صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

نور التدبير الدنيوي وطمع الشؤون الدنيوية

نشر في آذر 13, 1404 في

البطاقة التعريفية

المؤلف: (1327 هـ ش)

العنوان:

نور التدبير الدنيوي وطمع الشؤون الدنيوية

/

دار النشر: إسلام شهر، ، 1391 هـ ش

المواصفات الخارجية: 112 صفحة؛ 20.5 × 14.5 سم

المجموعة: أعمال مختارة، العدد 129

الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-6435-39-8

موضوع الكتاب: محبة الدنيا – الجوانب الدينية – الإسلام

تصنيف مكتبة الكونغرس: BP250.5/N8r9 1391

تصنيف ديوي العشري: 297/632

الرقم الوطني لفهرسة الكتب: 2927461

المقدمة

إن معرفة العالم الدنيوي الذي يعيش فيه الإنسان، من حيث الكم والنوع، أمرٌ في غاية الأهمية. فالله سبحانه وتعالى جعل الدنيا مزرعة الآخرة، وهي ساحة واحدة لا تتكرر. ما يحصده الإنسان في هذه الدنيا هو زاده الأبدي. رغم محدودية الدنيا من حيث الكم، إلا أنها مؤثرة في جميع العوالم من حيث النوع. فالزرع الذي يُغرس في الدنيا يثمر في العوالم كلها، والكرمة التي تُفرد في الدنيا تتجلى في جميع العوالم وتصبح الإنسان ضيفاً على ما يملك.

الدنيا هي التي تحدد مصير الإنسان بين الجنة والنار. فلبنة الجنة الأبدية تتحقق في الدنيا، والعذاب الدائم للنار يتجسد في أفعال الدنيا. هذا الكتاب يوضح مكانة الدنيا، ويناقش المغالطات حول حب الدنيا وطلبها من خلال عدة “أ” معرفية.

من هذه الأ: أن الدنيا من أسماء الله العظمى، وأنه لا ينبغي الاستهانة بها، وأنها عالم فريد لا دنيا وضيعة، وأنها طريق الكمال. يتحدث الكتاب عن مشكلات الدنيا وجمالياتها، عن الحب، والأمل، والحياة الحيوية المستقرة، والتبسيط في الحياة، والترف، والدماء التي تسفك في سبيل الدنيا، وصمود المحبين، وفتن عاشقي المحبوب، وخداع الدنياويين، وفتن الناس بين الشهوات والراحة.

هذا الكتاب يحكي عن حكايات الألم، والمعاناة، والمقاومة، والجهل، والفساد، والفقر، والنزاعات، وكل ما يواجهه الإنسان الدنيوي.

إن مشكلة المجتمعات الإسلامية في تخلفها وتراجعها تعود إلى قلة الفهم الصحيح للدنيا، مع أن الدنيا هي مزرعة الآخرة، ولا يمكن لهم التقدم ما لم يعرفوا هذه المزرعة حق المعرفة.

من الضروري أن نعرف ما يمكن زراعته في هذه المزرعة، وما هي العلاقة بين الدنيا والآخرة، وكيف يمكن تعريف الدنيا وحبها، وما هي معايير طلب الدنيا، وما الفرق بين طلب الدنيا المذموم وطلبها المحمود.

هذا الكتاب يسعى، بعونه تعالى، إلى إضاءة الطريق للإجابة عن هذه التساؤلات.

والحمد لله رب العالمين.

النور 1: الجوهر الواحد وأوجه متعددة

المطالب والمطلوبون، العاشق والمعشوق، الحاكم والمحكوم، الفاعل والمفعول، وكل التناقضات في الدنيا والناسوت كلها ذات واحدة، تختلف فقط في الصفات التي تخلق التناقض وتظهر وجوهاً متعددة.

يُقال للعاشق: أنت تحب قلبك، وإذا سلمته، فلن تكون عاشقاً. فيقول: صحيح. فيقال له: إذن أنت لست عاشقاً، لأنك تحب نفسك. يرد: صحيح.

هذا العاشق عامي يعترف بمحبة نفسه ولا يستطيع الدفاع عن حبه الحقيقي أمام الحكماء، بينما الحب الحقيقي لا ينفصل عن الذات.

الحب في الجوهر لا يتنافى، ففي الجوهر العاشق والمعشوق واحد، وفي العقل يختلفان، وفي الخارج يتجلى الفاعل والمفعول ككيانين منفصلين.

النور 2: الركن الأساسي لمعرفة الناسوت

فهم التناقض المفهومي لأسماء وصفات الله تعالى هو الركن الأساسي في فهم الناسوت.

الله تعالى ذو أسماء وصفات لا تحصى، وكل اسم يحتوي كل الأسماء الأخرى في داخله، لكن الأسماء متضادة في المعنى الظاهري.

مثلاً، في اسم “الرحمن” يوجد الغضب أيضاً، لكن الرحمة تظهر وتتقدم على الغضب، وفي اسم “المنتقم” يوجد الصبر كامناً، لكن الانتقام يتصدر.

الأولياء الذين يستمدون النور الإلهي يحملون صفات متضادة، هم رقيقون في غضبهم ولطيفون في غضبهم، فالرحمة والغضب مصدران لبعضهما.

النور 3: مغالطة أخْذ الأقسام بدل المقسم

في الدراسات العرفانية والولائية، يخطئ الكثيرون في الخلط بين المقسم والأقسام، وهذه المغالطة تؤثر في فهم الوجود ومراتب الظواهر.

النور 4: الخطأ في معرفة الرتبة

الكثير من الأخطاء تنشأ من الفهم الخاطئ لرتبة كل ظاهرة.

النور 5: دنيا “فرودي”

كلمة “دنيا” مأخوذة من “د ن و” وتعني الانخفاض أو التدني، فهل التدني درجة واحدة أم درجات متعددة؟ التدني درجات متشعبة.

كل صاحب كمال أو جمال أو مال أو قدر أعلى من الذي دونه، وأدنى من الذي فوقه.

الدنيا ليست حقيرة بل هي منحطة نسبياً مقارنة بالعوالم الأخرى، ويجب فهم أنواعها ومراتبها قبل الحكم عليها.

النور 6: اسم مبارك للدنيا

الدنيا من أسماء الله تعالى. بالنظر إلى العوالم العليا وبداية الوجود من الحق، نجد أسماء الدنيا ومشتقاتها ضمن أسماء الله.

في الدعاء: “يا عالي في دنوّه ويا داني في علّوه…”

هذه الأسماء تعبر عن مراتب الحق أو شمولية الحق في الوجود.

لذا الدنيا عظيمة ولا يجب احتقارها.

النور 7: الدنيا؛ طريق الكمال

طريق نمو كل إنسان خاص به.

الحكيم هو من يعرف كل فرد ويضعه في مساره الخاص.

بعض الناس يجب أن يتبعوا أسماء الدنيا الإلهية ليصعدوا من قاعدة جبل الدنيا إلى قمم أسماء الله وصفاته.

الطريق يبدأ من الدنيا كما قال تعالى: “الدنيا مزرعة الآخرة”.

هذه الرحلة تحتاج إلى مرشد عارف، والمشركون ينقطعون عن الطريق ولا يتبعون أسماء الله.

الناس يجهلون ما لا يعرفون ويعاندون الحق.

النور 8: الناسوت والإنسان الكامل

نهاية الخلق ليست الإنسان الناسوتي، بل الإنسان الكامل هو الذي يُكمل الخلق.

المادة هي أقصى درجات النزول في الخلق لكنها ليست نهاية الوجود.

الوجود يستمر بالصعود نحو التجلي والوصول الكامل للإنسان الكامل.

النور 9: وجهتا نظر متناقضتان تجاه الإنسان الناسوتي

الإنسان في القرآن والأحاديث المعصومين يختلف كلياً عن الإنسان في المذاهب المادية.

الإنسان الديني يستطيع بلوغ مقام “الإنسان الكامل”، أما المادية فتكتفي بدورات الحياة المادية ولا ترى بعداً روحياً.

المادية تعتمد على التجربة الحسية فقط، وهي ناقصة فلسفياً لأنها تفتقد إلى المنطق الكلي.

النور 10: مقام الإنسان الكامل في الفكر الإسلامي

في الفكر الإسلامي، الإنسان الكامل هو ذروة الكمال الإنساني، وهو الذي تحقق فيه توازن الصفات الإلهية في أعظم صورة. هذا الإنسان هو الذي وصل إلى أعلى درجات الوعي الروحي، والتزامه بأوامر الله وتجسيد القيم الأخلاقية. الأنبياء والمعصومون هم تجسيد لهذا الإنسان الكامل، ومن بينهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يمثل ذروة الكمال البشري.

النور 11: دور الدنيا في تحقيق الكمال

الدنيا ليست مكاناً فقط للامتحان أو للعقاب، بل هي مسرح للنمو الروحي والتحول. عبر تجارب الدنيا، يتعلم الإنسان ويترقى نحو الكمال. لذلك، ليست الدنيا عالماً سيئاً يجب رفضه أو التنكر له، بل هي مجال واسع لتحقيق القيم والفضائل التي تؤدي إلى الكمال الإنساني.

النور 12: التوازن بين حب الدنيا والآخرة

من الخطأ التفريط في حب الدنيا أو الانغماس فيها بصورة مفرطة. الإسلام يدعو إلى تحقيق توازن حكيم بين الاهتمام بالدنيا والاهتمام بالآخرة. حب الدنيا باعتدال ليس مذموماً، بل هو ضرورة لاستمرار الحياة وتحقيق أهداف الإنسان، شرط أن لا يغيب الإنسان عن أهدافه الروحية والخلقية.

النور 13: الفرق بين الدنيوية السلبية والدنيوية الإيجابية

هناك نوعان من الدنيوية: دنيوية مذمومة تؤدي إلى الغفلة والابتعاد عن الله، ودنيوية محمودة تساعد على بناء الذات وتحقيق الغايات الروحية. هذه الأخيرة هي التي يجب أن يسعى الإنسان لتحقيقها، لأنها تدعم التوازن بين الماديات والروحانيات.

النور 14: نقد الفكر المادي

النظريات المادية التي تقتصر على التجربة الحسية وتتنكر لأي وجود روحي أو غيبي، تواجه نقداً شرعياً وفلسفياً. لأنها تقصر فهم الإنسان على الجوانب الفيزيائية فقط، متجاهلة البعد الروحي الذي هو جوهر الإنسان في الفكر الديني.

النور 15: عالم الغيب وعلاقته بالناسوت

العالم الغيبي ليس منفصلاً عن الناسوت، بل هو امتداد له في بعد مختلف. معرفة الغيب والارتباط به تعتمد على فهم الناسوت بشكل صحيح، إذ أن كل ما في الناسوت يعكس بعض مظاهر الغيب بطريقة متدرجة.

النور 16: أهمية الإرشاد الروحي

السير في طريق الكمال والحصول على المعرفة الحقة لا يكون إلا بمرافقة المرشدين العارفين. هؤلاء هم الذين يقودون الإنسان عبر تعقيدات الدنيا ويوجهونه نحو الحقائق الإلهية.

النور 17: مغالطات حول الدنيا في الفكر العام

هناك الكثير من المغالطات التي تدور حول الدنيا في الفكر السائد، ومنها اعتبارها فقط مصدر الشر والفساد، أو أن الاستغراق في طلبها يدل على ضعف الإيمان. هذه الأفكار مغلوطة وتحتاج إلى تصحيح وفق ما يبيّنه هذا الكتاب.

النور 18: دعوة إلى فهم جديد للدنيا

يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في مفهوم الدنيا، والنظر إليها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من رحلة الروح نحو الكمال، وهي مزرعة الآخرة التي يزرع فيها الإنسان أعماله.

السطوع العاشر: ضغوط العالم الدنيوي وترياق المحبة لعلاج التعلّق بالدنيا

إن إجراء العمليات الجراحية يتطلب تخديرًا عامًا أو موضعيًا، وإلا فلا يستطيع أحد تحمل ألم العملية أو انفصال عضو من جسده، حتى لو كانت العملية لاستخراج شوكة من القدم. فالعملية الجراحية لها دقة خاصة وهي تخصص لا يتقنه إلا عدد قليل من الأطباء. العملية الجراحية تمثل مثالاً لعمل العالم الرباني الذي يريد أن يزيل طعم الدنيا من قلب المريض المتعلق بها. هل فكرت يومًا كيف يتصرف العلماء الربانيون ليجردوا طلبة العلم الشباب من حب الدنيا دون أن يشعروا بألم؟ كيف يمكن أن يأخذوا إنسانًا إلى مذبح ويقطعوا رأسه عن جسده؟ وكيف يمكن أن يُبعدوا كل الدنيا بكل زينتها وبريقها من قلب إنسان دون أن ينطق بكلمة؟ من الواضح أن صراخ مثل هذا الإنسان يهز الدنيا، لكنه يبقى هادئًا وصامتًا، ودموعه تنهمر بصمت على خديه.

الأستاذ الذي يرغب في إجراء عملية جراحية على مرض تعلق الإنسان بالدنيا، يستخدم مادة تسمى “المحبة” للتخدير، ويحب الشخص المعني حتى يحاول أن ينسى الدنيا وينفصل عنها. بعد ذلك، يعطي الأستاذ المشرط والملاقط إلى يد المريض ويقول له: أنا قلق عليك، لكن في هذا الفرن والطريق الصعب خير عظيم. يجب على كل واحد منكم أن يمر عبر هذه النار، وهذا العبور إجباري. أنا أملككم فقط، وأنا قلق عليكم، ولكن الصعوبات في هذا الفرن تظهر لكم طريق الطلب والسعادة. أنا لا أدعو لكم بالعافية فقط، بل أنتظر كل لحظة لأراكم في الجانب الآخر من النار، وأعد اللحظات لتفتحكم. هذه المحبة أقوى بكثير من أي دواء مخدر، وتزيل ألم العملية، وبهذا الكيمياء يمكن نزع الدنيا من القلب.

العملية الجراحية للقلب ليست كجراحة الكلية أو القلب التي تُشفى خلالها خلال ساعات أو أيام، بل تستغرق العملية في القلب سنوات طويلة. البعض يستغرق سنتين أو أربع أو سبع سنوات، وبعضهم لا يُشفى مهما عولج، لأن السن يتقدم والحركة تتباطأ، ولا يطيق الإنسان العملية. المحبة العميقة ضرورية ليصل البستاني إلى إثمار زهرة، لكن الخريف الذي هو هو نفسه يجفف كل الزهور! فمن هو المشتري في هذه القصة الحزينة، هل هو الله أم غيره؟

كيف يقطع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام نفسه ويقول: “يا فالق الحب والنوى…”، وكيف ينوح أمير المؤمنين عليه السلام بعظمته في وصيته قائلاً: “اللهم خذني منهم، وسيطر عليهم بأسوأ مني، وارضني بالموت قبلهم…”؟ كيف يضغط الله عز وجل هؤلاء العظماء في عالم الناس ويقلل طاقتهم حتى يرضوا بالموت المبكر ويطلبوه؟

الله تعالى يضحّي بالجميع ويفصل كل الدنيا من قلوبهم وأبدانهم ويختار لهم الجوهر الخالص له. فصل الدنيا وعملية جراحته صعبة، لكن الله ماهر في عمله. في هذا الطريق، هناك من يرضى بحد السكين الإلهي، ومن يصبح هو السكين الإلهي نفسه. هؤلاء الأخيرون هم العشاق الحقيقيون، وإلا فإن الانفصال عن الدنيا، التي ذرة ذرة من الجسد والنفس منها، ليس بالأمر السهل. الله يفصل الدنيا عن لحم وبشر وأولاد أمير المؤمنين عليه السلام، صاحب ذوالفقار، حتى يُعلق الحبل في عنقه وتُحاصر زوجته ويُوضع السكين على عنقه المريض المطمئن على الأرض. الدنيا تضغط على كل شيء، على الجبل وعلى أمير المؤمنين عليه السلام.

السطوع الحادي عشر: العون الإلهي لنزع حب الدنيا

الطريق الإلهي مليء بالعثرات والصعوبات، والنمو الروحي يبدأ بإخماد الدنيا. الطيران هو إلى الجانب الآخر، ويجب طحن الصخور التي تثقل القدمين. عندها يضع الإنسان نفسه تحت ظل طاعة الله، ويُحب الله ويُحبّه الله، فيصبح الطبيب الجراح الإلهي. يجب أن تبدأ بنفسك في سحق الدنيا. “أنت الحجاب عن نفسك، فانهض من وسط حافظ.” حافظ يريد أن يتحرك، ولكن في بعض الأحيان يعين الله وينزع الأثقال.

السطوع الثاني عشر: مكر الدنيا الإلهي في السالكين والواصلين

مكر الله يشمل الجميع في الدنيا، والسالكون والواصلون ليسوا بمنأى عن مكره. أحيانًا يُظهر للسالِك الطرق الخاطئة، وكلما تقدم أكثر فيها تتسع وتكثر، ويظهر الطريق بشكل أوضح. يجب اللجوء إلى الله والصبر في طريق الحق حتى ينال الخير الكثير والوصول إلى الحق.

يجب كشف مكر الله مع الواصلين، فهو لا يتركهم بسلام، بل يطرحهم من باب إلى آخر ليبعدهم عن نفسه. يجعلهم منشغلين بالدنيا رغم انشغالهم بالله. وعندما يسمع الواصلون نداء العقل ووصايا الله، يجب عليهم طاعة الأمر الدنيوي وإنهائه، ولكنه ليس ملائمًا للوصل والمجلس مع الحبيب، فالواصل يطلب صحبت الحبيب، والليل، والظلام، والصمت، والجوع، وإذا انشغل بالدنيا واضطر لفعل أمور دنيوية لتلبية حاجات الآخرين، يفقد العبادة ويبتعد عن الرفيق والوصل والصمت والظلام. وربما لا يستطيع أن يجلد نفسه بالجوع من أجل الأصدقاء، وهذا كله بأمر الله.

الواصل مثل العاشق الذي تُعطيه محبوبته عملاً غير اللعب بالمحبة، فيتبعه معتقدًا أن هذا العمل أصوله، بينما المحبوبة تختبره مرات عديدة.

السطوع الثالث عشر: لذائذ المؤمن وراحة الأعصاب

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “حبب إلي من دنياكم الثلاث: النساء، والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة”. المرأة، والعطر، والصلاة من مظاهر الدنيا ولذات المؤمن. يجب العلم أن “الطيب” ليس فقط العطر أو الزيت، بل يشمل النظافة والصحة بشكل عام، والإنسان النظيف هو بالضرورة ذكي وهادئ الأعصاب، بينما الإنسان القذر غالبًا ما يكون مضطرب الأعصاب.

السطوع الرابع عشر: لا أحد في الدنيا إلا الحق تعالى

ما هي الدنيا أولًا؟ يقولون: لا شيء. كما في قول:

الدنيا كلها لا شيء، وعمل الدنيا كله لا شيء
يا لا شيء، لا تلتف حول لا شيء

هل تعرف ماذا يبقى من الإنسان بعد الموت؟
المحبة والمودة، والباقي كله لا شيء

الصوفي يريد في الدنيا أن يصل إلى حقيقة أن كل شيء هو الحق، ولا أحد إلا الحق. الصوفي يحاسب نفسه، ويمسك قلبه بقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا”. يقول: “أنا ميت على وجه الأرض”، لقد مت عن نفسه، والبقية لا يصلون لهذه المعرفة إلا بمساعدة من يوصلهم إليها، فيُؤخذ منهم كل شيء، المال، الدنيا، والحياة. هذه المعرفة تظهر للبعض قبل الموت، وللبعض عند اقترابه، وللعديد لا تظهر حتى وقت الموت. هؤلاء هم الذين يموتون ميتة دنياوية، إذ حينما يقترب الوكيل الإلهي ليقبض أرواحهم، ما زالوا غارقين في أنفسهم يناقشونها. بعضهم يرى الموت لكنه لا يصدقه، ويرفضه، ويرى الله عدوًا له ويقول: “هذا الله أخذ مني الدنيا وأموالي”. هؤلاء يتصارعون مع الحق والله.

الشرح رقم 15: زوال التعلقات

من أراد أن يزيل الدنيا من نفسه، يشبه سبّاحًا ينبغي عليه الغوص في عمق البحر. عندما يسبح الإنسان في الماء، يتحرك الماء عكس اتجاه جسده، والشخص الغارق في الماء يُحدث موجة تدفع المياه جانبًا، فيغوص وحيدًا تحت الماء. قد يحمل بعض الفقاعات معه في طريقه، لكن مع تعمقه في أعماق البحر لا يبقى أي فقاعة معه. من يتحرك نحو الحق تعالى يجب أن تزول عنه كل فقاعات التعلقات الدنيوية، فلا يمكن الغوص في الأعماق وحمل أي فقاعة معه، وإلا فلن يكون قد بلغ العمق حقًا.

الشرح رقم 16: أفضل ما في الدنيا هو أسوأها

ورد في الحديث: «أفضل الأمور في الدنيا أسوأها». العسل أفضل غذاء دنيوي وهو استفراغ النحل. والحرير أفضل الأنسجة وهو من فضلات دود القز. أعظم نعم الدنيا متشابكة مع أسوأها، ودائمًا ما تصحبها الآلام والغموم. أفضل غذاء للذباب هو الفضلات البشرية التي تحفّزه على الطيران الجميل، وأفضل غذاء للدود الأرضي هو التراب. كل إنسان يتناول أفضل طعام، وهو في الواقع أسوأه، وجماله نسبي؛ لأن ما هو أفضل عند بعض الناس قد يكون أسوأ عند آخرين.

الشرح رقم 17: سجن الدنيا

الدنيا سجن، ولكن ليس للجميع، بل لأولئك العظماء الذين لا يستطيعون أن يتحركوا في عالم صغير بحجم الدنيا، فتثير حركتهم اضطرابًا فيها، لذلك تكون الدنيا سجناً لهم. الدنيا سجن للمفكرين، والمخترعين، والمكتشفين، وأصحاب الفكر الحر، والذين يتحملون المشاق لتسهيل حياة الآخرين. الراحة التي ينعم بها البعض كانت نتيجة كفاح هؤلاء الذين لا يحق لهم بالضرورة التمتع بحق الاكتشاف والاختراع وإنتاج العلم، فالأعباء تقع على الناس العاديين، بينما يتمتع بها الكسالى والمتمتعون.

الشرح رقم 18: الاحتراق والتلاشي في رباط الدنيا

أهل العالم الدنيوي لا يدومون، بل عليهم العبور إلى دار الآخرة. رغم أن الدنيا حقيقة ودائمة، إلا أن الإنسان يقيم فيها فترة قصيرة فقط، وينتقل إلى دار أخرى عند فجر الموت. من المهم جدًا أن ينظر الإنسان إلى الدنيا كمرحلة مؤقتة ومحطة في مسيرة كماله الوجودي، فلا يعتصم بها، بل ينظر إليها كأداة وممر نحو العوالم الأخرى، خاصة العالم الأخير. كل ما في الدنيا من موت وحياة، وصراع وبقاء، هو لإظهار جوهر الإنسان، وإلا لما كان فيها ثبات أو استقرار. كل ما يُبنى يُهدم، وكل ما يُقام ينهار، سواء كان من صنع الإنسان أو من صنع الطبيعة بإرادة الله الذي خلق السماوات والأرض وكل المخلوقات. سيأتي يوم تُطفأ فيه الشمس والنجوم، وتنهار الجبال، وتختل الكواكب، وتسير الأرض نحو الفناء، وتخيم الظلمة على كل شيء، ويزول كل شيء من هذه الدنيا.

كمثال بسيط، ألعاب الأطفال ليست إلا تسلية مؤقتة، يبنون ويرمون، ويفرحون في هدم ما بنوا. بهذا التشبيه المحدود، بناء الدنيا وزوالها يشبه لعب الأطفال، والفرق أن غايات الفاعل مختلفة. يجب على الإنسان أن يستعد للحياة الأبدية ولا يظن أن الدنيا مستقرة أو مقراً دائمًا.

الشرح رقم 19: التحرر من هموم الدنيا بالتفكر في الأبدية

إذا سُئل من يهرب من فأر كأنه رأى أسداً مفترسًا، لَم يكن لديه جواب مقنع. كثير من الأحزان والملذات كذلك؛ فهي أوهام لا قيمة وجودية لها. الذين يحزنون على ما ليس موجودًا، ويستمتعون بما لا وجود له. من يريد أن يبتعد عن تعلقات الدنيا الصغيرة، يجب أن يتأمل في اللانهاية ويربط قلبه بالأبدية.

الشرح رقم 20: أضرار الدنيا

الدنيا لا تعرف بيتًا ولا صاحبًا، وتضرّ كل من ترعاه، وفي النهاية تحرمه وتحزنه. لا تفرق بين طفل أو شيخ، غني أو فقير، بل تسقط الجميع من عرش العز والسلطة حتى وإن كان ظاهريًا، وتأخذ منهم كل لذة وعزة في هذه الحياة.

الشرح رقم 21: الغافلون والحكماء

لا يمكن إنكار وجود الدنيا، لكن يجب الانتباه إلى فناء أهلها. أهل الدنيا غافلون عن ذلك، وأصحاب الفهم العالي الذين لم يربطوا قلوبهم بالدنيا أذكى وأفهم.

الشرح رقم 22: زوال الأحزان والأفراح

المؤمن يمكن أن يقول ببساطة: الدنيا لا تحمل حزناً حقيقياً، فحزنها نتيجة الجهل والضعف. الدنيا لا تبقى للصالحين ولا للطالحين، فما الفائدة منها وما الضرر فيها؟ زينتها تزول وقبحها يزول، فرحها يمر وحزنها ينتهي.

الشرح رقم 23: اختلاط اللذة بالألم في الدنيا

كل إنسان يقع في أسر الدنيا. التحرر منها ليس سهلاً، ولكن هذا لا يعني عظمة الدنيا، بل يدل على صغر قلب الإنسان. الذي يكبر الدنيا هو صغير في ذاته. يمكن تشبيه الدنيا بالنملة، وإذا أعطيناك أعضائها فلن تصير شيئًا. لذة الدنيا ليست لذة حقيقية، وألمها ليس مشكلة دائمة، لأن كل شيء زائل.

الشرح رقم 24: العظمة والمحن الكبرى

الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) الذي هو ذروة الوجود يتلقى الأذى. أمير المؤمنين (عليه السلام) يقبل المهانة في معركة خيبر. الإمام الحسن (عليه السلام) يواجه الخيانات. الإمام الحسين (عليه السلام) يرى أعداءه على صدره. جسد مسلم بن عقيل يُجر في الشوارع. يوسف (عليه السلام) يعاني في السجن والابتلاء بسبب جماله.

الشرح رقم 25: أفران مشاكل الدنيا

الدنيا هي الحدوث والتغير. الحدوث هو طبيعة العالم المادي. الدنيا تصبح دنيا بوجود المشاكل. الإنسان ينضج ويصقل في خضم الأحداث.

الشرح رقم 26: ظلم دنيا محبة الدنيا لزشتها

رغم أن الدنيا تُجدد بأهل الحق، إلا أنها تفضل أصحاب الرذائل وتكره الصالحين، فهي قاتلة للحق وأصحابه.

النور «27» قيمة العالَم الناسوتي في الصراعات

العالَم الذي لا يوجد فيه ذئب، لا تُعرف فيه قيمة الخروف، ولا معنى لكونه خروفًا. وإذا لم تكن هناك رذيلة، فكيف يمكن لمس الطهارة؟ إن قيمة العالَم الناسوتي، أي العالم المادي والحياة البشرية، تكمن في إمكانية مشاهدة جميع أنواع القبح والشرور فيه، والتعامل معها مباشرة، سواء بخدمة كل منها، أو الانخراط في خدمتها، أو جعلها تحت سيطرة الإنسان.

في حُضن هذا العالم الفاسد، ينهض الصراع بين القبيح والجميل، فتتجلّى الفضائل، وتُعرف الرذائل. إن الصراع بين القبح والجمال هو من أسمى الصراعات الطبيعية في العالم الناسوتي، وقيمة هذا العالم ترتكز على هذا الصراع. في ميدان الحياة يجب على كل كائن أن يتحرك ويأخذ حذره كي لا يكون طعامًا لآخر؛ فالمخلوقات التي يمكنها افتراس الفرد أو الشيء عديدة، حتى لو كان ذلك الفرد أسدًا قويًا.

هذا العالم هو الذي أوجد هذا الاستبداد، بحيث إن الأسد إن لم يحذر نفسه، فقد يُمزق ويُلتهم من فأر، ويفتخر بذلك، وقد يأكل الثعلب، بمودة وتصنع، مخلوقًا ضعيفًا أو قويًا، ثم يبكي على جثته ويذرف الدموع، ويُقيم النذور والصلوات. هذه الدقائق هي التي تمنح هذا العالم قيمته، وتُوجب الصراع، والحركة، والدفاع، والحرب، وتمنح المخلوقات الأمل.

إن أحقّ الناس بالدنيا هم أولئك الذين لا يستسلمون، ويواصلون الحركة، ويحافظون على أملهم. أما الذين يتوقفون عن الحركة، ويهزمون أنفسهم، ويفقدون الأمل والطموح، فهم يفعّلون في أنفسهم قابلية الفناء والهلاك، ويحكمون على ذواتهم بالزوال دون حكم قاضٍ.

قيمة الدنيا بالنسبة للأفراد تعتمد على مدى ميدان الصراع الذي يختارونه لأنفسهم. في أي حالة وأي وضع وبأي ظرف يمكن القتال، والمقاومة حتى أقوى القوى، وهزيمتها. هذه الدافعية، وهذه الحركة، وهذا الجهد، حتى ولو انتهى بالفشل والهلاك، فهو مبارك ومقدس وقابل للاحترام.

أما الذين يسعون إلى حياة سهلة بلا تعب ولا مشقة، والذين يخافون من الجدال والصراع، فلم يفهموا المعنى الحقيقي للحياة والدنيا. أولئك الذين يخافون من الهزيمة ويرتعدون من العدو، هم أسرى عقدة نقص نفسية، وهم ناقصو الثقة بالنفس، وهم مرضى بحاجة إلى العلاج.

ينبغي النظر إلى الدنيا ورؤية أن أنياب الذئب، والأسد، والنمر، والفهد، تحمل جمالًا ورقة لا يمكن مقارنتها بأجمل أعضاء وأعضاء تلك الحيوانات. في هذا العالم فقط يظهر القوة والمقاومة، وتصبح الشجاعة والاستشهاد مفهومًا، وتتثبت الفضائل.

لذلك، الذين يخافون من المواجهة، ويسمحون للضعف والكسل بالتسلل إلى أنفسهم، لا يمكنهم إثبات شيء. بل هم يفقدون أنفسهم ويصلون إلى العدم. أما الذين يبعدون الخوف عن أنفسهم، فهم الوحيدون الذين يعيشون حياة حقيقية، أما الذين يعيشون في خوف، فهم أموات في حياتهم، لا يحققون شيئًا، ويقللون من فرص بقائهم واستمراريتهم إلى أدنى حد.

النور الثالث والعشرون: الإدارة الإلهية

العالم الذي نعيش فيه يعمّه الفوضى والاضطراب، لأنّه لا يحكمه نظام أو مدير إلهي، ولذلك تبقى حالة الدنيا مضطربة حتى يطلع الفجر العظيم (عصر الظهور).

النور الرابع والعشرون: صغر الدنيا

الدنيا دنيا مهما كبرت أو صغرت، فإما أن نكون نحن ونرتبط بها، أو نبتعد عنها، كما أن البعض احتوها وأخذوها كجوهر لحياتهم، والبعض الآخر تعلق بها كالجند الأسود.

النور الخامس والعشرون: صغر حجم الدنيا

الدنيا صغيرة جدًا بحيث لا يتسع لها عظيم أو كبير، فهي لا تحتمل العظمة الحقيقية، بل تبقى محصورة في إطار محدود وصغير.

النور السادس والعشرون: مراقبة صغر الدنيا

إذا رغب الإنسان في رؤية صغر الدنيا، يمكنه أن يحقق ذلك إما عبر البحث والتأمل العلمي، أو عبر التعبّد والارتقاء الروحي، حيث يرقى ويعظم ويبلغ الكمال المنشود، فيدرك صغر الدنيا وهوانها مقارنةً بالكمالات الروحية، وهو طريق عسير نادرًا ما يبلغ قممه الكثيرون.

النور السابع والعشرون: دنيايية القلب أصغر من الدنيا

الدنيا مهما بدت كبيرة، فهي صغيرة جدًا، وأصغر من الدنيا نفسها هو القلب الذي يستعبد ويأسر بها. فلا يجب أن يجعل حجم جسدنا الدنيا كبيرة في أعيننا، بل ينبغي أن نقول من صميم القلب وبإيمان راسخ: الدنيا صغيرة، وأصغر من ذلك هو قلب العبد المأسور بها، وتعلّق الإنسان بها لا يثبت عظمة الدنيا.

النور الثامن والعشرون: جهل الجاهلين بالدنيا

إذا رأى النملة الكأس محيطًا واسعًا، فلا بأس؛ لأنها نملة. ولكن إذا رأى الإنسان الدنيا صغيرة، وصنع منها محيطًا عظيمًا، فهو بذلك جاهل متهور لا يمتلك بصيرة ولا معرفة حقيقية.

النور التاسع والعشرون: شجاعة الهزيمة في دنياوية

اقتلاع الغنم وذل العدو على يد الإمام علي عليه السلام، رغم ما يتضمنه من شجاعة، إلا أن هزيمة الدنيا وطحنها تحت أقدام الإمام الذي لم يستطع أحد قبله ولا بعده، هي أشد وأكمل درجات الشجاعة. الإمام علي عليه السلام وصف الدنيا بأنها مثل “كيس في كيس” و”رعاف الحيوان” و”عظم ميّت في يد الجذام”، وفهم هذا الكلام ليس يسيرًا، والتمسك به لا يكون إلا من المؤمنين الراسخين.

النور الثلاثون: الطاعة لكلام الإمام عليه السلام

التعبد لكلام الإمام علي عليه السلام هو عين التحقيق، ومن يؤمن بكلامه هو محقق متعمق في هذا المجال، لكن القول والاعتقاد مختلفان عن التجربة والوجود الحقيقي في هذا المقام. الإمام وأولياء الله الصالحون قد بلغوا هذا المقام، وكانت الدنيا لديهم أصغر من هذه الأمور بكثير، ولم يجدوا عبارات أو كلمات أوفى للتعبير عن هذا المعنى، ولذلك اقتصروا على هذا الكلام كحكاية عن هذه الحقيقة. الوصول إلى هذا المقام مرتبط بآلاف “هيهات” من الصعوبات. لا يناسب هذا المعنى كل لسان أو فكر أو حديث.

النور الحادي والثلاثون: غرق أهل الدنيا في متاعها

كل من يغرق في ذرة من الدنيا، ويُشترى أو يُستعبد بسهولة، لا يستحق فهم هذا المعنى ولا سبيل له للوصول إليه. أولئك الذين يسيرون في طريق المعنى لا يرون سوى الكلام الفارغ من الآخرين ويكتفون به.

النور الثاني والثلاثون: نهاية السلوك الروحي

نهاية السلوك الروحي هي إدراك هذا المعنى فقط، ولا يوجد طريق آخر لنيل نهاية السلوك الروحي والوصول إليه. لكن لا تساعد هذه الحقائق في تعريف الحقيقة والواقع لأهل الدنيا، فشرح الدنيا لأهلها يكون بطرق أخرى كما ذُكر في بداية هذا الكتاب.

النور الثالث والثلاثون: قلة من يدركون الطريق الحقيقي

قليلون فقط ممن لم يكونوا في هذا الطريق قد وجدوا فجأة سبيله ونجوا بأنفسهم من دوامة البلايا، كما أن الكثيرين ممن يعتقدون أنهم في هذا الطريق قد غرقوا في محيط الدنيا دون وعي، فالواقع أنهم كاليرقة المحاصرة في وعاء ماء صغير، فتظن أن هذا الوعاء هو المحيط الواسع.

النور الرابع والثلاثون: الأولياء والابتعاد عن الدنيا

إن أخذ الدنيا منا يجعلنا نظن أننا فقدنا وجودنا وأننا لا شيء، وإن انتزاع الحرية الدنيوية يرهقنا ويجعلنا ذابلين، وإن حرماننا من الطعام المادي يضعفنا، ولكن أولياء الله الصالحين يتفتحون ويزدهرون ويتجدد نشاطهم بالحياة الروحية رغم بعدهم عن هذه الأمور الدنيوية.

النور الخامس والثلاثون: الصراع مع أهل الدنيا

العديد من الصراعات التي وقعت بين الأنبياء والأولياء وأهل الدنيا نجم عن جهل أهل الدنيا بالله وبالأمور الروحية، ولذلك لم يتركونهم حتى يهديهم إلى الطريق المستقيم. وقد كانوا يتعاملون مع هؤلاء بلطف وصبر شديدين، وهذا التجلي للصفاء والصدق يشهد على حقانية دعوتهم. وكان أنبياء الله يشرحون عقائدهم بوضوح تام ليمنعوا أي التباس أو سوء فهم.

نور ٣٨: عالمُ الجهل عن المعنوية ودُنياويُّو الدُّنيا

لو أُعطيَ الإنسان خيارًا وقالوا له: هل تود أن تعيش أربعين سنة وتصوم كل تلك الأيام، أم تعيش عشرين سنة دون أن تصوم يومًا واحدًا؟ لربما اختار الثاني؛ لأن الحياة المادية والهدف الدنيوي الذي يسير عليه يدفعانه إلى الهلاك، فإذا لم تكن الحياة للملذات والشهوات، يملُّ من عمره. وبالطبع كما يستمتع أهل الدنيا بالدنيا، يستمتع أولياؤها بالمعنوية، وكما لا يرغب أهل الدنيا في الأمور الروحية، لا يلزم أهل الآخرة الأمور المادية ولا يميلون إليها.

نور ٣٩: محبةُ الله عند دُنْياويّي الدُّنيا

العامة يحبون الله من أجل المنفعة والقوة والجنة التي فيها، وهذا يجعل الناس يغفلون عن الحق، لأن مصالحهم تتحقق حتى بدون الله، لذا فإن محبتهم لله لا تدوم بل تُنسى وتُغفل. أما المؤمن العارف فيعتبر ذاته ومصالحه بقاءً وثباتًا للحق تعالى، لأن كل تحركاته في سبيل بقاء الفكر الإلهي وثباته.

أهل الدنيا والدنياويون يبحثون عن إله يتوافق مع شهواتهم ويسير في طريق شهواتهم، وهذا الإله هو هواهم النفسي، وهكذا يرون الحقيقة فارغة في وعائهم الذهني، ولا يقبلون عبادة الإله الحقيقي، لكن أولياء الله والمؤمنون الحقّيون مستعدون للتخلي عن كل منفعة وأذى في سبيل لقاء محبوبهم الحقيقي برضا وسعادة.

يُقال: من يؤمن بالله الحق قليلون، بينما كثيرون يتحدثون عن الله ويظنون أنهم يعرفونه، دون أن ينتبهوا أن هواهم هو المعبود وليس الله تعالى.

نور ٤٠: مشاعر دُنْياويّي الدُّنيا

الدنياويون لا يفكرون إلا في الظواهر ويطلبون الأمور السطحية العاجلة التي تمنحهم لذة آنية فقط. وبما أنهم لا يهتمون إلا بالظاهر، لا يبدون راضين أو مسرورين أبداً، إذ تعذبهم الأعراض النفسية. ورغم أن مظاهر الدنيا لها تأثيرات مرغوبة، فهي لا تستمر بمفردها ولا تحتفظ بقيمتها لفترة طويلة.

دُنْياويّو الدنيا لا ينالون نصيباً من الملذات الروحية، لأن الدنيا تشغلهم تماماً. الملذات الروحية عطايا إلهية مخصصة للأولياء والمؤمنين الحق، وأصحاب الملذات الروحية لا يعلقون قلوبهم بالمواهب المادية، بل يستخدمونها كمعبر ووسيلة عبور. ورغم أنهم يستغلون النعم المادية أفضل استغلال، لا يربطون قلوبهم بها.

أهل الدنيا بلا ثبات ولا استقرار، والسكينة الدائمة لمن لديهم إرادة وطلب للحق.

الدنيا والدنياويون طريق مختلف عن طريق المتصوفين، وهما مختلفان اختلافاً كبيراً في اللون والوجهة. أولياء الله لا يعلقون القلوب بالأمور المادية، لكن لذاتهم الروحية لا تقارن باللذات المادية؛ فالمادية كثيرة الكمّ، لكنها لا تصل لجودة اللذة الروحية التي لا يقدر أهل الدنيا على رؤيتها أو لمسها.

لو كان للماديات دوام وثبات، لربط بها الأولياء قلوبهم، لكن بنقاء باطنهم وقوتهم الروحية، هم في غاية الفرح ولا يأس أو ضيق في نفوسهم. مشاعر أهل الدنيا بفعل العوامل النفسية القاتمة محدودة الجاذبية ولا تستطيع إدراك الملذات الروحية.

الإدراك الحقيقي للملذات الروحية يحتاج مشاعر صافية وقلوب نقية، ولا يمكن للإدراك العادي أن يستوعب هذه اللذات. الغذاء المادي لا يخلو من الآلام والمتاعب، ونفاياته لا تفيد بحصولها، وإن كان أهل الدنيا يستمتعون حتى بالنفايات ويقللون الابتعاد عنها.

أهل الدنيا كثيرون، والناس الطيبون قليلون، وأقل من ذلك هم الذين يصلون إلى الباطن والمعاني الحقيقية، رغم كثرة من يدعون التصوف.

نور ٤١: الدُّنياويون شرسون

الدنياويون في شراستهم يشبهون الكلاب. في حديثين، دُنيا شُبّهت بالجيفة والميتة، والدنياويون بالكلاب، وهو تشبيه دقيق. الدنيويون يتعدون على بعضهم بالاحتيال، والافتراء، والخيانة، والمال، والقوة لإقصاء المنافسين والتملّك. وهم يهاجمون بعضهم كما لو كانوا أعداء ألداء.

تشبيه الدنيا بالجيفة والدنياويين بالكلاب دقيق، فالكلاب هي التي تنبح وتهاجم حتى تدفع الآخر. الدنيويون لا يطلبون فقط ملذات الدنيا، بل يرغبون في هدم بعضهم البعض، ولذلك لا يمكن التعايش معهم، بعكس أهل الآخرة الذين لا يسعون لهلاك الآخرين، بل يريدون سعادتهم أيضاً ويسعون لذلك برحمة.

لذا يُنصح بالابتعاد عن أهل الدنيا، ومتى ما أمكن، تنقية النفس من صفات أهل الدنيا والبحث عن السلام ومصالح الآخرين.

إذا كانت الدنيا خالية من اسم الحق ولون الحقيقة الروحية، فلا شيء فيها سوى الجيفة والميتة، فيتجمع عليها الدنيويون كالكلاب ويتنازعون على امتلاكها.

نور ٤٢: تدبير الدنياويين للمصالح

حكمة أهل الدنيا هي أن يهتموا أقل بمصلحتهم الحقيقية، وأن لا يضحوا آخرتهم من أجل مصلحتهم الدنيوية، ولكن من الصعب إبعادهم عن مثل هذه الحسابات الدنيوية. أما أهل الآخرة فلا يجب أن يعملوا بنصائحهم التي تفضي إلى العكس، بل عليهم أن يكونوا حكماء في تدبير مصالحهم.

نور ٤٣: عذاب الدنياويين في الدنيا

الدنياويون الذين أساس حياتهم هو الدنيا لا يخرجون منها سالمين، فالله تعالى يسلب ما جمعوه أو خبأوه أو شربوه فجأة أو تدريجياً، ويضع على قلوبهم آلام كل ما تراكم.

نور ٤٤: زوال متاع الدنيا

المتاع الدنيوي مهما عظمت قيمته فهو زائل، فلا يدوم لأحد، ولو كان بحجم العالمين. الدنيا متاع مزيف، سريع العطب، لا يقي صاحبها من عذاب الآخرة، بل قد تكون سبباً في زيادة عذابه.

يخسر الدنياويون ثرواتهم، وأولادهم، وأحباءهم، وحتى صحتهم بلا رجعة، وهذا نتيجة طبيعية لتمسكهم بالدنيا وانشغالهم بها فقط.

نور ٤٥: القلوب المربوطة بالدنيا

القلوب التي تشبعت بحب الدنيا لا تذوق طعم السكينة والطمأنينة، لأن الدنيا لا تمنح إلا لذة مؤقتة، وعندما تزول تسبب ألم الفقدان. إن القلوب المرتبطة بالدنيا تشبه السفينة المعلقة على أمواج البحر الهائجة، لا تستقر أبداً.

نور ٤٦: الصبر على الفقر

الصبر على الفقر والتقشف خير من اضطراب النفس بسبب المال. المال إنما هو أداة وليست غاية، والمسكين القنوع أفضل من الغني الجشع، لأنه في قناعته يجد راحة القلب، بينما الغني مهما زادت أمواله فهو لا يهدأ.

نور ٤٧: ثبات الأولياء في الشدائد

أهل الحق وأولياء الله يثبتون في الشدائد، لا تهزهم متاع الدنيا ولا تمنعهم مصاعبها من السير في طريقهم. بل يجدون في المحن منبراً للعبادة والتقرب إلى الله، ويزدادون قوة وثباتاً.

نور ٤٨: تأثير الشهوة في غفلة الدنيويين

الدنيويون غالبًا ما تسيطر عليهم الشهوات والرغبات، فتصبح هذه الأسباب حاجزًا بينهم وبين الحقائق الإلهية. فتتملّكهم الأهواء وتغفل قلوبهم عن ذكر الله، ويتبعون هوى النفس دون هدى أو نور.

نور ٤٩: الجهل بحقيقة الدنيا

كثير من الناس يجهلون أن الدنيا مجرد دار عبور وزائلة، فيتعلقون بها تعلقًا مبالغًا فيه، وينسون أنها مزرعة للآخرة، وأن ما يزرعونه فيها يحصدونه في الآخرة، فلا بد من التفكر والتدبر في حقيقة الحياة ومآلها.

نور ٥٠: التحذير من الغرور بالدنيا

الغَرور بالدنيا زواله سريع، وما هي إلا سراب يخدع العباد، فمن تمسك بالدنيا وحكم عليها بمقام الدائم، فقد ضل الطريق، وسيذوق من بعدها مرارة الندم.

نور ٥١: الدنيا سجن المؤمن

الدنيا سجن المؤمن وليست قبره، فهي قيد على روحه لكنها ليست نهايته، إذ المؤمن لا يغتر بالدنيا ولا يسكنها، بل يتعامل معها كوسيلة وعبره نحو الآخرة.

نور ٥٢: الفرق بين ظاهر الدنيا وباطنها

الظاهر هو ما يراه الناس من زخارف الدنيا ولذائذها، لكنه زائل وفاني، أما الباطن فهو الروح والجوهر الذي يبقى ويعطي للحياة معناها الحقيقي. من يفتقد الباطن فهو كالشفاء بلا روح، أما من يمتلك الباطن فهو غني حتى ولو نقصت مظاهر الدنيا.

نور ٥٣: قناعة المؤمن

المؤمن قنوع لا يطمع في الدنيا، فهو غني بروحه وقلبه، أما الدنيوي فهو فقير دائم الجوع، لا يشبع ولا يرتوي مهما أُعطي.

نور ٥٤: الدنيا مزرعة الآخرة

الدنيا هي الأرض التي تزرع فيها بذور الأعمال، فتنمو في الآخرة وتحصد الثمر أو العقاب، لذا يجب أن تكون الدنيا حقلًا صالحًا ومكانًا للزراعة الطيبة.

نور ٥٥: نهاية الدنيوي

الدنيوي لا يخرج من الدنيا بسالم إلا إذا ابتلاه الله بالعذاب أو أخذ منه ما جمعه، والجزاء يكون في الآخرة على حسب أعماله، وما زرعه في الدنيا سيحصد جزاءه فيها وبعدها.

الضوء (50): إزعاج أصحاب الدنيا وازدراء الساعين إلى الروحانيات

قلنا إن أصحاب الدنيا لا يرضون قط بما في الدنيا، كما أن رجال الله وطلبة الآخرة لا يشبعون من الأمور الإلهية والروحية والمسائل الربوبية والآخرة، ولا يكلّون أو يضجرون أبداً في أداء الفرائض والأعمال التعبدية. هذان الفريقان متقابلان في هذا المجال بحيث إذا أُوكل إلى الدنيوي أمرٌ روحيّ أو آخرويّ، ينزعج ويُضطهد كثيراً، أما إذا وُضع رجال الله في عمل دنيوي يخص الأرض فقط، فهم يَضيقون به ويغتمون.

على سبيل المثال، لباس الميكانيكيين مناسب لهم ويظل يَحمل رائحة زيت السيارة، فإذا عُطي مثل هؤلاء لباساً أبيض وأنيقاً لاستخدامه أثناء العمل، لا يرضون بارتدائه لأنهم ينزعجون من ذلك. كذلك، الإنسان المهندم لا يمكنه ارتداء لباس الميكانيكي، وإذا أُلصقت عليه نقطة زيت أو بنزين أو سخام، يفضل الانتظار ساعات في التنظيف.

الدنيويون لا ينزعجون من الأعمال الدنيوية المفروضة عليهم، بل يجدون الراحة والطمأنينة فيها، ولكن إذا تحدثت معهم عن الآخرة، الموت، الفناء، القبر، القيامة، النار والجنة، ينزعجون ويصرفون وجوههم، ويكنّون بغضاً في قلوبهم، وإذا استطاعوا أن ينكروا ذلك لقالوه.

أما رجال الله وأهل الآخرة، إذا تورطوا في أمور دنيوية، يغتمون ويقلقون، مثل المهندس الأنيق الذي يلبس الأبيض ويصلح سيارة، فهذا الأمر شاق عليه جداً. رجال الله لديهم قلوب نقية لا تحتمل أن يغوصوا في محركات الدنيا. يقولون: الله متكفل برزقنا، وقد أمر: رزقك على الله، قم بعملك فقط. تكاليف زواجك على الله، انت تزوج فقط. نفقة البنزين على الله، انت قد السيارة فقط. نفقة الكتب والدراسة على الله، انت اجتهد فقط في تحصيل العلم.

الطماعون الدنيويون لا يستطيعون إدراك هذه الحقائق في حياتهم، كما أنهم لا يعرفون كيف وأين يأتيهم الرزق في الزواج وغيره.

الضوء (51): موت الفقراء وفساد الأغنياء الدنيويين

في الدنيا أمران لا صوت لهما وصرخان لا يُسمع لهما: الأول موت الفقراء الذي لا يثير الرعب في أحد، والثاني فساد الأقوياء والفسق بين الأغنياء. وكذلك أمران لهما صوت عالٍ يسمعه الجميع من بعيد: فساد الفقراء، وموت الأغنياء الدنيويين أصحاب المال.

الضوء (52): دنيا تقوي القوي وتُضعف الضعيف

طبيعة الدنيا تقوي القوي وتقتل الضعيف، لتعلم أهل الدنيا أن القوة والقدرة باقية فقط بفضل الدنيا، وأن العدم والدونية لا يكون إلا بغياب الدنيا. هذا هو طبع الدنيا الذي يجذب الأفكار الخاملة والقلوب المتعلقة بها ويزيد من عدد الضالين.

الضوء (53): هزيمة الضعفاء وغرور الظالمين

كانت الدنيا دوماً تقتل الضعفاء وتربي الأقوياء وترفعهم. حاول الأنبياء والأولياء والمصلحون إزالة هذا الوضع، لكن الدنيا لم تخرج عن هذه طبيعتها. في الدنيا يُطحن الضعفاء باستمرار، ويزداد ظلم الأقوياء والظالمين، وهم الذين يسيطرون على الأمور. حتى لو كان للضعيف أفكار سامية من أجل سعادة البشر، لا يستطيع أن يغير هذا الواقع. من حاول إصلاحه تحمل أعباءً عظيمة وربما ضحّى بالكثير من الناس في سبيل هدفه، ولكن الدنيا لم تتخلّ عن وضعها.

وبالرغم من أن احتجاجات الضعفاء ضد الظالمين تعطيهم بعض القوة والأمل، إلا أن الظالمين يظلّون قلقين من التغيير، ويخشون أقلّ تهديد. إلا أن معظم هذه الاحتجاجات، تاريخياً، كانت عمياء وانتهت بهزيمة الضعفاء، ونجاح القليل منها غالباً ما اُستولى عليه من قبل الفاسدين الذين لم يشاركوا في النضال.

عندما يسقط ظالم، يحل محله ظالم آخر، ومع مرور الوقت يظهر حقيقته ويكشف نفاقه. هذه سنة الطبيعة في العالم. الظالم لا يستطيع أن يمنح الناس راحة دائمة، بل سرعان ما يكشف وجهه الحقيقي ويزداد سُدّياً. هكذا تستمر دورة الظلم، والناس يظلّون ضحايا لا نهاية لها.

الضوء (54): وحشية الدنيا تجاه الدنيويين

سبق أن ذكرنا أن القوة الظاهرة تكون دائماً مع أهل الدنيا والدنيويين. الدنيا تظهر نفسها للدنيوي كما لو أنها لا تفنى ولا تزول عنه. لذا يظن الدنيوي أن له سلطة أبدية.

الدنيا تزين نفسها أمام الدنيوي كما لو كانت ملكوتية، وتوحي له أنه ممثل ومولي الجميع، وأن الكون كله رعيته. تستمر الدنيا في هذه المظاهر حتى تستعبد أهلها وتجذب الساعين إليها. ولكن الدنيا خائنة، فهي تنقلب فجأة وتطرد الدنيوي من ميدانها مذلولاً، كأنه كان عدواً لها. تعامله كالريح العاتية أو النار أو السيول التي تفتك بأضعف الأوراق، فتجرحه وتؤذيه.

طبيعة الدنيا خبيثة إلى حد أنها حتى مع أهلها لا تصافحهم، بل تظهر لهم وجهها القاسي، تغزوهم كما المرض الخبيث، وتلتهمهم كالميكروب. الدنيا بخداعها الجميل تفتن الناس وتسقطهم في شركها، ومن لا يدرك باطنها المظلم يقع فريسة لها لا ينجو منها، إذ حرمان الدنيا لا يعوضه أي لذّة مادية زائلة.

الضوء (55): ضيق أفق الدنيا ودناها

الدنيا صغيرة ضيقة الأفق ولا ترضى بعزة أحد فيها. حتى إذا منحت أحدهم مكانة وألقاً لبضعة أيام، فهو في الحقيقة من أجل إذلاله أكثر وإهانته.

الضوء (56): الدنيا؛ أعز العوالم إلى البشر

مع كل شرور الدنيا، هي أفضل وأحب عالم نعرفه كبشر. نادراً ما نجد إنساناً يرغب في أن يمنح عمره لدنيا أخرى، حتى ولو قضاها في غفلة.

الضوء (57): دُمية الحرمان؛ جَرَس الدنيا

الطفل يبكي لطلب حاجته، والأم تغريه بجرس لكي تشتت انتباهه. الدنيا ومظاهرها هي مثل جرس يلهي الدنيوي ويصرفه عن الروحانيات والحق. الإنسان دائم السعي إلى الحق، ويريد الله ليجد راحته، فالحق هو ملجأ الروح والطمأنينة الحقيقية. ولكن الدنيا تجذب القلب عن الحق وتُظهر نفسها كهدف أول وآخر.

عندما يُسمع جرس الدنيا، يغرق الإنسان في ملذّاتها وتشوّقها، وينشغل عنها، ويغلق باب النور الإلهي في قلبه، فيصبح صلباً ومستبدّاً. لذلك يجب على الإنسان أن يبذل جهداً قوياً لصدّ الدنيا، وينادي “هو الحق”، وينقي قلبه بالذكر والاتصال بالحق، حتى يُعلق القلب بالحب الإلهي وينغلق على الدنيا. وإلا سيظلّ أسير حرمان لا ينفك عنه أبداً.

النور الثامن والخمسون: بحر الدنيا المالح وحرارة ظمأ محبي الدنيا

سبق القول أن هناك اختلافًا جوهريًا بين شؤون الدنيا والآخرة، وهو أن الوصول إلى مظاهر الدنيا يعني فقدانها، وحصولها يزيد من فقدانها. طبيعة الأمور الدنيوية تجعل من كل شرب من هذا الماء الملحي لا يُطفئ العطش، بل يزيده، على عكس الأمور الروحية والآخرة التي تُسكن العطش وتحقق الوجود واليقين والطمأنينة. فالدنيا كماء البحر المالح، كلما شرب منه المرء ازداد عطشه، بينما الحقائق الروحية والآخرة تدرأ العطش وتبعث على السكينة والوقار.

أولئك الذين يعلقون قلوبهم بالدنيا لا يشبعون أبدًا، ويتردد في ألسنتهم نداء «هل من مزيد؟» دائماً. قدرة محبي الدنيا مثل استعداد أهل الجحيم، لا تبقى لهم سوى الحرمان والتعب والكسل والنقص. كلما استحوذوا على المزيد من الدنيا، اشتد احتياجهم إلى الأمور المادية، ولا يجدون في أنفسهم غنى أو قناعة، في حين أن الأولياء الروحيين يجدون في نفوسهم غنىً رغم النقص.

النور التاسع والخمسون: الأموات الأحياء في العالم الدنيوي

أولئك الذين يغفون نومًا متواصلًا لساعات طويلة دون تقسيم نومهم إلى فترات متقطعة، كأنهم يموتون حين يغفون. لا يصلون إلى إعجازات الدنيا التي يعيشون فيها.

النور الستون: أعراض الفقر

الفقر يجلب النوم، ومن ثم اليأس والقنوط. أحيانًا يؤدي شدة الفقر إلى الأرق، وهذه الحالة أسوأ من النوم، لأن النوم للفقير سكينة وراحة، أما الأرق فهو مدمر يزيد الأعراض سوءًا.

النور الواحد والستون: فقر أولياء الله وعدم خوفهم

العاقلون وأصحاب الفكر وأهل السير الصوفي لا يشعرون باليأس أو القنوط. لا يستطيع الفقر أن يُثني عزيمتهم أو يبرد قلوبهم. هم دائمًا في تفكير عميق، يسيرون في دروب السلوك الطويلة، لا يُهاجمهم الأرق ولا يغرّهم النوم الغافل. ينامون نومًا قصيرًا متاحًا بسهولة، ومع ذلك يرافقون يقظتهم في النوم ويبقون واعين، يشاركون قافلة الوجود حتى في نومهم.

النور الثاني والستون: الانكسار اللامتناهي للقلب

فرهاد كان ينحت الجبل ليصل إلى شیرین، وكان يُطلق عليه المجانين ويلقون عليه الحجارة، لكنه لم يحزن أو ييأس. استمر في عمله حتى رمت شیرین زهرة نحوه، لكنها لم تصبه، فحزن شیرین لهذا، ورأى فرهاد أن هذا الرفض قطع عرى وجوده.

الزهرة رمز للرحمة واللطف، لكنها مليئة بالأشواك، والتي لا تُرى إلا بمنظار دقيق. الجلد البشري لا يشعر بأشواك الزهرة بسبب خشونته، لكن القلب الرقيق يلامس الأشواك. القلب الرقيق لا يشعر بأشواك الحياة القاسية لأنها ليست من طبيعته، لكن إذا نزلت زهرة عليه بمشاعره كلها، ينكسر القلب ويتكسر وينكسر حتى لا يُحصى.

النور الثالث والستون: أشواك الدنيا التي لا مفر منها

الحجر الخشن يجرح القدم، لكنه يظل خشنًا فقط أمام القدم لأنهما متشابهان، أما في تماس مع الهواء أو الماء فهو ناعم. كذلك خشونة ولطف الأشياء نسبية ومتصلة بتماثلها. قد يكون شيء ما خشنًا لشخص وناعمًا لآخر.

حتى أسماء الله الحسنى فيها أشواك، لكنها مخفية بين اللطائف، ولا يدركها إلا من فهم.

لا مكان في العالم حتى أرقها خالي من الأشواك، من الجبال إلى التراب والهواء، كلها مليئة بالأشواك، ولكن كل شيء حسب مرتبته.

نور ٦٧: شبكة متشابكة من الظواهر الدنيوية

لو ماتت عشرات الآلاف من الفراشات داخل شرنقتها، فإن مئات الآلاف من الأسماك في الشباك تتحول إلى فراشات. ولكن إذا بقيت عشرات الآلاف من الفراشات فراشات ولم تخنق، فكيف سيكون حال الدنيا؟

إذا انحرف شخص على طريق إلى اليسار وكان ينوي دهس عائلة، لكنه بدلاً من ذلك قلب سيارته وصدم طاولة فانقلبت السيارة، فهل يجب أن يكون سعيدًا لأنه لم يقتل العائلة، أم يجب أن يحزن لأنه تعرّضت سيارته للأضرار؟

نور ٦٨: السكن في الشقق والبيوت الواسعة الدنيوية

ورد في الرواية أن الراحة للمؤمن تكون بامتلاك بيت واسع. ويجب أن ننتبه في هذه الرواية إلى أن المقصود بالبيت الواسع ليس المساحة الكبيرة، بل وجود فضاء مفتوح يحتوي على سماء يمكن الجلوس تحتها والاستراحة فيها. فإذا كان للإنسان غرفة واحدة مع فناء به حديقة أو بستان أو زهرة يمكنه من خلاله مشاهدة السماء، فهذا يكفي ويعتبر بيته واسعًا. البيت الواسع لا يعني سقفًا وأرضية كبيرة، كما يُقال: غرفة لك، وغرفة لزوجتك، وغرفة للضيف، والرابعة للشيطان؛ لأن البيت الأكبر من ذلك يكون للرياء والتباهي. يمكن للإنسان أن يمتلك غرفة أو غرفتين، لكن بشرط وجود فضاء مفتوح بجانبها، وحينئذ يُعتبر بيته واسعًا.

لا ينبغي أن تُستخدم هذه الأحاديث لتبرير بناء القصور والفلل الضخمة، ولا ينبغي تحريف المعنى الروحي للروايات لبناء أبراج لنفسه وادعاء ملكيتها للجميع. وبالطبع، في الأبراج التي لا تتوفر فيها فضاءات مفتوحة، لا يوجد سوى التفاوت الطبقي. الشقق الحديثة التي تُبنى الآن تُشبه أعشاش الحمام لأنها تفتقر إلى الفضاء المفتوح، وهذا غير صحي لأنها تقصر عمر الإنسان. الشقة تسلب الإنسان حرية التنفس، والإنسان الحر يجب أن تكون جميع ظروف حياته حرة. يجب أن نتعلم الحرية من الروحانيين الشيعة؛ فحتى ملابسهم وأحذيتهم تعبر عن الحرية، مثل نعالهم التي لا ظهر لها، وأقمتهم المفتوحة، وقمصانهم التي كانت بلا أزرار، وعمائمهم التي تُربط بخيط واحد على عكس علماء الديانات الأخرى الذين يحملون الأزرار والدبابيس بكثرة. يجب أن تكون الحرية موجودة حتى في البناء، فالإنسان يجب أن يكون حرًا في كل شيء. البناء الحديث لا يتوافق مع الحرية والثقافة الإسلامية.

نور ٦٩: تلوث الهواء والأعصاب المتوترة

العديد من مدن العالم تعاني من تلوث الهواء. تلوث الهواء يؤدي إلى تقديم ساعات من الموت لدى الناس. تلوث الهواء والرصاص الموجود فيه يشكلان قنبلة نووية للأعصاب والذهن، ويخلقان حالة من الغضب والانفعال المسيطر على الإنسان.

نور ٧٠: التسبيح والسجود للظواهر

جميع الظواهر الدنيوية لها تسبيح وسجود خاص بها. تسبيحها هو الصوت الغنائي الموجود في كل ظاهرة، والسجود يشبه رقصها الدائم. التسبيح هو الهيكل والمسار الخاص بكل كائن.

نور ٧١: الاحتياجات الدنيوية

الدنيا تنمو عبر الاحتياجات. أهل باريس يحبون الكلاب كثيرًا. الكلاب كثيرة في هذه المدينة لدرجة أنه إذا توقف البلدية عن العمل لساعات، ينتشر رائحة فضلات الكلاب التي تزعج الجميع. هذه الرائحة السيئة دفعت فرنسا لأن تحتل المركز الأول عالميًا في صناعة العطور.

مع بدء الحرب المفروضة والحصار العسكري، ركزت القوى الفكرية والتنفيذية للثورة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والآن تُصنع في إيران أحدث المعدات العسكرية. الاستخدام الصحيح للاحتياجات يمكن أن يكون عاملًا للنمو.

نور ٧٢: تجدد وتفرد الظواهر الدنيوية

في الدنيا لا يوجد تكرار، وكل شيء يختلف عن الآخر. كل شيء هو “سبع المثاني” أي التكرار الكامل لجميع الأشياء. للدنيا وجوه لا نهائية ولا يتكرر أي منها. لا يصلي أحد صلاته تكرارًا حقيقيًا في حياته. كل لحظة في العالم فريدة لا يمكن تكرارها. الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك لا وجود للتكرار في العالم.

نور ٧٣: حياة الدنيا جميلة

الحياة جميلة. كل لحظة من لحظات الحياة وكل أبعاد دنيا الإنسان جميلة. مرارتها جميلة، وحلاوتها جميلة، وقبحها جميل، وجمالها جميل. الكون كله يتميز بجمال نسبي، والمقارنة هي التي تجعل أحد الأشياء أجمل أو أبشع من الآخر. الدليل على ذلك هو حب الكائنات الحيّة للحياة.

لا أحد يود أن يترك حتى أشد الحياة مرارة، خصوصًا إذا اعتقد أن هناك حياة أكثر مرارة. هذا الجمال موجود في كل مستوى ولكل فئة، وكل مرحلة من الوجود تكون جميلة بالنسبة للفرد نفسه، حتى وإن بدت غير جميلة للآخرين. فالكُمثرى حلوة للإنسان، والنجاسة حلوة للذبابة؛ فأيهما أحلى؟ الجواب هو: لأي شخص؟ العشب حلو للبز، والعظم حلو للكلب، واللحم حلو للقط، وكل منها حلو، لكن ليس للجميع. وكلها غير مناسبة، لكن ليس للجميع.

الجمال والحلاوة موجودان بنسب متفاوتة في كل الأشياء، ولا يمكن لأحد إنكار موقع غيره، رغم أن الطبيعة قد لبست الإنكار ثوب الحقيقة. يجب تذكر قصة بهلول وهارون والخرابة والزوجين العجوزين والكرين؛ عندما يضحك هارون، يقارن بهلول حالة هارون في الشرب واللبس بحالة الملائكة.

جمال الدنيا نسبي، والجمال المطلق هو لله تعالى وحده، والذي يجب السعي إليه، كما تقوم الطبيعة بنفس العمل.

نور ٧٤: ظاهر الطبيعة

ظاهر الطبيعة نعمة، وما يُستخدم من ظاهر الطبيعة هو ذلك الظاهر الاصطناعي.

نور ٧٥: حسد الزهرة ونبل الشوكة

الزهرة، رغم جمالها، تحسد؛ والشوكة، رغم كل الشتائم التي تُوجه إليها، نبيلة جدًا. الجمال مختبئ في الشوكة، والشوكة مختبئة في الزهرة.

نور ٧٦: الخير والشر الكلي في الدنيا؛ ضرورات الخلق

الخير والشر ضروريان لجمال نظام الخلق، رغم أن كل الشرور ليست إلا خلاف تحقيق ذلك. اللازم للنظام هو الشر الكلي، وليس الشر الفردي.

نور ٧٧: أجمل المشاهدات في الدنيا

الحق هو أجمل ما يُرى من قبل الإنسان، رغم أن الإنسان لا يطيق رؤيته أو إدراكه بسهولة.

نور ٧٨: تدليل الجميلين ويأس القبيحين

الجميلون لا يتكبرون، والقبيحون لا ييأسون؛ لأن الجمال قد يبقى في مكانه، أو قد ينخفض إلى أدنى من الحيوان، والزُّشت قد تحصل على مكانة عالية جدًا.

نور ٧٩: خداع الذات لدى ذوي المظاهر الحسنة

كثيرًا ما يخدع بعض الناس ذوي المظاهر الجميلة أنفسهم بنفس الخداع الذي يخدع الآخرين به، وبسبب الجهل والكبرياء، يسلمون أنفسهم بسهولة ورضا لفساد وشياطين القبح.

نور ٨٠: خالق اللطف والجمال

جمال الطبيعة ليس تشابهًا كاملًا ولا اختلافًا كاملًا، بل إن هذه الظواهر متشابهة مع التميز، ومتميزة مع التشابه، وهذا ما يجعلها خالقة للطف والجمال. كل ظاهرة أرضية وسماوية، إذا نظرت إليها بدقة وبالقدر المناسب، مختلفة عن الأخرى، ومع ذلك متشابهة ومتناسقة.

الحيوانات والنباتات والبشر، مع اختلافاتهم وخصوصياتهم، تحكي كل منها عن نظام وإيقاع خاص بها، وأصوات كل منها مميزة، وشكل ولون كل منها ينطق بأن كل شيء يعبّر عن وحدة لا يمكن أن يرويها اللسان والقلم.

مع أن الكائنات لكل منها نوع خاص وقانون خاص بها، كأنها جميعًا نوع واحد وقانون واحد. كأن كل الظواهر لها سرّ مشترك وتعرف بعضها البعض جيدًا، ولم تكن بينهما غربة، وكأنها من ماء وتراب واحد وسبب واحد، وتتجه نحو غاية واحدة، وهذه التنوعات كلها من عائلة واحدة.

نور ٨١: حسن المظهر

المظهر الجميل والطبيعي يمنحه الله تعالى لكثيرين. هذا بسبب نمو الباطن لدى ذوي الجمال. بالطبع، هذا المعنى قد يصعب فهمه لدى أهل الظاهر. لا يليق إفساد المظهر الجميل، ولو أن التزيين المفرط غير مستحب وقد يسبب مشاكل لأهل الظاهر.

نور ٨٢: بساطة لذة الدنيا وألم مستعملي الغرب

بعض الناس يذهبون إلى الغرب من أجل الترفيه والشهوة وطلب الدنيا، يطرقون الأبواب ولا يرون خيرات حياتهم وخيرات ما حولهم، ويطلبون اللذة من بعيد. لديهم أزواج لكنهم لا يعرفون كيف يستمتعون بهم، ولهذا لا يعيشون حياة صحيحة ويعانون، ويبحثون عن اللذة في ملذات غربية زائفة.

الزوجة مثل فرع وردة، كلما اهتم بها أكثر، ازدهرت وأعطت زهورًا جديدة، وكلما عُني بها أكثر، تجددت. هي مثل الثدي، كلما رضعت منه أكثر، ينتج حليبًا جديدًا.

أولئك الذين يرون سراب الغرب مجرد ملجأ لشهواتهم ويتركون زوجاتهم النبيلات وراءهم، سيأسفون ولن يجدوا شيئًا من ذلك.

الحياة الممتعة بسيطة جدًا. يمكن أن نستمتع بكوب شاي وحديث مع الأصدقاء أو النظر إلى وردة جميلة. هذه اللذة لو وزعت في العالم، سيفهمها الجميع. لكن بعض الناس لا يستطيعون أن يستمتعوا بهذه البساطة، ويختارون معاناة الهجرة إلى الغرب للبحث عن اللذة، ويجدون أن كل ما في حياتهم مستنقع من المعاناة. فرحة هؤلاء الماديين تضيع، وكل ما يحصلون عليه من السفر والهجرة هو التعب والأذى.

نور ٨٣: خوف الهدوء ومتعة المشاكل

العديد من أمور الدنيا، حتى مشاكلها، ممتعة. متعة المشاكل لا تقل عن غيرها من الملذات. الألم والحزن والفراق والاشتياق، التنهد والشكوى، كلها تصنع للإنسان لذة لا يحتملها الضعفاء والعاجزون.

يقولون: إذا حزنت، سأفرح، وإذا كنت في سرور، أشعر بالحزن. أخاف ألا أواجه مشكلة، ومن هذا الخوف أجد الهدوء.

نور ٨٤: حكمة الألم في الحياة

الألم جزء لا يتجزأ من حكمة الحياة، فهو يوقظ الروح ويقوي القلب، ويجعل الإنسان يتأمل في معاني الوجود والغاية من الخلق. بدون الألم لا يكون للنعم قيمتها ولا للفرح معناه، لأن التوازن في الحياة قائم على تداخل النقيضين.

نور ٨٥: جمال الكون في التغير والتنوع

الكون مليء بالجمال الذي ينبع من تنوعه وتغيره المستمر. لا وجود لشيء ثابت أو مكرر، فكل لحظة جديدة تحمل جمالاً خاصاً بها، وكل مخلوق يتميز بصفاته الفريدة التي تضفي على الوجود تناغماً إلهياً جميلاً.

نور ٨٦: أهمية التواضع في مواجهة الجمال

الجمال الحقيقي لا ينبغي أن يكون سبباً للغرور، بل يجب أن يصاحب التواضع والاعتراف بأن كل ما في هذا الكون هو من فضل الخالق. التواضع يفتح القلب لاستقبال المزيد من النعم ويمنع النفس من الوقوع في فخ الغرور الذي يفسد الروح.

روشنای ٨٤: هدوء العمر

قليلٌ من الناس من يستطيع أن يمضي عمره الطبيعي بهدوء وسكينة.

روشنای ٨٥: اللعب بالعالم

بعضهم يلعب بالعالم، وبعضهم يستهان بنفسه في اللعب. والعالم بدوره يجعل فريقًا يلعب، وفريقًا لا يُؤخذ في الحسبان. بعض الناس لا يأخذون العالم على محمل اللعب، وهناك من لا يحبذون اللعب. وكثيرون لا يفعلون سوى اللعب، وليس من شأنهم إلا اللعب.

روشنای ٨٦: معرفة النفس وفقدانها

كثيرون حين يتجه إليهم العالم، لا يعرفون أنفسهم. وكثيرون حين يدير لهم العالم ظهره، يفقدون ذواتهم.

روشنای ٨٧: الانقطاع عن الخير والشر

قليلٌ هم أولئك الذين ينجحون في الانفصال عن العالم. والانقطاع عن الخير أصعب بكثير من الانفصال عن الشر، ومع ذلك، فإن البُعد عن الشر ليس سهلاً أيضًا.

روشنای ٨٨: تعلق العالم والعالم المتعلق به

من لا يملك العالم، سيتملكه العالم قسرًا، ومن يملك العالم، في الحقيقة لا يملك شيئًا.

روشنای ٨٩: غير المتوازنين ومُحرّكي العالم

غير المتوازنين والمتهورين هم من يُحرّكون العالم، لكنهم ينجون قليلًا فقط، وغالبًا ما يقعون تحت وطأة غضب أصحاب الطبيعة الدنيوية.

روشنای ٩٠: العزّة واللذّة في الدنيا

كل من يملك العزّة واللذّة، فهي من الله في الحقيقة، ولا يملك أحد شيئًا من نفسه، ومع ذلك، يجب أن يُدرك أن الدنيا لا مكان فيها لأي عظمة أو عزّة سواءً كانت للخير أو الشر.

روشنای ٩١: الحذر من الشواطئ

من أراد الدنيا فلا ينبغي أن يبعد نفسه كثيرًا عن الشواطئ، ويجب أن يترك لنفسه طريقًا للعودة، كي لا يغرق في بحر الدنيا وينجرف إلى الحرمان والندم الأبدي.

روشنای ٩٢: حياة العنكبوت والتلذذ بالملذات

كلما كان الإنسان في طلب الدنيا واتباع الأهواء النفسية، قلّ إدراكه للحقيقة المتصلة باللذّة. وإن أصرّ على التلذذ بالهوى واتباع النفس، يصل إلى درجة لا يعود فيها يذوق لذّة أي شيء. كلما تعمّق في مظاهر الدنيا وأشكالها الدنيوية، زادت ضيقات النفس وانحصرت في قيودها، دون أن يجد مخرجًا أو فسحة في طريقه.

مظاهر الدنيا الدنيوية لا تمنح لذّة حقيقية، بل تغري الإنسان بالأمل باللذّة، وفي النهاية لا تعطيه شيئًا. أهل الدنيا وأصحاب الدنيا يسيرون في هذا السبيل بثقة وسرعة، لكنهم لا يرضون عن أهوائهم ولا تشبع رغباتهم، بل يتبدل مقدار شهوتهم فقط.

ولتوضيح ذلك أكثر، نأتي بأمثلة محسوسة:

مدمن المخدرات مثل الأفيون والهيروين وغيره لا يصل إلى النشوة التامة ولا يشعر بالرضا. في البداية، يشعر بنشوة مؤقتة، لكن سرعان ما يعقبها ألم الانسحاب، وتتكرر هذه الدورة حتى لا تعود الجرعة الجديدة تمنحه النشوة الأولى، عندها يزيد الكمية طلبًا للذة أكثر، وتتفاقم الحالة حتى يغرق المدمن في آفة المخدرات ولا يجد سوى ضعف وضعف جسدي وروحي.

بعد ذلك، يبحث عن متعة زائفة أخرى في الهيروين، ويشعر ببعض الراحة مؤقتًا، لكنه يعود إلى نقطة البداية، ولا يجد في النهاية راحة أو تجديد للنفس. وهكذا ينحدر المدمن نحو السقوط النهائي، وقد يصل الأمر به إلى الاعتماد على الحقن، حتى يودع الحياة بالإبرة في يده. لقد كان يبحث عن اللذّة والنشوة، لكنه لم يجد سوى العذاب والضعف طوال حياته.

أي شخص يسعى وراء ملذات النفس، يصل إلى نقطة لا يعود يستمتع فيها بشيء، وينعزل عن كل مظاهر الطبيعة، ويرى الموت وحده علاجًا لألمه وهمّه.

روشنای ٩٣: الهروب من التعلقات الدنيوية والغوص في المراتب الروحية

الأهواء والشهوات تسكر الإنسان، وسكر من يتبع الهوى أشد من غفلة النائم، فالنائم يُمكن إيقاظه بلمسة، أما السكران بالهوى فيغوص في غفلة عميقة يصعب إنقاذه منها. الهوى يجعل الإنسان أعمى وصمم وبكم. الانغماس في اللهو والتسلية يؤدي إلى هذه النتيجة.

أما من استطاع الغوص في العبادة والذكر والدراسة والعمل كأنه في حالة سكر، فقد بلغ مرتبة العلم والمعرفة أو المراتب الروحية. رحم الله الأديب النيسابوري رحمه الله، كان من أولياء الله الذين وصلوا إلى هذا المقام، وكان محل كيمياء لنا. للأسف، كان بعض الطلبة يلعبون به ويمزحون، لكنه لم يلتفت إليهم لأنه كان في عالم آخر. كان مسنًا، جسيمًا، ويتأثر بالحرارة، لكنه في دروسه كان في حالة نشوة روحية عالية. كان جامعًا وكاملاً، لكنه كان يعاني من الفقر والشدة. كنت حينها مشدوهًا من صفائه وغمرته الروحية، حتى أني لم أشعر بحرارة الجو.

روشنای ٩٤: طريقة الانقطاع عن التعلقات الدنيوية

الطريقة المناسبة والمهمة للانقطاع عن تعلق الدنيا ومظاهرها المختلفة هو التفكير في زوال الدنيا وفناءها واندثارها. وهذه المسألة تحتاج إلى توفيق إلهي، فليس كل من يستطيع القيام بها. هذه القدرة يجب أن تُعتبر من عطايا الله ويجب أن تُطلب منه.

لكي يبتعد الإنسان عن الدنيا يجب أن يتوجه قلبه نحو الباطن. والقلب الذي يتجه نحو الباطن هو الذي يرى مظاهر الطبيعة كصور للحق، ويرى باطن المظاهر الدنيوية بوضوح، حتى يتمكن من رؤية نهاية الأمور في بدايتها. يجب أن تُختصر كل الأمور في الحق، ويشغل الإنسان قلبه بالحق، ويبعد وجه الغيرية عن قلبه، ويزين قلبه بالحق، ويجعل الألم والندم والحزن مقدمة للوصول إلى الحق، حتى لا يبقى للدنيا ومظاهرها مكان في قلبه، فيبتعد عن الإنسان ويستسلم للدار الآخر.

روشنای ٩٥: الدنيا الحلوة والموت الحزين

أولئك الذين يحلّون حياتهم بالدنيا، ينسون كل هذه الحلاوة بمرارة الموت، وأما الذين ذاقوا مرارة الدنيا، فإنهم يجدون الموت حلوًا ويجدون أنفسهم يتلذذون بحلاوة الموت.

الذين لم يكن لهم هدف سوى الدنيا يحزنون في الآخرة، وأما من يزيل حزنه بالله وبالذكر والتذكر، فلا يحزن في الآخرة أبدًا.

روشنای ٩٦: مقام الحياة كالقمار الدائم

الحياة تشبه لعبة القمار، يجب أن يتعامل الإنسان مع جميع الظروف فيها، في كل المراحل، ولا يعلق نفسه في حدود ضيقة أو في اتساع لا نهاية له من الأماني والوهم. الإنسان لا يستطيع أن يكون على حال واحد طوال حياته، ففي أوقات يكون رابحًا، وفي أوقات أخرى خاسرًا، يومًا يحقق النجاح، ويومًا يعاني من الفشل، أحيانًا تدور الأيام لصالحه، وأحيانًا تُغلق أمامه جميع الأبواب، وتحيط به السلبيات. هذه الأمور قد تكون دليلًا على صحة موقفه، أو آثارًا للجانب غير السليم من أفعاله، لكن على الإنسان أن يتكيف مع كل الظروف، سواء كانت إيجابية أو سلبية.

هناك من لا يستطيع تحمل الانتصارات، فيضيع نفسه حين يحقق القليل من النجاح، كما أن البعض الآخر يستهين بنفسه عند التعرض للفشل، ويغوص في اليأس، لكن الإنسان القوي لا يضيع نفسه في الأفراح ولا ينهزم في الشدائد. الإنسان القوي هو من يوازن موقفه مع إمكانياته، ولا يستخدم قوته أو ضعفه بشكل خاطئ، ولا يستهين بنفسه في أي حال، بل يقيم نفسه أمام الأحداث المختلفة، ويواجهها بأمان، محافظًا على أهدافه ومعتقداته، متجاوزًا جميع النجاحات والشدائد بسلاسة.

الكثير من الناس لا يتحملون الهزيمة ويبحثون دائمًا عن الانتصار. هؤلاء لن ينالوا نهايةً للنجاح، لأنهم يخسرون كل انتصار بشيء من الفشل. هم إما راضون عن أنفسهم، أو مخطئون في فهم الحياة، ولكن كل إنسان متوازن يجب أن يعلم أن الحالة والموقف ليست ثابتة لأحد، ولا يمكن أن تكون الحياة دائمًا كما يتوقعها. يجب أن يدرك الإنسان الحقائق الحياتية، وألا يغرق في صراعات وهمية أو رغبات ذهنية، وأن يحافظ على كرامته واعتزازه في كل حالة.

يجب أن يتحمل المصاعب والشدائد، ويمر بالأفراح والنجاحات دون أن يركع لأي منها أو يفقد نفسه.

النور (98) علاقة الدنيا والسلوك

للوصول إلى المعرفة الروحية والسلوك الصوفي، ليست الدنيا ضرورية، لكن الأمور التنفيذية في الدنيا تحتاج إلى الموارد المالية.

النور (99) الوقوع في حصن والتحرر من الحصون

حصون الدنيا كثيرة جدًا، وكل حصن منها يُقيّد الإنسان بطريقة معينة، ولكن الوقوع في أحدها يُمكن أن يُحرره من كثير من الحصون الأخرى، فيتجاوزها بسهولة أو بصعوبة.

النور (100) المعرفة عبر الضد

إذا أراد الإنسان أن يفهم الشيخوخة جيدًا، يجب أن يجالس الأطفال كثيرًا ويتأمل طفولته. وإذا أراد أن يصبح طفلاً ويفهم الطفولة، فعليه أن يتحرك من الشيخوخة نحو الطفولة ويرى سلوك الشيوخ. وإذا أراد التقدم خطوة للأمام، يجب أن يخطو خطوة إلى الوراء، وإذا أراد العودة للخلف، فعليه أن يضغط قدمه إلى الأمام.

في الكفر يمكن التفكير في الدين، وفي الدين يمكن أن يُكتشف الكفر. في الطعام والشبع يمكن إدراك الجوع، وفي الجوع يُعرف الشبع. للوصول إلى الغنى والرفاهية، يجب الانطلاق من الفقر، وللوصول إلى الفقر يجب اللجوء إلى حضن الغنى.

للتقدم والتطور يجب السير في الماضي والتأمل فيه، وللركود والتراجع يجب العيش في المستقبل. لتكون محبوبًا يجب أن تفقد المحبة، وللفقدان يجب وجود محبوب. للجلوس يجب أن تقوم، والوقوف هو نوع من الجلوس، وللقيام يجب أن تسجد، والراحة على وسادة من التراب هي راحة السجود، والسجود هو القيام والصعود. لتبصر يجب أن تعمى، وللعمى تحتاج إلى البصر. للرؤية يجب أن تغلق عينيك، وللظلام يجب أن تفتحها. للتقرب من الحق يجب أن تعرف كل اتجاهات العالم، وللبعد عن الحق يكفي اتباع طريق واحد: إما المال أو البيت أو الجنة أو الخوف من النار.

النور (101) الوحدة والغربة

الوحدة والذاتية دون شعور بالوحدة خاصة بالأولياء الله، أولئك الذين لا يملكون المدينة، الصديق، المال، الماء، التراب، اليد، العمامة، ولا شيء. هم الذين يعيشون ويحملون هوية وشخصية، على عكس أهل الدنيا الذين لا يستطيعون التحرر من هذه الأمور، ويجدون هويتهم وشخصيتهم في مظاهر الدنيا. الحياة المادية والروحية، والخلود أو الحياة الزائلة للإنسان تعتمد على هذين المعنيين.

النور (102) دقة الحياة في دوامة النّاسوت

الدنيا دوامة واسعة، وأفرادها مثل ذرات ضمنها، وعلى الرغم من ضياعهم الظاهر، فإنهم يسيرون في مسار محدد. يجب على الإنسان في عمره القصير في النّاسوت أن يتصرف بحساب دقيق، كما لو كان يريد إخراج شعرة من شعرة أخرى، وليس من اللبن.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V