سِيرُ الفکر
(قدّس سرّه)
حضرة آية الله
المرجع: ، ، 1327 هـ ش –
العنوان والمؤلف: سير الفکر / .
بيانات النشر: إسلام شهر: ، الطبعة الثالثة: 1398 هـ ش.
الصفات الخارجية: 312 صفحة.
رقم الكتاب الدولي المعياري (شابك) للطبعة الثانية: 978-600-6435-
وضع الفهرسة: فيپا.
الموضوعات: القيادة (الإسلام)، الإسلام – العقائد، ولاية الفقيه.
تصنيف الكونغرس: 1393 9 س 76 ن / BP
تصنيف ديوي: 8/223
رقم الفهرس الوطني: 50071-85 م
الناشر:
الطبعة: الثانية سنة الطبع: 1398 هـ ش
عدد النسخ: 3000 السعر: 400000 ريال
العنوان: طهران – إسلام شهر – نسيم شهر – وجيه آباد
12 متري جواهر زاده – رقم 36
الرمز البريدي: 3769138575
هاتف مركز التوزيع: 025-32 90 15 78
الموقع الإلكتروني:
شابك: 978-600-6435-
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
حينما يتحرر الإنسان من كل شيء وكل أحد، ويتخلى عن عالم المادة المتقلب، أو ينفصل عنه بصورة ما، ويُسدل ستار النسيان على كل مظاهر جمال الدنيا، ينغمس في ذاته ويتأمل فيها، فتتلبّسه أفكار متنوّعة وخواطر كثيرة تشغله دوماً. هذه الأوهام كأنها آلاف العرائس المخادعات التي تحتضن الإنسان في كل لحظة، وتغويه بشفاهٍ جميلة ظاهرًا، فتجعله أسيرًا لأوهام الشهوات والهوى، وتلعب به بيسر. أحياناً يتحدثون عن الحقيقة، وأحياناً عن الخيال، وأحياناً عن الفناء، وأحياناً عن البقاء، فتتركه في حيرة وضياع.
يصبح أحيانًا واقعياً وأحيانًا خيالياً، وفي أحيان أخرى يُلقى في منزل الحيرة إلى النسيان. هذه الأفكار والأوهام لا تترك الإنسان في حالة واحدة ولا في حضن عشيقة واحدة – سواء كانت قبيحة أو جميلة، سيئة أو جيدة. في كل لحظة، كقارب مكسور في بحر آصف، تجذبه إلى دواماتٍ تغرقه في موجات الشك والإنكار، وأحياناً تُضحّيه لصالح ألعاب نظرةٍ عبثية.
فقط الإنسان هو الذي يجب أن يتحرر من كل هذه الأوهام والخيالات الشيطانية، ويسير في طريق حقائق الحياة والحقائق الإنسانية، ولا يتوقف لحظة في المسير حتى يصل إلى مبتغاه، ويعتبر الأفكار الخيالية والأوهام المثالّية عدوه، ويستنجد بالعقل، هذا المبشر والمنذر الإلهي، الصوت الغيبي والرسل الرباني، ليقوده كقبطان خبير عبر بحر العواصف المتلاطمة، فيصله بقوة الروح وطمأنينة القلب إلى شاطئ المبتغى وملاذ الراحة الأبدية.
الأفكار والخواطر
مع كثرة التأمل والتفكير، يحدث أحياناً أن يقول الإنسان مع نفسه: هل توجد حقيقة حقاً؟ هل للحق وجود؟ هل معتقدات المؤمنين ليست سوى أوهام وخيالات؟ ربما هي مجرد تخيلات الفلاسفة أو نسج الشعراء؟ لا أحد يعلم بالحق ولا توجد علامة على الحقيقة ولا واقع. لأن لا أحد رآها أو جربها، ولا التجربة لها مكان فيها.
في المقابل، قد يفكر الإنسان عكس ذلك ويقول: العالم واقع ظاهر، والحق أساس كل حقيقة. كل عالم الإنسان محاط بالواقع والحقيقة؛ النار نار حقاً، والماء ماء، والنهار نهار، والليل ليل، وكل ما نقوله ونراه واقع محاط بالحق، ولا ذرة في الوجود خارج دائرة الحقيقة.
الفكر المادي
هل هذه الحقائق والواقع كلّها في وجود المادة فقط؟ هل هناك شيء أو أحد خارج المادة؟ كل شيء هو ما هو؛ أنا ونحن والآخرون، والعالم هو الحقيقة والحقيقة هي المادة. الوجود ليس إلا مادة، وكل ما هو خارج المادة خيال لا وجود له. كل ما يمسه الإنسان أو يلمسه هو حق، والباقي باطل. ما هو في متناول يد الإنسان وكل صباح ومساء يتصل به هو المادة فقط، وكل ما هو خارجها مجرد قصص شعرية وخيال. الوجود يبدأ وينتهي بالمادة، وكل ما خارج المادة باطل ويجب تسجيله في سجل القصص الخيالية وشطبه.
الفكر الحقّاني
يجب رؤية عالم الحقائق كسلسلة متشابكة من الحقائق، وأن نرى العالم النهر المتدفق من بحر لا نهاية له من الحقيقة. يجب أن يُنظر إلى عالم الحقائق كجزء صغير محدود من حقيقة لا حدود لها وخارج الزمان والمكان. هذه النبتة الصغيرة الجميلة للحياة برعاية بستاني حكيم وقوي. هذه الجمال من جمال محبوب عزيز، واللطف والصفاء فيه من لطف وصفاء محبوب آخر. ما هو هذا المحبوب ومن هو مسألة أخرى، والإنسان بعقله المحدود عاجز عن التعبير، رغم أنه حاضر دائماً.
المدرسة والمنهج
آه من فكري، ويا من تأملي الذي يجعلني لعبة، أسير، محتجز، وأجبر على التفكير دون انقطاع. يغرّقني في الحقائق ثم يخرجني كمن هو قوي وشجاع. كلما صرخت “أتركني!” لا يفعل، ولا يتركني للحظة ولا يعطيني فرصة.
ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟ أي طريق أسلك؟ هل أنكر الحقائق وأنسى الحقيقة؟ أم أقبلها وأنكر الحقيقة؟ أم أسعى وراء الاثنين معاً وأوقظ فكري النائم؟ للأسف، أنا حائر في الحق أيضاً. هل هو صغير كذهب أتتبعه؟ أم كبير لا نهائي، كبير الحقائق وحقيقة رقيقة؟ هل أقبل الحق أو أنكره؟ هل أمدح الباطل أو أتركه؟ هل يجب علي اختيار أحدهما؟ كيف يغويني الباطل، وكيف يبهرني الحق؟
هذا خلاصة أفكار كل مفكر واعٍ لا يخضع للتقليد أو الخداع، في بداية رحلة الفكر، التي تشغل كل لحظة من اليوم وتعرّفه على الفكر، ثم يجد بين كل هذه التخيلات المتضاربة دعمًا بأشكال مختلفة؛ حق أم باطل. عندها لا يهم الإنسان ما إذا كان ما وجده حقاً أم لا. كثير من المفكرين يتحررون من الأفكار المختلفة، وهذا أيضاً حق في عالم الباطل.
مأساة الإنسان هنا، وحيرته، هي أن هذا الاختيار يُسمّى مدرسة، وأن للحق أو الباطل أتباعاً يستمرون في مسيرتهم عبر التاريخ، سواء صواب أو خطأ.
محتوى الكتاب
يتناول هذا الكتاب دراسة مفصلة للأفكار المذكورة، ويقيّم صحة أو بطلان كل قول، ويحاول نقد وتحليل أفكار كل إنسان يتأمل في أصله، وعالمه، وآخرته. بناء عليه، نظم الكتاب في عشرة أجزاء:
الجزء الأول يتحدث عن الحقيقة والواقع، وينقد أفكار السوفسطائيين، ثم يناقش مدارس الإيديالية والمنطق والواقعية والتجريبية والمادية، ويمهد لشرح بديهيات وجود الله.
الجزء الثاني يتناول توحيد الله ومراتب التوحيد من التوحيد العام إلى التوحيد الصوفي، ويطرح التوحيد الجمعي الخاص بهذا الكتاب.
الجزء الثالث يتحدث عن إمكان المعرفة والعلوم بالواقع وكيفية ذلك.
الجزء الرابع يناقش المعرفة بالقيادة وينتقد الديمقراطية الحالية.
الجزء الخامس يخص القيادة في الإسلام والسياسة والحكم الإسلامي، ويبين صفات وشروط قيادة العالم الإسلامي.
الجزء السادس يستعرض مراحل القيادة الخمس من آدم عليه السلام إلى القيامة.
الجزء السابع يقدم القادة الحقيقيين وأصحاب الشرعية في كل مرحلة.
الجزء الثامن يشرح النيابة العامة وولاية الفقيه وفلسفة التقليد وشبهاتها.
الجزء التاسع يعرض تعليمات الإسلام بشكل عام، ويناقش مصادر الاستنباط وحجيتها.
الجزء العاشر يناقش المعاد والقيامة الكبرى بشكل عام.
الحمد لله
المدارس الفكرية الإنسانية وأُسسها
يمكن حصر المدارس الفكرية الإنسانية في ثلاث مدارس رئيسية، وكل المدارس الأخرى مهما كثرت تعود إليها:
الأولى: السوفسطائيون أو المنكرون للوجود؛
الثانية: الماديون؛
الثالثة: الإلهيون أو أصحاب الفكر الديني والروحي.
لتوضيح ذلك وبيان سبب حصر المدارس في الثلاثة، لا بد من دراسة أسس المدارس الإنسانية.
لأن كل مدرسة تقوم على مجموعة من الأفكار والآراء، يجب دراسة هذه المجموعة أولاً، سواء كانت منسقة ومنظمة أم لا، سواء أثرت مباشرة في المدارس أم لا. والمدارس ليست فقط مجموعة من الأفكار بل تشمل الآثار العلمية والعملية لتلك الأفكار في الفرد أو الجماعات في سلوكياتهم وأقوالهم وسماتهم التي ترسم البنية المدرسية.
دراسة هذه الأسس تعني البحث في العلاقات بين الأفكار والمعتقدات الأساسية مع الطباع والسلوكيات الأساسية للمؤيدين والقادة. المهم متابعة العمليات التي تحكم كل هذه الذهنيات والطباع والسلوكيات، والتي تشكل البنية المدرسية.
فيما يخص ذهنية الإنسان، يمكن تصور صور متعددة ومتنوعة، لكن أهمها يُطرح هنا. وقد تم الأخذ بعين الاعتبار ترتيب وأهمية كل نوع ومستوى من الأفكار، مع مراعاة التلخيص، رغم اختلاف الوضع عند التعامل مع الواقع والحقيقة.
النموذج الأول
الذهنية الملوثة التي تذهب إلى البعض هي أنه لا وجود لواقع، لا خارجي سواء مادي أو مجرد، ولا خيالي أو وهمي، وحتى هذا القول نفسه لا وجود له وهو باطل. لأنه في الجوهر ينفي وجود الواقع وينكر حتى الواقع ذاته، مما يعني عدم إمكانية التعبير، وإن كان التعبير فقط من أجل النفي وليس الإثبات.
لذا، لا ينبغي اعتقاد أن هذا القول متناقض أو ينقض نفسه، لأنه نفي فقط، وبما أن لا واقع فلا إثبات، أو بكلمات أخرى، نفي الواقع يعني غياب الواقع، ولا يتطلب إثبات أمر ما.
قد يُثار اعتراض بأن التعبير عن شيء ما يفترض وجود ذلك الشيء، وأن “التعبير عن عدم الواقع” يفترض وجود موضوع “عدم الواقع”، وعدم الواقع لا يمكن تصوره بدون وجود واقع، وبالتالي فإن التعبير عن عدم الواقع يستلزم إثبات وجود واقع، ويمكن أن يفهم بعدة وجوه:
أ- “التعبير عن عدم الواقع” بمعنى أن “عدم الواقع” حقيقة قائمة، مما يجعل عدم الواقع يساوي الواقع، وهذا إنكاره إثبات، وينقض ادعاءه.
ب- “عدم الواقع” يعني النفي والعدم، بمعنى أنه لا وجود لشيء، وبالتالي لا يمكن التعبير عن وجود خارجي له، لذا جملة “لا وجود للواقع” تعبير مفهومي فقط، ولا تحوي ادعاءً ليحكم عليه.
ج- “التعبير” هو أمر وجودي، و”عدم الواقع” كما يشير اسمه سلبي، ومن هنا يظهر تناقض واضح، وإن لم يرجع التعبير للذهنية فلا تعبير حقيقي، وبما أن كل هذه التأويلات خاطئة، فالادعاء “لا وجود للواقع” خاطئ، ويكون نقيضه هو إثبات الواقع.
دفاع عن السوفسطائي
ما يمكن قوله في هذا الجدال هو قاعدة الفرعية، وهي قاعدة عقلية، ومضمونها أن التعبير عن أي موضوع يفترض وجود ذلك الموضوع. في هذا الكلام لا يوجد خلاف على هذه القاعدة، لكن يجب معرفة مجال تطبيقها.
هذه القاعدة تستخدم فقط إذا كان الموضوع موجوداً، وكان المحمول شيئاً غير الموضوع، والعلاقة بينهما قائمة، أما في حالات التعبير عن وجود أو عدم وجود الموضوع نفسه، فلا يوجد محمول، وبالتالي لا علاقة أو حمل، لأنه يعتمد على الموضوع ذاته غير الموجود هنا، إذن في هذه الحالات الجملة تعبر عن الموضوع فقط، سواء كان في العالم الخارجي أو في الذهن، موجوداً أو لا.
لذلك، في الجملة “لا وجود للواقع أو وجوده” لا محمول ولا علاقة، بل مجرد تعبير عن الموضوع فقط.
على هذا الأساس، لا مجال لقاعدة التبعية في الجملة المذكورة، وليس الأمر حملًا لتدخل هذه القاعدة فيها، ونتيجة لذلك، ليس هناك دلالة على عدم واقع التبعية على الوجود والخارجية لـ«عدم الواقعية» حتى يُقال: إن مقتضاه وجود الواقعية، وبالتالي كما بيّنّا فإن الدلالة على عدم الواقعية لا تستلزم تحقق أي أمر.
أما في شأن الثلاثة تفسيرات لعدم الواقعية، فينبغي القول في التفسير الأول: لا وجود لعدم واقعية لتكون نقيضًا للواقعية، بل إن عدم الذات هو وحده نقيض الواقعية إذا وُجدت الواقعية. بالإضافة إلى ذلك، وحدة معنى النقيضين أمر بديهي الخطأ وغير متوافق مع أي منطق، إذ إن جملة «لا توجد واقعية» واضحة ولا تحتاج إلى أي تأويل أو تفسير أو نقيض أو ضد، وكما مرَّ، ليست هناك مسألة تستلزم وجود شيء ما.
أما بالنسبة للتفسير الثاني، فيمكن القول: كما ذُكر، فإن جملة «لا توجد واقعية» لا تمتلك أي واقعية كي تحتوي على دلالة أو معنى، بل هي مجرد وسيلة وطريقة لجذب الانتباه إلى ما يُدعى.
وفيما يخص التفسير الثالث، ينبغي القول: كيف يستلزم الدلالة على العدم تناقضًا، كما ورد في الفقرة (ب)؟ فالجملة «لا توجد واقعية» لا تحوي على أي دلالة أو معنى لتتناقض مع العدم، وهذا أيضًا أحد تطبيقات المبدأ المذكور؛ إذ بدون إثبات مبدأ الواقعية يصبح إثبات تعدد المصاديق وتكاثرها مستحيلًا أصلًا، ولذلك ما قيل في مجال إنكار المنكرين للواقعية ليس ردًّا عليهم، وكل ذلك قابل للدفاع بطريقة ما.
النقد والتحليل لهذه النظرية
الرد الوحيد الذي يمكن تقديمه لأصحاب مثل هذا الاعتقاد هو الصمت، فلا يبقى كلام يقال، إذ إن التعبير بأي كلام منهم يعد إثباتًا لنوع من الواقعية التي ينكرونها، لذا من الأفضل الاقتصار على اعتقادهم؛ وإن شرط مثل هذا الاعتقاد هو أن يكون صاحبه غافلًا عنه، لأن في غير ذلك، ومع إنكاره له، يثبت نوعًا من الواقعية. ولا ينبغي لمن يعتنق هذا الاعتقاد أن ينتبه إلى واقعيته. يجب أن يقود تحقيق هذا الاعتقاد في ذهنه قسرًا إلى الصمت والسكون وتعطيل كل الحواس الظاهرة والباطنة، والامتناع عن الحياة الطبيعية.
من لا يقبل وجود أي واقعية، لتصديق مثل هذا الاعتقاد الصحيح والحقيقي، يجب أن يستلقي متجهًا نحو القبلة، لا يتنفس، ويموت، ولا ينوي الحياة أو الموت أو العدم، بل يبقى على هذا الحال حتى لا يبقى.
مثل هذا الاعتقاد بعيد عن الحقيقة، وحتى بعيد عن التصور، إذ «من رأى أسدًا بلا مخالب ولا ذيل ولا دموع؟»، وإذا كان توهمًا يمكن تصوره، فلا يمكن وقوعه، ناهيك عن تحقق خارجي، لأن في الواقع، من هو موجود ويتحرك ويأكل ويشرب ويتكلم ويسمع ويريد وينوي، قد قبل الواقع وأعلنه بطريقة أو بأخرى.
والأمر الذي لا يمتلك واقعية هو وجود هذا السفسطائي الحقيقي، الذي ليس سوى أمر ذهني وافتراضي، بل في بحثنا هو فقط فرضية لفحص والولوج إلى أفكار أخرى.
النظرية الثانية
العقلية الثانية المطروحة هي احتمال عدم وجود واقعية، وأن كل ما يُرى أو يُدرك هو خيال وأوهام صنعها الإنسان بنفسه، وهذا الاعتقاد بعدم وجود واقعية هو اعتقاد موجود لكنه ليس واقعيًا.
قد لا يكون كل ما قبلناه كواقع أو حقيقة واقعيًا، ولا يوجد شيء خارجي خارج هذه الأوهام، بل كل ما هو موجود هو مجرد اعتقادنا، دون أن ينفصل النظام القائم بين الأشياء، أو ما يسمى «الواقعية الوهمية»، أو تفقد خصائصها وآثارها، ودون إنكار الحقيقة أو الواقعية حتى هذه الواقعيات الوهمية ومراتبها.
الماء يروي العطش والنار تحرق، وكل ذلك مجرد اعتقاد، ولا شيء منها خارج وعينا وذهننا. هذا الاعتقاد هو أيضًا من «الواقعيات الوهمية» أو الأوهام الذهنية، وبذلك ليس لدينا سوى أوهام وخيال، ولا شك أن كل ذلك صحيح وموجود، والنظام والعلاقات بينها قائمة، ولكل شيء خصائصه، لكن كل ذلك في نطاق خيال الإنسان، ولا يوجد خطأ في هذا، كما لا توجد واقعية خارج الخيال.
وجود هذا الاعتقاد لا يمكن إنكاره، وكل ما هو موجود هو من صنع الأوهام ونتاجها، ولكن لا يقبل وجود واقعية خارج هذا الاعتقاد، وحتى وجودنا مبني على هذا الاعتقاد، وبدون إنكار وجوده ونظامه الدقيق يجب أن نقول إن هذا الوجود بهذا البناء بكل تعقيداته ونظامه هو من صنع اعتقاد واحد هو الواقعية الوحيدة، وليس هناك واقعية غيره، لأن وجودنا الخارجي هو فقط اعتقادنا، وعلاقتنا بالخارج ليست أكثر من اعتقاد.
نقد النظرية الثانية
واضح أن مثل هذا الاعتقاد نتيجة إغفال لواقع عظيم يُسمى الذات أو «الأنا». صاحب هذا الاعتقاد غارق في أوهامه، وغافل عن واقعيات خارج ذاته. الذات أو الأنا وهم، يحتاج إلى خيال يربّيه، ومع قليل من الانتباه للحقيقة يُزول هذا الإنكار والاعتقاد، لأن قولنا «لا وجود لواقعية سوى الاعتقاد» هو تناقض، إذ أن هذا الحكم رغم كونه نفيًا كليًا، هو إثبات أيضًا، وهذا ليس حقيقة، وهذه حقيقة بذاتها، وهما متناقضان، لذلك مجرد القول بوجود اعتقاد وبأن كل حقائق الوجود وعلاقاته صحيحة كاعتقاد هو قبول لواقعية الاعتقاد، وقبول مثل هذا الأمر قبول للحقيقة.
النظرية الثالثة
فيما يتعلق بإنكار الواقعية يمكن القول: لا توجد واقعية سوى «الأنا» وشؤونه، ولا وجود خارجي سوى الأنا. الإنسان لا يجد إلا ذاته، وله وصول لموقعه، لكنه لا يملك أداة للوصول إلى وجود غيره.
نقد النظرية الثالثة
هذا غير معقول وليس منطقيًا، إذ يجعل الإنسان في هذه العقلية كائنًا معلقًا بلا زمان أو مكان أو ظروف، ويرا كل ما يُرى في عالم الإحساس ذاته وينكر كل الخارج، وهذا مخالف لحكم العقل، لأنه لو كان الأمر كذلك، يجب على الإنسان أن يعيش في ذاته، لا في العالم الخارجي. علاوة على ذلك، لا يوجد دليل ينفي العالم ويحصّر الواقعية في الإنسان أو اعتقاده، فبقبول وجود الإنسان يتأكد وجود المخلوقات الأخرى، لأن في جوهر الواقعية لا فرق بين «الأنا» والآخرين.
النظرية الرابعة
في هذا الرأي يُقبل ويُثبت جزء من الواقعية وهو المادة والماديات فقط، ولا وجود لغيرها. هذه العقلية لا تتعارض مع عالم الإنسان، بل لا تعتبره إلا مادة وماديات، وتضع الوجود كله في هيئة كيان يسمى المادة، وسيُذكر ذلك مستقبلًا.
النظرية الخامسة
من هذا المنظور، الواقعية والحقيقة ليست محصورة بالمادة والماديات فقط، بل الوجود أوسع ويشمل المجردات والحقائق المعنوية أيضًا.
توجد هذه العقلية بين كثير من الناس، ولكن ليس كلهم بالضرورة متدينون أو يؤمنون بدين أو إله، بل كثير منهم لا يقبلون مذهبًا أو إلهًا أو دينًا، ومع ذلك لديهم هذا الاعتقاد. تفاصيل هذه المناقشة واختلاف العقائد كثيرة جدًا بحيث لا يمكن التطرق إليها هنا، وسنشير إلى بعض فئاتها وخصائصها في المناقشات القادمة.
النظرية السادسة
هذا الرأي الذي له كثير من المؤيدين يرى أن الحقيقة ليست سوى الحق، والحق حاضر في كل عوالم الوجود، وكل عوالم الوجود ليست إلا تجلّياً له، لا وجود لحقيقة غير الحق، وكل واقعيات العوالم في ضوئه وصلت إلى ما هي عليه، فلا وجود لواقعيات من دون وجود الحق.
هنا قد يواجه الإنسان أفكارًا وعقليات متنوعة، لكن هل يمكن تسمية كل ذلك تفكيرًا؟ من المؤكد أن ما ذكر هو جزء ضئيل فقط من انقسامات كثيرة لا حاجة لذكرها هنا ولا فائدة منها في النقاش الحاضر.
المهم هو أن يتضح أي الأفكار والمعتقدات الرئيسية التي تؤثر مباشرة وفعليًا على حياة الإنسان وقراراته، وأي العقلية تؤثر على نظرته وأسلوب حياته وعلاقته بالعالم والوجود. وما يهم هو التمييز بين هذه الحالات.
مسألة أخرى هي من أي المدارس نشأت هذه الأفكار أو مع أي المدارس الموجودة في المجتمعات البشرية في الماضي أو الحاضر يمكن مقارنتها أو مطابقتها.
من الضروري بشكل مختصر عرض بعض المدارس المؤثرة ليصبح النقاش أوضح.
اختلاف المدارس البشرية
مع اختلاف وتعدد العقلانيات والأفكار، وتوفر بيئات كثيرة لتشكل مدارس مختلفة، إلا أنه ليس كل عقلانية أو فكرة أو بعض الاعتقادات شكلوا مدرسة أو لديهم مدارس اليوم، فلا توجد مدرسة اسمها الاعتقاد بالوهمية أو «الخيال الإنكاري». ولا يوجد من يتبع عمليًا مثل هذه المدرسة أو يلتزم بها، لأنه عمليًا لا يمكن إنكار الذات أو «ما وراء الذات». من ينكر وجود الغير الواقعي لا يمكنه أن يكون في مجتمع، أو يعيش في كهف، ولا يمكنه الأكل أو الشرب أو العيش، لأن كل ذلك يعتمد على قبول واستخدام واقعيات تتجاوز «أنا وذاتي» ولا يمكن الاستفادة منها دون قبول وجودها الخارجي، وهذا ليس معقولًا بل سخيفًا.
لذلك، كان للسفسطائيين أو الإنكاريين أتباع في اليونان القديمة فقط، وهم الذين نظروا فقط لمثل هذا الاعتقاد ولم يلتزموا به عمليًا، رغم أن هذه المدرسة مرتبطة بالعقلانية الأولى التي ذكرناها هنا، وهي ليست إلا عقلانية وكلامية، ومجموعة فقط ادعت ذلك، لأن الإنكار المطلق يستلزم إنكار العقل والادعاء، والادعاء لهذا الأمر يستلزم الصمت والسكون والتوقف عن الحياة، ولم نر مثل هؤلاء في الواقع.
لذلك، مثل هذا الادعاء مطلقًا وفعليًا لم يكن موجودًا إلا تنزلاً وبشكل مخفف وأقل وضوحًا، والتنزيل هو الاعتقاد بالوهمية والخيال للواقع، الذي به يجتمع كل شيء ويكون له واقع، لكنه في إطار خيال، وكأن عالم الوجود وهمي فقط.
هذا الاعتقاد من جهة يشبه فكر الشكاكين، ومن جهة أخرى يشبه أقوال بعض الصوفية أو دعاة التصوف، والذين على أساسه نشأت مدارس مهمة.
ضرورة دراسة المدارس
مع أن الحق واضح، والطريق إليه مفتوح، وبقلب وعقل صافيين يمكن إيجاد الحق، إلا أن ذهن الإنسان وقلبه فيهما كثير من المعوقات، والحق معقول ودقيق ولطيف، وأفكار الإنسان معقدة ولا يمكن الوصول إليها دون بحث وتدقيق وتحليل واستدلال، رغم أن استدلالاتنا ناقصة وضعيفة ولا تصل إلى الحقيقة، إلا أن من دون استدلال يكون الإنسان أعمى وعاجز عن الوصول، والاستدلال دليل ومرشد، وليس ناقلًا للحقيقة، لكنه فاتح الطريق ومضيء له.
لذا، من دون معرفة المذاهب الفكرية والمدارس البشرية، فإن الادعاء بامتلاك الحقيقة والحق أمر بعيد عن الإنصاف وغير معقول. فالحقيقة هي ثمرة مخفية في قلب آلاف آلاف الأشواك والغبار والتراب، ولا تُعطى لأي أحد بدون جهد، وجرح، وتحمل الألم؛ فقط الفلاح الماهر يستطيع بحكمة وصبر وتأنٍّ أن يجمع السنابل واحدة تلو الأخرى، ويكدّ في مراحل عديدة ليكوّن كومة من المحصول. لذلك، فإن عروس الحقيقة لا تظهر دفعة واحدة لتُحضن، ولا تُنال بدون تمني لتقع في يد أي شخص غير مؤهل.
الوصول إلى الحقيقة تدريجي ويتطلب صبرًا دقيقًا، فهي رقيقة جدًا بحيث لا يسمع صوتها كل من يسمع، ولا يراها كل من يرى؛ بل يلزم التمييز بين الكلمات وفهم الدقائق لنخرج من بين آلاف الباطل الحق.
وبهذا البيان، لا يبقى أدنى شك في ضرورة دراسة المذاهب الفكرية البشرية، ومراجعة الفئات الأساسية والمؤثرة، والمذاهب التي تمثل جذور المذاهب وقواعد التيارات الأخرى، والتي ترسم وتصور الطرق الذهنية للإنسان عبر القرون المتتالية. وهنا يُطبق بحسب المكانة بعض المذاهب الإنسانية الرئيسية بأسلوب الفكر والأفكار المناسبة لها، وتحت ذلك يُحلل، ويُناقش، ويُنتقد أسلوب التفكير والاعتقاد الخاص بكل منها.
التطبيق والمقارنة
1 ـ إنكار الواقع مطلقًا
لا بد من معرفة أن السفسطائي الحقيقي، كما ذُكر، لا يمكن أن يكون له وجود خارجي، ولكن السفسطائية كنوع من السفسطة، أو هروب من الواقع، موجودة. وهذا قد يكون أصل العديد من اللامعتقدات، واللامبالاة، والعدمية، وراحة النفس، وسواها من الفساد الفردي والاجتماعي. ومن الواضح أن هذا الاعتقاد (الذي هو في الواقع مجرد وهم) قد شل كثيرين، ورغم أننا لا نملك سفسطائيًا حقيقيًا، إلا أن السفسطائية هي جذر الكثير من المشكلات.**
لذا يجب علينا أن نعرف السفسطائية ونفرقها عن الاعتقاد الوهمي الذي لا يقبل إلا الخيال، ويُطلق عليه “الوهمانية”. هذه الفروقات ليست مجرد لعب بالكلمات، بل هي رموز يمكن بها تصنيف مجموعات كثيرة من الفئات الفكرية والاجتماعية، ويساعد كل شخص على التعرف على أفكاره الشخصية والجماعية وتصنيفها، لأنها أساس مهم لحساب الذات وتحديد موقع الفرد في “مسار الفكر”، كما أن بدون ذلك لا يمكن لأي ميل ثابت أو راسخ لمذهب أو مدرسة أن يستمر.**
وبالطبع، لا يريد أي إنسان عاقل أن يكون عبئًا على أي جهة، أو أن يُجذب يوميًا في اتجاه مختلف، أو أن يختار شيئًا بدون سبب أو عن جهل، أو أن يتبع شخصًا أو مجموعة أو مذهبًا بلا وعي، وإن حصل ذلك فبسبب عوامل كثيرة تؤدي إلى ذلك إجبارًا.**
إنكار وجود الواقع عند السفسطائيين
هم يحافظون على أنفسهم من كل معاناة، ويرتاحون بخطاب قصير قاسٍ يدّعون فيه أنهم لا يعلمون شيئًا عن الوجود، وأن الوجود عندهم مجرد مزحة أو لعبة أطفال. ويستدلون على ذلك باختلاف آراء العلماء في أغلب القضايا العلمية، إذ يقيم كل منهم أدلة قوية تناقض الآخر، حيث يقبلون كلامًا يومًا ويرفضونه في اليوم التالي، فتتغير آراؤهم باستمرار. ويقولون إن الحقيقة والواقع هما مجرد كلمات جميلة اخترعها المتخيلون ليطمئنوا بها أنفسهم والآخرين.**
الرد على السفسطائي: الصمت
كما ذُكر، لا نحاور هؤلاء لأنهم بحسب قولهم خارج الوجود وفي العدم، لا يمكن الوصول إليهم، فهم فعليًا خارج الدنيا وخارج الوجود، مهما كان كلامنا متقنًا فلن يصل إليهم. نحن نحاور من هم في قلب الواقع وفي داخل الوجود، الذين يختلطون بالحقائق ولا يجهلون كيف هو الوجود.**
والصمت تجاههم لا يعني ضعفنا في إقامة الدليل، بل هو بسبب قصر نظرهم وابتعادهم عن مرتبة الفكر، ومن ابتعد عن الفكر والدليل لا يُتوقع منه قبول حججنا، كما لا يُتوقع من الأصم أو الأعمى أن يسمع أو يرى. هذه الفئة لا تدركنا لتستفيد من كنز الوجود، وإلا فكل ذرة في الوجود تشهد على وجودها بنفسها، وتصرخ بحالها، حتى إن الوجود المادي لكل ذرة يضحك على قصر فكرهم. وهم رغم غرقهم في الوجود والواقع، يهربون من وجودهم المادي، غافلين عن أن الهروب منه مستحيل حتى للحظة واحدة.**
لذلك لا يمكن اعتبارهم أصحاب مدرسة علمية أو فلسفية أو حتى فكرية، والرد المناسب عليهم هو الصمت الذي هو برضه في منطقهم رد، وإن لم يكن لديهم فرق بين الرد واللارد.**
2 ـ إنكار الواقع وأصالة الإنسان
سبق أن ذكرنا أن بعضهم ينكرون الواقع الخارجي، ويرون كلام الناس مجرد أوهام وأحلام أو تصورات فلسفية وشعرية. يمكن تصور هذا الفكر بطريقتين:
- الأولى: اعتبار الواقع محصورًا في الخيال فقط، ورفض وجود واقع خارج عالم الخيال. وهذه مجرد ادعاء، فهي تغفل أن قبول عالم الخيال يثبت بالضرورة وجود صاحب الخيال والنفس الإنسانية.
- الثانية: اعتراف بوجود النفس أو “الذات” كواقع ثابت، وأن هناك واقعًا ثابتًا للإنسان، ويتبنون فكرًا أوسع.
الفارق بين الفئتين في مدى الاعتقاد ومدى نطاق الفكر، إذ الأول يقبل فقط عالم الخيال، أما الثاني فيقبل أن الإنسان بمراتب وجوده أوسع من الخيال، وأن قبول حقيقة الإنسان بكل أوجهه يستلزم قبول حقائق وواقعيات أخرى، وأن إنكار الواقع الخارجي يتعارض مع هذا.**
3 ـ قبول الواقع المادي وإنكار الحقائق المعنوية
لسنا في حرب مع الحقيقة، ولا نهرب منها، بل نشتهي لقاء ذاتنا وكل ما له وجود، ولو كان ضعيفًا، لكن بحثنا لم يجد شيئًا خارج المادة لنقبله أو نثبته.**
لا خلاف حول وجود المادة، وهي التي نراها بأعيننا ونلمسها بأيدينا، حتى من يعاني ضعفًا ذهنيًا يستطيع إدراك وجودنا ووجود المادة.**
أين تقع آخر مراحل الكمال العلمي لكل مفكر واعٍ وكل من يرغب في أن يكون له فكر علمي ويبتعد عن أوهام المعجزين والمتكلمين بالغيب؟
كل من يرغب في الحصول على نصيب من الحقائق يجب أن يستعين بمختبر العلوم التجريبية، إذ لا يجوز للإنسان في هذه الحياة القصيرة أن يتبع أوهام الذهن ويغذي نفسه بأوهام الخيال.
وللوصول إلى مراتب عليا من الكمالات ومستوى الحياة الحقيقي، لا سبيل إلا بالانشغال بالحقائق الحياتية المبنية على التجربة والاختبار.
بعد هذه المقدمة المختصرة في الفكر المادي، من الضروري تناول العلاقة بين المادة والطبيعة، وبين المادة والعالم المثال، وبين المادة والوجودات المجردة والعوالم الروحية والعقلية من وجهة نظر الفلاسفة الإلهيين بصورة موجزة، لنحصل على بيان إجمالي لجميع المعتقدات الإنسانية.
المادة والطبيعة
المادية ليست هي نفسها الطبيعوية فلسفيًا، وإن كان بينهما علاقة وثيقة، لأن المادة هي أصل الطبيعة، والطبيعة هي العالم المادي. يمكن تقسيم الوجود منطقيًا إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول هو العالم المستقل عن المادة وغير المحتاج إليها، كالعالم الروحي والمجردات، والقسم الثاني هو عالم المادة والماديات، وهو ما يسمى بالطبيعة.
ومع ذلك، استقلال العالم الروحي والمجردات عن المادة لا يعني انفصالهم التام، بل هناك ارتباط وثيق بينهما، وهذه إحدى القضايا الفلسفية التي تواجه أغلب الفلاسفة صعوبة في تفسيرها. وما هو مؤكد وجود وسيط بين هذين القسمين، وهو ما أطلق عليه كثير من الفلاسفة “عالم المثال”، مع أن بعض الفلاسفة المشائيين ينكرون وجود هذا العالم.
عالم الطبيعة أو ناسوت يتضمن الماديات، وأصلها المادة أو “الطبيعة الكلية” التي تحققها مساوي لتحقيق مصاديقها.
فعلى سبيل المثال، طبيعة الماء ليست إلا الماء الموجود في الطبيعة والمستهلك، و”الطبيعة الكلية” هي الطبيعة العامة التي تشمل الطبيعة الجزئية، فطبيعة الماء الكلية ليست سوى الماء الطبيعي الموجود في العالم. مع ذلك، الطبيعة الكلية ليست مساوية لأي من المصاديق الجزئية، بل هي تساويها، بمعنى أن الماء في كأس معين هو مصداق للطبيعة الكلية للماء لكنه ليس الكل، لأن الكل هو كمية الماء التي قد تختلف.
وبالمثل، كل العناصر الطبيعية التي تعتبر أجزاءً بسيطة وأولية من التركيبات المادية، والتي كثيرة العدد، كلها “مادة”.
لذا، الشيء المؤكد في عالم الطبيعة والذي يشكل أساس هذا العالم هو المادة بكل خصائصها الفيزيائية والكيميائية التي تختلف بين أنواعها، بحيث كل نوع له خصائص خاصة لا تدخل في الخصائص العامة للمادة.
بناءً عليه، الطبيعة ليست سوى تمظهر موسع ومتعدد للمادة الأولى، لكنها ليست مساوية لها؛ إذ الطبيعة هي مجموع التركيبات المادية التي تلازمها المادة بصور مختلفة، والمادة تظهر في صور متعددة ومتنوعة دون أن تفقد حقيقتها بسبب عدم التناهية واللامحدودية.
هذا التفسير يتطلب دراسة النظريات الفلسفية المتعلقة، وهو خارج نطاق هذا العرض، لكن النتيجة أن المادة والطبيعة يختلفان في المفهوم والمصداق، فالمادة بلا صورة لا تحديد لها، بينما الطبيعة محددة ذاتياً ولها زمان ومكان وظروف خاصة، رغم عدم التناهية.
وبالتالي، كل من المادة والطبيعة لا نهاية لهما، لكن المادة غير محددة، والطبيعة محددة، وعلاقتهما علاقة كل وجزء، فالمادة جزء من الطبيعة لكنها الجزء الأساسي والحاضر في كل أجزائها، والجزء الآخر هو الصورة، والمراد بالتركيب هنا ليس التركيب الفيزيائي أو الكيميائي فقط، بل التركيب الفلسفي الذي لا يتحقق فيه وجود أي من الأجزاء بمعزل عن الآخر، إلا في العوالم غير المادية التي توجد فيها الصور النوعية وحقائق المواد والكيانات بدون مادة مادية.
الطبيعة إذًا هي نزول للعالم الأعلى إلى المادة بالصورة والتجسد، فتركيب المادة المنخفضة والصورة الأولى هو الطبيعة البسيطة التي تتخذ صورًا متعددة.
الأمر المهم هنا أن الميل إلى المادة يختلف عن الميل إلى الطبيعة، فالماديون الذين ينكرون كل واقع غير مادي يرون المادة أصل الطبيعة وسبب نشأتها، سواء كانوا طبيعيين أو لا، لأن الطبيعية تعني الميل إلى الطبيعة والانسجام معها. قد يكون الإنسان طبيعياً دون أن يوافق على القول بأن المادة هي السبب الأصلي للطبيعة، وقد لا تهمه هذه المسألة.
وبالتالي، الطبيعة هي حالة نفسية أو ميل داخلي، أما المادية فهي مذهب وفكر متعدد التفسيرات، منها ما يعتبر المادة السبب المادي للطبيعة، وهذا الموقف الفلسفي لا ينكر وجود عالم ماوراء الطبيعة، بل يعتبر أن السبب الفاعل هو غير السبب المادي، فالسبب الفاعل مطلع على المادة والطبيعة لكنه مختلف عنها، أما الماديون فهم يرون المادة وحدها هي الفاعل والسبب.
أكثر التفسيرات تطورًا وأيضًا غلوًا في هذا المجال هو “المادية الجدلية” التي تواجه مشاكل كثيرة، ومعرفة صحيحة بهذا المذهب تحتاج إلى معرفة أسس خاصة، وهو خارج نطاق هذا العرض.
هناك فئة كبيرة من الناس تميل إلى المادة والطبيعة، وبعضهم مع أنهم يؤمنون بالماوراء ويثبتونه حتى، إلا أنهم مرتبطون نفسيًا بالمادة والطبيعة ويخافون الانفصال عنها. هؤلاء رغم أنهم ليسوا ماديين مذهبًا، إلا أنهم في الفعل ماديون ويميلون إلى المظاهر المادية.
فئة أخرى هم ماديون مذهبًا. وهناك آخرون في التصوف مع أنهم يولون المادة اهتمامًا، إلا أنه ثانوي، واهتمامهم الحقيقي بالله، والمادة والطبيعة عندهم مجرد وسيلة لرؤية الحق.
إذا المادية هي منبع المادية الفكرية، لكن المادية المذهبية قد لا تؤدي دومًا إلى المادية الفكرية، فبعض المفكرين الماديين في مسائلهم الفكرية يعانون تعقيدًا يجعلهم لا ينتبهون إلى المادة حتى.
ما نريد التركيز عليه هنا هو الميل إلى المادية والمادية الفكرية، وليس الميل فقط إلى المادة أو الطبيعة، ولا ممارسات فردية كماديي المذهب، لأن المادية قد تكون نتاج ظروف وبيئة وثقافة وليس لها أصل فكري.
لذا، المقصود بالمادية هنا هو الفكر الذي يميل إلى نظرية الماديين، التي ترى المادة أصل الطبيعة والسبب المادي لها، وتعتبرها الفاعل والمبدع والمصور والموسع لها.
تفسير المادية
لتوضيح الكلمات المضللة للماديين، نورد ثلاث مقدمات فلسفية ضرورية:
- أساس المنطق الفكري؛
- الفرق بين الكل والجزء، والكلي والجزئي؛
- قانون العلية.
المقدمة الأولى: أساس المنطق الفكري
المنطق الفكري والفلسفة الإلهية تقوم على اليقين، وكل مشكلة ذهنية يجب تثبيتها بيقين. ويطلق على هذا النهج “المنهج البرهاني”، حيث يجب أن تكون كل معلومات ومعتقدات المفكر واضحة أو بديهية، مع أن الإنكار لا يحتاج إلى برهان ولا يصعب إنكاره إلا بأدنى شك.
فالطريقة العقلانية لا تستخدم الظن أو الظاهر، وإنما البرهان المئة بالمئة والاعتقاد اليقيني المتوافق مع الواقع والوجود الخارجي، ولا يسمى البرهان شيئًا يشتمل على الشك أو الخيال أو الجهل أو التقليد.
مبادئ البرهان الستة
الدليل المنطقي الصارم ينبع من اليقينيات التي تقسم إلى ستة أصول: الأوليات، المشاهدات، التجارب، المتواترات، الحدسيات، والفطريات، ولكل منها خصائصه.
- الأوليات: مثل قاعدة “الكل أكبر من جزئه” التي لا يمكن إنكارها إلا بجهل المعاني أو المفاهيم.
- المشاهدات: وهي ظاهرة أو باطنة، كأن نرى النار تحرق أو نشعر بالجوع.
- التجارب: مثل أن الخمر يذهب بالعقل، والظلم لا يدوم، وهي أمور يومية نراها.
- الحدسيات: مثل أن ضوء القمر من الشمس، وهي مسائل تتغير مع تقدم العلم.
- المتواترات: مثل معرفة المسلمين للكعبة بأنها قبلة المسلمين.
- الفطريات: مثل أن العدد أربعة زوجي، وإذا أضيف أو نقص واحد صار فردًا.
ينبغي أن تتحد هذه المبادئ في أصل واحد وهو عدم اجتماع النقيضين.
قد تتغير بعض الأمثلة بحسب الزمان والمكان، فمثلاً كان ضوء القمر حدسيًا سابقًا، وأصبح اليوم من المشاهدات العلمية.
تفاصيل هذه المقدمات يجب مراجعتها في كتب المنطق.
نتيجة المقدمة الأولى
من هذا نستنتج أن كثيرًا من مقدمات الماديين موضع تساؤل، منها:
أ) كيف يُثبت وجود شيء أو عدمه؟ وهل الطريق للوصول إلى جوهر الوجود واضح؟ مجرد البحث دون الوصول لا يعني انعدام ما وراء المادة، فقد تكون الأدوات أو الطريق ناقصة.
ب) صحيح أن المادة موجودة ومقبولة للجميع ولا تحتاج إلى برهان، لكن غيرها من الموجودات كذلك لا تحتاج إلى برهان. المادة تُرى فقط بالمشاهدة، لكن ليس كل واقع محصور في المشاهدة.
لذا، المنهج المادي محل شك، واحتمال وجود واقع غير مادي معزز.
ج) علاوةً على ذلك، ليس الطريق الوحيد للوصول إلى المادة والماديات وإدراكها هو الرؤية فقط، بل هناك طرق أخرى يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم المادة، مثل التجربة أو التواتر كما ذُكر في «المقدمة الأولى». فنحن لا نرَ العديد من المدن والمناطق والجبال والمباني والحقائق المادية إلا أننا لا نشك في وجودها، كما هو الحال في مسألة وجود الكعبة التي وردت في التواترات.
لذلك، فإن المقدمات الستة في البرهان هي أمثلة على وجود حقائق غير مادية من جهة، ووجود طرق أخرى غير التجربة والمشاهدة من جهة أخرى. ومن بين هذه الحقائق غير المادية توجد التجربة والعلم المستمد منها، إذ إن موضوع التجربة وإن كان مادياً، فإن حقيقة التجربة والعلم المستفاد منها ليست مادة ولا مادية.
د) نحن قادرون على رؤية أو لمس التجارب والمواضيع القابلة للتجربة (الماديات)، لأن التجربة والعلم الناتج عنها لا يمكن إدراكهما بالحواس مثل اللمس أو الرؤية، ولهذا يجب أن يكون هناك طريق آخر غير التجربة والمشاهدة لقبول الحقائق، سواء كانت مادية أو غير مادية، إذ إن وجود التجربة والعلم والرؤية لا يشكل مشكلة في حد ذاته، ولكن هذه الأمور ليست مادة، بل هي من شأن الإنسان غير المادي، وتسمى «فعل فكري».
عندما تحدث تجربة أو مشاهدة فإنها تتواجد في الإنسان، ولا يشك في وجودها، ولا يبحث عن دليل لإثباتها، وقد تغفل عنها أو لا تُنتبه لها أحيانًا، وهذا يستلزم شرحًا مفصلًا لمراتب النفس والعقل وهو موضوع غير مخصص في هذا النقاش.
لذلك، التجربة والمشاهدة ليستا مادة، لكن وجودهما يقيني لصاحب التجربة أو المشاهدة، دون حاجة إلى برهان. بل إن وجود هذه الأمور لا يمكن إثباته أو قبوله بالدليل، ولهذا لا يسعى أحد لإثباتها. فهي ليست مناقضة للعقل لكنها تبتعد عنه.
وبالتالي، يمكن الاستنتاج أن منطق المادية يعبر عن جزء واحد فقط من المنطق، وليس أساس الفكر الإنساني، فضلاً عن كونه منهجاً مستقلاً في المعرفة والوعي. إذًا، نقول إن العلوم التجريبية والمادية والاختبارية والمشاهدات العلمية ضرورية، لكنها ليست كافية لتحقيق المعرفة والكمال.
هناك قضايا كثيرة في هذا المجال غير مناسبة للمقام، مثل مدى نطاق العلوم التجريبية وقدراتها، فهي لا تستطيع إثبات الأمور الخارقة للطبيعة. المعروف أن بعض المقدمات تكون ناتجة عن العلوم التجريبية، لكن كيفية عمل هذه النتائج وتحديد مجال تطبيقها في العلوم الإنسانية وغير التجريبية، مثل الفلسفة، يتم دراستها في فلسفة العلم، وهذا موضوع خارج نطاق هذا البحث.
بناءً على ما سبق، لا ينبغي اتخاذ موقف عدائي أو سلبي تجاه العلوم التجريبية، رغم أن الماديين يجب ألا يحصروا أنفسهم فقط في طبقات المادة، رغم أن لديهم آراء هامة تتطلب مقدمات فلسفية وعلمية لا يمكن استعراضها هنا. نقصد هنا تقديم رؤية عامة عن الفكر البشري وخط سيره لتشجيع الإنسان على البحث في المسائل الفكرية والفلسفية.
المقام الثاني: «الكل والجزء» و«الكلي والجزئي»
الجزء والكل هما كل ما يوجد خارجاً ونختبره في حياتنا اليومية، كالأيدي والأرجل والأذنين والرأس، هذه أجزاء الإنسان وجسمه كله هو الكل، والذي في اللغة المنطقية يسمى بالأجزاء بشرط اللّا. تحققه هو الوجود الخارجي ذاته.
أما الكلي والجزئي أو الكلية والجزئية فهي صفات ذهنية للأشياء، ليس لها وجود خارجي متميز. (الكلي الطبيعي في المنطق والفلسفة هو ذات الشيء الموجود خارجاً ولا يتناقض مع هذا القول). كل ما يوجد خارجاً هو جزء و كل، ولا يوجد فيه كلي وجزئي إلا حينما يأخذ الصفة الذهنية. الكلي الطبيعي هو وجود الشيء في الخارج موسعاً، وهو يختلف عن الكلي المنطقي أو العقلي الذي هو اعتبار ذهني.
لذلك، الموجودات إما ذهنية أو خارجية، وبما أن الكلي والجزئي لا توجد خارج الذهن، فهي موجودة في الفكر والعقل. لذا يجب أن يوجد كل حكم وقانون كلي في الذهن لا في الخارج، لأن الموجود في الخارج هو تفاصيل جزيئية متغيرة ولا تصلح كأساس لقوانين كلية وثابتة.
نتيجة المقدمة الثانية
يتضح أن حقيقة التجربة هي أمر كلي، ولكن موضوعها هو شيء جزئي وخارجي متغير. الشيء الذي يُظهر حكمًا كليًا وثابتًا هو ليس مادياً، بل حكم ذهني. لذلك يقال إن هذا الحكم تابع لحقيقة تُدرك من مشاهدة المصاديق. المصاديق هي الحقائق الخارجية، والحكم هو الحقيقة الثابتة الدائمة، وإذا لم تكن ثابتة لما أمكن استخلاص حكم كلي منها.
هذه الحقيقة الثابتة نسميها القانون الحقيقي، وهو يسري دائماً في مصاديقه، كما تسري الحقائق في واقعياتها.
الخلاصة
نستنتج أننا من خلال مشاهدة وتجربة الحقائق المادية نستنبط أحكاماً وقوانين ليست مادية، سواء اعتبرنا الأحكام والقوانين متساوية أو فرقنا بينها. الأحكام والقوانين من المعقولات الثانية، ولها وجود خارجي ولو بشكل وصف. منطق المادة هو أفضل بداية لإثبات الحقائق الماورائية، لأن وجود المادة يستلزم وجود قوانين وأحكام تحكم المادة وتحافظ على وجودها.
المادية بهذا التفسير لا تعترض، لكن الماديين يقتصرون على المادة نفسها ويتجاهلون القوانين العقلية الحقيقية المستنبطة، فيعتقدون أن المادة وحدها موجودة، وأن الطريق الوحيد لمعرفة المادة هو التجربة والمشاهدة، وهذا خطأ لأن القوانين ليست مادية رغم ارتباطها بالمادة.
المادية تنقسم إلى اتجاهات مختلفة، وبعضها يعجز عن إثبات الحقائق الماورائية أو يتجاهلها.
المقدمة الثالثة: قانون العلية
في جميع المدارس المادية والإلهية، قانون العلية مقبول، ولا أحد يرى الكون بدون قانون أو نظام. كل أثر له سبب، والكل يتفق على ذلك.
رغم ذلك، في كثير من النقاشات حول أصل الخلق، بعض الماديين يفرطون في العقل ويرمون بمفاهيم مثل الصدفة أو الحظ، وهذا تناقض مع قبولهم لقانون العلية. هذه الأفكار ليست علمية بل نتاج جهل وتقصير.
لا أحد يستطيع إنكار قانون العلية، وإلا لخسر الماديون أهم أسسهم. قانون العلية ثابت، ولا يمكن لشيء أن يوجد دون سبب، وأفكار الحظ والصدفة هي ناتجة عن جهل.
النتيجة النهائية
المادية هي الميل لتفسير الواقع بالمادة فقط مع قبول القوانين التي تحكم المادة باعتبارها أمورًا مادية قابلة للتجربة. القوانين في الخارج غير ثابتة لأنها تتعلق بأشياء متغيرة. في الواقع، المادة مجموعة من الأشياء المتجزئة، والقوانين الكلية هي أحكام ذهنية على هذه الجزيئات. قانون العلية قائم على العلاقات المؤقتة بين هذه الأجزاء، وهو أيضًا متغير.
الماديون لا ينكرون وجود المادة، لكنهم يغفلون أو ينكرون القوانين الكلية والعقلية التي يمكن استخلاصها، ويظنون أن كل شيء مادة فقط.
أسئلة
- من أين جاءت قوانين التجربة؟ إذا كان الوجود مساويًا للمادة، والمادة دائمة التغير، فكيف تبقى التجربة ثابتة؟
- وفق المنطق، الكلية أمر ذهني، والتجربة نتاجات جزئية، فلماذا تعتبرون التجربة مبدأً كليًا دون الإيمان بالكلية؟
- قانون العلية هو أساس التجربة، وهو حكم عقلي. كيف تعتمدون على التجربة بدون قانون العلية؟
- التجربة جزء من مقدمات البرهان، فلماذا تعتمدون على تجربة واحدة فقط؟
- الحواس عرضة للخطأ، فكيف تثقون بها دون الاعتماد على العقل؟
خاتمة
التجربة غير مستقرة وغير كافية للوصول إلى اليقين، ويجب الاعتماد على البرهان والعقل للوصول إلى معرفة صادقة.
الوقوع في فخ المادة
الإنسان منذ البداية محاط بالمادة ويتعامل معها، فينسجم معها حتى يصبح مادياً في فكره، ويحاول تفسير كل شيء مادياً، وهذا خطأ لأنه يجب احترام تخصصات العلوم وعدم التداخل دون معرفة.
كما أنه من غير الصواب متابعة أي موضوع بغير الطريق الصحيح، فإن متابعة القضايا غير المادية بالأدوات المادية باطلة، والجهد في هذا السبيل لا يجني سوى التعب الكثير، وكأنما يطحن الماء بالرحى؛ وإن كان ذلك صعبًا على الإنسان المادي الذي قضى سنوات في وحل المادة، لأنه تعود على الانشغال بالمادة وشؤونها، مثل مدمن يدمن على مخدره فلا يفارقه، فالمادة بالنسبة له كحبيب يتحمل من أجل نيله كل العناء والألم.
أفكار الإنسان المادي المتعصب تشبه دودة القز التي لا تتجاوز حدود نفسها ولا تخيل لديها أن خارجه مكان أو شيء أو شخص، الإنسان المادي المتعصب تخلى عن فطرته الأولية وترك إنسانيته، وغرق في أهواء الجسد ونومه وجهله وشهواته، فاختار المادة وحدها كمتعته الروحية والأخلاقية، حتى إن مسائل الروح عندما تصل إلى سمعه ناخدًا تلقائيًا يسعى إلى تجربتها في مختبره المادي، غافلًا أن كمال الإنسان يكمن في التفكير في الأمور الروحية، تلك التي هي حياة الإنسان والكمال الفطري ومقدمة الكمال الحقيقي للإنسانية، وإلا لما كان الإنسان متميزًا عن الحيوانات، إذ إن الإنسان في الأكل والنوم والمشي وغيرها من الغرائز الجسدية مساوٍ للحيوانات، بل إن بعض الحيوانات تفوقه في هذه الأمور ولها مزايا لا يمكن للإنسان أن ينالها.
هنا يأتي القرآن الكريم فيصف هذا الكائن ذو القدمين، حين انحطاطه، بأدنى درجات الذم، أو لنقل أنه يضعه في مقامه الحقيقي، حيث لا يوجد ذل أدنى منه في أي فكر.
فإن معرفة الحقيقة فطرية لجميع الموجودات، وإنكارها هو تنكر للفطرة، وهذا الإنكار ينشأ من التعلق بالمادة، وإلا فلا يمكن لأحد أن يرى نفسه بدون حق أو يغفل عنه ولو للحظة، إلا إذا اعتبر نفسه أكثر من يد وبطن فقط.
الرد على الماديين
بعد هذا التحليل، يتضح الرد على الماديين الذين يرون أن الكون والوجود محصور في المادة فقط، وأن المادة هي جزء ضئيل جدًا من الكون، بحيث يكون الكون – باستثناء الموجودات المعنوية أو المجردة – مجرد مقبرة جميلة ترعى بعض المخلوقات، ومن البديهي أن هذه المقبرة أو المرعى لا يمكن أن يكون مكانًا للكمال العالي للبشر أو لتقدمهم.
هنا يكتشف كل عقل سليم خالٍ من عقدة نقص أو تلوثات ذهنية ذلك الكمال اللامتناهي في نفسه ويذوب في محبة الرب الأزلي، فيتنفس كل لحظة من نفسه ونظره وأذنه كلامًا يقول: أرى ما سمعته ولا أسمع ما رأيت. إنها نغمة عاشق مضطرب في سروده مع الوتر والعود، يرفض نغمة الحق ويصرخ: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا”.
قبول الحقائق غير المادية
كما ذكرنا، لا يمكن لعاقل أن ينكر وجود المادة والكون المادي، وبهذا الاعتراف تفتح الطرق لإثبات الحقائق ما وراء الطبيعة. فالإدراك للمادة ليس محصورًا في التجربة والاختبار فقط، بل هناك طرق أخرى للإدراك لا تقل أهمية، فحتى القوانين والمبادئ التي تحكم المادة ليست كلها قابلة للقياس التجريبي فقط.
ومن ثم، فالمادة قابلة للإدراك والتصديق من خلال التجربة وأيضًا بطرق غير تجريبية، وكذا الأمور التي لا تمت للمادة بصلة يمكن أن تُدرك وتُثبت بوسائل عقلية ومنطقية أخرى كالحدسيات والفطريات والمبادئ الأولية.
وبالتالي، فإن الحقائق غير المادية أو ما وراء الطبيعة هي حقائق لا يمكن إنكارها لأنها قابلة للإدراك العقلي، وهي حقائق معنوية خارج المادة والذهن.
المذاهب الحقيقة
قبول الحقائق المعنوية ليس أمرًا موحدًا، بل اتخذ وجوهًا متعددة حسب فهم كل فرد، فكل إنسان يلمس جزءًا من الحقيقة حسب طاقته وذائقته الوجودية، وهذا أدى إلى ظهور مذاهب وفرق كثيرة تختلف في فهمها للحقائق غير المادية، فمنهم من يحددها في الذهن وأفكاره، ومنهم من يرى وجود حقائق معنوية حقيقية خارجة عن الذهن، مثل عالم الأرواح والملائكة، وغيرها من العوالم التي يصعب مناقشتها تفصيليًا هنا.
الإلهيات واللانهاية
نحن نؤمن إيمانًا راسخًا بهذا العالم المادي، ونراه بكل مظاهره جميلًا ساحرًا، ونعتبر هذا الكون بناءً متماسكًا من الحقيقة والواقع، ونحب هذا العالم لأنه جزء من حياة الإنسان وسعادته الأبدية. ولكن إذا تجاوزنا هذا العالم نرى وراء المادة يدًا ذات قدرة وسيطرة مطلقة تحكم كل ذرة وتجعل كل شيء يرقص تحت أمرها، من البداية إلى النهاية، من الظاهر إلى الباطن.
في الفكر الإلهي، الغيبيات كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، من المادة التي هي بساط المحبة، إلى النفس والروح وكل المخلوقات التي لا يُتصور فيها نقص أو عجز.
ذلك الوجود المطلق، الذي لا يستطيع العقل الإحاطة به، هو الذي نحياه ونفكر فيه ونشرب من كأس جوده، وهو في كل حركة وسكون، لا يُرى بعين العقل لكن يُشاهد بقلب المحب.
الخلاصة
كل الموجودات، بفطرتها، تنادي “أنا الحق” ولا ترى نفسها منفصلة عن الحق، بل هي متعلقة به ومتعلقة به وحده. ولكن يظل السؤال قائمًا: كيف يمكن للإنسان أن يسيطر على هذا الوجود اللامتناهي، وكيف يمكن له أن يحتفظ بمحبة ذلك الإله في ذهنه وقلبه، ليبقى في قربه دائمًا دون ألم الفراق؟
إن هذا الإدراك ذاته، أي التأكد من وجود المطلق واللامتناهي، هو دليل وجوده، فلا يمكن وجود محدود بدون مطلق، ولا يمكن التصديق بوجود محدود دون أن ندرك اللامحدود.
هذه الحكايات كلها من مه،
رغم أنّها من حلقوم عبد الله.
حقًا، ما أجمل وأروع حين يجد الإنسان نفسه متخليًا عن ذاته أمام ذلك المطلق اللامتناهي، يتوه ويجد نفسه ويضيع مرة أخرى إلى أن يصبح شعاعًا لا يهدأ من حضرة ذي الجلال، وتجسيدًا بلا مثيل للحبيب. يدرك أن الوصول إلى أي معلول مستحيل دون معرفة السبب أولًا، وأنّ أينما وطأت قدم الفكر، يكون هو هناك قبلها، وهو هناك فقط.
دليلُه بلا دليل، ونورُه في حرمته ظلمة. بداهةُ حضرة الحقّ تجرّنا إلى الحيرة والشكّ والإنكار. الذين ينكرون الحقّ غافلون، وأولئك الذين يحاولون إثباته بالدليل أغفل منهم؛ لأن الغافل هو غافل عن نفسه، والأغلّ أغفل هم الذين يلهثون خلف إثبات الحق. بدلًا من تقديم الدليل والإثبات، يجب أن ننتظر الحقّ، وبدلًا من الاستدلال يجب أن نسعى لرؤية حضرته.
وهم بداهة الوجود
هنا يبرز السؤال: إذا كان وجود الحق اللامتناهي واللا محدود ضروريًا وبديهيًا بين الموجودات المادية، ويتحكم في عوالم الوجود كلها، فلماذا لا يكون بديهيًا، وإذا كان كذلك، كيف يكثر الإنكار مقابل قلة الإثبات؟ مع أن البديهي لا إنكار له ولا يحتاج إلى دليل، فهل إثباته دليل على عدم بداهته؟
الرد على إشكالية البداهة
ينقسم سؤال البداهة إلى قسمين:
أولًا، لماذا الحق بديهي؟
ثانيًا، إذا كان الله بديهيًا، فلماذا ينكره الكثيرون، ولماذا يُطلب دليل لإثباته؟
في الرد على الأول، لا يشك إنسان في بداهة الحق، وإنكار الماديين ونفيهم هو من أثر زيادة الصفراء والبلغم. في حالة السكر يتحدثون عن الوعي، وإذا كانوا واعين لوجدوا أنفسهم في قافلة وجود الحق. هذا الأمر لا يتغير بكثرة أو قلة الناس، وإنكار الجميع للحق هو في ذاته إثبات له، وإن اختلفت درجات الإيمان والكفر التي يظهرها الإنسان عند الصحوة.
أما في الرد على الثاني، فالبداهة لا تحتاج دليلًا، والإثبات يَنفي بداهتها. لا يقيم أحد دليلًا للحق، وكل ما يُقال هو تعبير عن عجز الذات وحالها، فالجميع يصرخ بأن كل إثبات يجلب آلاف الإنكار، وكل قرب يفتح آلاف الأبعاد. وكما ورد في البيان السابق، دليل الحق هو بلا دليل، وأسمى دلائله هو بلا دليله ذاته، لأن الحق لا يحتاج دليلًا، وهو خالق الدليل. وما يُشكّل الإشكال هو تصور الإنسان، لا تصديقه بوجود الحق تعالى.
العجز سبب إنكار الإله
لو تأملنا تاريخ البشرية، يتبين أن أسباب ضعف الماديين والمنكرين تكمن في رغبتهم في الإمساك بمعبودهم كما يُمسك بالسجين، ليجعلوه في قبضة ذلهم، ويضعوه حيث يشاءون في ذهنهم، ويتوسلون إليه دومًا. وهذا هو ما دفعهم لعبادة الأصنام.
إنما هذا التصور هو سبب إنكار وجود الحق اللامتناهي، فليس في البشر، عبر العصور والقرون، من ينكر وجود الحق وحضرة الوجود، سواء كان مؤمنًا بعقيدة ما أو لا يتبع مسلكًا معينًا.
والسؤال الذي يثير حيرة الجميع ويصدهم عن طريق الإيمان هو: “أين هي حضرة الوجود وكيف هي؟”
أسئلة كهذه تخرج بلا وعي على ألسنة الناس، وفي النهاية يلجؤون لإنكار الحق لتخفيف ثقل الفكر، ربما ليجدوا بعض السكينة المؤقتة.
الخالق في المخلوق
ومع أن هذا السؤال ليس بلا معنى، ويطرحه العقلاء: أين نجد الله البديهي الواضح، وكيف نصدقه، ومن أي طريق نصل إليه ونؤمن به؟ لكن هؤلاء يتجاهلون أمرًا بديهيًا وهو أن الفكر البشري مخلوق من بشر، فكيف يعقل للعقل المخلوق أن يدرك الخالق؟
فكري مخلوقي، ومجال تفكيري، مهما اتسع، محدود بي فقط. كيف يعقل لفكر ضعيف أن يثبت ذلك الفكر الخالق؟ يبحث عن الله في المادة، وهي من صنعه. يبحث عن الله في الفكر، والفكر مخلوق الإنسان. هل يمكن أن يكون الله مادة، أو يُوجد في المادة، أو يكون جسدًا على العرش؟ وهل هذا يستحق العبادة؟ ألا يُسمى إلا إلهاً ناقصًا؟ أليس مثل هذا الإله كالصنم الجميل من نخيل؟
أيها الإنسان، كم أنت غافل! تلك التماثيل التي صنعها التاريخ بيديك المرتجفتين، لماذا تعبدها؟ ذلك البقرة الهندية، رب الحمقى، ما يفيد سوى الركوب وأخذ الحليب والصوف والجلد. لا تفيد أكثر من ذلك أبداً! كيف نعتبر عقلًا من يقيد نفسه بخيوط يده؟ إنه الحيوان والصنم، الجهل المطلق! هذه هي الهزيمة الكبرى للبشرية، التي حولت تاريخ الإنسان إلى مأساة، إذ اختار لعبته القاتلة، وهي عبادة هذه الأصنام الزائفة.
ومن المؤسف أن البشر قبلوا آلهة تأكل في الجوع، تلعب في الفرح، تُركب كالحيوانات، وتُداعب في الوحدة، وتوطّن قلوبهم على القذارة. قراءة تاريخهم تظهر بوضوح كم كانت هذه الآلهة مصطنعة، وسبب إقبال البشر عليها هو الجهل، رغبة في تهدئة فطرة البحث عن الإله.
لكن هذه الطريقة لا تقبلها عقول النابهين، فالعبادة لشيء يُلعب به أو يُركب طفليًا أو يُحمل لا تليق بالإنسان، ولا يمكن أن يكون معبودًا ذا قيمة.
الإيمان والتصور
منطقًا، يجب القول إن كل تصديق قائم على تصور، ولا يصح التصديق بدون تصور. المشكل الوحيد للمنكرين والشكّاكين هو في تصور الحق، ومع تصور الحق يكون تصديقه بديهيًا. بداهة التصديق لا تتناقض مع كون التصور غير بديهي.
همس القلب
طالما كان معبود الإنسان مادّة، ورضي بما هو أقل، لن يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. ومن الطبيعي أن يفشل تفكيره ويتكسر تحت وطأة الدُنايا. لكن إذا كان الفكر صافيًا، والإنسان حرًا من دخان المادة، فإن السؤال لا يبقى بلا جواب، لأن القلب الهادئ والروح الصافية دائمًا واعيان، ولا يتركون أنفسهم بعيدين عن إلههم.
يقول القلب: كل هذه الإثباتات والإنكارات ليست سوى أسماء للحقيقة الثابتة التي يجريها الفكر. لأن الحق لا يظهر إلا بالحق. نحن حق، والحق فينا، ويواصل ظهوره. تلك الإنكارات والإثباتات تعبيرات عاطفية لوجوده. الوجود يحب، أحيانًا يعبر عن غضبه، وأحيانًا عن حبه.
المنكر ماذا ينكر؟ والمثبت ماذا يثبت؟ أليسا اسمي رب؟ أليست صفاته السلبية والإيجابية؟ أليس الإنكار سلبًا، والإثبات إيجابًا؟ أليسا كلاهما ذاتًا واحدة؟ أين الكفر والإنكار؟ ما هو الإيمان ومن هو المؤمن؟ أليس الجميع يبحث عن السكينة؟ هل البعد عن الإثبات والإنكار جمود؟ هل يُمكن أن توجد جمود في الوجود؟ لا، الوجود والحقيقة متحركان معًا.
حين يمل الإنسان من هذه الرحلة، فعليه أن يفتح دربًا جديدًا، أو يسير بلا أقدام، ويردد في نفسه:
ما ذراتٌ لتصف الشمس، نحن ناقصون وهو فوق الجميع.
كيف يمكن لإله عظيم أن يُمسك بضعف مثلي؟ هل لي قدرة أم هو يقبل؟ كيف يكون الإله من يُمسك؟
هل يمكن تصور هذا الإله الذي خلق المخلوقات اللامتناهية بجانبي أنا الضعيف؟ كيف يمكن للعقل المحدود أن يحوي اللانهائي؟ كأننا نريد وضع جبل في إبرة، أو ملء بحر في فم نملة.
وهنا يعجز العقل عن الحب، ويعلن:
أنا عبدك وخادمك.
ويصرخ الحب:
أنا مع الحق، وأقيم في مجده، وأجد المحبة في وادي جماله، وأقول:
يا إلهي العظيم، خالقي، يا من جميع الخلق منشغلون بك وأنت عنهم مرتاح، رغم أني لا أستطيع رؤيتك، فأنا أشتاق إليك، وأنت في داخلي وأنت فوقي.
حين أجد نفسي أراك، وحين أراك أنسى نفسي، وإذا سألوني ماذا ترى أقول: أرى البصر يرى، وأنا عين الرؤية. لا يشغلني إلا أنت، ولا أغفل لحظة عنك، ومع ذلك لا أعرفك، وغموض ذاتك هو نصيبي.
هذه نهايات الإيمان وحدود الممكن، حيث يبدأ قلب الإنسان يتجه نحو الحب، وها هو كلام الحق والقرآن الكريم الذي يفتح أعيننا على حقيقة وجوده وأسمائه وصفاته، وهنا تتضح مكانة كلام الأئمة المعصومين، الذين عبروا عن هذا العشق والافتقار بأسمى وأبسط الكلمات.
قال تعالى:
(اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (الرعد: 2-3).
هذا هو الحق، هذا هو المحب، الذي لا يُدرك إلا بقلب محب، لا بعقل متكلّف.
البَيِّنُ لِعُلَمَاءِ الصِّدْقِ وَالصَّدَاقَةِ، سَيِّدِ النَّاسِ، الْإِمَامِ الصَّادِقِ عليهِ السَّلامُ، إذ يقولُ:
«كُلُّ ما تَخَيَّلْتُمُوهُ بِأَوْهامِكُمْ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَكُمْ، وَمَرْدُودٌ إِلَيْكُمْ…»؛
فكُلُّ ما تَصوَّرْتُموهُ عن إلهِكُمْ في بُواطنِ أنفسِكُمْ هوَ وليدُ أفكارِكم، وَعَكْسٌ لِذواتِكم، وَمِنْ ثَمَّ، مَن يُريدُ أن يَجِدَ اللهَ بِذِهْنِهِ لا يَجِدُ إلا نَفْسَهُ وَمِثْلَهُ، كما أنَّ النَّملةَ إذا أرادتْ أن تَتَصوَّرَ إِلهاً لها، لَظَنَّتْ أنَّ إلهَها كَسُلطانِ النَّملِ، ذوُ قرنينِ على جَبينِهِ، وَلم يَخطرْ في بالِها أَكثرُ من ذلك.
ويضيفُ رَئيسُ المذهبِ الشيعي، الإمامُ الصادقُ عليه السلام، في بيانٍ آخر:
«أخرجوه من الحدينِ: حدّ الإبطال وحدّ التشبيه، فقل حيث شئتَ»؛
فَأَخرجوا اللهَ من حُدودِ العَدَمِ والتَّشبيهِ، ثمَّ قُلْ ما شئتَ عنْهُ.
وهذه نماذجٌ من آياتِ القرآنِ وكلماتِ الأَئمَّةِ المعصومين، التي لا تُحْصَى ولا تُضاهَى لِعِظَمَتِها، علّنا نَغوصُ فِيها ونستنيرُ بِجَواهرِها النادرةِ لتَزْيِينِ قلوبِنا.
إنَّ الميلَ إلى المادياتِ وعبادتها بهذا المَدى، هو أعظمُ نكبةٍ وخزيٍّ أَخْطَأَ في تاريخِ البشَرِيَّةِ، بحيثُ لم يبقَ لِلْعَقْلِ مكانٌ مَحْفوظٌ، وَعاقَ أَسَاسَ تَكاملِ الحضارةِ البشَريةِ واختيارِ مَثَالِها الأعلى.
ولذا، يَجِبُ على الجميعِ، خصوصاً النُّخَبِ العالِمةِ والواعيةِ، البحثُ في كيفيةِ وَمَن وكيفَ وأيّ أداةٍ أَوصلَ هذا الإنسانَ المفكّرَ العظيمَ إلى هذا الانحطاطِ، حتى يُصبِحَ يَعبُدُ أشياءَ أَدْنَى مِن نَفْسِهِ.
وهذا الموضوعُ يستحقُّ التحقيقَ والدراسةَ من جهتين:
الأولى: هل يمكنُ تسميةُ هؤلاء الأشخاصِ بـ«البشر»؟ وهل يُطلقُ عليهم صفةُ «مُدرِكٍ للكلياتِ ومتفكّر» أم لا؟ فالشريعةُ تُصنّفُ الكافرَ في عدادِ النجاساتِ، وتعطي بعضَ من لا يملكون توازناً في الفكرِ والموقفِ أسماءً وأوصافاً تختلف عن الإنسان.
والثانية: هل المؤسسون والمروّجون لهذه المعتقداتِ والأوثانِ الوهميةِ همُ سوى المُستعمرينَ والمستغلّين؟ هؤلاء الذين يقودون قافلةَ البشريّةِ يومياً نحو الشقاءِ والفسادِ، ويغيرون ألوانَهم وألعابَهم، لأنَّهم يدركون أنَّهم لا يستطيعون الدخولَ إلى ساحةِ المعركةِ بنفس الشكلِ أو اللونِ دائماً، فلابدَّ لهم من تحديثِ أساليبهم.
مثلاً، اليوم لم يعد بالإمكانِ دعوةُ الناسِ لعبادةِ العجلِ أو الثورِ أو النخلةِ كما في القديم، رغم أنَّ هناكَ ما زالَ في بعضِ الأماكنِ المتخلّفةِ خرافاتٌ تحجبُ العقلَ.
وهكذا، أُوضحَ ثلاث نقاطٍ أساسيةٍ في هذا البحثِ التاريخي:
- تقلبُ الإنسانِ وضعفُ تفكيره في لحظاتٍ مصيريةٍ.
- قوةُ واستعراضُ استعمارِ الظاهرِ بالإنسانيةِ.
- الفوائدُ التي يجنيها هؤلاء الاستعمارُيونُ المتاجرونُ من ذلك.
إنَّ التاريخَ يُظهرُ أنَّ غالبيةَ الناسِ حين تواجهُ اختياراتٍ مصيريةً، تختارُ غالباً الطريقَ المظلمَ والغيرَ منطقي، رغمَ حريةِ الاختيارِ.
ومن هنا، لا يمكن الوثوقُ في إنسانٍ ارتكبَ على مرِّ التاريخِ آلافَ الجرائمِ عن وعيٍ أو دون وعي، ووضعَ آلهةً مزيفةً في سوقِ الجهلِ والضلالِ.
فالإنسانُ الذي يقتلُ ويفسدُ على مرِّ الأزمانِ، ويتبعُ كلَّ قولٍ بلا تمحيصٍ، لا يختلفُ في قيمتِه عن البقرةِ أو العجلِ التي كان يعبدها.
لهذا، يؤكّدُ الحكماءُ والقياداتُ الدينيةُ ضرورةَ الحاجةِ الدائمةِ إلى الدينِ والقياداتِ الإلهيةِ، لأنَّ العقلَ الماديَّ لا يستطيعُ ضمانَ تقدمِ الإنسانِ إلاّ بنخبةٍ قليلةٍ تتبعُ هؤلاء القيادات.
أما الاستعمارُ الشريرُ، فمُستمرٌ في سيطرته على عقولِ الناسِ، ويغيّرُ وجوهَهُ وألوانَهُ باستمرارٍ، في مسرحيةٍ لا تنتهي.
إنَّ ضعفَ الإنسانِ عبرَ التاريخِ يُدفعُنا للسؤالِ: هل طبيعةُ الإنسانِ تكمنُ في الخمولِ والتردّي، أم هناكَ أسبابٌ أخرى؟
نجيبُ بأنَّ الفطرةَ الإنسانيةَ ليست خاملةً أبداً، وإنّما الإنسانُ كائنٌ ذكيٌّ يُمكنُه أن يسيطرَ على محيطِه ويتقدّم، وهذا ما أقرَّهُ العلماءُ جميعاً.
لكن، المشكلةُ تكمنُ في غيابِ التربيةِ الصحيحةِ والعلميةِ التي تُنمي الفكرَ والتفكيرَ في جميع مراحلِ حياة الإنسانِ، فلم يكن هناك برامجٌ تربويةٌ صحيحةٌ عبرَ التاريخِ تُعنى بهذا الأمر.
وبسببِ هذا النقصِ في التربيةِ والتوجيهِ السليم، تُتركُ العقولُ عرضةً للانحرافِ، فتقعُ في قبضةِ الاستعمارِ ومخططاتهِ الشيطانيةِ، التي تسعى دوماً لتحويل الإنسانِ إلى عبدٍ للأوهامِ والأصنامِ الحديثةِ.
ولهذا، لا يستطيعُ الإنسانُ بمفردهِ الخلاصَ من هذه الحالةِ، لأنَّ الاستعمارَ يسيطرُ على مجرياتِ الحياةِ ويُدخلُها في نفقِ الظلامِ والتخلفِ المستمر.
وأخيراً، نجدُ أنَّ الاستعمارَ متجذرٌ في الحياةِ الإنسانيةِ تحتَ أقنعةٍ مختلفةٍ؛ دينيةٍ، علميةٍ، تقنيةٍ، وحضاريةٍ، لكنَّهُ في الجوهرِ عدوٌّ دائمٌ للبشرية.
ونأملُ في يومٍ تتحققُ فيه العقولُ المستنيرةُ من العلماءِ والفلاسفةِ أن تكشفَ هذا الغولَ المخيفَ، وتكسرَ قيودَهُ حتى تتحررَ البشريةُ من أسرِه.
إنكار الله، هبةُ الاستكبار
من الكلام السابق يتضح سبب وجود هذا العدد الكبير من المعارضين والمنكرين لله – ربّ الوجود، إله العالمين، المتجذر في الطبيعة والفطرة الإنسانية – في حين أن كثيراً من المنكرين في الحقيقة هم من المؤمنين بالحق الإلهي، وهذا لا يعود إلا إلى اختلالات بشرية ناتجة عن ثلاثة عوامل:
الأول: عدم ثبات وقصر نظر الإنسان، الذي يرتبط أساساً بعدم تربيته السليمة.
الثاني: قبضة الاستعمار القوية.
الثالث: حاجة المستعمرين إلى استغلال الإنسان والعالم استغلالاً واسعاً.
هذه العوامل الثلاثة الأساسية ظلّت تلقي بظلالها على جميع البشر في كل زمان دون توقف، وإن كان كثيرون في غالبيتهم يغفلون عن وجودها.
الاستعمار يبدو كأنه حكم “الوجود في الفلسفة”، وهو كما قال الحكماء من البديهيات الواضحة، لكنه في أقصى درجات الخفاء. على الرغم من أن الجميع قد سمع كلمة الاستعمار ويكرهه ويلعنه، إلا أن هذا الوجود القذر والخفي ظل ملازماً للإنسان طوال الوقت، دون أن يشعر أحد بآلام أو هموم هذا الرفيق أو يحس بقوة قبضته في حياته.
بالطبع، البحث الكامل في هذه الشياطين الشريرة يتطلب جهدًا فكريًا عميقًا وعالي المستوى، لعله يظهر ذلك الطائر الأسطوري البشري، فيستطيع الإنسان بوعي وقوة أن يكشف النقاب عن وجه هذا الوحش القبيح والعرّوس القبيحة، ويخبر الناس البسطاء والمطمئنين بأن هذا هو المثال التاريخي المثالي لحياة البشر وأجداد خيالاتهم، الذي أسرّ الجميع في مخالب دموية، ليعود الإنسان عبر هذه الطريق نحو المثالية الحقيقية التي هي كمال الإنسان، على أمل ذلك اليوم.
ثبات الوجود والعدم
من المباحث السابقة يتبين أن فطرة الإنسان متشكلة على أساس التوحيد، والتوحيد هو حقيقة فطرة البشر، والله الوجودي اللامتناهي قائم في جوهر الوجود، وهو أصل كل حقيقة، والابتعاد عنه هو انحراف عن أصل الفطرة وغوص في المادة والخيالات الذاتية.
لكن يبقى السؤال: من جهة، الوجود يشهد على وجود الرب، وكل ذرة تنمو من الأرض تنمو معه، والنجوم في السماء ترقص تعبيرًا عنه، وكل تجلٍ في عالم الوجود هو تجلٍ لوجهه، وكل نفس يخرج من ذرة هو من نفسه. كل مكان يخطو إليه الإنسان هو مقر الله، وكل الموجودات موجودة بوجوده، وكل الكائنات بكينونته، وأينما اتجهت فهو هناك، ومن ذهب فهو معه، وكل ما يقول هو قوله، وكل من يتكلم قد جعله هو المتكلم.
ومن جهة أخرى، كلما ركضت إليه لم أبلغه، وكلما ضربته لم أصبه، وكلما فكرت فيه لم أجد خبرًا عنه. أعيشه لكني لا أراه، أبحث عنه لكني لا ألقاه، أكون معه لكني لا أعرفه، لا يُرى لكنه يرى، لا يقع في كمين أحد لكنه يجلس في كمين كل أحد. ليس من شيء ولا مثل شيء. إثباته بشيء يبطل، وباطله بفكر يثبت. لا أستطيع أن أقول ما هو، ولا أملك أن أقول إنه ليس، لا أستطيع أن أقول بماذا يشبه، ولا أستطيع أن أقول من هو.
فما العمل بين هذين النقيضين؟ الإنكار أم الإثبات؟ حين أفكر في الإنكار أجد إثباته، وحين أرجح الإثبات أغرق في الإنكار، فهل أتوقف عن التفكير وأريح نفسي؟ هذا مستحيل، فطالما الإنسان إنسان فهو يفكر، وإن لم يفكر فلا يكون إنسانًا بل يكون مجرد كائن يرعى وسط الحيوانات. فما الحل؟ كيف نحل هذه العقدة بين الوجود والعدم ونثبت في موقف صلب؟ إن جوهر الإثبات أو الإنكار ليس هو المهم، بل المهم أين نجد الثبات، وأين هو مقر الأمان والطمأنينة الذي يختاره الإنسان لنفسه إلى الأبد. هذا هو السؤال الذي سنتناوله في الفصل القادم.
التوحيد
لا بد في بيان التوحيد من الإشارة إلى ثلاث مسائل مهمة:
الأول: حقيقة التوحيد.
الثاني: أساس التوحيد في القرآن الكريم.
الثالث: مراحل التوحيد.
أول ما يجب أن نتناول هو بيان التوحيد. يجب الإقرار بأن حقيقة التوحيد هي حقيقة تُكتشف لا تُصنع، ولكننا لا بد أن نقدم ملخصًا مبسطًا ليكون دليلاً للسالكين لا عائقًا لهم.
التوحيد صيغة على وزن تفعيل، ويتطلب فاعلاً، وهو ضرورة في السلوك والسير والوصول. في هذا السير، الحركة تدريجية والوصول فوري. كل حركة للوصول إلى هذه الحقيقة حال ومقال، ونقطة النهاية ووعاء الوصول هو التوحيد، الذي لا يسهل تحقيقه، لأن الوصول فوري والسرعة تدريجية، والروح السالكة بين هذا وذاك حتى تصل، إن وصلت. ولهذا يذوق قليل من أهل السلوك حلاوة اللقاء، كما يصف القرآن الكريم الموت بلقاء، الذي يدل على أن الوصول واللقاء لا يتم بدون تحقيق الفقر والفناء. كثير من الناس يلتقون بالحق بعد الموت، والوصول إلى التوحيد في الدنيا، أي التوحيد بالوحدة، ليس سهلاً للعديد، أن تصل للوحدة دون الجمود أو إنكار الخلق أو الشرك والثنائية. رؤية الوحدة في كثرة، والتوحد مع الحق، والذوبان في الذات والغير هو قمة التوحيد. قمة تُرى فيها الحقيقة بلا شائبة، ولا يرى لقاء الخلق إلا ظهور الحق، وهي رؤية الوحدة بلا تعدد، دون إنكار للكثيرات، وهي قمة لا يمكن التعبير عنها بالكلام، وإنما تُرى فقط، ورؤيتها مستحيلة بدون اجتياز مراحل الطريق.
فتح الكلام عن هذه الحقيقة والتحدث عنها ليس لأن الكلام لا يليق بها، بل لأنها أساساً ليست مما يُقال، بل يجب صقل البدن، صفاء الروح، والاندفاع في الطريق الذي يمزق النهاد حتى يظهر الحق، وحينها من لا روح له أو رأس بلا قلب أو جسد بلا قدمين، يصل للحق ويصف التوحيد.
لهذا، رغم أن التوحيد موضوع الكلام، إلا أننا نكتفي بقطرة من البحر لنفتح الباب للسالكين دون أن نغلقه، ونذكره بالإشارة فقط.
إثبات الذات في القرآن المجيد
في المسألة الثانية، وهي أساس التوحيد في نظر القرآن الكريم، يجب القول: القرآن كتاب عظيم ومعجزة حقيقية يعبر عن أفكار عظيمة، وفيه وعي ودقة بارزة تعبر بإيجاز عن حقائق كثيرة.
هذا الكتاب، الذي يجب أن يُسمى كتاب الطبيعة وقانون الحياة، يذكر جميع المواضيع الإنسانية وقضايا الحياة بدقة وبيان منطقي، ويتحدث عن علم وقدرة وغضب الله وأسمائه وصفاته بحجج وأدلة. ومع ذلك، لم يشير القرآن في أي موضع، رغم شمولية هذا الكتاب، إلى دليل مباشر لإثبات الذات والوجود الإلهي. هذا مع أن صفات الله وغيرها من الموضوعات تقوم على إثبات الذات. وهذا أسلوب متبع في الكتب العلمية والفلسفية، لكن القرآن يبدع بترك إثبات الذات صامتًا، لأن الذات الإلهية لا تحتاج لإثبات، والوجود المشهود هو الدليل على ذاته، فالوجود هو الدليل الوحيد على الذات، ولا سبيل لدليل منطقي على كبر الله، إذ إن الدليل نفسه متغذٍ من نعمته. هذا هو طريق القرآن الفريد، ولهذا السبب ترك إثبات الذات صامتًا. لذلك من يبحث عن إثبات الذات بالحجة والمنطق يجب أن يعلم أن الوصول إلى هذا الأمر لا يتم بالحجج، بل بترك الإثبات والسعي لرؤية الحق، وهذا يثبت بداهة الذات التي لا تحتاج لدليل، كما في قوله تعالى: «يا من دلّ على ذاته بذاته»، أي الله الذي ذاته دليل على ذاته، ولا يوجد من يسعى لإثباتها.
مراحل التوحيد
يمكن تقسيم مراحل التوحيد إلى أربع مراحل رئيسية:
الأول: توحيد العامة والأفكار المغلقة.
الثاني: التوحيد البرهاني عند المفكرين.
الثالث: التوحيد العرفاني عند الصوفية الحقيقيين.
الرابع: التوحيد الجمعي لأهل العصمة.
لقد أصبح من النادر جداً أن يجرؤ أحد على التحدث عن التوحيد الصوفي والدفاع عن حرمته الحقيقية في هذا العصر. فقد ربط الاستعمار ذلك بالسوء وعمله على تشويه صورته إلى حد أن من يمتلك شيئًا من ذلك لا يجرؤ على الإعلان عنه. مع أن القرآن الكريم والعديد من الأحاديث النبوية الشريفة المأخوذة عن الأئمة المعصومين قد وردت باسم الذكر والمناجاة، ومع أن الإسلام هو دين الإدراك والوعي والحب والوجد، إلا أن قلة قليلة فقط تجرؤ على استخدام هذا الجانب، حتى في بعض الحالات لا يُسمح باستخدام ألفاظ مثل “هو” شرعاً. لقد استهدف الاستعمار لفظ “هو” الذي يملأ آيات القرآن الكريم والدين بأسره، وأثار من خلاله الكثير من الفتن، وحرّم استخدام هذا الذكر الكريم الذي يحمل آثارًا روحية عظيمة على المستوى الوجودي والإبداعي، وأخرج كل مسيرة السير والسلوك والأخلاق الصوفية من دائرة الاستخدام الحقيقي، وحولها إلى مجرد أدوات في يد الأشخاص الذين استغلوا الطريق الصوفي بأساليب خانقاهية لا يمانع فيها أصحاب المذاهب المختلفة، والذين يظلون دوماً دعاة لكل استعمار.
لقد تمّ تحريف المعنى الحقيقي للتوحيد في الفكر الصوفي بسبب هذا التشويه المقصود، وتحولت تعاليم الصوفية الأصيلة إلى شعائر ومظاهر شكلية خالية من الروح الحقيقية. وهذا ما أدى إلى فقدان الاتصال العميق بين الإنسان وربّه، وإلى انحراف كثير من الطرق الصوفية عن جوهرها الروحي النقي، وتحويلها إلى مجرد طقوس وأعمال سطحية لا تضفي على الإنسان النور والوعي الذي وعد به الإسلام.
إن استعادة التوحيد الصوفي الحقيقي تتطلب مراجعة جذرية للنصوص المقدسة وتفسيرها تفسيراً روحياً عميقاً، والعودة إلى الأصول التي نص عليها القرآن الكريم والسنّة النبوية، مع التركيز على الجانب الإدراكي والوجداني، وليس على الأشكال والمظاهر الخارجية فقط. فلا بد من تجاوز المظاهر الزائفة التي فرضها الاستعمار والأفكار المغلوطة التي أحاطت بالتوحيد الصوفي، والعودة إلى جوهر الدين الذي هو الإدراك الحي بالله والمحبة الصادقة والوجد العميق.
إن الفكر الصوفي الأصيل يدعو إلى وحدة الوجود، التي تعني إدراك أن كل ما في الكون هو تجلٍّ من مظاهر الله تعالى، لكن هذا الإدراك لا يعني الاندماج الكامل في الموجودات بل هو معرفة حقيقية بالله سبحانه وتعالى وتوحيده في الذات والصفات، دون أن يلغى الفرد في الكل، أو يُفقد تميزه ككائن مستقل. وهذا الفرق الدقيق هو أساس التوحيد الصوفي الصحيح، الذي يرفض الشرك والمبالغة في تقديس الأشخاص والأماكن، ويؤكد على أن الله هو الغاية والمرجع الوحيد.
إن المحافظة على هذا التوحيد الروحي تتطلب استمرار الاجتهاد في فهم النصوص الدينية بوعي وروحانية، وتنقية القلوب من الأوهام والمغالطات التي قد تصيب الإنسان في طريقه الروحي. ولا شك أن العلماء والمتصوفة الحقيقيين لهم دور أساسي في نشر هذا الفهم وإرشاد الناس إلى طريق الحق والصفاء الروحي.
ومن الجدير بالذكر أن التأمل والتدبر في معاني النصوص الدينية لا يكفيان وحدهما، بل يجب أن يصحبهما العمل الصالح والنية الخالصة، إذ أن المعرفة بلا عمل تبقى ناقصة وغير مؤثرة في تغيير النفس أو واقع الإنسان. لذا يحث الصوفية على المراقبة الدائمة للنفس ومحاسبتها، وإخلاص العبادات لله تعالى، متجنبين الرياء والسمعة، لما لذلك من أثر سلبي على روح العبادة ونقاء القصد.
وعليه، فإن النهج الصوفي في التعبد والتقرب إلى الله يقوم على مبدأ الإخلاص والتنزيه، وهو ما يجعل التجربة الروحية تجربة فريدة لا تشوبها الشوائب الدنيوية، بل تتحلى بالحقيقة والصفاء، فتكون مصدر سلام داخلي وطمأنينة للنفس، وسبيلًا لتحقيق الهدف الأسمى الذي خلق الإنسان من أجله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
ويظهر من خلال دراسة التراث الصوفي أن التجربة الروحية تعتمد على مراحل متعددة تبدأ بالتوبة الصادقة والإنابة إلى الله، ثم تزكية النفس وتنقيتها من الصفات الذميمة، إلى أن يصل السالك إلى حالة من القرب الإلهي والاتحاد الروحي مع الحق، وهو ما يُطلق عليه “الفناء” في الذات و”البقاء” في الله. وهذا المسار لا يتحقق إلا بالسلوك القويم والمجاهدة المستمرة للنفس، فضلاً عن التواضع والتصبر على مشقات الطريق الروحي.
كما أن الصوفية قد أسهموا إسهامًا بالغ الأثر في إثراء الفكر الإسلامي، إذ دمجوا بين البعد الروحي والمعرفة العقلية، مما أضاف بعدًا إنسانيًا عميقًا للأفكار الدينية، وجعل من التصوف مدرسة متكاملة للحياة، تجمع بين الحكمة والعاطفة، والتقوى والعمل.
وفي الختام، تبقى التجربة الصوفية نموذجًا متفردًا للتعبير عن العلاقة الحية بين الإنسان وربه، معززةً بالقيم الروحية التي ترتقي بالذات وتسمو بها فوق نزاعات الحياة الدنيوية، مما يجعلها من أهم منابع التجديد والارتقاء الروحي في التاريخ الإسلامي.
ولا يخفى أن التأمل الروحي والتدبر في معاني القرآن الكريم والسنة النبوية كانا من الركائز الأساسية في الفكر الصوفي، حيث نظر الصوفيون إلى النصوص المقدسة كمنبع حي للطاقة الروحية التي تغذي النفس وتزكيها، وليس مجرد نصوص جامدة. وقد حرص الصوفيون على اجتراح أساليب مختلفة للتواصل مع الله، مثل الذكر، والتأمل، والمراقبة، والخلوة، لما لهذه الوسائل من أثر بالغ في تحفيز الروح وتهذيبها.
إضافة إلى ذلك، أسهمت الزوايا الصوفية والخلوات في نشر التصوف، حيث أصبحت منابر للعلم والروحانية، تجمع بين التعليم والتربية الروحية، وتعمل على نشر القيم الأخلاقية والتربوية بين الأفراد والمجتمعات.
ولا يمكن إغفال دور الصوفية في دعم الاستقرار الاجتماعي من خلال دعوتهم إلى المحبة والسلام، ونبذ العنف والكراهية، مما جعل لهم مكانة خاصة في نفوس الناس، وكانوا حلقة وصل بين الطبقات المختلفة، حاملين رسالة وسطية قائمة على الاعتدال والرحمة.
وفي النهاية، يظهر جليًا أن التصوف الإسلامي ليس مجرد توجه ديني أو عقيدة فحسب، بل هو مسار شامل للحياة، يهدف إلى بناء الإنسان الكامل المتوازن بين الروح والجسد، وبين العقل والقلب، وهذا ما يجعله من أهم الآفاق التي يمكن للباحثين دراسة جوانبها والاستفادة منها في تطوير الفكر الإسلامي المعاصر.
1ـ الرد الاجتماعي
هناك ارتباط خاص بين كل قائد وأمّة؛ بحيث يمكن نسب تقدّم أو فشل أيّ أمة إلى قائدها، وبالمقابل يُؤاخذ القائد على فعل أيّ فرد من أمّته، بل يُحمّل مسؤولية أيّ نقص اجتماعي يعود إلى القائد. يُبيّن القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية هذا الرأي العقليّ صراحةً، ونشير هنا إلى آية وحديث كمثال:
قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]؛ فالرسول الكريم أقرب إلى كل مؤمن من نفسه.
وبمقتضى الحديث النبوي الشريف: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، يتضح كيف هي مسؤولية القيادة تجاه الشعب؛ إذ تكون المسؤولية والسؤال في المرتبة الأولى متوجّهة إلى القائد، ثم إلى الشعب في المرتبة الثانية.
وبناءً على هذا المقدّم، يمكن القول: إن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كانوا يتحاورون ويناجون بلغة أمتهم، أي إن لسانهم كان متناسباً مع لسان الأمة، ولم يكونوا غُرباء عن أفعالها، بل كانوا ينسبونها إلى أنفسهم، فاعترافهم بأي نقص أو ذنب هو اعتراف بنقص وأخطاء أمتهم، لأن موقع القيادة جزء منهم. لذا كانوا يطلبون المغفرة لأمتهم، إذ كانوا يعتبرون ذنوب الأمة ذنوبهم، كما قالوا: «كونوا لنا زينة ولا تكونوا علينا شيناً»، أي أن أفكاركم وأعمالكم تُحتسب كأفعالنا.
مسؤولية القيادة الخطيرة
يتضح من هذا البيان أهمية القيادة ومسؤوليتها الجسيمة تجاه قومها. ولا يشترط في القيادة عدد الأشخاص الخاضعين لها؛ فقد يكون قائد أمة كبيرة أو مسؤولاً عن فرد واحد فقط. كما لا يمنع أن يكون شخص ما قائداً لفرد أو جماعة، وفي الوقت ذاته رعية لشخص آخر. فالقيادة أمر عام ونسبّي له موقعه الخاص، ولا مجال للامبالاة أو الانفصال في هذا الحقل.
وعليه، القيادة وظيفة معقدة وصعبة، قد يتولّاها كل فرد بطريقة ما في المجتمع. وهذه المسؤولية الثقيلة تجلب مساءلة شديدة. لا يجوز للقائد أن يغفل عن مسؤولياته أو ينصرف إلى نفسه، بل يجب أن يجيب عن جرائم وأخطاء أمته.
في هذا السياق، يعترف الضمير والعدل بخطايا كثيرة في سجل الأفعال، فتثير الخجل والذل، إذ من قد يغتني بعزلته وعبادته وينأى بنفسه عن المجتمع، يجب أن يواجه حقيقة أن ذنوب الأمة تقع عليه كذلك، لأنه لم يتحمل مسؤولياته تجاهها. وبذلك يُحاسب القائد والشعب معاً على المعاصي.
2ـ الرد الاعتقادي
إن احتمال وقوع جميع أنواع الذنوب والنواقص في الإنسان وارد، ما لم يكن تحت عناية الله تعالى. فاعتراف الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بنواقصهم مرتبط بجانبهم البشري والمادي، لا بمقام عصمتهم الذي هو منحة إلهية. كما قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]؛ النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً»؛ فلو ترك لنفسه لحاد في الغفلة والهلاك.
إذاً، اعتراف المعصومين بالنواقص متعلق بقدرتهم البشرية العادية، لا بمقام العصمة. كل إنسان يحصل على العصمة بحسب استعداده، وهي مرتبة عليا جداً لا تتجاوزها المرتبة. وإن لم تحفّهم العناية الإلهية، لكانوا معرضين للوقوع في الذنوب مثل غيرهم.
3ـ الردّ العرفاني
كان الأنبياء والمعصومون (عليهم السلام) مشغولين دائماً بالذكر والتوحيد والاتصال بالله تعالى، مستغرقين في التأمل في جمال الله وقدسه في مقام اللاهوت، مع إشرافهم على عالم الناسوت وحاجاته الشرعية من الطعام والشراب والنكاح والنوم، التي هي حقّ وواجب بشري.
وبالرغم من ذلك، لا يُقارن هذا العالم المادي بالعالم الإلهي الأعلى.
لذلك، كانوا كعبد يرى مولاه أثناء انشغاله بعمل مباح فيخشع وينكس رأسه خجلاً، ويتواضع أمام الله متذللاً، ويدرك عظمة الله وعجزه، فيتمنى أن يغفر له ويتوب. وهذا الاعتراف والتذلل لا يحصل إلا لمن بلغ درجة إدراك الله والحقائق الربوبية، وهي مرتبة عالية لا يمكن أن يصل إليها غيرهم.
4ـ ارتفاع المعارف العرفانية
المعصومون (عليهم السلام) بمنزلتهم الكاملة من العصمة، هم في مقام عالٍ جداً بين المخلوقات، لكنهم في مقامهم الربوبي يرون أن كل الوجود لله تعالى، فهو مالك كل شيء، ولا فرق بينهم وبين غيرهم في هذا.
وعند النظر إلى أنفسهم، يرون عدميتهم وفقرهم الكامل، وأن وجودهم مجرد تجلٍّ من وجود الله. ولهذا يخجلون ويذلّون ويقولون: «أنا عبدك» مع أن هذا النداء نفسه منّة ورحمة عظيمة، فهم لا ينسبون الوجود لأنفسهم بل لله وحده.
وهكذا، لا تعارض بين اعترافهم بالقصور وبين مقام العصمة، بل إن اعترافهم دليل على علو إدراكهم وسعة صدرهم.
ويختلفون عن غيرهم من أهل التصوف الذين يفقدون أنفسهم أحياناً في مديح المحبة دون معرفة، بينما المعصومون (عليهم السلام) على وعي تام ولا يخلطون بين مقام الخلق ومقام الربوبية، ويؤدون مسؤولياتهم الاجتماعية بدقة.
خلاصة القول
مما سبق يتضح:
- بطلان موقف النافيين للوجود، وضرورة الانتصار للحقيقة الوجودية التي تتجلى في عالم مليء بالحياة والرحمة والمحبة.
- إثبات الحقائق الواقعية للحياة والوجود في جميع مراتبها، من العوالم المادية وغير المادية، والعلاقة الخاصة بين الموجودات والله.
- بيان حقيقة الوجود الخالص والحق الذي يتضمن كل الكمالات، وهو أصل التوحيد الذي ينتهي إليه البحث.
- القسم الأول: البرهان الأنّي (العلّوي) الذي من خلاله لا يمكن إثبات ذات الله تعالى أبداً.
- القسم الثاني: البرهان اللامي (العلّي) الذي لا يكون صادقًا في إثبات ذات الواجب لسببين:
الأول: أن البرهان يحتاج لإثبات شيءٍ بواسطة حدٍّ وسطٍ مناسب يكون غير الشيء نفسه، وهذا غير متوفر بالنسبة للوجود، فلا وجود لشيء آخر يكون حدًّا وسطًا لإثبات حقيقة الوجود. وما يُذكر في الكتب العلمية والفلسفية عن هذا البرهان يكون في نهايته إثبات ملازَم بملازَم آخر.
الثاني: البرهان يقوم على شيءٍ له تعريفٌ وحدٌّ منطقي، وهذا خاصٌّ بالأشياء التي فيها تركيبٌ من جنسٍ وفصلٍ، وهما يعبّران عن وجه التشابه والخصوصية. وهذه الصفات تصدق على الموجودات التي لها ماهيةٌ وحدٌّ منطقي، أما الحق تعالى فهو لا ماهية له، بل هو عين الوجود، ووجوده هو ذاته وذاته هي وجوده، فلا تعريف له ولا حدّ منطقي ولا جنس وفصل. - وبهذا يتبيّن أن البرهان المنطقي لا سبيل به لإثبات الذات الإلهية، بل ينبغي تطهير القلب والضمير والنفس من كلّ دنسٍ وغللٍ، ليشهد القلب بحضور الحقّ بدون حجاب، ويُدرك أن الحقّ هو دائمًا بديهيٌّ واضح، موجودٌ مع النفس وقبلها، وإنّما ظلام القلب وغيومه هي التي تحول بين العبد وشهود الحق.
- القسم الثالث: إثبات الذات الإلهية من خلال النور الإلهي الصافي.
- إنّ النفس الإنسانية بطبيعتها تميل إلى إدراك الحقائق البديهية، ومنها وجود الذات الإلهية. فإذا ما تخلّص القلب والعقل من الشوائب والتشويشات، يتجلّى له نورٌ إلهيٌّ ينير دروب الإدراك والوعي، ويُثبت له وجود الحق المطلق الذي هو ذات الله سبحانه وتعالى. هذا الإدراك ليس بحاجة إلى برهان منطقي مجرّد، بل هو تجربة روحية مباشرة تتجاوز حدود العقل والتفكير المادي.
- القسم الرابع: حدود البرهان العقلي في مجال الإثبات الإلهي.
- إن العقل البشري محدودٌ في قدرته على استيعاب حقائق الغيب والذات الإلهية، لأن هذه الحقائق تتجاوز العالم المادي والتجريبي الذي يعتمد عليه العقل في البرهنة. لذلك، فإن البرهان العقلي وحده لا يستطيع أن يثبت وجود الله بالذات، وإنما يحتاج إلى معونة النور الإلهي والإلهام الروحي. ويقول العلماء في هذا المجال: إن اليقين بالذات الإلهية هو ثمرة الإيمان والتصديق القلبي، لا مجرد الحُجّة العقلية.
- القسم الخامس: دور التجربة الروحية في تأكيد وجود الله.
- إنّ التجربة الروحية تعدّ حجر الزاوية في الإدراك الحقيقي للذات الإلهية، حيث يمر الإنسان بمراحل من الصفاء النفسي والتجرد من الماديات، فتتفتح لديه أبواب المعرفة الإلهية. هذه التجربة لا يمكن وصفها بالكلمات أو إدراكها بالعقل وحده، بل هي حالة وجودية يعايشها الفرد بوجدانه، تعزز إيمانه وتثبّت يقينه بوجود الخالق العظيم.
- القسم السادس: التأمل العقلي كوسيلة لفهم الذات الإلهية.
- التأمل العميق والتفكر في نظام الكون وترتيبه الدقيق يحملان دليلاً قوياً على وجود الله. فالتناسق البديع في حركة الكواكب، وتوازن القوى الطبيعية، ودقة خلق الكائنات الحية، كل ذلك يدل على وجود مدبر حكيم عليم. هذا النوع من البرهان العقلي يستند إلى ملاحظة آثار الخلق وليس إلى رؤية الذات الإلهية نفسها، ولكنه يشكل نقطة انطلاق نحو الإيمان بالله.
- القسم السابع: التوحيد وأثره في بناء العقيدة.
- إنّ التوحيد، باعتباره الركن الأساسي في العقيدة الإسلامية، يقوم على إثبات وحدانية الله وتنزيهه عن كل مشابهة أو شريك. وهذا المفهوم ينسجم مع ما جاء في النصوص الشرعية، ويُعدّ الأساس الذي يُبنى عليه كل عمل إيماني. إذ لا تصحّ العبادة إلا لله وحده، ولا يُوجَد كمال في الدين إلا بالاعتراف بربوبية الله وإلهيته المطلقة.
- القسم الثامن: العلاقة بين العقل والنقل في إثبات وجود الله
- يُعتبر كل من العقل والنقل مصدراً أساسياً في بناء المعرفة الدينية. فالعقل يستند إلى الدلائل المنطقية والاستدلالات العقلانية التي تقود إلى وجود خالق حكيم، بينما النقل يتمثل في النصوص الشرعية والوحي الذي يأتي من الله تعالى. ويُكمل كل منهما الآخر؛ إذ لا يُمكن للعقل وحده الوصول إلى جميع حقائق الإيمان، كما أن النقل بدون فهم عقلي قد يُفسر بشكل خاطئ. لذلك، فإن التفاعل المتبادل بين العقل والنقل يُسهم في تثبيت عقيدة موثوقة ومتماسكة.
- القسم التاسع: أثر الإيمان بالله في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية
- لا يقتصر الإيمان بوجود الله على بعدٍ نظري أو فكري فقط، بل يتجلّى أثره بشكل واضح في سلوك الإنسان وأخلاقه، كما يؤثر في بناء المجتمعات وتنظيمها. فالاعتقاد بوجود الله ومراقبته يزرع في النفس شعوراً بالمسؤولية والعدل، ويحفز الإنسان على الالتزام بالقيم الإنسانية والفضائل الأخلاقية، مثل الصدق، والأمانة، والتسامح، والرحمة. وبالتالي، يُسهم الإيمان في تحقيق السلام والاستقرار في المجتمع.
- القسم العاشر: الخاتمة
- في الختام، يتضح أن إثبات وجود الله يتطلب مزيجاً من التجربة الروحية، والتأمل العقلي، والاعتماد على النقل، مما يؤدي إلى بناء عقيدة قوية ومتماسكة. وهذه العقيدة هي التي تُوجه حياة الإنسان، وتمنحه الغاية والمعنى، وتجعله يعيش في سلام داخلي وطمأنينة روحية. ومن هذا المنطلق، فإن البحث في موضوع وجود الله ليس مجرد مسألة فلسفية، بل هو رحلة روحية وعقلية متكاملة تصقل الإنسان وتحفزه نحو حياة أفضل.
- مع مراعاة قانون النسبية وفرضياته الستة في كامل نطاق الوجود والكائنات والأفراد، تُهدم كثيرٌ من الأصنام وعبادات الأصنام والذوات والذوات الزائفة، فتظهر الذات الحقيقية التي هي النسبية والظهور.
- وقد اتضح الآن أن الخير والشر، واللعن والشكر، لا يجتمعون في فرد واحد، فكل فرد يمتاز بميزات ونقائص مقارنة بالآخرين، وإنّ إدراك هذه الميزات والنقائص أمرٌ بالغ التعقيد، ويجب السير بحذر تجاه الخير والشر في الآخرين، فالشكر يجب أن يكون للخير واللعن للشر، ولا يجوز أن نغفل عن كل شر لشخص ما بسبب بعض خيريته، ولا يجوز أن نرفض كل خير لديه بسبب بعض شروره.
- فإن قانون النسبية يقول: إن الشكر لأي شخص يجب أن يكون مقابل كماله وعظمته، واللعن يكون فقط مقابل نقصه وافتقاره للصفات الضرورية، فلا ينبغي أن يستند اللعن والشكر على المحبة والصداقة والقرابة القبلية أو العرقية أو المذهبية أو الجماعية، فكل هذه الأمور من الرياء والفساد والشرك.
- على كل إنسان عاقل أن يحارب كل السلبية والتعصب وحب الذات والعبادات المزيفة والنفاق والخداع الشيطاني، لنفسه وللآخرين. يجب أن يشكر الناس على مقدار حقانيتهم، ويلعنهم على شرورهم، وليس أن يغفل عن كل شرهم بسبب صداقة أو محبة، أو أن يتجاهل كل خيرهم بسبب خلاف شخصي أو عقيدي أو مذهبي، أو لمجرد أنهم من نفس المذهب أو العرق أو القبيلة أو الطائفة، مع أن كل هذا من مظاهر الزيف.
- ويجب أن يُعزى كثيرٌ من الفوضى التاريخية البشرية إلى هذا اللامبالاة الفكرية والانتشار الواسع للعن وشكر بلا مكانة حقيقية، وهو ما يؤدي إلى ضعف الكمالات وزيادة الرذائل، لأن حينما لا يصل الحق إلى أهله ويُبدل معيار الخير إلى القربى والصداقة، ومعيار الشر إلى الأغراض الشخصية، تنخفض توقعات الخير من الناس، ويتراجع سوق الفضائل، لأن المحبة تأخذ مكان الخير، والمرض والأهواء مكان الشر. والتاريخ البشري يشهد آلاف الآلاف من هذه الفوضى الفكرية والاجتماعية.
- غالبًا ما يُغفل عن آلاف المساوئ لدى الأفراد بسبب خصالهم الحسنة، ويُبعد الكثيرون بسبب زلة واحدة سواء كانت حقيقية أو ملفقة، وهذا أكبر ضربة لتقدم الإنسان. لذلك، بالنظر الدقيق إلى تاريخ الإنسان، يتضح أن عدم تطبيق قانون النسبية تسبب في نبذ كثير من أصحاب الفضل والكمال بالتكفير، فودعوا الحياة بيأس، بينما رُفعت مكانتهم وتوّجوا بلقب الحضارة من قبل الجهلة والمنافقين، وهذا ظل أسود في سجل التاريخ البشري يخجل من جهله وأحكامه الجائرة.
- إنّ تطبيق قانون النسبية على البشر يقتضي فهماً عميقاً لطبيعة الإنسان المتعددة الأبعاد، والتي تجمع بين الخير والشر، بين العظمة والنقص، بين الإيجابيات والسلبيات، في ذات الوقت. فليس هناك إنسان كامل بلا عيوب، ولا إنسان شرير خالٍ من خير. لهذا، يجب أن يكون التقييم موضوعياً، بعيداً عن التحيزات القبلية أو العرقية أو المذهبية، مبنياً على الموازين الحقيقية للفضائل والرذائل.
- ويعني ذلك أن يكون الحكم على الأفراد وفقاً لأفعالهم وسلوكياتهم الحقيقية، لا وفقاً لمواقفهم السياسية أو انتماءاتهم الاجتماعية. فحين تُطبق النسبية في الحكم، تُزال الكثير من أسباب النزاعات والخصومات التي تقوم على سوء الفهم والتحامل.
- علاوة على ذلك، فإن النسبية في هذا السياق هي وسيلة لتحقيق العدالة والإنصاف في المجتمع، وذلك من خلال تقدير مكامن القوة والضعف لدى كل فرد، ومحاولة تطويرها بما يعود بالنفع على الجميع، ويقود المجتمع نحو مزيد من التقدم والازدهار.
- إن تجاوز الأحكام المطلقة والصور النمطية المغلوطة، والالتزام بفهم متوازن وشامل، يمثلان حجر الزاوية في بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
- ومن هنا، فإن الوعي بقانون النسبية في علاقاتنا الاجتماعية والإنسانية، يعزز من روح التسامح والقبول بالآخر، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والتفاهم، بعيداً عن الصراعات التي تضعف البنية الاجتماعية وتعرقل حركة التنمية.
- ولذلك، فإن النسبية ليست مجرد نظرية فلسفية أو علمية، بل هي مبدأ عملي وواقعي يجب تبنيه في حياتنا اليومية، وفي مجالات السياسة، والثقافة، والدين، والأخلاق، ليكون الإنسان قادرًا على تحقيق ذاته وأهدافه في بيئة من العدل والاحترام المتبادل.
- وفي إطار هذا المنظور، يتطلب تطبيق مبدأ النسبية على المستويات الاجتماعية والسياسية ثقافة نقدية تُمكّن الأفراد من تحليل المواقف والظروف المختلفة بموضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والانفعالات اللحظية. إذ إنّ الفهم العميق للنسبية يُساهم في تخفيف حدة الصراعات التي تنشأ بسبب التفسيرات الأحادية أو التضييق على وجهات النظر المختلفة.
- كما يُسهم هذا المبدأ في تعزيز الحوار البنّاء بين الأطراف المتنوعة، حيث يُدرك كل طرف أن مواقفه ليست مطلقة، بل هي جزء من مجموعة واسعة من الاحتمالات التي قد تختلف باختلاف الظروف والزمان والمكان. وهكذا، تصبح المواقف أكثر مرونة وقابلية للتكيف، مما يُسهل إيجاد حلول وسط تُرضي جميع الأطراف.
- وعلاوة على ذلك، فإن تبني النسبية في المجالات الأخلاقية والإنسانية يُتيح بناء منظومة قيمية أكثر شمولاً وتقبلاً للآخر، الأمر الذي يُسهم في الحد من التعصب والتطرف، ويساعد على بناء مجتمع أكثر تنوعًا وتعددية في إطار من الوحدة والتكامل.
- إنّ هذا التوجه يتطلب من المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية لعب دور فاعل في نشر ثقافة النسبية كجزء من المناهج التعليمية وبرامج التوعية، بهدف تطوير مهارات التفكير النقدي والاحترام المتبادل بين الأفراد والمجتمعات.
- وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إنّ قانون النسبية ليس مجرد مفهوم نظري محصور في مجالات العلم والفلسفة، بل هو إطار شامل يُمكن تطبيقه في كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، مما يؤدي إلى بناء مجتمع أكثر عدالة، وتسامحًا، واستقرارًا.
- وأيضًا، الحكيمُ الناقصُ الذي اعتبر نفسه خبيرًا في العلوم النظريّة، ولكنّه لم يكتسب المهارة في العلوم التطبيقيّة والجمعيّة، ولم يخطُ خطوةً عمليّةً، أو اكتفى بالسير ضمن نطاق جيبه وضمن نطاق التصوّف الداخليّ، ولا يملك أيَّةَ معرفةٍ بالمجتمع وبيئته، وهو في شؤون المجتمع من عوام الناس، فهو لا يستحقُّ المشاركة في هذا النقاش والرد على هذا الموضوع، لأنّه في عزلته وانفراده قد فقد طبيعته وفطرته الاجتماعية، ولا يشعر بأيّ ارتباطٍ تجاه البيئة والناس فيها. ولذلك، وبالرغم من مكانته العلميّة ووعيه النفسي، إذا وُضع في وسط المجتمع وأطلق أفكاره، فسيبدو وكأنه يتكلم كلامًا فارغًا لا معنى له، إلى درجة أنّ أفراد المجتمع لا يرغبون في الاستماع إلى أفكاره المتخبطة والغامضة، لأن الإنسان الاجتماعي وحده هو الذي يتحدّث عن الخير والشر، والقبح والجمال، والمعاناة والأحزان والآلام والكوارث، والانتصارات والهزائم. أمّا أهل العزلة، فهم يختزلون ملكوت الوجود في كأسٍ صغير ويقولون في جملة واحدة: كلّ هذا بقدرٍ مكتوب، وكلُّه تجلٍّ كامل لنور ساقي الحياة. وإن كانت هاتان الجملتان صادقتان وكاملتان في مقامهما، إلّا أن التوفيق بينهما مستحيل، لأنّهما لا يتفاهمان معًا. وباختصار، فإنّ من يستطيع الإجابة على هذا السؤال هو العالم الحكيم الكامل، والباحث المؤمن والواعي في علم الاجتماع.
- نقد اختيار القائد من قبل الشعب
- العالم الحكيم والباحث الاجتماعي المنير في مقام الرد يبدأ بالتساهل والمجاملة قائلاً: ربما يستطيع أهل المجتمع اختيار هذا القائد الكامل والموجود الأعلى، سواء عبر مجلس أو حزب أو فصيل أو طرق أخرى شائعة في كثير من المجتمعات البشرية، ولا حاجة في هذا الاختيار إلى خارج المجتمع أو الجماعة، فالفكر الشعبي قادر على هذا الاختيار، وهو المحدّد الوحيد، ولا حاجة إلى جهة خارجية أخرى. ولكن بعد هذا التصريح الوجيز، يقول: إنّ هذا الأمر مستحيل تمامًا، لأنّ هذا الاختيار ليس من شأن الناس، وهو لقمة أكبر من أفواههم، تجلب الكثير من الألم، لأنه يواجه صعوبات لا يمكن تجاوزها، ومن ذلك نذكر بعضًا منها:**
- الاعتراض الأول: كون القائد يُختار من قبل المرؤوسين
- إذا كان الأفراد الأصغر سنًا والأدنى في المجتمع – وهم أفراد المجتمع – يستطيعون اختيار وجود أعلى وقائد مجتمعهم من بين أنفسهم، فهم لا يحتاجون إلى قائد أصلاً، لأن الناس الذين يملكون سلطة اختيار القائد في أعظم مسائل مجتمعهم، كيف يعجزون عن إدارته؟ الأشخاص القادرون على تعيين قائد قافلة مجتمعهم، لن يكونوا عاجزين عن إدارته أبدًا.
- هذا الأمر ينطوي على فسادين:
- الأول: تعارضه مع القانون السابق الذي ينص على أن المجتمع لا يرى سعادته ورُشدَه بدون قائد كامل وزعيم رفيع.
- الثاني: هو اختيار القائد الذي يختار القائد، وهذا أمر ممكن في بعض المراحل، لكنه مستحيل بالنسبة للقائد الأعلى، وكأنّ قبيلة العميان الذين يحملون العصي يُصبِحون بصيرين.
- الاعتراض الثاني: العمل المعكوس
- كيف يمكن للكائنات الأدنى والأ الضعيفة أن تدرك النور القوي والوجود الأعلى؟ هذا كأنّ آلاف الشموع الضعيفة تحاول مواجهة الشمس في وضح النهار وتبحث في وجودها. لن يقبل عاقل هذا العمل، مع أنّ التاريخ البشري شهد من قبل من قبِل ذلك واتّبعه، لأنّ مثل هذه الاختيارات لا يقوم بها سوى الذين لم يجلبوا سوى كثرة عديمة الفائدة للمجتمع، والذين لا يملكون فهماً أو تفكيرًا إلا أن يكونوا أدوات لزعماء مخادعين وجواسيس عبدة للأوثان. ولن يسمح عاقل أن تُسلّم حياة المجتمع ووجوده إلى مجموعة من الطامعين والمتملقين أو الجهلة الجهلاء ليحركوا الناس حيثما شاؤوا، وفي النهاية يسمون هذا الفعل الشيطاني والقبيح «الحرية» و«الديمقراطية». من الواضح أنّ مع مثل هذا القائد والاختيار، ستزداد حالة المجتمع سوءًا، لأنه بعد هذا المُختار الاصطناعي، لن يُسمح لأحد بالكلام أو التعبير.
- تبين أنّه من المستحيل أن يكون اختيار القائد من قبل الناس، ولذلك ينبغي رفع اليد إلى ذلك الوجود القادر الذي لا يحتاج إلى أحد، والاندفاع إليه سريعًا وطلب العون من الله الحكيم العليم، لأنه في هذا المقام لا يخطر على الفكر البشري أيُّ اعتراض، فالله العليم هو الأسمى فوق الجميع وخالق الأعلى، ولا ينظر لمصلحة أو غرض ليزلزلنا.
- هذا أمر طبيعي في النظام الاجتماعي، وهو ظاهر في نصوص جميع الأديان، وخاصة في نصوص الدين الإسلامي والقرآن الكريم، حيث أرسل الله في جميع عصور حياة البشر رسلاً لهداية الناس ورعايتهم، وكل رسول حق قد عيّن لنفسه أولياءً وخلفاءً صادقين، ولن يقوم النظام الكوني إلا بهذا النظام الطبيعي، ولا يوجد في العلم والحكمة طريق آخر لإصلاح المجتمع والناس إلا هذا الطريق الذي سار عليه الأنبياء ورسول الحق، حتى لو انقلبت جميع المجتمعات الإنسانية ظهراً للحقيقة، فسيأتي يوم لا يجد الناس فيه سوى هذا السبيل الإلهي والطبيعي.
- وبهذا الفحص الموجز، يتضح أنه لا ثقة لقوانين البشر ومدارسهم النظرية في التشريع، لأن أساسها هشّ، وهذه القواعد الانتخابية التي تعتمد على المجالس والأغلبية وغيرها من التكوينات المادية والاستعمارية لا يمكن أن تقود المجتمع البشري إلى القيادة السليمة، سواء كان هذا الاختيار في بيئة قرية أو مدينة أو دولة، أو على مستوى أعلى، سواء بأيدي كبار العشائر أو الوكلاء أو الوزراء أو السلاطين أو أكبر المجالس أو الخطط الاستعمارية العالمية، لأنّ كلّ ذلك مستمد من بئر مرير وموحِل الاستعمار ويُسكب في مجتمعات متوقفة ومحترقة.
- والدليل الظاهر في الواقع العادي والجامع هو حال الدنيا الآن وتاريخ الأمس القريب، حيث يحتكر كل طاغية وعميل قطعة من هذه الأرض ويسميها دولة، ويسجلها في دفتر خياله باسم بلد، ويختار لنفسه أسماءً براقة مثل «حامي الأمة»، مع أنّ هذين اللفظين لا معنى لهما في أي قاموس اجتماعي، إلا القادة الإلهيين، لأنّه لم يكن هناك نظام بشري يدافع عن حقوق الإنسان الحقيقيّة، رغم أنهم دائمًا وبمختلف الألوان أعدّوا خطابات جميلة عن حقوق الإنسان، واليوم يقدّمون أفضلها بألفاظ أدبية وفنية، وهذا مجرد تزوير آخر لابتلاع مصالح الإنسان.
- القناعة والرضا بجزء من ملك الله ليست من باب العفو أو الإنصاف، ولكن لأنهم يعلمون أن الاستحواذ على الكل غير ممكن، وأن الصراع الاستعماري أمر غير صحيح، فكلٌّ يكتفي بجزء منه. لذلك، كلمات «دولة» و«منطقة» و«ملك» و«سلطان» و«أنا» و«نحن» هي أمور اعتباريّة واستعماريّة، وملك الله القادر ليس رهينة لـ«أنا» و«نحن» أو المنطقة أو الدولة. الحق هو أنّ العالم وحياة الإنسان يحتاجان إلى نظام طبيعي واجتماعي قائم على مصالح الإنسان، يحكمه قانون إلهي شامل في كلّ العالم، فلا فرق بين غرب وشرق، دولة أو منطقة، لأن الحق واحد والدين واحد والعالم واحد، وكل حاجات البشر متساوية. ولذلك، الكلمات الباطلة كـ«الوطن» و«الأمة» و«الدولة» و«الملك» وغيرها هي من عند الاستعمار، والحق هو النظام الإلهي والاجتماعي تحت قيادة القادة الإلهيين والمفكرين النابهين على المستوى العالمي.
- بهذا البيان العام يتضح قانون القيادة، فالقوانين البشرية ومقياس حياة الإنسان يجب أن يكونا من عند المشرّع الأزلي ومؤسس نظام الوجود، لأنه الوحيد الذي يعلم كل زاوية في قلب كل ذرة من ملك الوجود، وهذا موضوع ظاهر في كلام جميع الرسل والمرسلين، ولا يوجد قائد من عند الله العظيم بلا برنامج أو تعليمات، لأن نظام المجتمع وقانونه هو شرف إلهي، ولا يمكن أن يُستمد هذا الشرف والقانون الحياتي من جهلاء. إذًا أصبح واجبًا على القوانين الفكرية البشرية وأفكار الحالمين الخيالية أن تكون واضحة، فهؤلاء الذين ينهضون كل صباح من نومهم الهادئ وينطقون بما لا يخافون نقيضه في الغد، أو يعللون الماضي بتعليقات كثيرة، هم أذهانهم تشبه قطع الحمام القديم التي كل قطعة لون وحكم ولا تنفع سوى لتزيين الحمام.
- القوانين الإلهية والأنبياء
- من خلال دراسة دقيقة وحساب كامل في تاريخ الأديان والمدارس البشرية يتبين تميّز القوانين الإلهية على غيرها، لأن الأديان كلها تحظى باستقرار دائم، في حين لا تمتلك القوانين الأخرى هذا التميز.
- في كل عمر قيادة أنبياء الله وفي كل القوانين السماوية، يوجد توافق عام بين القوانين، بحيث يتضح أن هذه القوانين مستمدة من فكر واحد، وأن اختلافات قوانين الأديان، إذا لم تكن محرفة أو ملوثة بأفكار بشرية خام، هي تعبير عن مراحل مختلفة من المجتمع، مثل مراحل مختلفة في تحصيل ثقافة سليمة في مجتمع سليم، مستلهمة من فكر واحد بمراحل متعددة. رغم أن مثل هذه الثقافة المثالية غير موجودة في العالم، والإنسان يعيش في وهمها. ويجب احترام هذه الدروس من الجميع، سواء في المراحل الأولية أو المستويات العليا، لأن التعليم العالي يستند إلى الأساسيات الأولية. كذلك، القوانين الإلهية والمراحل التاريخية مختلفة لكنها كلها محترمة، ولا يجوز التعدي على أي منها، لأن هذا مخالف للدين. لذلك، كل الإهانات الموجودة في التوراة والإنجيل تجاه الأنبياء، وكل ما نسبت لهم من اتهامات، هي كذب وتحريف، لأن الله ليس جسمًا، وإن كان الخمر حرامًا فهو دائمًا كذلك. لذا فإن ادعاء أن الله خلق الإنسان ليعذبه أو يختبره عبثًا، هو من السفه الذي لا يمكن قبوله من إنسان عاقل.**
- الاستنتاج
- إن النظام الاجتماعي الوحيد الذي يصلح لأن يكون نظام حياة الإنسان على هذا الكوكب هو النظام الذي ينبثق من منهج الأنبياء. هذه الحقيقة، التي أثبتتها الأبحاث الاجتماعية والإنسانية الحديثة، هي البديهة. من هنا يتضح أن الشعب وحده لا يستطيع إدارة مصير مجتمعه بدون قائد كامل، وأن اختيار القائد الأعلى لا يمكن أن يكون من الشعب، بل لا بد أن يأتي من وجود أعلى، من الله، عبر طرق شريعة موثوقة، في ظل خطة إلهية واعية. وهذا هو المنطق الحقيقي، وإن قُدّم في إطار تاريخ الأديان، فهو أصدق من أي تحليل علمي عشوائي أو سياسي أو اجتماعي.**
كفاءة الدين الإسلامي
رغم أن هذا الوهم قد يطرأ على كل عقل متفتح وسليم، ويتساءل لماذا لم يتحقق الإسلام في نفوس البشر والمجتمعات الإنسانية بشكل عملي، ولماذا لم يتمكن، رغم تعاليمه الشاملة، من أن يلعب دوراً أساسياً في المجتمعات والأفراد، إلا أنه يجب التوضيح من أين تأتي هذه النقائص؟ إذا لم تُطبَّق المبادئ الإسلامية والقوانين المحكمة القرآنية، والمشاعر العرفانية العميقة، والقصاص والديات في المجتمع، وإذا لم تُجدِ أقوال العلماء الدقيقة، وأفكار الصوفية الحقيقيين، وفلاسفة القرآن الكريم في اختراق المجتمع، وإذا لم توجد الأخلاق الإسلامية بين المسلمين بشكل كامل، وإذا كانت المجتمعات الحالية – حتى المجتمعات الإسلامية – تفتقر إلى الفضيلة وتزداد سوءاً، وإذا ظل العلماء الحقيقيون معزولين ومنفيين أو في السجون، وإذا كانت الشخصيات الصالحة محكوم عليها بالظلم، فإن كل هذه النواقص وغيرها الآلاف ليست بسبب نقص الدين أو قصور القانون أو ضعف المذهب الإسلامي، بل كلها ناتجة عن غياب القادة الصالحين، وعدم احترام شروط القيادة. لأن كل دين أو مذهب يحتاج في تطبيقه إلى سلطة تنفيذية، وهذه السلطة لا تكون فعالة إلا في ظل قيادة صالحة وكفء.
وبهذا الشرح يجب القول: كل الشكوك وأسباب التساؤل التي تظهر حول عدم تطبيق أحكام الإسلام لها جواب واضح، وهو أن القادة المفسدين في كل مكان، سواء في البلدان الإسلامية أو غيرها، ليسوا أهل الكفاءة والجدارة لقيادة المجتمع الإسلامي. بالإضافة إلى أنهم لم ينمّوا في عقولهم فكرًا سليمًا وأساسياً عن الدين والتجديد والإسلام والحضارة. إن تطبيق الإسلام وقوانينه المقدسة في واقع المجتمع البشري لا يمكن أن يتحقق إلا بظهور قائد أعلى يتمتع بفكر كامل تحت ظل حكومة إسلامية حقيقية. ومن الضروري أن يسعى الجميع إلى القضاء على جذور الفساد والانحلال، وتنفيذ قوانين القرآن الكريم لتحقيق العدالة الفردية والاجتماعية.
فالعيب الوحيد الذي يمكن أن يُنسب إلى قوانين الإسلام والمجتمع الإسلامي، والذي سبب العديد من الاضطرابات، هو أنَّ أولئك القادة غير الأكفاء الذين لا يمتلكون الفكر النظيف استولوا على قيادة الأمة الإسلامية. لقد بدأ انحطاط المجتمع الإسلامي منذ أن أصبح القادة الذين لا يستحقون قيادة المجتمع الإسلامي على رأس الأمور، حتى صارت هذه القيادة التي تغذت من الشهوات والفساد أداةً للقتل والدمار، فهذه السيوف التي صقلتها الشهوات والنجاسات لم تقتصر على ضرب رؤوس الأرواح الطاهرة للمجتمع الإنساني، بل دائمًا ما استهدفت لطخة صفاء الحياة والروح البشرية، فحوّلت هذا المجتمع الخالي من الروح إلى جثة هامدة، تعرضت لنهش آلاف الذئاب والكلاب الجائعة، وفقدت كافة المساواة الحقيقية والامتيازات الجوهرية، وحولت وضوح النهار إلى ظلام أشد من السواد. لذلك، فإن قوانين الإسلام الحقيقية هي حقائق يجب السير عليها، لتحريك المجتمع الإنساني نحو المثال الأعلى.
تميّز الإسلام
أكبر وهم يسكن في أذهان المفكرين الواعيين هو التساؤل: ما الفرق بين الإسلام والمدن الفاضلة والجمهوريات الذهنية؟ هل الإسلام مذهب فكري مجرد؟ وهل يمكن اعتبار مذهب لا يحقق تحقيقاً خارجياً مثالياً مذهباً شاملاً وذا فائدة تطبيقية؟
وللرد على هذا الوهم نقول: نعم، بلا شك، هناك فروق عديدة بين الإسلام وغيرها من المذاهب الفكرية، سواء من حيث القوانين أو من حيث تطبيقها. فالمذاهب الخيالية لا تتحقق واقعياً، بل تبقى مجرد تصورات ذهنية. على العكس من الإسلام الذي نشأ في بيئة عربية جاهلية، لكنه تقدم بشكل غير مسبوق، حتى وصل إلى قلب إسبانيا، وخرج من بين هؤلاء العرب أشخاص متميزون وعلماء عظام بلغ تفكيرهم حد الدهشة. هذا التقدم الكبير كان بفضل وجود القائد الحقيقي والمستحق، الذي لم يدخر جهداً في سبيل هدفه، ورفع راية الحق فوق الأفكار، وبالرغم من بدايته المتواضعة وأقلية أتباعه، استطاع أن يركع القياصرة والملوك، وأسس حكومة قوية تقوم على العدالة والحق وتطبيق كامل لأحكام الإسلام في المجتمع. ولقد تبع ذلك قادة صادقون آخرون، لكن الإسلام بقي وحيداً ومغترباً بسبب وجود عدد من المستغلين والمثيرين للفتن، وبقي في غربته حتى الآن، ورغم تقدير العالم لقوانين الإسلام السامية، إلا أنهم لا يتبعونها بسبب غياب القيادة السليمة والتنفيذ الصحيح.
سبب غياب القادة الأكفاء
بعد أن تم تفنيد وهم نقص القانون الإسلامي وقصور الدين بإيجاز، يطرأ وهم آخر في ذهن الإنسان: لماذا لا يكون قادة المجتمع البشري مربين حقيقيين؟ ولماذا لا يتبع الناس القادة الصادقين، مع علمهم بأن العالم الأفضل هو من يصلح للقيادة؟ كيف يخطئ الإنسان مع هذا الإدراك؟ وهل نقص القادة الحقيقيين هو سبب التخلف والتراجع؟ هل ضعف القادة الحقيقين يدل على عدم وجود الوعي الكافي أو القدرة السياسية والإدارية؟ هل يمكن تحميل الناس وحدهم المسؤولية وإعفاء القادة من أي نقص؟ وهل يمكننا اعتبارهم كاملين في القيادة؟ لا بد أن يوكل الحمل إلى من يجمع بين العلم والعدل والإدارة السياسية الكاملة، وإلا فحتى لو سلمت لهم الأمور، لن يستطيعوا إدارتها.
للإجابة عن هذه الأسئلة، نبدأ بتوضيح بعض النقاط الأساسية:
البيان الأول: لغة العملاء
في كل مجتمع، توجد مجموعة من الأشخاص الذين، بسبب نقص الجدارة والضمير، يعيشون في وهم تفوق دمهم على دم الآخرين، ويعتقدون أن لقمتهم يجب أن تكون أكثر دسامة من الآخرين. وهم غير مستعدّين لقبول نظام متساوٍ في المجتمع، فإما أن يعكروا صفوه وإما أن يحققوا أهدافهم بأي ثمن حتى لو فقدوا أرواحهم، لأنهم لا يستطيعون العيش في صفوف الطبقات الدنيا.
البيان الثاني: لغة القادة الحقيقيين
في مقابل هؤلاء الأشرار، يقف القادة الإلهيون الذين تعلموا من تعاليم سامية، فيظل شعارهم في كل لحظة: أيها الإنسان، أنت معى، أنت الذي ظهرت رغم كل الصعوبات. لا شيء فيك سوى الحزن والفقر، انظر داخل نفسك لتدرك الحقيقة الأبدية التي تقول إن كل المخلوقات متصلة ومترابطة في وحدة واحدة لا شريك لها. لذلك، يجب أن يكون القائد خادماً لأمته، ومتواضعاً، لا متكبراً، لأن هذا هو الطريق إلى النجاح.
البيان الثالث: معنى السياسة
السياسة مفهوم متغير بحسب العصر والظروف، لكنها في جوهرها تحمل معنيين رئيسيين: أولاً، من منظور القادة الحقيقيين، هي طريق هداية الإنسان نحو الكمال والتقوى والفضيلة، ومحاربة كل الشرور. ثانياً، من منظور العملاء والمنافقين، هي أداة للوصول إلى السلطة والثروة بأي ثمن، دون مراعاة للأخلاق أو الحق.
البيان الرابع: عقلية الجماهير
الجماهير، بسبب نقص الثقافة والتعليم، لا تفكر دائماً بعقلانية، وتتبع الأصوات التي تبدو جميلة ظاهرياً، ويتصرفون كالببغاوات، لا يفكرون في العواقب ولا في صحة ما يسمعون.
البيان الخامس: تقسيم الناس إلى ثلاث طبقات
- العملاء السكارى الباحثون عن مصالحهم؛
- الجماهير الغافلة؛
- القادة الأذكياء والواعون المسؤولون.
الرد على الانتقادات والدفاع عن القادة الحقيقيين
بعد هذه التوضيحات، يتبين لماذا القادة الحقيقيون غائبون أو يعانون من صعوبات، لأنهم يسيرون دوماً في طريق الحق، بينما العملاء مستعدون لفعل أي شيء لتحقيق أهدافهم، والجماهير تتبع بسهولة الأصوات المغرية دون تفكير. لهذا السبب، نجد القادة الحقيقيين غالباً في عزلة أو سجونا أو في صمت، أو في أفضل الأحوال في محاولة مستمرة للدعوة إلى الحق، رغم كل الضغوط والقمع.
الإفراط في الطهارة
في هذا المجال يجب القول بكل شجاعة وإنصاف: عبر التاريخ، كان هناك دائماً بين العلماء الإلهيين فريقٌ نتيجة لنقاء أذهانهم وتركهم لكل الشرور، واعتقادهم بأنهم بحذر شديد على طريق الحق والصواب في كل مذهب، وقعوا في غفلات عظيمة، وكان لهم أثر بالغ في إبطاء حركة عجلة الكمال أو تأخر المجتمع الإنساني. ويجب القول: إن هذا هو الإفراط في الطهارة الذي فجأة يدفع الإنسان إلى النجاسة.
ممّا تقدم يتبين أن قوانين الإسلام وقادته الحقيقيين يمتلكون جميع شروط القيادة اللازمة، وإن لم تُطبّق هذه الأحكام والقوانين بشكل كامل في المجتمع الحالي، فإن السبب الوحيد لذلك هو تقصير الأمة؛ لأن القانون والمذهب، مهما كان عالياً، لا يمكن أن ينتشر إلا إذا كان الشعب جديراً بامتلاكه والعيش في ظله. وكما أن مراتب الأنبياء وتتابع الأديان دليل على اختلاف جاهزية المجتمعات والأمم، فلا بد من إزالة العقبات وتهيئة الأرضية المناسبة لاستقبال حكومة الحق والحياة السليمة، ليُحصل في ظل تعاليم الإسلام السامية على عالم طاهر مليء بالآخرة والبقاء، وهو المثل الأعلى والمفقود للبشرية.
ساحة الحق والباطل
منذ بداية التاريخ على أرض الدنيا، كان المعركة بين أصحاب الطباع الدونية قائمة، وهم الذين يديرون الأمور، وقد حصروا الطاهرين والواعين الإلهيين في زوايا العزلة أو قيدوا بسلاسل الظالمين. ففي يومٍ ما، وجد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) نفسه في بحر الحزن والأسى، يردد في نفسه أمنيته: «فزت ورب الكعبة». ذلك الذي يجب أن يتولى قيادة الأمة وقافلة البشر، يُجبر على توجيه كل قواه إلى فريقٍ حقيرٍ عديم القيمة، قوى كان ينبغي أن تستثمر لاستعادة وتمييز مزايا المجتمع وتنميتها، لكنها بدلاً من ذلك تُصرف في مواجهة العناصر الخبيثة في المجتمع. ورغم أن هذا الأمر ضروري، إلا أنه يصبح مفرطًا بحيث لا يبقى الكثير من جمال الحق.
وفي يوم آخر، على الإمام الحسن (عليه السلام) – الجميل بين أهل الجنة، إمام الشيعة، سيد الأحرار والواعين – أن يرفع كأس الحزن وبحر السم، على أمل التحرر من براثن الغربان، كأنه يعانق محبوبته الجميلة، ويقول في نفسه: «يا ماء، يا سم، يا كأس الأمل! رغم ما فيك من مرارة وسمية، أنت تربي الحرية، وبكامل الصدق وأداء الواجب تُريحني».
وفي يوم آخر أيضاً، الإمام الحسين (عليه السلام) – سيد الشهداء ونبي العشاق – بصوته الإلهي الذي لا يصدح إلا بنداء الله، يصرخ: «يا سيوف، انصروني لأحطم براثن الظالمين، وأسير نحو حياة الكمال المطلق».
ومع مرور الأيام، وقعت معارك مستمرة بين الطاهرين والواعين في مواجهة الظالمين والضعفاء، بكل طاقاتهم، ولم يسمحوا لهم بإدامة عالمهم المريح، رغم أنفهم وتضحياتهم الجسيمة. فالظالمون، رغم كل ذلك، لم يزلوا مستمرين في ممارساتهم الاجتماعية الخبيثة، وتستمر معركة الحق والباطل يومياً، حيث كان علي وحسن وحسين (عليهم السلام) يواجهون معاوية ويزيد، الذين سعوْا بكل أنواع الجرائم والخداع لإسكات صوت الحق والمطالبة به، ومواصلة مخططاتهم الشريرة.
في الرد على هذا الوهم يجب القول:
لم يكن الأمر كذلك قط، فهذا القول باطل ومجافٍ للحق، وهو ما يخرج دائماً من أفواه أولئك الأموات الاجتماعيين. هؤلاء الأموات يرددون مثل هذه الأقوال ليهدئوا ضمائرهم الهائجة، وللهروب من عذاب الضمير وثقل المسؤولية، فيرضون أنفسهم بها ويغرسونها في نفوس من هم أموات أكثر منهم. أحياناً يُلبسون هذا الظن القبيح ودرس التوافه باسم سر القضاء وأسرار الحق، فيتغاضون ويطمئنون أنفسهم بقول “الحمد لله”، غافلين عن أنهم قد ابتعدوا كثيراً عن نص الدين، ومنهج الأنبياء، والقرآن الكريم.
أين وجدنا قائداً صادقاً في سبيل الحق والحقائق توقف لحظةً عن السعي، أو ألقى السلاح، أو استسلم للعدو كالأرامل العجائز؟ وأين جلس الرجال العظام والقادة الأوفياء في زوايا العزلة والظلام منشغلين بالذكر، غافلين عن مسؤولياتهم الاجتماعية؟ إن الرجال العظام والقادة الحقيقيين دائماً في حركة مستمرة، يعملون بجد وثبات لتحقيق واجباتهم، والنهوض بالحق والفضيلة، لا يملكون تردداً في مواجهة الألم، أو العذاب، أو فقدان النفس والوجود، ويبذلون أرواحهم لأجل إقامة التقوى والفضيلة، والقضاء على الباطل والرذيلة، في كل مخاطر ودوامات البلاء.
وتاريخ الشيعة وأتباع قادتهم الصادقين شاهد على هذا العطاء والتضحية، وعلى هذا النضال والوعي والقيام. فقد قاتل الشيعة في كل عصر ضد الظلم والطغيان والفساد، وواجهوا الطغاة بما أدهش العالم، واستقبلوا الخطر والقتل والتعذيب الشيطاني بكل شجاعة. هذا ما كان وما زال وسام فخر وشعار الشيعة عبر تاريخهم. تحية الحق والسلام على أرواح شهداء طريق الحق والفضيلة، الذين لم يبخلوا بتضحياتهم في سبيل الهدف والواجب الإنساني، وهذه هي فكر وسيرة الأحرار السابقين، وهي واجب الإنسان الواعي اليوم.
ويجب على الجميع ألا يرتاحوا لحظة في سبيل تحرير البشرية من قيود الطغاة، وألا يخافوا من الألم أو فقدان النفس والوجود. لا يمكن لإنسان مسؤول وواعي أن يغفل أو يستكين، أو يحبس نفسه في عزلة وانفراد، وينشغل بالذكر والورد، بينما العملاء والمستعمرون يفعلون ما يشاءون بالمجتمع البشري. بل يجب أن يسعى الجميع ويقوموا، ويقدموا دماءهم لسقي بساتين الله وعباده. الثورة الجماعية والحركة الشاملة شعار كل مسلم، ولا يجوز الاستسلام للراحة حتى تطهر المجتمعات من كل سوء وفساد. يجب القضاء على الفوضى والمشاكل وضمان حياة أفضل وسعادة للبشر. ويجب تجديد دماء الشهداء بدماء الأحياء، وإثبات أن دم الشهيد لا يزال يغلي.
وعلى الجميع أن يثبتوا أن أذان اليتيم الرقيق لم تعد تحتمل صراخ الطغاة، وأن المظلومين والضعفاء لم يعودوا يحتملون ظلم الأشرار، وأن عيون السجناء والقلوب الرقيقة لم تعد تحتمل سجنهم الدائم. لا مزيد من الكسل والضعف والقصر. من أجل الكرامة والإنسانية، ومن أجل الله والدين، يجب على الجميع أن يقوموا وينهوا عهد الشر والفساد. لن يسمح الإنسان الواعي والمنهض بعد الآن للعملاء بأن يحكموا بالعقائد الخبيثة على المجتمع البشري ويعرّفوا أنفسهم كقادة.
لقد حان وقت التوحد، لأن الله واحد، والدين واحد، والبشر يسعون جميعاً إلى الحق. وكل الفرق والحركات هي مجرد ألعاب استعمارية. يجب أن يسير الجميع معاً بصوت واحد نحو هدف واحد، ليصلوا إلى مبتغاهم بأقصر الطرق. هذا عمل سهل وطريق قريب، ونحن لا نبتعد أكثر من خطوة عن الحق والعالم الموحد. العمل الوحيد المطلوب هو توعية الجماهير وتحفيزهم. يجب رفع مستوى وعي المجتمع، وإظهار حقيقة الجهل والخداع الاستعماري. يجب على المفكرين والمثقفين أن يتكاتفوا لنشر الفهم الشامل للمجتمع البشري.
عندما يكتسب الناس معرفة شاملة وكاملة، لن تكون هناك فرصة للمستعمرين للعمل ضد المجتمع، بل يجب التركيز على الجوانب الإيجابية والسير نحو الكمال. لذلك، يجب ألا يرتاح أحد في سبيل تحقيق هذا الوعي والنجاة الشاملة للبشرية، وأن يعمل الجميع لبناء المجتمع وتوعية الجماهير، حتى يؤدوا واجبهم الإنساني والإيماني، مدركين أن الغفلة والكسل تجعل الإنسان ضمن صفوف الضالين مهما كانت أسماؤهم أو ملابسهم، وإن كان المحافظون والمتظاهرون والباحثون عن المبررات أشد خجلًا وإدانة من الطغاة أنفسهم.
ومن ثم، يجب الاهتمام بمعرفة المجتمع ورفع وعيه للحفاظ على إقامة حكم القرآن وتقوية أهداف الإسلام عملياً وواقعياً دون تهاون. ولإيجاد مجتمع سليم، يجب العمل على معرفة الله الحقيقي والبعث الحقيقي، والإمامة والقيادة الحية، والإيمان الحي، حتى يشعر الجميع بأن الإسلام والقرآن ليسا مجرد كلمات للترديد أو تقليد أعمى، أو نقاشات مطولة بلا جدوى، بل حياة وروح متحركة ووجود حقيقي.
القوانين الإلهية ومؤسسها هي ذات الروح القيادية التي تتجسد في كل زمان ومكان في هيئة جديدة، فتُظهر وجهاً جديداً من حقيقتها. في الواقع، هي فكرة وروح واحدة تتجلى في أجساد متعددة، لذا بقاء القانون وثبات المذهب يعتمدان على صحة وجود الفكر القيادي وليس على جسد أو شخصية معينة.
بعد هذا البيان بأن القانون والمذهب يبقيان إلى الأبد، يثور السؤال: من هو الذي يستطيع في الإسلام أن يحمل راية الوجود وقيادة الأمة بعد المشرّع وشخص النبي الكريم؟ ومن هو القادر على تحمل هذه المسؤولية الخطيرة والحساسة؟ وما هي شروط هذا النائب أو الوصي في إطار القيادة؟
ثلاثة مبادئ أساسية في شروط القيادة:
شروط القيادة في أي مذهب يملك صلاحية إدارة المجتمع والأمة حتى بعد المشرّع هي ثلاثة مبادئ عامة وأساسية، متى توافرت كلها معاً تحدد القائد وتكون معياراً لانتخابه. كل مبدأ لوحده لا يكفي للتحديد، وإذا غاب أي منها فلا يُعتد بالآخرين. وهذه المبادئ هي:
- يجب أن يُختار القائد من قِبل المشرّع شخصياً، ولا يُقبل اختيار من غيره؛
- يجب أن يمتلك الوصي صفات القيادة طوال فترة مهمته؛
- يجب ألا يُحدث أي تعديل أو تغيير في المبادئ العامة للمذهب أو قوانينه تحت أي مسمى (كملحق أو تعديل).
المبدأ الأول: اختيار مقام الوصاية
يجب أن يُنتخب مقام الوصاية من قبل المشرّع شخصياً، لأن استمرارية القانون وكماله تتطلب نظرة مستقبلية شاملة تضمن استمرار إطار القيادة، وهذا لا يتأتّى إلا من المشرّع. وإلا فإن أقل خطأ قد يؤدي إلى ثغرتين كبيرتين في أساس المذهب:
- الفوضى في تعيين القيادة في المستقبل، بحيث يصبح كل فرد يسعى لمصلحته الشخصية تحت غطاء القيادة؛
- حاجة المذهب لعوامل خارجية في تعيين القيادة مثل المجالس أو الأغلبية الشعبية أو المخططات الحزبية.
ولتجنّب هذه المخاطر، يجب على المشرّع تحديد مقام الوصاية ومدافع حقوق القانون في المستقبل بشكل شخصي ونوعي، وإلا فسيتعرّض المذهب للتحريف ولن يحافظ على شرعيته.
المبدأ الثاني: صفات القيادة
يجب أن يمتلك الوصي صفات القيادة والقدرة على إدارة المجتمع، ويجب أن يحافظ على هذه الصفات طوال فترة ولايته. لا يُشترط وجود هذه الصفات عند التعيين فقط، لأن المشرّع الذي يملك قانوناً كاملاً ويختار القائد سيختار شخصاً جديراً، لكن استمرار القيادة يعتمد فقط على بقاء هذه الصفات، وإذا فقدها الوصي في أي وقت، يفقد صلاحية القيادة.
المبدأ الثالث: عدم التصرّف في القانون
لا يجوز للوصي أن يغيّر المبادئ الأساسية للمذهب أو قوانينه، أو يضيف ملحقات أو تعديلات، لأن المذهب الكامل لا يحتاج إلى تعديل، والتدخل في أسسه يدل على نقص أو فساد في المذهب، مما يفقد الوصي شرعيته. وإذا ثبت نقص في القانون أو المذهب، فإن الوصي يُعزل تلقائياً.
بناءً عليه، الشروط العامة للوصاية هي هذه المبادئ الثلاثة التي تحافظ على استمرارية القانون وضمان إطار القيادة، وإذا فقد أي منها يتعرّض المذهب أو القيادة للخلل، مما يفقد صلاحية تطبيق القانون والاقتداء به.
البَیْنَةُ وَجْهُ الاِسْتِعْمَارِ فِي الدِّينِ
بِمَا ذُكِرَ مِنْ بَیَانٍ عَنِ المَذاهِبِ البَشَرِيَّةِ، تَتَضَحُ طَبِيعَةُ وَأَسَاسُ المَذاهِبِ السَّمَاوِيَّةِ المُحَرَّفَةِ وَتَتَجَلَّى هَيْكَلِيَّةُ تِلْكَ المَذاهِبِ بِوُضُوحٍ وَإِشْرَاقٍ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الأَدْيَانِ كَانَتْ فِي الأَصْلِ سَمَاوِيَّةً وَإِلَهِيَّةً، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ مَقْيَدَةً لِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ وَلِفِكْرَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ احْتِيَاجَاتِ الشَّعْبِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلأَجْيَالِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَغْمَ اِحْتِرَامِ أَصْلِهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَتْبَاعِ الدِّينِ الإِلَهِيِّ. فَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا كُتُبٌ إِلَهِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ، أُرْسِلَتْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَنْ طَرِيقِ رُسُلِهِ لِهَدْيِ أَفْكَارِ النَّاسِ فِي زَمَنِهَا، فَإِنَّهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ فَتْرَتِهَا وَمُدَّتِهَا، تَفْقِدُ قِيمَتَهَا العَمَلِيَّةَ، لِأَنَّ تِلْكَ التَّعَالِيمَ الإِلَهِيَّةَ كُلٌّ لَهَا أَبْعَادٌ مُحَدَّدَةٌ وَلَيْسَتْ شَامِلَةً وَمُتَعَدِّدَةَ الأَضْلَعِ، وَمَا كَانَ الرُّسُلُ لِتِلْكَ الأَدْيَانِ – الَّذِينَ هُمْ قِيَادَةٌ حَقِيقِيُّونَ – يَدَّعُونَ الجَامِعِيَّةَ وَالأَبَدِيَّةَ وَالخَاتَمِيَّةَ لِمَذْهَبِهِمْ. وَعَلَىٰ هَذَا، فَقَدْ وَعَدُوا بِالْمُسْتَقْبَلِ وَتَكَلَّمُوا عَنْهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِالإِشَارَاتِ وَالتَّعْبِيرَاتِ الصَّرِيحَةِ عَرَّفُوا بِالخَاتَمِيَّةِ وَالأَبَدِيَّةِ لِلإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ فِي تِلْكَ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
وَلَكِنْ، فَإِنَّ المُسْتَغِلِّينَ وَالمُسْتَعْمِرِينَ لِلْمُجْتَمَعِ الإِنْسَانِيِّ دَائِمًا فِي وُعُودِ النَّوْمِ وَيَرَوْنَ النُّورَ فِي الظُّلْمَةِ وَيَأْخُذُونَ مَصَالِحَهُمْ. هَؤُلَاءِ دَائِمًا يُلْعِبُونَ أَلْعَابًا وَيَسْتَعْمِلُونَ خُدَعًا لِكَيْ يَسْتَغِلُّوا الجُمُوعَ وَيُشْغِلُوهُمْ، حَتَّى يَسْتَفِيدُوا مِنْ تِلْكَ الكُتُبِ الإِلَهِيَّةِ وَالمَشَارِيعِ المُضَادَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ، وَيُسَبِّبُوا لِلمُجْتَمَعِ الإِنْسَانِيِّ وَاقِعَاتٍ مَأْسَوِيَّةً.
هَؤُلَاءِ المُسْتَغِلُّونَ وَعَازِفُو الطَّرَبِ الأَصَمُ وَالراقِصُونَ الأَعْمَى، يَتَحَكَّمُونَ فِي القَوَانِينِ وَالمَذاهِبِ الإِلَهِيَّةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ عُمُرِهَا وَيُجَدِّدُونَهَا بِأَلْفِ تَزْوِيرٍ وَمَكْرٍ، وَيُقَدِّمُونَهَا فِي صُورٍ ظَاهِرَةٍ جَدِيدَةٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الْعَجُوزَةَ المُهْتَرِئَةَ بَعْدَ زِيَارَتِهَا لِأَزْوَاجٍ مُتَعَدِّدِينَ عَرُوسًا جَمِيلَةً وَرَاقِصَةً فِي مَحْلِّ العَامَّةِ أَو الكَنِيسَةِ، لِيَأْخُذُوا مِنْهَا مَهْرًا جَدِيدًا وَيُعَرِّفُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّهُمْ الآبَاءُ الرُّحَمَاءُ لِتِلْكَ العَرُوسِ.
وَلِذَلِكَ، فَقَدْ شَكَّلَ هَؤُلَاءِ العَبِيدُ الْمُرْتَزِقُونَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ مُبَكِّرًا فِي الصَّبَاحِ إِلَى هَذِهِ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِتَدْخِيلِ قَلِيلٍ فِي طَبْخِهَا، حَتَّى تَحَوَّلَتْ تِلْكَ الكُتُبُ مِنْ صُورَتِهَا الإِلَهِيَّةِ الأَصْلِيَّةِ إِلَى وَجْهٍ اسْتِعْمَارِيٍّ وَخُرَافِيٍّ حَدِيثٍ، وَحَتَّى لَمْ يُعْرَفْ طَبِيعَتُهَا الحَقِيقِيَّةُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ الحَالِيِّينَ وَالْوُحُوشِ الْمَزِيْفَةِ، وَلَمْ تَعُدْ تُطْمَئِنُ القُلُوبَ المُؤْمِنَةَ.
وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ تَحْتَفِظُ بِاحْتِرَامِ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّينِ، خُصُوصًا المُسْلِمِينَ فِي العَالَمِ، فَإِنَّهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ لَا تَصْلُحُ لِلتَّطْبِيقِ وَاتِّبَاعِهَا، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّفَةً، لَمْ تَكُنْ تَتَمَتَّعُ بِالصَّلاَحِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الإِنْارَةِ وَالإِجَابَةِ عَلَى احْتِيَاجَاتِ الشَّعْبِ بَعْدَ وَقْتِهَا، وَخَاصَّةً هَذَا الزَّمَنِ. وَإِذَا تَمَّ تَحْرِيفُهَا وَالطَّغْيَانُ عَلَيْهَا، فَسَوْفَ تَفْقِدُ احْتِرَامَهَا وَتَفْقِدُ أَيْضًا جِدَارَةَ التَّقْدِيرِ، وَلَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَى أَفْكَارِ الرُّسُلِ وَالقِيَادَةِ، خُصُوصًا لِلتَّهَمِ الَّتِي وُجِّهَتْ إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الْمَعْصُومِينَ فِي هَذِهِ الكُتُبِ المُحَرَّفَةِ، وَهِيَ تَكُونُ فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ جُزْءًا مِنْ صِرَاعِ مَصَالِحَ الشَّيَاطِينِ وَالأَبْدَالِ وَالْمُسْتَعْمِرِينَ.
فَالمُسْلِمُ الأَمِينُ يَعْرِفُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الإِلَهِيَّةَ وَالخَاتَمِيَّةَ وَالأَبَدِيَّةَ وَالوَحْيَ الأَخِيرَ وَالكِتَابَ المُحْفَظَ وَالإِعْجَازَ وَالتَّنْزِيلَ لَهَا وَهُوَ فِي شَأْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤْخَذَ عَنِ الكُتُبِ السَّابِقَةِ بِكُلِّ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ إِخْطَاءٍ وَحُرُوفٍ وَتَحْرِيفٍ وَنِقَاضٍ. وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هُوَ الكَامِلُ وَالْمُتِمُّ لِكُلِّ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ الحَقُّ المُطْلَقُ وَالوَحْيُ الإِلَهِيُّ المُتَنَازَعُ عَلَيْهِ.
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَجْهٌ آخَرَ لِلدِّينِ إِلَّا الوَجْهُ المُتَمَّمُ وَالمُتَكَمِّلُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الإِسْلَامُ وَالقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَهَذَا هُوَ التَّحَدِّي الأَكْبَرُ لِكُلِّ مَنْ يَطْمَحُ إِلَى إِسْتِعْمَارِ الدِّينِ وَتَحْرِيفِهِ.
إِذًا، إِنَّ البَيِّنَةَ وَجْهُ الاسْتِعْمَارِ فِي الدِّينِ هِيَ كَمَا وَصَفْنَا، وَهِيَ تَحْرِيفُ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ وَتَدْخِيلُ صُوَرٍ جَدِيدَةٍ وَمُزَوَّرَةٍ تَتَنَاسَبُ مَعَ مَصَالِحِ المَسْتَعْمِرِ وَمُهَيِمِنِي المَجْتَمَعِ الإِنْسَانِيِّ، وَرَغْمَ قِدَمِ الأَدْيَانِ وَوُجُودِ صِلَتِهَا بِاللهِ وَالرُّسُلِ، فَلَكِنَّها بِصُورَةٍ مَزَيَّفَةٍ وَمُتَحَكِّمٍ فِيهَا مِنْ أَجْنَادِ الظُّلْمَةِ.
الدورة الأولى: الأنبياء السابقون
تُختصر مرحلة القيادة الأولى في الأنبياء السابقين والرسل الذين سبقوا الإسلام. وعلى الرغم من اختلاف في عددهم، إلا أن كثرتهم ليست محل نزاع، ويُشهر أن عددهم يبلغ مئة وأربعة وعشرين ألفًا. أولهم هو سيدنا آدم أبو البشر، وآخرهم هو النبي الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) الذي وحده يشمل المرحلة الثانية من التاريخ البشري.
ومن بينهم عددٌ مشهور ومعروف، ذُكروا في القرآن الكريم وأُشير إلى تاريخهم، وهناك آخرون مجهولون، وقد ورد ذكر بعضهم في الروايات والتواريخ، لكن أسماء الكثيرين منهم غير معروفة.
ومع ذلك، كانت درجاتهم ومقاماتهم متباينة ومختلفة، كما أن رسالاتهم اختلفت اختلافًا جوهريًا. فبعضهم كان نبيًا لقومه وعشيرته، وبعضهم كان رسولًا لمدينة أو إقليم، وبعضهم كانت رسالته عامة للعالمين. وكان عدد قليل منهم مُنزَّلًا عليهم كتاب، لذا يُطلق على هؤلاء “رسل”، وبعضهم كانوا يستلهمون الأحكام الإلهية من الوحي والأحلام الرحمانية، وفئة منهم كانوا تابعين ومُقلدين للرسل السابقين. وباختصار، يمكن تصنيفهم تحت ثلاثة عناوين رئيسية: النبي، الرسول، وأولو العزم من الرسل.
إن إرسال هؤلاء الرسل والمبشرين في أزمنتهم، كان متفردًا ومتناسبًا مع ظروف زمانهم، متضمنًا تشريعات خاصة، وخصائص كمية وكيفية محددة، تلائم أوصاف وخصوصيات مجتمعاتهم.
ولابد من النظر إلى رسالة الرسل والهاديين للبشرية كمرحل دراسية متعاقبة؛ فكل طالب في مستوى تعليمي معين يجب أن يمر بمرحلته الخاصة بترتيب محدد ليصل إلى المراتب العليا. ومرت البشرية بكل هذه المراحل المتعاقبة حتى وصلت إلى هذه المرحلة من الهداية والقيادة. ويجب القول إن الإسلام هو المرحلة الأسمى والنهائية للفكر البشري، مع أن للإسلام مراحل تكاملية كثيرة، حيث يستفيد منه كل ذي مستوى فكري مهما كان.
والاقتداء بهؤلاء المبشرين الإلهيين في كل زمان واجب على الجميع، ولا يمكن لأحد أن يدّعي الاستغناء عنهم، إلا إذا اختار طريق الضلال والانحراف. وإن كانت قوانينهم قد توقفت بعد فترات قيادتهم، ولا تُطبق في الأزمان اللاحقة، ويتعين اتباع الرسول الذي يليهم، إلا أن هؤلاء الرسل وكتبهم السماوية وأوامرهم الحقة — التي لم تُلوثها أيدي استعمارية — تظل محترمة من الجميع. ومن يدّعي التدين لا يجوز له أن يجحدهم أو يسيء إليهم.
ما سبق هو ملخص موجز لفترة التاريخ الأول للقيادة، وكان الهدف بيان مسار تاريخي موجز، وليس سردًا كاملاً لتاريخ الأنبياء وأسمائهم، وهو أمر يحتاج إلى فرصة أخرى. وللأسف مع وجود كتب كثيرة وأحاديث عديدة في هذا المجال، لا تزال الاستفادة الفكرية والعلمية منهم مهملة، ويجب التشجيع على البحث التفصيلي.
الدورة الثانية: عصر التكامل
هذه المرحلة التي يجب تسميتها بعصر التقدم والتكامل البشري، تتسم بامتيازات كثيرة، بحيث إن تاريخ القادة الصادقين السابقين كان تمهيدًا ومقدمة لهذه المرحلة المثالية. في هذه المرحلة، يُعتبر التكامل ممكنًا للإنسان، بحيث يأخذ التقدم البشري مسارًا جديدًا، ويستلهم كل ما يليه من هذه المرحلة.
بزوغ الإسلام وظهور الأحداث
في هذه المرحلة، بُعث النبي الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة، وواجه صعوبات وأحوالًا شديدة لم يسبق أن تعرض لها أي من الرسل السابقين. رغم أن الناس لم يكونوا محرومين كليًا من التقدم المادي والازدهار الأدبي، فإنهم كانوا فاقدين للمحبة والصفاء والإيمان والصدق والأخلاق الطيبة، بحيث أصبحت التفاخرات المادية تزينت بمظاهر براقة، وحبست البشر في ظلمات الرذائل والضلال. حتى أن المجتمع خلت فيه قوة للنقاء وصدق، وأقل الناس يعبر عن المحبة أو يرفع شعار الطهارة.
في هذه اللحظة، بزغ الإسلام بكامل أبعاده، من “قل هو الله أحد فكنتم خير أمة…” إلى مراحل أخرى عميقة لم يزل الفكر البشري يغوص في أسرارها. وببيانٍ مؤثر محكم مليء بالبرهان والفكر والعرفان والمحبة واللطف، بدأ الإسلام يضيء وسط ظلمات المجتمع البشري المتدهور، ويعارض كل الشرور والفساد، ويردع جميع القوى الطاغوتية ويهديهم إلى سبيل الحق والفضيلة. وفي زمن قصير جدًا، غير قابل للمقارنة مع العهود السابقة، أسس عالمًا داخليًا نقيًا وجميلاً في القلوب، وعرّف البشرية السعادة الأبدية والشوق السرمدي، وأزال عالم الشرور والقبح، وأعطى للبشر حياة جديدة وعالمًا متجددًا.
وأسس في المجتمع جوهر المحبة والألفة والأخوة، وبكل صفاته الروحية والكمالية الذاتية التي هي في الأصل منبع فياض، استطاع بناء عالم جديد حقيقي ومشرق.
لذا، فإن هذه المرحلة الذهبية تختلف تمامًا عن المرحلة الأولى من حيث شخص القانون والقيادة، ومن حيث التشريعات والمناهج الفكرية، ومن حيث حياة الإنسان الواسعة وأفكاره السامية.
امتيازات الإسلام من ثلاث جهات:
- امتياز قائد الإسلام عن بقية القادة السابقين؛
- امتياز قوانين وأفكار الإسلام عن المذاهب الإلهية السابقة؛
- خصوصية موقع وحاجات هذه المرحلة من المجتمع البشري التي لا تقارن مع المرحلة الأولى.
المحور الأول: خصائص القيادة في الإسلام
قبل الحديث عن امتيازات المشرع الإسلامي، يجب التنويه إلى أن جميع القادة والأنبياء الحق عليهم صفات من عند الله لا يتمتع بها غيرهم مهما بلغوا من العلم والفكر. وهذه الصفات هي التي تميزهم وتُثبت صدقهم، وإذا لم تكن لديهم لما قُبل ادعاؤهم النبوة. سنورد باختصار بعضًا من هذه الصفات:
الصفة الأولى: العلم الإلهي
لا ينبغي لأي نبي أن يتعلم من أحد أو ينتسب إلى مدرسة بشرية ليكتسب العلم، مع أن علمه يفوق كل المعارف في زمانه، فهو مستقل عن كل الناس، وهذا دليل على صدق نبوته، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يحيط بكل علوم زمانه دون تعليم. ومن هنا يمكن تمييز الأنبياء من الدجالين الذين يدعون النبوة زورًا. ورغم ذلك، عبر التاريخ ادعى بعض الجهال النبوة وقبلهم آخرون، لكنهم لم يجنوا إلا الخزي والعار.
الصفة الثانية: العصمة
امتياز آخر وهو صفة أساسية للنبوة، وهي العصمة من كل خطأ أو ذنب في الفكر أو القول أو العمل. المعصوم هو الذي لم يرتكب ذنبًا أو خطأً طيلة حياته، من المهد إلى اللحد. هذه الصفة أساسية لكي يطمئن الناس إليه. ولحسن الحظ، لم يدع أحد العصمة إلا الأنبياء الحقيقيون، رغم أن بعض المدعين حاولوا إنكارها لأنها صعبة المنال عليهم. لكن الحقيقة أن المجتمع لا يمكن أن يُترك لقائد معصوم إلا إذا كان معصومًا.
الصفة الثالثة: المعجزة
كل نبي يجب أن يأتي بمعجزة تثبت صدقه، ويكون لها أثر محسوس في عصره لا يستطيع الناس مجاراته. وهذه المعجزات تختلف بحسب الزمان، منها الحسي مثل إحياء الموتى وشفاء المرضى، ومنها العقلي الأبدي مثل القرآن الكريم وأفكاره السامية. إلى اليوم، لم يستطع أحد مجابهة القرآن.
الصفة الرابعة: سلامة البدن والنفس
يجب أن يكون النبي بلا عيب جسدي أو خلقي أو نسب. لا تكون له صفات سيئة أو قبيحة، بل يجب أن يجمع بين الطهارة الداخلية والسمو الخارجي. هذه الصفات موضحة في كتب العقيدة.
الولاية والإمامة
الولاية هي صفة أساسية وشاملة للأنبياء، ويجب أن يتحلى بها جميعهم. ومن الجدير بالذكر أن هذه الصفات توجد أيضًا في المعصومين من أئمة الهدى وسيدتنا فاطمة الزهراء (عليهم السلام)، الذين رغم عدم نبوّتهم لهم مقام ولاية عامة وإمامة، ويجب تناول ذلك في مكان خاص.
خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وسلم)
رغم أن جميع الأنبياء امتلكوا هذه الصفات، إلا أنهم ليسوا على مستوى واحد. كل واحد بلغ درجة من الكمال حسب شخصيته ووقته. والمراتب تختلف، والمرحلة النهائية من الكمال تظهر في خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم).
فهو من حيث الوجود والكمال متفوق على جميع الأنبياء والمخلوقات الممكنة. الإنسان نفسه يمر بمراحل تكاملية، ويصل إلى مرحلة يُسمى فيها “الإنسان الكامل” أو “مرآة الكون” و”كأس العالم” التي هي أعلى مرتبة في سير الوجود، وهي شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فقط.
هذا الكمال هو قمة سير الوجود الذي يبدأ من المصدر الأول، وبهذا يختم الله به العوالم، فهو ليس فقط أول صادر، بل هو منتهاه أيضًا، وهو ما يشير إليه الشرع بـ “الخاتم”. معنى الخاتم هنا هو الإنسان الكامل الذي يحمل كل ما لدى سابقيه من كمالات زائدًا عليه خاتمية، وهذا هو الفيض الأتمّ والوجه الأحسن الذي لا يحتمله وجود سواه.
وهذا الامتياز له آثار عظيمة في التشريع وبيان الشريعة.
الدورة الأولى: الأنبياء السابقون
ينبغي تلخيص فترة القيادة الأولى في الأنبياء السابقين والرسل الذين سبقوا الإسلام. ورغم وجود اختلاف في عددهم، إلا أنه لا خلاف على كثرتهم، حيث يُشاع أن عددهم 124000 نبي، أولهم سيدنا آدم أبو البشر، وآخرهم النبي العظيم محمد بن عبد الله ﷺ، الذي يُشكّل وحده المرحلة الثانية من تاريخ البشرية.
من بينهم عدد من الأنبياء معروفون ومذكورون في القرآن الكريم، وقد أشار إلى تاريخهم، وهناك آخرون مجهولون، وقد ورد ذكرهم بشكل متفرق في الروايات والتواريخ، ولا تُعرف أسماء الكثير منهم.
وبالطبع تختلف مراتبهم ومقاماتهم، كما تختلف مهامهم الدعوية بشكل جوهري. فبعضهم كان نبيّاً لقومه أو عشيرته، وبعضهم نبيّ لمدينة أو بلد، وقليل منهم كان يحمل رسالة عالمية. كما أن عدداً منهم كان يمتلك كتاباً سماوياً فتُسمى رسلاً، والبعض الآخر كان يستلهم الأحكام الإلهية بواسطة الوحي أو الرؤى الرحمانية، وبعضهم تابع لرسل سابقين. وباختصار، يمكن تصنيفهم في ثلاث فئات رئيسية: نبي، رسول، وأولو العزم من الرسل.
إن إرسال هؤلاء الرسل والمبشرين الإلهيين تميّز بخصوصيات زمنية تتناسب مع ظروف كل عصر، من حيث الأحكام والشروط والكمّ والنوع، بما يتوافق مع خصائص مجتمعاتهم.
ويجب فهم رسالات الرسل وقيادتهم الإنسانية على أنها مراحل تعليمية مختلفة، حيث يمر كل طالب بمرحلة معينة في دراسته، يجب أن يجتازها بترتيب خاص حتى يرتقي إلى مراحل أعلى. وقد مرت البشرية بكل مراحل وجودها المتتالية حتى وصلت إلى هذه المرحلة من الإرشاد والقيادة. ويمكن القول إن الإسلام هو المرحلة العليا والأخيرة للفكر البشري. الإسلام يحتوي في ذاته مراحل تكاملية كثيرة، يستفيد منها كل من يقف عند أي مستوى من مستويات الفكر.
اتباع هؤلاء المبشرين الإلهيين واجب وضرورة في كل زمان، ولا يجوز لأحد أن يزعم استقلاله عنهم إلا إذا انحرف عن الطريق الصحيح. وبعد انتهاء فترة القيادة، وإن توقفت قوانينها ولم تعد نافذة للتطبيق، وجب اتباع الرسول الجديد الظاهر. وفي كل الأحوال، تبقى تلك الشخصيات والكتب السماوية الحقيقية التي لم تتلوث بأيدٍ استعمارية، محترمة من الجميع، ولا يجوز لمن يدّعي الالتزام بالدين أن يتعدى عليها.
ما ذُكر أعلاه هو ملخص لفترة التاريخ القيادي الأولى، والغرض منه إيضاح مسار تاريخي مختصر، وليس سرداً شاملاً لتاريخ الأنبياء وأسمائهم، إذ إن ذلك يحتاج إلى وقت ومجال آخر. ومع وجود العديد من الكتب والكلام في هذا المجال، فإن الاستفادة الفكرية والعلمية منهم ما تزال قليلة، ويجب استقبال البحث التفصيلي عنهم.
الدورة الثانية: عصر التكامل
هذه الدورة التي ينبغي تسميتها عصر التقدم والتكامل في تاريخ البشرية، تتميز بتفوّقٍ كثيرٍ بحيث أن تاريخ القادة الصالحين السابقين شكّل تمهيداً وإعداداً لهذه المرحلة المثالية. في هذه المرحلة، أصبح التكامل البشري ممكناً بحيث تأخذ البشرية مساراً جديداً، وتستلهم كل تقديراتها من هذه المرحلة.
بزوغ الإسلام وظهور الأحداث
في هذه المرحلة، بعث الرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، وواجه العديد من الصعوبات والمآسي التي لم تعهد في عصور الأنبياء السابقين. بالرغم من تقدم الناس مادياً نسبياً واستفادتهم من العلوم الأدبية، إلا أنهم كانوا يفتقرون كلياً إلى المحبة والإيمان والصدق والأخلاق والنقاء، حتى غدت التفاخرات المادية زينة زائفة حبست الإنسان في ظلمات الضلال والانحراف، فلا بقيت قوة للنقاء ولا طاقة للصدق في مجتمعاتهم، وكادت المحبة تكون غائبة عن قلوبهم.
حينئذ، بزغ الإسلام بكل أبعاده – من قوله تعالى: “قل هو الله أحد” إلى مراحله العميقة التي لم يستكشفها العقل البشري بعد – في وسط تلك الظلمات، فكان بيانه الساحر مملوءاً بالحجج والفكر والعرفان والمحبة واللطف، فأضاء طريق البشرية المضطربة، وناهض كل القبح والبغض والفساد، وقاوم جميع قوى الطغيان، وقاد الناس إلى الحق والفضيلة، حتى أقام في زمن قصير جداً مجتمعاً نقيّاً جميلاً، وأهدى البشرية السعادة الأبدية والشوق الأبدي، وأزال دنيا القبح والظلم، ومنح الإنسان حياة جديدة وعالماً جديداً، وأوجد في المجتمع مركزاً للمحبة والوئام والأخوّة.
وقد استطاع الإسلام بكل كمالاته الذاتية وروحه النقية التي تنبع من المصدر الإلهي الفيض، أن يعيد بناء عالم جميل من الحقيقة بأسس جديدة.
والواضح أن هذه المرحلة الذهبية تختلف كلياً عن المرحلة الأولى التمهيدية، من حيث الشخصية التشريعية والقيادية، ومن حيث القوانين والفكر العقائدي، ومن حيث حياة الإنسان وأفكاره الرفيعة.
ومما يميز الإسلام ثلاث خصائص رئيسية:
- تميز قائد الإسلام على سائر القادة الإلهيين السابقين؛
- تفوق قوانين وأفكار الإسلام على المذاهب الدينية السابقة؛
- موقع واحتياجات المجتمع البشري في هذه المرحلة التي لا تقارن بمرحلة البدايات من حيث الخصائص والأحكام.
الجانب الأول: خصائص القيادة في الإسلام
قبل الحديث عن تميز المشرّع الإسلامي، لا بد من توضيح أن جميع القادة والأنبياء الحقيقيين كانوا يمتلكون خصائص من عند الله تعالى، وهي صفات لا يتمتع بها غيرهم من الناس مهما بلغوا من العلم والفكر، وهذه الصفات تحدد شروط قيادتهم، فإن لم توجد، لم تُقبل منهم دعوى الرسالة الإلهية.
وفيما يلي نبذة عن بعض هذه الصفات:
الصفة الأولى: العلم الإلهي
يجب أن يكون جميع الأنبياء لم يتعلموا في مدارس أو عند أشخاص لاكتساب العلم، وبرغم تفوقهم الظاهر على كل معارف عصرهم، كانوا في غنى عن الجميع، وهذا فضل يبيّن صدقهم، لأن إدراك كل الأفكار العلمية المعاصرة بدون تعليم وتقليد غير ممكن. ومن يظهر أنه يعلم كل شيء عن دون تعليم، فهو إما متعلّم عند مدرسة أخرى أو استاذ آخر غير الله، وهذا معيار لمعرفة الأنبياء الحقيقيين من المزيفين الذين يدّعون الرسالة بالزيف والخداع.
مع ذلك، رغم وجود هذا المعيار، استمر بعض الجهلة في التاريخ بادعاء النبوة، وقبله بعض السذج، واستفادوا من ذلك، لكن تاريخ البشرية أثبت زيف مزاعمهم، وأنها لم تؤد إلا إلى الخزي والعار.
الميزة الثانية: مقام العصمة
الميزة الثانية التي تتمتع بها مقام الرسالة والتي تُعتبر من الشروط الأساسية له، هي العصمة والطهارة من كل خطأ وزلل في الفكر أو القول أو العمل. في المصطلح الديني، يُطلق على هذا الشخص لقب «المعصوم»، وهو البريء والخالي من أي خطأ أو زلّة. فالمعصوم هو من لم يرتكب خلال حياته كلها منذ الولادة وحتى النهاية أي ذنب أو خطأ. هذه الميزة خاصة بهم فقط. ولحسن الحظ، لم يدعِ أحد في التاريخ هذا المقام، بل حتى من ادّعوا النبوة أو الخاتمية أو الركن الرابع لم يزعموا العصمة، إذ أنهم أدركوا عجزهم عنها ونكروا ضرورتها، ووجهوا للنبيين اتهامات باطلة لا تستحق النقل. هؤلاء الجاهلون غفلوا عن أن لا يمكن تسليم المجتمع البشري إلى فرد جاهل وآثم، لأنه في هذه الحالة لا يكون هناك ضمان لصحة مسار المجتمع. لذا يجب أن يكون الأنبياء معصومين وطاهرين من كل ذنب حتى يطمئن الناس إليهم بالكامل.
الميزة الثالثة: معجزة الرسالة
الميزة الثالثة والتي هي عامة أيضًا، هي المعجزة التي يجب أن يمتلكها كل نبي لإثبات رسالته، وهي أمر يعجز الآخرون في عصره عن مجاراته. وهذه المعجزة يجب أن تكون عظيمة ومناسبة للادعاء، ويظهر أثرها عمليًا في المجتمع بلا نقصان. تختلف هذه المعجزات بحسب الزمان والفكر، بعضها حسّي مثل إحياء الموتى وشفاء المرضى، وبعضها عقلي وأبدي مثل القرآن الكريم وأفكاره الإلهية السامية. ومنذ ظهور القرآن الكريم لم يستطع أحد تقديم كتاب محكم يقارنه، ورغم جهود الأعداء إلا أنهم لم يحققوا سوى الفضائح بأقوالهم الرديئة وكتاباتهم الخاوية.
الميزة الرابعة: صحة الجسد والنفس
من صفات الأنبياء أن لا يكون لديهم أي عيب عضوي أو خلل ظاهري أو عائلي، ولا صفات دنيوية أو سوء أخلاق. وكما يمتلكون الصفات الروحية، يجب أن يتحلّوا بالصفات الظاهرية والأسرية المناسبة، وقد وردت هذه الخصائص بالتفصيل في الكتب العقدية والكلامية.
الولاية والإمامة
الولاية هي الصفة الأهم والأعم للأنبياء، ويجب أن يتمتعوا بها جميعًا. وهذه الصفات توجد مجتمعة في الأئمة المعصومين والسيدة فاطمة عليها السلام، الذين رغم عدم نبوّتهم، فهم يتمتعون بمقام الولاية الكلي والإمامة، ويجب التحدث عنهم في مواضع خاصة.
خاتمية النبي الأكرم ﷺ
على الرغم من أن جميع الأنبياء كانوا يمتلكون هذه الصفات الأساسية، إلا أنهم ليسوا جميعًا في مرتبة واحدة، بل كل منهم بلغ حداً معيناً من الكمالات بحسب شخصيته. صفات الكمال مراتب، ويحصل كل إنسان على جزء منها حتى يبلغ نهاية الإمكان، وهذه المراتب مرتبطة بمراحل الرسالة. مع انتهاء فترة الرسالة، يصبح الحد الأقصى للكمال ممكنًا فقط للنبي الخاتم ﷺ، وشخصيته تفوق جميع الأنبياء والمخلوقات الممكنة، إذ إنه رأس الوجود الأزلي ومظهر الكمال المطلق.
الإنسان يتدرج في كماله من قوة الفكر إلى نهايته، حتى يصل إلى مرتبة الإنسان الكامل، التي يرمز إليها بـ «آيينة تمام العالم» و«جام جهاننما». وهذا الإنسان الكامل لا يتجسد إلا في النبي الأكرم ﷺ، الذي هو البداية والنهاية، والمظهر الأتم للحق، وهو ما أُشير إليه في الشريعة بصفة «الخاتم».
الاتجاه الثاني: مقارنة بين الإسلام والديانات الأخرى
المقارنة بين الكتب السماوية تتطلب عنوانًا مستقلاً ومكانة خاصة، ولم تصل بعد إلى مراحلها النهائية، ومن الضروري أن تكون هذه الدراسات دقيقة وموضوعية، لا متحيزة ولا مشحونة بالتعصب، مع الاعتراف بمزايا الديانات السابقة. فالإسلام والقرآن كاملان مقارنةً بكل تلك الكتب، وينبغي توضيح خصوصيات الكتب السماوية السابقة قبل بيان تفوق الإسلام، وإلا سيظل القرآن مجهولًا، إذ أن الإسلام يحتوي على أفكار خالدة غير محصورة بزمن أو مكان.
الديانات السابقة كانت محدودة في زمانها وأفكارها، بينما الإسلام يشمل أفكارًا شاملة وخالدة لجميع الأزمنة. لذا لا عجب أن كل دين سابق تناول جانبًا معينًا فقط، بينما الإسلام والقرآن شاملان لجميع الجوانب الفكرية والاجتماعية والشرعية والأخلاقية والعلمية والفلسفية.
القرآن هو معجزة عقلية خالدة، وبقاء الدين مرتبط ببقاء معجزته. المعجزات الحسّية للأنبياء السابقين كانت مؤقتة، أما القرآن فهو المعجزة الدائمة التي تواجه كل المفكرين.
الاتجاه الثالث: تمايز الأفكار
الأفكار البشرية تتغير وتتطور عبر الزمن بما يتناسب مع التطور الطبيعي للحضارة. وهذا واضح من موضوعات الكتب السماوية المختلفة التي ناقشت قضايا تتلاءم مع زمانها. الإسلام يتجاوز ذلك ويقدم موضوعات تشمل كل الأزمنة، ولهذا يظل حيًا ومتجددًا. على الجميع أن يتفكروا في القرآن بتمعن، وأن لا يرفضوا ما لا يفهمونه سريعًا، بل يستمروا في البحث حتى يكتشفوا الحقيقة، أو يتركوا ذلك للأجيال القادمة.
من خلال دراسة الأمور الثلاثة المتعلقة بالأنبياء والكتب السماوية والأفكار المختلفة عبر الأزمنة، يتضح كيف حدث الاختلاف بين عهد الإسلام والعصور السابقة، وكيف أنه مع أن العبادة والتوحيد لهما جانب شامل وعام وأن الحقيقة واحدة في الأصل، فإن لكل فكر وأزمان مختلفة تُسنّ شعائر وطقوس مختلفة.
ولتوضيح هذا الكلام بشكل أبسط، يجب القول: رغم وجود الناس المتدينين في كل زمان، الذين عبدوا الله وطلبوا معرفة الدين، إلا أن هذه الأسئلة وهذه الألهة وهذه المعارف تتخذ أشكالاً مختلفة في كل زمان ولكل فكر. ومع أن أصل الحقيقة واحد وثابت، إلا أن «كل شخص فهم المسألة حسب قدرته».
الفصل الثالث: الإمامة وحضرات المعصومين
الفصل الثالث من فصول الخمسة لقادة التاريخ البشري الحقيقيين هو عصر الأئمة المعصومين وحضراتهم، بدءًا بالسيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وانتهاءً بحضرة القائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه الشريف). هؤلاء الأربعة عشر هم وجودات طاهرة ومعصومة، وهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجده الكريم وجدة طاهرة هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وباقي الأئمة المعصومين، وبعدهم لم يشهد العالم معصومًا وطاهرًا بهذه الصفات ولن يشهد. ولا أحد ادعى هذا المقام بعدهم.
إن حضرات المعصومين يمتلكون كل الفضائل والطهارات الإنسانية، وهم نور طاهر وجوهرة براقة ظهرت بأشكال متعددة في العالم المادي. وقد وُهِبوا جميعهم قدرات القيادة التي كانت في النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع فرق جوهري أنهم ليسوا أنبياء، بل هم حاملوا دين جدهم النبي. عاشوا في أزمنة مختلفة، لكن من حيث العلم والفكر ومقام الولاية لم يكن بينهم اختلاف. ولا أحد سواهم ادعى العصمة أو الفكر الكامل، حتى المغتصبون للحكم والولاية والاستعماريون في تلك العصور لم يدعوا ذلك، بل خالفوا الحق وأعرضوا عنه رغم إدراكهم الكامل لمقامهم العالي، وظلوا في حاجة دائمة إليهم.
طوال تاريخ الفكر البشري، أدهش هؤلاء المعصومون الناس وأثاروا حيرتهم وندمهم، حتى إن فريقًا منهم زلّ عن الحق وادعى ألوهية الإمام علي (عليه السلام) بسبب عظمة صفاته، في حين أن آخرين شككوا في إمامته وخلافته أو فضّلوا غيره، وهو أمر يدعو للسخرية والحزن. ومن هنا يجب علينا بحذر شديد أن نتحرى الحقيقة وسط هذه الأفكار المختلفة ونعلن أن هؤلاء المعصومين هم القادة الحقيقيون والمربون للبشرية من عند الله الحكيم الرحيم، ومن يعصِهم يُعتبر ضالًا وطاغوتًا، وإن جهلًا يكون أداة بيد الطواغيت والاستعمار.
الأدلة الأربعة
يمكن تلخيص طرق وأدلة إثبات مقام حضرات المعصومين في أربعة محاور:
- القرآن الكريم الذي هو قانون وأساس الإسلام.
- الأحاديث المتواترة التي وردت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
- الطرق العقلية والفكر السليم للعلماء بأن قادة المجتمع البشري الحقيقيين يجب أن يكونوا أكثر الناس أهلية، والتاريخ لا يعرف من هو أرفع منهم.
- الأفكار السامية والأفعال البارزة التي أذهلت العالم وأثارت إعجابه.
وبنفس الأدلة والطرق التي أثبتنا بها وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقانون القرآن، نثبت وجود هؤلاء المعصومين، ويظهر بوضوح في كل صفحة من صفحات القرآن والعقل والحجة نقل الحقائق. إضافة إلى أن وجودهم التاريخي وأفعالهم وأفكارهم التي وصلت إلينا عبر التاريخ والروايات تُظهر هذه الحقيقة.
ومع أن إثبات مقامهم يحتاج إلى برهان مفصل عبر هذه الطرق الأربعة، إلا أن المجال لا يسمح بذلك هنا، وقد كتب في هذا الموضوع كتب كثيرة وعالية المستوى. كل من له معرفة ولو بسيطة بالإسلام يدرك حقانيتهم، وقد تعلم معرفة الإسلام والقرآن من خلالهم، رغم أن الاستعمار حفر خنادق عميقة بين المسلمين وأعاق الفكر الإسلامي. نأمل أن لا يُستغل الفكر الإسلامي في هذه المواضيع من قبل المستعمرين وأن ينأى الناس عن التعصب والجهل والتجاهل العلمي.
وهكذا، يُختتم الفصل الثالث من تاريخ القادة الحقيقيين، ولا يدّعي أي قائد حقًا العصمة في العصور اللاحقة، رغم أنهم كانوا ذوي قدر وأهل للعدل، وكانوا يعترفون بخطئهم.
الفصل الرابع: الغيبة الصغرى والقيادة
الفصل الرابع يبدأ بعد غيبة الإمام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو عصر محدد. رغم أن الإمام هو القائد المطلق للمجتمع البشري وحكمه شامل، لكنه غاب عن الأنظار لأسباب وضرورات يجب مناقشتها. ومع ذلك، بقي حكمه وأمره نافذًا. لذلك، عين ممثلين محددين من أهل الطهارة ليكونوا وسطاء بينه وبين المسلمين، يطلبون العون ويحلون المشاكل، وعدد هؤلاء لا يزيد عن أربعة، وبعد انتهاء هذا العصر، بدأ عهد الغيبة الكبرى حيث لم يعين الإمام ممثلًا خاصًا، ودعا الناس لاختيار ممثلين بشرط ما ذكره، وهي مرحلة نيابة عامة تستمر حتى ظهور الإمام.
وعندما يُطرح موضوع الغيبة والنيابة الخاصة، يشعر العقلاء بحيرة: كيف يكون القائد بين الناس ويغيب ثم يظل قائداً، ويعين ممثلين له؟ هل هذا قابل للبحث والعقل، أم يجب قبوله بالتقليد؟
ونحن نعرض هذا الموضوع عبر أربعة أسئلة رئيسية، نبدأ بالسؤال عن وجود الإمام تاريخيًا، ثم سؤال الإمكان العقلي، ثم سؤال استمرار الغيبة وعدم انتهاءها، وأخيرًا نقد الادعاءات الكثيرة في هذا الشأن.
السؤال الأول: الوجود التاريخي
هل وُجد هذا الإمام المهدي بن الإمام العسكري (عليه السلام) تاريخيًا، من نسل بني هاشم؟ أم أن الأمر قصة خرافية أو من صناعة المستعمرين كما في حكايات مثل ملا نصر الدين؟ الجواب: مع وجود تواريخ صحيحة ومتواترة، هذا أمر مثبت، وجميع المصادر الإسلامية تؤكد ذلك ولا تنكره.**
السؤال الثاني: الإمكان العقلي
هل ممكن منطقيًا أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟ الجواب يتطلب ثلاثة خبراء: الفيلسوف يقول: إذا بقيت الأسباب ولم توجد الموانع، يبقى الوجود. البيولوجي والمؤرخ يؤكدان وجود أمد حياة طويل في مخلوقات وأشخاص سجلهم التاريخ. لا يوجد تعارض علمي أو تجريبي.**
السؤال الثالث: الاستمرارية
هل الإمام ظهر وانتهى دوره أم لا؟ مع وجود كثيرين ادعوا المهدوية لكن لم تتوفر شروطهم كما في نسب الإمام وحياته وظروفه، وهذا يؤكد أن مدعي المهدوية هم كذابون ومستعمرون.**
السؤال الرابع: سبب الغيبة وحياة الإمام
بعد الإجابة على الأسئلة السابقة، يظهر السؤال الرابع الذي يتمثل في سبب غيبة الإمام عليه السلام، ولماذا هو الإمام الوحيد بين كافة القادة الصالحين والأئمة المعصومين الذين تعرّض لمثل هذا الوضع؟ وأين يقيم خلال فترة الغيبة؟ وما هي طبيعة حياته؟ هل له زوجة وأولاد؟ وهل يمرّ بفترة الشيخوخة أم يبقى شاباً؟ جميع هذه الأسئلة يمكن تصنيفها تحت عنوان واحد، ولهذا نعرض باختصار كل سؤال منها، على أن يتم التفصيل في وقت لاحق بحول الله.
الجواب:
فيما يخص سبب الغيبة، يجب التنبيه إلى أن القيادة والإمامة لا تتحقق في أي مرحلة دون ترتيب دقيق أو غاية شاملة. وحيث إن العالم في زمن مولد الإمام عليه السلام لم يكن مستعداً لاستقبال كافة جوانب المعرفة المثالية للبشر، فقد دعت الحكمة إلى فترة الغيبة لكي يُختبر العالم في صراع حي طويل الأمد، ويكتسب فهماً شاملاً وعميقاً لذاته وللهداية المثالية.
ومن البديهي أن الإنسان سيكتشف في هذه المرحلة أن السياسات المادية والمدارس الفكرية لا تملك القدرة على إدارة العالم وتحقيق سعادة الإنسان. وفي تلك اللحظة يستعد الناس لاستقبال القائد المثالي، لأن بدون القيادة المعصومة لا يمكن للمجتمع البشري أن يخلق بيئة صحية للنمو والسعادة، بل سيسقط في الفساد والاعوجاج. مع فرق أن هذا الانحراف لا يتعارض مع إدراكهم الفكري.
أما عن مكان إقامة الإمام عليه السلام في الغيبة، وطبيعة حياته، وهل له أولاد أم لا، فقد انتشرت في الأوساط العلمية والتاريخية أقوال كثيرة، بعضها مستند إلى رؤى خاطئة أو تخيلات لا قيمة تحقق لها. والأفضل ترك هذه الأسئلة جانباً كي لا يستغلها الاستعمار الفكري لإبقاء الناس مشغولين بها لقرون أخرى.
من المؤكد أن بعض الأشخاص قد يلتقون بالإمام أو يتواصلون معه في الخفاء، لكن ذلك يظل سرا لا يعرفه إلا الله. ولذلك يستطيع كل مسلم واعٍ أن يجد إمامه بشروط الأدب والقداسة، وربما دون أن يحظى برؤية جماله.
وعلى هذا الأساس، لا يبقى أي شك أو ادعاء غير عقلاني أمام الباحث العاقل الذي يدرس التاريخ والدين، ويستعد للقاء المنتظر بالإعداد النفسي والفكري المناسب.
الدورة الخامسة للقيادة: تعيين الإمام في الغيبة الكبرى
تبدأ الدورة الخامسة للقيادة التي هي آخر مراحل تاريخ القادة الصالحين بعد فترات الأوصياء الخاصين والأربع الأئمة، حيث يجب على الناس في هذه المرحلة اتباع العلماء الذين تتوفر فيهم الشروط العامة للإمامة، ويسمون «النواب العامون». وقد سُميت هذه المرحلة «الغيبة الكبرى» وتمتد حتى ظهور الإمام.
مدة هذه الغيبة أطول من الدورات السابقة، ولا يعلم أحد متى تنتهي، ومن يدّعي ذلك فهو كاذب.
هناك فرق كبير بين تعيين القادة في الدورة الرابعة والخامسة، ففي الدورة الرابعة كان الإمام يعيّن نوابه ويوجههم مباشرة، أما في الغيبة الكبرى فلا يتم تعيين شخص بعينه، بل تحدد الشروط التي إذا توفرت في عالم شيعي يمكن للمؤمنين اختيار من يليق بهم، وإلا فهؤلاء قد يكونون «ذئاباً في ثياب حملان» كما حذر المعصوم عليه السلام.
ومن واجب الناس أن يطيعوا من يستوفون هذه الصفات، وعلى النواب أن يتحلوا بالصدق والعدل، فإذا شعر أحدهم بعدم الأهلية وجب عليه الانسحاب.
الصفات التسع للنواب العامين
يرى العلماء أن النواب العامين يجب أن يتحلوا بتسع صفات:
- ذكر: بمعنى لا يكون أنثى، وأيضاً شجاع لا جبان.
- بالغ: أي عاقل وناضج فكرياً.
- عاقل: لا جنون فيه، وذو فهم عميق.
- شيعي اثنا عشري: مؤمن بجميع الأئمة الاثني عشر.
- حلال الولادة: بمعنى الطهارة في النسب والطهارة الأخلاقية.
- حي: أي على قيد الحياة ومتفاعل مع الواقع.
- عادل: غير فاسق وملتزم بالأحكام الشرعية.
- زاهد في الدنيا: لا يسعى وراء المظاهر والماديات.
- أعلم: أفقه وأدرى بالشرع والفقه من الجميع.
معنى العلم والتفوق
العلم المطلوب ليس مجرد تراكم كتب، بل هو العلم الشامل والمتكامل الذي يمنح القائد مكانة عالية بين العلماء الآخرين، بحيث يقود الناس بالثقة والإجماع.
إمكانية الخطأ لدى النواب
النواب العامون، رغم مكانتهم العلمية والعدلية، ليسوا معصومين، وقد يرتكبون أخطاء، لكن المعصومين أخبروا أن من أصابهم الأجر مضاعف، ومن أخطأ له أجر أيضاً إذا لم يقصر في عمله.
يجب على الناس الالتزام بآراء هؤلاء، لأن مخالفتهم مخالفة للإمام والشرع.
القيادة الشرعية والسلطة الدينية
النواب العامون لهم سلطة شرعية كاملة في كل أمور الدين من العقائد والأحكام، ويجب على المسلمين تنفيذ أوامرهم، وعدم الطاعة تعني مخالفة لله.
أقسام قادة البشرية عبر التاريخ
- القادة المعصومون: من الأنبياء والأئمة، معصومون من الخطأ.
- النواب الخاصون والعامون: علماء عادلون لكن ليسوا معصومين.
- العملاء والاستعماريون: لا أهلية لهم، ويعملون ضد مصلحة البشر.
الناس مسؤولون عن طاعة القادة الصالحين، ورفض العملاء والخونة.
الخاتمة
يجب على الناس أن يتبعوا القادة الذين يستوفون صفات القيادة المعتمدة من قبل الإمام، ولا يحق لأي أحد أن يدعي النيابة خلاف ذلك، وإلا فقد خرج عن الشرع ووجب رفضه.
الباب الأول: القانون الإلهي الثابت
بحقٍّ، القانون الذي ينبثق من مذهب التشيع والإسلام الحقيقي لا يعترف المسلم الواعي اليقظ بالماضي والحاضر والمستقبل كأزمنة منفصلة، ولا يحتسب الخلود أو الخلافة الدنيوية، بل يحارب كل أشكال السحر الاستعماري والاستغلالي. بالنسبة له، لا يهم أين يقيم القائد المسؤول في العالم، ولا تحت أي زاوية من زوايا السماء يعيش، ولا مع أي نجمة يرافقه حظّه، ولا بأي قرعة قُدّر له، لأن الدليل الوحيد على القيادة هو امتلاكه للقيادة الحقيقية.
القيادة تعني إرساء كل قانون أو إصدار أي أمر لا يتعارض مع نص القرآن الكريم والمعرفة السُنّية، فإن صدرت أو طُبقت قوانين تخالف ذلك، تُزال القيادة عنه فوراً دون اللجوء إلى محاكم أو أحكام بشرية. بذلك، يبقى المقام المقدس للخلافة الإلهية طاهراً ومنزهًا من مثل هؤلاء الشياطين المرتدين. وإذا ارتكب القائد أي عمل يخالف قوانين القرآن، فلا يجوز اعتباره قائداً، سواء حدث ذلك في حجرته أو بيته أو في القصر الملكي أو في المجتمع، فالخطأ الكبير أو الانحراف الكلي يكفيان لعزله فوراً.
لا يمكن أن يكون القائد اليوم مثل قائد الأمس، فالعدالة والطهارة التي كانت في الماضي لا تنفع في الحاضر. يجب أن تكون نقية وثابتة كما في الأمس، لذلك فإن أي مخالفة حالية أو معتقدية من القائد ضد القانون تُؤدي إلى عزله. الضمان الوحيد لبقائه في المنصب هو الصفات الصالحة، والدليل على القيادة هو الفكر السليم والعمل الصالح فقط، وليس الخرافات أو الأعمال الخادعة التي تجذب العوام.
المعارضات
إن هذه المعارضة الكلامية أو السلوكية ليست دائمًا واحدة. فمثلاً، من يعتبر شرع الله، الذي نفّذ بأمر الله ورسوله حتى اليوم، غير صحيح ويعتقد بأنه لا يجب الالتزام به من اليوم فصاعداً، فهو مبتدع مثل الخليفة الثاني ويخرج من شروط القيادة المطلوبة ولا يستحق المنصب.
لكن قد يتظاهر المرتزق بأنه قائد ويخالف الأحكام الإسلامية قولاً وعملاً، ليس بناءً على اعتقاد خطأ في الله أو رسوله، بل بسبب الفجور، اللهو، التعصب القبلي، الإدمان، أو النجاسات الحيوانية، مثل شرب الخمر مع اعترافه بخطيئته، فلا يصبح كافراً بل فاسقاً، ولا يستحق القيادة ويُعزل بسبب خطاياه.
فالقائد يُعزل عند مخالفة القيادة سواء كانت هذه المخالفة في الفكر أو العمل، سواء كان مسلمًا خاطئًا أو مبتدعًا كافرًا، وهذا الخروج عن القيادة هو خروج عن الإنسانية.
استقلالية القائد
القادة الحقيقيون والمرشدون الدينيون أحرار في مسائلهم الشخصية والطبيعية، ولهم حرية اختيار أذواقهم، كما هو حق الإنسان في الحياة الشخصية، حيث ينبع الذوق والاختيار من ضمائرهم ومشاعرهم الطبيعية. ويجب أن يكونوا أحرارًا في كشف ذواتهم الحقيقية بعيداً عن الرياء والتظاهر، مع مراعاة الحدود الشرعية.
لكن هذه الحرية لا تعني السماح بالانحراف أو استخدامها لارتكاب الخطايا التي تؤدي إلى الانحرافات الخطيرة. ومنع الحرية في هذا المجال يؤدي إلى الرياء والعقد النفسية التي تفضي إلى انحرافات أكبر.
التعرف التاريخي على القادة الحقيقيين
ناقشنا سابقاً مفاهيم عامة وتحليلية حول القادة الصالحين عبر تاريخ البشرية، وأكدنا أن جميع المعايير القيادية مستمدة من الفكر الإنساني الشامل، وإن صيغت غالباً بلغة الإسلام والتشيع.
القيادة تبدأ مع الأنبياء والرسل، مروراً بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين، وتنتهي بالخليفة الحقيقي الخاص والعام.
الأنبياء السابقون
لدى كل إنسان معلومات عامة عن الأنبياء، لكنها تحتاج إلى تحليل عميق لفهم دورهم الثوري والاجتماعي. لهذا لن نخوض في التفاصيل المتعلقة بعددهم أو أزمانهم أو أماكنهم.
سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)
لا يتسع هذا النص لسرد تاريخ النبي كاملاً، إلا أنه وُلد في عام عام الفيل، يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول، قبل البعثة بأربعين عاماً، ونُبِّئ بالرسالة في السابع والعشرين من رجب، وعاش مدة ثلاثة وستين عاماً، توفي في الثامن والعشرين من صفر سنة العاشرة للهجرة مسموماً، وقد حمل رسالته لمدة ثلاثة وعشرين عاماً.
سيرته مليئة بالمعجزات والفضائل التي لا يمكن للتاريخ أن يحصيها.
السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
هي بنت النبي الحبيبة وأفضل نساء العالمين، ولها مكانة خاصة لا تعادلها منازل أخرى. ولدت في جمادى الثانية، وعاشت حياة قصيرة مليئة بالمحن. تزوجت من أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وأنجبت أولاداً فاضلين مثل الحسن والحسين وزينب وكتبوم.
كان لها دور مهم في حفظ رسالة الإسلام ونشر قيم الحق والعدالة.
تاريخ أئمة الهدى (عليهم السلام)
بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء الأئمة، بدءاً من الإمام علي (عليه السلام) حتى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، الذي ولد سنة 255 هـ واختفى عن الأنظار في سنة 260 هـ.
الغيبة الصغرى والكبرى
الغيبة الصغرى كانت محددة ولها نواب معينون (أربعة نواب)، والغيبة الكبرى مستمرة إلى الآن، ويُنتخب نواب عامون من علماء الشيعة الحق.
الطاعة لهم واجبة، ومن خالفهم فهو مخالف لله وللأئمة.
الاقتداء والتمهيد له
الاقتداء واجب على كل مكلف من المسلمين إذا لم يكن مجتهداً، وهو الالتزام بتوجيهات المرجع العادل والمجتهد في كل مسائل الحياة.
من دون الاقتداء، يكون الإنسان كطفل ضائع، لا يعرف الطريق الصحيح.
الخلاصة
في مذهب التشيع الحقيقي لا ضياع ولا تشتت، والقيادة واضحة بدءاً من النبي وحتى الإمام المهدي المنتظر.
يجب على الشيعة في زمن الغيبة الكبرى أن يتبعوا العلماء الربانيين الفقهاء الذين لا يتبعون هواهم.
القيادة ليست خالية من الخطأ البشري، لكن الخطأ غير المقصود لا يضر بالثقة فيهم.
مقام العالم
إن الاعتقاد الأول للمسلم الشيعي الحقيقي هو أن معنى العديد من الأحاديث الشائكة والثقيلة التي وردت في فضائل العلم والعلماء الورعين واضح ومقبول، ونحن نذكر فقط قطرةً من هذا البحر اللامتناهي لتشفي صدور الشيعة:
«العلماء أمة نبي إسرائيل أو أفضل»؛ العلماء والمتخصصون المستنيرون في أمتي كأنهم أنبياء بني إسرائيل، أو أفضل منهم كنجوم ساطعة في سماء الحقيقة، وهم أفضل من الأنبياء والرسل السابقين.
«العلماء أمتي كأنهم أنبياء قبلي»؛ العلماء والمتخصصون في أمتي كأنهم أنبياء ما قبل.
«العلماء ورثة الأنبياء»؛ العلماء هم ورثة الأنبياء.
«مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء»؛ قلم العلماء في تقرير الدين أفضل وأسمى من دماء الشهداء في سبيل الحق.
لذلك، على المسلم الشيعي الواعي أن يتفكر في معنى هذه الأقوال العالية، وأن يدرك من هم هؤلاء العلماء الرفيعي المقام، ولماذا هذا العلو والرفعة في مقامهم؟ ينبغي للمسلم أن يفكر ويعلم أن المراد بالعلماء هم الذين جمعوا بين العلم والعمل على أعلى المستويات، وهم المستحقون لهذا الشرف والعلو؛ لأن هؤلاء القادة الحقيقيين والعلماء الورعين يدمجون العلم بالعمل، ويزرعون في طبيعة الإنسان شجاعة واستشهادًا، وإذا قيل إن قلم العالم أفضل من دم الشهيد، فذلك لأنهم يسقون شجرة الإسلام والتشيع – القائمة على جذور الولاية – بدمائهم، وبدماء الشهداء الذين ربّوهم بأيديهم، فيثمرون بذلك ثمار الشهداء والمجاهدين في سبيل الحق والفضيلة، وهذا ما تثبته تاريخ العلماء والفقهاء الشيعة بوضوح.
مكانة المعارضين
بعد بيان مقام العلماء والفقهاء الشيعة، يصبح موضوع المعارضين لهؤلاء العلماء واضحًا، ومكانة هؤلاء يجب أن تُرى خارج دائرة الحقيقة والصدق، رغم أن طبول الدين والقرآن قد تصم آذان العلماء. هؤلاء هم أي شخص أو جماعة – كبارًا أو صغارًا، أغنياء أو فقراء، أعداء أو أصدقاء ظاهريين، في لباس الدين أو غيره، صوفيين أو غيرهم – يجب كشف وجوههم القبيحة أمام الأصدقاء والأعداء، ويجب اعتبارهم من أتباع الشيطان، ولا ينبغي للآخرين أن يخدعوا تظاهرهم بالدين والقرآن؛ لأنهم كالذئب الجائع المتخفّي في لباس الحمل، ليهرب من الراعي ويعضّ من قطيع الغنم.
ضرورة الوصول إلى سفينة النجاة
بناءً على ما سبق، على كل مسلم شيعي واعٍ أن ينقذ نفسه في زمن الفوضى هذا، وأن يلجأ إلى سفينة النجاة، وأن يستظل بظل القرآن الكريم والولاية والقادة الصادقين للشيعة ليحمي نفسه من المكاره.
أسئلة حول التقليد
بعد بيان الواجب الشرعي للمسلم الحقيقي والشيعي في التقليد من الفقيه الصادق في زمانه، لا بد من إزالة الإشكالات العامة والأسئلة الشائعة وإعطاء توضيحات ضرورية، لكي تُختم أفواه المتكلمين الفارغين، وتُحقق راحة بال المفكرين المسلمين. ولا بد من التذكير بأن هذا الفطر الإنساني، ينبع من طبيعة الإنسان، ليهيئ أساسًا واضحًا لكل الأسئلة والأجوبة.
الفطرة والتخصص
في العصور الوسطى وما بعدها، خصوصًا في المجتمعات المتحضرة، كان من البديهي لجميع الطبقات الاجتماعية والعلمية وحتى العامة أن الإنسان لا يستطيع وحده توفير جميع حاجاته اليومية، وأن كل شخص يختص بمهنة، ويتبادل ما يَنتجه مع الآخرين لتعويض نقص حاجاته. وهذا دليل على قاعدة التخصص التي تفرضها الفطرة والعقل.
حتى في عصور الحجر والإنسان البدائي، كان لكل فرد عمله، فواحد يصيد، وآخر يجمع الحجارة، وهكذا. وكلما ارتقى المجتمع زادت أهمية التخصص، وفي العالم المتحضر المادي يتم تطبيق هذا القانون بشكل واسع، وكل فرد يؤدي دوره في تخصصه.
التخصص في الدين
بالرغم من أن الإسلام دين واضح وسهل ولا يحتاج إلى تعقيد، لكن مع مرور القرون وبعد غيبة الإمام المعصوم، وتعقد الأمور التاريخية، ووجود كثير من الروايات المزيفة والمحرّفة، يصبح استنباط الأحكام الشرعية أمرًا صعبًا للغاية، يحتاج إلى جهد كبير من العلماء والفقهاء المخلصين، كشيخ المفيد والصدوق والشيخ الطوسي وغيرهم، وهم الذين حملوا أمانة الدين عبر القرون.
هل يستطيع كل مسلم أن يفهم الدين بنفسه؟ لا، هذا مستحيل بسبب الحاجة إلى تحصيل مقدمات طويلة وصعبة واجتهاد عميق، لذلك يجب على الناس التقليد من الفقهاء المتخصصين الذين اجتهدوا في فهم الأحكام الشرعية.
وجوب التخصص وحرمة التقليد العشوائي
رغم أن العقل يوجب التخصص، فإنه يذم التقليد في الأمور التي يمكن لأي أحد فهمها بنفسه، كاللباس والمشي وغيرها من الأمور البسيطة، لأن التقليد في مثل هذه الأمور مذموم.
لكن في الأمور التي تحتاج إلى تخصص، كالأحكام الشرعية، لا يمكن رفض التقليد، بل هو واجب.
ما هو التقليد الحقيقي؟
التقليد ليس اتباعًا أعمى وعمياء للعلماء، ولا يعني أن يعطل الإنسان عقله أو يترك فهم الله ورسوله. وإنما هو الأخذ بالأحكام من علماء فقهاء عدول، استنادًا إلى جهدهم في تفسير القرآن والسنة، حيث إن المعصومين غائبون عن الناس، والناس بحاجة لمن يترجم لهم الدين ويبيّن الأحكام في ظروفهم المعاصرة.
الثقة في العلماء وطمأنينة القلب
قد يتساءل البعض من أين نأخذ الضمان بأن العلماء لا يضيفون على الدين شيئًا؟ وهل يمكن الوثوق بهم؟ الجواب هو أن للمرجع الفقهي شروطًا صارمة جدًا، منها العدالة والتقوى والفضائل العلمية والأخلاقية، بحيث لا يمكن له أن يخون الدين أو يحرفه.
وبالتالي، عندما يجد الإنسان أن عالمه يتمتع بهذه الصفات، تزول عنه الشكوك والقلق.
اعتقاد الشيعة والتقليد
مع أنّنا حتى الآن قبلنا بالتقليد وأقرّينا أنّ الشيعة في الأحكام يتبعون علماءهم الربانيين، يمكن القول: إنّ التقليد لا معنى له ولا مفهوم في مذهب الشيعة، بل إنّ الشيعي لا يقلّد حتى علماءه، لأنّ معنى التقليد في الاصطلاح العلمي والأصولي هو أن يعمل الإنسان بقول غيره دون طلب دليل وبرهان؛ فبهذا المعنى الاصطلاحي المُتفق عليه بين أهل العلم، لا يقلّد الشيعة علماءهم الربانيين والفقيه الهُم، ولا يتبعونهم بدون دليل، لأنّه كما أنّهم لا يقلّدون الرسول والأئمة عليهم السلام، فإنّهم لا يقبلون أي حكم حتى يصلهم الدليل منهم.
فالشيعي يتبع الدليل كلياً، وليس تقليداً أعمى، وإن لم يطلب الدليل في كل الأمور، لأنّه يطمئن إلى صحة مذهبهم ويؤمن بإيمان وعلم المجتهد؛ وعليه، فإنّ التقليد بمعناه العلمي لا يوجد بين الشيعة، وإنما يسمّى هذا التحقيق بـ«التقليد المقبول» في عرف العامة.
دليل التقليد
هنا يطرح السؤال: ما هو دليل الشيعة في اتباع علماءهم؟
الجواب: أقوى وأرسخ دليل لإثبات هذا هو الفطرة ودافع التخصّص، كما ذُكر. رغم أن كتب الفقه استندت إلى آيات وروايات عديدة تثبت التقليد، إلا أنّ كثيراً من تلك الأدلة تحتوي على شُبهات، وهذا الدليل العقلي القوي يعوّض ضعف تلك المصادر. لذلك، نكتفي بهذا القدر من الكلام ونتجنب التفصيل.
المقدمتان الأساسيتان للشك في التقليد
لطرح الشبهات والاعتراضات، لا بد من تقديم مقدمتين تتعلقان بأفكار وأفعال المعصومين عليهم السلام والمراجع الثقات. بعد ذلك، تتضح الشبهة ويُعطى شكل مناسب ليُجاب عنها بشكل مُرضٍ.
المقدمة الأولى: الأفكار المتعددة
من المعروف للجميع أن القرآن الكريم هو قانون وأساس الإسلام، وأن المعصومين عليهم السلام هم القرآن الناطق ووجود الأحكام الإلهية الخارجي، فقد كانوا دائماً في حياتهم الظاهرية يعبرون عن كل الأحكام، ولم يتوقفوا عن أداء مسؤولياتهم الإلهية، وكانوا كوجود واحد في أجساد متعددة، ينادون بالنقاء والتقوى فوق كل الأفكار والموجودات، وقادوا كل الجبهات الروحية.
أقاموا الصلاة بكل شروطها حتى في ساحات القتال، ونادوا «الله أكبر» بصوت ملكوتي ملأ المكان بالمحبة وذكر الله، ونجوا بأنفسهم في الحرب والدنيا والآخرة، واقتربوا من الحق.
كانوا عبيداً مخلصين لا يغفلون لحظة، صبروا حتى أصبح الصبر عندهم روحاً سماوية في عالم الناسوت، ومنحوا العالم بفيض حضورهم الإلهي.
في المجتمع، أثبتوا الحق والعدل بجهودهم وتعاونهم، ولا يرون إلا الحق، وفنوا أنفسهم في الاستقامة حتى لم يبقَ منهم شيء.
واجهوا المنافقين بقوة وصرامة، وأقاموا حدود الإسلام بحزم شديد، ولم يعفوا أحداً من العقاب.
باختصار، هؤلاء الأشخاص المتعدد الأبعاد في جميع المجالات، من العبادة إلى السياسة والأخلاق، كانوا دائماً يثيرون الدهشة ويتبعون وجهة نظر إلهية، إذ إنّهم يرون كل الأمور من زاوية الحق فقط.
المقدمة الثانية: وجوب اتباع الفقيه العادل
في مذهب الشيعة، مقام الفقيه العادل واضح، واتباعه واجب على الجميع، كما تبين بالدليل العقلي والشرعي، فإن حكمه حكم الله، ومعارضته معارضة لله والرسول والإمام. وعليه، مخالفة حكمه تؤدي إلى الانحراف عن الطاعة، وأقل عقوبة لذلك هو فقدان رحمة الله.
لذا، اتباع الفقيه العادل واجب، ومعارضته معارضة للإمام، لأن حكمه حكم الإمام.
النتيجة
بناءً على هاتين المقدمتين – سير الأنبياء والأئمة وضرورة اتباع الفقيه العادل – يقع الشيعي الواعي في حيرة، لأنه من جهة يجب اتباع الفقيه، ومن جهة أخرى لا يجوز اتباع من لا يتبع سير الأئمة. يتساءل: كيف أطيع دليلاً شرعياً وأخالف الصراط المستقيم؟ كيف أتبع من لا يطبق كل قوانين القرآن؟ لماذا لا يقومون بواجباتهم؟ لماذا لا يواجهون أعداء الدين؟ ولماذا لا يهتمون بالمجتمع والإنسانية؟
هذه الأسئلة تراود كل شيعي واعٍ، ويسعى لفهمها وإيجاد الحل.
التقليد وأربعة مواضيع أساسية
للرد على هذا القلق، لا بد من النظر إلى أربعة مواضيع:
- كيف يرى الفقيه العادل نفسه في زمن الغيبة؟
- ما هي المراتب العلمية والجهود الفقهية التي بذلها العلماء الشيعة؟
- ما هي العقبات والمشاكل التي تواجه العلماء الشيعة؟
- استعراض تاريخ الشيعة وفقيههم من الزهد إلى الشجاعة والشهادة.
الموضوع الأول: ولاية الفقيه العادل
زمن الغيبة لا يختلف عن الأزمان الأخرى من ناحية القيادة، لأن الفقيه العادل هو نائب عام الإمام، ويملك نفس الولاية والحكم الشرعي، وينفذ الأحكام ويقود الجهاد ويُطاع من المجتمع، ويدرك أن معارضة حكمه سبب ضعف المجتمع.
وقد شهد التاريخ أن الفقهاء العادلين كانوا دائماً رواد الشجاعة والبطولة، ولا يخشون الموت أو المعركة، ويفعلون ذلك دائماً مستندين إلى الدليل الشرعي.
الموضوع الثاني: علم الفقهاء
العلماء والفُقهاء الشيعة على مر التاريخ تفوقوا علمياً على الجميع، حيث قدموا أرقى البحوث وأكمل الفقه وأشمل الحقوق. وهذا واضح عند الاطلاع على مؤلفاتهم.
ولا يجب أن يظن البعض أن مجرد بعض الصفحات المختصرة من الرسائل العلمية تمثل كل علومهم، فالرسائل ما هي إلا جزء يسير ومختصر خاص بالعامة، ولا تعبر عن كامل علم الفقيه.
لذا، يجب على المسلمين والشيعة اتباع علوم هؤلاء العلماء ونتاجاتهم العلمية كاملة.
الموضوع الثالث: العقبات أمام فقهاء الشيعة
إذا وجدنا قصوراً في تطبيق الحدود والقصاص، فلا نعزو ذلك إلى ضعف الفقيه، بل إلى جهل المجتمع بواجباته والعراقيل الداخلية والخارجية، فعدد قليل من العلماء واجهوا ظروفاً تاريخية صعبة ولم يُسمع صوتهم إلا هامساً.
الملخص:
تُدرك هذه السلسلة قيادتها وسط كثرة المشكلات ومؤامرات المتآمرين، والآن يقف هذا العدو ـ من الكافر والمسلم إلى الصديق والخصم داخلياً وخارجياً ـ جميعًا ضد هذا السد المتين، متمردين باطلاً، وهدفهم إما القضاء عليه أو تحريفه. بعضهم يسعى لذلك لمصالحه الخاصة، وبعضهم لدرء الأذى عن عالمه الملوث والمدنس. ولا زالت هذه الفئة من فقهاء الشيعة، رغم كل هذه الأعداء والعقبات، لا ترف لهم جفن، ويسعون دومًا لإقامة حكومة إسلامية يعتقدون أنها تستحق الفكر والأفكار الإلهية، ليقطعوا يد كل العملاء من على رقبة البشرية.
ومن الواضح لماذا يجب أن تواجه هذه الفئة من رجال الدين الشيعة كل هذه العقبات والأعداء من بين كل الوجوه الإنسانية؛ لأنهم وحدهم لا يخضعون أبداً لسلطة المال أو القوة، ويعبّرون عن منطقهم بصراحة كاملة سواء في أوقات الضعف أو القوة، ولا يتبعون أو يروّجون لأي منصب سوى المنصب الإلهي. بخلاف الجماعات الدينية والعلمية الإسلامية أو غير الإسلامية من أديان سماوية أو مدارس سياسية واجتماعية، من المستنيرين وعلماء الكنيسة إلى علماء أهل السنة الذين غالبًا ما كانوا يروّجون للباطل والمال والقوة أو ذهبوا وراء المستعمرين وعملائهم، بحيث يعتمدون على مستعمريهم لتوفير قوت يومهم، وإلا صاروا محتاجين.
الموضوع الرابع: منهج علماء الشيعة
لقد ظل علماء وفقهاء الشيعة، بمقام الولاية المرموق والكمالات العلمية والعملية، ورغم كل هذه العقبات والأعداء، كالأئمة المعصومين: لا يهدأون أبدًا، ويشاركون في جميع الأحداث الاجتماعية والدينية، مدافعين عن الدين الإسلامي المقدس وحصن التشيع، حتى صاروا مجلسًا لأهل القلوب، مرتدين شعار: «قلم العلماء أفضل من دماء الشهداء» على أجسادهم المتزنة والمقنعة، وقد كشفوا بالمداد والمنطق عن السارقين والمستعمرين البشريين. حتى أن هذا المداد، الذي هو أفضل من دم الشهيد، سقط من أيديهم بفضل سيوف أعداء الدين الملوثة، فأودى بحياتهم الدنيوية الظاهرة، وكان جوابهم الوحيد هو سيوف الموت القاتلة لأعدائهم الدمويين.
أوضح دليل على ذلك هو صفحة التاريخ المزينة بعلماء الشيعة الذين لقبهم التاريخ بالشهداء؛ مثل الشهيد الأول، الشهيد الثاني، وآلاف الشهداء الطاهرين الآخرين، الذين ذكرت أسماؤهم في كتاب «شهداء الفضلية» للعلامة الفاضل المرحوم الأميني. ودماؤهم تفيض دائمًا، ولن تهدأ أبدًا، وسيروي هذا الشجرة المثمرة للإسلام والتشيع بدماء هؤلاء الأحياء الأوفياء إلى الأبد.
النتيجة الواضحة
بشرح هذه المواضيع الأربعة، أصبح الأمر واضحًا من هم العلماء الحقيقيون، وأن علماء وفقهاء الشيعة لم يسلكوا طريقًا سوى طريق الله والأئمة المعصومين عليهم السلام. وبطبيعة الحال، يجب في هذا المسار مراعاة ثلاثة مبادئ عامة:
- يجب الأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الزمن وعقبات العصر، ومتابعة الأمور بحكمة وتدبير.
- هذا قانون إلهي عام، يجب على كل فرد أن يؤدي واجبه حسب قدرته، ولا ينبغي مقارنة الأفراد ببعضهم البعض أو توقع ما يفوق طاقتهم.
- التوقع من الإمام يختلف كثيرًا عن التوقع من الفقيه ووكيله، فلا يجب أن يُنتظر من الفقيه تحمل نفس الصبر الذي يتحلى به الإمام.
وبالتالي، تتضح خدمات رجال الدين عبر التاريخ، ويجب على كل عقلاء ومفكرين أن لا يدنسوا هذا الحق الواضح والمُسلم به بأقوال مغرضة أو مسمومة.
وشرح كيفية فترة الدورة الخامسة أو المرحلة الأخيرة للقيادات الحقيقية، وهي النيابة العامة الإلهية، وبعد دحض الاعتراضات التي قد تخطر في ذهن الإنسان، لا يبقى للشيعة سوى طاعة هؤلاء العلماء والفقهاء. ومن ينتقد هذه القاعدة الأساسية لمذهب الشيعة والحكم المحكم للدين بكلام باطل، فهو بذلك يخسر ماء وجهه ويُظهر قصر نظره، ويبدو أن هدفه ليس سوى الحقيقة، ويكشف بقولاته الفارغة أنه متعمد أو جاهل يحارب أصالة الدين، وإلا فما مكان هذه الأقوال في هذا الزمن الذي تحاصره آلاف المشاكل المجتمع الإسلامي ورجال الدين فيه؟
من الأفضل لهؤلاء الكُتّاب غير الأكفاء وهؤلاء العملاء عديمي الجدارة أن لا يكتبوا، بل يبحثوا عن عمل آخر يدر عليهم ربحًا أكثر من طريق الحق والصدق، أو أن يكتبوا من أجل إصلاح المجتمع وزيادة وعي الناس، فهذا ما يفيد العقلاء، أما الإفساد والهدم فهو أمر سهل يصنعه أي أحد، مثل المجانين الذين يحملون سيوفًا وينهشون في جسد الناس العزل، وهذا الأسلوب أقل سوءًا من أقلام السم التي يستخدمها المستعمرون لإفساد أذهان الناس البسطاء.
كان من الأفضل لهؤلاء المبتكرين والكُتّاب الفارغين أن يتحملوا أعباء بحوثهم الجديدة، وأن يلجؤوا أحيانًا إلى المراكز العلمية الدينية ليعرضوا أفكارهم، حتى تستفيد روحانيتنا الكريمة، إما بالاستفادة منها إذا كانت صحيحة، أو الرد عليها بعلم وحكمة، وتوجيه تربوي للذين أخطأوا، ليطمئنوا.
لكن هؤلاء الكُتّاب المغرضون لا يفعلون ذلك أبدًا، لأنهم يعرفون أن جديدهم ما هو إلا إعادة تدوير لما وجدوه بين كتب النقاد القدامى.
لذا يجب على كل مسلم واعٍ وشيعي يقظ، حين يواجه هؤلاء ـ ما يُسمّى بالدعاة ـ أن يعطيهم جوابًا محكمًا، أو إذا عجز عن ذلك، أن يقول لهم: رجاءً خذوا أقوالكم الجديدة إلى العلماء لتحصلوا على رد شامل وكامل، وإلا فإن حديث هؤلاء الجهلة لا قيمة له، كمن يصرخ في مقبرة المحاربين.
الأركان الأساسية للمذاهب
من الثابت أن تطبيق فكرة أو مذهب ـ إلهي كان أم مادي، كامل أو ناقص، فلسفي أو عادي ـ يحتاج إلى ثلاثة أمور عامة وثلاثة أركان أساسية:
- قادة وعلماء واعون ومناسبون لقيادة المجتمع ليُدرك من خلالهم الفكرة والمذهب، ويُحقق أهدافه الفكرية.
- كتاب قانوني يُدوّن الفكرة ويحدد حدودها الفكرية، حتى لا يتم تحريفها.
- ضمانة تنفيذية لضبط المطبّقين، تراقب وتتصدى لأي تجاوز أو مخالفة.
الركن الأول: قادة المذاهب
قد يكون قادة كل مذهب إما من المُعينين إلهيًا من قبل الله تعالى، أو من أولئك الذين تمكنوا من فرض نفوذهم الفكري والفلسفي على المجتمع بفضل قدرتهم على التأثير. إن القادة السماويين والإلهيين غالبًا ما يؤدون دورًا مرحليًا، ويواصلون مسيرتهم ما دامت الفكرة التي يحملونها تحظى بجاذبية في المجتمع. وقد كان هذا هو حال الأنبياء في العصور السابقة.
ثم تأتي مرحلة تتجاوز فيها المجتمعات المراحل التمهيدية، فتصبح بحاجة إلى شريعة ثابتة؛ لا بمعنى الجمود المطلق، بل شريعة قابلة للتكامل من الناحية الطولية (المستمرة)، لا العرضية (التحريفية). وهذه المرحلة تتمثل في الدين الخاتم، ألا وهو الإسلام، الذي بشّر به الأنبياء السابقون كلٌ بطريقته.
أما بالنسبة لقادة المذاهب الفكرية العادية، فإن تأثيرهم يختلف من حالة إلى أخرى؛ فبعض المذاهب يُنسى مع مرور الزمن، ولا يبقى منها سوى الاسم، بينما قد يستمر بعض الأفكار الأخرى لفترات طويلة أو حتى بشكل دائم ضمن المجتمعات.
الركن الثاني: تقديم القانون
إن المنطق وكتاب القانون، إن لم تمتد إليهما أيدي الاستعمار والتشويه، يمثلان التعبير الأوضح عن القانون والفكرة المؤسسة للمذهب. وقد تنوّعت القوانين والمذاهب بين السماوية والإلهية من جهة، والذهنية والمادية من جهة أخرى؛ منها ما هو مُنتج ومُصلح، ومنها ما هو مفسد ومصلحي.
النقطة المحورية في موضوع القانون والمذهب تكمن في موثوقية النصوص والمصادر؛ فلا يجوز نسب أي فكرة أو قول إلى مذهبٍ معين دون تحقق وثيق من صحة تلك النسبة. فإذا افتقدت الفكرة لسلامة المصدر، فإنها تسقط عن الاعتبار ولا تُعد حجة تشريعية.
وفي هذا المجال، يتبوأ الإسلام موقع الصدارة، كما هو الحال في الركن الأول؛ إذ لم تتعرض مصادره لأي تحريف أو تشويه، وبقيت محفوظة بأقصى درجات الدقة. ويعود ذلك إلى ما أولاه المسلمون من عناية بالغة في صيانة نصوصه ومصادره الأساسية.
الركن الثالث: الضامن التنفيذي
بعد الإيمان بالمذهب والقانون وقادةٍ أكفاء، فإن الركن الثالث الضروري لأي منظومة فكرية أو تشريعية، سواء كانت سماوية أم أرضية، هو وجود “الضمان التنفيذي”. فبدون هذا الركن، لا يُمكن لأي قانون أن يُطبّق بفعالية، ولا لأي مذهب أن ينتشر ويترسخ. هذا الضامن هو الذي يضمن المحاسبة عند المخالفة، ويكافئ عند الطاعة، فيُحقق التوازن والعدل.
غير أن تنفيذ العقوبة يجب أن يتم ضمن حدود العقل والمنطق الطبيعي، حتى لا يتحول القانون نفسه إلى ظالم وجائر.
وفي حين أن المذاهب المادية غالبًا لا تمنح العناية للمُطيعين إلا ببضع كلمات مدح أو مكافآت رمزية، وتواجه المخالفين بعقوبات قانونية قد تتأثر بالمحسوبيات والفساد الإداري، فإن هذا الركن يُعد ميزة أساسية في الأديان السماوية. وعلى رأس هذه الأديان يأتي الإسلام، الذي اهتم بشكل خاص بتنفيذ القانون بأعلى درجات الدقة والعدالة.
إلا أن إشكالًا كبيرًا يعتري المذاهب المادية، يتمثل في عجز أجهزتها التنفيذية أمام كبار المجرمين والظالمين؛ إذ قد يرتكب الجاني جرائم عديدة، ولكن لا يمكن محاسبته بأكثر من إزهاق نفسٍ واحدة، وإن عُذّب بشتى الطرق. أما الأديان الإلهية، فقد ضمنت المحاسبة الأبدية في الآخرة، وهو ما يُمثّل الردع الأخلاقي الأعظم، خاصةً عند من يُدرك أهمية الخلود والعاقبة.
ومن الجدير بالذكر، أن هذا الركن الأخلاقي لا يتحقق إلا بعد إثبات القيامة والميزان ومحاسبة الأعمال، من خير وشر، يوم الحساب.
النتيجة: محاور الفكر الثلاثة
إذن، تتمركز رؤيتنا الفكرية في هذا السياق حول ثلاث محاور رئيسة:
- القيادة: وقد تمت مناقشة محاورها المهمة في القسم السابق؛
- القانون ومصادره: وهو ما نبدأ بمناقشته في هذا المقام؛
- إثبات المعاد والضمان التنفيذي: ويُؤجل إلى مقامٍ لاحق.
فلنشرع الآن في تناول الركن الثاني، وهو مصادر التشريع الإسلامي، مع التركيز على أبرزها:
القرآن الكريم
أول وأهم مصدر للتشريع الإسلامي، والذي يُجمع عليه جميع المسلمين على اختلاف فرقهم، هو القرآن الكريم. فأي حكم أو تشريع يُستخرج من القرآن ويفي بالشروط العلمية يُعدّ حجةً قاطعة عند جميع المسلمين.
ويمتاز القرآن بكونه الكتاب السماوي الوحيد الذي ناقش جميع مجالات الحياة البشرية، ويجب أن يُستوحى منه في كل جوانب الحياة؛ وإلا فإن مصير المجتمع البشري سيكون الانحدار، كما ثبت ذلك بالتجربة.
وجميع نُسخ القرآن الكريم الموجودة ـ سواء كانت مطبوعة أو مخطوطة ـ تُعد مصادر موثوقة وصالحة للاستدلال، سواء من قبل المسلمين أو حتى من قبل خصومهم. ولا يعرف المسلمون عبر التاريخ كتابًا باسم “القرآن” غير هذا النص الموجود بين أيديهم، ويعملون به بثقة واطمئنان تام، دون أدنى اضطراب.
التحريف: وهم لا أساس له
هل وقع تحريف في القرآن الكريم؟ هل تمكّنت الأيادي الملوثة للاستعمار من العبث به؟ أم أن التحريف ليس إلا ادعاءً وهميًا لا أساس له؟
الإجابة واضحة: لم يطرأ على القرآن أي نقص أو زيادة، وهو محفوظ من كل عبث، وهذه ميزة لا توجد في أي كتاب سماوي آخر، فجميعها قد طالها التحريف والتغيير، حتى غيّرت كثير منها صورتها الأصلية بالكامل.
أما مسألة تحريف القرآن، فقد شغلت نقاشات لا تُحصى على مرّ العصور، لكنها لم تؤدِّ إلى نتيجة علمية أو عملية مفيدة، بل كانت مضيعةً للوقت، ووسوسةً من الشيطان، وظلمة في القلوب. ونسأل الله أن يُرشد أمة الإسلام بالقرآن، وأن يحفظ هذا الكتاب الكريم من كل تحريف كما وعد سبحانه بذلك في كتابه العزيز.
أدلة استحالة تحريف القرآن الكريم
في الإسلام، تُبنى الأحكام على ثلاثة أنواع من الأدلة:
- القرآن الكريم وكلام الله تعالى،
- السنّة النبوية وأقوال المعصومين،
- العقل السليم كحجّة باطنية من الله.
وهذه الأدلة الثلاثة جميعها تؤكد على سلامة القرآن الكريم، وتُفند مزاعم التحريف بكل وضوح، وتُسكت كل منكر أو متكسب بالدين.
الكتاب الإلهي
يقول رب العالمين في القرآن المجيد: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، فنحن وحدنا من أنزل هذا القرآن لهداية البشر، ونحن وحدنا من نحفظه من كل تحريف وتبديل.
الله – الحافظ للعالمين، وقاهر كل قهّار – يؤكد بقوة قائلاً: نحن، نعم نحن، من أنزلنا القرآن، ونحن القادرون وحدنا على حفظه. ومن شدّة البيان وتكرار الضمائر في هذه الآية يتبين أن الله تعالى يرغب في إغلاق أفواه المبطلين وإسكات همساتهم الخبيثة.
هذه الآية، إلى جانب إثبات عصمة القرآن الكريم من التحريف، تُلهمنا بمعجزة القرآن لجميع الأجيال، حيث تؤكد كثيرًا على مواجهة الأكاذيب وتنذر من مكائدها، إذ إن كثرة التأكيد تدل على كثرة الإنكار.
الشبهات غير الصحيحة
رغم وجود بعض الاعتراضات والشبهات على هذه الآية وموضوع تحريف الكتب، فإنها إما محاولات تدريبية للمتعلمين أو تعبير عن ضعف فكري وقصور في التفكير عند أصحابها، ومن الواضح أن هذه الأمور ليست سوى شعارات أناس قد ماتت قلوبهم وظلمت نفوسهم. ونحن لا نعتزم الرد على هذه الاعتراضات لأنها لا تقدم نتائج علمية أو عملية للمسلمين، كما أن كل من يدّعي تحريف القرآن يعتبره دليلاً وموثوقًا به.
دليل آخر
بعيدًا عن القرآن الكريم، وهو أقوى أدلة الإسلام والمسلمين، فقد وردت العديد من الروايات عن أهل البيت المعصومين تؤكد عصمة القرآن من التحريف. ومنها روايات صحيحة كثيرة تضمن اليقين في كلام المعصوم، ومن الواضح أن اتباع هذه الروايات الصحيحة ضروري لأنها تشرح القرآن الكريم.
الروايات المعارضة
مع وجود روايات مخالفة، فإنها جميعًا ضعيفة الجذور، لا سند صحيح لها ولا دلالة واضحة، فضلاً عن تضاربها الواضح وأكاذيبها التي تُفند عند مراجعة الروايات الأخرى المتعلقة بالموضوع ورواة تلك الأحاديث، فلا يبقى شك يذكر، ويتضح أن هذه الروايات كانت من صناعة استعمارية هدفها زرع الشكوك في نفوس المسلمين الطاهرين.
العقل السليم
بعد الأدلة النقلية (الآيات والروايات)، يدل العقل السليم أيضًا بوضوح على عدم تحريف القرآن الكريم، إذ لو كان فيه تحريف لما خلت دراسته من تعارضات علمية أو فنية، وهذا ما لم يحدث على الإطلاق رغم كثرة العلماء من كل الأطراف حتى اليوم.
إذًا، هناك ثلاثة أدلة إسلامية متينة — القرآن الكريم، الروايات، والعقل السليم — تؤكد صحة القرآن الكريم وتحفظه من التحريف، ويجب على كل مسلم أن يطمئن إلى هذه الحقيقة، ولا يجوز لأحد أن يتخلى عنها إلا إن كان مريض الفكر وخبيث النية.
تميز القرآن الكريم
عصمة القرآن من التحريف ميزة خاصة به وحده، فالكتب السماوية الأخرى تعرضت للتحريف والتبديل، ولا يوجد دليل في تلك الكتب أو غيرها يثبت عصمتها من التحريف، بل لا يوجد أصل ثابت لها ولا اعتراف من أهل العلم إلا بالقرآن.
وعلى العكس، تُرى في بعض الكتب المحرفة نصوص لا تتوافق مع أي دين أو مذهب، إذ لا يمكن تقديس نبي يتحدى الله أو يُهان الإله القوي، فمثل هذه النصوص ما هي إلا نتاج لتأثيرات الكنائس الاستعمارية وسوء فهمهم.
احترام جميع الأنبياء وكتبهم
جميع أنبياء الله وكتبهم الأصلية محترمة ومقدسة عند المسلمين، وهي مجموعة من التعاليم الإلهية المقدسة، لكن ليس كما تصوّرها الكنائس المحرفة، التي سعت لطمس الحقيقة وتهديم الإسلام.
القرآن الكريم هو الكتاب الكامل والشامل والأوثق بين كتب البشر، وبالاعتماد عليه يُستكمل الدين ويُؤمن التشريع.
جمع القرآن الكريم
هل صحيح أن القرآن جُمِع في عهد عثمان برهان شاهدين فقط؟ وهل يتوافق ذلك مع شمولية الإسلام وخاتمية نبيه الكريم؟ هل يعقل أن نبيًا كان دقيقًا في أدق التفاصيل يهمل جمع وحفظ كتابه؟
هذه الشبهة، التي أُثيرت بين المسلمين وأُسيء استغلالها من الأعداء، لا أساس لها. فقد وُجد تناقض في روايات هذا الباب حتى بات من الصعب الوثوق بها، في حين أن القرآن جُمِع في حياة النبي من قبل كتبة الوحي، ما يؤكد وجوده موثوقًا منذ البداية.
قرآن الإمام علي عليه السلام
أما موضوع “قرآن الإمام علي عليه السلام” فهو محض تحريف لا أساس له، إذ لم يختلف نصه عن القرآن الكريم الموجود، بل كان يحتوي على تفسير الشروح والعلوم القرآنية التي تعلمها من رسول الله ﷺ، والتي لو وُجدت لكان فهم القرآن أفضل بكثير.
لقد وقف الإمام علي وأصحابه في وجه الظلم والباطل، فلم يكن ليصمت عن أصل الدين، ولا يمكن تصور سكوتهم في مثل هذه القضية.
استخدام القرآن الكريم
بعد إثبات إلهية القرآن وعصمته من التحريف، السؤال هو: كيف نستخدم القرآن؟ هل يمكن للجميع فهمه بالكامل، أم أن فهمه يحتاج إلى طريق آخر؟
الآيات تنقسم إلى قسمين:
- أمهات القرآن: وهي الآيات الواضحة التي يمكن لأي متعلم للعربية فهمها بسهولة.
- المتشابهات: وهي الآيات التي تتطلب معرفة خاصة، ولا يمكن فهمها إلا عن طريق أهل البيت المعصومين، وهم مصدر التفسير الصحيح.
من الخطأ أن يظن أحد أنه يستطيع تفسير المتشابهات بناءً على رأيه الخاص، فهذا يُعدّ انحرافًا عن الحق.
الثقاة من القرآن وسُنّة الأئمّة:
ينبغي أن يستفيد الجميع من القرآن الكريم، إذ هو مَصدرُ الإسلام لكلّ المسلمين، لكن كما أنّ فهم الآيات الظاهرة (مثل أمّهات الآيات) يتطلّب معلمًا وإتقان اللغة العربية، فإنّ فهم المتشابهات يتطلّب كذلك، مع ضرورة العودة إلى أئمّة الهدى عليهم السلام بعد اجتياز تلك المراحل. فبهذا التدريب والقبول من المعصومين، يُؤدّى الإنسان إلى إدراك معاني القرآن الكريم.
وإن ادّعى أحد أنَّه غير محتاج للمعصومين أو قادر على فهم القرآن دونهم أو أن لا حاجة له بهم، فلا يُقال في ذلك إلاّ جهلًا وسُذاجة، ولا بدّ من إبلاغه بحديث رسول الله ﷺ: «مَن فسّرَ القرآنَ من عند نفسه فليفعل بمِرقه ما شاء»، لأنّ التفسير الذاتي للقرآن بدون حجة يُنزل صاحبه في نار جهنّم. فالقرآن على الرغم ممّا فيه من يسرٍ وبساطة في ظاهره، فهو عميقٌ بليغٌ يحتاج إلى التمهّل والدقة في فهم كلّ حرف وفلسفته، فليست كلّ قراءة صحيحة، ولعلّ البساطة الظاهرية تتخبّط القارئ وتورّطه في ضلال الفكر.
فالقرآن معجزةُ التجلّي الإلهيّ، يستطيع المبتدئ أن يستشفّ منه الكثير، وإن لم يزل العالم الكبير في حاجة إليه أيضًا. وهكذا، في هذه المدرسة الكبرى والكتاب الواحد، يجلس الجميع طالبًا فائدة حسب فطرتهم وقدراتهم.
الأدلة على أهمّيّة القرآن والسُّنّة:
- القرآن: هو الأصل الأول في الإسلام، كتابٌ مصدرٌ وحجّة لكلّ المسلمين، ويجب التعامل معه بمنهج علميّ ودقّة متناهية، لا سيّما مع آياته المتشابهات، حتى لا تضلّ النفوس فتصيب أصحابها بالشقاء.
- السنة (الروايات النبويّة وأعمال الأئمّة): التي جاءت بعد القرآن الكريم كوثيقةٍ ثانيّة حيّة وموثقة، تشمل أقوالهم وأفعالهم وتصريحاتهم، سواء جُمعت في كتب أُصول الفقه أو في مصادر الحديث، ويجب التحقّق من صحتها حسب ضوابط الرواة وأصول التلقي.
قد وردت للروايات وظائف عديدة تشمل:
- المسائل العقائدية
- الأخلاق والمجتمع
- فقه الغيب وأحداث آخر الزمان
- الأحكام الفقهية العملية
شروط الاستفادة من الروايات:
المؤمن لا يستفيد من الرواية إلا بتحقّق أربعة شروط:
- فَهم النصّ العربي بدقّة (لا يعتمد على الترجمة فقط).
- الإلمام الكافي بمصطلحات اللغة العربية.
- المعرفة بالموضوع العلمي أو الفقهي الذي تتناوله الرواية.
- التمكّن من النقد والسند ومعرفة سياق الرواية وفق كتب الحديث وعلوم روايته.
فالفقه هو أعقد العلوم نقلًا ويفرض دقّة خاصة وسندًا موثوقًا، إذ إنّ الحكم الشرعيّ لا يعتمد إلا على الرواية السليمة، والعقل وحده لا يكفي لتعزيزها أو إنكارها.
الجُملة التحليلية:
تنقسم الروايات عمومًا إلى أربعة أنواع:
- قصص وعقائد
- أخلاق واجتماعيات
- الغيبيات وأحداث آخر الزمان
- أحكام فقهية وتشريع عملي
والبُعدُ الفقهيُّ من أهمّها، إذ هو ذا أثر عملي مباشر يُحدّد سلوك الأفراد والمجتمعات.
الخلاصة:
- ليس القرآن وحده كافيًا، فمعه السنة تحتاج إلى عدل التلقي ودقّته.
- لا يصحّ فهم القرآن بدون سندٍ من المعصومين وعلم وفقض.
- لكلٍّ من الناس دورٌ في الطلب والتفسير بحسب إمكانياتهم، لكنه دون تجاوز المعايير الشرعية واللغوية لا يعتبر فهمًا صحيحًا.
بسم الله الرحمن الرحيم
الروايات العقيدية
لا تستدعي الروايات العقيدية تدقيقًا صارمًا في سندها؛ لأن أصول العقائد في الإسلام والشيعة واضحة لا يحتاج معها للنظر في كلّ سند. فما وافق هذه الأصول يُقبل، وما خالفها يُردّ. وإن اتّضح أن روايةً معيّنة صحيحة السند ولكنها مخالفة للأصول العقائدية، فيُؤوّلها إن تيسّر وإلا يَرُدّ قبولها.
الروايات الأخلاقية
تُعامَل الروايات الأخلاقية معاملةً مماثلة للروايات العقائدية؛ فلا يلزم فيها تدقيق شديد في السند. فمضمونها توجيهيّ للفضائل والأخلاق العامة، وإن جاء مخالفًا للعقل أو للثوابت الإسلامية، يُتجاوز عنه مباشرة.
الروايات الغيبية (المغيّبات)
هذه الروايات تتناول المستقبل أو ما هو غيبيّ بالنسبة للمسلمين. لا تُلزم المسلم بتطبيق عملي ثابت، بل إن تحقق بعضها في الواقع يصحّ صحتها، وإن لم يتحقق فهي معلّقة بانتظار وقوعها – “فإن لم يحدث حتى قيامتِه فلا تصدّق”. بذلك نقف على مبدأ ممنهجيّ: عصمة الرواية الواردة عن المعصومين – عليهم السلام – تَحفظها من الخطأ، ويُفترض المسلمون براءةَهم التامة من الزلل أو الخطأ.
الروايات الفقهية
أما الروايات ذات الطابع الفقهي فتلزمها معايير دقيقة: فينبغي فحص السند بدقّة لتبيين صحّتها أو ضعفها، مع مراعاة مدى وضوح دلالتها التي تُستنبط منها الأحكام. وبالطبع فإن فقه الدين واجب يحتاج إلى أدواتٍ بحثيةٍ متقدمة من علوم الرّجال والدراية وغيرها – من مسائل تستلزم اجتهادات واسعة وجهود مضنية وخبرات تراكمية للحصول على الحكم الشرعي الأصح.
اجتهاد وتخصّص علميّ
على الرغم من وجود إشكالات وموانع في العصور الماضية ضدّ الاجتهاد، والتشوّش الفكري الذي جرّ تقليدًا لما تقدّم، إلّا أن ثمة علماء ومحقّقين أفذاذًا – في علوم آل محمد وأهل البيت – استمرّوا في رحاب المعرفة حتى مساءلة دعاء الملائكة: «أين الملوك وأين أولاد الملوك؟».
إنّ علم الرّجال والدراية لا يختلفان عن فرض الاجتهاد: فهما واجبان لبعض العلماء، لكن متروكان لغير المتخصصين؛ فيلزم عامة الناس أن يستندوا إلى مراجعهم من الفقهاء في فحوى الأحكام والروايات والدعوات والزيارات. فليس كلّ حديث متداولٍ يلتقطه المرء ويشنّ به علي الإسلام، بل يجب أن يكون على دراية تامة أو يلجأ إلى أهلها. فالمتهوّر كمن يلعب بذيل أسد مفترس.
والعالَم – وفق نصوص العقيدة – يقوم بالدور الأساس في حفظ النفس المسلمة من نشر الشبهات، وهو بنيةٌ صامدة تضيق ذرعًا بالزيف.
بهذه المصاديق، يتجلّى أنّถ الركن الثاني من أركان البناء الإسلامي – الذي يتمثل في العلَم والفقه والرواية – قائم على سندٍ علمي وتطبيقٍ منهجيّ لا يستغني عن ذوي التأهيل المتخصصين.
المعاد: الإيمان باليوم الآتي
كل بداية لها نهاية، ولكلّ عمل غاية. وقد حان الآن زمن أن نطلع على المعاد، الهدف المقصود في الخُلْق والإنسانية، ونتفحّص نتاج الحياة الأبدية والغاية العملية لوجود الكائن، هذا ما أوردته الأديان وخاصة الإسلام – والقرآن الكريم في خير الكلام – وقد تشكّل اليقين بالنسبة للمسلم عقائدًا عملية من خلاله.
ما هي حقيقة المعاد؟
هو استمرارية للنفس لكل فرد وكافة الكائنات بعد انتهاء الحياة الدنيوية؛ صورته الجديدة – التي فرضتها أعماله وأفعاله في الدنيا – يُثاب أو يُعاقب بها حسب عمله بالنسبة للخير أو الشر، الحسن أو السيّئ، الجميل أو القبيح، وما لا يوصف بمعناه المباشر.
لماذا المعاد ضروري؟
الحكمة الفلسفية بحتة تـُظهر أن العقل السليم يرى في عالم ماديٍّ متغير أنّ لا بدّ من نهاية لكل حركة وسببٍ. فريدةُ الحياة وإيماننا بالخير والعدل تتطلب وجود جزاءٍ على كل مسلم أو غير، لأن هذا العالم الطبيعي لا يحمل الضمان الكلي للتعويض عن ظلم أو حسنات.
وبمعنى آخر: إن طُرح في هذا الكون ظلّ لمعذّب أو مقاوم دون عقابٍ جازم أو ثواب فوري، يكون العالم ناقصًا.
ومن هنا imposes الضرورة للمعاد كضامنٍ إلهيٍّ عدالتَه لا تُضاهى ولا تُنتزع.
دور الدين في تعزيز الإيمان بالمعاد
فالدين – الإسلام – يرسّخ هذا الحقّ بعقائد إيمانية دقيقة تمرّ باللّه واليوم الآخر والجزاء، ليجعل الإنسان في كل لحظة واقعيًّا أمام رقيبٍ لا يغفل، وضميرٍ لا ينام، وقرارٍ دائم بين طاعة وخطيئة، تَمَرّدًا أو انقناعًا، وهوما يعجز القانون البشري ـ بأقصى حدوده المادية أو العقابية ـ أن ينجزه في منع العدوان أو قتل اللصوص والسراق دون إرادة خفية أو مبرر عقلي تامّ.
بهذا، نرى المعاد يزوّد فلسفة الإسلام بعدة وظائف جوهرية:
- يحقق التوازن العدلي والربوباني في الكون.
- يصير الضامن الروحي/opray لتنفيذ شرائع الدين، لا قانون بشري ولا ديمقراطية مادية فقط.
- يثبّت العقل والمسار الحياتي لكل فرد في الحياة الدنيا، وهواءٌ ثوريٌّ ضدّ اليأس والحتمية والفراغ الوجودي.
بهذا تصبح عقيدة المعاد في أركان الإسلام عقدًا ثابتًا: أصول، لمعة ناصعة، ولولاه لما تحقّق العدل والتعليم والدور الرحيم للآخرة.
والحمد لله ربّ العالمين.
تجرُّد النفس
ممّا لا شكّ فيه لدى كلّ مفكّر أنّ الإنسان يمتلك بعدًا وراء المادة، لا سيّما في الرؤية التوحيدية الشيعية، حيث تُعدّ حقيقة الإنسان وجودًا ثابتًا، وهذا الوجود الثابت يرافقه في كلّ عالم، ضمن إطار خاصّ به، يتمثّل في القالب والمركبة الروحية، وهو مرتبة نازلة من النفس.
أما القالب الظاهري للإنسان، أي الجسد، فهو أمر معلوم عند الجميع، ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف يكمُن في إدراك الماديّين لتجرّد النفس وثبات الحقيقة الإنسانية. ولإثبات هذا المطلب نكتفي في هذا المقام ببعض الأدلة البيّنة والمُحكمة.
الدليل الأول على تجرد النفس:
كلّ إنسان يمرّ في حياته بتجارب من اللذائذ والآلام المختلفة، ويظلّ يتذكّرها حتّى بعد مرور سنوات طويلة، في حين أنّ أجزاء الجسد البشري تتغيّر وتتحوّل باستمرار. فلو لم تكن هناك جهة ثابتة في الإنسان، لما أمكنه استحضار هذه الذكريات. وهذه الجهة الثابتة لا يمكن أن تكون مادية؛ لأنّ المادة في تغيّر دائم. وبالتالي، لا بد أن تكون مجرّدة من المادة. ووجود هذا الكمّ من الذكريات دليل واضح على وجود النفس المجرّدة، وهي الحقيقة الثابتة الباطنية في كيان الإنسان.
الدليل الثاني:
المعاني والأفكار لا تملك صورة مادية، ولا يمكن اقترانها بالمادة، ومن حيث التناسب بين سنخية الفكر والمادة، يجب أن يكون في الإنسان جهة ثابتة مجرّدة تتناسب مع الفكر، وقد أُطلق على هذه الجهة اسم “النفس الإنسانية”.
دليل من القرآن الكريم على تجرّد النفس:
القرآن الكريم يعالج هذه المسألة بدقة، ففي سياق بيانه لمراحل تطوّر الإنسان المادي، من النطفة إلى العلقة ثم المضغة، يقول تعالى:
“ثم أنشأناه خلقًا آخر”
وهذا “الخلق الآخر” يشير إلى الروح الإنسانية، فلو كانت الروح ماديّة، لكانت جزءًا من المراحل السابقة، ولما احتاجت إلى إشارة خاصّة. غير أنَّ الله تعالى ذكرها بشكل مستقل، مما يدلّ على أنّها كيانٌ جديدٌ، مغايرٌ للمراحل المادية، وله ثبوت وتجرّد، يُعرف بأسماء متعددة مثل النفس، والعقل، والإرادة… إلخ. وبهذا، فإن للإنسان حقيقتين وجوديتين: واحدة مادية، وأخرى مجرّدة ومفارقة للمادة، وهي النفس والروح.
عالم البرزخ
بعد إثبات تجرّد النفس، يلزم إثبات وجود عالم البرزخ، الذي هو واسطة بين الدنيا والآخرة. ورغم أنّ العقل لا يستطيع إدراك البرزخ والكشف عنه مباشرة، فإنّه لا يعارض وجوده، إذ إنّ الإنكار لا يتمّ إلا بعد الفهم، والعقل هنا لا يملك أدوات الفهم لهذا العالم، وإنّما الشريعة هي التي أخبرتنا بوجوده. فبما أنّ العقل لا يرى استحالةً في وجوده، والشرع أثبته، صار الإيمان به واجبًا.
الدليل الأول:
قال تعالى: “ولهم رزقهم فيها بكرةً وعشيًا”
وهذا يدلّ على وجود الرزق في الصباح والمساء للمؤمنين، ولا يمكن أن يكون ذلك في الجنة؛ لأنّ القرآن يصف الجنة بقوله: “لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا”، أي أنّها خارجة عن الزمان المألوف. إذًا فالمقصود بـ”فيها” هو عالم البرزخ.
الدليل الثاني:
قال تعالى: “الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون لهم: سلامٌ عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون”
وهنا نرى أنّ دخول الجنة يحصل فور الوفاة، مما يدلّ على أنّ المقصود هو الجنة البرزخية، لا جنة المعاد بعد الحساب؛ لأنّ السلام والتحية تأتي عند الموت، لا بعد البعث.
وكذلك في الحديث الشريف:
“إنّ القبر إمّا روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران”
وحديث: “من مات فقد قامت قيامته”
وروايات المعراج أيضًا تشير إلى وجود عالم البرزخ، وقد استند العلماء إلى هذه النصوص لإثباته، وهذا المقدار من التوضيح كافٍ في هذا المقام.
وعالم البرزخ يمتدّ من لحظة الموت إلى يوم القيامة الكبرى، ويُعرف بالقيامة الصغرى. وفي هذا العالم، لا تكلّف على الإنسان، لكن توجد فيه مراتب من الكمال والرحمة والمغفرة، وقد تُجبر بعض نقائص المؤمن فيه إمّا بفضل الله أو بأعمال أهله في الدنيا، مما يكسبه مراتب إضافية. أما غير المؤمن، فيعيش في عذاب مستمر حتى الحساب، وتفاصيل هذا العالم لا يُدركها العقل، وإن لم يُنكرها، وإنما تثبت حصراً بالنقل الشرعي.
القيامة الكبرى
العقل والعلم يُثبتان وجود القيامة الكبرى من حيث المبدأ، وذلك لأنّ الجزاء لا يتحقق مع وجود التكاليف، بل يتحقق بعد انقضائها، وهو ما يتمّ في يوم القيامة.
ويمكن إثبات أصل المعاد والقيامة بطرق عقلية ونقلية كثيرة، داخليّة (من داخل الدين) وخارجية (من الفلسفة والعقل).
تفاصيل القيامة:
رغم قدرة العقل على إثبات أصل المعاد، إلّا أنّه يعجز عن إدراك تفاصيله ومراحله، لأنّ التفاصيل خارجة عن نطاق العقل والوهم البشري. لذا، لا سبيل لمعرفة تلك التفاصيل إلا من خلال الشريعة، وقد وردت هذه التفاصيل في مصادرها المتخصصة.
ومن الأسئلة الأساسية في هذا الصدد:
- هل المعاد جسديّ وروحيّ معًا؟ أم هو فقط روحي؟ أم فقط جسدي؟
- هل المعاد شامل لجميع الموجودات، أم أنّه خاصّ بالإنسان؟
- مسألة “الآكل والمأكول”، وهي مسألة فلسفية دقيقة يجب بحثها في محلّها.
وقد ناقش الكاتب هذه القضايا في ثلاثة كتب مستقلّة:
- المعاد الجسدي
- خلود النار والعذاب الأبدي
- المعاد الجسدي: حقيقة دينية وفلسفية
ويُنصح المهتمّون بالرجوع إلى هذه المؤلفات لمزيد من التفصيل.
ضرورة المعاد
إنّ سؤالًا يفرض نفسه على كلّ مفكّر عاقل، وهو: لماذا ينبغي أن تكون هناك عودة (أي معاد)؟ وما هي الضرورة الكامنة وراء ذلك؟ هل يستطيع العقل الإنساني أن يدرك هذه الحقيقة المصيرية بذاته، أم لا بدّ من الاستناد إلى ما جاء به الدين وسفراء السماء دون الخوض في التفاصيل والسؤال عن الكيفية والسبب؟
البرهان الفلسفي المركّب
في الجواب عن هذا التساؤل، يمكن القول إنّ العقل السليم يجد في مسار الوجود وترابطه حقيقةً ثابتة تنبع من ذات الإنسان وفطرته، وهي لا تحتاج فقط إلى بيان الأديان وسفراء الوحي، بل إنّ العقل نفسه يشير بوضوح إلى هذه الحقيقة. فمسيرة الوجود لا يمكن أن تكون جامدة، بل لا بدّ من استمرارها وتكاملها. وفي هذا السياق، نُشير – باختصار وتذكير – إلى أربعة أصول فلسفية تشكّل البرهان المركّب:
- الأصل الأول: كلّ حركة لها نهاية، ولكلّ علّة معلول خاص، كما أنّ لكلّ معلول علّة مناسبة.
- الأصل الثاني: لا يمكن أن تقع الحركة والنهاية، أو العلّة والمعلول، في عرضٍ واحد؛ بل هما في تسلسل وجودي محفوظ.
- الأصل الثالث: العالم المادّي – بما فيه من تشابك الأفكار والأعمال – لا يمنح الإنسان استقرارًا أو راحة دائمة.
- الأصل الرابع: لا بدّ من وجود عالم آخر يُجَازَى فيه كلّ عمل حسن أو سيئ، عالم لا تكليف فيه، بل هو موطن الجزاء المحض.
وعليه، فإنّ عالم الجزاء لا يمكن أن يكون إلا عالم المعاد والقيامة – مهما اختلفت التسميات – إذ لا بدّ من وجود نظامٍ تكامليّ يظهر فيه ثمرة كلّ عمل، ويُشكّل مقدّمةً للمسيرة الأبدية للإنسان.
ضمان تنفيذ القوانين
كلّ نظام قانوني – دينيًا كان أو بشريًا – يحتاج إلى آلية تنفيذ تضمن تطبيق أحكامه؛ لأنّ كلّ فكرة لا يمكن أن تُطبّق من دون ضامن. والحكومات والدول لا تملك سوى أدوات القوة أو أقصى درجات التفاهم، وهي أدوات محدودة لا تتجاوز الزمن القصير وفي نطاق الظاهر فقط. أمّا إذا غابت الرقابة، فالإنسان يرتكب كلّ ما تسمح له به قدرته، ويُخِلّ بالنظام الفطري والتكويني للمجتمع.
وبما أنّ نظام الخلقة قائم على الإحكام والانتظام، فإنّ الضامن الحقيقي لتنفيذ القوانين لا يمكن أن يكون إلا الدين؛ الدين الذي – بفضل أصلي التوحيد والمعاد – يُوجِد في نفس الإنسان الرقابة الداخلية والخوف من الجزاء الإلهي، ويجعله ملتزمًا بتطبيق القانون في السرّ والعلن.
فالدين هو الضامن الروحي الحقيقي، والرقابة المعنوية المستمرة، وهو الذي يُنشئ في نفس المؤمن شعورًا دائمًا بالحضور أمام عين الله ومراقبته. ولا يمكن إصلاح البشرية أو تنظيم العالم إلّا عبر هذا الطريق، لأنّ القهر والقوة لا يخلقان التزامًا حقيقيًا، بل طاعة سطحية زائلة.
بالتالي، فإنّ الإيمان بالمعاد هو السبيل الوحيد لخلاص الإنسان من الانحدار الأخلاقي، وهو برهان قاطع على ضرورة وجود الآخرة، لأنّ غياب المعاد يُشكّل خللًا واضحًا في النظام الطبيعي الكامل.
العدالة والمُجري العادل
بعد إثبات أنّ لكلّ قانون مُجريًا، يتبيّن لنا أنّ التطبيق الحقيقي للجزاء لا يتحقق إلّا عبر الإيمان بالمُجازي – أي الله – الذي يملك العلم التامّ بالكمّ والكيف في أفعال البشر. إذ لا يمكن لأيّ مشرّع بشري، مهما بلغ من الإدراك، أن يُحيط بجميع تفاصيل أعماله وأعمال المجتمع ليُجري عليها الجزاء المناسب. وحده الدين، القائم على الإيمان بالله واليوم الآخر، يضمن هذا.
والله سبحانه هو العالم بتفاصيل الأعمال والنيات، والقيامة هي الميدان الوحيد الذي تتجلّى فيه العدالة الكاملة. أما الدنيا، فوسائلها محدودة، فلا تملك سوى التوبيخ اللفظي أو العقوبة الجسدية، والتي غالبًا لا تتناسب مع حجم الفعل. فكم من شخصٍ أفاد أو أضرّ مجتمعًا كاملًا، بينما لا يتجاوز حكمه في الدنيا الإعدام أو البراءة، وهذا ظلم صريح لا يزول إلا بيوم جزاء كامل وعادل.
المعاد؛ ضرورة فكرية وعقلانية
المعاد الذي بشّرت به الأديان السماوية، تؤكّده العقول السليمة، وترى أنّ إنكاره عبث محض. إنّ الاعتقاد بعدم وجود معاد معناه اختزال الحياة الإنسانية والكون بأسره إلى بضع سنين من الألم والعناء، ثم لا شيء بعد ذلك، وهذا التصوّر لا ينبع إلّا من ضيق الفكر وضعف النفس.
فالوجود في امتداده مفتوح، وأفق الإنسان الروحي عريض، والمصير الحقيقي لا يمكن أن يكون الفناء. فكما أنّ قافلة الحياة انطلقت، لا بدّ لها من أن تستمر، ولكن في أفق أوسع وأكمل. والإنسان يجب أن يتجاوز ضيق التفكير كما يتجاوز دودة القزّ شرنقتها، وإلّا سيحرم نفسه من رؤية عالم الوجود اللامتناهي.
لسان الدين والرسل
بعد أن بيّنا أهمية المعاد من منظور العقل، ينبغي التنويه إلى أنّ جميع الأديان السماوية قد تناولت هذه الحقيقة، وجميع الرسل قد تحدّثوا عنها بحسب ما أُوتوا من علم ووحي. ولم يكن في أقوالهم تناقض أو تكذيب لأقوال بعضهم، بل كانت بياناتهم متكاملة وفقًا لمستوى إدراك أقوامهم.
لكن أتباع بعض الديانات لم يواصلوا طريق الأنبياء، بل لجؤوا إلى الأساطير والخرافات. ولهذا، فإنّ نصوص الأديان السابقة، رغم احتوائها على بعض الحقائق، اختلطت بالأباطيل والمبالغات التي يعجز العقل السليم عن تصديقها.
وحده الإسلام – وبفضل صيانة قادته ومصدر وحيه – بقي نقيًّا من التحريف والزيادة، محافظًا على نقاء معارفه. وإن وُجدت خرافات عند بعض الفرق أو المتعصّبين، فإنّ المرجع الحقيقي في هذه المسائل هو ما أنتجه كبار علماء الشيعة من فكر عقلاني متّزن يلتزم بالوحي والعقل في آنٍ معًا.
المراحل الوجودية الخمس
لفهم المعاد وآثاره، يجب النظر إلى حياة الإنسان من خلال خمس مراحل وجودية كبرى، تبيّن تطوّر الإنسان في مراتب الوجود:
- المرحلة الأولى: الحياة الدنيوية، بما فيها من اختبار وتكليف.
- المرحلة الثانية: الحياة الجنينية في الرحم، والتي تُظهر قدرة الله وتكوينه العجيب.
- المرحلة الثالثة: ما قبل التكوين المادي، وهي مرحلة لا يُدركها الحس، بل تُثبت بالنقل والعقل والدين، وتُعرف بعالم “الذر”.
- المرحلة الرابعة: عالم البرزخ، الذي يلي الموت وي precedes القيامة الكبرى، وهو بمثابة محطة انتظار وانتقال.
- المرحلة الخامسة: القيامة الكبرى، حيث تتحقق الحياة الأبدية، ويُفصَل فيها بين الخير والشر بشكل نهائي.
خاتمة
إنّ هذه المراحل الخمس تمثّل خريطة الوجود الكامل للإنسان في الرؤية الإسلامية – لاسيّما في الفكر الشيعي – وهي نظرة شمولية تنسجم فيها المعرفة العقليّة مع الوحي السماوي، لتؤسّس لتصوّر متكامل عن الخلق، والمصير، والعدالة، والغاية من الوجود.
والله وليّ التوفيق.
[1] ـ رعد / 2.
[2] ـ حج / 18.
[3] ـ آل عمران / 18.
[4] ـ نهج البلاغه، خطبهى 181، ص592.
[5] ـ نهجالبلاغه، خطبهى 1، ص1.
[6] ـ نهجالبلاغه، خطبهى اول.
[7] ـ توحيد مفضل.
[8] ـ همان.
[9] ـ ] با كمال تأسف، هنوز عدهاى سادهلوح خود را به ذكر خفى و جلى از دست و دُم اين بىدُمانمشغول داشته و هيچ گونه اطلاعى از اين سلسلههاى پرحلقهى استعمار به نام بوق على شاهها وميخ على شاهها و استحمار و استعمار آنان ندارند [.
[10] ـ حج / 6.
[11] ـ يوسف / 53.
[12] ـ أنّا أقلّ الأقلّين.
[13] ـ ينابيع المودة، ص308.
[14] ـ «كجايند پادشاهان و كجايند فرزندان آنان».
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.