صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

مراتب الولاية

نشر في آذر 13, 1404 في

مراتب الولاية

البيانات الببليوغرافية:

المرجع: ، ، 1327 هـ.ش. –
العنوان والمؤلف: مراتب الولاية / .
مكان النشر: طهران: منشورات صباح فردا، 1393 هـ.ش.
الصفحات: 82 صفحة.
الرقم الدولي الموحد للكتاب (شابك): 978-600-6435-17-6
سعر النسخة: 35000 ريال.
حالة الفهرسة: فيبا.
ملاحظات: الطبعة السابقة: ظهور شفق، 1386 هـ.ش (84 صفحة).
ملاحظة: الطبعة الثانية.
ملاحظة: فهرس الكتب في شكل حواشي.
الموضوع: الولاية.
تصنيف الكونغرس: BP223/8/N76M4 1393 هـ.ش.
تصنيف ديوي: 297/45.
رقم الفهرس الوطني: 3684125.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

لقد ورد في الكثير من الروايات تأكيد عظيم على «الولاية» وضرورة معرفتها والإيمان بها، حتى أُعتبرت الركيزة المحورية للدين.

فما هي «الولاية»؟ ومن هم الذين تتحقق فيهم؟ وكيف يمكن بلوغ مقام الولاية؟ وهل هي هبة كاملة لا دخل للاكتساب فيها؟ وهل يمكن إثبات الولاية بطريقة علمية وأكاديمية؟

يتناول هذا الكتاب هذه الأسئلة بالإجابة عليها، ويبحث في دلالة لفظ «الولاية» وتحولاتها الدلالية عبر التاريخ، ويؤكد أن الولاية هي الوجه الباطني للحق تعالى في ذاته، وفي خلقه تعود إلى الحق.

تستعرض هذه الدراسة مراتب وأبعاد الولاية، وتبحث في الولاية التكوينية للأنبياء والرسل المعصومين عليهم السلام، الذين يحملون مرتبة الولاية التنزيلية للحق سبحانه، وكذلك الولاية التشريعية لهم. كما تتناول الأدلة على ولاية الفقيه، وتجيب على بعض الشبهات المهمة المطروحة في هذا المجال، بإجابات جديدة ومتميزة.

الولاية

حقيقة «الولاية» هي من أهم ركائز العقائد الإسلامية ومن أركان التعاليم الإلهية في الإسلام.

في بحث الولاية، هناك جانبان أساسيان: الجانب المفهومي، والجانب الواقعي الذي تتجسد فيه الحقيقة.

يستلزم البحث في الحقيقة الروحية والربوبية للولاية دراسة من الذي تتحقق فيه هذه الحقيقة، وكيف تظهر في بعض الأشخاص، وما هي آثارها وخصائصها، وهو ما يتطلب أبحاثًا علمية وروحية واسعة.

أما الجانب الثاني فهو تحليل الأدلة العقلية والنقلية للولاية، وبيان صفات وأحكام وشروط أصحاب الولاية.

حقيقة الولاية

إدراك حقيقة الولاية والوصول إليها شأن خاص بأولياء الله الحق، وهم من يدركون مراتب الوصول وآثارها. فلا يمكن فهم الولاية حق الفهم إلا بالوصول الروحي والرياضية، وليس بالحوار والنقاش فقط.

الوصول إلى هذه المقامات لا يتم بالقلم أو الكلام، بل بالصفاء النفسي والروحاني، وهذا الأمر يحتاج إلى زمان ومقام خاص، وقد تناولناه تفصيليًا في كتب أخرى.

مادة الولي

الولاية مأخوذة من مادة «ولي». يجب في البداية دراسة معنى «ولي»، «مولى» و«ولاية» بدقة، ومعرفة دلالات المادة الأصلية.

على مر التاريخ، تغيرت دلالات هذه الكلمة كثيرًا، وتعرضت لنزاعات مذهبية أدت إلى تشويش المعاني. «مولى» على وزن مفعل، وله معنى المصدرية للولي أو الأولوية.

كل هذه المعاني تعود إلى أصل «القرب» و«الوصال» الحقيقي، المبني على «الحب» و«الفضيلة» و«اللياقة»، ويتضمن السيطرة والحكم والتفوق التكويني والشكلي.

المولى هو أولى بالأمر، والولي هو صاحب الأمر والولاية، التي هي الوجه الباطني لحقيقة التفوق على الأمور بمستويات الكمال المختلفة. حتى الرسول والنبي والخليفة والإمام هم مظاهر ظاهرية للولاية.

الولاية تعني الوصول والقرب الحقيقي، والسبب الرئيسي في الوصول هو «الحب»، والحكم من آثاره.

كل ولي في نطاق ولايته يتفوق على المولى عليه، والكل مبني على الحب والقرب.

قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} (البقرة: 257)، دلالة على المعاني الثلاثة: القرب، والحب، والتفوق.

قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، والتي تشير إلى القرب، والحب، والتفوق.

وكذلك «علي ولي الله» تعني القرب من الله، الذي هو بسبب الحب، مما أدى إلى ولاية الإمام على كل الموجودات.

لقد تناول علماء الكلام واللغة والفقه مفهوم الولاية، لكن مع الأسف، أفضى ذلك أحيانًا إلى انقسامات مذهبية ظالمة، خاصة تجاه أمير المؤمنين علي عليه السلام، الذي تعرض للظلم والإساءة من أعدائه الجهلاء، الذين حاولوا إلباس هذا المصطلح معانٍ مشوشة لطمس حقيقته.

لكن الحق واضح، و«والله من وراءهم محيط» (البرج: 20) يعري هؤلاء.

في الختام، رغم كثرة استخدام كلمة «ولاية» في معانٍ مجازية، تبقى كلها تدور حول حقيقة القرب، والحب، والسيطرة، التي تتجلى من التكوين إلى التشريع.

الوجه الباطني

لقد قلنا إن الولاية هي الوجه الباطني الذي يعود في حقِّ العلي الأعلى إلى الذات، وفي الخلق إلى الحقِّ سبحانه وتعالى. فالولاية هي العلاقة الباطنية التي تربط المخلوقات بالحقِّ تعالى، والتي تقوم على القرب والحب والعشق؛ بمعنى أن الولاية تولد بعد العشق. وهذه الحقيقة، في المخلوقات، رغم ما لها من مظاهر نسبية واتجاهات وأحوال مختلفة تظهرها، وتتنوع فيها مظاهر الظهور والاختفاء بين الأفراد والأشياء وجميع الموجودات، إلا أنها في حق العلي الأعلى تتمتع بمدلول مطلق وحقيقة وجوبية خاصة، وتنأى عن كل ما هو نسبي أو يتعلق بالأحوال.

فالولاية في مقام الوجوب والوجه المطلق، دون قيد بالاطلاق، هي محصورة في حضرة الحقِّ تعالى.

أما الولاية في المعصومين عليهم السلام فهي تنزيل من مقام الوجوب، وتشمل العصمة والبعد عن كل انحراف أو نقص، وتمتاز بكونها إطلاقاً تنزيلياً، وهذه المرتبة والدرجة خاصة بأولياء الله وأئمة المعصومين عليهم السلام، وسيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام، وخاصة ولي الله الأعظم، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين علي عليه السلام. في مراتب التنزلات الأخرى، يحدث تنزل في المرتبة، وتأخذ الولاية صفة شرطية أو تقييدية، وتظهر في نطاق أولياء الله الصالحين.

ويستمر هذا التنزيل والتنزل بهذه الصورة حتى يصل إلى مظاهر الوجود في عالم الناسوت ومختلف عوالمه، ويشمل أدنى درجات النزول، ولكل منها نصيب من هذه المرتبة بحسب حدِّ وجوده، ويحكم ضمن نطاق وجوده. فالماء في الإناء، والريح في الهواء، والتراب على الأرض، والغبار على الطريق، والنار في كل أوان وجودها، يمارسون سيطرة وجودية بولاية الحق.

الوجه الظاهر

الولاية هي باطن كل الموجودات وعموم الوجود، والظاهر بمستوياته المختلفة هو الوجه والمظهر والهيئة الظاهرة للموجودات، ويأخذ جناب الحق في الظاهر أسماءً، والوجه الباطني هو ذاته ظاهر يحمل عناوين مثل “العصمة” و”الولاية” و”الرسول” و”الإمام”. ويستمر الظهور والإظهار في كل المستويات، ويفتح الوجه في كل الموجودات، ويُظهر ذاته ويحكم في دائرة وجوده، ويمتد بظلاله على كل التكوين والتشريع.

مناسبة الحكم والموضوع

الأمر الذي يحظى بأهمية بالغة، ولا يجوز التغاضي عنه، هو مناسبة الحكم والموضوع في جميع مراتب الولاية. يجب أن تتوافق العناوين والأحكام لكل ولي مع خصائصه وصفاته المعنوية، ويلزم أن تكون عناوينه واختصاصاته العقلية، والتكوينية، والشرعية مصاحبة لكمالاته المعنوية.

فلا يُعتد بأي ولاية لا ترتقي إلى مستوى الكمال والموقع المعنوي، فلا تتحقق له السلطة الروحية والشرعية.

ولا يجوز أن يحمل أي شخص لقباً ولا ولاية دون موقع ومنزلة معنوية.

الولاية الإلهية التي هي وجوب ذاتي وغنى أزلي تختلف عن ولاية المعصومين التي هي إطلاق تنزيل نسبة إلى الوجوب الذاتي؛ سواء في الأصل أو في الأحكام والصفات.

فالولاية العليا تختلف عن الولاية الدانية، والولاية الصالحة عن الفاسقة، وولاية ذوي الإدراك والإرادة عن ولاية ذوي الشعور فقط. كما تختلف ولاية الأب عن جدّه، وولاية النيابة عن الأصل، وكذلك ولاية هؤلاء عن ولاية النبي والإمام.

وكما أن ولاية الحق ذاتية، فإنها تتصف بأحكام ذاتية، أما الولاية غير الإلهية فهي حكماً معطاة، وتخلو من الأزلية الذاتية رغم امتلاكها لأزلية من نوع الإعطاء. ولاية أولياء المعصومين عليهم السلام، رغم عصمتهم وإطلاق تنزيلهم الأوّل، ليست منفصلة عن الولاية المعطاة؛ فهم مرآة كاملة للحق، يظهر الحق فيهم بشكل واضح ومتميز، ويتم الكشف عن ذلك في التنزيلات الظاهرة.

ومن هذا الطرح الموسع نستخلص أمرين مهمين يشكلان أساس الفكر الصحيح والاعتقاد الكامل:

الأول: موقعة حضرات المعصومين عليهم السلام في مسألة الولاية؛
والثاني: موقعة غيرهم في هذا المجال.

موقعة حضرات المعصومين عليهم السلام في الولاية

إن الأنبياء الكرام والمعصومين والأئمة بحق عليهم السلام، رغم امتلاك كل منهم مرتبة خاصة ومقامات متباينة، يجمعهم حكم واحد في أصل العصمة والبعد عن الانحراف والنقص، فلا يصح الخطأ أو العصيان في حقهم. كل الظواهر التي تناولت الحديث عن خطأ أو معصية نسبت إليهم تتعلق باختلاف مراتبهم، ولا ينبغي تفسير أي نقص في شخص منهم بناءً على تفوق آخر، بل يجب تأويل جميع الأحاديث المتعلقة بهذه المسائل في إطار اختلاف المراتب.

منهج علماء الشيعة في مواجهة افتراض الخطأ أو العصيان في الأنبياء هو التنزيه، بحيث يُطرح الاتهام أولاً ثم يُبرَّأ المعني منه. التنزيه عن الأنبياء عليهم السلام هو في الحقيقة لفظ الاتهام نفسه قبل الرد عليه، وهو أمر غير ملائم لهذه القضية العظيمة، بل يجب تقديم تفضيلهم وتدرجاتهم، فتُزال كل أوهام تتعلق بسلسلة مقاماتهم.

التنزيه أو التفضيل للأنبياء عليهم السلام

يجب أولاً بيان مقامات الأنبياء عليهم السلام وتحديد مراتبهم، ليُظهر أن أي نقص أو عيب لا ينالهم، وليس أن يُتهموا أولاً ثم يُبرَّأوا. الذين كتبوا في تنزيه الأنبياء عمدوا إلى توجيه الاتهامات لهم قبل التنزيه، وكان الأولى أن يذكروا المراتب والمقامات ليدحضوا الباب أمام أي اتهام. وهذا عمل ثقيل، ونسأل الله التوفيق لتحقيقه في الوقت المناسب.

وفي وسط المعصومين عليهم السلام ـ من الأنبياء والأئمة ـ يبرز شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومون وسيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام بموقع ومرتبة خاصة ومتميزة، لهم مقام “الإطلاق” و”التنزيل الأول”. هم يمتلكون أزلية العطاء، ونور خاص يتجلى من خلاله ظهور جميع الأ في كل العوالم. هم التنزيل الأول للذات الإلهية، ويحملون كل أسماء وصفات الله بنزول، وعصمتهم المعطاة أزلية في إطلاقها. هذا الطرح لا يثير أي اعتراض، وإن اعتُبر غلوًا فهو من جهل علمي وليس له أساس فلسفي.

عندما يُعتبر المعصومون عليهم السلام تنزيلاً من الحق ومبتعدين عن مقام الوجوب الذاتي، ويُعتبر وجودهم الشريف حاضراً في مظاهر الفقر والإمكان، يكون الغلو والتقديس المبالغ فيهما بلا معنى، بحيث أنه لو نُسب إليهم كل أسماء الله الحسنى، لا يعد ذلك مبالغة أو شركًا، إلا عند من يفتقر إلى المعايير العلمية والدقة الفلسفية.

لَدَيْهِمْ تَفْكِيرٌ شَعْبِيٌّ سَطْحِيٌّ، وَإِلَّا فَلَوْلَا ذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ لِلْتَنْزِيلِ وَالظُّهُورِ غِنًى وَوُجُوبٌ أَوِ اسْتِقْلَالٌ ذَاتِيٌّ – وَهُوَ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وُجُودُ أَصْحَابِ الْحُضُورِ الْمَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ هُوَ صِفَاتٌ وَأَسْمَاءُ التَّنْزِيلِ لِلْحَقِّ، وَهُمْ خُلَفَاءُ جَمِيعِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلرَّبِّ فِي مَظِلَّةِ الْخَلْقِ وَالتَّشْرِيعِ، وَيَمْلِكُونَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ وَالأَلْقَابِ بِالتَّنْزِيلِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ اسْتِقْلَالٌ أَوْ وُجُوبٌ ذَاتِيٌّ. فَهُمْ يَمْتَلِكُونَ جَمِيعَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلرَّبِّ، وَجَمِيعَ هَذِهِ الأَلْقَابِ بِالظُّهُورِ الْأَزَلِيِّ، وَهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِالإِطْلَاقِ الْأَزَلِيِّ وَالظُّهُورِ فِي جَمِيعِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، دُونَ وُجُوبٍ ذَاتِيٍّ أَوْ ذَاتٍ غَيْرِ مَمْنُوحَةٍ – وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلرَّبِّ.

فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ الْحُضُورِ الْمَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ هُمْ مَعْصُومُونَ وَيَحْمِلُونَ مَقَامَ الإِطْلَاقِ وَالتَّنْزِيلِ الأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَائِنَاتٌ فَقِيرَةٌ وَمُحْتَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ فِي مَجْلِسِ الْوُجُوبِ الذَّاتِيِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الأُخْرَى إِلَّا فِي الْإِدْرَاكِ وَالْمَعْرِفَةِ.

فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُمْ فُقَرَاءَ وَمُحْتَاجِينَ وَرُبَّمَا لَمْ يَدْرِكُوا هَذَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْحُضُورِ يَدْرِكُونَ هَذَا الْفَقْرَ بِصِحَّةٍ، وَيَدْرِكُونَ بِوَصْفِ الإِطْلَاقِ فِي الصِّفَاتِ، وَالْأَزَلِيَّةِ فِي الْكَمَالَاتِ، فَقْرَ الذَّاتِ وَالْعُبُودِيَّةَ الأَزَلِيَّةَ بِوُضُوحٍ وَتَقْصِيرٍ، كَمَا قَالُوا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ فَقِيرًا فِي فَقْرِي.»

وَبِالْعَكْسِ، فَالإِطْلَاقُ وَالْأَزَلِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ لَيْسَا مِنْ غُلُوٍّ أَوْ كُفْرٍ، بَلْ يُثْبِتَانِ الْفَقْرَ الأَزَلِيَّ، وَلَيْسَ الانْفِصَالَ وَالِاعْتِزَالَ وَالاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ بَعْدَ اللَّهِ.

فَأُولَئِكَ الْكَوَانُ الْكَرِيمُ فُقَرَاءُ اللّهِ الْأَزَلِيُّ، وَيَدْرِكُونَ هَذَا الْمَعْنَى. وَالْآخَرُونَ بَعِيدُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ فُقَرَاءَ لِلَّهِ، فَهُمْ فُقَرَاءُ مُؤَقَّتِينَ وَمَقْيَدينَ بِعُمْرِهِمُ الْقَصِيرِ، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ بِنَفْسِهَا جَهْلٌ.

وَلِذَلِكَ يَغْرَقُ أَصْحَابُ الْحُضُورِ الْمَعْصُومِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ فِي حَيْرَةِ اللّهِ، وَيَسْجُدُونَ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَيَكُونُونَ عَبِيدًا كَامِلِينَ، وَمَحْوُ وُجُودِهِمْ فِي مُحَاذَاةِ الْإِمْكَانِ دَائِمًا، وَيَتَحَيَّرُونَ مِنْ عَظَمَةِ الْقُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ.

وَنُشِيرُ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ فِي مَوْضُوعِ وَلَايَةٍ، يَجِبُ الْمُرَاعَاةُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْمَوْضُوعِ، وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي حُكْمًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ رُوحِيٌّ وَفَضِيلَةٌ قَيِّمَةٌ، وَلا يَصِحُّ أَنْ يُدَّعَى نَوْعٌ مِنَ الْوَلَايَةِ وَتَتَعَلَّقَ بِهِ أَحْكَامٌ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ رُوحِيٌّ.

يَجِبُ الإِعْتِرَافُ أَنَّهُ بِدُونِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْفَضِيلَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، لا يُتَحَقَّقُ أَيُّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الْوَلَايَةِ، وَالدَّعْوَى إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْوَلَايَةِ دُونَ فَضِيلَةٍ بَاطِنِيَّةٍ مُنَاسِبَةٍ هِيَ ضَلَالٌ، سَوَاءٌ فِي شُؤُونِ الْحِسْبَةِ وَالْقُصَرِ أَوْ فِي الشُّؤُونِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالْحُكُومِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَتَطَلَّبُ شُرُوطَهُ الْمُنَاسِبَةَ.

الرَّئَاسَةُ

وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ الرِّئَاسَةَ وَالْحُكُومَةَ مِنَ الْمُقَوِّمَاتِ الْقَهْرِيَّةِ وَمَنَاظِرِ الْوَلَايَةِ الْفِعْلِيَّةِ، فَيَجِبُ الْعِنَايَةُ بِهَا.

وَالرِّئَاسَةُ تَكُونُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الدَّعْمِ الْعَامِّ:

  1. الحُكْمُ وَالْقُوَّةُ وَالسُّلْطَةُ أَوِ الْقُوَّةُ الْخَادِعَةُ.

يُمْكِنُ لِأَشْخَاصٍ بِوَاسِطَةِ جَمِيعِ هَذِهِ الْجَوَانِبِ أَوْ بَعْضِهَا أَنْ يَسْتَلِمُوا تَصَرُّفَ وَقَدَرَ مَجْتَمَعٍ، وَيَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ دَعْمٌ شَعْبِيٌّ أَوْ إِلَهِيٌّ، أَوْ أَنْ يُجْبَرُوا النَّاسَ عَلَى قَبُولِهِمْ بِطُرُقٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُنْفٌ، وَكَانَ هَذَا بِدَعْمِ فِئَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْمُسْتَأْثِرِينَ وَالْأَثْرِيَاءِ أَوْ الْعُلَمَاءِ فِي شَكْلٍ هَادِئٍ.

  1. الدَّعْمُ الشَّعْبِيُّ أَوِ الْكُفَاءَاتُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْفَضِيلِيَّةُ، وَالَّتِي تَجْعَلُ فَرْدًا يُخْتَارُ مِنْ بَيْنِ أُمَّةٍ. فِي هَذَا الْحَالِ، الْفَضِيلَةُ وَالْمِعْيَارُ الْقَيِّمِيُّ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ ذَلِكَ الشَّخْصَ رَائِدًا لِلْمُجْتَمَعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَعْمٌ إِلَهِيٌّ أَوْ شَيْطَانِيٌّ.
  2. الدَّعْمُ الإِلَهِيُّ وَالسَّمَاوِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَخْتَارَ فِئَةً مِنَ النَّاسِ وَتَجْعَلَهُمْ حُكَّامًا عَلَى شُؤُونِ الْمُجْتَمَعِ، وَيَتِمُّ هَذَا حَتَّى فِي زَمَنِ الْغَيْبَةِ.

وَفِي الْفِئَةِ الأُولَى مِنَ الْحُكَّامِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ وَلَهُمْ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ، وَيَمْتَلِكُونَ نَوْعًا مِنَ الْقُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْخَلْقِيَّةِ، فَقَدْ لَا يَكُونُونَ مَتَّفِقِينَ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَالصِّدْقِ، وَيَتَّصِفُونَ بِالظُّلْمِ وَالْعُنْفِ وَالِاسْتِبْدَادِ وَالدِّكْتَاتُورِيَّةِ أَوِ الْخِدَاعِ وَالزُّرُورِ وَالْمَكْرِ، كَمَا كَانَ أَكْثَرُ السَّلاطِينِ وَالْحُكَّامِ فِي الْمَاضِي يَسْتَفِيدُونَ مِنْ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ.

وَالدَّعْمُ الشَّعْبِيُّ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِلْفَضِيلَةِ، فَإِنَّهُ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ فِي مُجْتَمَعَاتٍ يَسُودُ فِيهَا الْخِدَاعُ وَالْإِعْلَانَاتُ وَالْحِيلُ السِّيَاسِيَّةُ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى اسْتِبْدَادٍ فِكْرِيٍّ وَدِكْتَاتُورِيَّةٍ عَقِيدِيَّةٍ.

وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الْحُكُومَةِ وَالرِّئَاسَةِ الْعَامَّةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَنْشَأٌ إِلَهِيٌّ وَسَمَاوِيٌّ، وَيُعَيِّنُهُ الْرَّبُّ، وَيَتَوَلَّاهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومُونَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَلَوْ كَانَتْ الْمَفَاسِدُ وَالْجَهَالَةُ الشَّعْبِيَّةُ فِي التَّارِيخِ سَبَبًا لِتَعْطِيلِ الْوِلَايَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ حَقَّهَا وَلا يُلْغِي عُنْوَانَهَا.

فقهاء الشيعة والحكم

فيما بين فقهاء الشيعة، يوجد اختلاف حول الحكم المعين من قِبل الشريعة الإسلامية المقدسة في زمن الغيبة للفقیه الأعلی بين جميع علماء الشريعة.

ومع ذلك، لا يوجد اختلاف بين فقهاء الشيعة في أصل ولاية الفقیه الكاملة ونوعها العام، رغم وجود خلافات كثيرة حول نطاق هذه الولاية، ومدى وسعها وشروطها وخصوصياتها.

وقد شكك في أصل ولاية الفقیه في زمن الغيبة من جانب مجموعتين:

الأولى: مجموعة من علماء الشيعة والإسلام؛
والثانية: مجموعة من المثقفين المتجددين والمزعمين التنوير.

وفي هذا المقام، بعد بيان الأصل العقلي، من الممكن الاهتمام برأيي النفي والإثبات لولاية وحكم الفقیه الكامل صاحب الشروط، ويتم طرحها باختصار حتى يجد هذا النقاش أساسه العقلي والشرعي.

الأصل العقلي

قبل الخوض في أي بحث حول النفي أو الإثبات، يجب أن يتضح أنه وفقًا للأصل العقلي – الذي يقرّه جميع أهل الدين والعقلاء – لا يملك أي فرد سلطة أو تفوق أو حكم على فرد آخر أو على المجتمع، وأن الأصل هو «الحرية»، التي تنفي أي نوع من السيطرة أو الحكم أو التفوق بين الأفراد.

لإثبات تفوق وسيطرة فرد على آخر، يلزم دليل قوي ومحكم، وهذا موجود في بعض الحالات مثل ولاية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، وفي حالات محدودة كولاية الأب على الولد أو الولاية على الصغار والمهجورين.

فالأصل «بعدم تفوق الأفراد على بعضهم» هو حقيقة عامة، لكن في الوقت ذاته، أصل الولاية بمستوياتها المختلفة أمر مسلم به. ولأي نوع من أنواع الولاية يجب أن يُقدم دليل واضح وقوي.

وهنا يثار التساؤل: هل لولاية الفقیه وأشكالها المختلفة، أو لحكم الفقیه الكامل على المجتمع، دليل واضح وقوي؟ حيث أن جميع الخلافات تدور حول وجود هذا الدليل أو عدمه، رغم وجود شبهات حول إثباتها.

الحكم والولاية العامة والمطلقة لفقهاء الشيعة على شؤون الأفراد والمجتمع يحتاج إلى دليل قوي ومثبت، ولا يمكن إثبات مثل هذه السيادة دون دليل. علاوة على ذلك، توجد مشكلة إثباتية في حكم الفقیه أو أفقه الفقهاء على المجتمع، وسيتم ذكرها باختصار.

إن إكمال جميع الجوانب الدينية والعلمية ومرور مراحل الفقه يحتاج إلى وقت طويل، وجهد مستمر وبحث دائم. لذلك، من المستحيل أن يوفق الفقیه في الوقت ذاته إلى الأمور الاجتماعية والسياسية وخصائص القيادة الوطنية.

إذا قبلنا أن الفقه، بكل جوانبه، هو علم ديني واسع النطاق ويتطلب بحثًا كاملاً – وهذا أمر مسلم به – فإن أي شخص مؤهل لن يصبح في وقت قصير الفقیه الأعلی، ومن ثم لن يجد المجال لاكتساب المهارات الاجتماعية اللازمة أو لإدارة وحكم بلد وشعب.

وهذا يقود إلى تناقض واضح في تصور ادعاء مثل هذه الحكومة للفقیه، لأن الفقیه الأعلی هو من سبق جميع أقرانه، وهذا يتحقق عادة في سن الشيخوخة، وربما لا يُقبل من جميع الحوزويين.

من ناحية أخرى، القيادة الاجتماعية تتطلب شخصًا يمتلك شروطًا خاصة، بما في ذلك السن المناسب، فلا تكون في سن الشباب ولا في سن الشيخوخة، لأن القيادة في الشيخوخة تكون شكلية بلا نفوذ حقيقي.

وبذلك، يظهر تناقض واضح بين المرجعية الفقهية والقيادة الاجتماعية؛ لأن لقب «أفقه الفقهاء» لا يتحقق في سن متوسطة أو شباب، وإنما عادةً في الشيخوخة، في حين أن القيادة الحقيقية تحتاج إلى شخص في سن مناسبة وقادر على ممارسة النفوذ.

وبالتالي، يمكن أن ينخرط كل فئة أو جماعة من الناس في أعمالها المناسبة مع اكتساب الشروط اللازمة، دون السعي للسيطرة على مجالات أخرى، مع الاستفادة من التجارب السابقة.

من الناحية التاريخية، كان هناك تمييز واضح بين الحكام والعلماء الدينيين: الحكام يمارسون الحكم، والعلماء يعطون الإرشاد والفتوى، وأحيانًا يعينهم الحكام في القضاء أو يخولونهم ذلك.

بالرغم من أن مبادئ الشريعة وأحكامها كانت سائدة على جميع أفراد المجتمع، من علماء وحكام، وكان لابد من مساءلة المخطئين، إلا أن التنفيذ الحقيقي كان دائمًا على عامة الناس وليس على النخبة.

وهكذا، وجود تعدد في الأدوار بين الحكام والعلماء لا يعني انفصال الدين عن السياسة، بل يعني انفصال العلماء الدينيين عن الحاكمين، ليعمل كلاهما في ظل سياسة دينية: العلماء يرسمون الخط الديني، والحكام يقودون الأمة، ويتبعهم الناس والعلماء.

وهذا مشابه لعلاقة الطبيب بالفقیه: الطبيب يستشير الفقیه في فتواه الدينية، والفقیه يحتاج إلى الطبيب في أمر طبّه. ولا يمكن لأي منهما أن يؤدي دوره بشكل صحيح إذا تخطى الآخر.

وينطبق هذا الحكم على جميع المجالات الاجتماعية، ما لم نقل إن الطب ليس علمًا مهمًا أو إن الفقه ليس علمًا واسعًا، أو إن أي عالم عادي يمكنه إصدار الفتاوى أو الحكم على الناس، وهو أمر مرفوض منطقياً وعقليًا.

كيف يمكن قبول هذا الفكر باعتباره صحيحًا؟ وكيف نسمح لمن لا يملك الشروط الكافية بإدارة أمور المجتمع كأنها قيادة سفينة في آصفة؟

لذا، يجب التدقيق جيدًا في مسألة ولاية الحكم الشرعية وغير المعصومة، لأنها موضوع معقد من حيث الحكم والموضوع والإثبات، ولا يمكن اعتبارها أمرًا شرعيًا بغير دليل قاطع.

يجب أن نعي أن الأمور التي كانت متاحة فقط للمعصومين وأرواحهم الكريمة لا ينبغي الادعاء بها بلا مبرر، لأنها تحقق طبيعيًا وبصعوبة شديدة.

المطلوب لغير المعصوم لا يكون ممكنًا ولا يوجد دليل واضح يُقام عليه.

فالحكم بين الحكام له مكانة تختلف عن مكانة العلماء الدينيين، وبصرف النظر عن الواقع الاجتماعي، لا توجد مشكلة شرعية في ذلك، وهذا هو معنى تجزئة الولاية المعصومية في زمن الغيبة. فالحكام يمارسون الحكم، والعلماء الدينيون وأهل الظاهر يعملون في الدعوة والإفتاء، والمتصوفون يعتكفون في الخلوات ويتفرغون للسلطان الباطني. وفي زمن الحضور، على الرغم من قدرة الإمام المعصوم عليه السلام على الجمع بين هذه الأمور كلها، إلا أن ذلك غير ممكن في زمن الغيبة، إذ لا يستطيع شخص واحد أن يدعي القدرة على تحقيق جميع هذه المهام؛ وقد بيّنا تفصيل ذلك في كتاب «علم الاجتماع للعلماء الدينيين».

طبعًا، لا توجد إشكالية شرعية أو عقلية في حكم العالم الديني على الناس، بل إذا كان مؤهلاً ومستوفيًا للشروط العامة، فإن ذلك أفضل بكثير من نواحي عديدة، ولكن هذا موضوع مختلف، ولا يعني وجود نصب شرعي من الدين لعلماء الدين في تولي الحكم بشكل إلزامي. الكلام ليس في أن العالم أو الفقيه لا يستطيع أن يكون حاكمًا وقائدًا للشعب في شؤون الدنيا والبلاد، بل يمكن القول إنه مع حفظ المكانة وتحقيق الشروط اللازمة، يجوز له التدخل في الشؤون الاجتماعية، ولكن الكلام يدور حول شرعية ونصب هذا الحكم دينيًا، وهذا يحتاج إلى دليل شرعي خاص، والدلائل المقدمة ليست بالمتانة الكافية، كما أن الواقع التاريخي يوضح خلاف ذلك، لأنه كما ذُكر، الجمع بين هذه المهام المتباينة لشخص واحد غير ممكن بالعادة.

ينبغي الانتباه إلى أن الكلام هنا في لزوم وضرورة شرعية مقام الولاية، وهل حكم العلماء الدينيين ضرورة إلهية وشرعية أوجبها الشرع، بحيث لا تكون حكومات الآخرين ـ على الأقل في مناطق المسلمين ـ شرعية في وجود مثل هذا الفقيه، أو تُعد مخالفة للشرع.

ولو افترضنا إثبات مثل هذا الحكم شرعيًا للفقهاء، فهل هذا الحكم لا يخلو من مشكلة ثبوتية، وهل يستطيع مثل هذا الشخص إدارة الحكم؟ وهل الإلزام به عبء فوق طاقة ممكنة؟

وعليه، يمكن تقديم نموذجين فيما يتعلق بحكم العلماء الدينيين:

الأول: لا يوجد إلزام شرعي بحكم العلماء الدينيين، ولا توجد موانع شرعية، وإذا توفرت الشروط، فإن حكمهم يمكن أن يكون ممكنًا مقارنة بالآخرين.

الثاني: رغم عدم وجود إلزام شرعي، فهناك موانع عقلية وأحالة عادية وثبوتية، ومن الأفضل أن ينصرف العلماء إلى مهامهم المناسبة كحكام.

مقابل هذين النموذجين ـ اللذين يتفقان على عدم وجود إلزام شرعي ـ هناك نظرية ولاية الفقيه والحكم الشرعي للفقهاء، التي تعتبرها ضرورة ووجوبًا.

وفي مقابل نموذج عدم الإلزام، هناك نظرية الحكم العام وولاية الفقيه المطلقة، والتي يمكن تلخيصها بأربعة مبادئ:

أ ـ الدين يرسم طريقة حياة الإنسان الصحيحة؛

ب ـ الحكم في الأصل لله سبحانه وتعالى، وقد وكل تصدي ذلك في حالة الإمكان إلى الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام؛

ج ـ في زمن الغيبة وعدم حضور المعصوم عليه السلام، لا يهمل الدين وشؤونه، وتبقى الأحكام الإلهية فعالة؛

د ـ الفقيه الجامع ـ المؤمن الورع والعالم المتصل بحقائق الدين وأحكام الله ـ له نيابة ووراثة المعصوم عليه السلام.

والقول بأن ضرورة وجود حاكم عادل وعالم بأمور الدين والدنيا ولصالح الجميع أمر عقلي وشرعي، ويستند إلى أدلة نصب شرعية ونقليه كثيرة، وقد بُحث ذلك تفصيلاً في مكان آخر.

حكم الفقيه العادل، لا يواجه مشكلة من جهة الثبوت، وله أدلة شرعية وعقلية قوية تثبت شرعيته.

وفي هذا السياق، وبعد إثبات ولاية الفقيه المطلقة الكاملة، يجب معالجة المشاكل السابقة بوضوح ورفعها، لكي لا تبقى عوائق أمام إثباتها، ويكتمل البحث عقليًا وشرعيًا.

ولا جدال بين فقهاء الشيعة في ولاية الفقيه المعين شرعًا للفقیه الكامل، فالجميع يقبلون له الولاية في كثير من الأمور.

لكننا نؤمن بأن موضوع ولاية الفقيه في زمن الغيبة هو «المجتهد العادل» فقط، وليس «الأعلم» أو «الأعلم العلماء» أو «جامع الفلان والفلان»، لأن ذلك يخلق مشكلة ثبوتية، ولا وجود لفقیه كذایی بالواقع، فضلاً عن كفاءته السياسية والاجتماعية. فإذا تحقق العدل والاجتهاد الحقيقي والصحيح في شخص ما، فذلك كافٍ لتولي هذا الأمر الهام، مع التأكيد على صحة اجتهاده وعدالته وعدم صناعيتها.

إن تضييق دائرة الموضوع إلى حد عدم وجود شخص مؤهل، لا يتناسب مع الواقع، وهذا موقف متخيل لا يستند إلى الحقائق، بل هم أشخاص غير مؤهلين للفكر والنظر في هذه الأمور.

وأيضًا العلماء الذين ينكرون أصل ولاية الفقيه ـ وإن كانوا نادرين ـ أذهانهم غير سليمة، ويجب التشكيك في صحة عقولهم، والمحدثون الذين ينكرون هذا الأصل للفقیه العادل غالبًا ما يكونون فاقدين للاعتقاد الديني أو يشككون في موضوع الاجتهاد والعدالة.

أما مبدأ عدم سيطرة الفرد على الفرد، فهو مبدأ صحيح لا ينكره أحد من الفقهاء، لكنه لا يكون مقبولاً في حالة وجود دليل شرعي قوي على ولاية الفقيه، وبالتالي لا مجال لتطبيقه هنا، كما أن ولاية الله والرسول والأئمة المعصومين لا تتعارض مع هذا المبدأ.

وبناء على ما تقدم، لا توجد مشكلة في إثبات ولاية الفقيه من جهة، ولا في ثبوتها من جهة أخرى.

المشكلة الوحيدة هي في عدم وضوح موقع التمييز بين فقاهة الفقيه وقيادته، وهنا يُشار إليها بإيجاز.

حكم الفقيه العادل المجتهد العارف بأمور العصر وسياسات الدولة أمر غير مستحيل أو غير معقول، وليس هناك ما يعيق ثبوت ذلك.

والشرط هو تفادي الألقاب الزائدة، وأن يكون المقصود فقط المجتهد العادل الملم بأمور الزمن، وهذا ممكن، خاصة إذا أُعد من البداية في الحوزات العلمية.

وباختصار، يجب مراعاة أمرين في القيادة الإسلامية:

أ ـ صحة عدل واجتهاد الفقيه، دون تصنع أو ادعاء كاذب أو مبالغة؛

ب ـ أن يكون قائدًا عارفًا بالسياسة والعلم، مع عدم اشتراط إتقانه لجميع العلوم والفنون.

بناءً على ذلك، يتولى القيادة الإسلامية أشخاص غير خامين ولا متقدمين في السن بحيث يكونوا غير قادرين، ولا ممن انقطعوا عن الدنيا أو تربعوا على العصي.

ونؤكد أن الفقه علم واسع ودقيق، لكننا نرفض تصديق أن المتقنين فيه هم بالضرورة من كبار السن والمقعدين، وأن هذا تصور خاطئ وسنت تقليدية ضارة.

في تاريخ الحكم، كان الحكام والعلماء غالبًا مجموعتين منفصلتين، كل منهما مشغول بشؤونه، وهذا لا يعني صحة ما حدث تاريخيًا، كما أن حكم الخلفاء الظالمين من بني أمية والعباس لم يكن شرعيًا، بسبب جهل الناس وظلم الحكام، وهو ما أدى إلى ضعف الدين وقادته.

وباختصار، لا توجد مشكلة في حكم العلماء الدينيين بشرط توفر الشروط، ولا شرعية للحكام الظالمين الذين حكموا بالقوة فقط.

كان الحكم في كثير من الأحيان قائماً على الاستبداد والطغيان، حيث يُسمح للحكام بفعل ما يشاؤون، بينما يقتصر دور العلماء على الدعوة والفتوى أو القضاء بتفويض من الحكام، وهذا يعكس ضعف الوضع الديني وجهل العامة من المسلمين. وإن أيّ تراخيص صورية أُعطيت بين السلاطين والعلماء، كانت مجرد علاقات شخصية مؤقتة وليست قاعدة أو قانوناً دينياً، وتُشير إلى علاقة محدودة ومناسبة بينهم، كما تظهر في التاريخ علاقات متوترة، أو صراعات متقطعة، أو صمت وتغاضي بين الحكام والعلماء.

إن القول بأن «تعدد أدوار الحكام والعلماء لا يعني انفصال الدين عن السياسة، بل يعني انفصال العلماء عن الحكام، بحيث يؤدي كل منهما واجباته في ظل سياسة دينية» هو مغالطة، لأن السياسة الدينية تُقرّ أن القيادة في زمن الغيبة يجب أن تكون لفقهاء عادلين وعارفين، وأن الظالم لا صلاحية له للحكم على الناس. فكيف يمكن التوافق بين السياسة الدينية ونفي حكم الفقيه العادل وإعطاء الحكم للظالم؟ وكيف يُطلب من العلماء أن يطيعوا الظالمين أو أن يسلموا الحكم والشعب للطغاة؟ وكيف يُمكن للظالم أن يملك السلطة التنفيذية بينما في ظل حكمه لا يكون القانون فاعلاً لإدارة السلطة التشريعية التي تديرها العلماء، مع أن الطوائف الطاغوتية غالباً ما تعتبر نفسها السلطة التشريعية وتتواطأ مع العلماء بشكل شكلي؟

يجب التوضيح أن الحكم والولاية الفقهية ليستا مثل علاقة الفقيه والطبيب التي لكل منهما اختصاصه، بل إن حكم الشريعة يعتبر من شؤون العلماء الدينيين في زمن الغيبة إدارة المجتمع والحكم، ولا يصح الفصل بين الحكم وبين الشؤون الدينية للعلماء.

أما القول بأن «في زمن الغيبة هناك تعدد للادعاءات، فتوجد فئة من السلاطين، وفئة من العارفين، وفئة من الفقهاء»، فهو واقع لكنه ليس حقاً جوهرياً، لأن ضعف الأفراد والظروف الاجتماعية أدت إلى هذا الانقسام. وإلا فإن العارف يمكن أن يكون فقيهاً، وإذا توفرت القوة يستطيع أن يكون سلطاناً، لكن الركود الاجتماعي والسياسي أديا إلى تفريق السلطات، فالفقيه منشغل بالفقه والعارف بالعرفان، وبعضهم سلطان بالظلم والاستبداد. والجدل الحقيقي في مسألة السلطان يتمحور حول شرعيته وفق أي حكم ديني أو شعبي يمارس الحكم.

أما عن حكم العلماء، فقد قُدم القول بأنه «ليس هناك مانع شرعي أو عقلي، بل هو أفضل في حالة توفر الشروط»، لكن لم يتم متابعة هذا القول للتساؤل عن حكم الظالمين هل لهما موانع شرعية أو عقلية أم لا؟ وهذا فهم خاطئ.

ولا بد من التنبيه إلى أن «الممرض غير المؤهل لا يجوز له أن يجري العمليات الطبية»، كذلك لا يجب أن يحكم غير المؤهلين، سواء بالسلطنة أو بالدين. فلا يكفي أن يكون المرء مرتدياً العمامة أو يعرف بعض اللغات مثل العربية والفارسية، لأن القيادة الاجتماعية والدينية تحتاج إلى مؤهلات دقيقة. وتولي غير المؤهلين يؤدي إلى الهلاك والضلالة كما في الروايات الشيعية، ويصل الأمر إلى مصاف الخلفاء الظالمين.

لذا يجب التمييز بين:

أ) الحكام الظالمين الذين يفتقرون إلى الشروط الدينية والعقلية والشعبية، وحكمهم قائم على الاستبداد فقط.

ب) الفقهاء العادلين والعارفين الذين يكتسبون المسؤولية الاجتماعية حين تتوفر الشروط، وهذا ليس فيه مانع شرعي أو عقلي.

ج) أن المؤهلات الدينية والعلمية والاجتماعية يجب أن تكون حقيقية وليست شكلية، فلا يكفي ارتداء العمامة فقط.

وأخيراً، لم نذكر هنا أدلة إثبات ولاية الفقيه العادل أو دحض منكرها لكي لا يطول النقاش، لكن إذا توفرت السلطة للفقيه العادل، فلا بد أن يسعى لإقامة العدل الديني على الجميع.

وأختم هنا بحديثين شريفين من المعصومين عليه السلام:

أ) «مَن عمل على غير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.»

ب) «مَن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال.»

الحديث الأول يؤكد ضرورة العلم والوعي في العمل، والثاني يشير إلى ضرورة أن يكون القائد هو الأعلم والأصلح.

كما جاء في حديث طويل: «بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه، فلو أن أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بدون ولاية لم يُقبل له صوم ولا صلاة.»

هذا يوضح أن الإسلام قائم على هذه الأركان الخمسة، والولاية منها لا تقبل التفريط أو التنازل، ولا قيمة للعمل بدون ولاية.

ما المقصود بالولاية؟

هنا يطرح السؤال: ما هو المقصود من «الولاية»؟ ما هي الحقيقة التي يقوم عليها قبول الطاعات والأعمال، والتي بدونها لا يُقبل من الإنسان صلاةً، صومًا، حجًّا، زكاةً، وسائر العبادات والأفعال؟

يمكن النظر إلى هذا الحديث الشريف مع احتمالاته المتعددة، وطرح معانٍ كثيرة حوله، لكنها ليست موضوع بحثنا هنا. وسنكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى احتمالين فقط، مع ضرورة التفصيل والبحث في مكانه المناسب.

الولاية بمعنى الحكم

يمكن القول إن المقصود من الولاية هو الحكم، الذي بتحققه تُقام الصلاة والصوم والحج والزكاة. فالولاية هي التي تَعطي الدين رونقه، وتجعل منه سببًا في ازدهار الحياة، وتُعرِّف المجتمع والناس بأحكام الله، وتوصل عباد الله إلى الحق.

وقد يعترض منكرو الولاية بأن هذا الاحتمال فيه بعض الإشكالات، وأنه لا يتوافق مع نص الحديث. فإذا كانت الولاية بمعنى الحكم وإدارة المجتمع، تكون الولاية أمرًا اعتباريًا وصوريًا، ولا يمكن أن تكون أصلًا لكل أصول وأحكام الدين والشريعة.

إضافة إلى أن الولاية حقيقة تكوينية، وأقل أشعتها هو الولاية الصورية الظاهرة والحكم الاعتباري، فلا يمكن حمل ولاية هي الباطن الحقيقي لجميع الأشياء والأمور والحاكمة على جميع مراتب الظاهر والباطن على أمر صوري ظاهري.

إن حكم المراتب والمستويات والعوالم الوجودية أوسع وأشمل بكثير من الحكم الظاهر والتنظيم الدنيوي، فالأمور الدنيوية لا تقارن بتلك العوالم.

تحقق الحكم الديني السليم قد يُفضي إلى إقامة أحكام الدين في المجتمع والناس، لكنه مجرد عامل في سبيل «تحقيق الأحكام» ولا علاقة له بـ«قبول الأعمال»، بينما نص الحديث يتحدث عن رد وقبول الطاعات، وليس عن سبب تحقق الأحكام.

كما أن كل حكم ديني ليس بالضرورة أن يؤدي إلى تحقق حر للأحكام، فالتحقق الجبري لا يحمل قيمة معنوية كبيرة بحيث يحتل هذا المرتبة الرفيعة من الأهمية.

بناءً عليه، إذا كانت الولاية تعني الحكم، نستنتج أنه في غياب هذا الحكم والسيطرة الدينية لا توجد ولاية، وأن أولياء الله عليهم السلام بعيدون عن الفعلية والوجود الحقيقي، مع أن الولاية حقيقة إلهية لا تنفصل عن وجودها الفعلي.

فأولياء الله عليهم السلام هم أولياء دائمًا وفي جميع مراحل الحياة والموت، والحكم الظاهر هو أدنى أشعة وجودهم؛ كما كان منذ بداية ظهور الأنبياء عليهم السلام، حيث كانت أدنى مراتب ولايتهم الحقّة هي الحكم الظاهر، رغم امتلاكهم لأرفع مراتب الولاية الروحية.

لذا، ليس صحيحًا أنه بزوال الولاية الصورية يفقدون حقيقة الولاية.

الولاية ليست حكمًا ظاهريًا

في هذا الإطار، لا تعني الولاية الحكم الظاهر، ولا المقصود بقبول العمل تحقق العمل، لأن عدم قبول العمل يمكن أن يكون مع تحقق العمل.

قال تعالى: «ولو أن أحدهم عمره كله يصوم الليل والنهار، وليس له ولاية، فلا يقبل منه شيءٌ»، فالكلام هنا عن تحقق العمل مع عدم قبوله.

وأيضًا، إذا لم يحكم الدين على المجتمع أو لم يكن هناك حكم ديني، فلا يجب أن تُقبل أعمالهم، لكن القول بهذا ليس بالأمر السهل.

النقد والمراجعة

هناك بعض الانتقادات لهذا الرأي:

  1. قيل إن المقصود من الولاية ليس الحكم الظاهر، بل حقيقة إلهية لا تنفصل عن وجودها، والحكم الظاهر هو أقل أشعة وجودية لها.

في الرد، يمكن القول إن كلام الطرفين يمكن جمعه وتنظيمه بحيث يكون معقولاً، فالمقصود من الولاية هو الحقيقة الربوبية والعطية الإلهية لأوليا الله عليهم السلام، ومن بقايا ذلك الحكم الظاهر، ويجب قبول جميع أبعاد الولاية وعدم تجاهل أي جانب منها.

  1. الحقيقة في الدين هي الولاية، والولاية أساس الدين الإلهي، تبنى عليها كل العقائد والأفعال، حتى أن تحقيق و قبول أعلى الأعمال العبادية كالصلاة والصوم والحج والزكاة يرتكز على أصل الولاية.

وهذا لا يناقض أن تحقق الدين عمليًا وازدهاره يرتبط بحكم إلهي يشجع على ذلك.

  1. الادعاء بأن الولاية تقتصر على الولاية الاعتبارية والصورية غير صحيح، إذ لا دليل على الحصر، ووجود الولاية في المجتمع وتحقيق أهداف الدين بشكل سليم وواسع ليس أمرًا اعتباريًا بسيطًا، ولا يمكن الطعن في أساس الدين على هذا الأساس.
  2. لا أساس للاعتقاد بأن تحقيق حكم ديني سليم لا علاقة له بقبول الأعمال. إذا كانت الولاية تعني حبًا وعقيدة وعملًا، فإنها تشمل قبول العمل أيضًا، لأن العمل الذي له قيمة إلهية يقوم على هذه الولاية الواسعة.
  3. حقيقة الولاية لا تتعارض مع وجود أو عدم وجود الولاية الظاهرة في فترة معينة. أولياء الله عليهم السلام هم أولياء دائمًا، سواء كانوا حكامًا ظاهرين أم لا، وإن طاعة الناس قد لا تحمل قيمة معنوية كبيرة، وهذا ما أُشير إليه في الحديث بـ «عدم قبول الأعمال».
  4. القول بأن «إذا لم يحكم الدين المجتمع أو لم تكن هناك حكومة دينية فلا يجب قبول أعمالهم» هو كلام صحيح، ولا يمكن القول بأن هذا الادعاء سهل أو غير صحيح، خصوصًا إذا قصر الناس في تحقيق حكم أولياء الله عليهم السلام.
  5. الولاية لا تقتصر على الولاية الصورية، وإن سلب الولاية الصورية من أولياء الله عليهم السلام يعتبر محرّمًا عظيمًا على المجتمع وله آثار خطيرة.
  6. الولاية بمعنى المحبة والقرب والوصول
  7. الولاية في ثقافة الشيعة والحديث الشريف المذكور تدل على مكانة المعصومين والأئمة الهدى عليهم السلام العالية، وتأمر الجميع بإيلاء أهمية للمقامات الروحية السامية لهؤلاء الأفراد الكرام عليهم السلام.
  8. هذا الحديث يوضح أهمية هؤلاء الأئمة عليهم السلام ويبين مكانتهم العالية في القرب والمحبة لله تعالى، ويجعل سبيل النزول والصعود للجميع منحصراً بهم. فإذا قيل إن العبادة والأعمال كالصلاة والصوم لا تبلغ غايتها بدون الولاية، فالمقصود أن لا طاعة تنفع بلا ولاية؛ لأن الصلاة والصوم وكل عبادة أخرى تكون مؤثرة حينما تجد طريقاً إلى الحق، وهذا الوصول لا يتم إلا عبر المعصوم والإمام الحق عليهم السلام. والله تعالى يريد العبادة التي تمهد هذا الطريق، ويعتبر مثل هذه الطاعة عبادة حقّة. وهذا المعنى لا يتعارض مع الحكم الديني والدولة الاجتماعية.
  9. مراتب النزول والصعود الحقيقي
  10. الحق تعالى كائن حقيقي له أسماء وصفات خاصة به. نظام التكوين والعوالم الخارجية ـ من العلوي إلى السفلي، ومن المجرد إلى المادي ـ ومراتبها ومقاماتها، نزولها وصعودها وسيرها وحركتها وقربها وبعدها حقيقة واقعة. هذه الحقيقة تحكم على كل الوجود والعوالم الوجودية، بحيث أن العوالم الاعتبارية لها حقيقتها الخاصة ولا يوجد كائن بلا حقيقة.
  11. ما ينبغي الانتباه إليه بدقة هو أن سير النزول والصعود الحقيقي لا يكون ممكنًا أبداً دون علاقة وارتباط بحضرات المعصومين والأئمة الهدى عليهم السلام. أعظم القمم الوجودية للصعود إلى حضرة الحق، هي أقرب نقطة إلى مركز دائرة الوجود وأنقى قطرات ماء الحياة، وهي وجودهم الطاهر عليهم السلام.
  12. كل وجود وعدمه، قرب وبعد، محبة وبغض، حياة وممات في جميع العوالم الوجودية يحدث بعناية وسلب وبسط هؤلاء عليهم السلام.
  13. هم لديهم قرب ومحبة للحق تعالى لا يمكن أن يكون أقرب أو أحب منها. مقدار كل محبة وقرب للحق سبحانه يُفهم في هذا السياق، وكل وصول إلى الحق يتطلب الوصول إليهم، ولا تكون محبة الحق بدون محبتهم ممكنة.
  14. إذا كانت العبادات والطاعات والخيرات والروحانيات والفضائل هي للعبور والوصول إلى الحق، فإن قبولها يتطلب الولاية والارتباط بحضرات المعصومين عليهم السلام. هذا حقيقة عينية وفلسفية، ووجه من وجوه الحكمة الربوبية التي يمكن للعارف أن يراها ببصيرة القلب.
  15. **أما الأقرب إلى الحق تعالى فهو من يقترن به، وقرب كل فرد من الحق يُفسر بقربه من الولي. الأولياء عليهم السلام هم أحب الناس إلى الله، ومحبّتهم وقربهم وعشقهم للحق هو الذي يعطي المحبة والقرب معناه. قبولهم هو قبول الحق، ورفضهم هو رفض الحق. معرفتهم هي معرفة الحق، وإنكارهم إنكار للحق. لا يمكن رؤية الحق تعالى بدونهم، ولا يمكن رؤيةهم بدون الحق، فهم دالّ ومدلول معاً.
  16. الولاية التي أوصى بها هي ولاية تجعل قبول الطاعات مستندًا عليها، وتعتبر بقية الولاة بلا ولاية معرفة بالحق، وأعمالهم حتى وإن بدت عبادية فهي بلا قرب وتأثير. الأعمال بدون ولاية ـ ولو كانت عبادية ظاهرة ـ لا تصل بالإنسان إلى مقام القرب والمحبة، وليس لها مقام في محضر الحق، وهذا المعنى من الولاية لا يتعارض مع الحكم الظاهري، بل هو مرتبة من عينية الولاية الربوبية وحكم أولياء الله عليهم السلام.
  17. من البديهي أن هذه الولاية العظيمة لا تتحقق إلا بحكم على جميع عوالم الوجود، وكما أن أولياء الله في مقام الظهور والحقيقة يحكمون على كل المخلوقات تكوينيًا، فهم يمتلكون الحكم الظاهري كذلك. ولا يصل أحد إلى مكانة معنوية أو دينية بدون ارتباط بهم، ولا قيمة لأي حركة أو حكم بدون إذنهم. هم في قمة الوجود وحكمون على كل ناسوت، وهم قادة الحرب والسلم في الوجود، وغياب هذا العنوان في نطاق الناسوت، في أي دائرة كان، يدل على ضعف الطهارة ولا يمكن أن يحمل قيمة معنوية.
  18. كل أتباع الضلال من الأعلى إلى الأسفل ـ من أئمة الكفر والضلال إلى بقاياهم ـ يسيرون بلا ولاية في طريق الشيطان. وحدهم الذين تحت حكم أولياء المعصومين عليهم السلام هم أصحاب الولاية ولديهم الدليل على الحجية. وفي زمن الغيبة، الفقهاء العادلون الواعيون (الفقهاء الحقيقيون أصحاب الملكة الإلهية المعطاة وليس الفقهاء المدّعون) هم الذين يمتلكون هذه الموهبة، ويمكن للناس أن ينالوا خيرهم الروحي بقبولهم الحق.
  19. حكم المعصومين عليهم السلام
  20. الحكم بالنسبة لأولياء المعصومين عليهم السلام لازمة لمحبتهم وقربهم من الله تعالى، وهو أمر تكويني ومنصب شرعي. الحكم الذي يمارسه المعصوم عليه السلام هو حكم الله، وأمره هو قانون الشريعة ولسانه هو الشريعة. لا يحتاجون في هذا إلى قبول أو رفض الناس، بل على الناس التنسيق بين قبولهم ورفضهم لأعمالهم، وإقامة طاعتهم وعصيانهم على رضاهم أو معارضتهم.
  21. إذا قبل الناس حكم المعصوم، فقد فعلوا كمالهم المعنوي، وإن رفضوه خرجوا من نصاب الكمال وابتعدوا عن الطريق المستقيم وساروا في طريق الضلال. لا يلعب قبولهم أو رفضهم دوراً في تحقق حكم المعصوم، لأنه بالفعل التكويني والظهوري نابع من محبتهم وقربهم من الله تعالى، وحكمهم هو تنزيل لحكم الله. وفي التشريع، منحهم المنصب الشرعي هذا الحكم، ولا دور للناس إلا في الطاعة أو التمرد أو الانقياد أو العصيان.
  22. علاقة الجميع بالمعصوم عليه السلام
  23. القرآن الكريم هو الكلمة الإلهية الوحيدة الكاملة السليمة، وهو شفاء وهداية للمؤمنين، ولكنه لا يزيد الظالمين إلا خسارة وضررًا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82). يقرب القرآن الكريم المؤمن إلى الله تعالى، ويبعد الظالم عن دار الحق، ويجعل مصيره الحرمان الأبدي. الولاية بالنسبة لأولياء المعصومين عليهم السلام كذلك، فهي تمنح المؤمنين وأهل الولاية ـ كمثال أبي ذر وسلمان عليهم السلام ـ قربًا ومحبة للحق، وللضالين وأهل الجور والظلم تزيدهم بعدًا وحرمانًا.
  24. وجود النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في عالم الناسوت هو كورة تصفية وتمييز، وهو ضروري للجميع. منذ نزوله الجليل، خضع كل فرد لاختبار خاص، واستفاد كل واحد بحسب طبيعته الخاصة، سواء كان من الصالحين وأهل الهداية أو من الأشرار…
  25. الضالّون والخيرون
    لقد استفاد الأخيار من الهداية والطهارة بأقصى قدر ممكن، بينما سار الأشرار والضالّون مسار مئة سنة في لحظة، وأتمّوا أعمالاً تستغرق مئات السنين في فترة قصيرة من حياتهم.
  26. على سبيل المثال، لو لم يظهر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، لكان على أبي ذر ومقداد وسلمان أن يقطعوا مسافات طويلة من حياتهم الدنيوية لتحقيق الكمال المطلوب؛ لأن تحصيل الكمال بدون وجوده صلى الله عليه وآله أمر مستحيل. لكنهم في ظل وجود النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، اجتازوا مراحل الكمال في أقصر مدة، حتى أن سلمان دخل في ارتباط روحي مع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأصبح “سلمان منا أهل البيت”، وأبو ذر بلغ مقام الصدق.
    وينطبق هذا الحكم أيضاً على الضالين والمعاندين للحق، مثل أبي لهب الذي كانت طباعه معادية ملحدة، فقد أظهر نفسه في زمن النبي صلى الله عليه وآله، في فترة قصيرة من عمره الدنيوي، وكأنه تابوت من نار، حيث قاده لطف النبي صلى الله عليه وآله إلى جهنم، فسرعان ما قطع مسيرة مئات السنين في حياته القصيرة، واصطف مع النار. ولو لم يكن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لما استطاع أبو لهب أن يتحرر من طبيعته أو يتحول إلى فعل جهنمي، فبقي في طريقه، وظلّ طينيّته خاملة.
  27. إن مقام الخاتمية هو الذي نفخ في وجود أبي ذر ومقداد وسلمان، وطهرهم من شوائب الحياة الدنيوية، وهو ذات المقام الذي ينفخ في أبي لهب، فيزيل عنه القشرة الشكلية للإنسانية ويكشف طباعه الحقيقية، ليتركه ظاهرًا بلا شوائب، بحيث يستطيع الإنسان أن يتجاوز الحياة الدنيوية في أقصر مدة.
  28. وجوده الشريف صلى الله عليه وآله رحمة ونعمة لجميع أهل العالم، فرحمته للمؤمنين هي الوصول إلى الحق تعالى في أقل مدة ممكنة، ورحمته لأهل العناد والالحاد هي إظهار فعلي لطبيعتهم في الحياة الدنيوية، حتى يدركوا أسماء وصفات الجلال الإلهي.
  29. كما أن أبي ذر، لو لم ينزل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى الدنيا، لما وصل إلى كماله المطلوب، فكذلك أبو لهب ـ ولو افترضنا العدم ـ لم يكن ليستطيع في عمره المحدود أن يظهر خباثته ويتحول إلى اسم “المضل” ويستحق ذلك.
  30. في مقام الولاية وبالنسبة إلى أولياء المعصومين عليهم السلام، فإن هذا الحكم يثبت بقوة، فالولاية هي الفصل الفصل في العالمين، وتحفظ الأفراد في طبقة من الظاهر وتتوجه إلى الباطن، وتضع الجميع في مختبر الطبيعة وتعيدهم إلى حقيقتهم، وتقود كل الطوائف من الأخيار والضالين إلى الهداية العينية.
  31. وجود الإمام علي عليه السلام هو الذي يوصل آلهة الكفر والضلال وأصحاب تابوت النار في الجحيم إلى جهنم، ويظهرهم في طبقة الظاهر، ويكشف كفرهم وضلالهم في الحياة الدنيوية، كما يجعل المؤمنين الخاصين، مثل عمار وأبي ذر ومقداد، صافين متلألئين، حتى يواجهوا الحق بلا خوف ويدركوا القرب والمحبة بلا حجاب. وهذا يوضح أن وجوده الشريف هو الفصل الفصل بين الخير والشر، وأن الصعود في أفق الأعلى يدل على حقيقة “ارتد الناس إلا الثلاثة”.
  32. لا أحد يمكن أن يقف أمام المعصوم عليه السلام ويظل كما هو دون تغيير، سواء من الأخيار أو من ذوي السلوك السيئ. كل من يقف أمام صاحب الولاية الحقيقية، يظهر هويته الحقيقية، ولا يسمح له أن يبقى في الطريق، بل يقود الجميع إلى المقصد المناسب. وهذا اللقاء ليس لقاءً ظاهريًا وحسيًا فقط، بل كل الموجودات، من إنسان وحيوان ونبات، تخضع لهذا اللقاء وتجد موقعها النهائي على هذا الأساس.
  33. الأستاذ الحقيقي
    الأستاذ الحقيقي هو ولي الله. الذي يستطيع أن يجعل جميع طلابه متخرجين ووصلوا، هو المعصوم وذو الولاية الحقيقية في أعلى مرتبة. لا يترك أحدًا ضائعًا، ويقود الجميع إلى الفعلية الوجودية الخاصة بهم.
  34. الأستاذ المؤهل هو الذي يستطيع في أقصر مدة أن يوصِلَ طلابه إلى فضيلة وجودهم، ولا يضيع عمرهم، ولا يجعلهم معلقين أو تائهين. إذا كان الأستاذ ماهرًا، لا يحتاج إلى سنوات طويلة في تعليم الطالب، ويجعله معتمدًا عليه. في حين أن الدروس العادية قد لا تثمر، ويظل الطالب معلقًا، أما الأستاذ الكفء فيصقل قلب الطالب بسرعة ويزرع فيه بذرة البحث والتحقيق، ويجعله مستقلًا.
  35. طبيعة النفس والكلام والقلب في بعض الأحيان تحمل حياة وتنبض، وفي أحيان أخرى لا تكون مفيدة رغم العلم، وكأنها ميتة تحركها حركة الأموات، ولا تنتج ثمارًا حقيقية.
  36. الدرس الذي يعطيه هذا الأستاذ، قد يعطى في نفس الوقت من قبل آخر، لكن النتيجة تختلف؛ درس واحد يربي، وآخر يجعل الطالب في حالة سكون وكسل حتى يهلك.
  37. وجود المعصوم عليه السلام يحرر الجميع ويجعلهم واصلين، سواء كانوا من الأخيار أو الأشرار، فهم في كل حال يخرجون من ذاتهم ويصلون إلى الفعلية، سواء كانوا شاكرين أو كافرين، فالنتيجة تتحقق وينتهي العمل. قد ينتهي هذا بالشقاء الأبدي، لكنه تحقق.
  38. لا يمكن لأحد أن يقترب من مقام الولاية ويرى معصومًا ويبقى غير مبالٍ، ولا يعرف نفسه، ولا ينصهر في حرارة المحبة والكره، ولا يتخلص من شوائبه.
  39. هذا يفسر لماذا الذين يقربون من أولياء الله عليهم السلام يظهرون أسرع وأسهل، وأولئك الذين يبعدون يظهرون أقل، ويكونون أقل شرطية. والكراهية التي يحملها أهل العناد والبغضاء تجاه أولياء الله، وخاصة مقام أمير المؤمنين عليه السلام وسيدة نساء العالمين عليها السلام، لا توجد عند أي كافر. بل إن بغض المنافق الذي يدعي الإسلام تجاه أمير المؤمنين لا يوجد عند أهل الكتاب.
  40. الكراهية التي قد يحملها مسلم ظاهر تجاه مولى العالمين، لا توجد في قلب مشرك. لأن نار غضب الإمام عليه السلام تحرق أهل الظاهر من القرآن والقبلة حتى لا يبقى فيهم أثر.
  41. حين يقف الأخيار والأشرار أمام أولياء الله، يتخذون مواقف خاصة ويظهرون هويتهم، ويقترب أهل الحق، ويبتعد أهل الباطل. أما من هم بعيدون فيختارون السكن الطبيعي ويبقون “لا بشرط”، ولا يظهرون عداءً خاصًا. وهذا يفسر لماذا بغض المسلم تجاه صاحب الولاية أكبر من بغض الكافر. القرب من الأولياء يجلب البعد، والبعد يجلب القرب، وهكذا.
  42. هذا قانون الطبيعة، كما أن الدودة التي بجانب الشجرة لا تؤذيها، وإنما الضرر يأتي من الدودة التي تعيش داخل الشجرة.
  43. العدو الخطر هو العدو الداخلي، والعدو الخارجي يمكن التحكم فيه.
  44. كل آفات الأنبياء والأولياء وأهل الدين تظهر من داخلهم، حتى أقصى الأفراد سوءً يتظاهرون بالقرب من أولياء الله ويكونون شوكة في طريق الأخيار.
  45. خلاصة القول
    من هذا الكلام يتضح أن ولاية أولياء المعصومين عليهم السلام من أعلى المقامات الوجودية، وأن العلاقة الروحية معهم سبب قبول الطاعات والقرب، ولا يمكن محبة قربهم بدون قبول حكمهم التكويني والتشريعي، في الظاهر والباطن.
  46. الحكم من لوازم ولايتهم، والولاية ليست مجرد حكم شكلي وظاهري. والولاية في غير المعصوم محدودة ومقيدة، وكل مرتبة من درجات الولاية تحتاج إلى دليل حجية لإثباتها.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V