سراب العرفان أو هباءٌ منثور
(نقد في علم الكلام عن معرفة الله)
معلومات النشر:
المرجع: ، (١٩٤٨-)
العنوان والمؤلف: سراب العرفان أو هباءٌ منثور
: (نقد في معرفة الله في علم الكلام) / .
مكان وتاريخ النشر: إسلام شهر: ، ٢٠١٤.
المواصفات: ٣٦ صفحة؛ ٥٫٩ × ١٩ سم.
رقم الكتاب الدولي: 978-600-7347-17-1
الموضوع: علم الكلام، التصوف
تصنيف الكونغرس: BP218.8/N8S4 2014
تصنيف ديوي: 297.42
الرقم القومي للمكتبة: 3502973
المقدمة
﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾(1). هذا الكتاب هو ردٌّ على بعض المتكلمين الظاهريين الذين ينتقدون أهل التصوف ويجحدون معرفة الله لديهم. ينبغي التنويه أننا في هذا الكتاب لا نعتبر أنفسنا منتمين لأي مدرسة أو طائفة صوفية، وإنما نسعى فقط لتبيان وجهة نظر صوفية خاصة بنا في معرفة الحق تعالى والتوحيد؛ وهي وجهات نظر بعضها جديد لم يرد في الكتب والمصنفات الصوفية التقليدية أو غير التقليدية.
في هذا البحث نؤكد أولاً على ضرورة فهم معاني مصطلحات كل علم بشكل صحيح قبل الدخول في نقاشها، إذ يجب توضيح المواضيع والمفردات بشفافية.
بعضهم تحدث عن «الوحدة» و«التوحيد» و«ما وراء التصوف» بينما لا يعرفون المعنى الحقيقي للوحدة أو التوحيد، ولا يمكنهم تفسير التعدد والغيرية. والمعرفة التي يقدمونها عن الله تكون كلها نفيية ولا تحتوي على معنى إثباتي. في كتاباتهم المختصرة تساءلوا: هل العالم مخلوق أم أن الله نفسه هو الأرض والسماء والجن والملائكة والصخور والخشب المتحركة في رقصة الظهور والتجلّي؟ وقد طرحوا وجهتي نظر أساسيتين في هذا الصدد، ولهذا السبب بدأنا بهذا الموضوع، وسؤالنا الأول لهم: هل تعتبرون العالم مخلوقًا أم ظاهرة قائمة بذاتها لا مخلوق لها؟ إذا اعتبرنا العالم ظاهرة، فهذا يعني أن الطبيعة ذات وعي ذاتي تنظّم نفسها ميكانيكيًا ونظاميًا. وإذا اعتبرناه مخلوقًا، فهذا يعني أن هناك فردًا يديره يسمّى «الله» وفقًا للأديان. أي: هل الله هو الذي يخلق ويدير الخلق، أم أن هناك نظامًا داخليًا طبيعيًا ينظم نفسه بنفسه؟
بعض المتكلمين التقليديين ينسبون في كتبهم أقوالًا إلى الصوفية لا يقرّ بها أي صوفي، وهذا بعيد عن الأدب مع الله، وحتى إن قالها أحد، فلا يليق بعالم ديني أن ينقلها عن غيره.
(1) سورة الفرقان، الآية 23.
في هذا النص بيّنا أن وجودًا واحدًا وذاتًا واحدة هي الحق تعالى فقط، وأن باقي الظواهر هي تجلّيات للحق تعالى وفعل الرب، ولا تملك ذاتًا مستقلة. هذه الظواهر – أي التجليات – موجودة حقيقة وليست وهمًا، والوجود لا يقتصر على الموجود فقط، بل هذه التجليات الخلقية منشأة من وجود واحد دون أن تكون ذاتًا قائمة بذاتها. الذات محصورة في الحق تعالى، والعالم فعل الربّ ومخلوق بمعنى الظهور، وهي تجليات ليست ذاتًا للآفِر، ولكنها ليست «غير» بمعنى الازدواج والتعدد.
أما المتكلمون الذين لم يستطعوا حتى فهم معنى «الغير» فقد أرجعوه أحيانًا إلى معنى «النقيض» وأحيانًا إلى «التعدد». لم يثبتوا أصل وجود الله بشكل صحيح وفق مناهجهم الكلامية والرواية، ولم يستطيعوا أن يحددوا ما هو الله، واقتصر تعريفهم على الصفات السلبية التي لا تضيف معرفة حقيقية في فهم الله، مثل القول إن الله ليس مخلوقًا، ولكنه «غير» كل ما نفهمه أو نراه أو نسمعه، وهم لا يستطيعون إعطاء تفسير إثباتي لهذا المعنى.
في المقابل، عرفنا الله في تصوفنا – الذي نعتبره عروس العلوم – بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾(1). إلهنا لا يعرف بالصفات السلبية، بل هو ذو صفات إيجابية، وسورة الإخلاص هي وثيقة تعريف الله عندنا. نفهم الله، وإلا لما سألنا: «ما كنت بالذي أعبد إلهًا لم أره»(2). الله صمد والمخلوقات ليست صمدًا. الله هو «الله» والمخلوقات ليست الله. هو لم يولد ولم يُولد، والمخلوقات لا تنطبق عليها هذه الصفة. نفهم الله جيدًا، هو الرحمن الرحيم، الكريم الودود. لله ذات وليس مخلوقًا، بل هو الخالق فقط، أي فعل غير. هو الأزلي الأبدي، الأول والآخر، الظاهر والباطن. لا ينبغي أن يُحصر الله في صفات سلبية لا تعطي معرفة. قولهم إن الله شيء ليس كمثله شيء لا يفيد شيئًا، ونحن نقول: الله هو الله، صمد، كريم، ودود، وهو ذاتٌ حقيقية، بخلاف الأشياء التي هي جوفاء بلا ذات.
يمكننا رؤية الله والتعرف عليه بكل صفاته، ونحن أيضًا ظهور الله، كما أن الله عالم ونحن علماء، وليس هناك علمين مختلفين ومتميزين. شرحنا هذه المسائل بالتفصيل في دروس الفلسفة الخارجية وبيّنا أن الظاهرات ليست ضد الله، ولا يعني أن الله موجود ونحن عدم. نقدنا بشدة قول كثير من الصوفية بأن هناك وجودًا واحدًا هو الله والباقي وهم وخيال، وشرحنا معنى التعدد المنطقي.
نحن لا نعد أنفسنا متعددين مع الله، لأن التعدد يعني وجود ذاتين مستقلتين ومتقابلتين، ونحن لا نمتلك مثل هذه العلاقة مع الله. التعدد يجلب التقابل والاستقلال، والظهورات لا تقابل الله ولا تملك ذاتًا مستقلة.
لقد شرحتُ في كتاب «الله الذي أعبده» تعريف الإله الذي نعبده، ولن أكرره هنا، وأتمنى أن تجهز دروسي التوحيدية للنشر قريبًا، والتي ستؤسس منهجًا جديدًا قويًا في معرفة الله، مستندًا إلى القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام، وسيكون هذا الكتاب من أوسع الكتب في معرفة الحق تعالى مع شرح مفصل ووجهات نظر خاصة مدعمة بالأدلة.
الحمد لله.
سراب عرفان أو هباء منثور
حفظ الغيرة الدينية
قبل البدء بالموضوع الرئيسي، أود التذكير بنقطة هامة: الجوهر في كل نقاش علمي هو الصفاء والصدق والغيرة الدينية. صحيح أننا ننتقد أغلب مبادئ الكلام في معرفة الحق تعالى التي تعتبر مقررات دراسية في الحوزات والجامعات، ولا نعترف بصحتها، لكنها لا تنفي احترامنا لغيرة المتكلمين في الدفاع عن معارفهم الدينية. غيرة هؤلاء في الدفاع عن دينهم الذي عرفوه جديرة بالتقدير، وعباراتهم غالبًا ما تكون مليئة بالصفاء والود والمحبة للدين والولاية والإسلام، وهي رأس مال يستحق الثواب.
تقديم المعرفة بعقلانية
بعد هذا، ينبغي التنويه إلى نقطة أخرى مهمة: ما هو مهم الآن للعلماء الدينيين هو تقديم مناقشاتهم مدعومة بالأدلة وبشكل عقلاني وواضح. للأسف، توجد في كتب الكلام والتصوف عبارات لا دليل عليها، بل هي ضد الحقيقة، ويفهم ذلك حتى الأشخاص العاديون بسهولة. الكلام بدون دليل، مهما كان جميلًا، لا قيمة علمية له. سواء كان من العارف أو المتكلم، يجب أن يكون الكلام واضحًا ومدعومًا بالأدلة وعقلانيًا، خصوصًا في مجتمعنا الذي ينمو علميًا. لا ينبغي أن نُصنّف أنفسنا كليًا تحت «الفلاسفة» أو «الصوفية» أو ضدهم، بل يجب فحص كل قول على حدة، وإذا كان صحيحًا يجب قبوله حتى لو قيل من شخص غير مسلم، وعلى العكس رفض الأقوال الخاطئة.
إن التعبير عن المعارف الدينية أو الفلسفية أو الصوفية، مهما كان المتحدث عالماً جليلاً، لا ينبغي أن يجعلنا نعتقد أن الفلاسفة أو الصوفية وحدهم يفهمون الدين بشكل صحيح، ولا يمكن القول إن هؤلاء العلماء في مجال معين قد فهموا الدين بشكل خاطئ بناءً على أفكارهم الحرة. فالإنسان، ما لم يكن معصوماً، معرض للخطأ والنقص والزلل.
قبل ذلك، كان أحد العلماء الذي كان معارضاً بشدة للصوفية يشير إلى درس «الفسوس» قائلاً: إن من الجميل أن يقول المؤلف في «الفسوس» ما ينتقد به الصوفية بوضوح ويبين لهم أخطائهم. يبدو أن فهمه السابق للصوفية كان يقضي بأنه لا ينبغي لأحد أن ينتقد آخر. والصوفية علم، ولعلمائها وصوفييها، بما أنهم بشر غير معصومين، أخطاءهم ونقائصهم. ونحن حتى فيما يتعلق بالقرآن الكريم وسنة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) نقول إن الباب مفتوح لمن ينتقد، فلا يجب أن نعتبر أنفسنا منعزلين عن إمكانية النقد تجاههم، بل إن كان بإمكانكم نقدهم فلا تبخلوا بذلك. ولكن حينما تتأمل في ذلك بدقة، تجد أنك لا تستطيع نقد تلك الأقوال فتلتزم بها.
الانتباه الدقيق إلى مصطلحات كل علم
في هذا المجال، يجب توضيح الموضوعات والمصطلحات بشكل دقيق. رحم الله الشيخ جواد آقا الطهراني، فقد كتب كتاباً بعنوان «ما يقول العارف والصوفي؟» حيث خلط فيه بين معنى العارف والصوفي. حين كان على قيد الحياة، زُرتُه وناقشته بهذا الخلط. إن من لا يعرف أساسيات الصوفية ولا شهد استاذاً صوفياً، لا ينبغي أن يتحدث في ما هو فوق علم الصوفية. فهل ثمة شيء فوق المعرفة؟ إلا إذا كان يقصد بالتصوف العارفين أنفسهم. قال أحدهم إن الإمام علي (عليه السلام) فوق البشر وأعلى منهم، وهذا القول يسيء إلى الإمام، إذ أن الإنسان إذا أكمل فإنه يفوق كل شيء.
احترام أدب النقاش
في أحد الكتب التي نُقِدت فيها الصوفية، ورد نقاش موجز عن السؤال: هل العالِم مخلوق من الله أم أن الله هو الذي يظهر ويتجلى في كل شيء، من الأرض والسماء والجن والملائكة والحجارة والأشجار؟ الكاتب استخدم عبارات لا يقرها أي صوفي، ولا يعتبر أحد هذه الكائنات أيدي وأرجل لله. بعض هذه العبارات تفتقر إلى الأدب مع الله. سواء قالها الصوفي أو غيره فهي غير محترمة. لا يجوز حتى مع الأصنام أن نتحدث بهذه الطريقة، فكيف مع خالقنا؟ هذا الكلام يجرح ويؤلم.
هذه العبارات تستهوي الأشخاص المتأثرين والعاطفيين، مثل بعض كلمات المداحين التي تقول: «لا إله إلا الحسين، لا إله إلا زينب» ثم يضيفون أنهم يؤمنون بالله، فما معنى هذا؟ هو يعتقد أن الحب يعني إنكار الآلهة.
يجب أن نبحث عن الله بلغة الأدب التي أمر بها الأئمة المعصومون، وإلا يصبح النقاش كلاماً عوامياً وليس علمياً.
حتى لو كان المتحدث عالماً، وإذا تحدث بلغة مبتذلة فهو من عامة الناس ولا يدلي بحديث علمي. لا ينبغي أن يُقال عن الله كلام فظ هكذا. اقرأ صحيفته السجادية لترى كيف يتعامل مع الله بأدب ووقار، فكيف يمكن مقارنة هذا مع ما يقوله بعض الناس بشكل عوامي وينزلون الله إلى مستوى منخفض؟! هذا عمل استعمار يريد تدمير الدين والصوفية.
نقطة بداية النقاش
لنرجع إلى الأصل، ونقول كما يقول العلماء: «ثبت العرش ثم انقش». أولاً، هل يوجد خالق لهذا العالم أم لا؟ هل هو مخلوق أم مجرد ظاهرة؟
بعض المتكلمين، بعد محاولات إثباتية، نفوا العلاقة بين الخالق والمخلوق، وقالوا: هناك إله بلا زمان ولا مكان ولا جزء ولا كل، ومتجاوز عن كل هذه الصفات، وخلق الأشياء من جوهر وجودها. بينما يرى آخرون ـ وهم الدهريون ـ أن العالم أبدي ولا خالق له، وهو تجلٍ دائم. وسمّوا هذا الوجود «الواجب الوجود» ويقولون إنه ليس إلا ذات الأشياء.
فهم معنى الله
أولاً يجب تحديد معنى الله وفهمه، لأن من دون ذلك يبقى الحديث عن حدوث العالم أو قدمه بلا معنى. السؤال الأهم: هل هناك من يدير هذا النظام الكوني من خارجه، أم أنه نظام ذاتي تلقائي؟ وجود الله هو اعتراف، لكن يجب بناء التصور الصحيح عنه.
خلاصة
إن الفلسفة والصوفية تتحدثان عن وجود فاعل وفعل، فإذا كان الفاعل عينه الفعل، فذلك يتطلب وحدة متعددة، وهذا مستحيل. نرفض نظرية «الوحدة في الوجود» لملا صدرا، ولكننا نؤمن بوحدة الوجود التي تخص الله وحده، وأن العالم هو ظهور له، ظهور ليس وهمياً.
كأنّه ذات مخلوقة
الذات مخصوصة للحق تعالى، والعالم هو فعل الربّ، والمخلوق بمعنى الظهور؛ أي أنّها أفعال الله وليس لها استقلال. ليست موجودات قائمة بذاتها، ولا معدومة أيضًا، بل هي ظهورات تتحقق في الخارج وذات واقع، وليست وهمًا. يجب الانتباه إلى أنَّ وجود الواقع ليس محصورًا في الكينونة الذاتية فقط، بل يمكن للظهور أن يكون له واقع؛ وهو الواقع الذي خلقه الله وأبدعه، بمعنى أنه أعطاه ظهورًا وتجليًا؛ ظهورًا هو شيء لكنه بلا ذات أو استقلال. لذلك، هذه الأشياء لا ذات لها ليجعل الله ذاتها الجوهرية موجودة بذاتها. وبما أنَّ هذه الأشياء بلا ذات، فهي ليست غير الله، ولا ينتج عن ذلك تعدد أو كثرة.
معنى الغيرية والتعدد
قلنا إن الله بظهوره ليس هو عين المخلوق ولا هو تعدد. والسؤال هنا: إذا لم يكن الخالق هو عين المخلوق، فكيف تكون الغيرية بين المخلوق والله؟ وبمعنى آخر، ما المراد بـ«غير»؟ هل «غير» تعني تمييزًا عرضيًّا أم طوليًّا؟ يفسر الكلاميون «غير» بمعنى عرضي، مثل التمييز بين زيد وعمرو، حيث لكلٍ منهما خصائص تختلف عن الآخر. من وجهة نظرهم، التمييز بين الخالق والمخلوق هو أن الله ذات بلا جزء ولا كل، ولا زمن ولا مكان، لا يدخل فيها شيء ولا يخرج منها، ولا علاقة له بالأشياء، لا قرب ولا بعد، لأن القرب والبعد والكل والجزء والمكان صفات للأشياء المتجزئة. لذا، لا يستطيع الكلاميون إثبات وجود المجردات، لأن المجرد لا جزء له ولا كل ولا قرب ولا بعد، وعندما يقولون إن المخلوق غير الله، يعني الله هو الموجود الذي بلا جزء ولا كل ولا زمان ولا مكان، وأن التجرد خاص بالله وحده ولا وجود لملَكٍ أو عقل مجرد في العالم.
أما «غير الله» فهو خلافه، شيء متجزئ وله زمان ومكان وقرب وبعد. في نظر الكلاميين، الله هو الموجود الذي ليس متجزئًا ولا له طول أو عرض، ولا محصور في العدم. جميع تعبيراتهم عن الله سلبية، لا تضيف أي مفهوم إيجابي، ولا ترسم صورة ذهنية واضحة.
وبصرف النظر عن خلطهم بين معنى «غير» و«خلاف»، يمكننا أن نقدم لهم موجودات تحمل صفات الله التي ذكروا، فلا مفرّ لهم من اعتبارها آلهتهم، مثل همزة الاستفهام والعدد، فكلاهما مجرد ومجزأ.
يجب الانتباه إلى أن همزة الاستفهام في الذهن ليست هي ذاتها الحقيقة، بل هي مجرد استخدام، والمراد من همزة الاستفهام الحقيقة التي سبقتنا، والتي نستخدمها بهذا الاسم. يمكن الاطلاع على نقاش المجردات في كتب الأصول والمنطق، حيث لكل قاعدة علمية مكان خاص يستخدم فيه، ولا يمكن إنكار وجود المجردات، وهذه المجردات تنقض نظر الكلاميين في معرفة الله.
يقولون إن الله غير هذا العالم، ولكن ماذا تعني «غير»؟ يقولون: الله غير كل شيء، لذا إلههم هو شيء غير مفهوم لا يمكن استيعابه إلا على أنه خلاف كل الموجودات، خالق بلا صفات كثيرة ولا يمكننا حتى بالتوصيفات السلبية البعدية أن نتصوره لنصدقه. فما هو إذاً هذا الذي هو غيرنا؟ هل هو شيء لا نعرفه؟ كل ما نعرفه هو من الأشياء المحيطة بنا. لأنهم يقولون إن الله غير كل المخلوقات، لا يبقى لنا شيء لنستخدمه في التعرف على الله إلا أن نقول إنه خالق الأشياء، ولكن من كلامهم لا نستفيد شيئًا في معنى «غير». من أدلتهم نفهم أن الله حقيقة تختلف عن المخلوقات.
يجب أن نعلم أن لـ«غير» في المعقولات معاني متعددة: أحدها عرضي لا يناسب هذا النقاش، والغيرية بين الله والمخلوقات طولية. زيد غير عمرو لكنه عينه، لأنهما من نفس النوع. أحيانًا نقول إن الله غير مخلوقاته بمعنى متباین، أي هناك تناقض بين الله والمخلوق. «غير» تأتي أيضًا بمعنى متخالف. لدينا أنواع من المتباین والمتخالف والمتماثل والعين، وقلنا إن الله ليس عين المخلوقات، فهو إما متباین أو متخالف أو متماثل، ولا يمكن إضافة حالة رابعة. المتعارض والمتضاد من أنواع المتباین. الكلاميون يفسرون «غير» بمعنى متباین، ولكن يجب عليهم الالتزام بأن الله موجود والمخلوقات معدومة، وأن الله عالم والمخلوقات بلا علم. ونظرًا لأنهم يربطون الغيرية بالعدم، فلا يستطيعون اختيار أحد هذه الخيارات الثلاثة، وبهذا يظلون بلا إله ولا معرفة بوجود الله، لأننا نعلم أن المخلوقات موجودة لكن لا نعلم هل الله موجود أم لا.
في نظرنا، علاقة الله بالمخلوقات ليست تباینًا ولا تخالفًا، ولا تماثلًا ولا عينًا، لأن هذه العلاقات بين كيانين مستقلين ومختلفين، ونحن لسنا متعدّدين مع الله، ولا نعني الغيرية بمعناها العرضي.
هذه العلاقات الأربع تكون بين وجودين متعددين، ويفترض أننا مع الله لسنا متعددين.
الكلاميون يستخدمون «غير» بمعناها العرضي ويواجهون محذورًا؛ العلاقة بين المخلوق والخالق ليست عينًا، ولا تخالفًا، ولا تباینًا، ولا تناقضًا، ولا تضادًا، لأن هذه العلاقات خاصة بوجودين متعددين ومستقلين.
إله الصوفية
لدينا خالق نعرفه كما قال تعالى: «قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» (سورة الإخلاص: 1-4). إلهنا لا يُعرف بالصفات السلبية فقط، بل له أوصاف إيجابية. سورة التوحيد هي بطاقة تعريف الله. نفهم الله ونقبله. قلنا سابقًا إن الله «الصمد» والمخلوقات ليست صمدًا. إلهنا هو «الله» والمخلوقات ليست «الله». نعرف الله بألف صفة، والدين بيّنها لنا. له ذات وهو ليس مخلوقًا، بل خالق فقط، أي ليس فعلًا غيره. هو أزلي وأبدي وأولي وآخر وظاهر وباطن. لا يجب إخراج الله من الوجود والذهن كما حدث في بعض المدارس. قولنا «الله غير مشابه للأشياء» لا يعني شيئًا، بينما نقول إن الله «الصمد» و«الكريم» و«الودود»، «الصمد» أي له ذات، والأشياء الأخرى جوفاء بلا ذات. يمكننا أن نرى الله ونعرفه بكل صفاته. نقول الله «رحمن»، فهل نحن كائنات نتمتع بمرتبة من الرحمة؟ نقول الله عالم ونحن أيضًا عالمون، الفرق في حقيقة العلم. الله «وجود» ونحن «ظهور» ذلك الوجود، الفرق في الحقيقة أن له ذات ونحن بلا ذات ولا استقلال. لم نقل إن الله لا يُفهم.
هذه المناقشات لها مصطلحات خاصة، ومن دون فهم المصطلحات لا فائدة منها. نحن موجودون والله موجود، والفرق في الوجود، وليس أن يكون هو موجود ونحن عدم. لا نقبل قول بعض الصوفية بأن هناك وجود واحد هو الله وكل ما سواه وهم وخيال. حتى نفهم هذه المسائل، يجب معرفة معنى التعدد المنطقي، وهو ما لا يعني وجود تعدد بيننا وبين الله. التعدد هو بين ذوات مستقلة ومتقابلة، ونحن مع الله ليس كذلك. التحدث عن التعدد يعيدنا إلى الشرك وتعدد الآلهة. نحن موجودون والله موجود، ونحن عالمون والله عالم، ونحن رحماء والله رحيم، ولكن الفرق في أن الله له صفاته من ذاته ونحن منها من الحق. لا غيرية بيننا. العلم هو انكشاف ونور، لدينا نور والله نور. العلم هو وجود، لا فرق بين علمنا وعلمه، والرحمن هو الرحمن، والرحيم هو الرحيم، لكن المحتوى مختلف، وهذا الفرق يمنع أن نكون عين الله أو غيره.
المشكلة الكبرى للكلاميين أنهم لا يعيرون اهتمامًا للمصطلحات ومعانيها العلمية ويتحدثون دون دقة في المعاني.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.