صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

عالم الجن ومكر الإنسان

نشر في آذر 13, 1404 في

عنوان الكتاب: عالم الجن ومكر الإنسان

المقدمة

لقد أشار السيد ابن سينا في كتابه “الاشارات والتنبیهات” إلى الدنيا بوصفها “جناب”، وهو ما يدل على خبرته وتجربته في هذا المجال. فهو يصف الدنيا بأنها “جناب الغرور”. ونحن بدورنا نقول إن إبليس يجب أن يُذكر كذلك بـ”جناب”، إذ هو من وقف في وجه الحق. ولهذا، في لعنه يجب أن نقول: “لعنة الله على إبليس”، ولا ينبغي لنا أن نواجه الشيطان مباشرةً، فلا يجوز أن نقول لعنة على إبليس كي لا نُسخر منه، إذ أن اللعنة العادية لا تهمه.

إن الذين يقللون من شأن الشيطان والدنيا لم يعرفوهما حق المعرفة. فكل من يستخفّ بالعدو حتماً سيهزم. والجاهل، الذي يفتقر إلى الخبرة والتجربة، هو من يقلل من شأن العدو.

في هذا الكتاب، نتحدث أولاً عن الجن، علماً أن موضوعنا الرئيسي ليس ذكر كل أنواعهم، بل إن الحديث عنهم هو تمهيد للدخول إلى عالم الشياطين والتركيز على إبليس الأكبر. في الفصل الأول، يتناول الكتاب تعريف الشيطان مع تركيز خاص على إبليس، وفي الفصل الثاني نتحدث عن مكائد البشر وخداعهم، مع ذكر بعض المكائد التي قد تصيب العلماء الدينيين على وجه الخصوص.

ومن الجدير بالذكر أن المؤلف لديه كتاب مستقل ومفصل عن الجن والشيطان والملائكة يأمل أن يصدر في المستقبل، ويقرب المجتمع العلمي من الحقائق المتعلقة بهذه العوالم، ويقلل من الاضطراب الموجود في هذا السوق المليء بالمطالبات.

وأخيرًا، الحمد لله رب العالمين.

الفصل الأول: عالم الجن (معرفة إبليس والشيطان)

عالم الجن

ليس كل الجن من الشياطين، فالشياطين هم فقط بعض من مجموعات الجن. ومن بين الشياطين، يتمتع إبليس بمكانة خاصة، فهو رأس كل الشياطين، وهو الشيطان الأكبر.

الجن، الشيطان، وإبليس يمكن أن يتجمعوا أو ينفصلوا عن بعضهم البعض.

الجن لهم عوالمهم، وهم من حيث الجماد، اللغة، الهيئة، القوة، الإدراك، الكفر والإيمان، مجموعات مختلفة ومتنوعة.

هم أقوى بكثير من الإنسان من حيث القوة والعدد، وقادرون على أفعال لا يستطيع الإنسان تحقيقها، لأن وجودهم غير مادي وغير مرتبط بالتراب أو المادة التي يتكون منها الإنسان، وهم يمتلكون قوى خاصة في كثير من الأمور. أما من حيث المعرفة والوعي، فالإنسان أعلى منهم، إذ شعورهم وأدراكهم أقل من نوع الإدراك الكامل للإنسان، إنما هو أعلى من نوع إدراك الحيوان.

بشكل عام، قد لا يصل الجن إلى مستوى الإنسان في النوعية، لكن عددهم يفوق عدد البشر بكثير.

الجن المؤمنون لا يضرون البشر، أما الجن الكافر، فعندما يُؤذى من البشر، ينتقم منهم، وحتى من الذين لا يؤذونهم لكن يتدخلون في عالمهم قد يسببون لهم الأذى. وهم يستخدمون كل الوسائل الممكنة للانتقام، إلا إذا كانوا عاجزين عن الإمساك بالشخص أو تدميره أو إذا كانت معرفتهم بكيفية الانتقام ضعيفة.

الجن المؤمنون

من بين الجن، يوجد قوم مؤمنون، تتسم قلوبهم بالصفاء والخلوص، وكأنهم يشبهون عامة الناس من البسطاء وذوي القلوب الطيبة. هؤلاء يحبون الأولياء الصالحين ويعشقونهم، وغالبًا ما يأتون لمساعدتهم في الأوقات الحساسة، ويظهرون أحيانًا لمن لهم سر وود معهم.

الشيطان

إذا عرف الإنسان الشر والشيطان حق المعرفة، فسيعرف نفسه بصورة أفضل. أما الذين لا يعرفون الشر، فلا يعرفون أنفسهم.

العقاب الذي وُضع لإبليس هو بسبب الإنسان، وهو بدوره وجه كل عدائه للبشر. إن معرفة إبليس وحقائق الشيطان الأكبر أمر صعب للغاية، والقرآن الكريم هو أفضل من قدم تعريفًا للشيطان الأكبر وإبليس.

هو عدو الإنسان الظاهر والباطن، قائد الشر والفساد الذي يضلل الإنسان بطريقة تجعله يشعر وكأنه ضل بنفسه.

هل للشيطان دور في تحقق الذنب؟

نعم، وله دور مهم. لكن من هو الشيطان؟ هو أعظم من أن نُوصفه ببساطة. هو الوحيد الذي وقف في وجه الله تعالى بصدق ووضوح، ولم يكن فيه أي نفاق. الله تعالى لم يستهين به، بل اتخذ موقفًا صريحًا تجاهه.

قلة من العلماء غير الصالحين يمكنهم أن يقارنوا أنفسهم بالشيطان أو يتحدثوا عنه على قدم المساواة. الذين يحاولون مواجهة الشيطان هم غالبًا لا يعرفونه حق معرفته، ولا يدركون مكانته.

منافسة الشياطين

الشياطين يسعون لإغواء الصالحين الأقوياء، ويعتبرون خداعهم نوعًا من القوة والمهارة، ويستمتعون بذلك. يتنافسون فيما بينهم في إغواء هؤلاء الأقوياء، ويستخدمون بعضهم البعض لاختبار قوتهم.

إذا فشل أحدهم في إغواء شخص ما، يترك الأمر لغيره، حتى يصلوا إلى مرحلة لا يستطيع أحد منهم أن يكمل المهمة فيتم تسليمها إلى الشيطان الأكبر. وهذه المرحلة نادرة، وقليلون هم من ينجحون في تجاوزها.

الشيطان والعذاب

الشيطان لا يكتفي بالدلال والمداعبة، بل كثيرًا ما يسبب الألم والعذاب، ويستمتع بذلك، لأنه يشعر بالفخر والسرور حين يعذب أتباعه.

أحيانًا تهاجم مجموعات من الشياطين الشخص معًا، ولا يقوم أي منهم بمفرده بالمهمة.

الشيطان في العبادة

الشيطان قد يصبح عابدًا أو معبودًا. أحيانًا يعبد ليجذب العابدين ويغريهم، فيتعلقون به.

العدو الأعظم

عدو الإنسان الأكثر خبثًا وظلمًا هو الشيطان الأكبر وإبليس، الذي لا يعرف حدودًا في جسارته وجرائمه تجاه الإنسان، ويستخدم كل الوسائل ليغويه ويدفعه إلى الهلاك.

وسائل الشيطان في الضلال

يستخدم الشيطان أدوات وطرقًا كثيرة، خفية وعلنية، لتضليل الإنسان. ويُتقن فن الزينة والخداع، فهو بارع في الوعظ، الحديث اللين، والمكر.

الشياطين يعرفون جيدًا كيفية استغلال الحواس والعواطف، وهم محترفون في فنون السحر، الإيهام، والتضليل.

التداخل بين الشيطان والخطيئة

في بعض الأحيان، يتقمص الشيطان شكل الخطيئة، وأحيانًا تتقمص الخطيئة هيئة الشيطان، ويشاركان في نفس العمل معًا دون حدوث فوضى.

الشيطان كمدرب ومرشد

أحيانًا يتخذ الشيطان دور المرشد والمعلم، وأحيانًا يوسوس ويزين الأمور، وأحيانًا يصبح محبوبًا أو محبًا، ويستخدم كل الوسائل الممكنة لينجح في مهمته.

الشيطان والملائكة

الملائكة هم عباد الله المكرمون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم معصومون من الخطأ والزلل. أما الشياطين فهم مخلوقات أخرى مختلفة، يتمردون على الله ويسعون لإغواء البشر.

الفرق الأساسي بينهم هو الطاعة والعبودية لله، فالملائكة يطيعون الله بالكامل دون اعتراض، والجن والشيطان يختارون العصيان والتمرد.

علاقة الإنسان بالجن والشيطان

إن علاقة الإنسان بالجن والشيطان علاقة معقدة، فهي تتراوح بين الصداقة والعداوة. بعض الجن يكونون صالحين ويؤمنون بالله، وبعضهم الآخر كفار وشريرون. الشيطان هو رأس هؤلاء الأعداء، الذي يسعى جاهدًا لإفساد الإنسان.

الإنسان يحتاج إلى الوعي والحذر من تأثيرات الجن والشيطان، وخاصة في الأوقات التي يكون فيها ضعيفًا أو معرضًا للشك والتردد.

وسائل الحماية من الشيطان

إن الحماية من الشيطان تتطلب الإيمان بالله القوي، والالتزام بالأذكار، وقراءة القرآن، خاصة الآيات التي تحمي النفس من الشرور. كما أن التوبة الصادقة والإخلاص في العبادة هما حصن الإنسان ضد وساوس الشيطان.

اللجوء إلى الله بالدعاء وطلب العون منه هو أعظم وسيلة للتخلص من شر الشيطان وتأثيراته.

الشيطان في الثقافة الشعبية

في كثير من الثقافات الشعبية، يُصور الشيطان بأشكال مختلفة، وغالبًا ما يُستخدم كرمز للشر والمعاندة. لكن الفهم الديني العميق يشير إلى أن الشيطان هو كائن حقيقي له قدرات حقيقية، وليس مجرد رمز أو أسطورة.

الشيطان والإنسان: صراع أبدي

الصراع بين الإنسان والشيطان هو صراع أبدي ومستمر، يبدأ منذ خلق الإنسان ويستمر حتى نهاية الحياة. الشيطان يحاول دائمًا إغواء الإنسان وتحويله عن الطريق المستقيم، والإنسان عليه أن يكون دائم اليقظة والمقاومة.

هذا الصراع ليس فقط على مستوى الأفعال، بل أيضًا على مستوى الفكر والإرادة والنية.

المعرفة بالشيطان وأهميتها في الفقه والعرفان

إن معرفة حقيقة الشيطان ودرجاته المختلفة أمر بالغ الأهمية لفهم طبيعة الشر في العالم، وكذلك لفهم النفس البشرية وتحدياتها في طريق التقوى والصلاح.

في الفقه، يُنظر إلى الشيطان كعامل خارجي يدفع الإنسان إلى المعصية، ولذلك تحث النصوص الشرعية على مقاومته بالذكر، والصلاة، والابتعاد عن المعاصي.

أما في العرفان، فيُعتبر الشيطان رمزًا للنفس الأمارة بالسوء، وهو القطب المقابل للروح الإنسانية السامية. ولذلك، يرى العارفون أن مواجهة الشيطان لا تكون فقط بالخارج، بل داخل النفس أيضًا، من خلال تهذيبها وتهدئتها.

الشريعة، الطريق والحقيقة

لتوضيح فهم الشيطان في سياق ديني وروحي، لا بد من التفريق بين ثلاثة مفاهيم: الشريعة، الطريق، والحقيقة.

  • الشريعة: هي مجموع الأحكام والفرائض التي فرضها الله على المكلفين العقلاء البالغين، التي تهدف إلى حفظ مصالحهم في الدنيا والآخرة.
  • الطريق: هو المسار الروحي الذي يسلكه الإنسان لتقوية علاقته بالله، وهو يتضمن الزهد، والتأمل، والتقرب إلى الله.
  • الحقيقة: هي أعلى درجات المعرفة بالله، حيث يتوحد العارف بالله، وتتلاشى الفوارق بين الذات والمخلوق.

وبهذا، يُفهم أن فهم الشيطان يختلف بحسب المرحلة الروحية للإنسان؛ فالشريعة تُعلّم المكلف كيف يبتعد عن الشيطان في المظاهر الظاهرة، أما الطريق فيحث على محاربة النفس والشيطان في باطنها، والحقيقة قد ترى في الشيطان رمزًا أو مرحلة يجب تجاوزها في السلوك الروحي.

الشيطان في حدود النفس والوجود

الشيطان لا يخرج عن دائرة النفس البشرية، فهو يمثل النزعات النفسية التي تقود الإنسان إلى الشر والمعصية.

كلما تغلبت النفس الأمارة بالسوء على الإنسان، كلما ازدادت هيمنة الشيطان عليه، والعكس صحيح؛ فبزيادة العقل والتقوى ينخفض تأثير الشيطان.

لذلك، يُعتبر الشيطان جزءًا من التركيبة النفسية للإنسان، وهو الذي يعكس نزاع الإنسان الداخلي بين الخير والشر.

الأشخاص الذين يتبعون التصوف العملي يصلون في النهاية إلى حقيقة أن كل الوجود مخلوق من الله، وأن الله تعالى كما خلق الإنسان قد خلق الظلمة والشر والقذارة. إن الفيضانات والزلازل والدمار والأمراض المعدية كالميكروبات كالإيدز وغيرها، لهم خالق وهو خالق الوجود. الله سبحانه وتعالى قد خلق الوجود ووضع كل شيء في موضعه. ويسير رُهَباء قافلة الحقيقة فيدركون أن وجود الشيطان في الوجود هو أمر حسن جداً. يجب أن نُطلق على هؤلاء الأشخاص لقب العشاق، فهم قد تجاوزوا النفس والعقل ودخلوا إلى القلب والروح. هؤلاء حين ينظرون يتحركون، وجلوسهم وقيامهم هو إلهي، حقيقي، ومليء بالمحبة. ولأنهم تجاوزوا العقل، فلا حاجة لهم به، كما في الفلسفة التي تحاول إثبات الموجودات. هؤلاء يثبتون وجود كل شيء، ولأن هذا الإثبات آتٍ من الحق فهو حسن، وإن كان يحطم حواجزه.

فإن الشريعة مهما تحدثت فلن تمتلك في هذا المقام القوة والأداة الكافية للظهور. فالشخص لا يقف صامدًا كي تثقل الشريعة عنقه، وعندما ينتقل الإنسان من النفس والعقل إلى المحبة، ومن الجسد والتفكير إلى الحب والبغض، تظهر الشريعة في هيئة أخرى.

فوجود إبليس من أجل وجوده وكيانه هو أمر حسن، ولكن في نطاق العقل، وهو مرتبة الطريقة، لا سبيل له. لذلك فإن الأشخاص الذين يسلكون الطريق الصوفي أو الفقهي، والعديد من الأشخاص الآخرين، ينبغي عليهم أن يبتعدوا عن الشيطان ويتجاهلوه. إبليس في النفس هو حقيقة خارجية، وإذا وقع الإنسان في الوسواس، فإن الشريعة تلقي عليه أضعف أقوالها. أما الذين وصلوا إلى الحقيقة، فعقلهم لم يفقد، ولا يزالون يبحثون عن الطريقة، ويفعلون، ويرون الشيطان شريرًا، ولكن ليس بشكل مستقل، بل لأن الله قد أمر بالابتعاد عنه. هؤلاء الأشخاص لديهم الجنة والنار معًا ويفهمون ذلك. كما أن الإنسان يحتاج إلى المحبة والغضب للتحرك، كذلك في القرب من الله يحتاج إلى الشيطان والرحمن معًا.

عندما يُنظر إلى منظار العالم من زاوية التصوف، يكون الشيطان خيرًا، لأنه يهلكنا ويفكك كل ما نسجناه؛ لذا ينقطع رجاؤنا من الدنيا؛ فوجود الشيطان هو خير لنا ولنفسه أيضًا، والله هو الخيّر الرازق. ولهذا السبب، جعل الله الشيطان رئيسًا للنفس، وإذا لم يكن في عالم النفس نظام، يختلّ كل العالم؛ لذلك فإن رئاسة النفس، بهذه الجودة، ذات فائدة عظيمة. فالشيطان يؤثر فقط في حدود النفس.

الشيطان أينما ذهب ليس منفصلًا عن حكم الحق؛ بل هو دائمًا تحت مراقبة حكم الحق. الشيطان مخلوق ومرزوق من الحق، وإن استولى عليه أحد تحت سيطرته فقد بلغ الحق.

«الشيطان» هو أحد أسماء الله التي نشأت من ذات ذاته، وهو منتشر في جميع أرجاء العالم. الإنسان يحكم في هذا العالم ويتكلم، والشيطان يتكلم في الآخرة، والذات الإلهية تحكم في ذاتها. فإذا أراد أحد أن يصل إلى الذات، فبإمكانه، وإذا أراد أن يتحرك من الذات إلى الدنيا والشيطنة، فبإمكانه أيضًا.

إبليس
هو رأس سلسلة الجماعة المعارضة؛ إبليس، أي الشيطان الرجيم الذي بدأ دائرته بمعارضته لأمر الله بالسجود لآدم. إبليس يعارض كل ما يُقال له، هو يعارض كل شيء؛ حتى كلمة “معارضة” نفسها. لا يحب أن تُستخدم كلمة “معارضة” في مكانها الصحيح. إنه يعارض كل ما هو حق وحقيقة، ويواصل هذا المسار حتى النهاية، وكلما تقدم في هذا الطريق ازداد نموه فيه. كل معارضة تؤدي إلى عذاب الشيطان وبعده عن الحق، وكل بعد له معارضة خاصة به. كأن إبليس لم يعد له خيار بنفسه. كلما غاص إبليس أكثر في العصيان، اقترب من عمق المعارضة، رغم أنه هو ذات العمق في المعارضة. هو أول من وضع حجر المعارضة مع الحق بنكرانه حقيقة أسمى مكانة آدم من الملائكة والجن. حقيقة تُبنى عليها أركان العالم ويغوص فيها ملكوت الأشياء. لم يخضع إبليس لتلك الحقيقة بطاعة، ولذلك لم يُكشف له شيء. عندما يريد الحرفيون إحداث ثقب في مادة صلبة بواسطة المثقاب، إذا لم يبدأوا بنقطة محددة بواسطة مسمار فولاذي أو لم يضغطوا بقوة على المثقاب، فإن رأسه ينزلق ولا ينجحون في إحداث الثقب؛ ولكن إذا ركزوا رأس المثقاب من البداية في مكان واحد بواسطة مسمار فولاذي أو ضغط قوي، فإن الحديد مهما كان قويًا يُثقب.

الشيطان لم يستطع تركيز جسده ومادته نحو السجود، لأنه لو فعل ذلك لفتحت له أبواب المعرفة ونما نموًا عظيمًا؛ ولكن للأسف، لم يضع رأسه على العتبة التي كان يجب أن يضعها، ولم ينحني حيث كان يجب أن ينحني، وأغلق باب المعرفة على نفسه، وظهر بدون باطن، وقل اتصاله بالباطن بحيث أصبح خط وجوده فقط من الباطن. وإذا أراد أن يرجع إلى الباطن ويتجاوز مرحلة النفس، فإنه يهلك ويصبح شيئًا آخر، ويحصل على وجود منير، فلا يكون ذلك الشيطان الظلامي بعد الآن؛ ولكن حسب التجربة، نعلم أنه لا يفعل ذلك. وليس لأن إبليس لا يستطيع أو الطريق مغلق أمامه، بل لأن معارضاته هي التي تمنعه، وكل معارضة تزيد من بعده وتحول دونه أن يصل إلى الباطن والداخل.

إذا كان في داخل الصخرة الماس، وكان هناك من يطلبه، فإن الضربة الأولى تكون ذات أهمية كبيرة. إذا تم توجيه مئة ضربة إلى الصخرة بإرادة وأمل ورغبة في كسرها، فإن العمل يكتمل؛ ولكن إذا تم توجيه الضربات بعبارة: “دعونا نرى ماذا سيحدث حتى الغروب”، فإن العمال ينهكون قبل الظهر ويتخلون عن العمل، حتى أنهم لا يملكون القدرة على تنقية الغبار عن ملابسهم. الشيطان أيضًا على هذا المنوال؛ عندما رفض لأول مرة حتى من الناحية الظاهرية أن يسجد، تسبب ذلك في ضلاله الأبدي؛ ولو فعل ذلك، لكان قد نجا إلى الأبد، لأن حتى المجاملات الظاهرية لها فائدة وتأثير.

ظاهر الصلاة والعبادة له تأثيره الظاهر، وإن كانت هذه المجاملات الظاهرية تنفع فقط أهل الظاهر ولا تُثمر لأهل الباطن. وبالطبع، إن معارضة إبليس الظاهرية متأثرة بمعارضته العقلية، والمعارضة العملية تأتي في المرحلة الثانية من المعارضة. وعندما عارض إبليس، بالإضافة إلى معارضته الفكرية والعقلية، في المرحلة الثانية عمليًا أيضًا، ألقاه الله في عالم النفس ليعارض هناك. وهو في عالم النفس، وهو أدنى العوالم، لا يزال يمعن في المعارضة. في عالم النفس، توجد أمور كثيرة يمكن تسميتها بالموافقة، مثل تناول الطعام، ومودة الزوجة، والأولاد، وسرور الدنيا، وغيرها من الأمور التي رغم كونها نفسانية، إلا أنها لا تخالف إذ هي طاعة للحق؛ ولكن الشيطان في عالم النفس أيضًا يعارض ولا يسلك الطريق الذي رسمه الحق، بل يطلب غيره. وفي هذا المستوى من المعارضة، يمكننا تشبيه ذلك برجل له زوجة صالحة، جميلة، حسن الخلق، وكلّها صفات حسنة، لكنه مع ذلك يطلب زوجة أخرى وينقلب عن الطريق الطبيعي الذي هو فيه؛ فهذا الرجل بلا شك هو الشيطان ذاته.

يُعْتَبَرُ الشَّيْطَانُ الْكَبِيرُ هُوَ الشَّيْطَانُ الْمَخْصُوصُ وَالْمُمَيَّزُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِاسْمِ «إِبْلِيسَ». إِبْلِيسُ لَا يُخْضَعُ لِأَحَدٍ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَعْتَرِفُ بِالْهَزِيمَةِ أَمَامَ جُمْهُورٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الْمَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

وَالشَّيْطَانُ الْكَبِيرُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ أَوْ يُتَصَوَّرَ أَوْ يُرَى وَيُعْرَفَ مِنْ قِبَلِ كُلِّ إِنْسَانٍ. وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعْتَبَرَ كُلُّ مَن يُحَارِبُهُ نَظِيرَهُ فِي سَاحَةِ الْمُعَارَكَةِ. وَإِذَا كَانَ إِبْلِيسُ شَخْصًا فَرْدِيًّا، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ أَكْثَرَ مِنْ نَوْعِهِ، وَكُلُّ مِنْ أَفْرَادِ الشَّيَاطِينِ هُمْ أَنْوَاعٌ لَهُمْ فِرَقٌ وَأَفْرَادٌ كَثِيرُونَ.

الشَّيَاطِينُ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ مِثْلُ جَمَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ النَّاسِ، فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَتَّبِعُونَ الشَّيْطَانَ الْكَبِيرَ وَإِبْلِيسَ.

إِبْلِيسُ يَرَى أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ إِغْوَاءَ وَتَضْلِيلَ جَمِيعِ الْبَشَرِ، إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ الَّذِينَ ذَكَرَتْهُمُ الْآيَةُ: «إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»(1).

وَالشَّيْطَانُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهِ شَخْصًا، إِلَّا أَنَّهُ يَتَّصِلُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَفْرَادُ الشَّيَاطِينِ أَكْثَرُ مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ.

وَالرَّبْطُ بَيْنَ الْخَطِيئَةِ وَالشَّيْطَانِ وَثِيقٌ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمَا مِنْ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُمَا يَتَّحِدَانِ وَيَتَلاَزَمَانِ تَمَامًا. فَالْخَطِيئَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْنَى، وَالشَّيْطَانُ مِنْ جِنْسِ الْذَّاتِ. فَالْخَطِيئَةُ تَسِيرُ بِدُونِ أَرْجُلٍ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُسَخِّرُ لَهَا. وَلَا يَقِلُّ نَفَسُ الشَّيْطَانِ وَتَأْثِيرُهُ الْعَكْسِيُّ عَنْ نَفَسِ الْمَسِيحِ. فَمَتَى نَفَخَ الشَّيْطَانُ نَفْخَةً فِي نَفْسِ كَائِنٍ حَيٍّ، يُمَهِّدُ لِمَوْتِهِ دُونَ صِيَاحٍ أَوْ ضَجِيجٍ.

وَالشَّيْطَانُ يَظَلُّ كَافِرًا وَيَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى كَمَا يَجِبُ، وَيَقِفُ ضِدَّ اللهِ تَعَالَى: «إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ»(2).

وَالْكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَالْخَطِيئَةُ وَالْعَدَاوَةُ وَالشَّيَاطِينُ هُمْ عَبِيدُ إِبْلِيسَ. وَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ، تَحْتَ قِيَادَةِ إِبْلِيسَ، تُجَسِّدُ وَتُحَقِّقُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي.

وَأَكْبَرُ دَاعِمٍ وَعَامِلٍ لِلشَّيْطَانِ هُوَ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ. وَرَغْمَ أَنَّ النَّفْسَ تُدَارُ مِنْ قِبَلِنَا، إِلَّا أَنَّهَا تَأْمُرُ بِأَمْرِ الشَّيْطَانِ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا تَأْكُلُ خُبْزَنَا، فَهِيَ مَطِيَّعَةٌ لِلشَّيْطَانِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ تَسْتَطِيعُ فِيهِ، تُوَقِّعُ الْإِنْسَانَ فِي شَرَكِ الشَّيْطَانِ. كَأَنَّ النَّفْسَ تَأْكُلُ مِلْحَنَا وَتَكْسِرُ مِلْحِيَّتَنَا.

وَنَوْعُ الْجِنِّ وَالْشَّيَاطِينِ بِخَاصِّيَّةِ الشَّيْطَانِ الْكَبِيرِ، يَخْضَعُونَ لِلْإِنْسَانِ، وَفِي حَالِ تَوَفُّرِ الصِّفَاتِ وَالظُّرُوفِ يَصِيرُونَ عَبِيدًا لِشَخْصٍ مِّنَ الْبَشَرِ.

وَأَدَوَاتُ الشَّيَاطِينِ وَقُوَاهُمْ وَطَاقَاتُهُمْ مُعَقَّدَةٌ جِدًّا، حَتَّى أَذْكَى الْعُقُولِ لَا تَسْتَطِيعُ فَهْمَهَا نِسْبِيًّا، وَهَلْ تَرَى هَذِهِ الْقُوَى وَتَثْبُتُ فِي وَجْهِهَا.

وَالشَّيَاطِينُ وَعَبِيدُهُمْ، وَرَغْمَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمَا، فَهُمْ فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ وَفِي وَجْهَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعَبِيدُ الشَّيْطَانِ يُسَمَّوْنَ «حِزْبَ الشَّيْطَانِ».

وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ مُخْتَلِفٌ عَنِ الشَّيْطَانِ نَفْسِهِ. فَهَذِهِ الْحِزْبُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْبَشَرِ، يَكُونُونَ فِي وَسَطِ النَّاسِ وَيَتَّبِعُونَ الشَّيَاطِينَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَتَّحِدُونَ مَعَهُمْ فِي الْوَجْهَةِ وَالْهَدَفِ. وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَمَا النَّاسِ الَّذِينَ أَحْيَانًا يَتَّفِقُونَ مَعَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَفْرَادِ الْحِزْبِ.

وَأَمَرَ اللهُ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِلْإِنْسَانِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِبْلِيسُ أَنْ يَتَجَاوَزَ نَفْسَهُ وَلَا يُقْنِعَ الْعَقْلَ بِأَنَّهُ إِنْ سَجَدَ يَبْقَى فِي النِّعْمَةِ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَخَيَّلَ حَالَةَ السُّجُودِ وَلَا يُؤَدِّيهَا، فَتَصَدَّى لِلْوَجْهِ الْمُطْلَقِ وَانْغَمَسَ فِي نَفْسِهِ.

وَلَمْ يَدْرِ إِنَّ النَّفْسَ هِيَ عَالَمٌ مِنْ عَوَالِمِ اللهِ الْكَثِيرَةِ. فَبِاخْتِيَارِهِ عَالَمَ النَّفْسِ، خَسِرَ سَائِرَ الْعَوَالِمِ، وَاخْتَارَ أَصْغَرَ الْعَوَالِمِ فِي الْوُجُودِ، وَصَغَّرَ نَفْسَهُ، وَانْتَقَلَ مِنَ الْاتِّسَاعِ إِلَى الْاِنْقِبَاضِ.

مُنْذُمَا لَمْ يَسْجُدْ، وَقَعَ فِي عَالَمِ النَّفْسِ وَصَغُرَ جِدًّا، وَكُلَّمَا اقْتَرَبْنَا مِنَ الْقِيَامَةِ، تَصَغَّرَ عَالَمُهُ وَضَاقَ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ النُّورُ الإِلَهِيُّ، كَشَفَ ذَلَالَةَ النَّفْسِ.

وَحَتَّى وَلَوْ كَانَ فِي دَاخِلِ النَّفْسِ أَبْوَابٌ لِلْخُرُوجِ نَحْوَ الْعَقْلِ وَالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ، فَإِنَّهَا تُغْلَقُ عَلَيْهَا، وَكُلَّمَا أُعْطِيَتْ مَهْلَةٌ، انْقَبَضَتْ أَكْثَرَ.

وَهَذَا الْمَوْضُوعُ ثَقِيلٌ جِدًّا وَيَحْتَاجُ إِلَى نِقَاشٍ وَاسِعٍ، وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا الْكِتَابِ الْحَالِيِّ، الَّذِي يُخَاطِبُ الْعَامَّةَ، أَنْ يَتَحَمَّلَ ذَلِكَ. وَلَكِنَّنَا تَفَصَّلْنَا فِي كِتَابٍ آخَرَ تَكَلَّمْنَا فِيهِ عَنِ الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ.

وَفِي الْخِلاَصَةِ، يَتَّجِهُ الْمَسِيرُ الْإِلَهِيُّ نَحْوَ الْاتِّسَاعِ، وَالْمَسِيرُ الشَّيْطَانِيُّ نَحْوَ الْاِنْقِبَاضِ. فِي التَّصَوُّفِ، يَجِبُ تَوْسِيعُ هَذَا الْمَوْضُوعِ.

فَالشَّيْطَانُ هُوَ أَصْغَرُ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَيَفْقِدُ كُلَّ قُدْرَةٍ عَلَى الْحَرَكَةِ نَحْوَ الْعَقْلِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَنِ الْاِنْقِبَاضِ وَالاِتِّسَاعِ فِي كِتَابٍ بِعُنْوَانِ «نَبْضُ الْإِيْمَانِ وَالْكُفْرِ».

وَفِي نِهَايَةِ الْأُمُورِ، يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْخَطَايَا وَالشُّرُورَ لاَ تَتَكَوَّنُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهَا، بَلْ بِتَأْثِيرِ الْإِرَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ النَّفْسِيِّ لِلشَّخْصِ، فَإِنْ اتَّجَهَ نَحْوَ الْخَيْرِ وَالإِيمَانِ، انْحَسَرَتْ هَذِهِ الْمُخَالِفَاتُ، وَإِنْ اتَّخَذَ لِلنَّفْسِ مَسَارًا مُعَاكِسًا، انْتَشَرَتْ وَتَفَشَّتْ.

وَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ تُشْبِهُ الْمَرْآةَ، فَإِذَا كَانَتْ صَافِيَةً وَمُنِيَةً بِالْحُبِّ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ، عَكَسَتْ نُورَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَإِذَا تَلَوَّثَتْ بِالشَّرِّ وَالْكُفْرِ، صَارَتْ مِرْآةً لِلشَّيْطَانِ وَالضَّلَالَةِ.

وَمِنْ هُنَا، يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّوَجُّهَ الرَّوْحِيَّ وَالنَّفْسِيَّ لِلْإِنْسَانِ هُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.

وَفِي نِهَايَةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نُؤَكِّدَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الإِنْسَانِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَشْرِيعَاتٍ وَضَوَابِطَ أَخْلَاقِيَّةٍ وَدِينِيَّةٍ تَحْمِلُهُ عَلَى رَفْعِ نَفْسِهِ وَمُجَاهَدَةِ الْشَّيْطَانِ وَأَعْمَالِهِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْوُصُولَ إِلَى حَالَةٍ مِنَ السَّكِينَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ الْبَاطِنِيَّةِ يَكُونُ مِنْ خِلَالِ تَرْسِيجِ القِيَمِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَالانْتِفَاضِ ضِدَّ كُلِّ مَا يُحَاوِلُ إِغْوَاءَ النَّفْسِ وَتَخْرِيبَ سَكِينَتِهَا.

وَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الْوَجْدِ لِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ وَمُقَاوَمَةِ أَفْكَارِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ بِالاعْتِصَامِ بِالْعَقْلِ وَالْإِيمَانِ وَالتَّزَكِّيَةِ النَّفْسِيَّةِ.

فَإِنَّ النَّفْسَ الَّتِي تُطِيعُ الشَّيْطَانَ تَكُونُ كَسَفِينَةٍ تَائِهَةٍ فِي بَحْرِ الظُّلْمَةِ، وَالَّذِي يَسْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْغَوْلَةِ هُوَ مَنْ يَسْلُكُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالْهُدَى.

وَفِي هَذَا السِّياقِ، يَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْفَهْمِ الْعَقْلَانِيِّ لِكَيْ يَسْتَطِيعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيَقُومَ بِالدِّفَاعِ الْمُنَاسِبِ ضِدَّ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى انْحِرَافِ الْقَلْبِ وَتَغْيِيرِ الطَّرِيقِ.

وَيَجِبُ أَنْ يَدْرِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّ مَرْتَبَاتِ الشَّيْطَنَةِ وَالْمَرَافِقِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا هِيَ مُتَنَوِّعَةٌ وَمُتَدَارِجَةٌ، فَهُنَاكَ مَن يَتَّبِعُ الشَّيْطَانَ بِعَمْدٍ وَإِرَادَةٍ، وَهُنَاكَ مَن يُغْوَى فِي طَرِيقِهِ بِغَيْرِ وُعْيٍ.

وَأَكَّدَتِ النُّصُوصُ الدِّينِيَّةُ عَلَى أَنَّ قُوَّةَ الْإِرَادَةِ وَالإِيمَانِ الْمُخْلِصِ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَغَلَّبَ عَلَى أَشَدِّ الْمَحَنِ وَالتَّغْوِيَاتِ.

وَإِنَّ مِنْ أَفْضَلِ الْوَسَائِلِ لِمُكَافَحَةِ الشَّيْطَانِ هِيَ التَّزَكِّيَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالاعْتِصَامُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ، وَتَعْلِيمُ النَّفْسِ عَلَى التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ.

فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَخْتَصُّ بِالْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَالتَّكَبُّرِ، وَهُوَ عَلَى دَائِمِ الْحَالِ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَغْلِبَ إِلَّا بِمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الإِيمَانِ.

وَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى طَبِيعَةِ نَفْسِهِ وَيَتَحَكَّمَ فِيهَا بِحُكْمَةٍ وَعَقْلَانِيَّةٍ، فَالنَّفْسُ هِيَ أَكْبَرُ أَدَاةٍ لِلشَّيْطَانِ فِي غَوْلَتِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ.

وَقَدْ ذَكَرَ النَّصُّ الْمُقَدَّسُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ، الَّذِي يَتَّخِذُ مِنَ الْوَحْيِ وَالْإِيمَانِ سِتَارًا وَدِرْعًا لِلنَّفْسِ.

وَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ، يُفْقِدُ الشَّيْطَانَ قُوَّتَهُ وَيَخْسَرُ أَثَرَهُ فِي النَّفْسِ، وَيَصِيرُ مَحْدُودًا وَمَكْبُوتًا فِي دَائِرَةِ الْهَزِيمَةِ.

وَفِي الْحَقِيقَةِ، هُوَ عَدُوٌّ لِلإِنْسَانِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، يَسْعَى لِإِغْوَائِهِ وَإِضْلَالِهِ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ مِنْ خِلَالِ جَمِيعِ الْأَدَوَاتِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ اسْتِخْدَامَهَا.

وَالنَّفْسُ الْمُرَاوِغَةُ وَالْمُطِيْعَةُ لِلشَّيْطَانِ، هِيَ الْوَسِيلَةُ الأَسَاسِيَّةُ لِهَذِهِ الْغَاوِيَةِ، فَهِيَ تَسْتَجِيبُ لِكُلِّ أَمْرٍ يَأْتِيهِ مِنْهُ، وَتُحَرِّكُ الْإِنْسَانَ نَحْوَ الْخَطَإِ وَالضَّلَالَةِ.

وَمِنْ هُنَا تَكُونُ أَهَمِّيَّةُ التَّزْكِيَةِ وَتَطْهِيرِ النَّفْسِ، وَتَرْبِيَتِهَا عَلَى الْوَحْدَةِ مَعَ الْحَقِّ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.

فَلَا يَجِبُ أَنْ يَغْتَرَّ الْإِنْسَانُ بِقُوَّتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَعَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ وَرِعَايَةِ الْوَحْيِ وَالتَّقْوَى.

وَبِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ الْنَجَاةُ وَالْفَلاحُ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِنْسَانِ، وَيَبْقَى عَلَى الْطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، مُبْتَعِدًا عَنْ كُلِّ مَا يُعِينُ الشَّيْطَانَ عَلَى التَّغْلُّبِ عَلَيْهِ.

وَيَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ وَحِزْبَهُ لَيْسُوا كَائِنَاتٍ مَجْرَّدَةً، بَلْ هُمْ فِي حَقِيقَتِهِمْ أَشْخَاصٌ وَأَنْوَاعٌ، تَتَفَرَّعُ إِلَى أَجْنَاسٍ وَفِئَاتٍ عَدِيدَةٍ، يَتَّحِدُونَ فِي وُجُوهِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ.

وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ فِي الْبَشَرِ هُوَ الْوُجُودُ الإِنْسَانِيُّ الَّذِي يَسْلُكُ طَرِيقَ الضَّلَالَةِ وَالْمُعَادَاةِ لِلْحَقِّ، وَيَتَشَابَهُ مَعَ أَفْعَالِ الشَّيَاطِينِ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ.

وَلَا يَجِبُ خَلْطُ هَذَا الْحِزْبِ مَعَ مَن يَتَمَارَضُ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ أَوْ يَتَفَرَّعُ نَفْسَهُ لِقَوَاعِدِ الضَّدِّ، فَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمُ الْمُقِرُّونَ بِالضَّلَالَةِ وَالْمُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهَا بِكَامِلِ إِرَادَتِهِمْ.

وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ وَالْإِنْسَانَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَلَكِنَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ، فَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَهَذِهِ الْمَرْوِيَّةُ تَشِيرُ إِلَى مَكَانَةِ الشَّيْطَانِ فِي مَرْتَبَةِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ.

وَهُوَ بِاخْتِيَارِهِ ذَلَّلَ نَفْسَهُ وَأَصْبَحَ مِنْ أَصْغَرِ الْعَوَالِمِ، وَيَتَنَاقَضُ مَعَ الْوَسِعِ الْمُطْلَقِ وَالْبَسَاطِ الْكَبِيرِ لِلْحَقِّ، وَيُشَبَّهُ ذَلِكَ بِمَسِيرَةِ الْحَقِّ إِلَى الْبَسْطِ، وَمَسِيرَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى الْقَبْضِ وَالتَّضْيِيقِ.

وَفِي النِّهَايَةِ، يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنَ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ دَرْبًا، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ مَرَافِقَةَ الشَّيْطَانِ وَأَحْزَابِهِ، وَأَنْ يَرْتَقِيَ نَفْسَهُ بِالْخُشُوعِ لِلَّهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَبِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْتَّزْكِيَةِ الدَّائِمَةِ.

وَهَكَذَا تَكُونُ طَرِيقَةُ الْفَلَاحِ وَالْنَّجَاةِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَالْآخِرَةِ، وَيَبْقَى الإِنْسَانُ عَلَى أَهْبَةِ الْحَذَرِ مِنْ مَكْرِ الشَّيْطَانِ وَخُدَعِهِ.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V