صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

سیر العشق المجلد الثانی

نشر في آذر 13, 1404 في

سیر العشق

سيرُ العِشق
(المجلد الأول)
(قدّس سرّه)
السيد آية الله

المعرّف: ، ، مواليد 1327 هـ ش.
العنوان والمؤلّف: سيرُ العِشق / تأليف .
بيانات النشر: طهران، دار نشر ، 1397 هـ ش.
الوصف المادي: 3 مجلدات.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): دورة 978-600-397-083-0
شابك المجلد الأول: 978-600-397-082-3
حالة الفهرسة: فيپا
الموضوع: ، ، 1327 – مذكرات
الموضوع: مجتهدون وعلماء – إيران – مذكرات
تصنيف الكونجرس: 1397 9س8ن / 5/ 153BP
تصنيف ديوي: 998/297
رقم الفهرس الوطني: 5277336

سير العشق (المجلد الأول)
المؤلف: حضرة آية الله (مد ظله العالي)
الناشر:
طبعة: الأولى، سنة الطباعة 1397 هـ ش
النسخة: 3000 نسخة
السعر: 300000 ريال للمجلد الأول
مركز التوزيع: قم ـ بلوار أمين ـ زقاق 24
المكتب الأول على اليسار ـ رقم 76
هاتف مركز التوزيع: 025-32159078
الموقع الإلكتروني:
شابك الدورة: 978-600-397-083-0
شابك المجلد الأول: 978-600-397-082-3
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

المقدمة

على مدار أكثر من ستين عاماً من حياتي، مررت بتقلبات كثيرة، ومن ثم أمتلك ذكريات متنوعة وغنية وممتعة. رغم ذلك، لم أتبوأ مواقع اجتماعية رفيعة خلال هذه الفترة، بل كنت جزءًا من المجتمع المقهور عشت حياتي فيه وعملت بالتدريس كما غيري. تعرضتُ للملاحقة والاعتقال من قبل ساواک في زمن الطاغية، وبلغ عدد مرات اعتقالي تسع وعشرين مرة، وبعد انتصار الثورة استمرّ تقييدي واعتقالي مرات عدة. كان هدفنا دعم المحرومين والدفاع عنهم، فتكلمنا عنهم حتى صرنا نحن أيضاً من المحرومين، والحمد لله، هذا جعلنا خلاصة المجتمع وأعطانا فهماً كاملاً لأعماق وقضايا المجتمع المختلفة.

وقد جمعت هذه المعارف في مجموعة مذكراتي التي بلغت حتى الآن عشرين مجلداً، منها المجلد الموسوم بـ «حضور الدلباران» وهذا الكتاب بعنوان «سير العشق» في ثلاثة مجلدات يمثل جزءاً آخر من هذه المجموعة.

اعتمدت في سرد ذكريات هذا الكتاب على نفس المنهج الذي أتبعه في دروسي، حيث أعرض الموضوعات بصبر شديد وأقدمها على أجزاء متقطعة، حتى لا أطرحها دفعة واحدة، فجزء من الموضوع أطرحه اليوم، وقد أؤجل بقية الأجزاء لسنوات قادمة. ومن ثمّ فإن فهم نظراتي النهائية أمر صعب، ويتطلب صبراً من الطالب، وقد يؤدي هذا الأسلوب إلى بعض الإرباك أو الظن بالتناقض، لكنه في الحقيقة ناتج عن رؤية متماسكة تنقسم إلى أجزاء متعددة تشكل في مجملها وحدة متكاملة.

أنا مضطر لهذا الأسلوب حفاظاً على نفسي وسط فئة ظالمة وسطحية، وأحياناً بين أشخاص متعصبين وغير واعين. ولهذا أتبنى وسطية في الطرح وأضع في كل نقاش عقدة لا يستطيع حلها إلا العباقرة، لأنني أؤمن أن الدنيا أسهل بلا تعقيد.

كل ما أذكره هنا من ذكريات هو من رؤاي وتجربتي الشخصية المباشرة، لا أنقل ما سمعتُه من الآخرين، إذ لا أحب الحكايات المبنية على السماع ولا أؤمن بها.

من خصائصي الأخلاقية أن أتحدث بما يتناسب مع قدرة المستمع، لذلك أحفظ تفصيل ذكرياتي لتقديمها في وقت مناسب، وربما بعد عقدين من الزمن. كذلك، أتجنب طرح أي شيء يزيد على قدرة الحاضرين، وأراعي ذلك في الدروس والكتابات. نظرياتي وآرائي تحتاج إلى صبر وحذر، ولا تفيد أصحاب القلة صبر.

في الحديث والكتابة، أضع في الاعتبار مستوى المتلقي وأتكيف معه، كما لو أنني آلة أوتوماتيكية تضبط كمية المياه اللازمة للغسيل، فأنا أتبع ذات المنهج في التعامل مع المواضيع، وهذا أسلوبي الخاص.

عملي الدراسي والكتابي والذكرياتي تهدف إلى حل المشاكل الإنسانية والتعامل مع المآسي التي مررت بها خلال حياتي. وأنا إذا سردت التاريخ أو مآثر السابقين، أفعل ذلك بأسلوب فريد لا يمكن قراءته في الكتب الأخرى أو سماعه من أحد، حيث أعيد تمثيل تلك السنوات بدقة وأجعلها حقيقة حية بين الكلمات.

أحياناً أستخدم بعض الفكاهات والتعابير التي تثير البسمة والسرور في قلوب المؤمنين، ولا بأس بذلك. وبعض أقوالي يجب أن تُفهم ككلام شعري أو متصوف، ولا يجب أن يؤخذ بجدية مفرطة أو يؤخذ عليها ما لم أقصده.

الحمد لله رب العالمين.

مولاي الحب

الفصل الأول: مولاي الحب

الله الذي عشقتُهُ في طفولتي

أتذكر طفولتي مع شجرة التوت التي كنت أتسلّقها. كانت المسافة بيني وبين أستاذتي الروحية، السيدة گلين خانم، توازي المسافة بين هذا المكان (مدرس ساحلي) وحتى باب فيضية الشرقي (حوالي ثلاثين سنتيمترًا). هكذا كانت طفولتي حتى سن العاشرة. قيمة تلك السنوات من عمري تعادل مئات السنين. كنت بسيطًا ونقيًا كالأطفال الرضع، وخلال هذه السنوات نلت من المعلمين رفيعي المقام هبات عظيمة. لم أكن أعلم سبب وجودهم أو كيفيات ذلك. كانت منزلنا في حي نفرآباد بمدينة ري. تخيل أن يكون مصدر السوق هناك، ومكان سكني هنا؟ وقوع هذه الأمور ليس مرتبطًا بالإنسان ذاته، ولا شيء من هذه الأمور يعود للإنسان. السالكون إلى الله في مقام خاص بي (وليس العام) لا يمتلكون الناسوته. كلما قمت بمقارنة أولئك المعلمين والعلماء الذين رأيتهم لاحقًا أدركت أكثر مكانتهم وعظمتهم. هذه الأمور كأنها شحنات من الله، وهو الذي يدير الأمور، والأسباب في ذلك مقتضيات.

كان هناك عدد كبير من الناس هناك، على سبيل المثال، أول معلمة في مدرستي كانت امرأة حكيمة وذات إيمان عميق تُدعى «گلین خانم». كنت أناديها خطأً بـ«گلیم خانم» بسبب لغتي الطفولية. يومًا قال لي أحد الأصدقاء الأتراك إن اسمها «گلین» يعني العروس، أي أنني كنت مخطئًا في اسم هذه السيدة الحكيمة، وإنها كانت تغزل السجاد (گلیم). بعض الأحداث تأتي وفق مقتضيات، كأنك تُشحن فجأة وتُمنح قوة وطاقة.

مشكلتي كانت تقديرًا إلهيًا مبنيًا على مقتضيات، لكنه ليس جبرًا ولا اختيارًا، بل هو الحب والفضل الإلهي. الله يحنو على الإنسان، وكثير من الناس قادرون على جمع هذه النعم، لكنهم لا يتحلون بالصبر فيتركونها ولا يصلون إلى المقصد، أما أنا فالأمر مختلف، لأن السبب هو الحب، وهو عالم بحد ذاته.

للأسف، ليس هناك مجال مناسب للتحدث عن هذه الأمور، والجهل الثقيل للنفس البشرية جعل كل شيء يُنسى. كنت طفلاً حين أحببت، وما زلت أحب حتى اليوم. لاحقًا، أحببت من جديد، وعندما أحببت ثانية، لم أعد أرى الكتاب أثناء الدراسة. كنت أدرس من الليل حتى الصباح حتى شعرت أن عيني قد عميت. رغم فتح عيني لم أعد أرى نص الكتاب. عند الفجر، كانت الحصة تبدأ، وكانت المشاركة في الدرس مهمة جدًا لي. وعندما كنت غاضبًا عند الفجر، فتحت الكتاب مرارًا، وفي لحظة، انتهى ما في الكتاب. نسيت ذلك الحب الثاني، وكأنني في ليلة واحدة عانيت كل المصائب، رغم أنها ليلة واحدة إلا أنني شعرت بها كأنها عام كامل من العذاب.

اليوم، كل ما أراه من نعم الله في حياتي هو ثمر حب طفولتي. حياتي كلها علامة على الحب، بل هي الحب ذاته، وحبي وقلبي وديني وإيماني كلها حب. كتبت ما يقرب من عشرين مجلدًا من ديوان الشعر الذي هو ثمرة حب طفولتي. ألف بيت وأكثر من سبعين ألف بيت شعري، كلها نتيجة لتلك الليلة الطفولية وللحُب الذي نجم عنها.

كنت طفلًا صغيرًا حين رأيت الله. لم يعد كلام الآخرين عن الله جديدًا بالنسبة لي. خمسة وتسعون بالمئة من أشعاري عن الله، والخمسة بالمئة المتبقية عن الأئمة الأطهار، أي أولياء الله المقربين، أو عن النصيحة ونقد الظلم والاستبداد على خلق الله. ماذا أفعل الآن؟ ما رأيته ما زال أمامي. لو حسب أحد دروسي، ستجد أنني كررت «اللهم عرفني نفسك» آلاف المرات. هذا هو ما حدث لي، وأكرر: «وإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك». إن لم أر الله، فمن هو نبيه؟ يقول هذا البيت إن بدون الله يجب على النبي أن يغادر. صحيح أن النبي جاء برسالة، لكن من أي جهة؟ النبي صاحب المعجزة، ولكن ما نتيجتها؟ النبي جاء منه، لكنه من هو؟ نحن لا نعرفه. النبي يجب أن يأتي بمعجزة من قِبَلِه فقط، لكنه من هو؟

العالم هو عالم الحب فقط. لا جبر في الوجود، ولا اختيار وإرادة تتحقق، كل شيء هو حب ومقتضى. المقتضى قد يظهر كنعمة ولطف ومحبة. كل شيء بحساب دقيق، لا شيء عشوائي. الحساب دقيق ورفيع، ولا يُدرك بالعقول العادية.

يجب على الإنسان أولًا أن يرى الله ويؤمن به ويعتقد به. الاعتقاد الضعيف أو المشكوك فيه يؤدي إلى إهمال الله. الإنسان إذا شك في الله، فلن يعتمد عليه ولن يصدق أن كل الأمور بيده. أما إذا صدق بأن كل الأمور بيد الله، فحتى لو قطعت رقبته، لا يعبس. من يستطيع هذا؟ أحيانًا يكون الإيمان ضعيفًا جدًا لدرجة أنه إذا أمسكت أذنه، يدمر نفسه. قد يتحدث إنسان عن الله وهو في صحة جيدة، لكنه يتغطرس، وعندما يواجه البلاء، يضيق عليه الأمر ويبدأ ينتقد الله. نعم، التحدث عن الله كثيرًا ما يكون على هذا النحو في القول لا في الفعل. كثير من الناس يفقدون الأمل عند الأزمات، وهذا خطر كبير. قبل أن نبدأ التعلم، يجب أن نصحح عقيدتنا في الله ونحل مشاكل الاعتقاد بالله. بالطبع، يجب أن يمنحنا الله التوفيق.

لقد بذلت جهدي، وأود أن أجعل ذلك حلالًا، من سبعين درجة من الثواب للسلام، حيث تسع وستون درجة منها تهدى إلى الشباب الذين لم يجتهدوا مثلي ولم يدرسوا. فمن العدل أن أحييهم بالسلام وأن أتحصل على تسع وستين درجة منهم. عندما كنت أسكن في براد القاضي، كنت أتي إلى الحرم لتدريس الساعة التاسعة صباحًا. وكان السيد سيد أحمد الخاتمي يبدأ درسه الساعة الثامنة، وعندما ينتهي، يتقاطع مع وقت درسي. كان كثيرًا ما يتحفظ على نفسه ولا يرد السلام. وكان هذا يزعجني جدًا، كيف لا يرد السلام على الناس؟ في يوم ما، حينما قابلته، نبهته بصوت عالٍ أن يرد السلام. فاستجاب بلا اختيار قائلاً: «السلام عليكم»، ولم يقل شيئًا آخر. ومنذ ذلك اليوم، رأيته يحيي الجميع بالسلام. ومنذ ذلك الحين، صرنا نرد عليه السلام أحيانًا حتى لا يسبقنا هو بذلك. من لا يرد السلام، فهو ظالم، لا يمتلك أخلاق الإنسان ولا مبادئ الدين.

على أية حال، في الأجواء الطاهرة والمقدسة لفَيضيّة، تنفّس الأولياء الربانيون والعلماء الربانيون، وحافظوا على حبهم لها. فهل يمكن أن يغفل الإمام المهدي عن هذا المكان؟ إذا لم يغفل الطالب عن هذه المعاني، فإنه يجد انتظامًا وانضباطًا في حياته، ويسعى ألا يضايق الإمام، ولا يطلب منه شيئًا، بل يحرص فقط على ألا يسبب له إزعاجًا.

رحم الله المرحوم السيد مرتضى الحائري، كان عالمًا زاهدًا. قال إنه رأى الإمام المهدي في المنام وكان حزينًا جدًا. فسألته إن كان راضياً عن الحوزة والطلاب؟ فأجاب الإمام: «لو لم أكن راضيًا، فماذا أفعل؟ ليس لدي غيرهم». لا ينبغي أن يغفل أحد عن هذه العلاقة، فالطلاب منسوبون إلى الإمام المهدي وهذه النسبة تساوي كل العالم، لكنها في الوقت نفسه تثقل حمل الإنسان، وقد يسبب عمل غير لائق ألماً في قلب الإمام ويقلقه.

الحب النقيّ الخالي من الطمع

كل الوجود وما فيه من ظواهر هو ولاية. والولاية جذورها في المحبة. المحبة حبّ الحق وعشق الذات الذي أَشعل هذه المعركة. العالم الدنيوي هو ساحة عشق وليس نزاعًا بين جهنم والجنة كما يظن البعض. الفاعلية الإلهية هي بعشق الذات. يجب صباحًا مساءً تحية الله والسلام عليه، وهذا السلام من فصل النور ومن الولاية. الحياة ليست سوى عشق. من لا يملك عشقًا، يلوث نفسه بالطمع، ومن يلوث نفسه بالطمع يصبح كالعلقة. في حينا القديم، كان هناك رجل يبيع العلق، شيخ طويل القامة يلبس قبعة سوداء واسعة، وجهه داكن وكان يشبه العرافين. كان يحمل العلق في كيس وينادي في الأزقة: «العلق». كان الناس الذين لديهم قذارة في دمائهم يستخدمون العلق لسحب الدم الفاسد. كان العلق يملأ نفسه بالدم حتى ينتفخ ويسقط مثل القرص المنفوخ. العشق نقي وخالٍ من الطمع، يمزق قلب العاشق، أما اليوم فكل العشاق متأثرون بالرغبات الطامعة. العشق النقي هو فقط للأولياء الذين يحبون الآخر في أي حال كان، راكبًا أو ماشياً، جميلًا أو قبيحًا، متساوون في نظرهم. فمن يستطيع أن يبحث عن عشق نقي؟ الله وحده يملك عشقًا نقيًا خاليًا من الطمع، يحب خلقه ليس لأنه بحاجة إليهم. العشق النقي لا هدف له ولا غرض ولا يُلوّث بفكرة الوصول، بل هو الغاية بحد ذاته. في العشق النقي، حتى لو افترضنا مجازًا أن الله صار متسولًا منعزلًا، فالعاشق يظل يغني له بأغاني المحبة، يحفظ عظمته ويحني ركبتيه ويردد «سبوح قدوس». العشق النقي يحكمه المحبة لا الكفر أو الإيمان. العشق النقي لا يعاني من الفراق، ولا يعني البُعد والانفصال، فالعشق لا يقطع الواصل. كان لي أصدقاء أوفياء، رغم أننا في عالم لا نملك نجمة واحدة في السماء، بقوا معي دون توقعات، في فضاء لا يسمح بحرية النفس، كانوا معجزين في وفائهم.

من يملك عشقًا نقيًا، يكون نفسه ساكنة هادئة مطمئنة، وهو من يصل إلى المغيبات. من كانت نفسه هادئة وخفيفة وحية، يشعر بالأحداث قبل وقوعها، ويكون صاحِبَ نفسٍ واعية. النفس الهادئة لا تحوي طمعًا، مع أنها نار لكنها خامدة. المغامرات والفساد للنفس المضطربة التي لا ترضى، والتي لا تستطيع امتلاك الصفاء أو الصداقة، فتكون دائمًا في شيطنة وشهوة. العشق النقي كان لمقداد، ويقال إنه كان أعلى منزلة من سلمان. عندما يرى أمير المؤمنين يظهر بعض التنازل ويحفظ ذا الفقار في غمده، يفعل هو كذلك دون اعتراض أو نقد. كان مقداد يملك قوة مصاحبة في الأعمال العظيمة، وقوة في كسر الذات للقيام بما يجب.

من لا يستطيع أن يترك منزله أو سيارته أو منصبه الدنيوي من أجل محبوبه، فحبّه للآخرين ما قيمته؟ هل يعرف العاشق محبوبه؟ العاشق يصبح عاشقًا حين يشعر بالنقص، والمحبوب أعلى منه بآلاف الرؤوس والدرجات. النجاح لا يتحقق بدون عشق، والنجاح لا يستمر بدون عدل وإيمان وقناعة ومحبة إلهية. مع العشق، يكون الرضا بالمحبوب مهما كان. النجاح مع الإيمان والعشق يكون دائمًا، وإلا فهو عابر مؤقت شكلي. القلب يجب أن يستقر ويؤمن بنفسه ليخلوا من الندم والنقص والعقدة. من لا يملك عشقًا، يملأه الندم والعقد، ويختنق ويدمر تحت أنقاضها.

من يصل للعشق، يستمد منه الطاقة والفرح والاطمئنان. العشق كالعلم والمعرفة يجلب الاطمئنان والسُكر الروحي، ولا يسبب الألم أو الندم.

العشق النقي هو رسول الحب؛ حسين عليه السلام، الذي يقول: «ياسيوف خذيني!» حرارة هذا العشق تظهر بشكل يتحد بالسيوف المشرعة ويصبح برودة القلب، ويخفف عن حسين ويجعله خفيفًا. هذا التجلي هو نار النار، أي العشق النقي الخالص. لهذا العشق يقول: «أفرّ منك إليك». العشق النقي ناري ولهب يشتعل به القلب، نارٌ تجعل لهيب جهنم بردًا مقارنة به، والعاشق يقول: «ما عبدتك خوفًا من نارك».

من ذاق حرارة نار العشق النقي الخالي من الطمع، لا يخشى نار جهنم.

في كتاباتي ودروسي، رسمت حياة أولياء محبوبين، تتميز بعدم الطمع، وعدم التوقع، والشك، والشرط. المحبون إن دعوا، فبأدب، لأن الله أمر بالدعاء وهم يدعون، لكنهم لا يطلبون طلبات خاصة. حالهم: «يا الله نحن راضون بقضائك، وأنت لا تفعل عبثًا». الناس أحرار ويملكون القدرة على فعل الباطل، وكأنهم أحرار أكثر. الله يفعل الأمور بحكمته وعدله وطهارته وفضله، والعباد يفعلون ما يريدون. المحبون يهدفون لتحقيق طلباتهم ويعيشون بطمع في الأمور الروحية والربوبية.

العشق النقي والخالي من الطمع لله. الخلق هو نتيجة عشق الله النقي. الله يعشق ذاته، عشقا كاملا بلا نقص، وهو ذاته الوصول، لأن العشق حفظ، وليس سعيًا للوصول إلى ما ليس موجودًا، وهذا ما يُسمى الشوق. الله كريم لا يخفي نفسه. كل ظاهرة هي نتيجة عشق الله لذاته. الخلق ظهور للعشق، ظهور لا بداية له ولا نهاية. الله فاعل بالعشق.

البرزخ

البرزخ جارٌ لهذا العالم. التوغل في البرزخ صعب على العارفين المحبين، لكن المحبين الحقيقيين لا يواجهون عائقًا، بل يرون عوالم القيامة أمامهم. من المواضيع المثيرة في البرزخ مكانة العلماء. رأيت علماء بلا ثياب، قد نزع عنهم ثيابهم، ورأيت علماء بملابسٍ نورانية. في رؤيا لي، رأيت عارفًا يعاقب بأربعين سنة تنظيف وتطهير. رأيت مجتهدًا صاحب رسالة، كُلف بمسؤولية العلماء، يعمل في مكان يشبه الحمامات القديمة، وله ما يقارب تسعمائة تلميذ كنت أعرف بعضهم. تحادثت معه وعانقته، وكان فرحًا بلقائي. كان محتجزًا في غرفة صغيرة، ومسؤولية هذا العدد الكبير كانت

الحب للقرآن الكريم

كنتُ أحبُّ تلاوة القرآن الكريم منذ صغري. رغم صغري، عشتُ هذه المشاعر وأحببتُ القرآن وتلاوته، مع أني لم أكن أتمكن من ذلك. كان زمن الطاغوت، وكانت الصفحات الأولى من كتب المدارس تتحدث عن شاه وزوجته ثريا. في زمننا، كانت ثريا زوجة شاه. كنا نحن التلاميذ نتحدث عن الملك وعائلته. كان الأطفال يقولون إن آل پهلوي يتزوجون كثيرًا، وهذا أمر استثنائي ولا مشكلة فيه، لكن لو تزوج الناس العاديون مرة ثانية كان يثير ضجة كبيرة. كنت أكتب آيات القرآن الكريم بخط صغير ودقيق في صفحات الكتب وأتلوها. حقيقةً، كان حبي للقرآن يدفعني لذلك. إذ لم أكن بعد طفلاً مألوفًا بالكلمات العربية ولا أعرف معانيها. كنت أفتقد إلى الألفاظ والكلمات، لكني كنت متصالحًا ومتواصلاً مع معاني القرآن الكريم. وكان بإمكاني إدراك تلك المعاني. يجب على الإنسان أن يكون واعيًا بذاته ومعرفته.

فيما بعد، عندما درست مع الأدب، أصبحت أطالب بمعرفة الأدب العربي، لكني مع ذلك وجدتُ عالم المعاني أعمق وأغنى. المعرفة بالأدب لا تعين الإنسان في عالم المعاني بشكل كامل، إذ يبقى الإنسان في نقص الألفاظ والكلمات.

كنتُ في الماضي أدرس فن الموسيقى وأتعلم المقامات المختلفة في الموسيقى والغناء، مثل مقام أبو عطاء، حيث تبدأ بدخول (دَخْل)، ثم (رَجْعَة)، وتنطلق وتتراقص النغمات. كنت أدون ملاحظاتي وأخطئ في كتابة كلمة “أوج” وبدلاً من ألف أستخدم عين، لأني كنت صغيرًا حينذاك. حين عرضت مذكرتي للتدقيق، اعترض شخص ما على خطئي هذا، فشرحت له أني كنت طفلاً وقليل التعليم، لذا كتبت الكلمة خطأً.

كان لي معلم جاء من العراق إلى إيران ولم يكن يتقن الفارسية جيدًا، وكان يخطئ في نطق كلمات فارسية ويحولها إلى عربية، مثل كلمة “غزال” التي كان ينطقها “غو زن”. للأسف، كان تعيين هذا المعلم مبنيًا على المحسوبية، وهي ظاهرة كانت منتشرة في ذلك الزمان أيضًا.

رحم الله المرحوم آقاي الإلهي، كنا نرتبط، وكنا نجلس معًا ونتبادل الأحاديث. كان يذكر طفولته حيث كان آقا ميرزا رضا قمشهاي يُدرّس الفلسفة في مدينة شهرضا، لكنه لم يكن يفهمها جيدًا رغم حبه لها، وكان يقف خلف باب الصف ليستمع لدروس الفلسفة رغم منع دخوله. هكذا كانت طفولته، لكنه وصل إلى تلك المنازل الإنسانية الرفيعة في النهاية.

أنا من صغري كنت مرتبطًا بالمسجد وبالقرآن الكريم.

كان لدينا في المنزل راديو به أضواء كثيرة، وكان والدي يستمع للأخبار ثم يغلقه ويضعه في مكان مرتفع لا أستطيع الوصول إليه. كنت أندهش كيف يستطيع الأشخاص الذين يسمعهم في الراديو أن يتواجدوا داخل هذه الصندوق الصغيرة. في أحد الأيام، وحدي في المنزل، حاولت طبخ الطعام، ووضعت قدرًا على الموقد وأعددت الأرز بالماء، وظننت أن الماء سيجف ويحترق الأرز، فوضعت ماءً إضافيًا حتى أصبح الأرز شفته.

في صغري، كنت أتساءل كيف تكبر بطاقة الهوية، إذ كنت أظن أنها تنمو أو تزداد بنفسها.

في أحد ليالي الصيف، كنت أذهب إلى المقبرة وأتجول فيها، وكان الناس نيامًا في بيوتهم. وجدت عملة معدنية في الأرض، التقطتها وألقيتها بقوة على الأرض، ظننت أن صوتها يحمل قيمة، لكنني لم أكن أفهم معنى المال وقيمته.

مع ذلك، كنت أعرف القرآن وآياته وأستمع إليه، وكنت أحبه جدًا من صغري.

رحم الله المرحوم آقاي الإلهي قمشهاي، كان يقول إنه منذ صغره كان يحب الحكمة والفلسفة والتصوف.

وكما أن المرحوم الإلهي كان لديه نزعة للحكمة من صغره، كنت أنا أيضًا مشدودًا نحو القرآن الكريم، فقد كان له جاذبية تدعوني إليه وتقرأ عليّ نفسها:

“حتى لا يكون من جانب المعشوق كششٌ
كوشش العاشق البائس لا يصل إلى شيء”

لكي تستفيد من القرآن الكريم، يجب أن تصاحب هذا الكتاب وتأنس به، ويوصى بأن تضع القرآن مغلقًا أمامك، وأن تجلس أمامه على طهارة ومتوجهًا نحو القبلة، ليُلهمك فهم آياته. إذا استطاع الإنسان أن يؤنس بالقرآن الكريم، يجد نفسه في حضرة حقيقة هذا الكتاب السماوي ويستفيد من معارفه. في هذه الحالة، القرآن يقرأ نفسه لرفيق له، لا أن الرفيق هو من يقرأه.

الطريق إلى معارف القرآن هو القرب منه، لا الحفظ فقط. لقد استفدت أكثر من أي طريق آخر بهذه الطريقة. أضع القرآن على قلبي وأشعر بالطمأنينة، كما يفعل الأم وهي تحتضن طفلها وتعانق قلبه بقلبها.

كلما وضعت القرآن على صدري، تنفساتي تصبح عميقة وسريعة، وعندما أرفعه تصبح طبيعية. لقد تعلمت منذ صغري طريقة الانس مع القرآن لاستخراج المعاني والتفسير، ولم يعلمني أحد هذه الطريقة. تفسير “الهدى” الذي كتبته، والذي درسته في تفسير القرآن، كان من اكتشافي الشخصي. تفسيرنا كان قائمًا على القرب والانس مع القرآن الكريم، وليس على دراسة كتب أو مراجع. كلامي في التفسير هو خاص بي، ولا تجده في مكان آخر، وهو تجديد حقيقي.

هذه المشاعر نابعة من حضور قلبي طويل الأمد مع القرآن، وليست مجرد تلاوة عادية. لا أقيد فهمي للقرآن بهذه الطريقة فقط، لكنها أسرع وأفضل الطرق لفهم المعاني.

للأسف، غفلت مدارسنا وعلماؤنا عن هذا الأمر، ولا تزال مكانة القرآن مهمشة، ولا يعطى حقه.

رحم الله السيد أحمد خوانساري، الذي كان يستشیر بالسبحة ويقول إنه لا يستطيع الاستفادة من القرآن، مع أنه كان متمكنًا في الفقه والفلسفة.

وكذلك السيد ميرزا هاشم آملي، الذي كان من تلاميذ آقا ضياء، قال إنه لا يفهم القرآن ولا يستطيع حتى تلاوة سورة “قل هو الله أحد” بشكل صحيح، فكيف يفهمها؟

الكثير فقدوا هذه الطريقة في أخذ المعارف من القرآن.

أنا قضيت أكثر وقتي في حضرة القرآن الكريم، ربما استخدمت أكثر من خمسين نسخة منه.

كل مرة أتمسك بقرآن، أجد فيه جديدًا، حتى وإن كان من نفس الطبعة، وقراءة عدة نسخ مختلفة تعطي معانٍ متعددة.

بعض الناس يبالغون في حفظ القرآن، وهذا من ثقافة أهل السنة وليس من ثقافة الشيعة.

عندما كان محمد حسين الطباطبائي يُعرف بأنه طفل معجزة في حفظ القرآن، قابلته في رمضان في حفل إفطار، وطلبت من والده أن يعتني به جيدًا حتى لا يتضرر نفسيًا بسبب الضغوط.

وللأسف، بعد انتصار الثورة، لم تستطع الحوزات العلمية ونظام التعليم اتخاذ طرق تربوية صحيحة، وفرضت طرقًا ظاهريّة غير مناسبة، مما أضر بأجيال عدة.

أنا قد وضعت الأسس اللازمة لنظام تعليمي صحيح ولترويج المعارف القرآنية، لكنني للأسف تعرضت للظلم والغربة، وحتى القليل من كتاباتي التي نُشرت جُمعَت وأُلغيت عمدًا.

هذه نهاية مجتمع فقد قيمه إلى درجة لا يستطيع تمييزها.

لو كان النظام سليمًا، لما تم إيقاف دروس التفسير، بل كان يجب دعمنا لمواجهة الانتقادات حول القرآن والدفاع عنه في دروسنا.

لكن اليوم، مثل عمرو عاص الذي كان يستخدم القرآن لغاياته، هناك من يستخدم الدين والقرآن لتغطية أهوائه، ويخدع الناس بالإعلام الموجه.

رغم ذلك، حتى بعض أتباعهم يدعون أن ذلك مجرد خداع.

في هذه القرية النائية التي حبستني فيها، أتنفس نفسي وآيات القرآن الكريم معاً بآهة. لا أجد شيئًا سوى القرآن الكريم لا يحمل لي سوى زفرة باردة. منذ صغري، كنت أشارك في حلقات تلاوة القرآن الكريم، وأمارس القراءة والتلاوة. كنت أختم القرآن في إحدى عشرة ساعة ونصف، حيث كانت كل جزء تستغرق حوالي عشرين دقيقة. في هذا الختم، لأنني كنت أسرع في تلاوة الآيات، لم تعوق السرعة تركيزي، بل زادت من تدبري للمعاني. كنت أُدرّس قواعد التجويد منذ أن كنت في العاشرة من عمري. كان صوتي جميلاً جداً في طفولتي، ولكن لدي ذكرى مؤلمة. عندما كنت مراهقًا، كانت تلاوتي للقرآن ممتازة ومتميزة في التجويد. كما ذكرت، في ذلك الوقت وكنت في الحادية عشرة من عمري، كنت أدرس في صف تجويد. كان والد السيد ريشهري وبعض الشيوخ الكبار من ذلك الوقت يحضرون هذا الصف. أعرف والد السيد ريشهري وعمي والسيد معافي منذ الصغر، وأعرف قصصهم. ومع ذلك، كلما تليت القرآن، كان الشيخ المسؤول عن الجلسة يقول لي: “أعد” أي اقرأ مرة أخرى، رغم أن لا أحد كان يقرأ القرآن أجمل أو أدق مني. كان أستاذي المرحوم السيد اثني عشري، صاحب التفسير، يقرأ القرآن بسرعة فائقة، حتى أنني لو حاولت تقليده لأصابت فكّي وفمي أضرار بسبب الضغط. كنت مصرًا على أن تكون سرعة قراءتي مثل سرعته، وكان أحيانًا يسخر مني قائلاً: “اقرأ ثلاث صفحات فقط ولا تعذب نفسك”، أي عندما أقرأ آية، أنت فقط تقلب الصفحات بسرعة إلى الآية التالية. لم أكن أقبل هذا المزاح ولم أتحمله، حتى أنني تدربت كثيرًا وأجهدت فكي وفمي حتى تفوقت عليه في سرعة التلاوة، وكان ذلك بمثابة رد على سخرية أستاذي. استطعت ختم القرآن في إحدى عشرة ساعة ونصف، وأعتبر هذا النجاح من فضل الروح الإلهية التي كانت ترافقني. كان ختم القرآن في ذلك الوقت بمثابة ذكرٍ مستمر: ما إن أمسك القرآن حتى تنتهي تلاوته. للأسف، الآن لا أمتلك القدرة على أداء مثل هذا العمل، ولم أعد أتمتع بالعقل البسيط الذي كان لديّ في الطفولة، حيث كنت أظن أنني ألعب وأبدأ التلاوة وكأنها لعبة. أما الآن، فلا يمر لحظة إلا وأشعر بأن صخرةً تسقط على رأسي ويسقط في وادٍ، وقد تنتهي حياتي في لحظة، فهل من الأفضل أن يكرس الإنسان عمره لتلاوة القرآن؟

في جلسات تلاوة القرآن التي كانت تحفظ عن ظهر قلب، كان بعض القراء يجهلون إعراب الكلمات، هل هي مرفوعة أم مرفوعة بالفتح؟ ولهذا كانوا يقرؤون الكلمة، مثلاً “مرور”، بحيث لا يتضح إن كانت مفتوحة أم مرفوعة. كان الإعراب يظهر مبهمًا بين التلاوة، أي يشوه الكلمة بحيث لا تظهر الأخطاء بوضوح.

في تلك السنوات، شاركت في مسابقة كبيرة لتلاوة القرآن الكريم مع أمثال السيد ذبيحي، الذي كان يستمع إليه الناس في رمضان عبر الإذاعة، يتأثرون بمناجاته ويصومون. مع أنني كنت أمتلك هذه القدرة، إلا أن ذلك الشيخ الذي ذكرت كان يرفض تلاوتي بحجة بلوغي، وقال إن الطفل لا يستطيع قراءة القرآن. لقد تألمت كثيرًا من هذا التحيز، خاصة مع وجود كبار القراء في الجلسة. عندما كان الأستاذ يقول “أعد”، كنت أشعر بالخجل والحرج، وقررت تصحيح تلاوتي لأنها لم تكن مفيدة هكذا. وواصلت تحسين تلاوتي حتى أصبحت الأفضل في التجويد، ولم يكن أحد يضاهي قراءتي تحت السماء قبل أن أبلغ الحادية عشرة من عمري. وكان ذلك الأستاذ “الأعد” لا يزال معلمي. فكرت كيف يمكنني تمضغ الكلمات حتى أصل إلى هذا المستوى من التلاوة.

على أي حال، في ثمانمائة بحث كتبته، كانت المصادر الأولى التي أرجع إليها هي القرآن الكريم. وعلى المنبر كنت أقتصر على آيات القرآن فقط، لأن كثرة الكلام عن القرآن نافع ومحبب. أمتلك القدرة على استخراج علم النفس من آيات القرآن، وأوضح ذلك للناس في خطبي. قبل الثورة، كنت ألقي حتى ثلاثة عشر أو أربعة عشر خطبة في اليوم في مدينة واحدة، وكان الناس يحضرون بعضها، وكنت أفسر آية مختلفة في كل خطبة حتى لا يشعروا بالملل والتكرار.

رغم أنني درست الكثير من الكتب في الأدب، الفقه، التصوف، الفلسفة، علم الاجتماع، الاقتصاد، وعلم النفس، إلا أن القرآن الكريم وحده كان يجذبني. لقد استعملت أكثر من خمسين نسخة من القرآن حتى تلفت. القرآن كان حبي الوحيد. رغم أنني تعلمت على يد أساتذة بارزين مثل نابغة الأدب، أديب نيشابوري، الهی قمشه‌ای، وأرسطو العصر، والسيد شعراي، والسيد بروجردي الذي كان نبيًا في طهران، إلا أنه لا أحد لهم مكانة تعادل القرآن في نظري. القرآن كتاب دائم الحياة، ينزل معانيه بشكل مستمر، ودليل ثابت وحيوي. أنا أعتبر النبوة والوحي الذي تبعه، كما في آثار الإمام الخميني، مأخوذين من القرآن. الوحي ليس فقط الوحي التشريعي، بل هو صفة إنسانية كالشعر الذي يظهر في بعض الأحيان. فليس الشعر خاصًا بحافظ فقط، بل هو صفة يمكن أن تظهر في غيره، وكذلك الوحي يتجلى للأشخاص الذين تتفتح فهمهم مع مرور الزمن. تمامًا كما أن علم الله لا ينتهي وكلامه لا يقف، فالوحي أيضًا لا ينقطع إلا في التشريع. أي أحد يأتي، يكون تابعًا للشريعة الخاتمية.

كلما خرجت من المنزل، أحمل معي القرآن الكريم. في خطبي كنت أحمل نسخة واحدة فقط من القرآن، ولم أحتاج إلى كتاب آخر. القرآن كتاب يحتاج إلى معلم للانس والارتباط به، ولا يوفق أحد بدون ولاية أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام للاستفادة منه. للأسف، في الحوزات العلمية، القرآن كتاب مهجور، مادة ثانوية أو مضافة وليست رئيسة. العديد من المدعين للتدريس لا يملكون القدرة على الارتباط بالقرآن ولا هم أهل لذلك. بالنسبة لي، من كل الدنيا والآخرة أختار القرآن فقط، ولا أحتاج إلى شيء آخر. القرآن كتاب لا محدود ولا حدود له، يحتوي كل شيء، وهو “شهادة لكل شيء” كما أقول. القرآن حقيقة حية يمكن وضعها على القلب واحتضانها. كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[سورة النحل: 89]. أي كتاب آخر محدود، قابل للانتهاء، وليس معصومًا في عرضه للحقيقة، ويشيخ مع مرور الزمن، أما القرآن فهو كتاب فرازمني، دائم الفعالية والحداثة، يكتب نسخه للمرتبطين به ويستطيع شفاءهم. للأسف، القرآن مهجور، ولا توجد جامعات متخصصة في علوم القرآن والوحي، بل نحن أسرى علوم قرآنية تمهيدية فقط. كثرة الأعمال السطحية التي يقوم بها غير المختصين تُفسد شغف المجتمع تجاه القرآن، حيث إن بياناتهم تحمل ألغازًا معقدة لا فائدة منها، مما يسبب النفور. المجتمع القرآني يعاني اليوم من مشكلة محتوى، وليس إلا في التلاوة والترتيل والحفظ تجد حيوية. الحوزات العلمية أيضًا تعاني في المحتوى، وجذر المجتمع القرآني في ذلك.

أهم عمل قمت به على القرآن الكريم هو استخراج الموضوعات النفسية منه. لديّ أكثر من خمسين مجلدًا في علم النفس الذي أسميه “علم النفس التوافقي”. حتى في أوروبا والعالم الغربي، لا تجد من يمتلك علم نفس علمي من هذا النوع. علم النفس الذي أدرسه يشمل الجوانب النفسية والروحية للبشر.

طريق الكمال الذي رسمه الله هو ولاية أمير المؤمنين. الإسلام في ألف وأربعمائة سنة الماضية، بعد أن ابتعد عن طريق أمير المؤمنين، وصل إلى طريق مسدود، حيث أُفلست خمسون دولة إسلامية. كما أن الإسلام بدون أمير المؤمنين لا معنى له، فإن طريق الكمال أيضًا لا يتم إلا بالعلم الوحيي والقرآن العلمي الصحيح. كل العلوم في القرآن الكريم، من أصول، فقه، فلسفة، عرفان، وكل علم حتى لا ينحني أمام القرآن، يصبح مسدودًا وبلا صفاء أو سعادة. القرآن يجب أن يكون الدستور الأساسي لكل علم. إذا ظل القرآن مهجورًا، ستبقى الدول الإسلامية خاسرة. طريق أمير المؤمنين يبدأ بالقرآن العلمي والروحي.

هذه خلاصة تجربتي في التعامل مع القرآن الكريم. لا زلت أتعلم منه وأزداد حبًا له كل يوم.

ChatGPT said:

البَابُ في دُخُولِ القُرآنِ الكَريمِ هُوَ الالْتِصاقُ الصَّادِقُ بِباطِنِ وَحَقِيقَةِ هذَا الكِتَابِ الوَحيّ، وَقَدْ كانَتْ لِي هذِهِ الطَّرِيقَةُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ. أَوَّلُ كِتَابٍ تَعَرَّضْتُ لَهُ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ وَأَحْبَبْتُهُ وَتَعَرَّفْتُ عَلَيْهِ بِقَلْبٍ خَالِصٍ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ. كانَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أوَّلَ صَاحِبٍ لِي فِي العَالَمِ النَّاسُوتِيِّ. فِي هذِهِ الدُّنْيَا، كُنْتُ أَنْسَجُ أَوثَاقَ الصِّلَةِ وَالمُؤانَسَةِ مَعَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ كِتَابٍ آخَرَ. فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى” قَدَّمْتُ فَقَطْ جُزْءًا قَلِيلًا مِنَ الاِكْتِشَافَاتِ الَّتِي حَصَلْتُ عَلَيْهَا طِوَالَ هذِهِ الفَتْرَةِ، وَالظُّرُوفُ أَتَاحَتْ لِي ذَلِكَ. هذِهِ النِّقَاطُ الجَدِيدَةُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ لَيْسَتْ مَكْسُوبَةً بِجُهُودٍ بَلْ هِيَ مَوْهِبَاتٌ وَعِلْمٌ مَوْهُوبٌ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَقَدْ نِلْتُهَا بِفَضْلِ اللهِ وَدَوْلَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

أَؤْمِنُ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يَمْلِكُ الحُلُولَ وَالبرَامِجَ لِجَمِيعِ مَشَاكِلِ الإِنْسَانِ، مَا كَانَتْ رُوحِيَّةً أَوْ اقْتِصَادِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً، وَأَنَّهُ يُلْبِي جَمِيعَ الحَوَاجَاتِ العِلْمِيَّةِ فِي كُلِّ مَجَالٍ، وَلَكِنْ لِلوُصُولِ إِلَى هذِهِ العُلُومِ يَجِبُ العِنَايَةُ بِطَرِيقَةِ “الانْسِ مَعَ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ” وَاحْتِرَامُ قَوَاعِدِ هذَا العِلْمِ المُنَظَّمَةِ، وَاتِّخَاذُ القُرْآنِ الكَرِيمِ إِمَامًا فِي هذَا الطَّرِيقِ، وَعَدَمُ فَرْضِ فَرَضِيَّاتٍ تُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيمَ. تَحْصِيلُ طَرِيقَةِ الانْسِ مَعَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَطْلُبُ مَبَادِئَ رُوحِيَّةً كَثِيرَةً وَقَدْ شَرَحْتُهَا فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى”.

كُتِبَ “تَفْسِيرُ الهُدَى” عَلَى أَسَاسِ أَدَبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الخَاصِّ، لَيْسَ عَلَى الأَدَبِ الشَّائِعِ الَّذِي كَتَبَهُ أَشْخَاصٌ مِنْ دَاخِلِ مَدَارِسِ أهلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ أَدَبٌ غَيْرُ مُتَنَاسِبٍ مَعَ أَدَبِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَيَتَمَيَّزُ بِسَطْحِيَّةٍ وَبُسَاطَةٍ فِي المُحَادَثَاتِ العَامِّيَّةِ، وَهُوَ أَدَبٌ إِمَّا مُهْمِلٌ أَوْ مُمَارَسٌ لِتَشْرِيعِ الخُلَفَاءِ الظَّالِمِينَ، وَهُوَ عِلْمٌ سِيَاسِيٌّ وَمُفْضَلٌ عَلَى العِلْمِ الدَّقِيقِ المُرْتَكِزِ عَلَى الأَسَاسَاتِ القَوِيَّةِ وَالحَقَائِقِ.

كَذَلِكَ، كَانَ مِنَ الأَهْدَافِ المُهِمَّةِ فِي “تَفْسِيرِ الهُدَى” شَرْحُ النِّقَاشَاتِ التَّخَصُّصِيَّةِ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ الوَلَايَةِ لِكَيْ تُبَيِّنَ خَصَائِصَ وَصِفَاتِ الأَوْلِيَاءِ غَيْرِ المَعْصُومِينَ وَالأَنْبِيَاءِ الإِلَهِيِّينَ وَالأَطْهَارِ الأربَعَةَ عَشَرَ مِنَ المَعْصُومِينَ، لِكَيْ يُمْكِنَ التَّعَرُّفُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَالحُكْمِ عَلَى حِكْمَتِهِمْ، وَلَكِنْ تَعَطَّلَ دَرْسُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِسَبَبِ المُعَارِضِينَ وَالمُسَيْطِرِينَ بِالقُوَّةِ، فَخَسِرْنَا جَمِيعَ هذِهِ الأَمَلَ وَالأَمَانِيَ.

استخارة القُرآنِ الكَرِيمِ

أَعْتَبِرُ نَفْسِي صَاحِبَ الاستخارةِ الحَقِيقِيَّةِ، وَصَاحِبُ الاستخارةِ هُوَ مَن يَسْتَطِيعُ الاستخارةَ بِقَلْبِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ أَوِ التَّسْبِيحِ. فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الاستخارةِ مِئَةَ استخارةٍ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ، يَجِدُ قَلْبُهُ كُلَّهَا قَبْلَ فَتْحِ القُرْآنِ، وَالإِلْهَامُ القَلْبِيُّ يَكُونُ مُتَنَاسِقًا مَعَ القُرْآنِ دُونَ أَيِّ خِلَالٍ. وَإِنْ وَجَدَ خِلَالًا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، فَهُوَ عَلِيمٌ بِالاستخارةِ وَلَيْسَ صَاحِبَ الاستخارةِ.

مِنَ الأَعْمَالِ المُهِمَّةِ الَّتِي قُمْتُ بِهَا فِي هذَا المَجَالِ تَدْرِيسُ الاستخارةِ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ، وَنَتِيجَةُ هذَا الدَّرْسِ هِيَ خَمْسُ مُجَلَّدَاتٍ تَحْمِلُ عُنْوَانَ “عِلْمُ الاستخارةِ”، وَهذِهِ الكُتُبُ تُعَلِّمُ الطُّلابَ كَيْفَ يَكُونُونَ صَاحِبِي الاستخارةِ الحَقِيقِيِّينَ، وَلَا يَكُونُونَ مُجَرَّدَ مُرَاسِلِين يَسْتَعْمِلُونَ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَمَا شَابَهَهُ فِي الاستخارةِ.

فِي الختام، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هذَا التَّصْرِيحُ وَمَسَائِلُهُ نَافِعَةً وَمُلهِمَةً لِمَن يُرِيدُ الوُصُولَ إِلَى الحَقِيقَةِ وَالعِلْمِ المُنَظَّمِ بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ. إِنَّ تَفْسِيرَ الهُدَى لَيْسَ فَقَطْ كِتَابًا، بَلْ هُوَ مَسَارٌ وَسَبِيلٌ لِفَهْمِ القُرْآنِ وَالاستخارةِ بِه، وَالوُصُولِ إِلَى الحَقِيقَةِ وَالمَعْرِفَةِ الرُّوحِيَّةِ.

أهمية القُرآن الكريم في بناء الشخصية والوعي الروحي

إنَّ القرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُقرأ أو يُتلى، بل هو منهج حياة وأسلوب تفكير ينبثق منه كل سلوك صالح وكل حركة ذات مغزى. فقد وجدتُ في القرآن منارةً ترشدني في كل مراحل حياتي، فهو الحاكم بين القلوب، والقادر على أن يغيّر الداخل قبل الخارج. ومن خلال تفسيري الخاص، “تفسير الهدى”، حرصتُ على أن أُظهِر للناس هذا البُعد العميق، وأبين كيف أن فهم آياته يتطلب تصفح القلب قبل النظر إلى الحروف.

فالفهم العميق للقرآن يفتح أبواب الحكمة، وينير الدروب أمام السالكين، وهو بذلك أعظم مدرسة روحية واجتماعية وأخلاقية. والارتباط الحقيقي بالقرآن هو الذي يخلق في النفس وعيًا حيًا بحقائق الحياة، ويدفع الإنسان لأن يكون رسولًا للأخلاق والقيم في مجتمعه.

التحديات التي تواجه تفسير القرآن وفهمه

أحد أكبر التحديات التي واجهتها، والتي يواجهها الكثير من الدارسين والمفسرين، هو وجود ممارسات تفسيرية سطحية، أو تفسير من دون علم دقيق، بل أحيانًا مُغرض سياسيًا أو اجتماعيًا، يستخدم القرآن لتمرير أفكار أو مصالح شخصية أو جماعية.

لذلك، كان من الضروري في “تفسير الهدى” أن نضع منهجًا واضحًا يستند إلى قواعد دقيقة، ويحترم خصوصيات أدب القرآن، مع الابتعاد عن التفسيرات المبنية على تخمينات أو تعصب أو محاباة لأهواء شخصية. وهذا يتطلب من المفسر أن يكون على درجة عالية من الورع والعلم والتقوى، وأن يكون دائمًا في حالة استقامة روحية وعلمية.

الدعوة إلى الاستخارة الحقيقية بالقرآن

الاستخارة الحقيقية ليست مجرد قراءة صلاة الاستخارة، أو طلب الحظ والرزق. إنها حالة روحية وعقلية تتطلب تواصلًا صادقًا مع الكتاب الكريم، وقراءة قلبية تنسجم مع المعاني والحكمة. ويجب أن يكون الانسان مُهيأً داخليًا لهذا اللقاء الصادق مع القرآن ليخرج بنتائج صحيحة لا تشوبها شائبة.

في دروسي ومؤلفاتي عن علم الاستخارة، أردت أن أعلّم الناس كيف يكونون “أصحاب استخارة”، وليسوا مجرد مُرسلين يكررون كلمات دون فهم حقيقي. فالاستخارة طريق إلى معرفة الأقدار بحكمة، وفتح أبواب الفهم والإلهام الإلهي.

ختامًا

أدعو كل من يقرأ ويبحث عن الحقيقة أن ينفتح قلبه وعقله على القرآن الكريم كمنهج حياة، وأن لا يكتفي بالقراءة السطحية أو التفاسير الجاهزة، بل أن يطلب العلم والهدى والبركة من الله، وأن يسلك طريق الاستخارة الصادقة التي تجعل من القرآن رفيقًا دائمًا ومرشدًا لا يخطئ.

وأتمنى أن يكون “تفسير الهدى” بوابةً لكل باحث عن نور، ودليلًا لكل طامح في سمو روحه وعقله.

في مسجد أهل السنة كانوا يُحَفِّزون الأطفال في سن الرابعة والخامسة على حفظ القرآن الكريم. قلت لمُعلِّمهم: لماذا تُعذِّبون هؤلاء الأطفال؟ ينبغي تعليمهم محتوى القرآن. كانوا يُجبِرون الأطفال على أداء صلاة التراويح. سألت مربّيهم: هل تعلمون ما معنى التراويح؟ ولم يكن أحد يعرف معناها.

منذ طفولتي أوليت اهتمامًا خاصًا للأحاديث الشريفة وتحليلها العلمي. الأحاديث التي تعلقت بها نُشرت في كتاب مؤلف من مجلدين بعنوان «المِسكة». و«المِسكة» تعني المِسْكَن الذي يتشبث به الإنسان فينجو من السقوط. هذا الاسم أفضل كثيرًا من أسماء أخرى مثل «مصباح الهدى» أو «سفينة النجاة»، إذ إن «مصباح الهدى» يدل على ضوء في البر، و«سفينة النجاة» تشير إلى مركب في البحر، أما «المِسكة» فهي تعبر عن مِسْكَن أو معول تثبيت في كل مكان، بمعنى أن الإنسان بتمسكه بأحاديث أهل العصمة يستطيع أن يسير في طريق النجاة والسلامة والنجاح.

الولاية والتوحيد يمنحان الإنسان مِسْكَنًا راسخًا ودعامة متينة. فمعرفة الولاية والتوحيد تمنح الإنسان روحًا صلبة واعتقادًا راسخًا تصل به إلى الحقيقة. هذه الحقيقة الباطنية تجعل المؤمن كقطعة من الحديد الصلب، لا ينفذ فيه شيء. كما قلت من الحديث الذي علمتنا إياه السيدة گلين: «إن المؤمن أشد من زبر الحديد». وقد ورد هذا الحديث في كتاب «المسكة» تحت عنوان «التثبّت علامة المؤمن»، وهو عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن خضر بن عمرو قال: قال أبو عبدالله: «إن المؤمن أشد من زبر الحديد، فإن الحديد إذا دخل النار لان، وإن المؤمن لو قُتل ونُشر ثم قتل ونشر لم يتغير قلبه».

الولاية والتوحيد تعطي الإنسان فكرًا وعقيدة صلبة لا تتغير، وكأن هذه المقاومة مكتوبة في جيناته. كما قال الشاعر:

موحد چه زر ريزى اندر برش
چه شمشير هندی نهی بر سرش
امید و هراسش نباشد زکس
بر این است بنیاد توحید و بس

التوحيد هو ذلك. فالتوحيد يدل على أنه حتى وإن انحنى الموحد أو تمزق قلبه، فإنه يظل قويًا وثابتًا، وهذا ما نسميه «المِسكة» والدعامة التي لا تنكسر.

تأملتُ مدةً في الحديث عن أمير المؤمنين الذي يقول: «فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض»، وراجعت جميع الأحاديث المتعلقة بالأرض وموضوعها. لكن لم أجد كثيرًا من الأحاديث التي تتحدث عن محتويات أعماق الأرض، ليس السطح. وهذا بسبب عدم ملائمة الزمن لتقديم العلم، حيث أن الحديث عن المجهولات يؤدي إلى تكذيب الإنسان، مثل ما حدث لجاليليو في الغرب ولعديد من علماءنا الشهداء الذين كانت جريمتهم العلم. نحن الآن، بعد ألف عام من التقدم العلمي، ما زلنا في مرحلة ما قبل التعليم المبكر بالنسبة لمستقبل الإنسان. نعم، الأولياء لأنهم متجاوزون للزمان لديهم أعظم العلوم، لكنهم لا يستطيعون الاستفادة منها بسبب محدودية العقل البشري وعدم امتلاك أبجدية تلك العلوم. أقول إن الكمبيوتر سيصبح قديمًا في المستقبل وسيحل مكانه خيار آخر لا يمتلك أبجديته الآن ليتحدث مع البشر اليوم. أدوات نقل العلم في المستقبل ستكون مختلفة.

قضيت نحو أسبوع أبحث فيما يوجد في باطن الأرض. خلال ذلك الأسبوع، والذي كان من الصعب فيه الغوص في طبقات الأرض العميقة، اكتشفت أنه لاختراق طبقة لا يزيد سمكها عن خمسة سنتيمترات، نحتاج إلى مثقاب مختلف عن السابق، وهذا مكلف جدًا للبشر اليوم. لكن إذا تمكنت دولة من تحقيق هذا الاختراق، فإنها ستصل إلى موارد لا نهائية من مياه الشرب ولن تواجه أبدًا أزمة المياه. هذه المياه ليست في الطبقة السطحية أو قشرة الأرض، بل في أعماقها. أرى أن الكرة الأرضية يجب أن تسمى كرة مائية بسبب هذه المياه الداخلية، وليس فقط بسبب مياه المحيطات. لقد اختبرت هذه المياه بطريقي الخاصة، وهي تحتوي على كائنات حية. ما زلنا لا نعرف ما تحت أقدامنا. لم أقل شيئًا، لكنني تعرضت لمصير أسوأ من جاليليو. الإنسان العاقل لا يهدر العلم ولا يسلمه ليد شيطان شرير ليستخدمه في الظلم والقهر.

صحيفة الحب

إذا لم يتم تفسير الدين والحكمة والفقه والقرآن الكريم والروحانيات في إطار العصمة، فلن يحقق المذهب الشيعي نموًا علميًا على المستوى العالمي، لأن مثل هذه النقاشات الروحانية الشائعة في المراكز العلمية والروحانية حول العالم كثيرة، وتقدم المذهب الشيعي يعتمد على فتح باب فهم حالات مقام العصمة في العلوم الدينية. وكذلك في شرح وتعريف العصمة، يجب الابتعاد عن الكتب الدينية التقليدية، لأن ما نراه من خصائص العصمة غير موجود في تلك الكتب. تلك الكتب عبارة عن مجموعة من الأقوال المختلفة كأنها رقع مخيطة، والكتاب الواحد يشبه حقيبة من أربعين رقعة. بعض المؤلفين لا يملكون قدرة على تقديم رأي خاص، لذا يجمعون آراء الآخرين. الروحانيات في حضرات المعصومين تختلف عن الروحانيات المعروفة في هذه الكتب. حاولنا تحويل صحيفة السجادية إلى كتاب دراسي، لكن قوبلنا بالرفض ولم نستطع المواجهة، فقد أعاقونا وأبدوا اعتراضهم بشكل غير مباشر. للأسف، هذه النقاشات لم تُسجل، وكتاب «صحيفة الحب» يستند إلى ملاحظات أحد الطلاب التي تحتوي على بعض مناقشات روحية من تلك الدروس، مع إضافات وتعليقات المؤلف، لكن للأسف اختلط الأمر وتشوه. كتب أحد المحترمين ملاحظات مختصرة من تلك النقاشات وصارت كتابًا. نعتقد أن صحيفة السجادية كتاب روحي يختلف عن الروحانيات الأخرى. يمكن فهم هذا الاختلاف في زمان ومكان الدعاء أو التوفيق والرحمة التي حصل عليها الإمام السجاد عليه السلام. كما ذكرنا، أردنا تحويل صحيفة السجادية إلى كتاب دراسي في الحوزة العلمية، وبدأنا شرح دعاء المكارم، لكن لم نجد الدعم. تحويل الصحيفة إلى كتاب دراسي علمي متين صعب جدًا، وسبب تهميش الصحيفة هو صعوبة نصها الثقيل. يقولون: نهج البلاغة أخ القرآن، وصحيفة السجادية أخت القرآن. لكن إطلاق لقب «أخت القرآن» على الصحيفة غير دقيق، لأن صحيفة السجادية أيضًا أخ القرآن، وكلاهما أخوان للقرآن. الصحيفة ثقيلة المعنى، وفهمها ليس سهلاً.

مثلاً، يصل السالك في طريقه إلى مقام يجعل نية التقرب إلى الله هي أثقل الأمور عليه، وأثقل من التلفظ بها. فالله يرحمنا ويعفينا من التعبير اللفظي لها. السالك عند الصلاة يقول فقط «الله أكبر» ويقف ويردد بأنه يصلي الفرض، وصلاة الظهر أو العصر، وهكذا. مثل هذه الصلاة كاللحاف الخفيف. كلما زاد السالك تعقيد عمله، نقص باطنه. كلما ازداد ظاهر العمل، قل باطنه. الأولياء يستحيون من فعل الخير لأنهم وصلوا إلى معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله». هذه المفاهيم الروحية يجب البحث عنها في صحيفة الإمام السجاد عليه السلام. ما ورد في كتب الروحانيات التقليدية هو روحانيات المحبين، أما روحانيات المحبوبين فهي في نصوص مثل صحيفة السجادية.

ترجمة صحيفة السجادية

سافر أحد العلماء الأفاضل إلى الخارج وكان يتحدث الإسبانية وبدأ يترجم الصحيفة لتلك اللغة. بعد ذلك سلمها لمصحح مسيحي عالم، الذي أثنى على الكتاب وقال إنه كتاب روحي عميق واستمتع بقراءته. ثم طرح تساؤلاً: لماذا يكثر الإمام السجاد من مدح نفسه وإرسال الصلوات عليه؟ لم أكن أملك جوابًا. فسردت له أننا في كتاب «صحيفة الحب» أجبنا على ذلك، حيث جمعنا أنواع الصلوات في الصحيفة، وكل واحدة لها ذكر خاص وتأثير مختلف. الطبعة الأولى نفدت، ومنع الأخوان المعارضون الطبعة الثانية. نحن تحدثنا عن تنوع الصلوات في الكتاب، وناقشنا خواصها في كتاب «علم الذكر» بشكل لم يوجد في أي كتاب آخر. السلوك الروحي يتم بالذكر والصلوات، ولكل منزل ذكر خاص، فإذا كان السالك صاحب اسم ربي، له صلاة خاصة، كما أن لكل مريض دواء معين. الصلوات أنواع ويجب أن يستخدمها الناس حسب حالهم. لا ندعي شيئًا، كنت بسيطًا وعلمني الناس مجانًا. في صحيفة السجادية آلاف الصلوات، وهي معركة في حد ذاتها، ولكل استخداماته. ذكر الصلوات بدون الاعتبار لخصائصها غير مجدي. في دعاء المكارم تسعة عشر وصفًا، وفي الصحيفة مئة وسبعة وسبعون وصفًا. للأسف، حياتنا قصيرة لدراسة هذا كله. لا جامعات ولا حوزات علمية تهتم بهذه الدراسات، فالحوزويون يكررون دون تطوير.

ذلك العالم كان يعيش في الخارج مع أسرته ويترجم الكتب الشيعية، وعندما سلمته المواد كان في عجلة للعودة، وقال يجب أن أعوض هذا العار. قال إنه نقل كل معارف الحوزة إلى الخارج، وخجل أمام كاهن مسيحي، رغم أن خجله ليس كبيرًا، لكنه انتقد ذكر الصلاة بشدة.

الفصل الرابع: الجامعة «الخلوت والظلام»

الفصل الرابع: الخلوة المظلمة

سير الحب – المجلد الأول

الظلام والخلوة الليلية

أقضي ساعات طويلة من الليل في ظلام دامس، ونادرًا ما أنام. أعيش جيدًا في الظلام. مثلاً، بأصابعي التي تحوي أكثر من عشرين مفتاحًا، أفتح أي قفل. لا أحتاج للنور في المشي أو حتى القراءة، لأن النور يضايقني ويؤثر على أعصابي. حياتي الليلية لا تسبب إزعاجًا لأحد، ولا أُصدر أصواتًا. منذ الصغر كنت هكذا. عندما تُقام صلاة المغرب والعشاء، كنت آخذ مفتاح المسجد وأخفيه في جيبي بدلاً من وضعه عند حاج عبد الله. لم يكن بالإمكان العمل في البيت ليلاً دون أن يلاحظ أحد، فكنت أفتح الباب بهدوء وأبدأ حياتي في الظلام. كنت أصلي في المسجد في الظلام، ولا يمكن تشغيل أي مصباح لأن الناس يظنون أن اللصوص دخلوا المسجد. في ذلك الوقت، كنا نستخدم المصابيح التي تعمل بزيت الكيروسين، ولم يكن هناك كهرباء. كما أنني أذهب أحيانًا في الظلام إلى المقبرة، وقد شرحت هذا في موضع آخر.

أحيانًا أضع وسادة للاستراحة، لكنني لا أنام، فالجلوس المستقيم يجهد ذهني ويجعلني خاملاً. كما أنني لا أُطوي يديّ أبدًا، فالأشخاص الذين يفعلون ذلك يواجهون مشاكل وتجمّد في حركتهم.

زندگی در تاریکی برای من نه‌تنها یک عادت، بلکه یک فضای معنوی و روحانی است. در این خلوت تاریک، ذهن و جانم آرامش می‌یابند و به دنیایی عمیق‌تر و ناشناخته‌تر دست پیدا می‌کنم. در آن تاریکی مطلق، غرق در تفکر و ارتباط با خود و خدا می‌شوم؛ جایی که هیچ حواس‌پرتی وجود ندارد و هر چیز با وضوح خاصی به چشم دل دیده می‌شود.

این سکوت و تاریکی، فرصتی است برای بازخوانی خود و درک واقعیات وجودی، فرصتی برای شناختن حقیقت‌هایی که در نور روز و هیاهوی زندگی روزمره پنهان می‌مانند. تاریکی، برای من نه ترسناک است و نه خالی، بلکه غنی از حضور‌های پنهان و حقیقت‌های بزرگ است.

در این تجربه‌ها، احساس می‌کنم که به مرحله‌ای از سکون و ثبات رسیده‌ام که دیگر هیچ گونه اضطراب و نگرانی نمی‌تواند مرا به هم بریزد. این حالت، همان «مسکه» است که در آموزه‌های دینی به آن اشاره شده؛ دستاویزی که انسان را از سقوط در تاریکی‌های دنیا و آزمایشات زندگی محافظت می‌کند.

في فترة المراهقة، عندما كان يداهمني النعاس، كنت أصفع نفسي بيدٍ خفيفة كأنها يد ذئب، حتى ينتفي النعاس من عينيّ. أحيانًا، بسبب العصى التي كنت أربطها حول عنقي، كان عنقي يؤلمني لأيام. كنا نولي الدراسة والبحث العلمي أهمية بالغة، واعتبرناها واجبًا وضرورة، لدرجة أننا لم نسمح للنوم أن يغلبنا ولو لدقيقة واحدة. لقد سهرت ليالي كثيرة دون نوم، وبهذه الطريقة قمت بالدراسة والبحث حتى أنجزت اليوم أكثر من ثمانمئة مؤلف علمي ومبتكر.

كنت أذهب إلى الدراسة قبل أذان الفجر. في الصباح، حيث يكون النوم شديد اللذة، إذا داهمني النعاس أثناء الدرس، كنت أصفع وجهي بعصى خفيفة وأضرب عنقي بالعصا، فينتفي النعاس من عينيّ. كنت أتدرب على أن أستيقظ حتى بعد دقيقة واحدة من النوم. أحيانًا كنت أنام دقيقة واحدة فقط أثناء الدرس لأستجمع طاقتي وأعود للنشاط. في مدرسة الفيضيّة، أحيانًا كنت أنام خلال الدرس نومًا قصيرًا جدًا دون أن يشعر الحاضرون بذلك، إذ كنت قد نمت دقيقة واحدة فقط وأخذت استراحة.

رحم الله الأستاذ آية الله الإلهي، كان يقول: في ليالي الشتاء الباردة جدًا، عندما أردت أن أبقى مستيقظًا لأدرس، كان النعاس يغلبني. لأتغلب على النوم، كنت أرفع سجادة الحجرة وأجلس على الأرض. كانت برودة الأرض في الحجرة تنزع النوم مني. علماً بأن حجرات عام 1300 هـ (أي قبل أكثر من تسعين سنة) كانت مختلفة. أحد أساتذتي كان يقول: لكي أتغلب على النوم وأتمكن من الدراسة، كنت أضع مصباح الزيت تحت صدري، فإذا غلبني النوم تحترق لحيتّي. كان عالماً ولحيته تدل على وقاره، ولأنه كان يحتاجها، تغلب على النوم بهذه الطريقة.

كنت كثيرًا ما أسهر الليالي بلا نوم على الإطلاق. ولم أكن أحتاج لتلك الأساليب. كنت أتمتع بغلبة على النوم إلى حد أنني لفترة أنكرت الحاجة الضرورية للإنسان للنوم، لكني عدت عن هذا الرأي بعد سنوات. في فترة المراهقة، كنت أذهب إلى درس أستاذ يبعد عن منزلنا عدة أميال، في الشتاء كنت أذهب بدراجتي تحت الثلج وأحيانًا تحت المطر. كان يأتي ويقول بسهولة: لم أدرس. كنت أغمرني القلق، لكني أقول: يا الله، أنا قد جئت. في بعض الأيام كان يقول: يبدو أنك قد درست أكثر مني؛ لأنني كنت أقرأ التمهيد للدرس. إذا قيل إن الملائكة يمدون أجنحتهم لطالب العلم، فهذا لا شيء مقابل المشاق والآلام التي يتحملها الطالب والعالم الديني ليصل إلى العلم الديني. أما اليوم فلا أثر للعلوم الدينية ولا للأهل العلم الذين تُمد لهم أجنحة الملائكة، بل بعضهم يجلس على أفضل السجاد في أفضل الحجرات، والملائكة حين يرون ذلك، لا يعنون أنفسهم بهم، ويجمعون أجنحتهم ويذهبون. هل حرمة الملائكة مزاح لكي يبذلوها لكل من شاء؟

عندما كنت في حجرة الفيضيّة، كنت لا أنام ليلاً. كان جميع الطلبة نائمين ما عدا أنا وطلبة يعاني من اضطرابات نفسية، كان هو الآخر يقضي الليالي سهرانًا مثلنا. كانت الأ مضاءة فقط في حجراتنا. كان أحيانًا يدخن الأرجيلة ويقرأ الروضات على قتل الإمام الحسين (عليه السلام). هو كان ينام حتى الحادية عشرة صباحًا، أما أنا فكنت أنام بعد صلاة الفجر نصف ساعة أو ثلاث أرباع الساعة. في ذلك الوقت لم تكن الكهرباء موجودة، وكانت ليالي الفيضيّة مظلمة. لم تكن هناك وسائل التسلية المعاصرة مثل التلفاز أو الهاتف المحمول، فكان بالإمكان القيام بأعمال كثيرة ومباركة ليلاً. في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك، ذهبت إلى زيارة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فحصل لي نشاط استمر 24 ساعة، أي أنني في ذلك الشهر لم أنم حتى نصف ساعة أو ثلاث أرباع ساعة، لكن لاحقًا أصابتني مشاكل واضطررت للاعتناء بالنوم. كنت أقضي كل وقتي في الدرس والبحث والتدريس، وأخصص خمس دقائق فقط للزيارة السريعة من الفيضيّة إلى الحرم.

كنت أجلس ليلاً وأبكي على حال بعض مخلوقات الله العالقة. أبكي على الحيوانات التي لا مأوى لها ولا طعام في شتاء قارس وتموت من البرد والجوع. أبكي على الحيوانات التي تُدهس بسيارات في الصحارى. أبكي على النمل الذي يُدهس تحت الأقدام. أبكي على من هم بلا مأوى في العزل أو في السجون. أبكي على الفقراء الذين لا يستطيعون تلبية حاجات زوجاتهم وأولادهم، والألم والخنقة تملأ كيانهم. أبكي على المرضى المحتجزين في المستشفيات الذين لا أستطيع مساعدتهم بشيء. أؤمن بأن الإنسان يجب أن يحب الجميع، كل المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان إلى الإنسان، كلها خلق الله. أبكي لهم لأنني لا أستطيع فعل شيء آخر. أقول على الأقل لا أكون غير مبالٍ تجاههم. أحب كل الظواهر وأعشق ذرات الوجود، وقد عبّرت عن محبتي للبشر في شعري بوضوح. أحد كتبي اسمه “السيد الذرة”، أعشق ذرات المخلوقات وتواصلت معها. في شعري أكرمها ولم أشكُ لأحد، وإذا شكوْتُ فقد رضيت عن الجميع في القلب. أضحّي بكل ذرة وكل ظاهرة. عندما أرى ذرة يفيض قلبي بسعادة كبيرة. لا أفرح بخيبة أحد وأبكي في الليل على خيبات وأحزان الجميع.

في مرحلة الشباب، كنت أتلقى دروسي وأدرس بحماس كبير. لم يكن النوم حاجتي الأساسية، بل كان السهر والبحث هما الهدف الأسمى. كنت أذهب إلى أماكن بعيدة للحصول على العلم، لا أبالي بالتعب أو الظروف المناخية القاسية. لقد تعلمت أن تحصيل العلم يتطلب التضحية والصبر والمثابرة.

كانت الليالي تمضي وكأنها نهارات، ولا شيء يوقفني عن السعي وراء المعرفة. في بعض الأحيان، كنت أشعر بثقل النوم يغلبني، لكني كنت أستخدم الوسائل المختلفة التي تعينني على الاستيقاظ، مثل صفعي لنفسي أو استخدام العصا التي كانت تربطها حول عنقي، وكانت تؤلمني لكنها كانت تفي بالغرض في إبعاد النعاس.

في تلك الأيام، كان الناس يفتقرون إلى وسائل الراحة الحديثة، لكن كانت قلوبنا مفعمة بالإيمان والعزيمة. كنا نؤمن أن العلم نور، والجهل ظلام، وكان ذلك يدفعنا إلى الاستمرار في البحث والدراسة مهما كلفنا الأمر من جهد وعناء.

لقد تعلّمت أن الحب الحقيقي للعلم يتطلب تضحية ذاتية، وأن العالم الحقيقي هو الذي يستحق أن نُهدي له حياتنا. كان حبّ المعرفة يتغلب على كل شيء، حتى على حاجتنا للنوم والراحة.

كنت أبكي كثيرًا على حال الإنسانية، وعلى المخلوقات التي تعيش في معاناة مستمرة، ولم يكن ذلك مجرد تعاطف عابر، بل كان شعورًا عميقًا ينبع من قلبي وروحي. كنت أؤمن بأن الرحمة شاملة لكل المخلوقات، وأن الإنسان مسؤول عن رفاهية جميع الكائنات.

كانت دموعي تعبيرًا عن محبتي وشعوري العميق بالمسؤولية تجاه الآخرين، ولا زلت أؤمن أن العلم ليس فقط نقلًا للمعلومات، بل هو أداة لتحسين حياة الناس والحفاظ على كرامتهم.

وفي النهاية، أؤكد أن السهر والعمل الجاد هما السبيل لتحقيق الأهداف العلمية والإنسانية، وأن التضحيات التي قدمتها في شبابي كانت سببًا في ما وصلت إليه من إنجازات علمية ومبتكرات متعددة.

الجزء الأول:

نجمةٌ بلا علامة

كانت والدتي إنسانة عظيمة الجلالة والشأن. نقش على شاهد قبرها عباراتٌ مختصرة تعبر عن مقامها الروحي، مثل «عارفةٌ متألِّمة» و «نجمةٌ بلا علامة». وهذه العبارات تختصر عظمة باطنها، فهي كانت أسمى من أن تحصرها كلمات. لقد كانت تمثالاً في عالم الروحانية والتصوف، لكنها بلا علامةٍ تُعرف بها. فقد احتوت في ذاتها كل محتويات علم التصوف. توفيت والدتي عن عمرٍ يناهز خمسة وتسعين عاماً. وكانت لي كالكعبة التي ألتمّ حولها كالفراشات، وظللت طوال حياتي أسعى لأن أكون قريباً منها كالفراشة.

عندما كنت في سن الطفولة، كان جميع أفراد المنزل، ومنهم والدتي، يصومون في الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان. كنت طفلاً في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري حين بدأت أصوم هذه الأشهر الثلاثة، وكان هذا عادةً متوارثة في بيتنا، ولعل السبب الأهم هو وجود والدتي التي كانت تشعّ صلابةً دينيةً وحزمًا روحيًا في المنزل. كانت والدتي تصلي بحب وإخلاص، وكانت تقيم عدة سجادات في آنٍ واحد، فتجلس في كل سجادة وتقول أذكاراً خاصة، وأحياناً تقرأ القرآن بصوتٍ عالٍ لساعاتٍ متواصلة. في طفولتي، كانت تحب أن أقرأ القرآن بصوت مرتفع. كان لنا قريبٌ يُدعى آقا شيخ علي يأتي أحيانًا إلى بيتنا، يقرأ القرآن أو دعاء الكميل بصوتٍ جهوري. رحم الله روحه، فقد استشهد في الجبهة. كانت والدتي تقول لي: “يا محمد، قراءتك للقرآن هادئة، لماذا لا تقرأ بصوتٍ مرتفع؟” فكنت أجيبها: “قرآني مكتوب بصوت منخفض، أما قرآن آقا شيخ علي فمكتوب بصوت مرتفع”.

الجزء الثاني:

كانت والدتي شخصية فريدة في اعتقاداتها وممارساتها الروحية. لم تكن تتوقف عند حدود الطقوس الدينية التقليدية، بل كانت تنغمس في التأمل الروحي العميق. كانت تقف لساعات في الصلاة والدعاء، وكان صوتها يرتفع بين الحين والآخر، معبراً عن حالة وجدانية شديدة. وقد أثرت هذه البيئة الروحية عليّ كثيراً في طفولتي، إذ ترسخت في نفسي قيم الصبر والتقوى.

كما كانت والدتي تهتم بأمور الدين بكل جوانبها، فكانت تتابع القراءة والبحوث في الفقه والتصوف. وكان هذا الاهتمام ينعكس على حياتنا اليومية، حيث كان بيتنا ملاذاً للعلماء والمتصوفة الذين يأتون لتبادل المعرفة والحكمة. ومن خلال هذه اللقاءات، تعلمت الكثير عن قيم الحياة والروحانية التي تجاوزت حدود المعرفة النظرية لتصبح أسلوب حياة.

والدتي كانت رمزاً للصبر والحكمة، لم تبكِ في وجه المحن ولم تضعف أمام الصعاب. كانت تقول لنا دائماً: “الصبر مفتاح الفرج، والثقة بالله هي سلاح المؤمن.” وقد عاشينا معها هذه القيم حتى أصبحنا نحن أيضاً نواجه التحديات بقلبٍ قوي وإيمان راسخ.

عندما تذكرت والدتي، شعرت بأنها كانت نجمًا ساطعًا في سماء حياتي، لكنها نجمة بلا علامة، لأن عظمة روحها لا تُحتوى بالكلمات أو الأوصاف. لقد كانت تجسيداً حياً للحب الإلهي، والرحمة، والسكينة، التي كانت تنثرها على من حولها بلا حدود.

الجزء الثالث:

إن تأثير والدتي على شخصيتي لم يقتصر فقط على الجانب الروحي، بل امتد ليشمل جوانب متعددة من حياتي الاجتماعية والثقافية. فقد غرست في نفسي مبادئ الاحترام المتبادل، وحسن التعامل مع الآخرين، والالتزام بالأخلاق الحميدة في جميع تعاملاتي اليومية. كانت تؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بمكانته أو ثروته، بل بمدى احترامه لذاته وللآخرين، وبمدى ما يتحلى به من قيم إنسانية نبيلة.

علاوة على ذلك، كانت والدتي تشجعني على السعي وراء العلم والمعرفة، وتحثني على الاجتهاد والمثابرة في دراستي. لم تكن ترى في التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل كانت تعتقد أنه سبيل لفهم أعمق للحياة وللعالم من حولنا، ومفتاح لتطوير الذات وخدمة المجتمع.

وقد كانت تتابع تطورات العلم والأدب، وتحرص على توفير الكتب والمصادر التي توسع مداركي، ما جعل بيتي مركزًا للعلم والبحث والمعرفة. وقد أثر هذا الجو الإيجابي في تكوين شخصيتي، حيث تعلمت كيف أكون ناقدًا واعيًا وموضوعيًا، وكيف أتقبل الأفكار المختلفة بحكمة وتفتح.

بالإضافة إلى ذلك، كانت والدتي مثالاً في التواضع والبساطة، رغم ما تملكه من حكمة وروحانية عالية. لم تكن تحب التفاخر أو التكبر، بل كانت تؤمن بأن العظمة الحقيقية تكمن في تواضع الإنسان وقدرته على خدمة الآخرين بمحبة وإخلاص.

الجزء الرابع:

إن تأثير والدتي كان واضحًا أيضًا في كيفية تعاملي مع التحديات والمصاعب التي واجهتها في حياتي. فقد علمتني أن الصبر والثبات هما مفتاحا النجاح في مواجهة الأزمات، وأن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنح الإنسان القوة اللازمة لتجاوز المحن. كانت تردد دائمًا أن الحياة ليست مجرد لحظات فرح وسعادة، بل هي مزيج من تجارب مختلفة، وأن الإنسان الحقيقي هو من يواجه هذه التجارب بشجاعة وحكمة.

كما حرصت والدتي على تعزيز الروح الوطنية في نفسي، وغرس حب الوطن والانتماء إليه بكل ما أوتيت من قوة. كانت تؤكد على أهمية العمل الصالح من أجل المجتمع والوطن، وتحمل المسؤولية تجاههما بكل صدق وأمانة. وقد ساعدني هذا التعليم على أن أكون مواطنًا فاعلًا ومسؤولًا، ملتزمًا بالمساهمة في بناء بلدي وتحقيق تقدمه وازدهاره.

من جهة أخرى، كانت والدتي نموذجًا في التوازن بين الحياة العملية والعائلية، حيث لم تغفل يومًا عن اهتمامها بأسرتنا رغم مشاغلها المتعددة. كان بيتنا ملاذًا آمنًا، وبيئة حاضنة تشعر فيها كل فرد منا بالحب والاهتمام والدعم، وهذا ما ساعدني على بناء علاقات صحية وقوية مع أفراد عائلتي وأصدقائي.

للأسف، على مدار هذه السنوات، ساد نظام تحويل المفهوم إلى مفهوم في الحوزات العلمية. إن هيمنة هذا النظام جعلت العلماء والمجتهدين الدينيين يلجؤون إلى الاستخارة من أجل التوجه إلى جبهات الحرب، أو يغيبون كليًا عن الخطوط الأمامية للقتال. ليت صانعي الأفلام يُترك لهم الحرية لإنتاج عشرات الأفلام مثل فيلم «مارمولك» التي تنتقد المجتمع الديني. يجب على رجال الدين أن يتيحوا للمجتمع فضاءً نقديًا وأن يكونوا هم أنفسهم قابلين للنقد دون أن يهددوا أو يفرضوا رقابة على النقد. برأيي، لو حضر المجتهدون بشكل مباشر في ميادين الحرب، لما طال أمدها بهذا الشكل، ولما تمكن صدام من البقاء في بداية الحرب. كما كان الإمام الحسين في الصفوف الأولى للمقاومة وفي ميدان القتال، يجب على العالم والمجتهد أن يكون له حضور رائد في المجتمع؛ ولكن حين يلجأ الجميع إلى العزلة أو إلى البحث عن الراحة، تكون النتيجة أن تطول الحرب، وأن يُقدم كأس السم للإمام الشهيد ليشربه بنفسه. هذه هي عاقبة سيادة نظام تحويل المفهوم إلى مفهوم في الحوزات العلمية. منهج الأنبياء الإلهيين هو منهج القوة الداخلية والقرب الرباني، ومنهج تحويل المصاديق إلى مصاديق. كل مصداق يستقر في ذات الإنسان، يزداد العلم لديه بذلك القدر. في نظام المصاداق إلى مصداق، يضحّي الطالب بكيانه من أجل معتقداته، ويكون له الإيثار، ويصمد على معتقده ويتحمل خسائره. أما في نظام المفهوم إلى مفهوم، فيسعى الجميع إلى الهروب والحفاظ على أنفسهم، ولا يدفع أحد ثمن الحفاظ على الدين والمعتقدات. لقد كان لدى الأنبياء نظام مثل العلامة الطباطبائي والإمام الخميني، الذين قضوا حياتهم في قيام ونضال علمي وعملي، لا مجرد تحصيل مكتسبات علمية قرأوها بسرعة، كما يقول العلامة: «لقد قرأتها خلال خمس سنوات».

المدعي

بعض الحاسدين عندما يريدون ذكر اسمي، يطلقون عليّ لقب «المدعي». ومن هذياني وغرابيّتي أنني أحب أن يجمع الله جميع أنبيائه في مكان واحد، ويجهز لي منبرًا بسيطًا لأتحدث لهم عن عقيدتي. هل يمكنني أن أقول لهم كلمات لم يسمعوا مثلها من قبل؟ لو كان هذا الادعاء مقبولًا، في يوم القيامة سيُسلخ جلدي ويُقال لي: طبق ادعاءك. هل حتى شمر في ذلك اليوم لن يرحم آدم؟ كنت أذهب إلى مشهد وأقول: أريد أن أدرس الفقه عند آقا الإمام رضا، ثم أمزح بأنني سأجيب على أحد الفلاسفة هناك. هذه المزحات تحمل دلالات عميقة. في يوم القيامة، لن يُسمح لأحد بالادعاء بعدم العلم أو العجز.

حول مدعيي العلم

بعضهم يناديني آية الله العظمى الدكتور ، أي يضعون لقب دكتور ليبرروا أقوالي. يظنون أنني أتكلم بناءً على التعليمات العلمية الحديثة أو أبحاث الجامعات. قال لي أحد قضاة المحكمة الخاصة إن معلوماتي تأتي من مواقع الإنترنت. هؤلاء البسطاء يعتقدون أننا نأخذ علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد من الجامعات أو المصادر العلمية الشائعة، مع أنني أعتبر حتى تلك المصادر سرية البحث بمثابة التعليم الابتدائي. هؤلاء الذين لا يعرفون أبجدية هذا التعليم الابتدائي هم من يهاجموننا اليوم، ولا يطيقون حتى القليل مما قلناه. هؤلاء هم “ممرضو الدين” الذين يتصرفون بدلاً من أطباء الدين، ويحولون الدين والسياسة إلى تجارة وربح، ويربطون كل شيء بالمال والتملق. وجود الممرضين بدل الأطباء يحوّل البلاد إلى مستشفى كبير يخرج كل الداخل إليه جثة ثقيلة بثقافة زخرفية فارغة. الكادر الحاكم غير علمي، وأنا أقول بثقة إنهم غير قادرين على إدارة الإسلام والثقافة الشيعية. إنهم ليسوا متخصصين ولا يعرفون الثقافة الدينية والفقهية لأهل البيت، ولذلك يصطدمون بالعلم. وهم حين لا يعرفون علم الاجتماع وعلم النفس، فلا يكونوا فقهاء، وحرم عليهم أن يجرّوا تقليداً لأنهم يفتقرون إلى التأهيل. هذه كانت المشكلة التي دفعنا ثمنها جميعًا. أقول: المشكلة الأساسية في بلدنا هي الفتاوى. الفتاوى التي تُروّج وتسيطر عليها لا تستند إلى بحث علمي وتخصص، بل تروّج بالقوة والمال. مشاكل البلاد وأسباب الفساد لا علاقة لها بالمسؤولين أو اليسار أو اليمين، بل السبب هو أن المدعين الاجتهاد والفقه لا يمتلكون تخصصًا. لا أؤمن بتخصص هؤلاء المدعين، لأنهم لا يؤمنون بالمعرفة، ويريدون إدارة البلاد بدون خطة علمية وتخصص. رغم أنهم يطلقون على أنفسهم ألقابًا كبيرة بلا جدارة. حتى العباقرة محاصرون بالزمن، وإن جاءوا بعد مئات السنين يجب أن يواكبوا تطور المجتمع. هؤلاء المدعون للتخصص أضاعوه تمامًا، والآن يدرون أنهم قد خسروا السباق، رغم جرأتهم التي تجعلهم يصرخون بأن هزائمهم هي انتصارات. الشباب الذين استلموا إدارة البلاد لا يعرفون الثقافة الدينية، وقبلوا تجاهل التخصص بحجة الالتزام، بينما المتحمّسون منهم كانوا وراء السرقة والفساد. العلم والتخصص لهما الأولوية على العدل والالتزام، فهذه تأتي بعد إثبات العلم والتخصص. الحوزات العلمية بسبب نقص التخصص في العلوم الإنسانية لم تقدم خدمة تُذكر للثورة، لأن من يفتقر للعلم لا يملك القدرة. الحوزات لم تخدم الاقتصاد الوطني. المدعون يمتلكون رأس مال البلاد، لكنهم يجهلون الإدارة الاقتصادية، ولا يحترمون التفكير الجماعي، ولا يسمحون بمواصلة بحوث الاقتصاد الإسلامي. كانوا يتهمون دروس الاقتصاد في الفقه بالخيانة وأوقفوها. كنا في تلك الدروس ننتقد السياسات الاقتصادية السائدة، ونرسم الخطوط العامة للاقتصاد الإسلامي. لا نوافق على أسلوب الدروس الحوزوية الحالي الذي يعتبره الطلبة غير فعال للمجتمع، لكنهم محاصرون من قِبل هؤلاء الذين يحكمون. هؤلاء يبددون أموال الإمام ويدمرون مستقبل الطلبة، رغم أن نظام الموارد الدينية يستطيع تأمين الطلبة والطلاب. الإدارة السيئة تجعل الطلبة يعانون الفقر، كما أفقروا اقتصاد بلد غني بالموارد الطبيعية. عدم معرفة من هو المسؤول الحقيقي، ووجود لعبة المال والقوة والخداع يخلق دوامة تسحب الجميع في النهاية. الحكام الحاليون، أي السطحيون، هم السبب في ضياع كل شيء، فهم لا يمتلكون أفكارًا نظرية، والمواضيع تُطرح بشكل عام وليس تخصصي. الدين الذي يريدونه بدون عناء البحث والجهد، مع اجتهادات سطحية، هو مجرد حلم. هؤلاء ليسوا مجتهدين ولا يملكون التخصص اللازم لفهم عمق الشريعة الإسلامية التي أُنشئت قبل 1400 سنة، ولا يستطيعون ترجمتها إلى لغة علمية حديثة. لا يعرفون النظام الجديد للمجتمع المدني والحضري. أنا مستعد أن أقسم بأقسى أنواع القسم أن هؤلاء ليسوا مجتهدين ولا متخصصين. وصلوا إلى مواقعهم بالسياسة والخداع والمكر والرياء. معلوماتهم قديمة وتاريخ صلاحيتها انتهى. لا يملكون حتى الحد الأدنى من المعرفة التي تسمح بالنقاش معهم. لديهم أموال وقوة تدعمهم، لكنهم فقدوا السباق. وإن كنتم لا تصدقون، فهذه هي الحقيقة.

إنصاف بائع الجواهر في نيشابور

في إحدى رحلاتي إلى مشهد، وصلت إلى نيشابور ليلاً وبقينا هناك بسبب التعب. نيشابور معروفة بجواهر الفيروز الممتازة. قابلت رجلاً مسنًا بائع جواهر ذو خبرة. دخلت محله وطلبت منه أن يعرض عليّ أفضل الفيروز لديه. جلب لي حوالي مئة قطعة. قمت بتصنيفها حسب الجودة وشرحت له كيف يمكن تمييز جودة الفيروز من صوته وعلامات أخرى. تأثر الرجل بهذه الخبرة وأظهر لي فواتير شراء الفيروز، معترفًا أن بعض ما اعتبره من الدرجة الأولى قد تم تسعيره بشكل مبالغ فيه. أريت له خاتمًا تم تعليقه في أربعمائة مكان مقدس، لكنه لم يستطع تحديد قيمته. أعطيته الخاتم لعالم زاهد لم يجد راحته في الحياة وذهب إلى الأضرحة ليروي روحه. هذا الخاتم طُوف بأربعمائة مقام. مشكلته أنه لم يستطع متابعة طريق السلوك العلمي والفني لذلك كان تائهاً. بعد خروجي، ذهب ابني مهدي إلى متجر ذلك الرجل ليقدّر خاتمه، فاعترف البائع بخبرتي. قال لي: «أنت في بيع الفيروز علم». هذه القصة تحكي عن الفرق بين المعرفة المكتسبة عبر التدريب والخبرة، والمعرفة السطحية أو التقليدية التي قد تضل الناس.

ذات يوم، كنت عند أحد المشاهير في التصوف، فأعطاني نسخةً من كتاب قديم ليصحح نسختي بناءً عليها. رغم محبته الشديدة لي واعتزازه بي، إلا أنه قال لي: “أنت تعلم كم أحبك، ولكن أرجوك أن تعذرني، لا أستطيع أن أعطيك هذه النسخة القديمة، لأن كتبي كأنها شرفي وكرامتي!” في هذا الموضع، وجدتُ أن بعض الناس يعتنون بالكتب كما لو كانت شرفهم الخاص، رغم أن الورق الذي كتبت عليه يمكن إيجاده في أماكن أخرى. أما الشرف الحقيقي لكل إنسان فهو روحه. هذه الآفة تُقيد الروح وتمنعها من التحليق. من يريد أن يصبح إنسانًا حقيقيًا، يجب أن يترك الماديات خلفه ليتمكن من التحرك بخفة. من لا يستطيع أن يخلق هذا التحرر لنفسه، ولن يخطو أولى درجات الإنسانية وهي الفقر، فلن يصبح إنسانًا، وسيغادر الدنيا وهو ضائع، وربما حتى الموت لن يستطيع أن يفتح عينيه على عالم المعنى، وسيظل محصورًا في ضيق الدنيا، يتقاتل على الميراث الدنيوي. ومن أفضل التمارين للوصول إلى عالم المعنى هو التألف مع المقابر. كان لي في طفولتي أستاذ إلهي يقول: يجب أن تساوي نفسك بالميت. يجب أن تكون بحيث تمتلك كل ما يمتلكه الميت، ولا تملك ما لا يملكه. ولتحقيق هذا الانسجام والتناسب، كان لديه منهج مكون من ثمانية عشر مرحلة تشمل التواجد في المقبرة، زيارة مغسل الموتى، التألف مع الموتى أنفسهم، وحتى النوم ليلاً مع الموتى الذين لم يُدفنوا في الليلة نفسها. إن إتمام هذه المراحل الثمانية عشر يجعل الفرد متساويًا مع الموتى ويقوده إلى عالم المعنى. في مثل هذا الجو كنت أتعلم عمليًا كيف يُزال الخوف عن الإنسان.

عندما جئت إلى مدينة قم، قابلتُ عالمًا روحانيًا جليلًا. قلت له: “الخوف كذبة.” فأجابني: “إذا أُخذت في ليلة مظلمة إلى صحراء، فستدرك هل الخوف حقيقة أم كذبة.” فقلت له: “يا مؤمن! أنت درست عرفانك تحت ضوء المصباح الذي يغرس الخوف في قلبك. العرفان يجب أن يُتعلَّم في ظلمة الصحراء.” كنت في الظلام أقرأ قلوب الموتى، وأحيانًا أضع رأسي على أقدام أو صدور الموتى وأنام، وأساوي نفسي بهم لأثبت أن الخوف كذب.

أحيانًا كنت أصرخ في نومي نتيجة لما كنت أرى في المقبرة، رحم الله أمي التي كانت تقول: “محمد، أنت تصرخ كثيرًا في نومك، وأنت لست من أولئك الذين يفتعلون الشجار، فلماذا تصرخ؟” كانت تلك الصرخات انعكاسًا للضغوط التي كنت أعانيها في تلك المقبرة والتي كانت تزعجني حتى في النوم.

لم يتحقق العرفان والفلسفة والمعنى والغيبيات أبدًا من داخل حقائب السامسوتن وكتب تُقرأ تحت أضواء مصابيح منخفضة الاستهلاك مع فطور مليء بالفيتامينات، أو من وظيفة لا يهم فيها سوى المال، أو من تسلية تقتصر على مشاهدة أحدث الأفلام مع محبوبات زاهرات من كبرياء الدنيا.

العيش في الظلمة والانسجام مع المقابر هو أحد أساسيات الوصول إلى عالم المعنى والارتباط بالظواهر الغيبية. وقبل كل شيء، يجب أن يمتلك الإنسان الرغبة والشوق، وأن يدرك قوة هذه الرغبة وقدرتها.

تفسير الأحلام

منذ سنوات عديدة، حلمت بقرآن كبير يحمل سلاحًا طويلاً وأبيض من الفضة، طوله يصل إلى مترين. كنت أود أن أودعه في مكان آمن، فتوجهت إلى أحد العلماء الورعين وطلبت منه أن يحتفظ به لديكم كأمانة، فقال لي: “بيتنا به نمل الأبيض”. فقلت له: “إن ذلك يعني وجود جواسيس ومخبرين”. لذا قررت أن أحمله إلى حرم السيدة المعصومة (عليها السلام) ووضعت القرآن في مكان يضعون فيه المفاتيح والمصاحف، لكنهم كانوا ينويون تنظيف المكان، فندمت على ذلك وأخفيته تحت الضريح في مكان خالٍ، وقلت: هذا أفضل مكان من أي مكان آخر.

بعد يومين، التقيت بذلك العالم الورع وسألته عن أحواله. وعندما أخبرته بتفسير حلمي عن وجود النمل الأبيض، نصحته بأن يحذر من الذين يراقبونه، فأخبرني بأن دامِه كان ينقل تقاريره إلى الآخرين. كان ذلك العالم شخصية سياسية. نصحته أن يتعامل مع دامِه بلطف كي لا يتم استبداله بآخر مجهول، لأن ذلك الدامِ كان ينجز أعمالًا كبيرة وحده، وكأنه يحمل عبء عدة موظفين.

أما تفسير القرآن والسلاح، فهما رمز للوعي والقوة.

في كتاب “أصول وقواعد تفسير الأحلام” تحدثت عن صفات وخصائص الرائي، والتفسير كعلم وهبة خاصة أُعطيت للأنبياء، وهي مرتبطة بالموهبة الربانية، والفعالية تحتاج إلى الرياضات الروحية والدراسة. وقد كنت أنوي إعداد كتاب خاص عن تفسير الأحلام المتعلقة بالأشياء الحديثة والاختراعات الجديدة في عصرنا.

الأبناء

أحد أبنائي، الذي هو عبقري، كان أحياناً في طفولته يتحدث عن أمور غامضة سرية. بعض الناس كانوا يضيّعون وقته بهذا الشأن. قلت له: يا ولدي، سأجعلك تلعب الشطرنج حتى لا تنتبه لتلك الأمور. اذهب وادرس بجد. لقد أنهى المرحلة الثانوية وهو الآن يدرس في الحوزة العلمية. لو لم أفعل ذلك، لكان سبباً للمشاكل. هذا الأمر يشبه دهن الزجاج بالطين، فعندما يُمسح، تعود القدرة الفطرية للعبقرية مجدداً. في نهاية المرحلة الإعدادية، كانت علاماته كلها عشرون، وتم قبوله بمعدل عشرون. أهدته هاتف آيفون لزيادة معلوماته ومعرفته في المجال الافتراضي. بالطبع، لو كان ضعيفاً في دراسته، لما سمحت له بشراء الهاتف في هذا السن. كنت أعتبر شراء هذا الهاتف له، الذي يمتلك موهبة عالية، كذهابه إلى مركز تدريب ومشاركته في دورات علمية.

محسن حصل على شهادة التفوق في المدرسة الإعدادية. المدرسة كافأته. لم يقل شيئاً بنفسه، لكن والدته أخبرتني بأنه قد تفوق. قلت له: يا بني، قلبي تألق من جهدك! ثم أعطيته خمسين تومان كهدية وقلت له: سامحني على قلة المقدار، لكنها مكافأتي لك. كان يلبس في صغره ملابس غير تقليدية، وذات مرة اشتكت أخته الصغرى من ذلك. قلت لها: هذه البنطال من القماش الخشن ولا تتمزق، لا بأس به، وسيمنعه مستقبلاً من اللبس الرخيص والمبتذل. هو يقيم صلاته في وقتها، ودرجاته الدراسية ممتازة. رغم أن دخله ليس كبيراً، لكنه خصص لنفسه خمس سنوات صيام خُمس، وعندما صار طالب علم، وهبت له خُمس ماله بسبب تفوقه في الدراسة. هو في شبابه يلبس بأناقة وجمال، ويعرف الآن معنى اللباس المناسب والشعر المرتب، حتى لا يندم مستقبلاً حين يكون عالماً ولا يتيحه له ذلك المجال. الفرح في الحياة مبدأ مهم، وكذلك الحرية والرفق والتوافق من مبادئ الحياة.

أنا كنت مراهقاً، أي في التاسعة عشرة من عمري، عندما توقفت عن التقليد. كنت أدرس عدة دروس في فيضية. كنت أظهر بثقة بحيث أشار الجميع إلي وقالوا: هذا هو “” كما يقولون. في ذلك الوقت، كنت أرتدي الشعر الطويل، وقبعة صغيرة، وسراويل ضيقة، وكنت أنيقاً جداً ولم أكن أشبه بالعلماء. لكن الطلاب كانوا يأتون لدروسي لأن محتوى ومستوى الدروس كان عالياً جداً. في ذلك الوقت، محمد يزدي وحزبه، الذين الآن ينتقدون لباسنا وعمامتنا، كانوا يقولون لي آنذاك: هذا غير لائق أن يأتي طلبة دروسك، عليك أن تلبس العمامة. قلت لهم: لا يأتوا إن شاءوا، فأنا لا أحتاج إلى الزي، عملي علمي وليس آخوندياً.

من الأمور التي شجعت أبنائي عليها منذ الصغر هي مهارة استخدام الكمبيوتر. كان أبنائي ناجحين جداً في هذا المجال. الكمبيوتر الآن هو أداة التعليم، ومن لا يعرفه يعتبر أميّاً. نظام التعليم في المدارس والجامعات والحوزات العلمية، إذا لم يهتموا بالكمبيوتر بجدية، سيبقى في تأخر عن ركب العلم.

في هذا العصر، يُضيع الليل بواسطة التلفزيون وشبكات الأقمار الصناعية وأدوات الترفيه الأخرى. دائماً يبثون في التلفزيون أفلاماً ومسلسلات وبرامج مسلية طوال الليل، ومن يريد يمكنه مشاهدة هذه البرامج حتى الصباح. في البيت، نحن نسمح للأطفال بمشاهدة فيلم واحد فقط في الليل، وإذا أرادوا مشاهدة المزيد، يشاهدونه في أوقات متقطعة كاستراحة بين الدراسة. نصيحتنا: ساعة مشاهدة فيلم مقابل ساعتين دراسة ثم الراحة. إذا نام شخص في بداية الليل ساعة أو ساعتين، يستطيع الاستيقاظ بسهولة في السحر أو الصباح، خصوصاً في الليالي الطويلة التي يمكن إنجاز الكثير فيها. أما إذا جلس حتى انقطع التيار الكهربائي والتلفزيون، فلن يتمكن من الاستيقاظ مبكراً. لذلك من الضروري فرض بعض القيود.

في تربية أبنائي، حرصت أن أجعلهم يتجهون إلى طلب العلم الديني بحيث لا يفكروا في غيره. عملت على توجيههم، وليس على إجبارهم. لديهم فكرة أن لا شيء في الدنيا أفضل من طلب العلم، وأن الانشغال بأي شيء آخر هو تفريط في الفرصة.

بالرغم من وجود ظروف اقتصادية صعبة في الأسرة، لم أتخلَّ عن دعم أبنائي في مجال العلم والمعرفة. فقد رأيت أن الإنفاق على تعليمهم واستثمار الوقت في تنمية مهاراتهم هو أفضل ما يمكن أن نقدمه لهم ليكونوا فاعلين في المجتمع.

حرصت كذلك على تعزيز القيم الأخلاقية والدينية في نفوسهم، فقد كان التعليم الديني حجر الأساس في تكوين شخصياتهم. فهم يدركون أن العلم بلا أخلاق لا يثمر إلا مشاكل، والعكس صحيح، الأخلاق بلا علم قد تبقى ضعيفة أمام تحديات الحياة.

ومن الجوانب المهمة التي أهتممت بها، هو توفير بيئة منزلية مناسبة للدراسة، بعيداً عن الملهيات الكثيرة كالهواتف الذكية والتلفاز، بحيث يمكن لهم التركيز والتفوق. كنت أراقبهم بعناية، وأوجههم إلى تنظيم أوقاتهم بين الدراسة والراحة.

في كل مرة يحققون فيها نجاحاً، كنت أقدم لهم الدعم المعنوي والمادي المناسب، لأن ذلك يعزز لديهم روح التفوق والاجتهاد. كما كنت أحثهم على ممارسة الرياضة والاهتمام بالصحة، لأن الجسم السليم هو أساس العقل السليم.

في النهاية، تجربتي مع أبنائي كانت مليئة بالتحديات والنجاحات، وأؤمن أن الصبر والإصرار والحرص على التوازن بين العلم والأخلاق هي مفاتيح التربية الناجحة. وأتمنى أن تكون هذه التجربة نموذجاً مفيداً لكل من يرغب في تربية أبنائه تربية صحيحة ومتوازنة في عالم اليوم المعقد.

أعتقد أن الله تعالى أنعم عليَّ كثيرًا في مرحلة الطفولة والمراهقة، وأعتبر هذه النعم من التوفيقات الإلهية التي حظيت بها. كنت طفلاً بلا عمل أو انشغال خاص، وكان اهتمامي الوحيد اللعب والقراءة، والكتب كانت مصدر تسليتي. استغليت هذه الفرص التي أتيحت لي، فتمكنت في فضاء المعارف الإسلامية من اقتناص نجوم الأحاديث والروايات. على الأقل، قرأت كل حديث مرة أو مرتين. كان لدي دفتر أسجل فيه الأحاديث التي أقرأها، وقد نُشرت هذه الملاحظات لاحقًا تحت عنوان «المسكة». طبعًا، لم أكتفِ بتسجيل الأحاديث فقط، بل كنت أحللها وأسجل النقاط والملاحظات التي تخطر ببالي، وهذه الملاحظات لم تُنشر بعد. كثير من الروايات التي اعتمدت عليها لاحقًا هي تلك التي ترسخت في ذهني منذ طفولتي، وما زلت أواصل الدراسة عليها.

في الماضي، كان طلبة العلوم الدينية في سن صغيرة يحفظون الأحاديث. كانت كتب مثل «الأصول الكافي» و«من لا يحضره الفقيه» من الكتب الدراسية التي يحفظها الطلبة، في حين كانوا يدرسون كتبًا أخرى مثل «الاستبصار» التي تشرح اختلافات الفقهاء. وبغض النظر عن ذلك، فالمواضيع التي نطرحها، رغم اعتقادنا بأنها من إنتاج فكرنا، فإنها في الحقيقة مدعومة بالقرآن الكريم والأحاديث الفنية العميقة.

كما ذكرت، كان لي معلم روحي في تلك الفترة، وهو من نعم الله علي. كان يوصيني بأن أركب الحافلات ذات الطابقين وأجلس في الطابق العلوي لأتأمل لوحات المحلات التجارية، ثم أحفظها وأخبره بما هو جديد منها. كنت أركز بشدة لأتمكن من حفظ اللوحات. كان يقول إن بعض الأشياء التي أخبره بها جديدة ولم تكن في ذهنه، فكنت أقول له إنني أرى الأمور بانتباه شديد. بهذا التمرين علمني كيف أتعرف على المواضيع. وإذا أراد الطالب أن يصبح فعالًا ومواكبًا، عليه أن يخرج من الهيمنة الكتابية التقليدية ويركز على موضوعية الدراسة، فالتركيز على الموضوع يمنح الفرد قدرة على التحرر من الجمود والسطحية والجهل. وإذا كان الإنسان متعصبًا، حتى لو صار مرجعًا، فإن هذه الصفة الخطيرة ستظهر فيه وتؤدي إلى معاناة الناس وشقائهم. بينما الأنبياء الإلهيون كانوا أحرارًا من هذه القيود، وكان النبي الأكرم أميًا بمعنى أنه من بلدة كبيرة وليست صغيرة، وليس من بيئة ضيقة تحد من حريته. من وجهة نظر أهل الدنيا، النبي في شبابه لم يُسمح له بإدارة الكعبة، بل كان يتاجر لصالح السيدة خديجة، ثم صار سيد التجار، وأحبته خديجة حبًا شديدًا. كان المشركون يلقبونه بـ«المجنون» أي من له القدرة على رؤية الجن، وليس بمعنى الجنون المجرد. أريد القول إن النبي الأكرم خاض تجارب عدة من عالم الإنس والجن، حتى بلغ سن الأربعين وبلغ النبوة. أقول هذا من منظور دنيوي، وليس من منظوري الإيماني، إذ حتى لو لم يكن المسلم مؤمنًا، فهذه نظرة أهل الدنيا له. الذين يأتون من القرى والمدن الصغيرة لطلب العلم، إذا حملوا روح التعصب الضيق، أو حتى من المدن الكبيرة الذين ليس لديهم روح حرّة ومنفتحة، فهم بحاجة إلى إصلاح. موضوعية الدراسة تزيل عنهم هذه الروح الضيقة والسطحية. وإذا لم تكن هناك هذه التربية، فإن الدين والمعارف ستصبح لهم كالماء الزائد أو السماد الزائد الذي يحرق أو يفسدهم. تراكم المعارف من آيات وأحاديث ومعرفة الغيبيات وغيرها يمكن أن يدمر عقول الأشخاص المغلقة.

قبل الثورة، كنت أعطي دروسًا صباحًا في حجرية، وكان أستاذ آخر يدرس هناك مساءً. بعد انتهاء الدرس صباحًا، كان الطلبة يغلقون الحجرية ويضعون المفتاح على الباب. في أحد الأيام نسي الطلبة وضع المفتاح وأخذوه معهم، ولم يكن هناك مفتاح آخر، فتعطلت الدروس في المساء. في اليوم التالي اشتكى الأستاذ بشدة للطلبة المسؤولين عن المفتاح، وكان يتفاخر بعدد طلابه في الحجرية. هذا التصرف بقي في ذهني، إذ أني لا أترك شيئًا يدخل إلى ذهني بسهولة. الدرس تعطّل يومًا واحدًا بسبب خطأ غير مقصود، لكنه لم يكن شخصًا منفتحًا. هذا النوع من التعصب والتصلب النفسي، مع سوء الخلق، يجعل الناس يعانون، ويجعل الشخص صغيرًا وضيق الأفق رغم أنه لا ينبغي أن يشعر بالحقارة أو الكبرياء. هذا نوع من الأمراض التي تجعل الإنسان غير قادر على التعامل مع الآخرين بطريقة متواضعة ومقبولة.

القرآن الكريم يقول:
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[سورة الحجر: 15]

الإنسان المتعصب والضيق، إذا اكتسب معرفة، يصبح متكبرًا ومغرورًا ويدعي علمًا لا يستحقه، وقد يدّعي النبوة أو يعارض علماء الفقه والفلسفة والتصوف.

دروازه غار؛ نقطة بداية موضوعية الدراسة

من الأماكن الغريبة والعجيبة في طهران التي رأيتها في طفولتي، «دروازه غار». أعتقد أن الإنسان يضيع في هذا المكان ويشعر بحيرة تشبه الحالة التي يمر بها الإنسان عند دخوله إلى عوالم الغيب. عندما رأيت هذا المكان، شعرت وكأنني أشاهد عالمًا من العوالم الغيبية، أكثر أهمية من رؤية العرش أو الفرش أو القلم. كنت كثير الارتباط بالمسجد، وكانوا يعطونني مفتاح المسجد لحفظه. في يوم من الأيام، جاء شخص يبدو في الخمسين من عمره وطلب مني فتح المسجد ليصلي فيه. أعطيته المفتاح ودخل المسجد، وكان يحمل حقيبة مليئة بالأدوات. صلّى ثم خرج. عند الغروب، دخلنا المسجد فدخلت النساء وأخبرنّا أن سجادة قديمة وثمينة كانت في المحراب اختفت. شرحت أن الشخص الذي دخل هو السارق، حيث أفرغ حقيبته التي كانت مليئة بالأشياء ووضع السجادة داخلها. رغم أنني كنت متيقظًا، فقد حدث السرقة. بعد هذا الحادث، ذهبت إلى دراسة السحر وفن الخداع البصري…

كيف يكون إيماني بحرية الإنسان أعمق من إيماني بالله؟ أعتقد أن الإنسان يجب أن يتمتع بالحرية. الإنسان يمتلك حق الحرية قبل أن يصل إلى الإيمان. لذلك، فإن حق الحرية له أهمية أسبق من الإيمان. يصل الإنسان إلى كماله المثالي عندما يمتلك الحرية ويستطيع أن يزهر مواهبه الكامنة. إذا وُجدت الحرية، يستطيع الفرد أن يجد زجاجة قلبه ليدرك ما هي الأمور والصفات التي (من مقتضيات الربوبية والماهية الأولية) قد غُرست في فطرته، وما الأشياء التي يحبها بشوق أو حب، وما الأمور التي يكرهها ويشعر منها بالنفور أو الإكراه. في ظل حرية العمل يمكن الوصول إلى هذا الهدف واكتشاف القدرات الكمالية الذاتية؛ وهي قدرات قد تكون معيارية أو غير معيارية. يتمثل كمال الإنسان في معرفة محتوى الكمال الذي يتجسد في زجاجة القلب بشكل مقتضيات قربانية وربوبية فطرية وطبيعية، ولا يتحقق هذا المعنى إلا بالحرية. يجب على الإنسان أن يعرف الجذب والطاقة الكامنة فيه حتى لا يخطئ في تحديد كماله المثالي. لكل إنسان ميزان خاص به، ويجب النظر في نوع الكمال الذي يمتلكه وميزانه، وما الأمور التي يجد فيها ألفة والجاذبية، وما الصفات التي ينجذب إليها، وما الأمور التي يبتعد عنها ويشعر بالنفور منها. لا بد له أن يعرف شوقه وحبه، وإلا فسيكون كحامل الحطب الذي يتحمل العناء دون جدوى، مثل العصفور الذي لا يعرف طريق طيرانه، فيضرب نفسه بلا جدوى في الأبواب والجدران. حكمة العبادات والمناجاة أيضاً تكمن في الوصول إلى كمالات زجاجة القلب ومعرفة الجاذبات والردود واكتساب ميزانها. هذه العبادات هي اختبار لقياس قيمة مقتضيات الربوبية والموجودات الربوبية الأولية والحركة وفقها. أحياناً يجب تفريغ محتوى زجاجة القلب تحت إشراف أستاذ ربوبي خبير في الولاية، ليتم تنقيته وتحليته وتنقيته مجدداً، كما ورد في الأبحاث الصوفية.

إن الإيمان بحرية الإنسان لا يعني التقليل من شأن الإيمان بالله، بل يعني أن الحرية هي الأصل الذي ينبثق منه الإيمان. فالإيمان الحقيقي لا يكون إلا عندما يختار الإنسان بحرية تامة أن يؤمن، وليس بإكراه أو اضطرار. عندما تُمنح الحرية للإنسان، يصبح الإيمان تجربة شخصية عميقة تنبع من داخل النفس، ولا تكون مجرد تقليد أو فرض خارجي.

الإنسان، باعتباره كائناً حراً، هو المسؤول الأول عن بناء ذاته وتشكيل هويته الروحية والفكرية. هذا البناء لا يتم إلا من خلال حرية البحث والتأمل والتجربة، والتي تمكّنه من التمييز بين الحق والباطل، الخير والشر، والقبول والرفض. لذلك، فإن الإيمان الحقيقي يتطلب أن يكون حرّاً من كل قيود الإكراه والتسلط، ليكون تجسيداً حقيقياً لعلاقة الإنسان بالله، قائمة على المحبة والاعتقاد الواعي.

في هذا السياق، تتضح أهمية مفهوم الولاية في التربية الروحية، حيث يقوم المربي أو الأستاذ الروحي بدور المرشد الذي يساعد الإنسان على تنقية قلبه وتطوير وعيه الروحي، دون أن يفرض عليه معتقداته، بل من خلال إرشاد حكيم مبني على الاحترام الكامل لحرية الفرد. هذا الإرشاد يهدف إلى تمكين الإنسان من إدراك مقتضيات الربوبية الفطرية، وإعادة ترتيب زجاجة القلب بحيث تصبح أكثر نقاءً واستعداداً لاستقبال النور الإلهي.

وبهذا يصبح الإنسان قادراً على معرفة ذاته الحقيقية، واكتشاف الميزان الخاص الذي يقيس به الأمور من حوله، مما يؤدي به إلى الوصول إلى كماله الذاتي في ضوء الحرية والإيمان الحقيقي.

إن تحقيق الحرية في الإيمان يُعَدُّ أحد أسمى مقاصد التربية الروحية والوجدانية. إذ لا يكتمل نمو الإنسان الروحي إلا عندما يندمج وعيه بالحرية مع إيمانه الصادق، فتتجلى في ذلك حالة من الانسجام الداخلي بين الفكر والقلب. وهذا الانسجام يُمَكِّن الإنسان من مواجهة تحديات الحياة بثبات، ويمنحه القدرة على اتخاذ قراراته بناءً على قناعاته العميقة، لا على ضغوط خارجية أو إرغام.

إن التربية التي تُعنى بتحرير الإنسان من قيود الجهل والخوف هي التي تهيئ له البيئة المناسبة ليختار الإيمان بحرية، وتُعَزِّز فيه روح التساؤل والبحث العلمي والنقد البناء. ففي جو من الحرية الفكرية والروحية، يكون الإيمان مدعوماً بفهم واعٍ وعميق، لا مجرد تقليد أعمى، وهذا هو جوهر الإيمان الحقيقي الذي يرتقي بالإنسان إلى مرتبة الكمال الذاتي.

كما يجب أن نؤكد أن العلاقة بين الحرية والإيمان علاقة تكاملية، لا تعارض فيها بين العقل والنقل، بين الحرية والالتزام. فالإنسان المؤمن حرٌ في اختياره، ولكنه ملتزم بما يقتضيه إيمانه من قيم أخلاقية وروحية، وهذا الالتزام ينبع من داخله وليس من فرض خارجي. وهكذا، تصبح الحرية أساساً لنضج الإيمان، والإيمان مكملاً لنضج الحرية.

ومن هذا المنطلق، يصبح هدف التربية الروحية هو تمكين الإنسان من الوصول إلى درجة من الوعي الذاتي تسمح له بإدارة حياته بحكمة، وبناء علاقته بالله والعالم على أساس الحرية والمسؤولية.

ولا شك أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إطاراً تربوياً متكاملاً يوازن بين التعليم العقلي والتربية الروحية، بحيث يُنمّي لدى الفرد قدرة النقد والتحليل، مع ترسيخ القيم الروحية والأخلاقية التي تُعزز من شعوره بالمسؤولية تجاه نفسه والمجتمع.

إن العملية التربوية التي تركز على حرية الإيمان لا تُعزِّز فقط التنمية الشخصية للفرد، بل تسهم في بناء مجتمع متسامح ومتعدد الثقافات، حيث تتعايش مختلف الأفكار والمعتقدات في أفق من الاحترام المتبادل والحوار البنّاء.

وبالتالي، فإن التربية على حرية الإيمان لا تعني الفوضى أو الانفلات الفكري، بل تعني بناء جسر من الفهم بين الأديان والمذاهب المختلفة، وتعزيز القيم الإنسانية التي تجمع بين البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.

وعليه، يجب أن تبنى السياسات التربوية على مبادئ الشفافية والانفتاح، وأن تشجع على الحوار النقدي البناء، مع احترام الحرية الفردية في الاعتقاد والتعبير، مع التأكيد على دور المؤسسات التعليمية في تعزيز هذا التوازن بين الحرية والالتزام.

إن هذا النهج التربوي الشامل يُسهم في تخريج أجيال قادرة على مواجهة تحديات العصر بثقة ووعي، وأجيال تُجسّد القيم الإنسانية والروحية في حياتها اليومية، مما يؤدي إلى تقدم المجتمعات وازدهارها.

تعلّمتُ سرقاتِ الظُلْمَةِ (السرقات السرية). وتحملتُ مشقةً كبيرةً وأنفقتُ مالاً كثيراً. في ذلك الوقت، كنتُ طفلاً عزيزاً ومحبوباً. وقد وعدتُ المصلين بأن أجد السجادة العتيقة. كنتُ أعرف شخصاً يُدعى عباس آقا، وهو خبيرٌ في السرقة والخلط، وكان ينشط في أحياء طهران، ويعتبر قائداً للبلطجية واللصوص. قلت له: يا عباس آقا، وقع لي أمرٌ عويصٌ، وسرقةٌ قد حدثت وتحمّلتُ مسؤوليتها، والمال المسروق يعود إلى محراب المسجد وهو عتيق. فتعهد لي بإيجاد المال المسروق، وسألني إن كنت أرغب في مرافقةِه. أعطاني لباساً يشبه لباس اللصوص، فلبسته مع الشفیه والجوة، ووضعتُ قبعةً ذات لبه الواحد، وهي قبعة اللصوص المعروفة.

على الرغم من أنني من أهل طهران، إلا أنني لم أزر منطقة دروازه غار من قبل. دخل عباس آقا دروازه غار وتفقد كل نقاطها، والتقى بكل أهل المنطقة، وكان يقول: هذا ليس الشخص الذي أبحث عنه. عندما دخلتُ منطقة دروازه غار، أدركتُ أن هناك كما لو كانت عدة مدن تحت دروازه غار. كانت هناك طبقات كثيرة خفية، ولكل طبقة أهلها وأشياءها الخاصة، من السيارات والدراجات إلى السجاد. كان أهل تلك المنطقة يعاقبون أي من أهلهم إذا ارتكب مخالفة، ويسجنونه في المنطقة لعدة أيام.

عندما وجدنا السارق، طلب الأستاذ أن نجلس قليلاً ونشرب الشاي. سأل الأستاذ السارق عن مكان السجادة. أدركتُ أن جميع أهل المنطقة يعرفون الأستاذ ويعرفونه. قال السارق إنه لم يبع السجادة بعد، وأنها عنده، فأعادها إلي. اعترض الأستاذ قائلاً إن الإنسان لا ينبغي أن يأخذ مال المسجد عندما يدخل المسجد. ولكن فتواي في ذلك الوقت كانت مختلفة قليلاً عنه، حيث كنت أعتقد أن السارق إذا سرق من مال الله وأماكن العبادة والمساجد، فهو أفضل من سرقة أموال الناس الفقراء، لأن سرقة الفقراء تضرهم بشدة وتجعلهم في ديون وقروض. كما أنني اعتبرت أن من يسرق من المسجد أو الحرم، فإن الناس يتبرعون ويعيدون المال، أما سرقة الفقراء فهي ظلم ونكران للإنسانية.

بعد هذه الحادثة، غلبتني فكرة أن السرقة إن كانت لا بد منها، فلتكن من الأغنياء وليس من الفقراء. كانت السجادة عتيقة ومنسوبة للمسجد حتى يصلي الإمام عليها. لكن فكرتُ في نفسي أن كل هذه الأحداث كانت مسرحية تمهيداً لي لزيارة دروازه غار ورؤية ذلك المكان.

كان من الواضح أن دروازه غار ليست مجرد منطقة عادية، بل هي عالم معقد يتكوّن من عدة طبقات متداخلة. في كل طبقة من هذه الطبقات، كانت هناك ممارسات وعادات مختلفة تختلف عن الطبقة الأخرى. كان الناس في هذه المنطقة يعيشون في تناغم مع بيئتهم، ويتعاملون مع بعضهم البعض بطرق مختلفة عن المجتمع الخارجي.

عندما قصدتُ زيارة دروازه غار، أدركت أنني لم أكن وحدي، بل ترافقني مجموعة من الأشخاص الذين لهم دراية تامة بظروف هذه المنطقة وأهلها. كان الهدف من هذه الزيارة ليس فقط استرداد المال المسروق، بل أيضاً فهم طبيعة الحياة في هذا الحي وكيفية تعايش الناس فيه.

تبيّن لي أن دروازه غار يمثل نموذجًا فريدًا من نوعه في مدينة طهران، حيث تجمع بين الحياة العصرية والحياة التقليدية، بين القانون واللا قانون، بين الخير والشر. وقد كانت تجربة زيارة هذه المنطقة فرصة ثمينة لفهم هذه التناقضات، وكذلك لتعلم كيفية التعامل مع مختلف الطبقات الاجتماعية داخل المدينة.

في نهاية المطاف، تعلمت أن لكل مجتمع نظامه الخاص، وأن القواعد التي تحكم كل طبقة قد لا تكون متوافقة دائماً مع القوانين الرسمية، لكنها تعبر عن واقع الناس وحياتهم اليومية. ومن خلال هذه التجربة، أدركت أهمية الحوار والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع، وكيف يمكن أن يساعد ذلك في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة.

علاوة على ذلك، تبين أن دروازه غار ليست مجرد منطقة جغرافية بل هي انعكاس لواقع اجتماعي معقد يختزل فيه الكثير من التحديات التي تواجه المجتمع بشكل عام. فالفقر، والبطالة، والافتقار إلى الخدمات الأساسية، كلها عوامل تؤثر على حياة السكان هناك بشكل مباشر، مما يخلق حالة من التوتر الاجتماعي أحيانًا، وحالة من التماسك والتضامن في أحيان أخرى.

كانت تجربة التعايش مع أهل المنطقة فرصة لفهم أن الحلول السطحية لا تكفي لمعالجة هذه المشكلات، بل إن الأمر يتطلب دراسة عميقة وشاملة لجميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، جميعها عوامل أساسية ينبغي تحسينها لضمان تحسين مستوى الحياة في هذه المنطقة.

كما أدركت أن المؤسسات الرسمية بحاجة إلى تبني سياسات أكثر مرونة وفعالية تتناسب مع خصوصية هذه المناطق، وعدم التعامل معها بنمط واحد أو نمط روتيني لا يراعي الفروق الاجتماعية والثقافية. فالتفاعل الحقيقي مع المجتمع يبدأ من الاستماع لهم وفهم احتياجاتهم والعمل على تلبيتها بطريقة تشاركية.

في النهاية، تبقى دروازه غار نموذجًا للدروس الاجتماعية التي يمكن أن تستفيد منها المدن الكبرى، ليس فقط في إيران وإنما في جميع أنحاء العالم، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتشكيل واقع معقد يحتاج إلى الحكمة والصبر والتخطيط الاستراتيجي من أجل تحسينه.

ومن الجدير بالذكر أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها دروازه غار خلال العقود الماضية تؤكد على ديناميكية المجتمع وقدرته على التكيف مع التغيرات المستمرة. فالتطورات الحضرية التي طرأت على المنطقة، رغم التحديات الكبيرة، قد أوجدت فرصًا جديدة لبعض الفئات السكانية، لا سيما الشباب منهم، من حيث الانخراط في سوق العمل أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية.

ومع ذلك، تبقى الحاجة ماسة إلى تطوير برامج تنموية مستدامة ترتكز على المشاركة المجتمعية الفعالة، حيث يكون للسكان دور محوري في صياغة أولويات التنمية واتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية. إن تبني آليات شفافة وفعالة للحوار بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، بما في ذلك السلطات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، وأفراد المجتمع، يعتبر عنصرًا حاسمًا لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.

كما أن تعزيز البنية التحتية والخدمات العامة يمثل ضرورة ملحة، إذ لا يمكن تجاهل تأثير نقص هذه الخدمات على جودة الحياة والصحة العامة، بالإضافة إلى تأثيره على فرص التعليم والتوظيف. لذلك، ينبغي أن يكون هناك تنسيق مستمر بين الجهات المعنية لضمان توفير هذه الخدمات بشكل كافٍ وعادل.

وأخيرًا، يبرز دور الثقافة والتراث المحلي في تعزيز الهوية المجتمعية ودعم التماسك الاجتماعي. فالحفاظ على القيم الثقافية وتعزيزها من خلال البرامج التعليمية والثقافية يسهم في بناء مجتمع قوي قادر على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة وأمل.

البائع العجوز للبطيخ

لله تعالى صفات الجلال والعظمة. وأنا أكره صفات المتسول حتى في الأمور الروحية والكمالات الباطنية. إما أن تحصل على النعمة كاملةً أو لا تحصل عليها إطلاقًا، فلا أؤمن بالنصيب الجزئي؛ إما أن تكون النسبة مائة بالمائة أو لا شيء. هذا المعنى كان دائمًا وفي كل زمان في داخلي. لا أملك الصبر أو الرغبة في جمع النعم الصغيرة المتفرقة، وإذا كانت نعمة فلا بد أن تكون كاملةً.

أتذكر مرةً كنت في سفر، انطلقنا من ماهشهر واقتربنا من شيراز. كان في طريقنا صحراء، وهناك وجدنا رجلاً مسنًا من القرية يبيع البطيخ على جانب الطريق. كانت سيارتنا (باترول) في طريقها إلى قم، وكانت العائلة معنا. عندما رأيت الرجل العجوز توقفنا وسألناه عن حاله، فأجاب بأن حرارة الشمس شديدة ونحن نبيع تحت أشعتها الحارة ولا يوجد زبائن. كان لديه حوالي خمسين بطيخة. اشتريت كلهن دفعة واحدة ورتبتهن في السيارات. فجأة، باع كل بطيخه، مع أن الانتظار ليوم كامل لم يكن ليكفي لبيع كلهن. هذه الأحداث تمثل مثلًا من تقديرات الله، حيث كأنه يعطي دفعة مفاجئة لشخص ما ليقوم بعمل معين، والملائكة مكلفون بمثل هذه المهام. أحيانًا لا ينجز الإنسان أي عمل تجاري طوال عام، وفجأة يجد القدرة على شراء عقار أو شيء مميز. لا ينبغي أن نتوقع الحصول على فائدة أو رزق تدريجي أو مجزأ، وإذا فقدنا شيء لمدة عشرين سنة فإننا لا نخسر شيئًا، لأن ذلك يُعوَّض بإشارة ونِعمَة من الله. وهذه الحالة أفضل من أن نعيش كالمتسولين ننتظر فتات الرزق يومًا بعد يوم. أتذكر أيضًا أنني اشتريت أربعين زوجًا من الجوارب من شخص فقير، وعادةً كنا ننفق مشترياتنا على أنفسنا، وكان الآخرون يعترضون على شراء كل هذه الجوارب في حرارة الصيف، لكن البطيخ والجوارب استخدمناها ووزعناها على طلبة العلوم الدينية. خلال السفر، إذا رأينا فقيرًا أو مسافرًا، كنا نشاركهم البطيخ وأحيانًا نأكل معهم. كنت أدفع ثمن هذه المشتريات من أناس أثرياء ولا أستخدم من حصة الإمام. كنت أساعدهم وأنفق أموالهم في سبيل الخير، لكن المهم أن الخير والنعمة تأتي دفعة واحدة ومجموعة. لو كان الرجل العجوز يعلم أنه سيبيع كل بطيخه مرة واحدة لما حزِن لو انتظر عدة أيام. يجب ألا نتصرف كالمتسولين الذين يكررون الذكر لساعات وينتظرون حادثة ما ثم يتساءلون لماذا لم تحدث. للأسف، نقف كالمتسولين نكرر الذكر ثم نعترض على عدم هطول نعمة من السماء. في الطريق الروحي والتربوي أيضًا، أدفع الإنسان دفعة واحدة نحو الهدف، فالشخص الذي عانى سنوات ويئس منه الآخرون يجد قلبه فجأة ينبوع حكمه. لا أقبل بالقليل أو الجزئي في التربية الروحية، بل أنظر بسخاء. لا أشعر بالرضا تجاه شيء ضئيل. وأطبق هذا حتى في شراء البيت. أحيانًا يقولون لا يوجد مكان لإخفاء مشترياتك في المنزل، رغم أننا قد نعاني من نقص الماء في بعض الأوقات. أقول: ليس لدي وقت أو مكان للشراء يوميًا، فاخفوا المشتريات وراعوا عدم الإسراف. هذه من صفات العظمة والكرم.

مع أهل الحق في كرمانشاه

رأيت بعيني معجزة من معجزات الدنيا: بطيخة ضخمة جدًا في حقول قرب مشهد، طولها أكثر من متر، حتى لو أكلها خمسون شخصًا لم تنفد. وهذا قبل أربعين عامًا تقريبًا. والشيء الثاني كان لحية وشعر طويل جدًا لأحد أهل الحق، وكانت هذه الحية تُلف أحيانًا في جيبه. أتذكر حوالي ثلاثين إلى أربعين طائفة دراويش. كنت مهتمًا جدًا بدراسة هذه الطوائف وعقائدها وعاداتها. في بداية الثورة كان من المقرر عقد اجتماع بين العلماء والمشايخ للنقاش. طلبت منهم أن يناقشوا خلافاتهم بينهم ولا يجلبوها إلى الناس، لكي لا يزرعوا الفتنة في المجتمع. قلنا لهم: أنتم مشايخ وتعرفون الغيب، فإذا كان لديكم خلافات فاصنعوها بأنفسكم ولا تزعزعوا أمن الناس. في هذا الاجتماع تحدثت بحرارة وأثرت فيهم، تحدثت عن التصوف وشاربت معهم “دوغ التصوف” كما أقول، وكانت كلمات مؤثرة ومسموعة لديهم. كانوا يقبلون ادعاءاتي بسهولة، فهم كانوا أبرياء وبسطاء، يحبون الناس ويريدون كسب رضا المجتمع. بعض المراجع حكموا على الدراويش بأنهم نجسون، لكننا قلنا إن هذا حكم خاطئ، فالدراويش طاهرون ويحبون الإمام علي عليه السلام، ونحن أيضًا أهل الحق. أدعو الله أن يغفر لهم ويرحمهم. قلت لهم كلنا أهل الحق، وأهل الباطل هو صدام حسين الذي يعيش خارج حدود إيران. كانوا يطلقون على أنفسهم “علي اللهي”، فقلت لهم بدّلوا العبارة إلى “علي أعلايي” لأنكم تتشاركون معنا في محبة الإمام علي. بهذا انتهت الخلافات في ذلك الاجتماع. للأسف، بعض الدراويش كانوا يذهبون إلى الناس ويثيرون المشاكل، حتى رشقوا بالحجارة مسجد الشيعة ودمروا جزءًا منه. نصحتهم بعدم إثارة الفتنة بين الفقراء.

العنف في أسفراين

قبل الثورة، في صيف ذهبت إلى أسفراين، حيث استولى دراويش بقيادة سلطان خدابنده على المدينة. لم يستطع العلماء مواجهتهم فاعتبروهم كفارًا ونجسين، وأخرجوا مهرات الصلاة التي صلوا عليها من المسجد ورموها في الماء واعتبروها نجسة. كان من المفترض أن يأتي السيد خزاعي ليحل المشكلة، لكنه امتنع عندما علم بوجودي. صعدت إلى المنبر وطلبت منهم أن يأتوا للنقاش، وقلت إنني سأرسل مائة سيارة لاستقباله، لكنهم أعذروا بأن السيد لا يستطيع الحضور. قلت سأذهب أنا بنفسي، لكنهم رفضوا. قلت لهم تعالوا اسألوني أي سؤال، وهكذا تمكنا من استرجاع المدينة منهم. انتقدت العلماء لأنهم اعتبروا الدراويش نجسين ورموا مهرات المسجد، هذا حرام من عدة وجوه. قالوا إنهم اضطروا لذلك لأنهم كانوا يخشون انتشار الدرويشية بين الناس. فقلت إنكم تستخدمون الكذب والخداع لمنعهم. ذكرت أنني عندما كنت طفلًا صغيرًا أقرأ الأدعية وكنت أُذكَّر ألا أقول كلمة “هو” بقوة لأنها تُعد من خصائص التصوف، وكأن العلماء أعطوا كل شيء للآخرين حتى لا يبقى إلا علي فقط.

في رمضان، كنت مع المرحوم حاج علي آقا في مجلس الدراويش، وكان بعضهم يدعي أمورًا غريبة مثل أكل النار الحمراء، وكانوا يعزفون الموسيقى، فأوقفتهم وطلبت منهم أن يعرفوا المقام الموسيقي قبل العزف. كانوا يحترمونني قبل الثورة.

في أحد المرات جاء أحد مريدي سلطان خدابنده وسألني إذا كان يعمل في حزب رستاخيز هل هذا خطأ، فأجابهم سلطان بأنهم يعملون بجهد، كالسارق الذي يجتهد ليسرق، لكنه يحاول مراعاة وجودي.

معبد السيخ في زاهدان

في زاهدان، حاولت جمع الأديان والطوائف حول محور المسجد، فكنت أذهب لمدرسة أهل السنة ومعبد السيخ. كان معي حوالي عشرين من العلماء، وقلت لهم لا تفعلوا شيئًا من دون تنسيق معي. كنت أعرف عقائد السيخ، وكان لديهم كتاب مقدس لا يفتحونه، بل ينظفونه بريش الطاووس. سألت شيخهم إذا كان أحد يعرف محتوى الكتاب فقال لا. قلت ربما يكون الكتاب فارغًا. أخرجت القرآن وقلت هذا ديني وكتابه مفتوح ومتاح للجميع. سمح لهم بفتح الكتاب وكانوا يخشون أن ينهار سقف المعبد.

أصفهان

زرت أصفهان مرتين، وأصل إلى هناك عند الفجر، لكن للأسف لم يكن هناك مكان مناسب للصلاة في طريق المسافرين، وكان محل لبيع الخبز مفتوحًا، ونصحوني بالصلاة هناك.

ييلاق همدان

قبل الثورة، في عطلة الصيف، أُخذت إلى مكان بارد في همدان (قرية ورع) حيث كان هناك حوالي خمسين طالبًا، بعضهم من أهل المنطقة، لكن أهاليهم لم يصلوا خلف أي منهم. طلبوا مني أن أكون إمامًا لهم، فقلت لديكم طلاب، فلماذا لا يستغلون؟ وعندما منبرت، بدأت بتحسين طعامهم، فمثلاً كانوا يستخدمون الحمص في القيمه بدلاً من العدس، وهو ما يجعل الطبق قبيح الطعم. كانوا بخيلين جدًا في الطعام، فطلبت من طلابي أن يطعموا جيرانهم ليزداد الطعام ويزداد البركة. نصحتهم بأن لا يكونوا بخيلين على أنفسهم.

في الحقيقة، كل هذه القصص تعكس تجارب من الحياة التي مرت بي، وما تعلمته عن العطاء، والكرم، والتواضع، وأهمية النعمة الكاملة لا المتقطعة، ومدى ضرورة النظر إلى الناس بالرحمة والتسامح، مع أهمية الوحدة بين المسلمين وأهل الأديان والطوائف الأخرى.

شمشك واختبار قوة الإرادة

في يومٍ من الأيام، جاء شخصٌ من لوس أنجلوس وقال لي: سمعتُ أنكم تستطيعون أن تستلقي على الجليد بلا ملابس وتنامون كذلك. قال إنه يرغب في رؤية قدرتكم هذه عن قرب لغرض بحثه، رغم أن هناك من يدعي هذا الأمر في أمريكا أيضًا. قلت له إنني آخذ ثلاثين مليون (ريال/دينار) مقابل البقاء ساعة في أبرد نقطة في إيران. أخذونا في منتصف الشتاء إلى منطقة شمشك الثلجية والباردة في طهران، التي كانت تجذبهم، واعتبروها مناسبة وكافية لأبحاثهم. صعدنا إلى قمةٍ عالية، وبقيتُ نصف ساعة في ماء بارد ونعستُ هناك للحظات. خرجتُ وأنا بلا ملابس، وقضيتُ نصف ساعة وأنا أتدحرج في الثلوج، وقلتُ إنني أريد أن ترتفع بركتك إلى السماء. دفع لي الثلاثين مليون. قلت له إنني أستطيع أيضًا أن أتحمل البقاء في غرف التبريد التي تتجمد فيها كل الأشياء، لكن ذلك يتطلب أجراً. السباحة في الماء البارد يدعيها كثيرون، أما البقاء في غرف التجميد التي تجمد كل شيء فلا يدعيها أحد حتى في أمريكا، ولا يستطيع أحد القيام بها. لكن شرط هذه التجربة أن تُبث مباشرة عبر قنوات التلفزة، وأخذ الأجر الملياري مقابلها. إذا استطاع أحدهم تحطيم رقمي القياسي، فسأعطيه كل المال وربما أكثر. كما يمكنني أن أكون مثل بعض المدعين أنني آكل كثيرًا ثم لا أتناول شيئًا لأشهر. كما أنني، كما أتحمل درجات الحرارة الباردة بإرادتي القوية، أتحمل كذلك الحرارة. ذهبنا إلى أحواض المياه الحارة التي كانت إحداها شديدة السخونة بحيث إذا وضع أحد يده فيها، تحترق وتتقرح. جلست في وسط الحوض. هذه قوة الإرادة التي تتحكم في الجلد وتمنعه من الحرق، وإلا فالجلد وحده لا يمتلك هذه المقاومة. وبالرغم من ما أستطيع فعله، إلا أني أتواضع كثيرًا في المطالبة، لأنهم لا يسمحون حتى بالتنفس. ولست بحاجة للمال، وهذه الأمور من أجل المحبين والضعفاء فقط. أنا أعيش حرًا، لا أعتمد على أموال النفط والغاز للشعب، ولا أكون متملقًا أو خادمًا لأحد. ولا أدفع أجراً لطلابي، وهم جميعًا طلبة نشيطون وموقرون وأنيقون، وبما أنني لا أدفع أجراً، لا يأتي الفقراء للدروس. ومع ذلك، في هذا البلد الغني، إذا تجمع حول شخص أربع كاميرات، يقولون لا ينبغي تمجيده. هؤلاء يخنقون أي شخص يريد أن يكون أعلى منهم، ويجعلون الجميع صغارًا وضئيلين، ويصرخون فقط بشخصيتهم الحقيرة.

الجزء الأول:

لدي أيضاً خاتم كان ثمنه قبل عشرين سنة خمسمائة ألف تومان. ولو عرضوا عليَّ قبل عشرين سنة خمسة ملايين تومان ثمناً له، لكنت قد خسرت. لم أبع ذلك الخاتم حتى الآن. هذا الخاتم قطعة ذات قيمة عالية. كان شخص يتوسل ويلح لشرائه ويريد أن يدفع خمسمائة ألف تومان، وكان ذلك مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت. كان كثيرون من الحجاج يصطفون لشراء هذا الخاتم، لكنني لم أبع الخاتم. حتى لو دفعوا لي خمسة ملايين تومان أو حتى خمسين مليون تومان، لما بعتُه، ولن أجد مثل هذا الخاتم مرة أخرى، مع أنني أستطيع تأمين هذا المبلغ من المال الآن.

الجزء الثاني:

في المدينة المنورة كنا في فندق مكون من ثمانية طوابق. كنت أبحث عن مكان هادئ لا يزعجني فيه أحد. صعدت إلى السطح. كان هناك خزان ماء بارتفاع عشرة أمتار على السطح، مثبت في زاوية الفندق بشكل متكامل، ولم يجرؤ أحد على الصعود إليه. رأيت ذلك المكان مناسباً فصعدت عليه وبدأت أصلي وأدعو. كان كأنه غرفتي الخاصة. كل من رآني اندهش كيف صعدت إلى هناك. حاول البعض الإمساك بالسور ونظروا للأسفل فقط، لكن لم يستطع أحد الصعود إلى ذلك الخزان. ذات يوم جاء شخص، أمسك بالسور وانزلق على الخزان واستلقى عليه. قلت له: انهض واجلس. قال لي: ليس لدي جرأة. كان يقول إنه كان لصاً في السابق، ولأن لديه مهارة في السرقة، يستطيع الصعود إلى هنا، لكنه تاب. ثم سألني: كيف يمكنك أن تقف هنا؟ من كنتَ؟ قلت له: عندما كنت طفلاً، كان لدي أستاذ روحي يرسلني إلى مستشفى فيروزآبادي الذي كان به مئذنتان. كنت أصعد على تلك المآذن التي كانت بها سلالم دائرية، وليس مستقيمة. كنت أجلس متربعاً على رأس المئذنة وأقوم بالأعمال التي يطلبها مني أستاذي الروحي. في ذلك الوقت، تعلمت أن المآذن لها سلالم دائرية وليست مستقيمة. كان أستاذي يراقبني أحياناً أثناء التدريب على المئذنة. ذلك كان دليلاً على صفاء الأستاذ. في طفولتي، كنت أعتقد أن حتى ابن سينا لا يستطيع أن يكون تلميذي، بل لو جاء ابن سينا، يجب أن يتعلم مني في حضور من هم أدنى مني بكثير.

الجزء الثالث:

مسجد الكوفة

الدنيا وكل ما فيها مظاهر الله تعالى. فإذا كان لك سلوكٌ أو تصرفٌ خاص تجاه الموجودات والأشياء، فهذا كأنك تتعامل مع الله تعالى بنفس السلوك. لذا، الإنسان مسؤول تجاه الموجودات والأشياء، وتجاه الأرض التي يمشي عليها والتي سيُدفن فيها غداً. يقولون: عندما يُدفن الإنسان في الأرض، تضغط عليه الأرض بشدة حتى تتكسر كل عظامه وتتحول إلى بودرة. وتخاطب الأرض الإنسان قائلة: لقد مشيت عليّ بتكبرٍ ورقصتُ متهوراً، فأجابها الإنسان: كنت أقيم في مكان آخر وهذه القطعة من الأرض التي هي المقبرة ليست لي. فقالت الأرض: أنا واحدة متكاملة، وأينما كنت أنا مخلوق الله تعالى. قد يتعجب الإنسان قائلاً: يا أرض، أنت ناطقة وتتحدث؟ فتجيبه الأرض: نعم! إدراكي وفهمي أكبر منك بكثير، وأعذب جسدك بسبب أعمالك السيئة وأمارس عليك الضغوط. ولهذا في الرواية يُقال إن الإنسان يجب أن يحترم الأرض ويصرف محبتَه وعطفَه عليها، كأن يُقيم الصلاة على كل قطعة منها، لأن الأرض ستشهد على الصلاة التي أداها الإنسان يوم القيامة. وأحياناً تشهد الأرض على شخص قام بأعمال قبيحة وفاسدة، لكنها أيضاً شهدت عليه بإقامته الصلاة في أماكن مختلفة ومتعددة. أحياناً نرى أشخاصاً ظاهرين يهتمون بهذا الأسلوب، فهم يصلون في أماكن مناسبة متعددة، بهدف شهادة الأرض لهم بالصلاة يوم القيامة. لكن الحقيقة أن هؤلاء الناس بسيطو الفكر وسذّج، لأن إقامة الصلاة على جزء من الأرض تعني إقامة الصلاة على كل سطح الأرض، لأن الأرض واحدة متكاملة وليست متعددة. في الواقع، الكرة الأرضية واحدة. الأرض حقيقة واحدة. قراءة ركعتين فقط على جزء منها تعني إقامة الصلاة على كامل سطحها. وأعمال الخير والشر الأخرى تخضع لنفس الحكم. التبسيط المفرط في الأمور ليس صفة جيدة، والمعرفة تستلزم عكس ذلك. المعرفة ترفع مستوى نظرة الإنسان وتوصله إلى هذه النقطة.

الجزء الرابع:

ذهبنا إلى العتبات المقدسة لأول مرة ودخلنا مسجد الكوفة. من الأعمال في مسجد الكوفة إقامة الصلاة من الصباح حتى الظهر، في أماكن مختلفة من المسجد. لم أقم بهذه الأعمال، فقد شعرت بالتعب. رفقائي تناولوا قطعة كيك للفطور وأدوا الصلوات المتعددة. أنا أديت ركعتين فقط، ثم نفخت نية أن تكون هذه الصلاة لجميع المقامات. في الواقع، لم أقم في مسجد الكوفة بأكثر من ركعتين. فكرت مع نفسي: أنا لست عاطلاً ولا ساذجاً، والمقام لأي شخص يريد أن يكون له، فليكن، وأقسمت ركعتَي الصلاة وأهديتهما لجميعكم، سامحوني لأنني لا أستطيع أكثر من ذلك. جلست هناك نصف ساعة أفكر؛ تفكير يحتاج إلى عشر سنوات من الطاقة ويحرق الجسد ويغرق العالم كله، وبالطبع يحتاج إلى تعويض للطاقة بالطعام الجيد. كنت متعباً ولم أتناول الفطور، ولا أستطيع تناول الطعام العراقي بسبب رداءة جودة المواد الغذائية والنظافة، والتي تُعتبر مسببة للسرطان. لم يكن لدي الشعور لأداء الصلاة، وكنت جائعاً وأحتاج إلى إشباع.

خرجت بهدوء من المسجد وتوجهت إلى محل كباب. أقمنا علاقة صداقة مع صاحب المحل، وطلبت منه بعض الأسياخ الجيدة. طلبت منه أن يخرج كمية من اللحم من الثلاجة، فطحنها بمطحنة اللحم. ثم غسل وعقم الإناء الذي يستخدمه بالماء المعبأ. في العراق، مياه الشرب غير نقية لذلك نستخدم فقط المياه المعبأة. غسل صاحب المحل الأواني جيداً ثم أعد لي عشرة أسياخ كباب وقدم لي بعدها إبريق شاي ساخن وقوي. أصبحنا أصدقاء، وظهر مودة كبيرة بيننا. بعد ذلك رجعت إلى المسجد وجلست في المكان المتفق عليه مع رفقائي. وصلوا وسألوني عن الأعمال التي قمت بها. قلت لهم: عملي انتهى. قال أحدهم: لم أتمكن من أداء كل الأعمال، وقال آخر: واجهت نقصاً في الوقت، وقال ثالث: أديت بعض الأعمال بسرعة ولم أفهم كيف صليت. قلت: أما أنا فقد أديت كل الأعمال بهدوء وطمأنينة، وصلّيت لجميع المقامات وأصحابها بدون استعجال أو قلق.

الجزء الخامس:

كل الكون هو تجليات الله تعالى. الله حاضرٌ وناظرٌ دائماً. أنت توجه نيتك إلى الله وتعبده، فلتكن معاملتك حسنة ومناسبة تجاه تجليات الله ومظهره، أي تجاه بقية المخلوقات. كما يُقال: «الورد الذي تريد أن تقدمه بحبٍ لله، قدّمه أيضاً للمخلوقات المحترمة». لا فرق بينهما. لا يظهر الحق إلا بظاهره، وهذا هو وجه الحق. كل الكون وجهٌ للخالق. حبُّ الكون كله واحتواؤه هو الواجب.

بيت الكعبة له نفس هذا الحكم، لا يختلف عن ضريح إمام زاده. الضريح لا يختلف في جوهره عن جدران الكعبة، يمكن أن تلمس الجدار وتقول: السلام عليك يا الله وأنت تدور حول الله. لأن الحق عندما يظهر هو بهذه الهيئة. أما فيما يخص آثار ومعجزات الأئمة الأطهار، فهي مرتبطة بمعرفة الإمام المعصوم. لأن جسد جميع الأئمة الأطهار هو جسد الإمام المعصوم. في الأصل، الكون كله هو جسد المعصوم.

عندما نزور النبي الكريم أو الأئمة الأطهار، لا نصل إلى جسدهم الطاهر، وإنما نلمس فقط ضريحهم. العالم كله يشبه الضريح، لأن الكون هو جسد المعصوم. قيل إن قبور الأئمة لها خصائص وآثار أخرى، لكننا نحن ضعفاء الفهم والعقل وقليلي الاستعداد، لذلك نشعر أكثر عند رؤية المشبكات ونعتقد أننا نشعر بحضورهم. أما العارف الذي تسلل إلى قلبه المعرفة، فيشعر عند لمس جدار مستشفى أو سجن بنفس الإحساس كما لو لمس ضريحهم.

لكن خصوصية زيارة الأئمة تكمن في أن الشخص الذي لا يملك معرفة روحية ولا يحس بحالات معنوية، قد يختبر هذه الأمور الروحية ويشعر بها. وإلا، إذا لم تكن المعرفة موجودة، فلا يُرى الإمام المعصوم لا بجانب الضريح ولا في مكان آخر، مع أن «أشهد أنك تسمع كلامي وتشهد مقامي». إذا كان الإنسان يملك المعرفة في داخله، ويعرف الأمور الروحية…

ChatGPT said:

البُنيانُ، حَتّى وإن كانَ في القَبوِ أَو في السِّجنِ، يَستَفيدُ مِن هذهِ الخَصائِصِ والثَّمارِ. وَفِي الرِّوايةِ: «اصعَدوا إلى سَطوحِ بُيوتِكُم وَادعوا». فَمَا هِيَ الحُجَّةُ وَراءَ هذا الأَمْرِ؟ إِلى جانِبِ أَنَّ المَنَازِلَ وَحُرُمَ الحَياةِ الخَاصَّةِ بالنّاسِ ظاهرةٌ مِنَ السُّطوحِ، إنَّما الهَدَفَ مِن هذا التَّوجيهِ تَغْييرُ الفَضاءِ الفِكْرِيِّ والنَّفْسِيِّ للإنسانِ، وتَحريرهُ، وَبِالتَّالي وَصْلُهُ إلى فَهْمٍ وَمَعْرِفَةٍ أَعمَقَ. وَفِي الحَقِيقَةِ، الهَدَفُ هوَ حَلُّ مُشْكِلاتِ الإنسانِ بِوَجهَةِ نَظَرٍ أُخْرَى؛ وَجهَةِ نَظَرٍ عَمِيقَةٍ بِمَنْهَجٍ مَعْرِفِيٍّ. وَإِلَّا فَالدُّعاءُ فِي المَعابِدِ وَالمَساجِدِ لا يَحمِلُ فَرقاً. فِي الحَقِيقَةِ، الزُّوّارُ الَّذِينَ يَزورونَ الإمامَ مِن قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ لا يُؤَثِّرونَ فِي مَزورِهِ، لأَنَّهُ يَرَى الزَّائِرَ دَائِماً وَفي كُلِّ مَكانٍ وَزمانٍ. وَلكِن وَصْلُ الزَّائِرِ نَفْسِهِ فِي هذِهِ القُرْبَى وَفي الحَرَمِ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ، وَهذَا الوُصُولُ يُذَكِّرُهُ بِالأَمْرِ أَكْثَرَ وَأَفضَلَ. كَما أَنَّ المُصَلِّي يَؤَدِّي الصَّلاةَ فِي المَسْجِدِ بَدَلًا مِنَ البَيْتِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ العِبَادَةَ أَكْثَرَ. وَطَبعاً، قَد يَكُونُ المُصَلِّي غافِلاً وَلا يَحدُثُ لَهُ أيّ تَذَكُّرٍ أَو انْتِباهٍ، وَلكِنَّ التَّوصِياتِ الَّتِي وُرِدَتْ فِي الرِّواياتِ بِشَأْنِ زِيَارَةِ القُبُورِ هِيَ مَقصُودَةٌ وَهِيَ لِزِيادَةِ القُرْبِ وَالحُضُورِ. وَهذِهِ زِيادَةٌ فِي الإِحْساسِ وَالإِدْراكِ وَالفَهْمِ الأَفْضَلِ. وَإِلَّا، فَمَن يَمُتْ يَرَانِي، أَوْ كَمَا قالَ الشَّاعِرُ:

إذَا كُنْتَ مَعِي فِي اليَمَنِ فَأَنْتَ عِنْدِي،
وَإِذَا كُنْتَ بِدُونِي فِي اليَمَنِ فَأَنْتَ عِنْدِي.

هذِهِ القَضِيَّةُ لا تَخْتَلِفُ كَثِيراً، وَالأَعْمالُ وَالعِباداتُ إِذَا أُدِّيتْ بِالمَعْرِفَةِ فَطَبِيعَتُهَا وَحَقِيقَتُهَا وَاحِدَةٌ. أَمَّا مِن نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَالمَوْضوعُ مُخْتَلِفٌ وَيَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ وَيُرْتَقَى بِالمَعْرِفَةِ وَالعِلْمِ الرُّوحِيِّ.

أَحْياناً يُؤَدِّي الإِنْسانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ فِي أَمَاكِنَ مُقَدَّسَةٍ مِثْلَ مَقَامِ المَسْجِدِ الكُوفِيِّ. وَمَجْمُوعُ أَلْفِ الصَّلاةِ ذَاتِ الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ أَلْفَا رَكْعَةٍ. فَكَمْ هِيَ قِيمَةُ هذِهِ الصَّلاةِ؟ وَلكِنَّ شَخْصاً يُؤَدِّي رَكْعَتَيْنِ وَقِيمَتُهَا أَفْضَلُ مِن عِبَادَةِ الثَّقَلَينِ. فَبِحَقِيقَةِ الأَمْرِ، أَفْضَلُ مِن عِبَادَةِ الثَّقَلَينِ هِيَ رَكْعَةٌ يَقْصِدُ الإِنْسانُ أَدَاءَهَا.

المَوْضوعُ فِي العِبَادَةِ وَالعِبَادَةِ هُوَ المَعْرِفَةُ وَالقُرْبُ وَالحَقِيقَةُ. وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ العالَمِ هُوَ مَظْهَرُ الرَّبِّ وَصُورَتُهُ. فَتَعَامَلْ مَعَ كُلِّ العالَمِ كَمَا تَتَعَامَلُ مَعَ الخَالِقِ. وَطُوبَى لِلَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَمَا يَتَعَامَلُ اللهُ تَعَالَى. أَن يَنظُرَ الإِنْسانُ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ بِالمَحَبَّةِ وَالصَّفَاءِ، لا بِالْهَمّ وَالضَّغِينِ وَالقَسْوَةِ وَالتَّهَجُّمِ وَالافْتِرَاءِ وَجَمِيعِ الأَشْياءِ السَّيِّئَةِ.

أَحْياناً يَكُونُ القَلْبُ مَلوَّثاً وَكَدِراً حَتَّى يَرَى فِي كُلِّ شَيْءٍ رَجَاسَةً وَشَرّاً وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِبَّ أَحَداً. وَأَحْياناً يَكُونُ القَلْبُ طَاهِراً نَقِيّاً فَيَرَى فِي كُلِّ مَا يُبْصِرُ الحَقَّ وَالنَّقَاءَ وَالصَّفَاءَ.

هَل كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يُفَرِّقُ بَيْنَ ابْنِ مَلْجَمَ وَالإِمامِ الحَسَنِ؟ كَيْفَ نَتَصَوَّرُ هذَا؟ أَوْ مَا هِيَ نَظْرَةُ الإِمامِ الحُسَيْنِ إِلَى عَلِيّ الأَكْبَرِ وَشَمْرِ ذِي الجَوْشَنِ؟

الحَقِيقَةُ أَنَّنَا لا نَمْلِكُ مَعْلُوماتٍ كَثِيرَةً فِي هذِهِ المَوَاقِفِ؛ لأَنَّ قُلُوبَنَا لَمْ تَكُنْ بَعْدُ صَفِيَّةً وَمُنِيرَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْكِسَ الحَقَائِقَ وَتَفْهَمَ الأُمُورَ، وَكُلُّ شَيْءٍ نُحَلِّلُهُ بِظَاهَرِيَّةٍ وَبِرُمُوزٍ سَطْحِيَّةٍ.

الإِنْسانُ الصَّالِحُ رَسُولُ اللهِ وَالإِنْسانُ السَّيِّءُ أَيْضاً رَسُولُ اللهِ. هَل يُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ الإِمامَ الحُسَيْنَ 7 كَانَ يَحْمِلُ ضَغِينَةً فِي قَلْبِهِ ضِدَّ شَمْرِ ذِي الجَوْشَنِ؟ كُلُّ مَا يَحْدُثُ لِلإِنْسانِ مِنَ الأُمُورِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلكِنَّ سَبَبِيَّتَهُ تَعْتَمِدُ عَلَيْنَا.

نَحْنُ نَعْرِفُ أَخْلاقَ وَطَرِيقَةَ حَيَاةِ قَتَلَةِ الإِمامِ الحُسَيْنِ، وَلَكِنَّ المَسْأَلَةَ هِيَ: مَا هِيَ نَظْرَةُ الأَئِمَّةِ الأطْهارِ إِلَى هؤُلاءِ الأَشْخاصِ؟

يُرْوَى قِصَّةٌ عَنْ الإِمامِ الحُسَيْنِ 7 عِنْدَ مَوْقِعِ الشَّهَادَةِ، وَيُزْعَمُ أَنَّ شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكَانِ، وَأَهْلُ المَكانِ أَرَادُوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلِماتِهِ. سُؤالٌ: مَن كَانَ الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى ذَلِكَ؟ أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هذِهِ القِصَّةَ كَذِبٌ وَمَفْتَرَى. وَقِيلَ: أَنَا وَضَعْتُ أُذْنِي عَلَى شَفَتَيْ الإِمامِ الحُسَيْنِ لِأَسْمَعَ كَلاَمَهُ. وَالسُّؤالُ أَيْضاً: مَن كَانَ يَجْرُؤُ عَلَى دُخُولِ تِلْكَ المَنطِقَةِ؟ وَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: كَمَا قَتَلُوا الإِمامَ الحُسَيْنَ، كَانُوا سَيَقْتُلُونَكَ أَيضاً. وَهذَا يُظْهِرُ أَنَّكَ لَسْتَ صَحَفِيّاً مِهَنِيّاً وَأَنْتَ تَفْتَرِي أَكاذِيبَ.

يُرْوَى أَنَّ الإِمامَ الحُسَيْنَ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَن أُمَّتِهِ وَيُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ رَحِيمٌ وَرَحْمَنٌ حَتَّى لِلأَعْدَاءِ. وَهذَا صَحِيحٌ وَمَثْبُوتٌ. لَكِنْ فِي مَعْرَكَةِ كَرْبَلا، كانَ الأَعْدَاءُ يُرِيدُونَ إِبَادَةَ مَذْهَبِ الحُسَيْنِ وَلَمْ يُتْرَكْ لِأَحَدٍ فُرْصَةُ التَّقْرِيرِ.

وَلكِنَّ قَوْلِي هُوَ أَنَّ كَذِبَ هذِهِ القِصَصِ يَحْتَوِي عَلَى حَقِيقَةٍ وَصِدْقٍ. أَنَّ الأَئِمَّةَ الأطْهارَ كَانُوا عَظِيمِينَ وَرَحِيمِينَ لِدَرَجَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ضَغِينَةٌ لِلأَعْدَاءِ، وَكَانُوا يُنْظِرُونَ إِلَيْهِم بِالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ. وَلكِنَّ اللَّعَنَاتِ وَالنَّفْرِينَ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ لِسَانِ الحُضَراتِ المَعْصُومِينَ فِي التَّارِيخِ هِيَ غَيْرَةٌ دِينِيَّةٌ عَلَى البَاطِلِ، وَهِيَ أَمْرٌ مِنَ الحَقِّ تَعَالَى، وَلا تُشَابِهُ الحِقْدَ الشَّخْصِيَّ أَوِ النَّفْسِيَّ أَوِ الشَّهَوِيَّ.

وَقَوْلُنَا هُوَ أَنَّ التَّجَلِّيَاتِ الظَّاهِرِيَّةَ لِللهِ تَعَالَى هِيَ نَزَلاتُ الرَّبِّ، وَنَحْنُ تَسْرِيبَاتُ اللهِ وَنَتِيجَةُ حُبٍّ رَفيعٍ وَعالِي. يا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ! لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ بِأَفْعَالِهِم الجَاهِلَةِ يَرْمُونَ غُبَاراً فِي أَعْيُنِهِم وَيَحْجُبُونَ رُؤْيَةَ هذِهِ الحَقِيقَةِ، وَبِذَلِكَ يَنْسُونَ المَحَبَّةَ.

هذِهِ القَضِيَّةُ تُظْهِرُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَهَانَ بِهِ. فَالإِنْسانُ وَعَاءٌ لِتَجَلِّي الحَقِّ، وَلَهُ قُدْرَاتٌ كَثِيرَةٌ إِذَا اتَّصَلَ بِالمَوْجُودِ وَالمُقَدَّسِ وَلمْ يَكُنْ غَافِلاً. وَهذَا الوُصُولُ يَزِيلُ الخَوْفَ وَيُزْهِرُ فِيهِ قُدْرَاتٍ عَظِيمَةً وَغَرِيبَةً.

كَرْبَلاء وَصَفَاءُ التَّلْمِيذِ

كَانَ لِي ثَلَاثُ أَمَانِي فِي الحَيَاةِ: زَوْجَةُ بَنَاتِي وَالَّتِي حَمْدَ اللهِ تَحَقَّقَتْ، وَكِتَابَةُ كُتُبٍ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُنجِزَهَا وَلَمْ أُنجِزْهَا بَعْدُ، وَأَنْ أَزُورَ كَرْبَلاءَ وَلا أَمُوتَ دُونَ زِيَارَةٍ. وَبِفَضْلِ اللهِ، حَصَلَتْ لِي هَذِهِ التَّوْفِيقَاتُ مَرَّتَيْنِ. فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ أُرِدْ أَنْ أُعْرَفَ فِي حَرَمِ أَبَا الفَضْلِ 7، فَوَقَفْتُ لَبِسْتُ ثِيَاباً عَرَبِيَّةً وَشَمَغَةً، وَلمْ أَتَكَلَّمْ بِالفَارِسِيَّةِ. فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، رَآني طَالِبٌ عِرَاقِيٌّ كَانَ يَحْضُرُ دُرُوسَنَا لِعِدَّةِ سِنِينَ وَتَعَرَّفَ عَلَيَّ. سَأَلَنِي عَنِ الحالِ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ المَسْؤُولِيَّةَ عَن حَوْزَةِ كَرْبَلاءَ تَحْتَ إِدَارَتِهِ، وَأَنَّهُ يُعْلِمُ دَرْسَ خُطَبِ الأَئِمَّةِ فِي كَرْبَلاءَ. سَأَلْتُهُ: «مَاذَا عَن جَدْوَلِ دُرُوسِكُمْ؟» قَالَ: «مُسْتَمِرّ وَمُوَاجِه وَمُتَجَدِّد». حَسَنًا، سَأَلْتُهُ: «هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحْضِرَ الدُّرُوسَ؟» قَالَ: «نَعَمْ، وَمُرَحَّبٌ بِكَ». هَذَا كَانَ مِنَ الفَرَحِ وَالشَّرَفِ.

مَا رَأَيْتُهُ هُنَاكَ إِلَّا رُوحَ الحَقِيقَةِ وَالإِيمَانِ وَالتَّقْدِيرِ. كَرْبَلاءُ مَكَانٌ فِيهِ نَسَمَةُ الحَقِيقَةِ وَالرُّوحِ، وَتُحْيِي القُلُوبَ وَتُنَقِّي الأرْوَاحَ. وَإِنْ كَانَتِ الحَياةُ فِي أُمَّةٍ وَمُجْتَمَعٍ تُقَدِّمُ قِيَمَ العَدْلِ وَالإِخْلاصِ، فَكَرْبَلاءُ تَكُونُ دَرْبًا لِلنُّفُوسِ.

في كربلاء، كنت أستحمُّ يوميًا في نهر الفرات ثم أذهب للزيارة. ذات يوم، وكنت واقفًا بجانب ضريح سيّد الأفضال، كنت أرتدي شفيّة على رأسي وقميصًا عربيًا. رأيتُ شخصًا يمدُّ يده إلى جيب ثوبي العربي وينهب بعض النقود منه. قديمًا كانوا يقولون إنَّ من يقترب من ضريح سيّد الأفضال وهو غير طاهر يقع على الأرض وينزف من أنفه. ولكنّي رأيت هذا الشخص يأخذ المال بكلّ سهولة ولم يحدث له شيء. فقلتُ: “يا سيّدي، إنْ لم ترغب في معاقبته فلا أُخبر أحدًا”. كانت يد ذلك الشخص يدًا فارسية، وليست عربية، فأنا أتميّز اللصوص من خلال أيديهم. أستطيع أن أعرّف لصوص الحرم وأن يكون لدى الشرطة ملفّات عنهم وتُحقّق في أمرهم.

الزيارة في الصمت

أحيانًا أوصي الطلبة بأنْ يمتنعوا عن الكلام الزائد حين يزورون السيدة معصومة عليها السلام، وأن يقفوا بهدوء في مكانٍ جانبيّ، ويقدّموا التحية بكلّ أدب، ويسمحوا للسيدة معصومة أن تفعل لهم شيئًا بالصمت. عندما أزور السيدة معصومة، أقول لها: “السلام عليك يا بيّبي”، وهذا فقط في أوقات كثرة الكلام. أما في غير ذلك، فلا أقول حتى هذه العبارة.

زيارة الإمام الرضا عليه السلام

في حرم الإمام الرضا عليه السلام، كلّ زائر ينسب كل شيء إلى ذلك الإمام، ويعتبر الحرم خاصًّا به. في هذا الحرم، حتى إذا صعد أحدهم إلى المنبر، لا ينتبه الزائر إلى المتحدّث، بل يعتبر كلامه كلام الإمام الرضا عليه السلام وكأنه يتحدّث معه شخصيًا، ويتذكّر الإمام في قلبه وعقله باستمرار. هذا المكان خاصّ بالإمام الرضا عليه السلام. كما أنّ ثروة الحرم ليست للبناء أو غيره، بل يجب أن تُنفق في المجالات الثقافية والعلمية والمعرفية.

لزيارة وقرب خاص يجب أن يكون الإنسان من أنصار الإمام علي عليه السلام، فلا ينجح إلّا أتباع أمير المؤمنين عليه السلام، حتى طهارة أهل السنة من حيث الانتشار شيعيّة، ولكنهم يعودون بعد الموت إلى ذاتهم النجسة. للأسف، سيطرة الطغاة وظلم السلاطين أدّى إلى محو حقائق الولاء الشيعي من التاريخ والمجتمع، وبقي من الولاء اسمٌ وشعارٌ فقط.

أنا أوّلًا مرتبط بالقرآن الكريم، وبعده زرت الإمام باقر عليه السلام. كلّما أصابني اليأس، أشعر بأنّ الإمام باقر عليه السلام أكثر من سائر الأولياء يدعمني. ثم الإمام الرضا عليه السلام، ثم أمير المؤمنين عليه السلام، وأخيرًا الإمام المهدي عليه السلام، الذين أثقلهم ختم المهر الحيدري وختم الختمات، وهي أوزان الولاء التي تزلزل الروح.

كنت شابًا وواجهت مشكلة، فاشتريت تذكرة باص إلى مشهد، ووقفت في الصحن دون دخول الحرم. طلبت من الإمام الرضا عليه السلام حلّ مشكلتي، وقلت له إن لم تحلّه فلن أعود إلى هنا مرة أخرى. لم أدخل الحرم ولم أزر، ثم ركبت الباص عائدًا إلى طهران. وبعد أن ابتعدت عن المدينة قلت: “أليس هناك مكان آخر؟ إن لم يشأ الإمام حل مشكلتي، فأين أذهب؟” طلبت من السائق أن يوقفني، ونزلت من الباص وعدت للحرم، وقلت: “يا سيدي، ليس لي غيرك، فافعل ما تريد أو لا تفعل”.

الزيارة بابٌ للمعرفة والقرب، ومدى ارتباطك وولائك للإمام. يجب بناء الحرم على المعرفة، فهل يمكن بناء آلاف المساجد التي لا يكون فيها الإمام الرضا عليه السلام ولا يرون الله فيها؟ المعرفة في الحرم هي التي تظهر قرب الإمام وتجعل الزيارة محسوسة. يجب أن تكون الزيارة أساسها المعرفة والقداسة والروحانيّة. تحتاج الزيارة إلى الطواف الكامل، ويجب عرض مظاهر قدس وعلم الأئمة لا أدوات الحرب والعنف. البناء المفرط للصحن يعرقل الطواف الكامل، وهناك مشاكل في مواقف السيارات رغم التوسعات.

لقد توفّقْت لزيارة الإمام الرضا عليه السلام مرات عديدة. أحيانًا يكون في استقبال العموم، وأحيانًا لا يكون موجودًا. كنت أذهب للزيارة وأرى أنه غير موجود ثم أعود. هناك غرائب وروحانيات في الحرم المقدّس. مرة اعتقلتنا ساواک في مشهد، ولم أستطع زيارة الحرم. كنت على جيب ساواک، وقلت للإمام الرضا عليه السلام: “لم أعد أقدر على القدوم إليك، هذه المرّة دورك”. حين أخذوني إلى الزنزانة، شعرت بحالة جعلتني أرتضي السجن خمسين سنة فقط لأحظى بتلك التجربة والاقتراب منه.

دخل عليّ أحد الضباط الذي كان متديّنًا، واحتضنني وقبّلني وقال إنه لن يعود إلى منزله ما دمت هناك. حين أرادوا أن يعصبوا عيني، قلت: “عيني مغلقة بالفعل”. فتوسّط لي ألا يُعصبوا عيني. في تقريري كتبوا أنني أسأت إلى الملك ونقدت كتاب “تمدن بزرگ شاه” وكان يجب أن أبقى سنوات في السجن، لكن بعناية وكرامة الإمام أُفرج عني.

عندما خرجت، لم يكن لديّ مال، ورأيت في شارع أحمدآباد مشهد محلًّا لبيع إطارات السيارات. صاحبه كان جالسًا أمام المحل، فقلت له: “انهض لأرى أموالك”. فأخرج نقوده من جيبه وأخذتها ومضيت دون أن أقول له شيئًا سوى السلام عليك. عند وصولي طهران، طلبت من أحد العلماء أن يردّ المال إلى صاحب المحل، فعندما أراد أن يعيده قال له صاحب المحل: “من هو هذا الذي نظرت إلى أموالي فآثرت عليّ؟” وقالوا له إنه أعطاه المال بلا تردّد.

في المساء حين وصلت المنزل، أخبروني أن طفلي سقط من مبنى من طابقين ولم يصبه مكروه. هذه كرامة الإمام الرضا عليه السلام.

هذه القصص يجب أن تُروى بحذر لأنها قد تُفسَّر بشكل خاطئ. الإمام الرضا عليه السلام شخصية حقيقية ويجب على الإنسان أن يطلب منه ما لا يمكن أن يجده في مكان آخر، وألا يشكّ في قدرته على الاستجابة، وألا يشترط شرطًا، وأن يحترم أدب المحبّة.

الزيارة لا يجب أن تكون بالكلام الكثير، بل الأفضل أن تكون بالصمت. يجب أن تأتي بالصفاء والصدق والإيمان، حتى السلام لا يلزم أن يقال، بل يكون الصمت خير دليل.

قال المرحوم آية الله الهی قمشه‌ای: كنت في مشهد وأعاني من مشاكل معيشية كثيرة، فقلت للإمام الرضا عليه السلام: “أنت كبير ونحن مستضعفون، فامنحنا عنايتك”. بعد الخروج من الحرم، عرضت عليّ امرأة أن أحضر مجلس عزاء نسائي. قرأت لهم بعض أبيات شعر من منظومة عربية، فبكوا كثيرًا وأعطوني خمسة تومان. لم أعرف هل كانت هذه نقود من الإمام الرضا عليه السلام استجابة لدعائنا، أم من الشعر الذي قرأته!

وقال آية الله الهی قمشه‌ای: وقفت أمام ضريح الإمام الرضا عليه السلام وقلت: “يا سيدي، أكرمنا بعنايتك”. وبعد ذلك خرجت من الحرم، واصطدمت بي سيارة جيب للشرطة بطريقة أسقطتني عدة أمتار وكُسرت يداي وقدماي. كان سائق السيارة جنديًا. حملوني إلى المستشفى، وفكرت: إن أردت مقام الرضا فكن راضيًا ولا تؤخر هذا الجندي الذي قد يُحاسب. فكتبت إقرارًا بعدم المطالبة بالحقوق، ثم ذهبت إلى المستشفى بنفسي.

قال الهی قمشه‌ای: لقد تقبلني الله بذلك، فهو أكرم من أن يضيع من ربّاني. فالإرادة الإلهية لا تضيع من أحبّهم، لذلك أنا راضٍ مهما كان ما يصيبني، لا أتهم الله ولا أشكّ فيه أو أضع شروطًا.

تركيا وسياسة جذب السياح الاقتصاديين

تتجه تركيا اليوم نحو القارة الأوروبية، وتتحول تدريجيًا إلى إحدى مظاهر حضارة هذه القارة. تركيا التي كانت حتى الآن تتسم بطابع الشرقيين، تعيش اليوم حالة من التوتر والازدواجية، كأنها تجمع بين مشرق ومغرب العالم في آنٍ واحد. عبر زيارة تركيا، يمكن للمرء أن يزور قارتي آسيا وأوروبا معًا. فإذا كان لدى شخص رغبة في السفر حول العالم، يكفي أن يزور تركيا. تركيا تشبه الجنة؛ فهي تجمع بين المساجد العريقة والرقصات وقاعات القمار، حيث قامت بتحويل كل ذلك إلى منتج سياحي استثنائي وراقي من أجل جذب أكبر عدد من السياح، وقد أظهرت قدرتها الحقيقية في هذا المجال.

اليوم، لا يمكن مقارنة تركيا بما كانت عليه قبل ثلاثين عامًا، إذ كانت آنذاك دولة متخلفة. إلا أن تقدم تركيا خلال الثلاثين عامًا الماضية يعود جزئيًا إلى الأموال والاستثمارات الإيرانية، إذ حول الإيرانيون هذا البلد إلى جنة على الأرض، جنة جميلة وممتعة للغاية! لقد فتحوا شواطئهم ومدنهم بسهولة للجميع، وأنشأوا جزرًا جميلة وسط البحار، وبنى حول البحر مدنًا سكنية أنيقة وعصرية. كما زيّنوا شوارع هذه المدن بالعربات التي تنقل السياح، وأضفوا عليها أجواءً من الموسيقى الجميلة. لقد جعلوا من المدن أماكن للترفيه حيث ينفق السياح أموالهم ويتنقلون بين الأماكن المختلفة.

حين لا تتيح إيران لشعبها فرص الترفيه أو الاستثمار الآمن والمستدام، أو حين تنشأ لديهم مشاعر نفسية دعائية تمنعهم من ذلك، يتجه الناس للسياحة أو الاستثمار في تركيا، ويخرجون أموالهم من البلاد. أصبحت تركيا اليوم جنة العالم، حيث يدخلها السياح من مائتي دولة مختلفة وينفقون أموالًا ضخمة.

نحن لا نعرف الكثير عن جمال هذه الجنة ومتعتها، لكننا نعرف تركيا جيدًا في هذا المجال. البعض يعترض ويتساءل لماذا أنفق أموالي واستثماري في تركيا؟ أود أن أقول إنني حصلت على أموال مجانية وغير مستحقة. كان هناك شخص يملك أموالًا إضافية مجانًا، وأراد السفر إلى تركيا، فأخذني معه. قلت له إنني أريد السفر إلى تركيا لأغراض البحث والدراسة، وأحتاج إلى أموال مجانية، فقام بتغطية تكاليف سفري.

مرة أخرى، كنت أريد الذهاب إلى ديزين في طهران لإجراء أبحاث ودراسات على الناس الذين يزورون ذلك المكان، لأعرف من هم الذين يذهبون إلى هذه المنطقة للترفيه، هل هم المتسولون والفقراء أم من الطبقات الأفضل؟ ناقشت هذا الأمر مع شخص آخر فتكفل بتكاليف الرحلة، حيث أنفق في يوم واحد، من الصباح حتى المساء، حوالي خمسمائة ألف تومان. كان ذلك منذ عدة سنوات، أما اليوم فلا يقل ثمن السفر إلى تلك المنطقة عن مليوني تومان.

كنت نشيطًا جدًا وقمت بمثل هذه الأعمال كثيرًا.

الوضع في تركيا

الوضع في تركيا مشابه لذلك في إيران. ميزانية إيران تُستثمر بشكل غريب في تركيا. كما ذكرت، سبب هذه الظاهرة الضارة هو أن إيران تفتقر إما إلى الإمكانيات أو إلى السماح بالترفيه والاستثمار الآمن والمستدام، أو أن المستثمرين في إيران يحملون نظرة نفسية سلبية تجاه ذلك. أما في تركيا، فالإمكانات الترفيهية واضحة وجلية. فالكازينوهات في تركيا مبنية وفقاً للمعايير الأوروبية. كذلك الأمر مع الكنائس والمساجد التي بنيت بشكل واسع ورائع.

كما أنهم يضعون الأذان بأصوات جميلة جداً على مآذن المساجد، بحيث لا يشعر أحد بالإزعاج من سماعه. الأذان الذي يُقال في مساجد تركيا يختلف عن الأذان الذي يُقال في إيران. في إيران، تُبث فقط عدة أذانات معدودة من الإذاعة والتلفزيون، وإذا كان أذان المرحوم مؤذن زاده أردبيلي من أجودها، فقد ذكرنا عيوبه في كتاب “فقه الغناء والموسيقى”. بعض المساجد كأنها حصلت على أذان بسعر، وأصبح للأذان مستقبل مجاني! في الماضي، كان كثير من الناس يقومون ويؤذنون. أتذكر مدرسة فيضية حيث كان صوت عشرة أشخاص يعلو في الأذان، وكانت ألحان الأذان متنوعة. للأسف، اليوم لا نرى تنوعاً في لحن وأداء الأذان، والعديد من المؤذنين يقلدون المرحوم مؤذن زاده أردبيلي أو عدد قليل آخر من المؤذنين، حتى أصبح الأذان مكرراً بشكل ممل.

في تركيا، يُلقى الأذان بأنماط مختلفة، ويختلف الأذان من مسجد لآخر. المؤذنون يؤذنون بأصوات جميلة ومسموعة، بحيث يذكر الإنسان بالإسلام والمسلمين ويشعر بالمتعة من ذلك. هذا التنوع في الأذان والجهود المبذولة لابتكار أساليب جديدة يجعل سماع الأذان محبباً وشيقاً.

في تركيا، كنا نستيقظ منتصف الليل، والشوارع تصبح هادئة وخالية في هذا الوقت، مما يجعل الأصوات تنعكس بشكل أفضل، وأصوات الأذان المختلفة في الصباح تبدو جميلة جداً. في الحقيقة، صوت الأذان ملكوتي ويجذب حتى غير المؤمنين لهذا النداء الإسلامي. أما في إيران، فالأصوات تخرج فقط من الراديو والتلفزيون، والتي تخضع لتذوق وقيود الدولة.

الوضع في تركيا (تكملة)

كذلك، في تركيا، توجد مرافق ترفيهية متنوعة تخدم مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، بما في ذلك الحدائق والمتنزهات والمراكز الثقافية والفنية. هذا التنوع في وسائل الترفيه يعكس الحرية المتاحة في التعبير والاستمتاع بالحياة، وهو ما يفتقر إليه المجتمع الإيراني نتيجة القيود القانونية والاجتماعية المفروضة.

إلى جانب ذلك، يُلاحظ في تركيا وجود سوق قوي ومتطور للاستثمار في مجالات الترفيه والرياضة والثقافة، حيث يشجع القانون والاقتصاد على دخول المستثمرين المحليين والأجانب في هذه القطاعات. وهذا ما يجعل من تركيا بيئة جاذبة للاستثمار، بخلاف إيران التي تعاني من صعوبات عديدة في هذا المجال بسبب العقوبات الدولية والسياسات الداخلية.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن التنوع العرقي والديني في تركيا يُسهم في خلق مناخ ثقافي غني ومتعدد، حيث تتعايش مختلف الطوائف والأقليات ضمن إطار من الاحترام والتسامح، مما ينعكس إيجاباً على نمط الحياة والترفيه في البلاد.

وفي الختام، يمكن القول إن الفارق الأساسي بين تركيا وإيران في مجال الترفيه والاستثمار هو وجود الحرية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا، مما يسمح بنمو متوازن ومستدام لهذا القطاع، بينما تواجه إيران تحديات كبيرة مرتبطة بالسياسات والقيود التي تعيق تطويره.

**الشعب الأوكراني لا يجيد اللغة الإنجليزية، وهم أكثر دراية باللغة التركية أو الروسية من اللغة الإنجليزية. وهذه المسألة تدل على أن الإنجليز لم يكن لهم نفوذ وقوة كبيرة في هذه المنطقة. في الواقع، الروس منعوا دخول هؤلاء الشياطين الاستعماريين، أي الإنجليز، إلى هذه المنطقة. الثقافة الأوكرانية أقرب إلى الثقافة الأوروبية، ولكن في إيران تُرى آثار الإنجليز أكثر من أوكرانيا. الإيرانيون يعرفون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وإن كانت معرفة ناقصة. اللغة الإنجليزية لغة غريبة. تقع إيران على سطح الأرض في موقع تحتاج فيه الإنجليز إلى النفوذ القوي والسيطرة السياسية. في كييف، كنت ألاحظ أن الناس أقل معرفة باللغة الإنجليزية، بينما في بعض القرى الإيرانية، بعض القرويين يحملون شهادات دكتوراه أو ماجستير في اللغة الإنجليزية، وهذا دليل على نفوذ الإنجليز في إيران. نحن نستطيع من خلال دراسة لغات شعوب الدول المختلفة أن نحدد مدى نفوذ واستعمار الدول الأخرى فيها. على سبيل المثال، اللغة الإنجليزية تبدو وكأنها اللغة الأم لشعب باكستان، وهم يتابعونها بقوة. أما في إيران، فالوضع مختلف، فاللغة الإنجليزية تُعتبر لغة شقيقة وهذا يعكس تفاوتاً في النفوذ بين الدول. الحقيقة أن تعلم أي لغة، سواء الإنجليزية أو التركية أو الفارسية، أمر في غاية الصعوبة. لقد أقمت في أوكرانيا لمدة أسبوع، وقلت إنني أريد تعلم الروسية والأوكرانية في هذا الوقت القصير، ولكن تعلم اللغة خلال أسبوع أمر غير ممكن. مع ذلك، أعطوني كتب تعلم اللغة، وكان تعلم أبجدية تلك اللغة صعباً، فكيف بالكلمات والحروف الأخرى. على أي حال، الأوكرانيون لا يعرفون الإنجليزية جيداً لأن الإنجليز لم يكن لهم نفوذ كبير في ظل قوة روسيا. الروس يسيطرون على الشعب الأوكراني ويمنعون النفوذ الإنجليزي هناك. كلما زاد نفوذ دولة ما، اتجه الناس نحو ثقافة تلك الدولة وأصبحوا يشبهون شعبها، ولا فرق في ذلك بين الشرق والغرب. صحيح أن اللغة الأجنبية غريبة، لكن الإنسان يجب أن يتعلم اللغات الأجنبية ليعرف نفوس الآخرين ويكون باحثاً في هذا المجال، وهذا أمر يسهل فهم علم نفس الشعوب المختلفة. موضوع النفوذ ينطبق أيضاً على الدول المتقدمة، فلو درست اللغات المنتشرة فيها، تعرفت على الشعوب التي نفذت فيها واستولت على مناطقها. عندما كنت في أوكرانيا، كنت أركز على البحث والتحقيق، وكنت دائماً برفقة واحد أو اثنين كمرافقين. لاحظت أنه لا يوجد شرطي أو رجل أمن في شوارع أوكرانيا. عند توقف الإشارة الضوئية الحمراء، تمتلئ الأرصفة بالناس ولا يتجرأ أحد على عبور الشارع بشكل غير قانوني. المسؤولون في أوكرانيا يراقبون حركة المرور من خلال أنظمة إلكترونية ذكية، وهذا الأمر جذب انتباهي وأجريت أبحاثاً كثيرة لأعرف كيف يؤمنون أمن المدينة. مثلاً، كيف يتم اكتشاف الإرهابيين ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم؟ اكتشفت أن هناك العديد من الأنظمة الإلكترونية مثبتة في الشوارع والأزقة، ولهذا السبب لا ترى رجال الشرطة في الطرقات. في إحدى الليالي طلبت رؤية أخطر وأشد أحياء كييف، عاصمة أوكرانيا، وأخبروني أنه يمكننا الذهاب بعد منتصف الليل. ذهبنا بسيارتين إلى ذلك الحي، وفي الساعة الثالثة صباحاً كانت النساء تتجول في أمان كامل وتمارس أعمالهن التجارية. إذا حاول أحد الاعتداء على إحداهن حتى بالكلام، يكفي الاتصال برقم الطوارئ 01، وحينها تحضر الشرطة فوراً، كأن لكل امرأة أكثر من رئيس دولة يرافقها. أنظمة الأمن والكاميرات المراقبة تعمل على مدار الساعة، وهذه الكاميرات منتشرة في كل الشوارع ولا توجد نقطة عمياء. هناك مشروع جديد يُطبق حالياً، ألا وهو أن الناس يلتزمون بالقانون بوعي دون حاجة لتدخل الشرطة أو التوبيخ. في تجربة قمت بها، عندما كانت الإشارة حمراء، طلبت من مرافقي أن يعبروا الشارع، ونظر إلينا الناس بدهشة كأنهم يشاهدون شيئاً غريباً. لم يروا سلوكاً مخالفاً من قبل، وكانوا يقولون: كيف تعبر الشارع بينما الإشارة حمراء؟ أما نظرية أن من يعتبر نفسه محقاً يكون أكثر تمادياً في تعدياته، فليست منطقية، بل العكس صحيح، فالأشخاص الذين يظنون أنهم على حق يتعدون أكثر، ويقولون: “أنت وكل ما تملكه ملك لي”. وهناك قصة صغيرة عن تلميذ في الصف يشعر بالخجل من فقر والده بينما زملاؤه يتفاخرون بآبائهم الأغنياء، ويُقترح عليه أن يقول إن والده يمتلك حماراً وأن الحمير لديها محلات وبساتين. أي أن المعتدين يعتبرون الناس عبيداً وأملاكاً لهم، ويأخذون ممتلكاتهم بالقوة والظلم، بحجة أن هذه الأشياء ملك لهم وأن الناس مجرد عبيد لديهم. في أوكرانيا، لم أجد مثل هذا السلوك.

في أوكرانيا، الأمر الذي لفت نظري هو نجاسة الكافر. مع أن أوكرانيا خضراء كالريف الشمالي الإيراني، وهي كالجنة، لا ترى الأرض البور أو التراب، ولديها العديد من المنتزهات، لكن وجود الكافر كان واضحاً لي. أخذته إلى مختبري وأكدت حواسي نجاسته. كان يرتدي ربطة عنق جميلة ويستحم يومياً، لكنه كان نجساً ككلب. نجاسة الكافر ليست مجرد حكم سياسي أو مقاطعة اجتماعية، بل يمكن إثباتها بالتجربة، وفهم الفرق بين طهارة الشيعي وطهارة غيره. أعتقد أن الشيعي لا يصبح نجساً حتى بعد موته، وأن طهارته تستمر بعد الوفاة.

الفصل السابع: صفاء طلب العلم

محبة طلبة العلم

أنا أحب طلبة العلم كثيراً. لدي ثلاثة أصهار جميعهم طلبة علم، وخمسة أبناء كلهم طلبة أيضاً. أعتبر طلبة العلم أولادي الحقيقيين والروحيين، وأكن لهم محبة خاصة لدرجة أن بعض أبنائي يقولون إنني أحب طلبة العلم أكثر منهم. أحد أقاربنا من السادة أصر على تزويج ابنته لابنه، وهو ليس طالب علم، لكنني ربّيت بناتي على ألا يتزوجن إلا بطالب علم. قال لي: ابني سيد، وإذا لم تعطني ابنتك، سأشكو جدّه. فقلت له: اشكُ لله. كل حياتي وحتى بناتي مكرّسة للإمام المهدي، ولا أنفق فلساً واحداً من أموال الإمام في بيت غير بيت الإمام وطلبة العلم.

الاهتمام بالدراسة

طوال سنوات الدراسة، كنت أدرس وأعلّم حتى في أيام العطل. في الأيام التي تحل فيها ذكرى شهادة الأئمة المعصومين، كنت أدرس تفسير سورة الحمد وأختم بدعاء قصير. وفي خميس وجمعة كنت أدرس ثلاثة كتب عرفانية هي أسماء الله الحسنى، مصباح الأنيس، ومنازل السائرين. للأسف، المؤسسات التعليمية تسهل كثيراً موضوع العطل، حتى يعلنون عطلات وسط أيام الدراسة، ما يؤدي إلى ضياع الوقت. تعطيل الدراسة عادة سيئة، وكأن الدراسة وظيفة ثانية. في الماضي، كان اهتمام طلبة العلم بالدراسة أكبر. الأستاذ المرحوم الإلهي رحمه الله، في أول سنة تعارفنا، كان يستمر في الدراسة حتى في أيام العيد.

كنا نكنّ الاحترام والتقدير للكبار، وكان حبنا لأساتذتنا عميقاً وصادقاً. عندما دخلت مدينة قم المقدسة، وجدت فيها أجواءً دينية وعلمية وروحية مختلفة وجديدة عليّ. رأيت في مدرسة الفيضية طالبين يناقشان بعضهما؛ كان أحدهما يرتدي معطفاً والآخر ثوب العلم، فكان الطالب المعطفي ثورياً وأستاذه الذي يرتدي الثوب معارضاً للثورة. كان النقاش شديداً، وكان ذلك مثيراً للدهشة لي، كيف يصف التلميذ أستاذه بالجاهل.

حتى في ليلة زواجي، حضرت دروس الأساتذة شعراني والإلهي حتى العاشرة والنصف مساءً، ولم ألغِ الدراسة. لم أخبر أحداً عن زواجي، وكنت أشعر بالحرج. وصلت إلى الحفل في وقت متأخر، فثار أهل البيت عليّ ظناً أنهم خُدعوا، فأوضحت لهم أنني كنت في الصف.

اليوم للأسف، تُعلن العطل بسهولة كبيرة، وتُلغى الدروس، حتى الاحتجاجات تُدار بالعطل، وهذا ما يريده أعداء الدين. في السابق، كان الطلبة لا يشتغلون بشيء سوى الدراسة، وإن كان لديهم مشاكل مالية، كانوا يصومون ليلاً بدلاً من الأكل.

نحن طلبة علم، جنود الإمام وعمال الناس، لا يمكننا الجلوس لساعات كغيرنا نتحدث مع الضيوف. أنا أجلس نصف ساعة فقط ثم أعتذر لأني مشغول. علينا تنظيم الوقت واستثماره ولا نضيع العمر عبثاً. طوال السنة، نادرًا ما نحضر جنازة، لأنها تأخذ وقتاً طويلاً، وأفضل أن أقرأ الفاتحة في المنزل وأبكي قليلاً، وأقضي الوقت في البحث.

رغم غربتنا وعدم وجود معارف، أوصيت أقاربي ألا يعطوا عنواني لأحد، وإذا حدثت وفاة أو مناسبة، فلا يخبروني لتجنب الحرج. وإذا حضرنا ضيفاً، أخبرهم أنني سأبقى معهم نصف ساعة فقط ثم أغادر للعمل. علينا أن نكون قدوة للمجتمع.

التنظيم وعدم إضاعة الوقت

كان من عادة العلماء والطلاب في السابق أن ينظموا أوقاتهم بدقة، فلا يضيعون أوقاتهم في مجالس لا فائدة منها. على سبيل المثال، كان بعض العلماء لا يتحدثون مع الزوار أكثر من نصف ساعة، حتى لا تذهب أوقاتهم الثمينة في ما لا ينفع. وكانت الأولوية دائماً للمطالعة والبحث والدراسة، لأن العلم هو زاد الروح وقوة الفكر.

اليوم، للأسف، كثير من الطلبة يضيعون أوقاتهم في مجالس لا تفيد، ويتكاسلون عن الدراسة بحجة وجود انشغالات أخرى. وهذا الأمر يؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي وتراجع مستوى الفهم عند كثير من الطلبة. إن العلم يحتاج إلى جدية وانضباط، ويجب أن يكون الوقت مصروفاً في الأمور النافعة التي تقرب الإنسان من هدفه في طلب المعرفة.

حب أهل البيت (عليهم السلام) في طلب العلم

كان حب أهل البيت عليهم السلام هو الدافع الأكبر لي في طريق العلم. فقد كنت أرى فيهم قدوة وعبرة، وشعرت بأن طلب العلم هو أفضل الطرق التي تقربني إلى الله عز وجل. إن طلب العلم الشرعي لا يقتصر فقط على حفظ الكتب، بل يشمل العمل بما تعلمه، والتمسك بالقيم والأخلاق التي جاء بها أهل البيت عليهم السلام.

في كل خطوة في مسيرتي العلمية، كنت أحرص على أن يكون عملي نابعاً من حب الله ورسوله وأهل بيته. وهذا الحب هو الذي منحني القوة للاستمرار في مواجهة الصعوبات والتحديات التي تعترض طلبة العلم.

الختام

في الختام، إن طلب العلم رسالة سامية، ومسؤولية عظيمة، لا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مجرد تحصيل شهادات أو مهن. بل هي مسيرة روحية وعملية تعزز شخصية الإنسان وتجعله عضواً فاعلاً في مجتمعه. فلتكن محبة طلبة العلم وحرصهم على تنظيم وقتهم والالتزام بالسلوكيات الحميدة نموذجاً يُحتذى به في كل مكان وزمان.

لقد كنا نذهب لفترة إلى مسجد الحي، ونصلي صلاة المغرب والعشاء، ونحضر محاضرة قصيرة، وكان نتاج ذلك تأليف كتاب «خصال السلامة والسعادة» وعدة كتب أخرى. ومع أن المسجد كان قريباً، إلا أنه كان يأخذ منا أكثر من ساعتين من الوقت. رأيت أنني عامل للناس، ولست ممن يضيعون ساعتين من الوقت من أجل صلاة المغرب والعشاء ومحاضرة قصيرة. لا يجوز للإنسان أن يفعل كل شيء بنفسه؛ فمثلاً، لا ينبغي لرجال الدين أن يقرأوا الصلاة الجماعية، ويخطبوا المنبر، ويُدرّسوا في آنٍ واحد، ويجمعوا عدة وظائف لأنفسهم. كثير من الأعمال التي يقوم بها العلماء وطلبة العلم ليست وظائفهم الأساسية، بل هي مضيعة للعمر. لا يعد قراءة الرُّوضة من وظائف العلماء، ولا إقامة الصلاة الجماعية، ولا عقد الزواج أو الطلاق، لأن كثيراً من غير رجال الدين قادرين على القيام بهذه الأمور، ولا يستوجب أن يستهلك الإنسان عمره في هذه المهام التي ينبغي أن يؤديها الناس بأنفسهم. الوظيفة الأساسية لرجال الدين هي البحث في دين الله وإنتاج العلم الديني. والعلم الديني له مصطلح خاص، شرحتُه في كتاب «علم اجتماع العلماء الدينيين». في القرآن الكريم والرويات المعصومة، توجد مشاريع قيمة في مجالات متعددة، وعلى العلماء والحواضر الدينية أن يتبعوا هذه الأمور، لأنها وظيفتهم الحقيقية. ومع وجود كل هؤلاء الأشخاص الصالحين، يمكن للناس أن يؤدوا الصلاة الجماعية أو يقوموا بالعقد بأنفسهم. هل توجد رواية عن النبي صلى الله عليه وآله أو الأئمة الطاهرين عليهم السلام تُفيد أنهم كانوا يقرؤون العقود أو يحضرون مجالس العقود والجنائز بشكل منتظم؟ في بداية الإسلام، قام النبي صلى الله عليه وآله بدفن بعض الموتى وعلّم الناس عملياً، ومنذ ذلك الحين كان الناس يدفنون موتاهم بأنفسهم. ومع ذلك، للأسف، نرى أحياناً خلافات حول هذه الأمور!

إذا اتبع العلماء وظيفتهم التي هي إنتاج العلم الديني، فإن نسيم الملكوت الذي يهب منهم سيهذب المجتمع كله، ولن يكون من الضروري أن يكونوا مرتبطين مباشرة بهذه الأمور أو يحملوا مفتاح المسجد في جيوبهم خوفاً من فقدانه على يد الشيوعيين. ولكن لأن هذا النسيم غير موجود اليوم، فعلى العلماء أن يكونوا هم أمناء المساجد بأنفسهم. للأسف، فقدنا المبادرة. من البديهي أنه إذا لم تمطر الأمطار على الجبال، سيصبح دجلة مجرى جافاً. وإذا لم تكن الحواضر الدينية أهل تحقيق، فسيحدث جفاف علمي، وستتكرر الأقوال المكررة والقديمة التي تمل الناس، كما هو الحال اليوم.

الدعوة خاصة بالأنبياء؛ لأنهم لم يكونوا بحاجة للدراسة والبحث، بل كانوا ملهمين بالوحي، وكل ما يحتاجونه كان يمنحه الله لهم. أما غيرهم، فعليهم أن يسعوا للبحث والإنتاج، ثم يدعوا إلى دينهم بناءً على أبحاثهم، وإلا فإن الدعوة بدون بحث أمر خاطئ ومخالف لهدفها. عندما لا يكون هناك بحث، فلا دعوة حقيقية، وكل ما يُقال يكون بلا فائدة. اليوم، الناس ليسوا بسيطين كالقديم، بل هم أصحاب تحليل وتقييم يميزون الصالح من الطالح، وقد صاروا أحياناً حكاماً أكثر من كونهم مستمعين، ولا يسعون كثيراً للتعلم، لأنهم يعتقدون أنهم لا يجهلون أقل من العلماء الحاليين. لم يدرس الأنبياء ولا الأئمة المعصومون كالعلماء، ولو جمعنا كل ما درسوه لما بلغ مستوى علمنا الحالي، لأنهم بحكم قربهم من الله كانوا يمتلكون علوماً لدنية. لذا، يتبعون طريقهم في الدعوة، ونحن نتبع طريقنا. المنهج السائد اليوم في الحواضر، الذي يجعل العلماء مشغولين مع الناس في كل صغيرة وكبيرة، ليس منهجاً صحيحاً ولن يفي باحتياجات المجتمع. لا مناص من أن يلتزم رجال الدين بوظيفتهم الأساسية، وأن يبحروا في بحر من الأبحاث العلمية، ويوكلوا الأمور التي يمكن لغيرهم القيام بها إلى هؤلاء، أو يهيئوا عددًا من غير أهل العلم لذلك، بينما يركز أهل العلم على أبحاثهم العلمية. في كل مكان، هناك أربعة أشخاص صالحين ومؤمنين قادرين على إقامة الصلاة الجماعية وإعطاء النصيحة، وكذلك في كل مدرسة أو مؤسسة، فلا حاجة إلى إحضار الطلبة أو رجال الدين ليؤموا الناس.

في الواقع، لا حاجة لأن يُحمّل العلماء فوق طاقاتهم بمهامٍ ليست من اختصاصهم، فهذا يعرقل تقدمهم العلمي ويضعف إنتاجهم الثقافي والديني. على العكس، إذا توفرت لهم البيئة المناسبة للبحث والتدريس والتأليف، سيخرجون بنظرياتٍ وأفكارٍ تقود المجتمع نحو النمو الروحي والاجتماعي. إنَّ علماء الدين هم الحُماة الحقيقيون للإيمان، لكن هذا لا يعني أن يتحولوا إلى أدلة لكل صغيرة وكبيرة في الحياة اليومية، بل يجب أن يركزوا على تطوير المعرفة الدينية ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.

ومن هنا، فإن النظام الإسلامي المثالي يتطلب توزيع الأدوار بشكل واضح ومنظم، بحيث يُعهد للعلماء بدورهم في البحث والتعليم، ولغيرهم من المؤهلين بأداء الخدمات الاجتماعية والدينية التي لا تستوجب الخبرة العلمية المتعمقة. بهذا الشكل، يُمكن أن تستمر المساجد والمراكز الدينية كمؤسسات فعالة لخدمة المجتمع، دون أن تكون عبئًا على العلماء.

إن التمييز بين واجبات العلماء والمهام الأخرى هو أمر ضروري لإعادة الحياة إلى الحواضر العلمية، ولضمان بقاء العلماء في قمة عطائهم الفكري والروحي. إذا ما توقف العلماء عن التركيز على البحث والدراسة، فسوف يعاني المجتمع من جفاف فكري وسياسي وثقافي، ولن يُمكن مواجهة التحديات الحديثة التي تعصف بالأمم.

لقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولا يتحقق ذلك إلا بتخصص العلماء في مجالاتهم، مع تشجيع المجتمع على تحمل مسؤولياته تجاه الدين عبر المشاركة في المناسبات الدينية والخدمية. إن إشراك الناس في أداء الطقوس الدينية وتسيير شؤونها يعزز من الوعي الديني ويقوي الشعور بالانتماء والمسؤولية الجماعية.

ختامًا، على رجال الدين أن يدركوا أن دورهم الرئيس هو الحفر العميق في معارف الدين، والارتقاء بالعلوم الشرعية إلى أعلى مستوياتها، ليكونوا بذلك منارات تهدي الأجيال القادمة. أما الأمور التنفيذية والخدمية، فلا بد أن تُترك للمتخصصين من غير العلماء، مما يؤدي إلى بناء مجتمع متماسك ومتوازن يقوم على أساس العلم والعمل المتكامل.

**على أية حال، العالمُ والعلمُ وأفكارُ الإنسانِ كلها في حالةِ ازدهارٍ وتطوّرٍ مستمر: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). لقد ذكرتُ في نقاشاتي أنَّ معرفةَ الحواسيب الحديثةِ والذكاء الاصطناعي، التي أصبحت أساسَ العلم والصناعةِ اليوم، ستصبحُ في المستقبلِ قديمةً وغيرَ مجدية، وسيحلُّ محلّها أمرٌ أعقدُ وأعمقُ. بمعنى أنَّ أدواتِ العلمِ والمعرفةِ ستتغيرُ، وستجدُ أبجديةً جديدةً. لقد رأيتُ هذا، ولهذا أقول: كما لم يكن الحاسوبُ في مخيلةِ السابقين، فإنَّ أدواتَ وأبجديةَ العلمِ في المستقبلِ لن تتسعَ لها أذهانُ العقولِ المغلقةِ اليوم. نحنُ مع كلِّ تقدماتنا، سنكونُ للآتيينَ مثلَ البشرِ الأوائلِ والمتخلّفين. لا ينبغي الاعتقادُ بأننا اليوم متقدمون للغاية. الآتيون سيستخدمون الوحيَ والمغيباتِ، ويجدون الطريقَ السريعَ لاستيعابِ المعرفةِ.

إنّ العلمَ اليومَ يتوسّعُ حولَ المحسوسِ والمادّي فقط، ولا يملكُ إمكانيةَ الوصولِ إلى المجرداتِ وما وراء المادةِ علمياً. كما كانَ الطيرانُ في زمنٍ ما محصوراً على البالونات، ولكن اليومَ اخترع الإنسانُ المركبات الفضائيةَ التي تُقلُّهُ بسلامٍ إلى القمرِ، فكذلك سيكتشفُ الإنسانُ مستقبلاً أنَّ الطاقةَ ليست في المادة فقط، بل سيفتحُ آفاقاً جديدةً في العلمِ ويخترعُ أبجديةً علميةً جديدةً تمكّنهُ من الوصولِ علمياً إلى ما وراء المادةِ، وسيبلغ العلمُ عوالمَ الجنِّ والملائكةِ، وسيخضعها للسيطرةِ العلميةِ.**

إنَّ معارفَ اليوم، لا سيما في مجال العلوم الإنسانية، ملطّخةٌ بالوهمِ والتزييفِ والخرافاتِ الكثيرة. أما العلومُ التجريبيةُ فترتكزُ على بعدٍ واحدٍ من الإنسانِ، فتغفلُ بعدَ المعنى. إنَّ ملامحَ البشرِ المهندمةَ جميلةٌ، لكنها تخلو من محتوى، وهم يتكبّرون على جهلهم. اليومَ، للبشريةِ صناعةٌ يفخرون بها، وهي ما تمَّ الحصولُ عليه ليس بعرضهم، بل ببيعِ النفطِ والمواد الخامِ، ولكن الأخلاقَ والتربيةَ والثقافةَ والروحانيةَ والدينَ، التي يدّعونها، غائبةٌ لديهم. وإذا كان أحدهم يعملُ على لوحةِ المفاتيحِ، فإنه يضغطُ عليها بعنفٍ حتى يفسدها فوراً، ويُهدِرُ طاقته بلا فائدة. نحنُ الآنَ نعيشُ الغربةَ والقيودَ؛ لأنَّنا نتحدثُ من مكانٍ مختلفٍ.

أنا لا أتحدث عن العلمِ السائدِ التقليديِّ الذي لا يزيد عن كونه نقلاً، بل عن علمٍ موضوعيٍّ يمتلكُ قدرةً على التأثيرِ والخصائصِ الخارجةِ عن المألوف. وهذا العلمُ الثالثُ الذي أطرحهُ هو العلمُ التحويليّ، أي تحويلُ المثالِ إلى مفهومٍ. نعم، لقد أُتيح لي هذا العلمُ. أُقدّمُ هذا العلمَ مدعوماً بالعلومِ السائدةِ، وشواهدٍ من آياتِ القرآنِ الكريمِ، مع أني لا أومنُ بالعلمِ المدرسيِّ المفهوميِّ. العلومُ المدرسيةُ التجريبيةُ ضعيفةٌ جداً، ناهيكَ عن العلومِ الإنسانيةِ الحوزوية، خاصة في الفلسفةِ والفقهِ، التي ما زالت أسيرةَ ماضيها المشوبِ بالخرافاتِ.

الطبُّ رغم توفرهِ على مؤشراتٍ ومعاييرَ كثيرة، لا يبقى على ما هو عليه، بل يتطوّرُ يومياً وفقاً للمعطياتِ الجديدة. أما نحنُ فلا نعرفُ نظامَ العلمِ الدينيّ، ونعتبرُ التمسكَ بضعفِ الفقهاءِ السابقينَ والخوفَ من تجاوزِ عيوبهم فقهًا أصيلًا وأصولًا تقليديةً. يجبُ أن يمتلكَ الفقيهُ ملكةً قدسيةً، أي قدرةً على الطيرانِ في عوالمِ الغيبِ والقربِ الربوبيِّ والتغلغلِ في ساحةِ الغيبِ الإلهيِّ. الكلبُ يشمُّ روائحَ بعشراتِ الكيلومتراتِ، ولكن الإنسانَ، أعظمَ مخلوقاتِ اللهِ وأحسنَها، لا يزالُ خاماً، ولم يُنظِّم تفكيرهُ وعلمَهُ الإدراكيَّ، وظلت كلُّ مواهبهِ خامدةً. هذا الكائنُ المتكبّرُ يعتبرُ نفسهُ عظمةَ الوجودِ ويقللُ من شأنِ الظواهرِ الأخرى.

حتى إذا وُجد عارفٌ، فهو لا يتجاوزُ أن يقولَ: “فلانٌ فعل كذا في الشارع”، فهذا متعدٍّ وليس بعارف. العارفُ الحقيقيُّ هو الذي يمتلكُ ملكةً قدسيةً وقوةَ ولايةٍ تُسمح لهُ بالصعودِ إلى ملكوتِ السماواتِ، ويعرفُ طرقاً تُشقُّ النفسَ فيها في الهواءِ إلى أشلاء. العارفُ هو الذي يمشي هذه الدروبَ ولا يضلُّ، ويعرفُ متى وكيف يجلس.

إذا كانت روايةُ “كلمينى أو حميراء” صحيحةً، مع أن سندها ضعيف، فهي تعني أنَّ النبيَّ الأكرمَ صلى الله عليه وسلم بقي عالياً في المعراجِ الروحيِّ حتى كان يجبُ لصوتِ حميرا أن يرشدهُ للأرض، وكأنها مرساةُ السفينةِ التي تُثبّتُهُ بوزنهِ النَسَوتيِّ.

يجبُ اكتسابُ العلمِ من تلك العوالمِ بالأدواتِ الروحيةِ، لأنَّ الأدواتَ الماديةَ السائدةَ تقدمُ أشياءً جزئيةً جداً حتى لأصحاب الاجتهادِ والدكتوراهِ.

اليومَ هو عصرُ الغطرسةِ والطغيانِ ووحشيةِ البشرِ، لكنَّ ازدهارَ المعرفةِ سيحدثُ خلالَ أكثرَ من عشرة آلافِ عامٍ مقبلةٍ، حينها سترى الدنيا العِلميةُ نُجباءً غرباءً رائعين؛ أولئك الذين يُقالُ في حقهم “طُوبَى للغرباء”. فليكن حظُّهم سعيداً، لأنَّ عالمَ العلمِ آنذاك سيُقدّرُهم ويستفيدُ من علومِهم. أما في الوقت الحاضر، فإنَّ كلَّ قولٍ وفعلٍ يُواجهُ بالسجنِ والتكفيرِ والإعدامِ من قِبلِ الرجعيينَ الجهلاءِ المتكبّرين، الذين يدّعون أشياءً فاخرةً. يكفي أن تقولَ بعطفٍ: “هذا القولُ يحتوي على نقد”، أو “هذا العملُ خطأ”، حتى ينهالوا عليك بحدةٍ، كما يحدثُ الآن.

على كل حال، عالمُ اليوم عالمُ همجٍ قساة، وليس عالمَ العلماءِ والإنسانيين.

عادة المشاعر

قبل الثورة، كان نجل أحد السادة يدرس في مدرسة فيضية وكان لديه العديد من التلاميذ، لكنه كان إذا اختلف مع والده وأحزن، يوقف دروسه. أحيانًا كان يقول إنه ترك طلب العلم وخلع ثيابه، لكنه بعد فترة من تعاطف والده معه، كان يعود لإكمال دروسه. كان أستاذًا قويًا في مادته. تراجع عدة مرات عن مواصلة الدرس. في يومٍ قلت له: “يا بني، ليس من الصحيح أن توقف دروس الطلبة كلما حصل خلاف بينك وبين والدك! إما أن تذهب ولا تعود، أو لا تجعل الدروس وسيلة للضغط على والدك. هل الحوزة منزل خالتك حتى تتصرف بهذه الطفولية وتستخدم الدروس كورقة ضغط؟! قلت له إن مشاكلي أكبر منك بكثير، ولكني لم أوقف دروسي يومًا، بل أدرس حتى في أيام العطل.” فقال: “لا تتحدث عن نفسك، فقد سقطت أنت كثيرًا حتى لم تعد تشعر بالسقوط، أما أنا فعندما أسقط، أشعر به حتى في عظمتي.” رأيت ذكاءه، فقال: “لا زلت أحتفظ بهذا الإحساس، فإذا أراد أحد أن يضربني أصدّه، أما أنت فلم تعد تملك حتى هذا الإحساس، بل مشاعرك تقبل سقوطك ولا تعارضه.”

شعار الكفاءة

على الحوزات العلمية أن تصمم نظامها التعليمي بحيث تجعل الطلاب عمليين. يجب أن يكون الطالب قادرًا على البحث وفق أحدث الطرق العلمية، والكتابة الحديثة أو التدريس. في النظام التعليمي السائد في الحوزات، يدرس الطلاب لسنوات طويلة، لكنهم نادرًا ما يكونون فعّالين، ويتهمون بالعجز.

لو كان لدي طلبة كفوئين، لأثرت انفجارًا علميًا في العالم، لكن غياب رفاق قادرين منعني من إصلاح النظام أو تفكيكه، فأجلس وأكتب كتاب “لو كنت فاعلًا، ماذا كنت أفعل؟” كأنه مثل قول “لو كان خالي رجلاً، لكان عمي قويًا”. لو كان لدي رجال قادرون، لبنيت عالماً من العلم ونظمت الفوضى، لكن كما يقول اللات: “كلام فارغ”.

كفاءة الطالب يجب أن تستند إلى شعار الصناعات: “أقل تكلفة بأكبر ربح في أقل وقت بأعلى إنتاجية.” مثلاً، كانت عصارات العصير القديمة تنتج كأسًا واحدًا من العصير بعد تركيب وفك وتنظيف طويل، أما الآن فصممت العصارة لإنتاج كأس واحد في لحظة واحدة بسهولة تامة. هذا التصميم جعل العملية سهلة جدًا، حتى أنني رأيت إعلانها وأردت اقتنائها. بذلك يصبح تناول العصير سهلاً دون تعب أو مساحة كبيرة.

حوزاتنا تستهلك وقتًا كثيرًا من الطلاب بدون إنتاجية. دروسها عقلية فقط وخالية من الموضوعية، وهذا جعل الذين اكتفوا بهذا النظام بلا كفاءة. يدرس الطالب ثلاثين سنة والنظام يتوقع منه إعطاء درس خارج كل سنة، دون أن ينتج شيئًا. الدروس لا تنفع في الدنيا ولا في الحوزة ولا في الإسلام، والثواب في الآخرة بيد الله. في هندسة تربية الطلاب يجب أن يكون الشعار: أقل وقت، أفضل طريقة، أكثر فائدة. أعطيت طالبًا مذكرة صغيرة ليحررها، وبعد 15 يومًا أحضرها ووضع عشر علامات “ضربدر” على العناوين، وهذه العلامات لا تعني شيئًا. درس عشرين سنة في الحوزة. الكتب الجافة المفروضة على الطلبة سلبت منهم الفعالية والتطبيق. هذه المشكلة عميقة وشاملة لدرجة أن النقد لا يجدي نفعًا. أحيانًا نطلب من الطلبة وضع برنامج للخروج معًا وتناول الغداء لإراحة أذهانهم، ولا يستطيعون تنظيم الوقت ويطيلونه، فنترك الأمر. هذا النظام يخرج فقط علماء كبار مثل “ابن زبيري” في مسلسل المختار.

شعار “أقل مدة، أفضل جودة، أكثر أثر وأعلى إنتاجية بأقل تكلفة” يجب أن يكون شعار النظام التعليمي. لذلك يجب تقليل وقت الدروس، التخصص، ضغط العلوم، حذف الزوائد، وإزالة التكرار. الإنسان طاقته محدودة، فلا يعقل الدراسة لعشرات السنين دون إنتاج. يجب أن تزيد كل يوم قدرة الطالب، وإلا فلا فرق إذا أُغلقت الحوزات لسنوات فلن يتأثر المجتمع.

يعطون الطلبة ثلاث سنوات أدب، لكن بعد ست سنوات لا يتقنون القراءة الصحيحة. العلم إذا لم يُدرَّس عمليًا لا قيمة له. مدرسة ما تعلم العربية في عدة فصول حتى أصبح الطالب مثل عربي أصيل يتكلم ويكتب نثرًا بليغًا، بينما الحوزة تطيل الدراسة ثلاث مستويات ثم درس خارج، فتفقد الطالب كفاءته. هذا الركض وراء دروس متكررة يشبه الحصان يدور دون رؤية.

الكفاءة الجماعية

الحوزات والطلبة لكي يكونوا فعّالين يجب أن ينظموا أنشطتهم جماعيًا. فتاواي الفقهية تقول إن البحث الفردي اليوم غير جائز شرعًا ولا عقلًا. يجب أن يكون البحث مركزيًا وجميع المؤسسات تحت بنك معلومات واحد، ولا دعم للمؤسسات المنفصلة. الكفاءة في العمل الجماعي وتبادل الأفكار العبقرية.

القبول حسب التحصيل العلمي

يجب أن نستثمر الوقت بأفضل شكل ونعرف قيمة العمر. في هذا المجال، الطلبة والعلماء الحوزويون لهم وضع خاص. قبول المتقدمين يبدأ بالحصول على شهادة ثانوية ثم الدخول للحوزة، وهذا ضروري ليكون الطالب عالمًا متعلمًا. سابقًا، كان كثير من الأميين من القرى يدخلون الحوزة ولا يفهمون الدروس جيدًا، وهذا سبب لهم العجز. يشبه هذا البيت الشعري:
“من قرأ صرف مير مير / فكّ قفلًا وقيودًا سبعة.”
ومع أن صرف مير ليس صعبًا، إلا أن الطالب الأمي لم يستطع فهمه.

كنت أتفقد مدرسة قبل الثورة فيها 30-40 طالبًا، سألتهم عن صرف مير، فلم يعرفوا. اشتكيت لمدير المدرسة وأخبرته أن هؤلاء الطلبة يجب أن يحصلوا على شهادة ثانوية لرفع مستواهم. لكنه قال إنهم أفضل لأنهم لم يختلطوا بالدنيا. رأيي أن هؤلاء ببساطتهم يسهل استغلالهم من قبل الفئة الفاسدة التي تستغل الدين للسلطة.

يجب أن يدرس هؤلاء الطلبة مواد المدرسة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وبعدها يمكن تدريس الحوزة لهم وتحليل العلوم. وإلا فلا يمكن فهم المادة ويصبحون متعصبين ومخدوعين.

ذكرى أستاذ رياضيات

أذكر أستاذًا في الرياضيات كان يشبه فيثاغورس، لم يكن يطلب منا حلولًا، بل فهم المسألة فقط، وكان يقول إن الجواب يجب أن يكون ضمن المسألة، وإذا لم يظهر، فالسؤال خاطئ والمعلم غير كفء. كان يطرح 10 صيغ ونستخرج الجواب منها. علمنا اختبار المعلم، فإذا لم يكن قادرًا على إخفاء الجواب في السؤال، فهو معلم غير جيد.

كان يدرس ساعة، يعطينا 10 دقائق شرحًا و50 دقيقة للمرح واللعب، معتقدًا أننا لسنا أذكياء لنجلس ندرس طوال الساعة. 10 دقائق الشرح كانت دقيقة ومحسوبة، لم يكن يطرح أسئلة عشوائية.

مشكلة الكتب الحوزوية

كتب الحوزة بها مشاكل بنيوية وتحتاج تصحيحًا. الطالب يجد صعوبة في فهم النصوص، ويضطر لتقسيمها، لكنه لا يستفيد كثيرًا. مسار الاجتهاد الشيعي في العقود الأخيرة انحرف، والفرق بين الاجتهاد الجامعي والشيعي مهم، والاجتهاد الشيعي ينتج العلم، بينما الجامعة تعلم فنونًا.

كتبنا في “علم اجتماع العلماء الدينيين” شرحًا لهذا الفرق المهم. أوصي كل طالب بقراءته ليعرف طريقه الصحيح من الطرق المنحرفة التي يضعها الطامعون أمامهم.

صفاء علماء الماضي

كان علماء الماضي علماء حقيقيين وكفء، والأهم من ذلك كانوا ذوي صفاء ونقاء. عندما قدمتُ من طهران إلى قم، كان هدفي أن أجد الكتب الأصيلة والمهمة، وأقوم بتجميعها وشرائها لأحتفظ بأفكار وعقائد العلماء. كنت أقرأ أهم كتب أعلام العلم والفلسفة والتصوف، وكنت أتمتع بظروف مالية جيدة. في تلك الأيام، من الكتب التي كنت أحتاجها كتاب “القوانين” للمرحوم ميرزا القمي، لكنني لم أتمكن من العثور عليه إلا على نسخة بالية وقديمة جداً وممزقة. فقمت بتجليدها، ولكن عند لمسها كانت بعض صفحاتها تتفتت من شدة الجفاف والقدم. أتذكر حين كنت أقرأها بحذر شديد، خوفاً من أن تتفتت صفحاتها.

كنت أعرف عالماً يمتلك مكتبة تضم كتباً ثمينة جداً. ذهبت إليه وقلت له إنني لا أجد بعض الكتب التي أحتاجها في السوق، لكنها موجودة في مكتبتكم وأنتم لا تستخدمونها. كان ذلك العالم عالماً حقيقياً وذا صفاء أيضاً. عندما يلتقي الإنسان بشخص طيب وجيد، يصفو قلبه. فأكد كلامي وقال إنه لا يقرأ هذه الكتب لكنه أقر بأهميتها وقيمتها، وقال لي: اقرأ هذه الكتب وإذا فهمت محتواها فلتكن لك. قبلتُ شرطه. حين بدأت الدراسة، طلبت منه أن يحضر لي كأس ماء، وكان قصدي أني أريد أن أقرأ وأفهم بسرعة مقدار شرب كأس ماء. كنت في سن المراهقة وكنت أشعر بأن شعري كان له شكل مميز. قرأت له الكتاب وشرحت له ما فيه. كان ذلك العالم رجلاً صالحاً جداً. إن رؤية مثل هؤلاء الأشخاص تجعلك تؤمن بالإسلام وتفهم المعنى الحقيقي للمسلم.

أعطاني حوالي أربعين إلى خمسين مجلداً من الكتب التي أحتاجها من مكتبته، رغم أنني كنت راضياً حتى بمجرد مجلد أو اثنين. كان يقول إن الاحتفاظ بهذه الكتب عنده حرام، وأنها يجب أن تستفيد منها الشخص الذي لديه موهبة مثلي. بعض الكتب كانت ممزقة وقديمة وبعضها غير مجلد وبعضها بحالة جيدة. لاحقاً وجدت نسخاً حديثة من تلك الكتب في السوق. جلّدت الكتب الممزقة وأعدتها إليه، لأن عدم إعادتها كان يعتبر خيانة، فهو أيضاً كان بحاجة إليها. استغرق الأمر مني حوالي سبع سنوات لأجد نسخاً أخرى من تلك الكتب. أما الكتب التي سلمتها له فكانت كلها مجلدة بحالة جيدة وجميلة لدرجة أنه حتى لو بقيت في المكتبة لمدة مئتي سنة فلن تتضرر. كان ذلك العالم يقرأ كتبه باستمرار ولهذا كانت بعض الكتب ممزقة ومتآكلة. لم يرني ذلك العالم سوى مرتين أو ثلاث مرات فقط، لكنه كان يؤمن بموهبتي. وبعد أن أعدت له الكتب المجلدة لم يمنعني من أخذها مجدداً من المكتبة.

لو أُعطيتُ مبلغ مليار تومان بتقدير ذلك الوقت، لما كانت تلك الكتب التي استعرتهاأثمن منها. لم يكن لدي وقت للتجول في المكتبات، وكان يجب أن تكون كل الكتب التي أحتاجها متاحة لدي أثناء البحث والدراسة، وكنت أنجز عمل عشرين ساعة في غضون ساعتين إلى أربع ساعات. في ذلك الوقت، كنت أقرأ تلك الكتب بسهولة، لكن الآن لا أشعر بالراحة عند قراءة محتوياتها. كل صباح عندما أستعد للحضور إلى الصف وطرح هذه المناقشات، أدعو الله قائلاً: يا رب! لو أعطيتني مجدافاً أو أمرتني بالحفر والعمل اليدوي، لكان ذلك أسهل من قراءة مثل هذه المواضيع القديمة التي كثير منها خاطئ. هذه المواضيع بحاجة إلى تصحيح، وتحوي أخطاء كثيرة، وإن بذل الإنسان جهداً لتصحيحها فهو بذلك يخدم الدين والناس، ويمنع وقوع الآخرين في أخطاء مماثلة.

أهم عمل قمنا به في دروسنا وكتبنا هو النقد المنهجي والتنقية المنظمة للتراث العلمي الذي وصلنا من السابقين. لكن الدراسة والعمل المكثف بدون صفاء ورحمة وحب ليس له قيمة. ما أجمل حب الناس! قد لا تتوفر الفرصة للمودة مع الجميع، لكن يمكن للإنسان أن يحب كل البشر. أنا عادةً أكون ودوداً وسريعاً في تكوين صداقات ولا أشعر بالغربة أبداً.

ذات مرة رأيت رجلاً يبيع الفاكهة على عربة، فتحدثت معه وكالعادة أصبحنا أصدقاء. قال لي: “سيدي! لدي سؤال وأردت أن أشاركه معك. بعض الرجال يشترون الفاكهة مع زوجاتهم وهم يمسكون بأيديهن، وهذا منظر جميل بالنسبة لي.” فقلت له: “إذا رأيت الزوجين كحمامتين عاشقتين وكان ذلك يجعلك سعيداً، فليس هناك خطأ في نظرتك، وإن لم يكن كذلك فالأمر غير مستحب.” التشاؤم والنظرة السلبية تسبب المشاكل، والأفكار السلبية تخلق الحوادث.

عندما هاجرنا إلى مدينة قم، جاء شهر المحرم وكنت أرغب في التعرف على طريقة دعوة الطلبة في هذا الشهر. استلفت عباءة وعمامة وذهبت إلى كرمانشاه، حيث تعرفت على آية الله الذي كان رجلاً صالحاً وعالماً. كان من الصعب نشر الدعوة الدينية في زمن الطاغوت، لكنه كان ماهراً في ذلك. انعقد اجتماع حضره حوالي خمسين طالباً، وكان يوزعهم حسب معرفتهم وفضلهم إلى مناطق مختلفة. عندما جاء دوري، رفضت أحد المواضيع وقلت إنها كذب. تعجب وأبدى إعجابه بكلامي، وطلب مني إلقاء خطاب في نفس المسجد. كنت أتكلم من دون عمامة من صغري، لكن اللباس والعمامة تضفيان هيبة.

كان ذلك العالم إمام المسجد، وكان الطلبة يشككون في إمامته. دعاهم للغداء وقدّم لهم طبق تشلوكباب. كان هو الراعي لهم. أصبت بالاشمئزاز من بعض تصرفاتهم، فهم يمسكون يد العسل ثم يعضونها وينتقدون الآخرين دائماً، وهم سلبيون. المسلم حين يستيقظ صباحاً يجب أن يرى حسنات الناس ويبتعد عن الانتقاد. التشاؤم والنقد السلبي من أسوأ السلوكيات التي تظهر أحياناً في المجتمع.

حتى العابد الذي يكثر من الذكر ويكون سلبي النظرة غافل، ولا يستفيد من ذِكره. إذا رأى الإنسان صفة جيدة في الآخرين، كأن نوراً يضيء في قلبه، وكلما رأى عيباً ينطفئ ذلك النور. إن اعتقد الإنسان أنه صالح، ستتحقق له الصلاح، وإن ظن نفسه شريراً، فسيرى الشر في نفسه.

بين الطلبة

في يوم كنت جالساً مع السيد مظاهري وعدد من الطلبة، قال أحد الطلبة الذي كان من طهران وكان غير راض عن كونه طالباً: “لو لم أكن طالباً لكنت طبيباً أو أستاذاً.” فقلت له: “ومن أين تعلم أنك لم تكن بائع شوربة؟!” وقف السيد مظاهري وقبّل جبهتي وقال: “أحسنت!” ثم قال لذلك الطالب: “ومن أين تعلم أنك لم تكن بائع شوربة وتصبح طبيباً؟!”

الاعتماد المفرط على الكتب وآفة التعلق بها

كنت مراهقاً وأعيش في طهران. في ذلك الوقت، كانت لدي تصورات وتخيلات عن الحوزة العلمية في قم، وكنت أتوقع أن تكون قم والحوزة فيها أفضل. لذلك قررت الهجرة إلى قم، لكن علماء كبار مثل العلامة الشيرازي والآية الله الإلهي القمشي منعوني. عندما يأتي عالم من قم للتدريس في طهران، كنا نعظمه كثيراً لأنه درس وخدم في قم خمسين عاماً. جاء أستاذ من قم، وقد استقبلناه استقبالاً رسمياً مزهواً. ذهبت إليه وقلت أريد أن أكون تلميذك. كان الأستاذ مسناً، وكان أثناء تدريسه يقرأ فقط من الكتاب دون أن يرفع رأسه أو يضيف شيئاً. فكرت، إذا لم يكن لديه ما يحفظه في ذهنه، فماذا يقدم؟ كنت مراهقاً وهو كان يراني مجرد طفل يريد أن يشغل نفسه. قلت له: “اترك الكتاب وأخبرنا بما في ذهنك.” فأجاب: “لا أملك شيئاً في ذاكرتي.” كيف يكون الأمر هكذا بعد خمسين سنة من الدراسة؟ عندما ذهبت إلى قم دخلت الحوزة ورأيت بعض الطلبة يجتمعون حول القليان ولا يأخذون الدراسة بجدية. هذا يفسر لماذا الأستاذ يقرأ من الكتاب فقط ولا يستطيع الإلقاء من ذاكرته. يجب أن يكون للمعلم معرفة شخصية وعلم عفوي ويجب ألا يقع في مشكلة الاعتماد المفرط على الكتب، بل عليه أن يكون قائداً في التدريس.

خير وشر المعلومات والوعي

كنت أعرف عالماً من شهداء الثورة مشهوراً، رحمه الله. كان رجلاً صالحاً وأنيقاً. كان يتحدث عن عالم من العلماء كان كبيراً في السن وضعيفاً جداً، وكان الآخرون يساعدونه على المشي وكان يتعب كثيراً عند أداء الصلاة. قال لي هذا الشهيد إنه رأى ذلك العالم العجوز يقف عند زاوية الشارع، يراقب ثم يجمع عباءته ويركض فجأة، مما أثار دهشته لأنه كان يعتقد أن ذلك الرجل عاجز. فسألته هل ذلك العجوز فقد خيره أم أنت الذي فقدت الخير في نظرك؟ قال إن العجوز كان يهدي الناس لمدة أربعين أو خمسين سنة، ولكنك أنت فقدت نظرتك الصافية بسبب موقف صغير. الفعل نفسه قد يؤدي إلى نتائج مختلفة حسب نية ونظرة الإنسان. العجوز قد قاد الناس للخير طوال حياته، وأنت توقفت عند حادثة صغيرة. هذه هي الحقيقة.

أهمية الخلوة

من المشكلات التي يعاني منها بعض العلماء في العصر الحاضر أنهم يكونون في البداية مسؤولين إداريين (كالحُكّام) ثم يرغبون في السير والسلوك الروحي، مع أن هذين الأمرين متضادان. فقد كان العلماء سابقًا يتمتعون بخلوة مع أنفسهم ولم يكن لديهم هذا الزحام والضجيج في حياتهم، أما الآن فلا يجدون وقتًا حتى للراحة. ومن الطبيعي أن يؤدي ازدحام الحياة إلى ظهور أضرار وانعكاسات لا مفر منها. اعتدنا أن نكرر عبارة: “لدي عمل”، والحقيقة أننا مشغولون، إذ نلاحق عشرة أعمال في وقت واحد ولا ينجح منها سوى القليل. فمن الأفضل للإنسان أن يركز على عمل واحد ويتقنه بدلاً من أن يشتت جهوده على عشرة أعمال دون تحقيق نتائج. الذي لا يخلو مع نفسه يصبح كالأطفال المدللين الذين يريدون كل شيء لأنفسهم؛ فالنفس تشتاق إلى كل المال الموجود في العالم، وتسعى وراء كل العلوم، وتطلب كل المناصب، وتسعى وراء كل ما هو دنيوي، من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة، وغيرها من الأنفس، وهذه الأمور لا يمكن جمعها مع التصوف الحقيقي.

فقر الطالب واستكبار العالم

هل الكون مخلوق أم حادث؟ للأسف، لم تُطرح هذه المسألة في المراكز العلمية بطريقة سليمة ومنهجية. لم أرَ حتى الآن شخصًا يملك القدرة العلمية على طرح هذه المناقشة بشكل عقلاني ومنصف يثبت أهليته العلمية. يُطرح النقاش عادة بدءًا من فرضية عدم إثبات وجود الله، فيسألون هل الكون حادث أم مخلوق؟ وقد يكون الله قد خلق الكون، ومع ذلك يكون الكون في استمراريته حادثًا قائمًا بذاته وله تجليات مستقلة، بحيث لا يختلف كثيرًا أن يكون مخلوقًا أو حادثًا. يمكن دراسة هذا النقاش من منظورات علوم مختلفة، مثل علم النفس، الذي يفترض وجود خيارات تفضيلية في النفس الإنسانية أو وجود ضمير لاواعي ينتخب ويُرجح قضايا معينة. هناك عوامل كثيرة في النفس توجه اختيار الإنسان، فتجد طالبًا يختار فرعًا علميًا معينًا وآخر يختار غيره. أحيانًا تكون هذه الفروقات ظاهرة، وأحيانًا تكون خفية وتحتاج إلى دقة في الكشف، كالتشابه الظاهري بين أكواب الشاي التي تبدو متشابهة لكنها تختلف في محتواها، ولا يمكن تمييز ذلك دون أدوات مختبرية.

لذا سواء قلنا أن العالم حادث ولا وجود لله، أو أن الله خلق العالم، علينا أن نأخذ في الاعتبار ظهورات الكون وهل هي مستقلة كآلة ذكية كما يقول الغربيون. لو أن الله أتاح لنا إنتاج الفكر والمعرفة والترويج الصحيح، لكنا نجحنا في نشر الإسلام الحنيف عالميًا، لكن البعض ممن يدعون العلم ويتربعون على عرش النفوذ العالمي يستغلون المال والدعاية ويهيمنون على الساحة، فلا يمكن في إيران مناقشة هذا الموضوع بحرية. لو ناقشنا وجود الله، تفسد دراستنا، كما حدث مع دروسنا في مدرسة الفيضيّة التي باتت تشتهر بآجراتها فقط. وإذا تحدثنا في هذه المواضيع، يُجرد البعض من لباس الدين.

الناس؛ حياة العلماء الدينيين

لدينا نقاشات مهمة خاصة حول العقلانية والروحانية، لكننا نواجه معارضة وممانعة من المتشددين والمشايخ المعروفين. بعضهم كان ينصحني بالهجرة، لأن إيران ليست المكان المناسب لأبحاثي. لكنني أقول إن كل من هنا مسلمون ويصلي الليل، رغم أن بعضهم يتصف بخلق قاسٍ. أما الأوروبيون فلا يصلون، وإذا أتاحوا لك منبرًا، فله شروطهم، فإذا ساعدوك، يتوقعون منك أكثر مما قدموا. كثيرون يهاجرون ظناً منهم أن الحياة ستكون سهلة، لكنها غالبًا تكون شقاء ووضعًا مهينًا، حيث يعملون كمرتزقة أو يعيشون متفرقين. هؤلاء الممانعون هم مسلمون ويصلون، ولكن لا يقدرونني ولا يسمحون حتى بنشر مؤلفاتي البسيطة في موقع إلكتروني، ويغلقون كل باب. أما الغرب، فهم غير مسلمين، ولهم أغراضهم، ولا يُعطيك شيئًا بلا مقابل.

أحد الكلمات التي أكررها كثيراً وأعتبرها معياراً لتقييم العلماء هو أن العالم الديني يجب أن يكون مثل الله. الله سبحانه وتعالى يتعامل مع الناس بهذه الطريقة، والعالم ينبغي أن يكون كذلك. كما أن الله حاضر في الوجود مع الناس، يجب أن يكون العالم الديني كذلك؛ أي يجب أن يكون على دراية بآلام وحزن الناس ومشاكلهم، وأن يكون حاضراً بينهم. وإذا لم يكن كذلك، فهو قد فشل ومرفوض إلى حد ما، ويبتعد عن الدين ومرام الله. في الواقع، هذا يدل على أن العالم مشغول بنفسه وغافل عن الناس. العالم الديني له مكانة النبي، وله فرق واضح عن بقية أفراد المجتمع. الناس في المجتمع عاديون ويتوقع منهم تحمل جزء من هموم وفرح الناس، لكن العالم الديني يجب أن يكون له سلطة تمكنه من تحمل هموم وآلام وشقاء وفرح جميع الناس، وهذا يتطلب حضوراً قوياً وفعالاً بينهم، ويجب أن يكون رائداً في هدايتهم نحو السلامة والسعادة، حتى وإن تعرض للأذى والإيذاء.

إذا استطاع العالم الديني أن يكون نور هداية للناس حتى وهو في ظلمة الانفراد، فلا يجب أن يخاف من ذلك. معنى محبة الناس هو هذا بالذات. عندما كان يسألونني: “يا حاج آقا، لماذا جيوبك كبيرة؟” أجبت: “جيوبك تستوعب نصيبك فقط، أما نحن فخصصنا جيوبنا أيضاً للآخرين، ونملأها بفرحهم وأحزانهم وأوجاعهم.” كل ما لدينا هو للناس. هذا هو مبدئي. وإذا كان لدي القدرة، كنت سأعاقب لصوص الشرف الذين يسرقون جيوب الناس، اللصوص الذين المليارات لديهم تعتبر عملة خردة.

أيها الإنسان! انظر إلى العلم والمعرفة، إلى التقوى والعبادة والكتب وغيرها، لماذا تركت الكمالات وذهبت وراء المال والدنيا، وراء الجشع الملياري الذي لا يشبع، مع ظلم الفقراء والمساكين؟ في هذا العالم المادي، ما هو أطيب وأصفى من العلم والمعرفة الدينية؟ انظر إلى الإيمان، وتأمل المعرفة، واستكشف المحبة، محبة الله، ومحبة الناس، ومحبة دين الله. ما هو أثمن من هذه الأمور لنذهب وراءه؟

لقد خبرت هذا عملياً ورأيت أن كل عالم ديني يخرج من الحوزة العلمية ويتوقف عن الدراسة والتعليم، إما لأنه راسب أو ضعيف علمياً، أو ليس لديه القدرة على ذلك، أو يعاني من فقر أو ضيق مادي، أو لأن الطمع قد سيطر على نفسه، فيلجأ إلى التجارة لتلبية حاجاته. ولم ألتق بعالم يمتلك موهبة وقوة عقلية عالية ويحب الدراسة والمعرفة، ثم يترك الحوزة ليتحول إلى تاجر أو سلطان المال. مثل هذا العالم لا يبيع نفسه لأحد، لأن العلم والعالمية تجلب العظمة والسمو والهيبة، ومن يبيع نفسه هو من يعاني من حقارة النفس وضعف الروح.

إذا لم يستطع الطالب أن يحيي نفسه بالعلم والمعرفة، وأخذ طابع التاجر، فإما أن فكره مهدد أو تشتت ذهنه، أو وقع في مشاكل الدنيا، أو فقد الحماس، أو أصيبت روحه وجنبه بالجراح، أو لأي سبب آخر ترك طلب العلم واتجه إلى التجارة، وأصبح من زمرة “الأخونديين” – وهو مصطلح خاص بي يشير إلى الراسبين في طلب العلم. فالطالب طالما هو طالب، لا يصبح أخونديًا.

رحم الله الإمام الراحل، حينما كان يريد أن يتحدث عن نفسه، لم يذكر قيادة أو مناصب أخرى، بل كان يقول: “أنا مجرد طالب.” هذه ليست تواضعاً بل حقيقة.

فكما أن الطالب الحقيقي لا يمكن أن يتخلى عن طلب العلم بسهولة، فإن العالم الديني يجب أن يكون دائماً في حالة تعلّم ونمو مستمر، ولا يترك هذه المسيرة مهما كانت الظروف. العالم الذي يترك طلب العلم ويتحول إلى تجارة أو أعمال دنيوية هو عالم قد فقد هدفه الأساسي، وهو خدمة الدين والمجتمع من خلال العلم والمعرفة.

إن العلم الحقيقي هو الذي يربط الإنسان بالله وبالناس، ويجعله قدوة في السلوك والأخلاق، وقدوة في تحمل المشاق والصعاب. لذلك فإن وجود العالم الديني بين الناس يعني وجود قوة روحية وعقلية تحمي المجتمع من الفساد والانحراف.

إن مسؤولية العالم الديني لا تقتصر على التعليم فقط، بل تشمل أيضاً الحضور الدائم مع الناس، والاستماع إلى مشاكلهم، ومساعدتهم في مواجهة صعوبات الحياة، بل والقيام بدور الوسيط بينهم وبين السلطة إذا لزم الأمر، لضمان تحقيق العدل والكرامة للجميع.

وفي الختام، أؤكد أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل والتضحية، وأن العالم الحقيقي هو من يكرس حياته لخدمة الناس، ويحافظ على توازنه بين المعرفة والرحمة، بين العقل والقلب، وبين الدين والدنيا.

على أية حال، نحن نعيش في فضاءٍ يعتدي فيه مثل هؤلاء الأشخاص علينا بأقصى درجات القسوة والغدر. وبالمناسبة، موضوع التحريف ليس من العلوم الغيبية، بل هو من الأمور التي تقبل البحث العلمي المنهجي. ولكن التحريف كان ذريعة فقط، فهم أنفسهم قالوا إن فلاناً بزعم أنه “آية الله العظمى” قد اقتحم فوق رؤوسنا وكسر هيبتنا. مع أنني لا أقبل مثل هذه المرجعيات على الإطلاق ولا أدعيها، وليس لدي الوقت لذلك، بل أنا فقط نشرت الكتب التي كنت أملكها. أعمل يومياً عشرين ساعة في البحث والتدريس والكتابة، وحتى أيام الخميس والجمعة كنت أدرس، ولست ممن ينشغلون بلعب ألعاب المرجعية. للأسف، الدين والمرجعية قد وقعوا في قبضة مشايخ “آمون” و”ابن زبيريّات” العصر؛ ابن زبيريين يفتعلون الخلافات من أجل بقائهم، ولا يبالون حتى بإحراق بيت الله بسبب نزاعاتهم، وذلك في زمن إذا لمست أي شخص فقد تبلل. في هذا الجو، أحياناً أتعجب كيف بقيت على قيد الحياة حتى الآن رغم كل التهديدات والمخاطر؛ كأن هناك أموراً أخرى غير هذه الظواهر الظاهرة. على أي حال، النظام القائم حالياً غارق في اليأس والإنكار الكامل، وشلّ المجتمع والمنطقة والتاريخ، وجعل الدين مذموماً بسوء فهمهم، ولم يترك لنا سوى قدرة محدودة جداً. في هذا الكم الهائل من المشكلات، كتبت بمفردي ثمانمئة كتاب. ولو لم تتورط معي هذه المافيا من القوة والمال، لكنت كتبت ألفي مجلد. للأسف، لا حل إلا هذا، ونحن نعيش في “معمول‌آباد” بألف مشكلة، مشاكل تتعب النفس، لكن المهم أن يكون بإمكاننا غداً إذا سئلنا أن نقول: هذا هو أقصى ما كان بوسعنا فعله.

الفصل الثامن:

الأساتذة المعلمون

الحضور الغائب

الله تعالى حاضر غائب، أي ليس كمثله شيء ولا يصل إليه مخلوق. وهو حاضر بمعنى الحق المستمر في كل مكان. في كتابي “الحضور الحاضر والغائب” أشرت إلى أسماء وأخلاق وخصائص أساتذتي قليلاً، لكني لم أذكر أسمائهم بل أشرت إلى ألقابهم فقط. الواقع أنني عرضت نماذج، مثلاً أن هذا الأستاذ له هذه الصفة وهذا له تلك الخاصية، ولكنني لم أذكر أسمائهم لأن بعضهم كانوا من الناحية المالية فقراء وضعفاء، وكان الفقر يغطي كمالاتهم؛ وهم بذلك كانوا أرفع مقاماً من كثير من العارفين المعروفين بل والأغنياء. كنت أكره ذكر الأسماء والعناوين، ولا أحب أن يكرر الإنسان أسماء الناس دائماً. في كتاباتي قلّما أذكر أسماء أحد، وما ذكرته كان في سياق مناقشة ونقد نظريات علمية. مجرد تقديم الفكرة والمضمون يكفي، ولا فائدة من ذكر أسماء الأشخاص. القضية الأساسية هي الحضور والغيب. في كتاب “الحضور الحاضر والغائب” تحدثت عن أساتذتي الذين أحببتهم واستفدت منهم علمياً وأخلاقياً، وسردت حكايتي منذ أيام طلب العلم الأولى، وكل مكان وطأت قدميه، وكل مجلس حاضرته، لكن الأشخاص المعرّفون لا يحملون سجلات، فالتعريف لا يتوقف على الاسم والعنوان. هذا الشخص حاضر، ولكن اسمه غائب. هذا الشخص بلا اسم، ولكنه حاضر.

(يتبع…)

في الواقع، الأساتذة الذين تعلمت منهم هم بمثابة الحضور الغائب في حياتي، فهم موجودون ولكنهم لا يظهرون بأسمائهم ولا بأشكالهم، بل بحضورهم الروحي والعلمي الذي لا ينكره إلا جاحد. لذلك، لا يعنيني ذكر الأسماء، وإنما يهمني أن ينقل هذا الحضور والتأثير العلمي والأخلاقي الذي تركوه في نفوس طلبتهم.

العديد من هؤلاء الأساتذة كانوا يعيشون في ظروف صعبة، لكنهم من حيث المعرفة والقيم كانوا أرفع وأسمى من الكثير من أصحاب المناصب الرسمية والمال. كنت أرفض أن أجعل من ذكر الأسماء مسألة تباهٍ أو شهرة، لأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى ذلك. ولقد وجدت أن التركيز على المحتوى العلمي والروحي هو الأساس، وليس الهوية الظاهرة.

في مجمل حياتي العلمية، حاولت أن أستلهم من تجارب هؤلاء الأساتذة، وأن أرتقي إلى مستواهم، حتى في وسط مجتمع يشهد انحداراً وتدهوراً أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً. فقد كان من واجبي أن أبذل جهدي في البحث والتعليم، رغم كل الصعوبات والمحن، لكي أكون جزءاً من هذا الحضور العلمي الغائب، الذي يمثل روح العلم وأصالته.

إن هذا الحضور لا يمكن أن يُحصى بالأسماء، بل يُقاس بالعلم الذي يُنقل، والقيم التي تُزرع، والتأثير الذي يبقى حياً في أذهان وقلوب الأجيال القادمة.

في النهاية، تبقى مسألة الحضور الغائب مسألة جوهرية في العلوم الإسلامية والإنسانية؛ فالعلماء الحقيقيون، مهما غابوا عن الأنظار، يظل حضورهم معيشاً في عقول وقلوب طلبتهم، وهم الشعلة التي تستمر في إضاءة طريق البحث والتطوير.

إن الاحتفاظ بهذا الحضور العلمي الغائب يتطلب منا جهدًا مستمرًا في التعلم والتدريب، فضلاً عن الحفاظ على القيم الأخلاقية العالية التي اتسم بها أساتذتنا. فلا يكفي أن نقتصر على التلقي السلبي للمعرفة، بل يجب علينا أن نساهم في إنتاج المعرفة وتطويرها بما يخدم المجتمع والإنسانية جمعاء.

إن عملية نقل المعرفة لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل تشمل أيضًا الإرشاد الروحي والتوجيه الفكري، وهو ما جعل من أساتذتنا قدوة يحتذى بها. ومن هنا، تبرز أهمية التواضع والاعتراف بأننا مجرد حلقة في سلسلة طويلة من العلماء الذين بذلوا حياتهم لخدمة العلم.

كما أن هذا الحضور الغائب يعكس عمق التأثير الذي يمكن أن يتركه الإنسان في غير حضور مادي أو معنوي مباشر. فعلى الرغم من التحديات العديدة التي تواجهها المؤسسات التعليمية والبحثية، يبقى للعلماء الحقيقيين دور محوري في إحياء التراث العلمي وتنشيط الحركة الفكرية.

وبهذا المعنى، ينبغي علينا أن نعتبر أنفسنا أوصياء على هذا الإرث العظيم، وأن نعمل على نقله بأمانة وصدق للأجيال القادمة، حتى تستمر مسيرة العلم والتقدم بلا انقطاع.

في الختام، يمكن القول إن العلم لا يُقاس بالأسماء فقط، بل بالروح التي يُعاش بها وبالتأثير الذي يُحدثه في النفوس والعقول. ولذلك، فإن ذكر الأسماء ليس هو الغاية، بل هو استذكار للحضور الحقيقي الذي يتجلى في أثرهم المستمر في مسيرة العلم.

النقد بشأن بعض مظاهر العمل الديني وإدارة الأموال الشرعية

إنّ من المظاهر القبيحة التي لا تليق بعلماء الدين، تَولّي الإمامة أو الرئاسة في قوافل الحج أو أن يكون المرء مسؤولاً روحانياً عن هذه القوافل. وأوصي بدل ذلك، أن يزور العلماء المرضى والمحتاجين، وأن تُنفق أموالهم على هؤلاء الذين يتواجدون في المستشفيات أو السجون أو غيرها من الأماكن المشابهة. كما يجب أن تُصرف الأموال الشرعية في سبيل حل مشاكل الناس، مثل قضايا السجناء والشباب والطلاب والمرضى والفقراء، إذ إنّ جزءاً من هذه الأموال يعود إلى المساكين والمحتاجين. ويجب على الدولة أن تطلب من الحوزات العلمية هذا التوجّه.

وأعتقد أن جزءاً من الأموال الشرعية لا يُنفق حتى على دعم طلبة الحوزات العلمية. وإن كان العلماء قد أنشأوا مساجد ومدارس ومستشفيات، فهذا أمر محمود ونشكرهم عليه، إلا أنّ هذه المشاريع لا توازي حجم الأموال التي تُجمع. فالأموال تُدفع من قبل الناس، لكنّ الأداء الفعلي في إدارة هذه الأموال يشبه البئر الهابط أو الزراعة القديمة حيث يسير الماء في الأرض ويختفي في طبقاتها السبع. أي أنَّ الأموال تذهب في مسارات غير واضحة ولا تُستخدم لحاجات فعلية ملحّة.

لو علم الناس أنَّ الأموال الشرعية التي يدفعونها تُنفق حقاً على الفقراء والمحتاجين أو في بناء المستشفيات والمدارس، لتغيرت نظرتهم وسلوكهم حتماً. أما أنا شخصياً، فلا أعلم كيف تُصرف هذه الأموال، وهذا يتطلب إنشاء بنك جامع ومشترك لإدارة الأموال الشرعية مع وضع رموز تتبع حتى يُعرف كل مبلغ أين يُنفق.

حتى في أوقات الانتخابات، لا يمكن معرفة كيفية إنفاق هذه الأموال، وقد يُساء تفسير الإنفاق على أنه بهدف جمع الأصوات، وهذا الأمر غير لائق ولا يليق بشخصية الإنسان. في أوروبا، يُنشئ البعض جمعيات أهلية ويجذبون الناس إليها، ويصوت الناس لها ويؤيدونها، إلا أن البعض يقلد هذه التصرفات بطريقة غير مناسبة.

نحن واقعيون، نرى نصف الكأس الفارغ ونقدّر نصفه الممتلئ، ونعي حقيقة الأمور بوضوح. ويُضاف إلى ذلك بُعد إيماني وديني يحتاج إلى تدبر.

إنّ العلماء يوم القيامة يُحاسبون ويُستدعون، ويُقال لهم: “اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا” (الإسراء: 14).
فالكاتب يجب أن يكون كالسمكة التي تسبح في بحر الناس، حاضراً بينهم بقلب صافٍ، ويعمل على تلبية حاجاتهم بروح إيمانية.

الشعب لدينا طيب الإيمان، ولو كانوا يعانون من قلة الطعام، يشاركون ما لديهم مع الآخرين. من الناس العاديين إلى أهل المساجد والتجار والمعلمين، الجميع يفيض بالكرم. نحن لا نكتشف هذا اليوم، بل عرفناهم منذ القدم.

لكن إذا كان بعض العلماء ضعيف الأداء، فإنّ الناس قد يشكّون فيهم ويرونهم أنانيين، لذا يجب التمييز بين العلماء الحقيقيين والأشخاص الذين لا يستحقون هذا اللقب.

يجب أن نكون صادقين مع شعبنا الطيب، وأن نفكر فيهم بصفاء ونخطط لهم أموراً صحيحة، وأن نشاركهم ما نملك، من أموال علم ومعرفة.

المجتمع يهتم بعلمه ودينه، لكن المشكلات هي التي تحاصره.

إذا أراد طالب العلم أن يُحشر يوم القيامة كعالم دين، فعليه أن يربّي في نفسه هذه الصفات، وإلا فمصيره يكون وخيماً، ودرس العلوم وأموال الناس تكون سبب عذابه.

في طهران القديمة، في وقت العصر، كان الباعة المتجولون يتجولون في الأزقة ويبيعون الأطعمة والوجبات مثل شراب العسل أو شراب الحليب الممزوج. مقابل قرش أو عشرة شواكل، كانوا يعطون على سبيل المثال طبقًا من شراب الحليب. رأيت طفلًا صائمًا يحمل كأسًا ويأكل منه. حين سألتُه عن السبب، قال إن الآخرين لا يلاحظون ذلك. لقد تعلمنا من هؤلاء الناس الحيل والخدع. فكرت مع نفسي: هل يمكن أن يكون الإنسان صائمًا وفي نفس الوقت يأكل؟ وكان هذا الأمر غريبًا بالنسبة لي. أدركت أنه يمكن للإنسان أن يكون صائمًا ويأكل في آن واحد، كمن يحصل على سماور كمكافأة ويبقى صائمًا في نفس الوقت. مثل هذا التعامل مع الأمور لا يحل مشاكلنا. الثروات والموارد الوطنية ملك للجميع، وليست ملكًا لشخص معين. علينا فقط أن نشارك في إنتاج واستخراج واستخدام موارد البلاد. الأرباح والفوائد من هذه الموارد هي من نصيب الشعب. يجب على الناس أن يستفيدوا تمامًا من الموارد الوطنية ثم يتيحوا استخدامها للعالم، ولا يهم من يملك هذه الثروات بشكل خاص. مثلًا، هل مدرسة فيضية ملك المرحوم فيض كاشاني أم المرحوم ميرداماد؟ مدرسة فيضية ليست ملك أحد معين. يدرس فيها الطلبة ويستفيدون منها، وهذا أمر جيد.

التشبيه بين الدين المزين و”أقا سيد”

أنا أقول كلامي، وأعلم أن لا أحد يستمع لي. لقد قلت مرارًا إن معجزتي هي أن لا أحد عادةً يقبل كلامي أو يستمع إليه. أعتبر هذا وضعًا معجزيًا. كنت طفلًا وأعيش في مدينة طهران. أتذكر رجلاً من السادات يُلقب بـ”سيد الجشع”. كان قوي البنية وضخم الجسم. كان يرتدي بين سبعة وثمانية قمصان. كان يحمل عصا وحقيبة على كتفه تحتوي أمتعته. لم يكن لديه بيت أو مكان إقامة. لحيته وشعره كانا طويلين جدًا. كان يأكل طعامًا كثيرًا، بحجم قدر كبير. كان يدخل مجالس الأعراس والعزاء، وكان سبعة أو ثمانية رجال أقوياء يخرجونه من المجلس بحجة أن الطعام لن يكفي الحضور، وكانوا يعطونه بعض النقود. ربما تقول إن سيد كان يأكل وجبة واحدة كل أربع سنوات! نعم، كان يأكل مرة واحدة في الأسبوع، ولم يكن يهتم بنوع الطعام. كان يعرف في الأكل والصيام كعارف كامل. بعض الناس كانوا يقبلونه في مجالسهم ويعطونه طعامًا كاملاً. كنت أتابع هذا الشخص الغريب ومشكلاته. كان الشباب والمشاغبون يحاصرونه ويأخذونه سنويًا إلى الحمام العام. كان يستخدم المرحاض أقل ما يمكن ولم يهتم بنظافته الشخصية. رؤية هذا الإنسان كانت تعطي العلم والفهم!**

جذر العجز والإحباط الاجتماعي

في الماضي، كان رجلاً مسنًا يُدعى “أقا بالخير” يجلس في غرفة صغيرة في مدرسة فيضية بجانب البركة، وكان مسؤولًا عن النظافة الصحية حين لم يكن هناك ماء أنابيب. لا أتخيل عملًا أدنى من هذا في مدرسة فيضية. إذا جاء السيد وقال لي: “أنت تحبنا وتطيعنا وشيعي، فلا تحتاج لعمل شيء، اجلس مكان بالخير واغسل إبريق العلماء والطلبة”، فأنا لن أمانع. طاعتي للمرجع هي الأهم، سواء كنت فيلسوفًا أو فقيهًا أو عارفًا أو مجتهدًا. إذا جاء الإمام أو صاحب ولاية وأراد تنفيذ حكمه، كثيرون قد يعارضونه ويرفضونه، خصوصًا إذا كان ضررًا على مكانتهم أو لو كانوا معتادين على الزخارف الدينية. في الشيعة، الصدق والطاعة لله مهمة. لا أحد يطيع إلا الأئمة المعصومين طاعة مطلقة، وكل شيء يُقبل بالدليل. الدين الحالي المليء بالزخارف الخارجية الذي تروّج له الأجهزة الحاكمة، ابتعد كثيرًا عن جوهر الدين ونتج عنه مدرسة مريضة ومشوّهة. هذا الدين الزخرفي بعيد عن الطبيعة والفطرة والحق، ومن الصعب تطبيقه في المجتمع.**

الخلط بين الروحانية والقداسة العملية مع المعرفة النظرية

من الأمور التي اهتممت بها في كتبي هو معرفة الزخارف الدينية ومحاربتها. أعني بالزخارف كل البدع والتحريفات والخرافات والجهل والافتراضات غير العلمية التي تُنسَب إلى الدين بغير علم. أخطر الزخارف هي الزخارف الدينية التي تخفي جمال الدين تحت ثقلها وتجعل الدين مكروهًا لدى الناس الأصحاء. لقد قضيت أكثر من أربعين سنة أتعرف عليها وأكافحها. الدين المزخرف لا يُقبل في المجتمع العلمي ولا يملك مكانة اجتماعية أو قدرة تنفيذية. من يُصرّ على إدارة المجتمع بهذا الدين الزخرفي يخلق كراهية للدين باسم الدين ويؤذي الدين الحقيقي والأديان كلها.**

من يدرك قضايا علم النفس المتعلقة بالقاعدية النسائية، يستطيع بسهولة إقامة قرب وود مع مراجعه، وكسب ثقته؛ لأنه قادر على وصف طبيعته بدقة أكبر مما يعي هو نفسه، وتقديم فرضيات شخصية قبل أن يفصح هو عن المزيد.

في تلك الأوقات، كنت قد ذهبت إلى مدينة آبادان. كان هناك، في عهد النظام الاستبدادي، أماكن معروفة بالخمر والرقص. في منتصف الليل، بينما كنت أمر بجانب مكان ما، سمعت صوتاً يشبه صوت الصدور تُضرب في مواكب العزاء. كنت فضولياً لمعرفة ما يحدث هناك. اقتربت فرأيت مقهى يقيم حفلة ليلية، حيث كانوا يصفعون ظهور بعضهم البعض، لكن من الخارج كان المشهد يوحي بأنهم في مراسم عزاء، ولم يكن بالإمكان التفريق ما إذا كانوا يضربون صدورهم أو ظهورهم.

قبل عدة سنوات، زرت أيضاً دولة أذربيجان. في باكو، كان هناك كازينو مجهز جداً حيث يتم القمار بواسطة الحاسوب. أخبروهم أن القادم إلى القمار يجب أن يكون ماهراً وذكياً. استقبلوني باحترام بالغ. تحدثت معهم عن أنواع القمار وشرحت لهم ما تعلمته من أستاذي. كان للكازينو حراسة شخصية قوية جداً، عندما رأيت الحراس تذكرت الديناصورات. كانوا يتعاملون بقسوة مع المخادعين، ويعاملونهم بطريقة عنيفة لا تشبه إلا سحق العصافير. لم أر شيئاً كهذا في كازينوهات إيران أيام النظام السابق. كان للكازينو قبو يستخدمون فيه معاقبة المخادعين، وكان يُعرف بـ”مذبح القمار”. هذه هي طبيعة القمار، وإلا فإن الخاسرين لن يدفعوا الثمن أو ستكثر عمليات الغش. القبو كان يطبق قوانين صارمة وحديثة.

في السابق، عندما كان القمار شائعاً، كنت أرى اللاعبين وأسلوب لعبهم عن قرب، بل تعلمت ذلك بنصيحة من أستاذي الروحي. أولئك الذين كانوا يتلاعبون بالقطع، كانوا محترفين وأساتذة. بعضهم يصل إلى درجة لا يتجرأ أحد على اللعب ضده، وكان يفرض عليهم رسوم “حق حساب”. شاهدت هذا بنفسي، ولم يكن مجرد حكايات. كان اللاعب يرمي القطعة على سطح المبنى بطريقة خاصة، بحيث يستطيع التنبؤ بالنتائج بحساب بسيط. كان هناك تصنيفات للّاعبين، حيث “ليلاج” كان الأعلى رتبة، لا يخسر أبداً ويأخذ الرسوم من الآخرين ليمنعهم من اللعب، و”تلكه‌گير” كان أدنى منه، وقد يكون خاسراً. القمار لعبة تخصصية، مثل علم الجفر والغيبيات التي لم يعد لها أثر اليوم، لأن المختصين فيها رحلوا ولم يخلفهم أحد ليحافظ على هذه العلوم أو ينشرها.

ذكرت لعبة القمار لأوضح أن الله سبحانه وتعالى يَعلَم مسبقاً كيف ستكون الأمور، كما لو أنه يوزع القطع في لعبة القمار: كبيرة وصغيرة، هنا وهناك، وكأنه يستمتع بهذا الخلق. ربما لا يفهم من لم ير “ليلاج” ما أعنيه، لكن المثال لا يحتمل الجدل أو السخط.

أستاذي الأذري اللغوي!

كنت صغير السن وأردت دراسة كتاب «المقدمات». كان أستاذي أذري اللغة، وهو شخص نبيل ذو استقصاء وجودي قوي، مثل بقية الأتراك والأذريين. كنت في نهاية كل حصة أطلب منه أن يدرس الدرس التالي أيضاً. كان يضحك ويقول لي: “أنت مستعجل على التعلم، لهذا لن تصير طالب علم حقيقي، بل ستبرد سريرتك بسرعة وتفقد الرغبة.” رحم الله ذلك الرجل! هؤلاء كانوا بالفعل طلبة علم وعلماء حقيقيين. الذين لم يكونوا من رجال الدين في الحوزة العلمية كانوا يمدون أيديهم لانتزاع الأشخاص الخاصين والموهوبين وجذبهم إليهم. كانوا يلاحظون جيداً أن طالب العلم هذا مختلف عن الآخرين، وهذا كان أمراً واضحاً وجلياً. كانوا وكأنهم يعلمون الغيب، ولا يخطئون في تقييم طلبة العلم، وكانوا موكلين بمهمة إرشادهم، رحمهم الله جميعاً.

في إحدى الجلسات، شاركت في حلقة دراسية لبعض ما يسمى بـ «التصوف». كانوا قد جعلوا أجواء الغرفة مظلمة. هؤلاء العارفون كانوا غريبين جداً، وكنت أضحك كثيراً مما حاولوا تعليمي وإيقاظ بصيرة قلبي، لكني لم أستطع كبح ضحكي. لم ينتبهوا إلى ضحكي، ومع ذلك كانوا أشخاصاً طيبين وصادقين. أما الذين لم يكن لديهم صدق، فلم أكن أتابع أمورهم ولا أعرفهم جيداً. الفرق بين المجموعتين كان واضحاً جداً.

عارف متقن للعبودية

كنت صغيراً حين كان لدي أستاذ عارف كبير. كان يقف في وسط المدرسة ليصلي، وكان الناس يمرون من حوله. كنت أنظر إليه بإعجاب. سألت عن سبب نظري إليه، فقلت: “أشاهد كل ما يجذب انتباهي.” كنت طفلاً محباً للمراقبة والتأمل، لكن عيوني الآن ضعيفة. قال لي أحدهم: “ذلك العارف لا يرى أحداً، ولا يصلي للرياء، ولا ينتبه إلى الناس من حوله.” كانت تلك كلمات مدح عالية لذلك العارف، فهو لم يكن يعبد إلا الله، ولذلك لا مكان للرياء لديه. الرياء عادة مقيتة للناس الذين يفرحون حتى بنظرة طفل لهم، ويمارسون عرض أنفسهم أمام الآخرين. إذا توقف الكبار عن مراقبة الأطفال، يتوقف الأطفال بدورهم عن التصرفات الدرامية. الرياء فعل طفولي وسلوك مزيف، وهو من الرذائل التي تترك آثاراً سيئة في النفس. الحقيقة أن الإنسان الذي لا يصلي أو يعمل خيراً أفضل من العابد المرائي في النوافل.

الآية الكريمة:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
تشير إلى مقام رفيع في التصوف، فلا يوجد مقام أعلى في الدين من الذي يرتقي إلى هذه الدرجة الروحية.

عالم شبيه بسقراط وغني بالعلم

عرفت عالماً كان في العلم مثل سقراط. رحمه الله، كان رجلاً عظيماً وفقيهاً لا مثيل له في إيران. بعض العلماء كانوا يصيرون آيات الله بالجدل والضجيج، وكان اسمهم يتردد، لكنهم بلا قيمة حقيقية. أما هؤلاء العلماء فكانوا متينين في العلم والشخصية، وغير مهتمين بالشهرة. طلبت من ذلك العالم أن يدرس لي كتاب «المطول»، كنت قد قرأته ودرسته، لكني أردت أن أتعلمه منه. أجابني بأنه يحبني كثيراً، وإذا قضى عمره في تعليمي لن يكون ضائعاً، لكنه نصحني أن أدرس دائماً عند أستاذ يحب المادة التي يدرسها، وهو لا يحب تدريس «المطول». نصحني بعدم المبالغة في الدراسة. ثم طلب مني أن نذهب للتنزه في الصحراء، وتحدث لي عن أمور كثيرة من جوانب مختلفة. أدركت أن مكانته العلمية والمعرفية أعلى بكثير من تدريس كتاب مطول، وأنه كان يحب الناس ويريد أن يهديهم، وكان مربياً قبل أن يكون أستاذاً.

ذكر لي أن قراءة «المطول» قد تثير أمراضاً نفسية بسبب مواده الصعبة، ويجب مصاحبته بقراءة القرآن المستمرة ليكون مضاداً حيوياً يزيل هذه الآثار. هذا العلم يجب أن يُتعلم، و«المطول» كتاب علمي صعب لا يقدر عليه كثير من الأساتذة، لكنه يحتاج إلى تصحيح وتحليل للأخطاء. النفس البشرية تواجه تحديات من المشاهدات، الشم، الأكل، والكلام، مما قد يخل بتوازنها الطبيعي ويجعلها تارة تميل إلى الانزواء وتارة إلى الاندماج الاجتماعي، وقد تصاب بالحزن أو الغيرة أو الفرح. النفس في هذا العالم أشبه بالمحارب الذي يحتاج إلى درع يحميه، ومن أهم هذه الدروع هي الأذكار الربوبية والاستعاذات.

تدريس الدروس الحوزويّة

كنتُ منذ صغري حساسًا على ضرورة أن يكون للطالب النظام الفنيّ الدراسيّ ليتمكّن من أن يكون عمليًّا ومؤثّرًا. ومنذ ذلك الحين، كنت أُدرّس كل درس أدرسه لنفسي ولطلّاب آخرين يشاركوني في ذات الدرس. على سبيل المثال، حين كنت أدرس «اللمعة»، كنت أُدرّسها أيضًا لمجموعة من الطلّاب الذين كانوا يحضرون ذات الدرس. وكانوا يقولون إنّهم يفهمون معي الدرس أكثر ممّا يفهمونه مع الأستاذ الآخر. فعندما يضع العقل ذاته في ميدان البحث والتدريس، يجد نفسه ويفهم الأمور بعمق أكبر.

حين كنت أُدرّس كتاب «السوطي»، كنّا نقرأ في الصفحات الخمسين الأولى بوتيرة بطيئة جدًا، ربما سطر أو سطرين يوميًا، لكن بعد أن تعلّم الطلاب الأدب العربي، ازداد سرعة الدرس. وفي درس «الكفاية» كنت أُحلّل وأنتقد سطرًا واحدًا يوميًا. كما كنت صارمًا جدًّا في حضور الطلّاب في الوقت المحدّد، حيث كنت أقول إنّ الباب يُغلق تمامًا عند الساعة الحادية عشرة، وإذا وجد أحدهم خلف الباب، فلا يُفتح له أبدًا.

«الكفاية» كتاب صعب ومعقّد للغاية، وهو ليس مثل القرآن الكريم الذي يتميّز بسهولة وعمق في آنٍ واحد، بل هو كتابٌ ممنوع ومعقّد يستوجب الصرامة والجدّية في تدريسه. واليوم، إذا أراد أحد أن يثبت اجتهاده، لا بدّ له أن يدرس «الكفاية» و«اللمعة»، وإن كان أديبًا، فيجب عليه إتقان كتاب «السوطي». والحمد لله، فقد بدأت مؤخرًا قراءة وتدريس بعض الكتب مثل «فصوص الحكم» لمحیی الدين.

أنا لا أؤمن بأن على الطالب أن يقرأ كثيرًا أو يلتقي بأساتذة متعدّدين؛ فطلب العلم يجب أن يجعل العقل مولّدًا ونابعًا جوّانًا داخليًّا، وإلّا فإنّ السعي لحفظ المعلومات يُضعف الذهن ويجعله هشًّا، ويحرمه القدرة على العمل والتطبيق، ويدفعه إلى الكلام الفارغ وغير العلميّ.

قال لي أحد الطلّاب مازحًا: «الله عادل؛ أعطانا الكلام وترك العمل للآخرين».
وأكبر عيب في نظام التعليم الحوزويّ هو أنّه لا يجعل الطالب مصممًا أو عمليًا، بل ينتظر أن يأتيه شخص ويقول له ماذا يفعل. قال القدماء: «إذا ضرب الماء في المدقة كان خيرًا من البطالة»، وعلى هذا النحو:
يا صديق، هذا الاضطراب السعي بلا جدوى خير من الخمول

لقد قضيت أكثر من خمسة وأربعين عامًا في التدريس في الحوزة العلمية في قم. وخلال هذه السنوات، درست بما يعادل مئتي سنة دراسية، لأنني لم أقم بأي عمل آخر سوى البحث والتدريس والكتابة. وبثقة أستطيع القول إنه لم يكرّس أحد مثل جهدي ووقتي وفكري وعنايته في التدريس بالحوزة.

في كل هذه السنوات، تعرّضنا أنا ومن معي من أصحاب الفكر لحملات من جانب أصحاب السلطة في قم، وهم من المظهرية الذين هاجمونا بشدّة لدرجة أنّ بعضهم تعب وأحيانًا ندم على مواجهتنا بسبب تبعات ذلك.

أنا مؤمن بالصلح التام، ولا أزعل من الأذى الشخصي حتى وإن كان المنفّذ أشبه بشمر، بل أحبّ كل من يكرهني، فهم جميعًا عباد الله وأقرب الناس إليّ، وإلّا لما كانوا يعيشون على رزقي. لكن هذا لا يعني أن الحكومة، التي يعتقد المظهرية أنها مسؤولة عن تهيئة الطريق إلى الجنة، ليس عليها مسؤولية في تأمين دروسنا، ولكنها لم تستطع توفير الأمن لنا، بل كانت هي من خلق الانتهاكات والمضايقات لنا.

من المشاكل الكبرى في الحوزات هو كثرة الإجازات والتعطيلات، فدرس يتوقف كثيرًا لا ينفع ولا يثمر. أنا كنت أدرس في كل أيام السنة، سواء في الأعياد أو الأيام العادية، في الشتاء أو الصيف، ولم أترك الخميس أو الجمعة عطلة، رغم أن هواء قم جاف وحار ومرهق.

حتى في فصل الصيف، بينما كنت أدرس في فيضية، كنت أبقى هناك وأغتسل في حوض فيضية ليتخفف عني عناء العمل والحرارة. وكان خادم فيضية، وهو شخص قوي من زابل، يشهد لي أمام الطلّاب بأنني أعمل عشرين ساعة في اليوم، ويسألهم ماذا يفعلون هم؟

تحت سماء قم، كانت دروسي الخارجيّة الوحيدة التي تستمر سنوات طويلة بحضور كثيف وبدون أجر، فقد كرّست حياتي للحاضرين ولم يكن المال هاجسي. طوال عمري، لم أكن مهتمًا بالمال ولم أستخدم دراستي أو بحثي من أجل مصلحة مالية، وكان بعض الطلّاب يحاولون إغرائي بالمال، لكنني رفضت ذلك تمامًا.

أحد الطلّاب ذهب بمحض إرادته للتبليغ في جامعة أصفهان خلال رمضان، ولم يكن ممثلًا لنا، وكان هناك آخوند آخر يمثل بعض الدوائر وكان ينصح الطلاب بكتبهم. هذا الطالب قدّم أفكارنا ورؤانا وحظي بتأييد كبير، بينما ذلك الآخر فشل في مهمته. وعندما قال الآخر إنه يعمل من أجل مصلحته الشخصية، ردّ الطالب بأنّه يثق بي.

قلت لهذا الطالب: لو أني دفعت لك مالًا لقلت إنني مثل الآخرين، لكن لأن دراستنا وأبحاثنا بلا أجر، بقيتم أنقياء.

إنّ الدنيا فيها تخريب طبيعي، وإذا استحوذت الطبقة الحاكمة على السلطة والمال، فإنها تدمر نفسها بنفسها.

كانت الجهات المانعة تحاول ربطنا بالمال وتظنّ أن حماستنا مبنية على أجور، لكنها لا تعلم أننا مستقلون لا نتقاضى مالًا وأن إيماننا لا يرتبط بالدنيا.

دروسنا رغم كل العوائق والتهديدات قد استقطبت طلبة فاضلين وثوريين وواعين، ولا تمتّ بصلة إلى الدعاية أو الصخب، وكانوا دائمًا يُخيفون الطلبة من الحضور إلى دروسنا، ويتواصلون مع البعض لمنعهم حتى من المشاركة في الامتحانات شفهيًا، التي كنت أعتبرها غير شرعية.

مع كل ذلك، كانت الدروس تزداد حضورًا، حتى اكتظّ مدرس الإمام الكبير، واضطر بعض الطلبة إلى الجلوس عند المدخل لسماع الدرس.

وأخيرًا، وبسبب تهديدات الخصوم، أُجبرنا على تعطيل الدروس في 11 من شهر دي، وهو نفس اليوم الذي أرسل فيه الإمام الخميني رسالته التاريخية إلى غورباتشوف.

لقد درست في حوزة قم أكثر من أربعين عامًا، وكنت في شبابي غير معمم، حتى طلب مني محمد يزدي التعميم كي أكون أكثر قبولًا بين الطلبة.

في السنوات الأخيرة، رأيت أن معظم الطلبة أصغر مني، وكنت أخشى أن أكون كالشمس على السطح التي تشرق لكن قريبًا تختفي.

كنت دائمًا أعتبر التدريس واجبًا مقدسًا فوق كل شيء، ورفضت الذهاب إلى أي مناسبة مهما كانت أهميتها إن كانت تتعارض مع دروسي.

وأخيرًا، أؤمن بأن علينا إتمام العمل ولا نكتفي بالبدء فقط، فالكثير من الناس يبدأون مشاريع ولا يكملونها، وهذا ما يضيع الوقت والجهد.

الطالب في الحوزة قسمان: طالب حقيقي يدرس ثم يُدرّس، وآخر يدرس ليصبح آخوندًا يلقى خطبًا ويأخذ أموالًا، وهذا الأخير ليس هو الغرض الحقيقي من التعليم الحوزوي.

على كل حال، الكلام والأقوال تؤثر في فكر الإنسان ونفسيته. لقد علّقتُ هذه الجملة المنقوشة على لوحة في مكان عملي. وفي يومٍ جاء عامل شابٌ لإجراء بعض الإصلاحات في منزلنا. لم نكن نعرفه ولم يكن يعرفنا. قال لي هذا العامل: لقد جئت إلى منزلكم منذ سنوات لإجراء إصلاحات، وقرأت نصوص هذه اللوحة، وقمت بتركيب مثلها في منزلي. أنا أقرأ النص وأجعله نصب عيني، وأعيش حياتي على أساس هذه التوصيات. أفكر وأخطط ثم أعمل، وأضع في اعتباري إتمام العمل بشكل جيد وكامل.

أحد الأمور التي بدأناها ولكنها توقفت نصف تمام عن غير قصد كان موضوع علم الشيطان. كنا نقيم دروسًا بعنوان “معرفة الشيطان، الجن والملائكة” حيث نناقش بحذر وبهدوء قضايا الجن والملائكة الإلهية والمسائل المتعلقة بها. لكن بعد حوالي شهرين أو ثلاثة توقفت هذه الدروس. كنا نريد مناقشة مفصلة وواسعة عن الملائكة، إبليس، الجن والإنسان، والتي كانت ستستغرق عدة سنوات. لو استمر هذا الدرس حتى نهايته، لكان قد حُلّت كثير من المشكلات المتعلقة بالسحر والشعوذة والجن وما إلى ذلك. أما الآن، تُكتب كتب في هذه المجالات تحمل محتوىً لا أساس له، وللأسف كثير منها هراء وعبث كما يقول الناس. لو سمحوا لنا، لكنا نقدنا هذه الكتب وأصلحنا الأخطاء، وقدمنا تحليلاً ونقدًا للثقافة المعاصرة في هذا المجال، كما فعلنا في نقاش الموسيقى. لكن للأسف، هذا الدرس كان من الدروس التي توقفت عن غير قصد قبل أن تكتمل.

لقد قضينا حياتنا في معارف الأولياء النورانيين والمباركين، حضرات المعصومين عليهم السلام. وفي الروايات تأكيدٌ على إتمام وإنهاء العمل. فقد ورد في الروايات أن المؤمن حين يريد الخروج من المنزل يجب أن يكون واضحًا ومتيقنًا أنه قد أتمّ عمله، وأنه فعلاً خرج من المنزل وأكمل ما عليه. المؤمن حين يخرج من المنزل، بشرط ألا يعود، يقوم بعمله على هذا الأساس. أي يخرج من المنزل على فرض أنه لن يعود إليه. هذا الكلام يعني: يا مؤمن! أتمّم جميع أعمالك كاملة ولا تترك شيئًا ناقصًا. مثلاً، إن كان لديك وصية في بالك، فلتنفذها، وإن كان عليك دين فادفعه! نحن نعترض أحيانًا لماذا نفترض أننا لن نعود إلى المنزل؟ نحن نخرج ومن المؤكد أننا سنعود.

بناءً على هذا الفكر، منذ الطفولة، حين يبدأ لي أمرٌ أو عملٌ، كنت أبحث دائمًا عن نهايته، حتى أتمكن من تصور صحيح لإتمامه وكماله. هذا البحث عن نهاية كل عمل كان ملازمًا لي منذ الصغر. على سبيل المثال، عندما بدأت دراسة كتاب “المقدمات” في بداية مرحلة طلب العلم، رغبت في معرفة نهاية هذه المسيرة. كنت أسأل العلماء: ما هي نهاية هذه الدروس؟ كانوا يجيبون بأن بعد هذا الكتاب يدرس كتاب آخر وهكذا حتى النهاية. قال لي أحدهم: “يا صغيري! تجاوز هذه الأسئلة وادرس فقط.” لكن ما هو جوهر هذا العلم؟ أردت أن أعرف إلى أين تنتهي هذه الدروس؟ أتذكر رجلًا محترمًا نصحني بقراءة كتاب حوزوي معين، وعندما سألته عن ماهيته قال لي إنه مجرد أدب عربي. وأخبرني أن الكتب الحوزوية كلها في جوهرها أدب عربي، وأن الفارق فقط أن في الكتب المتقدمة يصبح الإنسان أكثر قوة في الأدب. وهذا في حين أن محتوى هذه الكتب لا يحتوي على أدب كما يفهم. وسألته عن الفرق بين هذه الكتب فقال إن الكتب اللاحقة تقوي الأدب العربي فقط.

مثال آخر أريد معرفة نهايته هو “الطريق المستقيم إلى الله”. في سورة الفاتحة يطلب الله منا أن نطلب منه أن يهدينا الصراط المستقيم، لكنه لا يذكر نهاية هذا الطريق. يقول: (اهدنا الصراط المستقيم) لكنه لا يقول: “اهدنا إلى دار السلام” أو إلى الجنة. بداية الطريق محددة، لكنها نهايته غير معروفة. هذا يعني أننا مسافرون في طريق لا نهاية له، وسنسير فيه إلى ما لا نهاية. لقد تناولنا هذا الموضوع بالتفصيل في تفسير سورة الفاتحة في المجلد الرابع من “تفسير هدى”.

إن لي طريقًا أسير فيه مع صاحب الطريق، ولست كالشيخ سعدي الذي منعه الضغوط والعقبات من تحقيق مراده. فقد كتب سعدي في مقدمة كتابه “الگلستان”:

في تلك المدة التي كنا فيها في وقت سعيد
كانت سنة الهجرة ستمائة وستة وخمسون

كان قصدنا النصيحة، وقلنا: حوالةٌ إلى الله، وذهبنا

في عصر سعدي شيرازي، كانت المغول تهاجم إيران بشكل متواصل لأكثر من عقد من الزمن. لقد حصل العباقرة والعلماء على فرصة للتنفس بسبب انشغال حكام خوارزمشاه بالمواجهة مع المغول، إذ أن الحكام دائمًا ما كانوا يضايقون العلماء والنوابغ، فإذا استسلموا نُقلوا من قصر إلى قصر، وإذا أصروا، أُخرجوا إلى الصحارى والسجون، أو حتى إلى الغرف المعزولة. كان الحكام يحاصرون العلماء ويستغلون عقولهم لمصالحهم الخاصة. سعدي شعر بسعادة لأنه لم يُضايق في تلك الفترة، على الرغم من أن المغول كانوا يفتكون بالشعب. سبب سعادته أن الحكام لم يعودوا يضايقونه، فكانت الحرب بمثابة زوال الأذى عنه.

في بعض الأحيان، يكون الإنسان تحت ظلم شديد وضغط من الأجهزة الأمنية، فيشعر بعدم الأمان، حتى يفقد الاهتمام بما حوله. في تلك الحالة، يصبح غير مبالٍ بما يحدث في زمانه. لقد تحدثنا عن هذا المرض النفسي في موضع آخر، حيث شرحنا أنه إذا تعرض الشخص للإذلال والاحتقار المستمر، وهو في موضع ضعف، يصاب باضطراب نفسي، فيضعف عقله ولا يستطيع التفكير في الأمور المهمة أو ينسىها. وهذا الإهمال أو ظلم للنخب الفكرية يؤدي إلى ظاهرة قتل النخب أو إحراقها، مما يدفعهم إلى اللامبالاة تجاه أحوال زمانهم.

وقد ذكرت لنا التاريخ قصة رستم دستان كمثال على شخص لا مبالٍ. يُقال إن رستم كان نائمًا في الجبل بينما كان أعداؤه يعلمون بقوته، فقرروا أن يقتلونه بطريقة خادعة دون مواجهة مباشرة. دفعوا صخرة نحو رستم، وأحد أصدقائه حاول أن ينبهه، لكنه لم يكترث. وعندما اقتربت الصخرة، ركلها بقوة وأرجعها إلى الخلف. هذا يدل على أن رستم كان لا مبالياً لأنه كان مستندًا إلى قوة متصلة بنفسه، وهذه اللامبالاة نابعة من ثقته بهذه القوة.

أنا أيضًا أملك هذا الدعم القوي، وأؤمن بإتمام العمل، فلا شيء يمكن أن يعيق تحقيق هدفي السامي. أي شخص يعمل بإخلاص لله، يرفع الله عنه العوائق والمشاكل. ونحن نكون فقط مشاهدين مخلصين. وقد ذُكر هذا الإخلاص في آية من القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى:

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوَا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)

هو الذي يسيّرُكم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرى بهم بريح طيبة وفرحوا بها، جاءتْها ريحٌ آصفٌ، وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أُحاط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين.

في طفولتي، بعد أن أنهيت المرحلة الابتدائية التي كانت تتضمن دوامين صباحي ومسائي، كنت أذهب للعمل في مطعم لبيع الكباب. كان دخلي من هذا العمل، مقارنةً بتلك الفترة الزمنية، كبيراً جداً. كان المشرف على المطعم يتقاضى خمسة تومانات يومياً، وكان العمال الرسميون يتقاضون أجراً يومياً يتراوح بين خمسة عشر ريالاً أو نحو تومانيْن. أما أنا فكنت أكسب يومياً ما بين عشرة إلى خمسة عشر توماناً. وقد أثار هذا الأمر حسد بعض العمال في المطعم. منذ أن كنت في السابعة من عمري، كنت أعلم أنني سأفقد والدي، وكنت أترقب ذلك الألم بفارغ الصبر. في المطعم، عندما يأتي الزبون، كنت أضع له فوراً كأس ماء نظيف، عذب، بارد، أو مثلج. وكان بعض الزبائن يقدّرون نظافة عملي ويظهرون لي مودة، وكانوا يسألونني أحياناً عمّا إذا كان لديّ أب، وكنت أجيبهم، وأنا أعلم أنني سأفقد والدي، أنني يتيم. كانوا يعطونني بعض النقود. وكان دخلي الأسبوعي يصل أحياناً إلى ستين أو سبعين توماناً. لم أكن أنفق شيئاً من هذه الأموال على نفسي، بل كنت أتبرع بها للفقراء، وأغطّي بها نفقات عدة أسر كاملة.

في أحد الأيام، ألقى أحد العمال في المطعم، الذي كان غيوراً من دخلي العالي، سكينا باتجاهي. أمسكته بيدي، ولأن شفرة السكين كانت حادة وأصابعي رفيعة، انقطعت ثلاثة من أصابعي إلى المفاصل على الأرض. لو لم أمس الشفرة، ربما كان السكين قد اخترق جسدي. رفعت أصابعي وذهبت إلى المستشفى، حيث تم خياطتها. لم يمض وقت طويل حتى توفي ذلك الشاب وفاة مؤلمة. لقد ذكرت هذه الحادثة في كتابي “علم السلوك الروحي”. وبعد نشر الكتاب، تعرف عليّ الطبيب الذي قام بزراعة أصابعي، وكان يحبني كثيراً منذ ذلك الحين. جاء إليّ مع عنوان الكتاب، وتأكد من هويتي بسؤالي: “يا حاج، أي أصابعك كانت مقطوعة؟” فأريت له الأصابع الثلاثة المقطوعة. فقال لي: “يا حاج، أتذكر عندما كنت طفلاً وأحضرت أصابعك المقطوعة إلى المستشفى؟ لقد أصلحت إصبعين جيداً، لكن هذا الثالث لم أتمكن من إصلاحه بشكل جيد.”

على كل حال، كان لذلك العامل مصير مجهول، فالشخص الذي لا يمتلك مهارة التركيب والجمع يقع في حبائل الاعتبار الباطل؛ لأنه يجمع لنفسه أشياء قد تكون حقيقية ظاهرياً لكنها خالية من الحقيقة الجوهرية.

عندما كنا نقيم في طهران، توفي شخص ثري جداً. وبينما كان جثمانه لا يزال في التابوت، اندلع النزاع بين أولاده حول ميراثه. وتشاجروا حتى استخدموا السكاكين ضد بعضهم البعض، ووصل الأمر إلى الشرطة والسلطات. وتم تنظيم مجلس تأبين، لكن الجيران بدلًا من أولاده استقبلوا المعزين وشكروا من حضر من الجيران الآخرين. أصبح هذا الموقف مادة للسخرية بين الناس، حيث تساءلوا: أين هم أولاد ذلك المتوفى وماذا يفعلون؟ لو كان الشخص فقيرًا ومعدمًا، لما كان هذا الموقف مضحكًا لهم.

أنا أستعمل هذا الحدث كمثال على العلم الباطل والاعتبار الزائف والثروة الوهمية. فمن الضروري أن نقرأ الفاتحة على مثل هذا الميت، لأنه جلب البؤس والشقاء لأولاده، وهو شخص وهمي ومنسي، فقد أصبحت ثروته واعتباره وهمًا زائلًا. أولاد ذلك المتوفى تشاجروا فوق تابوته، والناس الغرباء عزوا الجيران بوفاته.

في هذه المشاهد، يجب على الإنسان أن يتأمل ويتذكر أن يومًا ما سيغادر الدنيا، وهو يحمل معه مخزونًا من الخردة والعلوم الزائفة والمعرفة العقيمة التي لن تنفعه.

الفصل العاشر:

تساقط ونمو التلاميذ

محفل التلاميذ

في فراق التلميذ

أحيانًا أشعر بالخوف عند التعبير عن بعض الأفكار، خشية أن يُتهمني البعض بالجنون أو قلة العقل. لذا أعرض آرائي بشكل مقتضب لتجنب هذا الانطباع.

قبل أيام وصلتني رسالة نصية تفيد بوفاة أحد المعارف. كان عالمًا صالحًا، مشاركًا في دروسنا ومباحثاتنا، وكان لي معه علاقة حسنة. منذ عدة سنوات لم أره، وعندما سمعت بخبر وفاته، شعرت بعدم الارتياح.

تذكرت أنه في العام الماضي دخل مدرسة فيضية وسلم عليّ، وبعد ذلك لم أره مجددًا. مع سماعي خبر وفاته شعرت بقلب متألم، فخرجت من منزلي ليلاً في حوالي الواحدة والنصف صباحًا، وبحثت عن منزله حتى وجدته. تأكدت من وفاته، إذ كان على بابه معلّقًا قطعة قماش سوداء علامة على الحداد. وقفت هناك وتليت الفاتحة، ثم تحدثت إليه هامسًا: كنت أتمنى لقاءك مرة أخرى، لكن لم أوفق، وقد رحلت. الآن زوجتك وأولادك في نوم هادئ، ولن أزعجهم.

شعرت فجأة بخوف غامض؛ أن من حولك يموتون، وأنت كان ينبغي أن ترحل قبلهم. بدا قلبي وكأنه زجاجة تتحطم على الأرض. أدركت أن اللقاء بك مستحيل الآن، إلا إذا بحثت عنك وعرفت أين أنت، لكن في أي شارع وأي حي؟

في الأصل، نحن لا نقدر قيمة عباد الله الذين هم في الحقيقة تجليات الله. فجوهر عبد الله هو ما انبثق وتدفق من الله، كما أن كلامك هو أنت، وكتابتك هي أنت. الكون كله هو تدفق من الله، وعلينا أن نجمع هذه التجليات ونخضع لها ونقبلها.

إذا لم نفعل، فقد نخزى يوم القيامة، إذ يقول العبد الذي عبد الأصنام: “ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله”. أنا احترمت هذا المعبود، ولكن الله يحاسب المؤمن الذي أذى أوليائه.

البُعد العشقيّ في العلاقات

لقد قمتُ بتدريس هذا المنظومة عدة مرّات، وكان هذا الكتاب مطلوبًا بكثرة، وهو الكتاب الوحيد الذي درّسته أكثر من مرّة. كان هذا الدرس مكتظًا جدًا، وفي إحدى الليالي تعرّضتُ لالتهاب في حلقي حتى فقدتُ صوتي تمامًا، فسرعان ما توجهت إلى الحوض وملأت حلقي بالماء فأنقذتُ نفسي من الموت. وفي صباح اليوم التالي لم أستطع الذهاب إلى الصف، وكان صوتي ما يزال مفقودًا. من بين كلّ هؤلاء الطلاب، جاء إلينا شخصان فقط للسؤال عن سبب غيابي! هؤلاء فقط هم من قادونا إلى الطبيب. أما بقية الطلاب فلم يكن حتى لديهم فضول لمعرفة سبب إلغاء الدرس، كأنّهم ألقوا حجرًا وسط سرب من العصافير! علاقة هؤلاء الطلاب بالمدرّس قائمة فقط على الكلام، وإذا انقطع الكلام وانقطع الصوت، فإنهم جميعًا يذهبون. هذه العلاقة خالية من الحب، وتتسم بالطمع. حين يقول الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]، كان النبي صلى الله عليه وآله يُعدّ لهم الطعام ويكرّمهم؛ لأنّ من لا يحبّهم لا يستحقّ شيئًا. غير العشاق لا يوفون إلا إذا أنفق عليهم المرء مالًا. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وما أُوذِي نَبِيٌّ مثل ما أُوذِيتُ»؛ أي لم يُؤذَ أحدٌ كما أُذييتُ أنا. حيث يوجد الطمع، لا يوجد حبّ.

رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء والمرسلين، لكنه لم يكن له ولدٌ يرث إمامته، مثل عائشة التي بقيت عاقرًا، وأمير المؤمنين علي عليه السلام هو الذي بلغ الإمامة؛ لأنه كان عاشقًا، في حين أن عائشة كانت تحقد عليه وتمتلئ بغضبٍ وكراهية. لقد كان علي عليه السلام أبًا لأبناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه قُتلوا لقمةً لقمة، وابنه الحسين عليه السلام لجأ إلى السيوف، وقال: «يا سيوفُ خذيني»، أي أنّ اللجوء إلى السيوف أفضل من العيش بين الأشرار الذين يحملون مظاهر الدين زورًا. لقد انهالت الذئاب عليه إلى درجة أن السيوف كانت أرحم شيء عنده، ولا ملجأ آخر له. وعندما تعرض الإمام علي عليه السلام للضربات، قال: «فزت ورب الكعبة»، كأنّه يقرّ بأن السيف المسموم لابن ملجم كان أرحم من كل شيء، وقال ابن ملجم: «بَهْ بَهْ، كيفَتُ ورَاحَتْ»، أي استمتعتُ وسعدتُ.

هذه هي قصة الحب الخالص الخالي من الطمع. الحب والروحانية الحقيقية خالية من الطمع. الإمامة الحقيقية هي ذاتية، تختلف عن الإمامة الزائفة أو الظاهرية.

أكثر مثال أستخدمه لتوضيح الطمع هو العلقة (الدمّام). حين كنا صغارًا في طهران، كان بعض الناس يبيعون العلقات. كان هناك رجل أسود طويل القامة يحمل كيسًا من العلق ويصرخ: «علقة! علقة!» ويضع العلقة على يدك، فتبدأ العلقة تمتص الدم والأوساخ حتى تنتفخ وتموت. الشخص الطماع يأخذ كل شيء حتى يختنق بطمعه، وبعضهم يدرس ويتعلم بهذه الطريقة الطماعة! في طمع العلقة، يُحيّي الواحد رئيسه، ولا يرى من هم دونه. فالعلقة تَحيّي من هو في السلطة، وإذا فقد السلطة، يدير ظهره له ويقول: «كنت أحييك لأنني كنت بحاجة إليك». في الطمع لا توجد وفاء، وحتى بين الأب وابنه يمكن أن تكون العلاقة هكذا؛ فالابن يشكر أباه ما دام يلبّي حاجاته، وإذا ضعف الأب مالياً، يقلّل الابن من احترامه. بعض الآباء محبوبون لأن وضعهم جيد، لكن إذا تغير وضعهم، ينسى الأبناء والزوجة قيمته.

وهذا أيضاً ينطبق على العلم. الطالب الطماع يخرج صباحًا من منزله ليس ليطلب العلم من أجل العلم، بل لينتزع شيئًا منه. حتى لو رأى الله، يفعل نفس الشيء معه.

مؤسسة ظهور الشفق

في تلك الأيام، كنت أعطي أكثر من عشر دروس يوميًا، فسألني أحدهم: كيف تصنع كل هذا؟ فقلت له: أنا مثل أسطورة رستم، كنت أترك قوتي في البيت، ولو كنت أستخدم قوتي في الدرس، لكانت قدمي قد غاصت في الأرض إلى الركبة. أنا أدرس هذه الدروس كهواية وليس بالقوة. شكراً لله، كان لدينا أفضل الطلاب في السنوات العشر الماضية. سابقًا، كان بعض من يحضرون يضيعون الوقت في الكلام فقط. طلبت منهم أن يذهبوا للحديث في مكان آخر أو في الحديقة، فاستبعدتهم.

وكان لدينا طلاب مجتهدون، لكنهم كانوا يتحدثون كثيرًا ويعملون قليلاً. كانوا يتناولون الغداء معنا في المكان نفسه، حيث كنت أعد ثلاجة صغيرة مليئة باللحم والخضار، وكانوا يطبخون قورمة سبزي وغيرها. كانوا هنا من عام 1378 وحتى حوالي عام 1383. مع الوقت، انتهى الأمر بانصرافهم. في الوقت الذي كانوا يأكلون فيه، يتحدثون ثم ينامون للراحة، مما قلل من إنتاجيتهم. أعادت الثلاجة إلى صاحبها وأغلقت هذه النظام.

طالب ناضج وصادق

في منزلنا القديم، كان لدينا مرآة وحامل شموع من النحاس بلون ذهبي. في يوم جلست مع بعض الأصدقاء، سألتهم: ماذا لو كان حامل الشموع من الذهب؟ كل واحد أعطى رأيًا. قلت العكس، هذا سيكون سيئًا لأنه قد يعرضنا للقتل من أجل سرقته. أما الآن، فلا يُسرق حامل الشموع ويبقى المرآة كذلك. أنتم تتمتعون بالنقاء الداخلي والعقل صافٍ، ولكن ذهنكم غير متمرس ولا يمتلك التجربة، فهو مغلق. اليوم الطلبة حقًا يحبون الدراسة، لكن أحيانًا أواجه طلابًا جددًا أو بعض الأشخاص الذين يتحدثون بطريقة تزعجني، كأنهم يبعدون عنا ثلاثين أو أربعين عامًا ويتحدثون كالجهلاء. سماع كلامهم يحتاج إلى صبر وجهد. يتساءل المرء أين كانوا في العشرين سنة الماضية وماذا فعلوا في مدينة قم؟ إنهم بعيدون عن الأمور ولا يمتلكون القدرة على التحليل ورؤية الحقيقة. بعضهم لا يرى حتى قدميه.

أما طلابنا، فهم محبوبون، ناضجون ومؤمنون. أشعر بالحنين أحيانًا إليهم، وغيابهم يؤلمني. أحب حريتي وراحتي، لذلك لا أسأل عن مكانهم. أفكر فيهم وأهتم، لكن لا أتابعهم؛ لأنني أعتقد أن الحرية هي حقهم، وأن يفعلوا ما يشاءون. أوصي بعضهم بعدم البقاء معنا لأنني أعرفهم وأعلم أنهم لن يواجهوا مشاكل مستقبلية. بعضهم مرن وقابل للتغيير، رغم أن هذا موضوع دقيق. قد يكون الشخص ممتازًا في العمل والدراسة لكنه يعاني في جوانب أخرى. لتقييم ذلك نحتاج إلى دقة في الموازنة. لقد شاهدت وجربت ذلك عمليًا. فمثلاً، بعضهم يعاني في المنزل مع عائلته، وهذا يدل على أن قدرته محدودة، وإذا بقي معنا وزاد في جهده، سيصاب بضغوط ومشاكل في حياته لا يستطيع تحملها.

لدى كل طالب من طلابي قصص غريبة. أحدهم السيد رزوبهاني الذي حضر دروسي لأكثر من أربعين سنة ودوّن ملاحظات كثيرة. كتب تلك الملاحظات في كتاب ثلاثي الأجزاء اسمه «سير سالك»، بينما شرحي لكتاب «شرح منازل السائرين» يصل إلى أكثر من عشر مجلدات، ونُشر منها ثلاثة فقط. ادعى في كتابه أن تلك الملاحظات من تأليفه الشخصي. قلت له إن الدروس مسجلة، وعندما تصل التسجيلات إلى الناس، سيسألونك: على أي أساس تدّعي أن هذه المعلومات لك؟ العلم له وثائق وسجلات، ولا يمكن لأحد أن يدّعي اكتشافات غاليليو أو باستور أو ديكارت لنفسه، لكن هنا ينسبون نتائج أبحاث الآخرين لأنفسهم دون ذكر المصدر. غيره أيضًا طبع ملاحظات من دروسي باسمه.

تسجيل القلب

في مجلس مهم كنت أتكلم فيه، جلس بجانبي شخص مهم. جاء إليه بعض الأصدقاء وتحدثوا معي، ثم قال لي: صوتك مألوف لديّ، من أنت وأين رأيتك؟ قلت له: في يوم القيامة، يدخل الناس المحشر، كثيرون لا يعرفون دينهم ولا نبيهم. قلت له: أنا فلان. رأيت أن صوتي مألوف له لكن عينيه لم تتذكرني. وقف وتعانقنا وقال: سامحني. قلت له: قلبك يتعرف عليّ لكن ذاكرتك لا تستقبلني، ويبدو أن كل شيء قد نُسي. قلت له: أنا أيضًا لا أذكر اسمك لكن أعرفك جيدًا.

طالب حاقد ومعاند

كان طالب يدرس معنا لبعض الوقت وكان يحبنا ويرتبط بنا، لكنه أصبح يحمل لنا حقدًا شديدًا، حتى قال: من أمنيتي أن أدخل الحجرة يومًا وأجدك ميتًا ومتيبسًا بجانب الحائط. لم يكن لهذا الحقد سبب واضح، وكان يحضر الصفوف فقط. هذه الأمور تبين الفروق بين الناس، التي تأتي من ماضيهم وخلق الله لهم. قبل الثورة، كان هناك قوات خاصة تابعة لنظام الشاه تقوم بمهام صعبة للحفاظ على النظام. كنت أعرف ضابطًا كان يصرخ غاضبًا: نحن نعمل ليل نهار، لكننا نتلقى السباب ونُرشق بالحجارة ونُضرب، وفي النهاية ينادونكم بالسيد وهذا غير عادل. قلت له: عليك أن تسأل والديك، نحن لم نلقَ ضربًا ولا سبًا ولم نكد من أجل الأمن والاحترام. الآن نسمع الشتائم من المعارضين والظاهريين، والحمد لله سيُعوض الله أيامًا ما، لكن هؤلاء لن ينالوا خيرًا، والله يبيّن طريق الحق لكل من يتبع الحق ويمهد له، رغم أن لكل شيء زمانًا ويجب أن نتحمل.

شمس على سطح البيت

أدرس في الحوزة العلمية لأكثر من أربعين سنة. مع تقدمي في العمر، أصبح طلابي أصغر مني بكثير. كنت أعطي دروس التجويد منذ كنت في العاشرة أو الحادية عشرة، وطلابِي كانوا بين الخامسة والأربعين والستين من العمر. أصغر منهم لم يكن قادرًا على حضور الدرس لارتفاع مستواه. كون طلابي اليوم أصغر مني يشير إلى أن أيامي أصبحت قليلة، وعمرنا صار كالشمس على سطح البيت، في غروب أحمر يعلن عن شفق طويل للغد والأجيال القادمة.

 

[1] . سبأ / 13.

[2] . بقره / 25.

[3] . صافات / 48.

[4] . رحمان / 52.

[5] . بحار الا، ج 41، ص 14. خدايا تو را از ترس آتش و به طمع بهشت عبادت نكردم،بلكه تو را شايسته‌ى عبادت يافتم، پس پرستش و بندگى‌ات كردم.

[6] – بقره / 4.

[7] . نوعى گلودرد شديد كه به مسدود شدن راه تنفس و خفگى منجر مى‌شود.

[8] – نحل / 89.

[9] – آل‌عمران / 8.

[10] . من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 352.

[11] . من لايحضره الفقيه، ج 4، ص 379.

[12] – المحاسن، ج 1، ص 251.

[13] . متقى هندى، كنز العمال، ج 3، ص 472.

[14] ـ غافر / 35.

[15] – المحاسن، ج 1، ص 251.

[16] . سعدى، گلستان، باب هشتم.

[17] . نهج البلاغه، ج 2، ص 130.

[18] . امالى، شيخ صدوق، ص 245.

[19] . الصحيفة السجادية (ابطحى)، ص 325.

 

[20] – ملك / 3.

 

[21] . شورى / 5.

 

[22] – حشر / 21.

 

[23] . ص / 41 – 42.

 

[24] . مائده / 32.

 

[25] . المزار، محمدبن مشهدى، ص 211.

 

[26] . مناقب آل ابى طالب، ج 3، ص 318.

 

[27] – ذاريات / 47.

 

[28] . ملك / 3.

 

[29] . اسراء / 14.

 

[30] – بقره / 45 ـ 46.

 

[31] – واقعه / 10 ـ 11.

 

[32] . فجر / 14.

 

[33] . طه / 5.

 

[34] . نمل / 21.

 

[35] . فاتحه / 5.

 

[36] . مائده / 3.

 

[37] – يونس / 22.

 

[38] . زمر / 3.

 

[39] . شعراء / 214.

لغة الفقه

لكل علم ودرس لغةٌ يجبُ على المتعلم أن يتقنها لفهم ذلك العلم. ولغة كل علم تكون عند الأستاذ الحقيقي لذلك العلم. كنتُ في السادسة عشرة من عمري حين درستُ كتاب «لمعة» عند أستاذٍ عزيزٍ كان تركياً أذرياً. كان يريد أن أتعلم اللغة التركية لأفهم كتابه بصورة أفضل. فقلتُ له: «لو قلتم «اللمعة» بلغتكم التركية نفسها، لفهمتُ ما تقولون». في الحقيقة، كنتُ في بيئةٍ محورها الناطقون باللغة التركية، فكان يريد أن يُحدث نفسه ويواكب تلك البيئة كي أستفيد أكثر من درسه.
وأقول في الفقه الشيء ذاته: يجب أن يكون للفقه موضوعٌ يعرفه الفقيه حتى يستطيع أن يواكب موضوعات العصر، ولا يظل أسير القواعد الجامدة، ولا يحيل نفسه إلى عرف تقليدي سطحي. على سبيل المثال، لا يزال كثيرون لا يعلمون ما هو مفهوم «البلاد الكبيرة»؛ وأين يُصلى في طهران التي يبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين صلاة القصر، وأين يجب إتمام الصلاة؟ وفقاً للمعايير التي يطرحها بعضهم، إذا وصل سكان هذه المدينة إلى عشرين مليوناً، فكم عدد المصلين الذين سيصلون صلاة القصر، مع أنهم جميعهم مسافرون!

لقد استنبطتُ من أجل تحديث الفقه نظامًا خاصًا أطلق عليه «الفقه الحكمتي»، وبيّنتُ كيفية ذلك في كتاب «القانون». كما صممتُ عناوين الكتب والمواضيع الفقهية، وأعدتُ ترتيبها بطريقة جديدة، إذ إن ترتيب الكتب الفقهية في سيرها التاريخي لم يكن ترتيبًا علميًا مناسبًا. كما أجريتُ بحوثًا عميقة في المسائل الفقهية، ورفعتُ الحذر المفرط في الفتاوى، وقدمتُ فتاوى واضحة وصريحة.
وكما أقول إن الاقتصاد والموارد المالية في البلاد بحاجة إلى شفافية تحميها من الفساد، فأنا أؤمن في عرض العلم بأهمية الشفافية والابتعاد عن الغموض والتعبيرات الاحترازية والمحافظة، وكذلك الابتعاد عن التقية.
لقد كرّست وقتًا طويلًا للبحث في الفقه وموضوعاته، وأعتبر أن من خصائص عملي العلمي هو «البحث الدقيق في الفقه» وتعليم الفقه على مدى أربعين سنة.
منذ أن أتممت دراستي على يد أساتذة بارزين وأصبحت مجتهدًا وأنا في التاسعة عشرة، وأنا أكثر من بذل جهدي في مجال الفقه.
ولكن البيئة المحافظة والظاهرية لا تحتمل هذه البحوث وتمنع نشرها. العديد من كتبي المختصرة في الفقه، وخاصة «تحرير التحرير»، و«حقيقة الشريعة»، و«رسائل توضيح المسائل»، وكتاب «فقه الغناء والموسيقى والقمار» وغيرها، التي حصلت حتى على ترخيص النشر من وزارة الثقافة، جُمعت من المكتبات والمنازل والمحلات وتم تدميرها. موضوعُ الغناءِ والموسيقى

لديّ إبداعاتٌ كثيرةٌ، ومن بينها براعتي في علم الموسيقى والعلاج بالموسيقى، وللأسف لا تتوفر بيئةٌ مناسبةٌ لإظهار ذلك.
كنتُ في سن العاشرة أو الثالثة عشرة، وكنتُ متدينًا. طلب مني مرشدي الروحي أن أتعلم الموسيقى، فأشار عليّ بحضور دروس الأستاذ الأكبر گلپایگانی.
كنتُ أحيانًا أصل مبكرًا إلى موعد الدرس وأقف أمام منزل الأستاذ گلپایگانی. في يومٍ من الأيام، رآني الأستاذ وبغضبٍ قال لي: لماذا تقف أمام الباب؟ ولماذا يظهر عندكم المتدينين هذا التعصب تجاه هذه الأمور؟
كنتُ أدخل إلى منزل الأستاذ أحيانًا، وكانت زوجته تقدم لي الشاي. أحيانًا كنت أشرب كوب شاي وأحيانًا لا. زوجته كانت تطلب مني أن أشرب الشاي كي لا يُهدر، وأحيانًا كنت أشرب الكوبين.
كان في ذلك البيت يعيش الوالدان والأخوات مع زوجة الأستاذ. كنا ندرس في منزل الأستاذ الذي كان مكانًا لطيفًا وودودًا.
كان الأستاذ يقول لنا: أرجوكم أن تشفعوا لي يوم القيامة؛ لأنني لأجل تحسين صوتي أتناول كمية صغيرة جدًا من الخمر.
كان أجر الأستاذ الموسيقي ستين تومانًا شهريًا، وهي كانت مبلغًا كبيرًا في ذلك الزمن. في السابق، كان المال نادرًا، ولم تكن نعم وإمكانيات اليوم متاحة.
كان للأستاذ زوجتان؛ إحداهما تعيش في منطقة شميران، والأخرى في حي نفرآباد حيث نعيش.
كان يذهب ويأتي إلى البيت شباب وبنات غير ملتزمين، وكانت البنات لا يرتدين الحجاب وكانوا يرتدين تنانير قصيرة.
رحم الله الأستاذ! هؤلاء كانوا رغم كونهم راقصين ومطربين، لكن كانوا أناسًا طيبين وذوي أخلاق حسنة.
كان الأستاذ يعتذر لي أحيانًا عن لباس هؤلاء الناس، لأنه كان يعتبره قلة احترام لي كمؤمن، وهذا يدل على أدبه العالي.
في ذلك الزمن، كانت هايده ومهستي من تلاميذه الخاصين. ومن بين المغنيات النساء أيضًا دلكش، مرضية، وأخيرًا گوگوش كان مشهورًا.

كان لدي دراجة هوائية، وكنت أستخدمها للتنقل من مدينة ري إلى طهران. كنت أدرس بين فترة وأخرى عند معلم آخر كان أديبًا، وكان أجره أيضًا ستين تومانًا. كنت أنفق الأموال التي ورثتها من والدي بهذه الطريقة.

في فترة المراهقة، وبإشارة من الأستاذ الروحي الخاص بي، قضيت نحو سنتين أذهب إلى القنوات المائية. كنت أقوم في هذه القنوات بالأعمال التي طلبها مني الأستاذ الروحي. لم يكن الماء راكدًا في القناة، وإذا ما لامسته فإنه يبدأ في الغليان.

في ذلك الوقت، كنت أذهب أيضًا إلى الكنيسة، ولكن ذلك لم يكن أمرًا مهمًا لي كثيرًا، فقد كنت منشغلًا بشؤوني الخاصة. ذهبت إلى الكنيسة بفضل نفوذ أحد الشخصيات، لكي أتعلم الإنجيل وأتعرف على معتقدات المسيحيين. كانت وضعيتي في الطفولة أفضل بكثير من اليوم. أستطيع تدريس وتفسير الكتب المقدسة مثل التوراة والإنجيل كما أفعل مع القرآن الكريم. كما أستطيع تقديم مناقشات مقارنة بين الكتب المقدسة بشكل موثق. كانت الكنيسة التي أذهب إليها هي كنيسة رافائيل الواقعة أعلى تقاطع غلوبندك. كان معلمي الروحي يريدني أن أتعلم هذه الأديان. في تلك الكنيسة، كانت تُحفظ التوراة، الزبور، وأقدم الأناجيل، وإذا لمسها أحدٌ ما، كانت تتفتت كأنها مسحوق.

كان أستاذي المسيحي يتحلى بفضائل أخلاقية كثيرة. كان نقيًا، مهذبًا، وطيب القلب. كما يُقال، كان كاملًا في كل شيء، وأشبّهُه بالكمالات. كنت حينها مجرد مراهق، وأشعر بارتباط شديد به، ولكن في الوقت ذاته كنت أفكر أنني مسلم وهو على طريق باطل. هذا التناقض كان يؤلمني ويُحزن قلبي. هل هو حقًا مثال للباطل؟ لا، إنه مثال للحق والصواب. كنت مشوشًا بين هذه التناقضات، وأتلوى في مناجاة مع الله قائلاً: يا الله، إنني أتبع الحق، ولا يهمني إن كنت مسلمًا أو كافرًا، أنا أبحث عن الحقيقة فقط. ولكن كيف يمكنني القول إن هذا المسيحي على طريق باطل؟ إنه الحق. لم أجد في المسلمين من هو بمثل صفاته. عرفت العديد من الأساتذة ورأيت الكثير من الناس الطيبين، ولكن حين أقارن بينهم وبين هذا الرجل، أجده أفضل وأطيب منهم. هذا كله من فضل الله، والله وحده يستحق الشكر. عندما يريد الله أن يمنّ على الإنسان برحمته، فإنه يفعل.

بجانب تلك الكنيسة، كان هناك مقبران كبيران متقابلان، أحدهما للمسلمين والآخر للمسيحيين. ذهبت إلى تلك المقابر ثلاث أو أربع مرات، متنقلًا من مقبرة إلى أخرى ذهابًا وإيابًا. وأخيرًا، حين وجدت نفسي، رأيت روحي في المقبرة الإسلامية. شكرت الله وأثنيت عليه، فقد تبين لي أن المقبرة المسيحية تمثل الباطل، أي أن الباطل هنا هو أمر ظاهري لا باطني. حينها شعرت كأن ماءً قد سُكب على رأسي، وأدركت الحقيقة وزالت شكوكي.

كان لي مرشد وعارف كبير كنت أكن له احترامًا عميقًا. كان يتمتع بالكثير من الكمالات، وكان عارفًا كاملًا وواصلًا بحق. كان بحق إنسانًا كاملاً بكل معنى الكلمة. كلما قارنته بالأساتذة الآخرين، وجدتهم صغارًا وضعفاء إلى جواره. كنت لا أزال طفلاً حينما اهتم بي وأمسك يدي في طريق العلم. من بين الأئمة الأطهار، كنت مرتبطًا جدًا بالإمام باقر (عليه السلام)، أكثر من ارتباطي بالإمام علي، الإمام الحسين، والإمام المهدي (عجل الله فرجه). كان لي تعلق كبير بالدروس والنقاشات الدينية بسبب حضور الإمام باقر الذي شعرت به في كل مكان. كنت يتيماً وبدون سند، وهذا الشعور عمّق علاقتي بالامام. كنت أبحث عن الحق ولم أكن مصلحًا. لهذا شعرت أن الإمام باقر (عليه السلام) يتولى أمري ويهتم بي.

لكن في موضوع ذلك الدراويش وقعت في حيرة؛ لأنه كان أفضل من أساتذتي لكنه كان درويشًا. وكل مشكلة لديه كانت من الحق والصدق، وكان يطبق ذلك. كان أقوى منهم أخلاقيًا وباطنيًا، وكان يرى الرؤى. كنت أقارنه بأساتذتي العباقرة وأراه تجسيدًا للحق. لكن ذلك كان خطرًا بالنسبة لي. حتى رأيت نفسي في حلم داخل غابة ضخمة مليئة بالأشجار الشامخة، محاطة بالجبال. رأيت ذلك العارف، لكن وجهه كان كوجه كلب كبير وقوي، مع شارب. كان يطاردني، وكنت أركض بحذائي القطني، لكنه لم يتمكن من الإمساك بي. كنت ألتفت إليه وأراه ككلب فقط. وقتها أدركت الحقيقة وشكرت الله. جسده ووجهه كانا كجسد الكلب، لكنه كان ذلك الدراويش. معنى الحلم أن هذا الدراويش ينتمي إلى الباطل. الأساتذة الآخرون كانوا من أهل الولاية والمعرفة، لكن هذا الدراويش كان له خصال لا يملكها الآخرون، مما أثار الشك والريبة. كان الآخرون أكثر صفاءً، لكن بهم عيوب. في تلك الفترة، كانت الانحرافات تتعلق بهذه الأمور. كان ذلك الدراويش إنسانًا صالحًا ومتدينًا جدًا، لكنه أثار شكوكي لأنه كان جيدًا لدرجة مريبة. كان إذا سأله أحد عن مسائل شرعية، يحيله إلي ويقول: اسأل آقرضا. لم يكن يتدخل في المسائل الشرعية، مما يدل على حذره وتقواه.

ذات مرة، طلب منه رجل متزوج أن يذهب إلى مدرسة الفيضية ويوزع مهر زوجته – وهو خمسة دنانير ذهبية – على الطلاب هناك. كان ذلك الدراويش طيب القلب ولم يكن يعارض الدين. بالمقارنة، كان الأساتذة الآخرون أقوى منه باطنيًا، لكنه كان أفضل منهم ظاهرًا. أن يقول درويش “اذهب إلى مدرسة الفيضية ووزع دنانيرًا على كل طالب يخرج من الباب” لا يعني أنه عادل أو سيد، بل هذا يدل على نقاء معتقداته وسروره.

كنت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر، وكنت قد أنهيت دروس المرحلة الابتدائية في الحوزة العلمية. كان البعض يسألنا لماذا نذهب إلى قم للدراسة. ذلك الدراويش كان صاحب سلسلة عائلية أيضًا، وقال لي إن أولاده لا يصلحون لهذا الدور، وطلب مني أن أكون صاحب السلسلة. كان لديه ابنة وأراد أن أتزوجها لأن الزواج من داخل العائلة شرط لصاحب السلسلة، ويجب أن يكون من نفس الأسرة ومرشدًا كاملاً. لكني لم أكن من هؤلاء ولم أكن راغبًا في ذلك، فهربت من هناك. كان يتوسل إليّ لقبول عرضه، قائلاً إن أولاده لا يصلحون. وكنت أقول له إنني لست من أصحاب القصور والقصور، إنني طالب علم ويجب أن أكمل دراستي. لم أكن أدرك حينها مدى صعوبة طريق طلب العلم وما قد يجلبه من خوف وقلق.

تزوجت ابنته من أحد القاجاريين الذين كانت حياتهم محسوبة بدقة. بعد وفاة ذلك الدراويش، أصبح ابنه هو المرشد الكبير. رغم مشاكله العقائدية، كان إنسانًا طيبًا. نصح ابنه أن يتبع خطي، وقال له إن لديه مشاكل. جاء ابنه إليّ، وقلت له: أنت السلطان في جهازك الخاص، استمع إلى التسجيلات المنزلية وحدث الآخرين بما تسمع. كأن معجزة حدثت، فاعتبره الناس أقوى من أبيه وأكثر معرفة بالصوفية. كان ذلك الدراويش مرشدًا لأكثر من أربعين أو خمسين عامًا، لكن ابنه الذي أصبح حديثًا مرشدًا، كان أقوى منه. كان ابنه يشعر بالحرج لأنه لا يذكر اسمي، فقلت له: ممنوع عليك ذكر اسمي. وكنت أظن أن الناس في تلك المنطقة لا يقولون إلا ما هو مطابق للدين، حتى لو لم يعرفوا صاحبه الحقيقي. المهم أن تنتشر كلمة الحق. حتى لو لم أكن حاضرًا، لا يهم.

خلاصة القول، تقبل الناس في تلك المنطقة ابن ذلك الدراويش كمرشد. عادةً، عندما يتغير السلطان، لا يقبل كبار السن والشيخوخة السلطان الجديد ويرون أنفسهم أعلى منه، لكن مشكلة ابن ذلك الدراويش حُلّت عبر التسجيلات المنزلية، فاعترف الجميع بأنه أذكى وأقوى من أبيه ويخوض نقاشات صوفية.

التسجيلات المنزلية كانت مفيدة جدًا للناس في تلك المنطقة، وأحيانًا كان الأشخاص الذين استمعوا إلى التسجيلات يحصلون على نتائج أفضل من الذين يحضرون الدروس. هذا لأن طلبة الحوزة غالبًا ما يكتفون بالكلام ولا يتبعون الحديث، بينما من هم أبعد قليلاً وأكثر عطشًا للعلم والمعرفة، كانت نتائجهم أفضل.

على أية حال، يجب على الطالب أن يكون على دراية بالأديان والأمم والمذاهب على أساس مبدأ صحيح في معرفة الموضوع، ومن ثم يقوم بالنقد والدراسة، لا أن يكون متعصبًا أحادي الجانب. كنت أذهب إلى الزاوية (الخانقاه) لهذا الغرض أيضًا، لأختبر معتقدات الدراويش وقواهم الباطنية. رأيت بين القساوسة المسيحيين أشخاصًا عظماء ومهذبين وذوي شخصية، لكنهم يعانون من نقائص وعيوب معرفية مماثلة لتلك الموجودة بين الدراويش. الأديان تنهار أمام علم ناقص وخاطئ لدى القادة الذين يزعمون العلم.

كنت أعرف شخصًا آخر يعطينا دروسًا في القمار وألعاب مماثلة. وكان يطلب مني أن أشفع له يوم القيامة لأنه ارتكب حرامًا مثل السرقة والقمار. كان ذلك في وقت كنا نعيش فيه في حي كان معروفًا بحي “اللات” في مدينة ري. كانوا حراسًا لي وكانوا سعداء وفخورين بأنني مؤذن المسجد. أحيانًا كنت أعد لهم خبزًا وكبابًا، وكان كبير اللات يأكل الكباب وأنا أراقب. كان يكن لي احترامًا كبيرًا ويقول إنه لا يأكل وحده. لم تتكرر مثل هذه التعاليم، ولم يكن لدي مثل هؤلاء التلاميذ في حياتي. إن شاء الله، أتمكن من الشفاعة لهم يوم القيامة، فقد كانت صفاءهم الباطني عظيمًا، وكان لديهم إيمان عميق بالله والحقيقة، رغم أن أعمالهم كانت غير مستحسنة وغير شرعية. أعتقد أن الأيام الخوالي كانت أفضل وأجمل من اليوم، فكان اللات القديمون شجعانًا، وكان العلماء القدامى فعلاً نقيين ومثقفين وفاهمين. لقد حضرت عند عدد من هؤلاء العلماء القديسين، وكان بعضهم من أولياء الله.

آن‌ها بگيرند و گرايش به عقل و خرد را در آن‌ها تضعيف كنند

ChatGPT said:

بسم الله الرحمن الرحیم

على أية حال، يجب على طالب العلم أن يكون على دراية بالأديان والأمم والمذاهب بناءً على مبدأ معرفة الموضوع، ثم يتبع ذلك النقد والمراجعة بعقلانية، لا بناءً على التعصبات الأحادية. كنت أذهب إلى خانقاه لهذا الغرض نفسه؛ لاختبار معتقدات الدراويش وقواهم الباطنية. ومن بين القساوسة المسيحيين، قابلت أشخاصًا كبارًا وأدباء وذوي شخصيات محترمة، ولكنهم يعانون من نفس النقص المعرفي الذي يعاني منه الدراويش. الأديان تتعرض للهزيمة بسبب العلم الناقص والمضلل من قِبَل قادتهم المزعومين.

كنت أعرف شخصًا آخر كان يعلمنا القمار وألعاب مماثلة، وكان يطلب مني أن أشفع له يوم القيامة على ما ارتكبه من محرمات مثل القمار والسرقة. وكان ذلك في وقت كنا نعيش فيه في حيّ كان يطلق عليه حيّ “اللات” في مدينة “شهرري”. كانوا هم حافظي، وكانوا سعداء بكوني المقرئ والمؤذن في المسجد. أحيانًا كنت أعدّ لهم الخبز والكباب، وكان هو يتناوله بينما كنت أراقب. كان يحترمني كثيرًا ويقول لي إنه لا يتناول الطعام وحده. لم تتكرر مثل هذه التجارب ولا أعتقد أنني سأجد طلابًا مثلهم في حياتي. إن شاء الله، يوم القيامة ستكون شفاعتهم ممكنة. كان لديهم صفاء باطني عميق، وكان لديهم إيمان قوي بالله وبالحقيقة، على الرغم من أن أعمالهم كانت غير مشروعة. أعتقد أن الزمن الماضي كان أفضل بكثير من الزمن الحالي. سواء كانوا “اللات” القدماء أو العلماء القدامى، كانوا أكثر صدقًا وعلمًا وفهمًا. حضرت العديد من هؤلاء العلماء القديسين، وكان بعضهم يمتلك ولاية.

على أية حال، كنت صغيرًا ولم أكن أذهب بعد إلى المدرسة، لكنني كنت أعرف علم الموسيقى. كان لدي دفتر أكتب فيه معارفي عن علم الموسيقى، وبما أنني كنت لا أزال طفلًا، كنت أخطئ في كتابة بعض الكلمات، مثل كتابة “أوج” بحرف العين بدلًا من الألف. لاحقًا تم طباعة مذكرة بناءً على هذا الدفتر بعنوان “تعليم مقامات الموسيقى”. كان المحرر يعترض على الأخطاء التي ارتكبتها في كتابة كلمة “أوج”.

في عام 1986، نشرت كتابًا بعنوان “مقامات الموسيقى الإيرانية”، كما أن لدي سبعة أجزاء من كتاب بعنوان “فقه الغناء والموسيقى”. بعد نشر هذا الكتاب، اعترض بعض العلماء وقالوا لي: “لماذا كتبت كتابًا عن تعليم مقامات الموسيقى؟”. كنت قد درّست الموسيقى منذ أربعين عامًا. أعتقد أن على طلبة العلوم الدينية والعلماء أن يكونوا على دراية بالعلوم مثل الموسيقى، الرياضيات، والشطرنج، ويجب عليهم تعلمها. هذه العلوم تنظم العقل. الشخص الذي يعرف الموسيقى يكون لديه تنظيم دقيق في عقله. على العكس، من لا يستطيع أن يميز النغمات، شخصيته تكون عشوائية وغير منسقة. الموسيقى، الشطرنج، والرياضيات تمنح الشخص شخصية منظمة ومفعمة بالحياة، وهذا أمر مهم للغاية للعلماء الذين يريدون أن تكون لديهم أفكار منطقية وفلسفية، إذ يعطي هذا لهم الدقة والترتيب.

أحيانًا أفتح الراديو ليغني للكناري التي أمتلكها. في بعض الأحيان، كان الراديو يعزف موسيقى بدون كلمات، وهي موسيقى تُعرف بأغاني “لوس أنجلوس” الشهيرة. يبدو أن هذه المحطة لا تملك موسيقيين محترفين. يذاع الموسيقى دون كلمات، وفي الحقيقة، القنوات الإعلامية لديها الكثير من المراقبين، ولكن يبدو أن هؤلاء المراقبين لا يعرفون الموسيقى وأحكامها. لقد تحدثت عن كل هذه المواضيع في كتابي “فقه الغناء والموسيقى”، الذي هو نتاج عامين من دراسة خارجية حول الموسيقى، وفيه أُدرِجَ حكم الجواز وعدم الجواز لكل نوع من أنواع الموسيقى، مع تحديد القواعد الصحيحة. منذ أربعين عامًا كنت أدرس الموسيقى للطلبة ليعرفوا الحلال والحرام في الموسيقى. لكن للأسف، يبدو أن هناك خوفًا من أن يكون هناك عالم مستقل في الحوزة العلمية قادر على تحليل هذه المسائل ومناقشة الفساد الاجتماعي من خلال علم الاجتماع وعلم النفس، فيقولون: “يجب أن يتم استبعاده”. لماذا لا تكون الحوزة قادرة على التعامل مع الموسيقى والغناء؟ في الوقت الذي يُحظر فيه نشر كتب الموسيقى في حوزة علمية، يتم تسخيرها لصالح القوى التي تهاجم الدين.

البحث الثقيل في “فقه الغناء والموسيقى”

من أهم الأعمال التي حظيت بفرصة إنجازها، هو البحث السباعي “فقه الغناء والموسيقى”. أعرف الأجهزة والمقامات الموسيقية الإيرانية، وقد درست الموسيقى لمدة ثماني سنوات تحت إشراف الأستاذ “غُلْپا”. في الحوزة العلمية في “قم”، درست لمدة عامين في الفقه الموسيقي. في هذا الكتاب، شرحت أن أعداء الدين وخصوم الروحانية يسعون لإسقاط الدين عبر الموسيقى، ولكن يجب علينا أن نستخدم الموسيقى بشكل ديني للتصدي لهم. يجب تحويل المواضيع الدينية والولائية إلى قصائد وأغاني وأشعار ذات طابع روحاني.

كنت أدرس الموسيقى في “الفيضية” قبل الثورة. والطالب الذي لا يعرف الموسيقى، لا يمكنه فهم فقهها. أحد أركان فقه الحكم الفلسفي الذي أقدمه هو “معرفة الموضوع”. هذه المعرفة تتيح لك فهمًا أعمق، مثل معرفة البستاني بأزهاره، وليس مجرد معرفة سطحية كما في الكتب. الفقه اليوم يجب أن يعتمد على هذا النوع من المعرفة الموضوعية والمهنية، وقد قمت بذلك في كتاب “فقه الغناء والموسيقى”.

يُعتبر هذا الكتاب من الكتب المحرمة اليوم، حيث يوجه إليّ الانتقاد من قبل الذين لا يعرفون حتى المقامات الموسيقية مثل “شوشترى” و”أبو عطا”. وإذا جلبوا إليّ كبار الموسيقيين الإيرانيين، سأتمكن من شرح كل حكم موسيقي لهم ببصيرة كاملة، ولن يتهموني بالجهل بالموسيقى.

ضرورة تجديد العلوم الدينية في الحوزات العلمية

تحتاج الحوزات العلمية من أجل تعزيز نفسها وتطوير المجتمع إلى إدخال العلوم التجريبية مثل الفلك، والعلوم المتعلّقة بالقوة مثل السحر، والشعوذة، والعلوم الغريبة، وعلم الاستِخَارَة، وتأويل الأحلام في مناهجها الدراسية. يجب علينا دائمًا أن نمتلك علماء مهرة في كلّ من هذه العلوم الطاقوية حتى نتمكن من مواجهة أي مناظرة قد تُعرض علينا. فالفقهاء الذين لا يمتلكون مثل هذه المعارف يفقدون القدرة على المناقشة والتأثير. للأسف، فإن المواقف الجامدة السائدة اليوم في الحوزات، والتي يتبنّاها بعض المسؤولين الجاهلين والذين يغلقون أفكارهم، تعيق تطبيق هذه الأمور في الحوزات.

إلا أن هذه العوائق هي نتائج لآراء كبار السن، بينما يمتلك طلاب الحوزة الشباب عقولًا منفتحة ونقية، ولا يولون اهتمامًا لأحاديث المتشددين والرجعيين. لكن مع ذلك، قد يؤدي غياب نظام تعليمي منظم إلى تطويل الطريق أمامهم، ويعقّد المسائل، مسببًا انحرافات وتشويهات.

للأسف، أولئك الذين لديهم السلطة لا يسمحون لنا بالعمل في الحوزات. يقتصر تدريب الطلاب على المنابر، ويتخذون منهجًا شكليًا يمزج بين النظام الأكاديمي الجامعي ومحتوى قديم ومكرر وغير علمي. هذا المنهج لا يلبي احتياجات الطلاب ولا يتناسب مع متطلبات المجتمع العرفي، فضلاً عن كونه غير ملائم للمراكز والجامعات العلمية.

يجب أن يتحرك الفقه في الحوزات باتجاه الفقه الحكمي الذي يرتكز على ثلاث دعائم: فهم الموضوعات، تحديد المعايير، واكتشاف الأحكام. يجب أن نقدم فقهًا وصفيًا تفسيريًا للمجتمع العلمي. طوال خمسين عامًا الماضية، كانت أكبر جهودي هي وضع دورة في الفقه الحكمي.

في الفقه، أعتقد أن معظم التعاليم والموضوعات الدينية هي تأييدية وليست تأسيسية، وهي أيضًا وصفية وليست أمراً قاطعاً. الدين يتماشى مع الفطرة الإنسانية وله طبيعة تُكتشف عبر تقدم العلوم والنقاء النفسي، لكن هذا يتطلب معيارًا صحيًا مثل القرآن الكريم والسنة النبوية.

أحد طلابنا الذي كان يدرس في مجال علم الاجتماع كان يقول: “أستاذنا في الجامعة كان يقول إن الفقه ليس له علاقة بعلم الاجتماع.” فقلت له: “عرضت عليه فكرتك، وقلت له إن الفقه بلا علم الاجتماع ليس فقهًا.” وأضاف أن أستاذه رد قائلًا: “لم أسمع بهذا الفقه من قبل، وهذا الأمر مثير للاهتمام.”

منذ البداية، كنت أعتبر الفقه التقليدي غير علمي. فهو أصبح مثل سيارة اختلط فيها الماء بالزيت، ولم يعد قادرًا على دفع المجتمع حتى خطوة واحدة إلى الأمام.

التطور الفكري في الحوزات والعلاقة مع العلوم الأخرى

رحمه الله، قال الشهيد بهشتي في وقت من الأوقات: “يجب أن يكون لدينا موسيقى إسلامية أصيلة.” فقلت له: “هذا الشخص لا يعرف لا الموسيقى ولا الفقه، فلماذا يتدخل في هذه المناقشات؟” كنت أتمنى لو قال: “يجب علينا دعم الموسيقى الإيرانية” بدلاً من الحديث عن “الموسيقى الإسلامية الأصيلة”. في تلك الأيام كانت هايدة تغني في جهاز “روضه”، وذات يوم غنت أغنيتها الشهيرة “سلام من إلى يار قديمي” في نفس الجهاز. بعد انتصار الثورة الإسلامية، قام أحد المداحين بنسخ نفس الكلمات والألحان، وقدمها في مجلس ديني. بعد مرور بعض الوقت، أصبح المغنون في لوس أنجلوس هم من يديرون هذه المجالس الدينية. كما كان يظهر في البرامج مثل “هفت سنگ”.

في كتابنا تناولنا الفقه التفصيلي والتفسير حول هذه القضايا. لكننا نأمل أن يحصل هذا الكتاب على إذن للنشر، وقد قمنا بتصفية العديد من المواضيع وخاصة تلك المتعلقة بالمغنين في الكتاب بحيث نُحرم من نشرها. للأسف، حتى هذا الكتاب الذي قمنا بتصفية الكثير من موضوعاته لم يحصل على إذن نشر، بل تم جمع النسخ التي كانت تحمل إذنًا للنشر وتدميرها.

القمار والتضخيم غير المبرر للمسائل الثانوية

من بين مؤلفاتي كتاب بعنوان “القمار”، حيث تناولنا في دروس الفقه “القمار” وأصدرنا فتاوى حوله. هناك قولة أن ماهية هذه اللعبة ليست معروفة بشكل كامل. وقد قرأ العلماء هذه الفتاوى وقالوا: “لقد قرأنا هذه الموضوعات ومررنا بتدريباتها”، في حين أنهم في الواقع لم يكونوا يعرفون عن القمار شيئًا. لم يروا القمار، ولم يتعاملوا مع القمار، ولم يكونوا قد مارسوا هذه اللعبة أبدًا. وبالتالي، فهم قد شرحوا أمورًا للناس لم يكونوا يعرفونها.

إصدار الفتاوى بهذا الأسلوب غير مؤثر. لقد كتبت عدة مجلدات حول القمار والموسيقى وأحكامها. إذا تم نشر هذه الكتب واعتُرف بها ولم يعزلونا أو يوقفوا أعمالنا، فإن الوضع في هذه المجالات سيتغير بشكل جوهري. في الحقيقة، سيتم حل العديد من مشاكل الناس في هذه القضايا. هذا يعني أن الناس سيحررون أنفسهم من الفتاوى التي صدرت عن جهل. كان الشيخ الأنصاري رحمه الله فقيهًا عميقًا وكاملًا، ومن الممكن أن نميز بينه وبين بعض الفقهاء المدعين. لكنه، حتى هو، لم يكن يعرف اللعبة بشكل كامل حين أصدر فتواه. وقد صنف أنواع القمار معترفًا بوجودها في العديد من المواضع، وهو أمر لا يمكن إنكاره. ولكن السؤال يبقى: ما هو القمار، وما هي الألعاب التي يمكن أن تعتبر قمارًا؟

نعم، نحن نقول إن القمار محرم، ولكن السؤال الحقيقي هو: ما هو القمار الذي يُعتبر محرمًا؟ العديد من الألعاب والمراهنات لا تندرج تحت مصطلح القمار، ولا يوجد فيها أي مشكلة فقهية.

في المقابل، يلتفت بعض الفقهاء إلى المسائل الثانوية ويضخمونها. أي أنهم يتجاهلون القضايا الرئيسية التي تواجه المجتمع ويتوجهون نحو مسائل لا تحمل أهمية كبيرة. ونحن، بدورنا، نشير إلى أن القمار محرم، ولكن يجب تحديد ما هو القمار بوضوح.

غفلة عن القضايا الأساسية

لقد غفلنا عن القضايا الأساسية وركزنا على المسائل الثانوية. كما لو أنه لا توجد في بلاد إيران مشكلة سوى القمار والموسيقى والغناء، في حين أن هذه المسائل ليست من المشاكل الرئيسية في البلاد. بل إن العديد من الأمثلة التي يُقال أنها تتعلق بالقمار والموسيقى ليست حرامًا في الأصل. بالطبع، حكم القمار مثل حكم شرب الخمر، وهو محرم بالطبع، لكن تعريف القمار وما هي أنواعه لم يتم فحصه بشكل كافٍ.

كما أن هناك بعض الفتاوى غير المدعومة مثل القول بتحريم النظر إلى الآلات الموسيقية. هذا النوع من الفتاوى ليس عمليًا ولا يحترم المنطق. هذه الفتاوى تجعل الناس يسخرون منها، وتُشكك في مصداقيتها، في الوقت الذي يرى بعض الفقهاء أن هذه الآراء هي وجهات نظر إسلامية، على الرغم من أن هذه الفتاوى تفتقر إلى الأسس العلمية والبحثية.

النقد الفكري للفقهاء وأهمية التجديد في الفقه

من المهم أن يكون عمل العلماء في الفقه نوعًا من التجديد الفكري في إطار الاستنباط، بحيث إذا تم تحليل عمل العلماء في يوم القيامة أو في عالم البرزخ أو حتى بعد مئات السنين، يتم تقديم صورة واضحة عن شخصيتهم ونتيجة عملهم العلمي. يجب أن يُقال عن العلماء أنهم كانوا أذكياء وعقلاء، وكان لديهم فهم سليم للمسائل، لكنهم كانوا محكومين بظروف عالمهم وتوجهاته الفكرية.

في النهاية، نقول إننا ابتعدنا عن القضايا المهمة وركزنا على المسائل الثانوية، كما لو أن مشكلات المجتمع في إيران تقتصر على القمار والموسيقى. في حين أن هذه المسائل ليست المعضلة الكبرى في البلاد، ولا تنطوي في كثير من الأحيان على حرمة حقيقية في سياق الشريعة.

الترجمة إلى اللغة العربية الفصحى الأكاديمية:

إنَّ تعطيل المواقع وجمع الكتب وتلك القيود وعمليات السجن، هي من أسباب عدم النمو والتخلف لدى الجماعات التي تعيق التقدم، والتي نسميها بالمظهرية، وذلك بصبغة نهروانية. فقد أظهرت هذه الأمور أنهم حتى في النقاشات الدينية الأولية لا يعرفون الحقيقة أو لا يريدون قبولها، ويتسمون بالعناد والإكراه تجاه الحقيقة. إن الأعمال العلمية والثقافية لهذه الجماعات، لعدم دقتها العلمية، ليست ذات جدوى كبيرة. الكتب الدراسية التي كُتبت على أساس أفكار هذه الجماعات المظهرية، هي آراء تعود إلى عدة قرون مضت. وأعتقد أن الذين تربوا على هذه الآراء هم أبناء ديقانوس، ونور فانوسهم يضعف ويتلاشى تدريجياً، وهم يعلمون ذلك، لكنهم لا يريدون تحمل المسؤولية، ويسعون لتجميل قواعدهم الضعيفة التي جدرانها متآكلة وخاوية تحت مسمى مركز علمي.

كان ديقانوس يحمل الفانوس وهو يتلمس الحقيقة في الظلام. أما الحياة العلمية، فإذا لم تستطع الاستفادة من الصناعة والتقنية المعاصرة، تظل كالديقانوسية، والطالب الذي درس في مثل هذا النظام لا يشعر بالنمو أو التقدم، بل يرى أن معارفه قد فقدت صلاحيتها وتُصبح هويته جدارًا جوفاء وهشة لمدرسته. هذه المصيبة إذا كانت في القضايا الدينية والمذهبية، وترتبط بالاعتقاد وتنتشر، فإنها تخلق موجات خطيرة جدًا.

يجب القول بصراحة إن العلوم الدينية، إذا نظرنا إليها بنظرة إنصاف دون دعاية، متخلفة جدًا في مجال اكتشاف المنهجيات العلمية وتجديد نفسها. من ناحية أخرى، الذين لا يؤمنون بالدين والمذهب، بل هم أعداء الروحانية ورغبة الله في المجتمعات، لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل كانوا نشيطين، واستهدفوا الصناعة والتقنية أولًا لتحقيق أهدافهم.

بالطبع، الإيرانيون يمتلكون الذكاء والدهاء، وهم يحسبون حتى حساب الأرز واللحم ولا يهدرونهما. إن أكل هذا «الماء» يسبب السمنة. لو كانت مجتمعاتنا في سيرها التاريخي متقدمة وحديثة، لكان وضع حياتنا اليوم مختلفًا وجذابًا.

لكن السؤال المهم هو: من هم المسؤولون الحقيقيون عن هذا التخلف، خاصة في مجالات العلوم الإنسانية والإسلامية؟ الجميع يتنصل من المسؤولية ويلقي اللوم على الآخرين، وفي النهاية لا يُعرف من هو الجاني الحقيقي. فقط نعلم أن هذا الشخص قد غادرنا ورحل، ويبقى سؤالنا بلا جواب، ونظل بلا حماية.

لو لم يكن هناك تقصير من أسلافنا، لما كنا اليوم مضطرين لقراءة كتب وأقوال وأحاديث قديمة ومتخلفة تحتوي على فرضيات لا أساس لها، ولكنا تسلقنا درجات التقدم، لا سيما نحن الإيرانيون الذين نمتلك القدرة على النمو والتقدم العلمي، لكن هناك من يمنع وصول العلم الصحيح إلى شعبنا.

القضايا المتعلقة بنا تكشف الطبقات الخفية لهذه القصة القديمة. أولئك الذين في الأمس طردوا شعرانيين والهيّيين والقزوينيين هم المسؤولون عن هذه الأمور. المسلمون، وخاصة الشيعة والإيرانيون، أناس أحرار وشجعان، وعندما تُكشف لهم الحقيقة، يدافعون عنها.

للإيرانيين تاريخ علمي وفكري عريق، وهم يمتلكون قوة الفكر والتأمل. لقد اعتنقوا الإسلام منذ نحو ألف وأربعمائة سنة، وهم يحملون حضارة وتاريخًا مكتوبًا يمتد لآلاف السنين. كانوا في الماضي رجالًا عظماء وكرماء، والعظمة تظل عظيمة دائماً إلا إذا أراد الظلم والاستبداد إذلالهم، وفي هذه الحالة يصابون باضطرابات نفسية وقد يلومون أنفسهم أو الآخرين.

التحقير واللوم المستمران يضعفان العقول ويجعلانها غير صالحة للاستخدام، ويُنسى الكثير من الأمور الهامة والثمينة، كما لو أن الشخص جائع أو مريض أو فقد أمواله، فسينسى كثيراً من الأمور.

تخيل شخصاً يعاني من مثل هذه المشاكل، مهما تحدثت معه يكون في عالم المال والشهوة. يجب أن يكون الإنسان مستعدًا روحياً ونفسياً وعقليًا، كأنه يرنو إلى الجبل قويًا ليقطع طريق الحياة المليء بالمصاعب، فإذا نقص في أي جانب منه لا يضعف ولا يتخلف عن الحياة.

للأسف، سوء إدارة بعض المسؤولين أدى إلى ضياع واستغلال العديد من الطاقات الفكرية والمواهب. لا ينبغي أن نغفل ظاهرة «قتل النخب» التي تحرق كل من يكتسب شعبية حتى لا يصبح قوياً كالأسد في الغابة. كأن هناك جرافة تهدم عقول المفكرين لتدمرهم.

إذا ربطنا الإنسان بوجوده وتهيأنا له النمو والتفتح، نرى فيه الابتكار والابداع والعظمة، خاصة الإيرانيين الأعزاء والشرفاء. للأسف، نحن غافلون عن شعبنا ولا نهتم به.

مرّت أكثر من خمسة وثلاثين سنة على الثورة، وتبدلت الألوان وتغيرت الأدوار، وأحياناً تسبب بعضهم بمشاكل للناس، لكن هناك تقدم وابتكار ملحوظ في البلاد. لم يكن هناك من يدعم المبتكرين والمبدعين سوى توفير بعض الإمكانيات، وفي العلوم التجريبية أصبح لديهم مجال أوسع. أما في العلوم الإسلامية والإنسانية، فإن المفكرين والعلماء ما زالوا في حالة عزل، وإذا حاولوا الكتابة للحقيقة التي اكتشفوها من أجل شعبهم، تتعرض للحجز والسجن.

والحمد لله، أحياناً طيبة بعض الناس تجعلهم سهلين وسريعي النسيان، فلا يحللوا الأمور أو يتذكرونها.

على كل حال، في مجالات العلوم الإسلامية والإنسانية، تُهيأ الظروف غالبًا لأشخاص عاديين لتنفيذ أجندة بعضهم، وكأن نشاط أصحاب العقول المستقلة مرعب، وقد ينتهي بهم المطاف في أماكن مجهولة تختلف كلياً عن عالم الدين الرسمي الذي صنعوه.

على أي حال، الشعب الإيراني شعب عظيم وشريف، وسيواصل طريقه الصحيح.

إن تعطيل المواقع الإلكترونية، وتجميع الكتب، والتكتلات والسجون التي تمارس ضد المفكرين، تُعد من أسباب التخلف والتأخر في فكر الجماعات التي تعيق التقدم، والتي يمكن أن نسميها “الجماعات الظاهرية” التي تحمل طابعاً نهروانيًا. هذه الأحداث أثبتت أن هذه الجماعات لا تعرف حتى الأسس الأولية للدين أو أنها ترفض قبول الحقائق وتتعنت ضدها. الأعمال العلمية والثقافية التي يقوم بها هؤلاء لا تحمل فائدة كبيرة لأنها تفتقر إلى الدقة العلمية. الكتب الدراسية التي كتبت بناءً على أفكار هذه الجماعات الظاهرية تمثل آراء قديمة تعود إلى مئات السنين. أعتقد أن أولئك الذين تربوا على هذه الأفكار هم أبناء دقيانوس، وأن شعلة مصابيحهم قد بدأت في الانطفاء تدريجيًا، وهم يعلمون أن علمهم الخاطئ لم يعد له تأثير في المجتمع العلمي والمثقف. ومع ذلك، فإنهم يرفضون تحمل المسؤولية ويريدون تزيين هذا الجدار المتهدم باسم “المركز العلمي”.

كان دقيانوس في الماضي يحمل مصباحًا في الظلام بحثًا عن الحقيقة. إذا كانت الحياة العلمية لا تستطيع الاستفادة من تقنيات العصر، فإنها تظل كما كانت في الماضي، ولا يشعر المتعلمون بتقدم، بل يرون أن معرفتهم قد أصبحت غير صالحة وأصبحت هويتهم مثل جدار مدرستهم المتداعي.

إن هذا البلاء، إذا كان يتعلق بالقضايا الدينية والمعتقدات ويؤثر في أوساط واسعة، قد يتسبب في موجات خطيرة. ومن المؤسف القول إن العلوم الدينية، إذا أردنا النظر إليها بإنصاف، هي في حالة تأخر شديد من حيث اكتشاف المناهج العلمية ومواكبة العصر. من ناحية أخرى، أولئك الذين لا يؤمنون بالدين والمعتقدات، والذين يعارضون الروحانية والبحث عن الله، لم يبقوا ساكنين، بل هم نشطون ويسعون لتحقيق أهدافهم عبر تطور الصناعة والتكنولوجيا.

لكن إذا نظرنا إلى الحالة الحالية في مجتمعنا، فإننا نلاحظ أن الإيرانيين يمتلكون الذكاء والقدرة على الحساب، حتى في تفاصيل بسيطة مثل “حساب ماء الأرز” وعدم رميه من أجل تجنب الإسراف. هذا يدل على مدى دقتهم في التفاصيل، لكن رغم هذه الذكاء، إذا كانت بلادنا قد تقدمت ومرت بمراحل التحول الحديثة في الماضي، فإن الوضع اليوم كان سيكون مختلفًا تمامًا. السؤال الأهم هنا هو: من يتحمل مسؤولية التأخر، وخاصة في مجال العلوم الإنسانية والدينية؟ الجميع يتهرب من تحمل المسؤولية، ويلقي اللوم على الآخرين، وفي النهاية لا نعرف من هو المسؤول الحقيقي. فقط نعلم أن الشخص المسؤول قد رحل، وتركت أسئلتنا بدون إجابة، ونحن دائمًا في حالة حيرة.

لو لم يقصر أسلافنا في الماضي، لما كنا مضطرين إلى قراءة كتب وآراء قديمة وأفكار عفا عليها الزمن. كان بإمكاننا أن نتحرك نحو سلم التقدم. خاصةً نحن الإيرانيين الذين نمتلك القدرة على النمو والتقدم العلمي. لكن من هم الذين لا يريدون أن تصل المعرفة الصحيحة إلى شعبنا؟ هنا تكمن layers من القضايا الخفية التي تكشف عن مسؤولية أولئك الذين أضاعوا أو دمروا مفكرين مثل “شعراني” و”إلهي” و”قزويني”. هؤلاء هم من يتحملون مسؤولية هذه الأحداث.

إن المسلمين، وبالأخص الشيعة، وخاصة الإيرانيين، هم شعوب حرة ومقدرة، وعندما يكتشفون الحقيقة، يصبحون مدافعين عنها. الإيرانيون لديهم تاريخ فكري وعلمي طويل، وهم يمتلكون قدرة كبيرة على التفكير والتأمل. لقد اعتنق الإيرانيون الإسلام قبل حوالي ألف وأربعمائة سنة، ولهم تاريخ طويل وحضارة مكتوبة تمتد لآلاف السنين. كان الإيرانيون في الماضي من أعظم الرجال، ولا يزالون عظماء في كل زمان. ولكن، إذا أراد أحدهم أن يذلهم عبر الاستبداد والظلم، فإنهم لن يقبلوا هذا، وفي حال عدم تمكنهم من الانتقام، يبدأون في معاناة نفسية داخلية، ويبدأون في لوم أنفسهم أو الآخرين.

الذل واللوم المستمر على الشعوب يجعل عقولهم تصبح ضعيفة وغير صالحة للاستخدام. وعندما تضعف العقول، يتم نسيان القضايا المهمة والقيم الكبيرة، كما يحدث عندما يكون الإنسان جائعًا أو مريضًا ويشعر بألم في بطنه أو يفقد أمواله. الكثير من الأمور تصبح غير مهمة ويغطيها النسيان. تخيل شخصًا يعاني من مثل هذا الاضطراب، مهما تحدثت إليه، سيكون منشغلاً بالتفكير في المال أو شهواته الشخصية.

يجب على الإنسان أن يكون مستعدًا من الناحية النفسية والعقلية ليواجه صعوبات الحياة، تمامًا كما يفعل “رخش” القوي، الذي يسعى لتسلق الجبال والمرور عبر الغابات ومسارات الحياة المعقدة. إذا تعرض لأي نقص أو مشكلة في الحياة، يجب عليه أن لا يضعف ولا يتراجع، بل يواصل.

للأسف، بسبب الإهمال وسوء التصرف من بعض المسؤولين، فقد ضاعت الكثير من الطاقات الفكرية والمواهب التي كان من الممكن أن تقدم الكثير. لا يجب أن نتجاهل ظاهرة قتل النخب وتدمير قدراتهم. عندما يبدأ أحدهم في الحصول على شعبية بين الناس، يُحاولون تحطيمه لكي لا يصبح قويًا أو لا يحقق تقدماً. يبدو كما لو أن هناك جرافات تعمل على تدمير العقول المفكرة وتحويلها إلى رماد.

إذا تم ربط الناس بحقيقة وجودهم وأُتيحت لهم الفرصة للنمو والتفوق، فإنك سترى فيهم ابتكارًا وإبداعًا عظيمًا، خاصة في الإيرانيين الأعزاء. لكننا في كثير من الأحيان نغفل عن شعبنا، ولا نهتم بهم كما يجب. لقد مضى حوالي خمسة وثلاثين عامًا منذ انتصار الثورة، وقد جاء البعض وغادروا، لكننا ما زلنا نواجه التحديات نفسها. أحيانًا يتسببون في مشاكل وأزمات بسبب تصرفاتهم، ولكن هناك أيضًا تقدماً ملحوظاً في البلاد، في مجالات مختلفة.

لا أحد يدعم المبدعين والمفكرين، بل يتم توفير القليل من الفرص لهم لكي ينجزوا ما يجب عليهم، لكن إذا كتب أحدهم عن الحقيقة التي اكتشفها، سيواجه السجن أو الاعتقال. وفي بعض الأحيان، فإن سعة صدر بعض الأشخاص تجعلهم يتصرفون بحسن نية ويغفلون عن الأمور الهامة.

فلسفه و حقیقت

بله، موضوع فلسفه و حقیقت بسیار پیچیده است. مرحوم سید شعرانی می‌فرمود که کتاب‌های ملاصدرا بیش از دو بخش واقعی نیستند و بقیه بخش‌ها تنها نقل قول‌ها و تفاسیر دیگران است. این دیدگاه هرچند با برخی از دستاوردهای فلسفی ملاصدرا سازگاری ندارد، ولی در واقع از زوایای خاصی، نگاهی جذاب به فلسفه و تفکر ایرانی دارد. برای اینکه ما فلسفه‌ای پویا و جامع داشته باشیم، باید به دنبال بازنگری در این آثار و متون باشیم و آن‌ها را با نگاه نوین و حتی انتقادی مطالعه کنیم.

همچنین به یاد دارم که در دوران جنگ، در حسینیه «ارک»، من در حالی که درس فلسفه می‌دادم، مورد حمله قرار گرفتیم. صدای انفجار و شکستن شیشه‌ها به وضوح در فضا پیچیده بود، اما با وجود این شرایط سخت، از جایم تکان نخوردم. برایم جالب بود که بعضی از حاضران، با ترس از اطراف خود، نمی‌توانستند به دروس ادامه دهند، ولی من با تاکید گفتم: “اگر شما یک فیلسوف واقعی هستید، چرا از یک بمباران کوچک بترسید؟!” این تجربه به من آموخت که حقیقت و فلسفه، زمانی معنا پیدا می‌کنند که در قلب سخت‌ترین شرایط باقی بمانند و انسان را از خود بپرسند: در این دنیا، چه چیزی واقعاً مهم است؟

نقد زمان و فضای اجتماعی

ما در دوره‌ای زندگی می‌کنیم که تغییرات و تحولات فکری و اجتماعی بسیار سریع و در عین حال مبهم به نظر می‌رسند. شرایطی که ما در آن قرار داریم، شرایطی است که در آن بسیاری از مسائل نادیده گرفته می‌شود و بسیاری از جوانان به دلیل نبود فرصت‌ها، به دنبال معانی و تجربیات سطحی می‌روند. این مشکلات، مشکلاتی نیست که به سادگی بتوان از آن‌ها عبور کرد. بلکه نیازمند توجه و برنامه‌ریزی جدی در راستای رشد فکری و فرهنگی نسل آینده است.

همیشه باید در نظر داشت که زمان، یک متغیر تاثیرگذار است. انسان‌ها باید یاد بگیرند که در زمان خود زندگی کنند، نه در گذشته و نه در آینده‌ای که معلوم نیست چه خواهد شد. این نکته‌ای است که ما باید از آن بهره‌برداری کنیم تا در دنیای پیچیده و شلوغ امروز، همچنان اهداف خود را دنبال کنیم.

نقد اجتماعی و فرهنگی

در برخی مواقع، تحولات اجتماعی و فرهنگی به قدری سریع و بی‌محابا پیش می‌روند که دیگر نمی‌توانیم آن‌ها را درک کنیم. وقتی از این تحولات در جوامع مختلف صحبت می‌کنیم، از یک سو به مشکلات و چالش‌های موجود نگاه می‌کنیم و از سوی دیگر به فرصت‌ها و امکانات جدیدی که در حال پدید آمدن است. این تضاد بین چالش‌ها و فرصت‌ها، یک معمای بزرگ است که باید به آن پاسخ بدهیم.

مردمان در هر جامعه‌ای، به ویژه در جوامع ایرانی، با ویژگی‌های خاص خود، همیشه در تلاش بوده‌اند تا به بهترین شکل ممکن از ظرفیت‌های ذهنی و فرهنگی خود استفاده کنند. ولی در عین حال، ما شاهد این هستیم که در بسیاری از موارد، برخی افراد یا نهادها تلاش می‌کنند این ظرفیت‌ها را سرکوب کنند و به جای آن، افرادی را تقویت کنند که تنها به دنبال حفظ وضعیت موجود هستند و هیچ تمایلی به تغییرات اساسی ندارند.

چنین رفتارهایی، در نهایت باعث فرسایش ایده‌ها و افرادی می‌شود که ممکن است بتوانند آینده‌ای بهتر برای کشور رقم بزنند. همیشه نیاز است که ما به دقت به شرایط اجتماعی و فرهنگی خود نگاه کنیم و از هرگونه تلاش برای تضعیف اندیشه‌های نو و پیشرو جلوگیری کنیم.

پیشنهادات برای آینده

برای اینکه جامعه‌ای پیشرفته و پویا داشته باشیم، باید تلاش کنیم در هر زمینه‌ای که به آن اهمیت می‌دهیم، تغییرات واقعی ایجاد کنیم. این تغییرات ممکن است از سطوح فردی شروع شود، اما باید در نهایت به یک تغییر اجتماعی منجر شود. برای تحقق این امر، ضروری است که درک صحیحی از خودمان و از تاریخ و فرهنگ‌مان داشته باشیم و از تجربه‌های گذشته بهره‌برداری کنیم.

آموزش و پرورش نقش مهمی در این مسیر دارد. باید از سنین کودکی، مفاهیم و اصول انسانی را به نسل جدید منتقل کنیم، تا آن‌ها بتوانند در آینده تصمیمات درستی بگیرند و کشور را به سوی پیشرفت هدایت کنند.

نتیجه‌گیری

آنچه که از این سخنان و تفکرات برمی‌آید، این است که ما باید در برابر مشکلات اجتماعی و فرهنگی خود هوشیار باشیم و با حفظ هویت و اصالت خود، به دنبال تحول و نوآوری در تمامی عرصه‌ها باشیم. اگر بخواهیم به حقیقت دست یابیم، باید بدون ترس از چالش‌ها و تهدیدها به جلو حرکت کنیم و از هر فرصتی که برای ارتقاء خود و جامعه‌مان پیش می‌آید، استفاده کنیم.

این حقیقت، همواره باید در ذهن ما باشد که در لحظات سخت، زمانی که بقیه می‌خواهند عقب‌نشینی کنند، ما باید با قدرت و عزمی راسخ به جلو حرکت کنیم. تنها با این روش است که می‌توانیم از هر بحران و مشکلی عبور کرده و به اهداف بلند مدت خود برسیم.

النابغون يمتلكون قدرة غير عادية على الاستيعاب. إنهم قادرون على استرجاع المعلومات في أذهانهم بسرعة هائلة، وأحاسيسهم غير مشتتة، مما يمنحهم قدرة فورية على التخمين بسرعة كبيرة. فعقولهم لا تولي اهتمامًا للمقدمات التي يستطيعون جمعها بسهولة، وفي ذهن النابغين، لا توجد علامة على هذه المقدمات. إن سرعة الفكر في جمع وتحليل المعلومات تحدث في لمح البصر. الاستيعاب هو سرعة جمع الموجودات للوصول إلى المفقودات. والسرعة في الاستيعاب هي قوة نفسية يمتلكها النابغون كهبة خاصة.

النابغون يمتلكون قدرة عالية على التخمين. دون الحاجة لترتيب كامل للمقدمات، يصلون إلى النتيجة بسهولة. إنهم قادرون على العثور على أقرب الطرق لحل أي مشكلة. يتم اختيار النابغين بناءً على معايير وأدوات اختبار خاصة، وليس بناءً على الشهادات والدرجات؛ لأن النابغين لا يقتصرون على الحفظ والمعلومات التقليدية. الشهادات والدرجات تشير فقط إلى مجال المعلومات والمعارف، ولا تعكس المستوى العلمي للفرد. النابغ هو مصدر متجدد للعلم والإبداع والابتكار. بناءً على هذا، في عملية تطوير النظريات، لا يعتمد على الذاكرة أو مصادر المعلومات.

في النابغين، الغضب والشهوة يتحركان معًا. إن الشهوة في هؤلاء الأشخاص تثار أثناء القلق الشديد، بينما يثير الغضب الشهوة. الشهوة والغضب يمزجان معًا في داخلهم. لا ينبغي الخلط بينهم وبين الأشخاص المصابين بالأمراض النفسية مثل الساديّة. النابغون والأشخاص غير العاديين عندما يشعرون بالحزن يبدأون في الأكل ولا يشبعون. يجب تقدير وجود هؤلاء الأشخاص. يمكن للنابغين أن يصبحوا سعداء فجأة في ذروة حزنهم، أو يصبحون حزانى في ذروة سعادتهم، أو يضحكون أثناء البكاء، أو يبكون أثناء الضحك.

النابغون يدركون بشكل جيد غرائب أفعال أو أقوال الآخرين، ولذلك كثيرًا ما يظهرون تعجبهم أو ضحكهم. لذلك، عادةً ما يكون لديهم وجوه مبتسمة ومرحة. كما أنهم يدركون عمق الأفعال السيئة للآخرين ويرون عواقبها، لذا يظهر غضبهم أيضًا. النابغون يمتلكون حسًا دقيقًا ويمكنهم أن يقعوا في الحب. فهم يدركون الجمال بشكل ممتاز، وتبدو النساء أكثر جمالًا بالنسبة لهم مقارنة بالأشخاص العاديين. كما أنهم يلاحظون الجمال الخفي فيهن.

العقل المفكر والنابغ يمتلك قدرة على الإدراك أكبر من الآلاف من العقول الجماعية. صحيح أن الشخص العادي لا يمكنه التفكير مثل عدد كبير من الناس، لكن الشخص النابغ يمتلك قدرة تفكير ونظريات تفوق قدرات مجموعة كبيرة من الأفراد. إذ أن له قدرة غير عادية على التفكير، وهذه القدرة توفر له حماية من الأخطاء وتقلل من احتمالية وقوعها. المعيار في تقليل الأخطاء هو القدرة على التفكير، وهذه القدرة قد تأتي من العقل الجماعي، ولكنها قد توجد أحيانًا فقط في الشخص النابغ.

النابغون في المجتمعات المتخلفة المستبدة سيواجهون صعوبة في حياتهم إذا أظهروا قدرتهم على النبوغ، فالحكومات والسلطات التي تكون بمثابة هشة أمام النابغين ستعمل على تقييدهم باستمرار. إذا عاش النابغون في هذه المجتمعات مثل الآخرين بشكل طبيعي ولم يقدموا نقدًا علميًا لأحد، فلن يواجهوا مشكلات اجتماعية أو حرمانًا. العديد من النابغين يتم القضاء عليهم من قبل ضعاف النفوس بسبب عدم مهارتهم في إخفاء قدراتهم. غالبية النابغين بسبب قوتهم واعتزازهم يرحبون بالانتقادات الاجتماعية ولا يخشون المشكلات. وإذا تم تهديدهم، فإنهم لا يهربون ويتحدون السلطات، ولا يستسلمون للخيالات أو الأوهام المرعبة.

النابغون أقوياء. لديهم قدرة على التسامح والتضحية وطاقة لا محدودة؛ يحترقون ويبنون، يموتون ويحيون بأنفسهم. الراحة والترف لا مكان لهما في حياتهم. هؤلاء هم العقلاء الذين يضحون بأنفسهم كي يعيش الآخرون في راحة. إنهم يعتبرون رفاه الآخرين وحياتهم في خطر من أجل تدمير أنفسهم، ولا يترددون في ذلك. الآخرون يعيشون على جهدهم، كما نقول: “العمل والشقاء لهم، ولكن الثناء يذهب للآخرين.” بحسب العدالة التي تسري في النظام الطبيعي، كل نابغة له نقطة ضعف خاصة به يجب أن يكون حذرًا منها كي لا تُكتشف أو تؤدي إلى ضرر له، خاصة إذا كان النابغون بسبب الثقة المفرطة في أنفسهم يرتكبون أخطاءً ويتركون الحذر جانبًا.

النابغون لا يمكنهم التوافق مع كل عقيدة أو فكرة سائدة. هم دائمًا مخلصون في معتقداتهم وآرائهم. إذا لم يكونوا في عزلة وأعربوا عن أفكارهم، فيجب أن يكونوا مستعدين للأحداث المضطربة والتحديات. إذا لم يكونوا مستعدين لهذا، فإنهم سيواجهون الفشل والانتكاسات. لكن إذا كان لديهم برنامج دقيق ومنظم لنشر أفكارهم، يمكنهم الدفاع عنها بشكل هادئ وتجنب أي ضرر وفي نفس الوقت يظلون رموزًا في الاستقامة والمثابرة.

من بين النابغين في إيران، يجب أن نذكر الفقيه الراحل آية الله شعراني. لقد كنت لفترة في صحبته. كان آية الله شعراني فيلسوفًا دقيقًا، منطقيًا، وأرسطيًا حقيقيًا، مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط. لو كانوا في زماننا، لكان يجب أن يستفيدوا من خدماته، لكن مجتمعنا بسبب هيمنة مافيات المال والسلطة لا يعرف هؤلاء الشخصيات العظيمة ويتعامل مع الضعفاء المرتبطين بتلك المافيات. كان آية الله شعراني يُدربني على علم الكتاب، وعندما كان يوصيني بكتاب، كنت أعتبره واجبًا علي أن أبحث عنه وأحضره له.

يجب أن ندرك أن النابغين لا يتوافقون مع الوضع السائد في المجتمعات المتخلفة.

بعض الأيام، أثناء تدريسي في الحوزة، أشعر بالتعب. أقول: “يا الله! هل من فائدة في طرح هذه المواضيع؟ ما الفائدة من قول هذه الأمور؟ فقط تزيد من تعب الطلبة وآلامهم.”

أحيانًا، لا أذكر بعض المواضيع، وأحيانًا أغير في المحتوى. والنتيجة هي أن الدروس التي تُدرس في الحوزة يمكن نقدها، والأسوأ من ذلك أن الأجواء ليست بالقدر الكافي من الحرية التي تسمح بتقديم النقد، كما نرى أن هذا الأمر يُقابل بالرقابة الحادة والإيقاف المستمر. لكن ما أود قوله لكم هو أنه يجب علينا تغيير الثقافة السائدة في الحوزات العلمية. بعض الطلاب يقولون إن دراسة الكتب التي تدرس في الحوزة لا تعود علينا بأي فائدة. نحن فقط نقرأ، ولكن في النهاية، ما هو العائد والفائدة؟ ما هي ميزة هذه الدروس؟ لذلك، يجب علينا في البداية إصلاح نظام التفكير والعقل لدينا. بالطبع، هذا لا يتحقق فقط بتغيير المناهج الدراسية. لقد قلت مرارًا أن الكتاب في الحوزة لا يجب أن يكون الأساس والمحور، بحيث إذا درس الأستاذ بدون الكتاب، لا يحضر أحد درسه ولا يُوثق به. يقول الطلبة: “يجب أن يكون الأستاذ صاحب الكتاب.” نحن نطيع هذا الأمر وندرس من الكتاب، لكن النتيجة في النهاية هي أن الثقافة السائدة في الحوزات العلمية بها إشكال ومشاكل.

لقد بذلنا جهدًا كبيرًا لتصحيح الثقافة العرفانية. بالطبع، يحتاج شخص ما إلى توفير الإمكانيات لطباعة هذه الكتب. لدينا كتب مصباح، فصوص، منازل السائرين، وكل منها له عشرات من الشروح. ربما من الأفضل أن أقول إن لديَّ 800 مجلد كتاب. في بعض الأحيان، يسخرون مني بسبب هذا الموضوع، لكنني لا أغضب وأتجاهل سخريتهم. في فترة ما، أعلنت عن نيتي في طباعة مئة عنوان كتاب، فتم السخرية مني. كانوا يقولون: “مئة عنوان كتاب لا تختلف عن مئة من الطماطم والخيار.” لكنني طبعت المئة كتاب، ولم يعد أحد يسخر مني، بل أصبحوا يتجاهلونني. الآن أيضًا، أنا بصدد نشر ثلاثمئة وخمسين عنوانًا آخر، وللأسف، لم يأخذوا هذا الأمر بجدية. يقولون: “تكلفة طباعة ثلاثمئة كتاب تتراوح على الأقل إلى ملياري تومان، وأنت غير قادر على تأمين ذلك.” فأقول على سبيل المزاح: “سأسرق مصباح حرم السيدة معصومة وأوفر تكاليف الطباعة.” المقصود من ذلك هو ألا يتدخلوا في هذا الموضوع. لكنهم ردوا بالقول إن مثل هذا العمل غير ممكن. فقلت لهم: “على سبيل المثال، تكلفة طباعة 85 كتابًا تكلف حوالي 23 مليون تومان.” لكن بعض الناشرين يبالغون في الأسعار. في بعض الأحيان، قد تصل تكلفة طباعة عشرين كتابًا إلى 170 مليون تومان. اللهم اجعلهم محرومين من رحمتك. توزيع وبيع هذه الكتب يحقق دخلًا يُستخدم لتمويل طباعة الكتب الأخرى. على سبيل المثال، كانت كتبي قد حققت مبيعات جيدة في المدن. الله أكبر! الكتب العلمية تحتوي على الكثير من الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح وتحرير، ونحن قد قمنا بذلك. لقد قمنا بتصحيح وتحقيق جميع الكتب العلمية. الكتب التي تخص الفقه، الأصول، الفلسفة، والعرفان. لقد قضيت عمري في هذا المجال. لقد مرَّ أكثر من أربعين عامًا منذ أن بدأت في تصحيح الكتب الدينية ونشرها. من الدورات التي تتكون من خمسة عشر مجلدًا إلى تلك التي تتكون من ثلاثين مجلدًا. لكن السؤال هو: من الذي يستخدم هذه الكتب؟ من الذي يقوم بمراجعة وتحقيق هذه الكتب؟ قدراتي في هذا المجال محدودة جدًا. الآن افترضوا أنني قوي في هذا المجال، والحمد لله، ولكن ما زلت أواجه مشكلة، وهي التدخلات والاعتراضات والصعوبات العديدة من أصحاب السلطة والمعوقات، خاصة من الأشخاص الظاهريين أحادي البُعد. هذه القضية تجعل من الصعب إيصال هذه الكتب إلى أيدي الناس والمهتمين. قد أخذ الآخرون نيتي في نشر ثلاثمئة وخمسين كتابًا على محمل الجد، ولكن لا تزال هناك مشاكل. نحتاج إلى تصحيح هذه الكتب وتحقيقها. ونحن قد قمنا بذلك. لقد قمنا بشرح ونقد وتحقيق كتب الفصوص، المصباح، التمهيد، ومنازل السائرين، حيث أصبح مجموع هذه الكتب مئة مجلد. في الحوزات العلمية، تُدرس فقط هذه الكتب الأربعة في مجال العرفان. وهذا يعني أن العرفان الذي يُدرس في الحوزات هو عرفان المحبين، والمشكلة هي أن عرفان المحبوبين غير موجود فيه. العرفان الذي يتواجد بين المسلمين هو عرفان المحبين، ومن هنا لا يوجد فرق بين مذهب الشيعة والسنة. وهذا هو السبب في تصحيح هذه الكتب العرفانية لكي يظهر عرفان المحبوبين للشيعة على أكمل وجه. كل من هذه الكتب يحتوي على عشرات من المجلدات. عادةً، معظم هذه المجلدات تحتوي على نقد ومراجعة وبعض الشرح. اللهم وفقنا لتصحيح هذه الكتب. عملية التصحيح تتم من خلال تسجيل الشريط الصوتي، حيث نقرأ جميع المواد ونقوم بالتصحيح. في بعض الأحيان، نكتشف أن جزءًا من المناقشة لم يتم تسجيله، مما يستدعي إعادة قراءة النص من البداية. من الطبيعي أن هذه القضايا والمشاكل تُنهك الإنسان وتجعله يشعر بالتعب. قراءة الكتاب وتصحيحه كلمة كلمة هو أمر صعب جدًا ويستغرق وقتًا طويلاً وأحيانًا يبدو كأنه معجزة.

إذا قاموا ببناء منزلين بجدران من الزجاج بحيث يكون بالإمكان رؤية الداخل، في أحد المنازل يوجد العقل المدبر لحكومة أمريكا مع إشرافه وتدبيره السياسي لجميع دول العالم، وفي المنزل الآخر، نحن نشتغل في تصحيح وتحقيق الكتب، ثم قاموا بقياس استهلاكنا للطاقة، فسيظهر أننا نستهلك طاقة أكبر. وهذا بينما يدير العقل المدبر الأمريكي ثمانين بالمائة من شؤون العالم. بالطبع، هم يلعبون كرة القدم في فيلاتهم بينما يحكمون ثمانين بالمائة من مناطق العالم. ولكننا لم نقرأ بعد سطرًا واحدًا فنكتشف أننا قد ضيعنا وقتًا كثيرًا. نحن قرأنا جميع الكتب العلمية والعرفانية وقمنا بتصحيحها، ولكن للأسف، ليس لدينا القدرة على تقديمها واستخدامها من قبل المهتمين والجمهور. متابعة هذا الموضوع تتطلب نظامًا قويًا. لقد مر آلاف السنين على مذهب الشيعة وهو يعاني من التأخر والركود. أنا لدي القدرة على تعويض هذا التأخر. في الوقت الحالي، إمكانياتنا صفر، والمعوقات هي الكثيرة، وبعض القضايا السياسية تقف في طريق عملنا. ولكن، لحسن الحظ، ثقافتنا الدينية والوَلائية تواصل تقدمها بدون عقبات. نحن في واجبنا أن نحيي الثقافة الدينية والوَلائية. من أجل ذلك، بدأنا تدريس عرفان المحبوبين، ولكن بعد حوالي ستين جلسة من هذا التدريس، قالوا إن هذا العرفان عصري وغير مقبول فتم إيقافه.

كنتُ أواجه العديد من المشكلات في حضور دروس المرحوم محمد تقي أديب نيشابوري (توفي عام 1355 هـ ش). كان هذا الدرس قبل الثورة يكلفني مئتي تومان شهرياً، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت. كنتُ أسافر من طهران إلى مشهد لحضور هذا الدرس، في وقت كانت فيه درجات الحرارة شديدة الارتفاع. كان المرحوم أديب يعتبر نبياً في الأدب. من الناحية المالية، لم يكن وضعه جيداً. كان يمتلك مروحة قديمة تصدر صوتاً غريباً “تلق، تلق”، وكان لديه مروحة خشبية يلوح بها على نفسه عندما يشعر بالحر. كنتُ، مثل طالبٍ مجنون، أهاجمه بالأسئلة، وهو كان يشبه العاشق الذي لا يعرف سوى الحب. في الدرس، كان يحدث صراع فكري، وكانت تلك اللحظات مليئة بالحياة. رحمة الله عليه.

كيف كان هذا الإنسان؟ من كان؟ ماذا كان يقول؟ كان يبكي ويتحدث عن الحب. قرأتُ كتاب “المقامات الحريري” و”المعلقات السبع” في محضره، لكن عندما كان يتحدث عن الحب، كانت هذه الكتب لا تساوي شيئاً. أسأل الله أن يرحمه. كان سلطان الأدب في البلاد. أنا أؤمن أنه لم يظهر مثله في الساحة الأدبية. أتذكر كلامه الذي كان يقوله عندما يتحدث عن الإمام الرضا (عليه السلام): “أنت غريب الغرباء وأنا أديب الأدباء.” كان الجميع يعترف به كعالم جليل وذو مكانة عظيمة. كان يُدرس، وكان يحصل على أجرٍ مقابل تدريسه من طلابه.

كنتُ كثيراً ما أوصيه بعدم أخذ المال من الطلاب الفقراء، وكان يتقاضى مقابل كل درس خمسة عشر ريالاً. أحياناً كان يشارك في الدرس مئة طالب، فلو حسبت هذا المبلغ مع مئة طالب، كانت النتيجة مبلغاً كبيراً. لكنه لم يكن يقبل نصيحتي، وقال لي ذات مرة: “ليس لدي خيار آخر لكسب قوتي، هل يجب أن أكون مثل بعض الأشخاص الذين لديهم دائماً أتباع خلفهم؟ هل يجب أن أكون خادماً لهم وأطلب المال منهم؟ أنا أدرس وأحصل على أجر تدريسي، وليس هناك إلزام على الطلاب بحضور دروسي.”

كنتُ أدفع له مئتي تومان كل شهر، وهو أجر درس كامل مع أكثر من مئة طالب. كان ذلك المبلغ في تلك الأيام يعادل ثمن منزل جيد. كنتُ أقول لوالدتي: “كل شيء في مكانه الصحيح، ولم أنفق أي شيء على نفسي.” وعندما كنت أسافر إلى مشهد، كنتُ أنام في حدائق طرقبه أو أماكن أخرى حتى لا أضطر إلى دفع أجرة مسكن لنفسي، بينما كنتُ أدفع المئتي تومان بكل رضا لسماع دروسه. كنتُ أقرأ إلى جانب هذه الكتب الصعبة القرآن الكريم في ليالي صافية، فكنتُ أتم ختمة القرآن في 11 ساعة و 20 دقيقة، كي لا تأخذني لذائذ الكتب الأدبية عن العلم الحقيقي.

من خلال هذه التجربة مع معلميّ الكبار، أعتبر نفسي اليوم مميزاً في الأدب الفلسفي. من بين هؤلاء العلماء، كان المرحوم آية الله بهبهاني، وهو عالم كبير ونحري. عندما ذهبتُ مع عشرين من طلابي إلى الأهواز قبل الثورة، رفضت مدرسة الأهواز قبولنا كطلاب قميين. كان آية الله بهبهاني يدرس خارج علم الأصول، وقرأ نصاً من “كمباني” دون أن يعلق عليه، فاعترضتُ عليه. كان يستمع إليّ عبر مترجم. بعد ذلك، قلتُ له: “من غير اللائق أن يتهم مدير المدرسة طلابكم بأنهم يسرقون الأكواب، ويمانعهم من دخول المدرسة.”

هذه التجارب علّمتني أن العلماء السابقين كانوا يواجهون صعوبات كثيرة، وكانوا يظلون صامدين في وجه الأزمات. إذا كانت حياتهم مليئة بالتحديات، فإنهم سيكونون، في يوم القيامة، أول من يواجه التقدير الحقيقي لما تحملوه من آلام. هذه الكلمات تجسد سيرة هؤلاء العلماء النبلاء الذين عاشوا في فقر وتعرضوا للأذى. كان المرحوم أديب نيشابوري أحد هؤلاء الذين عانوا كثيراً من الظلم، ولكنه بقي مخلصاً لأدبه وعلمه.

إحياء علم الاشتقاق في الحوزات العلمية

من الأعمال المهمة التي قمنا بها في الحوزة العلمية هو إحياء علم “الاشتقاق” المنسي، وتأكيد أهمية الأدب في نظام الاستنباط والاجتهاد. يُقال إن أرسطو كان يعتبر العلم مرادفًا للأدب واللغة. ولأنه كان يهتم بمبادئ الأمور، فقد أصبح عظيمًا لدرجة أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يذكره مع عظمة أرسطو.

يعد علم الاشتقاق من العلوم الأساسية لفهم المادة والمحتوى اللغوي في جميع العلوم، وكذلك في أصل وضع المفردات للمؤسسات الثقافية أو ابتكار المصطلحات اللازمة للمفكرين. في العلوم الدينية والإسلامية، يُعتبر الاجتهاد الصحيح قائمًا على إتقان هذا العلم، ويكون الحفاظ على دين صحيح مرتبطًا بتخصص في هذا العلم. بناءً على هذا، يمكن القول إن علم الاشتقاق هو من العلوم الأساسية لجميع العلوم، وبالخصوص في الفقه والتفسير.

أحد التحديات الكبيرة التي تواجه الحوزات العلمية هو فقدانها للمعنى والباطن في العديد من العلوم. علم الاشتقاق هو من العلوم المتعلقة بالمعنى، وقد تم إهماله بالكامل في الحوزات. من بين أهم الأعمال الحديثة في الحوزات العلمية، مثل تفسير “الميزان”، لا يحتوي على هذا العلم. لقد تم التركيز فقط على العلوم المتعلقة بالظاهر، مثل الصرف والنحو، في حين تم استبعاد العلوم التي تتعلق بالباطن والمعنى، بما في ذلك علم الاشتقاق، ونحن قد قمنا بإحيائه.

في إحدى الليالي، بينما كنت أستعد لمناقشة موضوع الاشتقاق في اليوم التالي، كنت مرهقًا ولم أتمكن من مراجعة الموضوع، فغفوت. وفي حلمي، شاهدت موضوع النص والهامش. هذا الموضوع صعب جدًا ولا يمكن تحليله بسهولة، وكان من المحتمل أن أنسى بعض النقاط المهمة، لذلك قمت بسرعة بتسجيله. وبعدما درست الموضوع وتحليلته، اتضح لي عمق الفهم الذي حصلت عليه.

الفصل الرابع عشر: العرفان المحبوبى

تصحيح النصوص العرفانية

بعض الكتب العرفانية في الحوزات العلمية صعبة جدًا ومعقدة. يُعتبر كتاب “مصباح الأنيس” من أصعب الكتب في العرفان، بل في عالم العلماء. إذا تم الإفراط في دراسة هذا الكتاب، كما يقال، فإن الأمور تصبح أكثر تعقيدًا. إضافة إلى ذلك، يحتوي الكثير من العبارات في هذا الكتاب على أخطاء.

ما يجب متابعته في العرفان الشيعي هو “العرفان العصمتي”، أي العرفان الذي قمنا بشرحه وتصحيحه في كتب مثل “منازل السائرين”، “التمهيد”، “فصوص الحكم”، و”مصباح الأنيس” تحت عنوان “العرفان المحبوبى”. لقد بذلنا كل جهدنا في هذا المجال. حيث استغرق شرح وتصحيح كتاب “فصوص الحكم” حوالي 1160 جلسة، منها 1000 جلسة تحتوي على نقد شخصي لابن عربي، وبقية الجلسات تناولت نص الكتاب نفسه.

إذا وفقنا الله، فإن الكتاب الجديد الذي كتبناه حول “فصوص الحكم” سيُعرض ويُشرح بطريقة علمية، بحيث يصبح النص واضحًا ومُرتبًا، ويتحول إلى علم محقق يمكن للمهتمين بالعرفان العرفان المحبوبى أن يكتفوا به دون الحاجة إلى الرجوع إلى غيره من الكتب العرفانية.

منهج التدريس في الحوزة العلمية

أسلوب تدريسي في قم كان دائمًا نفس النهج. بالطبع، بعض النقاشات لم تُسجل وأُهدرت، ولكنني لا أشعر بالندم تجاه هذه المناقشات المفقودة. تدريسي في تلك الأيام كان يتسم بحرية أكبر، حيث كنت أشرح النصوص بشكل موسع، وكأن الملائكة كانت ترقص وتستمتع. للأسف، الحوزات اليوم فقدت هذا النوع من التدريس، حيث أصبح التركيز فقط على الظاهر وأُهملت الجوانب الروحية والباطنية.

مع ذلك، فإن العرفان الذي نقدمه اليوم هو إحياء لعِرفان أمير المؤمنين الذي قام بثورة فكرية وعرفانية عظيمة في كربلاء. هذا العرفان سيكون مصدر إلهام للحقيقة ولن يحتاج الباحثون عن الحقيقة إلى الرجوع إلى الكتب الأخرى، خاصة كتب أهل السنة في العرفان. سابقًا، كانت الحوزة العلمية في حاجة إلى الرجوع إلى تلك الكتب، ولكننا إذا نجحنا في ترسيخ العرفان المحبوبى في المدرسة الشيعية، فلن نحتاج إلى تلك الكتب العرفانية.

حول كتاب “مصباح الأنيس”

كتاب “مصباح الأنيس” مليء بالحقائق العلمية التي تم شرحها وتوضيحها في الوقت المناسب. ومع ذلك، يحتوي الكتاب على أخطاء تحتاج إلى مزيد من التحقيق والتصحيح. نحن نرغب في توضيح “العرفان المحبوبى” وتحليله، والعمل على إزالة الأخطاء وإبراز الجوانب العلمية والبرهانية في هذا العلم.

عند ذكر كتاب “مصباح الأنيس”، يتبادر إلى الأذهان صورة مليئة بالتعقيدات العرفانية، ومع ذلك، فإن العديد من العبارات في الكتاب خاطئة، ونحن قد عملنا على تبسيطها وشرحها. هذا الكتاب في الماضي كان يصعب على العلماء فهمه، إلا أنهم الآن يستطيعون الدراسة فيه بشكل أيسر.

الفقدان لبعض الدروس

بعض دروسي لم يتم تسجيلها بسبب صعوبات مالية، وفي وقت لاحق، حاول أحد طلابي تسجيل الدروس باستخدام جهاز ذو جودة منخفضة، وكان ينقل الدروس على شرائط التسجيل ثم يعيد استخدام الشريط نفسه للدروس الجديدة، مما أثر على جودة التسجيل. وللأسف، فإن هذه التسجيلات كانت غير كافية في الكثير من الأحيان. بعد سنوات، بدأ الطلاب بتوفير المال من خلال تقليل مصاريفهم لشراء أجهزة التسجيل، ولكن لاحقًا، واجهوا صعوبات أكبر في ذلك.

منذ أكثر من أربعين سنة وأنا أُدرِّس في الحوزة العلمية في قم، وهذه الوظيفة أصبحت بالنسبة لي سهلة وسلسة، كما لو أنني أشرب الماء. ومن بين جميع دروسي، تم تسجيل أقل من نصفها، والبقية قد تَلفت بسبب تضرر أشرطة الكاسيت القديمة. على مر السنين، كان بعض المهتمين يطلبون مني أن أُعيد تكرار دروسي، لكنني لا أملك القدرة على العمل التكراري؛ لأنني لم أعد أتمكن من أداء الأعمال الروتينية، إذ أصبح ذلك بالنسبة لي غير طبيعي ومصطنع، في حين أنني أستطيع أداء الأعمال الطبيعية والمبنية على الإلهام بسهولة، حتى لو كان الأمر يتطلب تحطيم الجبال. على سبيل المثال، أنا أمارس القيادة منذ خمسين سنة، ولكنني لا أستطيع أن أرجع بالسيارة إلى الوراء بشكل جيد. رغم أنني سائق محترف وأعمل في المجال، إلا أنني أفضل أن أدور حول الزاوية وأكمل طريقي بدلاً من الرجوع، لأن العودة بالنسبة لي أمر صعب.

على أي حال، هذا جزء من طبيعتي، فأنا لست من النوع الذي يحب العودة إلى الوراء أو القيام بالأعمال التكرارية. في بعض الأحيان، عندما تتعرض بعض الأشرطة للأعطال، فإن ذلك يسبب لي إزعاجًا شديدًا. أفضّل أن أتوقف عن إلقاء الدروس لمدة خمسة أيام على أن أعود وأعيد قراءة فقرة من الكتاب. إذا ضاع جزء من النقاش، فإنني لا أملك الحافز لإعادة تكراره، وأشعر وكأنني أعود إلى الوراء. إذا كانت السجادة التي في بيتي قد احترقت، لما شعرت بأي أسى، لكن عندما تتلف الأشرطة، فإن ذلك يؤلمني بشدة. على أي حال، الإنسان لديه نقاط ضعف، وهذه هي نقاط ضعفي المتعلقة بحساسيتي تجاه هذه الأمور.

كما أنني لا أستطيع أن أظل دائمًا على نمط واحد من التدريس، بل أميل إلى التغيير والتجديد في أسلوبي. إذا اضطررت إلى تكرار نفس الشيء مرات ومرات، فإن ذلك يسبب لي شعورًا بالملل والتعاسة. على سبيل المثال، كنت أدرّس في السابق درسًا معينًا، وكنت أعتقد أنني قد أوصلت المعلومة بشكل جيد. ولكن بعد فترة، وبعد أن لاحظت أنني كنت أكرر نفس الكلام، بدأت أشعر بشيء من الإحباط. هذا هو السبب في أنني لا أستطيع العمل بنفس الطريقة لمدة طويلة. ولا يمكنني تحمل الأعمال التي لا تأتي من أعماق القلب ولا تحمل في طياتها بعض الإبداع.

لذلك، عند تدريسي، أجد نفسي دائمًا بحاجة إلى أن أُدخل فيه نوعًا من الإبداع والتجديد. أحب أن أترك لنفسي المجال لتغيير الأسلوب، لكي أتمكن من إيصال المعلومة بشكل أفضل وأكثر تأثيرًا. قد يظن البعض أن هذا يعد نوعًا من الترف أو الرفاهية، لكن بالنسبة لي، هو ضرورة تفرضها طبيعة العمل الأكاديمي.

النص الثالث:

وفي ما يتعلق بالبحث العلمي، فإنني أعتقد أن البحث لا يمكن أن يكون مفيدًا إلا إذا كان قائمًا على حب الاستكشاف والفضول، وليس على التكرار أو تقليد ما سبق. هذا الأمر هو الذي يجعل البحث العلمي مثيرًا. أعتقد أن البحث يجب أن يكون له روح، ويجب أن يكون الهدف من ورائه هو البحث عن الحقيقة أو حتى اكتشاف أسئلة جديدة. لا أؤمن أن كل بحث يجب أن يؤدي بالضرورة إلى نتائج ملموسة. في بعض الأحيان، قد يكون مجرد طرح سؤال جديد هو أهم إنجاز يمكن أن تحققه في البحث العلمي.

منذ سنوات طويلة، كنت أبحث في موضوعات مختلفة، وفي كل مرة كنت أكتشف شيئًا جديدًا يعمق فهمي. وهذا بالضبط ما جعلني أحب هذا المجال وأستمر فيه. البحث العلمي لا ينبغي أن يُنظر إليه كعمل روتيني أو تكراري. بل هو رحلة مستمرة من الاكتشاف والتعلم.

النص الرابع:

أما بالنسبة للطريقة التي أتعامل بها مع الطلاب، فإنني أؤمن أن التدريس يجب أن يكون تفاعليًا، ولا ينبغي أن يكون مجرد إلقاء معلومات أو نصائح. الطلاب بحاجة إلى أن يشعروا بأنهم مشاركون في عملية التعلم، وليسوا مجرد متلقين. لهذا السبب، دائمًا ما أحرص على تشجيع الطلاب على التفكير النقدي والتحليل، وأدعوهم دائمًا لطرح الأسئلة. هذا يخلق بيئة تعليمية حية وديناميكية، تجعل الطلاب أكثر اهتمامًا بما يتعلمونه، ويشجعهم على التفاعل مع الموضوعات بشكل أعمق.

أنا لا أعتبر نفسي معلمًا فقط، بل أرى أنني أيضًا متعلم. فكل مرة ألتقي فيها مع طلابي، أتعلم شيئًا جديدًا من ملاحظاتهم وأسئلتهم. هذه التفاعلات تجعلني أتطور وتساعدني على تحسين أدائي كمعلم. لهذا السبب، أعتبر التدريس عملية مستمرة من التعلم المتبادل بين المعلم والطالب.

النص الخامس:

في النهاية، إن العمل الأكاديمي لا ينبغي أن يكون مجرد وظيفة أو مهمة نؤديها. بل هو جزء من حياتنا اليومية يجب أن نعيشه بكل تفاصيله. نحن بحاجة إلى أن نعيش البحث والتدريس كما نعيش أي تجربة إنسانية أخرى، بكل شغف وإبداع. إذا كان العمل الأكاديمي مليئًا بالتكرار والروتين، فإن ذلك قد يحبطنا ويجعلنا نفقد حماستنا. لكن إذا نظرنا إلى هذا المجال كرحلة مستمرة من الاكتشاف والنمو، فإننا سنجد أن لدينا دائمًا ما نتعلمه وما نضيفه.

النقد على بعض مدّعي الرفاهة والممارسات المنحرفة في مجال التصوف

من الملاحظ في عصرنا هذا أن العديد من الأشخاص يذهبون في طرق غير مبدئية في مجال التصوف، وهذا في بعض الأحيان يساهم في تدهور القيم الروحية والمعرفية لهذه المسألة. من الأمور التي لا ينبغي السكوت عنها أن عددًا من مدّعي التصوف أصبحوا يروجون مفاهيم زائفة وادعاءات غير منطقية باسم “الكرامات” و”العرفان”. كان التصوف وما زال نوعًا من السلوك الروحي الذي يتطلب من الفرد صدقًا وتقوى وعزيمة لتحقيق القرب من الله تعالى. من المؤسف أنه في الوقت الحالي، كثير من الناس يراهنون على هذه الدعاوى لأغراض تجارية، مما يجعل هذا المجال عرضة للاستغلال.

الكسب والتجارة بالتصوف

إن التجارة باسم الدين أو التصوف أمر غير مقبول وغير جائز من حيث القيم الروحية. فإذا تحول العارف أو المتصوف إلى تاجر يسعى للكسب، يصبح شأنه ضعيفًا ويفقد جوهره الحقيقي. التصوف، في جوهره، لا يتحمل أن يكون أداة للربح المادي. بل يُفترض أن يكون مجالًا لتهذيب النفس وإعلاء القيم الروحية، كما كان في العصور الماضية. من المحزن أن نرى البعض اليوم يتاجرون بالدين، ويستخدمون الأساليب الدينية للحصول على مكاسب مادية. هذه الممارسات تتعارض تمامًا مع هدف التصوف النبيل، بل وتؤدي إلى فساد هذا المجال.

الادعاءات الفارغة لبعض مدّعي التصوف

أخذتْ مجتمعاتنا في الآونة الأخيرة تعاني من انتشار ما يُسمى بـ”الفرق الضالة” في مجال التصوف. هناك العديد من الأشخاص الذين يدّعون معرفة غيبيّة أو امتلاك قوى خارقة، ويروّجون لهذه الادعاءات بين الناس البسطاء. وقد قابلتُ أحد هؤلاء المدّعين في فترة من الزمن، وكان يدّعي أنه قد سافر عبر “ثمانية عشر ألف عالم”. وعندما قابلته شخصيًا، اكتشفت أنه كان يعيش في حالة من الاضطراب النفسي ويواجه مشكلات حياتية كبيرة، فقد كانت زوجته قد تركته، وكان يعاني من الضغوط النفسية. وبالرغم من ادعاءاته الروحية الرفيعة، فقد كانت مشكلاته العائلية تزداد بشكل ملحوظ. حذرته من أن هذه الادعاءات لن تؤدي به إلا إلى مزيد من الضرر والضياع الروحي.

الهراء والممارسات الخاطئة

ما يثير القلق أكثر هو أن هذه الدعاوى أصبحت شائعة، ليس فقط بين عامة الناس، بل أيضًا بين بعض المشتغلين بالعلوم الدينية. أذكر أنه كان هناك رجل من المدّعين الذين يزعمون امتلاك كرامات، وذات مرة أخذ أحد المريدين له ليعلّمهم التصوف في أحد الأماكن النائية. كان المدّعي يطلب من الناس أن يقدّموا له قطيعًا من الأغنام أو الأبقار، على أن تكون هذه الحيوانات مُسجّلة باسمه ليحصلوا على بركة وزيادة في الحليب. وبالطبع، تقبل بعض الناس هذه الأوهام، في حين تمكّن آخرون من رؤية الحقيقة وراء هذه الادعاءات، وفهموا أن هذا الرجل كان مجرد محتال.

السلوك الخاطئ للمرشدين والممارسات الخاصة

إن الخطأ الأكبر لا يكمن فقط في تصرفات هؤلاء المدّعين، بل في وجود مرشدين يروجون لهذه الممارسات الخاطئة، ويحاولون تجنيد أشخاص آخرين لخدمة مصالحهم الشخصية. من خلال ما مررتُ به من تجارب، ألاحظ أن هؤلاء المرشدين غالبًا ما يكونون فقراء في العلم والتقوى، ولكنهم يملكون القدرة على السيطرة على عقول من يأتون إليهم، مما يؤدي إلى ضياعهم الروحي والذهني. في أحد المرات، قابلت شخصًا كان يزعم أنه “إمام الزمان”، وكانت هذه الادعاءات الغريبة تشوش عليه لدرجة أنه بدأ يعتقد أنه بالفعل إمام الزمان نفسه، في حين كان في الحقيقة يعاني من اضطرابات عقلية شديدة نتيجة لتعليمه الخاطئ.

الخلاصة

إن التصوف الحقيقي يجب أن يُبنى على أسس علمية وروحية متينة، لا على الخرافات والأوهام. يجب على من يتحدث عن التصوف أو يدّعي معرفة الله أو امتلاك كرامات أن يكون قد بلغ مرتبة عالية من العلم الروحي والنفسي، وأن يكون لديه قدرة على تأهيل الآخرين بشكل جاد وصحيح. كما يجب أن تكون المحاضرات والدروس في التصوف علنية وواضحة، ولا ينبغي أن تُدرَّس خلف الأبواب المغلقة أو في جو من السرية، لأن هذا النوع من الممارسات غالبًا ما يكون مدعاة للفساد والادعاء الباطل. على العلماء والمرشدين أن يتحملوا مسؤولياتهم في نشر العلم الصحيح ورفض الادعاءات الكاذبة التي تضر بالناس وتؤدي بهم إلى الضياع الروحي والفكري.

سوء استعمال القوى الباطنية

بعض الأشخاص الذين يمتلكون قوى باطنية، قد يكونون فاسدين وأتباعاً للشيطان، وأعمالهم وتصرفاتهم مبنية على الخداع والغش. كنت في سن المراهقة حين هاجرت من طهران إلى قم. بدأت أبحث في مدينة قم وأتعرف على سكانها، وخاصة أولئك الذين اشتهروا بالعرفان أو التصرف. تبين لي أن بعضهم من أتباع الشياطين. اقتربت منهم واكتشفت أنهم يقومون بالكثير من الأعمال الماورائية. دخلت إلى حسينية، وفي تلك اللحظة، خرج من باب الحسينية رجل مسن كان عالماً وعارفاً وما يزال حياً وله العديد من المؤلفات. سألت المقيمين هناك عن هذا العالم المشهور، فقالوا لي إنه شخص غني، ونحن نأخذ المال منه ونعطيه مقابل ذلك. شعرت بالأسى لذلك الرجل المسن لأنه كان ساذجاً وكان هؤلاء المحتالون يخدعونه بالعلوم الغريبة والرمل وما إلى ذلك. في يوم من الأيام طلبت منه أن لا يذهب إلى ذلك المكان مرة أخرى وشرحت له الوضع. لكنه رفض قائلاً باللهجة الشمالية: “هؤلاء الأشخاص هم أصحاب علوم معنوية”. فهمت أنه بعيد عن الواقع ولا يدرك المسألة. لذا اعتذرت منه وقلت له أنني أخطأت. في أحد الأيام أعطوه مثلثاً وكان ينشر هذه المعلومات في كتبه. كان من الأشخاص الذين يقتنون كل شيء، يشتري الكتب الماورائية بأسعار مضاعفة. نصحته قائلاً: إن مثل هذه الأعمال ستؤدي إلى تعاستكم وتورطكم في مشكلات حياتية، لكن للأسف كانوا غافلين عن ذلك. كان من بينهم من يشتغلون بالرمل ويمارسون أعمالاً خارقة، ولديهم القدرة على القيام بذلك، لكن مستواهم كان منخفضاً وكانوا ضعفاء في أعمالهم. هذه الحوادث تعود إلى ما قبل الثورة. بعد فترة، تحققت تحذيراتنا، حيث انهار أحد منازلهم واشتعلت النيران في منزل آخر. كما يقولون: “صاحب الطريق في الطريق”، قد يتمكن الإنسان من الاحتيال على شخص آخر وخداعه، لكن الله يكون معه في الوقت المناسب ويأخذ منه الحساب. إن المسائل الروحية والوصول إليها لها كمالات، ومن أهم هذه الكمالات الامتناع عن استخدامها في الأمور المادية والدنيوية. إذا تم استخدام هذه القوى في غير مكانها، فإنها تتحول إلى ماهية شيطانية. يجب على الإنسان أن يحدد موقفه تجاه هذه الأمور ويقول مثلاً: “أنا تاجر، وفي مقابل هذا المبلغ من المال، سأقوم بهذا العمل بشكل مضمون”.

عندما كنت في فترة من الزمن أواجه مشاكل مالية، كنت أحياناً أستعين بالتفاؤل أو أبحث في المستقبل للآخرين. بالطبع كنت آخذ المال من الأغنياء وأدفع الزكاة والخمس عنها. ربما كنت أستهلك جزءاً ضئيلاً من المال، وكان ذلك فقط عندما كنت في حاجة ماسة، عندما كنت تحت خط الفقر. لكنني أعتقد أن المسجد إذا أصبح مكاناً لتجارة الشيخ، يجب هدمه لأنه ليس دار عبادة. في مثل هذه الحالات يجب على الإنسان أن يعرّف نفسه كتاجر، على أن لا يكون خائناً أو كاذباً. ومع ذلك، فإن الانحراف والخداع هو أن يدخل الإنسان في طريق السحر والاحتيال باستخدام الدين. في مجال التصرفات، يقوم الشياطين وأتباعهم بأعمال معينة. بعضهم يعلم شيئاً عن العلوم الرمليّة والجفرية، ولكنهم ليسوا على دراية كافية في هذا المجال. لقد مررت بتجارب عديدة في هذا المجال. قضيت خمسين عاماً أبحث في هذه المواضيع، وكنت على تواصل مع أشخاص مختلفين. كانوا علمياً ضعفاء في هذا المجال ولم يكن لديهم المعرفة الكافية. هذه العلوم لها طابع موهبتي، لكن الله لم يعطِ هذه العلوم لأولئك الأشخاص الذين في الواقع لم يحظوا بلطفه. هؤلاء الأشخاص إذا تصرفوا في غير محلهم، فإن أعمالهم تكون حراماً ومعصية.

من يملك القوة الروحية يجب أن يمتنع عن ممارسة مثل هذه الأعمال، إلا إذا كان تابعاً للشياطين. هؤلاء الأشخاص يواجهون مصائب كبيرة في حياتهم، ويعانون من البلاء رغم قوتهم. هناك العديد من الأمثلة على هؤلاء الأشخاص. إذا بحث الإنسان في هذا المجال وتعرف على هؤلاء الأشخاص، فإنه سيكتسب الخبرة ويدرك أنه مهما كان الشخص يتلاعب باسم الله، فإنه سينال عقابه. أعتقد أن السرقة والمقامرة وبيع الخمور أقل سوءاً من مثل هذه الأعمال. السارق يعترف بنفسه أنه لص ولا يشاركه في ذلك أحد. ولكن إذا تم استخدام اسم الدين للإيقاع بالناس وخداعهم، فإن العقاب سيكون أشد. في فترة مراهقتي، كانت لديَّ القوة والقدرة والأحلام للقيام بالكثير من الأعمال الباطنية، لكن مدينة قم لم تكن مكاناً مناسباً لذلك، لذا اكتفيت بالأعمال الظاهرة.

خانقاه (مكان تصوف)

في شبابي، كنت أذهب إلى أحد خانقاهات طهران. كانت لي علاقة بها لأكثر من عشر سنوات. كان مرشد هذا المكان السيد مصفّايي، وهو عارف لا مثيل له.

في شبابي، درست على يد شيخ مرشد كان درويشاً كاملاً وإنساناً قديساً، وكان أستاذاً قوياً في العرفان. كان طيب الأخلاق وذا قلب طيب. في تلك الفترة، كنت طالباً دينياً، وأحياناً كنت ألتقي به. كان يطلب من الآخرين أن يسألوني عن مسائلهم الشرعية ولا يتدخل في الأمور الفقهية. كان يحيل الدرويشين إليَّ ليطرحوا أسئلتهم الشرعية عليّ. كان يناديني “آقا رضا”. كان يقول إنه لا يتدخل في الفقه لأنه ليس مجتهداً، وبالتالي لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة الشرعية. كان يعترف بأن طلاب العلم هم الأكثر حاجة للمساعدة، وكان يحيلهم إليَّ. كان رجلاً طيباً وذو قلب كبير.

المرحوم الدكتور علفي

عندما كنا طلاباً، كنا ندرس كتاب “القانون” لابن سينا. كان من أوائل العلوم التي تعرفنا عليها في الحوزة العلمية علم الرمل، وبعد ذلك تعلمنا علم الطب وعلم النفس. أتذكر في ذلك الوقت، كنت في الحادية عشرة من عمري، وكان أستاذي في الطب أحد أفضل الأساتذة في البلد. كان معروفًا بالدكتور علفي، وذلك لاستخدامه الواسع للأدوية العشبية. كان من الأشخاص الذين أعتبرهم أصحاب موهبة سماوية وكان يملك قدرة على الاستخارة، أي أنه كان يستطيع باستخدام الاستخارة تشخيص المرض والعلاج. لا أعتقد أنني قابلت بعد ذلك أطباء مرتبطين بالعالم الروحي بهذا القدر.

وفيما يخص العلاقة بين رجال الدين والطب، يمكنني أن أذكر مثالًا يتعلق بوالدتي التي كانت مصابة بمرض السكري، وإذا انخفض مستوى السكر في دمها، كان من الضروري أن يتم حقنها بالإنسولين. في الآونة الأخيرة، أصيبت والدتي بوعكة صحية، فقمنا بنقلها إلى المستشفى. كان وضعها يتطلب حقن الإنسولين. قام الطبيب بحقنها مرة واحدة، لكنه عبّر عن يأسه من أن الإنسولين لن يكون فعالاً. طلبت من الطبيب أن يعاود الحقن مرة أخرى. رفض في البداية، قائلاً إنه مسؤول عن حالتها، ولكنني أصريت على الطلب. في النهاية، تم حقن والدتي بأربعة أمبولات من الإنسولين. لا يجرؤ طبيب على اتخاذ مثل هذه المخاطرة. إذا تم حقن مريض بأربعة أمبولات من الإنسولين، فإن الشخص الذي يقوم بذلك يُعتبر قاتلاً. لكن بعد أن تم حقن والدتي، نهضت من مكانها وقالت إنها تشعر بالجوع. وكان الطبيب يعبّر عن دهشته قائلاً: “كأن هناك صوتًا داخليًا دفعني لتطبيق ما قلته، وفي تلك اللحظة، فقدت مهارتي الطبية.”

كان الدكتور علفي شخصيةً فريدة في مجال الطب، وكان لديه معرفة عميقة بكتاب “القانون” لابن سينا. كنت أرافقه إلى الصحراء لجمع الأعشاب الطبية. كان قويًا جدًا في ارتباطه بالعالم الروحي، وإذا كان يشك في تشخيص المرض أو في اختيار العلاج المناسب، كان يعتمد على الاستخارة باستخدام السبحة لتحديد القرار الصحيح. على سبيل المثال، إذا كان يشك في فاعلية دواء معين، كان لا يصفه مباشرة بل كان يقوم بالاستخارة ثم يصف الدواء الذي أشار إليه الاستخارة. لأنه كان يمتلك موهبة روحية، كان يثق بأن الاستخارة ستمنحه توجيه الله، وبالتالي كان يفضل أن يكون طبّه مستنيرًا بالطب الإلهي بدلاً من الطب البشري فقط.

اليوم، نجد أن بعض الأطباء، في حالة عدم قدرتهم على تحديد الدواء الأنسب للمريض، يقومون بوصف الأدوية المتعددة دون مراعاة الآثار الجانبية التي قد تترتب على الأدوية الكيميائية. في حين أن الدكتور علفي كان دائمًا يوصي بعدم استخدام الأدوية الكيميائية ما أمكن، لأنه كان يعتبر أن ذلك على الأقل يمكن أن يؤدي إلى إفساد نقاء الروح. كان يعتقد أن الفارق الأساسي بين الطب الغربي وطبنا يكمن في الاتصال الروحي والعلاقة الصحيحة والمشروعة مع عالم الغيب.

كان الدكتور علفي يعتقد أن الغرب يعرف جيدًا أن دخوله للأشياء المحرمة في المجتمع الإسلامي يمكن أن يفقد المسلمين قوتهم الروحية. وكان يشير إلى أن الأدوية الكيميائية المستوردة، وكذلك المشروبات الكحولية، تعد من الوسائل التي تساهم في إضعاف الروحانية لدى المسلمين. وذكر أنه في العصور السابقة، كان البريطانيون والروس، على الرغم من تقدم تقنياتهم، يواجهون الهزيمة على يد المسلمين العزل الذين لا يمتلكون معدات متطورة. كان الغرب يعرف أن السبب في هزيمتهم ليس في الأسلحة والمعدات، بل في نقاء المسلمين، وهذا النقاء هو الذي يجعل القوة الروحية تتنزل عليهم.

ومع ذلك، اعتقد الدكتور علفي أن هذه القوى الغربية قد بدأت في تدمير هذا النقاء من خلال إدخال الأدوية الكيميائية والمشروبات الكحولية إلى المجتمعات الإسلامية. وقال إن المسلمين، بفضل نقائهم الروحي وصلاتهم العميقة، يمكنهم التغلب على أعدائهم دون الحاجة إلى الأسلحة، ولكن عندما يفقدون هذا النقاء، يصبحون ضعفاء. كان يرى أن انتشار الحرام، سواء كان عن طريق الأدوية أو الكحول أو المخدرات، هو سياسة مستمرة تهدف إلى إضعاف المجتمع وتدمير صفاء الروح، مما يؤدي إلى نشر الكراهية والعداوة بينهم.

وكان الدكتور علفي يرى أن تناول الحرام يُؤثّر على شخصية الإنسان بشكل عميق. واعتقد أن اللقمة الحرام هي من أكبر العوائق التي تقف في طريق الشخص للوصول إلى عالم الغيب، خصوصًا في الزمن المعاصر الذي أصبح فيه التهاون في دفع الخمس والزكاة منتشرًا. وأكد أن اللقمة الحرام تؤثر على العقل والنفس بشكل كبير، ولا يمكن للإنسان أن يتقدم روحيًا أو فكريًا إذا كان يدخل جسده حرامًا.

وأضاف أنه حتى على مستوى الشخصيات الدينية مثل السادة، يمكن أن تؤثر اللقمة الحرام على أصالتهم وعلمهم. بمعنى آخر، الحرام يمكن أن يؤدي إلى إفساد الصفاء الروحي حتى بالنسبة لأولئك الذين يحملون نسبًا طاهرًا. وتحدث عن تأثير الحرام على العلماء، مشيرًا إلى أن الشخص الذي يتناول الحرام قد يفقد حتى صفاء قلبه وعقله.

وذكر الدكتور علفي أن المال الحرام يشبه في تأثيره مثل السائل الحمضي الذي يُسرب إلى آلية السيارات؛ فإذا أُدخل هذا السائل في مكان غير مناسب، فإنه يُعطل المحرك. على نفس المنوال، إذا دخل المال الحرام إلى حياة الإنسان، فإنه يُعطل فاعليته ويؤثر على صحته الروحية والجسدية. وإن كان الإنسان يأخذ من المال الحرام، فهو لا يستطيع أن يتقدم في حياته الشخصية أو حتى في عباداته، لأنه يصبح متأثرًا بشكل عميق بتلك الآثار الروحية السلبية.

وكان الدكتور علفي دائمًا يؤكد أن المجتمع يجب أن يتحلى باليقظة والوعي تجاه مصدر رزقه. لأن الأموال الحرام تؤثر على الصحة البدنية والنفسية، وحتى على النسل. وتسبب الأمراض والتشويش العقلي. وقال إن الأموال الحرام قد تكون العامل الرئيسي في الأمراض النفسية والعقلية مثل الوسواس والهلاوس.

وتحدث عن نظرياته في الطب النفسي، موضحًا أن بعض الأمراض النفسية تكون ناتجة عن تأثيرات شياطين أو كائنات غير مرئية. كان يرى أن الجن يمكن أن يكون لهم تأثيرات مباشرة على الإنسان، مثل السلوك العدواني أو الأمراض التي لا يمكن تفسيرها بواسطة الطب التقليدي. وأضاف أن كثيرًا من الأمراض مثل اضطرابات المعدة والقولون قد تكون ناتجة عن تأثيرات ماورائية وليس بسبب عوامل مادية بحتة.

وشرح أن المرضى الذين يعانون من هذه الحالات يمكن أن يحتاجوا إلى علاج روحي، حيث يتم التعامل مع تلك الأمراض بشكل مختلف عن العلاجات النفسية التقليدية. وتحدث عن العلاج الروحي كأحد المجالات التي يجب أن تُمَارَس تحت إشراف مختصين، حيث أن الجن يمكن أن يتسببوا في التلبس الروحي أو الدخول إلى حياة الفرد بطرق لا يمكن للأطباء التقليديين فهمها أو معالجتها.

وأشار إلى أن هناك حالات عدة من الجن قد تدخل في الإنسان بسبب تعامل غير صحيح مع هذه القوى الروحية. مثلًا، عندما يقترب أحد الأفراد من الجن أو يتعامل معهم بطريقة غير مشروعة، قد يؤثر ذلك على صحته النفسية والعقلية. وذكر مثالًا عن الأشخاص الذين يمكن أن يتعرضوا لمشاكل صحية بسبب تدخل الجن في حياتهم، مثل فقدان الحواس أو إضعاف الذكاء أو الإصابة بالأمراض الجسدية والنفسية التي يصعب علاجها بالطرق التقليدية.

كما أكد الدكتور علفي أن الجن قد يتسببون في مشاكل تتعلق بالنظافة الشخصية، مثل زيادة التعرق المفرط، والذي قد يترتب عليه مشاكل صحية أو نفسية. وقال إن الجن في بعض الحالات يتغذون على العرق البشري، مما يؤدي إلى ظهور الأمراض والاضطرابات النفسية. في حالات معينة، قد يُصاب الشخص بمشاعر قلق أو وسواس نتيجة لهذا التأثير غير المرئي، مما يزعزع استقراره العقلي والنفسي.

على أي حال، فإن بلادنا تواجه تأخراً ملحوظاً في بعض القضايا التي نعتبرها أساسية، حتى في مجال العلاج الطبي، حيث لا توجد قوانين واضحة، ما يسبب للمصابين معاناة وألماً طويلاً. زارتني فتاة مع والدها ومعلمها، وكانت تتوسل للخلاص من آلامها، وكانت تصرخ بشدة من شدة الألم. تبين أن هناك جنياً في جسدها كان يعتقد أنها زوجته. قلت لوالدها: “والدي العزيز، بإمكاني علاج هذه الفتاة، لكن هذه الأنواع من العلاج غير قانونية. لطرد الجني من جسد هذه الفتاة، يجب أن أضربها، لكن هذه الأساليب العلاجية لا وجود لها في القانون، ولا يمنحون الترخيص لأي شخص للقيام بها”. في بلادنا، هناك قوانين مصدقة لتنظيم الأنشطة الرياضية مثل المبارزات، وهناك نوادٍ وبرامج لها، بينما لا توجد قوانين لتنظيم هذه العلاجات بسبب جهل المسؤولين. كما أن علم النفس واضطرابات الروح النفسية معروفة، لكن تلك الاضطرابات لا تقع ضمن اختصاص الأطباء أو علماء النفس الذين لا يعترفون بالطب التكميلي ويتعاملون مع من يدّعي ذلك بحزم وقسوة. لكي تصبح هذه المعارف ذات تطبيق فعلي، فإنها بحاجة إلى قوانين، بالإضافة إلى تأسيس مراكز متخصصة لها. كان والد الفتاة يظن أنني أتقاضى أجرًا مقابل هذا العلاج، وفي اليوم التالي اتصل بي قائلاً: “من فضلك، قدم لنا حساب الشيخ”. هذه حالة من التخلف لدى المسؤولين، الذي أدى إلى إقصاء هذه الأساليب وعدم قبولها في المجتمع. الفقه والحكمة في التشريع الإسلامي

إن الفقه الذي لا يراعي الظروف الخاصة والتفاصيل الدقيقة للأشخاص في الواقع الاجتماعي أو التاريخي قد يؤدي إلى نتائج سلبية. يُظهر الفقه الظاهري تطورًا سطحياً يُغفل فيه الجوانب العميقة التي يمكن أن تكون أكثر أهمية بالنسبة لتطبيق الأحكام بشكل صحيح. وبهذا، تصبح الشريعة مجرد قوانين جامدة لا تأخذ في الحسبان التغيرات والمواقف المتجددة التي يواجهها الأفراد في حياتهم اليومية.

من هنا، يعتبر الفقيه الحكيم هو الشخص الذي يملك القدرة على التمييز بين الأحكام الظاهرة والباطنة، على أساس المعرفة العميقة بالأسباب والعلل التي تكمن وراء الأحكام الشرعية. هذا التمييز ليس مجرد قراءة نصوص، بل هو فهم عميق للغرض الذي يسعى التشريع لتحقيقه في حياة الناس، وهذا ما يجعل الفقهاء الحكماء قادرين على استنباط الأحكام الصحيحة في كل زمان ومكان.

المفكرون والفقهاء في تاريخ الإسلام

التاريخ الإسلامي يعكس هذا الفارق بين الفقهاء الظاهريين الذين اقتصروا على تفسير النصوص بصورة حرفية وبين الفقهاء الذين سعىوا لفهم أعمق وأكثر حكمة للشريعة. هؤلاء الفقهاء الذين غفلوا عن تطبيق الفقه الحكمي ساهموا في تشويه الدين وتقديمه بصورة مغلوطة. ولا شك أن الفقهاء الذي يقتصرون على ظاهر الشريعة دون فهم مرادها الباطني يعجزون عن مواجهة التحديات المستجدة في المجتمع الإسلامي.

إنّ الفقه ليس مجرد مجموعة من الأحكام العامة التي يمكن تطبيقها بشكل مطلق، بل هو أداة لفهم الواقع وتفسيره وفقًا لظروفه الخاصة. ولذلك، الفقيه الحكيم قادر على أن يميز بين الحالات الخاصة التي قد تتطلب استثناءات، كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) عندما أدى الصلاة في أول وقتها في ظروف استثنائية.

الخلل في النظام الديني والفكري

للأسف، نحن نشهد في الزمن المعاصر تراجعًا في فهم الدين وتطبيقه، حيث يتمسك البعض بالأحكام الشكلية دون النظر إلى مقاصد الشريعة. من هنا، لا يمكننا الحديث عن إسلام حقيقي إلا إذا تمكنا من تجاوز هذه النظرة الظاهرية والبحث عن الجوهر في الدين، الذي يتضمن الحكمة والرحمة، ويعكس فهمًا أعمق للواقع.

إن الخلل الذي وقع في فهم معاني الدين يعود إلى إغفال هذا البعد الباطني للأحكام الشرعية. الفقه الظاهري قد يؤدي إلى تطبيق أحكام غير مناسبة أو حتى ضارة بالمجتمع، بينما الفقه الحكيم، الذي يأخذ في الحسبان المعطيات الواقعية والظروف الخاصة، يكون أكثر قدرة على التعامل مع التحديات.

الفقه والفكر الفلسفي

يتطلب الأمر من العلماء والفلاسفة في مجال الفقه أن يتعمقوا في فهم العقل البشري وكيفية تعامل الأفراد مع القيم الدينية. إن فقهًا لا يعير اهتمامًا للمشاعر الروحية أو الدوافع النفسية للأفراد يصبح فقهًا جافًا لا يستطيع تلبية حاجات الناس الحقيقية. الفقيه الذي يتعامل مع الموضوعات المختلفة بمرونة وفهم عميق يكون أكثر قدرة على إيجاد حلول واقعية للمشاكل الاجتماعية والدينية.

لقد حاول بعض العلماء أن يقدموا رؤى جديدة في فهم الفقه، مستندين إلى الآيات القرآنية والروايات النبوية لتطوير مدارس فقهية تتسم بالمرونة والقدرة على استيعاب التغيرات الاجتماعية والإنسانية. من أبرز هذه المحاولات تطوير “الفقه الاستثماري” الذي يهدف إلى فهم الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في ضوء الشريعة، دون أن يتجاهل الأبعاد النفسية والروحية للأفراد.

التحليل النفسي والتربية

لقد كان للفقهاء الحكماء دور هام في تطوير فهم الإنسان والتعامل مع مشكلاته النفسية. في هذا السياق، لا يكفي أن يكون الفقيه مدركًا للأحكام الظاهرة فقط، بل يجب أن يمتلك القدرة على تحليل دوافع الأفراد وتقديم النصح والإرشاد المناسب لهم. كما أن اهتمام الفقيه بالصحة النفسية للفرد يعد من أهم الأولويات في تطوير المجتمع الإسلامي.

التعليم والتربية في ضوء الفقه

النظام التعليمي في المجتمع الإسلامي يحتاج إلى الاهتمام بالجانب النفسي والصحي للطلاب. فالأمر لا يتوقف عند تدريس المواد الدراسية، بل يجب أن يترافق ذلك مع تربية نفسية وروحية تتعامل مع جوانب الشخصيات الفردية. المعلمون يجب أن يكونوا على دراية بأهمية هذه الجوانب وأن يتعاملوا مع الطلاب بحساسية وحكمة.

التحديات النفسية التي يواجهها الشباب في مدارسهم وجامعاتهم تحتاج إلى اهتمام خاص من قبل مختصين في مجال علم النفس، خاصة وأن هذه المشكلات قد تؤثر سلبًا على الأداء الدراسي والصحي للطلاب. للأسف، مازال هناك قلة من الاهتمام بمسائل الصحة النفسية في العديد من الأنظمة التعليمية في العالم العربي والإسلامي.

الدراسات النسائية

الفصل السادس عشر: دراسات المرأة

النقد للآراء النسوية

الكتب التي كتبتُها حول “المرأة” تصل إلى عشرين مجلدًا. هذه الكتب هي نقد للأقوال والمعتقدات التي تبناها المفكرون الشرقيون والغربيون حول المرأة. هذا المجموع من الكتب يشكل بمفرده بنك معلومات حول جميع الخصائص والصفات الظاهرة والباطنة للمرأة. لا يوجد موضوع قد تم الحديث عنه حول المرأة إلا وتم الإشارة إليه في هذه الكتب؛ سواء كان الموضوع غير ضروري أو قليل الأهمية. ألتزم بمبدأ الإكمال والإتمام في كل عمل أقوم به، وقد تبنيتُ هذا المبدأ أيضًا في تأليف هذا الكتاب. الكتاب المكون من أربعة أجزاء بعنوان “المرأة؛ المظلومة على مر التاريخ” هو الجزء الأول من هذا المجموع. طلبت من طلابي جمع جميع الكتب التي كُتبت حول موضوع المرأة وأحضروها لي. بعد فترة، طلبت منهم أن يجدوا المواضيع التي لم يتم تناولها في هذه الكتب. أحضروا العديد من الكتب وبدأوا في دراستها، وتأكدوا من عدم وجود أي موضوع مهم لم يُناقش. في هذا الكتاب، قمنا بشرح الموضوعات المتعلقة بالمرأة بشكل علمي، مع تقديم نقد لوجهات النظر التقليدية والحديثة حول المرأة. في كتاب “المرأة”، قمنا بمراجعة نقدية شاملة لثلاثة كتب للشهيد مرتضى مطهري عن المرأة، بالإضافة إلى كتاب “المرأة في مرآة الجمال والجلال”.

طريقتي في أبحاثي هي التركيز على الكلام أكثر من الشخص الذي يقوله. في هذا الكتاب، تم تناول آراء علماء النفس حول المرأة. تناولنا جزءًا من هذا الكتاب من منظور علم النفس، وهو الجزء الذي لم يُنشر بعد. في جزئين آخرين من هذا الكتاب، درستُ خصائص النساء من منظور عالم مسلم. عبارات هذا الكتاب هي نتاج فكري وقلمي الخاص، ولا توجد سابقة لها في أي كتاب أو مجلة.

أدّعي أنني على دراية بعلم نفس الإنسان؛ حتى أنه لو تم تنظيم ندوة يشارك فيها أبرز علماء النفس، يمكنني أن أكون أكثر علمًا وأكثر قدرة على الحديث منهم. بالطبع، أستفيد من تلك الأوساط العلمية، لكنهم أيضًا سيحصلون على فهم أعمق عن الحالة النفسية للعامة. لكن هذه الأفكار لا تعدو كونها ادعاءات، ويجب أن يتم إثباتها عمليًا.

الدراسات المجتمعية وعلم النفس

لقد أجريتُ أبحاثًا في مجال علم الاجتماع وعلم النفس، كما أنني متخصص في العلوم القرآنية وأرى أن القرآن الكريم هو تخصصي الأساسي. أحد أساتذتي رحمه الله كان يقول: “أنا لا أحتاج لدراسة كتاب المغني، ولكنني أقرأ كتبًا أخرى مثل معالم ولامعة.” من الواضح أن بعض الأشخاص يمتلكون استعدادًا خاصًا لفهم بعض العلوم. بالنسبة للعلوم النفسية والاجتماعية، من الضروري أولًا أن يشعر المجتمع بالحاجة إلى هذه العلوم، وهو ما نفتقده للأسف في الوقت الحالي. كما يجب أن يدرك الناس عظمة هذه العلوم وأهميتها.

أبحاثي في هذه المجالات تتطلب أن تسلك مسارًا عصريًا وحديثًا يتناسب مع الظروف الاجتماعية حتى لا يُتهم بالكلام الفارغ. من الضروري أن يتم التعرف على علماء هذه المجالات للاستفادة من علمهم وتجاربهم. العلماء الذين قدموا أبحاثًا علمية وحققوا تقدمًا في مجالاتهم هم أسلافنا، ولذا يجب أن نقدر جهودهم في تطوير العلوم، بغض النظر عن خلفيتهم.

مساهمة الشباب في البحوث المجتمعية والنفسية

في الماضي، نظمت عدة جلسات حول موضوعات علم النفس وعلم الاجتماع، لكن لم تكن هناك نتائج كبيرة، لأن الحاضرين لم يكن لديهم الكفاءة اللازمة لإجراء الأبحاث المطلوبة. قبل الثورة، كنت قد نظمت جلسات مماثلة لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر، وكان العلماء المشاركون من غير رجال الدين. كانت أامارهم تتراوح حول الخمسين سنة، وكان أحد المشاركين يعتبر العقل المدبر والمسؤول في القضايا الكبرى. بعض من المقربين من الشاه كان يشاركون أيضًا في هذه الجلسات.

المرأة في تاريخ طويل من الظلم

عندما تم نشر الكتاب المكون من أربعة أجزاء “المرأة؛ المظلومة عبر التاريخ”، جاءَت السيدة پورمحمدي، أخت وزير العدل في الحكومة الثانية عشرة، والتي كانت في ذلك الوقت وزيرة الداخلية، إلى مكتبي وأثنت على الكتاب، لكنها انتقدت عنوانه وقالت إن المرأة في الجمهورية الإسلامية لم تعد مظلومة. دافعت عن هذا الرأي بعاطفة، فقلت لها إن المرأة ما زالت مظلومة في هذه الجمهورية الإسلامية، وذكرت لها حالات من محاكمات نساء يتم سجن أزواجهن المجرمين، حيث يتم معاملة السجناء المجرمين بشكل مريح بينما تعيش النساء معاناة كبيرة.

وأوضحت لها أن الظلم الذي يعاني منه النساء في هذا النظام القضائي ليس من الإسلام، بل هو من سوء تطبيق القوانين، حيث يجب أن يُعتبر تأمين الأسرة أولوية قبل أن يُحكم على الزوج بالسجن. اليوم، أصبح السجن في بعض الحالات بمثابة فنادق فاخرة للمجرمين، بينما يظل الظلم دائمًا هو نصيب المرأة.

التحديات الحديثة التي تواجه النساء

أؤكد أن النساء ما زلن يعانين من الظلم، وأنهن يعانين من مشكلات شهوانية كبيرة. هذا هو التحدي الأكثر إلحاحًا في بلادنا اليوم، وليس القضايا التي تثار تحت مسمى الأمن القومي. عندما لا تتوفر للنساء المسكن أو الوظائف أو الاقتصاد المناسب، فإنهن يتحملن العبء الأكبر من هذه المشاكل. كما أن الظلم المستمر ضد المرأة لا يقتصر على الدول الإسلامية، بل يطال أيضًا الدول الغربية، ويعود ذلك إلى جهل المجتمع وعدم إرادة المرأة في التمرد.

اقتراحات لتمكين النساء

أحد المشاريع التي أؤمن بها هو إنشاء “بنك معلومات للزواج” معتمد على بيانات علم النفس. من خلال تطوير التكنولوجيا، يمكننا بناء هذا النظام لمساعدة الشباب على العثور على شريك مناسب. يمكن لهذا المشروع أن يكون له تأثير إيجابي في تقليل معدلات الطلاق، حيث يعاني الكثير من الناس من زواج غير مناسب بسبب نقص التوجيه العلمي والنفسي. يجب على الحكومة الإسلامية إنشاء مؤسسة لهذا الغرض، كما فعلت مع السجلات المدنية، لتوفير خدمة تضمن الأمن الأسري.

الخاتمة

أؤمن بأن النساء، حتى الآن، ما زلن يعانين من الظلم في كل مكان في العالم، سواء في المجتمعات الغربية أو الإسلامية. يجب أن ندرك التحديات التي تواجههن ونعمل على توفير حلول عملية وواقعية، مثل خلق بنية تحتية تربوية ونفسية تساعد في بناء أسرة مستقرة.

ترجمة النص إلى اللغة العربية الفصيحة

أعتقد أن ثقافة كراهية النساء أصبحت جزءاً من الثقافة العامة لأصحاب المزاج الجاف. هؤلاء يعتبرون المرأة عدواً لهم، ويقللون من شأنها حتى في الأوقات التي من المفترض أن تكون ملكاً لها، حيث يقومون بتحقير شخصيتها وإظهار قدراتها على أنها تافهة وغير ذات قيمة. ومع ذلك، نجد أن النساء اليوم، خاصة جيل الفتيات الحالي، قد حققن تطوراً كبيراً، بل أصبحن أكثر تقدماً من بعض الرجال. في إحدى الحوادث في طهران، تم ضرب عدد من النساء بالعصا من قبل ضابط، حيث ضرب إحدى الفتيات بقسوة على ظهرها وساقيها. انتشر هذا الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار العديد من الفتيات للدفاع عن أنفسهن من خلال تعلم فنون الدفاع عن النفس والرياضات القتالية مثل الووشو، الكاراتيه، والتايكواندو. الآن، إذا حاول شخص ما أن يتعرض لهن بكلمات مسيئة، فإنهن سيردّون عليه بقوة بحيث قد يتسببن في كسر رقبته.

إن النساء اليوم لا يسمحن لأحد بأن يرفع يده عليهن. لم يعد هناك خوف لديهن، بل هنّ قادرات على الدفاع عن أنفسهن في وجه أي اعتداء. حتى في بعض الرياضات القتالية، أصبحت بعض النساء قادرات على تحطيم عظام خصومهن من الرجال بسهولة، وإخراجهم من الحلبة في حالة نزيف وكدمات. على سبيل المثال، رأيت في محافظة لُرستان امرأة شجاعة على ظهر حصانها كانت تقفز بطريقة تكاد تجعل ظهر الحصان ينحني. وهذا يثبت أن النساء لم يكنّ ضعيفات أبداً، ولكن بسبب الثقافة التي سادت في الماضي، كانت تحاول قمعهن وتهميشهن.

لقد كتبت في كتابي حول هذا الموضوع، وقلت فيه إذا كنت في منصب رئيس الجمهورية، لاخترت نصف أعضاء حكومتي من النساء. فالنساء أكثر إلتزاماً، إخلاصاً، واهتماماً بالمسؤوليات من الرجال. هناك العديد من النساء اللواتي يعملن في مجال الكتابة والطباعة، وهنّ يؤدين عملهن بحب واهتمام كبيرين. أخبرت بعض الطلاب أنه رغم أنهم درسوا كثيراً، إلا أنهم لا يمكنهم أداء أعمال بسيطة مثل بعض النساء.

للأسف، في انتخابات البلاد، يتم إخراج النساء إلى الشوارع من أجل الأصوات الانتخابية، وعندما تنتهي الانتخابات، يُراد لهن العودة إلى بيوتهن بالقوة. الثقافة السائدة تحاول عزلهن، فتارة تشجعهن على الإنجاب، وتارة أخرى تدعوهن إلى تقليل عدد الأطفال. هذا التناقض في المواقف تجاه النساء يمثل تلاعباً في حقوقهن.

أما بالنسبة لمسألة الحجاب، فإنني أقول إن ما طلبه الله من المرأة هو ستر العورة، وهو ما يذكر في فقهنا وليس الحجاب بالمعنى المعروف اليوم. لا أعتبر الحجاب على شكل “الشادر” (البرقع) هو الخيار الأفضل من الناحية الإسلامية، على الرغم من أنني أطلب من ابنتي أن ترتديه على سبيل العرف، وليس لأنه أمر ديني. الشادر لا يسمح للمرأة بالحركة بحرية، ولا يمكنها أن تقوم بأنشطة مثل القيادة أو حمل حقيبتها. هذا النوع من الحجاب ليس عملياً في المجتمع العصري.

أما بالنسبة لتحديد سن التكليف للفتيات، أعتقد أنه لا ينبغي أن يُفرض على الفتيات اللاتي لم يصلن إلى سن البلوغ أن يلتزمن بالصوم والصلاة. يجب أن يُعلمهن الصلاة والصوم بشكل تدريبي ومحفز، ولكن لا يجب تحميلهن عبء التكليف في سن مبكرة. التكليف يكون عند الوصول إلى سن البلوغ الفعلي.

وبشأن المهور الثقيلة، فهي تشكل مشكلة حقيقية. عندما يحدد بعض الأزواج مهراً كبيراً فوق طاقتهم، قد يكون هذا مؤشرًا على أنهم لا يمتلكون نية صادقة في الزواج. المهور يجب أن تكون في مستوى معقول، لا تفرط فيها ولا تفرط. إن فرض مهور ضخمة يُفقد الزواج معناه الروحي ويضر بالعلاقات الأسرية.

أما بالنسبة لحقوق الزوج، فإن العلاقة بين الزوجين يجب أن تكون مبنية على الاحترام المتبادل، وأن تكون هناك حميمية وسعادة في الحياة المشتركة بين الزوجين. إن الاهتمام بنشاطات مشتركة وعيش حياة نشطة وسعيدة من الأمور التي تساهم في نجاح العلاقة الزوجية.

من خلال التجارب الحياتية التي نشاهدها، نرى أن بعض الأزواج يواجهون مشاكل بسبب انعدام التواصل والتفاهم بينهما. على سبيل المثال، في بعض الأحيان تظل المرأة أو الرجل يعيش في علاقة خالية من الاحترام المتبادل، مما يؤدي إلى الشعور بالعزلة النفسية والفتور العاطفي. لذا، من الضروري أن يكون هناك حوار مفتوح ودائم بين الزوجين، مع استعداد كل طرف للاستماع بصدق وموضوعية.

بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نتعامل مع مفهوم “الاستقلالية” في العلاقة الزوجية بشكل أكثر توازنًا. بمعنى آخر، يجب على الزوجين أن يدعما بعضهما البعض لتحقيق تطلعاتهما الشخصية والمهنية، مع الحفاظ على التفاهم والاحترام. فكل من الزوجين يجب أن يكون لديه مساحة لتحقيق أهدافه الخاصة، ولكن في نفس الوقت يجب أن يظلوا جزءًا من حياة بعضهما البعض.

أما بالنسبة للمساواة بين الجنسين، فإنني أعتقد أنه يجب أن تكون هناك حقوق وواجبات متساوية بين الزوجين، على الرغم من أن الدور التقليدي للرجال في بعض المجتمعات قد يهيمن على الديناميكية الأسرية. لكن، مع تطور المجتمع، يجب أن نعي أن الرجل والمرأة يمكن أن يتقاسما المسؤوليات بشكل عادل، خاصة في مسائل رعاية الأطفال وإدارة المنزل.

وفيما يتعلق بموضوع الطلاق، أرى أنه يجب أن تكون هناك قوانين تضمن حقوق المرأة في حالة الطلاق، بحيث لا تشعر أنها ستُحرم من حقوقها القانونية أو الاقتصادية. هناك بعض المجتمعات التي تفرض قيودًا قاسية على المرأة بعد الطلاق، مما يحد من قدرتها على العيش بحرية واستقلال. لذلك، من الضروري أن تتيح القوانين حماية حقيقية للمرأة في مثل هذه الحالات.

أخيرًا، في ما يتعلق بالتعليم وحقوق المرأة، أرى أن توفير التعليم المناسب والمتساوي بين الجنسين هو أحد العوامل الأساسية لتمكين المرأة. إذا كانت المرأة تتلقى تعليمًا جيدًا، فإنها تصبح قادرة على اتخاذ قرارات مدروسة ومؤثرة في حياتها الشخصية والمهنية. يجب أن يتم منح النساء الفرص نفسها للوصول إلى المناصب القيادية في مختلف المجالات، لأنهن يملكن القدرة على القيادة والإبداع تمامًا مثل الرجال.

بالختام، يمكننا القول إن تقدم المجتمع لا يتحقق إلا عندما يتم تمكين جميع أفراده، سواء كانوا رجالًا أو نساءً، من ممارسة حقوقهم الكاملة والمتساوية. في هذه الحالة، سيكون المجتمع أكثر توازنًا وعدلاً، وسيعيش جميع أفراده في بيئة تنعم بالسلام والمساواة.

على أية حال، ينبغي لكم أن توجهوا كلامًا للنساء بحيث إذا قالوه لأزواجهن، يجد الأزواج أن ما تقوله زوجاتهن سيؤدي إلى تحسين حياتهم، لا أن تصبح هذه الكلمات سببًا في زيادة القلق والسرية والتعذيب. يجب أن تشجعوا النساء على احترام أزواجهن. ثم، ذكرت له قصة عن إحدى النساء المتعلمات التي كانت زوجة لطلبة علم، حيث حدث خلاف بينهما. كانت القدرات العقلية لهذه السيدة أفضل من زوجها، وقد جاءا معًا إليّ للتوسط بينهما. وفيما كانا يتحدثان، قالت السيدة عدة مرات لزوجها: “أنت لا تفهم، لا تتكلم، دع الشيخ يتكلم”. وبعد أن استمعت إلى أقوالهما، قلت: “في رأيي، السيدة هي المخطئة”. فغضبت السيدة وقالت: “لماذا؟” فأجبت: “لأن زوجك، حتى وإن كان قطعة خشب جافة، يجب عليكِ احترامه أكثر من أي شخص آخر، حتى لو كنتِ أمام نبي الله. يجب أن تعترفي أن زوجك هو جزء من جسدك وحبك، ولا يكون هناك أحد في المكان الذي هو فيه أكثر احترامًا من زوجك. وفي الحديث النبوي، إذا كان من المقرر أن يسجد الناس لأحد غير الله، لكان عليهن السجود لزوجاتهن”. في هذا الحديث لا يُقال أن الناس يجب أن يسجدوا للنبي، بل يتحدث عن درجة الاحترام التي يجب أن تُمنح للزوج من قبل الزوجة. في علم النفس أيضًا، إذا كانت الزوجة مرتبطة بزوجها عاطفيًا، فإنها تحب أن تعيش معه وتريد أن يكون الزوج هو الشخص الذي تحبه. نعم، إذا لم تكن قد أحبته من البداية، فقد تقول “أنا لا أحب زوجي” وقد تُلقي عليه العديد من التهم وتلومه على كل ما يحدث في حياتها.

لكن إذا كانت الزوجة تحب زوجها في البداية، ثم وصلت إلى نقطة تقول فيها “أنا لا أحب زوجي”، فهذا يعني أن هناك خللاً في الزوج نفسه. لأن الزوجة من الناحية النفسية، إذا كانت تحب زوجها، فإنها ترغب في إخبار الجميع أن زوجها هو أفضل رجل في العالم، وبالتالي تبالغ في مديحه وتفخر به. وإذا كانت العلاقة بينهما قائمة على الحب، يجب أن يكون الزوج هو الشخص الأكثر احترامًا في حياتها، والأمر نفسه ينطبق على الزوج تجاه زوجته. إذا كان الزوج حريصًا على الحفاظ على الاحترام المتبادل، يجب عليه أن يقدر زوجته في جميع الأحوال، وألا يتعرض لها بالإهانة بسبب الاعتبارات الاجتماعية.

الفصل السابع عشر:

أنا صاحب أكثر من سبعين ألف بيت شعر، وتسعين بالمئة من أشعاري تتعلق بالله عز وجل. خمسة بالمئة منها تتعلق بالأئمة والولاية، والخمسة بالمئة الباقية تتناول الظلم والعدالة والقضايا الاجتماعية. على أي حال، لا نجد مشكلة أكبر من الله سبحانه وتعالى. أحيانًا تكون الكلمات واحدة، لكن يمكن التعبير عنها بطرق وألفاظ مختلفة، وهذا ليس أمرًا سهلاً، ولكنني أحب ذلك. وقد تساءل أحد الأدباء عن أسلوبي في الشعر، قائلاً إنه لا يوجد نمط معين في شعري، وأني أكرر نفس الفكرة بألفاظ مختلفة، وكل قصيدة تقول نفس الشيء، وهذا بسبب الحب. فالحب يجذب الإنسان، ويأخذك إلى النار، ويجعلك تفنى في بحر من العشق. هذا هو جوهر الحب.

منذ طفولتي، كنت أكتب الشعر. ديواني الذي يحمل عنوان “كليات ديوان نكو” يتضمن أكثر من سبعين ألف بيت من الشعر العرفاني والاجتماعي والديني. قمت بكتابة العروض والمقامات الموسيقية لجميع قصائدي. عندما وصلت إلى قم، بدأت تعليم الطلاب العروض والموسيقى. وقد كتبت كتابًا بعنوان “تعليم مقامات الموسيقى الإيرانية” لزمن مضى. وكان أحدهم قد قال: “هل يعقل أن يُدرس آية الله الموسيقى؟” فقلت له: “هذا الكتاب كان منذ أربعين عامًا. أما الآن، فكتابنا هو ‘فقه الغناء والموسيقى’، وهو يتكون من سبعة أجزاء، ويعالج فلسفة الموسيقى، وتاريخها في الإسلام، وفقه الموسيقى”.

إذا وفقني الله، سأبحث في مسألة “تفضيل الأنبياء”. في هذا البحث، سأعرض سير الأنبياء من الناحية الروحية والعملية، وأقيمهم بناءً على مستوى صفائهم الداخلي وفضائلهم وأعمالهم. بعض المقدمات لهذا العمل قد تمت، ولكن للأسف، هناك العديد من العوائق التي منعتني من استكماله. كما أنني أعمل على موضوع “محاكمة الشعراء”، وقد قمت بتقييم جميع قصائد حافظ، ثم بدأت في دراسة “بوستان” و”گلستان” لسعدي. إذا تيسر لي الوقت ورفعت العوائق، سأقدم أعمالًا نقدية عن “المثنوي المعنوي” و”شاهنامه”.

ديوان الأشعار

في الماضي، كنت أقرأ بعض الأدعية والأذكار، لكن لم تكن هناك صلة بيني وبينها، لم تكن تؤثر في نفسي بشكل كبير. ولكن عندما قرأت الأشعار المنسوبة إلى مولانا علي عليه السلام، شعرت بتأثير كبير، وبدأت دموعي تنهمر. قلت في نفسي: “لابد أن هذه الأشعار كانت مليئة بالمعاني العميقة، وهذا هو سبب تأثيرها”. في الواقع، كل شخص لديه طريقه الخاص إلى الله. كل دعاء أو مناجاة يعبر عن مسار الفرد الخاص. كل شخص يعبر عن مشاعره تجاه الله بطرق مختلفة.

لقد جلست أمام أساتذة من هذا النوع. كان يتحدث عن الله بأقوال غريبة. على سبيل المثال، كان يقرأ هذه الأبيات: “يا إلهي الذي جعلتني أشتعل/ إن سجَدتُ لك فما فائدة ساقي؟”. كان يعتقد أن الإله الذي يعتقده الفقهاء قاسي وديكتاتوري. كان يقرأ الأبيات التالية: “مات عبادك من الجوع/ حتى تعتدّ بأنك رزاق”. كان يقول، إذا كان الله رزاقاً، فلماذا يموت الناس جوعاً؟ كنت في حضرة هذا الرجل العظيم، كنت أركز في كلامه وأعيره اهتماماً كبيراً. كنت أعد له الطعام من لحم وخبز، وأعبر الصحاري لأقدمه له ليأكله. كنت أرغب في أن أرى كيف سيتطور الجدل بين هذا الرجل وبين الله. أردت أن أقول له، ما القوة والمعرفة التي تملكها أمام الله؟ لقد رأيت الله في طفولتي وعرفته بحب. منذ طفولتي كنت أقول، لماذا يتحدث الناس عن الله بكل هذه الخرافات؟ في الواقع، لا يوجد حضور حقيقي لله في هذه النظريات. ومع ذلك، كنت تقول إن الله قاسي وظالم. الله ليس كذلك. الله ليس من يشتعل بالنار. في بعض الأحيان، نحن من نشتعل بالنار في قلبنا. ما هذه الأقوال التي تتحدث بها عن الله؟

باختصار، أدركت أن حالة علمهم ومعرفتهم عن الله كانت غير منظمة. كانوا يقولون إن الله ليس قادراً على خلق مخلوق يشبه ذاته. وكون الله ليس له مثل، هو أمر يتعلق باستحالة ذاتية ولا يمكن أن يكون. لذلك، فإن قدرة الله على خلق شيء مشابه لنفسه ليست موضوعاً قيد النقاش. في الواقع، الله قادر وقوي، لكنه ليس قاسياً أو ديكتاتورياً أو ظالماً. الله جميل جداً ورفيع. الله رحيم ومحبوب وشريف.

لقد كتبت مئات الكتب التي دفنت الكثير منها تحت الأرض أو تفرقت في أماكن أخرى. لا يوجد أي منها في منزلي أو في متناول يدي. في فترة الطاغوت، كان منزلنا يتعرض للتفتيش بشكل مستمر من قبل جهاز الأمن. بعد الثورة، سرق البعض بعض هذه الكتب، ومنذ فترة، يتم تفتيشها بين الحين والآخر تحت مبررات مختلفة. طبعاً، هم يبحثون عن شيء آخر، لكن كما قال القرآن الكريم، رغم أن أعينهم تجوب بحثاً عن عيب أو خلل، فإن أعينهم ترجع إليهم خاسئة. أصبحنا محترفين وأصبحنا ندفن كتبنا المهمة تحت الأرض. ربما تتعفن هذه الكتب وتندثر، وليس هناك مشكلة في ذلك، فكل شيء يحدث بحكمة الله. بقاء هذه الكتب يعتمد على لطف الله ورحمته. أشعاري في هذه الكتب هي الأجمل. لدي ثلاثون مجلداً من الشعر الذي كتبته في أنواع مختلفة من الأشكال الشعرية مثل الغزل، المثنوي، القصيدة، الرباعيات، والدوبتي، وقد تفكك بعضها إلى أكثر من مائة وخمسين مجلداً. هذه الأشعار بالنسبة لي هي الأحلى والأكثر تأثيراً، لدرجة أنني عندما أقرأها، تنهمر الدموع من عيني. أقول لنفسي، هذه الأشعار هي مناجاتي وتفاصيل حالتي الروحية. هذه الأشعار هي تجلياتي. محتوى هذه الأشعار هو مصيري وهويتي. لقد رأيت الله وكتبت شعراً حبياً عنه. الله الذي عرفته في هذه الأشعار هو جميل جداً؛ كما رأيته في رؤياي. لو تم تقديم الإله الذي عرفته بهذه الطريقة إلى أي كافر أو مشرك، فإنه سيعشق هذا الإله حتى وإن لم يعتنق الإسلام. قد لا يعتنقون الإسلام، لكن حب الله سيتسرب إلى قلوبهم. لقد جربت تأثير هذه الأشعار على أفكار ونفوس الكفار. أخبرتهم، لا أريد أن أدعوكم إلى دين الإسلام، بل أريد أن أقدم لكم إلهي وأعرف كيف سيكون حبكم له. كانوا يقولون، نحن نحب إلهك. طوال حياتي، قمت بهذا الاختبار، وكانت النتائج دائماً تشير إلى قبول سهل وسريع لله الذي أعبده.

جميع الآلهة في الأديان تمتلك الكمالات، لكن الفرق بين إلهي وآلهة الأديان الأخرى هو أن إلهي لا يوجد فيه قسوة أو ديكتاتورية. كل ما فيه هو الجمال والحب والصفاء. إلهي هو المرحوم والمُعطف. يمتلك جميع الأسماء والصفات الكمالية المعروفة، لكنه لا يمتلك القسوة. لو قدمنا الله بهذه الصفات والأسماء للعالمين، فإن ذلك سيعود علينا نحن العلماء والفلاسفة بنتائج جيدة، أولاً لأننا لن نتورط في مشكلات واختلافات دينية، ولن نتعرض لبعضنا البعض بالاعتراضات. ثانياً، سيعود هذا بالفائدة على الناس العاديين، الذين هم في الواقع أسرى لعلمنا ومعرفتنا الخاطئة، والمسلمين الذين يعانون من الإسلام الخاطئ الذي نقدمه لهم. يجب أن ندعو الله أن يوفقنا لهذا الأمر.

أشعاري، في آخر عمري، سأكشف عنها. أخشى من نشرها بسبب محتواها الخاص. أدعو الله أن لا نكون نحن العلماء والفلاسفة سبباً في إساءة فهم الدين وجر الناس إلى التعاليم الخاطئة. يجب ألا نعرف الناس بالله كما نعتقد في معرفتنا القاصرة، بل يجب أن نقدم لهم صورة صحيحة وجميلة عن الله. لا يجب أن نلصق بالله قشرة من أفكارنا غير الكافية. البعض يقدم صورة لله ويقول هذه هي الحقيقة، وكل ما أراه وأدركه هو الدين النقي.

لقد تناولت هذه الموضوعات في مئات الأبيات الشعرية، وقد تمت هذه المعالجة بدقة ورفق. في أشعاري، يتم تصوير الكون في قلب الحق سبحانه وتعالى. إذا تم قراءة أشعاري بعد حياتي، سيظهر أنه لم يتم مناقشة موضوع الوحدة بهذا التفصيل العميق من قبل خلال ألف عام، وستقوم معركة فكرية عظيمة بين الشعر والمعرفة. وكل من يقرأ هذه الأشعار، سيقرأ سورة الفاتحة على قبري. في أدبنا الصوفي، يقول البعض أن مجنون كان يبحث عن ليلى، وأن ليلى هي رمز الله. لكن الله حينما اعترض على كون الملائكة أنثى، كيف يمكن أن تكون ليلى هي رمز الله؟ الله لا يمكن أن يكون في صورة أنثوية كما يرى البعض. ليلى هي امرأة، وليست رمزاً، والله ليس أنثى ولا ذكر. الله هو الحب المطلق.

حتى أن الناس يقبّلون حذاء أبي الفضل (عليه السلام)، وإذا لم يكن هذا الكتاب قد أهداه لي أحد، لما كان لديّ كتاب يناسب ذلك العامل، لأنه كان يبحث عن كتاب يتضمن صورًا ويوافق أفكاره وروحه. يجب على مجتمعنا أن يُتقن لغة دينه ويفهمها، كما يعتقد الجميع أن إتقان اللغة الإنجليزية أمرٌ ضروري. إن إتقان لغة الدين أيضًا ضروري، ففي هذا العصر، حتى لاستخدام المرافق الصحية، يحتاج الشخص إلى معرفة اللغة الإنجليزية، لأنّ رمز المرافق الصحية هو “WC”. معرفة لغة الدين تعني اللغة العربية، وهذا أمرٌ واضح ومعروف. من لا يعرف “WC” ولا يجيد الإنجليزية بالحد الأدنى المتعارف عليه في مجتمعنا، يُعتبر أميًّا. يجب أن يُعتبر إتقان اللغة العربية بنفس القدر من الأهمية، مثلما يُعتبر إتقان اللغة الإنجليزية لغة العلم في العصر الحديث. للأسف، نحن لا نتقن حتى لغتنا الأم كما ينبغي. ولكن عندما يكون عقل الإنسان مستودعًا للمعرفة والمعلومات، من الطبيعي أن تكون معرفة هذه اللغات الثلاث أمرًا ذا أولوية وضرورة.

كما قلت سابقًا، قمت بنقد جلسات الشعر الليلية، وقلت إنه لا معنى لأن يجلس بعض الرجال والنساء في الظلام ويقرؤون القصائد لبعضهم البعض. يجب أن تتضمن هذه الجلسات محاكمة للشعراء بحيث يتم تحليل مضمون الأشعار ونقدها، ولا تقتصر فقط على المدح والتشجيع. بعض الأشعار تحتوي على أخطاء فلسفية وروحية. في إحدى المرات، دعوني إلى جلسة شعر في أصفهان، وهناك قمت بتنفيذ فكرة محاكمة الشعراء. كان من المقرر أن تستمر هذه الجلسة لثلاث ليالٍ، ولكنها انتهت في الليلة الأولى فقط. وقد وافق الحضور على نقدي، وقالوا إن مجرد الجلوس في جلسة شعر وتهنئة بعضنا البعض لا يؤدي إلى نتيجة. يمكننا تصحيح الشعر مثل تصحيح إملاء الطلاب، ويُعتبر صحيحًا أو خطأً ويمكن تقييمه. على سبيل المثال، يمكن أن تكون درجة شعر ما 1 أو 2، بينما درجة أخرى قد تكون 6، وأما الدرجة الكاملة “20” فهي نادرة. كنت أرغب في تطبيق فكرة محاكمة الشعراء في الحوزات العلمية، على الأقل لمحاكمة عشرة من أبرز شعراء البلاد وتحليلهم نقديًا. النتيجة الأولى التي ستترتب على هذا العمل هي أن العالم سيقبل ثقافة وآداب الشعراء الإيرانيين. وهذا أمرٌ مهم جدًا، وسوف يسهم في تطوير الأدب الإيراني من خلال النقد الصحيح.

أما عن الشعر، فقد كنت في صغري أكسب مئتي تومان شهريًا، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت. كنت أنفق جميع هذا المال في نفس اليوم. إذا كان والدي على قيد الحياة، لكان قد انتقدني على إنفاق كل المال، قائلاً إنني أضعت كل شيء. كنت أنفق جميع ما أملك لدرجة أنني لم أحتفظ بأي مبلغ، وأعتبر أن الفقر هو حالي، ولكن ذلك لم يكن يرضيني، فقد كنت أهب كل شيء اشتريته للآخرين، مثل السترات، السراويل، الدراجة، والساعات. حتى أنني اشتريت كفنًا وأعطيته لشخص شيوعي، وبعدها أصبح شيعيًا بسبب ذلك الكفن. كما أنني أعطيت شهادة القيادة لشخص، وبعد عشرين عامًا جاء ليعيدها. كنت أرى أن الاحتفاظ بالممتلكات لنفسي هو نوع من الغباء والهدر.

الشعر هو مرآة للشاعر، يمكن للمرء أن يستنتج معتقدات الشاعر وآرائه من أشعاره، لكن لا يمكن فعل ذلك مع كتابات الكاتب النثرية، حيث قد يُعدل الكاتب كتاباته، وقد يخفي بعض أفكاره. الشعر يعكس أفكار الشاعر الحقيقية، بينما النثر قد يختلف. في طفولتي، كنت أحفظ العديد من الأبيات الشعرية. وعندما كان يتحدث إليّ أحد، كنت أجيبه بالشعر. أتذكر أنني كنت أرغب في الانضمام إلى أحد أماكن التصوف، لكنهم لم يسمحوا لي بالدخول إلا بعد اجتياز بعض الاختبارات. في يوم من الأيام، قابلت شيخًا من تلك الجماعة، وطرحت عليه العديد من الأسئلة التي أجبت عليها بالشعر. بعد حديثنا، أشار إليّ الشيخ إلى شخص آخر في المدينة وطلب مني أن أذهب إليه لأتعلم المزيد. وعندما ذهبت إليه، قال لي الشيخ إنه من الأفضل لي أن ألتزم بالطريق الروحي الصحيح.

فصل الثامن عشر: أسلوب التغذية
الحفاظ على الصحة البدنية

عادةً ما يعيش الإنسان وفقًا لأفكاره، وإذا دخلت الأفكار الصحيحة في حياة الإنسان، تحدث تغييرات هامة وتتحول حياته. كنت أعرف عالِمًا كان يعاني من ضعف في قدميه. نصحته أن يتناول لحوم وأطراف خروف لكي يتحسن، لكنه اعترض وقال إن دخله يأتي من مصروف الطلاب وهو قليل لا يكفي لسد حاجات أسرته. وأضاف أنه إذا اشترى لحومًا، فأسرتُه ستظن أنه غير رحيم وأناني، حيث يأكل لحومًا بينما هم يأكلون “آب‌گوشت” (يخنة لحم بسيطة). في هذه الحالة، المرض أفضل من الصحة. فأجبته: “للأسف، لم تُربِّ أولادك تربية جيدة، وعليك تغيير نظرتك. يجب أن تقول لهم إنك تأكل اللحوم لتحصل على الشفاء كي لا تفقد نعمة الأب السليم”. وهذا هو العلم الحقيقي. إذا كانت لدى الإنسان هذه الرؤية وكان صادقًا في حياته، فإنه سيتغير وتتحسن حالته. لديّ ثلاجة خاصة بي، منفصلة عن ثلاجة عائلتي، وهي مليئة بالأطعمة وتحتوي على ما هو أفضل من ثلاجة العائلة. أحيانًا أشتري كيلو واحد من اللحم الذي يكفيني لشهر كامل. وإذا كانت هناك كميات أكبر من اللحم، فإنها تختفي بسرعة. في الماضي، كانت أوضاع الطعام والمأكل مختلفة وكان الناس يعانون من الجوع. أتذكر علماء مثل المرحوم السيد إلهي والسيد شعراني والعلامة الطباطبائي الذين كانوا يعانون من رعشة في أجسامهم بسبب ضعفهم الجسدي، وكانت تلك الرعشة تمنعهم من أداء الكثير من الأعمال المفيدة. لقد بذلنا جهدًا كبيرًا في الدراسة والبحث، وإذا لم نتمكن من استخدام هذه الجهود لخدمة الدين والمجتمع، فإن حياتنا تكون ضائعة. لذلك، أُعير أهمية كبيرة لصحتي وقوتي الجسدية كي لا أكون عبئًا على الآخرين بسبب ضعف جسدي أو مرض في المستقبل. إذا أكل الإنسان بنية خالصة لله وكان هدفه هو الخدمة، فإن هذا أمر رائع. إذا تناول شخص طعامًا مثل الدجاج المشوي وكان هدفه صادقًا وكان يريد التقرب إلى الله، فلا حرج في ذلك، لكن يجب أن يكون الهدف نفسه موجودًا حتى عند تناول الطعام العادي مثل الخبز واللبن. وإلا فإن هناك شكوكًا حول صدقه. يمكن للإنسان أن يكون في حالة مالية مريحة ويعيش في رفاهية، لكن نواياه قد تكون متجهة نحو الله، وبالتالي لا عيب في ذلك. رحمه الله الإمام، كان يقول: “أنا أكرر ما أقوله حتى تصدقوا كلماتي وتقتنعوا بها، ولا خيار آخر”. دعوني أروي لكم تجربتي. أحيانًا أشعر بالتعب، وأحيانًا أكون مستيقظًا فقط لمدة عشر دقائق طوال اليوم، وأحس أن حالتي النفسية والفكرية غير منظمة. بعض الناس يشعرون بالقلق عليّ بسبب ذلك ويقترحون عليّ أن أذهب إلى المسبح للراحة. وفي إحدى الأيام، دخلت إلى حمام السباحة ولكن لم أسبح؛ لأنني كنت خجلاً من التعري واعتقدت أن ذلك غير لائق. لكن، كان من حولي يصرون على أنني بحاجة إلى الراحة. لذلك، اشتريت حوض استحمام بمبلغ خمس مئة ألف تومان ووضعته على سطح المنزل. وضعت عليه قماشًا برزنتيًا لكي لا يتسخ الماء ولا يتعرض لأشعة الشمس. باختصار، كان لدي “بحر شخصي” يمكنني استخدامه إذا اعترض أحدهم. بالطبع، تكاليفه دفعتها شخصيًا! ينبغي للإنسان أن يستخدم عقله ويتجنب التصرفات الحمقاء في أفعاله وأعماله. يمكن للإنسان أن يبني بحرًا ويكون له نية طيبة، بينما قد يأكل رغيفًا جافًا بنية فاسدة. النية في كل شيء مهمة، سواء كانت في الراحة أو العمل.

ChatGPT said:

فصل الثامن عشر: أسلوب التغذية
الحفاظ على الصحة البدنية

عادةً ما يعيش الإنسان وفقًا لأفكاره، وإذا دخلت الأفكار الصحيحة في حياة الإنسان، تحدث تغييرات هامة وتتحول حياته. كنت أعرف عالِمًا كان يعاني من ضعف في قدميه. نصحته أن يتناول لحوم وأطراف خروف لكي يتحسن، لكنه اعترض وقال إن دخله يأتي من مصروف الطلاب وهو قليل لا يكفي لسد حاجات أسرته. وأضاف أنه إذا اشترى لحومًا، فأسرتُه ستظن أنه غير رحيم وأناني، حيث يأكل لحومًا بينما هم يأكلون “آب‌گوشت” (يخنة لحم بسيطة). في هذه الحالة، المرض أفضل من الصحة. فأجبته: “للأسف، لم تُربِّ أولادك تربية جيدة، وعليك تغيير نظرتك. يجب أن تقول لهم إنك تأكل اللحوم لتحصل على الشفاء كي لا تفقد نعمة الأب السليم”. وهذا هو العلم الحقيقي. إذا كانت لدى الإنسان هذه الرؤية وكان صادقًا في حياته، فإنه سيتغير وتتحسن حالته. لديّ ثلاجة خاصة بي، منفصلة عن ثلاجة عائلتي، وهي مليئة بالأطعمة وتحتوي على ما هو أفضل من ثلاجة العائلة. أحيانًا أشتري كيلو واحد من اللحم الذي يكفيني لشهر كامل. وإذا كانت هناك كميات أكبر من اللحم، فإنها تختفي بسرعة. في الماضي، كانت أوضاع الطعام والمأكل مختلفة وكان الناس يعانون من الجوع. أتذكر علماء مثل المرحوم السيد إلهي والسيد شعراني والعلامة الطباطبائي الذين كانوا يعانون من رعشة في أجسامهم بسبب ضعفهم الجسدي، وكانت تلك الرعشة تمنعهم من أداء الكثير من الأعمال المفيدة. لقد بذلنا جهدًا كبيرًا في الدراسة والبحث، وإذا لم نتمكن من استخدام هذه الجهود لخدمة الدين والمجتمع، فإن حياتنا تكون ضائعة. لذلك، أُعير أهمية كبيرة لصحتي وقوتي الجسدية كي لا أكون عبئًا على الآخرين بسبب ضعف جسدي أو مرض في المستقبل. إذا أكل الإنسان بنية خالصة لله وكان هدفه هو الخدمة، فإن هذا أمر رائع. إذا تناول شخص طعامًا مثل الدجاج المشوي وكان هدفه صادقًا وكان يريد التقرب إلى الله، فلا حرج في ذلك، لكن يجب أن يكون الهدف نفسه موجودًا حتى عند تناول الطعام العادي مثل الخبز واللبن. وإلا فإن هناك شكوكًا حول صدقه. يمكن للإنسان أن يكون في حالة مالية مريحة ويعيش في رفاهية، لكن نواياه قد تكون متجهة نحو الله، وبالتالي لا عيب في ذلك. رحمه الله الإمام، كان يقول: “أنا أكرر ما أقوله حتى تصدقوا كلماتي وتقتنعوا بها، ولا خيار آخر”. دعوني أروي لكم تجربتي. أحيانًا أشعر بالتعب، وأحيانًا أكون مستيقظًا فقط لمدة عشر دقائق طوال اليوم، وأحس أن حالتي النفسية والفكرية غير منظمة. بعض الناس يشعرون بالقلق عليّ بسبب ذلك ويقترحون عليّ أن أذهب إلى المسبح للراحة. وفي إحدى الأيام، دخلت إلى حمام السباحة ولكن لم أسبح؛ لأنني كنت خجلاً من التعري واعتقدت أن ذلك غير لائق. لكن، كان من حولي يصرون على أنني بحاجة إلى الراحة. لذلك، اشتريت حوض استحمام بمبلغ خمس مئة ألف تومان ووضعته على سطح المنزل. وضعت عليه قماشًا برزنتيًا لكي لا يتسخ الماء ولا يتعرض لأشعة الشمس. باختصار، كان لدي “بحر شخصي” يمكنني استخدامه إذا اعترض أحدهم. بالطبع، تكاليفه دفعتها شخصيًا! ينبغي للإنسان أن يستخدم عقله ويتجنب التصرفات الحمقاء في أفعاله وأعماله. يمكن للإنسان أن يبني بحرًا ويكون له نية طيبة، بينما قد يأكل رغيفًا جافًا بنية فاسدة. النية في كل شيء مهمة، سواء كانت في الراحة أو العمل.

أنا أحب إعداد الشامي في بعض الأحيان، وأستخدم الجزر في تحضيره. أولاً، أستخلص عصير الجزر، ثم أستخدم تفالته في تحضير الشامي. هذا يساعد على جعل الشامي أكثر لوناً ورائحة جميلة، ويضفي عليه مظهراً جذاباً، ويزيد من رطوبته مقارنةً بشامي البطاطا الذي يميل إلى الجفاف. الشامي الذي يحتوي على الجزر يصبح لونه أحمر ولذيذاً للغاية.

أنا كثيراً ما أستخدم “ترشي السّير” (مخلل الثوم). أعده بنفسي بوضعه في الخل. المخللات التي أستخدمها حالياً تعود إلى عشرة أعوام مضت.

عندما بدأت الوجبات السريعة تنتشر، ذهبت في يومٍ لمراقبة أحد مطاعم الوجبات السريعة. أخذت قائمة الطعام وطلبت من صاحب المطعم أن يوضح لي الفرق بين هذه الأطباق. بعد سماع بعض التوضيحات، اخترت أحد الأطباق وأحضرت بعض الأطعمة الأخرى معي. أنا بحاجة لأن أعرف ما هو موجود في المجتمع وما هي الأذواق المختلفة للناس وما هي الأشياء التي يميلون إليها.

في رأيي، أفضل أنواع اللحوم هي لحوم الأغنام، وخاصة لحم الخروف الذكر الذي يسمى “شيشك”. أما لحم الأغنام الإناث أو الكبش فلا يمتلك نفس القيمة الغذائية. بالمقابل، لحم الدجاج يعتبر أفضل من لحم الخروف الذكر (الديوك).

لكن هناك طعام آخر هو “مخ العظم”، الذي يعتبر من الأطعمة التي لا تُقدّر قيمتها الغذائية، خاصةً من الناحية الروحية. إن قيمة المخ كبيرة جداً، وتُقرب الإنسان إلى التجرد الروحي. المخ لا يحتوي على خشونة العظام أو اللحم، بل يحتوي على خصائص الأعشاب والنباتات التي يأكلها الحيوان. هذا النوع من الطعام يناسب الأشخاص الذين ليس لديهم زيادة في الوزن أو دهون زائدة في أجسادهم. وعلى من يتناولونه أن يشربوا عصير الليمون أو الثوم معه. ويعتبر “مخ العظم” مناسباً جداً للنساء في الأشهر الأخيرة من الحمل.

الماء البارد، بالنسبة للأشخاص الأصحاء، يعزز النشاط ويقوي المعدة والأمعاء. لكن لا يُنصح به للأشخاص الضعفاء أو المرضى لأنه يزيد من تفاقم حالتهم.

الماء يمكن أن يزيد من قوة الإرادة في الجسم. بدلاً من أن “يُكسر” الجسم بالماء، يمكنه أن “يكسر” الماء ويمتصه بطريقة أكثر فعالية.

أما الشاي، فهو بالنسبة لي كالعلاج السحري للجسم. بالطبع، يجب أن يكون طازجاً، لأنه إذا ترك لفترة، يتحول إلى سم. كلما كان الماء المستخدم في الشاي أكثر غلياناً، كانت خصائصه أفضل. ولكن إذا تم غليه عدة مرات، يتحول إلى ماء سام.

عندما أستعد للذهاب إلى الفصل الدراسي في الصباح، أكون في حالة من النشاط، وأتناول فطوراً مع كوب من الشاي الساخن والمركز! إذا كان لديّ دروس، فإنني أتناول فطوراً مطهوّاً. أما إذا لم تكن هناك دروس، فإنني آكل أي شيء متوفر على المائدة كفطور. لأنني إذا لم أتناول فطوراً كاملاً، وعملت ثلاث ساعات في المحاضرة، فإن أعصابي تتوتر وهذا ضار لي. إذا كانت الدروس مستمرة، فإن فطوري يجب أن يكون ساخناً، ولكن إذا لم تكن هناك دروس، فإن أحداً في المنزل لا يهتم بإعداد فطور ساخن لي. في الأيام التي لا أذهب فيها إلى الدرس، لا أشعر بالرغبة في تناول وجبة الغداء، وإن كنت أحياناً أتناولها، لكن ذاكرتي لا تستوعبها. في فترة العصر، يبدأ الشعور بالجوع مجدداً.

عادةً، أنا أتناول وجبتين في اليوم، الفطور والعشاء. معدتي وذاكرتي تقبل الطعام في هذين الوقتين فقط. لذلك، إذا كان بالإمكان، أُحجم عن تناول الغداء لأنني أعتبره تبذيراً وحراماً. وإذا دعيت إلى الغداء، فإنني أؤجله قدر المستطاع لأن ذاكرتي لا تقبل ذلك الطعام. وعندما لا تقبل الذاكرة الطعام، فإن تناول الطعام يصبح مجرد تبذير لا فائدة منه. عادةً، أنام قليلاً في الظهر، وبعد ذلك أشعر بالجوع. ولذلك، من غير المستحسن أن أذهب إلى العشاء في دعوة خارجية. وإذا تناولت العشاء، فإنني أعتبره غير مفيد وعبثياً. لذلك، لا أُفضل الذهاب إلى الدعوات الليلية.

الإنسان الذي يحتاج إلى الطعام وإذا لم يحصل عليه، يبدأ جسمه في أكل نفسه، لكنني أتحكم في هذه العملية وأحافظ على نشاطي وحيويتي. بمعنى آخر، لديّ نوع من “الجوع الذاتي” و”الشبع الذاتي”. الجوع مهم للجسم، وإذا لم يشعر الإنسان بالجوع، فإنه يموت. من فوائد الصوم أنه يخلق هذا “الجوع الذاتي” في الجسم. الشخص الذي لا يشعر بالجوع ولا يملك شهية الطعام، يبدأ عقله في التقلص، ويصاب بأمراض مثل الزهايمر وفقدان الذاكرة. بالطبع، يجب أن تكون التغذية متوافقة مع طبيعة الجسم، وأن يأخذ كل شخص بعين الاعتبار طبيعته الفردية.

طريقتي المعتادة في الحياة هي العمل لمدة عشرين ساعة في اليوم. أستطيع الحفاظ على هذا النشاط بفضل الرياضة، والتغذية المناسبة، والهواء الصحي، والتنفس السليم. طعامي هو من إنتاجي الشخصي ويعتمد على علم النفس الغذائي. أدمج الخضروات بطريقة خاصة بحيث يصبح منها شراب حلال يبعث النشاط والقوة، كما يحدث مع النبيذ الطهور الذي أملك وصفته الخاصة.

في الوقت الحالي، عيشتي مختلفة. بعد الأحداث التي حصلت في عام 93، قررت أنني سأتحمل كافة نفقاتي الغذائية بنفسي. في هذه الفترة، أطلب أفضل الطعام لفطور الصباح، وأتناول طعاماً جيداً في المساء. هذا ليس بسبب أنه يتعين عليّ، بل لأنني بحاجة إلى مقاومة من يريدون إضعافي.

في شبابي، كنت آكل مرة واحدة فقط في الأسبوع، وكنت أحتاج إلى نصف ساعة من النوم في الأسبوع فقط. أما في الوقت الحاضر، فقد أصبح لي فصل خاص من الطعام في حياتي.

في الماضي، كنت أذهب إلى طهران كل يوم جمعة، وأتناول وجبة واحدة فقط. كنت أعيش في قم، وكان طعامي في تلك الفترة يتكون من الحليب الخام والماء البارد فقط. كانت الأيام تلك صعبة، لكنني أستطيع الآن أن أعيش بصورة أقوى وأدعم سعيي لتحقيق أهدافي العلمية.

كان يقول: لو لم يرَ الشيخ القوانين وكتب الرسائل، وكان يزعم النبوة، لقبلت هذا الكتاب كمعجزة له. وبالفعل، هذا هو الحال. كتاب “المكاسب” و “الكفاية” لهما نفس القوة. كان هؤلاء العلماء الربانيون يأخذون عملهم على محمل الجد، وكان لهم طموحات وأهداف سامية، وهذا ما جعلهم عظماء. الشخص الذي يكون له هدف وطموح، فإن هذا الهدف يمنحه طاقة وحياة، وحتى إذا كان يعاني من مرض مثل السرطان، فإنه لن يسمح لهذا المرض بأن يؤثر عليه أو يقتله. هذا الأمر هو حقيقة مثبتة في علم النفس. نفس الشخص الذي يلاحق هدفاً ما، يضخ طاقة له، ويصد الأمراض الصعبة مثل السرطان من جسده باستمرار حتى يصل إلى مراده. بالطبع، هناك آلام وصعوبات في هذه الرحلة. على أي حال، “من أراد، استطاع”، والطموح يمنح الإنسان القوة والطاقة. قدمت هذه المقدمة لأقول إن لي طموحاً وحكماً عظيماً يجب عليّ السعي لتحقيقه. والآن، في وقت النزاع مع مافيا نهروانية، يجب أن أتناول غذائي بطريقة تتناسب مع الضغوطات التي يفرضونها، وإلا فإن هذه الضغوط ستؤدي إلى مرضي بسبب كثرة الدراسة والبحث، التي قد تضر جسدي. بالطبع، التدريس والتحدث للطلاب كان نوعاً من تفريغ هذه الضغوطات. أما الآن، مع توقف الدروس، فإن مجرد الدراسة والتفكير، بعيداً عن ضغوطات الأعداء، يولد ضغطاً داخلياً، وهذا يمكنني السيطرة عليه عن طريق قول الشعر. من جهة أخرى، فإن العلوم والمعارف التي توجد بداخلي أو التي تصل إليّ، إذا لم أكتبها وأتحكم فيها، تصبح ضغوطاً، ويجب أن تفرغ. مثال على ذلك هو دورة “جملگان جاويد” التي صدرت في خمسة وثلاثين مجلداً. كتبت هذه الدورة عندما كانت الدروس متوقفة، في الحدائق أو في الطريق أو في الحافلة أو السيارة. كتاب “شكران عصيان” و “تدفق الإيمان والكفر” هما أيضاً من هذه الفترة، رغم أن الطلاب أجروا بعض التعديلات على كتاب “تدفق الإيمان والكفر” أثناء مراجعته، وأخذوا منه بعض التغييرات التي أزالت وحدة الكتاب كما في “جملگان جاويد”. لكنني أعتبر هذين الكتابين من وحي قلبي. على أي حال، هذه المعارف تجول في داخلي، وإذا لم أكتبها، ستسبب لي مشاكل، إلا إذا كانت الدروس قائمة، بحيث يتم تقليص الضغوط الطبيعية بالكلام. لهذا السبب، فإن الأعمال التي أقوم بها أثناء الدروس تختلف عن الأعمال التي أمارسها في فترات توقف الدروس، وأتحكم في قوتها الطبيعية بهذه الطريقة.

في إحدى الليالي، تسبب لي هذه الضغوطات الطبيعية بمشكلة كبيرة حتى الساعة الثامنة والربع صباحاً، حيث وصل الضغط إلى درجة الانفجار وكان يحتاج إلى تفريغ. شعرت وكأنني كنت على وشك الانفجار داخلياً، وإذا ذهبت إلى الدرس، فلن يكون له أي جودة. ارتديت ملابسي، وأردت أن أفتح صمام الأمان لهذه الضغوط، فذهبت بسيارتي إلى المقبرة. قلت للطلاب أنني ذاهب للطبيب للعلاج، وكان قصدي بالطبع المقبرة. ولكنهم، لأنهم لم يلاحظوا، غيروا كلامي وقالوا إن الدرس متوقف لأن الحاج آقا ذهب إلى المستشفى. مكثت في المقبرة لمدة ساعة ونصف. وعندما أردت العودة، لم أكن أعرف أين وقفت سيارتي أو في أي شارع كانت، ولكنني كنت أعرف من أين دخلت. بدأنا بالبحث عن السيارة حتى اكتشفت أين هي. بالطبع، أنا حريص على سلامتي وأتخذ الحيطة، لكن أحياناً قد يحدث ذلك مرة أو مرتين في السنة. أحد الطلاب، الذي سمع بهذا، استغل الأمر كذريعة، وكلما كان يواجه مشكلة معي، كان يقول إن الحاج آقا ليس هنا. مع أنني أستحضر كل شيء بدقة تامة من غير نقصان أو زيادة في موضعه.

عقل وقلب الشاب

“أنا إن كنت شيخاً، فبقلبي عقلٌ شابٌ، وما زلت أتمنى عشق الحياة في هذا العالم”.

حينما كنت صغيراً، سمعت هذه الأبيات من الوعاظ في مجالس العزاء. كانوا ينشدون هذه الأبيات على لسان حبيب بن مظاهر. كنت أحب هذه الأبيات كثيراً. يجب أن تبقى العقل شاباً دائماً. العلماء الدينون الذين يواجهون جميع هذه المشاكل، يطيلون أامارهم بسبب استمراريتهم في قراءة القرآن الكريم والعبادة، وقد يعمرون نحو مئة عام، ويبقى عقولهم شابة. العلماء الربانيون أحياناً يعيشون قرابة مئة عام، وما زالوا في كامل نشاطهم. هؤلاء لديهم القدرة على توليد الطاقة من خلال عباداتهم اليومية، صلاة الليل، قراءة القرآن الكريم، وكذلك دراستهم العلمية. هذه الطاقات المكتسبة تبقي أعضاء أجسادهم شابة. قلب هؤلاء العلماء الذين قرأوا القرآن الكريم وأنتجوا العلم والطاقة يصبح قلباً مضيئاً، بحيث أن كفاءته تتفوق على كفاءة قلب الشاب الذي لا يهتم بالعبادة والدراسة.

الرياضة وتحفيز النشاط

في فترة شبابي، كنت أمارس الكاراتيه والتايكوندو والمصارعة. كما كنت ألعب كرة الطائرة. في منطقتنا، لم تكن كرة القدم شائعة. لكنني ما زلت أمارس الرياضة حتى اليوم. في مكتبي توجد معدات مثل القضبان، الدمبل، الدراجة الثابتة، جهاز التريدميل وآلات أخرى. منذ أكثر من ستين عاماً وأنا أمارس الرياضة بانتظام. بدأت الرياضة منذ سن السادسة. لا أرى أن الرياضة اليومية هي الأفضل دائماً. ولكن عندما أمارس الرياضة، أتابع برامج التلفزيون أو الأخبار.

للأسف، رياضتنا في بلادنا في حالة متدنية جداً، بمعنى أن رياضتنا تفتقر للمحتوى. في الوقت الحالي، لدينا أفضل اللاعبين في كرة القدم في العالم، ولكن الثقافة السائدة والسياسات الحالية لا تريد أن يكون أحدهم متميزاً في مكان ما. حتى أنهم يحاولون تحطيم سمعة الرياضيين من خلال الخداع والمكائد.

صيانت العلم والمناظرة العلمية

منذ طفولتي، كنت أشارك في الجلسات العلمية وأشاهد المناقشات عن كثب، وفي كثير من الأحيان كنت أشارك بنفسي في تلك المناقشات، وقد دافعت عن أفكاري مع أشخاص ذوي عقائد متنوعة. وفي مناقشاتي، أؤمن أن أي نوع من الإهمال، ولو كان ضئيلاً، يؤدي إلى إفساد المناقشة وجعلها غير سليمة. أحد الأشخاص الذين كانت لي معه مناظرات عديدة هو المرحوم الحلبى، رحمه الله.

لقد مررت بتجربة متعددة حيث وجدت أن التواصل مع الأشخاص العلماء، ذوي الفهم العميق والدقة، يكون مريحاً وسهلاً بالنسبة لي، إذ لا أواجه أي صعوبة أو تعب في هذا التواصل. أما مع الأشخاص الجاهلين أو السطحيين، فإنني أشعر بالتعب وفقدان الصبر ولا أستطيع التعبير عن قدراتي بشكل مناسب. هؤلاء الأشخاص لديهم قدرة ضئيلة على الفهم، مما يجعلني مضطراً لتقليص نفسي والتفاعل معهم بطريقة غير مناسبة لطاقتي. في المقابل، مع الأشخاص القوياء من الناحية الفكرية، أكون على طبيعتي ولا أواجه أي مشكلة.

في إحدى المرات، جاء إلينا عالم للمناقشة وكان صحبته مجموعة من طلاب العلم. كان ذلك العالم يعاني من ضعف الأعصاب وكان يبدو غير متوازن نفسياً، كما كان يعاني من اضطراب عصبي واضح. فبدأت حديثي معه بتقدير، فقلت له: “حاج آقا، تفضلوا بالشاي، وتحدثوا بهدوء لأنكم تبدون متعبين”، وكان ذلك العالم في حالة عصبية شديدة، فقد كان وجهه محمراً. وبالرغم من ذلك، استمرينا في المحادثة بطريقة مرحة، حيث كان ذلك العالم سعيداً للغاية بتعاملي معه. طوال الوقت، كان هدفه الوحيد هو المناقشة والنقاش العقلي. كان هذا الشخص معارضاً للفلسفة والعرفان.

في النهاية، طلب مني أن نواصل المناقشة في الجلسة التالية، فقلت له: “أوافق على اللقاء معك، لكن من الأفضل أن نقيم هذه المناظرة في المسبح أو السونا أو الجاكوزي، حيث سيكون ذلك مفيداً لك أكثر من مجرد النقاش العلمي.” كان هذا الشخص سطحي التفكير ومتشدداً، لذا كان النقاش معه عبثياً. ولكنني وضعت شرطاً لهذا النقاش: أن يتم في مكان مناسب لأجواء مريحة وليس فقط لتحفيز أعصابه.

هذا الأمر ينطبق أيضاً على المجال الديني. الدين يستطيع أن يرشد بسهولة العلماء والأشخاص ذوي الفهم الواسع، لكن إذا كانت أغلب الناس سطحية التفكير وذات عقلية ضيقة، يصبح الدين عاجزاً ولا يمكنه أن يقدم أي شيء فاعل. الدين في المستقبل سيزداد ويظهر أفقه، وسيجلب البشر نحو الفضيلة. عندما يظهر الإمام المهدي (عليه السلام)، سيكون هناك ازدهار في الدين وأعلى درجات التديّن بين الناس. وفي ذلك الوقت، ستُجمع العقول البشرية، وتصبح أكثر قدرة على الفهم، مما يساعد على نشر معارف القرآن الكريم.

المناظرة وأهميتها في مجال العلم والدين

في تجربتي الخاصة، لقد كانت هناك جلسات علمية متنوعة، وعندما كان المتحاورون أشخاصاً أكفاء وذوي علم، كنت أستطيع تحقيق النجاح بسهولة. لكنني في بعض الأحيان كنت أشعر بالتردد والقلق عندما كنت أشارك في مناقشات مع أشخاص مؤمنين، ولكنهم سطحيو التفكير والظاهريين، خشية أن يهاجموني أو يلوموني في النهاية. لكنني مع مرور الوقت تعلمت أن الأمور لا تكون واضحة دائماً عندما يتعلق الأمر بالأفكار السطحية، ولذا يجب أن أختار المكان المناسب لتقديم العلم.

في النهاية، يجب أن نكون صادقين في تقييم الناس بناءً على أفكارهم الحقيقية وليس بناءً على الانطباعات السطحية أو الآراء المسبقة. الأمور تتغير مع الزمن، ويجب أن نكون مستعدين للقبول بالنقد البناء والعلمي.

التفاعل العلمي ونقد الفكر في عالم اليوم

النقد العلمي هو ضرورة لأي تطور فكري. إذا تم تحويل النقد إلى أداة للقمع أو الطغيان، فإن ذلك لا يعد نقداً علمياً وإنما انحرافاً. وفي مجال العلم، يجب أن يكون النقد منطلقاً من فهم دقيق للموضوع قبل تصديقه أو رفضه. في ظل العالم اليوم، بعد مرور ثلاثين عاماً من الثورة الإسلامية في إيران، ورغم المكانة السياسية التي تمثلها البلاد، فإننا ما زلنا نعيش في عزلة علمية في العديد من المجالات، خاصة في العلوم الإنسانية والدينية.

النقد يجب أن يكون بناءً، وإذا كان سطحياً وغير دقيق فإنه يعوق تقدم المجتمع في مجالات العلم. نحن بحاجة إلى تبني ثقافة الحوار والمناظرة العقلية بدلاً من الجدل الذي يؤدي إلى نتائج عكسية. يجب أن نخلق منصات علمية تشجع على التبادل الحر والمفتوح للأفكار وتتيح للباحثين والمفكرين فرصة الإبداع والابتكار دون الخوف من القمع أو التهميش.

الاقتراحات لمستقبل العلم والمناظرات

أحد الاقتراحات المهمة لتحقيق هذا الهدف هو إنشاء قاعدة بيانات علمية شاملة على الإنترنت، تكون مرجعية لجميع الباحثين والمفكرين، وتتيح لهم نشر مقالاتهم وأبحاثهم من دون الخوف من التهديدات الأمنية. يجب أن تكون هذه المنصات محمية قانونياً، بحيث يتمكن الباحثون من التعبير عن أفكارهم بحرية.

إذا تم إنشاء هذه المنصات، يمكننا حينها تحقيق حضور عالمي في مجال العلوم، وتقديم صورة واضحة للمجتمع العلمي حول قوة العلم والفكر الإسلامي.

العلوم وتحدياتها في ظل السياسة والتقدم

تُعدّ العلوم في مجتمعاتنا الإسلامية من المجالات التي يعاني فيها المفكرون من صعوبة في التحليل والنقد العلمي في ظل الطغيان السياسي. حيث يُلاحظ أن العلم في بعض الأحيان يتراجع بسبب الهيمنة السياسية، إذ تتأثر أفكار المفكرين بالعوامل السياسية، مما يؤدي إلى انتكاسة في الإنتاج الفكري. في الوقت نفسه، لا يُعطى المجال الكافي لتطوير أفكار جديدة ومنهجيات مبتكرة تلائم تطورات العصر.

إن تطور العلم لم يعد حكرًا على فئة معينة أو جيل محدد. ففي العصر الحالي، أصبح من الممكن نشر المعلومات والتواصل بين العلماء على نحو مباشر وسريع من خلال وسائل الإنترنت، وهو ما يساعد في انتشار الفكر والأبحاث في مختلف المجالات. مع ذلك، لا تزال هناك معوقات عديدة أمام نشر الفكر العلمي الحر والنقد البناء. فإذا تم دعوة علماء من دول معينة لطرح آراءهم في مجالات مثل حقوق الإنسان أو القانون الدولي، نجد أن بعض العقول العلمية داخل إيران تخشى التصريح بآرائها أو إبداء رأيها في هذه المواضيع.

الهيمنة السياسية على الحوزات العلمية

تُعتبر الحوزات العلمية في العالم الإسلامي، منذ العصور الإسلامية الأولى، مكانًا خصبًا لإنتاج الفكر والعلم، وقد شهدت أسماء مثل الشيخ الكليني، الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، التي تركت بصمة عظيمة في الفقه والعلم. إلا أنه بعد الثورة الإسلامية في إيران، أصبحت هذه الحوزات العلمية تُدار بشكل سياسي، مما أدى إلى تحول الأسماء البارزة إلى أشخاص يتسمون بقوة سياسية أكثر من قوة علمية. كانت الحوزات في الماضي حاضنة للأفكار الجديدة والمبتكرة التي كانت في مجملها رائدة في مجالات الفقه والأصول.

وفي العصر الحالي، أصبح العلماء الذين يحققون الشهرة ليسوا بالضرورة أصحاب قدرات علمية متميزة، بل قد تكون شهرتهم نتيجة تلاعب سياسي أو تأثيرات خارجية. وهذا الأمر قد أسهم في تجميد الفكر العلمي وتأثيره على تقدم المجتمعات العلمية. فالأفراد الذين يشتهرون في الأوساط العلمية لا يساهمون في خلق أفكار جديدة، بل قد يكونوا مجرد أدوات في أيدي القوى السياسية، مما يؤدي إلى إعاقة تطور العلوم الحقيقية.

الانتقادات العلمية والنقد البناء

مع تقدم العلم، يجب أن يكون لدينا القدرة على نقد وتقييم الفكر والعلم بشكل حر وبناء. ومن الجدير بالذكر أنه لا يمكن أن يتم نقد العقول العلمية العظيمة في تاريخنا بشكل سلبي، بل يجب أن نُقيم أفكارهم من منظور حديث وعلمي، بعيدًا عن العواطف. فكما أشار العالم الفاضل آية الله الهي القميشاهي إلى ضرورة احترام العقول العظيمة في الماضي، فإنه يجب أن نُعامل أفكارهم بالاحترام اللازم، بينما لا مانع من فحص وتقويم هذه الأفكار بمنهج علمي دقيق.

إن العلوم لا ينبغي أن تكون مجرد تقديس للأفكار التقليدية أو الإبقاء على التفسيرات القديمة دون التفكر في مدى مناسبتها للزمن الحالي. بل يجب أن تُدرس وتُفحص من جديد لضمان تطبيقها الصحيح في الحياة المعاصرة.

الآفة الناتجة عن احترام “الأموات” وتجاهل “الأحياء”

أحد التحديات الكبرى في المجتمع الأكاديمي هو ميل البعض إلى تكريم العلماء والفقهاء الراحلين وتقديس أفكارهم بشكل مبالغ فيه. هذا التقديس يؤدي في بعض الأحيان إلى تجاهل أو حتى تحقير العلماء الأحياء الذين يواصلون العمل في البحث والدراسة، رغم أن البعض منهم قد يواجه صعوبات مالية أو اجتماعية قد تعيق عملهم العلمي. يُنظَر إلى العلماء الأموات بعين الاحترام والتقدير، بينما تُهمش جهود أولئك الذين لا يزالون في ساحة العلم والتفكير.

إن الأمر لا يتوقف عند مجرد احترام وتقدير العلماء الراحلين، بل يجب أن يكون لدينا القدرة على تقويم أفكارهم والاعتراف بالأخطاء التي قد تحتوي عليها بعض آراءهم. لا يجب أن نترك تقديس الماضي يؤثر على تقييم الواقع العلمي.

تحديات النقد في الساحة العلمية الحالية

اليوم، أصبحت الحوزات العلمية والمراكز الأكاديمية في وضع صعب، حيث يواجه المفكرون من خارج الدائرة الرسمية صعوبة في نشر أفكارهم والنقد البناء للأفكار السائدة. قد يتعرض العلماء إلى تهديدات بسبب نقدهم للأيديولوجيات السائدة أو لآراء تُعتبر “مقدسة”. وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى ضرورة إعادة بناء فضاء علمي حر، يتمكن فيه المفكرون من إبداء آرائهم دون خوف من العقوبات أو الهجوم عليهم.

يُستفاد من هذه الآراء أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في كيفية تقديم وتطوير العلم. يجب أن يتم تشجيع العلماء والمفكرين على متابعة البحث العلمي في مجالات مثل الفلسفة، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، مع ضمان حرية النقد والنقاش المفتوح. يجب أن يتعامل الفكر العلمي مع قضايا اليوم، وأن يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالواقع المعاصر، وليس أن يظل محكومًا بأيديولوجيات الماضي.

الشريك الجرم كان يَفعل ما يفعله، وكما لم يُؤَمِّنوا لنا الأمان، كانوا يسلبون الأمان منهم أيضاً. كنت أرغب في أن تكون جميع الشتائم والمضايقات موجهة لشخص واحد. لطالما كنت حريصاً على حماية الطلاب الذين كانوا برفقتي، لكي لا يُصَابوا بأي أذى. أتحمل الأضرار بنفسي وأوجه كل شيء نحو نفسي، وأعتبر نفسي أمام هذا المافيا القويّة، كمن نجا من عواصف الحياة. أكون حريصاً على أن تأتي الأضرار فقط إليّ. أقول للطلاب وحتى لأطفالي: لا تدافعوا عنّي في أي مكان، وكونوا حذرين لأنفسكم وركزوا على دراستكم. في تعاملي مع المحيطين بي، أحاول أن أتركهم في شك، وألا يصلوا إلى اليقين أبداً، وإلا فإنهم سيدمرون أنفسهم من خلال التشدّد. وإذا وصل شخص إلى اليقين، فإنني أخلق له من خلال محيطه مشاكل وحواجز تجعله لا يملك فرصة للعمل، حتى تكبح هذه الحواجز طاقته وعقليته المتطرفة. لو لم أكن أُقَيِّد الطلاب الذين حولي، لكان البعض منهم قادراً على إثارة اضطرابات كأنها جيش كامل في المجتمع، لأن لديهم دافعاً يجعلهم يعتبرون من واجبهم التضحية بحياتهم دفاعاً عن هذه العقيدة والمذهب.

الجماعات الحالية ليست من الطلاب، وقد أمرتهم بالصبر والتروي. لا أرغب في أن يصيب الناس أي ضرر أو آذى؛ لكن مع ذلك، ليس الأمر أنني ليس لدي خطط لقطع أجنحة الشيطان، فهناك خطط موجودة يجب أن يأتي وقتها، وعندما يشاء الله سبحانه وتعالى أن يفعل شيئاً، لن يمنعه أحد، وما كان يبدو من قبل كالجبل العظيم سيكون في يوم من الأيام، عندما يشاء الله، ضعيفاً في ضربات السيف.

مفاهيم العلم والإيمان:

العلم والفكر ينتميان إلى فصل الطين في الإنسان، وهو فصل حيواني، أما العقيدة والإيمان فيتعلقان بالفصل النوري أو الناري، بمعنى أن الإيمان بالحق يكون نوريًّا، والإيمان بالباطل يتشكل في الإنسان من الفصل الناري. يجب أن يكون الإيمان نابعاً من المعرفة حتى لا يكون باطلاً. بالنسبة للعالم، يمكن التشكيك في مبادئ علمه ومناقشته على أسس علمية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالإيمان، فإن الإنسان يصبح غير قابل للتغيير أو التأثر، مهما كانت الأدلة والبرهين. على سبيل المثال، حين كنت شاباً، كنت أزور قرية في همدان، وكان أهلها مؤمنين ومخلصين بشكل لا يُصدق. حاولت أن أختبر قوة إيمانهم، فوجدت أنه لم يكن لدي أي قدرة على زعزعة قناعتهم أو إيمانهم بالله.

الانتقاد والمناظرة في البيئة الحالية:

الانتقاد في هذه الأيام يتطلب القوة؛ لأنه إذا توجه الشخص إلى الأجواء الموجهة والمعدّة مسبقاً، فسوف يُصَاب بالأذى. مافيا القوة، لأنها ليست قائمة على أسس علمية وصحيحة، لا تحترم الأجواء العلمية للنقد، بل تحول كل شيء إلى قوة وزيف وكذب. عند مناقشة أو نقد شخص ما، يجب التمييز بين ما إذا كان الشخص يتحدث من وجهة نظر إيمانية أو علمية.

كتاب “أصول الإلحاد وإنكار الله”:

لا يمكن لأحد أن يقول “أنا أعرف الله وأؤمن به” إلا المعصوم، وكلما ابتعدنا عن هذا المقام، وصلنا إلى الإلحاد والإنكار. بناءً على هذا، كتبت كتاب “أصول الإلحاد وإنكار الله” وهو كتاب نقدي وتحليلي حول الأدلة التي يُقدّمها المنكرون لله. الكتاب ليس سهل القراءة ويتطلب فهماً عميقاً للفلسفة، العرفان، وأصول الفقه. ولهذا، يمكن لأي شخص أن يدّعي فهمه له فقط إذا كان على دراية بتلك المجالات.

الوعظ والإعلام الديني:

ما يتوقعه الناس من رجال الدين، خاصة على المنابر، هو تقديم المعرفة والعلم والمحتوى بشكل حقيقي، بعيداً عن التلاعب. رجل الدين يجب أن يكون مثل الأنبياء، لا يجب أن يكون مجرد ممثل يؤدّي دوراً. النقد الاجتماعي اليوم يشير إلى أن الكثير من العلماء أصبحوا يبحثون عن المال والشهرة، مما جعلهم يفقدون مصداقيتهم. في الماضي، كان العلماء يعيشون حياة بسيطة ومتواضعة، وكان الناس يستمعون لهم بسبب صدقهم وحسن نواياهم، لكن اليوم أصبحنا نرى علماءً أغنياء يبتعدون عن رسالة العلم.

التبليغ العلمي

ما يتوقعه الناس من رجال الدين ومن الحوزات العلمية، وخاصة من على المنابر، هو تقديم المعرفة والعلم والمحتوى بشكل حقيقي بعيداً عن التلاعب أو التحايل. رجل الدين لا ينبغي أن يكون مجرد ممثل يؤدي دوراً، بل يجب أن يكون مرجعية حقيقية ومثالاً يُحتذى به، تماماً كما كان الأنبياء. فهو ليس مجرد “فنان” على المسرح، بل هو شخصية علمية وفكرية ينبغي أن تكون مصدر إلهام ورشاد، لا مجرد أداة للعرض أو ترفيه الجماهير.

في هذا السياق، قال المرحوم آية الله الهَلاَهي: “لا تَتَكَلَّموا من أجل الآخرين؛ فإن ذلك سيؤدي إلى قسوة القلب”. يجب على عالم الدين أن يتحدث من أجل نفسه، ويعبر عن معرفته وحقائقه دون أن يهدف إلى إرضاء الآخرين أو التلاعب بمشاعرهم. إذا فعل ذلك، فإنه سيفقد صدقه ونقاء قلبه، ويصبح في النهاية مثل الجزار الذي يذبح الحيوانات. هذا النوع من الأحاديث لا يُفضي إلى معرفة حقيقية ولا يؤدي إلى تنمية فكرية حقيقية.

المنابر في طهران:

في إحدى المرات، كنت أذهب إلى طهران من قم يومي الأربعاء، وكان لي منبر هناك حيث كان الجمهور كبيرًا للغاية. في أحد هذه الجلسات، التي كانت تُعقد في منزل فخم، كان من بين الحاضرين شخصيات مرموقة مثل المرحوم آية الله الهَلاَهي، والمرحوم آية الله خوانساري، والمرحوم آية الله شعراني، بالإضافة إلى رجال الدولة المهمين. وكان المنبر الذي أُلقي عليه يرتفع لعدة درجات. بعد إلقاء الخطبة، قال لي آية الله الهَلاَهي: “لا تذهب إلى طهران مرة أخرى لإلقاء الخطب”. لم أجب على الفور.

ولكن في وقت لاحق، سألتهم: “لماذا لا أذهب إلى طهران؟” فقال لي: “أهل طهران من أصحاب المال والمُتع، وأنت تتمتع بأسلوب جذاب للغاية في إلقاء الخطاب، وهم سيشترون وقتك بالمال، وبالتالي سيتعذر عليك التركيز على دراستك وبحوثك”. بعد ذلك، لم أذهب إلى طهران لإلقاء الخطب إلا إذا كان هناك طلب ملح من أصدقائي في مناسبات خاصة، وكان الهدف منها التسلية، وليس الوعظ أو الهداية. هذا التوجيه كان يعني أن للبحث العلمي والتبليغ مقامين مختلفين، ويجب على الشخص أن يحترم كل مقام من هذه المقامات، وإلا سيتعرض لخطر فقدان كل شيء، من المعرفة إلى التفكر.

التعليم والتحقيق العلمي:

منذ ذلك الوقت، أخذت هذا التوجيه على محمل الجد، ولقد أتممت حتى الآن حوالي 800 كتابة بحثية. أي أنني لا أظن أن هناك موضوعًا علميًا لم أتناوله في هذه الكتب. جميع هذه الكتب تتمتع بطابع علمي جديد ومبنيّة على النقد والتحليل. ومع ذلك، فإن مجال التبليغ يجب أن يعتمد بشكل أساسي على العلماء المتخصصين في مختلف المجالات المعرفية، بعيدًا عن الخلط بين مهمة التبليغ والبحث العلمي.

للأسف، هناك خلل في هذا المجال داخل الحوزات الدينية اليوم. لقد اختلطت المهام، وأصبحت بعض حلقات التدريس والتعليم تركز على اكتساب المال بدلاً من التفوق العلمي. وهذا أدى إلى ظهور طبقات من العلماء الذين يُعرفون بـ”خطاب المؤيدين” بدلًا من أن يكونوا حاملي العلم الحقيقي. هؤلاء الأشخاص أصبحوا مدّعين للمراتب الدينية مثل “آية الله” أو “مجتهد” رغم أنهم لا يمتلكون مؤهلات علمية حقيقية.

الطبقة الدينية في عصرنا:

في الماضي، كان العلماء يعيشون حياة بسيطة، خالية من الترف والمال. لكنهم كانوا في المقابل يلقون احترامًا كبيرًا من الناس، وكانت كلماتهم ذات تأثير قوي. كان لديهم مصداقية حقيقية لأنهم لم يكن لديهم أي دوافع مادية. أما في العصر الحالي، فقد تحولت بعض طبقات رجال الدين إلى طبقات تجارية تسعى لتحقيق المكاسب المالية.

على الرغم من ذلك، ينبغي على علماء الدين أن يعودوا إلى مستوى الطهارة الأخلاقية والفكرية، بعيدًا عن التبعية للدنيا أو المال. كما ذكر الإمام الخميني في كتاب “تحرير الوسيلة”: “من يلتفت إلى الدنيا، يجب اتهامه”. هذا المبدأ يشير إلى أن أي شخص يضع اهتماماته المادية فوق الهمّ العلمي والديني لا يستحق التقدير من قبل المجتمع.

أزمة النظام الديني بعد انتصار الثورة:

بعد انتصار الثورة الإسلامية، حدثت مرحلة جديدة حيث انجذب العديد من الطلاب والمثقفين الدينيين نحو السياسة والأعمال التنفيذية بدلاً من التركيز على التعليم والبحث العلمي. هذا التحول أدى إلى تغييرات كبيرة في التركيب الطبقي للحوزات العلمية، وتحولت إلى طبقة مهتمة بالكسب المادي بدلاً من أن تكون مركزًا للتعلم الروحي والعلمي. في مرحلة لاحقة، بدأ الكثير من رجال الدين الذين لا يمتلكون التخصص أو الاجتهاد في الظهور كـ “آيات الله” و”مجتهدين”، مما أحدث تشويشًا كبيرًا في المجتمع وتسببت في تدهور الوضع الديني في البلاد.

الخاتمة:

إن تبني هذا النظام الديني الجديد، الذي يعتمد على الدعاية والشهرة بدلاً من العلم والصدق، يؤثر سلبًا على المجتمع بشكل عام. لذا يجب أن نعمل على تصحيح هذه المعادلة: إعادة الهيبة للعلم والتفكير النقدي في داخل الحوزات، وتوجيه الفئة الدينية نحو التركيز على المعرفة الحقيقية والدراسة العميقة بعيدًا عن المغانم المادية أو السياسية.

آداب الخطابة

في هذا السياق، أود أن أشرح أركان المنبر ونظام الخطابة الخاصة بي. إن إلقاء الخطابة واعتلاء المنبر أمر في غاية الصعوبة، ولإدارته بشكل صحيح يجب أن تتوافر القدرة الفائقة في فن البلاغة والتخصص العلمي. التخصص العلمي هو أمر أساسي وجوهري، وهو البنية التحتية التي لا تتحقق بين ليلة وضحاها. فالتحدث ليس ككتابة، حيث يمكن تعديل الأخطاء بعد الكتابة، بل هو مثل قيادة السيارة التي يجب أن تكون مضمونة. من لا يستطيع التحدث بشكل دقيق وضمان عدم الوقوع في الأخطاء، فالأفضل له أن لا يتحدث. الخطابة ليست امتحاناً يمكن تصحيحه في حال الفشل، كما هو الحال في القيادة أو العمليات الجراحية، حيث يمكن أن يؤدي الخطأ إلى الموت. وكذلك، يكفي خطأ واحد في الخطابة لقتل الخطبة تماماً، ولا يمكن تصحيح الخطأ الذي حدث على المنبر أو إعادة الأمور إلى حالتها.

في نظامنا، يجب على الخطيب أولاً أن يظهر بمظهر جميل جداً أمام الناس، وإذا كان يريد أن يكون مقبولاً في المجتمع، فإن استخدام الملابس المعتادة ولكن بشكل أنيق ومتوازن أمر مسموح به. لأن الناس لا يقبلون الخطابة إلا إذا كانت مرفقة بمظهر مناسب. من الصحيح أن الخطابة تعتمد على باطن الشخص ومؤهلاته العلمية، لكن ما يصل إلى الجمهور هو المظهر الخارجي للألفاظ والسلوك الجسدي والهيئة العامة للخطيب. يُدرك الجمهور الرسالة من خلال مظهر الخطيب، حركاته، لغة جسده، وكيفية تقديم نفسه. لذا، يعد المظهر النظيف والأنيق، والكلمات المناسبة، والنطق الجيد، والقدرة على التعبير بشكل سليم وسلس من أهم عوامل نجاح الخطابة، حيث يمكن لأي خلل في أحد هذه الجوانب أن يؤثر سلباً على تأثير الخطبة.

لقد بدأت إلقاء الخطابة منذ فترة المراهقة. في تلك الفترة، لم أكن أرتدي زيّاً خاصاً، وكان شعري ملبّساً حسب الموضة السائدة آنذاك. كنت ألقي خطباً في مقام الإمام صالح في شميرانات، حيث كان الناس يأتون للاستماع إلى محاضراتي. في تلك الفترة، لم أكن قد جئت إلى قم بعد، ولم يكن السيد الهيئي قد منعني من الصعود إلى المنبر. كنت أرتدي بدلة بيضاء، وكان قميصي أيضاً أبيض. كما كنت أحتفظ بسجادة صلاة بيضاء في جيب سترتي. ذات يوم، لم أنتبه إلى أن جزءاً من السجادة كان يخرج من جيبي، وفي تلك اللحظة كنت أتحدث عن ارتداء السواد في عزاء الإمام الصادق (عليه السلام) وقلت إنه من الأفضل أن نرتدي السواد في ذكرى شهادته كما في عزاء الإمام حسين (عليه السلام). بعد الجلسة، أتى أحد الحاضرين وقال لي: “أنت ترتدي ثياباً بيضاء وسجادتك البيضاء بارزة من جيبك، ثم تقول للناس لماذا لا يرتدون السواد في عزاء الإمام الصادق؟”.

أحياناً قد يتحدث خطيب لمدة ساعة كاملة بمحتوى علمي عميق، ولكن يكفي أن يقع في خطأ لغوي أو لفظي بسيط، ليؤدي ذلك إلى فقدان مصداقية كل ما قاله. اليوم، أصبح لدى الناس معرفة واسعة جداً بفضل الإنترنت والشبكات الاجتماعية، ولم يعد بالإمكان القول شيء غير دقيق دون أن يلاحظ الجمهور ذلك. في السابق، كانت المعرفة محدودة. أحد خطباء طهران كان يروي أنه دعاه أحدهم لإلقاء “روضة” عن حضرت عبد العظيم (عليه السلام)، فقال له: “لكن حضرت عبد العظيم (عليه السلام) لا يوجد له روضة”. ومع ذلك، ذهب إلى المنبر وقال ما قاله، ولم يعترض عليه أحد.

أما اليوم، فإن كل كلمة تقال في المنبر يمكن أن يتم التحقق منها عبر الإنترنت، وتظهر المصادر الصحيحة أو الخاطئة وراءها.

لقد ذكر المرحوم السيد الهيئي القمشهائي أنه في أحد الأيام كان في مشهد وكان قد نفد ماله، فذهب إلى الحرم وقال للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): “يا سيدي، أنت كبير ونحن هنا بلا مال”. وبعد أن خرج من الحرم، طلبت منه امرأة أن يلقي “روضة” في مجلس نسائي. هذا كان أول “روضة” له، وقال لها بعض الأبيات التي حفظها من منظومة حاجي سبزواري، فاستحسنها الحضور وبكوا، وكان هذا أول دخل له بعد عسر مالي. اليوم، بفضل الثورة الإسلامية، أصبحت المعرفة التي كانت مختصة ببعض الأفراد متاحة لجميع الناس، ولم يعد بالإمكان تقديم خطبة أو منبر غير متخصص يناسب مستوى الوعي الحالي.

يجب على الخطيب أن يكون عالماً ماهراً، مبتكراً في العلم والبلاغة، ويتجنب تكرار نفس المواضيع. عليه أن يكون قادراً على تقديم شيء جديد وفريد من نوعه حتى يستطيع الناس أن يتعرفوا على ما لم يسمعوه من قبل. في زمننا الحاضر، لا يملك الناس وقتاً أو صبراً للاستماع إلى المواضيع المكررة.

لقد تحدثت في مسجد بلوار أمين في قم، حيث كان الناس من مختلف المراجع والعلماء الذين شهدوا خطباً من قبل. كنت أشاركهم بأفكار جديدة عن علم النفس المخبأ في النصوص الدينية مثل تلك التي وردت في “الكافي” و”خصال الشيخ الصدوق”. كنت أقدم لهم ما لم يسمعوه من قبل من أي من المجتهدين أو المراجع.

الخطيب يجب أن يكون ملماً بعلم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة، العرفان، والفقه، وأيضاً يمتلك فن البلاغة، لأنه في ظل هذه الثورة المعلوماتية، ينبغي أن يقدم معلومات جديدة لا يمكن أن يتوقعها الناس من أي خطيب آخر.

أما بالنسبة لأحد النقاط الهامة التي أؤكد عليها في الخطابة، فهي أن الخطيب أو الفقيه يجب ألا يكون ممثلاً مسرحياً أو يلعب دوراً مصطنعاً على المنبر. يجب أن تكون الخطابة نابضة بالروح القدسية والطبيعية، دون تصنع أو تقليد للتمثيل السينمائي. على الخطيب أن يقدم الحقيقة كما هي، وأن يظهر بمظهر قدسي يعكس حضور الأنبياء والأئمة المعصومين في شخصه، وليس كأنما هو ممثل سينمائي.

**في جهرم كان هناك سيد كبير من أهل العلم، رجل مسن وكان شديد الغضب، لدرجة أنه لم يتحمل المزاح الذي يفعله الطلاب على الإطلاق. وكان بسبب ذلك يطردهم من المدرسة ويغلق باب الحوزة. كان يقول إن جيران المدرسة يشتكون من الطلاب الذين يضحكون بصوت عالٍ حتى منتصف الليل. كان المسؤول عن تنظيم مجلس نسائي وقف، حيث كانت هناك مجموعة كبيرة من النساء من جهرم تحضر هذا المجلس. كان قد أوقفه أيضًا، قائلاً إنه لا يجوز لطالب علم أن يذهب إلى النساء ويخطب لهن. وقال لي: “يا حاج، هذا مجلس وقفي وأنا مسؤول عنه، والآن بما أنكم هنا، يصبح من واجبي أن أقيمه، ويجب عليكم أن تقبلوا مسؤولية إلقاء الخطبة.” فقلت له: “أقبل ذلك بشرط أن تسمحوا لي أن يصحبني عشرة أو خمسة عشر من الطلاب.” وكان الحضور في ذلك المجلس، الذي كان من المفترض أن يستمر عشرة ليالٍ، أكثر من ألف امرأة. وقد تحدثت إليهن عن علم النفس الخاص بالمرأة، وهي مواضيع كانت جديدة عليهن، وأدرجت بعضها في كتابي “علم النفس الخاص بالنساء”. كنت أخبرهن قائلاً: “أنا من بين جميعكن، أفهم المرأة أكثر.” في يوم من الأيام، في نهاية إحدى الجلسات، لفت نظر رجال الأمن والشُرطة من ساواك إلى هذا المجلس الذي حضرته العديد من النساء في المدينة. وقالوا لي: “يا حاج، ماذا تقول هؤلاء النساء؟” فأجبتهم: “هل يجب أن تعرفوا كل شيء؟” فقالوا: “نعم، يجب أن نعرف.” فقلت لهم: “إذا تحدثت هؤلاء عن عاداتهن أو عن ملابسهن، فإن ذلك يعد من الأمور السياسية السرية ويجب عليكم أن تعرفوا!” ثم قلت لهم: “زوجاتكم يعتبرنني أقرب إليهن منكم، ويسألنني عن أمور لا يجرؤن على سؤالكم عنها، فهل يجب عليكم أن تعرفوا هذه الأمور؟” فقالوا: “لا، حاج، لا نحتاج لذلك.” بالطبع، كنت أقول هذه الكلمات بلطف، وليس بعصبية أو غلظة. يجب على الخطيب أن يكون متحكمًا في أعصابه وألا يتأثر بسرعة بالمشاعر. قد يقوم شخص في المجلس بالهجوم على الخطيب أو أن يطلب منه إنهاء الخطبة بسرعة لإغضابه، لكن يجب على الخطيب أن يتصرف بهدوء واحترام ويظل ثابتًا أمام كل هذا. من أجل ذلك، نعتبر الرياضة أمرًا أساسيًا للخطباء، لكي تكون أجسادهم وأعصابهم مرنة، ولا تكون كلماتهم جافة أو غاضبة.

لقد ألقيت خطبتين في السجن، إحداهما قبل الثورة والأخرى بعدها. قبل الثورة، اعتقلتني ساواك في مشهد وكانوا ينوون نقلي إلى طهران. كانوا يعتبرونني “كوماندوزًا ماهرًا وخطرًا” ويعتقدون أنني “إرهابي”، لذلك كان يرافقني العديد من الجنود والمدرعات. وعندما وصلنا إلى بجنورد، حل الليل وقالوا إن الطريق غير آمن ولم يستطيعوا المتابعة، فذهبوا بنا إلى مركز الشرطة في بجنورد وأبقونا هناك حتى صباح اليوم التالي. وكان رئيس الشرطة في ذلك الوقت من سكان طهران ومن المنطقة نفسها. فقال لي: “يا حاج، من أين أنت؟” فقلت له: “من سرچشمه.” فتعرف عليّ وقال: “أعطوه بطانيتين نظيفتين.” كان السجن يحتوي على حوالي أربعمائة سجين. في ليلة الجمعة، اجتمعوا حولنا، فسألني أحدهم: “يا حاج، ماذا فعلت لتُسجن؟” فمزحت قائلاً: “قتلت إنسانًا، فهذا هو مكان القتلة.” فسأله آخر: “يا حاج، بما أن اليوم ليلة الجمعة، هل يمكن أن تقيم لنا مجلسًا؟” فأجبتهم: “نحن السجناء، كل واحد منا لديه قلب مكسور، وكل واحد منا لديه متحقیق الخاص. كل واحد منا يحتاج إلى روضة خاصة به.” وفي تلك الليلة تحدثت مع العديد منهم وجهاً لوجه، ولم أكن وحدي المتكلم، بل كان السجناء يتحدثون أيضًا معي. ونتيجة لذلك، ظلوا مستيقظين حتى الساعة الثانية صباحًا. كان مدير السجن خائفًا من أن يزدحم المكان، فأخرجونا في الساعة الثانية.

وفي السجن الذي زرته بعد الثورة، كان منزلنا بالقرب من سجن كبير. وكانت الشرطة دعونا في شهر رمضان للمشاركة في الإفطار. كنت عادة أذهب إلى سطح السجن ليلاً وأدعو الله قائلًا: “كيف أستطيع أن أسترضي هؤلاء السجناء وأحصل على رضاهم؟” لأنهم جيراننا. طلبت من المسؤولين السماح لي بزيارة السجناء، وكان لدي فصل دراسي يحضره بعض العلماء وبعض المسؤولين مثل رئيس البلدية وشرطة المدينة. عندما دخلت السجن، كان هناك حوالي 800 سجين جالسين على الأرض. كان هناك حوالي عشرين كرسيًا للمسؤولين الذين طلبوا مني أن أجلس على أحد هذه الكراسي. عند رؤيتي لهذا المنظر، شعرت بالاستياء. قلت لهم: “ألم يكن هذا مكانًا لإقامة حفل زفاف؟ يجب عليكم إخراج هذه الكراسي وعلينا الجلوس على الأرض مثل السجناء.” وقالوا لي: “كما تشاء.” ثم استكملت قائلًا: “أنا مجرد طالب علم بسيط، لا أنوي إلقاء موعظة، بل جئت فقط لزيارةكم.” بدأ السجناء بالبكاء بشكل شديد وذكرت لهم أننا نحن الذين أخطأنا وكان من واجبنا أن نكون أكثر مسؤولية. قلت لهم إننا مسؤولون عن وضعهم. وأكدت لهم أنني سأبذل جهدي لمساعدتهم وحل مشاكلهم. وأخذت منهم رسائل تفصيلية حول مشكلاتهم وبدأت في معالجتها.

في النهاية، يجب أن نختار السجون والأماكن المشابهة مكانًا لخدمة الناس، وليس فقط من أجل تحقيق أغراض شخصية أو سياسية. لا ينبغي لأحد أن يصبح أميرًا أو رئيسًا لبعثات الحج أو قوافل المسلمين، بل يجب عليه أن يخدم الناس المساكين ويزورهم. إن التواضع والاحترام، والاستمرار في خدمة الناس دون غرور هو ما يجب أن يميز الخطيب والمبشر في مسيرت

فضاء الطّلب الدينيّ و ضجيج العلماء

في الوقت الحالي، تواجه الحوزات العلميّة العديد من المشاكل، ومن أبرز هذه المشاكل: التمسك بالمظاهر المفرطة والانفصال عن جوهر العلم، والضجيج الشعبوي الذي يعتمد على الفتن والكلام الفارغ.

من الأضرار التي تلحق ببعض الشخصيات الشهيرة هو التضليل الشعبي من خلال استخدام الضجيج والشعارات. يُعتقد أن الضجيج والضوضاء في أي مناسبة ستساعد في نشر أي كلام أو فكرة لا تمتلك أساسًا صحيحًا أو حقيقة واقعية، ومن ثم يصبح هذا الكلام أكثر قبولًا لدى الناس. يظن البعض أن مجرد استغلال بعض الألقاب الدينية أو التظاهر بها سيرسخ مكانتهم الاجتماعية وسيستطيعون التأثير على عقول الناس. ولكن، إذا استمر هذا الشخص لفترة أطول في الحديث، سيكتشف الناس في النهاية الحقيقة وستظهر في يوم من الأيام الحقائق التي كانت مخفية أو مصطنعة.

أتذكر عندما كنت صغيرًا، كنت أحضر بعض المجالس التي كان يلقي فيها المرحوم الشيخ فلسفي خطبًا على طلاب العلوم الدينية. كانت تلك المجالس في تلك الفترة تُعدّ من أرقى المجالس، وكان الشيخ فلسفي يُعد من أقطاب الخطابة في إيران، وكان يستقطب العديد من الطلاب الذين كانوا يحرصون على حضور دروسه وتسجيل كل ما يقوله كأنه وحي من السماء. كنت صغيرًا وقتها، ولكن لم أكن أحب بعض أساليب هذا المنهج. على سبيل المثال، كان الشيخ فلسفي يُعلّم طلابه أنه إذا وقع الخطيب في خطأ أو نسيان أثناء خطبته وكان الناس يراقبونه، فما عليه إلا أن يصرخ “هي وا!” بالقرب من الميكروفون، ويظن بذلك أنه سيشغل انتباه الحضور عن خطأه. هذا الأسلوب لم يكن يعجبني، وكان يثير في نفسي النقد. كنت أرى في ذلك نوعًا من التمثيل و”التمثيل” في العلم الديني لا يتناسب مع مبدأ الصدق والاعتراف بالخطأ.

كنت أتساءل في نفسي: هل من العيب أن يعترف المرء بخطأه؟ لماذا لا نقول ببساطة إننا أخطأنا؟ لماذا نختلق الأعذار ونتظاهر بأننا لا نخطئ؟ وما ضرر أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الناس؟ هذه أسئلة كنت أطرحها في نفسي حين كنت أصغر سنًا.

على النقيض من ذلك، المرحوم الأنصاري القمي، كان مثالًا للطهارة والصدق في خطبته، حيث كان يروي الأحاديث ويجعلها تلامس قلوب الناس. أذكر أنه في أحد مجالسه، أثناء إلقائه للخطبة، شعر بحاجة للوضوء فترَك المنبر بهدوء دون أن يتظاهر بالثبات أو يحاول إخفاء أمره. ذهب ليتوضأ وعاد إلى المنبر وكأن شيئًا لم يكن. أعتبر أن هذا العمل من أسمى أنواع الأمانة. لم يكن بحاجة للادعاء أو الخوف من أن يراه الناس في لحظة ضعف.

الصدق مع الناس لا يتطلب كثيرًا من الجهد. الناس يعرفون أننا بشر ولسنا معصومين. لذا، لا داعي لأن نضع قناعًا زائفًا، بل علينا أن نكون صادقين ونقبل ضعفنا، لأن الصدق لا يُسقط من مكانتنا، بل يعززها في نظر الناس.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نعتقد أن الضجيج والمظاهر يمكن أن يكون بديلاً عن الحقيقة. الكثير من الوعاظ، حتى أولئك الذين يتحدثون عن الأخلاق والتهذيب، وقعوا في فخ الضجيج الشعبي. بعض الخطباء، خاصة في بعض القرى أو المدن، يعتقدون أن الصراخ والصوت العالي يجذب الانتباه، ولكن الحقيقة هي أن الكلام الهادئ والمطمن هو الذي يصل إلى القلوب.

الفكر الشعبوي الكاذب، الذي يعتمد على الوعد الباطل دون أن يكون له قاعدة صلبة، هو نوع من التحايل الذي يعتمده بعض السياسيين والناس الذين يسعون إلى استغلال المواقف لصالحهم.

الخطاب الشعبوي والتمثيل الديني:

إذا قال أحدهم إنه يمتلك أموالًا ضخمة في بنوك عالمية أو في دول غنية، فإن هذا الحديث بلا شك هو نوع من الكذب أو على الأقل، المبالغة، حيث يظن الشخص أنه بهذه الأحاديث يمكن أن يثبت مكانته أو يجذب انتباه الناس. لكن إذا سُئل عن إسهامه الشخصي أو عن شيء يعود بالنفع على المجتمع، سيكون الجواب غالبًا أنه ليس لديه ما يعرضه. هذه هي أساليب الوعود الفارغة التي يستخدمها بعض السياسيين أو الدعاة الشعبويين لاستغلال حاجة الناس وآمالهم.

أتذكر أيضًا أحد أساتذتي الذي كان يقول إنه جاء من عائلة غنية، ولكن بعد أن اختار طريق العلم في الحوزة، قطع علاقته بالمظاهر الدنيوية. كان يروي كيف كان يتعامل مع أصدقائه وأقاربه الذين كانوا يعترضون على اختياره هذا الطريق. فكان حين يدعوهم لتناول الطعام، وكان يقدّر أن لديه ما يكفي من المال، كان يتناول طعامًا بسيطًا جدًا ويقول لهم: “لقد تناولت طعامي.” هذا كان يُظهر أن التواضع والصدق أهم من إظهار الثراء والمال.

الخداع الديني والادعاء الزائف هو التلاعب بالمظاهر والمكاسب الشخصية على حساب الحقيقة والصدق. هذا النوع من التمثيل لا يمكن أن يُبني عليه أي مجتمع صحي أو مُستدام.

تقليد رضا شاهى وحكاية تصاريح الاجتهاد الشعبوية

في عهد حكم رضا شاه، عندما طُرِحَ موضوع الملابس غير التقليدية لرجال الدين سوى المجتهدين والعلماء من الطبقات العليا، بدأ إصدار تصاريح الاجتهاد لبعض رجال الدين من قِبَل بعض المراجع. وكان ذلك بهدف إعفائهم من الوجوب الشرعي للباس رجال الدين، وكان يُعترف بها فقط في هذا السياق. وقد منح بعض المراجع لهذه الفئة من رجال الدين ألقابًا مثل “ثقة الإسلام”، وبدأت هذه العادة تنتشر بشكل عام. وعندما كان موظفو الحكومة يرون هذه التصاريح، كانوا يتركونهم دون أي مزاحمة لهم فيما يخص خلع العمامة.

وقد استمرت هذه العادة بعد وفاة رضا شاه. اليوم، لا يزال منح الألقاب مثل “ثقة الإسلام” وما شابهها شائعًا. في هذا السياق، كان بعض رجال الدين ينفقون المال للحصول على هذه التصاريح. في بعض الأحيان، كان رجل دين غير متخصص في أي علم يحصل على العديد من التصاريح من شخصيات دينية، حيث كان هؤلاء المراجع يمانحون التصاريح بسبب فطنة هؤلاء الأشخاص وجمعهم للمال. وبهذا أصبحت هذه التصاريح، في كثير من الأحيان، غير ذات مصداقية، وكان يكفي إرسال كيس من المال للحصول على تصريح للاجتهاد.

وعندما سُئِلتُ عن تصريح الاجتهاد الخاص بي، أجبت بأنني حصلت على تصريح حقيقي من رجال العلم. لقد كانوا أساتذتي في مختلف المجالات، وكانوا يلحون عليّ لقبول تصاريحهم، لكنني كنت أرفض ذلك لأن التصاريح أصبحت بلا قيمة في مثل هذا الجو الذي يهيمن عليه المال والسياسة. في العصر الحديث، أصبح المجتمع العلمي هو الذي يحكم على الشخص بناءً على إنتاجاته العلمية وليس على أساس التصاريح.

في بعض الأحيان، كان بعض رجال الدين يرسلون لي ما يقرب من عشرين تصريحًا من شخصيات مختلفة، مطالبين مني منحهم تصريح اجتهاد. وأنا شخصيًا أعارض هذه الممارسات وأعتبرها خطأً كبيرًا. أنا لا أمنح تصاريح اجتهاد ولا جمع الأموال لأحد؛ لأنني لا أريد أن أساعد شخصًا يسرق العلم ويستغل الاجتهاد.

القداسة الزائفة

يلجأ بعض رجال الدين إلى التلاعب بعقول العامة، ويسعى هؤلاء إلى فرض آرائهم بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كانت تلك الوسائل شعبوية. على سبيل المثال، قد يقول أحدهم في سياق “النهي عن المنكر”: “حلق اللحية حرام، عليك أن تتركها!” وعندما يطلب منه الشخص الآخر دليلاً من القرآن، يقرأ هذا الشخص آية غير ذات علاقة ويستدعي بعض المصطلحات الدينية بشكل مغلوط.

هذه الظاهرة أصبحت متفشية في الإعلام، حيث يتم تضخيم مكانة رجال الدين غير الأكفاء وتقليص مكانة العلماء المتخصصين من خلال تلاعب بالكلمات والمفاهيم الدينية. وهكذا تصبح النقاشات والجدالات العلمية لا قيمة لها، ويستمر الناس في الخضوع لهذه الخدع الإعلامية.

التظاهر بالقداسة والتبسيط المفرط

في مسيرة العارف، يصل الإنسان إلى مرحلة يجب فيها التخلص من كل ما يتعلق بـ”الأنا” والتحرر من فكرة أنه إنسان صالح. على سبيل المثال، كان هناك مدرس دين كبير في عمري، وكان إنسانًا طيبًا وبارًا في عبادته. لكنه كان يرى أن جميع الأشخاص المقدسين هم كذبة.

وقد أخبرته بأن الإنسان لا ينبغي أن يظن أنه خالي من العيوب، لأن ذلك يعني أنه أعمى عن أخطائه. لكن هذا الشخص، رغم أنه كان على مستوى عالٍ من الصلاح، كان يبالغ في البساطة وكان ينكر عمق معرفته.

التجارة في العبادة والتهجد المضلل

وقد حكى أحد العلماء أنه كان يعرف شخصًا عابدًا زاهدًا في الجوار. هذا الرجل كان يصلي الليل ويتهجد حتى في أبرد أيام الشتاء، ولكن عندما نشب خلاف بينه وبين جيرانه بسبب المال، أصبح وجهه الآخر يظهر. هذه الحكاية تبرز لنا أن العبادة إن لم تكن على هدى وبصيرة من معلم صالح، فقد تؤدي إلى الجفاء وتخلف الإنسان عن الحقيقة.

التوجيهات المتعلقة بالدعاء والتوسل

الحديث عن الدُعاء والتوسل يجب أن يتم بحذر. حيث إن استخدام العبادات مثل الذكر أو الدعاء يجب أن يتم وفقًا للأحكام الصحيحة والمعرفة الدقيقة، وإلا فإن استخدامها بشكل خاطئ قد يؤدي إلى التباس الفهم ونتائج عكسية قد تضر بمسيرة الإنسان الروحية.

التطبيق العلمي للعبادات والممارسات الدينية

وفي النهاية، فإن ممارسة العبادات يجب أن تكون موجهة وفقًا للمعرفة العلمية والتوجيه السليم. يجب أن نكون حذرين من الاستخدام غير المدروس للعبادات وأن نركز على تحقيق التوازن بين العبادة والعقل والمعرفة.

كان يكسب رزقه من هذا الطريق، وكانت وضعه المالي جيداً جداً، وتزوج عدة زوجات. نصحته قائلاً: يا والدي، توقف عن هذا العمل فإنه ضار جداً. في النهاية تم اعتقاله، وكان موقف القضاة غير واضح؛ لأنه لم يكن ساحراً كي يصدر حكم الإعدام ضده. أُحيل إلى أحد المدعين الذي أصدر حكم الإعدام عليه بأنه ساحر، بينما كان ذلك الداعِي على الرغم من كل مشكلاته أنقى من ذلك المدعي الجاهل والغاضب في الولاية الدينية. القضاة كانوا مترددين في إصدار حكمه، وأحياناً يُرى أن أولئك الذين يديرون شؤون البلاد والسلطات التنفيذية مؤمنون وورعون، كما في هذه الحالة كانوا لا يعرفون واجبهم ولم يتخذوا قرارات سريعة. طلبوا مني إيجاد حل. اقترحت أن يأخذوا منه تعهداً ويطلقوا سراحه. وانتقدت بشدة الشخص الذي أصدر أمر الإعدام قائلاً: هل الإنسان ذبابة كي يُقتل بهذه السهولة؟ قالوا إن ذلك الشخص ذو منصب رفيع ومن المدعين أيضاً. قلت من الأفضل أن ألتقي به لأتعرف عليه، وإذا ثبت لي علمه ومعرفته، سأترك عمامتي التي هي كل ما أملك، ولن أغضب من ذلك، لأنني أنتظر من يأخذها مني ليطمئن قلبي، والضربة ضربة سواء كانت على الرأس أو على الجسم. أما إذا ثبت جهله فسأكسر فكّه وأنتم تدفعون دية قتله، لأنه أصدر حكم القتل بناءً على جهل. في دفاعي عن ذلك الداعِي، قلت إنه لا يعلم السحر، وأن كل الأدعية والتعليمات التي يستخدمها واردة في كتاب مفاتيح الجنان. وفي النهاية، وفقاً لنصيحتي، أُفرج عن ذلك الداعِي، و…

وأشكر الله أنني أنقذت نفساً إنسانية.

أتذكر يوماً حضرت فيه صفاً للتسلية فقط. كان المدرسون في ذلك الوقت أشخاصاً لطيفين ومحبوبين، رغم أن بعضهم كانت أخلاقه صعبة التحمل. أخذ المعلم ذراعي وطردني من الصف، وقال ساخطاً إن ما يُقال في هذا الصف ليس درساً، ومن الأفضل أن أذهب وأدرس الجدّي. أحياناً لا تتوفر الظروف الملائمة لطرح بعض المواضيع.

واحدة من مجالات المعرفة القرآنية هي الإحصاءات القرآنية. نحن في مجال علم الإحصاء والقرآن الكريم ضعفاء وقليلو العمل. كثير من المفسرين لم يكن لديهم معرفة بالرياضيات ولا بعلم الإحصاء. كانوا في العادة يدرسون الأدب العربي، لكنهم لا يعرفون الحساب. رحم الله أساتذتنا! كانوا معلمين جيدين يعرفون الرياضيات والفلك والهندسة. في الأصل، القرآن الكريم هو كتاب الرياضيات والأدب، وأدبه مرتبط بالرياضيات التي يطرحها. بدون علم الإحصاء، لا يمكن الاستفادة من القرآن الكريم. الإحصاء هو خريطة الفهم والإدراك الأعمق.

ذات مرة، رأيت منكر وجود الله من العباقرة. كان ينتقد جميع الأدلة على وجود الله. استعنت بالإحصاء لإثبات وجود الله، فقلت له: أليس جمع المسلمون الكثيرون دليلاً على وجود الله؟ هل تعتبر هذه الجماعة العظيمة من الناس عواماً وسذجاً؟ تماماً كما شهد الأنبياء والأئمة والعلماء مثل ابن سينا والشيخ الطوسي بوجود الله! هل هؤلاء أشخاص سذج وبسطاء الفكر وكان لهم منفعة من ذلك؟

صحيح أنه إذا بنى أحدهم مسجداً، يصبح هو الوصي عليه، وإذا مات يعينه ابنه على الوصاية، وإذا لم يكن لديه أبناء ذكور يعين بناته، ومع ذلك فإن الأئمة الأطهار سَقَوا شجرة الدين والتقوى بدمائهم، ولم يجنوا منفعة، بل قتلوا، وذُهبت نساؤهم وأولادهم أسارى في واقعة كربلاء، لكنهم لم يتخلوا عن الله ولم يلجؤوا إلى الدنيا وحكامها.

كل هذا هو أفضل دليل على وجود الله. قال ابن سينا، العبقري الإيراني، في شعره:

في الدهر واحد مثلي وهو كافر
فليس في الدهر كله مسلمٌ غيري

أي أنني مسلم وأفهم تعاليم الإسلام والدين أفضل فهم. العلماء يمتلكون أفضل فهم لله ومعارف الدين. ابن سينا لم يُقتل بسبب تدينه، لكنه عومل معاملة سيئة. وهناك من تحمل مشاقاً كثيرة في هذا السبيل وآمن بوجود إله.

اتركوا البراهين العقلية مثل برهان النظام، وانظروا إلى كثرة وعدد البشر البصيرين والواعيين الذين يشهدون بوجود الله. هؤلاء الناس ليسوا سذجاً ولا متاجرين بالدين. في مثل هذه الظروف، الشك في وجود الله مستحيل، وهذا دليل مقنع تماماً.

الهدف هو أن نتجه نحو الله ونتصل به. الأولياء المعصومون هم أفضل دليل على وجود الله.

الرياء السطحي ونمو النفاق

كنت في المدرسة متفوقًا جدًا إلى درجة أنني كنت بمثابة معلم. شكلتُ مع بعض الأولاد الأقوياء، الطويلين، والقساة مجموعةً للدفاع عن الطلاب الضعفاء والمظلومين. كان هؤلاء يتقبلون قيادتي، وكنت أزرع فيهم شعورًا بالحق والعدل. إذا تعرض أحد الطلاب للظلم أو الأذى، كنا ننتقم له. ولم أكن أشارك في المشاجرات بنفسي، بل كنت القائد الذي يوجههم من الخلف ويحدد من ندافع عنه ومن نعاقبه.

كان معظم هؤلاء الأولاد غير مهتمين بالدراسة، فمثلاً والد أحدهم كان يعمل في تربية المواشي، ووالد آخر كان يعمل في بيع الحلويات، وكانوا يرغبون في متابعة أعمال آبائهم التي كانت توفر لهم دخلاً جيدًا. لذلك، لم تكن الدراسة مهمة بالنسبة لهم، وكانوا يعتمدون على نسخ واجباتهم من كتاباتي. وكوني متفوقًا جدًا، كنت أساعدهم في دروسهم وواجباتهم، وكان ذلك سببًا رئيسيًا في قبولهم لي.

في كتابي “حضور الدلبان” ذكرتُ تفاصيل هذه المجموعة، ولن أكررها هنا.

كنا نهتم ببعضنا البعض. ذات يوم، أخذ معلم منا قفاز الملاكمة لأحد أعضاء مجموعتنا ولم يعطه إياه مجددًا. احتججت عليه قائلًا: “لا يجوز شرعًا أن تأخذ مال الآخرين دون إذن، ويجب عليك إرجاعه إليه أو إلى والده.” لكنه رفض. في الصف، وضعت يدي على أذني لأتجاهل كلامه، فاعتبرني معلمًا بغير احترام وأخذني إلى مكتب المدرسة، واشتكى مني. قال المدير له: “لماذا لا تستمع إلى المعلم؟” أجبت أنني أعرف الدرس عن ظهر قلب. وبدأت أردد الدرس كلمة كلمة، وكان المعلم لطيفًا وعادلًا وقال في النهاية: “تعال إلى بيتي وخذ القفاز وأعده إلى والده.”

ذهبت إلى منزل المعلم، وكان زوجته تمدحني وتخبرني كم هو سعيد بأن لديه طالبًا مثلي.

أحد أعضاء مجموعتنا كان جارنا، يُدعى آقا علي. كان يحمل كتبي إلى المدرسة ويعيدها. كان والده غنيًا، وصار فيما بعد حاجيًا. وكان ينقل دفاتر واجباتي لأصدقائنا في المجموعة ليكتبوا منها. أحيانًا يتأخر في الوصول للمدرسة، فيبدأ الأولاد بالتذمر خوفًا من عدم إنهاء واجباتهم في الوقت المناسب. كانوا يكتفون بالحصول على درجات قبول بسيطة (11 أو 12) ويريدون فقط ألا يتدخل أحد في شؤونهم. أما أنا، فكنت الوحيد الذي كان ملتزمًا بالدراسة الجادة.

كنا ننسق دروسنا معًا، وكنت أخبرهم أن يكتبوا واجباتهم بحيث لا تكون نسخةً مطابقة حتى لا يلاحظ المعلم.

منذ الصغر كنا نعلم أنه لا يمكن أن يكون جميع أفراد المجتمع، أو حتى صف دراسي، على نفس المستوى. الناس متنوعون، ولا يمكن homogenize الجميع بالقوة والخداع.

للأسف، أولئك الذين يركزون على الشكل الخارجي ويتصدرون المشهد في بلادنا يريدون أن نصلي جميعًا بنفس الطريقة، وحتى من لا يريدون الصلاة يُجبرون عليها بالقوة، ويتعرضون للضرب، مما يدفع الناس إلى الغش والنفاق والكذب.

يجب التفريق بين الضرورة والفرض بالقوة.

النفاق في بلادنا أصبح نظاميًا، كما هو الحال مع الفساد الواسع. حيثما يدعي الجميع الحصول على الدرجات الكاملة، فمن المؤكد أن هناك غشًا، ومن القريب أن تكون الحقيقة هي العكس تمامًا.

إذا غاب الصدق، يصبح كل شيء مزيفًا ومزورًا. حيثما يغلب القهر، يوجد النفاق والرياء والتمجيد الزائف، أما أصحاب المعرفة الحقيقية فلا يخضعون لأصحاب النفوذ الضعفاء، الذين يروجون زيفهم ويقصون العلماء الحقيقيين إلى هامش المجتمع.

سيطرة الضعفاء (الصفر) تجعل الكذب والتزييف أمرًا شائعًا. المجتمع الذي يغلب عليه الكذب يفقد ثقة الناس فيه، ويصبح مثل الراعي الكذاب الذي لم يعد أحد يصدقه.

هيمنة الشكلانية والضعفاء بدلاً من الأكفاء أدت إلى فقدان الثقة بين الناس. غياب الصدق والتصنع المفرط يؤدي إلى انهيار المجتمع، وتحويله من مستوى عالي (20) إلى أدنى مستوى (0).

من أجل منع هذا الانهيار، يجب احترام التنوع والاختلاف، والحفاظ على الصدق في هذا الإطار.

هناك أناس ضعفاء ومذنبون، وآخرون صالحون، ويجب أن يتعايش الجميع معًا، وإلا سيؤدي ذلك إلى سقوط المجتمع بأكمله.

الأكفاء المزيفون الذين يفتقرون إلى الصدق يزرعون الفتنة، مما يثير الشكوك في كل شيء.

الرياء السطحي يجعل الأماكن التي كانت بسيطة تتحول إلى مسارح للمظاهر الزائفة، ويحوّل السوق إلى مزار ديني مزيف.

ويضعون الخبز والجبن على مائدة رئيس الدولة بينما يرتكبون سرقات بالمليارات لم يسبق لها مثيل خلال الأربعين سنة الماضية.

نظام التعليم المليء بالخداع والفساد أصبح يؤثر على الجميع، من الجالس في المقهى إلى الخطيب في المنبر.

المجتمع أصبح ملوثًا بالتزوير والرياء والتملق.

لا مجال الآن للصدق حتى في مجال العزاء والصلوات الليلية، حيث تتسيد الشكلانية والرياء على الجميع.

هذه المظاهر خلقت جوًا من التملق حتى تجاه القليلين الذين يملكون القدرة.

بعضهم لا يرغب حتى في الاعتراف بضعفهم، لأن ذلك قد يكشف زيف مكانتهم.

هم يُلْقُونَ هكَذا. إنَّهم لَيَسْتَسْلِمُونَ أَنْ يَتَابَعُوا الغَيْرَ، لأنَّ تَطْهِيرَ مَن لَيْسَ مَعَهُمْ يَرْفَعُ نِقَاطَهُمْ. بَعْضُهُمْ يُخْفِفُونَ ذِكْرَ “أَسْتَغْفِرُ اللهَ” فِي الصَّلاةِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَتَغْيِيرٍ فِي الإِيقاعِ لِكَي يُخْفُوا تَزْيِيفَهُمْ وَيُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَنْ يَحْصُلُ عَلَى العِشْرِينَ. وَهَذَا فِي حِينِ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ طَبِيعَةً وَمِزَاجًا وَحَالَةً وَمَظْهَرًا خَاصًّا بِهِ. لَيْسَ ضَرُورِيًّا أَنْ يَتَشَبَّهَ الجَمِيعُ بِصُورَةٍ نَمَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ حُرًّا، كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي الخَلْقِ خُلِقَ حُرًّا وَبِشَكْلٍ وَقَدْرٍ وَلَوْنٍ وَنَفْسِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.

فِي مِثْلِ هَذَا البِيئَةِ، حَتَّى إِنْ بَلَغَ أَحَدٌ بِالاجْتِهَادِ العِشْرِينَ، فَهُوَ لَا يَكُونُ ذَا قِيمَةٍ، لِأَنَّ الجَبْرَ البِيئِيَّ وَالخَوْفَ مِنْ هَؤُلاءِ الوُكَلاءِ هُوَ مَا جَعَلَهُ يَصِلُ إِلَى العِشْرِينَ. وَهَذَا مَا ذَكَرْتُهُ: فِي المُجْتَمَعِ الَّذِي لَا صِدْقَ فِيهِ، يَفْقِدُ الجَيِّدُ قِيمَتَهُ. وَفِي المُجْتَمَعِ الَّذِي لَا صِدْقَ فِيهِ، تَفْنَى العَفْوِيَّةُ وَهِيَ الهُوِيَّةُ البَسِيطَةُ وَالجَمَاعِيَّةُ لِلبَسَطَاءِ وَالمُجَاهِدِينَ.

تَشَدُّدُ المَظْهَرِ وَالشَّكْلِ عَلَى النَّاسِ وَالمُجْتَمَعِ، خَاصَّةً مِنْ أُولَئِكَ الصِّفْرِ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ كَالعِشْرِينَ، يُشْبِهُ قَوْلَ “الجَمِيعُ جَرَى، وَالحِرَافُ أَيْضًا جَرَوْا”. وَالحِرَافُ حِمْلُهُم ثَقِيلٌ، وَالجَرْيُ بِه ثَقِيلٌ. هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أُمَّةُ أَوْلِيَاءِ اللهِ الطُّهَرَاءِ، وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا قِمَّةَ المَعْرِفَةِ، وَيُحَارِبُونَ مَن هُمْ بِعِشْرِينَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ الإِلَهِيُّونَ لِهَذَا الزَّمَانِ، وَيَجْعَلُونَهُمْ فِي العُزْلَةِ أَوْ فِي السِّجْنِ.

وَيَخْشَوْنَ حَتَّى مِنْ ذِكْرِ “أَسْتَغْفِرُ اللهَ” لِئَلَّا يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ سَلْبِيٌّ عَلَى المُجْتَمَعِ. هَؤُلاءِ لَيْسُوا أَحْرَارًا أَنْفُسَهُمْ وَلَا يُتْرُكُونَ الحُرِّيَّةَ لِلآخَرِينَ. هُمْ أَصْفَارٌ وُهَيْنَةٌ يُضَخِّمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيَلْصِقُونَ مَشَاكِلَهُمْ بِالآخَرِينَ، أَصْفَارٌ يَرْغَبُونَ أَنْ يُدْخِلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي العِشْرِينَ. فَالصِّفْرُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَبَسِيطًا وَمَنْفَتِحًا عَلَى النَّاسِ، وَيَتَجَسَّسُ عَلَى ذُنُوبِ غَيْرِهِمْ. وَهَذِهِ التَّجَسُّسَاتُ تُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ المُجْتَمَعِ بِالرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ وَالزُّورِ وَالْخِدَاعِ وَالكَذِبِ وَالتَّزْيِيفِ، فَسَادٌ يُمْنِي النَّاسَ أَنْ كَانُوا يَذْنُبُونَ أَحْيَانًا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُونُوا يَكْذِبُونَ وَيَتَصَنَّعُونَ.

لِإِزَالَةِ السُّلُوكِ النَّافِعِ لِلرِّيَاءِ وَالكَذِبِ وَالتَّزْوِيرِ، يَجِبُ تَحْرِيرُ المُجْتَمَعِ. فَرَشُّ الْبُرَاءَةِ إِجْبَارِيًّا يُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ القِيَمِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الجَيِّدِ وَالسَّيِّئِ فِي المُجْتَمَعِ. وَالصِّحَّةُ النَّفْسِيَّةُ لِلنَّاسِ تَحْتَاجُ إِلَى الحُرِّيَّةِ وَالتَّنَوُّعِ وَكَوْنِهِمْ عَلَى طَبِيعَتِهِمْ.

وَالرَّغْمَ مِنْ أَنَّ الإِجْبَارَ يُبْعِدُ المُجْتَمَعَ عَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي يَرْكِزُ عَلَيْهَا الظَّاهِرِيُّونَ، إِلَّا أَنَّهُ يُصِيبُهُ بِأَخْطَرِ الذُّنُوبِ مِثْلَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ وَالزُّورِ وَالتَّزْيِيفِ وَالْخِدَاعِ، وَيُحَوِّلُ فَقْدَ الثِّقَةِ إِلَى وَبَاءٍ شَامِلٍ وَمُفْتَرِسٍ، وَهَذَا وَبَالٌ يَشْعُرُ بِهِ أَفْرَادُ المُجْتَمَعِ الحَالِيّ وَلَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ، وَجَذْرُهُ هُوَ تَحْوِيلُ قِيَمِ المُجْتَمَعِ وَاسْتِبْدَالُ الأَصْفَارِ مَكَانَ العِشْرِينَ.

يجب أن يُطبَّق الدين في الحالة التي توصلتُ إليها منذ سنوات، وإلّا فلن يُثمر. ومن ناحية الاجتهاد، فإن الدين يكون بهذا الشكل الإلهي والمنتسب إلى الله تعالى. أما العائق الكبير أمام هذه الأفكار فهو تعنّت أصحاب المظاهر الظاهرة المناهضين لها. هؤلاء أصحاب القوة والمال يقاومون هذه الأفكار بشدة بحيث لا يُمكن السيطرة عليهم إلا بالمواجهة والقمع، لأنهم سيغشون صاحب هذه الأفكار بآلاف الحيل والخدع. إن تقديم هذه الأفكار يمر عبر مسارٍ ينتهي بالتقابل مع هؤلاء المتعصبين المتخلفين المتظاهرين، ونحن في هندسة الدين التي نقدمها، نبرز جمال الدين وحلاوته اللذين اختفيا تحت ظل الزينة الظاهرية لهؤلاء، ونوضح أن الجمود والتخلف والحدة والسوء والعناد ليست من الدين. ليس فقط غبار التاريخ المظلم بل كميات هائلة من الترسبات الزخرفية قد غطت الدين وجعلت استخراجه صعبًا. أصحاب المظاهر السطحية يعتبرون هذه الترسبات ظاهر الدين ويدافعون عنها بعنادٍ أعمى لا عقل فيه ولا روح إيمانية.

أما الآن، فقد استنزفتني أكثر من خمسين سنة من البحث والنضال مع هؤلاء السطحيين الجافي العقول، ولكنني رافض أن تستمر تلك الممانعات لعقد آخر مهما طال، وسأبذل ما في وسعي وأطرد تعب السنوات من نفسي. لقد عملت بدافع الحب، ونتيجته عند الله تعالى. الآهات التي في أعماقي تنبعث بمحبة الإخوة، وفي جوف وجودي حزني على معاناة الناس. هذه الآهات ليست بسبب اليتم أو الغربة، بل هي تعبير عن إرهاقي من أجل خلق الله. منذ أن كنت شابًا في التاسعة عشرة من عمري وكنت أُدرس في مدرسة الفيضية بمدينة قم ست عشرة حصة يوميًا وحتى اليوم، التعب رافقني.

كنت أخرج أحيانًا إلى سطح الفيضية وأحيانًا إلى الحرم، حتى قال بعضهم: إذا رآك خدم الحرم هناك فلن يعرفوك وسيقبضون عليك. لقد كنت متعبًا ومُنهكًا في تلك السنوات، وألجأ إلى السطح لأتنفس. أحيانًا كنت أبقى مستيقظًا شهرين متواصلين، أي أربع وعشرين ساعة دون نوم وأعمل. مع أنني أستطيع أن أُضرب إضرابًا عن الطعام وأبقى صامدًا بلا حركة، وأكلت في حياتي خروفًا كاملًا وأكلت كبدة نيئة، إلا أن دروسي الست عشرة كانت تستنزفني كثيرًا.

لذلك، فإن ممانعة أصحاب المظاهر اليوم لي تُعتبر بالنسبة لي راحة وترويحًا عن التعب، لكن التعب من أجل خلق الله سيظل في أعماقي حتى يتغير الجو ويصلوا إلى الفرح الحقيقي الذي يستحقونه. الناس عظماء، لكن هؤلاء السادة الصغار لا يريدون عظمتهم وأخذوا منهم البهجة والحيوية الحقيقية. في النهاية، نحن نرحل، وأعداؤنا يرحلون مع فضيحتهم، والشعب سينال بعد حين ما يستحقه، رغم أن عصر الغيبة والفرص الحقيقة التي ينالها الناس محدودة وزائلة، وأصحاب المظاهر سيعودون إلى سيطرتهم تدريجيًا لعقود أخرى، إلى أن يعيش الإيرانيون أحرارًا بعد قرنين من الآن.

سنّة رضاشاه وحكاية تصاريح الاجتهاد الشعبوية

في عهد حكم رضاشاه، حيث برزت مسألة اللباس غير التقليدي لرجال الدين عدا المجتهدين والعلماء الكبار، بدأ صدور تصاريح الاجتهاد من بعض المرجعيات الدينية للعديد من رجال الدين، وذلك فقط ليُعفوا من خلع زيهم الديني، وكانت هذه التصاريح معترفاً بها رسمياً في هذا الصدد فقط. وقد منحت المرجعيات في هذه التصاريح لهؤلاء الرجال ألقابًا مثل «ثقة الإسلام»، ومنذ ذلك الحين، انتشر تقليد إلقاء الألقاب على رجال الدين بشكل واسع. وعندما كان يعرض الموظفون الحكوميون هذه التصاريح، كانوا يتجنبون مضايقتهم أو خلع زيهم. واستمر هذا التقليد بعد وفاة رضاشاه. وحتى اليوم، لا تزال الألقاب مثل «ثقة الإسلام» تُمنح للأعلام الدينية.

في هذا السياق، كانت طبقة «الأخوند» ـ وهو مصطلح خاص في كتاباتي ـ تنفق المال للحصول على هذه التصاريح. أحيانًا كان أحد الأخوندات، الذي لم يكن يملك أي تخصص أو علم، يحصل على عدة تصاريح من عدة مراجع. وكان بعض هؤلاء المرجعيات يمنحون التصاريح لهؤلاء لأنهم كانوا يجمعون الأموال (الزكاة) بذكاء. وهكذا، أصبح الفضاء العام يسمح بأن تكون كثير من هذه التصاريح مزورة أو بلا أساس، وكان يكفي إرسال كيس من المال لبعضهم ليحصل المرء على تصريح الاجتهاد. ذات مرة سُئلت عن تصريح الاجتهاد الخاص بي، فأجبت بأنني أمتلك تصريحًا حقيقيًا من رجال العلم الذين كانوا أساتذتي في مختلف العلوم، وقد أصروا عليّ أن أقبل تصاريحهم، لكنني رفضت، لأنني في مثل هذه الأجواء حيث تصدر التصاريح على أساس سياسي أو مالي، فإنها لا قيمة لها وهي أمر عبثي.

اليوم، يهيمن النخب العلمي، وهم قادرون على تقييم المراتب العلمية لأي شخص من خلال مراجعة مؤلفاته وأعماله العلمية وابتكاراته. المجتمع العلمي لم يعد يقبل التزوير أو التوصيات الشخصية.

أحيانًا يرسل لي بعض الأخوندات عشرين تصريحًا من أشخاص مختلفين ليطلبوا مني أن أمنحهم تصريح الاجتهاد. وأنا معارض لهذا الأمر وأعتبر إصدار التصاريح خطأً كبيرًا. لا أمنح التصريح للاجتهاد ولا أسمح بجمع الأموال؛ لأنني لا أريد أن أساعد لصوص العلم أو السارقين. ليس هدفي الكسب. بعض الطلبة يرون أنني أبدأ حركة ثقافية ويعتقدون أنه من الأفضل أن يكون لهم تصريح مني أيضًا، فيحصلون على تصاريح من الآخرين ويدفعون المال لذلك. هذه الأمور كلها عبث ولا أساس لها. وأقول ساخرًا: هذه آثار الاستبداد الذي فرضه رضاشاه، فجزاه الله خيرًا على ذلك، فقد أجبر العلماء الكبار على لبس العمامة وجرد الطلبة من زيهم.

أتذكر من السيد الإلهي ذكرى، رحم اللهُ روحه! كان يروي وهو يبتسم أنه كان ينوي الذهاب إلى الجامعة، لكنه لم يكن يحمل معه نقودًا، ولذلك قطع الطريق سيرًا على الأقدام، وحتى وصل إلى الجامعة ارتفعت الشمس وأصبح وقت الظهر. وكان قد أُغلقت الفصول الدراسية في الجامعة. فقال: لقد قمتُ بواجبي، وإن إغلاق الفصول لم يعد من مسؤوليتي. كان إنسانًا طاهرًا ونقيًا للغاية. كان عارفًا متحمسًا، حسنًا وصالحًا.

إذا وصل العائد من برنامج اقتصادي إلى مئة أو مئتي مليار تومان، فهذا يعني أنه لم يعد برنامجًا حقيقيًا. مثل هذه النهج ليست ضمن خطط العلماء، ومن يفعلها يقع في برزخ وضيعة. أسأل الله أن يوفق الإنسان ليعرف أحكام دينه معرفة صحيحة، فلا يدّعي فهم الدين أو التولي عليه دون علم. معرفة المسائل والأحكام تحتاج إلى إدراك المعايير، وإلا فقد يفقد المرء التوازن في الأمور ويقع في الإفراط أو التفريط. فمثلاً، الإفراط في الغسل هو وسواس، والتفريط فيه يجعل الشيء نجسًا وقذرًا. يجب وضع قواعد وأصول للأمور.

بعض الناس، خصوصًا في إدارة الشؤون المالية للطلاب، يعطونهم السمك ولا يعلمونهم كيفية الصيد. يجب تعليم الطلاب الصيد وكسب الدخل المستقل، وألا يكونوا معتمدين على المِنح الدراسية فقط. العالِم الذي يفرز الباذنجان الفائض من بين ثمانية حبات، هذا عمل ممتاز ومحبوب، ولكن بشرط ألا يغفل عن الإناءات والصناديق المالية وأن يوزعها في نفس اليوم على المحتاجين الذين قد يتخلون عن باذنجانة واحدة من أجلها! أسأل الله أن يرحمهم ويرحمنا برحمته ومغفرته!

على أي حال، أسأل الله أن يوفق هذه الحوزات العلمية لتنال نظامًا وطنيًا وليًّا، لا نظامًا جامعيًا. أسأل الله أن يُمنح الروحانيّة معيارًا ومرتبة، لا أن يُحَوّلوا الطلبة بالسياسات إلى كائنات مثيرة للجدل، متهورة ومتحركة بالاحتجاجات. يجب أن يكون الطالب صاحب فكر وهندسة، والبحث والكتابة، ليصل إلى معادلات إصلاح المجتمع والعالم، لا أن يعيش من منحة زهيدة في ركن رطب كي لا يموت، وهو يعاني من الديون والأقساط وشكاوى العائلة والعار أمام أبنائه وقلة الاحترام في المجتمع، ومن جهة أخرى تُسرق عشرات المليارات من مرجعٍ ما أو من مؤسسة احتفالية تابعة للنظام، التي من بين أعمالها تنظيم حشود المشاة، ولديها ميزانية سنوية بمليارات التومان للسرقة المهيبة. لماذا لا توزع هذه الأموال مباشرة على كل الطلاب، ولماذا لا تُمنح لهم فرصة البحث والنشر الإلكتروني؟

معجزة المنح وبنك الأموال الشرعية

في حوزتنا اليوم، التي لا تميز بين الكفاءات العلمية، ويهيمن عليها ركوب الأمواج، كما قال أحد الطلاب، أصبح معيار المال هو المقياس، بحيث تحدد قيمة العلم بالمال. النبيّ الجماعة الظاهريّة التي تسيطر على السياسة لا تمتلك سوى معجزة المال. القدرة على تقديم المنح، التي إن لم تكن جذورها شعبية فهي بلا شك تبعية وولاء وتعيينات، أصبحت مقياس الترفع والوصول إلى المرجعية. هذه الأيام، حيث صار الحكم أعظم من المرجعية، واستولى على الاستقلال والحرية من الحوزات التي تحت نفوذهم، وحل مكان الكفاءة في الاجتهاد العلمي والعدل المال السياسي، ومعه الدعاية ودعم المؤسسات العسكرية، كأساس للقوة عند بعضهم، الذين لا يمتلكون حتى أدنى معايير علمية لكرسي تدريس بسيط في مؤسساتهم.

كنت دائمًا أقول إنَّ الأموال الشرعية (الزكاة والصدقات) والرواتب المالية تحتاج إلى بنكٍ ومنظمةٍ مستقلة، تعمل بناءً على المداخلات التي تأتي من كل مقلدٍ من مراجع الدين، بحيث تُنفق وفق فتاوى المراجع، لا أن تُسحب المراجع في فترة شيخوختهم إلى مهنة المصرفية. رحم الله السيد جلبيكان، الذي كان من أنقى وأتقى المراجع. في شبابي، كان السيد افتخاري، المسؤول عن بيت آية الله جلبيكان، يخبرني مرارًا أن السيد يريد رؤيتي. ولم أكن أزور بيوت أي من المراجع أبدًا. في تلك الأيام، كنت أحضر دروسًا في المساء، وبعد الدرس جاء السيد افتخاري وقال لي: “هو أستاذك ويريد أن يراك”. فقلت: “حاضر”، وذهبت معه فورًا.

أريد أن أُبيّن مظلومية أهل العلم بسبب هذه العادات القديمة التي لا تُزال ولا تتجدد. كان مكتبُه مزدحمًا جدًا، حيث كان حوالي عشرين شخصًا ينتظرون لرؤيته. وجلست عند الباب، وقدموا لي شايًا. كنت على وشك أن أتناول الشاي، فقال لي السيد افتخاري: “تعال يا حاج آقا”. فقلت له: “أليس دوري بعد هؤلاء؟” قال: “تعال إلى الداخل”. كان السيد جلبيكان شيخًا جدًا، وكان بجانبه خزنة مليئة بالنقود. رأيتُه وكأنه في حالة من القلق والخوف من أن تُسلب منه أمانة ما. كان ينبغي له في هذه المرحلة من حياته أن يستريح، لكنه أصبح أمينًا على هذه الأموال. حزنت عليه جدًا لأنه في شيخوخته عليه أن يحتفظ بالأموال بين يديه. جلس بجانب الخزنة وكأن قلقه ظاهرٌ على وجهه. جلست وسألني عن أحوالي، وأخبرته بأني لن أعود إلى الدرس، فقال: “لا، الحمد لله أنت ناجح ولا تحتاج”. سألني: “سمعت أنك مدينٌ بشيء؟” وقتها كنا قد اشترينا منزلاً بأموال دُين من القاضي، وأخبره البعض بذلك، فأجبته: “لا، رزقنا مع مرتضى علي، وديننا مع الله”. لم يُكمل الحديث بعدها، ولم يكن لديه أي نقود لنا. تحدثت معه بجرأة، فلم أقصد الإساءة، وإنما أوضحت له أن هناك من يتولى الأمور المالية، وأنني لا أقصد شيئًا سوى الحقيقة.

بعد ذلك ودّعنا بعضنا البعض، وعندما كنت خارجًا قال لي أحد الذين كانوا في بيته: “يا حاج آقا، ضع درسًا في مدرستنا”. فقلت له: “لو كان مكانًا باسم أحد، فلن أتخطى عتبة بابه. ليس لدي دروس خاصة، وأنا أوقف نفسي لخدمة الطلاب جميعًا.” كانت تلك الدعوة بسبب الدرس الذي أراد أحد المرتبطين بالبيت تنظيمه. ولو كنت قد أخذت أموالًا، لكان عليّ تعويضها من خلال درس، ولكن هذا الشخص لم يدرك ما حدث، واقتراحه جاء بناءً على افتراضات خاطئة. بعض الأشخاص المرتبطين بالبيوت يستخدمون تنظيم البيت كأداة للحصول على مقدم ومن ثم يطالبون بحقوقهم. وكان هنا نظام يعمل بهذا الشكل، وإلا فلم يكن السيد جلبيكان ليهتم بمعرفة من يحتاج إلى المال أو من يريد المال.

لو كان للزكاة والرواتب نظام مستقل ومنظمة خاصة بها، لتقلّت هذه الفساديات النظامية من التغلغل. على كل حال، شعرت بحزن شديد لرؤية عالم في الثمانين من عمره مضطر للاحتفاظ بخزنة والقيام بحسابات الأموال، لأنه مؤمن أمين وعادل ويريد أن لا تضيع أي ريالات من الأموال، ولكن هل يستطيع رجل مسن في الثمانين أن يسيطر على أشخاص يعملون بمنهجية نظامية؟ حتى الأسد حينما يشيخ، لا يعود قادرًا على السيطرة، ويُطرد من القطيع ولا يقبل به الأسود الشباب.

على أي حال، إدارة الأموال والرواتب تحتاج إلى نظام مستقل وبنك خاص. الحوزات العلمية وبيوت العلماء يجب أن تُدار على أساس الحب والعشق للعلم، لا على أساس المال والماليات. الحوزات تحتاج إلى نقاء روحي وملكوتي. أنا شخصيًا لا أعطي أي مبلغ من المال لطلابي أو العاملين هنا، وهذا هو السبيل الصحيح الذي يؤتي ثماره. طوال هذه السنين، كنت عاملًا مجانيًا في سبيل البحث العلمي والتدريس والكتابة، ولم أتقاضَ شيئًا، بل إنني كنت أضيف مما أملك، وطلابي مثلي.

تحويل الأموال إلى خبز التسول

أنا أعتبر المعلومات والمعارف المكتسبة مثل خبز التسول. عندما كنت طفلًا، كان المتسولون يذهبون في ليالي الجمعة إلى بيوت الناس ليأخذوا منهم شيئًا. كان لي أستاذ روحي أرشدني لكي أتقن علم الاجتماع وعلم النفس، وأوصاني بأن أرافق أحد المتسولين لأتعرف على طريقة عملهم وما يجدونه في متاعهم، كي أبحث في هذا الأمر. كان هناك رجل مسن متسول، يملأ الناس حقيبته بالهدايا، وكان كبيرًا جدًا في السن. كنت في ذلك الوقت في العاشرة من عمري. قلت له: “يا والدي، أريد أن أرافقك الليلة لأرى كيف تعمل. وإن طلبت مالًا، سأعطيك.” في تلك الأيام كان المال نادرًا وثمينًا، وكان الناس يعطون المتسولين أشياءً أكثر من المال.

كان الناس يقدمون له الشاي، والقليل من السكر، وبعض الزيت للطهي، وقطع خبز، وأحيانًا ثمارًا طازجة مثل الخوخ أو التفاح أو المشمش، وكان يجمع كل شيء في حقيبته. أحيانًا يعطونه عشر شاهي، وهو عملة صغيرة كانت تملأ بها الجيوب بذور عباد الشمس. وكان الناس يعطونه أيضًا كبد وبنات أمعاء وحليب مسقطي. رافقته إلى منزله حيث أفرغ حقيبته، وكان كل شيء مختلطًا معًا.

يقال إن المتسول يكره الخبز الكامل، لأن أحدًا لا يعطي المتسول خبزًا كاملاً إلا إذا كان لديه غرض خاص. أولئك الذين يجمعون علمهم ومعلوماتهم بهذه الطريقة، كالتسول من هنا وهناك، يعيشون هذه الحالة ولا يعرفون إذا كان كل ما جمعوه مفيدًا لهم أم لا. رحمه الله الأستاذ الأديب النيسابوري، الذي كان يقول: “ما أبسط هذا الإنسان المدعي للعلم! أي علم هذا؟ هؤلاء يحفظون جزءًا من هنا وجزءًا من هناك ويسمونه علمًا.”

يجب أن يكون الإنسان باحثًا ومبتكرًا بنفسه، لا أن يكون ضيفًا على مائدة هذا وذاك. هذا الأمر مهم جدًا خصوصًا في مجال العقائد، حيث يجب أن يكون البحث بعيدًا عن التقليد الأعمى، ومن خلال تحقيق مستقل عميق وفكر مستند.

لقد كنتُ دائماً أقول إنَّ أموالُ الزكاة والرواتب بحاجة إلى بنكٍ ومؤسسةٍ مستقلةٍ، تقومُ وفق المدخلات التي تأتيها من كلّ من يقلدون المرجعيات، بصرف الأموال بما يتوافق مع فتاوى المرجعيات؛ وليس أن تُجرَّ المرجعياتُ في فترة الشيخوخة إلى مجال المصارف. رحم الله السيد گلپايگاني الذي كان من أنقى وأتقى المرجعيات. في شبابنا، كان السيد افتخاري مسؤول بيت آية الله گلپايگاني، وقد طلب مني مرارًا أن أزور السيد، وأنا لم أكن أزور بيوت أي من المرجعيات. في تلك الأيام كنت أدرس بعد الظهر، وبعد انتهاء الدرس جاء السيد افتخاري وقال إن السيد يريد مقابلتك، وقال لي: “المرحوم آقاي گلپايگاني هو أستاذك وربما لديه أمر لك.” فذهبت معه.

أودُّ أن أبين مظلومية أهل العلم مع هذه التقاليد القديمة التي لا تُزال ولا تُجدد. كان مكتبه مكتظًا، وكان حوالي عشرين شخصًا ينتظرون مقابلته، وجلست عند الباب وقدموا لي شايًا، وعندما أردت أن أتناول الشاي قال لي السيد افتخاري: “تعال، يا حاج آقا.” فقلت: “هل ليس هناك دور؟” فقال: “تعال للدخول.” كان السيد گلپايگاني مسنًا جدًا، وكان بجانبه خزنة مليئة بالأموال. رأيته في مختبري النفسي المتنقل في حالة من التوتر والضغط كمن يريدون انتزاع شيء منه. كان ينبغي له أن يرتاح في هذا العمر، لكنه أصبح أمينًا على هذه الأموال. تألمت له كثيرًا، كيف لعالم في الثمانين من عمره أن يُجبَر على إدارة حسابات الأموال، وهو في هذه الحالة الضعيفة. كان جالسًا بجانب الخزنة بشكل يعبر عن قلقه. جلست وسألني عن أحوالي، وقلت له “سيدي، أعتذر، لن أعود للدراسة.” قال لي: “لا، الحمد لله، أنت ناجح ولا حاجة لك.” ثم سألني عن ديوني، فقلت له إن رزقنا مع مرتضى علي وقرضنا مع الله، ولم يكن عندي ديون للبيت. لم يقل شيئًا بعدها، أي لم يكن لديه مال لنا. تحدثت معه بصراحة ودون قصد إهانة. هذا يدل على أن بيت المرجعية كان يدير حساباته، لكنه لم يكن واعيًا تمامًا بمن يديرها.

بعد ذلك ودعته وخرجت، فاقترح أحد الموجودين في البيت أن أعطي درسًا في مدرستهم، فقلت له إنني لا أعطي دروسًا خاصة، بل دروسي وقفٌ عام للطلاب، ولم أرد أن أُقيّد نفسي بمكان معين. هذا الموقف يبين كيف أن بعض الأشخاص المرتبطين بالبيوت يستخدمون هذه الأموال كقسط مسبق لمطالب أخرى، وهو نظام مهيمن. السيد گلپايگاني لم يكن يهتم بالحصول على المال، ولو كان هناك نظام مستقل لإدارة الأموال، لكان هذا الفساد أقل.

تألمت كثيرًا لأن عالمًا يبلغ من العمر ثمانين عامًا مضطر لإدارة خزنة أموال، فهو أمين وعدل ويريد أن لا تضيع ريالات من هذه الأموال، ولكن كيف له أن يسيطر على نظام معقد؟ حتى الأسد عندما يهرم يُطرد من القطيع ولا يقبل به الشباب.

مجال الأموال والرواتب بحاجة إلى نظام مستقل وبنك. على الحوزات العلمية والبيوت أن تُدار على أساس الحب والإخلاص وليس المال. الحوزات تحتاج إلى صفاء روحي ومقدس. أنا لا أعطي المال لأي من تلاميذي أو العاملين هنا، وترى النتيجة. طوال هذه السنوات كنتُ مجرد عامل مجّاني للبحث والتدريس والكتابة، بل أضع ما أملك في سبيل ذلك، وتلاميذي كذلك. لا أعتبر نفسي مدينًا لهم، فهم يعملون بدافع الحب والوفاء.

تحويل الأموال إلى خبز التسول

أعتبر ما اكتسبته من معلومات محفوظة مثل خبز التسول. عندما كنت صغيرًا، كان المتسولون يذهبون ليلاً يوم الجمعة إلى بيوت الناس ليأخذوا ما يعطونهم. كان لي مرشد روحي نصحني بأن أرافق أحد المتسولين لأتعلم طريقة عملهم وأبحث في ما يجمعونه. كان هناك مسن متسول يملأ كيسه بما يعطونه له من طعام ونقود صغيرة، مثل الشاي والسكر والزيت والخبز والفواكه، حتى أنه كان يختلط كل شيء معًا.

يقولون إن المتسول يكره الخبز الجيد لأنه لا يُعطى له إلا إذا كان له غرض. الذين يجمعون العلم من هنا وهناك بهذه الطريقة، يشبهون هذا الوضع، ويختم الأمر بعدم الاستفادة الحقيقية مما جمعوه. رحم الله الأديب النيشابوري الذي كان يقول إن هؤلاء الناس بسيطون جداً ويظنون أنهم علماء، لكنهم مجرد ناس جمّعوا قطعًا من هنا وهناك وسموها علمًا. يجب أن يكون الإنسان باحثًا ومبتكرًا بنفسه، لا مدعوًا على مائدة هذا وذاك.

قصة عالم غني

كان لي مربٍّ كبير عالمٌ ورحالة، غني جدًا، يساعد الفقراء بتوظيف عمال ليقوموا بأعمال لا حاجة لها، مثل نقل الأحجار في الحديقة ذهابًا وإيابًا. كان يفعل هذا ليعطي العمال فرصة للعمل الشريف بدون أن يُعطى لهم خبز التسول. كان يعطيهم أجورًا أكثر.

للأسف، التركيز على أجر العبادة يشبه إطعام الناس خبز التسول، مما يفسدها، فالعبادة التي يُرى أجرها تشجع الطمع ولا تثمر معرفة أو رؤية أو كشف. من المهم ألا يكون لدى الإنسان روح التسول.

الأجور القليلة للطلاب

الذين يعطون رواتب قليلة للطلاب، مثل خبز التسول، يرتكبون أعظم المعاصي، لأنهم يحطمون كرامة الطلاب وينشرون الاستجداء والخنوع. لو كان للحوزات إدارة قوية، لما وصل الأمر إلى أن يُجلب طالب إلى حوزة الفيضية مقابل عشرة آلاف تومان، وهذا الفعل حرام. هذه الأجور التي تُعطى وُتأخذ تلوث أهل العلم وتجعلهم مديونين لجهات عدة.

أثر خبز التسول على الإنسان

خبز التسول يولد عقدة حقارة ويزرع في النفس الدونية. من يتغذى عليه يصبح ضعيفًا ويهرب عند أقل ضغط. رواتب التسول تسقط الإنسان من الإيمان والولاية. للأسف، يُرسلون رسائل تهنئة للطلاب بهذه الرواتب، والطالب الذي يأخذها يصبح عديم الفائدة.

حكاية شاب فقد قوته

عندما كنت صغيرًا، رأيت شابًا قوي البنية كان يعمل في نقل النفط، لكنه بعد إصابة في قدمه، أصبح جالسًا يتلقى صدقات من التجار، ولم يشفَ. يومًا أخذته وأعطيته آيس كريم، فأخبرني أنه لا يريد العودة للعمل القديم بل يريد كسبًا هادئًا. خبز التسول يقتل الإرادة والعمل.

الخاتمة

حتى اليوم، يُجلب الطلاب شهريًا للفيضية لتلقي رواتبهم، مع وجود أنظمة متقدمة في توزيع الرواتب في القطاعات الأخرى، بينما يُهدر وقت وجهد الطلاب في انتظار رواتبهم البسيطة. هذه الرواتب الصغيرة تعطي الطالب طعم التسول، وتجعل شخصيته ضعيفة، غير قادرة على الرؤية والابتكار. هذه الرواتب ظلم عظيم.

مثالٌ آخرٌ على نوعٍ من «الاستجداء» هو ما يُسمّى بالتبرّكات والنذور والتصدّقات الشائعة في المجتمع، خاصةً في مناسبات العزاء خلال شهر المحرّم. حيث يُحتجز جمعٌ كبير في طوابير طويلة لكي يُقدّم لهم الطعام تحت اسم «تبرك». أودّ أن أوضح أن انتقادي موجّه إلى طريقة توزيع هذا الطعام التي تُهين الكرامة، لا إلى أصل هذا العمل الخيري. يوم القيامة، سيكسر الله أيدي الذين سببوا هذه الأعمال التي تتجاهل حركة العباد وعزائهم الحسيني وتؤذيهم. أحياناً، يقوم شخص واحد بتوزيع سبعة آلاف وجبة على سبعة آلاف شخص في طوابير طويلة. والله سبحانه وتعالى يكسر أيدي هؤلاء لأن ما يفعلونه يسبب إهانةً للناس أصحاب الكرامة الذين يجب أن يقفوا في الصفوف، ويؤذونهم ويحقّرونهم.

الإنفاق، وخاصة في مجتمعنا الذي يطلق إنذار الفقر فيه بشكل مستمر، يجب أن يكون منظماً ومنهجياً وبكرامة وبنظرة شاملة وعلى نطاق واسع، مستلهماً من الإمام عليّ (عليه السلام) الذي كان يرسل المساعدات المادية والتبرعات إلى بيوت الناس سرّاً، ولم يكن ينشر إحصائياتها ولا يلتقط لها صوراً ليُروّجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدعم مؤسسات ثقافية خاصة. وبعد استشهاده، اكتشف المجتمع مدى الحرمان الذي كان يعانيه من بركاته.

تتجلى هذه المشكلة أيضاً في نظام الدعم الحكومي الذي يعاني من الخمول، حيث تخون الحكومة شعبها وتُهينه بإيداع مبلغ زهيد شهرياً في حسابات الأفراد، وهو سياسة لا مبرر اقتصادي لها بل هي ضرر اقتصادي يُنفّذ بهدف تحقيق مكاسب سياسية لفئة أو حزب معين.

في مجتمع يعاني من الفقر، يجب أن يُعتبر بناء الأضرحة والأماكن المقدسة والمساجد والأبراج جريمة، وأن تُوجّه جميع إيرادات الدولة والخيرات والنذورات والزكوات لدعم الفقراء وخلق فرص العمل لهم. ففي زمن الحرب، عندما كانت مادة الأسمنت شحيحة، بدأوا في قم ببناء مصلى وأبراج عالية. قلت إن هذا المصلى سيكون ملعوناً وعديم الفائدة. الناس بحاجة إلى كيس من الأسمنت، والأسمنت الذي يجب أن يصل إليهم يُهدر في تلك الأبراج. قال لي أحدهم: «هذه نذور». فقلت: ربما يذر أحدهم أن يلقى على ظهرك نعلاً، إذا كنتَ صاحب ولاية وسلطة، فدَع نذره يتحقق. يجب أن تكون النذور في بلد ولاية متناسبة مع الظروف والموضوع؛ ولكن هؤلاء لا يعرفون الولاية ولا النذر ولا معاناة الناس، وكل ما ينفقونه يتحول إلى شرّ ولا يرون خيراً منه.

دعنا نمر على أن معظم الدوافع اليوم أصبحت دنيوية ومادية، حتى أن معظم الناس يدرسون فقط ليحققوا مداخيل مادية، لا ليصبحوا علماء أو باحثين يكرسون أنفسهم للعلم والبشرية. أصل الأنبياء هو التلقي العلمي، والرؤى الغيبية، والسلطة العلمية والروحية. الصلوات المجردة والحفظيات لا تجعل المرء من نسل الأنبياء الإلهيين. الصلاة يجب أن تكون معراجاً. والقرآن الكريم يعرّف الأنبياء بهذا الشكل:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:1]
﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنبياء: 71]

أما الآفة التي تصيب العلم فهي كثرة التشتت. العلم يحتاج إلى أمرين:
الأول: جهد ومثابرة كبيرة، تتنافى مع روح الراحة والانغماس في الملذات.
والثاني: تجنّب التشتت والتعددية الزائدة. التشتت هو داء الحقيقة.
فالعلم يحتاج إلى قوة تجمع لكي يمتص المعرفة من ما وراء الطبيعة، ليكون إنتاجياً ومبتكراً.
العلم يكتسب قوته بالجدية والتركيز، والراحة والتشتت عدوّان رئيسيان للمعرفة. إذا تحولت الإمكانيات إلى الراحة والتشتت، فذلك مضرّ. التعددية والانشغال بمواضيع كثيرة تؤدي إلى شلل فكري واضطراب نفسي وغضب. والعلاج هو العزلة والهدوء.

إذا درس أحد تاريخ العلوم، خاصةً العلوم الإنسانية والإسلامية، يدرك بسهولة تكرار المكررات. وهذا يعني أن هؤلاء كانوا مثل المستجدين، ولم يكن أغلبهم مبتكرين أو محققين، بل نسخوا عن كتب السابقين. العلماء الحقيقيون والمبتكرون نادرون. تاريخ العلوم الإسلامية والإنسانية يعاني من التقليد والنسخ.

حوزة قم العلمية لم تعد في يد مربّين حقيقيين. مثلاً السيد الحسيني البوشهري الذي كان يدير الحوزات لفترة طويلة، كان جارنا قبل الثورة، وعندما أخبرني بمشكلة وجود حمام على سطح جيرانه، رفضت أن أوقفه لأن عملي (الكتابة) أقل قداسة من عمله (التعامل مع مخلوقات حية). وبيّنت له أن هذا الشخص أذكى مني، وأنه لا يسبب أذىً.

مثل هذا النوع من الإدارة التي تعتمد على الرقابة الفوقية، والاستعلاء، والمحاضرات المملّة، تؤدي إلى فشل وعدم استقرار. هذه الإدارة تُلقي على الطلاب عشرين سنة من الدراسة بلا إنتاج حقيقي، إذ تختار أساتذة لا يملكون الكفاءة التربوية والعملية. إذا وجد الإنسان مربياً ماهراً، وتعلم منه، يصبح عالماً ربّانياً؛ أما إذا كان المربّي غير كفء، فحتى قراءة القرآن لن تُنتج علماً.

المربّي يجب أن يكون له ارتباط بالغيب، وأن يكون من أهل القرب والولاية، ليتمكن من تربية الطالب بشكل صحيح. وإلا، يبقى الطالب غافلاً. التعليم يحتاج إلى صفاء روحي وأخلاقي، وإشراف مربّي ربّاني. وإلا يتحول إلى فوضى وفساد. كمالات الحوزة وراثة الأنبياء، وهذه الوراثة في العلم والقداسة، لا في الكلام الفارغ والمال. معجزة النبي محمد (ص) هي العلم والوحي والسلطة الروحية.

إذا كان الإنسان يمتلك هذه الوراثة، يكون محترماً من الناس، ولا يتعارض معهم. وإذا لم يكن، فلا مكان له في القلوب، بل يُحتقر ويُهاجم. الناس يتبعون العلم والحق، والمربّي عندما يكون نقي القلب وصادقاً ومتقناً في العلم يجذب الجميع.

لم تعد العصور تقبل التقليد الأعمى، ولا يقبل الناس أشخاصاً بلا سلطة علمية وروحية، خاصة إذا كانوا من أهل الدنيا أو طغاة متكبرين. المربّي الحقيقي يظهر في الميدان ويقود الناس نحو الحركة والنهضة. ولذلك، كلّ الاحتجاجات الافتراضية لا تجدي نفعاً لأن الناس لا يرون قائداً لهم.

كل إنسان يمتلك قدرة كمالات داخلية، ولكن يحتاج إلى مربّي يرشد ويفتح له الطريق. لا يمكن أن يكون الكتاب أو النصوص فقط محور عمل. روح المربّي هي التي تصنع النتائج.

مصدر العلم الحقيقي هو قم فقط، ولكن اليوم المافيات الاقتصادية والسياسية تسيطر عليها وتلحق الأذى بالدين. قلت للسيد مصباح إن أفكاره ومؤسسته لا تجدي نفعاً، إذ أنها تعمل سياسياً فقط، وليس بحثياً وعلمياً. يجب أن ينتجوا ٥٠ طالباً محققاً في قم يتحدثون علمياً، لا أن ينشئوا صحفاً تكرر كلام المسؤولين.

مصدر الإسلام والعلم في قم، وطلابها هم حراس «مضيق أحد» اليوم، وحراستهم جهاد عظيم، لأنهم يعانوا من ضغوط داخلية وخارجية. أنا شخصياً أحاول حمايتها بالبحث العلمي، وتجنبت الانخراط في السياسة.

لقد كتبت نحو ٨٠٠ كتاب ترسم نظاماً فكرياً متكاملاً في العلوم الإسلامية والمعارف الروحية. طوال هذه السنوات لم أشارك في مجالس العزاء أو الدعوات الاجتماعية، لأني أعتبر نفسي «عامل الناس» وأركز على تنظيم الفكر والاجتهاد الديني. أعلّم حتى في العطل، وأرفض أن أتلقى الأموال من بيت المال أو الزكاة، وأكتب هذه الكتب بكدّ واجتهاد.

إذا لم يُفهَم الدين بدقة ويُعرض بشكل صحيح، لن ينجح أي قائد، وسيتسبب ذلك في تشويه الدين والثورة وفقدان الثقة.

رحم الله الإمام الخميني، فكان أكبر إنجاز له كسر شوكة النظام الملكي الذي دام آلاف السنين، لكنه لم يستطع أن يجهز «الطعام» للجميع، وهذا واجبنا نحن.

كل من لديه القدرة يجب أن يترك الأنانية ويضحي من أجل تقدم البلاد ورفعة الدين، وربما بعد مئة عام تظهر ثمار هذا الجهد.

**ما كانا شهيدين؟ للأسف، نفوذ ونفاق مافيا القوة قد أطال مسير حرية الشعوب وتقدمها، وملأ المجتمع بأنواع الأمراض المعدية والفساد الذي لا يُعالَج بسهولة. والأسوأ من ذلك، أن هذه المافيا نفسها خلقت عشرات القرون للشعب لتحل محل القرن الواحد للملكية؛ وهي قرون تدعي الدين والطب، وجميع التابعين الجهلاء والمرتزقة هم من هذه المافيا والمرضى بحد ذاتهم. فما الذي فعلته هذه المافيا إلا أنها اخترقت الجهاز القضائي بقضاة مرتزقة، فحوّلوا العدالة إلى مقبرة من الإعدامات، حتى إنهم كسروا أحجار قبور الضحايا. إننا لا نملك الحق حتى في تدمير قبر كافر، فكيف بقاضٍ وقاتل ومعتدٍ أن يكون واحدًا؟ ذات يوم زرت مكانًا به قبور الإعدامات السياسية، ورأيت حجم الظلم الذي لاقوه، وهو كما سمعت. هذا بينما لم يقدم رجال الدين أي خدمة حقيقية للثورة والنظام. حتى المجرمون ذهبوا للجبهة وقدموا دماءهم، وقُتل طلبة الحوزة، ولكن ماذا فعل رجال الدين سوى المماطلة والمعارضة لأبناء الثورة ومن يريدون خدمة الدين بصدق. سيطرة هؤلاء الرجال الجهلاء والمافيا القوية أدت إلى أن يُجلد الشباب باسم الدين، وتشوّه صورة الدين الذي لا يحوي مثل هذه الظلم. في هذه الحوادث، يجب أن نبكي بحرقة على الشباب الذين احترقوا وحال الدين أيضًا. لقد ضحّت هذه المافيا بالدين ظلماً وبخسة.

هذه المافيا نشرت النفاق والتظاهر بشكل منهجي في المجتمع، وأغلقت أعينها على تضحيات ومآثر مليون شهيد وجريح خلال ثلاثة عقود. كيف يتجرأ هؤلاء على مدح أنفسهم وبث الكذب؟ ما هي الثقافة التي يحملونها لإدارة البلد وترويج الدين بينما الوطن يعاني من انعكاساتهم؟ ليت أحدهم يدرس سلوكيات هذه المافيا عبر العقود الماضية. بالفعل، سيطرة هذه المافيا هي مشكلة الثورة الإسلامية اليوم. هذه المافيا عينت أشخاصًا بلا علم أو تخصص لإدارة الأمور، وكانوا مجرد مرتزقة مطيعين. أعطوا المستشفيات للممرضين وطردوا الأطباء، وكان الإمام الراحل يقول: “إذا ضرب الإسلام، فلن يقوم بسهولة بعد ذلك.” كلامه يرد في ذهني يومياً، لأن سيطرة هذه المافيا تجرح الدين.

هذه المافيا لا تهتم بالشعب وأغلقت عينيها عن مشاكله. أقصى ما قدموه كان جمع وتدمير مئة وخمسين مجلداً من كتبي أمام أنظار المثقفين في العالم. آمل أن يستولي الطلبة الشباب الأحرار على أجواء الحوزة ويصلحوها من الجمود والتعصب. أيضاً، الناس ناضجون الآن لدرجة لا تخدعهم المظاهر كالعمامة الطويلة أو اللحى، بل ينظرون إلى المحتوى والقوة العلمية.

إذا لم تجد الفكرة الدينية مكانها الصحيح وحررت من سيطرة هؤلاء الأشرار، ستنتشر الكفرية بين الناس، ويأتي العلمانيون ويسيطرون، حينها لن يبقى شيء من الدين والولاية ولا من القيم الحقيقية.

يجب أن يترك رجال الدين المجتمع حرًا، لأن نمو الإنسان وارتقاؤه يكون في الحرية. الحرية عملية تدريجية، ولن يصل بلدنا إلى حرية مثالية إلا بعد مئتي عام. الحرية ليست حقنة تُحقن بالقوة، بل يجب أن يعي المجتمع تدريجياً حريته الحقيقية. كما أن أعظم خدمة قدمها الإمام الراحل هي كسر القرن الملكي الممتد ألفي وخمسمئة عام، ويجب على الشعب أن ينمو حتى يكسر كل القرون التي تعيق حريته، وعليهم أن يدفعوا الثمن لذلك.

الشعب ليس مشروعياً ولا دستورياً، بل يجب أن يدعم ويحيي فكرة الجمهورية الإسلامية الشعبية، أي أن الحكومة تصل إلى الناس ويجعلها الناس إسلامية. المجتمع الإسلامي هو الذي ييسر الحياة بأقل تكلفة، لا الحياة الضيقة والصعبة. المجتمع الإسلامي هو الذي يستثمر موارده الطبيعية والمعادن لصالح الناس ويوفر لهم الرفاهية، لا العكس.

الحوزات العلمية يجب أن تكون الركن الرابع للنظام، أي العقل المفكر له. النظام السياسي يدير بواسطة ثلاث سلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكنها بحاجة إلى قوة فكرية وعقل مفكر، والحوزات يجب أن ترتقي علمياً لتؤدي هذا الدور. الحوزات يجب أن تنتج فكرًا وعلمًا، وهذا هو معنى الاجتهاد الشيعي. يجب أن تصبح الحوزات مبدعة في حل المشاكل. إن لم تفعل ذلك، ستطال المشكلات الأيديولوجية المجتمع بأكمله ويُهدد أساس الدين. يجب أن يُنظر إلى الحوزات كمختصين في حل المشاكل، وهذا يتطلب توافق فكر ومشورة بين عباقرة الحوزة، الذين يجب أن يكونوا صادقين مع الله وودودين مع الناس، يحترمونهم، ولا يكونوا قاسين أو مسيئين لهم.

العنف يعني عدم احترام الناس، والكذب، والنفاق، والقهر، والظلم، والغضب السريع، والانحياز. إذا كان رجال الدين صادقين وامتنعوا عن العنف ضد الناس وحفظوا احترامهم، فإن الله يبارك جهودهم.

هناك مثل عن أخوين فلاحين، وضع كل منهما جزءًا من محصوله في حقل الآخر، ومع ذلك لم ينقص محصول أي منهما، بل زاد، بسبب صفاء نواياهما. هذا مثل على البركة التي تأتي بالصفاء والرحمة. يجب أن نراعي الناس ونعاملهم بلطف، حتى يربط الله قلوب الجميع بالمودة ويبارك في حياتهم.

لكن عندما تستولي المافيا القوية والثرية على مصير الناس وتظلمهم وتغشهم بالكذب والنفاق، لا تقتصر الكوارث الطبيعية على التفاقم، بل ترتعش التصدعات الاجتماعية ويصبح العنف منتشرًا، ولا يأبه أحد للآخر، ويعم القتل والنهب.

لو كانت الحوزات عقل النظام، لكان لدينا قوانين واضحة ومنظمة للرياضة والموسيقى والسينما والأنشطة الترفيهية، تجلب المحبة والحيوية للمجتمع. كانوا سيغزون سوريا والعراق واليمن بالعلم والفن والرياضة بدلاً من الحروب بالوكالة.

اليوم يجب أن تُظهر القوة في التخصص والفن والرياضة، لا في الحرب التي تحمل وصمة العنف وتفقد السوق العالمية. لو استُثمرت موارد الحرب في الفن والرياضة، لما ضعف أخلاق المجتمع وازدهرت العبادة، لأن المجتمع كان سيجد الصحة والنشاط والفرح. مشاهدة الرياضة تجلب النشاط، وتحمي الشباب من الانحراف. لكننا حرمنا نصف المجتمع – النساء – من حضور الرياضة بدون دليل ديني واضح.

من يحب مشاهدة الرياضة هو إنسان يسعى للكمال والنشاط، وإن قُمع هذا الميل، يتحول إلى احتجاج، وينفجر في أعمال تخريبية. لو رفعنا القيود عن الفن والرياضة، كان ذلك يعيد الأمل للمجتمع ويقهر المشاكل الاقتصادية ويشجع العمل والضمير ويقوي روح التعاون.

لماذا يُحرم المجتمع النسائي من الرياضة؟ يجب على رجال الدين أن يدعموا الفن والرياضة القائمة وأن يبتكروا أنواعًا جديدة. لماذا يحرم الناس من الموسيقى الحلال والحفلات التي لا مانع ديني فيها بسبب أهواء بعض؟ لا يوجد في الدين ما يمنع غناء النساء. لماذا لا تستطيع نساؤنا الغناء بحرية؟ لا نريد رياضيين أو فنانين دينيين، بل نريد أحرارًا يلتزمون بأخلاق مهنتهم، شجعانًا ومدافعين عن المظلومين، كما كان الأساطير مثل بورياء والي وطاقتي وغيرهم.

لا يجب أن نتوقع أكثر من ذلك من الرياضي أو الفنان. هذا مطلب عقلاني وليس دينياً، حتى الدول الكافرة تتوقع هذا من نجومها. خلاف ذلك، النتيجة عكسية، كما حدث خلال الثلاثة عقود الماضية.

المؤسسات الحوزوية:
أحد رجال الدين أخذ عدة هكتارات لأجل تأسيس مؤسسة، لكنه بنى فيلا للترفيه. لو كان في الحوزة عقل جماعي وإدارة للنابغين، لما ترك العمل لغير الأكفاء والفرصيين. إذا كان الطالب يعاني من ألم الدين، يعيش حتى في خيمة، لكنه يعمل على حل مشاكل الحوزة والدين. العقل الجماعي والتشاور العاقل بين العباقرة هو الحل لمشاكل الحوزة، لا إنشاء مؤسسات موازية تنسخ وتكرر أو تروّج بلا وعي لكل ما يقول رئيس المؤسسة، وتفسد أموال الناس.

تأسيس الجامعة:
كنت أفكر وأتابع فكرة تأسيس جامعة أو حوزة علمية خاصة تدرس وفق أفكاري ومبادئي. كنت أقول لدي محتوى وفكر جامعة مستقلة، لكن لاحظت أن تكاليفها عالية. لم أستخدم أبدًا أموال الدولة أو بيت المال. حتى عندما دعونا لإلقاء محاضرات في مؤسسات حكومية، لم أقبل أجرًا. ذهبت يومًا إلى وزارة الدفاع مع كثير من رجال الدين، ورأيت أن كثيرًا منهم كانوا تلامذتي في السابق. بعد الحفل، أتى أحدهم برزمة هدايا وأردت رفضها. اليوم أصبحت المؤسسات حتى دعاياتها تُقاس بالمال فقط، وأنا لا أؤمن بالمال. كنت أعتبر الجامعة مركز الفكر، وكنت أعتقد أن امتلاك الفكر كافٍ، لكن في الواقع لم يعد بالإمكان فعل شيء بسبب تكاليف وتداخلات مادية. سيطرة المال أفسدت كل شيء، وقال أحدهم إن معجزة النبي لو ظهرت اليوم يجب أن تكون من نوع المال! المال يغطّي العيوب، والفقر يقطع الإنسان ويكشف كل وجع.

أتذكر حينما كانوا يعطون الزيت بنظام الحصص، رأيت رجلاً كبيرًا مع عائلته يحمل زيت نباتي وزنه خمسة كيلوغرامات بشغف، وقال سبحان ربي الأعلى بحمده. حينما يكون لخمس كيلوغرام من الزيت هذا الأثر، فكم سيكون أثر الملايين!

كان هذا الرجل من إحدى المناطق التي شجعت أهلها على طلب إرسال إمام جمعة لهم، لكنه قال: “نحن لا نريد إمام جمعة، نريد بعض المال. المال الذي تنفقونه على الإمام، أرسلوه لنا، فالدين والأخلاق أفضل.” لهذا لم تنجح خطط الجامعة التي واجهت عوائق سياسية.

الفصل الرابع والعشرون: الرحمة والعنف

كان لي أستاذٌ ماهرٌ ومتمكّنٌ في العلوم والمعارف، سلطانٌ في مسائل العقيدة عند الإخباريين. لم يكن يعتبر المرحوم ملا صدرا من العلماء، وكان ينتقص من علم المرحوم المجلسي، ويعتبر نفسه أعلى منزلةً من أمثال الشيخ الصدوق. كان يعتقد أن المرحوم المجلسي لم يكن عالماً بقدر ما كان يمتلك ثروةً كبيرة، فاستأجر بعض الأشخاص وجمع وحرر كتاب “بحار الأ”، وأضاف إليه آرائه التي كانت في كثير منها خاطئة.

كتبتُ كتاباً عن عقائد الإخباريين والنقد الذي يوجهه الأصوليون لهم، استناداً إلى المدة التي قضيتها في دروس هذا الأستاذ. بدأتُ تأليف الكتاب وعمري حوالي ثلاثة عشر عاماً، علماً أنني قبل ذلك، في سن العاشرة أو الحادية عشرة، كنت أقرأ “توحيد مفضل” والأحاديث النبوية. كنت أدرس هذه العلوم منذ سن السابعة بإشراف وتوجيه من أساتذتي.

لم أكن أقبل العديد من آراء أستاذي، ونقدتُه في كتابي “ماذا يقول الإخباريون والأصوليون؟”، حيث نقلتُ آرائه في موضوع الخمس وصلاة الجمعة وغيرها. رغم أنني كنت في سنٍ صغيرة وما زلت أحب اللعب، بدأتُ كتابة هذا الكتاب. طلب مني بعض العلماء نشر الكتاب وتكفّلوا بتكاليفه، لكنني رفضتُ أن أنتقد أستاذي علناً، معتبرًا إياه رجلاً عظيماً.

صدر الكتاب عام 1386هـ، ولم يتمكن القراء من معرفة الشخص الذي انتقدته، لأنني حرصت على عدم الإضرار بسمعته، فانتقدته علمياً فقط من دون ذكر اسمه. رغم ذلك، عُرض عليّ نشر الكتاب لتشويه صورة أستاذي الذي كان عالماً كبيراً وقادراً، حيث كان في جلسات علمية يُهزم فيها منافسوه بسهولة.

طلب منه خصومه أن يذهب إلى عالم آخر في قم للمناظرة، لكنه قال إن هذا العالم ضعيف، وإنه التقى به من قبل. كان أستاذي من الإخباريين، وكان أحياناً يتعرض لمشاكل بسبب آرائه التي اعتبرها البعض انحرافية، مثل إنكاره لوجوب دفع الخمس. طلبت منه التوبة والذهاب لزيارة حرم السيدة المعصومة ودفع الخمس لتحسين وضعه المالي. لكنه كان يعتقد أن أمواله ملك له، وأن الخمس في زمن الغيبة قد وهبها الإمام المعصوم للشيعة، لذا فهي حلال.

هاجرنا إلى مدينة قم، وكان أستاذي لا يزال على قيد الحياة. جاء إليّ ذات يوم يطلب مني شراء نعلين له، فرفضت رغم قدرتي على ذلك. في النهاية، غرق هو وولديه في بئر انهار، ولم يُعرف مكان دفنهم.

الدين حقيقة، وإن تداخلت فيه الصواب مع الخطأ، والحق مع الباطل، إلا أن إثارة النزاعات بلا فلسفة أو منطق لا فائدة منها. يجب أن نوصي الناس بالخطاب العلمي والمنطق السليم، والتمييز بين الصواب والخطأ، بدلاً من الإهانة والسباب. أما التعصب الأعمى فلا مكان له في ساحة العلم، سواء كان من المؤمنين أو الكفار.

كان حسين آقا رجلًا شقيًا يُمارس الابتزاز على الناس. في زمنٍ ما، طلب من تاجر غني أن يدفع مبلغ خمسمائة تومان لشخص معين، فأبى التاجر ذلك. فَأمر حسين آقا بقتل ذلك التاجر على الفور. ومع ذلك، كان هذا الرجل الشرس يمتنع عن ضرب رجل دين. والحقيقة أن هذا القوي، رغم كونه شقيًا وأوغادًا، كان إنسانًا محترمًا يحترم قدسية رجل الدين. أما اليوم، للأسف، فإن بعض الأشخاص، بدون سبب أو مبرر، وأحيانًا باسم الدين، يتهمون بعض العلماء الدينيين زورًا ويُهينونهم بسهولة. فما هو خلفية هؤلاء الأشخاص؟

وأكثر من ذلك، من هو الذي يقتل مؤمنًا عن عمد؟ يجب أن يكون القاتل شخصًا ولد الزنا، مشركًا، كافرًا أو من أتباع أئمة الكفر، حتى يتحمل مسؤولية قتل كهذا، فلا يمكن لأي إنسان سيء وفاسد أن يقبل بمثل هذه الجريمة. ما مقدار الخبث الذي يجب أن يملأ قلب القاتل ليكون سببًا مباشراً في القتل؟ لقد هددوني بالقتل مرات عديدة، وكان هذا التهديد جديًا للغاية عندما كان السيد منتظري قائمًا مقام القيادة. لكني دائمًا كنت أقول: هؤلاء لا يستطيعون قتلي، فالقاتل لي هو شخص شرير جدًا وولد الزنا. يقول القرآن الكريم:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93].

هذه الآية تتحدث عن القتلة الذين هم من المغضوب عليهم، وهؤلاء نادرون جدًا. وحكم هذه الآية لا يشمل القتلى غير المؤمنين، ولا يشمل القتل غير العمد. فإذا قتل شخص مؤمنًا عن عمد، يكون قد لاقى غضب الله وعقابه.

إنهم لا يرون خيرًا في نهاية الأمر. سنويًا تُقام عشرات المعارض الإقليمية للكتب، وللأسف لا يُسمح لكتبنا، التي تبلغ حوالي مائتي مجلد، بالمشاركة في هذه المعارض، بل يسعون إلى القضاء تمامًا على جذور هذه الكتب. الثقافة والمعرفة في البلاد لا تنمو في ظل مثل هذه الهياكل والبرامج الخاطئة، المضادة للثقافة والدين والشعب والوطن والحقوق.

في هذا السياق، ذكرتُ بعض المرفوضين الذين، إذا ما تولوا السلطة، سيتصرفون بأشد القسوة مع الشعب والعلماء المعروفين، وبالطبع سيكون مصيرهم في زماننا “القتيل المشين”. في مقابلهم، هناك أولياء مقربون محبوبون، تتميز معرفتهم بالحب، وهي في تناقض مع العنف والصراع، وتعتمد على السلام العام والتسامح مع خلق الله. العنف لا يولد سوى ظهور مجموعات مثل القاعدة وطالبان وداعش.

لدي العديد من الكتب حول المحبوبين، والولاية المحبوبة، والتصوف المحبوب، وهذه الكتابات تعالج موضوعًا مهمًا في التصوف العصمتي بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإسلام. لكن أصحاب القوة دائمًا ما يتعارضون مع العلم والمعرفة، ويمنعون نشر هذه الأعمال. القرار الأول والأخير يكون دائمًا بيد الأقوياء، رغم أن ما يبقى للأجيال هو العلم والمعرفة.

أساس القوة هو العلم، وأساس العلم هو المعرفة. العلم يتعلق بالصفات والأمور الفرعية، والمعرفة تتعلق بالجوهر والباطن والحقيقة، وتكشف الجوهر والأصل. أساس الأنبياء والأولياء الإلهيين كان الوحي، أي المعرفة، وليس العلوم المدرسية. المعرفة الأساسية تخص المحبوبين. فالمحبوبون يمتلكون على أساس معرفتهم الموهوبة سلطة وقدرة على السيطرة على الطبيعة وكل ظاهرة، ونجحوا في نشر دعوتهم، أي كسبوا أتباعًا.

بعد واقعة كربلاء الفريدة، انخرط الأولياء الإلهيون في العمل الثقافي والعلمي، وكانت سياستهم سياسة علمية وثقافية. لكن الأتباع والمسلمون عبر التاريخ لم يتعرفوا على الثقافة العلمية والمعرفية للمحبوبين، وكانوا دائمًا أسرى لدول ضيقة وقاصر

إذا ضرب الاستبداد على ظهر الشريعة والشعب، فإنه “يُفضح” ويفشل. أؤكد على كلمة “يُفضح” لكي يُدرك الناس فيما بعد ما الذي كنت أقوله. نحن في العالم اليوم الفرقة الدينية والمذهبية الوحيدة التي لها أكثر من مئتين وستين سنة من المعلمين المعصومين، وقد وُهب لنا معرفَةُ العصمة، وهي ذاتها المعرفَة التي أسميها “الولاية المحبوبة”. ثقافياً، نحن من الآباء الروحيين للعالم، ولكن الفكر الانقباضي والتقليدي قد أبعدنا عن كل شيء، حتى عن الإنترنت، فكيف يمكن لهذا الجمود أن يسمح بنشر المعارف الولائية والمحبة إلى الناس؟ ونظراً لأنهم يفتقرون إلى القدرة على الحوار والمناظرة وتقديم العلم، يخشون وصول الناس إلى الإنترنت ويقيّدونه. كثيراً ما نصحتُ طلّابي بضرورة بيع السجادة التي تحت أقدامهم من أجل اقتناء جهاز لوحي أو هاتف ذكي أو حاسوب، ليتمكنوا من تقديم المعارف إلى الناس عبر الفضاء الإلكتروني.

اليوم يجب على كل طالب علم إنشاء موقع إلكتروني ليصل إلى عشرات الآلاف من الناس، لا أن يذهب إلى قرية ويتحدث إلى أقل من مئة شخص بكلام مكرر. يجب على المسلم والشيعي أن ينقل معرفته الدينية مع الحضارة، وأن تكون تدينه حضارياً لا بالوقاحة أو الخداع. لا ينبغي أن نحارب العالم، بل علينا احترام إنسانية الناس والحوار مع الجميع. يجب أن نصوّت في الأمم المتحدة على قانون يمنع الحرب في كل مكان، وأن نحكم عليها كجريمة مع عقوبات دولية متفق عليها. يجب أن تُمنع الحرب تحت كل الظروف. رغم أن بعض الخارجين عن القانون قد يعارضون ذلك، يجب أن يسود القانون ويُنفّذ بأقصى قوة.

في زمن الظهور، سيجمع الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عقول الناس بنار الولاية، ويمنحهم القدرة على الحوار، ويمنعهم من الشجار، وليس أن يراق دم العلماء، وهذا هو أبشع قول إسرائيلي قيل في الإسلام. عصر الظهور هو عصر ازدهار المعرفة والمحبة، وهذا النظام سيحكم العالم. المعرفة المحبوبة تتعارض مع العنف، والعنف لا يُثمر سوى ظهور جماعات مثل القاعدة وطالبان وداعش.

في ميدان التصوف المحبوب، إلى جانب الكتب العلمية لدينا ديوان “نقد صافٍ”. تصوف حافظ الشيرازي هو تصوف المحبة، وقد قارنّا عرفان حافظ بالعرفان المحبوب العصمتي، واستقبلنا كل غزلياته بلغته الخاصة. شعر حافظ غني بالصور البلاغية، لكنه محصور في عرفان القلندري لابن عربي، ولم يعرف العرفان المحبوب العصمتي. لذلك نقدنا “نقد صافٍ” أرقى في المعنى والمحتوى الروحي من ديوان حافظ. لكن عندما يهاجمني البعض بمحتواه، يتحولون إلى مثل سيمين بهبهاني الشاعرة العالمية، بينما يمنعوننا ويتجاهلوننا خوفاً من خسارتهم للمرتبة الأولى.

أنا بالعلوم الموهوبة والتخصص الذي أملكه، الأول ولا ثاني لي، لكني لا أطلب شيئاً. الحكم لكم، لكن دعوا صوت تخصصنا وإصداراتنا من الإسلام والاجتهاد والهندسة الثقافية يصل إلى الناس. لا تؤذونا كثيراً. من طفولتي وأنا أكره إيذاء الآخرين.

مرة كنت أرى مجموعة أطفال يسخرون من رجل ريفي ويأخذون قبعته ويلعبون بها، وهو يركض خلفها ليستعيدها. شعرت بالاشمئزاز والحزن له. فكرت: كيف يجرؤ الناس على إيذاء الضعيف هكذا؟ هذا الرجل جاء إلى المدينة ليشتري حاجاته، والآن يتعرض لهذا الإهانة من أطفال. هذا هو مثال علم الله لنا، نحن مثل هذا الرجل الريفي في علوم الله، مضطربون، ولكننا لم ننكسر. ومن جهة أخرى، أعداؤنا يؤذوننا كما يؤذى الرجل الضعيف.

في بداية العقد الثمانين، جاء بعض السياسيين إلى بيتنا وقالوا سنؤسس مؤسسة لكم وندفع رواتب للباحثين، لكنهم لم يكونوا صادقين، بل يريدون اللعب بالسياسة. قلت لمحسن رضائي: كنتُ قمارياً ثم صرت طالب علم، وأنا من أسرة فقيرة، والآن تريد أن تخدعني؟!

هذه الجماعة الانقباضية تفتقر إلى الصدق والعلم، يلعبون بمشاعر الناس، لكنها لا تدوم. هم ملوثون بالجهل والخرافات والخداع، ولهذا نعاني من هجرة العقول. يشترون التكنولوجيا من الخارج ويبيعون الوطن بثرواته، وهم يعانون من أزمة هجرة العقول. رغم دعوتي من عدة دول، إلا أنني لن أغادر بلدي ومدينة قم، لأني ملتزم بمهمتي.

هم الذين يصومون ويصلون لا يسمحون لي بالعمل العلمي بحرية، فكيف أتوقع أن يسمح لي غيرهم بذلك؟ عندما أُوقفت دروسي، كان لدي نحو 500 طالب دون أن أعطيهم فلساً واحداً.

هذه المجموعة تريد كل شيء بالمال أو القوة، وقد حولوا الحوزات إلى أماكن تجارية، حتى المرجعية ربطوها بالمال. هم يُرافقون العقول بالقوة أو المال أو السجن. لو اتبعنا نهج الأنبياء وكرّمنا المعرفة المحبوبة وحافظنا على علاقة سلام مع العالم، لكنا اليوم حتى رُعاة أمريكا ومرشديها.

أقول إن الحوزات يجب أن تواجه أعداءها بقوة العلم والكفاءة، لا بالخداع والخصومات. يجب أن تواكب العلوم الحديثة خاصة في مجالات العلوم الإنسانية والنفسية، وأن تبرز قوتها بالحوار، لا بالعنف والتقييد.

الروحانيون يجب أن يواجهوا الناس بالعلم والصدق والمحبة، لا بالعنف والخداع. للأسف، الذين يملكون السلطة اليوم يفتقرون إلى الصدق، ويستعملون الخداع والقوة للبقاء.

لو كانوا صادقين، لما منعوا العلماء الأعلم منا بالزج في السجون والاتهامات الباطلة، ويذكروا الحديث الشريف “من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال”.

لم يكونوا مُفتعلين للفِتن أو مُخادعين، ولا يمارسون النفاق والرياء والمراوغة. الذين لا يمتلكون الحقيقة، يظهرون أنفسهم على أنهم الحق، ويتحدثون عن الحق حتى يُصدّق الجميع أن الحق هو فقط عندهم، وأن من يخالفهم هو الباطل. إذا كان هناك في المجتمع من هو أعلم منكم وأنتم تتقدمون على الآخرين، فستكونون مضلّين ومضلّلين. إذا وُجد الصدق والحق، فإنه يُعلن بأن هذا الشخص هو أعلَم العلماء وأفضل منهم. هؤلاء المُدَّعون لا علم لهم، ولا صدق، بل هم في نزاع دائم، ونزاعهم يدور حول “حمار المُلّا”. هذه النزاعات من أجل السيطرة على “حمار المُلّا”، وإذا تركتم الحمار، تنتهي الخلافات. إذا تُرك الحمار، يُرى أن الكلام والحديث كله بلا معنى.

يُقال أن المُلّا نصر الدين وابنه كان لديهما حمار، ولكنهما كانا يمشيان على الأقدام ولا يستعملان الحمار. بدأ الناس بالنميمة والحديث عن أنهما أشخاص غير عقلانيين، لأنهما لا يستغلان الحمار. فركب المُلّا وابنه الحمار، فقال الناس إنهما قساة القلب، لأنهما ركبوا الحمار ولم يرحموا الحمار المسكين. فقرر المُلّا أن يركب ابنه الحمار فقط، ولكن الناس لم يتوقفوا عن الكلام، وقالوا إن هذا الزمن سيئ، لأن الابن الصغير يركب الحمار والأب المسن يمشي على قدميه. ثم ركب المُلّا الحمار وحده، فقال الناس إنه أب قاسٍ لأنه نزل ابنه الضعيف من الحمار وركب هو بنفسه. فالحل كان أن يتركوا الحمار ويمشيا هما الاثنان على الأقدام، حينها لا أحد يتحدث أو ينتقد، فالنزاع كان فقط من أجل “حمار المُلّا”.

وهكذا، اليوم أيضاً، هذه الشائعات والافتراءات والسباب ليست إلا لأمر واحد فقط، النزاع يدور حول أمر موجود، وما يُقال خلاف ذلك هو ذريعة لا حقيقة لها.

قلت إن هؤلاء المدعين لا علم لهم ولا صدق. لأنهم يفتقرون إلى العلم، لا يعرفون حدود أنفسهم ويصبحون دجالين علميين، ولأنهم يفتقرون إلى الصدق، يصبحون متنازعين غير شرفاء في عالم السياسة، ويجوز لهم كل خداع وتزوير. ولكن نزاعاتهم وتزويرهم، حتى لو كانت مصحوبة بالقوة والمال والشكوى، في مجتمع إيراني واعٍ وذكي للغاية، تكون مؤقتة وتنتهي بتاريخ صلاحية محدد ولا تدوم.

يجب أن نعمل بطريقة تجعل العالم يعرف أن الشيعة هم أناس علميون، فهيمون، منطقيون وودودون، وليسوا عنيفين أو متشددين. سياسة أمريكا هي أن تستفزنا لنذهب نحو الحرب والتسليح، وتظهرنا أمام العالم بصورة غير منطقية وعنيفة، وتُعرّفنا مثل داعش، بحيث يقول الناس إن إدارة الكفار الذين يستطيعون الكلام ويمتلكون العلم أفضل بكثير من الوقوع في أيدينا. في ظل إدارة أحمدي نجاد، تعاملوا بطريقة جعلت إيران مقصورة على عدد قليل من الدول المعتمدة على مواردنا، بينما يرى باقي العالم أننا خصوم لهم.

من يملك ثقافة وفكر لا ينبغي أن يصبح معزولاً بهذا الشكل، بل يجب أن يكون محبوباً من شعوب العالم. من المدهش أنهم يصرون على استمرار هذه السياسات الخاطئة رغم أنها تضرب الإسلام. يجب على رجال الدين نشر الثقافة الشيعية بالعلم والمعرفة والروحانية والصدق والمحبة، لا بالخلاف والعنف، لأن العنف هو أسوأ ضربة للثقافة الدينية.

الذين يمارسون الخداع والتزوير لا يمكن أن يكونوا لطفاء وهادئين، بل هم دائماً عنيفون وقساة. علينا أن نثبت أن العلماء الشيعة يرتدون عمامة العلم والشجاعة والوقار والصبر والمحبة، وأنهم ليسوا قساة، بل يذكرون الناس بالإمام علي والإمام الحسين الذين كانوا رحماء، متسامحين، حسن الخلق. يجب أن نثبت أننا لسنا داعش ولا القاعدة ولا طالبان، وأن هناك فرقاً ثقافياً عميقاً بيننا وبينهم، حتى لا تسمح وسائل الإعلام الاستعمارية بأن تحلّهم محلنا.

يجب أن نثبت أن الطلبة لا يغضبون بسهولة، وأنهم يتسمون بالرفق، التفاهم، والمرونة مع الجميع. يجب أن نثبت أننا أهل الحوار والمناظرة والجدل، وأننا نمتلك المنطق والعقل. بعبارة أخرى، يجب أن نتخلى عن العنف. الخلاف والقتال والعنف هي لعالم الحيوانات، حيث يريد الأقوى أن يلتهم الضعيف، أما البشر فمتميزون بالمنطق والحجة.

إن النظام التعليمي والمدرس والمعلم والصف الدراسي كلها من أجل هذه الخاصية التي تميز الإنسان. تفوق المعلم والأستاذ والأنبياء عليهم بقدرتهم على الكلام والمعجزة في الإقناع بصدق الحق. الشخص الذي يدخل في النزاع هو من لا يستطيع الكلام وإجراء حوار. يجب على رجال الدين حماية هذه الميزة الإنسانية والتواصل مع الناس على أساسها، بحوار سعيد، لطيف، عصري، علمي، جدي، مهذب ووقور. حوار يخلو من الحقد والكراهية والعداء والإزعاج، لكي لا يتحول العنف الذي يروّج له الغربيون باسمنا إلى تهمة على الدين، بل يظل الدين معبراً عن الهداية والجذب، خاصة بالنسبة للشباب الذين هم أكثر وعياً.

يجب على رجال الدين ألا ينجروا بسهولة وراء أي شيء وألا يكونوا متشددين أو متطرفين. العنف والصراع والنزاع من خصائص اللصوص والمشاغبين، لا من خصائص العلماء والمثقفين. في هذه الحالة، سيشعر رجال الدين بالفخر لأنهم تمكنوا من خلق مجتمع ثقافي، علمي ووقور، وفي هذا المجتمع يمكن التحدث عن القرب والمحبة والمعرفة الإلهية بطريقة معقولة ولا تُهدر.

بدون هذه الثقافة، حيثما يوجد العنف والقوة، يبقى العنف والقوة. الإنسان العنيف الذي لا يمتلك المنطق، حتى لو تم أخذه إلى الأضرحة المقدسة، يسعى لأن يكون كالذئب أو الأسد أو النمر، ويسيطر على الآخرين ليصل إلى الضريح. هذا أيضاً ينقل العنف إلى ذلك المكان، رغم استخدامه للكلمات المقدسة.

هذه التصرفات في الأضرحة ليست صحيحة، بل قد تكون إساءة للأضرحة أو إيذاءً للناس، وهي محرمة. الدفع، الدفع بالعنف، الصعود على ظهر الناس في الأضرحة وغيرها من هذه الأفعال هي سلوكيات غير مهذبة ووحشية. في الأضرحة وفي كل مكان يجب أن يكون الإنسان متواضعاً، طاهر النفس، لطيفاً، نقيّ القلب، محترماً وبدون طمع.

على كل حال، أقول من تجربتي إن العنف لا ينتهي بخير. رأيت العديد من حالات العنف، بعضها كبير جداً وما زال مستمراً، لكن نتيجته لن تكون إلا الفضيحة. لكن في هذا المجال أكتفي بذكر ثلاثة أمثلة رأيتها بنفسي، رغم أنني رأيت عنفاً أكبر بكثير.

الخلاف في القراءات العلمية

في يوم من الأيام كنت واقفاً في ساحة السوق، وفجأة اندلع شجار بين سبعة أو ثمانية من أهل الساحة. كانوا يقذفون الموازين باتجاه بعضهم البعض، ويحملون العصي والهراوات، ويشتمون بعضهم بألفاظ بذيئة وغير لائقة. قلت مازحاً إنهم يبدون كأنهم يلقون الشتائم بحرفية عالية. كنت واقفاً على الجانب وطلبت من بعض الحاضرين أن يتوسطوا لإنهاء هذا الشجار. قلت لهم إن تجاهلكم لهذا الأمر ظلم، فشجار بهذا العنف وألفاظ بذيئة في حضور النساء والأطفال أمر غير مقبول إطلاقاً. لكنهم أجابوا بأنهم لا يستطيعون التوسط لأن جميع المتشاجرين من عائلة واحدة؛ الشخص الذي يشن الشجار هو الأب، وأولاده وإخوته هم من يردون عليه.

في الواقع كانوا يسبون أمهاتهم وأخواتهم فيما بينهم. الأب يشتم الأبناء بشأن الأم، والأبناء يردون عليه بشتائم حول الأم والأخت. الحاضرين الذين عرفوا الحقيقة كانوا يضحكون على هذا المشهد. على أي حال، كانت الخلافات شديدة وغير مقبولة، وكنت أفكر في إيجاد حل لإنهائها، خاصة وأن أهل السوق يتشاجرون يومياً بسبب عملهم وبيعهم للبضائع. بعض الأحيان تكون أسباب الشجار هي من المنزل، إذ تحدث خلافات بين النساء، فيصاب الرجال بضيق النفس والقلق، فينشب الشجار.

أريد أن أقول هنا إن خلافات العلماء في المسائل العقائدية تشبه هذه المشاجرات. الأشخاص أصحاب المعتقدات الخاصة يتشاجرون وكأنهم في عائلة واحدة، ويختلفون مع أنفسهم في الواقع. إذا تم تصحيح الأدلة والبراهين في مجال العقائد، فسيقل النزاع أو على الأقل لن يتطور إلى عنف.

السعي إلى الحق في غير موضعه

في بداية انتصار الثورة الإسلامية، كنت جالساً في باص متوجهاً إلى طهران. بدأ السائق يشغل شريط كاسيت للاستماع إلى الموسيقى. دخل شخص من رجال الدين وقال له بنبرة شديدة وغير مهذبة: أطفئ الشريط. رفض السائق، فبدأ شجار بينهما. قال الرجل الدين إنه قاضٍ، وأراد أن ينفذ الحكم بنفسه بأن السائق فاسد ويجب جلدُه. لم يهتم لا بالمحكمة ولا بالقضية.

نزل الناس من الباص وهم منزعجون من تصرف هذا الرجل الدين وحكمه غير المبرر. بعض المسؤولين وقع في أيدي أشخاص متشددين كهؤلاء، الذين يثيرون النفور من الدين والإسلام. هذه الغلوّات ظلم للشعب وتشهير بالدين. ديننا له صفات من الشهامة، وفي بعض الحالات، خصوصاً عند التعامل مع الضعفاء وفي الأمور الصغيرة، يجب التغمّض وعدم الانشغال بذنوب الآخرين.

رأيت أن هذا السائق بسيط جداً في معتقداته، فقلت لذلك العقيد: «شكراً لكم، من أجل عدم إزعاج الناس، من الأفضل أن تتساهلوا قليلاً». فأجابني العقيد: «طالما أنكم تقولون ذلك، فلن أتعامل معه». ثم قلت له: «هذا السائق يتحلى بهذا الخلق، فما ذنب الكراج؟ من الأفضل تجاوز كل شيء». فأعاد القبول بذلك. أحياناً عدم القدرة على التسامح وتجاهل الزلات الصغيرة يسبب شراً عظيماً ويُسبب معاناة وأذى للناس. إن السعي إلى الحق لا ينبغي أن يكون مبنياً على وساوس شيطانية. يجب احترام الناس، وخاصة في أيامنا هذه التي تمرّ بأزمات ويعانون من ضعف الأعصاب، وإظهار المراعاة لهم. الناس يعانون من آلاف القلق والهموم والاضطرابات، وفي مثل هذه الظروف، إذا تحدث رجل دين عن قطع اليد والرجل بعنف شديد، فهذا يعني أنه يضرب جذوره التي هي الناس. حتى في صدر الإسلام، كانوا يلقون الحجارة على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لكن هذا الرجل حينما يريد أحد أن يرميه بحجر، يقول: «لا، لا ينبغي أن نُرمى بالحجارة». على أي حال، سكان هذا البلد البالغ عددهم سبعون مليون نسمة، يحملون في داخلهم كل شيء، ومن يتولى المسؤولية يجب أن يتعامل مع الناس برفق ويراعي الجميع، وإلا فإن الغرور والتكبر والتسلط والتهديد هي صفات شيطانية تمسك بالإنسان من الداخل. يجب أن يخفف الإنسان نفسه كي لا يستخدم لغة العنف مع الناس ولا يهدم الدين. يجب أن يكون متواضعاً وحنوناً تجاه الناس، يتحدث عن آلامهم ويكون دواءً لجراحهم، لا أن يزيد جراحهم بطلاً من الملح. وإذا قام أحدهم برمي حجر أو حتى حمله، يجب أن يُقال له بلطف: «شكراً لك، لا بأس». وهذا يشبه المريض الذي يشتكي للطبيب، والطبيب إذا كان طبيباً بحق، يتعامل مع المريض برفق ولا يرفع يده عليه أبداً. كذلك يجب ألا يرفع المسؤولون أيديهم على الناس المظلومين والمحرومين الذين لا يجدون قوت يومهم ويصرخون من أجل لقمة العيش، وإلا فإن هذه الصفات الشيطانية التي تكمن في داخلهم لن تدمرهم فقط، بل ستقضي على الدين وتؤدي إلى هدم المذهب.

سائق التاكسي

في أحد الأيام، كنت أريد الذهاب إلى طهران، وكان شهر رمضان وأنا صائم. توقف تاكسي يقوده شاب من قم، شاب يشبه الرجال القويين. قال لي السائق: «يا حاج آقا، من الأفضل أن نتفق أولاً على الأجرة حتى لا يحدث خلاف أو شجار». فأجبته بحزم: «أنت أصغر مني بكثير لكي تتشاجر معي!» فاستجمع نفسه وقال: «ماذا تفعل؟» قلت له: «كل ما تقول هو مقبول، ولا يمكن أن تفعل شيئاً ضدي». ضحك وأبدى مودته لي. حدد الأجرة بست مئة تومان. وعندما وصلنا إلى الوجهة، أعطيته ألف تومان. حاول أن يعيد المال لكنه أصررت أن يأخذ الأجرة كي لا يحدث شجار مرة أخرى.

نهاية الخلاف والصراع

في يوم من الأيام شاهدت مسابقة رياضية مكونة من عدة رياضات مثل الملاكمة والجودو والكاراتيه والمصارعة وغيرها، وكانت المسابقة جدية جداً وليست مجرد عرض ترفيهي أو عشوائي. كان المشاركون يتعرضون لإصابات بالغة أو ربما للموت. حول الحلبة كانت هناك شبكة من النار الحمراء، وأي شخص يلمسها كان يصاب بحروق مؤلمة. شعار المنافسين كان: إما أن تستسلم وتعترف بتفوقي أو تموت. هذه الرياضات خطيرة جداً ومؤذية. حرارة النار الحمراء تزعج المنافسين. الذهاب إلى هذه الحلبة والقتال فيها يحتاج إلى شجاعة كبيرة، والمشاركون كانوا يتمتعون بقوة إرادة هائلة. في الحقيقة، الحلبة كانت مسرحاً حقيقياً للمواجهة والموت. شاهدت عدة أشياء غريبة في حياتي، وهذه الحلبة واحدة منها. لا فرق إن كان الخصوم ملاكمين أو كاراتيهكا أو ووشوكا. الميدان مهيأ للقتال، ويجب إسقاط المنافس بالقوة. تُحلل المنافسة عبر الحاسوب، حيث يتم تسجيل الضربات والحركات لكل منافس. تُصور المنافسة من زوايا متعددة بالكاميرات. الأخير هو من يخرج جميع المنافسين ويصل إلى النهائي. حسب تحاليل الحاسوب، كان من الواضح كم سيصمد كل مشارك ومن سيهزم من. بعض المتسابقين يفرون من الميدان. في النهاية، تقلص عدد المشاركين من ثمانين إلى عشرة. بقي عدد قليل على الحلبة، ثلاثة منهم تعاونوا لإخراج المنافس النهائي لكنهم لم يفلحوا. كان الأخير أقوى الجميع، يكسر أيدي وأرجل المنافسين ويخرجهم من الحلبة كأنهم نفايات. لكنه في النهاية سقط ميتاً على الحلبة، كجثة في مقبرة، بعد قتال طويل استنزف قواه. رأيت أن نتيجة كل صراع هي الموت والدمار. قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله): «الدنيا جيفة، طالبها كلاب»؛ فالناس الذين يسعون وراء الدنيا يتصرفون كالكلاب.

في طفولتي، كنت أكتب سيناريوهات أفلام، وكنت نشيطاً جداً. أتذكر مكاناً كان يُجمع فيه العظام الفائضة ليلاً، وكانت البلدية تنظف المنطقة وتجمع العظام لتكوّن تلة منها. كان هناك ثلاثون إلى أربعون كلباً تهاجم تلة العظام ليلاً. ذهبت عدة مرات في الليل لأراقبهم، وكنت أريد أن أصنع فيلماً يروي حديث النبي هذا. الكلاب كانت تتقاتل بسبب العظام، أكثر من أن تأكلها. كانت العظام مليئة باللحم، بخلاف اليوم حيث العظام نظيفة وخالية من اللحم. في ذلك الوقت، كان اللحم رخيصاً، والجزار لا يفصل اللحم عن العظام. اليوم أصبحت العظام ذات سعر مرتفع.

الكلاب تتقاتل حول العظام، وتنبح على بعضها حتى لا تترك الفرصة للكلاب الأخرى. البشر الطامعون يشبهون الكلاب التي تنبح على الآخرين. الكلاب عندما تجد طعاماً تصبح أكثر عدوانية مع بعضها، أكثر مما تفعل مع الحيوانات الأخرى. شاهدت هذا السلوك مرات كثيرة. بعض الناس لديهم ميول تحوّلهم إلى كلاب، أو ميول مختلفة تحولهم إلى حيوانات مختلفة مثل الذباب، أو الذئاب، أو الضباع، وغيرها، حتى يصبحوا بشراً بعد تدريب دقيق تحت إشراف الأولياء.

أهل الدنيا حين يلتقون بأهل الدنيا، يهاجمونهم مثل الكلاب. أما الأشخاص العارفون والمؤمنون والأحرار فهم لا يمتلكون صفات الكلاب، ولا يتقاتلون من أجل الدنيا. القتال من أجل الدنيا ينتهي بالتعب والموت. بعد الحرب لا يُخرج خيراً، وإنما جثث، أو عمى، أو شلل، أو ضعف. الإنسان يتلاشى ويدمر. لذلك يجب اتباع طريق الدين، والمحبة، والرحمة، والعقل، والحكمة. وحتى لو حصل خلاف، يجب أن يكون بحكمة ومنطق وحوار. خلاف الأشخاص الذين لا يمتلكون علم ومعرفة هو مثل مشهد الجيفة والكلاب، والمظلومون هم من يعانون في النهاية. أسأل الله أن يوفقنا لاستخدام العقل والحكمة، وأن نبدأ بتطبيق هذا على أنفسنا، لا فقط بالوعظ وإلقاء المحاضرات. يجب أن تكون كلماتنا للناس: «أنا لا أريد الشجار، أنا أحبك وأتمنى لك الخير، أنت مسلم وشِيعِي، أنت يا علي، وإذا لومتني فلا أعترض لأنك من طائفتنا. أنت تصلي باتجاه القبلة، وإذا آذيتني فلا ألومك لأن قبليتك وقيامتي تجاه القبلة واحدة. يمكن للإنسان أن يكون طيب القلب جداً ويقول للآخرين: أنا لا أتشاجر معكم». كما قال قابيل لأخيه هابيل: «أنا لا أختلف معك لأنك ابني، وإن آذيتني سأدعو لك بالهداية».

معظم الخلافات هي خلافات عائلية، وبعض المسلمين يتقاتلون، وكذلك أهل الديانات الأخرى، على الرغم من أنه يجب أن يُقال لهم: «أنتم إخوة، فلا سبب لخلافكم». في القرآن الكريم هناك توصية واضحة بذلك:
{تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}.

يجب تشجيع الجميع على الحوار والكلام مع بعضهم البعض. رغم أنه من الصعب تحديد من هو السبب الرئيسي في الخلافات، لكن إبليس والشيطان يغريان الناس ليتحولوا إلى أشرس من الذئاب والضباع. أحياناً يتساءل الإنسان هل هؤلاء مخلوقون من الله؟ أم خلقهم الشيطان؟ أسأل الله أن يوفقنا للعثور على الطريق إلى الله وإلى ذواتنا. وأسأله أن يمنح المسلمين القدرة على الحوار المنطقي مع العالم، وأن يستفيد الإسلام والثورة من ذلك. يجب أن نجري مناقشات منطقية مع الآخرين، نشرب شراب الأناناس والفالوده ونتجادل بالحوار. الشجار لا يحل المشاكل، يقولون: «في الشجار لا يصنع الحلوى خيراً». في القتال يُفسد الجميع. يجب أن نجعل الاعتدال والمعرفة والرحمة شعارنا، وإلا ستكون نهايتنا الهلاك. وهذا أمر مهم جداً، والزمان سيجعل هذه الحقيقة واضحة للجميع.

للأسف، بعض الناس يتمتعون بطبعٍ قاسٍ ولا يستطيعون التحدث مع الآخرين بسلاسة. وبعضهم حينما تتاح لهم الفرصة، يهاجمون المعارضين والنقاد بعصا التكفير والاتهامات الغامضة، في حين أنهم إذا ارتكبوا نفس الخطأ لا ينتقدون أنفسهم. تعالى الله الملك القدوس العليم الكريم.
كان موضوع أحد دروسنا لمدة سنة ونصف “الحب”. هناك كنا نكرر كثيرًا لماذا ابتعد مجتمعنا عن الحب والعشق؟ لماذا أصبح المجتمع جافًا إلى هذا الحد؟ لماذا نؤذي أنفسنا بهذه الطباع؟ وإذا لم نجد شخصًا للمشاجرة أو كنا نخاف من مشكلة ما، نختار نحن أنفسنا الشجار؟
ليست العنف والشجار أمرًا عابرًا في المجتمع، بل يشمل تقريبًا كل العائلات الإيرانية، وفقًا لإحصائيات القضايا القضائية التي تزيد ملايين سنويًا. العنف أحيانًا يكون لفظيًا وبشكلٍ خفي، كأن يقول شخص: “أرجو منك”، والمظهر ظاهريًا احترام، لكن في جوفه عنفٌ مستتر. لكن عنف مجتمعنا ليس بهذا القدر القليل، بل حرارته شديدة ويحمل مخاطر كبيرة للفرد والمجتمع.
يقول القرآن الكريم: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) فلنتفق معًا على كلمة سواء بيننا وبينكم. كيف يمكننا أن نحكم على أشخاص لم نجلس معهم أو نتفاوض معهم، ونتهمهم بالكذب؟ نحن في الأصل بشر قساة؛ لأننا نرمي الحجارة على رؤوس الناس بسلوكنا. لا نقبل الآخرين ولا نتعاون معهم. هذا يعني أننا لا نحب الناس. تصورنا أنهم جميعًا يكذبون ونحن فقط المؤمنون على الصراط المستقيم، وأننا في طريق الجنة والآخرون في جهنم المؤكد. وهذا الموقف هو الذي يجلب العنف.
في طفولتي، كنت أذهب إلى الكنيسة ودرست هناك لمدة عشر إلى اثنتي عشرة سنة، واجتزت جميع درجات الدين المسيحي فيها. أعتقد أن اليهود متأخرون قليلًا ويميلون إلى الشجار، لكن المسيحيين ليسوا من النوع الذي يثير الفوضى والشجار بلا سبب. المسيحيون في طهران كانوا أقوى مائة مرة من بعض الجماعات الكردية، لكنهم لم يثيروا شغبًا ولا تكلموا بكلمة. هم يقولون إنهم يريدون فقط أن يعيشوا ولا يهتمون بالحكم أو الملكية.
قد تقول إنهم يتمتعون بثقافة قوية ويؤثرون في الجامعات بسبب علمهم وثروتهم، ولهذا حصلوا على المناصب والكراسي التي يستحقونها. عندما يكون الإنسان كفؤًا وماهرًا، بالطبع يعطونه المنصب.
لكن سؤالي: لماذا يظن بعض الناس أن الآخرين كذابون وأشرار؟ هل يعتقدون أن الناس كانوا قتلة لآبائنا؟ من هو المسؤول عن هذه النظرة التشاؤمية؟ (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)، فلنعيش معًا. الناس بطبيعتهم طيبون ونبلاء، وكل الناس لهم قلب. القلب بطبيعته يريد مصاحبة أحدهم. لماذا قلوبنا قاسية ولا تريد أحدًا معها؟ نحن دائمًا في خوف وقلق، لكن الناس طيبون، وهذه النظرة لها قواعدها. الناس مختلفون ويعيشون في أماكن متعددة، لكن لماذا نحن متشائمون وقساة وغلاظ؟ لماذا نحن قلوبنا ضيقة ومتشككة؟ هل قلوب الناس جافة وقاسية ولا تُرى فيها ندى الحب؟
قلوب البشر مليئة بندى الحب. إذا لمست قلوب الناس ستذرف الدموع. من جعل قلوبنا متربة بحيث لا يُرى فيها ماء أو مطر؟ نطلب العون من الله، فهو القاضي العادل لنا.
واجبنا هو دعوة الناس إلى الصراط المستقيم، أي إلى الرحمة والمحبة. يجب أن نكون رواد الرحمة في العالم. نتحدث عن الرحمة، لكن للأسف لا يصدقنا الآخرون وينكرون كلامنا ولا يستمع أحد لنا.
تسألون لماذا الرسول الكريم تعب 23 سنة وجهد من أجل الناس، وبعد رحيله بقي على دينه أربعة فقط؟ ولماذا حدث ذلك؟ ولكن في رأيي الواقع مختلف.
أسأل، أكثر الأساتذة خبرة الذين درّسوا 23 سنة، كم عدد الذين درّبوهم؟ الرسول الكريم خلال فترة قصيرة، لم تكن 23 سنة كلها، بل في مدة محدودة، ربّى وهدى مليار إنسان. هناك مئات الآلاف من الطلاب في الحوزات العلمية، هم من هدى الرسول الكريم. لقد هدّى مليار ونصف إنسان من أعراق مختلفة. لماذا تقللون من شأن عمل الرسول؟
الرسول الكريم هو أنجح الأنبياء، فالأنبياء الآخرون استمروا في الدعوة لعقود أو مثل نوح عليه السلام ألف سنة، بينما 23 سنة النبي بها عشر سنوات سرية وعشر سنوات في المدينة كانت مليئة بالحروب المفروضة من الأعداء. أي نبي كان أكثر نجاحًا من نبيّنا؟ لقد نجح في تربية أشخاص عظماء مثل أمير المؤمنين، السيدة فاطمة الزهراء، الإمام الحسن والإمام الحسين.
من يقول إن المسلمين بعد الرسول أربعة فقط؟ يمكنني أن أعدد لكم الكثير من المسلمين الذين يشاهدونهم تفرح القلوب، مثل مقداد، سلمان، أبو ذر، وعشرات العلماء الربانيين، أو مثل الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الراحل، الذي جذب أنظار مليارات الناس. هو واحد من نسل الرسول الكريم.
لم ينجح أي نبي في نشر دعوته كما فعل الرسول، لكن علينا أن نرى من الذي لوّث ماء أرواحنا وصفاها.

إن من الواجب علينا أن نتساءل: من هو الذي لوّث ماء أرواحنا وصفاها؟ من الذي جعل قلوبنا متربةً، مليئة بالشك والريبة، مما يؤدي إلى هذا التفرق والعداوة بين الناس؟ إن هذا الوضع لم يحدث فجأة، بل نتج عن تراكم التجارب السلبية، وسوء الفهم، وعدم الحوار البنّاء بين أفراد المجتمع.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)، وهي دعوة صريحة للتلاقي والاتفاق على كلمة الحق والعدل. فهل نحن قادرون على تجاوز الخلافات والأحقاد التي عشناها لسنين طويلة؟

علينا أن ندرك أن كل إنسان يولد بطبيعته طيب ونبيل، ولكن البيئة المحيطة به، وسوء المعاملة، والتجارب القاسية قد تغير من طبعه، وتجعل منه شخصاً مشككاً وعدوانياً. لذلك، ينبغي علينا أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع الآخرين، وأن نفتح قلوبنا للحوار والتفاهم والمحبة.

ولعل من أهم المبادئ التي يجب أن نتمسك بها هو الرحمة، فهي الأساس الذي بنى عليه الدين الإسلامي رسالته، وهي قيمة كونية تعزز وحدة البشر وتجمع شملهم. يجب علينا أن نكون قدوة في الرحمة واللطف، وأن نسعى جاهدين لنشر هذه القيم في مجتمعاتنا.

في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن بناء مجتمع متماسك متسامح لا يتم إلا بالجهود المشتركة من الجميع: الأفراد، المؤسسات، والقادة. فالتغيير يبدأ من داخل كل منا، ومن ثم ينتقل إلى الآخرين.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا، وأن يزيل عنا كل ما يفرقنا، ويجمع قلوبنا على المحبة والودّ والتعاون.

إن من الواجب علينا أن نتساءل: من هو الذي لوّث ماء أرواحنا وصفاها؟ من الذي جعل قلوبنا متربةً، مليئة بالشك والريبة، مما يؤدي إلى هذا التفرق والعداوة بين الناس؟ إن هذا الوضع لم يحدث فجأة، بل نتج عن تراكم التجارب السلبية، وسوء الفهم، وعدم الحوار البنّاء بين أفراد المجتمع.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)، وهي دعوة صريحة للتلاقي والاتفاق على كلمة الحق والعدل. فهل نحن قادرون على تجاوز الخلافات والأحقاد التي عشناها لسنين طويلة؟

علينا أن ندرك أن كل إنسان يولد بطبيعته طيب ونبيل، ولكن البيئة المحيطة به، وسوء المعاملة، والتجارب القاسية قد تغير من طبعه، وتجعل منه شخصاً مشككاً وعدوانياً. لذلك، ينبغي علينا أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع الآخرين، وأن نفتح قلوبنا للحوار والتفاهم والمحبة.

ولعل من أهم المبادئ التي يجب أن نتمسك بها هو الرحمة، فهي الأساس الذي بنى عليه الدين الإسلامي رسالته، وهي قيمة كونية تعزز وحدة البشر وتجمع شملهم. يجب علينا أن نكون قدوة في الرحمة واللطف، وأن نسعى جاهدين لنشر هذه القيم في مجتمعاتنا.

في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن بناء مجتمع متماسك متسامح لا يتم إلا بالجهود المشتركة من الجميع: الأفراد، المؤسسات، والقادة. فالتغيير يبدأ من داخل كل منا، ومن ثم ينتقل إلى الآخرين.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا، وأن يزيل عنا كل ما يفرقنا، ويجمع قلوبنا على المحبة والودّ والتعاون.

إنني لا أهدف إلى التحدث عن أمور لم أذكرها بعد. طبيعة الإنسان تجعل من التكرار شيئاً له تأثير نفسي، إذ إن تكرار الموضوع والمفهوم يلتصق بالذهن ويؤثر فيه. هذا يعني أن اللعن المتكرر قد يؤدي في النهاية إلى أن يصبح اللّاعن نفسه ملعوناً. يجب أن يكون للعن والتبرؤ غرض وهدف، وألا يكون أمراً عشوائيّاً. إذا كنت تتحدث عن الخير والفضيلة مراراً، فإن الخير والفضيلة يتجذّران فيك بشكل طبيعي. لقد عملت وفق هذه القواعد طوال حياتي.

في شبابي، كنت أسافر بين طهران وقم لحضور الدروس. كان ذلك في الشتاء القارس، حيث كنت أتنقل ليلاً من طهران إلى قم لأصل في السحر. كانت وسائل النقل في تلك الأيام قليلة جداً. أحياناً كان يصلنا سيارة تابعة للجيش بين طهران وقم، وأحياناً كان نصيبنا شاحنة أو حافلة. كنا أحياناً ننتظر لساعتين أو ثلاث في الشوارع حتى نجد وسيلة نقل. وكان الثلج يتساقط، وكنت أقول “بِه به”، وبالتالي كان تساقط الثلج بالنسبة لي شيئاً جميلاً وممتعاً، حتى شعرت بدفء داخلي. إذا كنت في مواجهة الأحداث والمواقف تقول “آه” و”واخ”، فإن ذلك بالتأكيد سيؤثر عليك سلباً، ويجعلك تدخل في صراعات داخلية ويولد لديك مشاعر الغضب والعداء.

اللوم والطرد للأشخاص الذين ارتكبوا أخطاء أو تصرفات غير لائقة، لكن لديهم إمكانية الإصلاح، ليس لهما أساس صحيح. إن مثل هذه التصرفات لا تنبع من الحكمة والعدالة. أما بالنسبة للعن والنقد القاسي، فقد بينت في كتاب “دانش ذکر” أن هذه الأمور يجب أن تتم وفق شروط معينة وفي مواقف خاصة.

الناس الذين يلعنون بلا هدف أو غرض، يزدادون سوءاً. لا ينبغي أن ننسى أن الدعوة إلى الخير والتعامل مع الآخرين باللطف والرحمة هو الطريق الذي رسمه لنا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. لا يمكن للمرء أن يصنع التغيير الحقيقي في المجتمع من خلال القسوة والعنف. الديانات السماوية، وعلى رأسها الإسلام، تدعو إلى المحبة والرحمة، وهذه المبادئ هي ما يجب أن تميز تعاملنا مع الآخرين، سواء كانوا في حالة ضعيفة أو كان لديهم مشاكل اجتماعية أو نفسية.

إن علينا أن نعمل جميعاً على خلق بيئة من المحبة والرحمة، خاصة عندما نتعامل مع أفراد المجتمع الذين يعانون من مشاكل، مثل المدمنين أو المجرمين أو أولئك الذين في حالة ضعف اجتماعي. يجب أن نتعامل معهم كما لو أننا رسل من الرحمة، نستطيع أن نعاملهم بالاحترام والمحبة، ونقدم لهم الدعم والمساعدة اللازمة ليتمكنوا من الخروج من أزماتهم. لا بد من أن نتجنب القسوة والنبذ الذي قد يؤدي إلى تعزيز مواقفهم السلبية ويجعلهم أكثر عزلة.

إذا صادفنا شخصاً وقع في خطأ أو انحراف، فلا يجوز أن نطرده أو نلعنه، بل يجب أن نمد له يد العون والمساعدة. لدينا فرصة عظيمة لتغيير مسار حياة هذا الشخص من خلال إظهار المحبة والتفهم. على الرغم من أنه قد يكون قد ارتكب خطأ أو تعدى على القيم الأخلاقية، إلا أن فرصته في الإصلاح يجب أن تكون حاضرة في تفكيرنا وسلوكنا تجاهه.

كما ذكرت في مواقف سابقة، عندما كان لي دور في الوقاية من السجن لبعض الأشخاص في بداية الثورة، كنت أتعامل مع كل شخص وفقاً للظروف التي مر بها وأظهر له الرحمة. كنت على يقين بأن المحبة والرحمة يمكن أن تغير سلوك الفرد وتساعده على العودة إلى الطريق الصحيح. كان من الضروري أن أكون شخصاً يستطيع الآخرون الاعتماد عليه في أوقات الشدة، شخصاً يشعرهم بالأمان والاطمئنان، بدلاً من أن يكون مصدر قلق لهم.

على سبيل المثال، في إحدى الحالات التي مررت بها في بداية الثورة، كان لدي بعض العلماء تحت إشرافي، وكان لدي رغبة قوية في بناء بيئة إيجابية تساعد الناس وتمنحهم الأمل. في تلك الأيام، كان هناك العديد من الأمور التي تتطلب التدخل والمساعدة، وكنت أحاول أن أكون شخصاً يمد يد العون بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين. إنني أؤمن تماماً أن الإنسان يحتاج إلى الحب والرعاية لكي ينجح في تجاوز الصعوبات التي يواجهها.

يجب أن تكون علاقتنا بالناس قائمة على الثقة والمودة. يجب أن نكون حماة حقيقيين للمجتمع، ليس في الكلام فقط، بل في العمل والتصرفات اليومية. عندما يشعر الناس أنهم يمكنهم الاعتماد علينا، فإنهم سيتوجهون إلينا بكل أمل وحب، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر صحة ورفاهية. عندما نواجه تحديات أو صعوبات مع الآخرين، يجب أن نفكر في كيفية إيجاد الحلول بطريقة رحيمة وغير قاسية.

لقد تعلمت من هذه التجارب أنه إذا كان الإنسان يحب الآخرين بصدق ويعاملهم بالحسنى، فإنه سيؤثر فيهم بشكل إيجابي، حتى لو كانت الظروف صعبة. الحب هو العامل الأساسي الذي يربط الناس ببعضهم البعض ويعزز من قدرتهم على تحمل الأعباء والصعاب.

إن المحبة والتعاون بين أفراد المجتمع، خاصة في أوقات الأزمات، هو السبيل الحقيقي لبناء مجتمع قوي وصحي. لا يمكن أن يقوم أي مجتمع على أساس القسوة أو الاستبداد، بل على الرحمة والعدالة والمساواة بين الناس. في النهاية، يجب أن نركز على توفير بيئة تجعل كل فرد يشعر بالقبول والدعم، ويعلم أنه لا يُستبعد بسبب أخطائه أو انحرافاته المؤقتة.

ختاماً، ما يجب أن نأخذ به في تعاملنا مع الآخرين هو نهج المحبة والرحمة. وهذا هو الدرس الذي تعلمته من تجربتي الشخصية. إذا ما اعتمدنا هذا النهج في حياتنا، سنتمكن من تحقيق تأثير إيجابي على الناس وعلى المجتمع ككل.

[1] ـ اسراء / 85.

[2] . هود / 122.

[3] . شعراء / 227.

[4] . اسراء / 72.

[5] – اسراء / 23.

[6] . انفال / 22.

[7] . سجده / 29 – 30.

[8] . رعد / 42.

[9] . مريم / 75.

[10] . شعراء / 227.

[11] . اعراف / 26.

[12] – اسراء / 1.

[13] – انعام / 57.

[14] . نساء / 93.

[15] – نفرآباد يكى از محله‌هاى شهررى و جنب ضلع شرقى حرم حضرت عبدالعظيم مى‌باشد.

[16] . علامه مجلسى، بحار الأ، ج 2، ص 308.

[17] . آل‌عمران / 64.

[18] . بقره / 201.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V