صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

منهج التعقّل

نشر في آذر 13, 1404 في

عنوان الكتاب:
منهج التعقّل: شرحٌ لبعض روايات كتاب «أصول الكافي» الشريف التي تُعلّم سُبُل التعقّل

بيانات التوثيق:
المؤلف: ، مواليد ۱۳۲۷هـ.ش / ۱۹۴۸م
العنوان الأصلي المضاف: الكافي. الأصول. مختارات. شرح
العنوان واسم المؤلف: منهج التعقّل: شرحٌ لبعض روايات كتاب «أصول الكافي» الشريف التي تُعلّم سُبُل التعقّل /
بيانات النشر: إسلام‌شهر: ، ۱۳۹۲هـ.ش / ۲۰۱۳م
الوصف المادي: ۹۵ صفحة؛ ۲۰٫۵ × ۱۱٫۵ سم
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ردمك): 978-600-6435-21-3
حالة الفهرسة: فاپا
ملاحظات:
– على الغلاف الخلفي بالإنجليزية: Custom of Sagacity
– هذا الكتاب شرحٌ لأجزاء من كتاب «أصول الكافي» لمحمّد بن يعقوب الكليني.
– قائمة المصادر وردت في الحواشي.
– عنوان آخر: شرحٌ لبعض روايات كتاب «أصول الكافي» الشريف التي تُعلّم سُبُل التعقّل

الموضوعات:
– العقل والإيمان في الإسلام – أحاديث
– العقل في الإسلام

المُضاف إليه كمُعرِّف: الكليني، محمد بن يعقوب، المتوفّى سنة ۳۲۹هـ – الكافي. الأصول. شرح

تصنيف مكتبة الكونغرس: BP216.15 .ن۸آ۹ ۱۳۹۲
تصنيف ديوي: ۲۹۷٫۴۲
رقم الكتاب الوطني: ۲۹۸۰۸۱۶


الحمدلله رب العالمین، والصلاة والسلام علی محمد وآله الطاهرین، واللعن الدائم علی أعدائهم أجمعین.

في كتاب «الأصول الكافي» تُذكر أسمى المعاني المتعلقة بالعقل. فقد عُرّف العقل وبيّن مصاديقه وخصائصه، كما تم التمييز بينه وبين القبح والخبث، وحدود العقلانية مقارنة بالمكر الذميم والشيطنة، ومعايير معرفة العقل بشكل يتيح للمرء من خلالها استكشاف ذات الإنسان وقياس مقدار عقله.

هذا الكتاب يشرح ويبيّن بعض أهم الأحاديث المتعلقة بـ «العقل والجهل» في كتاب «الأصول الكافي». حيث تُناقش وتُفحص في هذا العمل الأفكار التالية:

  • العقل أمر موهوب وليس مكتسباً.
  • الإيمان بالدين، والوعي الديني، والتمتع بحياة عصرية جيدة، والإدارة الحكيمة للحياة الفردية، العائلية والاجتماعية، والمعاملة الحسنة، كلها علامات على كمال العقل.
  • حديث جامع في معرفة العقل والعاقل ذو محتوى رفيع.
  • العقل الذي يقرب إلى الله يُعد حجة الله ويُصنف في منزلة الأنبياء المعصومين عليهم السلام. العقل هو الحجة الباطنة التي يُحاسب الله بها الإنسان.
  • ما ورد في الأحاديث النبوية والكتب السماوية لا يُفهم إلا بالعقل، ولا يقبل الإنسان دون تدقيق ما يقال من قبلهما. كلام الأنبياء والأولياء والكتب السماوية موجه للعاقل المفيد، وإلا فإن من لا عقل له لا يستفيد منها، بل قد يساء فهمها فيكون معادياً لها مما يؤدي إلى الحرمان من السعادة الأخروية والعذاب.
  • العقل يمتلك جنداً يقابلهم جند الجهل. الفهم، الفكر، المعرفة، المحبة، الصفاء، والمودة هي علامات العاقل. أما من كان ذا خلق سيء، عبوس، غاضب، بلا محبة، ظالم، ظالم أو مشرك فهو جاهل.
  • العقل هو معيار قيمة العمل. فإذا رأيت شخصاً يقوم بصلاة الليل، النافلة، دعاء كميل، والحضور في المجالس الدينية، فلا تحكم على مقامه بناءً على ذلك، لأن المعيار هو مقدار العقل والمعرفة لديه. القيمة الحقيقية تُقاس بالفهم الواعي وليس بالعواطف فقط.
  • سيظهر صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف) حين تتجمع حواس وعقول الناس. في ذلك الوقت، ستكون الأفكار متجزئة، مما يجعل المعرفة ناقصة وجزئية. أما في زمان ظهوره فسيرى كل شيء كليةً، وتُستكمل المعرفة ويُدرك المعنى الكامل لكل شيء، ويصبح الاتصال بكل ظاهرة ممكناً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تبيين بعض روايات كتاب الأصول الكافي الشريف التي تعلّم طريق وآداب العقلانية

الرواية الأولى:
العقلانية والشيطنة

قال أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام: قلت له: ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان. قلت: فماذا كان في معاوية؟ قال: تلك النكراء! تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل.
(الكافي، ج1، ص11)

الشرح:
نحن نعرف بعض الأشياء جيداً. كمثل شخص كان يختار البطيخ من بين شاحنة بطيخ ولا يجد إلا الناضج منها، كان يميز البطيخ الحلو بنظرة واحدة. كان يشتري كميات كبيرة لجماعة دينية، والبائعون الذين يعرفونه لم يكونوا يعطونه بطيخاً سيئاً لأنهم يعلمون أنه سيختار الأفضل.

هكذا هو فهم العقل: كيف يمكننا تحديد معايير معرفة العقل لنتمكن من تقدير درجة عقلانية الإنسان عند رؤيته؟ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كان يرى داخل كل شيء، لذا لم يكن يتصرف إلا بحكمة. كيف نعرف داخل الإنسان ومقدار عقله؟ هنا يسأل أحد تلامذة الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن تعريف العقل، ويُفصّل الإمام عليه السلام في شرح خصائص العقل وتمييزه عن المكر والشيطنة.

الإمام عليه السلام يعرّف العقل بأنه «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان»، أي من عبد الله وحصل على الجنة فقد بلغ العقل الحقيقي. وهذا ينطبق على الرجال والنساء على حد سواء. العقل هو ما يقرب الإنسان إلى الله والجنة.
أما المكر والدهاء مثل الذي كان في معاوية، فليس عقلًا بل شبيهاً بالعقل لكنه في الحقيقة شيطنة وفساد، يُظهر وجه العقل لكنه خداع يُضل الإنسان.

المكر لا يُعد عقلاً لأنه لا يقود إلى التقوى والنجاة، بل هو خفة ودهاء يُستخدم في الغدر والخداع، وقد يكون سبباً في الهلاك الأخروي. الذكي الحقيقي هو الذي يضمّ الكون الخالد والله الأزلي في فكره، ويُفرّغ نفسه من العالم ليخدم الله.

معاوية كان مخادعاً ومحتالاً، لكنه لم يكن عاقلاً بالمعنى الحقيقي لأنه كان يتبع الشيطنة. العاقل هو من يحرص على سلامته في الدنيا وسعادته في الآخرة ويراعي رضا الله في كل عمل.

من يفكر فقط في مصالح دنيوية ضيقة ويتصف بالغش والاحتيال لا يعد عاقلاً بل شيطاناً ملبوساً في هيئة عقل. للأسف، الكثيرون في المجتمع قد ابتعدوا عن معايير العقل الحقيقي وزادوا في مكرهم.

بعض السياسيين يستغلون الدين لأغراض شخصية ويهاجمون الآخرين باسم الدين، وهذا أمر مذموم لا يمت للعقل بصلة. العقل الحقيقي لا فرق فيه بين رجل وامرأة، وليس ناقصاً عند النساء كما تفصل الكاتبة في كتابها الخاص بذلك.

رواية (٢): العاقل والجاهل

قال الإمام الصادق عليه السلام: “العاقل هو من يستر عيوبه ويغفر ذنوبه، والجاهل هو من يُظهر عيوبه ولا يغفر ذنوبه.”

الشرح:

العقل هنا يتجلى في قدرة الإنسان على السيطرة على نفسه، وعلى عيوبه، فلا يجعلها سببًا لانكشاف عورته أمام الناس، ولا يتساهل في الذنوب والمعاصي بل يغفرها لنفسه ويسعى للتوبة. أما الجهل فهو ترك السيطرة على النفس، والتهاون في الذنوب، والظهور بالعيوب أمام الآخرين، مما يفضي إلى الانحطاط الأخلاقي والروحي.

رواية (٣): العقل والإيمان

قال الإمام الصادق عليه السلام: “لا يكون الإيمان كاملاً إلا بالعقل، ولا يكون العقل كاملاً إلا بالإيمان.”

الشرح:

العقل والإيمان هما وجهان لعملة واحدة، فلا يكمل أحدهما بدون الآخر. العقل يمنح الإنسان الفهم والتبصر، والإيمان يمده بالقوة واليقين. فالعقل بلا إيمان قد يضل طريق الحق، والإيمان بلا عقل قد يصبح مجرد شعارات فارغة بلا معنى.

رواية (٤): العقل معيار القيم

قال الإمام الصادق عليه السلام: “العقل ميزان العمل، فمن كان عقله على النور، كانت أعماله صالحة، ومن كان عقله مظلماً، كانت أعماله خبيثة.”

الشرح:

هذا الحديث يؤكد على أن العقل هو المقياس الحقيقي لقيمة الأعمال، وليس مجرد المظاهر الظاهرية. فإذا كان الإنسان يتصرف بعقلانية، يضع معيار الحق والخير نصب عينيه، ستكون أفعاله نافعة وصالحة. أما من يسير خلف الأهواء والشهوات دون استخدام العقل، فسيكون عمله ضاراً وسيئاً مهما بدت ممارساته متقنة ظاهرياً.

رواية (٥): العقل طريق القرب من الله

قال الإمام الصادق عليه السلام: “العقل هو الطريق الذي يوصل العبد إلى ربه، وبدونه يضل الإنسان في متاهات الدنيا والآخرة.”

الشرح:

العقل هو الوسيلة التي يقترب بها الإنسان من الله، فبدونه لا يستطيع تمييز الخير من الشر، ولا معرفة الحق من الباطل. ومن فقد العقل يكون كالضائع الذي لا يعرف السبيل، يعيش في حيرة وضلال مستمر.

الرواية الثانية
كمال العقل

قال محمد بن إسماعيل، عن الفضيل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعى بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: “الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة”.(1)

ـ يقول الإمام الباقر عليه السلام: الكمال، وكل كمال الإنسان، يكمن في الفهم العميق للدين، والصبر على البلاء الشديد، والاعتدال في كسب العيش.

البيان:
هذه الرواية تتحدث عن العقل وتُبرز وزناً ثقيلاً في هذا السياق. الحديث عن العقل ليس بالأمر السهل أو الميسر، فالعقل هو أقل ما يُوزع بين المخلوقات، وهو منحة إلهية، ولا بد من معرفة نصيب كل إنسان منه.

الكمال الكامل المذكور في هذه الرواية هو كمال العقل الذي يتمحور حول ثلاثة أمور، فإن افتقد الإنسان أيًا منها نقص عقلُه بمقدار ذلك. أولها الوعي الديني والفهم الدقيق للدين، ومعرفة أصوله ومعارفه وفروعه وأحكامه، فذلك يمثل الركن الأول من العقلانية. الإنسان الواعي بالدين يمتلك جزءًا من الكمال. كما أن العقلاء هم من يستطيعون إدارة حياتهم بشكل جيد. وإن كان الإنسان عارفًا بالدين لكنه غير قادر على إدارة حياته، فسيواجه كثيرًا من المشكلات. لذلك، يجب أن يكون لديه كمال ثالث وهو الصبر على الشدائد. المؤمن لا ينبغي أن ينهار أمام المشاكل، ولا يظهر ضعفًا أو خوفًا.

وقد ورد في الرواية أن درع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن له ظهر، لأن الإمام لم يكن يفرّ من العدو قط، بل كان يواجهه بثقة كاملة.

في الحياة الدنيا لا بد من وقوع المشاكل والأحداث المفاجئة، وفي مثل هذه المواقف يجب الصبر. المشاكل الشديدة التي لا يمكن توقعها أو حسابها، يجب أن يتحلى الإنسان بالصبر تجاهها.

وفقا لهذه الرواية الكريمة، فإن العاقل الكامل الذي يجمع كل الكمال هو الذي يؤمن بالدين، ويدير حياته بشكل جيد على المستويات الفردية والعائلية والاجتماعية، وعندما تواجهه مشكلة فإنه يواجهها بثبات وحكمة.

يجدر الإشارة إلى أننا في شرح هذه الرواية وضعنا الصبر في المرتبة الثالثة، بينما في الرواية جاء في المرتبة الثانية، لأن الإنسان يجب أن يصبر على الدنيا والدين معًا، وهذا أمر صعب للغاية. قلما نجد من هو واعٍ بالدين ومؤمن به وفاعل لأحكامه. فالواعي بالدين هو الذي يمتلك قدرة الاستنباط والاجتهاد والتفكير، ويتمعن فيما يقوله العلماء، ولا يأخذ الدين بالتقليد الأعمى. أما المؤمن بالدين فهو الذي يصر على ما فهمه من الدين ويعتبره حقًا ثابتًا. أما الفاعل بالدين فهو الذي يلتزم بواجباته الدينية ولا يتوانى أو يكسل.

أما تقدير المعيشة فمعناه الاعتدال في طلب الدنيا، وإدارة الحياة بحكمة بحيث تضمن سلامتها الدنياوية وسعادتها الأخروية. وبعد الالتزام بالدين وإدارة الحياة، تظهر المشاكل التي لا يمكن توقعها في شتى صورها، من الحروب والشهادة إلى الحرائق والحوادث، والتي يجب أن يتحلى الإنسان بالصبر تجاهها.

يجب أن نعلم أن الوعي بالدين يحتاج إلى تخصص ومرشد بصير، كما أن بناء جدار متين لا يتم إلا بتعليم معلم ماهر، كذلك فهم الدين يتطلب تعلماً طويلًا عند علماء متخصصين، وليس بمجرد الاستماع العابر للمنابر أو قراءة كتب عشوائية. هذا النمط الضعيف من التعلم يؤدي إلى ضعف الإيمان والعمل الديني.

وللأسف، الناس أيضًا ضعفاء في إدارة حياتهم، بل ويحمّلون الله سبب فقرهم وشقائهم بدلاً من الاعتراف بقلة إدارتهم وضعف مهاراتهم. على المؤمن أن يقلل مشاكله بالحكمة والإدارة، وأن يحرص على تدبير شؤون حياته الأسرية والاجتماعية والمالية بأقل قدر من الصعوبات. من لا يمتلك دنيا مستقرة، لا يمتلك دينًا قويًا، وللأسف يقال باسم الدين عكس ذلك.

الدين هو أساس الحياة والدنيا هي ميدان الدين. فإذا لم يكن للإنسان أساس متين في الدنيا، فلا يستطيع أداء صلاته بشكل صحيح ولا إقامة شعائره كما ينبغي.

والإنسان الذي لا يمتلك إدارة جيدة، لا يستطيع أن يكون إنسانًا صالحًا. الفقر لا يصيب من له عقل كامل، وإنما هو من أسباب الضعف. بعض الوعاظ الدينيين أيضًا يتحملون جزءًا من المسؤولية لأنهم لم يعلّموا الناس أن الدنيا يجب أن تكون بحجم كافٍ ومعتدل، وركزوا فقط على الآخرة، مع اعتبار الفقر فضيلة، رغم أنهم لا يعرفون حقيقة الدنيا والآخرة.

الشعوب المتقدمة مادياً على الرغم من غالبيتهم غير مؤمنين، يعيشون حياة مادية جيدة، في حين أن حالنا نحن لا دنيا لنا ولا آخرة طيبة. رغم ذلك، ليس الغرب وماديي العالم بلا مشاكل، فدنیاهم أيضًا تعاني من الفساد، ولا يمكن لمن لا يملك دينًا أن يعيش حياة سليمة. بالطبع، يجب أن يكون الدين صحيحًا، وتقليدنا له خاطئ أحيانًا، نأخذ عن مصادر لا نعرف أصحابها ولا ندرسها بدقة، ونكتفي بالقول “أنا أتبع فلان” دون فهم حقيقي.

بهذا الجهل بالدين تنتشر الفقر والبؤس بين الناس. يجب أن نقدر معيشتنا بحكمة وندير حياتنا لتقليل المشاكل إلى أدناها.

الدين يعلمنا الكثير عن تربية الأولاد، لكنه مهمل عند كثيرين. نفسيًا، الأطفال الفقراء يرمون حقائبهم على الأرض، ويلبسون ملابسهم بعشوائية، ولا يراعون النظام أو النظافة، ولا يقيمون للوجبات وقتًا كافيًا، ويخلطون الأطعمة بشكل غير صحي. هؤلاء الأطفال ليس لديهم مستقبل مشرق، والمجتمع الذي يحتضن مثل هؤلاء الأطفال سيكون مليئًا بالمشاكل، وستزداد أعباء المستشفيات والسجون. المشكلة الأساسية هي ضعف التربية والفقر الذي يعاني منه الآباء والأمهات.

الدين الحقيقي ليس كذلك. للأسف، الدين المروج له بعيد جدًا عن ما جاء في الروايات وما يُستفاد من التفهّم الديني العميق. الدين المنتشر هو دين هش لا ثقة فيه، وسيكون يوم القيامة ثقيلاً على من يعلّمونه وينشرونه، خاصة وأننا لدينا معلم معصوم طوال 260 سنة، وهو ما لم يحصل لأي دين أو مذهب آخر.

دراسة حياة الأئمة المعصومين عليهم السلام تبين أنهم كانوا ذوي دخل مرتفع رغم ظروف الحصار والحروب، فكيف يقال إنني شيعي ولا أستطيع تأمين حاجياتي؟ هذا يدل على وجود خلل لدى الإنسان ومربيه. للأسف، في المساجد والمنابر يتحدثون عن المعراج والعروش والألواح دون فهم حقيقي، وكأنهم يتحدثون عن أشياء لا يعرفونها، بينما ما نحتاجه هو حلول عملية لحياتنا.

اليوم، حتى الأغنياء يتساءلون “ماذا أفعل؟”، والأذكياء يعانون مثل الجاهلين. المشاكل لا يجب أن تُلقى على الله. يقولون إن الدين لا يصلح للحكم لأن معظم الدول الإسلامية في حالة فقر وبؤس، ولا يستطيعون تحسين حياة الناس. هناك عشرات من العلماء في قم، ومع ذلك الفقر هناك أكبر من غيرها، ولا توجد إدارة جيدة، والفقير يشعر بالخجل أمام عائلته. هل يجوز أن تستمر هذه الحالة دون عواقب؟ يجب على العلماء تعليم الناس طرق الكسب الحلال وإدارة الحياة.

بعض الناس اليوم ينفخون في البوق من نهايته، فلا يصدر صوت. لكن إذا نفخت من فمه الضيق، يصدر صوت قوي. الأمر يحتاج إلى فكر وإدارة وليس قوة فقط.

اليوم، يُفهم الصوفية على أنه ترك العمل والحياة. الله رازق، لكنه لا يعفي الإنسان من العمل. في كتب المدرسة يُروى قصة الثعلب المسن الذي يطعمه الأسد، ويُفهم الطلاب أن الله يرزقنا بدون عمل، لكن الصحيح أن نكون كالأُسد لا كالثعلب الضعيف. صحيح أن الله لا يترك أحدًا جائعًا، لكن لماذا نتصرف كالثعلب الضعيف؟

لا ينبغي لك أن تكون كالنمس، بل يجب أن تكون كأسد في الغابة، تقتات من قوت الآخرين! للأسف، لا يُعلَّم أطفالنا كيف يختارون الطريق الصحيح في الحياة. نحن نعاني من نقص في الفهم الديني والوعي الديني. صحيح أن الله هو الرزاق، ولكن من يفكر مليًّا، إن صار الأرض مليئة بالرّصاص والسماء مليئة بالنحاس، ولم ينزل من السماء شيء، ولم تنبت الأرض نباتًا، فذلك من يعتقد أن الله هو الذي يرزقه، عقيدته توحيدية في مستوى الحيوان، والنمل لا يشكّ في هذه المعرفة والإيمان. مثل هذا الشخص يعرف الله بقدر معدته فقط. ومع ذلك، ليس من السهل الادعاء بذلك، فإذا وُضع الإنسان في مأزق، يتبين هل يؤمن حقًا بأن الله يعتني به ويرزقه أم لا؟

نحن نفتقر إلى الإدارة الرشيدة في حياتنا، وأعداؤنا الذين لا يؤمنون بالدين يستغلون الفكر والإدارة المبنية على التخصص والعلم.

هم أولًا يركزون على العلم التجريبي، يحاولون تلقيح الذباب العقيم. أجروا العديد من التجارب على الذباب، وبعد نجاحات

(27)

يختبرون ذلك أيضًا على النساء العقيم، في حين أن كثيرًا من المسلمين يعجزون عن تربية وإصلاح أطفالهم. إنهم يهتمون أولًا بالذباب ويعلنون دعمهم للحيوانات قائلين إن الذباب أيضًا يرغب في الحمل ويبحثون عن حل لذلك. إدارة الحياة تعني إيجاد الحلول للمشكلات القائمة وتنظيم الحياة بحيث تقل المشاكل.

إن شاء الله، يعطينا الله المزيد من الفهم الديني والحياة الصحية وطريقة إدارتها، وكذلك الصبر على الصعاب.

(28)

الحديث الثالث

سلوك الأخيار

قال أبو عبد الله الأشعري عن بعض أصحابنا، مرفوعًا عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: يا هشام، لم يبعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعلموهم تعقل الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلًا، وأكملهم عقلًا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.

يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، أما الظاهرة فهي الرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فهي العقول.

يا هشام، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.

يا هشام، إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارته.

(29)

يا هشام، إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تُنال إلا بالمشقة، ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تُنال إلا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما.

ـ الإمام الكاظم عليه السلام مخاطبًا هشام يقول: يا هشام، لم يرسل الله أنبياءه ورسله إلا ليُعقل الناس عنه، فخيرهم في الاستجابة خيرهم في المعرفة، وأعلمهم بأمر الله خيرهم عقلًا، وأكملهم عقلًا أعلاهم مرتبة في الدنيا والآخرة.

يا هشام، لله على الناس حجتان: حجة ظاهرة وهي الرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وحجة باطنة وهي العقول.

يا هشام، قليل العمل من العالم مقبول ومضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.

يا هشام، العاقل يرضى بالقليل من الدنيا مع الحكمة، ولا يرضى بقليل من الحكمة مع الدنيا، لذلك ربحت تجارته.

يا هشام، العاقل ينظر إلى الدنيا وأهلها فيعلم أنها لا تُنال إلا بالمشقة، وينظر إلى الآخرة فيعلم أنها لا تُنال إلا بالمشقة، فيطلب بالمشقة ما يبقى لهما.

البيان: الحديث المشار إليه والذي نقلنا منه جزءًا هنا وموجود كاملًا في كتاب «المسكة»، حديث جامع في معرفة العقل والعاقل، ويحمل مضامين عظيمة لم تُفسر معانيها المبطنة بعد، وهذه المقالة تقتصر على المقدمة وينبغي تناول الموضوع في بحث مستقل.

في «الأصول الكافي» توجد أعلى المضامين المتعلقة بالعقل. المرحوم كليني بذكاء خاص وضع هذا الموضوع في بداية الكتاب. ففي هذا الكتاب عُرّف العقل وذُكرت مصاديقه وخصائصه.

لكن حديث هشام جامعٌ بينها، ويحتاج إلى شرح مفصل في كتاب مستقل. الإمام الكاظم عليه السلام في هذا الحديث يكرر «يا هشام» ثلاثًا وثلاثين مرة، مما يدل على قرب هشام من الإمام وعلى ظروف خاصة تمر بها الإمام، واستعانته بهذا الاسم لتخفيف الضغوط.

أيضًا، في القرآن الكريم عندما يُسأل عن الروح يقول: «ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»(الإسراء: 85)؛ فالعقل أسمى من الروح، فكل الناس لديهم نفس، لكن ليس كلهم عقل.

في هذا الحديث العقل مقابل الجهل، والعقل هو المعرفة التي تقرب الإنسان إلى الله والجهل يبعده.

العاقل له هدف الخير والقرب من الله، وأهل الجهل والهوى هم الذين يقصدون الأذى ويعاندون الحق.

العقل في هذا الحديث حجّة الله الداخلية، والرسل حجته الظاهرة، وهما حجتان يعتمدهما الله في يوم القيامة.

العقل هو الذي يميز كلام الأنبياء ويقيمه، وهو الذي يُوقع على أقوالهم أو يردها.

العقل هو أساس قبول أو رفض الوحي، ومن دونه لا يؤثر القرآن أو الأحاديث على الإنسان، بل قد يؤدي الجهل إلى معارضة الوحي ومصير سيء.

بناءً على هذا الحديث، الله أمامنا حجتان: الرسل والعقل، وسيُسأل الإنسان عن عمله مع كل منهما.

في نهاية الحديث: «يا هشام، قليل العمل من العالم مقبول ومضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود».

فالعمل يجب أن يكون مع العقل والحكمة ليُقبل.

العقل هو النور الداخلي الذي يجعل القليل من العمل مضاعفًا، وأعمال الجهلاء رغم كثرتها غير مقبولة.

العاقل يرفض الرضا بحكمه قليل مع الدنيا كثيرة، بل يختار الحكمة حتى لو كانت الدنيا قليلة.

إنه لا يبحث عن المتعة في العبادة، بل عن القرب من الله.

(36)
إن العاقل لا يبحث عن لذّة العبادة ومذاقها الحلو، ولا يطلب أن تكون عبادته مصدر راحة أو متعة شخصية، بل يركّز على جوهر العبادة وغايتها، وهي التقرب إلى الله تعالى. العاقل لا يستسلم لهوى النفس، ولا يلهث وراء الترف والملذات الزائلة، بل يُضحي من أجل نيل مرضاة الله وجنّته.

هذا هو الفارق الجوهري بين العاقل وأهل الهوى، فالأول يتسلّح بالحكمة والعقل، والثاني يغرق في الملذات المادية، وإن بدت له متعة مؤقتة.

الحديث الشريف يوجه الإنسان إلى مفهوم عميق للعقل: العقل هو الوعي الحقيقي الذي يربط الإنسان بالخالق، ويجعل عمله خالصًا لوجه الله، وليس مجرد طقوس شكلية بلا معنى.

العقل هو ما يميّز الإنسان عن الحيوان، ويؤهله لأن يكون خليفة الله في الأرض، فتزداد مكانته في الدنيا والآخرة.

في ختام الحديث، نرى دعوة قوية إلى الاجتهاد في طلب العلم والعمل الصالح، مع التمسك بالحكمة والتدبير، والابتعاد عن الهوى والجهل، لأن القليل من عمل العالم المقبول يُثاب عليه أضعافًا، بينما كثرة عمل الجاهل والهوّي تُردّ ولا تقبل.

هذا المبدأ يدعو إلى التفكّر العميق في جودة الأعمال وليس في كميتها، وهو درس ثمين لكل مسلم ومسلمة.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على فهم العقل والحكمة، وأن يرزقنا العمل الصالح الذي يقربنا إليه، ويجعلنا من الفائزين في الدنيا والآخرة.

لا يريد السُكّرَة.

في مقابل العاقل، يوجد من يؤدي الأعمال الصالحة بناءً على الهوى والأنانية، بحيث يجعل نفسه وملذاته محوراً ومرتكزاً، وإن لم يكن لديه شهوة، لا يؤدي الصلاة ولا غيرها من الفرائض التعبدية. كمن يتعاطى (الأفيون) عليه أن يتناول الشاي المركّز بعده، وكمن يشرب الخمر يتناول بجانبه الفستق أو الحلوى، كذلك صلاة وعبادة هؤلاء يجب أن تُمزج بقليل من السكّر حتى يستطيعوا القيام بها. ومن يذهب إلى الصلاة والمسجد أو الأماكن المقدسة عند فراغه، ويتخلى عنها عند انشغاله بشؤون دنيوية، فهو يؤدي عبادة جاهلة؛ لأن عمله للهوى وليس لله تعالى، وهذا فرقٌ كبيرٌ جداً.

قد يقوم أحدهم للصلاة الليلية بسبب الأرق، وقد يستيقظ آخر بدافع الرغبة في النوم، فيصلي بقوة وطاقة. هذان الأمران مختلفان تماماً. العاقلون وأولياء الله لا يعملون لأنفسهم، وإن كان العمل للنفس لما قاموا به. يقول النبي إبراهيم عليه السلام: إن المحبة هي محبة المولى: «قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(سورة الأنعام: 162)؛ لحظة بلحظة حياتي كلها له، وليس لي منها شيء ولا من أجل سروري الخاص. إن هذه المحبة هي التي تغير قيمة الأعمال، فبعضهم يستيقظ عن حب، وآخر بسبب الفراغ والأرق.

العبادة الممزوجة بالجهل والهوى مردودة، ولا يقبل إلا العبادة التي تؤدى بدافع الواجب والرسالة ومن منطلق الحب لله تعالى. العاقل يقول: يا رب، إن كان الأمر بيدي فلا أريد شيئاً، ولا حتى الصلاة، لكن بما أنك أمرتني، فأنا أصلي.

من يبني مسجداً ليظهر نفسه ويجذب أنظار الناس فهو من أهل الهوى ومشرك، ومن يبني لله تعالى ويخدم الناس من أجله فهو عاقل. العاقل لا يعمل لنفسه ولا للناس، بل فقط لله تعالى، ويتحمل المشقة من أجل ذلك. وإن كان العمل لله، فهو مفيد للذات والناس معاً. يقول الله تعالى: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ» (سورة البينة: 5). أولياء الله لا يعملون لغير الله، وإن خدموا الناس فذلك من أجل الله، ولو كان العمل للناس فقط فهو خدمة، أما إذا كان لله فهو عبادة.

النساء اللواتي يقمن بأعمال البيت من تنظيف وطهي، إذا كانت لأجل الله، فهن عاقلات وفاهمات، وإن كان العمل من أجل الحياة فقط فهو حفظ للكرامة، وإن كان من أجل الزوج فهو وفاء وشهامة، وإن كان لله فهو عبادة وعبودية.

إن طبخ الطعام بقصد التقرب إلى الله كمن يصلي على سجادة الصلاة، وإن لم يكن قصد التقرب فلا تعد عبادة حتى لو صلى المرء ساعات، وإن كانت من أجل الزوج أو الحفاظ على الحياة أو الكرامة فهي خدمة على الأقل. السلام على الزوج والتقبيل منهما بعبادة إذا كانا بقصد التقرب إلى الله.

يُروى أن العاقل لا يعمل لغير الله، لا لنفسه ولا للناس، بل لله فقط، وفي ذلك العزة والكرامة. الماء الجاري في النهر لا يريد أن يسقي الأشجار والنباتات، بل يريد الوصول إلى البحر، وإن سقى الأرض فهي نتيجة ثانوية. كذلك العاقل لا يريد إلا الله، ولا يعمل إلا له، وخدمته للناس أيضاً لله.

قال الإمام الكاظم عليه السلام: يا هشام، إن العاقل نظر إلى الدنيا وأهلها، فوجد أنها لا تُنال إلا بالمشقة، ونظر إلى الآخرة، فوجد أنها لا تُنال إلا بالمشقة، فطلب ما أبقى بهما بالمشقة.

يجب على الإنسان أن يتعب، فلماذا يتعب من أجل دنيا عابرة لا تدوم، بينما الآخرة دار البقاء؟ العاقل هو من يطلب الآخرة التي تشمل الدنيا، كما أن الماء يتجه نحو البحر ويسقي في الطريق.

الفرق بين العبادة والأعمال الأخرى أن العبادة تُقام لله فقط، ومن يعين فقيراً لقرب الله فإن عمله عبادة، ومن يعينه ليُسرّه فإن عمله خدمة. غير المسلم قد يعمل للناس لأجل الخير، لكنه لا ينال ثواب العبادة.

العمل لله ثقيل وثمين، ويحتاج إلى تدريب وجهد. المؤمن يعمل لله، وخدمته للناس جزء من عبادته، ولا ينقص من دنياه شيء، بينما لا ينال الكافر شيئاً من الآخرة.

من يعمل لله ينال الثواب، ومن يعمل للخير فقط ينال الأجر كالبهائم التي تكسب الأجر. الثواب أعلى من الأجر، فهو نعمة إلهية، والأجر مجرد كسب. العمل الحسن من الإنسان السيئ أجر، لا ثواب. الثواب خاص بالعاقل الذي يعمل لله.

نسأل الله التوفيق والصفاء ليكون كل عمل ودراسة وعبادة وخدمة وعيشة من أجل الله، يقول: يا رب، إنك أمرتني بالعمل والرحمة مع عبادك، فأعمل لذلك، فلا أعرف أحداً غيرك.

إذا كان العمل لله، يزداد الحب والرحمة للناس والزوج والأبناء. حب الله يطرد غيره من القلب. هكذا هو العمل بالعقل. أولياء الله لا يعملون لغيره، ولا يطمعون.

والستر وضده التبرج، والتقیة وضدها الإذاعة، والإنصاف وضده الحمیة، والتهيئة وضدها البغي، والنظافة وضدها القذر، والحیا وضده الجَلَع، والقصد وضده العدوان، والراحة وضدها التعب، والسهولة وضدها الصعوبة، والبركة وضدها المحق، والعافية وضدها البلاء، والقوام وضده المكاثرة، والحكمة وضدها الهواء، والوقار وضده الخفة، والسعادة وضدها الشقاوة، والتوبة وضدها الإصرار، والاستغفار وضده الاغترار، والمحافظة وضدها التهاون، والدعاء وضده الاستنكاف، والنشاط وضده الكسل، والفرح وضده الحزن، والألفة وضدها الفرقة، والسخاء وضده البخل.

فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان.

وأما سائر أوليائنا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الأجناد حتى يستكمل وينقى من جنود الجهل، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء، وإنما يُدرَك ذلك بمعرفة العقل وأجناده، وبمجانبة الجهل وأجناده. وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته.

سمعته يقول: كنت في محضر الإمام الصادق عليه السلام، وكان جمع من أصحابه أيضاً، فذكرنا العقل والجهل، فقال عليه السلام: “اعرفوا عقل وأجناده وجهل وأجناده لتُهتَدوا”. فقلت له عليه السلام: “يا مولاي، لا نعلم إلا ما علمتنا”. فقال: “إن الله خلق العقل، وهو أول مخلوق روحي من الملائكة، خُلِق من نور الله في يمين العرش…”.

ثم ذكر عليه السلام أن الله جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً، وللجهل كذلك خمسة وسبعين جنداً، ثم ذكر الأجناد واحداً واحداً، وفي الختام قال: هذه الخصال من أجناد العقل لا تجتمع كلها إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وأما موالينا فلهم من هذه الخصال بعض، ولا يخلوا أحد منهم من ذلك حتى يكتمل وينقى من جنود الجهل، وعندها يكون في مرتبة عالية مع الأنبياء والأوصياء.

إن أهمية هذه الرواية في معرفة مراتب النفس والقوى المتعددة في الإنسان، وأن مملكة الإنسان واسعة وعظيمة، وهي أكبر من كل مخلوق، وأن من لا يعرف نفسه وعقله وأهواء نفسه لا يستطيع أن يحكم على ذاته ولا يرتقي إلى الكمال.

قال الإمام عليه السلام: إن النفس لها مراتب؛ منها النفس الملوثة، النفس اللوامة، النفس الملهمة، والنفس المطمئنة، والمرتبة العليا هي النفس المطمئنة التي تظهر في أولياء الله والمؤمنين الأكملين.

فالإنسان ينبغي أن يعقل قوته، ويراقب نفسه، فلا يتركها للهوى، بل يجعل العقل هو الحاكم عليها.

وأما الحديث الشريف فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله”، فالمقام الحقيقي للإنسان لا يقاس بالمظاهر فقط، وإنما بحسن عقله وفهمه وتدبره.

إنّ هذه الرواية المباركة تسلط الضوء على أهمية العقل في تقييم الإنسان ومقامه الحقيقي. فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ النفع والثواب يُوزنان على مقدار العقل والفهم الذي يمتلكه الإنسان، لا على المظاهر الظاهرة أو الأعمال الظاهرية فقط.

ومن هنا، يتبين أنّ العقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل هو ميزان يُقاس به نبل الإنسان وارتفاع مكانته الروحية والأخلاقية. فالإنسان الذي يحسن استعمال عقله ويتّصف بحُسن التدبير والحكمة، يكون في مرتبة عالية بين الناس، وربما يقترب من مرتبة الأنبياء والأوصياء.

أما من يفتقر إلى العقل، أو يترك نفسه تسير وراء الجهل وأهواء النفس، فإنه يُعتبر من أصحاب الجنود الجهلية، الذين يسودهم الغفلة والضلال، وينفصلون عن دائرة النور والهدى.

ويُشير الإمام الصادق عليه السلام في حديثه إلى أنّ النفس الإنسانية ليست مجرد كيان واحد، بل هي مجموعة من القوى والمراتب التي تتداخل وتتفاعل مع بعضها، منها:

  • النفس الأمّارة بالسوء التي تحث الإنسان على ارتكاب الذنوب والشهوات.
  • النفس اللوّامة التي تأخذ على الإنسان تقصيره وتحفزه على التوبة.
  • النفس الملهَمة التي تلقي الإلهام والوجدان.
  • النفس المطمئنة التي تنال السكينة والاطمئنان في قربها من الله.

وهذه المراتب هي التي تحدد مصير الإنسان في حياته الدنيا والآخرة، فالمؤمن الكامل هو من يتحلى بالنفس المطمئنة ويجاهد نفسه في سبيل تطهيرها وتهذيبها.

وبهذا تتضح أهمية معرفة النفس والوعي بها، كما تتضح ضرورة تحكيم العقل على الأهواء والنزعات النفسية، لأن الإنسان الذي لا يعرف نفسه، لا يستطيع أن يحكم على نفسه، ولا يصل إلى الكمال المنشود.

وفي الختام، يجب على كل إنسان أن يسعى لمعرفة نفسه وأجناد عقله، وأن ينأى بنفسه عن جنود الجهل، ليبلغ مقام الكمال والهدى، ويرتقي إلى مصاف الأنبياء والأولياء.

وفقنا الله وإياكم إلى طريق العقل والهدى، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث الشريف أن العقل لا يعمل بمفرده، بل يقوده عدد من الصفات والأخلاق التي تشكّل جُنودَه التي تحاربه في ذات الوقت جنود الجهل. ومن هذه الصفات التي تُعد من جُنود العقل:

  • الحَياء وضده الجُلع، أي قلة الحياء.
  • الإنصاف وضده الحمية، أي التعصب والانحياز الأعمى.
  • التقيّة وضدها الإذاعة، أي نشر الأمور الخاصة على الملأ.
  • القصد وضده العدوان، أي الاعتدال في الأمور وضد الظلم والاعتداء.
  • الراحة وضدها التعب، أي المحافظة على التوازن وعدم إرهاق النفس.
  • السعادة وضدها الشقاوة، أي العيش في رضى واطمئنان.

ويُلاحظ أنّ هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع كلها في شخص واحد إلا إذا كان نبيًا أو وصيًا له أو مؤمنًا قد امتحن الله قلبه للإيمان الحقيقي. أما غير ذلك من الناس فإنّهم يمتلكون بعض هذه الصفات دون الكمال الكامل.

وهذا يدل على أن الكمال الكامل في العقل والفضائل ليس متاحًا إلا للقلة القليلة من أولياء الله والصالحين، أمّا البقية فتسير في طريق التطور والتزكية، وهي رحلة مستمرة لتحصيل المزيد من صفات العقل والتخلص من صفات الجهل.

كما أشير في الحديث إلى أن معرفة العقل وأجناده، ومعرفة الجهل وأجناده، هي المفتاح لفهم النفس البشرية وضبطها. فالإنسان الذي لا يعرف هذه الجنود لا يمكنه أن يقود نفسه إلى السعادة الحقيقية، بل يكون ضحية لنزعاته السلبية وللجهل.

وفي هذا المعنى، فإن الحكمة في استماع القول والتأمل فيه هي أساس لتربية العقل وتنميته. فعلى الإنسان أن يكون مستمعًا جيدًا، وقادرًا على تقبل النقد، ومراجعة نفسه باستمرار، لأن ذلك هو طريق الوصول إلى الحقيقة والعدل.

وأخيرًا، فإن هذه الأحاديث النبوية الشريفة تدعو الإنسان إلى التأمل في نفسه، والتزام الاستقامة، والحرص على صفاء القلب والعقل، لكي يكون من أصحاب العقول الراجحة، ولينال رضوان الله وجنته.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الحكمة والمعرفة، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يوفقنا لما فيه خير الدنيا والآخرة.

مقياس العقل ومقدار المعرفة والوعي

إنّ المقياس والمعيار الأساسي في تقييم مرتبة العقل ودرجة المعرفة والوعي عند الإنسان هو العقل نفسه. فالقيمة الحقيقية للحالة والهيجان الروحي تُقاس بالعقل وتُختبر به. يُجازى الإنسان من قِبل الله تعالى على أساس عقله، ويُعتبر ذلك معياراً في قياس أفعاله. يجب النظر في مقدار العقل الذي يُصرف على الصلاة التي تُؤدى بالأنين والشكوى، فبحسب ذلك يُجازى الإنسان.

صلاة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وضربة السيف التي تلقاها في يوم الخندق تُقاس بهذا المعيار، حيث تُعتبر أسمى وأعلى من عبادة جميع البشر والجن في كل العصور. فقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم:
«لضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين».
وهذا الحديث يشمل بقية الأئمة المعصومين عليهم السلام أيضاً. العقل هو الميزان الذي يُقاس به قدر الإنسان وقيمته.

هذا الحديث الذي يبيّن حالة العقل والحالة الروحية هو حديثٌ عميق ودقيق للغاية، ونادراً ما يستطيع أحد أن يطبق تعاليمه عملياً. كثير من الناس حين يرون حالة العبادات والصلاة الحارة عند شخص ما، يظنون فوراً أنه من العارفين والمخلصين، دون أن يقيسوا معرفته وعقله. في الإنسان وجود للشعور وللشورى معاً، وكلاهما خير وكمال، لكن الشعور هو الذي يُعلي شأن الهيجان الروحي ويُكمله. إذا كانت الحالة الناتجة عن الشعور ثمرة العقل، فهي ذات قيمة، أما إذا كانت منفصلة عن العقل فهي لا قيمة لها.

يُذكر في هذا الحديث: إذا قال لك أحدهم إن فلان لديه حالة روحية جيدة وهو من أهل الدعاء والذكر والصلاة، فلا تعتمد على حالته وحدها كمعيار للجودة والكمال، بل انظر إلى مقدار عقله، ومدى إدراكه وفهمه ومعرفته بموضوع الربوبية والولاية. إذا بلغ عقله مستوى مرتفعاً من المعرفة، فحينها تستحق حالته التقدير، وإلا فاعتبرها حالة عابرة لا سند لها.

في النظام الإداري مثلاً تُحسب رواتب الموظفين بناءً على الرتبة وليس على الجهد فقط، وفي الجيش تُعطى الرواتب حسب الرتب العسكرية التي تعكس مستوى المعرفة والخبرة. وكذلك الله تعالى في يوم القيامة يُجازي الناس بناءً على عقولهم.

إن كان الإنسان يطلب المعرفة فقط دون سلوك عملي، فلا يكمل كماله، ويكون عقله ناقصاً. العقل كالشيخ الذي يريد ثمرة؛ وهذه الثمرة هي الكمال.

العاقل هو من يكون أهل مناجاة وعبادة وذكر وصفاء وصداقة مع الله. ومن علامات العقل هو امتلاك حالة روحية حقيقية. الإنسان العاقل والعارف قادر على إدارة حياته الشخصية والاجتماعية، ويؤدي عباداته وصلاته بدقة وتنظيم، ولا يعقل أن يكون بلا حالة روحانية.

المناجاة والعبادة والصلاة ودعاء كميل ودعاء سمات وسواها وحتى البكاء على الإمام الحسين عليه السلام ذات قيمة عظيمة إذا كانت مبنية على عقلانيتها. على سبيل المثال، يجب أن يعرف الإنسان الفرق بين البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وبكائه على والده المتوفى. بكاء الحسين عليه السلام هو وجع أصاب الدين والحق، بينما البكاء على الأب أو الأم يكون لأجل طلب المغفرة عن ذنوبهم.

للأسف، بعض الخطباء يخلطون بين هذه المصائب، ويفتتون الأهل ليثيروا دموع الناس للإمام الحسين، وهذا لا يليق بمقام محرم وحقيقته ويبعد الناس عن جوهر الواقعة.

الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء كان صاحب الدين الذي جاء إلى الميدان، ونحن نبكي على مظلومية صاحب الحق والولاية، وهذا البكاء يجب أن يختلف عن البكاء على الأهل الذين ينبغي أن نستغفر لهم.

في الخطب يجب الحديث عن شجاعة الإمام، معرفته، علمه وكمالاته، لا عن الأكفان والأهل الميتين للحاضرين، حتى لا يتحول البكاء على الإمام إلى مجرد دموع عادية.

يجب أن يكون الخطيب عارفاً ومثقفاً ليؤدي عمله بشكل صحيح، لا أن يقلد الآخرين فقط لأن لديهم صوتاً جميلاً. إحياء العزاء هو إقامة الحق، ولا ينبغي أن تتحول الخطب إلى تحريف للحقيقة وإخفاءها.

قراءة الأدعية مثل دعاء كميل ودعاء سمات ودعاء الندبة يجب أن تكون بوعي وحالة روحية، لا مجرد رفع صوت وبكاء مصطنع يميل إلى الإطالة، مما يثقل على الناس بدلاً من تليين قلوبهم.

بعض الخطباء ينقلون أنماط موسيقية من قبل الثورة أو حتى الموسيقى الغربية الحديثة، مما يربط المسجد بالموسيقى الكابرية، وهذا لا يتناسب مع مقام العزاء.

الإمام السجاد عليه السلام كان يرفع المناجاة ويبكي بدموع دم، بينما بعض الخطباء اليوم يقلدون فقط الأصوات ولا يقدمون سوى ألحان غير مناسبة.

وفي شهر ربيع وخصوصاً في عيد الزهراء عليها السلام، يرتكب البعض كثيراً من المعاصي بلا حساب، مع أن المعصية لا تجوز أبداً.

يجب أن يكون هذا الهيجان والاهتمام دائماً محوره العقل والوعي، فالحالة الروحية يجب أن تكون منسجمة مع العقل، لأن…

… لأنّ الحالة الروحية هي التي تمنح العبادة والذكر والمعرفة قيمتها الحقيقية، وليس مجرد التهيج العاطفي أو الانفعال اللحظي. يجب أن يكون كل فعل روحي مُستنيراً بالعقل، لأن العقل هو الذي يضبط ويوازن العواطف، ويحول الشعور إلى عبادة ذات معنى ومغزى.

فالمؤمن الحقيقي هو الذي يجمع بين العقل والروحانية، بين الفهم والإحساس، بين المعرفة والحالة. بدون هذا التوازن، تبقى العبادة ناقصة، والحالة الروحية عابرة وغير مستندة إلى أساس صلب من الوعي.

في نهاية المطاف، الجزاء والثواب من الله تعالى يُرتبطان بعقل الإنسان ومدى فهمه وإدراكه، لا بمجرد عدد الركعات أو كثرة البكاء. ومن هنا تأتي أهمية تعليم العقل وتثقيفه وتربيته إلى جانب تقوية الحالة الروحية، لتكون الصلاة والذكر والتضرع بمستوى يليق بعظمة الله وحقه.

وهذا هو السبيل إلى أن تتجاوز العبادة مجرد روتين خارجي، فتصبح تجربة روحية حقيقية تنعكس على شخصية الإنسان وسلوكياته اليومية، وتجعله أكثر حكمةً ووعياً، وأكثر قدرةً على تحقيق التقوى والخير في حياته.

(64)

تتوازن الحالة الروحية للإنسان مع عقله ومعرفته. أحيانًا يُقال في المجالس الحسينية أمور غير صحيحة بهدف إثارة الحالة الروحية. ولكن إذا كان الجمهور على دراية دقيقة بأحداث كربلاء واطلع على المقاتل المعتمدة التي هي مؤثرة جدًا، فلن يجرؤ أي مداح على اختلاق الأكاذيب. مثلاً، يُقال إن الكوفيين هاجموا الإمام بالحجارة، مع أن جميعهم كانوا مسلحين فلم تكن الحاجة لذلك. كما يُقال إن أرض كربلاء كانت مليئة بالحجارة، بينما هي في الحقيقة مثل صحاري العراق مغطاة بالتراب فقط.

ويُذكر أيضًا أن الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه بقوا مستيقظين طوال ليلة عاشوراء، بينما جنود يزيد كانوا نائمين في خيامهم حتى طلوع الفجر وصلاة الفجر فاتتهم، وهذا غير صحيح أيضًا. فقد ظلّ أتباع يزيد يقظين، لكن كان خوفهم شديدًا وكأنهم ينتظرون هجومًا مفاجئًا من العباس عليه السلام، غير أنهم لم يكن لديهم العلم بأن هؤلاء القوم لا يهاجمون بالليل بل يتقاتلون بشرف وصفاء. أما جنود الإمام الحسين فقد قضوا الليل في المناجاة والعبادة، ولذلك لم يناموا.

لا ينبغي أن تقتصر المجالس الحسينية على نقل الأخبار المضللة، بل يجب على المداح أن ينقل من المصادر الموثوقة مباشرة. كما يجب على الجمهور أن ينبه المداحين الذين ينطقون بالكذب، فلا يتركوا المجال لترويج الأكاذيب. على المستمعين أن يحثوا المتكلمين على البحث والتأمل في نقل القصص من المقاتل الصحيحة. وعلى الجمهور أيضًا أن يكونوا مثقفين ويعترضوا على ما لا يستند إلى دليل، لكي يُجبر المداحون على تنظيم نقلهم وتأصيل أقوالهم بشكل يمكن إثباته مستقبلاً، شرط أن تكون الاعتراضات مبررة وهادفة لا لمضايقة الآخرين.

(66)

نسأل الله أن يمنحنا المزيد من البصيرة والمعرفة والوعي الديني.

(67)

الرواية السادسة:
ثواب وقيمة العمل

عن علي بن محمد بن عبد الله عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: فلان ما شأن عبادته ودينه وفضله؟ فقال: كيف عقله؟ قلت: لا أدري. قال: إن الثواب على قدر العقل. كان رجلاً من بني إسرائيل يعبد الله في جزيرة من جزر البحر، خضراء كثيفة الأشجار، ومياهها ظاهرة. فمر به ملك من الملائكة فقال: يا رب أرني ثواب عبدك هذا. فأراه الله ذلك. فقال له الملك: أما مكانك هذا لا يصلح إلا للعبادة. فقال العابد: إن لمكاننا هذا عيبًا، قال: وما هو؟ قال: ليس لربنا بهيمة، ولو كان له حمار لرعينا في هذا المكان، فإن هذا الحشيش يضيع. فقال الملك: وما لربك حمار؟ قال: لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش. فأوحى الله إلى الملك: إنما أثيب على قدر عقله.

ـ سليمان قال: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن فلان، ما شأن عبادته ودينه وفضله؟ فقال: كيف عقله؟ قلت: لا أعرف. فقال: إن الثواب والمكافأة تُعطى على قدر العقل لا على مقدار الحال والعاطفة. كان هناك رجل من بني إسرائيل يعبد الله في جزيرة خضراء عامرة بالأشجار والمياه. مر به ملك من الملائكة، وأراد الله أن يريه ثواب هذا العبد. ظن الملك أن الثواب قليل، فأمره الله بأن يرافق العبد في شكل إنساني. وبعد يوم من المرافقة، قال له الملك: منزلك جميل جدًا يصلح فقط للعبادة، فقال العبد: لكنه ليس فيه بهيمة، ولو كان فيه حمار لرعينا العشب، لأنه يضيع. قال الملك: لماذا لا يوجد حمار لربك؟ قال العبد: لو كان له حمار لما ضاع هذا الحشيش. فأوحى الله للملك: إن ثواب هذا العبد حسب عقله.

توضيح: هذه الرواية تبيّن أن الإنسان قد يؤدي عبادات كثيرة، لكنه قد لا ينال الأجر العظيم إذا كان عقله ضعيفًا، بينما قد ينال الآخرون أجرًا كبيرًا بأعمال أقل، وفقًا لقوة العقل ومدى فهمهم وإدراكهم. الإمام عليه السلام قدم هذا المثل ليشرح فكرة أن الثواب مرتبط بالعقل والفهم لا فقط بالعاطفة والهيام.

(70)

رجل من بني إسرائيل كان يعبد في جزيرة خضراء ذات هواء عليل ومناخ معتدل. كان أحد الملائكة يمرّ بتلك الجزيرة فرأى ذلك العابد وحاله في العبادة، التي ربما لم تكن حتى بين الملائكة في السماوات مثيلة لها. فانبهر بتلك العبادة وتلك الحالة، حتى كاد يقال إنه ذرف دمعة فرح من عينيه. ثم توجه إلى الله عز وجل وسأله: كم تعطي أجرًا لذلك العابد الذي يعبدك بهذه الهيئة؟

عندما أظهر الله أجر ذلك العابد للملك، بدا له الأجر ضئيلاً حقيرًا، كما لو أن عبدًا بهذه العظمة والشموخ في عبادته قد خُدع أو خدعته الله تعالى! فلما رأى الله عز وجل استياء ذلك الملك وتشككه في عدله، قال له: “ألا تقبل ميزاني؟ فاذهب وجربه بنفسك”. فلبس الملك هيئة إنسان وجلس إلى جانب ذلك العابد في الصلاة، فتعرفا تدريجيًا وصارا رفيقين.

سأل العابد الملك: “من أنت؟” وهو تعبير عن كبرياءه واعتداد نفسه. فأجابه الملك: “أنا رجل عابد، لما بلغني مقامك العالي جئت لأعبد الله معك”.

ظل الملك يعبد معه يومًا كاملًا، وفي اليوم التالي أراد أن يمتحنه ويكشف عيوبه وفنونه فقال له: “هذا المكان جميل جدًا وخصب، وهو مناسب جدًا للعبادة”. أجابه العابد: “نعم، لكن هذه الجزيرة لها عيب واحد”.

رغم أن العابد كان في مكان أخضر وخصب، كان ينظر إلى العيب فقط ويرى نصف الكأس الفارغ، فكان متشائمًا. قال: “إلهنا ليس له حمار، لو كان له حمار لكان يرعى هذه الخُضر ويُستفاد منها”. وأضاف: “لو كان لله حمار لكنت أنا الذي أرعاه وأعتني به، فهذه الخُضر تضيع لأنها لا تؤكل من قبل حمار”.

كان فقط يرى أن عشب الجزيرة الخضراء الجميلة صالح فقط ليأكله الحمار، ولا يرى جمالها أو يستمتع بها. فقال له الملك: “ألست تقول إن لله حمارًا؟ ربما له حمار لكنه لم يرسله إلى هنا؟”

أجابه العابد: “لا، ليس لله حمار، لو كان لله حمار لما ترك هذه الخُضر تضيع وتُهدر هكذا. لو كان له حمار لكان أرسله حتمًا”.

الإمام الصادق عليه السلام يشرح قصر فكر بعض الناس بهذا الحديث عن سليمان عليه السلام.

كانت عبادة ذلك العابد مفعمة بالجمال والشوق، حتى جذبت نظر الملك وأثرت فيه وأذلت أمام الله. لكن رغم ذلك، كان الشوق في العابد جيدًا، إلا أنه افتقر إلى العقل.

مؤسف أن المشكلة في المجتمع الإسلامي هي ذاتها. ففي المجتمع الإسلامي، لا يُعتبر معيار قيمة الأعمال وأحوال الناس هو العقل والمعرفة، بل تُعتبر العاطفة والحالة الروحية هي المعيار والمِقْياس للدرجة الروحية للناس.

كثير من الناس يكثرون من الصياح والنحيب واللطم وأحيانًا التطبير ورفع السيوف لأجل كربلاء أو الدنيا، لكن العقل والمعرفة لديهم قليل.

للأسف، الخطب والدروس في المساجد والحسينيات تركز فقط على الحالة الروحية ولا تترك مجالًا للتفكير والتدبر، وتوصي الحجاج بالكثير من الطواف والصلاة والذكر، لكن لا تُحفّز على التفكير.

إذا كان هناك الكثير من الشوق وقليل من العقل، فلن يستطيع مليار مسلم حتى تأمين قوت يومهم.

العقل المقصود هو ما يقرب الإنسان إلى الله، بالعقل يُمكن الوقوف على حمد الله، وتحقيق صحة الدنيا وسعادة الآخرة.

كيف يمكن لمسلِم عاجز عن توفير قوت يومه أن يحظى بصحة الدنيا، وكيف لمن لا صحة له في الدنيا أن يبلغ سعادة الآخرة؟

شعبنا الذي ثار بثورة عظيمة وروحية على حب الإمام الحسين عليه السلام، يعاني الآن من أزمات اقتصادية وعجز في تأمين قوت يومه.

من لا يستطيع تأمين قوت دنياه، لن يستطيع بناء آخرتَه!

الدنيا من أسماء الله الحسنى، وهي ذات قيمة.

لو كان الخطباء يعلمون الناس كيفية تأمين رزقهم بدلًا من التركيز فقط على المعراج والآخرة، وناقشوا الدنيا وأحوال الناس، لزالت الحاجة للذل والافتقار والاحتياج.

المسلمون اليوم أسرى بيد الغرب، وليس لأن الغرب قوي، بل لأن المسلمين ضعفاء.

الإنسان بلا عقل لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام الأعداء ولا يعرف كيف يتصرف أمام الأصدقاء.

يجب أن يحظى الإنسان بسعادة الدنيا ليبلغ الآخرة.

بعد الثورة الإسلامية، رُوجَ لفكرة الإعانة المالية بدلاً من توفير الوظائف، والناس لا ينبغي أن يتلقوا قوتهم بالذل، بل يجب أن يسعوا للعمل وأن يكونوا أكفاء.

هذا الحديث وغيره من الروايات الكافية يقدم معيارًا واضحًا لمعرفة العاقل من الجاهل.

على الإنسان أن يختبر نفسه ليعرف هل هو من الجاهلين أم من العاقلين.

إذا رأيت أحدهم في حالة عبادة جميلة، لا ترفع مقامه حتى تعرف عقل ومعرفته، وفهمه للدنيا والآخرة.

العقل يقوم على ركيزتين: الأولى أن يجعل الإنسان يعبد الله ويقربه إليه، والثانية أن يصل به إلى السعادة والنعيم، ولا تتحقق السعادة الآخرة بدون تأمين الدنيا.

للأسف، في ليالي الإحياء ومحرم، يُغلب الحديث عن الحالة ويشعل الشوق، لكن بعض الخطباء لا يقدمون علومًا معرفية.

قد يغضب بعضهم من هذه الكلمات، لكنها مأخوذة من نصوص الروايات، وليست آراء شخصية، نحن مجرد ناقلين لروايات العقل والجهل من الكافي.

حديث (7): العقل في زمن الظهور

قال الإمام الباقر عليه السلام:
“إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم”. (الكافي، ج1، ص25)

الشرح:
هذا الحديث يشير إلى أحد أحداث زمن الظهور حيث يظهر صاحب الأمر (عجل الله فرجه) فيجمع الله عقول الناس ويكمل خردهم. في زمن الغيبة، العقول مشتتة وجزئية، والناس ينظرون إلى الأمور بشكل مجزأ، ولذلك معرفتهم ناقصة. أما في زمن الظهور، فترى الأشياء كلها بشكل كلي ومتكامل، وتتضح المعاني بالكامل، ويصبح التواصل مع كل ظاهرة ممكنًا وسهلًا.

نحن الآن في زمن الغيبة، ولا نعلم ما هو الضوء الذي ابتعدت عنه قلوبنا، وما هو الغروب الذي أصابنا. نحن نعيش في غروب وغربة ولاية، ونظن أن زمن الظهور سيكون مثل حالنا اليوم، وستسود نفس الأجواء على الأرض.

عندما كنت في سن المراهقة، كنت أذهب إلى درس أحد الأساتذة وكان الطريق بين بيتي ومدرسته بعيدًا، وخلال هذا الطريق كنا نحفظ جميع أجزاء كتاب الكافي. في ذلك الوقت، عندما قرأت هذا الحديث، كان يتبادر إلى ذهني أن المعرفة في عصرنا هذا، وهو عصر الغيبة، مثل حليب في وعاء، لكنه فسد ومقطّع إلى أجزاء متفرقة. إذا تمزق صورة أو رقم هاتف، رغم أنهما ما زالا الصورة والرقم، إلا أنه لا يمكن الحصول منهما على شيء.

عندما يظهر الإمام صاحب العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لن يأتي بأي جديد زائد، ولن يأتِ بدين أو قرآن جديد، بل سيحيي الدين والسنة النبوية التي شُتّتت وتقطّعت وفقدت مواقعها وقوتها، وسيعيد بناء المعارف التي كانت مقطّعة.

في ذلك الزمان، تُسكب الروح الملكوتية والحقيقة، وهي العصمة والولاية، على عبيد الله، فتتجمع الحواس وتُكتمل العقول. وليس الأمر كما يتصور البعض أن الإمام سيأتي بالسيف أو القِدّارة ليقتل الفاسدين ويُبقي الصالحين فقط، أو كما يُقال أنه سيُسفك دماء العلماء! وهذا غير صحيح، لأن في ذلك الزمن لن تكون هناك طواحين مائية، وهذه الأقاويل من نسج الخيال بناءً على تصورات قديمة.

رحم الله المرحوم آخوند، فقد سُئل عن رضى الإمام زمانه عن العلماء، فأجاب: “إن لم يكن راضياً عنهم، فما الذي يستطيع أن يفعله؟ لا يوجد من هو أفضل منهم، وهؤلاء هم الصالحون في زماننا”. إذًا، ليس من المنطق أن يأتي الإمام بالسيف والقِدّارة، فهل يكون ابن فاطمة الزهراء عليه السلام قدّارة؟

ويُقال إن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام…

لقد قتلوا أربعة آلاف شخص وهذا يكفي! عندما يأتي السيد، تتجمع العقول ويرتفع الفهم، فيقول الجميع: عجبًا! كنا نعلم ذلك، ولكن لماذا لم نفهمه هكذا ولم نأخذ بهذا التفسير؟! كنا نعلم، ولكن كم أخطأنا في فهمنا! جمع العقول كإشعال النور، ففي مكان يعمّه الظلام وقلة الضوء، تقع الأخطاء في القراءة والفهم، ولكن عندما تضاء الأ، يرى الجميع بوضوح. العقول، العلوم والأفكار في زمن الغيبة مشتتة متفرقة ومنقسمة، صحيح أن العلماء يعرفون كل شيء، لكن معرفتهم متفرقة مثل جدول كلمات متقاطعة أو رقعة شطرنج حلّوا بعض خاناتها وبقيت أخرى مجهولة ولم يستطيعوا فك شفرتها.

في زمن الظهور تصبح الأرقام والرموز سهلة ومنسقة، فيستطيع الجميع التواصل بسلاسة، ويعرفون بعضهم البعض، ويرحمون بعضهم، ويحبون بعضهم، ويُظهرون المحبة. أما في زمن الغيبة، فالأرقام غير منتظمة والاتصالات فاشلة، ويبدو أن الجميع مدين للآخر ويرفعون أصواتهم عليه.

لكن أولياء الله في زمن الغيبة، لأنهم يستمدون من نور ذلك الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ليسوا مثل عامة الناس. يمكن لكل شخص أن يعرف هل الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يَنظر إليه أم لا؛ وذلك بحسب مقدار صفاء وهدوء قلبه، فكلما حظي الإنسان بهدوء أكثر في حياته، كان أكثر جذبًا لنظر ذلك الإمام، لأنه قد أشرق في بيته شعاع من نور العصمة.

أما من يرى في بيته الفوضى، وزوجة وأولاد ودراسة وعلم وعبادة جميعها مضطربة، فعليه أن يطلب الخير والنعمة الخاصة من ذلك الإمام حتى يوجه إليه نظرًا خاصًا. فالهدوء ليس بالذكاء، ولا بالعلم، ولا بالفكر، وهذه الأمور لا تنفع الإنسان وحدها ولا توصله إلى بر الأمان، بل الهدوء لا يتحقق إلا تحت ظل العناية الإلهية الخاصة.

العقل والعلم والفن في زمن الغيبة بدون النعمة الخاصة كأنّك تقرأ في ظلمة دامسة، لا بد لقلب الإنسان أن يُضيء بنور الولاية، ولا شيء سوا نور العصمة والولاية للإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو الإمام الحافظ الحي والفاعل، يمكن أن يحل مشكلات الإنسان.

ورد في الحديث: «إذا قام قائمنا وضع الله يده القديرة على عباد الله وجمع عقولهم وأتم خردهم». يد الله هنا هي العناية والاهتمام الخاص لسيدنا صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، كما ورد في الأحاديث أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو “يد الله”. هذه الولاية والقوة المعصومة تظهر حينها، فيتجمع العقل وتثمر نتائج إيجابية.

العلم في زمن الغيبة كثير بين الناس، لكن الحلم والحكمة أو الرؤية أو الصبر قليل. أهل عصر الغيبة لا يمتلكون صبرًا يتناسب مع علمهم، ويملّون من الصلاة، أما في زمن الظهور فكلما صلى الإنسان ازداد شوقًا للصلاة. في زمن الغيبة، يعمُّ الكسل والفتور النفوس، أما في زمن الظهور تتقوى العقول والأعمال، ولا يصعب على أحد العبادة والعمل، فتسهل الأمور ويصبح الالتزام بالدين سهلاً.

في زمن الغيبة، يتغلغل الشيطان بسهولة في النفوس وفي كل مكان، أما في زمن الظهور، فتقل قوته ولا يستطيع النفوذ بسهولة.

فهم حضور الإمام يجعل العالم يظهر بشكل مختلف، فتتغير الأحلام والأطعمة والعبادات كلها. من لا يملك رزقًا حلالًا، مهما أكل لا يشعر بالشبع، كأنّه يعيش في بيت يحوي مال حرام لكنه جائع، بينما الإنسان العامل الذي يمتلك رزقًا حلالًا ضئيلًا لكنه نقي، يصنع من لقمة بسيطة قوّة كأنّه أكل لحمًا وملأت نفسه بالسرور.

اللقمة الحلال تُشبع القلب، واللقمة الحرام مهما أُكِلت تزيد الانتفاخ ولا تُشبع، كأنّه شرب ماءً مع لبن يخلف الشعور بالجوع المستمر.

في زمن الظهور، تظهر بركات القمح والمحاصيل الغذائية، ويجتمع طاقة الطعام، وتستعيد الأطعمة طعمها اللذيذ، بينما فقدت طعمها في هذا العصر. من ينعم الله عليه في مائدة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يدرك كم هي أطعمتنا بلا طعم. نسأل الله أن يرزقنا رزقًا ماديًا وروحيًا حلالًا، مرتبطًا بسيدنا الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

يجب أن نعلم أن الدخل والمال المرتبط بسيدنا الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يظهر تأثيره على من يستحقه مادياً وروحياً، وإذا لم يكن له هذا الاستحقاق فالأمر يكون وبالًا عليه وعلى حياته وأولاده.

نسأل الله أن يوفقنا في زمن الغيبة إلى إقامة علاقة روحية مع مولانا ولو لدقيقة واحدة، بصلاة أو بقراءة آية أو ذكر. في كل 24 ساعة يجب أن نجلس ولو دقيقة ونتوجه بنية النظر إلى وجهه الشريف، صحيح أننا لا نراه، لكنه يرى.

وجود هذه العلاقة اليومية ضروري لينشأ التآلف والانسجام مع ذلك الإمام.

حديث رقم (8)
الحُسن الخُلُقي وكمال العقل

قال علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبيد الله الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
«أكمل الناس عقلًا أحسنهم خلقًا»(1).

الإمام الصادق عليه السلام يقول: أكمل الناس عقلاً هو الذي يتحلى بأحسن الأخلاق.

البيان: في هذه الفقرة، ذُكر أحد علامات كمال العقل، فإذا أراد الإنسان أن يعرف هل وصل عقله إلى الكمال أم لا، فعليه أن ينظر إلى أخلاقه وسلوكه وطريقة تعامله مع الآخرين. أكمل العقول هو الإنسان الذي يتحلى بالأخلاق الحسنة، الذي يتميز باللطف والود، المبتسم والمتواضع في تعامله. أصحاب العقل الرفيع والناضج يكونون ذوي أخلاق طيبة وأعمال حسنة، ويتعاملون بلطف في البيت والمجتمع، وحسنهم وكمالهم يظهر في كل مكان.

يمكن للناس أن يعرفوا الأشخاص ذوي الجمال أو الطول أو الوزن الثقيل بنظرة واحدة، وكذلك يعرفون الإنسان الكامل العقل بحسن خلقه. هؤلاء يكونون حسن السلوك، ملتزمين بالانضباط، أمينين في تعاملاتهم، حسن المعاملة، لا يؤذون أحدًا في عباداتهم أو تعاملاتهم. على الآباء والأبناء أن يتبادلوا الابتسامة فيما بينهم، وكذلك الزوج والزوجة والإخوة وأصحاب العمل والعمال والأساتذة والطلاب.

الإنسان ذي الخلق الحسن يكون كل صفاته جميلة، ولا يحمل مرارة أو حموضة أو جفاف أو قسوة في طباعه. للأسف، الحسن الخلقي قلّ في مجتمعنا، والناس أصبحوا قليلوا الصبر وسريعو الغضب ويتعبون بسهولة ويتشاجرون بسرعة. الإنسان السليم والعاقل لا يغضب بسرعة.

إذا كان العقل كاملًا، يكون الحسن الخلقي مترافقًا معه، وإذا كان هناك حسن خلق، فالعقل يكون كذلك. ومع ذلك، لا يمكن الحصول على الأدب والعقل بالعلم والدراسة فقط، لأنه أمر مَنحٌ من الله، والله هو الذي يعطيه لمن يشاء. لذلك يجب طلبه من الله. العقل هبة من الله يُعطيها للناس بنسب مختلفة، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك. الرجل العصبي أو المرأة سيئة الخلق لا يُطاقان.

قد يكون المؤمن يقرأ زيارة عاشوراء ويصلي الجماعة ولا يرتكب المعاصي، لكنه سيء الخلق، وهذا يدل على قلّة عقله. لذلك، نقص العقل لا علاقة له بالصلاة أو الصوم أو المسجد أو زيارة عاشوراء. أحيانًا تكون المرأة تقرأ زيارة عاشوراء وصلاة الليل، ولكن إذا حدث خلاف بينها وبين زوجها، تضربه حتى ينزف.

البيت ليس نادياً للتمارين، بل هو مكان للحياة، وموطن للمحبة والصفاء. فإذا لم يكن كذلك، فليس بالضرورة أن يكون الإنسان مؤمنًا بحق.

البيت ليس ناديًا للرياضة، بل هو مكان للحياة، وموطن المحبة والصفاء. فإذا لم يكن كذلك، فلا يُعتبر الإنسان مؤمنًا حقًا.
الحياة الزوجية والعائلية يجب أن تقوم على الرحمة والتفاهم، والابتسامة والمودة، وليس على العنف والغضب. العاقل الكامل هو الذي يعرف كيف يتحكم في انفعالاته ويظهر أخلاقًا رفيعة في تعامله مع الآخرين.

وأيضًا، الحسن الخلقي يشمل الصبر والتحمل وعدم الاستعجال في الحكم على الآخرين، والتسامح مع الأخطاء، ومحاولة إصلاح النفس وتحسين السلوك بشكل دائم. هذه الصفات تجعل الإنسان محبوبًا في بيئته ويزيد من سلامه الداخلي.

من هنا، يُدرك أن الكمال العقلي لا يقتصر على الذكاء أو المعرفة، بل هو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق والسلوك، وهذا هو سبب قول الإمام الصادق عليه السلام: «أكمل الناس عقلًا أحسنهم خلقًا».

فالبيت هو مهد المحبة والود، وليس مكانًا للخصام والصراع. البيت هو حيث يُزرع الحب وينمو الصفاء، وإذا غابت هذه الروح من المنزل، فلا يمكن اعتبار أهل البيت مؤمنين حقيقيين.

ومن علامات العقل الكامل حسن الخلق، الذي يظهر في الرفق بالآخرين، والابتسامة الصادقة، واللطف في الكلام، وعدم التسبب في الأذى لأحد، سواء في العبادات أو المعاملات.

وعلى الزوجين والأقارب وأرباب العمل والعمال، وكذلك المعلمين والمتعلمين، أن يتحلوا بهذه الأخلاق الحميدة، فالحياة الاجتماعية السليمة تبدأ بحسن الخلق والخلق الطيب.

إن حسن الخلق ليس مجرد ضحكة أو ابتسامة، بل هو أيضًا الوفاء بالحقوق، والعدل في التعامل، واحترام مشاعر الآخرين، والتسامح عند وقوع الخطأ.

وفي زماننا هذا، للأسف، يبدو أن حسن الخلق أصبح قليلًا، وكثير من الناس يفقدون صبرهم بسرعة، ويغضبون لأتفه الأسباب، مما يؤدي إلى النزاعات والصراعات التي تؤثر على الحياة الاجتماعية والعائلية.

والإنسان العاقل هو من يحافظ على رباطة جأشه، ويتجنب الغضب والانفعال السريع، وبهذا يظهر كمال عقله في حسن خلقه.

كما أن العقل والحلم لا يأتيان فقط من العلم أو التعليم، وإنما هما هبة من الله تعالى يجب أن تُطلب منه، فهو المانح الحقيقي للعقل والحكمة.

فالرجال والنساء على حد سواء يحتاجون إلى هذه الهبة، فالرجال العصبيون والنساء سيئات الخلق لا يمكن تحملهم بسهولة، مهما كان علمهم أو عبادتهم.

وعلى الرغم من أن البعض قد يؤدي العبادات مثل الصلاة وقراءة الزيارات، إلا أن إذا كانوا سيئي الخلق، فإن ذلك يدل على نقص في العقل والحكمة لديهم.

ومن الأمثلة على ذلك المرأة التي قد تقرأ زيارة عاشوراء وتصلي الليل، لكنها حين تواجه خلافًا مع زوجها قد تلجأ إلى العنف، وهذا تناقض واضح بين العبادة وحسن الخلق.

البيت هو مهد المحبة والسلام، وليس ساحة للصراعات والشجار، ولذلك يجب على كل فرد أن يسعى جاهدًا لتحسين أخلاقه، والتعامل بلطف ورحمة مع من حوله.

ففي البيت يجب أن يسود الحب والتسامح، وأن يكون الملجأ الآمن لكل فرد من أفراد العائلة، لا مكانًا للنزاع والخصام. وعندما يغيب هذا الجو، تفقد الأسرة توازنها ويضعف الترابط بين أعضائها.

فالزوج والزوجة، والأبناء، يجب أن يعاملوا بعضهم بعضًا بلين ورحمة، ويكونوا نموذجًا في حسن الخلق والاحترام المتبادل.

وفي العلاقات الاجتماعية، لا يقتصر حسن الخلق على البيت فقط، بل يجب أن يمتد إلى المجتمع بأسره، فالشخص العاقل هو الذي يتحلى بالصبر والتسامح والرفق في التعامل مع الآخرين، مهما اختلفت الآراء أو الظروف.

ومن هنا تتضح أهمية الطلب من الله تعالى أن يرزقنا العقل والحكمة، لأنهما أساس كل عمل صالح وكل سلوك حسن.

ولا يمكن تحقيق التقدم الروحي أو العلمي دون أن يكون الإنسان متزناً أخلاقياً، لأن العقل والحكمة ينعكسان في أخلاق الإنسان وتصرفاته.

فإذا اجتمعت المعرفة مع حسن الخلق، يظهر الإنسان كعاقل كامل، وهذا هو المطلوب من كل مسلم يسعى إلى كماله الدنيوي والآخروي.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V