطبع، الجزء اللازم من هذا العلم واجب، حيث يؤدي عدم مراعاته إلى فساد القراءة وبطلان الصلاة وتغيير المعنى، أما الجزء الآخر فهو مستحب وفني وعلمي، ويُنظر إليه أكثر كفن من كونه مجرد مسألة معنوية؛ إذ توجد نقاشات في هذا المجال، وهي في بعض الأحيان زائدة بلا أساس وذات انحراف وضارة.

الموضوع الثالث، الجوانب الأدبية للقرآن الكريم، والتي تتضمن علومًا متعددة لفهم المادة والشكل والتركيبات. ونعرضها هنا بشكل موجز:

أولًا: علم الصرف، الذي يدرس كلمات القرآن من حيث شكلها، مثل: هل هذه الكلمة تتكون من ثلاثة أحرف رئيسية أو أكثر؟ هل هي فعل أو اسم أو حرف؟ هل صحيحة أو معتلّة؟ ومن أي باب من الأبواب تأتي؟ هذا العلم يختص بتحليل الكلمات من حيث شكلها الفردي.

(20)

ثانيًا: علم النحو، الذي يدرس العلاقات التركيبية للكلمات في العبارة، كأن تكون الجملة اسمية أو فعلية، وما هو موقع الكلمة فاعلًا أو مفعولًا أو مبتدأً أو خبرًا، وغير ذلك.

ثالثًا: علم الاشتقاق (أو علم الكلمة من حيث أصلها) الذي يهتم بجذور الكلمات وأصولها دون الالتفات إلى شكل الكلمة أو تركيبها، بل بدراسة المادة الأصلية للكلمات القرآنية وعلاقتها بصيغها المختلفة. وهذا العلم ضروري جدًا لفهم القرآن وله دور كبير في تطوير الثقافة الأدبية للغة، رغم أنه يُدرّس بعد الصرف والنحو، إلا أنه في المرتبة أعلى منهما، لكن للأسف لا يُعطى الاهتمام الكافي في الحوزات العلمية، مما أدى إلى تراجع وفقدان الاهتمام بمعاني تطابق الكلمات ويجب بذل جهد لمعالجة هذا النقص.

(21)

رابعًا: علم المعاني (اللغوي)، الذي يشرح استعمالات الكلمات من حيث المعاني المتداولة، مع وجود ارتباط وثيق بين علم الاشتقاق واللغويات، لكنه يركز على الاستعمال الدلالي أكثر من الدلالات الحقيقية والمطابقة.

النتيجة أن هذه العلوم الأربعة (الصرف، النحو، الاشتقاق، واللغة) التي تعنى بمادة الكلمات وشكلها (تفكيك وتركيب الكلمات) لها تأثير بالغ في فهم القرآن الكريم، ولا يمكن السير في طريق البحث العلمي من دونها.

خامسًا: في مجال فهم فصاحة وبلاغة القرآن، هناك عدة علوم مهمة، نذكر منها مجتمعة علم المعاني والبيان والبدیع، حيث يتناول هذا العلم القرآن من حيث دقة المعاني وروعة الأسلوب والبعد الفني والروحي والعرفاني، ويفصح عن إعجازه الرباني وأسراره الأدبية بأسلوب تحليلي قوي، مع العلم أن هذه الفروع الثلاثة مستقلة لكنها تسير في اتجاه واحد.

(22)

جميع هذه العلوم السابقة تدخل ضمن العلوم الأدبية، ويمكن اعتبار الأدب علمًا شاملاً يتجاوز مجرد دراسة الجمل الجافة والتركيبات اللفظية، بحيث تظهر المعاني الروحية العالية في ثنايا الجمل والكلمات.

سادسًا: بعد دراسة الجوانب الأدبية على مستوى الأفراد، يأتي موضوع الترجمة والفهم الصحيح للقرآن الكريم. علم الترجمة وتحويل معاني القرآن إلى كل لغة، خاصة الفارسية التي هي موضوعنا الأساسي، يعد من أهم الطرق لفهم القرآن للجميع. وهذه المهمة شديدة التعقيد والأهمية، ولا يمكن لأحد القيام بها إلا من كان عالماً ناضجاً ذو ذوق رفيع.

ترجمة القرآن الكريم إلى جميع لغات العالم الحية، وخاصة الفارسية، من الأعمال القرآنية المهمة، ومع ذلك للأسف لم تُنجز أعمال كافية في هذا المجال، وبين المسلمين سواء من الشيعة أو السنة، لم تُقدّم إلا جهود جزئية. فمع وجود العديد من الترجمات، فإنها غالبًا ما تكون من تأليف دور نشر بهدف البيع، وتمتزج فيها اللغة العربية بالفارسية بطريقة غير مفهومة، تُعرض على أنها ترجمات صحيحة أو غير صحيحة، واضحة أو غير واضحة، مما يسبّب ضررًا كبيرًا في فهم القرآن بلغات أخرى ويشكل عائقًا أمام تشجيع الجميع على الاقتراب من القرآن، وهذا فاجعة تدل على أنه بعد أكثر من ألف ومئتي عام من عمر القرآن، لا توجد ترجمات كاملة ومُتقنة. وبين العلماء والمثقفين، توجد بعض الترجمات السلسة أو الروحية، لكنها غير متاحة للجميع، ولا تعتبر شاملة أو واضحة. ولذلك، لا سبيل لتحقيق هذا الهدف إلا عبر عمل جماعي من كبار العلماء الأكفاء. نسأل الله أن يجعل كبار علماء الإسلام يفكرون في تلبية هذه الحاجة العالمية لكل المسلمين، ويترجموا القرآن كاملاً وواضحاً إلى جميع لغات العالم الحية. ونأمل في ذلك اليوم.

(25)

سابعًا: تفسير القرآن الكريم هو المرحلة السابعة التي شغلت الأذهان منذ أكثر من ألف عام، بل طوال عمر القرآن، فماذا يعني التفسير؟ وما الفرق بينه وبين الترجمة أو التأويل؟ ومن يستطيع القيام به؟

أولًا، يجب التوضيح أن الترجمة تختلف عن التأويل والتفسير. الترجمة يمكن لأي شخص متوفر لديه شروط علمية عامة أن يقوم بها، أما التفسير فهو عمل لا يقوم به إلا من كان متمكنًا من هذا الفن، ويستطيع أن ينسب كل استنباطاته إلى المعصومين عليهم السلام، ويستعين بالسنة والقرآن. وإلا فإن تفسيره ليس له قيمة علمية أو شرعية، بل هو ذنب عظيم، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث متواتر: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».

(26)

يمكن القول إن التفسير يكون نوعين:

الأول: الاستناد إلى أقوال المعصومين عليهم السلام، والاستفادة من القرآن بفضل العناية الربانية والتواصل الروحي مع المعصوم، وهو التفسير الحقيقي العظيم الذي يصف الظواهر القرآنية.

والثاني: أي شخص، مؤهل أو غير مؤهل، يأخذ تفسيرات من القرآن دون مراعاة الحدود الشرعية والعلمية.

الطريقة الأولى هي الطريق الديني الصحيح، ويكون القرآن فيه مطابقًا للسنة، التي تُعد لباس القرآن، مما يضمن صحة الاستفادة منه.

الطريقة الثانية هي طريقة المفسرين غير المسؤولين، الذين يسلكون الطريق الخطأ والضلال، ويجب الحذر في التفسير كي لا نخرج عن منهج المعصومين عليهم السلام، ولا نفقد واحدة من أعظم النعم الربانية والثمار العلمية، ولا نُضيع الوقت في طرق انحرافية أو تأويلية أو طرق استحسانية لا أهمية لها، أو غيرها من الانحرافات التي شاعت في التاريخ.

(27)

ثامنًا: التأويل والتوصل إلى باطن القرآن وحقائقه الخفية، وهذه مرتبة لكل ناضج، فكما أن للقرآن مواقف ظاهرية، فهو كذلك له مواقف باطنية لا يمكن الوصول إليها إلا من أهل الملكوت، الذين ارتشفوا من ماء الوحي الصافي. مع ذلك، يظل القرآن مفتوحًا لكل عقل راشد ومدرك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ} [القمر: 18].

(28)

هذا الباب واسع، ويحتاج إلى بحث مستفيض وطويل، يشارك فيه أهل الحق، حيث تُطرح أقوال المعصومين عليهم السلام عن بطون القرآن وأقوال العارفين المتقدمين والعلماء الربانيين، مع أسرار أخرى مخفية، ويُبحث فيها بدقة، ليتمكن المرء من انتزاع قدر الإمكان من هذه الحقائق اللامتناهية، ففهم هذه المعاني القرآنية لا يتيسر إلا للأولياء والعلماء الربانيين، ويستلزم ذلك صفاء الباطن وفضل الله.

تبع ذلك.

تاسعًا، الموضوع الذي كان محلّ نقاشٍ واسع عبر تاريخ القرآن الكريم بين جميع فئات المسلمين هو شأن نزول الآيات وترتيبها، والذي بالرغم من قدمه التاريخي وكثرة المناقشات، لم يؤدِ إلى نتيجةٍ حاسمة، وبقي المسلمون في هذا الصدد محرومين؛ لأن القرآن الكريم، رغم كونه كتابًا متينًا يتمتع بالحكمة الكاملة، للأسف، وبسبب انفصال سنة المعصومين عليه في نظر غالبية المسلمين، صار سببًا في جهلهم بالقرآن، إلى درجة أن شأن نزول الآيات وترتيبها وخصائصها ليست واضحة ومسلَّمة لدينا؛ ذلك أن الذين تولّوا قيادة القرآن لم يكونوا على دراية به، ولم يعيروا اهتمامًا للمعارف المتعلقة بالوحي والنزول وترتيب الآيات الإلهية التي كانت معروفة للجميع، حتى أن القرآن أصبح كمدرسة بلا أستاذ، ما أدى إلى تدهوره وتقهقره.

ما ورد من أهل السنة في شأن النزول وترتيب القرآن (30) غير موثوق به، لأن من أورد هذه المعلومات هم ممن لم يكن لديهم أدنى معرفة أساسية بالقرآن، فضلاً عن أن حتى فرض وجود معرفة لديهم لا يمنح ثقة بأقوالهم، ولم تُعتَمد أقوالهم علميًا أو عمليًا، إذ كانوا من الأشخاص الملوَّثين والمنحرفين، ولا تتوفر فيهم الشروط اللازمة لصحة النقل. وما ورد عن حضرات المعصومين عليهم السلام بأسانيد صحيحة بشأن شأن النزول قليلٌ وغير كافٍ، إلى حد يتبين فيه أن حضراتهم لم يروا من الحكمة بيان هذا الجانب من أحكام القرآن، أو أن هناك موانع كثيرة أدت إلى هذا النقص، وإن كان هذا الموقف من حضرات المعصومين عليهم السلام ذاته يروي حقائق مؤلمة تحتاج إلى بحث خاص في مقامها.

لذا، ما ورد من أهل السنة في هذا الصدد مشكوك فيه، وما وصلنا عن حضرات المعصومين عليهم السلام (31) يعاني من النقص؛ وعلى هذا الأساس، كان الاهتمام بشأن النزول دائمًا منتشرًا بين علماء أهل السنة، ولم يبذل الشيعة جهدًا مماثلاً في هذا المجال، لأنهم أدركوا جيدًا أن هذا الطريق مسدود، وإذا تم التدقيق في كتب التفسير العامة والخاصة، يتضح أن معظم شأن النزول للآيات من العامة.

باختصار، شأن نزول الآيات وترتيبها، رغم دورها الكبير في فهم الآيات والقرآن كله، بسبب الفاجعة الكبرى في تاريخ الإسلام ـ وهي انفصال الكتاب عن سنة المعصومين عليهم السلام ـ فقدت الأمة الإسلامية من هذه الناحية فهم القرآن الكريم، وحصلت على أقل استفادة. وليكن في جانب العصمة وقيام الإمام المعصوم عليه السلام هذا النقص أيضًا كما غيره من الجوانب مصفًى من جسد الإسلام. على أمل ذلك اليوم.

يجب التنويه أيضًا إلى أن هذا النقص لا يضر استخدام الأمة الإسلامية بالأصل القرآني؛ لأن آيات القرآن تشكل قوانين عامة ومناطات شمولية، ولا يمكن أن تكون مقيدة أو محددة. وعلاوة على ذلك، لو كان هناك نقص، لما تركه المعصومون عليهم السلام طوال مدة حضورهم دون بيانه، ولم يجعلوا الأمة تعاني منه، كما فعلوا في المواقف الضرورية والملحة بشكل جيد. لذا، هذا النقص ذو جانب خاص وخارجي، ولا يعيق المعنى القرآني أو الاستفادة اللازمة منه.

عاشرًا، الموضوع العاشر الذي يعتبره مفكرو الإسلام مهمًا جدًا فيما يخص القرآن الكريم هو التوسع الكمي والنوعي والواقعي للقرآن، الذي من خلاله يمكننا الغوص في بحر القرآن العميق، ورؤية الموضوعات المتنوعة التي ناقشها هذا الكتاب السماوي، أو بالأحرى ما لم يناقشه. من خلال هذا التتبع يمكن الحصول على فروع العلوم والمواضيع الإنسانية والحياتية بدقة، والاستفادة منها قدر الإمكان. للأسف، في هذا المجال أيضًا، لم يبذل المسلمون والديانات الأخرى جهدًا كبيرًا عبر تاريخ القرآن ولم يولوا الأمر كل الاهتمام. لو كان علماء الإسلام قد أولوا اهتمامًا مشابهًا لآيات الأحكام الفقهية لآيات أخرى، لكان معلومًا اليوم ما هي الحقائق التي بحوزة الأمة الإسلامية من القرآن، فضلاً عن أن انفصال سنة المعصومين عليهم السلام عن القرآن في سيرتهم التاريخية لم يحدث، وهو أمر لا يمكن تخيله، لأن ظروفه لا نستطيع إدراكها بتاريخنا الحالي.

القرآن الكريم هو المصدر الأساسي لكل العلوم والفنون المعروفة أو المجهولة للبشر، وقد شرح أصلها وكيفياتها ببيان دقيق. مقدار تقدم البشرية يعتمد على همتها.

الاستخدام الصحيح للقرآن الكريم يتطلب شروطًا خاصة، ولا يمكن الاستفادة منه في أي مجال إلا بتوفر هذه الشروط، ويجب أن يكون هذا الأمر معلومًا للجميع.

هذا ما كان من توضيح مبادئ وفهم استقصائي للقرآن الكريم، ويجب التأكيد على أن من دون تحصيل المبادئ والشروط، لا يمكن لأحد أن يقترب من هذا الميدان العلمي والروحي الفريد، بل يجب أن يُبحث في هذا الموضوع بشكل موسع في الوقت المناسب.

الطريقة الثالثة: طريقة أولياء الله والراسخين في العلم

هناك طريقة ثالثة وخاصة للاستفادة من القرآن الكريم، وهي ليست موجهة للعامة، ولا حتى للعلماء والدعاة، بل هي علاقة روحية بين القرآن وأولياء الله والواصلين الحقيقيين. القرب من آيات الله والدخول الحي في حضرة حقائق القرآن والتأمل في باطن النزول الرباني، والطريق إلى الغيب الوجودي الربوبي، هي لمن كان صفو صفاءً ووصل وفاءً. ويتطلب ذلك، إلى جانب المبادئ السابقة، وجود شروط وحال روحي خاص. ليس العلم الاصطلاحي وحده كافيًا، بل يتطلب العناية الإلهية والقرب الربوبي والحضور الدائم والانسجام الكامل مع تعاليم الوحي.

من وصل إلى هذه الدرجة يفهم، ومن في الطريق يعلم ما هي حقائق هذا الميدان؛ أما من ليس في الطريق أو ضل فهو لا شيء، وما يقال كلام فقط، وما يورد نقلاً، والحقيقة أسمى من كل ذلك.

أولئك الذين ينظرون إلى القرآن بعين الانسجام ويصادقون هذه الحقيقة الحية، ويقبلهم القرآن، يرون حقائق لا تعبر عنها المعرفة أو الفهم العادي، إنها حياة الوحي وتجليات الآيات الإلهية التي تتدفق باستمرار في العالم. من وضع نفسه في مجرى هذا النور بلغ، ومن لم يفعل فلا.

الذين ينالون الأنس في محضر القرآن ويضعون أيديهم على ينبوع الوحي الحي، يرون الوجود والعالم والإنسان بشكل متكامل، ويشاهدون جميع تجليات ونزولات الوجود في كتاب الوحي بشكل مجسم وحقيقي، ويرون الماضي والحاضر والمستقبل في حيز نظرهم بشكل ثابت وواقعي، ويجدون حقائق الوجود في القرآن بلا وهم أو ظن.

هم الذين يرون آيات الله في حركة دائمة، ويتأملون وجوهها المتعددة برؤية ثابتة، ويدرسون بطون القرآن من آفاق بعيدة وقريبة.

القرآن يخاطبهم وهم يخاطبونه، ويأنسون به في اليقظة والمنام، ويصبح انسهم به دائمًا.

القرآن لهؤلاء المؤمنين الواصلين نزولات وتجلّيات دائمة، ويكشف لهم في كل حين معانٍ جديدة ويبرز وجوهًا متعددة.

نزولات الوحي وتجليات الربوبية تظهر لهم كأن الوحي يظهر لهم باستمرار كالنبي. ما ورد في هذا الصدد من هذا المقام هو مجرد إشارة بسيطة إلى مفهوم عميق تعذر التعبير عنه بوضوح.

(38)

3- ما هو القرآن الكريم

القرآن كلام الله، كتاب سماوي ودستور الإسلام. يناقش القرآن الكريم حاجات الإنسان والمجتمع، ويعمل على استكمال الفرد والجماعة، ويضيء حاضر الإنسان ومستقبله. هذه الخاصية والميزة هي حصرية للقرآن الكريم بين الكتب السماوية والديانات الأخرى، مع كون نبيه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وكتابه خاتم تاريخ الفكر وتطور البشرية.

(40)

تحريف الكتب السماوية

بهذا الوصف، يختلط الفرق بين القرآن والكتب السماوية الأخرى في مجال التحريف على مستوى شكلي، بحيث إذا افترضنا، ولو محالاً، وصول أصل هذه الكتب مرة أخرى من الأنبياء بلا واسطة، لما بقيت مسألة التحريف على التوراة والإنجيل؛ لكن قصر زمن هذه الكتب واستمرارية حياة القرآن الكريم يشكل فرقًا جوهريًا؛ إذ لو نزلت الكتب السماوية الأخرى مرة أخرى، فإنها لا تكفي المجتمع المعاصر؛ لأن عمرها قد انتهى، بينما القرآن كتاب مستمر يبني تاريخ الإنسان.

وهذا السبب يمثل سببًا آخر لتحريف الكتب السماوية؛ لأن قادة هذه الكتب بعد الأنبياء، ولحاجات المجتمع، اضطروا إلى إضافة أو حذف أشياء منها.

الخاتمية وما يُثار حولها

تُعتبر الخاتمية إحدى الخصائص الفريدة للقرآن الكريم مقارنةً بسائر الكتب السماوية التي أُنزلت على الأنبياء السابقين، حيث إن الوحي السماوي قد انتهى بإرسال هذا الكتاب، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله هو الرسول الأخير، والقرآن هو الكتاب الختامي، مع الاعتقاد بأن أحكام القرآن ثابتة ومسلمة في كل الجوانب.

إحدى الانتقادات المطروحة هي: كيف يكون القرآن، باعتباره الكتاب النهائي، صالحاً لكل الأزمنة، وهو يلبي جميع حاجات الإنسان، في حين أن الإنسان ما زال يمر بمراحل نمو وتطور، فهل لا يتعارض كون القرآن خاتماً مع كون الإنسان في بداية مراحل النمو؟

الردّ على هذا التساؤل هو أن الحركة الطبيعية والفلسفية والوجودية تمتد في ثلاثة أبعاد: الطولي والعرضي والعمقي. جميع الموجودات تتطور في هذه الأبعاد، ولكن النمو الطولي محدود للمخلوقات، فبعد فترة معينة، يتوقف النمو الطولي، ويبقى النمو مستمراً في البعدين العرضي والعمقي، مثل الإنسان أو الشجرة أو الحيوان.

وبناءً على ذلك، نقول: إن الإسلام دين خاتم والقرآن كتاب ختامي لأن الإنسان قد بلغ مرحلة اكتمال نموه الطولي، ولا يحتاج إلى نمو إضافي في هذا البُعد، مع بقاء الحاجة للنمو العرضي والعمقي.

القرآن في ذاته متكامل في الأبعاد الثلاثة، لكن الإنسان الذي ما زال في بداية نموه يحتاج للنمو في كل هذه الأبعاد، ويتعين عليه أن ينمو في معاني القرآن من حيث العرض والعمق. لذلك، القرآن يُلبّي حاجات تاريخ الإنسان، لكن الإنسان لم يحقق بعد كل إمكاناته، ويحتاج لأن يستمد حاجاته المعرفية والروحية من القرآن مع تقدمه في النمو.

كيفية فهم القرآن الكريم

ليس هناك معيار واضح لترتيب سور القرآن أو لجودتها؛ فمن يعلم ذلك هو الذي يحيط بكل الوجود. فالقرآن يتمتع بتناغم خاص لا يشبه الكتب المصنفة البشرية.

  • الترجمة: تحويل ألفاظ القرآن من لغة إلى أخرى بقدر الإمكان.
  • التفسير: استخراج مراد وجوهر المعاني القرآنية، وهذا لا يتم إلا من خلال المعصوم عليه السلام الذي يمتلك معرفة شاملة.

القرآن هو الهوية الأساسية للوجود، فلا ذرة من الوجود تخلو من ارتباطها بالقرآن، كما جاء في قوله تعالى: «وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ».

المعصوم هو المفسر الأصيل، ولا يُعتد بتفسير غيره، فقد ورد في الحديث الشريف: «مَن فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

تفسير السابقين

الأعمال التي أُنجزت في مجال تفسير القرآن قليلة نسبياً، وقد تركزت على الجوانب الخطابية، البلاغية، الصوفية، الفلسفية، الفقهية، وبعض الموضوعات الأخرى. ولا تزال هناك أوجه كثيرة لم يُبذل فيها جهد كافٍ أو لم تُكتشف بعد، ويجب تكثيف البحث فيها.

في محضر القرآن الكريم

القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الكامل، المحفوظ من كل سوء، لكنه غريب في أوساط المسلمين وخاصة الشيعة، ويجب بذل جهد كبير لإحيائه في الوعي والممارسة.

من المهم أن يصبح القرآن جزءاً أساسياً من برامج المجتمع الإسلامي، بحيث يتم إكساب المؤمنين معرفة حقيقية به، ويُكوَّن بينهم انس عميق مع آياته ومعارفه الربانية.

التفاعل مع القرآن ليس مجرد إحصاء كلمات أو تعداد صيغ، بل يجب التعمق في أسئلته وأسراره، وممارسة التفكير النقدي والتدبر الواعي في معانيه.

فهم القرآن يتطلب الاستماع بحكمة، التفكير الجاد، الاعتقاد الراسخ، والابتعاد عن التساهل والشكوك غير المبررة.

الانفتاح الفكري وأهمية التفكير النقدي

لا ينبغي أن يكون الذهن مجرد متقبل لما يُقال بلا تحقيق أو شك، بل يجب أن يكون ذهناً متماسكاً غير بسيط التفكير ولا متجاهل. فالنوع الثالث من الأفراد أو المجتمعات هو الذي يسمع بقوة ويفكر بقوة ويطرح فكرًا متينًا بعيدًا عن التبسيط واللامبالاة. إن مجتمعنا بحاجة إلى المسلم المتماسك، ولن نصبح متماسكين إلا إذا سمعنا بقوة وامتلكنا الصلابة في جميع الأعمال.

لذا، مجرد أن ينطق شخص بكلام ويسمعه آخر دون أن يُحدث ذلك في ذهنه تفكيرًا أو شكًا، لا يُثمر نفعًا. يجب أن نستمع بقوة وننظر بقوة، وننظر إلى القضايا بعمق ونتجنب كل أنواع الخيال.

فيما يخص القرآن الكريم

يجب أن نتجنب التعاطي السطحي مع القرآن الكريم، إذ لا تتحقق الفائدة الحقيقية إلا بإنشاء علاقة مباشرة وصداقة معه. علينا أن نطرح أسئلة أساسية حول القرآن المجيد ونستفيد منه بجدية، ونهيئ الأرضية للدخول إلى آياته.

الاتصال المباشر والانس بالقرآن الكريم

قال تعالى:
{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (المزّمّل: 20).
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204).

الاستماع هنا يتطلب جهدًا ونشاطًا، وهو ليس استراقًا مخفيًا بل سماعًا واعيًا. والقراءة في القرآن مجهولة الفاعل، أي أن كل من يقرأ يجب أن نستمع إليه.

إن أول خطوة لبناء علاقة وثيقة مع القرآن هي القراءة المستمرة والاستماع لكل من يتلوه.

ضرورة المواظبة على قراءة القرآن

يجب أن يكون تلاوة القرآن من الأعمال الأساسية لنا، بحيث نلتزم يوميًا ولو بآيات قليلة بحضور قلب وترتيب. ولا يعني هذا ترك جميع الأعمال الأخرى، بل أن تكون قراءة القرآن جزءًا من جدولنا اليومي، ونعقد العزم على ألا يمضي يوم دون قراءة القرآن.

ترتيب موضوعات القرآن الكريم

يُطرح سؤال: لماذا تأتي آيات موضوع معين موزعة في سور مختلفة وليس مجمعة؟ ولماذا لا تُرتب المواضيع بشكل متسلسل لتسهيل الرجوع إليها؟

الجواب أن القرآن شَخصية الكون ووثيقة وجوده، وتوزيع الموضوعات يعكس التنظيم الطبيعي للظواهر المختلفة في الكون. وإن فهم هذا التنظيم يتطلب وجود من يفسر القرآن، وهو المعصوم.

حقيقة الوجود والكون

الوجود أوسع من الزمان والمكان، والكون وحدته ذات طبقات متعددة. كل طبقة منها لها خصائصها وتأثيراتها، والكون منسجم بتنسيق محكم. وإذا نظرنا إليه بسطحية قد نظن أنه غير منظم، ولكن التنظيم يكمن في اختلاف الحركات والأدوار بين الكائنات.

النظام في الكون والقرآن

القول بأن الكون غير منظم قول باطل، والقول بأن عدم النظام نفسه نظام صحيح، كما أن لكل كائن طريقته الطبيعية. لا يعني النظام أن يكون الجميع متشابهًا أو أن يُفرض حكم واحد على الجميع، بل أن يكون لكل كائن مرتبة خاصة به وسير طبيعي.

القرآن كتاب الكون

القرآن هو وحدة متعددة الطبقات، ذات ترتيب طبيعي خاص، حيث لا تكرار فيه وكل آية تحمل معنى ودورًا خاصًا. الفهم الكامل للقرآن يحتاج إلى وجود معصوم، ويوازي حاجتنا إلى القرآن حاجتنا إلى المعصوم.

التنظيم في آيات القرآن

كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أنا القرآن الناطق»، والإمام هو محور العالم ومركز دائرة الوجود، حيث التمركز لا يعني تطابق كل النقاط، بل تناغمها واختلافها في وحدة.

خاتمة

إذا أُزيل جزء من الوجود، يُفقد الكل، كما إذا أُزيلت آية من القرآن دون مراعاة آيات أخرى، ينشأ التناقض. كل الإيمان بالقرآن يتطلب الإيمان بجميع آياته، وكل إنكار لآية هو إنكار للقرآن كله.

ولا يوجد في القرآن ما هو مكرر أو زائد، وكل آية موزونة ومميزة، ولكن فهم هذا يحتاج إلى شروط خاصة مثل وجود معلم كفء، واستعداد ذهني وروحي، وكدّ واجتهاد.

التشرّف بحضور القرآن الكريم

للتشرّف بحضور القرآن الكريم، لا بد من مراعاة ثلاثة أمور: رؤية العالم، إيجاد العالم، والعالمية.

رؤية العالم أو نظرية الوجود هي العلاقة بين الفكر والتفكير لدينا مع العالم، أو أسلوب تفكير الإنسان تجاه العالم والوجود. بين العالم والإنسان، الفكر هو الحاكم؛ فمثلاً نظرتنا إلى النار هي فكرنا عنها وتعبر عن علاقتنا بها.

أما لمس ما في فكرنا فهو إيجاد العالم؛ مثل لمس النار عند التواجد بحضورها، فالإيجاد هو التواجد بحضور العالم، وهو وجود الكائنات والحقائق على مرتبة أسمى من مجرد الامتلاك. أما العالمية فهي أن يصبح فكر الإنسان حقيقة الوجود، وأن يكون الإنسان تجسيدًا للوجود، ويصبح كما في فكره؛ كأن تصل النار في الذهن إلى مرحلة يصبح فيها الشخص نارًا خارجية.

إذا رأى الإنسان نفسه وجودًا وعالمًا، ولاحظ العالمية في ذاته ورأى نفسه ظهور الوجود وأن الوجود هو ظهوره، فهذه هي العالمية التي ترافق الوجود في الظهور والبروز، ويمكن اعتبار هذه الأمور الثلاثة مراحل سير الكمال الإنساني، والتي قد تُسمى أو توصف بعناوين مختلفة، كما يقال: علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين، وهي تعبيرات أخرى لرؤية العالم، والتواجد فيه، والتحول إليه، أو يمكن وصفها بالتفكير، الحضور، والوصول.

امتلاك كل العالم في ذاتك وكونك عالمًا هو أعلى المراتب، لأن “الوجود” مصدر يدل على الثبوت، والعالمية تعني الثبات.

العصمة تعني العالمية، والمعصوم في مقام الكمال يمتلك مثل هذا الموضع.

عندما نقول: “المعصوم هو النظام ذاته، ليس بجانب النظام”، فالمعنى أن المعصوم هو الحق نفسه، لأن المعصوم هو “الوجود”. ومن هنا قال الإمام علي عليه السلام: “أنا القرآن الناطق”، أي أنا الوجود. المعصوم هو العالم نفسه؛ فحيثما تلمس من الوجود، تلمس عضوًا من أعضاء المعصوم.

الإنسان أحيانًا في الفكر، وأحيانًا في الحضور، وأحيانًا في التحقيق والوجود الحقيقي؛ لذلك كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “اسألوني قبل أن تفقدوني”، أي ابحثوا عن الوجود فيّ وابحثوا عن الوجود بي.

لا بد من التشرّف بحضور القرآن الكريم لاكتشاف الوجود، لأنه لا يمكن اكتشاف الوجود بدون القرآن الكريم، ولا يمكن إدراك وبلوغ حقائق الوجود والكائنات إلا بمعرفة القرآن الكريم والأئمة المعصومين عليهم السلام.

العلم والمعرفة بالقرآن وحقائق الوجود لا تتحقق بمجرد معرفة القواعد والكليات العلمية، بل يجب أن تكون مع المعرفة النقية واليقينية عن حقائق الوجود، إضافة إلى أن الانس الحقيقي بالقرآن أسمى من ذلك. فالانس بالقرآن وآياته يتطلب الانتباه الكامل وطيبة الباطن ورؤية واضحة لآيات الله حتى تظهر الروح والنفس من الآيات الإلهية كالأطراف الظاهرة للإنسان، ويتعلق بها المؤمن الكامل ويشهدها.

فالآيات الإلهية تنسجم مع الإنسان بحيث تتحقق كحوار واضح ومعاينة ربانية، وتصبح رفيقًا ورفيقًا محبوبًا في نظر الحضور الإنساني.

إذا وصل الإنسان المؤمن إلى مثل هذا المقام، فلا يتركه القرآن لحظة، بل يعرض عليه حقائقه في النوم واليقظة، في الحياة الدنيا وبعد الرحيل من الدنيا إلى الأبد، فيرويه حتى يصبح كأن المؤمن يقرأ القرآن والقرآن يقرأه، ويصبح لغة الكائنات وكل الوجود ويغني أشعار الحب.

5 ـ تفسير وعلم القرآن الكريم

يُعتبر علم التفسير من أهم العلوم النقلية بين العلوم الإسلامية، وله مقام ومرتبة عالية جدًا. ورغم أن تعريف وتمجيد علم التفسير كان على مر التاريخ الإسلامي مجرد شعارات ولم يتحول إلى عمل فعلي، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا المجال، لم يُحرز أي تقدم جوهري حتى الآن. وبعد مرور قرون عديدة على الإسلام، يبقى القرآن الكريم غريبًا ومجهولًا وغير مألوف مع فكر الإنسان، وما يقتصر عليه تفسيره هو مجرد تأويلات لفظية وفكرية لا تلبّي التوقع المباشر للقرآن الكريم.

ولم يُجرَ حتى اليوم بحث عميق في علم التفسير، وما قيل ويقال في هذا المجال هو أفكار ومعتقدات متخصّصي العلوم الذين يفرضونها على القرآن الكريم. وربما لا يُلام البشر وخبراء العلوم الإسلامية كثيرًا، لأن كل علم يحتاج إلى أستاذ ومربي كفء، وحيث أن أستاذ القرآن الكريم هم الأئمة المعصومون عليهم السلام – الذين هم القرآن الناطق – وهم غير ظاهرين في المجتمع، فإن كل شخص يتكلم من ظنه ويُلوّن معتقده بلون قرآني، والنتيجة أن هذه التفاسير لم تُثمر سوى ألفاظ وعبارات لا أكثر، رغم وجود كتب تفسيرية كثيرة في سوق النشر.

ومع ذلك، لا يجب إنكار أن هناك بين علماء الشيعة وأتباع مذهب التشيع من ساروا – ولو قليلًا – على طريق الحق والفكر القرآني، وذلك بفضل تعاليم الأئمة عليهم السلام. ويجب القول أيضًا إن بعضهم استخدم قدرته العلمية ومجال تفكيره ما استطاع وأدرك في هذا المسار، لذلك يتضح لماذا لم تتمكن البشرية والمجتمع الإنساني حتى الآن من سماع نداءة ملكوت القرآن الكريم بعد قرون طويلة والبحث عنها، لأن ما قيل هو فقط ما أُدخل على نظام الوحي وطرائق القرآن، وهو أمر لا ينسجم مع الطبيعة البسيطة والنقية التي وضعها الله في فطرة الإنسان.

ومن الواضح أن كل ما وجده الإنسان أو فقده هو هذه الطبيعة، وعندما لا تتوافق هذه النسخ الفكرية المعدّلة مع طبيعته وأفكاره، فإنه بطبيعة الحال لا يتبعها، كما أنه لم يتبعها أبدًا، وأولئك الذين زعموا أنهم مهتدون لم يكونوا إلا بتصورات ناقصة واكتشافات أضعف منها.

الآن يطرح السؤال: ماذا يجب أن نفعل؟ هل يجب أن نتبع الناقص إلى أن نصل يومًا إلى الأفضل والأكمل والواقع؟ أم يجب أن نترك الناقص لأنه ناقص، ولا توجد مسؤولية في هذا المجال؟ أم يجب أن نبحث بلا هوادة عن الواقع الخفي ونتبعه؟

على الرغم من كثرة الكلام والآراء في هذا المجال، إلا أنه يجب القول إن التخلي عن الإمكانيات المتاحة في ما يتعلق بالقرآن الكريم أمر خاطئ للغاية. فهل من الممكن أن يترك الله العالمين في حيرة وعجز؟ وهل يعقل أن يترك الأمر لمجرد أنه ناقص؟ هذا الموقف هو موقف السلبيين والمهووسين الذين يريدون أن يرضوا أنفسهم براحة نسبية وكاذبة في هذا السوق المضطرب.

وكذلك، الفكرة القائلة بوجوب ترك الناقص والبحث عن الحقائق الخفية هي فكرة خاطئة، لأنها نوع من تعطيل الفكر والضلال، ولا يمكن أن يكون الطريق الذي يُنشر للمجتمع والجميع ليختاروه ويتبعوه، وحتى إذا حاولنا اتباع هذا الطريق، فهذه الطريق…

… وحتى إذا حاولنا اتباع هذا الطريق، فهذه الطريق لا تؤدي إلا إلى التفكك والضياع، لأنها تفتقر إلى الأسس والمنهجية الصحيحة التي تضمن التوجه إلى الحقيقة والواقع.

وعليه، لا بد من السير في سبيل الاستفادة من كل ما هو متوفر في فهم القرآن الكريم، مع العمل الجاد والمثابرة لتطوير طرق التفسير والرؤية القرآنية، مستندين في ذلك إلى تعاليم أهل البيت عليهم السلام الذين هم المدرسة الحقيقية لفهم القرآن.

ولا يغيب عنا أن المعصومين عليهم السلام هم القرآني الناطق، وبمصاحبتهم والفهم العميق لتعاليمهم، يمكن للإنسان أن يرتقي في معرفته إلى مستويات عليا ويقترب من حقيقة القرآن وروحه.

وهكذا، لا يكون القرآن مجرد نصوص وكلمات يُتلى ويُفسر تفسيرًا ظاهريًا فحسب، بل يتحول إلى حياة وروح وسلوك يملأ الإنسان نورًا وحكمةً، ويقوده إلى الاتصال المباشر بالحقائق الإلهية.

إن هذا التشرف بحضور القرآن الكريم ومرادفات التعرف إلى أبعاده الحقيقية لا يتحقق إلا من خلال الإيمان الصادق، والصفاء القلبي، والارتباط الروحي بأهل البيت عليهم السلام، وهذا هو السبيل الوحيد للوصول إلى العلم الحق والتفسير العميق الذي يواكب روح القرآن ويحفظ جوهره.

ما هي الحقائق وأين هي؟ ومن هو المرشد والسبّاق الذي يجب أن يُتبع كي لا نظل نحن أكثر حيرة؟ ومن المعروف أن نتيجة هذا الطريق، كما جرت تجارب مجموعات عديدة، هي ما هو معروف. الكذب والخداع والمكر والسحر والأوهام وآلاف الحِيَل الخادعة باسم المرشد التي لا تثمر إلا قليلاً من بين كثير، فماذا ينبغي أن يُفعل في هذا السوق المضطرب؟

من الواضح أن لا سبيل سوى السير في طريق ناقص واتباع الموجود حالياً. بالطبع، يجب أن يكون هذا النقص واضحاً، وألا يكون مجرد نقص يُسقط الإنسان في شرك التشويش الذي يجذبه في كل اتجاه، لأن كل الهزائم والضلالات البشرية تلخصت في هذا السؤال: ماذا نفعل ونحن نفترض وجود النقص؟

يجب على الإنسان، لأداء واجبه تجاه المسؤولية الإلهية تجاه القرآن الكريم، أن يأخذ في اعتباره اتجاهين حتى ينال السعادة الأبدية بيقين وثقة:

أولاً، في ظل هذه النواقص والتفسيرات غير الكاملة، يجب أن يتبع من له بعض المعرفة والخبرة في هذا الفن، ومنه يستمد كلامه من أهل العصمة عليهم السلام، ولا طريق غير طريق العلماء الشيعة، أولئك الذين يستمدون أفكارهم من المعصومين عليهم السلام، وليس أولئك الذين يضعون رؤاهم في مواجهة ما ورد عن أعدائهم. ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء الشيعة هم من يجتهدون عملياً، ولا يبخلون بأي جهد لتطبيق أفكارهم في أنفسهم وحياتهم ومجتمعهم. ومن الواضح أن هذا الأمر صعب جداً، خاصة حين يصل الحال إلى أن يُقال: والسلام. ومع ذلك، على ورثة الحق والعلماء الحقيقيين أن يسيروا في ظلمة هذه الليالي الحالكة، وفي متاهات الحيرة وشقوق الطرق الوعرة، بعزم وإيثار وتضحيات كثيرة، وبعصا مكسورة، وبتأنٍّ كبير، مستمرين في هذه المسيرة، متبعين هذا الطريق.

ثانياً، على هؤلاء العلماء الحق وأتباعهم الواعيين أن يثمّنوا ما توصلوا إليه، لكن لا يرضوا به أبداً، بل يكونوا دائماً في سعي مستمر لتحصيل معرفة أكمل وحقائق أعمق، ولا يعتبروا وضعهم العلمي الحالي مهما كان مثالياً، بل يسيرون بجنون وعشق وراء الحقيقة، حتى يفرغوا أرواحهم أو ينالوها. هذه هي حقيقة الانتظار، وهو القائد الكامل والمثالي للإنسان، الذي سيُنقذ البشرية كلها من هذه التيه يوماً، وهو الذي سيُظهر حقيقة القرآن الكريم والدين، ويتبين للجميع ما هو المثالي للبشر، وما هو طريق الإنسان، وما معنى قوله تعالى: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه». على أمل ذلك اليوم، وبأمل السير مع ذلك الرجل الحق.

وجوه تفسير القرآن المجيد

تفسير القرآن الكريم علمٌ بحث فيه العلماء المسلمون من جوانب متعددة، كالأدب، والكلام، والحكمة، والفقه، وغيرها من العلوم المرتبطة به. وبالطبع، كلٌّ نظر إلى القرآن الكريم من منظوره التخصصي في العلم الذي يبرع فيه، وأخذ خطوة في هذا المجال.

وعليه، يجب القول إن جميع الخلافات الأساسية والانحرافات في المعاني، سواء من ناحية الأدب أو العقائد أو الذوق الصوفي، تنبع من هذا المنطلق، فكل مفسر يُعدّ مفسراً من زاوية علمه ومعرفته الخاصة. ومن المعروف أن كل تفسير يحمل أهمية من هذا الجانب؛ فعلى سبيل المثال، المناقشات الأدبية يمكن إيجادها في تفسير مثل «الكشاف»، والمباحث الكلامية، رغم ما فيها من تشكيك، في تفسير الكبير لفخر الرازي، والمباحث الصوفية والفلسفية في تفسيرات وكتب المتصوفة كابن عربي.

ربما جميع هذه الأقوال في مختلف المجالات تتخذ موقفاً موحداً، ولا يوجد اختلاف جوهري في العمل، بل كل شخص يظهر قدرته التخصصية تجاه القرآن الكريم، ومع ما قد يصاحب ذلك من أخطاء أو سوء فهم أو جهل، فإن الجميع يسعون لهدف واحد. أما الاختلافات فتنشأ من عدم فهم الأفراد لمجالات العلم المختلفة، وإلا فالقرآن الكريم حقيقة واحدة ووجهة ثابتة، والطبيعة السليمة للإنسان بعيدة عن كل الأحكام المسبقة تجد تلك الحقيقة بوضوح.

أما مسألة بطون القرآن الكريم، كما ورد في الأحاديث، حيث يُقال أن له سبعين أو سبعمائة بطن، فليس المقصود بها أن كل بطن يتناقض مع الآخر أو مختلف عنه، بل كل بطن يمثل مرحلة متقدمة من الأخرى إلى درجة لا يطيقها أكثر الناس من الفهم والاستيعاب. فمثلاً، أحدهم يتناول القرآن في لفظه، وآخر في معناه، وثالث في تفسيره، ورابع في تأويله، وآخر في عرفانه، وأعلى من ذلك، كما يُقال: «من صمد ومن باء باسم الله» يُدرك القرآن بطريقة لا تحتمل سماعها إلا القليل من أولي العزم والعقول.

الأغلبية في القرآن الكريم

الفرق بين الوهم والخيال هو أن الخيال يشكّل صورة ويكون جزئياً، أما الوهم فهو إدراك معاني جزئية بلا صورة، والعقل يُدرك المعنى الكلي بلا صورة أيضاً. وإن كان رأي الكاتب أن الموجودات الذهنية لا تحمل صورة، وأن العلم لا ينقسم إلى صوري وحضوري. فالعلم والوهم وغيرها من الهويات العلمية لا تحمل صورة، والصورة في مقام العلم ليست ذهنية، بل العلم من جنس المجردات ومن ظهورات المعاني.

الخيال والوهم والعقل هي مراحل ثلاثة للتصور، تختلف بحسب الكائنات الواعية. والقوة العاقلة والقدرة على الاستنتاج العام هي اختصاص الإنسان فقط. مع أن الحيوانات تمتلك وهمًا وخيالًا بدرجات مختلفة، فبعضها يملك خيالًا وبعضها أكثر قوة في الخيال، وبعضها يملك وهمًا إضافة إلى الخيال، مع تفاوت كبير في القوة بين تلك القدرات. وكذلك الكائنات والوجودات العليا المجردة تملك إدراكات كلية واسعة مع إرادات ثابتة، والفرق بينها وبين الإنسان هو في الإرادة وثبات الإدراكات. وإن كان ثبات الإنسان في الإدراك نسبياً وسببياً، لكنه لا يقبل الزوال.

بعض الظواهر تمتلك خيالاً قوياً، وبعضها يمتلك وهمًا قوياً، وبعضها يمتلك كلاهما بدرجات متفاوتة.

مراتب الكمال تمتد من الحياة والوعي الأولي حتى حياة ووعي الحق. وليس صحيحاً أن الإنسان وحده يمتلك الوعي، بل كل الموجودات من المادة إلى المجرد تمتلك شعوراً. وليس كل الحيوانات متساوية في الإدراك والفهم، ولا كل البشر الذين هم من ذوي القدمين يمتلكون العقل الفعلي.

قليل من البشر يمتلكون القوة العاقلة بدرجات متفاوتة، وبعضهم في معاني جزئية وفي مقام الوهم، وكثيرون في مقام الخيال، وكثيرون يمتلكون الخيال ضعيفاً، وقليل منهم لا يملكون حتى خيال الحيوان، وبقيوا في مرتبة الطبيعة.

إذاً، القرآن الكريم في كثير من آياته يصف صراحة أو بالرمز أن معظم البشر يفتقرون إلى العقل، أو أنهم لا يستخدمون القوى العقلية. ويهدف القرآن من ذلك إلى كشف هذه الحقيقة، حيث أن القليل من البشر هم من يصلون إلى استعمال العقل، ومعظم…

… ومعظم الناس يبقون في مراحل أدنى من التفكير، حيث يحيط بهم الوهم والخيال، ولا يصلون إلى مستوى العقل الفعلي الذي يستطيع فهم الحقيقة بشكل واضح.

إن هذا الوصف القرآني يوضح أن العقل ليس فطرة فطرية لكل إنسان بدرجة متساوية، بل هو هبة ينالها بعض الناس بالعلم والجهد والتربية. ولذلك، فإن الدعوة في القرآن إلى استعمال العقل والتدبر ليست مجرد توصية عامة، بل هي دعوة للارتقاء بالمستوى الذهني والروحي للإنسان.

وفي ضوء هذا، فإن مسؤولية العلماء والفقهاء والمفسرين أن يساعدوا الناس على الوصول إلى تلك الدرجة من الفهم والتفكر التي تمكنهم من الاقتراب من المعنى الحقيقي للقرآن، وليس الاكتفاء بالتفسيرات الظاهرية أو التقليدية فقط.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة وهي ضرورة استمرار البحث والاجتهاد في تفسير القرآن، وعدم الرضا بما هو قائم فقط، لأن فهم الإنسان يتطور مع الزمن، ويحتاج إلى استكشافات أعمق في معاني النص القرآني.

افتقارهم إلى التأملات العامة والثابتة

هم يفتقرون إلى التأملات العامة والثابتة إلى حدٍّ أن بعضهم لا يستفيد من الوهم والخيال بالقدر الكافي، ويُوصفون بـ «بل هم أضل»(١) التي تعبّر عن تعطّل العقل النظري والعملي، لأن معظم الحيوانات على الأقل تمتلك الخيال بدرجات مختلفة، ولكن هذا الكائن ذو القدمين لا يفعّله في الفكر والعمل. فعبارات مثل «بل هم أضل» أو «أكثرهم لا يعقلون» وغيرها من التعبيرات التي وردت في نحو مئة آية تعبّر عن حقيقة فلسفية، والغرض منها ليس إهانة الإنسان أو تحقيره، إذ كما قد ينمو جسد الإنسان عرضياً ويزداد سمناً مفرطاً دون أن يبلغ الطول المناسب، أو ينمو طويلاً بدون بنية عظمية قوية، فقد ينمو جسم الإنسان من حيث الطول والعرض والعمق، لكن عقله قد لا ينمو أو يكون نموه ضئيلاً.

وكما يجب أن يمر النطفة بمراحل تطورية من نطفة إلى علقة ثم مضغة ثم عظام يكسوها اللحم، ليخرج إنسان صغير ثم متوسط ثم كبير، يجب أن تمر نطفة الفكر أيضًا بمراحل تطورية حتى تكتسب الاستعداد الطبيعي للحركة العقلية المناسبة. فقد يكون الفرد ناضجًا ماديًا وجسديًا لكنه لا يزال في مرحلة النطفة الفكرية أو لم يكتسب استعداد النمو في هذه المرحلة بعد.

الفارق بين الظاهر والباطن

لا ينبغي للإنسان أن يغتر بمظهره الخارجي من هيئة وعين وأذن، لأن استعداد نطفة الفكر يحتاج إلى حركة وبيئة مناسبة. وهنا يظهر اختلاف النمو التكويني للحيوانات في الجانب المادي والإدراكي منذ الولادة وما قبلها، حيث تختلف فترة الحمل والنمو والاستقلال باختلاف النوع.

وكما أن سنوات النمو تختلف بين البشر بشكل طبيعي، كذلك النمو الإدراكي. فقد يكون الإنسان من الخارج بشريًا، لكنه في الفكر أو الفعل لم يبلغ بعد مرحلة التكوّن الفكري، بحيث قد يفتقد حتى إلى صورة الفكر لديه، بينما تستطيع الحيوانات أن ترى وتصل إلى حد رؤية ذاتها. فالحيوانات تدرك بشكل متفاوت؛ فالغنم يجب أن يُقاد إلى المذبح بالعشب، أما الحمام فيدرك بحركة بسيطة.

التأمل في هذه الفروق

هذا الفهم الدقيق يزيل الوهم الباطل بأن الإنسان وحده هو الناطق بين المخلوقات، بل جميع المخلوقات ناطقة ولكن نطق كل منها يتناسب مع مقام وجوده، ولا يجب أن يكون نطقها مثل الإنسان. فلا يعني عدم تحدثها معنا أنها لا تمتلك شيئًا، وعدم كلامها ليس نفيًا لوجودها. فما الذي يعرفه الإنسان المغرور الغافل عما يدور فيها؟ لذلك، ينقل أهل المعرفة عن نطق الحيوانات، وإن كان نطق الإنسان يختلف عن باقي الكائنات.

مثلاً، الحمار الذي يُعدّ أحمق الحيوانات، في صمته ضجيجٌ، وينظر بعين حكيمة كأنه لا يعتبر الإنسان من صنفه.

معرفة الحيوانات

يجدر بذل الجهد في المعرفة الحقيقية للحيوانات. فبعضها يحتاج إلى إطعام، وآخر يجد طعامه بنفسه، وثالث لا يرغب في شيء، وكلهم من الحيوانات. كثير من البشر تائهون في هذه المراحل وأدناها. ليس من قبيل الصدفة أن الحجر والتراب والأوثان والبقر تُعبد، في حين يبقى موسى وعيسى عليهما السلام في رسالة الأنبياء معلّقين بسبب عوام الناس. قد يُعبد أي بقرة أو عجل، ولكن لا يقبلون موسى وعيسى كنبيين، وهذا بسبب التماهي والتشابه؛ فالنبي يتحدث عن الحق ويجسده، والآخرون يتحدثون عن أنفسهم. ولهذا، كان الأنبياء يتبعون الناس على شكلهم، وإلا لما وجدوا أثرًا للدين والإيمان لولا أن الله هداهُم بالإرشاد، وجعل التوجه نحو القبلة والكعبة والحجر الأسود سبيلًا.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V