سيرُ العِشق
(المجلد الأول)
(قدّس سرّه)
السيد آية الله
المعرّف: ، ، مواليد 1327 هـ ش.
العنوان والمؤلّف: سيرُ العِشق / تأليف .
بيانات النشر: طهران، دار نشر ، 1397 هـ ش.
الوصف المادي: 3 مجلدات.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): دورة 978-600-397-083-0
شابك المجلد الأول: 978-600-397-082-3
حالة الفهرسة: فيپا
الموضوع: ، ، 1327 – مذكرات
الموضوع: مجتهدون وعلماء – إيران – مذكرات
تصنيف الكونجرس: 1397 9س8ن / 5/ 153BP
تصنيف ديوي: 998/297
رقم الفهرس الوطني: 5277336
سير العشق (المجلد الأول)
المؤلف: حضرة آية الله (مد ظله العالي)
الناشر:
طبعة: الأولى، سنة الطباعة 1397 هـ ش
النسخة: 3000 نسخة
السعر: 300000 ريال للمجلد الأول
مركز التوزيع: قم ـ بلوار أمين ـ زقاق 24
المكتب الأول على اليسار ـ رقم 76
هاتف مركز التوزيع: 025-32159078
الموقع الإلكتروني:
شابك الدورة: 978-600-397-083-0
شابك المجلد الأول: 978-600-397-082-3
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
المقدمة
على مدار أكثر من ستين عاماً من حياتي، مررت بتقلبات كثيرة، ومن ثم أمتلك ذكريات متنوعة وغنية وممتعة. رغم ذلك، لم أتبوأ مواقع اجتماعية رفيعة خلال هذه الفترة، بل كنت جزءًا من المجتمع المقهور عشت حياتي فيه وعملت بالتدريس كما غيري. تعرضتُ للملاحقة والاعتقال من قبل ساواک في زمن الطاغية، وبلغ عدد مرات اعتقالي تسع وعشرين مرة، وبعد انتصار الثورة استمرّ تقييدي واعتقالي مرات عدة. كان هدفنا دعم المحرومين والدفاع عنهم، فتكلمنا عنهم حتى صرنا نحن أيضاً من المحرومين، والحمد لله، هذا جعلنا خلاصة المجتمع وأعطانا فهماً كاملاً لأعماق وقضايا المجتمع المختلفة.
وقد جمعت هذه المعارف في مجموعة مذكراتي التي بلغت حتى الآن عشرين مجلداً، منها المجلد الموسوم بـ «حضور الدلباران» وهذا الكتاب بعنوان «سير العشق» في ثلاثة مجلدات يمثل جزءاً آخر من هذه المجموعة.
اعتمدت في سرد ذكريات هذا الكتاب على نفس المنهج الذي أتبعه في دروسي، حيث أعرض الموضوعات بصبر شديد وأقدمها على أجزاء متقطعة، حتى لا أطرحها دفعة واحدة، فجزء من الموضوع أطرحه اليوم، وقد أؤجل بقية الأجزاء لسنوات قادمة. ومن ثمّ فإن فهم نظراتي النهائية أمر صعب، ويتطلب صبراً من الطالب، وقد يؤدي هذا الأسلوب إلى بعض الإرباك أو الظن بالتناقض، لكنه في الحقيقة ناتج عن رؤية متماسكة تنقسم إلى أجزاء متعددة تشكل في مجملها وحدة متكاملة.
أنا مضطر لهذا الأسلوب حفاظاً على نفسي وسط فئة ظالمة وسطحية، وأحياناً بين أشخاص متعصبين وغير واعين. ولهذا أتبنى وسطية في الطرح وأضع في كل نقاش عقدة لا يستطيع حلها إلا العباقرة، لأنني أؤمن أن الدنيا أسهل بلا تعقيد.
كل ما أذكره هنا من ذكريات هو من رؤاي وتجربتي الشخصية المباشرة، لا أنقل ما سمعتُه من الآخرين، إذ لا أحب الحكايات المبنية على السماع ولا أؤمن بها.
من خصائصي الأخلاقية أن أتحدث بما يتناسب مع قدرة المستمع، لذلك أحفظ تفصيل ذكرياتي لتقديمها في وقت مناسب، وربما بعد عقدين من الزمن. كذلك، أتجنب طرح أي شيء يزيد على قدرة الحاضرين، وأراعي ذلك في الدروس والكتابات. نظرياتي وآرائي تحتاج إلى صبر وحذر، ولا تفيد أصحاب القلة صبر.
في الحديث والكتابة، أضع في الاعتبار مستوى المتلقي وأتكيف معه، كما لو أنني آلة أوتوماتيكية تضبط كمية المياه اللازمة للغسيل، فأنا أتبع ذات المنهج في التعامل مع المواضيع، وهذا أسلوبي الخاص.
عملي الدراسي والكتابي والذكرياتي تهدف إلى حل المشاكل الإنسانية والتعامل مع المآسي التي مررت بها خلال حياتي. وأنا إذا سردت التاريخ أو مآثر السابقين، أفعل ذلك بأسلوب فريد لا يمكن قراءته في الكتب الأخرى أو سماعه من أحد، حيث أعيد تمثيل تلك السنوات بدقة وأجعلها حقيقة حية بين الكلمات.
أحياناً أستخدم بعض الفكاهات والتعابير التي تثير البسمة والسرور في قلوب المؤمنين، ولا بأس بذلك. وبعض أقوالي يجب أن تُفهم ككلام شعري أو متصوف، ولا يجب أن يؤخذ بجدية مفرطة أو يؤخذ عليها ما لم أقصده.
الحمد لله رب العالمين.
مولاي الحب
الفصل الأول: مولاي الحب
الله الذي عشقتُهُ في طفولتي
أتذكر طفولتي مع شجرة التوت التي كنت أتسلّقها. كانت المسافة بيني وبين أستاذتي الروحية، السيدة گلين خانم، توازي المسافة بين هذا المكان (مدرس ساحلي) وحتى باب فيضية الشرقي (حوالي ثلاثين سنتيمترًا). هكذا كانت طفولتي حتى سن العاشرة. قيمة تلك السنوات من عمري تعادل مئات السنين. كنت بسيطًا ونقيًا كالأطفال الرضع، وخلال هذه السنوات نلت من المعلمين رفيعي المقام هبات عظيمة. لم أكن أعلم سبب وجودهم أو كيفيات ذلك. كانت منزلنا في حي نفرآباد بمدينة ري. تخيل أن يكون مصدر السوق هناك، ومكان سكني هنا؟ وقوع هذه الأمور ليس مرتبطًا بالإنسان ذاته، ولا شيء من هذه الأمور يعود للإنسان. السالكون إلى الله في مقام خاص بي (وليس العام) لا يمتلكون الناسوته. كلما قمت بمقارنة أولئك المعلمين والعلماء الذين رأيتهم لاحقًا أدركت أكثر مكانتهم وعظمتهم. هذه الأمور كأنها شحنات من الله، وهو الذي يدير الأمور، والأسباب في ذلك مقتضيات.
كان هناك عدد كبير من الناس هناك، على سبيل المثال، أول معلمة في مدرستي كانت امرأة حكيمة وذات إيمان عميق تُدعى «گلین خانم». كنت أناديها خطأً بـ«گلیم خانم» بسبب لغتي الطفولية. يومًا قال لي أحد الأصدقاء الأتراك إن اسمها «گلین» يعني العروس، أي أنني كنت مخطئًا في اسم هذه السيدة الحكيمة، وإنها كانت تغزل السجاد (گلیم). بعض الأحداث تأتي وفق مقتضيات، كأنك تُشحن فجأة وتُمنح قوة وطاقة.
مشكلتي كانت تقديرًا إلهيًا مبنيًا على مقتضيات، لكنه ليس جبرًا ولا اختيارًا، بل هو الحب والفضل الإلهي. الله يحنو على الإنسان، وكثير من الناس قادرون على جمع هذه النعم، لكنهم لا يتحلون بالصبر فيتركونها ولا يصلون إلى المقصد، أما أنا فالأمر مختلف، لأن السبب هو الحب، وهو عالم بحد ذاته.
للأسف، ليس هناك مجال مناسب للتحدث عن هذه الأمور، والجهل الثقيل للنفس البشرية جعل كل شيء يُنسى. كنت طفلاً حين أحببت، وما زلت أحب حتى اليوم. لاحقًا، أحببت من جديد، وعندما أحببت ثانية، لم أعد أرى الكتاب أثناء الدراسة. كنت أدرس من الليل حتى الصباح حتى شعرت أن عيني قد عميت. رغم فتح عيني لم أعد أرى نص الكتاب. عند الفجر، كانت الحصة تبدأ، وكانت المشاركة في الدرس مهمة جدًا لي. وعندما كنت غاضبًا عند الفجر، فتحت الكتاب مرارًا، وفي لحظة، انتهى ما في الكتاب. نسيت ذلك الحب الثاني، وكأنني في ليلة واحدة عانيت كل المصائب، رغم أنها ليلة واحدة إلا أنني شعرت بها كأنها عام كامل من العذاب.
اليوم، كل ما أراه من نعم الله في حياتي هو ثمر حب طفولتي. حياتي كلها علامة على الحب، بل هي الحب ذاته، وحبي وقلبي وديني وإيماني كلها حب. كتبت ما يقرب من عشرين مجلدًا من ديوان الشعر الذي هو ثمرة حب طفولتي. ألف بيت وأكثر من سبعين ألف بيت شعري، كلها نتيجة لتلك الليلة الطفولية وللحُب الذي نجم عنها.
كنت طفلًا صغيرًا حين رأيت الله. لم يعد كلام الآخرين عن الله جديدًا بالنسبة لي. خمسة وتسعون بالمئة من أشعاري عن الله، والخمسة بالمئة المتبقية عن الأئمة الأطهار، أي أولياء الله المقربين، أو عن النصيحة ونقد الظلم والاستبداد على خلق الله. ماذا أفعل الآن؟ ما رأيته ما زال أمامي. لو حسب أحد دروسي، ستجد أنني كررت «اللهم عرفني نفسك» آلاف المرات. هذا هو ما حدث لي، وأكرر: «وإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك». إن لم أر الله، فمن هو نبيه؟ يقول هذا البيت إن بدون الله يجب على النبي أن يغادر. صحيح أن النبي جاء برسالة، لكن من أي جهة؟ النبي صاحب المعجزة، ولكن ما نتيجتها؟ النبي جاء منه، لكنه من هو؟ نحن لا نعرفه. النبي يجب أن يأتي بمعجزة من قِبَلِه فقط، لكنه من هو؟
العالم هو عالم الحب فقط. لا جبر في الوجود، ولا اختيار وإرادة تتحقق، كل شيء هو حب ومقتضى. المقتضى قد يظهر كنعمة ولطف ومحبة. كل شيء بحساب دقيق، لا شيء عشوائي. الحساب دقيق ورفيع، ولا يُدرك بالعقول العادية.
يجب على الإنسان أولًا أن يرى الله ويؤمن به ويعتقد به. الاعتقاد الضعيف أو المشكوك فيه يؤدي إلى إهمال الله. الإنسان إذا شك في الله، فلن يعتمد عليه ولن يصدق أن كل الأمور بيده. أما إذا صدق بأن كل الأمور بيد الله، فحتى لو قطعت رقبته، لا يعبس. من يستطيع هذا؟ أحيانًا يكون الإيمان ضعيفًا جدًا لدرجة أنه إذا أمسكت أذنه، يدمر نفسه. قد يتحدث إنسان عن الله وهو في صحة جيدة، لكنه يتغطرس، وعندما يواجه البلاء، يضيق عليه الأمر ويبدأ ينتقد الله. نعم، التحدث عن الله كثيرًا ما يكون على هذا النحو في القول لا في الفعل. كثير من الناس يفقدون الأمل عند الأزمات، وهذا خطر كبير. قبل أن نبدأ التعلم، يجب أن نصحح عقيدتنا في الله ونحل مشاكل الاعتقاد بالله. بالطبع، يجب أن يمنحنا الله التوفيق.
لقد بذلت جهدي، وأود أن أجعل ذلك حلالًا، من سبعين درجة من الثواب للسلام، حيث تسع وستون درجة منها تهدى إلى الشباب الذين لم يجتهدوا مثلي ولم يدرسوا. فمن العدل أن أحييهم بالسلام وأن أتحصل على تسع وستين درجة منهم. عندما كنت أسكن في براد القاضي، كنت أتي إلى الحرم لتدريس الساعة التاسعة صباحًا. وكان السيد سيد أحمد الخاتمي يبدأ درسه الساعة الثامنة، وعندما ينتهي، يتقاطع مع وقت درسي. كان كثيرًا ما يتحفظ على نفسه ولا يرد السلام. وكان هذا يزعجني جدًا، كيف لا يرد السلام على الناس؟ في يوم ما، حينما قابلته، نبهته بصوت عالٍ أن يرد السلام. فاستجاب بلا اختيار قائلاً: «السلام عليكم»، ولم يقل شيئًا آخر. ومنذ ذلك اليوم، رأيته يحيي الجميع بالسلام. ومنذ ذلك الحين، صرنا نرد عليه السلام أحيانًا حتى لا يسبقنا هو بذلك. من لا يرد السلام، فهو ظالم، لا يمتلك أخلاق الإنسان ولا مبادئ الدين.
على أية حال، في الأجواء الطاهرة والمقدسة لفَيضيّة، تنفّس الأولياء الربانيون والعلماء الربانيون، وحافظوا على حبهم لها. فهل يمكن أن يغفل الإمام المهدي عن هذا المكان؟ إذا لم يغفل الطالب عن هذه المعاني، فإنه يجد انتظامًا وانضباطًا في حياته، ويسعى ألا يضايق الإمام، ولا يطلب منه شيئًا، بل يحرص فقط على ألا يسبب له إزعاجًا.
رحم الله المرحوم السيد مرتضى الحائري، كان عالمًا زاهدًا. قال إنه رأى الإمام المهدي في المنام وكان حزينًا جدًا. فسألته إن كان راضياً عن الحوزة والطلاب؟ فأجاب الإمام: «لو لم أكن راضيًا، فماذا أفعل؟ ليس لدي غيرهم». لا ينبغي أن يغفل أحد عن هذه العلاقة، فالطلاب منسوبون إلى الإمام المهدي وهذه النسبة تساوي كل العالم، لكنها في الوقت نفسه تثقل حمل الإنسان، وقد يسبب عمل غير لائق ألماً في قلب الإمام ويقلقه.
الحب النقيّ الخالي من الطمع
كل الوجود وما فيه من ظواهر هو ولاية. والولاية جذورها في المحبة. المحبة حبّ الحق وعشق الذات الذي أَشعل هذه المعركة. العالم الدنيوي هو ساحة عشق وليس نزاعًا بين جهنم والجنة كما يظن البعض. الفاعلية الإلهية هي بعشق الذات. يجب صباحًا مساءً تحية الله والسلام عليه، وهذا السلام من فصل النور ومن الولاية. الحياة ليست سوى عشق. من لا يملك عشقًا، يلوث نفسه بالطمع، ومن يلوث نفسه بالطمع يصبح كالعلقة. في حينا القديم، كان هناك رجل يبيع العلق، شيخ طويل القامة يلبس قبعة سوداء واسعة، وجهه داكن وكان يشبه العرافين. كان يحمل العلق في كيس وينادي في الأزقة: «العلق». كان الناس الذين لديهم قذارة في دمائهم يستخدمون العلق لسحب الدم الفاسد. كان العلق يملأ نفسه بالدم حتى ينتفخ ويسقط مثل القرص المنفوخ. العشق نقي وخالٍ من الطمع، يمزق قلب العاشق، أما اليوم فكل العشاق متأثرون بالرغبات الطامعة. العشق النقي هو فقط للأولياء الذين يحبون الآخر في أي حال كان، راكبًا أو ماشياً، جميلًا أو قبيحًا، متساوون في نظرهم. فمن يستطيع أن يبحث عن عشق نقي؟ الله وحده يملك عشقًا نقيًا خاليًا من الطمع، يحب خلقه ليس لأنه بحاجة إليهم. العشق النقي لا هدف له ولا غرض ولا يُلوّث بفكرة الوصول، بل هو الغاية بحد ذاته. في العشق النقي، حتى لو افترضنا مجازًا أن الله صار متسولًا منعزلًا، فالعاشق يظل يغني له بأغاني المحبة، يحفظ عظمته ويحني ركبتيه ويردد «سبوح قدوس». العشق النقي يحكمه المحبة لا الكفر أو الإيمان. العشق النقي لا يعاني من الفراق، ولا يعني البُعد والانفصال، فالعشق لا يقطع الواصل. كان لي أصدقاء أوفياء، رغم أننا في عالم لا نملك نجمة واحدة في السماء، بقوا معي دون توقعات، في فضاء لا يسمح بحرية النفس، كانوا معجزين في وفائهم.
من يملك عشقًا نقيًا، يكون نفسه ساكنة هادئة مطمئنة، وهو من يصل إلى المغيبات. من كانت نفسه هادئة وخفيفة وحية، يشعر بالأحداث قبل وقوعها، ويكون صاحِبَ نفسٍ واعية. النفس الهادئة لا تحوي طمعًا، مع أنها نار لكنها خامدة. المغامرات والفساد للنفس المضطربة التي لا ترضى، والتي لا تستطيع امتلاك الصفاء أو الصداقة، فتكون دائمًا في شيطنة وشهوة. العشق النقي كان لمقداد، ويقال إنه كان أعلى منزلة من سلمان. عندما يرى أمير المؤمنين يظهر بعض التنازل ويحفظ ذا الفقار في غمده، يفعل هو كذلك دون اعتراض أو نقد. كان مقداد يملك قوة مصاحبة في الأعمال العظيمة، وقوة في كسر الذات للقيام بما يجب.
من لا يستطيع أن يترك منزله أو سيارته أو منصبه الدنيوي من أجل محبوبه، فحبّه للآخرين ما قيمته؟ هل يعرف العاشق محبوبه؟ العاشق يصبح عاشقًا حين يشعر بالنقص، والمحبوب أعلى منه بآلاف الرؤوس والدرجات. النجاح لا يتحقق بدون عشق، والنجاح لا يستمر بدون عدل وإيمان وقناعة ومحبة إلهية. مع العشق، يكون الرضا بالمحبوب مهما كان. النجاح مع الإيمان والعشق يكون دائمًا، وإلا فهو عابر مؤقت شكلي. القلب يجب أن يستقر ويؤمن بنفسه ليخلوا من الندم والنقص والعقدة. من لا يملك عشقًا، يملأه الندم والعقد، ويختنق ويدمر تحت أنقاضها.
من يصل للعشق، يستمد منه الطاقة والفرح والاطمئنان. العشق كالعلم والمعرفة يجلب الاطمئنان والسُكر الروحي، ولا يسبب الألم أو الندم.
العشق النقي هو رسول الحب؛ حسين عليه السلام، الذي يقول: «ياسيوف خذيني!» حرارة هذا العشق تظهر بشكل يتحد بالسيوف المشرعة ويصبح برودة القلب، ويخفف عن حسين ويجعله خفيفًا. هذا التجلي هو نار النار، أي العشق النقي الخالص. لهذا العشق يقول: «أفرّ منك إليك». العشق النقي ناري ولهب يشتعل به القلب، نارٌ تجعل لهيب جهنم بردًا مقارنة به، والعاشق يقول: «ما عبدتك خوفًا من نارك».
من ذاق حرارة نار العشق النقي الخالي من الطمع، لا يخشى نار جهنم.
في كتاباتي ودروسي، رسمت حياة أولياء محبوبين، تتميز بعدم الطمع، وعدم التوقع، والشك، والشرط. المحبون إن دعوا، فبأدب، لأن الله أمر بالدعاء وهم يدعون، لكنهم لا يطلبون طلبات خاصة. حالهم: «يا الله نحن راضون بقضائك، وأنت لا تفعل عبثًا». الناس أحرار ويملكون القدرة على فعل الباطل، وكأنهم أحرار أكثر. الله يفعل الأمور بحكمته وعدله وطهارته وفضله، والعباد يفعلون ما يريدون. المحبون يهدفون لتحقيق طلباتهم ويعيشون بطمع في الأمور الروحية والربوبية.
العشق النقي والخالي من الطمع لله. الخلق هو نتيجة عشق الله النقي. الله يعشق ذاته، عشقا كاملا بلا نقص، وهو ذاته الوصول، لأن العشق حفظ، وليس سعيًا للوصول إلى ما ليس موجودًا، وهذا ما يُسمى الشوق. الله كريم لا يخفي نفسه. كل ظاهرة هي نتيجة عشق الله لذاته. الخلق ظهور للعشق، ظهور لا بداية له ولا نهاية. الله فاعل بالعشق.
البرزخ
البرزخ جارٌ لهذا العالم. التوغل في البرزخ صعب على العارفين المحبين، لكن المحبين الحقيقيين لا يواجهون عائقًا، بل يرون عوالم القيامة أمامهم. من المواضيع المثيرة في البرزخ مكانة العلماء. رأيت علماء بلا ثياب، قد نزع عنهم ثيابهم، ورأيت علماء بملابسٍ نورانية. في رؤيا لي، رأيت عارفًا يعاقب بأربعين سنة تنظيف وتطهير. رأيت مجتهدًا صاحب رسالة، كُلف بمسؤولية العلماء، يعمل في مكان يشبه الحمامات القديمة، وله ما يقارب تسعمائة تلميذ كنت أعرف بعضهم. تحادثت معه وعانقته، وكان فرحًا بلقائي. كان محتجزًا في غرفة صغيرة، ومسؤولية هذا العدد الكبير كانت
الحب للقرآن الكريم
كنتُ أحبُّ تلاوة القرآن الكريم منذ صغري. رغم صغري، عشتُ هذه المشاعر وأحببتُ القرآن وتلاوته، مع أني لم أكن أتمكن من ذلك. كان زمن الطاغوت، وكانت الصفحات الأولى من كتب المدارس تتحدث عن شاه وزوجته ثريا. في زمننا، كانت ثريا زوجة شاه. كنا نحن التلاميذ نتحدث عن الملك وعائلته. كان الأطفال يقولون إن آل پهلوي يتزوجون كثيرًا، وهذا أمر استثنائي ولا مشكلة فيه، لكن لو تزوج الناس العاديون مرة ثانية كان يثير ضجة كبيرة. كنت أكتب آيات القرآن الكريم بخط صغير ودقيق في صفحات الكتب وأتلوها. حقيقةً، كان حبي للقرآن يدفعني لذلك. إذ لم أكن بعد طفلاً مألوفًا بالكلمات العربية ولا أعرف معانيها. كنت أفتقد إلى الألفاظ والكلمات، لكني كنت متصالحًا ومتواصلاً مع معاني القرآن الكريم. وكان بإمكاني إدراك تلك المعاني. يجب على الإنسان أن يكون واعيًا بذاته ومعرفته.
فيما بعد، عندما درست مع الأدب، أصبحت أطالب بمعرفة الأدب العربي، لكني مع ذلك وجدتُ عالم المعاني أعمق وأغنى. المعرفة بالأدب لا تعين الإنسان في عالم المعاني بشكل كامل، إذ يبقى الإنسان في نقص الألفاظ والكلمات.
كنتُ في الماضي أدرس فن الموسيقى وأتعلم المقامات المختلفة في الموسيقى والغناء، مثل مقام أبو عطاء، حيث تبدأ بدخول (دَخْل)، ثم (رَجْعَة)، وتنطلق وتتراقص النغمات. كنت أدون ملاحظاتي وأخطئ في كتابة كلمة “أوج” وبدلاً من ألف أستخدم عين، لأني كنت صغيرًا حينذاك. حين عرضت مذكرتي للتدقيق، اعترض شخص ما على خطئي هذا، فشرحت له أني كنت طفلاً وقليل التعليم، لذا كتبت الكلمة خطأً.
كان لي معلم جاء من العراق إلى إيران ولم يكن يتقن الفارسية جيدًا، وكان يخطئ في نطق كلمات فارسية ويحولها إلى عربية، مثل كلمة “غزال” التي كان ينطقها “غو زن”. للأسف، كان تعيين هذا المعلم مبنيًا على المحسوبية، وهي ظاهرة كانت منتشرة في ذلك الزمان أيضًا.
رحم الله المرحوم آقاي الإلهي، كنا نرتبط، وكنا نجلس معًا ونتبادل الأحاديث. كان يذكر طفولته حيث كان آقا ميرزا رضا قمشهاي يُدرّس الفلسفة في مدينة شهرضا، لكنه لم يكن يفهمها جيدًا رغم حبه لها، وكان يقف خلف باب الصف ليستمع لدروس الفلسفة رغم منع دخوله. هكذا كانت طفولته، لكنه وصل إلى تلك المنازل الإنسانية الرفيعة في النهاية.
أنا من صغري كنت مرتبطًا بالمسجد وبالقرآن الكريم.
كان لدينا في المنزل راديو به أضواء كثيرة، وكان والدي يستمع للأخبار ثم يغلقه ويضعه في مكان مرتفع لا أستطيع الوصول إليه. كنت أندهش كيف يستطيع الأشخاص الذين يسمعهم في الراديو أن يتواجدوا داخل هذه الصندوق الصغيرة. في أحد الأيام، وحدي في المنزل، حاولت طبخ الطعام، ووضعت قدرًا على الموقد وأعددت الأرز بالماء، وظننت أن الماء سيجف ويحترق الأرز، فوضعت ماءً إضافيًا حتى أصبح الأرز شفته.
في صغري، كنت أتساءل كيف تكبر بطاقة الهوية، إذ كنت أظن أنها تنمو أو تزداد بنفسها.
في أحد ليالي الصيف، كنت أذهب إلى المقبرة وأتجول فيها، وكان الناس نيامًا في بيوتهم. وجدت عملة معدنية في الأرض، التقطتها وألقيتها بقوة على الأرض، ظننت أن صوتها يحمل قيمة، لكنني لم أكن أفهم معنى المال وقيمته.
مع ذلك، كنت أعرف القرآن وآياته وأستمع إليه، وكنت أحبه جدًا من صغري.
رحم الله المرحوم آقاي الإلهي قمشهاي، كان يقول إنه منذ صغره كان يحب الحكمة والفلسفة والتصوف.
وكما أن المرحوم الإلهي كان لديه نزعة للحكمة من صغره، كنت أنا أيضًا مشدودًا نحو القرآن الكريم، فقد كان له جاذبية تدعوني إليه وتقرأ عليّ نفسها:
“حتى لا يكون من جانب المعشوق كششٌ
كوشش العاشق البائس لا يصل إلى شيء”
لكي تستفيد من القرآن الكريم، يجب أن تصاحب هذا الكتاب وتأنس به، ويوصى بأن تضع القرآن مغلقًا أمامك، وأن تجلس أمامه على طهارة ومتوجهًا نحو القبلة، ليُلهمك فهم آياته. إذا استطاع الإنسان أن يؤنس بالقرآن الكريم، يجد نفسه في حضرة حقيقة هذا الكتاب السماوي ويستفيد من معارفه. في هذه الحالة، القرآن يقرأ نفسه لرفيق له، لا أن الرفيق هو من يقرأه.
الطريق إلى معارف القرآن هو القرب منه، لا الحفظ فقط. لقد استفدت أكثر من أي طريق آخر بهذه الطريقة. أضع القرآن على قلبي وأشعر بالطمأنينة، كما يفعل الأم وهي تحتضن طفلها وتعانق قلبه بقلبها.
كلما وضعت القرآن على صدري، تنفساتي تصبح عميقة وسريعة، وعندما أرفعه تصبح طبيعية. لقد تعلمت منذ صغري طريقة الانس مع القرآن لاستخراج المعاني والتفسير، ولم يعلمني أحد هذه الطريقة. تفسير “الهدى” الذي كتبته، والذي درسته في تفسير القرآن، كان من اكتشافي الشخصي. تفسيرنا كان قائمًا على القرب والانس مع القرآن الكريم، وليس على دراسة كتب أو مراجع. كلامي في التفسير هو خاص بي، ولا تجده في مكان آخر، وهو تجديد حقيقي.
هذه المشاعر نابعة من حضور قلبي طويل الأمد مع القرآن، وليست مجرد تلاوة عادية. لا أقيد فهمي للقرآن بهذه الطريقة فقط، لكنها أسرع وأفضل الطرق لفهم المعاني.
للأسف، غفلت مدارسنا وعلماؤنا عن هذا الأمر، ولا تزال مكانة القرآن مهمشة، ولا يعطى حقه.
رحم الله السيد أحمد خوانساري، الذي كان يستشیر بالسبحة ويقول إنه لا يستطيع الاستفادة من القرآن، مع أنه كان متمكنًا في الفقه والفلسفة.
وكذلك السيد ميرزا هاشم آملي، الذي كان من تلاميذ آقا ضياء، قال إنه لا يفهم القرآن ولا يستطيع حتى تلاوة سورة “قل هو الله أحد” بشكل صحيح، فكيف يفهمها؟
الكثير فقدوا هذه الطريقة في أخذ المعارف من القرآن.
أنا قضيت أكثر وقتي في حضرة القرآن الكريم، ربما استخدمت أكثر من خمسين نسخة منه.
كل مرة أتمسك بقرآن، أجد فيه جديدًا، حتى وإن كان من نفس الطبعة، وقراءة عدة نسخ مختلفة تعطي معانٍ متعددة.
بعض الناس يبالغون في حفظ القرآن، وهذا من ثقافة أهل السنة وليس من ثقافة الشيعة.
عندما كان محمد حسين الطباطبائي يُعرف بأنه طفل معجزة في حفظ القرآن، قابلته في رمضان في حفل إفطار، وطلبت من والده أن يعتني به جيدًا حتى لا يتضرر نفسيًا بسبب الضغوط.
وللأسف، بعد انتصار الثورة، لم تستطع الحوزات العلمية ونظام التعليم اتخاذ طرق تربوية صحيحة، وفرضت طرقًا ظاهريّة غير مناسبة، مما أضر بأجيال عدة.
أنا قد وضعت الأسس اللازمة لنظام تعليمي صحيح ولترويج المعارف القرآنية، لكنني للأسف تعرضت للظلم والغربة، وحتى القليل من كتاباتي التي نُشرت جُمعَت وأُلغيت عمدًا.
هذه نهاية مجتمع فقد قيمه إلى درجة لا يستطيع تمييزها.
لو كان النظام سليمًا، لما تم إيقاف دروس التفسير، بل كان يجب دعمنا لمواجهة الانتقادات حول القرآن والدفاع عنه في دروسنا.
لكن اليوم، مثل عمرو عاص الذي كان يستخدم القرآن لغاياته، هناك من يستخدم الدين والقرآن لتغطية أهوائه، ويخدع الناس بالإعلام الموجه.
رغم ذلك، حتى بعض أتباعهم يدعون أن ذلك مجرد خداع.
في هذه القرية النائية التي حبستني فيها، أتنفس نفسي وآيات القرآن الكريم معاً بآهة. لا أجد شيئًا سوى القرآن الكريم لا يحمل لي سوى زفرة باردة. منذ صغري، كنت أشارك في حلقات تلاوة القرآن الكريم، وأمارس القراءة والتلاوة. كنت أختم القرآن في إحدى عشرة ساعة ونصف، حيث كانت كل جزء تستغرق حوالي عشرين دقيقة. في هذا الختم، لأنني كنت أسرع في تلاوة الآيات، لم تعوق السرعة تركيزي، بل زادت من تدبري للمعاني. كنت أُدرّس قواعد التجويد منذ أن كنت في العاشرة من عمري. كان صوتي جميلاً جداً في طفولتي، ولكن لدي ذكرى مؤلمة. عندما كنت مراهقًا، كانت تلاوتي للقرآن ممتازة ومتميزة في التجويد. كما ذكرت، في ذلك الوقت وكنت في الحادية عشرة من عمري، كنت أدرس في صف تجويد. كان والد السيد ريشهري وبعض الشيوخ الكبار من ذلك الوقت يحضرون هذا الصف. أعرف والد السيد ريشهري وعمي والسيد معافي منذ الصغر، وأعرف قصصهم. ومع ذلك، كلما تليت القرآن، كان الشيخ المسؤول عن الجلسة يقول لي: “أعد” أي اقرأ مرة أخرى، رغم أن لا أحد كان يقرأ القرآن أجمل أو أدق مني. كان أستاذي المرحوم السيد اثني عشري، صاحب التفسير، يقرأ القرآن بسرعة فائقة، حتى أنني لو حاولت تقليده لأصابت فكّي وفمي أضرار بسبب الضغط. كنت مصرًا على أن تكون سرعة قراءتي مثل سرعته، وكان أحيانًا يسخر مني قائلاً: “اقرأ ثلاث صفحات فقط ولا تعذب نفسك”، أي عندما أقرأ آية، أنت فقط تقلب الصفحات بسرعة إلى الآية التالية. لم أكن أقبل هذا المزاح ولم أتحمله، حتى أنني تدربت كثيرًا وأجهدت فكي وفمي حتى تفوقت عليه في سرعة التلاوة، وكان ذلك بمثابة رد على سخرية أستاذي. استطعت ختم القرآن في إحدى عشرة ساعة ونصف، وأعتبر هذا النجاح من فضل الروح الإلهية التي كانت ترافقني. كان ختم القرآن في ذلك الوقت بمثابة ذكرٍ مستمر: ما إن أمسك القرآن حتى تنتهي تلاوته. للأسف، الآن لا أمتلك القدرة على أداء مثل هذا العمل، ولم أعد أتمتع بالعقل البسيط الذي كان لديّ في الطفولة، حيث كنت أظن أنني ألعب وأبدأ التلاوة وكأنها لعبة. أما الآن، فلا يمر لحظة إلا وأشعر بأن صخرةً تسقط على رأسي ويسقط في وادٍ، وقد تنتهي حياتي في لحظة، فهل من الأفضل أن يكرس الإنسان عمره لتلاوة القرآن؟
في جلسات تلاوة القرآن التي كانت تحفظ عن ظهر قلب، كان بعض القراء يجهلون إعراب الكلمات، هل هي مرفوعة أم مرفوعة بالفتح؟ ولهذا كانوا يقرؤون الكلمة، مثلاً “مرور”، بحيث لا يتضح إن كانت مفتوحة أم مرفوعة. كان الإعراب يظهر مبهمًا بين التلاوة، أي يشوه الكلمة بحيث لا تظهر الأخطاء بوضوح.
في تلك السنوات، شاركت في مسابقة كبيرة لتلاوة القرآن الكريم مع أمثال السيد ذبيحي، الذي كان يستمع إليه الناس في رمضان عبر الإذاعة، يتأثرون بمناجاته ويصومون. مع أنني كنت أمتلك هذه القدرة، إلا أن ذلك الشيخ الذي ذكرت كان يرفض تلاوتي بحجة بلوغي، وقال إن الطفل لا يستطيع قراءة القرآن. لقد تألمت كثيرًا من هذا التحيز، خاصة مع وجود كبار القراء في الجلسة. عندما كان الأستاذ يقول “أعد”، كنت أشعر بالخجل والحرج، وقررت تصحيح تلاوتي لأنها لم تكن مفيدة هكذا. وواصلت تحسين تلاوتي حتى أصبحت الأفضل في التجويد، ولم يكن أحد يضاهي قراءتي تحت السماء قبل أن أبلغ الحادية عشرة من عمري. وكان ذلك الأستاذ “الأعد” لا يزال معلمي. فكرت كيف يمكنني تمضغ الكلمات حتى أصل إلى هذا المستوى من التلاوة.
على أي حال، في ثمانمائة بحث كتبته، كانت المصادر الأولى التي أرجع إليها هي القرآن الكريم. وعلى المنبر كنت أقتصر على آيات القرآن فقط، لأن كثرة الكلام عن القرآن نافع ومحبب. أمتلك القدرة على استخراج علم النفس من آيات القرآن، وأوضح ذلك للناس في خطبي. قبل الثورة، كنت ألقي حتى ثلاثة عشر أو أربعة عشر خطبة في اليوم في مدينة واحدة، وكان الناس يحضرون بعضها، وكنت أفسر آية مختلفة في كل خطبة حتى لا يشعروا بالملل والتكرار.
رغم أنني درست الكثير من الكتب في الأدب، الفقه، التصوف، الفلسفة، علم الاجتماع، الاقتصاد، وعلم النفس، إلا أن القرآن الكريم وحده كان يجذبني. لقد استعملت أكثر من خمسين نسخة من القرآن حتى تلفت. القرآن كان حبي الوحيد. رغم أنني تعلمت على يد أساتذة بارزين مثل نابغة الأدب، أديب نيشابوري، الهی قمشهای، وأرسطو العصر، والسيد شعراي، والسيد بروجردي الذي كان نبيًا في طهران، إلا أنه لا أحد لهم مكانة تعادل القرآن في نظري. القرآن كتاب دائم الحياة، ينزل معانيه بشكل مستمر، ودليل ثابت وحيوي. أنا أعتبر النبوة والوحي الذي تبعه، كما في آثار الإمام الخميني، مأخوذين من القرآن. الوحي ليس فقط الوحي التشريعي، بل هو صفة إنسانية كالشعر الذي يظهر في بعض الأحيان. فليس الشعر خاصًا بحافظ فقط، بل هو صفة يمكن أن تظهر في غيره، وكذلك الوحي يتجلى للأشخاص الذين تتفتح فهمهم مع مرور الزمن. تمامًا كما أن علم الله لا ينتهي وكلامه لا يقف، فالوحي أيضًا لا ينقطع إلا في التشريع. أي أحد يأتي، يكون تابعًا للشريعة الخاتمية.
كلما خرجت من المنزل، أحمل معي القرآن الكريم. في خطبي كنت أحمل نسخة واحدة فقط من القرآن، ولم أحتاج إلى كتاب آخر. القرآن كتاب يحتاج إلى معلم للانس والارتباط به، ولا يوفق أحد بدون ولاية أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام للاستفادة منه. للأسف، في الحوزات العلمية، القرآن كتاب مهجور، مادة ثانوية أو مضافة وليست رئيسة. العديد من المدعين للتدريس لا يملكون القدرة على الارتباط بالقرآن ولا هم أهل لذلك. بالنسبة لي، من كل الدنيا والآخرة أختار القرآن فقط، ولا أحتاج إلى شيء آخر. القرآن كتاب لا محدود ولا حدود له، يحتوي كل شيء، وهو “شهادة لكل شيء” كما أقول. القرآن حقيقة حية يمكن وضعها على القلب واحتضانها. كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[سورة النحل: 89]. أي كتاب آخر محدود، قابل للانتهاء، وليس معصومًا في عرضه للحقيقة، ويشيخ مع مرور الزمن، أما القرآن فهو كتاب فرازمني، دائم الفعالية والحداثة، يكتب نسخه للمرتبطين به ويستطيع شفاءهم. للأسف، القرآن مهجور، ولا توجد جامعات متخصصة في علوم القرآن والوحي، بل نحن أسرى علوم قرآنية تمهيدية فقط. كثرة الأعمال السطحية التي يقوم بها غير المختصين تُفسد شغف المجتمع تجاه القرآن، حيث إن بياناتهم تحمل ألغازًا معقدة لا فائدة منها، مما يسبب النفور. المجتمع القرآني يعاني اليوم من مشكلة محتوى، وليس إلا في التلاوة والترتيل والحفظ تجد حيوية. الحوزات العلمية أيضًا تعاني في المحتوى، وجذر المجتمع القرآني في ذلك.
أهم عمل قمت به على القرآن الكريم هو استخراج الموضوعات النفسية منه. لديّ أكثر من خمسين مجلدًا في علم النفس الذي أسميه “علم النفس التوافقي”. حتى في أوروبا والعالم الغربي، لا تجد من يمتلك علم نفس علمي من هذا النوع. علم النفس الذي أدرسه يشمل الجوانب النفسية والروحية للبشر.
طريق الكمال الذي رسمه الله هو ولاية أمير المؤمنين. الإسلام في ألف وأربعمائة سنة الماضية، بعد أن ابتعد عن طريق أمير المؤمنين، وصل إلى طريق مسدود، حيث أُفلست خمسون دولة إسلامية. كما أن الإسلام بدون أمير المؤمنين لا معنى له، فإن طريق الكمال أيضًا لا يتم إلا بالعلم الوحيي والقرآن العلمي الصحيح. كل العلوم في القرآن الكريم، من أصول، فقه، فلسفة، عرفان، وكل علم حتى لا ينحني أمام القرآن، يصبح مسدودًا وبلا صفاء أو سعادة. القرآن يجب أن يكون الدستور الأساسي لكل علم. إذا ظل القرآن مهجورًا، ستبقى الدول الإسلامية خاسرة. طريق أمير المؤمنين يبدأ بالقرآن العلمي والروحي.
هذه خلاصة تجربتي في التعامل مع القرآن الكريم. لا زلت أتعلم منه وأزداد حبًا له كل يوم.
ChatGPT said:
البَابُ في دُخُولِ القُرآنِ الكَريمِ هُوَ الالْتِصاقُ الصَّادِقُ بِباطِنِ وَحَقِيقَةِ هذَا الكِتَابِ الوَحيّ، وَقَدْ كانَتْ لِي هذِهِ الطَّرِيقَةُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ. أَوَّلُ كِتَابٍ تَعَرَّضْتُ لَهُ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ وَأَحْبَبْتُهُ وَتَعَرَّفْتُ عَلَيْهِ بِقَلْبٍ خَالِصٍ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ. كانَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أوَّلَ صَاحِبٍ لِي فِي العَالَمِ النَّاسُوتِيِّ. فِي هذِهِ الدُّنْيَا، كُنْتُ أَنْسَجُ أَوثَاقَ الصِّلَةِ وَالمُؤانَسَةِ مَعَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ كِتَابٍ آخَرَ. فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى” قَدَّمْتُ فَقَطْ جُزْءًا قَلِيلًا مِنَ الاِكْتِشَافَاتِ الَّتِي حَصَلْتُ عَلَيْهَا طِوَالَ هذِهِ الفَتْرَةِ، وَالظُّرُوفُ أَتَاحَتْ لِي ذَلِكَ. هذِهِ النِّقَاطُ الجَدِيدَةُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ لَيْسَتْ مَكْسُوبَةً بِجُهُودٍ بَلْ هِيَ مَوْهِبَاتٌ وَعِلْمٌ مَوْهُوبٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَقَدْ نِلْتُهَا بِفَضْلِ اللهِ وَدَوْلَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
أَؤْمِنُ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَمْلِكُ الحُلُولَ وَالبرَامِجَ لِجَمِيعِ مَشَاكِلِ الإِنْسَانِ، مَا كَانَتْ رُوحِيَّةً أَوْ اقْتِصَادِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً، وَأَنَّهُ يُلْبِي جَمِيعَ الحَوَاجَاتِ العِلْمِيَّةِ فِي كُلِّ مَجَالٍ، وَلَكِنْ لِلوُصُولِ إِلَى هذِهِ العُلُومِ يَجِبُ العِنَايَةُ بِطَرِيقَةِ “الانْسِ مَعَ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ” وَاحْتِرَامُ قَوَاعِدِ هذَا العِلْمِ المُنَظَّمَةِ، وَاتِّخَاذُ القُرْآنِ الكَرِيمِ إِمَامًا فِي هذَا الطَّرِيقِ، وَعَدَمُ فَرْضِ فَرَضِيَّاتٍ تُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيمَ. تَحْصِيلُ طَرِيقَةِ الانْسِ مَعَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَطْلُبُ مَبَادِئَ رُوحِيَّةً كَثِيرَةً وَقَدْ شَرَحْتُهَا فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى”.
كُتِبَ “تَفْسِيرُ الهُدَى” عَلَى أَسَاسِ أَدَبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الخَاصِّ، لَيْسَ عَلَى الأَدَبِ الشَّائِعِ الَّذِي كَتَبَهُ أَشْخَاصٌ مِنْ دَاخِلِ مَدَارِسِ أهلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ أَدَبٌ غَيْرُ مُتَنَاسِبٍ مَعَ أَدَبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَيَتَمَيَّزُ بِسَطْحِيَّةٍ وَبُسَاطَةٍ فِي المُحَادَثَاتِ العَامِّيَّةِ، وَهُوَ أَدَبٌ إِمَّا مُهْمِلٌ أَوْ مُمَارَسٌ لِتَشْرِيعِ الخُلَفَاءِ الظَّالِمِينَ، وَهُوَ عِلْمٌ سِيَاسِيٌّ وَمُفْضَلٌ عَلَى العِلْمِ الدَّقِيقِ المُرْتَكِزِ عَلَى الأَسَاسَاتِ القَوِيَّةِ وَالحَقَائِقِ.
كَذَلِكَ، كَانَ مِنَ الأَهْدَافِ المُهِمَّةِ فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى” شَرْحُ النِّقَاشَاتِ التَّخَصُّصِيَّةِ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ الوَلَايَةِ لِكَيْ تُبَيِّنَ خَصَائِصَ وَصِفَاتِ الأَوْلِيَاءِ غَيْرِ المَعْصُومِينَ وَالأَنْبِيَاءِ الإِلَهِيِّينَ وَالأَطْهَارِ الأربَعَةَ عَشَرَ مِنَ المَعْصُومِينَ، لِكَيْ يُمْكِنَ التَّعَرُّفُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَالحُكْمِ عَلَى حِكْمَتِهِمْ، وَلَكِنْ تَعَطَّلَ دَرْسُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِسَبَبِ المُعَارِضِينَ وَالمُسَيْطِرِينَ بِالقُوَّةِ، فَخَسِرْنَا جَمِيعَ هذِهِ الأَمَلَ وَالأَمَانِيَ.
استخارة القُرآنِ الكَرِيمِ
أَعْتَبِرُ نَفْسِي صَاحِبَ الاستخارةِ الحَقِيقِيَّةِ، وَصَاحِبُ الاستخارةِ هُوَ مَن يَسْتَطِيعُ الاستخارةَ بِقَلْبِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ أَوِ التَّسْبِيحِ. فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الاستخارةِ مِئَةَ استخارةٍ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ، يَجِدُ قَلْبُهُ كُلَّهَا قَبْلَ فَتْحِ القُرْآنِ، وَالإِلْهَامُ القَلْبِيُّ يَكُونُ مُتَنَاسِقًا مَعَ القُرْآنِ دُونَ أَيِّ خِلَالٍ. وَإِنْ وَجَدَ خِلَالًا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، فَهُوَ عَلِيمٌ بِالاستخارةِ وَلَيْسَ صَاحِبَ الاستخارةِ.
مِنَ الأَعْمَالِ المُهِمَّةِ الَّتِي قُمْتُ بِهَا فِي هذَا المَجَالِ تَدْرِيسُ الاستخارةِ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ، وَنَتِيجَةُ هذَا الدَّرْسِ هِيَ خَمْسُ مُجَلَّدَاتٍ تَحْمِلُ عُنْوَانَ “عِلْمُ الاستخارةِ”، وَهذِهِ الكُتُبُ تُعَلِّمُ الطُّلابَ كَيْفَ يَكُونُونَ صَاحِبِي الاستخارةِ الحَقِيقِيِّينَ، وَلَا يَكُونُونَ مُجَرَّدَ مُرَاسِلِين يَسْتَعْمِلُونَ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَمَا شَابَهَهُ فِي الاستخارةِ.
فِي الختام، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هذَا التَّصْرِيحُ وَمَسَائِلُهُ نَافِعَةً وَمُلهِمَةً لِمَن يُرِيدُ الوُصُولَ إِلَى الحَقِيقَةِ وَالعِلْمِ المُنَظَّمِ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ. إِنَّ تَفْسِيرَ الهُدَى لَيْسَ فَقَطْ كِتَابًا، بَلْ هُوَ مَسَارٌ وَسَبِيلٌ لِفَهْمِ القُرْآنِ وَالاستخارةِ بِه، وَالوُصُولِ إِلَى الحَقِيقَةِ وَالمَعْرِفَةِ الرُّوحِيَّةِ.
أهمية القُرآن الكريم في بناء الشخصية والوعي الروحي
إنَّ القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُقرأ أو يُتلى، بل هو منهج حياة وأسلوب تفكير ينبثق منه كل سلوك صالح وكل حركة ذات مغزى. فقد وجدتُ في القرآن منارةً ترشدني في كل مراحل حياتي، فهو الحاكم بين القلوب، والقادر على أن يغيّر الداخل قبل الخارج. ومن خلال تفسيري الخاص، “تفسير الهدى”، حرصتُ على أن أُظهِر للناس هذا البُعد العميق، وأبين كيف أن فهم آياته يتطلب تصفح القلب قبل النظر إلى الحروف.
فالفهم العميق للقرآن يفتح أبواب الحكمة، وينير الدروب أمام السالكين، وهو بذلك أعظم مدرسة روحية واجتماعية وأخلاقية. والارتباط الحقيقي بالقرآن هو الذي يخلق في النفس وعيًا حيًا بحقائق الحياة، ويدفع الإنسان لأن يكون رسولًا للأخلاق والقيم في مجتمعه.
التحديات التي تواجه تفسير القرآن وفهمه
أحد أكبر التحديات التي واجهتها، والتي يواجهها الكثير من الدارسين والمفسرين، هو وجود ممارسات تفسيرية سطحية، أو تفسير من دون علم دقيق، بل أحيانًا مُغرض سياسيًا أو اجتماعيًا، يستخدم القرآن لتمرير أفكار أو مصالح شخصية أو جماعية.
لذلك، كان من الضروري في “تفسير الهدى” أن نضع منهجًا واضحًا يستند إلى قواعد دقيقة، ويحترم خصوصيات أدب القرآن، مع الابتعاد عن التفسيرات المبنية على تخمينات أو تعصب أو محاباة لأهواء شخصية. وهذا يتطلب من المفسر أن يكون على درجة عالية من الورع والعلم والتقوى، وأن يكون دائمًا في حالة استقامة روحية وعلمية.
الدعوة إلى الاستخارة الحقيقية بالقرآن
الاستخارة الحقيقية ليست مجرد قراءة صلاة الاستخارة، أو طلب الحظ والرزق. إنها حالة روحية وعقلية تتطلب تواصلًا صادقًا مع الكتاب الكريم، وقراءة قلبية تنسجم مع المعاني والحكمة. ويجب أن يكون الانسان مُهيأً داخليًا لهذا اللقاء الصادق مع القرآن ليخرج بنتائج صحيحة لا تشوبها شائبة.
في دروسي ومؤلفاتي عن علم الاستخارة، أردت أن أعلّم الناس كيف يكونون “أصحاب استخارة”، وليسوا مجرد مُرسلين يكررون كلمات دون فهم حقيقي. فالاستخارة طريق إلى معرفة الأقدار بحكمة، وفتح أبواب الفهم والإلهام الإلهي.
ختامًا
أدعو كل من يقرأ ويبحث عن الحقيقة أن ينفتح قلبه وعقله على القرآن الكريم كمنهج حياة، وأن لا يكتفي بالقراءة السطحية أو التفاسير الجاهزة، بل أن يطلب العلم والهدى والبركة من الله، وأن يسلك طريق الاستخارة الصادقة التي تجعل من القرآن رفيقًا دائمًا ومرشدًا لا يخطئ.
وأتمنى أن يكون “تفسير الهدى” بوابةً لكل باحث عن نور، ودليلًا لكل طامح في سمو روحه وعقله.
في مسجد أهل السنة كانوا يُحَفِّزون الأطفال في سن الرابعة والخامسة على حفظ القرآن الكريم. قلت لمُعلِّمهم: لماذا تُعذِّبون هؤلاء الأطفال؟ ينبغي تعليمهم محتوى القرآن. كانوا يُجبِرون الأطفال على أداء صلاة التراويح. سألت مربّيهم: هل تعلمون ما معنى التراويح؟ ولم يكن أحد يعرف معناها.
منذ طفولتي أوليت اهتمامًا خاصًا للأحاديث الشريفة وتحليلها العلمي. الأحاديث التي تعلقت بها نُشرت في كتاب مؤلف من مجلدين بعنوان «المِسكة». و«المِسكة» تعني المِسْكَن الذي يتشبث به الإنسان فينجو من السقوط. هذا الاسم أفضل كثيرًا من أسماء أخرى مثل «مصباح الهدى» أو «سفينة النجاة»، إذ إن «مصباح الهدى» يدل على ضوء في البر، و«سفينة النجاة» تشير إلى مركب في البحر، أما «المِسكة» فهي تعبر عن مِسْكَن أو معول تثبيت في كل مكان، بمعنى أن الإنسان بتمسكه بأحاديث أهل العصمة يستطيع أن يسير في طريق النجاة والسلامة والنجاح.
الولاية والتوحيد يمنحان الإنسان مِسْكَنًا راسخًا ودعامة متينة. فمعرفة الولاية والتوحيد تمنح الإنسان روحًا صلبة واعتقادًا راسخًا تصل به إلى الحقيقة. هذه الحقيقة الباطنية تجعل المؤمن كقطعة من الحديد الصلب، لا ينفذ فيه شيء. كما قلت من الحديث الذي علمتنا إياه السيدة گلين: «إن المؤمن أشد من زبر الحديد». وقد ورد هذا الحديث في كتاب «المسكة» تحت عنوان «التثبّت علامة المؤمن»، وهو عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن خضر بن عمرو قال: قال أبو عبدالله: «إن المؤمن أشد من زبر الحديد، فإن الحديد إذا دخل النار لان، وإن المؤمن لو قُتل ونُشر ثم قتل ونشر لم يتغير قلبه».
الولاية والتوحيد تعطي الإنسان فكرًا وعقيدة صلبة لا تتغير، وكأن هذه المقاومة مكتوبة في جيناته. كما قال الشاعر:
موحد چه زر ريزى اندر برش
چه شمشير هندی نهی بر سرش
امید و هراسش نباشد زکس
بر این است بنیاد توحید و بس
التوحيد هو ذلك. فالتوحيد يدل على أنه حتى وإن انحنى الموحد أو تمزق قلبه، فإنه يظل قويًا وثابتًا، وهذا ما نسميه «المِسكة» والدعامة التي لا تنكسر.
تأملتُ مدةً في الحديث عن أمير المؤمنين الذي يقول: «فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض»، وراجعت جميع الأحاديث المتعلقة بالأرض وموضوعها. لكن لم أجد كثيرًا من الأحاديث التي تتحدث عن محتويات أعماق الأرض، ليس السطح. وهذا بسبب عدم ملائمة الزمن لتقديم العلم، حيث أن الحديث عن المجهولات يؤدي إلى تكذيب الإنسان، مثل ما حدث لجاليليو في الغرب ولعديد من علماءنا الشهداء الذين كانت جريمتهم العلم. نحن الآن، بعد ألف عام من التقدم العلمي، ما زلنا في مرحلة ما قبل التعليم المبكر بالنسبة لمستقبل الإنسان. نعم، الأولياء لأنهم متجاوزون للزمان لديهم أعظم العلوم، لكنهم لا يستطيعون الاستفادة منها بسبب محدودية العقل البشري وعدم امتلاك أبجدية تلك العلوم. أقول إن الكمبيوتر سيصبح قديمًا في المستقبل وسيحل مكانه خيار آخر لا يمتلك أبجديته الآن ليتحدث مع البشر اليوم. أدوات نقل العلم في المستقبل ستكون مختلفة.
قضيت نحو أسبوع أبحث فيما يوجد في باطن الأرض. خلال ذلك الأسبوع، والذي كان من الصعب فيه الغوص في طبقات الأرض العميقة، اكتشفت أنه لاختراق طبقة لا يزيد سمكها عن خمسة سنتيمترات، نحتاج إلى مثقاب مختلف عن السابق، وهذا مكلف جدًا للبشر اليوم. لكن إذا تمكنت دولة من تحقيق هذا الاختراق، فإنها ستصل إلى موارد لا نهائية من مياه الشرب ولن تواجه أبدًا أزمة المياه. هذه المياه ليست في الطبقة السطحية أو قشرة الأرض، بل في أعماقها. أرى أن الكرة الأرضية يجب أن تسمى كرة مائية بسبب هذه المياه الداخلية، وليس فقط بسبب مياه المحيطات. لقد اختبرت هذه المياه بطريقي الخاصة، وهي تحتوي على كائنات حية. ما زلنا لا نعرف ما تحت أقدامنا. لم أقل شيئًا، لكنني تعرضت لمصير أسوأ من جاليليو. الإنسان العاقل لا يهدر العلم ولا يسلمه ليد شيطان شرير ليستخدمه في الظلم والقهر.
صحيفة الحب
إذا لم يتم تفسير الدين والحكمة والفقه والقرآن الكريم والروحانيات في إطار العصمة، فلن يحقق المذهب الشيعي نموًا علميًا على المستوى العالمي، لأن مثل هذه النقاشات الروحانية الشائعة في المراكز العلمية والروحانية حول العالم كثيرة، وتقدم المذهب الشيعي يعتمد على فتح باب فهم حالات مقام العصمة في العلوم الدينية. وكذلك في شرح وتعريف العصمة، يجب الابتعاد عن الكتب الدينية التقليدية، لأن ما نراه من خصائص العصمة غير موجود في تلك الكتب. تلك الكتب عبارة عن مجموعة من الأقوال المختلفة كأنها رقع مخيطة، والكتاب الواحد يشبه حقيبة من أربعين رقعة. بعض المؤلفين لا يملكون قدرة على تقديم رأي خاص، لذا يجمعون آراء الآخرين. الروحانيات في حضرات المعصومين تختلف عن الروحانيات المعروفة في هذه الكتب. حاولنا تحويل صحيفة السجادية إلى كتاب دراسي، لكن قوبلنا بالرفض ولم نستطع المواجهة، فقد أعاقونا وأبدوا اعتراضهم بشكل غير مباشر. للأسف، هذه النقاشات لم تُسجل، وكتاب «صحيفة الحب» يستند إلى ملاحظات أحد الطلاب التي تحتوي على بعض مناقشات روحية من تلك الدروس، مع إضافات وتعليقات المؤلف، لكن للأسف اختلط الأمر وتشوه. كتب أحد المحترمين ملاحظات مختصرة من تلك النقاشات وصارت كتابًا. نعتقد أن صحيفة السجادية كتاب روحي يختلف عن الروحانيات الأخرى. يمكن فهم هذا الاختلاف في زمان ومكان الدعاء أو التوفيق والرحمة التي حصل عليها الإمام السجاد عليه السلام. كما ذكرنا، أردنا تحويل صحيفة السجادية إلى كتاب دراسي في الحوزة العلمية، وبدأنا شرح دعاء المكارم، لكن لم نجد الدعم. تحويل الصحيفة إلى كتاب دراسي علمي متين صعب جدًا، وسبب تهميش الصحيفة هو صعوبة نصها الثقيل. يقولون: نهج البلاغة أخ القرآن، وصحيفة السجادية أخت القرآن. لكن إطلاق لقب «أخت القرآن» على الصحيفة غير دقيق، لأن صحيفة السجادية أيضًا أخ القرآن، وكلاهما أخوان للقرآن. الصحيفة ثقيلة المعنى، وفهمها ليس سهلاً.
مثلاً، يصل السالك في طريقه إلى مقام يجعل نية التقرب إلى الله هي أثقل الأمور عليه، وأثقل من التلفظ بها. فالله يرحمنا ويعفينا من التعبير اللفظي لها. السالك عند الصلاة يقول فقط «الله أكبر» ويقف ويردد بأنه يصلي الفرض، وصلاة الظهر أو العصر، وهكذا. مثل هذه الصلاة كاللحاف الخفيف. كلما زاد السالك تعقيد عمله، نقص باطنه. كلما ازداد ظاهر العمل، قل باطنه. الأولياء يستحيون من فعل الخير لأنهم وصلوا إلى معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله». هذه المفاهيم الروحية يجب البحث عنها في صحيفة الإمام السجاد عليه السلام. ما ورد في كتب الروحانيات التقليدية هو روحانيات المحبين، أما روحانيات المحبوبين فهي في نصوص مثل صحيفة السجادية.
ترجمة صحيفة السجادية
سافر أحد العلماء الأفاضل إلى الخارج وكان يتحدث الإسبانية وبدأ يترجم الصحيفة لتلك اللغة. بعد ذلك سلمها لمصحح مسيحي عالم، الذي أثنى على الكتاب وقال إنه كتاب روحي عميق واستمتع بقراءته. ثم طرح تساؤلاً: لماذا يكثر الإمام السجاد من مدح نفسه وإرسال الصلوات عليه؟ لم أكن أملك جوابًا. فسردت له أننا في كتاب «صحيفة الحب» أجبنا على ذلك، حيث جمعنا أنواع الصلوات في الصحيفة، وكل واحدة لها ذكر خاص وتأثير مختلف. الطبعة الأولى نفدت، ومنع الأخوان المعارضون الطبعة الثانية. نحن تحدثنا عن تنوع الصلوات في الكتاب، وناقشنا خواصها في كتاب «علم الذكر» بشكل لم يوجد في أي كتاب آخر. السلوك الروحي يتم بالذكر والصلوات، ولكل منزل ذكر خاص، فإذا كان السالك صاحب اسم ربي، له صلاة خاصة، كما أن لكل مريض دواء معين. الصلوات أنواع ويجب أن يستخدمها الناس حسب حالهم. لا ندعي شيئًا، كنت بسيطًا وعلمني الناس مجانًا. في صحيفة السجادية آلاف الصلوات، وهي معركة في حد ذاتها، ولكل استخداماته. ذكر الصلوات بدون الاعتبار لخصائصها غير مجدي. في دعاء المكارم تسعة عشر وصفًا، وفي الصحيفة مئة وسبعة وسبعون وصفًا. للأسف، حياتنا قصيرة لدراسة هذا كله. لا جامعات ولا حوزات علمية تهتم بهذه الدراسات، فالحوزويون يكررون دون تطوير.
ذلك العالم كان يعيش في الخارج مع أسرته ويترجم الكتب الشيعية، وعندما سلمته المواد كان في عجلة للعودة، وقال يجب أن أعوض هذا العار. قال إنه نقل كل معارف الحوزة إلى الخارج، وخجل أمام كاهن مسيحي، رغم أن خجله ليس كبيرًا، لكنه انتقد ذكر الصلاة بشدة.
الفصل الرابع: الجامعة «الخلوت والظلام»
الفصل الرابع: الخلوة المظلمة
سير الحب – المجلد الأول
الظلام والخلوة الليلية
أقضي ساعات طويلة من الليل في ظلام دامس، ونادرًا ما أنام. أعيش جيدًا في الظلام. مثلاً، بأصابعي التي تحوي أكثر من عشرين مفتاحًا، أفتح أي قفل. لا أحتاج للنور في المشي أو حتى القراءة، لأن النور يضايقني ويؤثر على أعصابي. حياتي الليلية لا تسبب إزعاجًا لأحد، ولا أُصدر أصواتًا. منذ الصغر كنت هكذا. عندما تُقام صلاة المغرب والعشاء، كنت آخذ مفتاح المسجد وأخفيه في جيبي بدلاً من وضعه عند حاج عبد الله. لم يكن بالإمكان العمل في البيت ليلاً دون أن يلاحظ أحد، فكنت أفتح الباب بهدوء وأبدأ حياتي في الظلام. كنت أصلي في المسجد في الظلام، ولا يمكن تشغيل أي مصباح لأن الناس يظنون أن اللصوص دخلوا المسجد. في ذلك الوقت، كنا نستخدم المصابيح التي تعمل بزيت الكيروسين، ولم يكن هناك كهرباء. كما أنني أذهب أحيانًا في الظلام إلى المقبرة، وقد شرحت هذا في موضع آخر.
أحيانًا أضع وسادة للاستراحة، لكنني لا أنام، فالجلوس المستقيم يجهد ذهني ويجعلني خاملاً. كما أنني لا أُطوي يديّ أبدًا، فالأشخاص الذين يفعلون ذلك يواجهون مشاكل وتجمّد في حركتهم.
زندگی در تاریکی برای من نهتنها یک عادت، بلکه یک فضای معنوی و روحانی است. در این خلوت تاریک، ذهن و جانم آرامش مییابند و به دنیایی عمیقتر و ناشناختهتر دست پیدا میکنم. در آن تاریکی مطلق، غرق در تفکر و ارتباط با خود و خدا میشوم؛ جایی که هیچ حواسپرتی وجود ندارد و هر چیز با وضوح خاصی به چشم دل دیده میشود.
این سکوت و تاریکی، فرصتی است برای بازخوانی خود و درک واقعیات وجودی، فرصتی برای شناختن حقیقتهایی که در نور روز و هیاهوی زندگی روزمره پنهان میمانند. تاریکی، برای من نه ترسناک است و نه خالی، بلکه غنی از حضورهای پنهان و حقیقتهای بزرگ است.
در این تجربهها، احساس میکنم که به مرحلهای از سکون و ثبات رسیدهام که دیگر هیچ گونه اضطراب و نگرانی نمیتواند مرا به هم بریزد. این حالت، همان «مسکه» است که در آموزههای دینی به آن اشاره شده؛ دستاویزی که انسان را از سقوط در تاریکیهای دنیا و آزمایشات زندگی محافظت میکند.
في فترة المراهقة، عندما كان يداهمني النعاس، كنت أصفع نفسي بيدٍ خفيفة كأنها يد ذئب، حتى ينتفي النعاس من عينيّ. أحيانًا، بسبب العصى التي كنت أربطها حول عنقي، كان عنقي يؤلمني لأيام. كنا نولي الدراسة والبحث العلمي أهمية بالغة، واعتبرناها واجبًا وضرورة، لدرجة أننا لم نسمح للنوم أن يغلبنا ولو لدقيقة واحدة. لقد سهرت ليالي كثيرة دون نوم، وبهذه الطريقة قمت بالدراسة والبحث حتى أنجزت اليوم أكثر من ثمانمئة مؤلف علمي ومبتكر.
كنت أذهب إلى الدراسة قبل أذان الفجر. في الصباح، حيث يكون النوم شديد اللذة، إذا داهمني النعاس أثناء الدرس، كنت أصفع وجهي بعصى خفيفة وأضرب عنقي بالعصا، فينتفي النعاس من عينيّ. كنت أتدرب على أن أستيقظ حتى بعد دقيقة واحدة من النوم. أحيانًا كنت أنام دقيقة واحدة فقط أثناء الدرس لأستجمع طاقتي وأعود للنشاط. في مدرسة الفيضيّة، أحيانًا كنت أنام خلال الدرس نومًا قصيرًا جدًا دون أن يشعر الحاضرون بذلك، إذ كنت قد نمت دقيقة واحدة فقط وأخذت استراحة.
رحم الله الأستاذ آية الله الإلهي، كان يقول: في ليالي الشتاء الباردة جدًا، عندما أردت أن أبقى مستيقظًا لأدرس، كان النعاس يغلبني. لأتغلب على النوم، كنت أرفع سجادة الحجرة وأجلس على الأرض. كانت برودة الأرض في الحجرة تنزع النوم مني. علماً بأن حجرات عام 1300 هـ (أي قبل أكثر من تسعين سنة) كانت مختلفة. أحد أساتذتي كان يقول: لكي أتغلب على النوم وأتمكن من الدراسة، كنت أضع مصباح الزيت تحت صدري، فإذا غلبني النوم تحترق لحيتّي. كان عالماً ولحيته تدل على وقاره، ولأنه كان يحتاجها، تغلب على النوم بهذه الطريقة.
كنت كثيرًا ما أسهر الليالي بلا نوم على الإطلاق. ولم أكن أحتاج لتلك الأساليب. كنت أتمتع بغلبة على النوم إلى حد أنني لفترة أنكرت الحاجة الضرورية للإنسان للنوم، لكني عدت عن هذا الرأي بعد سنوات. في فترة المراهقة، كنت أذهب إلى درس أستاذ يبعد عن منزلنا عدة أميال، في الشتاء كنت أذهب بدراجتي تحت الثلج وأحيانًا تحت المطر. كان يأتي ويقول بسهولة: لم أدرس. كنت أغمرني القلق، لكني أقول: يا الله، أنا قد جئت. في بعض الأيام كان يقول: يبدو أنك قد درست أكثر مني؛ لأنني كنت أقرأ التمهيد للدرس. إذا قيل إن الملائكة يمدون أجنحتهم لطالب العلم، فهذا لا شيء مقابل المشاق والآلام التي يتحملها الطالب والعالم الديني ليصل إلى العلم الديني. أما اليوم فلا أثر للعلوم الدينية ولا للأهل العلم الذين تُمد لهم أجنحة الملائكة، بل بعضهم يجلس على أفضل السجاد في أفضل الحجرات، والملائكة حين يرون ذلك، لا يعنون أنفسهم بهم، ويجمعون أجنحتهم ويذهبون. هل حرمة الملائكة مزاح لكي يبذلوها لكل من شاء؟
عندما كنت في حجرة الفيضيّة، كنت لا أنام ليلاً. كان جميع الطلبة نائمين ما عدا أنا وطلبة يعاني من اضطرابات نفسية، كان هو الآخر يقضي الليالي سهرانًا مثلنا. كانت الأ مضاءة فقط في حجراتنا. كان أحيانًا يدخن الأرجيلة ويقرأ الروضات على قتل الإمام الحسين (عليه السلام). هو كان ينام حتى الحادية عشرة صباحًا، أما أنا فكنت أنام بعد صلاة الفجر نصف ساعة أو ثلاث أرباع الساعة. في ذلك الوقت لم تكن الكهرباء موجودة، وكانت ليالي الفيضيّة مظلمة. لم تكن هناك وسائل التسلية المعاصرة مثل التلفاز أو الهاتف المحمول، فكان بالإمكان القيام بأعمال كثيرة ومباركة ليلاً. في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك، ذهبت إلى زيارة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فحصل لي نشاط استمر 24 ساعة، أي أنني في ذلك الشهر لم أنم حتى نصف ساعة أو ثلاث أرباع ساعة، لكن لاحقًا أصابتني مشاكل واضطررت للاعتناء بالنوم. كنت أقضي كل وقتي في الدرس والبحث والتدريس، وأخصص خمس دقائق فقط للزيارة السريعة من الفيضيّة إلى الحرم.
كنت أجلس ليلاً وأبكي على حال بعض مخلوقات الله العالقة. أبكي على الحيوانات التي لا مأوى لها ولا طعام في شتاء قارس وتموت من البرد والجوع. أبكي على الحيوانات التي تُدهس بسيارات في الصحارى. أبكي على النمل الذي يُدهس تحت الأقدام. أبكي على من هم بلا مأوى في العزل أو في السجون. أبكي على الفقراء الذين لا يستطيعون تلبية حاجات زوجاتهم وأولادهم، والألم والخنقة تملأ كيانهم. أبكي على المرضى المحتجزين في المستشفيات الذين لا أستطيع مساعدتهم بشيء. أؤمن بأن الإنسان يجب أن يحب الجميع، كل المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان إلى الإنسان، كلها خلق الله. أبكي لهم لأنني لا أستطيع فعل شيء آخر. أقول على الأقل لا أكون غير مبالٍ تجاههم. أحب كل الظواهر وأعشق ذرات الوجود، وقد عبّرت عن محبتي للبشر في شعري بوضوح. أحد كتبي اسمه “السيد الذرة”، أعشق ذرات المخلوقات وتواصلت معها. في شعري أكرمها ولم أشكُ لأحد، وإذا شكوْتُ فقد رضيت عن الجميع في القلب. أضحّي بكل ذرة وكل ظاهرة. عندما أرى ذرة يفيض قلبي بسعادة كبيرة. لا أفرح بخيبة أحد وأبكي في الليل على خيبات وأحزان الجميع.
في مرحلة الشباب، كنت أتلقى دروسي وأدرس بحماس كبير. لم يكن النوم حاجتي الأساسية، بل كان السهر والبحث هما الهدف الأسمى. كنت أذهب إلى أماكن بعيدة للحصول على العلم، لا أبالي بالتعب أو الظروف المناخية القاسية. لقد تعلمت أن تحصيل العلم يتطلب التضحية والصبر والمثابرة.
كانت الليالي تمضي وكأنها نهارات، ولا شيء يوقفني عن السعي وراء المعرفة. في بعض الأحيان، كنت أشعر بثقل النوم يغلبني، لكني كنت أستخدم الوسائل المختلفة التي تعينني على الاستيقاظ، مثل صفعي لنفسي أو استخدام العصا التي كانت تربطها حول عنقي، وكانت تؤلمني لكنها كانت تفي بالغرض في إبعاد النعاس.
في تلك الأيام، كان الناس يفتقرون إلى وسائل الراحة الحديثة، لكن كانت قلوبنا مفعمة بالإيمان والعزيمة. كنا نؤمن أن العلم نور، والجهل ظلام، وكان ذلك يدفعنا إلى الاستمرار في البحث والدراسة مهما كلفنا الأمر من جهد وعناء.
لقد تعلّمت أن الحب الحقيقي للعلم يتطلب تضحية ذاتية، وأن العالم الحقيقي هو الذي يستحق أن نُهدي له حياتنا. كان حبّ المعرفة يتغلب على كل شيء، حتى على حاجتنا للنوم والراحة.
كنت أبكي كثيرًا على حال الإنسانية، وعلى المخلوقات التي تعيش في معاناة مستمرة، ولم يكن ذلك مجرد تعاطف عابر، بل كان شعورًا عميقًا ينبع من قلبي وروحي. كنت أؤمن بأن الرحمة شاملة لكل المخلوقات، وأن الإنسان مسؤول عن رفاهية جميع الكائنات.
كانت دموعي تعبيرًا عن محبتي وشعوري العميق بالمسؤولية تجاه الآخرين، ولا زلت أؤمن أن العلم ليس فقط نقلًا للمعلومات، بل هو أداة لتحسين حياة الناس والحفاظ على كرامتهم.
وفي النهاية، أؤكد أن السهر والعمل الجاد هما السبيل لتحقيق الأهداف العلمية والإنسانية، وأن التضحيات التي قدمتها في شبابي كانت سببًا في ما وصلت إليه من إنجازات علمية ومبتكرات متعددة.
الجزء الأول:
نجمةٌ بلا علامة
كانت والدتي إنسانة عظيمة الجلالة والشأن. نقش على شاهد قبرها عباراتٌ مختصرة تعبر عن مقامها الروحي، مثل «عارفةٌ متألِّمة» و «نجمةٌ بلا علامة». وهذه العبارات تختصر عظمة باطنها، فهي كانت أسمى من أن تحصرها كلمات. لقد كانت تمثالاً في عالم الروحانية والتصوف، لكنها بلا علامةٍ تُعرف بها. فقد احتوت في ذاتها كل محتويات علم التصوف. توفيت والدتي عن عمرٍ يناهز خمسة وتسعين عاماً. وكانت لي كالكعبة التي ألتمّ حولها كالفراشات، وظللت طوال حياتي أسعى لأن أكون قريباً منها كالفراشة.
عندما كنت في سن الطفولة، كان جميع أفراد المنزل، ومنهم والدتي، يصومون في الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان. كنت طفلاً في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري حين بدأت أصوم هذه الأشهر الثلاثة، وكان هذا عادةً متوارثة في بيتنا، ولعل السبب الأهم هو وجود والدتي التي كانت تشعّ صلابةً دينيةً وحزمًا روحيًا في المنزل. كانت والدتي تصلي بحب وإخلاص، وكانت تقيم عدة سجادات في آنٍ واحد، فتجلس في كل سجادة وتقول أذكاراً خاصة، وأحياناً تقرأ القرآن بصوتٍ عالٍ لساعاتٍ متواصلة. في طفولتي، كانت تحب أن أقرأ القرآن بصوت مرتفع. كان لنا قريبٌ يُدعى آقا شيخ علي يأتي أحيانًا إلى بيتنا، يقرأ القرآن أو دعاء الكميل بصوتٍ جهوري. رحم الله روحه، فقد استشهد في الجبهة. كانت والدتي تقول لي: “يا محمد، قراءتك للقرآن هادئة، لماذا لا تقرأ بصوتٍ مرتفع؟” فكنت أجيبها: “قرآني مكتوب بصوت منخفض، أما قرآن آقا شيخ علي فمكتوب بصوت مرتفع”.
الجزء الثاني:
كانت والدتي شخصية فريدة في اعتقاداتها وممارساتها الروحية. لم تكن تتوقف عند حدود الطقوس الدينية التقليدية، بل كانت تنغمس في التأمل الروحي العميق. كانت تقف لساعات في الصلاة والدعاء، وكان صوتها يرتفع بين الحين والآخر، معبراً عن حالة وجدانية شديدة. وقد أثرت هذه البيئة الروحية عليّ كثيراً في طفولتي، إذ ترسخت في نفسي قيم الصبر والتقوى.
كما كانت والدتي تهتم بأمور الدين بكل جوانبها، فكانت تتابع القراءة والبحوث في الفقه والتصوف. وكان هذا الاهتمام ينعكس على حياتنا اليومية، حيث كان بيتنا ملاذاً للعلماء والمتصوفة الذين يأتون لتبادل المعرفة والحكمة. ومن خلال هذه اللقاءات، تعلمت الكثير عن قيم الحياة والروحانية التي تجاوزت حدود المعرفة النظرية لتصبح أسلوب حياة.
والدتي كانت رمزاً للصبر والحكمة، لم تبكِ في وجه المحن ولم تضعف أمام الصعاب. كانت تقول لنا دائماً: “الصبر مفتاح الفرج، والثقة بالله هي سلاح المؤمن.” وقد عاشينا معها هذه القيم حتى أصبحنا نحن أيضاً نواجه التحديات بقلبٍ قوي وإيمان راسخ.
عندما تذكرت والدتي، شعرت بأنها كانت نجمًا ساطعًا في سماء حياتي، لكنها نجمة بلا علامة، لأن عظمة روحها لا تُحتوى بالكلمات أو الأوصاف. لقد كانت تجسيداً حياً للحب الإلهي، والرحمة، والسكينة، التي كانت تنثرها على من حولها بلا حدود.
الجزء الثالث:
إن تأثير والدتي على شخصيتي لم يقتصر فقط على الجانب الروحي، بل امتد ليشمل جوانب متعددة من حياتي الاجتماعية والثقافية. فقد غرست في نفسي مبادئ الاحترام المتبادل، وحسن التعامل مع الآخرين، والالتزام بالأخلاق الحميدة في جميع تعاملاتي اليومية. كانت تؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بمكانته أو ثروته، بل بمدى احترامه لذاته وللآخرين، وبمدى ما يتحلى به من قيم إنسانية نبيلة.
علاوة على ذلك، كانت والدتي تشجعني على السعي وراء العلم والمعرفة، وتحثني على الاجتهاد والمثابرة في دراستي. لم تكن ترى في التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل كانت تعتقد أنه سبيل لفهم أعمق للحياة وللعالم من حولنا، ومفتاح لتطوير الذات وخدمة المجتمع.
وقد كانت تتابع تطورات العلم والأدب، وتحرص على توفير الكتب والمصادر التي توسع مداركي، ما جعل بيتي مركزًا للعلم والبحث والمعرفة. وقد أثر هذا الجو الإيجابي في تكوين شخصيتي، حيث تعلمت كيف أكون ناقدًا واعيًا وموضوعيًا، وكيف أتقبل الأفكار المختلفة بحكمة وتفتح.
بالإضافة إلى ذلك، كانت والدتي مثالاً في التواضع والبساطة، رغم ما تملكه من حكمة وروحانية عالية. لم تكن تحب التفاخر أو التكبر، بل كانت تؤمن بأن العظمة الحقيقية تكمن في تواضع الإنسان وقدرته على خدمة الآخرين بمحبة وإخلاص.
الجزء الرابع:
إن تأثير والدتي كان واضحًا أيضًا في كيفية تعاملي مع التحديات والمصاعب التي واجهتها في حياتي. فقد علمتني أن الصبر والثبات هما مفتاحا النجاح في مواجهة الأزمات، وأن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنح الإنسان القوة اللازمة لتجاوز المحن. كانت تردد دائمًا أن الحياة ليست مجرد لحظات فرح وسعادة، بل هي مزيج من تجارب مختلفة، وأن الإنسان الحقيقي هو من يواجه هذه التجارب بشجاعة وحكمة.
كما حرصت والدتي على تعزيز الروح الوطنية في نفسي، وغرس حب الوطن والانتماء إليه بكل ما أوتيت من قوة. كانت تؤكد على أهمية العمل الصالح من أجل المجتمع والوطن، وتحمل المسؤولية تجاههما بكل صدق وأمانة. وقد ساعدني هذا التعليم على أن أكون مواطنًا فاعلًا ومسؤولًا، ملتزمًا بالمساهمة في بناء بلدي وتحقيق تقدمه وازدهاره.
من جهة أخرى، كانت والدتي نموذجًا في التوازن بين الحياة العملية والعائلية، حيث لم تغفل يومًا عن اهتمامها بأسرتنا رغم مشاغلها المتعددة. كان بيتنا ملاذًا آمنًا، وبيئة حاضنة تشعر فيها كل فرد منا بالحب والاهتمام والدعم، وهذا ما ساعدني على بناء علاقات صحية وقوية مع أفراد عائلتي وأصدقائي.
للأسف، على مدار هذه السنوات، ساد نظام تحويل المفهوم إلى مفهوم في الحوزات العلمية. إن هيمنة هذا النظام جعلت العلماء والمجتهدين الدينيين يلجؤون إلى الاستخارة من أجل التوجه إلى جبهات الحرب، أو يغيبون كليًا عن الخطوط الأمامية للقتال. ليت صانعي الأفلام يُترك لهم الحرية لإنتاج عشرات الأفلام مثل فيلم «مارمولك» التي تنتقد المجتمع الديني. يجب على رجال الدين أن يتيحوا للمجتمع فضاءً نقديًا وأن يكونوا هم أنفسهم قابلين للنقد دون أن يهددوا أو يفرضوا رقابة على النقد. برأيي، لو حضر المجتهدون بشكل مباشر في ميادين الحرب، لما طال أمدها بهذا الشكل، ولما تمكن صدام من البقاء في بداية الحرب. كما كان الإمام الحسين في الصفوف الأولى للمقاومة وفي ميدان القتال، يجب على العالم والمجتهد أن يكون له حضور رائد في المجتمع؛ ولكن حين يلجأ الجميع إلى العزلة أو إلى البحث عن الراحة، تكون النتيجة أن تطول الحرب، وأن يُقدم كأس السم للإمام الشهيد ليشربه بنفسه. هذه هي عاقبة سيادة نظام تحويل المفهوم إلى مفهوم في الحوزات العلمية. منهج الأنبياء الإلهيين هو منهج القوة الداخلية والقرب الرباني، ومنهج تحويل المصاديق إلى مصاديق. كل مصداق يستقر في ذات الإنسان، يزداد العلم لديه بذلك القدر. في نظام المصاداق إلى مصداق، يضحّي الطالب بكيانه من أجل معتقداته، ويكون له الإيثار، ويصمد على معتقده ويتحمل خسائره. أما في نظام المفهوم إلى مفهوم، فيسعى الجميع إلى الهروب والحفاظ على أنفسهم، ولا يدفع أحد ثمن الحفاظ على الدين والمعتقدات. لقد كان لدى الأنبياء نظام مثل العلامة الطباطبائي والإمام الخميني، الذين قضوا حياتهم في قيام ونضال علمي وعملي، لا مجرد تحصيل مكتسبات علمية قرأوها بسرعة، كما يقول العلامة: «لقد قرأتها خلال خمس سنوات».
المدعي
بعض الحاسدين عندما يريدون ذكر اسمي، يطلقون عليّ لقب «المدعي». ومن هذياني وغرابيّتي أنني أحب أن يجمع الله جميع أنبيائه في مكان واحد، ويجهز لي منبرًا بسيطًا لأتحدث لهم عن عقيدتي. هل يمكنني أن أقول لهم كلمات لم يسمعوا مثلها من قبل؟ لو كان هذا الادعاء مقبولًا، في يوم القيامة سيُسلخ جلدي ويُقال لي: طبق ادعاءك. هل حتى شمر في ذلك اليوم لن يرحم آدم؟ كنت أذهب إلى مشهد وأقول: أريد أن أدرس الفقه عند آقا الإمام رضا، ثم أمزح بأنني سأجيب على أحد الفلاسفة هناك. هذه المزحات تحمل دلالات عميقة. في يوم القيامة، لن يُسمح لأحد بالادعاء بعدم العلم أو العجز.
حول مدعيي العلم
بعضهم يناديني آية الله العظمى الدكتور ، أي يضعون لقب دكتور ليبرروا أقوالي. يظنون أنني أتكلم بناءً على التعليمات العلمية الحديثة أو أبحاث الجامعات. قال لي أحد قضاة المحكمة الخاصة إن معلوماتي تأتي من مواقع الإنترنت. هؤلاء البسطاء يعتقدون أننا نأخذ علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد من الجامعات أو المصادر العلمية الشائعة، مع أنني أعتبر حتى تلك المصادر سرية البحث بمثابة التعليم الابتدائي. هؤلاء الذين لا يعرفون أبجدية هذا التعليم الابتدائي هم من يهاجموننا اليوم، ولا يطيقون حتى القليل مما قلناه. هؤلاء هم “ممرضو الدين” الذين يتصرفون بدلاً من أطباء الدين، ويحولون الدين والسياسة إلى تجارة وربح، ويربطون كل شيء بالمال والتملق. وجود الممرضين بدل الأطباء يحوّل البلاد إلى مستشفى كبير يخرج كل الداخل إليه جثة ثقيلة بثقافة زخرفية فارغة. الكادر الحاكم غير علمي، وأنا أقول بثقة إنهم غير قادرين على إدارة الإسلام والثقافة الشيعية. إنهم ليسوا متخصصين ولا يعرفون الثقافة الدينية والفقهية لأهل البيت، ولذلك يصطدمون بالعلم. وهم حين لا يعرفون علم الاجتماع وعلم النفس، فلا يكونوا فقهاء، وحرم عليهم أن يجرّوا تقليداً لأنهم يفتقرون إلى التأهيل. هذه كانت المشكلة التي دفعنا ثمنها جميعًا. أقول: المشكلة الأساسية في بلدنا هي الفتاوى. الفتاوى التي تُروّج وتسيطر عليها لا تستند إلى بحث علمي وتخصص، بل تروّج بالقوة والمال. مشاكل البلاد وأسباب الفساد لا علاقة لها بالمسؤولين أو اليسار أو اليمين، بل السبب هو أن المدعين الاجتهاد والفقه لا يمتلكون تخصصًا. لا أؤمن بتخصص هؤلاء المدعين، لأنهم لا يؤمنون بالمعرفة، ويريدون إدارة البلاد بدون خطة علمية وتخصص. رغم أنهم يطلقون على أنفسهم ألقابًا كبيرة بلا جدارة. حتى العباقرة محاصرون بالزمن، وإن جاءوا بعد مئات السنين يجب أن يواكبوا تطور المجتمع. هؤلاء المدعون للتخصص أضاعوه تمامًا، والآن يدرون أنهم قد خسروا السباق، رغم جرأتهم التي تجعلهم يصرخون بأن هزائمهم هي انتصارات. الشباب الذين استلموا إدارة البلاد لا يعرفون الثقافة الدينية، وقبلوا تجاهل التخصص بحجة الالتزام، بينما المتحمّسون منهم كانوا وراء السرقة والفساد. العلم والتخصص لهما الأولوية على العدل والالتزام، فهذه تأتي بعد إثبات العلم والتخصص. الحوزات العلمية بسبب نقص التخصص في العلوم الإنسانية لم تقدم خدمة تُذكر للثورة، لأن من يفتقر للعلم لا يملك القدرة. الحوزات لم تخدم الاقتصاد الوطني. المدعون يمتلكون رأس مال البلاد، لكنهم يجهلون الإدارة الاقتصادية، ولا يحترمون التفكير الجماعي، ولا يسمحون بمواصلة بحوث الاقتصاد الإسلامي. كانوا يتهمون دروس الاقتصاد في الفقه بالخيانة وأوقفوها. كنا في تلك الدروس ننتقد السياسات الاقتصادية السائدة، ونرسم الخطوط العامة للاقتصاد الإسلامي. لا نوافق على أسلوب الدروس الحوزوية الحالي الذي يعتبره الطلبة غير فعال للمجتمع، لكنهم محاصرون من قِبل هؤلاء الذين يحكمون. هؤلاء يبددون أموال الإمام ويدمرون مستقبل الطلبة، رغم أن نظام الموارد الدينية يستطيع تأمين الطلبة والطلاب. الإدارة السيئة تجعل الطلبة يعانون الفقر، كما أفقروا اقتصاد بلد غني بالموارد الطبيعية. عدم معرفة من هو المسؤول الحقيقي، ووجود لعبة المال والقوة والخداع يخلق دوامة تسحب الجميع في النهاية. الحكام الحاليون، أي السطحيون، هم السبب في ضياع كل شيء، فهم لا يمتلكون أفكارًا نظرية، والمواضيع تُطرح بشكل عام وليس تخصصي. الدين الذي يريدونه بدون عناء البحث والجهد، مع اجتهادات سطحية، هو مجرد حلم. هؤلاء ليسوا مجتهدين ولا يملكون التخصص اللازم لفهم عمق الشريعة الإسلامية التي أُنشئت قبل 1400 سنة، ولا يستطيعون ترجمتها إلى لغة علمية حديثة. لا يعرفون النظام الجديد للمجتمع المدني والحضري. أنا مستعد أن أقسم بأقسى أنواع القسم أن هؤلاء ليسوا مجتهدين ولا متخصصين. وصلوا إلى مواقعهم بالسياسة والخداع والمكر والرياء. معلوماتهم قديمة وتاريخ صلاحيتها انتهى. لا يملكون حتى الحد الأدنى من المعرفة التي تسمح بالنقاش معهم. لديهم أموال وقوة تدعمهم، لكنهم فقدوا السباق. وإن كنتم لا تصدقون، فهذه هي الحقيقة.
إنصاف بائع الجواهر في نيشابور
في إحدى رحلاتي إلى مشهد، وصلت إلى نيشابور ليلاً وبقينا هناك بسبب التعب. نيشابور معروفة بجواهر الفيروز الممتازة. قابلت رجلاً مسنًا بائع جواهر ذو خبرة. دخلت محله وطلبت منه أن يعرض عليّ أفضل الفيروز لديه. جلب لي حوالي مئة قطعة. قمت بتصنيفها حسب الجودة وشرحت له كيف يمكن تمييز جودة الفيروز من صوته وعلامات أخرى. تأثر الرجل بهذه الخبرة وأظهر لي فواتير شراء الفيروز، معترفًا أن بعض ما اعتبره من الدرجة الأولى قد تم تسعيره بشكل مبالغ فيه. أريت له خاتمًا تم تعليقه في أربعمائة مكان مقدس، لكنه لم يستطع تحديد قيمته. أعطيته الخاتم لعالم زاهد لم يجد راحته في الحياة وذهب إلى الأضرحة ليروي روحه. هذا الخاتم طُوف بأربعمائة مقام. مشكلته أنه لم يستطع متابعة طريق السلوك العلمي والفني لذلك كان تائهاً. بعد خروجي، ذهب ابني مهدي إلى متجر ذلك الرجل ليقدّر خاتمه، فاعترف البائع بخبرتي. قال لي: «أنت في بيع الفيروز علم». هذه القصة تحكي عن الفرق بين المعرفة المكتسبة عبر التدريب والخبرة، والمعرفة السطحية أو التقليدية التي قد تضل الناس.
ذات يوم، كنت عند أحد المشاهير في التصوف، فأعطاني نسخةً من كتاب قديم ليصحح نسختي بناءً عليها. رغم محبته الشديدة لي واعتزازه بي، إلا أنه قال لي: “أنت تعلم كم أحبك، ولكن أرجوك أن تعذرني، لا أستطيع أن أعطيك هذه النسخة القديمة، لأن كتبي كأنها شرفي وكرامتي!” في هذا الموضع، وجدتُ أن بعض الناس يعتنون بالكتب كما لو كانت شرفهم الخاص، رغم أن الورق الذي كتبت عليه يمكن إيجاده في أماكن أخرى. أما الشرف الحقيقي لكل إنسان فهو روحه. هذه الآفة تُقيد الروح وتمنعها من التحليق. من يريد أن يصبح إنسانًا حقيقيًا، يجب أن يترك الماديات خلفه ليتمكن من التحرك بخفة. من لا يستطيع أن يخلق هذا التحرر لنفسه، ولن يخطو أولى درجات الإنسانية وهي الفقر، فلن يصبح إنسانًا، وسيغادر الدنيا وهو ضائع، وربما حتى الموت لن يستطيع أن يفتح عينيه على عالم المعنى، وسيظل محصورًا في ضيق الدنيا، يتقاتل على الميراث الدنيوي. ومن أفضل التمارين للوصول إلى عالم المعنى هو التألف مع المقابر. كان لي في طفولتي أستاذ إلهي يقول: يجب أن تساوي نفسك بالميت. يجب أن تكون بحيث تمتلك كل ما يمتلكه الميت، ولا تملك ما لا يملكه. ولتحقيق هذا الانسجام والتناسب، كان لديه منهج مكون من ثمانية عشر مرحلة تشمل التواجد في المقبرة، زيارة مغسل الموتى، التألف مع الموتى أنفسهم، وحتى النوم ليلاً مع الموتى الذين لم يُدفنوا في الليلة نفسها. إن إتمام هذه المراحل الثمانية عشر يجعل الفرد متساويًا مع الموتى ويقوده إلى عالم المعنى. في مثل هذا الجو كنت أتعلم عمليًا كيف يُزال الخوف عن الإنسان.
عندما جئت إلى مدينة قم، قابلتُ عالمًا روحانيًا جليلًا. قلت له: “الخوف كذبة.” فأجابني: “إذا أُخذت في ليلة مظلمة إلى صحراء، فستدرك هل الخوف حقيقة أم كذبة.” فقلت له: “يا مؤمن! أنت درست عرفانك تحت ضوء المصباح الذي يغرس الخوف في قلبك. العرفان يجب أن يُتعلَّم في ظلمة الصحراء.” كنت في الظلام أقرأ قلوب الموتى، وأحيانًا أضع رأسي على أقدام أو صدور الموتى وأنام، وأساوي نفسي بهم لأثبت أن الخوف كذب.
أحيانًا كنت أصرخ في نومي نتيجة لما كنت أرى في المقبرة، رحم الله أمي التي كانت تقول: “محمد، أنت تصرخ كثيرًا في نومك، وأنت لست من أولئك الذين يفتعلون الشجار، فلماذا تصرخ؟” كانت تلك الصرخات انعكاسًا للضغوط التي كنت أعانيها في تلك المقبرة والتي كانت تزعجني حتى في النوم.
لم يتحقق العرفان والفلسفة والمعنى والغيبيات أبدًا من داخل حقائب السامسوتن وكتب تُقرأ تحت أضواء مصابيح منخفضة الاستهلاك مع فطور مليء بالفيتامينات، أو من وظيفة لا يهم فيها سوى المال، أو من تسلية تقتصر على مشاهدة أحدث الأفلام مع محبوبات زاهرات من كبرياء الدنيا.
العيش في الظلمة والانسجام مع المقابر هو أحد أساسيات الوصول إلى عالم المعنى والارتباط بالظواهر الغيبية. وقبل كل شيء، يجب أن يمتلك الإنسان الرغبة والشوق، وأن يدرك قوة هذه الرغبة وقدرتها.
تفسير الأحلام
منذ سنوات عديدة، حلمت بقرآن كبير يحمل سلاحًا طويلاً وأبيض من الفضة، طوله يصل إلى مترين. كنت أود أن أودعه في مكان آمن، فتوجهت إلى أحد العلماء الورعين وطلبت منه أن يحتفظ به لديكم كأمانة، فقال لي: “بيتنا به نمل الأبيض”. فقلت له: “إن ذلك يعني وجود جواسيس ومخبرين”. لذا قررت أن أحمله إلى حرم السيدة المعصومة (عليها السلام) ووضعت القرآن في مكان يضعون فيه المفاتيح والمصاحف، لكنهم كانوا ينويون تنظيف المكان، فندمت على ذلك وأخفيته تحت الضريح في مكان خالٍ، وقلت: هذا أفضل مكان من أي مكان آخر.
بعد يومين، التقيت بذلك العالم الورع وسألته عن أحواله. وعندما أخبرته بتفسير حلمي عن وجود النمل الأبيض، نصحته بأن يحذر من الذين يراقبونه، فأخبرني بأن دامِه كان ينقل تقاريره إلى الآخرين. كان ذلك العالم شخصية سياسية. نصحته أن يتعامل مع دامِه بلطف كي لا يتم استبداله بآخر مجهول، لأن ذلك الدامِ كان ينجز أعمالًا كبيرة وحده، وكأنه يحمل عبء عدة موظفين.
أما تفسير القرآن والسلاح، فهما رمز للوعي والقوة.
في كتاب “أصول وقواعد تفسير الأحلام” تحدثت عن صفات وخصائص الرائي، والتفسير كعلم وهبة خاصة أُعطيت للأنبياء، وهي مرتبطة بالموهبة الربانية، والفعالية تحتاج إلى الرياضات الروحية والدراسة. وقد كنت أنوي إعداد كتاب خاص عن تفسير الأحلام المتعلقة بالأشياء الحديثة والاختراعات الجديدة في عصرنا.
الأبناء
أحد أبنائي، الذي هو عبقري، كان أحياناً في طفولته يتحدث عن أمور غامضة سرية. بعض الناس كانوا يضيّعون وقته بهذا الشأن. قلت له: يا ولدي، سأجعلك تلعب الشطرنج حتى لا تنتبه لتلك الأمور. اذهب وادرس بجد. لقد أنهى المرحلة الثانوية وهو الآن يدرس في الحوزة العلمية. لو لم أفعل ذلك، لكان سبباً للمشاكل. هذا الأمر يشبه دهن الزجاج بالطين، فعندما يُمسح، تعود القدرة الفطرية للعبقرية مجدداً. في نهاية المرحلة الإعدادية، كانت علاماته كلها عشرون، وتم قبوله بمعدل عشرون. أهدته هاتف آيفون لزيادة معلوماته ومعرفته في المجال الافتراضي. بالطبع، لو كان ضعيفاً في دراسته، لما سمحت له بشراء الهاتف في هذا السن. كنت أعتبر شراء هذا الهاتف له، الذي يمتلك موهبة عالية، كذهابه إلى مركز تدريب ومشاركته في دورات علمية.
محسن حصل على شهادة التفوق في المدرسة الإعدادية. المدرسة كافأته. لم يقل شيئاً بنفسه، لكن والدته أخبرتني بأنه قد تفوق. قلت له: يا بني، قلبي تألق من جهدك! ثم أعطيته خمسين تومان كهدية وقلت له: سامحني على قلة المقدار، لكنها مكافأتي لك. كان يلبس في صغره ملابس غير تقليدية، وذات مرة اشتكت أخته الصغرى من ذلك. قلت لها: هذه البنطال من القماش الخشن ولا تتمزق، لا بأس به، وسيمنعه مستقبلاً من اللبس الرخيص والمبتذل. هو يقيم صلاته في وقتها، ودرجاته الدراسية ممتازة. رغم أن دخله ليس كبيراً، لكنه خصص لنفسه خمس سنوات صيام خُمس، وعندما صار طالب علم، وهبت له خُمس ماله بسبب تفوقه في الدراسة. هو في شبابه يلبس بأناقة وجمال، ويعرف الآن معنى اللباس المناسب والشعر المرتب، حتى لا يندم مستقبلاً حين يكون عالماً ولا يتيحه له ذلك المجال. الفرح في الحياة مبدأ مهم، وكذلك الحرية والرفق والتوافق من مبادئ الحياة.
أنا كنت مراهقاً، أي في التاسعة عشرة من عمري، عندما توقفت عن التقليد. كنت أدرس عدة دروس في فيضية. كنت أظهر بثقة بحيث أشار الجميع إلي وقالوا: هذا هو “” كما يقولون. في ذلك الوقت، كنت أرتدي الشعر الطويل، وقبعة صغيرة، وسراويل ضيقة، وكنت أنيقاً جداً ولم أكن أشبه بالعلماء. لكن الطلاب كانوا يأتون لدروسي لأن محتوى ومستوى الدروس كان عالياً جداً. في ذلك الوقت، محمد يزدي وحزبه، الذين الآن ينتقدون لباسنا وعمامتنا، كانوا يقولون لي آنذاك: هذا غير لائق أن يأتي طلبة دروسك، عليك أن تلبس العمامة. قلت لهم: لا يأتوا إن شاءوا، فأنا لا أحتاج إلى الزي، عملي علمي وليس آخوندياً.
من الأمور التي شجعت أبنائي عليها منذ الصغر هي مهارة استخدام الكمبيوتر. كان أبنائي ناجحين جداً في هذا المجال. الكمبيوتر الآن هو أداة التعليم، ومن لا يعرفه يعتبر أميّاً. نظام التعليم في المدارس والجامعات والحوزات العلمية، إذا لم يهتموا بالكمبيوتر بجدية، سيبقى في تأخر عن ركب العلم.
في هذا العصر، يُضيع الليل بواسطة التلفزيون وشبكات الأقمار الصناعية وأدوات الترفيه الأخرى. دائماً يبثون في التلفزيون أفلاماً ومسلسلات وبرامج مسلية طوال الليل، ومن يريد يمكنه مشاهدة هذه البرامج حتى الصباح. في البيت، نحن نسمح للأطفال بمشاهدة فيلم واحد فقط في الليل، وإذا أرادوا مشاهدة المزيد، يشاهدونه في أوقات متقطعة كاستراحة بين الدراسة. نصيحتنا: ساعة مشاهدة فيلم مقابل ساعتين دراسة ثم الراحة. إذا نام شخص في بداية الليل ساعة أو ساعتين، يستطيع الاستيقاظ بسهولة في السحر أو الصباح، خصوصاً في الليالي الطويلة التي يمكن إنجاز الكثير فيها. أما إذا جلس حتى انقطع التيار الكهربائي والتلفزيون، فلن يتمكن من الاستيقاظ مبكراً. لذلك من الضروري فرض بعض القيود.
في تربية أبنائي، حرصت أن أجعلهم يتجهون إلى طلب العلم الديني بحيث لا يفكروا في غيره. عملت على توجيههم، وليس على إجبارهم. لديهم فكرة أن لا شيء في الدنيا أفضل من طلب العلم، وأن الانشغال بأي شيء آخر هو تفريط في الفرصة.
بالرغم من وجود ظروف اقتصادية صعبة في الأسرة، لم أتخلَّ عن دعم أبنائي في مجال العلم والمعرفة. فقد رأيت أن الإنفاق على تعليمهم واستثمار الوقت في تنمية مهاراتهم هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لهم ليكونوا فاعلين في المجتمع.
حرصت كذلك على تعزيز القيم الأخلاقية والدينية في نفوسهم، فقد كان التعليم الديني حجر الأساس في تكوين شخصياتهم. فهم يدركون أن العلم بلا أخلاق لا يثمر إلا مشاكل، والعكس صحيح، الأخلاق بلا علم قد تبقى ضعيفة أمام تحديات الحياة.
ومن الجوانب المهمة التي أهتممت بها، هو توفير بيئة منزلية مناسبة للدراسة، بعيداً عن الملهيات الكثيرة كالهواتف الذكية والتلفاز، بحيث يمكن لهم التركيز والتفوق. كنت أراقبهم بعناية، وأوجههم إلى تنظيم أوقاتهم بين الدراسة والراحة.
في كل مرة يحققون فيها نجاحاً، كنت أقدم لهم الدعم المعنوي والمادي المناسب، لأن ذلك يعزز لديهم روح التفوق والاجتهاد. كما كنت أحثهم على ممارسة الرياضة والاهتمام بالصحة، لأن الجسم السليم هو أساس العقل السليم.
في النهاية، تجربتي مع أبنائي كانت مليئة بالتحديات والنجاحات، وأؤمن أن الصبر والإصرار والحرص على التوازن بين العلم والأخلاق هي مفاتيح التربية الناجحة. وأتمنى أن تكون هذه التجربة نموذجاً مفيداً لكل من يرغب في تربية أبنائه تربية صحيحة ومتوازنة في عالم اليوم المعقد.
أعتقد أن الله تعالى أنعم عليَّ كثيرًا في مرحلة الطفولة والمراهقة، وأعتبر هذه النعم من التوفيقات الإلهية التي حظيت بها. كنت طفلاً بلا عمل أو انشغال خاص، وكان اهتمامي الوحيد اللعب والقراءة، والكتب كانت مصدر تسليتي. استغليت هذه الفرص التي أتيحت لي، فتمكنت في فضاء المعارف الإسلامية من اقتناص نجوم الأحاديث والروايات. على الأقل، قرأت كل حديث مرة أو مرتين. كان لدي دفتر أسجل فيه الأحاديث التي أقرأها، وقد نُشرت هذه الملاحظات لاحقًا تحت عنوان «المسكة». طبعًا، لم أكتفِ بتسجيل الأحاديث فقط، بل كنت أحللها وأسجل النقاط والملاحظات التي تخطر ببالي، وهذه الملاحظات لم تُنشر بعد. كثير من الروايات التي اعتمدت عليها لاحقًا هي تلك التي ترسخت في ذهني منذ طفولتي، وما زلت أواصل الدراسة عليها.
في الماضي، كان طلبة العلوم الدينية في سن صغيرة يحفظون الأحاديث. كانت كتب مثل «الأصول الكافي» و«من لا يحضره الفقيه» من الكتب الدراسية التي يحفظها الطلبة، في حين كانوا يدرسون كتبًا أخرى مثل «الاستبصار» التي تشرح اختلافات الفقهاء. وبغض النظر عن ذلك، فالمواضيع التي نطرحها، رغم اعتقادنا بأنها من إنتاج فكرنا، فإنها في الحقيقة مدعومة بالقرآن الكريم والأحاديث الفنية العميقة.
كما ذكرت، كان لي معلم روحي في تلك الفترة، وهو من نعم الله علي. كان يوصيني بأن أركب الحافلات ذات الطابقين وأجلس في الطابق العلوي لأتأمل لوحات المحلات التجارية، ثم أحفظها وأخبره بما هو جديد منها. كنت أركز بشدة لأتمكن من حفظ اللوحات. كان يقول إن بعض الأشياء التي أخبره بها جديدة ولم تكن في ذهنه، فكنت أقول له إنني أرى الأمور بانتباه شديد. بهذا التمرين علمني كيف أتعرف على المواضيع. وإذا أراد الطالب أن يصبح فعالًا ومواكبًا، عليه أن يخرج من الهيمنة الكتابية التقليدية ويركز على موضوعية الدراسة، فالتركيز على الموضوع يمنح الفرد قدرة على التحرر من الجمود والسطحية والجهل. وإذا كان الإنسان متعصبًا، حتى لو صار مرجعًا، فإن هذه الصفة الخطيرة ستظهر فيه وتؤدي إلى معاناة الناس وشقائهم. بينما الأنبياء الإلهيون كانوا أحرارًا من هذه القيود، وكان النبي الأكرم أميًا بمعنى أنه من بلدة كبيرة وليست صغيرة، وليس من بيئة ضيقة تحد من حريته. من وجهة نظر أهل الدنيا، النبي في شبابه لم يُسمح له بإدارة الكعبة، بل كان يتاجر لصالح السيدة خديجة، ثم صار سيد التجار، وأحبته خديجة حبًا شديدًا. كان المشركون يلقبونه بـ«المجنون» أي من له القدرة على رؤية الجن، وليس بمعنى الجنون المجرد. أريد القول إن النبي الأكرم خاض تجارب عدة من عالم الإنس والجن، حتى بلغ سن الأربعين وبلغ النبوة. أقول هذا من منظور دنيوي، وليس من منظوري الإيماني، إذ حتى لو لم يكن المسلم مؤمنًا، فهذه نظرة أهل الدنيا له. الذين يأتون من القرى والمدن الصغيرة لطلب العلم، إذا حملوا روح التعصب الضيق، أو حتى من المدن الكبيرة الذين ليس لديهم روح حرّة ومنفتحة، فهم بحاجة إلى إصلاح. موضوعية الدراسة تزيل عنهم هذه الروح الضيقة والسطحية. وإذا لم تكن هناك هذه التربية، فإن الدين والمعارف ستصبح لهم كالماء الزائد أو السماد الزائد الذي يحرق أو يفسدهم. تراكم المعارف من آيات وأحاديث ومعرفة الغيبيات وغيرها يمكن أن يدمر عقول الأشخاص المغلقة.
قبل الثورة، كنت أعطي دروسًا صباحًا في حجرية، وكان أستاذ آخر يدرس هناك مساءً. بعد انتهاء الدرس صباحًا، كان الطلبة يغلقون الحجرية ويضعون المفتاح على الباب. في أحد الأيام نسي الطلبة وضع المفتاح وأخذوه معهم، ولم يكن هناك مفتاح آخر، فتعطلت الدروس في المساء. في اليوم التالي اشتكى الأستاذ بشدة للطلبة المسؤولين عن المفتاح، وكان يتفاخر بعدد طلابه في الحجرية. هذا التصرف بقي في ذهني، إذ أني لا أترك شيئًا يدخل إلى ذهني بسهولة. الدرس تعطّل يومًا واحدًا بسبب خطأ غير مقصود، لكنه لم يكن شخصًا منفتحًا. هذا النوع من التعصب والتصلب النفسي، مع سوء الخلق، يجعل الناس يعانون، ويجعل الشخص صغيرًا وضيق الأفق رغم أنه لا ينبغي أن يشعر بالحقارة أو الكبرياء. هذا نوع من الأمراض التي تجعل الإنسان غير قادر على التعامل مع الآخرين بطريقة متواضعة ومقبولة.
القرآن الكريم يقول:
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[سورة الحجر: 15]
الإنسان المتعصب والضيق، إذا اكتسب معرفة، يصبح متكبرًا ومغرورًا ويدعي علمًا لا يستحقه، وقد يدّعي النبوة أو يعارض علماء الفقه والفلسفة والتصوف.
دروازه غار؛ نقطة بداية موضوعية الدراسة
من الأماكن الغريبة والعجيبة في طهران التي رأيتها في طفولتي، «دروازه غار». أعتقد أن الإنسان يضيع في هذا المكان ويشعر بحيرة تشبه الحالة التي يمر بها الإنسان عند دخوله إلى عوالم الغيب. عندما رأيت هذا المكان، شعرت وكأنني أشاهد عالمًا من العوالم الغيبية، أكثر أهمية من رؤية العرش أو الفرش أو القلم. كنت كثير الارتباط بالمسجد، وكانوا يعطونني مفتاح المسجد لحفظه. في يوم من الأيام، جاء شخص يبدو في الخمسين من عمره وطلب مني فتح المسجد ليصلي فيه. أعطيته المفتاح ودخل المسجد، وكان يحمل حقيبة مليئة بالأدوات. صلّى ثم خرج. عند الغروب، دخلنا المسجد فدخلت النساء وأخبرنّا أن سجادة قديمة وثمينة كانت في المحراب اختفت. شرحت أن الشخص الذي دخل هو السارق، حيث أفرغ حقيبته التي كانت مليئة بالأشياء ووضع السجادة داخلها. رغم أنني كنت متيقظًا، فقد حدث السرقة. بعد هذا الحادث، ذهبت إلى دراسة السحر وفن الخداع البصري…
كيف يكون إيماني بحرية الإنسان أعمق من إيماني بالله؟ أعتقد أن الإنسان يجب أن يتمتع بالحرية. الإنسان يمتلك حق الحرية قبل أن يصل إلى الإيمان. لذلك، فإن حق الحرية له أهمية أسبق من الإيمان. يصل الإنسان إلى كماله المثالي عندما يمتلك الحرية ويستطيع أن يزهر مواهبه الكامنة. إذا وُجدت الحرية، يستطيع الفرد أن يجد زجاجة قلبه ليدرك ما هي الأمور والصفات التي (من مقتضيات الربوبية والماهية الأولية) قد غُرست في فطرته، وما الأشياء التي يحبها بشوق أو حب، وما الأمور التي يكرهها ويشعر منها بالنفور أو الإكراه. في ظل حرية العمل يمكن الوصول إلى هذا الهدف واكتشاف القدرات الكمالية الذاتية؛ وهي قدرات قد تكون معيارية أو غير معيارية. يتمثل كمال الإنسان في معرفة محتوى الكمال الذي يتجسد في زجاجة القلب بشكل مقتضيات قربانية وربوبية فطرية وطبيعية، ولا يتحقق هذا المعنى إلا بالحرية. يجب على الإنسان أن يعرف الجذب والطاقة الكامنة فيه حتى لا يخطئ في تحديد كماله المثالي. لكل إنسان ميزان خاص به، ويجب النظر في نوع الكمال الذي يمتلكه وميزانه، وما الأمور التي يجد فيها ألفة والجاذبية، وما الصفات التي ينجذب إليها، وما الأمور التي يبتعد عنها ويشعر بالنفور منها. لا بد له أن يعرف شوقه وحبه، وإلا فسيكون كحامل الحطب الذي يتحمل العناء دون جدوى، مثل العصفور الذي لا يعرف طريق طيرانه، فيضرب نفسه بلا جدوى في الأبواب والجدران. حكمة العبادات والمناجاة أيضاً تكمن في الوصول إلى كمالات زجاجة القلب ومعرفة الجاذبات والردود واكتساب ميزانها. هذه العبادات هي اختبار لقياس قيمة مقتضيات الربوبية والموجودات الربوبية الأولية والحركة وفقها. أحياناً يجب تفريغ محتوى زجاجة القلب تحت إشراف أستاذ ربوبي خبير في الولاية، ليتم تنقيته وتحليته وتنقيته مجدداً، كما ورد في الأبحاث الصوفية.
إن الإيمان بحرية الإنسان لا يعني التقليل من شأن الإيمان بالله، بل يعني أن الحرية هي الأصل الذي ينبثق منه الإيمان. فالإيمان الحقيقي لا يكون إلا عندما يختار الإنسان بحرية تامة أن يؤمن، وليس بإكراه أو اضطرار. عندما تُمنح الحرية للإنسان، يصبح الإيمان تجربة شخصية عميقة تنبع من داخل النفس، ولا تكون مجرد تقليد أو فرض خارجي.
الإنسان، باعتباره كائناً حراً، هو المسؤول الأول عن بناء ذاته وتشكيل هويته الروحية والفكرية. هذا البناء لا يتم إلا من خلال حرية البحث والتأمل والتجربة، والتي تمكّنه من التمييز بين الحق والباطل، الخير والشر، والقبول والرفض. لذلك، فإن الإيمان الحقيقي يتطلب أن يكون حرّاً من كل قيود الإكراه والتسلط، ليكون تجسيداً حقيقياً لعلاقة الإنسان بالله، قائمة على المحبة والاعتقاد الواعي.
في هذا السياق، تتضح أهمية مفهوم الولاية في التربية الروحية، حيث يقوم المربي أو الأستاذ الروحي بدور المرشد الذي يساعد الإنسان على تنقية قلبه وتطوير وعيه الروحي، دون أن يفرض عليه معتقداته، بل من خلال إرشاد حكيم مبني على الاحترام الكامل لحرية الفرد. هذا الإرشاد يهدف إلى تمكين الإنسان من إدراك مقتضيات الربوبية الفطرية، وإعادة ترتيب زجاجة القلب بحيث تصبح أكثر نقاءً واستعداداً لاستقبال النور الإلهي.
وبهذا يصبح الإنسان قادراً على معرفة ذاته الحقيقية، واكتشاف الميزان الخاص الذي يقيس به الأمور من حوله، مما يؤدي به إلى الوصول إلى كماله الذاتي في ضوء الحرية والإيمان الحقيقي.
إن تحقيق الحرية في الإيمان يُعَدُّ أحد أسمى مقاصد التربية الروحية والوجدانية. إذ لا يكتمل نمو الإنسان الروحي إلا عندما يندمج وعيه بالحرية مع إيمانه الصادق، فتتجلى في ذلك حالة من الانسجام الداخلي بين الفكر والقلب. وهذا الانسجام يُمَكِّن الإنسان من مواجهة تحديات الحياة بثبات، ويمنحه القدرة على اتخاذ قراراته بناءً على قناعاته العميقة، لا على ضغوط خارجية أو إرغام.
إن التربية التي تُعنى بتحرير الإنسان من قيود الجهل والخوف هي التي تهيئ له البيئة المناسبة ليختار الإيمان بحرية، وتُعَزِّز فيه روح التساؤل والبحث العلمي والنقد البناء. ففي جو من الحرية الفكرية والروحية، يكون الإيمان مدعوماً بفهم واعٍ وعميق، لا مجرد تقليد أعمى، وهذا هو جوهر الإيمان الحقيقي الذي يرتقي بالإنسان إلى مرتبة الكمال الذاتي.
كما يجب أن نؤكد أن العلاقة بين الحرية والإيمان علاقة تكاملية، لا تعارض فيها بين العقل والنقل، بين الحرية والالتزام. فالإنسان المؤمن حرٌ في اختياره، ولكنه ملتزم بما يقتضيه إيمانه من قيم أخلاقية وروحية، وهذا الالتزام ينبع من داخله وليس من فرض خارجي. وهكذا، تصبح الحرية أساساً لنضج الإيمان، والإيمان مكملاً لنضج الحرية.
ومن هذا المنطلق، يصبح هدف التربية الروحية هو تمكين الإنسان من الوصول إلى درجة من الوعي الذاتي تسمح له بإدارة حياته بحكمة، وبناء علاقته بالله والعالم على أساس الحرية والمسؤولية.
ولا شك أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إطاراً تربوياً متكاملاً يوازن بين التعليم العقلي والتربية الروحية، بحيث يُنمّي لدى الفرد قدرة النقد والتحليل، مع ترسيخ القيم الروحية والأخلاقية التي تُعزز من شعوره بالمسؤولية تجاه نفسه والمجتمع.
إن العملية التربوية التي تركز على حرية الإيمان لا تُعزِّز فقط التنمية الشخصية للفرد، بل تسهم في بناء مجتمع متسامح ومتعدد الثقافات، حيث تتعايش مختلف الأفكار والمعتقدات في أفق من الاحترام المتبادل والحوار البنّاء.
وبالتالي، فإن التربية على حرية الإيمان لا تعني الفوضى أو الانفلات الفكري، بل تعني بناء جسر من الفهم بين الأديان والمذاهب المختلفة، وتعزيز القيم الإنسانية التي تجمع بين البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
وعليه، يجب أن تبنى السياسات التربوية على مبادئ الشفافية والانفتاح، وأن تشجع على الحوار النقدي البناء، مع احترام الحرية الفردية في الاعتقاد والتعبير، مع التأكيد على دور المؤسسات التعليمية في تعزيز هذا التوازن بين الحرية والالتزام.
إن هذا النهج التربوي الشامل يُسهم في تخريج أجيال قادرة على مواجهة تحديات العصر بثقة ووعي، وأجيال تُجسّد القيم الإنسانية والروحية في حياتها اليومية، مما يؤدي إلى تقدم المجتمعات وازدهارها.
تعلّمتُ سرقاتِ الظُلْمَةِ (السرقات السرية). وتحملتُ مشقةً كبيرةً وأنفقتُ مالاً كثيراً. في ذلك الوقت، كنتُ طفلاً عزيزاً ومحبوباً. وقد وعدتُ المصلين بأن أجد السجادة العتيقة. كنتُ أعرف شخصاً يُدعى عباس آقا، وهو خبيرٌ في السرقة والخلط، وكان ينشط في أحياء طهران، ويعتبر قائداً للبلطجية واللصوص. قلت له: يا عباس آقا، وقع لي أمرٌ عويصٌ، وسرقةٌ قد حدثت وتحمّلتُ مسؤوليتها، والمال المسروق يعود إلى محراب المسجد وهو عتيق. فتعهد لي بإيجاد المال المسروق، وسألني إن كنت أرغب في مرافقةِه. أعطاني لباساً يشبه لباس اللصوص، فلبسته مع الشفیه والجوة، ووضعتُ قبعةً ذات لبه الواحد، وهي قبعة اللصوص المعروفة.
على الرغم من أنني من أهل طهران، إلا أنني لم أزر منطقة دروازه غار من قبل. دخل عباس آقا دروازه غار وتفقد كل نقاطها، والتقى بكل أهل المنطقة، وكان يقول: هذا ليس الشخص الذي أبحث عنه. عندما دخلتُ منطقة دروازه غار، أدركتُ أن هناك كما لو كانت عدة مدن تحت دروازه غار. كانت هناك طبقات كثيرة خفية، ولكل طبقة أهلها وأشياءها الخاصة، من السيارات والدراجات إلى السجاد. كان أهل تلك المنطقة يعاقبون أي من أهلهم إذا ارتكب مخالفة، ويسجنونه في المنطقة لعدة أيام.
عندما وجدنا السارق، طلب الأستاذ أن نجلس قليلاً ونشرب الشاي. سأل الأستاذ السارق عن مكان السجادة. أدركتُ أن جميع أهل المنطقة يعرفون الأستاذ ويعرفونه. قال السارق إنه لم يبع السجادة بعد، وأنها عنده، فأعادها إلي. اعترض الأستاذ قائلاً إن الإنسان لا ينبغي أن يأخذ مال المسجد عندما يدخل المسجد. ولكن فتواي في ذلك الوقت كانت مختلفة قليلاً عنه، حيث كنت أعتقد أن السارق إذا سرق من مال الله وأماكن العبادة والمساجد، فهو أفضل من سرقة أموال الناس الفقراء، لأن سرقة الفقراء تضرهم بشدة وتجعلهم في ديون وقروض. كما أنني اعتبرت أن من يسرق من المسجد أو الحرم، فإن الناس يتبرعون ويعيدون المال، أما سرقة الفقراء فهي ظلم ونكران للإنسانية.
بعد هذه الحادثة، غلبتني فكرة أن السرقة إن كانت لا بد منها، فلتكن من الأغنياء وليس من الفقراء. كانت السجادة عتيقة ومنسوبة للمسجد حتى يصلي الإمام عليها. لكن فكرتُ في نفسي أن كل هذه الأحداث كانت مسرحية تمهيداً لي لزيارة دروازه غار ورؤية ذلك المكان.
كان من الواضح أن دروازه غار ليست مجرد منطقة عادية، بل هي عالم معقد يتكوّن من عدة طبقات متداخلة. في كل طبقة من هذه الطبقات، كانت هناك ممارسات وعادات مختلفة تختلف عن الطبقة الأخرى. كان الناس في هذه المنطقة يعيشون في تناغم مع بيئتهم، ويتعاملون مع بعضهم البعض بطرق مختلفة عن المجتمع الخارجي.
عندما قصدتُ زيارة دروازه غار، أدركت أنني لم أكن وحدي، بل ترافقني مجموعة من الأشخاص الذين لهم دراية تامة بظروف هذه المنطقة وأهلها. كان الهدف من هذه الزيارة ليس فقط استرداد المال المسروق، بل أيضاً فهم طبيعة الحياة في هذا الحي وكيفية تعايش الناس فيه.
تبيّن لي أن دروازه غار يمثل نموذجًا فريدًا من نوعه في مدينة طهران، حيث تجمع بين الحياة العصرية والحياة التقليدية، بين القانون واللا قانون، بين الخير والشر. وقد كانت تجربة زيارة هذه المنطقة فرصة ثمينة لفهم هذه التناقضات، وكذلك لتعلم كيفية التعامل مع مختلف الطبقات الاجتماعية داخل المدينة.
في نهاية المطاف، تعلمت أن لكل مجتمع نظامه الخاص، وأن القواعد التي تحكم كل طبقة قد لا تكون متوافقة دائماً مع القوانين الرسمية، لكنها تعبر عن واقع الناس وحياتهم اليومية. ومن خلال هذه التجربة، أدركت أهمية الحوار والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع، وكيف يمكن أن يساعد ذلك في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة.
علاوة على ذلك، تبين أن دروازه غار ليست مجرد منطقة جغرافية بل هي انعكاس لواقع اجتماعي معقد يختزل فيه الكثير من التحديات التي تواجه المجتمع بشكل عام. فالفقر، والبطالة، والافتقار إلى الخدمات الأساسية، كلها عوامل تؤثر على حياة السكان هناك بشكل مباشر، مما يخلق حالة من التوتر الاجتماعي أحيانًا، وحالة من التماسك والتضامن في أحيان أخرى.
كانت تجربة التعايش مع أهل المنطقة فرصة لفهم أن الحلول السطحية لا تكفي لمعالجة هذه المشكلات، بل إن الأمر يتطلب دراسة عميقة وشاملة لجميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، جميعها عوامل أساسية ينبغي تحسينها لضمان تحسين مستوى الحياة في هذه المنطقة.
كما أدركت أن المؤسسات الرسمية بحاجة إلى تبني سياسات أكثر مرونة وفعالية تتناسب مع خصوصية هذه المناطق، وعدم التعامل معها بنمط واحد أو نمط روتيني لا يراعي الفروق الاجتماعية والثقافية. فالتفاعل الحقيقي مع المجتمع يبدأ من الاستماع لهم وفهم احتياجاتهم والعمل على تلبيتها بطريقة تشاركية.
في النهاية، تبقى دروازه غار نموذجًا للدروس الاجتماعية التي يمكن أن تستفيد منها المدن الكبرى، ليس فقط في إيران وإنما في جميع أنحاء العالم، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتشكيل واقع معقد يحتاج إلى الحكمة والصبر والتخطيط الاستراتيجي من أجل تحسينه.
ومن الجدير بالذكر أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها دروازه غار خلال العقود الماضية تؤكد على ديناميكية المجتمع وقدرته على التكيف مع التغيرات المستمرة. فالتطورات الحضرية التي طرأت على المنطقة، رغم التحديات الكبيرة، قد أوجدت فرصًا جديدة لبعض الفئات السكانية، لا سيما الشباب منهم، من حيث الانخراط في سوق العمل أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية.
ومع ذلك، تبقى الحاجة ماسة إلى تطوير برامج تنموية مستدامة ترتكز على المشاركة المجتمعية الفعالة، حيث يكون للسكان دور محوري في صياغة أولويات التنمية واتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية. إن تبني آليات شفافة وفعالة للحوار بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، بما في ذلك السلطات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، وأفراد المجتمع، يعتبر عنصرًا حاسمًا لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.
كما أن تعزيز البنية التحتية والخدمات العامة يمثل ضرورة ملحة، إذ لا يمكن تجاهل تأثير نقص هذه الخدمات على جودة الحياة والصحة العامة، بالإضافة إلى تأثيره على فرص التعليم والتوظيف. لذلك، ينبغي أن يكون هناك تنسيق مستمر بين الجهات المعنية لضمان توفير هذه الخدمات بشكل كافٍ وعادل.
وأخيرًا، يبرز دور الثقافة والتراث المحلي في تعزيز الهوية المجتمعية ودعم التماسك الاجتماعي. فالحفاظ على القيم الثقافية وتعزيزها من خلال البرامج التعليمية والثقافية يسهم في بناء مجتمع قوي قادر على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة وأمل.
البائع العجوز للبطيخ
لله تعالى صفات الجلال والعظمة. وأنا أكره صفات المتسول حتى في الأمور الروحية والكمالات الباطنية. إما أن تحصل على النعمة كاملةً أو لا تحصل عليها إطلاقًا، فلا أؤمن بالنصيب الجزئي؛ إما أن تكون النسبة مائة بالمائة أو لا شيء. هذا المعنى كان دائمًا وفي كل زمان في داخلي. لا أملك الصبر أو الرغبة في جمع النعم الصغيرة المتفرقة، وإذا كانت نعمة فلا بد أن تكون كاملةً.
أتذكر مرةً كنت في سفر، انطلقنا من ماهشهر واقتربنا من شيراز. كان في طريقنا صحراء، وهناك وجدنا رجلاً مسنًا من القرية يبيع البطيخ على جانب الطريق. كانت سيارتنا (باترول) في طريقها إلى قم، وكانت العائلة معنا. عندما رأيت الرجل العجوز توقفنا وسألناه عن حاله، فأجاب بأن حرارة الشمس شديدة ونحن نبيع تحت أشعتها الحارة ولا يوجد زبائن. كان لديه حوالي خمسين بطيخة. اشتريت كلهن دفعة واحدة ورتبتهن في السيارات. فجأة، باع كل بطيخه، مع أن الانتظار ليوم كامل لم يكن ليكفي لبيع كلهن. هذه الأحداث تمثل مثلًا من تقديرات الله، حيث كأنه يعطي دفعة مفاجئة لشخص ما ليقوم بعمل معين، والملائكة مكلفون بمثل هذه المهام. أحيانًا لا ينجز الإنسان أي عمل تجاري طوال عام، وفجأة يجد القدرة على شراء عقار أو شيء مميز. لا ينبغي أن نتوقع الحصول على فائدة أو رزق تدريجي أو مجزأ، وإذا فقدنا شيء لمدة عشرين سنة فإننا لا نخسر شيئًا، لأن ذلك يُعوَّض بإشارة ونِعمَة من الله. وهذه الحالة أفضل من أن نعيش كالمتسولين ننتظر فتات الرزق يومًا بعد يوم. أتذكر أيضًا أنني اشتريت أربعين زوجًا من الجوارب من شخص فقير، وعادةً كنا ننفق مشترياتنا على أنفسنا، وكان الآخرون يعترضون على شراء كل هذه الجوارب في حرارة الصيف، لكن البطيخ والجوارب استخدمناها ووزعناها على طلبة العلوم الدينية. خلال السفر، إذا رأينا فقيرًا أو مسافرًا، كنا نشاركهم البطيخ وأحيانًا نأكل معهم. كنت أدفع ثمن هذه المشتريات من أناس أثرياء ولا أستخدم من حصة الإمام. كنت أساعدهم وأنفق أموالهم في سبيل الخير، لكن المهم أن الخير والنعمة تأتي دفعة واحدة ومجموعة. لو كان الرجل العجوز يعلم أنه سيبيع كل بطيخه مرة واحدة لما حزِن لو انتظر عدة أيام. يجب ألا نتصرف كالمتسولين الذين يكررون الذكر لساعات وينتظرون حادثة ما ثم يتساءلون لماذا لم تحدث. للأسف، نقف كالمتسولين نكرر الذكر ثم نعترض على عدم هطول نعمة من السماء. في الطريق الروحي والتربوي أيضًا، أدفع الإنسان دفعة واحدة نحو الهدف، فالشخص الذي عانى سنوات ويئس منه الآخرون يجد قلبه فجأة ينبوع حكمه. لا أقبل بالقليل أو الجزئي في التربية الروحية، بل أنظر بسخاء. لا أشعر بالرضا تجاه شيء ضئيل. وأطبق هذا حتى في شراء البيت. أحيانًا يقولون لا يوجد مكان لإخفاء مشترياتك في المنزل، رغم أننا قد نعاني من نقص الماء في بعض الأوقات. أقول: ليس لدي وقت أو مكان للشراء يوميًا، فاخفوا المشتريات وراعوا عدم الإسراف. هذه من صفات العظمة والكرم.
مع أهل الحق في كرمانشاه
رأيت بعيني معجزة من معجزات الدنيا: بطيخة ضخمة جدًا في حقول قرب مشهد، طولها أكثر من متر، حتى لو أكلها خمسون شخصًا لم تنفد. وهذا قبل أربعين عامًا تقريبًا. والشيء الثاني كان لحية وشعر طويل جدًا لأحد أهل الحق، وكانت هذه الحية تُلف أحيانًا في جيبه. أتذكر حوالي ثلاثين إلى أربعين طائفة دراويش. كنت مهتمًا جدًا بدراسة هذه الطوائف وعقائدها وعاداتها. في بداية الثورة كان من المقرر عقد اجتماع بين العلماء والمشايخ للنقاش. طلبت منهم أن يناقشوا خلافاتهم بينهم ولا يجلبوها إلى الناس، لكي لا يزرعوا الفتنة في المجتمع. قلنا لهم: أنتم مشايخ وتعرفون الغيب، فإذا كان لديكم خلافات فاصنعوها بأنفسكم ولا تزعزعوا أمن الناس. في هذا الاجتماع تحدثت بحرارة وأثرت فيهم، تحدثت عن التصوف وشاربت معهم “دوغ التصوف” كما أقول، وكانت كلمات مؤثرة ومسموعة لديهم. كانوا يقبلون ادعاءاتي بسهولة، فهم كانوا أبرياء وبسطاء، يحبون الناس ويريدون كسب رضا المجتمع. بعض المراجع حكموا على الدراويش بأنهم نجسون، لكننا قلنا إن هذا حكم خاطئ، فالدراويش طاهرون ويحبون الإمام علي عليه السلام، ونحن أيضًا أهل الحق. أدعو الله أن يغفر لهم ويرحمهم. قلت لهم كلنا أهل الحق، وأهل الباطل هو صدام حسين الذي يعيش خارج حدود إيران. كانوا يطلقون على أنفسهم “علي اللهي”، فقلت لهم بدّلوا العبارة إلى “علي أعلايي” لأنكم تتشاركون معنا في محبة الإمام علي. بهذا انتهت الخلافات في ذلك الاجتماع. للأسف، بعض الدراويش كانوا يذهبون إلى الناس ويثيرون المشاكل، حتى رشقوا بالحجارة مسجد الشيعة ودمروا جزءًا منه. نصحتهم بعدم إثارة الفتنة بين الفقراء.
العنف في أسفراين
قبل الثورة، في صيف ذهبت إلى أسفراين، حيث استولى دراويش بقيادة سلطان خدابنده على المدينة. لم يستطع العلماء مواجهتهم فاعتبروهم كفارًا ونجسين، وأخرجوا مهرات الصلاة التي صلوا عليها من المسجد ورموها في الماء واعتبروها نجسة. كان من المفترض أن يأتي السيد خزاعي ليحل المشكلة، لكنه امتنع عندما علم بوجودي. صعدت إلى المنبر وطلبت منهم أن يأتوا للنقاش، وقلت إنني سأرسل مائة سيارة لاستقباله، لكنهم أعذروا بأن السيد لا يستطيع الحضور. قلت سأذهب أنا بنفسي، لكنهم رفضوا. قلت لهم تعالوا اسألوني أي سؤال، وهكذا تمكنا من استرجاع المدينة منهم. انتقدت العلماء لأنهم اعتبروا الدراويش نجسين ورموا مهرات المسجد، هذا حرام من عدة وجوه. قالوا إنهم اضطروا لذلك لأنهم كانوا يخشون انتشار الدرويشية بين الناس. فقلت إنكم تستخدمون الكذب والخداع لمنعهم. ذكرت أنني عندما كنت طفلًا صغيرًا أقرأ الأدعية وكنت أُذكَّر ألا أقول كلمة “هو” بقوة لأنها تُعد من خصائص التصوف، وكأن العلماء أعطوا كل شيء للآخرين حتى لا يبقى إلا علي فقط.
في رمضان، كنت مع المرحوم حاج علي آقا في مجلس الدراويش، وكان بعضهم يدعي أمورًا غريبة مثل أكل النار الحمراء، وكانوا يعزفون الموسيقى، فأوقفتهم وطلبت منهم أن يعرفوا المقام الموسيقي قبل العزف. كانوا يحترمونني قبل الثورة.
في أحد المرات جاء أحد مريدي سلطان خدابنده وسألني إذا كان يعمل في حزب رستاخيز هل هذا خطأ، فأجابهم سلطان بأنهم يعملون بجهد، كالسارق الذي يجتهد ليسرق، لكنه يحاول مراعاة وجودي.
معبد السيخ في زاهدان
في زاهدان، حاولت جمع الأديان والطوائف حول محور المسجد، فكنت أذهب لمدرسة أهل السنة ومعبد السيخ. كان معي حوالي عشرين من العلماء، وقلت لهم لا تفعلوا شيئًا من دون تنسيق معي. كنت أعرف عقائد السيخ، وكان لديهم كتاب مقدس لا يفتحونه، بل ينظفونه بريش الطاووس. سألت شيخهم إذا كان أحد يعرف محتوى الكتاب فقال لا. قلت ربما يكون الكتاب فارغًا. أخرجت القرآن وقلت هذا ديني وكتابه مفتوح ومتاح للجميع. سمح لهم بفتح الكتاب وكانوا يخشون أن ينهار سقف المعبد.
أصفهان
زرت أصفهان مرتين، وأصل إلى هناك عند الفجر، لكن للأسف لم يكن هناك مكان مناسب للصلاة في طريق المسافرين، وكان محل لبيع الخبز مفتوحًا، ونصحوني بالصلاة هناك.
ييلاق همدان
قبل الثورة، في عطلة الصيف، أُخذت إلى مكان بارد في همدان (قرية ورع) حيث كان هناك حوالي خمسين طالبًا، بعضهم من أهل المنطقة، لكن أهاليهم لم يصلوا خلف أي منهم. طلبوا مني أن أكون إمامًا لهم، فقلت لديكم طلاب، فلماذا لا يستغلون؟ وعندما منبرت، بدأت بتحسين طعامهم، فمثلاً كانوا يستخدمون الحمص في القيمه بدلاً من العدس، وهو ما يجعل الطبق قبيح الطعم. كانوا بخيلين جدًا في الطعام، فطلبت من طلابي أن يطعموا جيرانهم ليزداد الطعام ويزداد البركة. نصحتهم بأن لا يكونوا بخيلين على أنفسهم.
في الحقيقة، كل هذه القصص تعكس تجارب من الحياة التي مرت بي، وما تعلمته عن العطاء، والكرم، والتواضع، وأهمية النعمة الكاملة لا المتقطعة، ومدى ضرورة النظر إلى الناس بالرحمة والتسامح، مع أهمية الوحدة بين المسلمين وأهل الأديان والطوائف الأخرى.
شمشك واختبار قوة الإرادة
في يومٍ من الأيام، جاء شخصٌ من لوس أنجلوس وقال لي: سمعتُ أنكم تستطيعون أن تستلقي على الجليد بلا ملابس وتنامون كذلك. قال إنه يرغب في رؤية قدرتكم هذه عن قرب لغرض بحثه، رغم أن هناك من يدعي هذا الأمر في أمريكا أيضًا. قلت له إنني آخذ ثلاثين مليون (ريال/دينار) مقابل البقاء ساعة في أبرد نقطة في إيران. أخذونا في منتصف الشتاء إلى منطقة شمشك الثلجية والباردة في طهران، التي كانت تجذبهم، واعتبروها مناسبة وكافية لأبحاثهم. صعدنا إلى قمةٍ عالية، وبقيتُ نصف ساعة في ماء بارد ونعستُ هناك للحظات. خرجتُ وأنا بلا ملابس، وقضيتُ نصف ساعة وأنا أتدحرج في الثلوج، وقلتُ إنني أريد أن ترتفع بركتك إلى السماء. دفع لي الثلاثين مليون. قلت له إنني أستطيع أيضًا أن أتحمل البقاء في غرف التبريد التي تتجمد فيها كل الأشياء، لكن ذلك يتطلب أجراً. السباحة في الماء البارد يدعيها كثيرون، أما البقاء في غرف التجميد التي تجمد كل شيء فلا يدعيها أحد حتى في أمريكا، ولا يستطيع أحد القيام بها. لكن شرط هذه التجربة أن تُبث مباشرة عبر قنوات التلفزة، وأخذ الأجر الملياري مقابلها. إذا استطاع أحدهم تحطيم رقمي القياسي، فسأعطيه كل المال وربما أكثر. كما يمكنني أن أكون مثل بعض المدعين أنني آكل كثيرًا ثم لا أتناول شيئًا لأشهر. كما أنني، كما أتحمل درجات الحرارة الباردة بإرادتي القوية، أتحمل كذلك الحرارة. ذهبنا إلى أحواض المياه الحارة التي كانت إحداها شديدة السخونة بحيث إذا وضع أحد يده فيها، تحترق وتتقرح. جلست في وسط الحوض. هذه قوة الإرادة التي تتحكم في الجلد وتمنعه من الحرق، وإلا فالجلد وحده لا يمتلك هذه المقاومة. وبالرغم من ما أستطيع فعله، إلا أني أتواضع كثيرًا في المطالبة، لأنهم لا يسمحون حتى بالتنفس. ولست بحاجة للمال، وهذه الأمور من أجل المحبين والضعفاء فقط. أنا أعيش حرًا، لا أعتمد على أموال النفط والغاز للشعب، ولا أكون متملقًا أو خادمًا لأحد. ولا أدفع أجراً لطلابي، وهم جميعًا طلبة نشيطون وموقرون وأنيقون، وبما أنني لا أدفع أجراً، لا يأتي الفقراء للدروس. ومع ذلك، في هذا البلد الغني، إذا تجمع حول شخص أربع كاميرات، يقولون لا ينبغي تمجيده. هؤلاء يخنقون أي شخص يريد أن يكون أعلى منهم، ويجعلون الجميع صغارًا وضئيلين، ويصرخون فقط بشخصيتهم الحقيرة.
الجزء الأول:
لدي أيضاً خاتم كان ثمنه قبل عشرين سنة خمسمائة ألف تومان. ولو عرضوا عليَّ قبل عشرين سنة خمسة ملايين تومان ثمناً له، لكنت قد خسرت. لم أبع ذلك الخاتم حتى الآن. هذا الخاتم قطعة ذات قيمة عالية. كان شخص يتوسل ويلح لشرائه ويريد أن يدفع خمسمائة ألف تومان، وكان ذلك مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت. كان كثيرون من الحجاج يصطفون لشراء هذا الخاتم، لكنني لم أبع الخاتم. حتى لو دفعوا لي خمسة ملايين تومان أو حتى خمسين مليون تومان، لما بعتُه، ولن أجد مثل هذا الخاتم مرة أخرى، مع أنني أستطيع تأمين هذا المبلغ من المال الآن.
الجزء الثاني:
في المدينة المنورة كنا في فندق مكون من ثمانية طوابق. كنت أبحث عن مكان هادئ لا يزعجني فيه أحد. صعدت إلى السطح. كان هناك خزان ماء بارتفاع عشرة أمتار على السطح، مثبت في زاوية الفندق بشكل متكامل، ولم يجرؤ أحد على الصعود إليه. رأيت ذلك المكان مناسباً فصعدت عليه وبدأت أصلي وأدعو. كان كأنه غرفتي الخاصة. كل من رآني اندهش كيف صعدت إلى هناك. حاول البعض الإمساك بالسور ونظروا للأسفل فقط، لكن لم يستطع أحد الصعود إلى ذلك الخزان. ذات يوم جاء شخص، أمسك بالسور وانزلق على الخزان واستلقى عليه. قلت له: انهض واجلس. قال لي: ليس لدي جرأة. كان يقول إنه كان لصاً في السابق، ولأن لديه مهارة في السرقة، يستطيع الصعود إلى هنا، لكنه تاب. ثم سألني: كيف يمكنك أن تقف هنا؟ من كنتَ؟ قلت له: عندما كنت طفلاً، كان لدي أستاذ روحي يرسلني إلى مستشفى فيروزآبادي الذي كان به مئذنتان. كنت أصعد على تلك المآذن التي كانت بها سلالم دائرية، وليس مستقيمة. كنت أجلس متربعاً على رأس المئذنة وأقوم بالأعمال التي يطلبها مني أستاذي الروحي. في ذلك الوقت، تعلمت أن المآذن لها سلالم دائرية وليست مستقيمة. كان أستاذي يراقبني أحياناً أثناء التدريب على المئذنة. ذلك كان دليلاً على صفاء الأستاذ. في طفولتي، كنت أعتقد أن حتى ابن سينا لا يستطيع أن يكون تلميذي، بل لو جاء ابن سينا، يجب أن يتعلم مني في حضور من هم أدنى مني بكثير.
الجزء الثالث:
مسجد الكوفة
الدنيا وكل ما فيها مظاهر الله تعالى. فإذا كان لك سلوكٌ أو تصرفٌ خاص تجاه الموجودات والأشياء، فهذا كأنك تتعامل مع الله تعالى بنفس السلوك. لذا، الإنسان مسؤول تجاه الموجودات والأشياء، وتجاه الأرض التي يمشي عليها والتي سيُدفن فيها غداً. يقولون: عندما يُدفن الإنسان في الأرض، تضغط عليه الأرض بشدة حتى تتكسر كل عظامه وتتحول إلى بودرة. وتخاطب الأرض الإنسان قائلة: لقد مشيت عليّ بتكبرٍ ورقصتُ متهوراً، فأجابها الإنسان: كنت أقيم في مكان آخر وهذه القطعة من الأرض التي هي المقبرة ليست لي. فقالت الأرض: أنا واحدة متكاملة، وأينما كنت أنا مخلوق الله تعالى. قد يتعجب الإنسان قائلاً: يا أرض، أنت ناطقة وتتحدث؟ فتجيبه الأرض: نعم! إدراكي وفهمي أكبر منك بكثير، وأعذب جسدك بسبب أعمالك السيئة وأمارس عليك الضغوط. ولهذا في الرواية يُقال إن الإنسان يجب أن يحترم الأرض ويصرف محبتَه وعطفَه عليها، كأن يُقيم الصلاة على كل قطعة منها، لأن الأرض ستشهد على الصلاة التي أداها الإنسان يوم القيامة. وأحياناً تشهد الأرض على شخص قام بأعمال قبيحة وفاسدة، لكنها أيضاً شهدت عليه بإقامته الصلاة في أماكن مختلفة ومتعددة. أحياناً نرى أشخاصاً ظاهرين يهتمون بهذا الأسلوب، فهم يصلون في أماكن مناسبة متعددة، بهدف شهادة الأرض لهم بالصلاة يوم القيامة. لكن الحقيقة أن هؤلاء الناس بسيطو الفكر وسذّج، لأن إقامة الصلاة على جزء من الأرض تعني إقامة الصلاة على كل سطح الأرض، لأن الأرض واحدة متكاملة وليست متعددة. في الواقع، الكرة الأرضية واحدة. الأرض حقيقة واحدة. قراءة ركعتين فقط على جزء منها تعني إقامة الصلاة على كامل سطحها. وأعمال الخير والشر الأخرى تخضع لنفس الحكم. التبسيط المفرط في الأمور ليس صفة جيدة، والمعرفة تستلزم عكس ذلك. المعرفة ترفع مستوى نظرة الإنسان وتوصله إلى هذه النقطة.
الجزء الرابع:
ذهبنا إلى العتبات المقدسة لأول مرة ودخلنا مسجد الكوفة. من الأعمال في مسجد الكوفة إقامة الصلاة من الصباح حتى الظهر، في أماكن مختلفة من المسجد. لم أقم بهذه الأعمال، فقد شعرت بالتعب. رفقائي تناولوا قطعة كيك للفطور وأدوا الصلوات المتعددة. أنا أديت ركعتين فقط، ثم نفخت نية أن تكون هذه الصلاة لجميع المقامات. في الواقع، لم أقم في مسجد الكوفة بأكثر من ركعتين. فكرت مع نفسي: أنا لست عاطلاً ولا ساذجاً، والمقام لأي شخص يريد أن يكون له، فليكن، وأقسمت ركعتَي الصلاة وأهديتهما لجميعكم، سامحوني لأنني لا أستطيع أكثر من ذلك. جلست هناك نصف ساعة أفكر؛ تفكير يحتاج إلى عشر سنوات من الطاقة ويحرق الجسد ويغرق العالم كله، وبالطبع يحتاج إلى تعويض للطاقة بالطعام الجيد. كنت متعباً ولم أتناول الفطور، ولا أستطيع تناول الطعام العراقي بسبب رداءة جودة المواد الغذائية والنظافة، والتي تُعتبر مسببة للسرطان. لم يكن لدي الشعور لأداء الصلاة، وكنت جائعاً وأحتاج إلى إشباع.
خرجت بهدوء من المسجد وتوجهت إلى محل كباب. أقمنا علاقة صداقة مع صاحب المحل، وطلبت منه بعض الأسياخ الجيدة. طلبت منه أن يخرج كمية من اللحم من الثلاجة، فطحنها بمطحنة اللحم. ثم غسل وعقم الإناء الذي يستخدمه بالماء المعبأ. في العراق، مياه الشرب غير نقية لذلك نستخدم فقط المياه المعبأة. غسل صاحب المحل الأواني جيداً ثم أعد لي عشرة أسياخ كباب وقدم لي بعدها إبريق شاي ساخن وقوي. أصبحنا أصدقاء، وظهر مودة كبيرة بيننا. بعد ذلك رجعت إلى المسجد وجلست في المكان المتفق عليه مع رفقائي. وصلوا وسألوني عن الأعمال التي قمت بها. قلت لهم: عملي انتهى. قال أحدهم: لم أتمكن من أداء كل الأعمال، وقال آخر: واجهت نقصاً في الوقت، وقال ثالث: أديت بعض الأعمال بسرعة ولم أفهم كيف صليت. قلت: أما أنا فقد أديت كل الأعمال بهدوء وطمأنينة، وصلّيت لجميع المقامات وأصحابها بدون استعجال أو قلق.
الجزء الخامس:
كل الكون هو تجليات الله تعالى. الله حاضرٌ وناظرٌ دائماً. أنت توجه نيتك إلى الله وتعبده، فلتكن معاملتك حسنة ومناسبة تجاه تجليات الله ومظهره، أي تجاه بقية المخلوقات. كما يُقال: «الورد الذي تريد أن تقدمه بحبٍ لله، قدّمه أيضاً للمخلوقات المحترمة». لا فرق بينهما. لا يظهر الحق إلا بظاهره، وهذا هو وجه الحق. كل الكون وجهٌ للخالق. حبُّ الكون كله واحتواؤه هو الواجب.
بيت الكعبة له نفس هذا الحكم، لا يختلف عن ضريح إمام زاده. الضريح لا يختلف في جوهره عن جدران الكعبة، يمكن أن تلمس الجدار وتقول: السلام عليك يا الله وأنت تدور حول الله. لأن الحق عندما يظهر هو بهذه الهيئة. أما فيما يخص آثار ومعجزات الأئمة الأطهار، فهي مرتبطة بمعرفة الإمام المعصوم. لأن جسد جميع الأئمة الأطهار هو جسد الإمام المعصوم. في الأصل، الكون كله هو جسد المعصوم.
عندما نزور النبي الكريم أو الأئمة الأطهار، لا نصل إلى جسدهم الطاهر، وإنما نلمس فقط ضريحهم. العالم كله يشبه الضريح، لأن الكون هو جسد المعصوم. قيل إن قبور الأئمة لها خصائص وآثار أخرى، لكننا نحن ضعفاء الفهم والعقل وقليلي الاستعداد، لذلك نشعر أكثر عند رؤية المشبكات ونعتقد أننا نشعر بحضورهم. أما العارف الذي تسلل إلى قلبه المعرفة، فيشعر عند لمس جدار مستشفى أو سجن بنفس الإحساس كما لو لمس ضريحهم.
لكن خصوصية زيارة الأئمة تكمن في أن الشخص الذي لا يملك معرفة روحية ولا يحس بحالات معنوية، قد يختبر هذه الأمور الروحية ويشعر بها. وإلا، إذا لم تكن المعرفة موجودة، فلا يُرى الإمام المعصوم لا بجانب الضريح ولا في مكان آخر، مع أن «أشهد أنك تسمع كلامي وتشهد مقامي». إذا كان الإنسان يملك المعرفة في داخله، ويعرف الأمور الروحية…
ChatGPT said:
البُنيانُ، حَتّى وإن كانَ في القَبوِ أَو في السِّجنِ، يَستَفيدُ مِن هذهِ الخَصائِصِ والثَّمارِ. وَفِي الرِّوايةِ: «اصعَدوا إلى سَطوحِ بُيوتِكُم وَادعوا». فَمَا هِيَ الحُجَّةُ وَراءَ هذا الأَمْرِ؟ إِلى جانِبِ أَنَّ المَنَازِلَ وَحُرُمَ الحَياةِ الخَاصَّةِ بالنّاسِ ظاهرةٌ مِنَ السُّطوحِ، إنَّما الهَدَفَ مِن هذا التَّوجيهِ تَغْييرُ الفَضاءِ الفِكْرِيِّ والنَّفْسِيِّ للإنسانِ، وتَحريرهُ، وَبِالتَّالي وَصْلُهُ إلى فَهْمٍ وَمَعْرِفَةٍ أَعمَقَ. وَفِي الحَقِيقَةِ، الهَدَفُ هوَ حَلُّ مُشْكِلاتِ الإنسانِ بِوَجهَةِ نَظَرٍ أُخْرَى؛ وَجهَةِ نَظَرٍ عَمِيقَةٍ بِمَنْهَجٍ مَعْرِفِيٍّ. وَإِلَّا فَالدُّعاءُ فِي المَعابِدِ وَالمَساجِدِ لا يَحمِلُ فَرقاً. فِي الحَقِيقَةِ، الزُّوّارُ الَّذِينَ يَزورونَ الإمامَ مِن قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ لا يُؤَثِّرونَ فِي مَزورِهِ، لأَنَّهُ يَرَى الزَّائِرَ دَائِماً وَفي كُلِّ مَكانٍ وَزمانٍ. وَلكِن وَصْلُ الزَّائِرِ نَفْسِهِ فِي هذِهِ القُرْبَى وَفي الحَرَمِ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ، وَهذَا الوُصُولُ يُذَكِّرُهُ بِالأَمْرِ أَكْثَرَ وَأَفضَلَ. كَما أَنَّ المُصَلِّي يَؤَدِّي الصَّلاةَ فِي المَسْجِدِ بَدَلًا مِنَ البَيْتِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ العِبَادَةَ أَكْثَرَ. وَطَبعاً، قَد يَكُونُ المُصَلِّي غافِلاً وَلا يَحدُثُ لَهُ أيّ تَذَكُّرٍ أَو انْتِباهٍ، وَلكِنَّ التَّوصِياتِ الَّتِي وُرِدَتْ فِي الرِّواياتِ بِشَأْنِ زِيَارَةِ القُبُورِ هِيَ مَقصُودَةٌ وَهِيَ لِزِيادَةِ القُرْبِ وَالحُضُورِ. وَهذِهِ زِيادَةٌ فِي الإِحْساسِ وَالإِدْراكِ وَالفَهْمِ الأَفْضَلِ. وَإِلَّا، فَمَن يَمُتْ يَرَانِي، أَوْ كَمَا قالَ الشَّاعِرُ:
إذَا كُنْتَ مَعِي فِي اليَمَنِ فَأَنْتَ عِنْدِي،
وَإِذَا كُنْتَ بِدُونِي فِي اليَمَنِ فَأَنْتَ عِنْدِي.
هذِهِ القَضِيَّةُ لا تَخْتَلِفُ كَثِيراً، وَالأَعْمالُ وَالعِباداتُ إِذَا أُدِّيتْ بِالمَعْرِفَةِ فَطَبِيعَتُهَا وَحَقِيقَتُهَا وَاحِدَةٌ. أَمَّا مِن نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَالمَوْضوعُ مُخْتَلِفٌ وَيَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ وَيُرْتَقَى بِالمَعْرِفَةِ وَالعِلْمِ الرُّوحِيِّ.
أَحْياناً يُؤَدِّي الإِنْسانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ فِي أَمَاكِنَ مُقَدَّسَةٍ مِثْلَ مَقَامِ المَسْجِدِ الكُوفِيِّ. وَمَجْمُوعُ أَلْفِ الصَّلاةِ ذَاتِ الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ أَلْفَا رَكْعَةٍ. فَكَمْ هِيَ قِيمَةُ هذِهِ الصَّلاةِ؟ وَلكِنَّ شَخْصاً يُؤَدِّي رَكْعَتَيْنِ وَقِيمَتُهَا أَفْضَلُ مِن عِبَادَةِ الثَّقَلَينِ. فَبِحَقِيقَةِ الأَمْرِ، أَفْضَلُ مِن عِبَادَةِ الثَّقَلَينِ هِيَ رَكْعَةٌ يَقْصِدُ الإِنْسانُ أَدَاءَهَا.
المَوْضوعُ فِي العِبَادَةِ وَالعِبَادَةِ هُوَ المَعْرِفَةُ وَالقُرْبُ وَالحَقِيقَةُ. وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ العالَمِ هُوَ مَظْهَرُ الرَّبِّ وَصُورَتُهُ. فَتَعَامَلْ مَعَ كُلِّ العالَمِ كَمَا تَتَعَامَلُ مَعَ الخَالِقِ. وَطُوبَى لِلَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَمَا يَتَعَامَلُ اللهُ تَعَالَى. أَن يَنظُرَ الإِنْسانُ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ بِالمَحَبَّةِ وَالصَّفَاءِ، لا بِالْهَمّ وَالضَّغِينِ وَالقَسْوَةِ وَالتَّهَجُّمِ وَالافْتِرَاءِ وَجَمِيعِ الأَشْياءِ السَّيِّئَةِ.
أَحْياناً يَكُونُ القَلْبُ مَلوَّثاً وَكَدِراً حَتَّى يَرَى فِي كُلِّ شَيْءٍ رَجَاسَةً وَشَرّاً وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ أَحَداً. وَأَحْياناً يَكُونُ القَلْبُ طَاهِراً نَقِيّاً فَيَرَى فِي كُلِّ مَا يُبْصِرُ الحَقَّ وَالنَّقَاءَ وَالصَّفَاءَ.
هَل كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يُفَرِّقُ بَيْنَ ابْنِ مَلْجَمَ وَالإِمامِ الحَسَنِ؟ كَيْفَ نَتَصَوَّرُ هذَا؟ أَوْ مَا هِيَ نَظْرَةُ الإِمامِ الحُسَيْنِ إِلَى عَلِيّ الأَكْبَرِ وَشَمْرِ ذِي الجَوْشَنِ؟
الحَقِيقَةُ أَنَّنَا لا نَمْلِكُ مَعْلُوماتٍ كَثِيرَةً فِي هذِهِ المَوَاقِفِ؛ لأَنَّ قُلُوبَنَا لَمْ تَكُنْ بَعْدُ صَفِيَّةً وَمُنِيرَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْكِسَ الحَقَائِقَ وَتَفْهَمَ الأُمُورَ، وَكُلُّ شَيْءٍ نُحَلِّلُهُ بِظَاهَرِيَّةٍ وَبِرُمُوزٍ سَطْحِيَّةٍ.
الإِنْسانُ الصَّالِحُ رَسُولُ اللهِ وَالإِنْسانُ السَّيِّءُ أَيْضاً رَسُولُ اللهِ. هَل يُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ الإِمامَ الحُسَيْنَ 7 كَانَ يَحْمِلُ ضَغِينَةً فِي قَلْبِهِ ضِدَّ شَمْرِ ذِي الجَوْشَنِ؟ كُلُّ مَا يَحْدُثُ لِلإِنْسانِ مِنَ الأُمُورِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلكِنَّ سَبَبِيَّتَهُ تَعْتَمِدُ عَلَيْنَا.
نَحْنُ نَعْرِفُ أَخْلاقَ وَطَرِيقَةَ حَيَاةِ قَتَلَةِ الإِمامِ الحُسَيْنِ، وَلَكِنَّ المَسْأَلَةَ هِيَ: مَا هِيَ نَظْرَةُ الأَئِمَّةِ الأطْهارِ إِلَى هؤُلاءِ الأَشْخاصِ؟
يُرْوَى قِصَّةٌ عَنْ الإِمامِ الحُسَيْنِ 7 عِنْدَ مَوْقِعِ الشَّهَادَةِ، وَيُزْعَمُ أَنَّ شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكَانِ، وَأَهْلُ المَكانِ أَرَادُوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلِماتِهِ. سُؤالٌ: مَن كَانَ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى ذَلِكَ؟ أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هذِهِ القِصَّةَ كَذِبٌ وَمَفْتَرَى. وَقِيلَ: أَنَا وَضَعْتُ أُذْنِي عَلَى شَفَتَيْ الإِمامِ الحُسَيْنِ لِأَسْمَعَ كَلاَمَهُ. وَالسُّؤالُ أَيْضاً: مَن كَانَ يَجْرُؤُ عَلَى دُخُولِ تِلْكَ المَنطِقَةِ؟ وَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: كَمَا قَتَلُوا الإِمامَ الحُسَيْنَ، كَانُوا سَيَقْتُلُونَكَ أَيضاً. وَهذَا يُظْهِرُ أَنَّكَ لَسْتَ صَحَفِيّاً مِهَنِيّاً وَأَنْتَ تَفْتَرِي أَكاذِيبَ.
يُرْوَى أَنَّ الإِمامَ الحُسَيْنَ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَن أُمَّتِهِ وَيُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ رَحِيمٌ وَرَحْمَنٌ حَتَّى لِلأَعْدَاءِ. وَهذَا صَحِيحٌ وَمَثْبُوتٌ. لَكِنْ فِي مَعْرَكَةِ كَرْبَلا، كانَ الأَعْدَاءُ يُرِيدُونَ إِبَادَةَ مَذْهَبِ الحُسَيْنِ وَلَمْ يُتْرَكْ لِأَحَدٍ فُرْصَةُ التَّقْرِيرِ.
وَلكِنَّ قَوْلِي هُوَ أَنَّ كَذِبَ هذِهِ القِصَصِ يَحْتَوِي عَلَى حَقِيقَةٍ وَصِدْقٍ. أَنَّ الأَئِمَّةَ الأطْهارَ كَانُوا عَظِيمِينَ وَرَحِيمِينَ لِدَرَجَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ضَغِينَةٌ لِلأَعْدَاءِ، وَكَانُوا يُنْظِرُونَ إِلَيْهِم بِالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ. وَلكِنَّ اللَّعَنَاتِ وَالنَّفْرِينَ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ لِسَانِ الحُضَراتِ المَعْصُومِينَ فِي التَّارِيخِ هِيَ غَيْرَةٌ دِينِيَّةٌ عَلَى البَاطِلِ، وَهِيَ أَمْرٌ مِنَ الحَقِّ تَعَالَى، وَلا تُشَابِهُ الحِقْدَ الشَّخْصِيَّ أَوِ النَّفْسِيَّ أَوِ الشَّهَوِيَّ.
وَقَوْلُنَا هُوَ أَنَّ التَّجَلِّيَاتِ الظَّاهِرِيَّةَ لِللهِ تَعَالَى هِيَ نَزَلاتُ الرَّبِّ، وَنَحْنُ تَسْرِيبَاتُ اللهِ وَنَتِيجَةُ حُبٍّ رَفيعٍ وَعالِي. يا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ! لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ بِأَفْعَالِهِم الجَاهِلَةِ يَرْمُونَ غُبَاراً فِي أَعْيُنِهِم وَيَحْجُبُونَ رُؤْيَةَ هذِهِ الحَقِيقَةِ، وَبِذَلِكَ يَنْسُونَ المَحَبَّةَ.
هذِهِ القَضِيَّةُ تُظْهِرُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَهَانَ بِهِ. فَالإِنْسانُ وَعَاءٌ لِتَجَلِّي الحَقِّ، وَلَهُ قُدْرَاتٌ كَثِيرَةٌ إِذَا اتَّصَلَ بِالمَوْجُودِ وَالمُقَدَّسِ وَلمْ يَكُنْ غَافِلاً. وَهذَا الوُصُولُ يَزِيلُ الخَوْفَ وَيُزْهِرُ فِيهِ قُدْرَاتٍ عَظِيمَةً وَغَرِيبَةً.
كَرْبَلاء وَصَفَاءُ التَّلْمِيذِ
كَانَ لِي ثَلَاثُ أَمَانِي فِي الحَيَاةِ: زَوْجَةُ بَنَاتِي وَالَّتِي حَمْدَ اللهِ تَحَقَّقَتْ، وَكِتَابَةُ كُتُبٍ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُنجِزَهَا وَلَمْ أُنجِزْهَا بَعْدُ، وَأَنْ أَزُورَ كَرْبَلاءَ وَلا أَمُوتَ دُونَ زِيَارَةٍ. وَبِفَضْلِ اللهِ، حَصَلَتْ لِي هَذِهِ التَّوْفِيقَاتُ مَرَّتَيْنِ. فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ أُرِدْ أَنْ أُعْرَفَ فِي حَرَمِ أَبَا الفَضْلِ 7، فَوَقَفْتُ لَبِسْتُ ثِيَاباً عَرَبِيَّةً وَشَمَغَةً، وَلمْ أَتَكَلَّمْ بِالفَارِسِيَّةِ. فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، رَآني طَالِبٌ عِرَاقِيٌّ كَانَ يَحْضُرُ دُرُوسَنَا لِعِدَّةِ سِنِينَ وَتَعَرَّفَ عَلَيَّ. سَأَلَنِي عَنِ الحالِ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ المَسْؤُولِيَّةَ عَن حَوْزَةِ كَرْبَلاءَ تَحْتَ إِدَارَتِهِ، وَأَنَّهُ يُعْلِمُ دَرْسَ خُطَبِ الأَئِمَّةِ فِي كَرْبَلاءَ. سَأَلْتُهُ: «مَاذَا عَن جَدْوَلِ دُرُوسِكُمْ؟» قَالَ: «مُسْتَمِرّ وَمُوَاجِه وَمُتَجَدِّد». حَسَنًا، سَأَلْتُهُ: «هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْضِرَ الدُّرُوسَ؟» قَالَ: «نَعَمْ، وَمُرَحَّبٌ بِكَ». هَذَا كَانَ مِنَ الفَرَحِ وَالشَّرَفِ.
مَا رَأَيْتُهُ هُنَاكَ إِلَّا رُوحَ الحَقِيقَةِ وَالإِيمَانِ وَالتَّقْدِيرِ. كَرْبَلاءُ مَكَانٌ فِيهِ نَسَمَةُ الحَقِيقَةِ وَالرُّوحِ، وَتُحْيِي القُلُوبَ وَتُنَقِّي الأرْوَاحَ. وَإِنْ كَانَتِ الحَياةُ فِي أُمَّةٍ وَمُجْتَمَعٍ تُقَدِّمُ قِيَمَ العَدْلِ وَالإِخْلاصِ، فَكَرْبَلاءُ تَكُونُ دَرْبًا لِلنُّفُوسِ.
في كربلاء، كنت أستحمُّ يوميًا في نهر الفرات ثم أذهب للزيارة. ذات يوم، وكنت واقفًا بجانب ضريح سيّد الأفضال، كنت أرتدي شفيّة على رأسي وقميصًا عربيًا. رأيتُ شخصًا يمدُّ يده إلى جيب ثوبي العربي وينهب بعض النقود منه. قديمًا كانوا يقولون إنَّ من يقترب من ضريح سيّد الأفضال وهو غير طاهر يقع على الأرض وينزف من أنفه. ولكنّي رأيت هذا الشخص يأخذ المال بكلّ سهولة ولم يحدث له شيء. فقلتُ: “يا سيّدي، إنْ لم ترغب في معاقبته فلا أُخبر أحدًا”. كانت يد ذلك الشخص يدًا فارسية، وليست عربية، فأنا أتميّز اللصوص من خلال أيديهم. أستطيع أن أعرّف لصوص الحرم وأن يكون لدى الشرطة ملفّات عنهم وتُحقّق في أمرهم.
الزيارة في الصمت
أحيانًا أوصي الطلبة بأنْ يمتنعوا عن الكلام الزائد حين يزورون السيدة معصومة عليها السلام، وأن يقفوا بهدوء في مكانٍ جانبيّ، ويقدّموا التحية بكلّ أدب، ويسمحوا للسيدة معصومة أن تفعل لهم شيئًا بالصمت. عندما أزور السيدة معصومة، أقول لها: “السلام عليك يا بيّبي”، وهذا فقط في أوقات كثرة الكلام. أما في غير ذلك، فلا أقول حتى هذه العبارة.
زيارة الإمام الرضا عليه السلام
في حرم الإمام الرضا عليه السلام، كلّ زائر ينسب كل شيء إلى ذلك الإمام، ويعتبر الحرم خاصًّا به. في هذا الحرم، حتى إذا صعد أحدهم إلى المنبر، لا ينتبه الزائر إلى المتحدّث، بل يعتبر كلامه كلام الإمام الرضا عليه السلام وكأنه يتحدّث معه شخصيًا، ويتذكّر الإمام في قلبه وعقله باستمرار. هذا المكان خاصّ بالإمام الرضا عليه السلام. كما أنّ ثروة الحرم ليست للبناء أو غيره، بل يجب أن تُنفق في المجالات الثقافية والعلمية والمعرفية.
لزيارة وقرب خاص يجب أن يكون الإنسان من أنصار الإمام علي عليه السلام، فلا ينجح إلّا أتباع أمير المؤمنين عليه السلام، حتى طهارة أهل السنة من حيث الانتشار شيعيّة، ولكنهم يعودون بعد الموت إلى ذاتهم النجسة. للأسف، سيطرة الطغاة وظلم السلاطين أدّى إلى محو حقائق الولاء الشيعي من التاريخ والمجتمع، وبقي من الولاء اسمٌ وشعارٌ فقط.
أنا أوّلًا مرتبط بالقرآن الكريم، وبعده زرت الإمام باقر عليه السلام. كلّما أصابني اليأس، أشعر بأنّ الإمام باقر عليه السلام أكثر من سائر الأولياء يدعمني. ثم الإمام الرضا عليه السلام، ثم أمير المؤمنين عليه السلام، وأخيرًا الإمام المهدي عليه السلام، الذين أثقلهم ختم المهر الحيدري وختم الختمات، وهي أوزان الولاء التي تزلزل الروح.
كنت شابًا وواجهت مشكلة، فاشتريت تذكرة باص إلى مشهد، ووقفت في الصحن دون دخول الحرم. طلبت من الإمام الرضا عليه السلام حلّ مشكلتي، وقلت له إن لم تحلّه فلن أعود إلى هنا مرة أخرى. لم أدخل الحرم ولم أزر، ثم ركبت الباص عائدًا إلى طهران. وبعد أن ابتعدت عن المدينة قلت: “أليس هناك مكان آخر؟ إن لم يشأ الإمام حل مشكلتي، فأين أذهب؟” طلبت من السائق أن يوقفني، ونزلت من الباص وعدت للحرم، وقلت: “يا سيدي، ليس لي غيرك، فافعل ما تريد أو لا تفعل”.
الزيارة بابٌ للمعرفة والقرب، ومدى ارتباطك وولائك للإمام. يجب بناء الحرم على المعرفة، فهل يمكن بناء آلاف المساجد التي لا يكون فيها الإمام الرضا عليه السلام ولا يرون الله فيها؟ المعرفة في الحرم هي التي تظهر قرب الإمام وتجعل الزيارة محسوسة. يجب أن تكون الزيارة أساسها المعرفة والقداسة والروحانيّة. تحتاج الزيارة إلى الطواف الكامل، ويجب عرض مظاهر قدس وعلم الأئمة لا أدوات الحرب والعنف. البناء المفرط للصحن يعرقل الطواف الكامل، وهناك مشاكل في مواقف السيارات رغم التوسعات.
لقد توفّقْت لزيارة الإمام الرضا عليه السلام مرات عديدة. أحيانًا يكون في استقبال العموم، وأحيانًا لا يكون موجودًا. كنت أذهب للزيارة وأرى أنه غير موجود ثم أعود. هناك غرائب وروحانيات في الحرم المقدّس. مرة اعتقلتنا ساواک في مشهد، ولم أستطع زيارة الحرم. كنت على جيب ساواک، وقلت للإمام الرضا عليه السلام: “لم أعد أقدر على القدوم إليك، هذه المرّة دورك”. حين أخذوني إلى الزنزانة، شعرت بحالة جعلتني أرتضي السجن خمسين سنة فقط لأحظى بتلك التجربة والاقتراب منه.
دخل عليّ أحد الضباط الذي كان متديّنًا، واحتضنني وقبّلني وقال إنه لن يعود إلى منزله ما دمت هناك. حين أرادوا أن يعصبوا عيني، قلت: “عيني مغلقة بالفعل”. فتوسّط لي ألا يُعصبوا عيني. في تقريري كتبوا أنني أسأت إلى الملك ونقدت كتاب “تمدن بزرگ شاه” وكان يجب أن أبقى سنوات في السجن، لكن بعناية وكرامة الإمام أُفرج عني.
عندما خرجت، لم يكن لديّ مال، ورأيت في شارع أحمدآباد مشهد محلًّا لبيع إطارات السيارات. صاحبه كان جالسًا أمام المحل، فقلت له: “انهض لأرى أموالك”. فأخرج نقوده من جيبه وأخذتها ومضيت دون أن أقول له شيئًا سوى السلام عليك. عند وصولي طهران، طلبت من أحد العلماء أن يردّ المال إلى صاحب المحل، فعندما أراد أن يعيده قال له صاحب المحل: “من هو هذا الذي نظرت إلى أموالي فآثرت عليّ؟” وقالوا له إنه أعطاه المال بلا تردّد.
في المساء حين وصلت المنزل، أخبروني أن طفلي سقط من مبنى من طابقين ولم يصبه مكروه. هذه كرامة الإمام الرضا عليه السلام.
هذه القصص يجب أن تُروى بحذر لأنها قد تُفسَّر بشكل خاطئ. الإمام الرضا عليه السلام شخصية حقيقية ويجب على الإنسان أن يطلب منه ما لا يمكن أن يجده في مكان آخر، وألا يشكّ في قدرته على الاستجابة، وألا يشترط شرطًا، وأن يحترم أدب المحبّة.
الزيارة لا يجب أن تكون بالكلام الكثير، بل الأفضل أن تكون بالصمت. يجب أن تأتي بالصفاء والصدق والإيمان، حتى السلام لا يلزم أن يقال، بل يكون الصمت خير دليل.
قال المرحوم آية الله الهی قمشهای: كنت في مشهد وأعاني من مشاكل معيشية كثيرة، فقلت للإمام الرضا عليه السلام: “أنت كبير ونحن مستضعفون، فامنحنا عنايتك”. بعد الخروج من الحرم، عرضت عليّ امرأة أن أحضر مجلس عزاء نسائي. قرأت لهم بعض أبيات شعر من منظومة عربية، فبكوا كثيرًا وأعطوني خمسة تومان. لم أعرف هل كانت هذه نقود من الإمام الرضا عليه السلام استجابة لدعائنا، أم من الشعر الذي قرأته!
وقال آية الله الهی قمشهای: وقفت أمام ضريح الإمام الرضا عليه السلام وقلت: “يا سيدي، أكرمنا بعنايتك”. وبعد ذلك خرجت من الحرم، واصطدمت بي سيارة جيب للشرطة بطريقة أسقطتني عدة أمتار وكُسرت يداي وقدماي. كان سائق السيارة جنديًا. حملوني إلى المستشفى، وفكرت: إن أردت مقام الرضا فكن راضيًا ولا تؤخر هذا الجندي الذي قد يُحاسب. فكتبت إقرارًا بعدم المطالبة بالحقوق، ثم ذهبت إلى المستشفى بنفسي.
قال الهی قمشهای: لقد تقبلني الله بذلك، فهو أكرم من أن يضيع من ربّاني. فالإرادة الإلهية لا تضيع من أحبّهم، لذلك أنا راضٍ مهما كان ما يصيبني، لا أتهم الله ولا أشكّ فيه أو أضع شروطًا.
تركيا وسياسة جذب السياح الاقتصاديين
تتجه تركيا اليوم نحو القارة الأوروبية، وتتحول تدريجيًا إلى إحدى مظاهر حضارة هذه القارة. تركيا التي كانت حتى الآن تتسم بطابع الشرقيين، تعيش اليوم حالة من التوتر والازدواجية، كأنها تجمع بين مشرق ومغرب العالم في آنٍ واحد. عبر زيارة تركيا، يمكن للمرء أن يزور قارتي آسيا وأوروبا معًا. فإذا كان لدى شخص رغبة في السفر حول العالم، يكفي أن يزور تركيا. تركيا تشبه الجنة؛ فهي تجمع بين المساجد العريقة والرقصات وقاعات القمار، حيث قامت بتحويل كل ذلك إلى منتج سياحي استثنائي وراقي من أجل جذب أكبر عدد من السياح، وقد أظهرت قدرتها الحقيقية في هذا المجال.
اليوم، لا يمكن مقارنة تركيا بما كانت عليه قبل ثلاثين عامًا، إذ كانت آنذاك دولة متخلفة. إلا أن تقدم تركيا خلال الثلاثين عامًا الماضية يعود جزئيًا إلى الأموال والاستثمارات الإيرانية، إذ حول الإيرانيون هذا البلد إلى جنة على الأرض، جنة جميلة وممتعة للغاية! لقد فتحوا شواطئهم ومدنهم بسهولة للجميع، وأنشأوا جزرًا جميلة وسط البحار، وبنى حول البحر مدنًا سكنية أنيقة وعصرية. كما زيّنوا شوارع هذه المدن بالعربات التي تنقل السياح، وأضفوا عليها أجواءً من الموسيقى الجميلة. لقد جعلوا من المدن أماكن للترفيه حيث ينفق السياح أموالهم ويتنقلون بين الأماكن المختلفة.
حين لا تتيح إيران لشعبها فرص الترفيه أو الاستثمار الآمن والمستدام، أو حين تنشأ لديهم مشاعر نفسية دعائية تمنعهم من ذلك، يتجه الناس للسياحة أو الاستثمار في تركيا، ويخرجون أموالهم من البلاد. أصبحت تركيا اليوم جنة العالم، حيث يدخلها السياح من مائتي دولة مختلفة وينفقون أموالًا ضخمة.
نحن لا نعرف الكثير عن جمال هذه الجنة ومتعتها، لكننا نعرف تركيا جيدًا في هذا المجال. البعض يعترض ويتساءل لماذا أنفق أموالي واستثماري في تركيا؟ أود أن أقول إنني حصلت على أموال مجانية وغير مستحقة. كان هناك شخص يملك أموالًا إضافية مجانًا، وأراد السفر إلى تركيا، فأخذني معه. قلت له إنني أريد السفر إلى تركيا لأغراض البحث والدراسة، وأحتاج إلى أموال مجانية، فقام بتغطية تكاليف سفري.
مرة أخرى، كنت أريد الذهاب إلى ديزين في طهران لإجراء أبحاث ودراسات على الناس الذين يزورون ذلك المكان، لأعرف من هم الذين يذهبون إلى هذه المنطقة للترفيه، هل هم المتسولون والفقراء أم من الطبقات الأفضل؟ ناقشت هذا الأمر مع شخص آخر فتكفل بتكاليف الرحلة، حيث أنفق في يوم واحد، من الصباح حتى المساء، حوالي خمسمائة ألف تومان. كان ذلك منذ عدة سنوات، أما اليوم فلا يقل ثمن السفر إلى تلك المنطقة عن مليوني تومان.
كنت نشيطًا جدًا وقمت بمثل هذه الأعمال كثيرًا.
الوضع في تركيا
الوضع في تركيا مشابه لذلك في إيران. ميزانية إيران تُستثمر بشكل غريب في تركيا. كما ذكرت، سبب هذه الظاهرة الضارة هو أن إيران تفتقر إما إلى الإمكانيات أو إلى السماح بالترفيه والاستثمار الآمن والمستدام، أو أن المستثمرين في إيران يحملون نظرة نفسية سلبية تجاه ذلك. أما في تركيا، فالإمكانات الترفيهية واضحة وجلية. فالكازينوهات في تركيا مبنية وفقاً للمعايير الأوروبية. كذلك الأمر مع الكنائس والمساجد التي بنيت بشكل واسع ورائع.
كما أنهم يضعون الأذان بأصوات جميلة جداً على مآذن المساجد، بحيث لا يشعر أحد بالإزعاج من سماعه. الأذان الذي يُقال في مساجد تركيا يختلف عن الأذان الذي يُقال في إيران. في إيران، تُبث فقط عدة أذانات معدودة من الإذاعة والتلفزيون، وإذا كان أذان المرحوم مؤذن زاده أردبيلي من أجودها، فقد ذكرنا عيوبه في كتاب “فقه الغناء والموسيقى”. بعض المساجد كأنها حصلت على أذان بسعر، وأصبح للأذان مستقبل مجاني! في الماضي، كان كثير من الناس يقومون ويؤذنون. أتذكر مدرسة فيضية حيث كان صوت عشرة أشخاص يعلو في الأذان، وكانت ألحان الأذان متنوعة. للأسف، اليوم لا نرى تنوعاً في لحن وأداء الأذان، والعديد من المؤذنين يقلدون المرحوم مؤذن زاده أردبيلي أو عدد قليل آخر من المؤذنين، حتى أصبح الأذان مكرراً بشكل ممل.
في تركيا، يُلقى الأذان بأنماط مختلفة، ويختلف الأذان من مسجد لآخر. المؤذنون يؤذنون بأصوات جميلة ومسموعة، بحيث يذكر الإنسان بالإسلام والمسلمين ويشعر بالمتعة من ذلك. هذا التنوع في الأذان والجهود المبذولة لابتكار أساليب جديدة يجعل سماع الأذان محبباً وشيقاً.
في تركيا، كنا نستيقظ منتصف الليل، والشوارع تصبح هادئة وخالية في هذا الوقت، مما يجعل الأصوات تنعكس بشكل أفضل، وأصوات الأذان المختلفة في الصباح تبدو جميلة جداً. في الحقيقة، صوت الأذان ملكوتي ويجذب حتى غير المؤمنين لهذا النداء الإسلامي. أما في إيران، فالأصوات تخرج فقط من الراديو والتلفزيون، والتي تخضع لتذوق وقيود الدولة.
الوضع في تركيا (تكملة)
كذلك، في تركيا، توجد مرافق ترفيهية متنوعة تخدم مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، بما في ذلك الحدائق والمتنزهات والمراكز الثقافية والفنية. هذا التنوع في وسائل الترفيه يعكس الحرية المتاحة في التعبير والاستمتاع بالحياة، وهو ما يفتقر إليه المجتمع الإيراني نتيجة القيود القانونية والاجتماعية المفروضة.
إلى جانب ذلك، يُلاحظ في تركيا وجود سوق قوي ومتطور للاستثمار في مجالات الترفيه والرياضة والثقافة، حيث يشجع القانون والاقتصاد على دخول المستثمرين المحليين والأجانب في هذه القطاعات. وهذا ما يجعل من تركيا بيئة جاذبة للاستثمار، بخلاف إيران التي تعاني من صعوبات عديدة في هذا المجال بسبب العقوبات الدولية والسياسات الداخلية.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن التنوع العرقي والديني في تركيا يُسهم في خلق مناخ ثقافي غني ومتعدد، حيث تتعايش مختلف الطوائف والأقليات ضمن إطار من الاحترام والتسامح، مما ينعكس إيجاباً على نمط الحياة والترفيه في البلاد.
وفي الختام، يمكن القول إن الفارق الأساسي بين تركيا وإيران في مجال الترفيه والاستثمار هو وجود الحرية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا، مما يسمح بنمو متوازن ومستدام لهذا القطاع، بينما تواجه إيران تحديات كبيرة مرتبطة بالسياسات والقيود التي تعيق تطويره.
**الشعب الأوكراني لا يجيد اللغة الإنجليزية، وهم أكثر دراية باللغة التركية أو الروسية من اللغة الإنجليزية. وهذه المسألة تدل على أن الإنجليز لم يكن لهم نفوذ وقوة كبيرة في هذه المنطقة. في الواقع، الروس منعوا دخول هؤلاء الشياطين الاستعماريين، أي الإنجليز، إلى هذه المنطقة. الثقافة الأوكرانية أقرب إلى الثقافة الأوروبية، ولكن في إيران تُرى آثار الإنجليز أكثر من أوكرانيا. الإيرانيون يعرفون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وإن كانت معرفة ناقصة. اللغة الإنجليزية لغة غريبة. تقع إيران على سطح الأرض في موقع تحتاج فيه الإنجليز إلى النفوذ القوي والسيطرة السياسية. في كييف، كنت ألاحظ أن الناس أقل معرفة باللغة الإنجليزية، بينما في بعض القرى الإيرانية، بعض القرويين يحملون شهادات دكتوراه أو ماجستير في اللغة الإنجليزية، وهذا دليل على نفوذ الإنجليز في إيران. نحن نستطيع من خلال دراسة لغات شعوب الدول المختلفة أن نحدد مدى نفوذ واستعمار الدول الأخرى فيها. على سبيل المثال، اللغة الإنجليزية تبدو وكأنها اللغة الأم لشعب باكستان، وهم يتابعونها بقوة. أما في إيران، فالوضع مختلف، فاللغة الإنجليزية تُعتبر لغة شقيقة وهذا يعكس تفاوتاً في النفوذ بين الدول. الحقيقة أن تعلم أي لغة، سواء الإنجليزية أو التركية أو الفارسية، أمر في غاية الصعوبة. لقد أقمت في أوكرانيا لمدة أسبوع، وقلت إنني أريد تعلم الروسية والأوكرانية في هذا الوقت القصير، ولكن تعلم اللغة خلال أسبوع أمر غير ممكن. مع ذلك، أعطوني كتب تعلم اللغة، وكان تعلم أبجدية تلك اللغة صعباً، فكيف بالكلمات والحروف الأخرى. على أي حال، الأوكرانيون لا يعرفون الإنجليزية جيداً لأن الإنجليز لم يكن لهم نفوذ كبير في ظل قوة روسيا. الروس يسيطرون على الشعب الأوكراني ويمنعون النفوذ الإنجليزي هناك. كلما زاد نفوذ دولة ما، اتجه الناس نحو ثقافة تلك الدولة وأصبحوا يشبهون شعبها، ولا فرق في ذلك بين الشرق والغرب. صحيح أن اللغة الأجنبية غريبة، لكن الإنسان يجب أن يتعلم اللغات الأجنبية ليعرف نفوس الآخرين ويكون باحثاً في هذا المجال، وهذا أمر يسهل فهم علم نفس الشعوب المختلفة. موضوع النفوذ ينطبق أيضاً على الدول المتقدمة، فلو درست اللغات المنتشرة فيها، تعرفت على الشعوب التي نفذت فيها واستولت على مناطقها. عندما كنت في أوكرانيا، كنت أركز على البحث والتحقيق، وكنت دائماً برفقة واحد أو اثنين كمرافقين. لاحظت أنه لا يوجد شرطي أو رجل أمن في شوارع أوكرانيا. عند توقف الإشارة الضوئية الحمراء، تمتلئ الأرصفة بالناس ولا يتجرأ أحد على عبور الشارع بشكل غير قانوني. المسؤولون في أوكرانيا يراقبون حركة المرور من خلال أنظمة إلكترونية ذكية، وهذا الأمر جذب انتباهي وأجريت أبحاثاً كثيرة لأعرف كيف يؤمنون أمن المدينة. مثلاً، كيف يتم اكتشاف الإرهابيين ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم؟ اكتشفت أن هناك العديد من الأنظمة الإلكترونية مثبتة في الشوارع والأزقة، ولهذا السبب لا ترى رجال الشرطة في الطرقات. في إحدى الليالي طلبت رؤية أخطر وأشد أحياء كييف، عاصمة أوكرانيا، وأخبروني أنه يمكننا الذهاب بعد منتصف الليل. ذهبنا بسيارتين إلى ذلك الحي، وفي الساعة الثالثة صباحاً كانت النساء تتجول في أمان كامل وتمارس أعمالهن التجارية. إذا حاول أحد الاعتداء على إحداهن حتى بالكلام، يكفي الاتصال برقم الطوارئ 01، وحينها تحضر الشرطة فوراً، كأن لكل امرأة أكثر من رئيس دولة يرافقها. أنظمة الأمن والكاميرات المراقبة تعمل على مدار الساعة، وهذه الكاميرات منتشرة في كل الشوارع ولا توجد نقطة عمياء. هناك مشروع جديد يُطبق حالياً، ألا وهو أن الناس يلتزمون بالقانون بوعي دون حاجة لتدخل الشرطة أو التوبيخ. في تجربة قمت بها، عندما كانت الإشارة حمراء، طلبت من مرافقي أن يعبروا الشارع، ونظر إلينا الناس بدهشة كأنهم يشاهدون شيئاً غريباً. لم يروا سلوكاً مخالفاً من قبل، وكانوا يقولون: كيف تعبر الشارع بينما الإشارة حمراء؟ أما نظرية أن من يعتبر نفسه محقاً يكون أكثر تمادياً في تعدياته، فليست منطقية، بل العكس صحيح، فالأشخاص الذين يظنون أنهم على حق يتعدون أكثر، ويقولون: “أنت وكل ما تملكه ملك لي”. وهناك قصة صغيرة عن تلميذ في الصف يشعر بالخجل من فقر والده بينما زملاؤه يتفاخرون بآبائهم الأغنياء، ويُقترح عليه أن يقول إن والده يمتلك حماراً وأن الحمير لديها محلات وبساتين. أي أن المعتدين يعتبرون الناس عبيداً وأملاكاً لهم، ويأخذون ممتلكاتهم بالقوة والظلم، بحجة أن هذه الأشياء ملك لهم وأن الناس مجرد عبيد لديهم. في أوكرانيا، لم أجد مثل هذا السلوك.
في أوكرانيا، الأمر الذي لفت نظري هو نجاسة الكافر. مع أن أوكرانيا خضراء كالريف الشمالي الإيراني، وهي كالجنة، لا ترى الأرض البور أو التراب، ولديها العديد من المنتزهات، لكن وجود الكافر كان واضحاً لي. أخذته إلى مختبري وأكدت حواسي نجاسته. كان يرتدي ربطة عنق جميلة ويستحم يومياً، لكنه كان نجساً ككلب. نجاسة الكافر ليست مجرد حكم سياسي أو مقاطعة اجتماعية، بل يمكن إثباتها بالتجربة، وفهم الفرق بين طهارة الشيعي وطهارة غيره. أعتقد أن الشيعي لا يصبح نجساً حتى بعد موته، وأن طهارته تستمر بعد الوفاة.
الفصل السابع: صفاء طلب العلم
محبة طلبة العلم
أنا أحب طلبة العلم كثيراً. لدي ثلاثة أصهار جميعهم طلبة علم، وخمسة أبناء كلهم طلبة أيضاً. أعتبر طلبة العلم أولادي الحقيقيين والروحيين، وأكن لهم محبة خاصة لدرجة أن بعض أبنائي يقولون إنني أحب طلبة العلم أكثر منهم. أحد أقاربنا من السادة أصر على تزويج ابنته لابنه، وهو ليس طالب علم، لكنني ربّيت بناتي على ألا يتزوجن إلا بطالب علم. قال لي: ابني سيد، وإذا لم تعطني ابنتك، سأشكو جدّه. فقلت له: اشكُ لله. كل حياتي وحتى بناتي مكرّسة للإمام المهدي، ولا أنفق فلساً واحداً من أموال الإمام في بيت غير بيت الإمام وطلبة العلم.
الاهتمام بالدراسة
طوال سنوات الدراسة، كنت أدرس وأعلّم حتى في أيام العطل. في الأيام التي تحل فيها ذكرى شهادة الأئمة المعصومين، كنت أدرس تفسير سورة الحمد وأختم بدعاء قصير. وفي خميس وجمعة كنت أدرس ثلاثة كتب عرفانية هي أسماء الله الحسنى، مصباح الأنيس، ومنازل السائرين. للأسف، المؤسسات التعليمية تسهل كثيراً موضوع العطل، حتى يعلنون عطلات وسط أيام الدراسة، ما يؤدي إلى ضياع الوقت. تعطيل الدراسة عادة سيئة، وكأن الدراسة وظيفة ثانية. في الماضي، كان اهتمام طلبة العلم بالدراسة أكبر. الأستاذ المرحوم الإلهي رحمه الله، في أول سنة تعارفنا، كان يستمر في الدراسة حتى في أيام العيد.
كنا نكنّ الاحترام والتقدير للكبار، وكان حبنا لأساتذتنا عميقاً وصادقاً. عندما دخلت مدينة قم المقدسة، وجدت فيها أجواءً دينية وعلمية وروحية مختلفة وجديدة عليّ. رأيت في مدرسة الفيضية طالبين يناقشان بعضهما؛ كان أحدهما يرتدي معطفاً والآخر ثوب العلم، فكان الطالب المعطفي ثورياً وأستاذه الذي يرتدي الثوب معارضاً للثورة. كان النقاش شديداً، وكان ذلك مثيراً للدهشة لي، كيف يصف التلميذ أستاذه بالجاهل.
حتى في ليلة زواجي، حضرت دروس الأساتذة شعراني والإلهي حتى العاشرة والنصف مساءً، ولم ألغِ الدراسة. لم أخبر أحداً عن زواجي، وكنت أشعر بالحرج. وصلت إلى الحفل في وقت متأخر، فثار أهل البيت عليّ ظناً أنهم خُدعوا، فأوضحت لهم أنني كنت في الصف.
اليوم للأسف، تُعلن العطل بسهولة كبيرة، وتُلغى الدروس، حتى الاحتجاجات تُدار بالعطل، وهذا ما يريده أعداء الدين. في السابق، كان الطلبة لا يشتغلون بشيء سوى الدراسة، وإن كان لديهم مشاكل مالية، كانوا يصومون ليلاً بدلاً من الأكل.
نحن طلبة علم، جنود الإمام وعمال الناس، لا يمكننا الجلوس لساعات كغيرنا نتحدث مع الضيوف. أنا أجلس نصف ساعة فقط ثم أعتذر لأني مشغول. علينا تنظيم الوقت واستثماره ولا نضيع العمر عبثاً. طوال السنة، نادرًا ما نحضر جنازة، لأنها تأخذ وقتاً طويلاً، وأفضل أن أقرأ الفاتحة في المنزل وأبكي قليلاً، وأقضي الوقت في البحث.
رغم غربتنا وعدم وجود معارف، أوصيت أقاربي ألا يعطوا عنواني لأحد، وإذا حدثت وفاة أو مناسبة، فلا يخبروني لتجنب الحرج. وإذا حضرنا ضيفاً، أخبرهم أنني سأبقى معهم نصف ساعة فقط ثم أغادر للعمل. علينا أن نكون قدوة للمجتمع.
التنظيم وعدم إضاعة الوقت
كان من عادة العلماء والطلاب في السابق أن ينظموا أوقاتهم بدقة، فلا يضيعون أوقاتهم في مجالس لا فائدة منها. على سبيل المثال، كان بعض العلماء لا يتحدثون مع الزوار أكثر من نصف ساعة، حتى لا تذهب أوقاتهم الثمينة في ما لا ينفع. وكانت الأولوية دائماً للمطالعة والبحث والدراسة، لأن العلم هو زاد الروح وقوة الفكر.
اليوم، للأسف، كثير من الطلبة يضيعون أوقاتهم في مجالس لا تفيد، ويتكاسلون عن الدراسة بحجة وجود انشغالات أخرى. وهذا الأمر يؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي وتراجع مستوى الفهم عند كثير من الطلبة. إن العلم يحتاج إلى جدية وانضباط، ويجب أن يكون الوقت مصروفاً في الأمور النافعة التي تقرب الإنسان من هدفه في طلب المعرفة.
حب أهل البيت (عليهم السلام) في طلب العلم
كان حب أهل البيت عليهم السلام هو الدافع الأكبر لي في طريق العلم. فقد كنت أرى فيهم قدوة وعبرة، وشعرت بأن طلب العلم هو أفضل الطرق التي تقربني إلى الله عز وجل. إن طلب العلم الشرعي لا يقتصر فقط على حفظ الكتب، بل يشمل العمل بما تعلمه، والتمسك بالقيم والأخلاق التي جاء بها أهل البيت عليهم السلام.
في كل خطوة في مسيرتي العلمية، كنت أحرص على أن يكون عملي نابعاً من حب الله ورسوله وأهل بيته. وهذا الحب هو الذي منحني القوة للاستمرار في مواجهة الصعوبات والتحديات التي تعترض طلبة العلم.
الختام
في الختام، إن طلب العلم رسالة سامية، ومسؤولية عظيمة، لا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مجرد تحصيل شهادات أو مهن. بل هي مسيرة روحية وعملية تعزز شخصية الإنسان وتجعله عضواً فاعلاً في مجتمعه. فلتكن محبة طلبة العلم وحرصهم على تنظيم وقتهم والالتزام بالسلوكيات الحميدة نموذجاً يُحتذى به في كل مكان وزمان.
لقد كنا نذهب لفترة إلى مسجد الحي، ونصلي صلاة المغرب والعشاء، ونحضر محاضرة قصيرة، وكان نتاج ذلك تأليف كتاب «خصال السلامة والسعادة» وعدة كتب أخرى. ومع أن المسجد كان قريباً، إلا أنه كان يأخذ منا أكثر من ساعتين من الوقت. رأيت أنني عامل للناس، ولست ممن يضيعون ساعتين من الوقت من أجل صلاة المغرب والعشاء ومحاضرة قصيرة. لا يجوز للإنسان أن يفعل كل شيء بنفسه؛ فمثلاً، لا ينبغي لرجال الدين أن يقرأوا الصلاة الجماعية، ويخطبوا المنبر، ويُدرّسوا في آنٍ واحد، ويجمعوا عدة وظائف لأنفسهم. كثير من الأعمال التي يقوم بها العلماء وطلبة العلم ليست وظائفهم الأساسية، بل هي مضيعة للعمر. لا يعد قراءة الرُّوضة من وظائف العلماء، ولا إقامة الصلاة الجماعية، ولا عقد الزواج أو الطلاق، لأن كثيراً من غير رجال الدين قادرين على القيام بهذه الأمور، ولا يستوجب أن يستهلك الإنسان عمره في هذه المهام التي ينبغي أن يؤديها الناس بأنفسهم. الوظيفة الأساسية لرجال الدين هي البحث في دين الله وإنتاج العلم الديني. والعلم الديني له مصطلح خاص، شرحتُه في كتاب «علم اجتماع العلماء الدينيين». في القرآن الكريم والرويات المعصومة، توجد مشاريع قيمة في مجالات متعددة، وعلى العلماء والحواضر الدينية أن يتبعوا هذه الأمور، لأنها وظيفتهم الحقيقية. ومع وجود كل هؤلاء الأشخاص الصالحين، يمكن للناس أن يؤدوا الصلاة الجماعية أو يقوموا بالعقد بأنفسهم. هل توجد رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أو الأئمة الطاهرين عليهم السلام تُفيد أنهم كانوا يقرؤون العقود أو يحضرون مجالس العقود والجنائز بشكل منتظم؟ في بداية الإسلام، قام النبي صلى الله عليه وآله بدفن بعض الموتى وعلّم الناس عملياً، ومنذ ذلك الحين كان الناس يدفنون موتاهم بأنفسهم. ومع ذلك، للأسف، نرى أحياناً خلافات حول هذه الأمور!
إذا اتبع العلماء وظيفتهم التي هي إنتاج العلم الديني، فإن نسيم الملكوت الذي يهب منهم سيهذب المجتمع كله، ولن يكون من الضروري أن يكونوا مرتبطين مباشرة بهذه الأمور أو يحملوا مفتاح المسجد في جيوبهم خوفاً من فقدانه على يد الشيوعيين. ولكن لأن هذا النسيم غير موجود اليوم، فعلى العلماء أن يكونوا هم أمناء المساجد بأنفسهم. للأسف، فقدنا المبادرة. من البديهي أنه إذا لم تمطر الأمطار على الجبال، سيصبح دجلة مجرى جافاً. وإذا لم تكن الحواضر الدينية أهل تحقيق، فسيحدث جفاف علمي، وستتكرر الأقوال المكررة والقديمة التي تمل الناس، كما هو الحال اليوم.
الدعوة خاصة بالأنبياء؛ لأنهم لم يكونوا بحاجة للدراسة والبحث، بل كانوا ملهمين بالوحي، وكل ما يحتاجونه كان يمنحه الله لهم. أما غيرهم، فعليهم أن يسعوا للبحث والإنتاج، ثم يدعوا إلى دينهم بناءً على أبحاثهم، وإلا فإن الدعوة بدون بحث أمر خاطئ ومخالف لهدفها. عندما لا يكون هناك بحث، فلا دعوة حقيقية، وكل ما يُقال يكون بلا فائدة. اليوم، الناس ليسوا بسيطين كالقديم، بل هم أصحاب تحليل وتقييم يميزون الصالح من الطالح، وقد صاروا أحياناً حكاماً أكثر من كونهم مستمعين، ولا يسعون كثيراً للتعلم، لأنهم يعتقدون أنهم لا يجهلون أقل من العلماء الحاليين. لم يدرس الأنبياء ولا الأئمة المعصومون كالعلماء، ولو جمعنا كل ما درسوه لما بلغ مستوى علمنا الحالي، لأنهم بحكم قربهم من الله كانوا يمتلكون علوماً لدنية. لذا، يتبعون طريقهم في الدعوة، ونحن نتبع طريقنا. المنهج السائد اليوم في الحواضر، الذي يجعل العلماء مشغولين مع الناس في كل صغيرة وكبيرة، ليس منهجاً صحيحاً ولن يفي باحتياجات المجتمع. لا مناص من أن يلتزم رجال الدين بوظيفتهم الأساسية، وأن يبحروا في بحر من الأبحاث العلمية، ويوكلوا الأمور التي يمكن لغيرهم القيام بها إلى هؤلاء، أو يهيئوا عددًا من غير أهل العلم لذلك، بينما يركز أهل العلم على أبحاثهم العلمية. في كل مكان، هناك أربعة أشخاص صالحين ومؤمنين قادرين على إقامة الصلاة الجماعية وإعطاء النصيحة، وكذلك في كل مدرسة أو مؤسسة، فلا حاجة إلى إحضار الطلبة أو رجال الدين ليؤموا الناس.
في الواقع، لا حاجة لأن يُحمّل العلماء فوق طاقاتهم بمهامٍ ليست من اختصاصهم، فهذا يعرقل تقدمهم العلمي ويضعف إنتاجهم الثقافي والديني. على العكس، إذا توفرت لهم البيئة المناسبة للبحث والتدريس والتأليف، سيخرجون بنظرياتٍ وأفكارٍ تقود المجتمع نحو النمو الروحي والاجتماعي. إنَّ علماء الدين هم الحُماة الحقيقيون للإيمان، لكن هذا لا يعني أن يتحولوا إلى أدلة لكل صغيرة وكبيرة في الحياة اليومية، بل يجب أن يركزوا على تطوير المعرفة الدينية ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
ومن هنا، فإن النظام الإسلامي المثالي يتطلب توزيع الأدوار بشكل واضح ومنظم، بحيث يُعهد للعلماء بدورهم في البحث والتعليم، ولغيرهم من المؤهلين بأداء الخدمات الاجتماعية والدينية التي لا تستوجب الخبرة العلمية المتعمقة. بهذا الشكل، يُمكن أن تستمر المساجد والمراكز الدينية كمؤسسات فعالة لخدمة المجتمع، دون أن تكون عبئًا على العلماء.
إن التمييز بين واجبات العلماء والمهام الأخرى هو أمر ضروري لإعادة الحياة إلى الحواضر العلمية، ولضمان بقاء العلماء في قمة عطائهم الفكري والروحي. إذا ما توقف العلماء عن التركيز على البحث والدراسة، فسوف يعاني المجتمع من جفاف فكري وسياسي وثقافي، ولن يُمكن مواجهة التحديات الحديثة التي تعصف بالأمم.
لقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولا يتحقق ذلك إلا بتخصص العلماء في مجالاتهم، مع تشجيع المجتمع على تحمل مسؤولياته تجاه الدين عبر المشاركة في المناسبات الدينية والخدمية. إن إشراك الناس في أداء الطقوس الدينية وتسيير شؤونها يعزز من الوعي الديني ويقوي الشعور بالانتماء والمسؤولية الجماعية.
ختامًا، على رجال الدين أن يدركوا أن دورهم الرئيس هو الحفر العميق في معارف الدين، والارتقاء بالعلوم الشرعية إلى أعلى مستوياتها، ليكونوا بذلك منارات تهدي الأجيال القادمة. أما الأمور التنفيذية والخدمية، فلا بد أن تُترك للمتخصصين من غير العلماء، مما يؤدي إلى بناء مجتمع متماسك ومتوازن يقوم على أساس العلم والعمل المتكامل.
**على أية حال، العالمُ والعلمُ وأفكارُ الإنسانِ كلها في حالةِ ازدهارٍ وتطوّرٍ مستمر: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). لقد ذكرتُ في نقاشاتي أنَّ معرفةَ الحواسيب الحديثةِ والذكاء الاصطناعي، التي أصبحت أساسَ العلم والصناعةِ اليوم، ستصبحُ في المستقبلِ قديمةً وغيرَ مجدية، وسيحلُّ محلّها أمرٌ أعقدُ وأعمقُ. بمعنى أنَّ أدواتِ العلمِ والمعرفةِ ستتغيرُ، وستجدُ أبجديةً جديدةً. لقد رأيتُ هذا، ولهذا أقول: كما لم يكن الحاسوبُ في مخيلةِ السابقين، فإنَّ أدواتَ وأبجديةَ العلمِ في المستقبلِ لن تتسعَ لها أذهانُ العقولِ المغلقةِ اليوم. نحنُ مع كلِّ تقدماتنا، سنكونُ للآتيينَ مثلَ البشرِ الأوائلِ والمتخلّفين. لا ينبغي الاعتقادُ بأننا اليوم متقدمون للغاية. الآتيون سيستخدمون الوحيَ والمغيباتِ، ويجدون الطريقَ السريعَ لاستيعابِ المعرفةِ.
إنّ العلمَ اليومَ يتوسّعُ حولَ المحسوسِ والمادّي فقط، ولا يملكُ إمكانيةَ الوصولِ إلى المجرداتِ وما وراء المادةِ علمياً. كما كانَ الطيرانُ في زمنٍ ما محصوراً على البالونات، ولكن اليومَ اخترع الإنسانُ المركبات الفضائيةَ التي تُقلُّهُ بسلامٍ إلى القمرِ، فكذلك سيكتشفُ الإنسانُ مستقبلاً أنَّ الطاقةَ ليست في المادة فقط، بل سيفتحُ آفاقاً جديدةً في العلمِ ويخترعُ أبجديةً علميةً جديدةً تمكّنهُ من الوصولِ علمياً إلى ما وراء المادةِ، وسيبلغ العلمُ عوالمَ الجنِّ والملائكةِ، وسيخضعها للسيطرةِ العلميةِ.**
إنَّ معارفَ اليوم، لا سيما في مجال العلوم الإنسانية، ملطّخةٌ بالوهمِ والتزييفِ والخرافاتِ الكثيرة. أما العلومُ التجريبيةُ فترتكزُ على بعدٍ واحدٍ من الإنسانِ، فتغفلُ بعدَ المعنى. إنَّ ملامحَ البشرِ المهندمةَ جميلةٌ، لكنها تخلو من محتوى، وهم يتكبّرون على جهلهم. اليومَ، للبشريةِ صناعةٌ يفخرون بها، وهي ما تمَّ الحصولُ عليه ليس بعرضهم، بل ببيعِ النفطِ والمواد الخامِ، ولكن الأخلاقَ والتربيةَ والثقافةَ والروحانيةَ والدينَ، التي يدّعونها، غائبةٌ لديهم. وإذا كان أحدهم يعملُ على لوحةِ المفاتيحِ، فإنه يضغطُ عليها بعنفٍ حتى يفسدها فوراً، ويُهدِرُ طاقته بلا فائدة. نحنُ الآنَ نعيشُ الغربةَ والقيودَ؛ لأنَّنا نتحدثُ من مكانٍ مختلفٍ.
أنا لا أتحدث عن العلمِ السائدِ التقليديِّ الذي لا يزيد عن كونه نقلاً، بل عن علمٍ موضوعيٍّ يمتلكُ قدرةً على التأثيرِ والخصائصِ الخارجةِ عن المألوف. وهذا العلمُ الثالثُ الذي أطرحهُ هو العلمُ التحويليّ، أي تحويلُ المثالِ إلى مفهومٍ. نعم، لقد أُتيح لي هذا العلمُ. أُقدّمُ هذا العلمَ مدعوماً بالعلومِ السائدةِ، وشواهدٍ من آياتِ القرآنِ الكريمِ، مع أني لا أومنُ بالعلمِ المدرسيِّ المفهوميِّ. العلومُ المدرسيةُ التجريبيةُ ضعيفةٌ جداً، ناهيكَ عن العلومِ الإنسانيةِ الحوزوية، خاصة في الفلسفةِ والفقهِ، التي ما زالت أسيرةَ ماضيها المشوبِ بالخرافاتِ.
الطبُّ رغم توفرهِ على مؤشراتٍ ومعاييرَ كثيرة، لا يبقى على ما هو عليه، بل يتطوّرُ يومياً وفقاً للمعطياتِ الجديدة. أما نحنُ فلا نعرفُ نظامَ العلمِ الدينيّ، ونعتبرُ التمسكَ بضعفِ الفقهاءِ السابقينَ والخوفَ من تجاوزِ عيوبهم فقهًا أصيلًا وأصولًا تقليديةً. يجبُ أن يمتلكَ الفقيهُ ملكةً قدسيةً، أي قدرةً على الطيرانِ في عوالمِ الغيبِ والقربِ الربوبيِّ والتغلغلِ في ساحةِ الغيبِ الإلهيِّ. الكلبُ يشمُّ روائحَ بعشراتِ الكيلومتراتِ، ولكن الإنسانَ، أعظمَ مخلوقاتِ اللهِ وأحسنَها، لا يزالُ خاماً، ولم يُنظِّم تفكيرهُ وعلمَهُ الإدراكيَّ، وظلت كلُّ مواهبهِ خامدةً. هذا الكائنُ المتكبّرُ يعتبرُ نفسهُ عظمةَ الوجودِ ويقللُ من شأنِ الظواهرِ الأخرى.
حتى إذا وُجد عارفٌ، فهو لا يتجاوزُ أن يقولَ: “فلانٌ فعل كذا في الشارع”، فهذا متعدٍّ وليس بعارف. العارفُ الحقيقيُّ هو الذي يمتلكُ ملكةً قدسيةً وقوةَ ولايةٍ تُسمح لهُ بالصعودِ إلى ملكوتِ السماواتِ، ويعرفُ طرقاً تُشقُّ النفسَ فيها في الهواءِ إلى أشلاء. العارفُ هو الذي يمشي هذه الدروبَ ولا يضلُّ، ويعرفُ متى وكيف يجلس.
إذا كانت روايةُ “كلمينى أو حميراء” صحيحةً، مع أن سندها ضعيف، فهي تعني أنَّ النبيَّ الأكرمَ صلى الله عليه وسلم بقي عالياً في المعراجِ الروحيِّ حتى كان يجبُ لصوتِ حميرا أن يرشدهُ للأرض، وكأنها مرساةُ السفينةِ التي تُثبّتُهُ بوزنهِ النَسَوتيِّ.
يجبُ اكتسابُ العلمِ من تلك العوالمِ بالأدواتِ الروحيةِ، لأنَّ الأدواتَ الماديةَ السائدةَ تقدمُ أشياءً جزئيةً جداً حتى لأصحاب الاجتهادِ والدكتوراهِ.
اليومَ هو عصرُ الغطرسةِ والطغيانِ ووحشيةِ البشرِ، لكنَّ ازدهارَ المعرفةِ سيحدثُ خلالَ أكثرَ من عشرة آلافِ عامٍ مقبلةٍ، حينها سترى الدنيا العِلميةُ نُجباءً غرباءً رائعين؛ أولئك الذين يُقالُ في حقهم “طُوبَى للغرباء”. فليكن حظُّهم سعيداً، لأنَّ عالمَ العلمِ آنذاك سيُقدّرُهم ويستفيدُ من علومِهم. أما في الوقت الحاضر، فإنَّ كلَّ قولٍ وفعلٍ يُواجهُ بالسجنِ والتكفيرِ والإعدامِ من قِبلِ الرجعيينَ الجهلاءِ المتكبّرين، الذين يدّعون أشياءً فاخرةً. يكفي أن تقولَ بعطفٍ: “هذا القولُ يحتوي على نقد”، أو “هذا العملُ خطأ”، حتى ينهالوا عليك بحدةٍ، كما يحدثُ الآن.
على كل حال، عالمُ اليوم عالمُ همجٍ قساة، وليس عالمَ العلماءِ والإنسانيين.
عادة المشاعر
قبل الثورة، كان نجل أحد السادة يدرس في مدرسة فيضية وكان لديه العديد من التلاميذ، لكنه كان إذا اختلف مع والده وأحزن، يوقف دروسه. أحيانًا كان يقول إنه ترك طلب العلم وخلع ثيابه، لكنه بعد فترة من تعاطف والده معه، كان يعود لإكمال دروسه. كان أستاذًا قويًا في مادته. تراجع عدة مرات عن مواصلة الدرس. في يومٍ قلت له: “يا بني، ليس من الصحيح أن توقف دروس الطلبة كلما حصل خلاف بينك وبين والدك! إما أن تذهب ولا تعود، أو لا تجعل الدروس وسيلة للضغط على والدك. هل الحوزة منزل خالتك حتى تتصرف بهذه الطفولية وتستخدم الدروس كورقة ضغط؟! قلت له إن مشاكلي أكبر منك بكثير، ولكني لم أوقف دروسي يومًا، بل أدرس حتى في أيام العطل.” فقال: “لا تتحدث عن نفسك، فقد سقطت أنت كثيرًا حتى لم تعد تشعر بالسقوط، أما أنا فعندما أسقط، أشعر به حتى في عظمتي.” رأيت ذكاءه، فقال: “لا زلت أحتفظ بهذا الإحساس، فإذا أراد أحد أن يضربني أصدّه، أما أنت فلم تعد تملك حتى هذا الإحساس، بل مشاعرك تقبل سقوطك ولا تعارضه.”
شعار الكفاءة
على الحوزات العلمية أن تصمم نظامها التعليمي بحيث تجعل الطلاب عمليين. يجب أن يكون الطالب قادرًا على البحث وفق أحدث الطرق العلمية، والكتابة الحديثة أو التدريس. في النظام التعليمي السائد في الحوزات، يدرس الطلاب لسنوات طويلة، لكنهم نادرًا ما يكونون فعّالين، ويتهمون بالعجز.
لو كان لدي طلبة كفوئين، لأثرت انفجارًا علميًا في العالم، لكن غياب رفاق قادرين منعني من إصلاح النظام أو تفكيكه، فأجلس وأكتب كتاب “لو كنت فاعلًا، ماذا كنت أفعل؟” كأنه مثل قول “لو كان خالي رجلاً، لكان عمي قويًا”. لو كان لدي رجال قادرون، لبنيت عالماً من العلم ونظمت الفوضى، لكن كما يقول اللات: “كلام فارغ”.
كفاءة الطالب يجب أن تستند إلى شعار الصناعات: “أقل تكلفة بأكبر ربح في أقل وقت بأعلى إنتاجية.” مثلاً، كانت عصارات العصير القديمة تنتج كأسًا واحدًا من العصير بعد تركيب وفك وتنظيف طويل، أما الآن فصممت العصارة لإنتاج كأس واحد في لحظة واحدة بسهولة تامة. هذا التصميم جعل العملية سهلة جدًا، حتى أنني رأيت إعلانها وأردت اقتنائها. بذلك يصبح تناول العصير سهلاً دون تعب أو مساحة كبيرة.
حوزاتنا تستهلك وقتًا كثيرًا من الطلاب بدون إنتاجية. دروسها عقلية فقط وخالية من الموضوعية، وهذا جعل الذين اكتفوا بهذا النظام بلا كفاءة. يدرس الطالب ثلاثين سنة والنظام يتوقع منه إعطاء درس خارج كل سنة، دون أن ينتج شيئًا. الدروس لا تنفع في الدنيا ولا في الحوزة ولا في الإسلام، والثواب في الآخرة بيد الله. في هندسة تربية الطلاب يجب أن يكون الشعار: أقل وقت، أفضل طريقة، أكثر فائدة. أعطيت طالبًا مذكرة صغيرة ليحررها، وبعد 15 يومًا أحضرها ووضع عشر علامات “ضربدر” على العناوين، وهذه العلامات لا تعني شيئًا. درس عشرين سنة في الحوزة. الكتب الجافة المفروضة على الطلبة سلبت منهم الفعالية والتطبيق. هذه المشكلة عميقة وشاملة لدرجة أن النقد لا يجدي نفعًا. أحيانًا نطلب من الطلبة وضع برنامج للخروج معًا وتناول الغداء لإراحة أذهانهم، ولا يستطيعون تنظيم الوقت ويطيلونه، فنترك الأمر. هذا النظام يخرج فقط علماء كبار مثل “ابن زبيري” في مسلسل المختار.
شعار “أقل مدة، أفضل جودة، أكثر أثر وأعلى إنتاجية بأقل تكلفة” يجب أن يكون شعار النظام التعليمي. لذلك يجب تقليل وقت الدروس، التخصص، ضغط العلوم، حذف الزوائد، وإزالة التكرار. الإنسان طاقته محدودة، فلا يعقل الدراسة لعشرات السنين دون إنتاج. يجب أن تزيد كل يوم قدرة الطالب، وإلا فلا فرق إذا أُغلقت الحوزات لسنوات فلن يتأثر المجتمع.
يعطون الطلبة ثلاث سنوات أدب، لكن بعد ست سنوات لا يتقنون القراءة الصحيحة. العلم إذا لم يُدرَّس عمليًا لا قيمة له. مدرسة ما تعلم العربية في عدة فصول حتى أصبح الطالب مثل عربي أصيل يتكلم ويكتب نثرًا بليغًا، بينما الحوزة تطيل الدراسة ثلاث مستويات ثم درس خارج، فتفقد الطالب كفاءته. هذا الركض وراء دروس متكررة يشبه الحصان يدور دون رؤية.
الكفاءة الجماعية
الحوزات والطلبة لكي يكونوا فعّالين يجب أن ينظموا أنشطتهم جماعيًا. فتاواي الفقهية تقول إن البحث الفردي اليوم غير جائز شرعًا ولا عقلًا. يجب أن يكون البحث مركزيًا وجميع المؤسسات تحت بنك معلومات واحد، ولا دعم للمؤسسات المنفصلة. الكفاءة في العمل الجماعي وتبادل الأفكار العبقرية.
القبول حسب التحصيل العلمي
يجب أن نستثمر الوقت بأفضل شكل ونعرف قيمة العمر. في هذا المجال، الطلبة والعلماء الحوزويون لهم وضع خاص. قبول المتقدمين يبدأ بالحصول على شهادة ثانوية ثم الدخول للحوزة، وهذا ضروري ليكون الطالب عالمًا متعلمًا. سابقًا، كان كثير من الأميين من القرى يدخلون الحوزة ولا يفهمون الدروس جيدًا، وهذا سبب لهم العجز. يشبه هذا البيت الشعري:
“من قرأ صرف مير مير / فكّ قفلًا وقيودًا سبعة.”
ومع أن صرف مير ليس صعبًا، إلا أن الطالب الأمي لم يستطع فهمه.
كنت أتفقد مدرسة قبل الثورة فيها 30-40 طالبًا، سألتهم عن صرف مير، فلم يعرفوا. اشتكيت لمدير المدرسة وأخبرته أن هؤلاء الطلبة يجب أن يحصلوا على شهادة ثانوية لرفع مستواهم. لكنه قال إنهم أفضل لأنهم لم يختلطوا بالدنيا. رأيي أن هؤلاء ببساطتهم يسهل استغلالهم من قبل الفئة الفاسدة التي تستغل الدين للسلطة.
يجب أن يدرس هؤلاء الطلبة مواد المدرسة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وبعدها يمكن تدريس الحوزة لهم وتحليل العلوم. وإلا فلا يمكن فهم المادة ويصبحون متعصبين ومخدوعين.
ذكرى أستاذ رياضيات
أذكر أستاذًا في الرياضيات كان يشبه فيثاغورس، لم يكن يطلب منا حلولًا، بل فهم المسألة فقط، وكان يقول إن الجواب يجب أن يكون ضمن المسألة، وإذا لم يظهر، فالسؤال خاطئ والمعلم غير كفء. كان يطرح 10 صيغ ونستخرج الجواب منها. علمنا اختبار المعلم، فإذا لم يكن قادرًا على إخفاء الجواب في السؤال، فهو معلم غير جيد.
كان يدرس ساعة، يعطينا 10 دقائق شرحًا و50 دقيقة للمرح واللعب، معتقدًا أننا لسنا أذكياء لنجلس ندرس طوال الساعة. 10 دقائق الشرح كانت دقيقة ومحسوبة، لم يكن يطرح أسئلة عشوائية.
مشكلة الكتب الحوزوية
كتب الحوزة بها مشاكل بنيوية وتحتاج تصحيحًا. الطالب يجد صعوبة في فهم النصوص، ويضطر لتقسيمها، لكنه لا يستفيد كثيرًا. مسار الاجتهاد الشيعي في العقود الأخيرة انحرف، والفرق بين الاجتهاد الجامعي والشيعي مهم، والاجتهاد الشيعي ينتج العلم، بينما الجامعة تعلم فنونًا.
كتبنا في “علم اجتماع العلماء الدينيين” شرحًا لهذا الفرق المهم. أوصي كل طالب بقراءته ليعرف طريقه الصحيح من الطرق المنحرفة التي يضعها الطامعون أمامهم.
صفاء علماء الماضي
كان علماء الماضي علماء حقيقيين وكفء، والأهم من ذلك كانوا ذوي صفاء ونقاء. عندما قدمتُ من طهران إلى قم، كان هدفي أن أجد الكتب الأصيلة والمهمة، وأقوم بتجميعها وشرائها لأحتفظ بأفكار وعقائد العلماء. كنت أقرأ أهم كتب أعلام العلم والفلسفة والتصوف، وكنت أتمتع بظروف مالية جيدة. في تلك الأيام، من الكتب التي كنت أحتاجها كتاب “القوانين” للمرحوم ميرزا القمي، لكنني لم أتمكن من العثور عليه إلا على نسخة بالية وقديمة جداً وممزقة. فقمت بتجليدها، ولكن عند لمسها كانت بعض صفحاتها تتفتت من شدة الجفاف والقدم. أتذكر حين كنت أقرأها بحذر شديد، خوفاً من أن تتفتت صفحاتها.
كنت أعرف عالماً يمتلك مكتبة تضم كتباً ثمينة جداً. ذهبت إليه وقلت له إنني لا أجد بعض الكتب التي أحتاجها في السوق، لكنها موجودة في مكتبتكم وأنتم لا تستخدمونها. كان ذلك العالم عالماً حقيقياً وذا صفاء أيضاً. عندما يلتقي الإنسان بشخص طيب وجيد، يصفو قلبه. فأكد كلامي وقال إنه لا يقرأ هذه الكتب لكنه أقر بأهميتها وقيمتها، وقال لي: اقرأ هذه الكتب وإذا فهمت محتواها فلتكن لك. قبلتُ شرطه. حين بدأت الدراسة، طلبت منه أن يحضر لي كأس ماء، وكان قصدي أني أريد أن أقرأ وأفهم بسرعة مقدار شرب كأس ماء. كنت في سن المراهقة وكنت أشعر بأن شعري كان له شكل مميز. قرأت له الكتاب وشرحت له ما فيه. كان ذلك العالم رجلاً صالحاً جداً. إن رؤية مثل هؤلاء الأشخاص تجعلك تؤمن بالإسلام وتفهم المعنى الحقيقي للمسلم.
أعطاني حوالي أربعين إلى خمسين مجلداً من الكتب التي أحتاجها من مكتبته، رغم أنني كنت راضياً حتى بمجرد مجلد أو اثنين. كان يقول إن الاحتفاظ بهذه الكتب عنده حرام، وأنها يجب أن تستفيد منها الشخص الذي لديه موهبة مثلي. بعض الكتب كانت ممزقة وقديمة وبعضها غير مجلد وبعضها بحالة جيدة. لاحقاً وجدت نسخاً حديثة من تلك الكتب في السوق. جلّدت الكتب الممزقة وأعدتها إليه، لأن عدم إعادتها كان يعتبر خيانة، فهو أيضاً كان بحاجة إليها. استغرق الأمر مني حوالي سبع سنوات لأجد نسخاً أخرى من تلك الكتب. أما الكتب التي سلمتها له فكانت كلها مجلدة بحالة جيدة وجميلة لدرجة أنه حتى لو بقيت في المكتبة لمدة مئتي سنة فلن تتضرر. كان ذلك العالم يقرأ كتبه باستمرار ولهذا كانت بعض الكتب ممزقة ومتآكلة. لم يرني ذلك العالم سوى مرتين أو ثلاث مرات فقط، لكنه كان يؤمن بموهبتي. وبعد أن أعدت له الكتب المجلدة لم يمنعني من أخذها مجدداً من المكتبة.
لو أُعطيتُ مبلغ مليار تومان بتقدير ذلك الوقت، لما كانت تلك الكتب التي استعرتهاأثمن منها. لم يكن لدي وقت للتجول في المكتبات، وكان يجب أن تكون كل الكتب التي أحتاجها متاحة لدي أثناء البحث والدراسة، وكنت أنجز عمل عشرين ساعة في غضون ساعتين إلى أربع ساعات. في ذلك الوقت، كنت أقرأ تلك الكتب بسهولة، لكن الآن لا أشعر بالراحة عند قراءة محتوياتها. كل صباح عندما أستعد للحضور إلى الصف وطرح هذه المناقشات، أدعو الله قائلاً: يا رب! لو أعطيتني مجدافاً أو أمرتني بالحفر والعمل اليدوي، لكان ذلك أسهل من قراءة مثل هذه المواضيع القديمة التي كثير منها خاطئ. هذه المواضيع بحاجة إلى تصحيح، وتحوي أخطاء كثيرة، وإن بذل الإنسان جهداً لتصحيحها فهو بذلك يخدم الدين والناس، ويمنع وقوع الآخرين في أخطاء مماثلة.
أهم عمل قمنا به في دروسنا وكتبنا هو النقد المنهجي والتنقية المنظمة للتراث العلمي الذي وصلنا من السابقين. لكن الدراسة والعمل المكثف بدون صفاء ورحمة وحب ليس له قيمة. ما أجمل حب الناس! قد لا تتوفر الفرصة للمودة مع الجميع، لكن يمكن للإنسان أن يحب كل البشر. أنا عادةً أكون ودوداً وسريعاً في تكوين صداقات ولا أشعر بالغربة أبداً.
ذات مرة رأيت رجلاً يبيع الفاكهة على عربة، فتحدثت معه وكالعادة أصبحنا أصدقاء. قال لي: “سيدي! لدي سؤال وأردت أن أشاركه معك. بعض الرجال يشترون الفاكهة مع زوجاتهم وهم يمسكون بأيديهن، وهذا منظر جميل بالنسبة لي.” فقلت له: “إذا رأيت الزوجين كحمامتين عاشقتين وكان ذلك يجعلك سعيداً، فليس هناك خطأ في نظرتك، وإن لم يكن كذلك فالأمر غير مستحب.” التشاؤم والنظرة السلبية تسبب المشاكل، والأفكار السلبية تخلق الحوادث.
عندما هاجرنا إلى مدينة قم، جاء شهر المحرم وكنت أرغب في التعرف على طريقة دعوة الطلبة في هذا الشهر. استلفت عباءة وعمامة وذهبت إلى كرمانشاه، حيث تعرفت على آية الله الذي كان رجلاً صالحاً وعالماً. كان من الصعب نشر الدعوة الدينية في زمن الطاغوت، لكنه كان ماهراً في ذلك. انعقد اجتماع حضره حوالي خمسين طالباً، وكان يوزعهم حسب معرفتهم وفضلهم إلى مناطق مختلفة. عندما جاء دوري، رفضت أحد المواضيع وقلت إنها كذب. تعجب وأبدى إعجابه بكلامي، وطلب مني إلقاء خطاب في نفس المسجد. كنت أتكلم من دون عمامة من صغري، لكن اللباس والعمامة تضفيان هيبة.
كان ذلك العالم إمام المسجد، وكان الطلبة يشككون في إمامته. دعاهم للغداء وقدّم لهم طبق تشلوكباب. كان هو الراعي لهم. أصبت بالاشمئزاز من بعض تصرفاتهم، فهم يمسكون يد العسل ثم يعضونها وينتقدون الآخرين دائماً، وهم سلبيون. المسلم حين يستيقظ صباحاً يجب أن يرى حسنات الناس ويبتعد عن الانتقاد. التشاؤم والنقد السلبي من أسوأ السلوكيات التي تظهر أحياناً في المجتمع.
حتى العابد الذي يكثر من الذكر ويكون سلبي النظرة غافل، ولا يستفيد من ذِكره. إذا رأى الإنسان صفة جيدة في الآخرين، كأن نوراً يضيء في قلبه، وكلما رأى عيباً ينطفئ ذلك النور. إن اعتقد الإنسان أنه صالح، ستتحقق له الصلاح، وإن ظن نفسه شريراً، فسيرى الشر في نفسه.
بين الطلبة
في يوم كنت جالساً مع السيد مظاهري وعدد من الطلبة، قال أحد الطلبة الذي كان من طهران وكان غير راض عن كونه طالباً: “لو لم أكن طالباً لكنت طبيباً أو أستاذاً.” فقلت له: “ومن أين تعلم أنك لم تكن بائع شوربة؟!” وقف السيد مظاهري وقبّل جبهتي وقال: “أحسنت!” ثم قال لذلك الطالب: “ومن أين تعلم أنك لم تكن بائع شوربة وتصبح طبيباً؟!”
الاعتماد المفرط على الكتب وآفة التعلق بها
كنت مراهقاً وأعيش في طهران. في ذلك الوقت، كانت لدي تصورات وتخيلات عن الحوزة العلمية في قم، وكنت أتوقع أن تكون قم والحوزة فيها أفضل. لذلك قررت الهجرة إلى قم، لكن علماء كبار مثل العلامة الشيرازي والآية الله الإلهي القمشي منعوني. عندما يأتي عالم من قم للتدريس في طهران، كنا نعظمه كثيراً لأنه درس وخدم في قم خمسين عاماً. جاء أستاذ من قم، وقد استقبلناه استقبالاً رسمياً مزهواً. ذهبت إليه وقلت أريد أن أكون تلميذك. كان الأستاذ مسناً، وكان أثناء تدريسه يقرأ فقط من الكتاب دون أن يرفع رأسه أو يضيف شيئاً. فكرت، إذا لم يكن لديه ما يحفظه في ذهنه، فماذا يقدم؟ كنت مراهقاً وهو كان يراني مجرد طفل يريد أن يشغل نفسه. قلت له: “اترك الكتاب وأخبرنا بما في ذهنك.” فأجاب: “لا أملك شيئاً في ذاكرتي.” كيف يكون الأمر هكذا بعد خمسين سنة من الدراسة؟ عندما ذهبت إلى قم دخلت الحوزة ورأيت بعض الطلبة يجتمعون حول القليان ولا يأخذون الدراسة بجدية. هذا يفسر لماذا الأستاذ يقرأ من الكتاب فقط ولا يستطيع الإلقاء من ذاكرته. يجب أن يكون للمعلم معرفة شخصية وعلم عفوي ويجب ألا يقع في مشكلة الاعتماد المفرط على الكتب، بل عليه أن يكون قائداً في التدريس.
خير وشر المعلومات والوعي
كنت أعرف عالماً من شهداء الثورة مشهوراً، رحمه الله. كان رجلاً صالحاً وأنيقاً. كان يتحدث عن عالم من العلماء كان كبيراً في السن وضعيفاً جداً، وكان الآخرون يساعدونه على المشي وكان يتعب كثيراً عند أداء الصلاة. قال لي هذا الشهيد إنه رأى ذلك العالم العجوز يقف عند زاوية الشارع، يراقب ثم يجمع عباءته ويركض فجأة، مما أثار دهشته لأنه كان يعتقد أن ذلك الرجل عاجز. فسألته هل ذلك العجوز فقد خيره أم أنت الذي فقدت الخير في نظرك؟ قال إن العجوز كان يهدي الناس لمدة أربعين أو خمسين سنة، ولكنك أنت فقدت نظرتك الصافية بسبب موقف صغير. الفعل نفسه قد يؤدي إلى نتائج مختلفة حسب نية ونظرة الإنسان. العجوز قد قاد الناس للخير طوال حياته، وأنت توقفت عند حادثة صغيرة. هذه هي الحقيقة.
أهمية الخلوة
من المشكلات التي يعاني منها بعض العلماء في العصر الحاضر أنهم يكونون في البداية مسؤولين إداريين (كالحُكّام) ثم يرغبون في السير والسلوك الروحي، مع أن هذين الأمرين متضادان. فقد كان العلماء سابقًا يتمتعون بخلوة مع أنفسهم ولم يكن لديهم هذا الزحام والضجيج في حياتهم، أما الآن فلا يجدون وقتًا حتى للراحة. ومن الطبيعي أن يؤدي ازدحام الحياة إلى ظهور أضرار وانعكاسات لا مفر منها. اعتدنا أن نكرر عبارة: “لدي عمل”، والحقيقة أننا مشغولون، إذ نلاحق عشرة أعمال في وقت واحد ولا ينجح منها سوى القليل. فمن الأفضل للإنسان أن يركز على عمل واحد ويتقنه بدلاً من أن يشتت جهوده على عشرة أعمال دون تحقيق نتائج. الذي لا يخلو مع نفسه يصبح كالأطفال المدللين الذين يريدون كل شيء لأنفسهم؛ فالنفس تشتاق إلى كل المال الموجود في العالم، وتسعى وراء كل العلوم، وتطلب كل المناصب، وتسعى وراء كل ما هو دنيوي، من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، وغيرها من الأنفس، وهذه الأمور لا يمكن جمعها مع التصوف الحقيقي.
فقر الطالب واستكبار العالم
هل الكون مخلوق أم حادث؟ للأسف، لم تُطرح هذه المسألة في المراكز العلمية بطريقة سليمة ومنهجية. لم أرَ حتى الآن شخصًا يملك القدرة العلمية على طرح هذه المناقشة بشكل عقلاني ومنصف يثبت أهليته العلمية. يُطرح النقاش عادة بدءًا من فرضية عدم إثبات وجود الله، فيسألون هل الكون حادث أم مخلوق؟ وقد يكون الله قد خلق الكون، ومع ذلك يكون الكون في استمراريته حادثًا قائمًا بذاته وله تجليات مستقلة، بحيث لا يختلف كثيرًا أن يكون مخلوقًا أو حادثًا. يمكن دراسة هذا النقاش من منظورات علوم مختلفة، مثل علم النفس، الذي يفترض وجود خيارات تفضيلية في النفس الإنسانية أو وجود ضمير لاواعي ينتخب ويُرجح قضايا معينة. هناك عوامل كثيرة في النفس توجه اختيار الإنسان، فتجد طالبًا يختار فرعًا علميًا معينًا وآخر يختار غيره. أحيانًا تكون هذه الفروقات ظاهرة، وأحيانًا تكون خفية وتحتاج إلى دقة في الكشف، كالتشابه الظاهري بين أكواب الشاي التي تبدو متشابهة لكنها تختلف في محتواها، ولا يمكن تمييز ذلك دون أدوات مختبرية.
لذا سواء قلنا أن العالم حادث ولا وجود لله، أو أن الله خلق العالم، علينا أن نأخذ في الاعتبار ظهورات الكون وهل هي مستقلة كآلة ذكية كما يقول الغربيون. لو أن الله أتاح لنا إنتاج الفكر والمعرفة والترويج الصحيح، لكنا نجحنا في نشر الإسلام الحنيف عالميًا، لكن البعض ممن يدعون العلم ويتربعون على عرش النفوذ العالمي يستغلون المال والدعاية ويهيمنون على الساحة، فلا يمكن في إيران مناقشة هذا الموضوع بحرية. لو ناقشنا وجود الله، تفسد دراستنا، كما حدث مع دروسنا في مدرسة الفيضيّة التي باتت تشتهر بآجراتها فقط. وإذا تحدثنا في هذه المواضيع، يُجرد البعض من لباس الدين.
الناس؛ حياة العلماء الدينيين
لدينا نقاشات مهمة خاصة حول العقلانية والروحانية، لكننا نواجه معارضة وممانعة من المتشددين والمشايخ المعروفين. بعضهم كان ينصحني بالهجرة، لأن إيران ليست المكان المناسب لأبحاثي. لكنني أقول إن كل من هنا مسلمون ويصلي الليل، رغم أن بعضهم يتصف بخلق قاسٍ. أما الأوروبيون فلا يصلون، وإذا أتاحوا لك منبرًا، فله شروطهم، فإذا ساعدوك، يتوقعون منك أكثر مما قدموا. كثيرون يهاجرون ظناً منهم أن الحياة ستكون سهلة، لكنها غالبًا تكون شقاء ووضعًا مهينًا، حيث يعملون كمرتزقة أو يعيشون متفرقين. هؤلاء الممانعون هم مسلمون ويصلون، ولكن لا يقدرونني ولا يسمحون حتى بنشر مؤلفاتي البسيطة في موقع إلكتروني، ويغلقون كل باب. أما الغرب، فهم غير مسلمين، ولهم أغراضهم، ولا يُعطيك شيئًا بلا مقابل.
أحد الكلمات التي أكررها كثيراً وأعتبرها معياراً لتقييم العلماء هو أن العالم الديني يجب أن يكون مثل الله. الله سبحانه وتعالى يتعامل مع الناس بهذه الطريقة، والعالم ينبغي أن يكون كذلك. كما أن الله حاضر في الوجود مع الناس، يجب أن يكون العالم الديني كذلك؛ أي يجب أن يكون على دراية بآلام وحزن الناس ومشاكلهم، وأن يكون حاضراً بينهم. وإذا لم يكن كذلك، فهو قد فشل ومرفوض إلى حد ما، ويبتعد عن الدين ومرام الله. في الواقع، هذا يدل على أن العالم مشغول بنفسه وغافل عن الناس. العالم الديني له مكانة النبي، وله فرق واضح عن بقية أفراد المجتمع. الناس في المجتمع عاديون ويتوقع منهم تحمل جزء من هموم وفرح الناس، لكن العالم الديني يجب أن يكون له سلطة تمكنه من تحمل هموم وآلام وشقاء وفرح جميع الناس، وهذا يتطلب حضوراً قوياً وفعالاً بينهم، ويجب أن يكون رائداً في هدايتهم نحو السلامة والسعادة، حتى وإن تعرض للأذى والإيذاء.
إذا استطاع العالم الديني أن يكون نور هداية للناس حتى وهو في ظلمة الانفراد، فلا يجب أن يخاف من ذلك. معنى محبة الناس هو هذا بالذات. عندما كان يسألونني: “يا حاج آقا، لماذا جيوبك كبيرة؟” أجبت: “جيوبك تستوعب نصيبك فقط، أما نحن فخصصنا جيوبنا أيضاً للآخرين، ونملأها بفرحهم وأحزانهم وأوجاعهم.” كل ما لدينا هو للناس. هذا هو مبدئي. وإذا كان لدي القدرة، كنت سأعاقب لصوص الشرف الذين يسرقون جيوب الناس، اللصوص الذين المليارات لديهم تعتبر عملة خردة.
أيها الإنسان! انظر إلى العلم والمعرفة، إلى التقوى والعبادة والكتب وغيرها، لماذا تركت الكمالات وذهبت وراء المال والدنيا، وراء الجشع الملياري الذي لا يشبع، مع ظلم الفقراء والمساكين؟ في هذا العالم المادي، ما هو أطيب وأصفى من العلم والمعرفة الدينية؟ انظر إلى الإيمان، وتأمل المعرفة، واستكشف المحبة، محبة الله، ومحبة الناس، ومحبة دين الله. ما هو أثمن من هذه الأمور لنذهب وراءه؟
لقد خبرت هذا عملياً ورأيت أن كل عالم ديني يخرج من الحوزة العلمية ويتوقف عن الدراسة والتعليم، إما لأنه راسب أو ضعيف علمياً، أو ليس لديه القدرة على ذلك، أو يعاني من فقر أو ضيق مادي، أو لأن الطمع قد سيطر على نفسه، فيلجأ إلى التجارة لتلبية حاجاته. ولم ألتق بعالم يمتلك موهبة وقوة عقلية عالية ويحب الدراسة والمعرفة، ثم يترك الحوزة ليتحول إلى تاجر أو سلطان المال. مثل هذا العالم لا يبيع نفسه لأحد، لأن العلم والعالمية تجلب العظمة والسمو والهيبة، ومن يبيع نفسه هو من يعاني من حقارة النفس وضعف الروح.
إذا لم يستطع الطالب أن يحيي نفسه بالعلم والمعرفة، وأخذ طابع التاجر، فإما أن فكره مهدد أو تشتت ذهنه، أو وقع في مشاكل الدنيا، أو فقد الحماس، أو أصيبت روحه وجنبه بالجراح، أو لأي سبب آخر ترك طلب العلم واتجه إلى التجارة، وأصبح من زمرة “الأخونديين” – وهو مصطلح خاص بي يشير إلى الراسبين في طلب العلم. فالطالب طالما هو طالب، لا يصبح أخونديًا.
رحم الله الإمام الراحل، حينما كان يريد أن يتحدث عن نفسه، لم يذكر قيادة أو مناصب أخرى، بل كان يقول: “أنا مجرد طالب.” هذه ليست تواضعاً بل حقيقة.
فكما أن الطالب الحقيقي لا يمكن أن يتخلى عن طلب العلم بسهولة، فإن العالم الديني يجب أن يكون دائماً في حالة تعلّم ونمو مستمر، ولا يترك هذه المسيرة مهما كانت الظروف. العالم الذي يترك طلب العلم ويتحول إلى تجارة أو أعمال دنيوية هو عالم قد فقد هدفه الأساسي، وهو خدمة الدين والمجتمع من خلال العلم والمعرفة.
إن العلم الحقيقي هو الذي يربط الإنسان بالله وبالناس، ويجعله قدوة في السلوك والأخلاق، وقدوة في تحمل المشاق والصعاب. لذلك فإن وجود العالم الديني بين الناس يعني وجود قوة روحية وعقلية تحمي المجتمع من الفساد والانحراف.
إن مسؤولية العالم الديني لا تقتصر على التعليم فقط، بل تشمل أيضاً الحضور الدائم مع الناس، والاستماع إلى مشاكلهم، ومساعدتهم في مواجهة صعوبات الحياة، بل والقيام بدور الوسيط بينهم وبين السلطة إذا لزم الأمر، لضمان تحقيق العدل والكرامة للجميع.
وفي الختام، أؤكد أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل والتضحية، وأن العالم الحقيقي هو من يكرس حياته لخدمة الناس، ويحافظ على توازنه بين المعرفة والرحمة، بين العقل والقلب، وبين الدين والدنيا.
على أية حال، نحن نعيش في فضاءٍ يعتدي فيه مثل هؤلاء الأشخاص علينا بأقصى درجات القسوة والغدر. وبالمناسبة، موضوع التحريف ليس من العلوم الغيبية، بل هو من الأمور التي تقبل البحث العلمي المنهجي. ولكن التحريف كان ذريعة فقط، فهم أنفسهم قالوا إن فلاناً بزعم أنه “آية الله العظمى” قد اقتحم فوق رؤوسنا وكسر هيبتنا. مع أنني لا أقبل مثل هذه المرجعيات على الإطلاق ولا أدعيها، وليس لدي الوقت لذلك، بل أنا فقط نشرت الكتب التي كنت أملكها. أعمل يومياً عشرين ساعة في البحث والتدريس والكتابة، وحتى أيام الخميس والجمعة كنت أدرس، ولست ممن ينشغلون بلعب ألعاب المرجعية. للأسف، الدين والمرجعية قد وقعوا في قبضة مشايخ “آمون” و”ابن زبيريّات” العصر؛ ابن زبيريين يفتعلون الخلافات من أجل بقائهم، ولا يبالون حتى بإحراق بيت الله بسبب نزاعاتهم، وذلك في زمن إذا لمست أي شخص فقد تبلل. في هذا الجو، أحياناً أتعجب كيف بقيت على قيد الحياة حتى الآن رغم كل التهديدات والمخاطر؛ كأن هناك أموراً أخرى غير هذه الظواهر الظاهرة. على أي حال، النظام القائم حالياً غارق في اليأس والإنكار الكامل، وشلّ المجتمع والمنطقة والتاريخ، وجعل الدين مذموماً بسوء فهمهم، ولم يترك لنا سوى قدرة محدودة جداً. في هذا الكم الهائل من المشكلات، كتبت بمفردي ثمانمئة كتاب. ولو لم تتورط معي هذه المافيا من القوة والمال، لكنت كتبت ألفي مجلد. للأسف، لا حل إلا هذا، ونحن نعيش في “معمولآباد” بألف مشكلة، مشاكل تتعب النفس، لكن المهم أن يكون بإمكاننا غداً إذا سئلنا أن نقول: هذا هو أقصى ما كان بوسعنا فعله.
الفصل الثامن:
الأساتذة المعلمون
الحضور الغائب
الله تعالى حاضر غائب، أي ليس كمثله شيء ولا يصل إليه مخلوق. وهو حاضر بمعنى الحق المستمر في كل مكان. في كتابي “الحضور الحاضر والغائب” أشرت إلى أسماء وأخلاق وخصائص أساتذتي قليلاً، لكني لم أذكر أسمائهم بل أشرت إلى ألقابهم فقط. الواقع أنني عرضت نماذج، مثلاً أن هذا الأستاذ له هذه الصفة وهذا له تلك الخاصية، ولكنني لم أذكر أسمائهم لأن بعضهم كانوا من الناحية المالية فقراء وضعفاء، وكان الفقر يغطي كمالاتهم؛ وهم بذلك كانوا أرفع مقاماً من كثير من العارفين المعروفين بل والأغنياء. كنت أكره ذكر الأسماء والعناوين، ولا أحب أن يكرر الإنسان أسماء الناس دائماً. في كتاباتي قلّما أذكر أسماء أحد، وما ذكرته كان في سياق مناقشة ونقد نظريات علمية. مجرد تقديم الفكرة والمضمون يكفي، ولا فائدة من ذكر أسماء الأشخاص. القضية الأساسية هي الحضور والغيب. في كتاب “الحضور الحاضر والغائب” تحدثت عن أساتذتي الذين أحببتهم واستفدت منهم علمياً وأخلاقياً، وسردت حكايتي منذ أيام طلب العلم الأولى، وكل مكان وطأت قدميه، وكل مجلس حاضرته، لكن الأشخاص المعرّفون لا يحملون سجلات، فالتعريف لا يتوقف على الاسم والعنوان. هذا الشخص حاضر، ولكن اسمه غائب. هذا الشخص بلا اسم، ولكنه حاضر.
(يتبع…)
في الواقع، الأساتذة الذين تعلمت منهم هم بمثابة الحضور الغائب في حياتي، فهم موجودون ولكنهم لا يظهرون بأسمائهم ولا بأشكالهم، بل بحضورهم الروحي والعلمي الذي لا ينكره إلا جاحد. لذلك، لا يعنيني ذكر الأسماء، وإنما يهمني أن ينقل هذا الحضور والتأثير العلمي والأخلاقي الذي تركوه في نفوس طلبتهم.
العديد من هؤلاء الأساتذة كانوا يعيشون في ظروف صعبة، لكنهم من حيث المعرفة والقيم كانوا أرفع وأسمى من الكثير من أصحاب المناصب الرسمية والمال. كنت أرفض أن أجعل من ذكر الأسماء مسألة تباهٍ أو شهرة، لأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى ذلك. ولقد وجدت أن التركيز على المحتوى العلمي والروحي هو الأساس، وليس الهوية الظاهرة.
في مجمل حياتي العلمية، حاولت أن أستلهم من تجارب هؤلاء الأساتذة، وأن أرتقي إلى مستواهم، حتى في وسط مجتمع يشهد انحداراً وتدهوراً أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً. فقد كان من واجبي أن أبذل جهدي في البحث والتعليم، رغم كل الصعوبات والمحن، لكي أكون جزءاً من هذا الحضور العلمي الغائب، الذي يمثل روح العلم وأصالته.
إن هذا الحضور لا يمكن أن يُحصى بالأسماء، بل يُقاس بالعلم الذي يُنقل، والقيم التي تُزرع، والتأثير الذي يبقى حياً في أذهان وقلوب الأجيال القادمة.
في النهاية، تبقى مسألة الحضور الغائب مسألة جوهرية في العلوم الإسلامية والإنسانية؛ فالعلماء الحقيقيون، مهما غابوا عن الأنظار، يظل حضورهم معيشاً في عقول وقلوب طلبتهم، وهم الشعلة التي تستمر في إضاءة طريق البحث والتطوير.
إن الاحتفاظ بهذا الحضور العلمي الغائب يتطلب منا جهدًا مستمرًا في التعلم والتدريب، فضلاً عن الحفاظ على القيم الأخلاقية العالية التي اتسم بها أساتذتنا. فلا يكفي أن نقتصر على التلقي السلبي للمعرفة، بل يجب علينا أن نساهم في إنتاج المعرفة وتطويرها بما يخدم المجتمع والإنسانية جمعاء.
إن عملية نقل المعرفة لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل تشمل أيضًا الإرشاد الروحي والتوجيه الفكري، وهو ما جعل من أساتذتنا قدوة يحتذى بها. ومن هنا، تبرز أهمية التواضع والاعتراف بأننا مجرد حلقة في سلسلة طويلة من العلماء الذين بذلوا حياتهم لخدمة العلم.
كما أن هذا الحضور الغائب يعكس عمق التأثير الذي يمكن أن يتركه الإنسان في غير حضور مادي أو معنوي مباشر. فعلى الرغم من التحديات العديدة التي تواجهها المؤسسات التعليمية والبحثية، يبقى للعلماء الحقيقيين دور محوري في إحياء التراث العلمي وتنشيط الحركة الفكرية.
وبهذا المعنى، ينبغي علينا أن نعتبر أنفسنا أوصياء على هذا الإرث العظيم، وأن نعمل على نقله بأمانة وصدق للأجيال القادمة، حتى تستمر مسيرة العلم والتقدم بلا انقطاع.
في الختام، يمكن القول إن العلم لا يُقاس بالأسماء فقط، بل بالروح التي يُعاش بها وبالتأثير الذي يُحدثه في النفوس والعقول. ولذلك، فإن ذكر الأسماء ليس هو الغاية، بل هو استذكار للحضور الحقيقي الذي يتجلى في أثرهم المستمر في مسيرة العلم.
النقد بشأن بعض مظاهر العمل الديني وإدارة الأموال الشرعية
إنّ من المظاهر القبيحة التي لا تليق بعلماء الدين، تَولّي الإمامة أو الرئاسة في قوافل الحج أو أن يكون المرء مسؤولاً روحانياً عن هذه القوافل. وأوصي بدل ذلك، أن يزور العلماء المرضى والمحتاجين، وأن تُنفق أموالهم على هؤلاء الذين يتواجدون في المستشفيات أو السجون أو غيرها من الأماكن المشابهة. كما يجب أن تُصرف الأموال الشرعية في سبيل حل مشاكل الناس، مثل قضايا السجناء والشباب والطلاب والمرضى والفقراء، إذ إنّ جزءاً من هذه الأموال يعود إلى المساكين والمحتاجين. ويجب على الدولة أن تطلب من الحوزات العلمية هذا التوجّه.
وأعتقد أن جزءاً من الأموال الشرعية لا يُنفق حتى على دعم طلبة الحوزات العلمية. وإن كان العلماء قد أنشأوا مساجد ومدارس ومستشفيات، فهذا أمر محمود ونشكرهم عليه، إلا أنّ هذه المشاريع لا توازي حجم الأموال التي تُجمع. فالأموال تُدفع من قبل الناس، لكنّ الأداء الفعلي في إدارة هذه الأموال يشبه البئر الهابط أو الزراعة القديمة حيث يسير الماء في الأرض ويختفي في طبقاتها السبع. أي أنَّ الأموال تذهب في مسارات غير واضحة ولا تُستخدم لحاجات فعلية ملحّة.
لو علم الناس أنَّ الأموال الشرعية التي يدفعونها تُنفق حقاً على الفقراء والمحتاجين أو في بناء المستشفيات والمدارس، لتغيرت نظرتهم وسلوكهم حتماً. أما أنا شخصياً، فلا أعلم كيف تُصرف هذه الأموال، وهذا يتطلب إنشاء بنك جامع ومشترك لإدارة الأموال الشرعية مع وضع رموز تتبع حتى يُعرف كل مبلغ أين يُنفق.
حتى في أوقات الانتخابات، لا يمكن معرفة كيفية إنفاق هذه الأموال، وقد يُساء تفسير الإنفاق على أنه بهدف جمع الأصوات، وهذا الأمر غير لائق ولا يليق بشخصية الإنسان. في أوروبا، يُنشئ البعض جمعيات أهلية ويجذبون الناس إليها، ويصوت الناس لها ويؤيدونها، إلا أن البعض يقلد هذه التصرفات بطريقة غير مناسبة.
نحن واقعيون، نرى نصف الكأس الفارغ ونقدّر نصفه الممتلئ، ونعي حقيقة الأمور بوضوح. ويُضاف إلى ذلك بُعد إيماني وديني يحتاج إلى تدبر.
إنّ العلماء يوم القيامة يُحاسبون ويُستدعون، ويُقال لهم: “اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء: 14).
فالكاتب يجب أن يكون كالسمكة التي تسبح في بحر الناس، حاضراً بينهم بقلب صافٍ، ويعمل على تلبية حاجاتهم بروح إيمانية.
الشعب لدينا طيب الإيمان، ولو كانوا يعانون من قلة الطعام، يشاركون ما لديهم مع الآخرين. من الناس العاديين إلى أهل المساجد والتجار والمعلمين، الجميع يفيض بالكرم. نحن لا نكتشف هذا اليوم، بل عرفناهم منذ القدم.
لكن إذا كان بعض العلماء ضعيف الأداء، فإنّ الناس قد يشكّون فيهم ويرونهم أنانيين، لذا يجب التمييز بين العلماء الحقيقيين والأشخاص الذين لا يستحقون هذا اللقب.
يجب أن نكون صادقين مع شعبنا الطيب، وأن نفكر فيهم بصفاء ونخطط لهم أموراً صحيحة، وأن نشاركهم ما نملك، من أموال علم ومعرفة.
المجتمع يهتم بعلمه ودينه، لكن المشكلات هي التي تحاصره.
إذا أراد طالب العلم أن يُحشر يوم القيامة كعالم دين، فعليه أن يربّي في نفسه هذه الصفات، وإلا فمصيره يكون وخيماً، ودرس العلوم وأموال الناس تكون سبب عذابه.
في طهران القديمة، في وقت العصر، كان الباعة المتجولون يتجولون في الأزقة ويبيعون الأطعمة والوجبات مثل شراب العسل أو شراب الحليب الممزوج. مقابل قرش أو عشرة شواكل، كانوا يعطون على سبيل المثال طبقًا من شراب الحليب. رأيت طفلًا صائمًا يحمل كأسًا ويأكل منه. حين سألتُه عن السبب، قال إن الآخرين لا يلاحظون ذلك. لقد تعلمنا من هؤلاء الناس الحيل والخدع. فكرت مع نفسي: هل يمكن أن يكون الإنسان صائمًا وفي نفس الوقت يأكل؟ وكان هذا الأمر غريبًا بالنسبة لي. أدركت أنه يمكن للإنسان أن يكون صائمًا ويأكل في آن واحد، كمن يحصل على سماور كمكافأة ويبقى صائمًا في نفس الوقت. مثل هذا التعامل مع الأمور لا يحل مشاكلنا. الثروات والموارد الوطنية ملك للجميع، وليست ملكًا لشخص معين. علينا فقط أن نشارك في إنتاج واستخراج واستخدام موارد البلاد. الأرباح والفوائد من هذه الموارد هي من نصيب الشعب. يجب على الناس أن يستفيدوا تمامًا من الموارد الوطنية ثم يتيحوا استخدامها للعالم، ولا يهم من يملك هذه الثروات بشكل خاص. مثلًا، هل مدرسة فيضية ملك المرحوم فيض كاشاني أم المرحوم ميرداماد؟ مدرسة فيضية ليست ملك أحد معين. يدرس فيها الطلبة ويستفيدون منها، وهذا أمر جيد.
التشبيه بين الدين المزين و”أقا سيد”
أنا أقول كلامي، وأعلم أن لا أحد يستمع لي. لقد قلت مرارًا إن معجزتي هي أن لا أحد عادةً يقبل كلامي أو يستمع إليه. أعتبر هذا وضعًا معجزيًا. كنت طفلًا وأعيش في مدينة طهران. أتذكر رجلاً من السادات يُلقب بـ”سيد الجشع”. كان قوي البنية وضخم الجسم. كان يرتدي بين سبعة وثمانية قمصان. كان يحمل عصا وحقيبة على كتفه تحتوي أمتعته. لم يكن لديه بيت أو مكان إقامة. لحيته وشعره كانا طويلين جدًا. كان يأكل طعامًا كثيرًا، بحجم قدر كبير. كان يدخل مجالس الأعراس والعزاء، وكان سبعة أو ثمانية رجال أقوياء يخرجونه من المجلس بحجة أن الطعام لن يكفي الحضور، وكانوا يعطونه بعض النقود. ربما تقول إن سيد كان يأكل وجبة واحدة كل أربع سنوات! نعم، كان يأكل مرة واحدة في الأسبوع، ولم يكن يهتم بنوع الطعام. كان يعرف في الأكل والصيام كعارف كامل. بعض الناس كانوا يقبلونه في مجالسهم ويعطونه طعامًا كاملاً. كنت أتابع هذا الشخص الغريب ومشكلاته. كان الشباب والمشاغبون يحاصرونه ويأخذونه سنويًا إلى الحمام العام. كان يستخدم المرحاض أقل ما يمكن ولم يهتم بنظافته الشخصية. رؤية هذا الإنسان كانت تعطي العلم والفهم!**
جذر العجز والإحباط الاجتماعي
في الماضي، كان رجلاً مسنًا يُدعى “أقا بالخير” يجلس في غرفة صغيرة في مدرسة فيضية بجانب البركة، وكان مسؤولًا عن النظافة الصحية حين لم يكن هناك ماء أنابيب. لا أتخيل عملًا أدنى من هذا في مدرسة فيضية. إذا جاء السيد وقال لي: “أنت تحبنا وتطيعنا وشيعي، فلا تحتاج لعمل شيء، اجلس مكان بالخير واغسل إبريق العلماء والطلبة”، فأنا لن أمانع. طاعتي للمرجع هي الأهم، سواء كنت فيلسوفًا أو فقيهًا أو عارفًا أو مجتهدًا. إذا جاء الإمام أو صاحب ولاية وأراد تنفيذ حكمه، كثيرون قد يعارضونه ويرفضونه، خصوصًا إذا كان ضررًا على مكانتهم أو لو كانوا معتادين على الزخارف الدينية. في الشيعة، الصدق والطاعة لله مهمة. لا أحد يطيع إلا الأئمة المعصومين طاعة مطلقة، وكل شيء يُقبل بالدليل. الدين الحالي المليء بالزخارف الخارجية الذي تروّج له الأجهزة الحاكمة، ابتعد كثيرًا عن جوهر الدين ونتج عنه مدرسة مريضة ومشوّهة. هذا الدين الزخرفي بعيد عن الطبيعة والفطرة والحق، ومن الصعب تطبيقه في المجتمع.**
الخلط بين الروحانية والقداسة العملية مع المعرفة النظرية
من الأمور التي اهتممت بها في كتبي هو معرفة الزخارف الدينية ومحاربتها. أعني بالزخارف كل البدع والتحريفات والخرافات والجهل والافتراضات غير العلمية التي تُنسَب إلى الدين بغير علم. أخطر الزخارف هي الزخارف الدينية التي تخفي جمال الدين تحت ثقلها وتجعل الدين مكروهًا لدى الناس الأصحاء. لقد قضيت أكثر من أربعين سنة أتعرف عليها وأكافحها. الدين المزخرف لا يُقبل في المجتمع العلمي ولا يملك مكانة اجتماعية أو قدرة تنفيذية. من يُصرّ على إدارة المجتمع بهذا الدين الزخرفي يخلق كراهية للدين باسم الدين ويؤذي الدين الحقيقي والأديان كلها.**
من يدرك قضايا علم النفس المتعلقة بالقاعدية النسائية، يستطيع بسهولة إقامة قرب وود مع مراجعه، وكسب ثقته؛ لأنه قادر على وصف طبيعته بدقة أكبر مما يعي هو نفسه، وتقديم فرضيات شخصية قبل أن يفصح هو عن المزيد.
في تلك الأوقات، كنت قد ذهبت إلى مدينة آبادان. كان هناك، في عهد النظام الاستبدادي، أماكن معروفة بالخمر والرقص. في منتصف الليل، بينما كنت أمر بجانب مكان ما، سمعت صوتاً يشبه صوت الصدور تُضرب في مواكب العزاء. كنت فضولياً لمعرفة ما يحدث هناك. اقتربت فرأيت مقهى يقيم حفلة ليلية، حيث كانوا يصفعون ظهور بعضهم البعض، لكن من الخارج كان المشهد يوحي بأنهم في مراسم عزاء، ولم يكن بالإمكان التفريق ما إذا كانوا يضربون صدورهم أو ظهورهم.
قبل عدة سنوات، زرت أيضاً دولة أذربيجان. في باكو، كان هناك كازينو مجهز جداً حيث يتم القمار بواسطة الحاسوب. أخبروهم أن القادم إلى القمار يجب أن يكون ماهراً وذكياً. استقبلوني باحترام بالغ. تحدثت معهم عن أنواع القمار وشرحت لهم ما تعلمته من أستاذي. كان للكازينو حراسة شخصية قوية جداً، عندما رأيت الحراس تذكرت الديناصورات. كانوا يتعاملون بقسوة مع المخادعين، ويعاملونهم بطريقة عنيفة لا تشبه إلا سحق العصافير. لم أر شيئاً كهذا في كازينوهات إيران أيام النظام السابق. كان للكازينو قبو يستخدمون فيه معاقبة المخادعين، وكان يُعرف بـ”مذبح القمار”. هذه هي طبيعة القمار، وإلا فإن الخاسرين لن يدفعوا الثمن أو ستكثر عمليات الغش. القبو كان يطبق قوانين صارمة وحديثة.
في السابق، عندما كان القمار شائعاً، كنت أرى اللاعبين وأسلوب لعبهم عن قرب، بل تعلمت ذلك بنصيحة من أستاذي الروحي. أولئك الذين كانوا يتلاعبون بالقطع، كانوا محترفين وأساتذة. بعضهم يصل إلى درجة لا يتجرأ أحد على اللعب ضده، وكان يفرض عليهم رسوم “حق حساب”. شاهدت هذا بنفسي، ولم يكن مجرد حكايات. كان اللاعب يرمي القطعة على سطح المبنى بطريقة خاصة، بحيث يستطيع التنبؤ بالنتائج بحساب بسيط. كان هناك تصنيفات للّاعبين، حيث “ليلاج” كان الأعلى رتبة، لا يخسر أبداً ويأخذ الرسوم من الآخرين ليمنعهم من اللعب، و”تلكهگير” كان أدنى منه، وقد يكون خاسراً. القمار لعبة تخصصية، مثل علم الجفر والغيبيات التي لم يعد لها أثر اليوم، لأن المختصين فيها رحلوا ولم يخلفهم أحد ليحافظ على هذه العلوم أو ينشرها.
ذكرت لعبة القمار لأوضح أن الله سبحانه وتعالى يَعلَم مسبقاً كيف ستكون الأمور، كما لو أنه يوزع القطع في لعبة القمار: كبيرة وصغيرة، هنا وهناك، وكأنه يستمتع بهذا الخلق. ربما لا يفهم من لم ير “ليلاج” ما أعنيه، لكن المثال لا يحتمل الجدل أو السخط.
أستاذي الأذري اللغوي!
كنت صغير السن وأردت دراسة كتاب «المقدمات». كان أستاذي أذري اللغة، وهو شخص نبيل ذو استقصاء وجودي قوي، مثل بقية الأتراك والأذريين. كنت في نهاية كل حصة أطلب منه أن يدرس الدرس التالي أيضاً. كان يضحك ويقول لي: “أنت مستعجل على التعلم، لهذا لن تصير طالب علم حقيقي، بل ستبرد سريرتك بسرعة وتفقد الرغبة.” رحم الله ذلك الرجل! هؤلاء كانوا بالفعل طلبة علم وعلماء حقيقيين. الذين لم يكونوا من رجال الدين في الحوزة العلمية كانوا يمدون أيديهم لانتزاع الأشخاص الخاصين والموهوبين وجذبهم إليهم. كانوا يلاحظون جيداً أن طالب العلم هذا مختلف عن الآخرين، وهذا كان أمراً واضحاً وجلياً. كانوا وكأنهم يعلمون الغيب، ولا يخطئون في تقييم طلبة العلم، وكانوا موكلين بمهمة إرشادهم، رحمهم الله جميعاً.
في إحدى الجلسات، شاركت في حلقة دراسية لبعض ما يسمى بـ «التصوف». كانوا قد جعلوا أجواء الغرفة مظلمة. هؤلاء العارفون كانوا غريبين جداً، وكنت أضحك كثيراً مما حاولوا تعليمي وإيقاظ بصيرة قلبي، لكني لم أستطع كبح ضحكي. لم ينتبهوا إلى ضحكي، ومع ذلك كانوا أشخاصاً طيبين وصادقين. أما الذين لم يكن لديهم صدق، فلم أكن أتابع أمورهم ولا أعرفهم جيداً. الفرق بين المجموعتين كان واضحاً جداً.
عارف متقن للعبودية
كنت صغيراً حين كان لدي أستاذ عارف كبير. كان يقف في وسط المدرسة ليصلي، وكان الناس يمرون من حوله. كنت أنظر إليه بإعجاب. سألت عن سبب نظري إليه، فقلت: “أشاهد كل ما يجذب انتباهي.” كنت طفلاً محباً للمراقبة والتأمل، لكن عيوني الآن ضعيفة. قال لي أحدهم: “ذلك العارف لا يرى أحداً، ولا يصلي للرياء، ولا ينتبه إلى الناس من حوله.” كانت تلك كلمات مدح عالية لذلك العارف، فهو لم يكن يعبد إلا الله، ولذلك لا مكان للرياء لديه. الرياء عادة مقيتة للناس الذين يفرحون حتى بنظرة طفل لهم، ويمارسون عرض أنفسهم أمام الآخرين. إذا توقف الكبار عن مراقبة الأطفال، يتوقف الأطفال بدورهم عن التصرفات الدرامية. الرياء فعل طفولي وسلوك مزيف، وهو من الرذائل التي تترك آثاراً سيئة في النفس. الحقيقة أن الإنسان الذي لا يصلي أو يعمل خيراً أفضل من العابد المرائي في النوافل.
الآية الكريمة:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
تشير إلى مقام رفيع في التصوف، فلا يوجد مقام أعلى في الدين من الذي يرتقي إلى هذه الدرجة الروحية.
عالم شبيه بسقراط وغني بالعلم
عرفت عالماً كان في العلم مثل سقراط. رحمه الله، كان رجلاً عظيماً وفقيهاً لا مثيل له في إيران. بعض العلماء كانوا يصيرون آيات الله بالجدل والضجيج، وكان اسمهم يتردد، لكنهم بلا قيمة حقيقية. أما هؤلاء العلماء فكانوا متينين في العلم والشخصية، وغير مهتمين بالشهرة. طلبت من ذلك العالم أن يدرس لي كتاب «المطول»، كنت قد قرأته ودرسته، لكني أردت أن أتعلمه منه. أجابني بأنه يحبني كثيراً، وإذا قضى عمره في تعليمي لن يكون ضائعاً، لكنه نصحني أن أدرس دائماً عند أستاذ يحب المادة التي يدرسها، وهو لا يحب تدريس «المطول». نصحني بعدم المبالغة في الدراسة. ثم طلب مني أن نذهب للتنزه في الصحراء، وتحدث لي عن أمور كثيرة من جوانب مختلفة. أدركت أن مكانته العلمية والمعرفية أعلى بكثير من تدريس كتاب مطول، وأنه كان يحب الناس ويريد أن يهديهم، وكان مربياً قبل أن يكون أستاذاً.
ذكر لي أن قراءة «المطول» قد تثير أمراضاً نفسية بسبب مواده الصعبة، ويجب مصاحبته بقراءة القرآن المستمرة ليكون مضاداً حيوياً يزيل هذه الآثار. هذا العلم يجب أن يُتعلم، و«المطول» كتاب علمي صعب لا يقدر عليه كثير من الأساتذة، لكنه يحتاج إلى تصحيح وتحليل للأخطاء. النفس البشرية تواجه تحديات من المشاهدات، الشم، الأكل، والكلام، مما قد يخل بتوازنها الطبيعي ويجعلها تارة تميل إلى الانزواء وتارة إلى الاندماج الاجتماعي، وقد تصاب بالحزن أو الغيرة أو الفرح. النفس في هذا العالم أشبه بالمحارب الذي يحتاج إلى درع يحميه، ومن أهم هذه الدروع هي الأذكار الربوبية والاستعاذات.
تدريس الدروس الحوزويّة
كنتُ منذ صغري حساسًا على ضرورة أن يكون للطالب النظام الفنيّ الدراسيّ ليتمكّن من أن يكون عمليًّا ومؤثّرًا. ومنذ ذلك الحين، كنت أُدرّس كل درس أدرسه لنفسي ولطلّاب آخرين يشاركوني في ذات الدرس. على سبيل المثال، حين كنت أدرس «اللمعة»، كنت أُدرّسها أيضًا لمجموعة من الطلّاب الذين كانوا يحضرون ذات الدرس. وكانوا يقولون إنّهم يفهمون معي الدرس أكثر ممّا يفهمونه مع الأستاذ الآخر. فعندما يضع العقل ذاته في ميدان البحث والتدريس، يجد نفسه ويفهم الأمور بعمق أكبر.
حين كنت أُدرّس كتاب «السوطي»، كنّا نقرأ في الصفحات الخمسين الأولى بوتيرة بطيئة جدًا، ربما سطر أو سطرين يوميًا، لكن بعد أن تعلّم الطلاب الأدب العربي، ازداد سرعة الدرس. وفي درس «الكفاية» كنت أُحلّل وأنتقد سطرًا واحدًا يوميًا. كما كنت صارمًا جدًّا في حضور الطلّاب في الوقت المحدّد، حيث كنت أقول إنّ الباب يُغلق تمامًا عند الساعة الحادية عشرة، وإذا وجد أحدهم خلف الباب، فلا يُفتح له أبدًا.
«الكفاية» كتاب صعب ومعقّد للغاية، وهو ليس مثل القرآن الكريم الذي يتميّز بسهولة وعمق في آنٍ واحد، بل هو كتابٌ ممنوع ومعقّد يستوجب الصرامة والجدّية في تدريسه. واليوم، إذا أراد أحد أن يثبت اجتهاده، لا بدّ له أن يدرس «الكفاية» و«اللمعة»، وإن كان أديبًا، فيجب عليه إتقان كتاب «السوطي». والحمد لله، فقد بدأت مؤخرًا قراءة وتدريس بعض الكتب مثل «فصوص الحكم» لمحیی الدين.
أنا لا أؤمن بأن على الطالب أن يقرأ كثيرًا أو يلتقي بأساتذة متعدّدين؛ فطلب العلم يجب أن يجعل العقل مولّدًا ونابعًا جوّانًا داخليًّا، وإلّا فإنّ السعي لحفظ المعلومات يُضعف الذهن ويجعله هشًّا، ويحرمه القدرة على العمل والتطبيق، ويدفعه إلى الكلام الفارغ وغير العلميّ.
قال لي أحد الطلّاب مازحًا: «الله عادل؛ أعطانا الكلام وترك العمل للآخرين».
وأكبر عيب في نظام التعليم الحوزويّ هو أنّه لا يجعل الطالب مصممًا أو عمليًا، بل ينتظر أن يأتيه شخص ويقول له ماذا يفعل. قال القدماء: «إذا ضرب الماء في المدقة كان خيرًا من البطالة»، وعلى هذا النحو:
يا صديق، هذا الاضطراب السعي بلا جدوى خير من الخمول
لقد قضيت أكثر من خمسة وأربعين عامًا في التدريس في الحوزة العلمية في قم. وخلال هذه السنوات، درست بما يعادل مئتي سنة دراسية، لأنني لم أقم بأي عمل آخر سوى البحث والتدريس والكتابة. وبثقة أستطيع القول إنه لم يكرّس أحد مثل جهدي ووقتي وفكري وعنايته في التدريس بالحوزة.
في كل هذه السنوات، تعرّضنا أنا ومن معي من أصحاب الفكر لحملات من جانب أصحاب السلطة في قم، وهم من المظهرية الذين هاجمونا بشدّة لدرجة أنّ بعضهم تعب وأحيانًا ندم على مواجهتنا بسبب تبعات ذلك.
أنا مؤمن بالصلح التام، ولا أزعل من الأذى الشخصي حتى وإن كان المنفّذ أشبه بشمر، بل أحبّ كل من يكرهني، فهم جميعًا عباد الله وأقرب الناس إليّ، وإلّا لما كانوا يعيشون على رزقي. لكن هذا لا يعني أن الحكومة، التي يعتقد المظهرية أنها مسؤولة عن تهيئة الطريق إلى الجنة، ليس عليها مسؤولية في تأمين دروسنا، ولكنها لم تستطع توفير الأمن لنا، بل كانت هي من خلق الانتهاكات والمضايقات لنا.
من المشاكل الكبرى في الحوزات هو كثرة الإجازات والتعطيلات، فدرس يتوقف كثيرًا لا ينفع ولا يثمر. أنا كنت أدرس في كل أيام السنة، سواء في الأعياد أو الأيام العادية، في الشتاء أو الصيف، ولم أترك الخميس أو الجمعة عطلة، رغم أن هواء قم جاف وحار ومرهق.
حتى في فصل الصيف، بينما كنت أدرس في فيضية، كنت أبقى هناك وأغتسل في حوض فيضية ليتخفف عني عناء العمل والحرارة. وكان خادم فيضية، وهو شخص قوي من زابل، يشهد لي أمام الطلّاب بأنني أعمل عشرين ساعة في اليوم، ويسألهم ماذا يفعلون هم؟
تحت سماء قم، كانت دروسي الخارجيّة الوحيدة التي تستمر سنوات طويلة بحضور كثيف وبدون أجر، فقد كرّست حياتي للحاضرين ولم يكن المال هاجسي. طوال عمري، لم أكن مهتمًا بالمال ولم أستخدم دراستي أو بحثي من أجل مصلحة مالية، وكان بعض الطلّاب يحاولون إغرائي بالمال، لكنني رفضت ذلك تمامًا.
أحد الطلّاب ذهب بمحض إرادته للتبليغ في جامعة أصفهان خلال رمضان، ولم يكن ممثلًا لنا، وكان هناك آخوند آخر يمثل بعض الدوائر وكان ينصح الطلاب بكتبهم. هذا الطالب قدّم أفكارنا ورؤانا وحظي بتأييد كبير، بينما ذلك الآخر فشل في مهمته. وعندما قال الآخر إنه يعمل من أجل مصلحته الشخصية، ردّ الطالب بأنّه يثق بي.
قلت لهذا الطالب: لو أني دفعت لك مالًا لقلت إنني مثل الآخرين، لكن لأن دراستنا وأبحاثنا بلا أجر، بقيتم أنقياء.
إنّ الدنيا فيها تخريب طبيعي، وإذا استحوذت الطبقة الحاكمة على السلطة والمال، فإنها تدمر نفسها بنفسها.
كانت الجهات المانعة تحاول ربطنا بالمال وتظنّ أن حماستنا مبنية على أجور، لكنها لا تعلم أننا مستقلون لا نتقاضى مالًا وأن إيماننا لا يرتبط بالدنيا.
دروسنا رغم كل العوائق والتهديدات قد استقطبت طلبة فاضلين وثوريين وواعين، ولا تمتّ بصلة إلى الدعاية أو الصخب، وكانوا دائمًا يُخيفون الطلبة من الحضور إلى دروسنا، ويتواصلون مع البعض لمنعهم حتى من المشاركة في الامتحانات شفهيًا، التي كنت أعتبرها غير شرعية.
مع كل ذلك، كانت الدروس تزداد حضورًا، حتى اكتظّ مدرس الإمام الكبير، واضطر بعض الطلبة إلى الجلوس عند المدخل لسماع الدرس.
وأخيرًا، وبسبب تهديدات الخصوم، أُجبرنا على تعطيل الدروس في 11 من شهر دي، وهو نفس اليوم الذي أرسل فيه الإمام الخميني رسالته التاريخية إلى غورباتشوف.
لقد درست في حوزة قم أكثر من أربعين عامًا، وكنت في شبابي غير معمم، حتى طلب مني محمد يزدي التعميم كي أكون أكثر قبولًا بين الطلبة.
في السنوات الأخيرة، رأيت أن معظم الطلبة أصغر مني، وكنت أخشى أن أكون كالشمس على السطح التي تشرق لكن قريبًا تختفي.
كنت دائمًا أعتبر التدريس واجبًا مقدسًا فوق كل شيء، ورفضت الذهاب إلى أي مناسبة مهما كانت أهميتها إن كانت تتعارض مع دروسي.
وأخيرًا، أؤمن بأن علينا إتمام العمل ولا نكتفي بالبدء فقط، فالكثير من الناس يبدأون مشاريع ولا يكملونها، وهذا ما يضيع الوقت والجهد.
الطالب في الحوزة قسمان: طالب حقيقي يدرس ثم يُدرّس، وآخر يدرس ليصبح آخوندًا يلقى خطبًا ويأخذ أموالًا، وهذا الأخير ليس هو الغرض الحقيقي من التعليم الحوزوي.
على كل حال، الكلام والأقوال تؤثر في فكر الإنسان ونفسيته. لقد علّقتُ هذه الجملة المنقوشة على لوحة في مكان عملي. وفي يومٍ جاء عامل شابٌ لإجراء بعض الإصلاحات في منزلنا. لم نكن نعرفه ولم يكن يعرفنا. قال لي هذا العامل: لقد جئت إلى منزلكم منذ سنوات لإجراء إصلاحات، وقرأت نصوص هذه اللوحة، وقمت بتركيب مثلها في منزلي. أنا أقرأ النص وأجعله نصب عيني، وأعيش حياتي على أساس هذه التوصيات. أفكر وأخطط ثم أعمل، وأضع في اعتباري إتمام العمل بشكل جيد وكامل.
أحد الأمور التي بدأناها ولكنها توقفت نصف تمام عن غير قصد كان موضوع علم الشيطان. كنا نقيم دروسًا بعنوان “معرفة الشيطان، الجن والملائكة” حيث نناقش بحذر وبهدوء قضايا الجن والملائكة الإلهية والمسائل المتعلقة بها. لكن بعد حوالي شهرين أو ثلاثة توقفت هذه الدروس. كنا نريد مناقشة مفصلة وواسعة عن الملائكة، إبليس، الجن والإنسان، والتي كانت ستستغرق عدة سنوات. لو استمر هذا الدرس حتى نهايته، لكان قد حُلّت كثير من المشكلات المتعلقة بالسحر والشعوذة والجن وما إلى ذلك. أما الآن، تُكتب كتب في هذه المجالات تحمل محتوىً لا أساس له، وللأسف كثير منها هراء وعبث كما يقول الناس. لو سمحوا لنا، لكنا نقدنا هذه الكتب وأصلحنا الأخطاء، وقدمنا تحليلاً ونقدًا للثقافة المعاصرة في هذا المجال، كما فعلنا في نقاش الموسيقى. لكن للأسف، هذا الدرس كان من الدروس التي توقفت عن غير قصد قبل أن تكتمل.
لقد قضينا حياتنا في معارف الأولياء النورانيين والمباركين، حضرات المعصومين عليهم السلام. وفي الروايات تأكيدٌ على إتمام وإنهاء العمل. فقد ورد في الروايات أن المؤمن حين يريد الخروج من المنزل يجب أن يكون واضحًا ومتيقنًا أنه قد أتمّ عمله، وأنه فعلاً خرج من المنزل وأكمل ما عليه. المؤمن حين يخرج من المنزل، بشرط ألا يعود، يقوم بعمله على هذا الأساس. أي يخرج من المنزل على فرض أنه لن يعود إليه. هذا الكلام يعني: يا مؤمن! أتمّم جميع أعمالك كاملة ولا تترك شيئًا ناقصًا. مثلاً، إن كان لديك وصية في بالك، فلتنفذها، وإن كان عليك دين فادفعه! نحن نعترض أحيانًا لماذا نفترض أننا لن نعود إلى المنزل؟ نحن نخرج ومن المؤكد أننا سنعود.
بناءً على هذا الفكر، منذ الطفولة، حين يبدأ لي أمرٌ أو عملٌ، كنت أبحث دائمًا عن نهايته، حتى أتمكن من تصور صحيح لإتمامه وكماله. هذا البحث عن نهاية كل عمل كان ملازمًا لي منذ الصغر. على سبيل المثال، عندما بدأت دراسة كتاب “المقدمات” في بداية مرحلة طلب العلم، رغبت في معرفة نهاية هذه المسيرة. كنت أسأل العلماء: ما هي نهاية هذه الدروس؟ كانوا يجيبون بأن بعد هذا الكتاب يدرس كتاب آخر وهكذا حتى النهاية. قال لي أحدهم: “يا صغيري! تجاوز هذه الأسئلة وادرس فقط.” لكن ما هو جوهر هذا العلم؟ أردت أن أعرف إلى أين تنتهي هذه الدروس؟ أتذكر رجلًا محترمًا نصحني بقراءة كتاب حوزوي معين، وعندما سألته عن ماهيته قال لي إنه مجرد أدب عربي. وأخبرني أن الكتب الحوزوية كلها في جوهرها أدب عربي، وأن الفارق فقط أن في الكتب المتقدمة يصبح الإنسان أكثر قوة في الأدب. وهذا في حين أن محتوى هذه الكتب لا يحتوي على أدب كما يفهم. وسألته عن الفرق بين هذه الكتب فقال إن الكتب اللاحقة تقوي الأدب العربي فقط.
مثال آخر أريد معرفة نهايته هو “الطريق المستقيم إلى الله”. في سورة الفاتحة يطلب الله منا أن نطلب منه أن يهدينا الصراط المستقيم، لكنه لا يذكر نهاية هذا الطريق. يقول: (اهدنا الصراط المستقيم) لكنه لا يقول: “اهدنا إلى دار السلام” أو إلى الجنة. بداية الطريق محددة، لكنها نهايته غير معروفة. هذا يعني أننا مسافرون في طريق لا نهاية له، وسنسير فيه إلى ما لا نهاية. لقد تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في تفسير سورة الفاتحة في المجلد الرابع من “تفسير هدى”.
إن لي طريقًا أسير فيه مع صاحب الطريق، ولست كالشيخ سعدي الذي منعه الضغوط والعقبات من تحقيق مراده. فقد كتب سعدي في مقدمة كتابه “الگلستان”:
في تلك المدة التي كنا فيها في وقت سعيد
كانت سنة الهجرة ستمائة وستة وخمسون
كان قصدنا النصيحة، وقلنا: حوالةٌ إلى الله، وذهبنا
في عصر سعدي شيرازي، كانت المغول تهاجم إيران بشكل متواصل لأكثر من عقد من الزمن. لقد حصل العباقرة والعلماء على فرصة للتنفس بسبب انشغال حكام خوارزمشاه بالمواجهة مع المغول، إذ أن الحكام دائمًا ما كانوا يضايقون العلماء والنوابغ، فإذا استسلموا نُقلوا من قصر إلى قصر، وإذا أصروا، أُخرجوا إلى الصحارى والسجون، أو حتى إلى الغرف المعزولة. كان الحكام يحاصرون العلماء ويستغلون عقولهم لمصالحهم الخاصة. سعدي شعر بسعادة لأنه لم يُضايق في تلك الفترة، على الرغم من أن المغول كانوا يفتكون بالشعب. سبب سعادته أن الحكام لم يعودوا يضايقونه، فكانت الحرب بمثابة زوال الأذى عنه.
في بعض الأحيان، يكون الإنسان تحت ظلم شديد وضغط من الأجهزة الأمنية، فيشعر بعدم الأمان، حتى يفقد الاهتمام بما حوله. في تلك الحالة، يصبح غير مبالٍ بما يحدث في زمانه. لقد تحدثنا عن هذا المرض النفسي في موضع آخر، حيث شرحنا أنه إذا تعرض الشخص للإذلال والاحتقار المستمر، وهو في موضع ضعف، يصاب باضطراب نفسي، فيضعف عقله ولا يستطيع التفكير في الأمور المهمة أو ينسىها. وهذا الإهمال أو ظلم للنخب الفكرية يؤدي إلى ظاهرة قتل النخب أو إحراقها، مما يدفعهم إلى اللامبالاة تجاه أحوال زمانهم.
وقد ذكرت لنا التاريخ قصة رستم دستان كمثال على شخص لا مبالٍ. يُقال إن رستم كان نائمًا في الجبل بينما كان أعداؤه يعلمون بقوته، فقرروا أن يقتلونه بطريقة خادعة دون مواجهة مباشرة. دفعوا صخرة نحو رستم، وأحد أصدقائه حاول أن ينبهه، لكنه لم يكترث. وعندما اقتربت الصخرة، ركلها بقوة وأرجعها إلى الخلف. هذا يدل على أن رستم كان لا مبالياً لأنه كان مستندًا إلى قوة متصلة بنفسه، وهذه اللامبالاة نابعة من ثقته بهذه القوة.
أنا أيضًا أملك هذا الدعم القوي، وأؤمن بإتمام العمل، فلا شيء يمكن أن يعيق تحقيق هدفي السامي. أي شخص يعمل بإخلاص لله، يرفع الله عنه العوائق والمشاكل. ونحن نكون فقط مشاهدين مخلصين. وقد ذُكر هذا الإخلاص في آية من القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى:
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوَا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
هو الذي يسيّرُكم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرى بهم بريح طيبة وفرحوا بها، جاءتْها ريحٌ آصفٌ، وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أُحاط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين.
في طفولتي، بعد أن أنهيت المرحلة الابتدائية التي كانت تتضمن دوامين صباحي ومسائي، كنت أذهب للعمل في مطعم لبيع الكباب. كان دخلي من هذا العمل، مقارنةً بتلك الفترة الزمنية، كبيراً جداً. كان المشرف على المطعم يتقاضى خمسة تومانات يومياً، وكان العمال الرسميون يتقاضون أجراً يومياً يتراوح بين خمسة عشر ريالاً أو نحو تومانيْن. أما أنا فكنت أكسب يومياً ما بين عشرة إلى خمسة عشر توماناً. وقد أثار هذا الأمر حسد بعض العمال في المطعم. منذ أن كنت في السابعة من عمري، كنت أعلم أنني سأفقد والدي، وكنت أترقب ذلك الألم بفارغ الصبر. في المطعم، عندما يأتي الزبون، كنت أضع له فوراً كأس ماء نظيف، عذب، بارد، أو مثلج. وكان بعض الزبائن يقدّرون نظافة عملي ويظهرون لي مودة، وكانوا يسألونني أحياناً عمّا إذا كان لديّ أب، وكنت أجيبهم، وأنا أعلم أنني سأفقد والدي، أنني يتيم. كانوا يعطونني بعض النقود. وكان دخلي الأسبوعي يصل أحياناً إلى ستين أو سبعين توماناً. لم أكن أنفق شيئاً من هذه الأموال على نفسي، بل كنت أتبرع بها للفقراء، وأغطّي بها نفقات عدة أسر كاملة.
في أحد الأيام، ألقى أحد العمال في المطعم، الذي كان غيوراً من دخلي العالي، سكينا باتجاهي. أمسكته بيدي، ولأن شفرة السكين كانت حادة وأصابعي رفيعة، انقطعت ثلاثة من أصابعي إلى المفاصل على الأرض. لو لم أمس الشفرة، ربما كان السكين قد اخترق جسدي. رفعت أصابعي وذهبت إلى المستشفى، حيث تم خياطتها. لم يمض وقت طويل حتى توفي ذلك الشاب وفاة مؤلمة. لقد ذكرت هذه الحادثة في كتابي “علم السلوك الروحي”. وبعد نشر الكتاب، تعرف عليّ الطبيب الذي قام بزراعة أصابعي، وكان يحبني كثيراً منذ ذلك الحين. جاء إليّ مع عنوان الكتاب، وتأكد من هويتي بسؤالي: “يا حاج، أي أصابعك كانت مقطوعة؟” فأريت له الأصابع الثلاثة المقطوعة. فقال لي: “يا حاج، أتذكر عندما كنت طفلاً وأحضرت أصابعك المقطوعة إلى المستشفى؟ لقد أصلحت إصبعين جيداً، لكن هذا الثالث لم أتمكن من إصلاحه بشكل جيد.”
على كل حال، كان لذلك العامل مصير مجهول، فالشخص الذي لا يمتلك مهارة التركيب والجمع يقع في حبائل الاعتبار الباطل؛ لأنه يجمع لنفسه أشياء قد تكون حقيقية ظاهرياً لكنها خالية من الحقيقة الجوهرية.
عندما كنا نقيم في طهران، توفي شخص ثري جداً. وبينما كان جثمانه لا يزال في التابوت، اندلع النزاع بين أولاده حول ميراثه. وتشاجروا حتى استخدموا السكاكين ضد بعضهم البعض، ووصل الأمر إلى الشرطة والسلطات. وتم تنظيم مجلس تأبين، لكن الجيران بدلًا من أولاده استقبلوا المعزين وشكروا من حضر من الجيران الآخرين. أصبح هذا الموقف مادة للسخرية بين الناس، حيث تساءلوا: أين هم أولاد ذلك المتوفى وماذا يفعلون؟ لو كان الشخص فقيرًا ومعدمًا، لما كان هذا الموقف مضحكًا لهم.
أنا أستعمل هذا الحدث كمثال على العلم الباطل والاعتبار الزائف والثروة الوهمية. فمن الضروري أن نقرأ الفاتحة على مثل هذا الميت، لأنه جلب البؤس والشقاء لأولاده، وهو شخص وهمي ومنسي، فقد أصبحت ثروته واعتباره وهمًا زائلًا. أولاد ذلك المتوفى تشاجروا فوق تابوته، والناس الغرباء عزوا الجيران بوفاته.
في هذه المشاهد، يجب على الإنسان أن يتأمل ويتذكر أن يومًا ما سيغادر الدنيا، وهو يحمل معه مخزونًا من الخردة والعلوم الزائفة والمعرفة العقيمة التي لن تنفعه.
الفصل العاشر:
تساقط ونمو التلاميذ
محفل التلاميذ
في فراق التلميذ
أحيانًا أشعر بالخوف عند التعبير عن بعض الأفكار، خشية أن يُتهمني البعض بالجنون أو قلة العقل. لذا أعرض آرائي بشكل مقتضب لتجنب هذا الانطباع.
قبل أيام وصلتني رسالة نصية تفيد بوفاة أحد المعارف. كان عالمًا صالحًا، مشاركًا في دروسنا ومباحثاتنا، وكان لي معه علاقة حسنة. منذ عدة سنوات لم أره، وعندما سمعت بخبر وفاته، شعرت بعدم الارتياح.
تذكرت أنه في العام الماضي دخل مدرسة فيضية وسلم عليّ، وبعد ذلك لم أره مجددًا. مع سماعي خبر وفاته شعرت بقلب متألم، فخرجت من منزلي ليلاً في حوالي الواحدة والنصف صباحًا، وبحثت عن منزله حتى وجدته. تأكدت من وفاته، إذ كان على بابه معلّقًا قطعة قماش سوداء علامة على الحداد. وقفت هناك وتليت الفاتحة، ثم تحدثت إليه هامسًا: كنت أتمنى لقاءك مرة أخرى، لكن لم أوفق، وقد رحلت. الآن زوجتك وأولادك في نوم هادئ، ولن أزعجهم.
شعرت فجأة بخوف غامض؛ أن من حولك يموتون، وأنت كان ينبغي أن ترحل قبلهم. بدا قلبي وكأنه زجاجة تتحطم على الأرض. أدركت أن اللقاء بك مستحيل الآن، إلا إذا بحثت عنك وعرفت أين أنت، لكن في أي شارع وأي حي؟
في الأصل، نحن لا نقدر قيمة عباد الله الذين هم في الحقيقة تجليات الله. فجوهر عبد الله هو ما انبثق وتدفق من الله، كما أن كلامك هو أنت، وكتابتك هي أنت. الكون كله هو تدفق من الله، وعلينا أن نجمع هذه التجليات ونخضع لها ونقبلها.
إذا لم نفعل، فقد نخزى يوم القيامة، إذ يقول العبد الذي عبد الأصنام: “ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله”. أنا احترمت هذا المعبود، ولكن الله يحاسب المؤمن الذي أذى أوليائه.
البُعد العشقيّ في العلاقات
لقد قمتُ بتدريس هذا المنظومة عدة مرّات، وكان هذا الكتاب مطلوبًا بكثرة، وهو الكتاب الوحيد الذي درّسته أكثر من مرّة. كان هذا الدرس مكتظًا جدًا، وفي إحدى الليالي تعرّضتُ لالتهاب في حلقي حتى فقدتُ صوتي تمامًا، فسرعان ما توجهت إلى الحوض وملأت حلقي بالماء فأنقذتُ نفسي من الموت. وفي صباح اليوم التالي لم أستطع الذهاب إلى الصف، وكان صوتي ما يزال مفقودًا. من بين كلّ هؤلاء الطلاب، جاء إلينا شخصان فقط للسؤال عن سبب غيابي! هؤلاء فقط هم من قادونا إلى الطبيب. أما بقية الطلاب فلم يكن حتى لديهم فضول لمعرفة سبب إلغاء الدرس، كأنّهم ألقوا حجرًا وسط سرب من العصافير! علاقة هؤلاء الطلاب بالمدرّس قائمة فقط على الكلام، وإذا انقطع الكلام وانقطع الصوت، فإنهم جميعًا يذهبون. هذه العلاقة خالية من الحب، وتتسم بالطمع. حين يقول الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]، كان النبي صلى الله عليه وآله يُعدّ لهم الطعام ويكرّمهم؛ لأنّ من لا يحبّهم لا يستحقّ شيئًا. غير العشاق لا يوفون إلا إذا أنفق عليهم المرء مالًا. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وما أُوذِي نَبِيٌّ مثل ما أُوذِيتُ»؛ أي لم يُؤذَ أحدٌ كما أُذييتُ أنا. حيث يوجد الطمع، لا يوجد حبّ.
رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء والمرسلين، لكنه لم يكن له ولدٌ يرث إمامته، مثل عائشة التي بقيت عاقرًا، وأمير المؤمنين علي عليه السلام هو الذي بلغ الإمامة؛ لأنه كان عاشقًا، في حين أن عائشة كانت تحقد عليه وتمتلئ بغضبٍ وكراهية. لقد كان علي عليه السلام أبًا لأبناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه قُتلوا لقمةً لقمة، وابنه الحسين عليه السلام لجأ إلى السيوف، وقال: «يا سيوفُ خذيني»، أي أنّ اللجوء إلى السيوف أفضل من العيش بين الأشرار الذين يحملون مظاهر الدين زورًا. لقد انهالت الذئاب عليه إلى درجة أن السيوف كانت أرحم شيء عنده، ولا ملجأ آخر له. وعندما تعرض الإمام علي عليه السلام للضربات، قال: «فزت ورب الكعبة»، كأنّه يقرّ بأن السيف المسموم لابن ملجم كان أرحم من كل شيء، وقال ابن ملجم: «بَهْ بَهْ، كيفَتُ ورَاحَتْ»، أي استمتعتُ وسعدتُ.
هذه هي قصة الحب الخالص الخالي من الطمع. الحب والروحانية الحقيقية خالية من الطمع. الإمامة الحقيقية هي ذاتية، تختلف عن الإمامة الزائفة أو الظاهرية.
أكثر مثال أستخدمه لتوضيح الطمع هو العلقة (الدمّام). حين كنا صغارًا في طهران، كان بعض الناس يبيعون العلقات. كان هناك رجل أسود طويل القامة يحمل كيسًا من العلق ويصرخ: «علقة! علقة!» ويضع العلقة على يدك، فتبدأ العلقة تمتص الدم والأوساخ حتى تنتفخ وتموت. الشخص الطماع يأخذ كل شيء حتى يختنق بطمعه، وبعضهم يدرس ويتعلم بهذه الطريقة الطماعة! في طمع العلقة، يُحيّي الواحد رئيسه، ولا يرى من هم دونه. فالعلقة تَحيّي من هو في السلطة، وإذا فقد السلطة، يدير ظهره له ويقول: «كنت أحييك لأنني كنت بحاجة إليك». في الطمع لا توجد وفاء، وحتى بين الأب وابنه يمكن أن تكون العلاقة هكذا؛ فالابن يشكر أباه ما دام يلبّي حاجاته، وإذا ضعف الأب مالياً، يقلّل الابن من احترامه. بعض الآباء محبوبون لأن وضعهم جيد، لكن إذا تغير وضعهم، ينسى الأبناء والزوجة قيمته.
وهذا أيضاً ينطبق على العلم. الطالب الطماع يخرج صباحًا من منزله ليس ليطلب العلم من أجل العلم، بل لينتزع شيئًا منه. حتى لو رأى الله، يفعل نفس الشيء معه.
مؤسسة ظهور الشفق
في تلك الأيام، كنت أعطي أكثر من عشر دروس يوميًا، فسألني أحدهم: كيف تصنع كل هذا؟ فقلت له: أنا مثل أسطورة رستم، كنت أترك قوتي في البيت، ولو كنت أستخدم قوتي في الدرس، لكانت قدمي قد غاصت في الأرض إلى الركبة. أنا أدرس هذه الدروس كهواية وليس بالقوة. شكراً لله، كان لدينا أفضل الطلاب في السنوات العشر الماضية. سابقًا، كان بعض من يحضرون يضيعون الوقت في الكلام فقط. طلبت منهم أن يذهبوا للحديث في مكان آخر أو في الحديقة، فاستبعدتهم.
وكان لدينا طلاب مجتهدون، لكنهم كانوا يتحدثون كثيرًا ويعملون قليلاً. كانوا يتناولون الغداء معنا في المكان نفسه، حيث كنت أعد ثلاجة صغيرة مليئة باللحم والخضار، وكانوا يطبخون قورمة سبزي وغيرها. كانوا هنا من عام 1378 وحتى حوالي عام 1383. مع الوقت، انتهى الأمر بانصرافهم. في الوقت الذي كانوا يأكلون فيه، يتحدثون ثم ينامون للراحة، مما قلل من إنتاجيتهم. أعادت الثلاجة إلى صاحبها وأغلقت هذه النظام.
طالب ناضج وصادق
في منزلنا القديم، كان لدينا مرآة وحامل شموع من النحاس بلون ذهبي. في يوم جلست مع بعض الأصدقاء، سألتهم: ماذا لو كان حامل الشموع من الذهب؟ كل واحد أعطى رأيًا. قلت العكس، هذا سيكون سيئًا لأنه قد يعرضنا للقتل من أجل سرقته. أما الآن، فلا يُسرق حامل الشموع ويبقى المرآة كذلك. أنتم تتمتعون بالنقاء الداخلي والعقل صافٍ، ولكن ذهنكم غير متمرس ولا يمتلك التجربة، فهو مغلق. اليوم الطلبة حقًا يحبون الدراسة، لكن أحيانًا أواجه طلابًا جددًا أو بعض الأشخاص الذين يتحدثون بطريقة تزعجني، كأنهم يبعدون عنا ثلاثين أو أربعين عامًا ويتحدثون كالجهلاء. سماع كلامهم يحتاج إلى صبر وجهد. يتساءل المرء أين كانوا في العشرين سنة الماضية وماذا فعلوا في مدينة قم؟ إنهم بعيدون عن الأمور ولا يمتلكون القدرة على التحليل ورؤية الحقيقة. بعضهم لا يرى حتى قدميه.
أما طلابنا، فهم محبوبون، ناضجون ومؤمنون. أشعر بالحنين أحيانًا إليهم، وغيابهم يؤلمني. أحب حريتي وراحتي، لذلك لا أسأل عن مكانهم. أفكر فيهم وأهتم، لكن لا أتابعهم؛ لأنني أعتقد أن الحرية هي حقهم، وأن يفعلوا ما يشاءون. أوصي بعضهم بعدم البقاء معنا لأنني أعرفهم وأعلم أنهم لن يواجهوا مشاكل مستقبلية. بعضهم مرن وقابل للتغيير، رغم أن هذا موضوع دقيق. قد يكون الشخص ممتازًا في العمل والدراسة لكنه يعاني في جوانب أخرى. لتقييم ذلك نحتاج إلى دقة في الموازنة. لقد شاهدت وجربت ذلك عمليًا. فمثلاً، بعضهم يعاني في المنزل مع عائلته، وهذا يدل على أن قدرته محدودة، وإذا بقي معنا وزاد في جهده، سيصاب بضغوط ومشاكل في حياته لا يستطيع تحملها.
لدى كل طالب من طلابي قصص غريبة. أحدهم السيد رزوبهاني الذي حضر دروسي لأكثر من أربعين سنة ودوّن ملاحظات كثيرة. كتب تلك الملاحظات في كتاب ثلاثي الأجزاء اسمه «سير سالك»، بينما شرحي لكتاب «شرح منازل السائرين» يصل إلى أكثر من عشر مجلدات، ونُشر منها ثلاثة فقط. ادعى في كتابه أن تلك الملاحظات من تأليفه الشخصي. قلت له إن الدروس مسجلة، وعندما تصل التسجيلات إلى الناس، سيسألونك: على أي أساس تدّعي أن هذه المعلومات لك؟ العلم له وثائق وسجلات، ولا يمكن لأحد أن يدّعي اكتشافات غاليليو أو باستور أو ديكارت لنفسه، لكن هنا ينسبون نتائج أبحاث الآخرين لأنفسهم دون ذكر المصدر. غيره أيضًا طبع ملاحظات من دروسي باسمه.
تسجيل القلب
في مجلس مهم كنت أتكلم فيه، جلس بجانبي شخص مهم. جاء إليه بعض الأصدقاء وتحدثوا معي، ثم قال لي: صوتك مألوف لديّ، من أنت وأين رأيتك؟ قلت له: في يوم القيامة، يدخل الناس المحشر، كثيرون لا يعرفون دينهم ولا نبيهم. قلت له: أنا فلان. رأيت أن صوتي مألوف له لكن عينيه لم تتذكرني. وقف وتعانقنا وقال: سامحني. قلت له: قلبك يتعرف عليّ لكن ذاكرتك لا تستقبلني، ويبدو أن كل شيء قد نُسي. قلت له: أنا أيضًا لا أذكر اسمك لكن أعرفك جيدًا.
طالب حاقد ومعاند
كان طالب يدرس معنا لبعض الوقت وكان يحبنا ويرتبط بنا، لكنه أصبح يحمل لنا حقدًا شديدًا، حتى قال: من أمنيتي أن أدخل الحجرة يومًا وأجدك ميتًا ومتيبسًا بجانب الحائط. لم يكن لهذا الحقد سبب واضح، وكان يحضر الصفوف فقط. هذه الأمور تبين الفروق بين الناس، التي تأتي من ماضيهم وخلق الله لهم. قبل الثورة، كان هناك قوات خاصة تابعة لنظام الشاه تقوم بمهام صعبة للحفاظ على النظام. كنت أعرف ضابطًا كان يصرخ غاضبًا: نحن نعمل ليل نهار، لكننا نتلقى السباب ونُرشق بالحجارة ونُضرب، وفي النهاية ينادونكم بالسيد وهذا غير عادل. قلت له: عليك أن تسأل والديك، نحن لم نلقَ ضربًا ولا سبًا ولم نكد من أجل الأمن والاحترام. الآن نسمع الشتائم من المعارضين والظاهريين، والحمد لله سيُعوض الله أيامًا ما، لكن هؤلاء لن ينالوا خيرًا، والله يبيّن طريق الحق لكل من يتبع الحق ويمهد له، رغم أن لكل شيء زمانًا ويجب أن نتحمل.
شمس على سطح البيت
أدرس في الحوزة العلمية لأكثر من أربعين سنة. مع تقدمي في العمر، أصبح طلابي أصغر مني بكثير. كنت أعطي دروس التجويد منذ كنت في العاشرة أو الحادية عشرة، وطلابِي كانوا بين الخامسة والأربعين والستين من العمر. أصغر منهم لم يكن قادرًا على حضور الدرس لارتفاع مستواه. كون طلابي اليوم أصغر مني يشير إلى أن أيامي أصبحت قليلة، وعمرنا صار كالشمس على سطح البيت، في غروب أحمر يعلن عن شفق طويل للغد والأجيال القادمة.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.