البطاقة التعريفية
روائع صحة الجسد ونماء الروح
المؤلف: (ولد عام 1327 هـ ش)
العنوان: روائع صحة الجسد ونماء الروح / تأليف .
مكان النشر: إسلامشهر: دار صباح فردا للنشر، 1392 هـ ش.
المواصفات: 80 صفحة؛ 11.5×20.5 سم.
السلسلة: مجموعة الأعمال؛ 140.
الرقم الدولي الموحد للكتاب (ISBN): 978-600-6435-73-2
الحالة في الفهرسة: فاپا
ملاحظة: على الغلاف الخلفي باللغة الإنجليزية: Marvels of health and animating.
الملاحظة: قائمة المراجع في الهوامش.
الموضوع: التغذية – الجوانب الدينية – الإسلام.
تصنيف مكتبة الكونغرس: BP252/ن8ش8 1392.
تصنيف ديوي: 297/485.
رقم الفهرس الوطني: 2995637.
المقدمة
يقال إن الروح السليمة في الجسد السليم. وقد أظهرنا هذا القول في هذا الكتاب من خلال ذكر العديد من الأمثلة في مواضع مختلفة من النص. يتحدث هذا الكتاب عن الأغذية وما ينبغي أن يتصف به غذاء الإنسان من خصائص تؤدي إلى تنمية روحه، مع عرض المبادئ الأساسية لذلك، ليكون دليلاً للمهندسين وخبراء علم التغذية، بحيث يدركون في برامجهم الغذائية التأثير العجيب للروح وتفاعلها مع الأغذية الموصى بها، ويتعرفون على النواقص التي يعاني منها علم التغذية حالياً.
يتناول الكتاب أنواع الأغذية التي تدخل إلى جسد الإنسان وروحه، ويشير إلى دور النوم في الوصول إلى العوالم الغيبية وتحقيق ما يشبه الوجه الآخر للنوم، وهو التغلغل إلى باطن العالم. كما يذكر بعض متطلبات النوم السليمة.
موضوع آخر يتناوله الكتاب هو إمكانية تعليم الجنين خلال فترة الحمل، مع الإشارة إلى طرق الملاحظة والتجربة على ذلك.
ويتحدث الكتاب أيضاً عن الإدمان على المخدرات الأفيونية والمهلكة، ويذكر بدلاً من الخمر النجس مشروباً طهوراً يمكن أن يحل مكانه، مما قد يزيل الخمر النجس من الأسواق العالمية، مع العلم أن هذه الفكرة أُزيلت بناءً على توصية الباحثين والمراقبين.
والخاتمة بحمد الله رب العالمين.
روائع الأغذية
نضع الطعام على مائدتنا، وهو قد امتزج فيه ضوء الشمس والماء والهواء والضوء، ونعصره بأسناننا ليصير عجينة مع اللعاب، ثم يدخل المعدة حيث تُضاف إليه أحماض عدة وتُعجن حتى يصبح سائلاً يسهل امتصاصه في الأمعاء، التي تلتقط منه المواد اللازمة للجسم وتضيف إليه مواد أخرى، ثم ينقل إلى الدم.
ينقل الدم الغذاء اللازم لكل خلية، ويحول الإنسان هذا الغذاء إلى دم وعضلات وعظام ونخاع عظم، لكن ليس كل الغذاء بل المواد الممتازة منه. وهذه المواد الممتازة هي خاصة بالإنسان، وليست للحجارة أو الخشب.
يمكن النظر إلى الغذاء كما لو كان شخصاً يدخل الجسم، ولهذا الغذاء قيمته الغذائية التي يجب أن يُفرز منها المواد القابلة للامتصاص، وإلا فإن المواد الممتازة فيه تسبب فساداً في بقية مكونات الغذاء.
والغذاء والإنسان يتبادلان المواد: الإنسان يأخذ من الغذاء ما يحتاجه، والغذاء يأخذ من الإنسان المواد الممتازة التي يحتاجها ويتخلص من فضلاته فيه. وهذا التبادل هو ما يجعل الغذاء مصدراً مهماً للعديد من الصناعات، مثل معالجة مياه الصرف الصناعي والمنزلي، حيث تُستخرج منها مواد ثمينة جداً.
يمكننا أيضاً أن نرى هذا التبادل في الزهور: بذرة في وعاء تتغذى من التربة والماء، والزهرة التي تنمو تعطي التربة مواد أخرى، فكل من التربة والزهرة يتغذي ويأخذ من الآخر، وهذا تفاعل مفيد للطرفين، رغم أن كل طرف يتخلص من فضلاته للطرف الآخر.
ويُقال إن التربة ثقيلة، وهي متكبرة، كما جاء في القرآن الكريم: “ولا تمشِ في الأرض مرحاً”، بمعنى لا تثقل الأرض أكثر مما هي عليه، فالتراب يحوي ثقله وجاذبيته، والإنسان عندما يمشي عليه يتأثر بذلك.
وهذه العلاقة تتكرر بين الأم والجنين: الجنين يتغذى من الأم ويأخذ منها الغذاء، وفي المقابل يعطيها فضلاته، وفي الوقت نفسه الأم تأخذ من الجنين نضارة وحيوية تظهر في مظهرها وروحها.
بعد الولادة، تشعر الأم بمزيد من المحبة والتعلق بطفلها، حيث تستمتع بحضنه وقبله، مع احتواء حب الأم ودفئها.
كما أن الإنسان يتغذى من السماء في عدة أوجه: حيث المطر من السماء، وهو غذاء الأرض، وكذلك المعنويات والنعم الربانية كلها من السماء، فالإنسان يتغذى من السماء، والسماء أيضاً تتغذى منه، مثال ذلك المطر الذي يسقط من السماء، وهو غذاء أخذته السماء من الإنسان. والشمس منبع الطاقة التي تحرك هذه الدورة الإلهية.
العنوان:
عجائب الصحة وتعزيز الروح
البيانات الببليوغرافية:
- المؤلف: ، 1327 هـ ش.
- العنوان: عجائب الصحة وتعزيز الروح / .
- مكان النشر: إسلام شهر، إيران.
- الناشر: مؤسسة .
- سنة النشر: 1392 هـ ش. (2013 م).
- عدد الصفحات: 80 صفحة.
- القياس: 11.5 × 20.5 سم.
- التصنيف الموضوعي: التغذية – الجوانب الدينية – الإسلام.
- رقم الكتاب الوطني الإيراني:
المقدمة:
يُقال إن العقل السليم في الجسم السليم. وقد تناولنا هذا المفهوم في هذا الكتاب من خلال استعراض العديد من الأمثلة التي تبرز العلاقة بين التغذية والصحة الروحية. يتناول الكتاب الأطعمة التي تساهم في تعزيز الروح، ويعرض المبادئ العامة التي يجب أن يأخذها في الاعتبار المتخصصون في مجال التغذية عند إعداد برامجهم الغذائية. يهدف الكتاب إلى توعية هؤلاء المتخصصين بأثر الطعام على الروح، والتحديات التي تواجهها علوم التغذية في هذا المجال.
عجائب التغذية:
يبدأ الكتاب بشرح كيفية تحول الطعام إلى مكونات أساسية للجسم البشري. يُوضح أن الطعام الذي نستهلكه يحتوي على عناصر مستمدة من الشمس والماء والهواء، وعند مضغه وابتلاعه، يتحول إلى مادة سائلة تُمتص في الأمعاء وتُحول إلى دم، يُغذي الخلايا والأنسجة المختلفة.
يشير المؤلف إلى أن هذه العملية ليست مجرد تحويل مادي، بل هي عملية روحية أيضًا، حيث يُمكن أن يؤثر الطعام على الروح كما يؤثر على الجسد.
النوم وعلاقته بالعوالم الغيبية:
يتناول الكتاب أيضًا دور النوم في الوصول إلى العوالم الغيبية، ويُشير إلى أن النوم ليس مجرد راحة للجسد، بل هو وسيلة للاتصال بالعوالم الروحية. يُوضح أن النوم يُتيح للروح فرصة للانفصال عن الجسد والتواصل مع العوالم الغيبية، مما يُساهم في تعزيز الوعي الروحي.
تأثير الجنين على الأم:
يُبرز الكتاب العلاقة المتبادلة بين الجنين والأم، حيث يتغذى الجنين من الأم، وفي المقابل، يُؤثر الجنين على صحة الأم النفسية والجسدية. يُشير إلى أن الأم التي تحمل جنينًا تشعر بتجدد وحيوية، ويُعزى ذلك إلى التأثير المتبادل بينهما.
العلاقة بين الإنسان والطبيعة:
يُختتم الكتاب بتوضيح العلاقة التكاملية بين الإنسان والطبيعة. يُشير إلى أن الإنسان يتغذى من الطبيعة، والطبيعة أيضًا تستفيد من الإنسان. يُوضح أن هذه العلاقة تُظهر توازنًا دقيقًا بين الكائنات الحية، حيث يُساهم كل منها في رفاه الآخر.
الخاتمة:
يُختتم الكتاب بتأكيد على أهمية الوعي بتأثير التغذية على الروح والجسد، ويُشدد على ضرورة مراعاة الجوانب الروحية في علوم التغذية. يُدعو الكتاب المتخصصين إلى تبني نهج شامل يأخذ في اعتباره التأثير المتبادل بين الجسد والروح في عملية التغذية.
القمر والريح والسحاب كلها تتحرك وتتغير من أجل الإنسان الذي هو في حركة ونشاط دائمين. تنفُّس الإنسان هو أخذ الأكسجين عند الشهيق وإطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون عند الزفير في الهواء. يجب أن يُعلم أن هذا الغاز الكربوني هو الذي ينتشر في الغلاف الجوي، وعند ارتفاع مناسب يؤدي إلى تكوين السحب وهطول المطر. وكذلك فإن غاز الكربون هو الذي يحرك الرياح. بمعنى أن في هذه الدورة، تستخدم السحب غاز ثاني أكسيد الكربون الخارج من جسم الإنسان، وبحقيقة الأمر فإن السحب تتغذى على أجسام الناس.
ما ذكرناه هو تحليل قائم على المعرفة التجريبية التي توفّرها العلم للبشرية. ومن الأفضل أن نذكر أيضاً مصطلح التغذية الروحية والمعنوية للسماء؛ مع أننا قد تناولنا هذا الموضوع في مكان آخر، وتحدثنا عن تأثير الذنوب على عملية إنتاج وتوزيع المطر، وكذلك على ظاهرة الجفاف، فلم نرَ حاجة لتكرار ذلك هنا. كثير من غذاء السحاب والسماء مرتبط بالإنسان وبأفعاله، وبحالة روحه التي يحملها. رائحة وجود الإنسان، وشغل المكان، وحرارة جسده، واستهلاكه للأطعمة الأرضية، واستعماله للهواء الموجود، والعديد من المسائل الأخرى تدخل ضمن غذاء السماء.
والآن، يجب دراسة كل ذلك بدقة وفحصه في المختبرات بعناية حتى يصبح هذا الموضوع واضحًا للجميع.
من الأفضل أن نُلقي نظرة فلسفية على هذا الموضوع. في العقائد وفي الفلسفة، وبالأخص في نقاش البعث الجسدي، يتحدثون عن شبهات تُسمى «الأكل والمأكول». نحن هنا لا نرغب في الرد على هذه الشبهات، بل نود أن نقول إن قاعدة الأكل والمأكول قاعدة عامة تنطبق في كل حالة، فقط يجب الانتباه ودراسة كل علاقة قرب وصداقة حتى تُكتشف تأثيراتها على جميع الأكلين والمأكولين. وجود هذا النوع من العلاقة هو الذي يؤدي إلى تأثير وتأثر الموجودات ببعضها البعض، ويجعل كل ظاهرة تكتسب صفات وروحيات الظاهرة الأخرى.
على سبيل المثال، إذا كان شخصان صديقان، أحدهما عنيف وعدواني والآخر كاذب، فبعد مدة يصبح الثاني إلى حد ما كاذبًا، ويرى الأول في نفسه شجاعة مفرطة وعصبية. الأمر نفسه ينطبق على الزوجين. بشكل عام، في كل مجالسة ورفقة، هناك هذا النوع من التأثير والتأثر. من الشمعة والزهرة الموضوعة جنبًا إلى جنب إلى الحجر الموضوع قرب الماء، جميعهم يستفيدون من بعضهم البعض.
ومن جهة أخرى، لننظر إلى القصة بهذا الشكل: عبد يعبد الله ويخضع له، ونما في هذا الطريق، طعامه هو الحق، لأنه يأكل الحق ويرى الحق ويقول الحق ويسمع الحق وينام الحق، كل شيء فيه حق، حتى طعامه الدنيوي والآخروي حق. بسبب معرفته يدرك أنه يأكل الحق. بعض هؤلاء لا يعلمون أنهم يأكلون الحق، وذلك بسبب كثرة الحق واختلافه. الحق مُجزأ، وذاته موجودة في كل الأشياء ـ لكن ليس بشكل مزج وتمازج ـ وأيضًا خارجه عن الأشياء، ولكن ليس بشكل انفصال. عندما يأكل الإنسان شيئًا، فهو يستوعب الحق في نفسه ويملأ جزءًا من جسده بالحق. ما يجذبه جسده من ذلك الشيء هو فقط حقيقته وحقه، الحق الذي يكون مصاحبًا لكل شيء، ولكن ليس على هيئة مزيج وامتزاج. وقد كررت عبارة «ليس على هيئة مزيج» لأن الخلط والامتزاج قد يلتبس في الأذهان.
الحق الجاري في الفكر والعقل والقلب وأعضاء العبد، والذي يتبارك به العبد، كيف يكون؟ ينظر الإنسان إلى عارف قد غمر وجوده كله بالحق، كل أفعاله وسكناته ومعتقداته مملوءة بالحق. يمكن رؤية الحق في هذا الشخص. الحق قد أحيط بكل كيانه. ومن جهة أخرى، الحق قد جعل العبد ملكًا كاملاً له واختار كل كينونة العبد لنفسه، كأن العبد لم يبق منه شيء، إذ ابتلعه الحق وضمّه إليه وجعله جزءًا من أعضائه. لهذا نقول إن العارف هو يد الله، عين الله، أو إذن الله، والله في عينه وأذنه ويده وذراعه.
قصة أن يصبح الإنسان طعامًا للحق وأن يجعل الحق طعامه هي هكذا. يمكن للإنسان أن يأكل الحق فيصبح حقًا، ويمكن للحق أن يأكل الإنسان فيجعله مثله.
حان الوقت لأن نتحدث عن تناسب الطعام. طعام الدماغ يختلف عن طعام الذراع، وطعام القلب يختلف عن طعام العضلات، وطعام الروح يختلف عن طعام العظام، وطعام القلب والروح يختلف عن طعام العظام والعضلات واللحم. لا ينبغي إعطاء طعام العامل إلى العالِم وطلب العلم منه، ومن يتعب أثناء الخطابة ليس تعبه بسبب فراغ معدته، وإنما بسبب أمر آخر ويحتاج إلى طعام مختلف. كما لا ينبغي إعطاء طعام العالِم إلى العامل وطلب العمل بيديه. كما يجب أن تكون الأعمال ضمن تخصص كل شخص، كذلك يجب أن يكون طعام كل شخص متناسبًا مع عمله. يجب أن ينظر علم التغذية إلى وضع خطة الطعام بما يتناسب مع وظيفة الفرد.
في السابق، كان بعض الطلبة يتناولون اللبان لتعزيز الذاكرة، وبعض الدراويش كانوا يدخنون الحشيش زاعمين أنه يخفف الروح، لكن لا ذاكرة مثل التي تعززها اللبان، ولا خفة الروح التي يسببها الحشيش جيدة. يجب معالجة الأمر من جذوره ووضع برنامج غذائي منسجم.
قلنا إن طعام العالِم الديني يجب أن يتناسب مع عمله. لا ينبغي لطعام العالِم أن يشغل معدته كثيرًا، لأن اشتغال المعدة يسبب اهتزازًا للجسم كله ويمنع التفكير، إذ عندما تكون المعدة مشغولة يتحول الدم إلى المعدة لتركيز الهضم، مما يقلل الدم المتدفق إلى الدماغ. نفس الإنسان يجب أن تدعم الطبيعة لتحافظ على الهضم، وعندما تكون المعدة ممتلئة، يقل الدم في المخ مما يقلل من التركيز والكفاءة العقلية. لهذا يقولون «البطن الممتلئ لا عقل له». النفس تدعم الطبيعة على حساب العقلانية، لذا لا ينبغي أن يملأ العالِم معدته بالطعام.
النفس تبقى حية بدعم الطبيعة، وإذا تعثرت الطبيعة تعثرت النفس، والهضم يستهلك قوة النفس ويضعف عقلها.
قول المرحوم كاشف الغطاء «نأكل كثيرًا ونعلم كثيرًا» ليس قولًا علميًا، فمن يأكل كثيرًا لا يستطيع أن يفهم جيدًا. من يأكل أقل يفهم أكثر. الإكثار من الأكل لا يجلب العقل، بل اهتمام النفس بالحواس والشهوات والأمراض يضعف العقل.
الإنسان عندما يتناول طعامًا مناسبًا يصل إلى قمة إنسانيته ويفتح إدراكه. الطعام يجعل الجسد فاعلًا، والعقل السليم في الجسد السليم يكون فهمه قويًا. الطعام يكمل الجسد وقواه ويزيد إدراكه. من يترك الطعام كليًا يضعف جسده وتضعف قوته الإدراكية.
يمكن للأغذية الدنيوية أن تولد طاقة هائلة، وما يُستقبل حالياً من الطاقة من الأغذية لا يتوافق مع حقيقة وواقع هذه الأغذية. على سبيل المثال، قوة ذراعي الإمام علي عليه السلام قد أصبحت مثلاً يُضرب في التاريخ. قوة ذراعيه كانت نابعة من الأغذية الدنيوية، لأن الدنيا تحتوي على تفاصيل دقيقة وعجائب، فإذا أُحسن استغلالها، تزداد قوة قدراتنا، وإذا أُهملت ولم تُستخدم في المسار الصحيح، تُفقد القوة والطاقة. في كل ذرة ونواة، تكمن طاقات لا تُحصى، والطاقة الذرية هي إحدى الطاقات التي وصل إليها الإنسان في عصرنا الحاضر.
إذا تم التعرف على الطاقات الكامنة في الأغذية، فسيتجه الإنسان نحو تحرير هذه الطاقات، وبأقل كمية من الطعام يستطيع أن يشبع ويُلبّي حاجته الغذائية. وفي هذه الحالة، يجب على المضيف في الولائم أن يُحضر الضيوف دائماً على تقليل الطعام حتى لا يُصابوا بمرض الشراهة.
(28)
ونُطلّع أيضاً على جدول الأغذية الضارة والمؤذية. ومن بين الأغذية الضارة جداً تناول طعام شخص محتاج إليه. فإذا كان الشخص محتاجاً أو صائماً ويحتاج إلى طعامه، فلا يجوز أكل طعامه؛ لأنه لا يمكن أن نُجيب على ذلك يوم القيامة، ويجب المحاسبة على ذلك، خصوصاً إذا كان ذلك الشخص بحاجة إلى طعامه. والصائم الذي يحتاج إلى طعامه يتذكر ذلك منذ لحظة أكل طعامه وحتى نهاية حياته، ويظل يُفكر ويُذكر من أكل طعامه. وقد أوردنا سابقاً نماذج لتأثير الكائنات بعضها على بعض، ويجب إضافة هذا المثال إلى تلك القائمة كنموذج بارز.
لقد تحدثنا عن القوة المضاعفة لبعض الأغذية. ومن الجدير بالذكر أن الطعام الصحي المقوّي يختلف عن الطعام الترفيهي الرسمي، وليس من الضروري أن يكون مزيج أجمل الأطعمة هو الأقوى. ضعف مزاج الإنسان لا يُقوّى بالطعام الفخم دائماً. في الغالب، تُحرر الأغذية طاقتها من خلال الرياضة، وبعبارة أخرى، يحصل الجسم على قدرة امتصاص طاقة الأغذية من خلال التمارين الرياضية.
مزاج الإنسان يختلف من شخص لآخر، ويجب في البرنامج الغذائي مراعاة تناسب الغذاء مع مزاج كل فرد. الضغط والرياضة بتنسيق مع تناسب الغذاء مع المزاج يمكن أن تهيئ الجسم لامتصاص الطعام بشكل جيد وتحافظ على صحته. لكن لا ينبغي أن يكون الضغط شديداً حتى لا يسبب حساسية ويصبح الجسم كالحصان الجامح غير المروض. تأثير الرياضة لا يقتصر على صحة الجسم فقط، بل يُصلح نفس الإنسان أيضاً. على سبيل المثال، يمكن للرياضة أن تُبعد الوسواس عن الشخص الوسواسي. الوسواس هو فقدان الإرادة وعدم السيطرة عليها، حيث لا يستطيع اتخاذ القرارات أو الحكم أو إتمام الأمور دون تكرار. ولعلاج الوسواس نوصي بالرياضة، فهي من أفضل الوسائل لتقوية الإرادة.
(30)
للأسف، أحياناً يمضي العالم ساعةً كاملة في وضوئه، ويجعل الناس ينتظرونه في صف الصلاة الجماعية. هذه أفعال غير دينية، وهؤلاء الأشخاص مرضى ويجب أن يعالجوا أنفسهم بالرياضة أولاً ثم يتفرغوا للآخرين.
ينصح القرآن الكريم بألا يُشدد الإنسان على نفسه في الأمور، وإلا أصابه التعب والمشقة، ووقع في الوسواس. الدقة مفيدة، لكن المبالغة في الدقة تُسبب الغفلة.
حالياً، لا ينتشر الوسواس فقط، بل تتشوه ملامح كثير من الناس بسبب قلة الرياضة، ويخرجون عن الوزن الطبيعي. ومن القبيح للمسلم أن يكون مثلاً يُحتذى به وهو مُشوّه الجسم أو الملبس.
دور الرياضة في صحة الجسم كبير بحيث يمكنها أن تجعل الشخص المعاق أفضل من السليم غير الممارس للرياضة. فالإعاقة الجسدية دلالة على إعاقة نفسية تُضعف الروح وتمنع الشخص المعاق من النشاطات العادية. المعاقون والمصابون الذين يمتلكون حيوية ونشاط يعود ذلك إلى الرياضة التي تمنحهم القوة والعزيمة. الحركة الكثيرة والرياضة تعطيهم القدرة والقوة لتصبح قوتهم مساوية لشخص طبيعي لا يمارس الرياضة.
قلنا إن تلوين الأطعمة وتنوعها لا يعني طعاماً مناسباً ومغذياً. الذين يأكلون الأطعمة الممزوجة لهم رائحة براز كريهة جداً. هذه الرائحة ناتجة عن تركيبات الطعام، وكلما زاد تنوع الطعام، زادت رائحة البراز وكثرت الإزعاجات المعدية. ولهذا، رائحة براز الحمار أقل من الإنسان؛ لأن هذا الحيوان يتغذى على نوع واحد فقط، بينما طعام الإنسان متنوع ويتضمن سوائل وخضروات وفواكه وأنواع مختلفة من اللحوم، ما يسبب تكوين غازات ذات روائح كريهة، رغم أن هذه الرائحة هي كالعطر للحشرات مثل الذباب.
(32)
تعدد الطعام له عيب آخر، وهو أنه يُضعف قوة الذراع ويُضعف المعدة ويقلل العقل. من الأفضل للإنسان أن يقلل من تنوع وتركيب الطعام ليكون أكثر نفعاً وأسهل في الهضم. سبب رائحة السائل المنوي الكثيرة يعود إلى تركيبه المعقد، بخلاف البول الذي يكون أبسط.
الحيوان الذي يتغذى على العشب، روثه الجاف يمكن أن يسبب جفاف رطوبة جسم الإنسان ويُستخدم كدواء، إما عن طريق البخار أو الحرق واستنشاق الدخان. روث هذه الحيوانات مفيد لعلاج التهابات الجيوب الأنفية والأنف والبلغم في الحلق والصدر. طريقة استخدام الدخان هي وضع روث الحمار في إناء مع فحم مشتعل فوقه، ثم تغطية الرأس بقطعة قماش واستنشاق الدخان المتصاعد.
(33)
للأسف، تم التلاعب بالأغذية الحالية بشكل غير محترف وفقدت كثيراً من طعمها وطاقة تغذيتها. ترون كثيراً من مدمني المورفين في أزقة المدينة، وهم يشكلون دولة تابعة لرأسماليين مستعمرين. هذه الظاهرة أقل شيوعاً في الحيوانات. مثلاً، يستخدم مهربو المخدرات جمالاً مغذاة على المورفين لنقل المخدرات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تسلل المورفين أيضاً إلى زراعة الخضروات والنباتات، حيث يقل زمن نضج الثمار ويزداد دوامها، لكنها تفقد خصائصها الإيجابية. مثال على ذلك تفاح لبنان، الذي كان سابقاً مقرمشاً ومنفوخ القوام، لكنه فقد هشاشته بسبب حقن المورفين ليظل غير فاسد لفترة أطول بسبب كثرة صادراته.
(34)
هذا التفاح المورفيني أغلى وأردأ بكثير من التفاح الإيراني الصغير والرخيص، الذي هو صحي وطبيعي، وإن كان مصاباً بالديدان، إلا أنه لم يفقد طبيعته ولم يُخلط بأي مادة. الغاية أن القيمة الغذائية لا تُقاس بالمظهر، وكلما كان الطعام أكثر طبيعية وأقل كيميائياً، زادت قيمته الغذائية. يجب على خبراء التغذية التفكير في طرق جديدة لتحقيق طاقة مضاعفة في الأغذية. ضعف الأغذية هو أحد أسباب ولادة البنات، إذ أن ضعف السائل المنوي للرجل بسبب نقص السعرات الحرارية مقارنة بزوجته ليلة العلاقة يؤدي إلى ذلك.
(35)
ذكرنا تفاح لبنان، ومن الجيد الحديث قليلاً عن الفواكه. تُقسم الفواكه والخضروات إلى ثلاثة أقسام: فواكه تنمو تحت الأرض، وفواكه تنمو على سطح الأرض، وفواكه شجرية. لكل قسم خصائص كثيرة تختلف عن الآخر. الفواكه تحت الأرض ثقيلة جداً وتشبه خيوطاً ملتفة، والإفراط في تناولها يسبب مشاكل للمزاج. ومن أمثلتها البطاطا، الشمندر، الجزر، اللفت، فصائل الفجل، الثوم والبصل بأنواعه، ولكل منها خصائص مختلفة.
أما الفواكه التي تنمو على الأرض فهي مثل الخضروات، الخس، الكرنب، الشمام، البطيخ، الشمام الحلو، الخيار الأخضر وأنواع أخرى كثيرة، وهذه الفواكه تتناسب أكثر مع الجسم ومستوى المعدة وروح الإنسان.
أما الفواكه الشجرية مثل الكمثرى، التفاح، الخوخ والمشمش فهي مناسبة أكثر لنمو الإنسان الجسدي والروحي، ولكل نوع خصائص تختلف باختلاف الأنواع والأشخاص.
(36)
نعود إلى موضوعنا الأول بنظرة شمولية. إذا نظرنا إلى العالم، مع الأخذ في الاعتبار أن كل ظاهرة تستهلك أخرى وأن كل ظاهرة تٌغذي الأخرى بفضلاتها، يمكننا أن نرى الدنيا كأنها مليئة بالقمامات والنفايات، ويمكن اعتبارها بستاناً للنفايات. كل ظاهرة تبتلع الأخرى المهضومة وتعيد هضمها وتغذي بها ظواهر أخرى. هذا الأكل المتكرر يسبب ضرراً للإنسان. الله تعالى أنزل لنا العلوم والمعارف، ونحن منها
(37)
نأكل ونعطي ما نأكله إلى مجموعة أخرى. هذا قانون الطبيعة وهو جارٍ في كل مكان. في الأدب، والكلام، والحركات، والأفعال، نحن نأكل ما جوّهه الآخرون، ونطعم به الآخرين.
في الطعام أيضاً الأمر كذلك. ما تفرزه النحلة هو العسل، وما تفرزه الأرض هو القمح الذي يصنع خبز مائدتنا. البويضة تتحول إلى حيوان، وذلك الحيوان يصبح لحم مائدتنا. والماء والعشب الذي يهضمه الحيوان يصبح لبناً. معدتنا ليست مستثناة من هذا القانون، فهي تخلق طعاماً لغيرها من الكائنات كذبابة. ونفس الأمر يتكرر في الأمور المعنوية.
كل الكون صدر يحمل الحليب، وحليبه سم، وسمه فيه شراب، وشرابه فيه لسع. كل حياة تتبعها موت، وكل موت يطلب حياة جديدة، وهكذا تتعاقب الحيوات بلا انقطاع.
كل الكون دم وقلب يدفع هذا الدم، والحمرّة والحرارة تشعّ من كل مكان.
(38)
في كل مكان رأس وسيف، وكل سيف يقطع رأساً، وكل رأس يصرخ «أنا المقتول»، و«كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء» يظهر في كل مكان.
كل مكان خيوط اتصال، وكل الخيوط تنتهي إلى نقطة واحدة وهي الحق تعالى. حتى خيوط الباطل تنبع من الحق وتقوم به:
«وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»(نساء/78).
طعام النحلة من الأزهار وتفرز العسل الذي يشفي أجساد البشر:
«يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ»(نحل/69). طعام المؤمن هو الحق تعالى، ونتيجته الكلام الذي يشفي أرواح الناس، ولعاب المؤمن يشفي أجسادهم أسرع من العسل.
كل مكان في الكون مشنقة، وكأنّهم يعلقون الأجساد على الخطاف مثل الجزار، وكل الرؤوس على الرماح، ويقف البعض مشاهدين حولها. عندما كنت طفلاً، كنت أرى الملابس المعلقة على الحبال التي يهزها الهواء كأنها إنسان حي، ورغم أن الحقيقة هي كذلك، لأنّ الملابس تفوح برائحة أصحابها، وإذا كانت معلقة، فإن صاحبها كأنه واقفٌ دوماً، والفرق بين رائحة الإنسان وبين الإنسان نفسه في كثافة وضعف مادّته، فالرائحة مادة رقيقة، واللحم أعظم كثافةً منها.
في النهاية، من الأفضل أن نتحدث عن بدء تناول الطعام. بداية كل عمل تكون باسم الحق، وهو الله تعالى، الذي هو قمّة وسفح، طول وعرض، نحافة وعمق، وسطح. باسم الله الذي يوسع ويقبض. على مائدة الطعام وعند بدء الأكل، يجب قول «بسم الله» وأكل الطعام بلفظ «بسم الله» دون إضافة أي شيء إليه. يجب الاقتصار على لفظ «بسم الله» ليستفاد من هذه النافذة، ثم مع كل الحواس، من لمسة الأصابع إلى البصر، والشم، والتذوق، والعقل، وباختصار من كل المراكز، يجب الانتباه إلى الطعام، ومضغه باهتمام، ثم بلعه بوعي، ثم يبدأ هضمه. كل طعام يجب أن يُمتص بهذه الطريقة، سواء كان حامضاً أو حلواً. يجب وضعه في المعدة بكل عناية والبدء في بنائه وصنعه للاستفادة القصوى منه وللوصول به إلى الرحمة الخاصة، لأن كل طعام يتمنى أن يصل إلى أفضل مرتبة، يتحول من نبات إلى حيوان، ثم إلى لحم في جسم الإنسان. إذا لم يكن هناك اهتمام وتركيز عند تناول الطعام، فلن يتم هذا المسار بشكل جيد وصحي. ومن يفتقر إلى هذا التركيز في الأكل، لا يستطيع التركيز في الأعمال الأخرى، ولن ينجح فيها. هكذا يبعدهم الله عن نفسه ثم يقربهم إليه مرة أخرى. قلنا بإيجاز لتتأمل في ذلك جيداً ولا تتسرع فيه. إن شاء الله.
أيضاً، أثناء الأكل، لا يجب سحب الملعقة من بين الأسنان. من يفعل ذلك ليُنظف الملعقة ويسحبها بأسنانه، يُنقص عمره. هذا الفعل أخطر من كسر الجوز أو الفستق بالأسنان لأنه يضغط على المخ. كذلك من عادة من يسحب الملعقة حتى قعر الطبق، فهذه أفعال لا تليق بالإنسان. يجب أكل الطعام بالشفاه وتنظيف الملعقة بالشفاه. الكلام كذلك، من يمضغ الكلام، يصاب بوفاة مبكرة، ومن يستمع إلى كلامهم يُنقص عمره أيضاً، بمعنى أن بعض الناس يتكلمون بأسنانهم، وكأن كلامهم مليء بشظايا، مما يرهق الإنسان. إذا استمر أحدهم في هذا الكلام لبضع دقائق، كأنه تحدث ساعة وأرهق الآخرين. الكلام يجب أن يكون بالشفاه.
في التصوف والفلسفة قيل إن كل شيء عالم وعاقل. وفي هذه الدراسة نتحدث عن سير النطفة. النطفة أيضاً، مثل غيرها من الموجودات، عاقلة وعالمة. تعرف مع من تزاوجت، وأين يجب أن تستقر، وماذا يجب أن تأكل. عندما تصل النطفة إلى مرحلة الجنين، تزداد حكمتها وعلمها، وتضيف إلى دائرة علومها، وتتلقى التأثيرات الخارجية مباشرة أو عن طريق الأم. الجنين عندما يولد لا يستطيع التحدث باللغة التي في فمه، ولا يملك القدرة على التعبير عن أفكاره، ولأنه لا يتكلم لمدة تقارب السنتين عن المعلومات التي جمعها، فإنه ينسىها ويتركها للذاكرة. فقط بعض الأطفال الذين لديهم ذكاء عالي جداً لا ينسون معلوماتهم، وإذا تحدثوا بعد أن يفتحوا أفواههم عن ما تعلموه قبل الولادة، فإن أحداً لا يصدقهم. لهذا السبب، الأشخاص العباقرة الذين تطوروا في هذا المجال، لا يتحدثون كثيراً عن ماضيهم.
موضوعنا الآن هو الجنين الذي يمتلك علوم كثيرة. إذا رُصد الجنين طوال فترة تسعة أشهر من نموه ودُرس باستمرار، يمكن فهم سير نموه. بعد شهرين ونصف من آخر دورة للمرأة، تتشكل كل الأجهزة وأعضاء الجسم، ومن هذه اللحظة فصاعداً، يجب أن ينمو ويتطور نحو الكمال. النمو العضوي للجنين مذكور في الكتب ويجب متابعته هناك، لكن في الشهر الثالث والرابع يمكن تمييز نمو العقل، الإرادة، ونمو الأطراف، ويمكن حتى قياس مقدار شهوته. إذا حُفز عضو الجنين بأداة، يمكن قياس استجابته، وبهذه الطريقة يمكن معرفة مقدار شهوانيته في المستقبل. مع نمو اليدين والرجلين، يتطور الدماغ والعينين، ونمو الدماغ يعني نمو العلم والوعي عند الجنين.
نمو العضو يعني نمو الشهوة، ونمو الأعضاء يعني القوة الجسدية. مع نمو الكمّي للعقل، يمكن قياس نموه النوعي عن طريق اختبارات معلوماتية وحجميّة. أكبر دماغ من حيث الحجم للإنسان، ولهذا الإنسان هو أذكى المخلوقات وأكثرهم تفكيراً. لقياس المعلومات، يجب اختيار عدة أمهات وتعليمهن أثناء الحمل، وتكرار المعلومات يومياً، وتقوية دماغ الجنين بأشعة أو أجهزة راديوية، ثم بعد الولادة وعند مراحل مختلفة، تقييم المعلومات المكتسبة منهم. بهذا يثبت مبدأ التعلم أثناء فترة الحمل، لكن لقياس كميته، يلزم معيار أو مقياس آخر.
مع نمو الطفل وقوته الجسدية، يجب اختبار كل طفل لمعرفة إن كان قد نسي المعلومات التي أُعطيت له أم لا؟ بعض الأطفال يسجلون المعلومات في ذاكرتهم اللاواعية، لكنهم لا يستطيعون استرجاعها. إذا تم قياس الذاكرة اللاواعية لجميع الأطفال، سترى أن تلك المعلومات موجودة لديهم.
في الإدراك العلمي، يجب أن يكون لدى المراقب قوة ملاحظة، وأن يكون الطبيب الذي يجري الاختبارات صبوراً جداً، ويراقب شخصاً من مرحلة النطفة حتى الشيخوخة. نظراً لطول فترة هذا البحث، قلّ من يتبع هذا الطريق العلمي، وهو مفيد فقط للطبيب نفسه ولا يمكنه نقل علمه للآخرين. لكن بالإستدلال يمكن إثبات أنه مع نمو جميع أعضاء الجنين، ينمو عقله وعلمه أيض
الحجامة
الحجامة من الأمور التي كانت شائعة في الطب اليوناني القديم. وقد أوصى بها الإسلام، ولا يزال بعض أفراد المجتمع يمارسونها تعبيرًا عن ارتباطهم بالإسلام. أما الغربيون، فقد نسوا هذا التقليد القديم ولم يعد لهم اهتمام به، وهي الآن كطب الإبر الصينية في بلاد أخرى غير الصين التي انعدم فيها تقريبًا.
صحيح أن عملية إخراج الدم من الجسم مفيدة، لأنها عندما يُخرج الدم ويترك الدورة الدموية، يضطر الجسم لتعويض الدم المفقود بالماء، وهذا يؤدي إلى تخفيف الدم. وعندما يخفف الدم، يشعر الإنسان بالنشاط، لأن الدم يمر بسهولة إلى بعض أعضاء الجسم التي كانت في السابق تعاني من صعوبة في وصول الدم إليها. كما أن الجهاز الذي ينتج الدم يصبح أكثر نشاطًا بسبب زيادة متطلبات الجسم.
الدم الموجود في الجسم يشبه الماء في البركة، فإذا أُخذ دلو من أي جزء من البركة، ينقص الماء في البركة كلها. والدم كذلك، سواء أُخذ من الظهر أو من عضلة القدم أو من أي عضو آخر، أو سواء أُخذ من الوريد أو الشريان، فإنه في النهاية يعود إلى القلب ويتوزع في جميع أنحاء الجسم، ولا فرق في ذلك.
الأطباء والحجامون الإسلاميون كانوا يأخذون الدم الزائد من نقاط معينة في الجسم، لأن هذه النقاط لا تحتوي على أعصاب رئيسية أو أوعية دموية كبيرة، وإذا أخذ الدم من مكان أعلى أو أقل قليلاً فقد يسبب ذلك مشاكل للإنسان.
الحجامة التي أشار إليها الإسلام والتي كانت شائعة فيه، رغم إمكانية إجرائها اليوم باستخدام أدوات متطورة ومعقمة، تُعدُّ من الإجراءات التي تُحدث نوعًا من الإجهاد الشديد لجهاز المناعة والدفاع في الجسم، إلا أن ظهور نظام نقل الدم الحديث قلَّل هذا الإجهاد بشكل ملحوظ، مما يجعل إجراءه أكثر أمانًا. وكان يُنصح بها في ذلك الزمن لأنها لم تكن لها منافسة كطريقة لسحب الدم من الأوردة، إذ لم تكن هناك أدوات لتخزين الدم في أكياس أو في مستودعات الدم، ولا إمكانية لنقله لاستخدامات أخرى، لذلك كانت الحجامة أفضل الطرق في حينها.
أما اليوم، وفي ظل توفر هذه الإمكانات، فلماذا نتمسك بالتعبد في اتباعها؟
إن التوصية بالحجامة في ذلك الزمان ليست أمرًا تعبدياً يجب أن نتبعه بعقل مغلق، بل هي أمر إرشادي يدل على أنه إذا أتاح العلم والتخصص طرقًا أفضل في هذا المجال، يجب استبدال الطريقة القديمة بالجديدة، ما لم نكن عالقين في شبكات الجمود والتخلف.
في الوقت الحاضر، حيث تستخدم بنوك الدم الدم بسهولة وتوزعه معبأً لمن يحتاجه، من الأفضل تشجيع التبرع بالدم بدلاً من الحجامة. فلا حاجة لترويج الحجامة كطب يوناني قديم وإضاعة الوقت والجهد على هذا، لأن هذا يُعدُّ تبذيرًا للوقت وإهدارًا للدم. ومن المفضل أن نؤكد على التبرع بالدم بل يمكن أن يُباع الدم أيضاً، ويمكن لبنوك الدم شراء الدم من الناس، كما أن نشر ثقافة التبرع بالدم أمر محمود.
في الماضي، كان آباؤنا وأجدادنا يمارسون الحجامة ويرون آثار الشفاء والنشاط في أنفسهم، لذلك كانوا يوصون بها الشباب. وكان بعض أهل الرواية والحديث الذين كانوا يتبعون المنهج الأخباري يشجعون الأطباء على الحجامة، وكذلك بعض الأطباء الذين يرون في الحجامة منفعة عامة وتشجيع ديني يميلون إليها، لكن هذه الميل غالبًا يكون استقرائيًا وغير قطعي لا يمكن اعتباره قاعدة عامة. فالإنسان حينما يؤمن بشيء ويريد إيجاد دليل له، يجد الدليل دائمًا، وهذا يضر بالعلم لأن العلم يجب أن يثبت الأمور التي لا دليل عليها، لا أن يجد دليلاً للأمور الثابتة. وإلا فإن العقل سيُغلط ويحسب غير الدليل دليلاً، وهذا ما يُفقد العلم أساسه ويحل محلّه المسلمات والأشهرات.
الحجامة في عالم اليوم تشبه استعمال بعض الأدوية العشبية. صحيح أن معظم الأدوية مستخلصة من النباتات وأن الأدوية العشبية هي من أفضل الأدوية وأقلها ضرراً، لكن هذا لا يعني أن كل من يدّعي معرفة بالأدوية يصبح صيدليًا، ولا أن خلط عدة أنواع من الأعشاب بدون علم أو أدوات معملية يُعدُّ دواءً.
واليوم، الأدوية التي يقدمها الغربيون، والتي بدأت تتطور في بلادنا أيضاً، تُفحَص بدقة شديدة وعلى مستويات جزئية، والصيدلة أصبحت علمًا واسعًا متعدد الفروع. وهذا بعيد جدًا عن أن يخلط أحد الأعشاب دون أدوات معملية أو نظافة، ويقدمها دواءً.
ابن سينا، الذي كان طبيبًا بارعًا في علم الأدوية منذ ألف عام، لا يعني أن نأخذ أقواله اليوم بلا تحقيق علمي، فاتباعه تعبدياً هو جمود وتعصب يعرقل تطور هذا العلم.
على سبيل المثال، ابن سينا كان يقترح وسائل لمنع الحمل منها إدخال زر مربوط بخيط في المهبل ليمنع خروج المني، وهذا في زمننا اليوم يبدو متحجرًا لأن هناك وسائل أكثر تنوعًا وسهولة لمنع الحمل. لذلك يجب أن نواكب العلوم الحديثة ونتخلص من التعصب. يجب أن نأخذ من آراء القدماء ما هو صحيح ونافع فقط، وليس أن نرفض التكنولوجيا الحديثة لمجرد كونها جديدة، أو نثق بوسائل قديمة فقط لمجرد قدمها.
المواد المخدرة
الإدمان بشكل عام هو نوع من الموت البطيء، بغض النظر عن ماهيته أو من هو المدمن أو أين يكون. فهناك من يدمن الأكل، ومن يدمن الشيشة والتبغ، ومن يدمن المخدرات. من الأفضل أن يكون الإنسان غير مدمن على أي شيء أو شخص، حتى على القلب أو اليد أو القدم أو الرأس أو اللسان، وأن يكون قادرًا على الحركة بدون القلب، فهذه الحركة ما هي إلا توقف بحد ذاته.
أما بالنسبة للإدمان على المخدرات والمواد المسكرة، فإن الخمر يقتل غيرتك وإنسانيتك، أما المخدرات فتدمر غيرتك، وإنسانيتك، وشرفك، ومالك، وكل شيء لديك. بناءً عليه، فإن المخدرات أسوأ بكثير من الخمر، إذ أن أدنى كمية من الخمر تضعف غيرتك ورجولتك، رغم أن الخمر أيضًا يدمر العقل والعديد من الجوانب الأخرى. لكن من حيث الكم والنوع، فإن إحصائيات المخدرات أكبر بكثير وأضرارها أشد.
رائحة فم المدمن تزعج عائلته وتخلق نفورًا بينه وبين زوجته. فالمرأة التي تنتظر زوجها لتأخذ من ظله الأمان، تستقبله بوجه بشوش وتقدّم شفتيها لتقبل الزوج الذي يحمل على شفتيه أزهار المحبة، فإذا وصلها رائحة الفم الكريهة، تتحول المحبة إلى كراهية، وتبدأ العلاقة في الانهيار. تبدأ الفجوة بين الزوجين من الفراش والشفاه، حتى تصل إلى مرحلة لا يستطيعان فيها تحمل بعضهما البعض، مما يؤدي إلى الطلاق والانفصال. وللوقاية يجب البدء من المرحلة الأولى، وليس من المراحل الأخيرة التي تبدأ بها المحاكم المدنية والتي لا تعطي نتيجة.
لقد حرّمنا استعمال جميع أنواع المخدرات وكذلك الترياق (الآفيون) إذا استمر عليها الإنسان. ونعتقد أن الإمام الصادق عليه السلام لو كان في زمننا هذا وسئل عن حكم الترياق لقال: الاستمرار عليه حرام. في زمن الأئمة لم تكن المواد المخدرة الجافة مثل الترياق والبنغ والهيروين والحشيش منتشرة، لذلك لم يرد في أحاديثهم حكمٌ خاصٌ بذلك. وهذا الحكم زمني، مثل حكم كراهة رفع القبور الذي صدر بسبب شركية وثنية الناس في ذلك الوقت، وأحاديثه خاصة بهذه الظروف.
أيضًا، في ذلك الزمن كان الخمر شائعًا، وحُرّم في الإسلام، وحكمه وارد في القرآن الكريم. ومن وجهة نظري، لو ظهر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) اليوم، فسوف يفسر لفظ “الخمر” ويستخدم مصطلحات أخرى كـ “المواد المخدرة”، وهذا لا يعني أنه جلب قرآنًا جديدًا، بل أن المصطلحات الحديثة تحل محل الكلمات القديمة حسب الموضوع.
القرآن الكريم يذكر أن الخمر فيه ضرر عظيم ومنفعة للناس أيضًا، فيقول:
“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا” (البقرة: 219).
وقد أثبت العلم الحديث فوائد وأضرار الخمر، إذ إن كثرة تناوله تسبب الضعف، وقليله يُنشط الجسم ويُشعر بالسرور. الخمر يشبه العنب الذي يبهج الإنسان. ويُعتبر الخمر من ضمن المنشطات في الرياضة، حيث أن تناول كمية صغيرة منه قبل المنافسة قد يعزز الأداء.
بعض المغنين يشربون قليلاً من الخمر قبل الأداء ليخففوا من التوتر والخجل، ولكن المؤمنين لا يحتاجون لذلك، فوضوؤهم وصلواتهم وأذكارهم تمنحهم النشاط والسكينة أفضل من الخمر. الخمر لمن انفصل عن الحقيقة فهو يبعث السرور والطرب فقط.
لقد ذكرنا سابقًا إمكانية تصنيع خمر طهور في الدنيا يكون مبهجًا لكنه لا يسبب الضرر…
لقد ذكرنا سابقًا إمكانية تصنيع خمر طهور في الدنيا يكون مبهجًا لكنه لا يسبب الضرر، بحيث يمكن الاستفادة من نواحي النشاط والبهجة دون التأثيرات السلبية المدمرة التي تخلّفها المشروبات الكحولية التقليدية. وهذا النوع من المشروبات قد يكون بديلاً شرعيًا يُستخدم في بعض المناسبات، مع الأخذ بعين الاعتبار التحريم الشرعي للكحوليات المسكرة الضارة.
السكر والوعي
لا يجلب السكر والسُكرانَةُ الجهلَ فحسب، بل يعززُ العقلَ والحكمةَ في الإنسان، ويمنحه القدرةَ والقوةَ الفكرية، كما يُحفّزُ كلَّ كافرٍ على تناولِه، ويمكنُه من طردِ الخمرِ النجسِ من سطحِ الأرض. وقد وردت في القرآن الكريم فكرةُ صناعةِ مثلِ هذا الخمرِ، وكان بالإمكان استنباطُها في زمانه.
النوم واليقظة
النوم واليقظة، اللاوعي والوعي، السُكر والعقل، الخدر والإحساس، والعديد من هذه المتقابلات هي أمور نسبية وتتمتع بدرجاتٍ متعدّدة. على سبيل المثال، يُقال عن من يملك إحساسًا ضعيفًا ولا يتأثر بسهولة إنه “ذو جلدٍ سميك”، ليس لأنه بلا إحساس، بل لأن إحساسه ضعيف الأداء. هؤلاء الأشخاص يتحملون الضرب والجلد بصبرٍ وقوة، لأن طبقة الجلد لديهم ليست على درجةٍ كاملةٍ من الحس واليقظة. بالمقابل، يوجد من هم شديدو الحساسية، حتى أنهم لا يستطيعون لمس الخبز في المخبز، لأن جلدهم رقيق ويتمتع بحساسية ويقظة كاملة.
النوم واليقظة على هذا النحو. لا ينام الإنسان دفعةً واحدةً، ولا يستيقظ فجأةً كذلك. الاستيقاظ من النوم ليس كمفتاح كهربائي يُشغل أو يُطفأ فجأةً. هناك تدرج في النوم واليقظة. بالطبع، هذا الأمر لا ينطبق على الإنسان الآلي والميكانيكي المعاصر. فالمعاصرون يستيقظون بسرعةٍ عند دقّة المنبه، ويتناولون الطعام في الطريق، ويرتبون ملابسهم في الشارع، وعند الليل لا يعرفون كيف ينامون من شدة التعب. هؤلاء لا يهتمون بتفاصيل النوم الدقيقة ولا يستمتعون به.
إذا تتبع المرء تدريجية النوم، فإن علومًا كثيرة تُمنح له في عالم النوم، وتُسحب العديد من الطرق والأساليب من حالة اليقظة إلى النوم، ويُكشف له الوجه الآخر لعملة اليقظة. هذا السير والتقدم نحو الجانب الآخر لعملة اليقظة أو العكس يتطلب تدرجًا. عندما يستيقظ الإنسان ويفتح عينيه، وترجع حواسه إلى حالتها الأولى، عليه فورًا أن يفكر فيما كان يفعله قبل لحظات، وأين كان، وما هي أفكاره وأحلامه، لأن هذا يساهم في نموه. وعند النوم يجب أن يفكر الإنسان إلى أين يريد أن يذهب؟ وأي حلم يريد أن يراه؟ وما الشيء النادر الذي يبحث عنه في نومه بدون عناء؟ هذه التدريبات مفيدة لتنمية العقل في الكشف عن الجانب الآخر للعملة.
لكن لماذا ينام الإنسان؟ وما أصل النوم واليقظة؟ هل النوم من التعب، أم عادة نفسية، أم شرطية الجسد، أم الروح، أو أسباب أخرى؟ ما علاقة النوم بالتعب والأعصاب والنفس؟ وهل منشأ هذه الأمور في الدماغ؟ ما وظيفة الدماغ في النوم؟ وأي منطقة تتحكم فيه؟ وهل يمكن التحكم فيه من الأساس؟
يُقال إن النوم ناتج عن قوة النفس البشرية، فالإنسان القوي يملك السيطرة على نومه، فينام وقتما يشاء، ويستيقظ متى أراد. وإذا احتاج الجسد للنوم، ينام، وإذا زال الاحتياج، يستيقظ. وإذا جاع، يأكل، وإذا شبع، يتوقف.
من ينام بالحبوب المنومة مثل “الواليوم” يكون قد أخر موته. الحبوب المنومة تسبب الموت أحيانًا، ومن يستهلكها قد يرى في نومه موتًا.
بعض الناس يرون أحلام الآخرين، لكن يجب تفسير تلك الأحلام نيابة عنهم، لأنهم يرون أنفسهم منفصلين عن ذاتهم، في هيئة أخرى يظنون أنها شخص آخر، مع أنهم أنفسهم. هذا لا يجب أن يختلط.
بعض الأحلام تُفسر عن طريق المفسر، وما يقوله يتحقق.
النوم له ثلاث درجات عامة: خفيف، متوسط، وثقيل. في جميع هذه الدرجات وكل ما بينها، يحلم الإنسان، لكن بسبب العادة والانشغالات، ينسى أحلامه وكأنها لم تكن، مثل الذين تعيش حياتهم اليومية دون اختلاف ملحوظ، ولا يميزون بين اليوم والغد إلا بالتقويم أو الذهاب إلى الكنيسة أو صلاة الجمعة.
لتنشيط القوى الفكرية، يجب التمرين. مثلاً، هل نتذكر شيئًا من فطور قبل شهر؟ أو عقابًا من الأهل في الطفولة؟ أو ماذا تناولنا صباح اليوم؟ أو ما فعلنا؟ إذا ازداد تركيزنا ونشطت كل أعضائنا، وصار عقلنا لا يفكر بدون إرادة، مثلما الأعضاء لا تتحرك بإرادة، نستطيع أن نرى الأحلام التي نريد.
بعض الأحلام خفيفة وبعضها ثقيلة. في النوم الخفيف، لا تفقد الحواس الخارجية عملها، فيسمع الحالم ما حوله. لذلك، هذه الأحلام لا تكشف أسرارًا ولا تفتح ستار الغيب. أما في النوم الثقيل، فلا يجب مقارنة ما يراه الحالم بوضوح اليقظة، لأن الأمر أشبه بالغواص الذي يغوص في أعماق البحر ليخرج شيئًا ثمينًا. بعض هؤلاء لا يستطيعون الاحتفاظ بأحلامهم بسبب عمق النوم، وينسونها في اليقظة، أي أن عقلهم ينام مع النوم الثقيل.
في النوم المتوسط، يمكن للأفراد رؤية بعض الأمور، ويستطيع العقل الاحتفاظ بجزء منها. وكلما كان النوم أخف، زادت قدرة العقل على الاحتفاظ بالحلم.
تقسيم النوم إلى خفيف ومتوسط وثقيل ليس معيارًا لجودة الحلم. يجب أن يكون الإنسان قادرًا على الاستفادة من جميع الأنواع، لذلك عليه تعديل نومه ليصبح واضحًا وشفافًا، فإذا كان نومه ثقيلًا عليه تحويله إلى خفيف أو متوسط، وإذا كان خفيفًا فليجعله متوسطًا أو ثقيلًا. كما ينبغي عليه أن يركز على موضوع واحد لفترات طويلة ليعثر عليه.
هناك من يعاني من الأرق ولا يعرف ماذا يفعل. هؤلاء خالون من الحب ويفتقرون إليه. إذا أحبوا، لن يعانوا من النوم، بل سيستمتعون باليقظة ويتحدثون مع معشوقهم.
نقصد بالنوم الليلي حتى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، وبعد ذلك يُعتبر جزءًا من يوم الغد، وليس من يوم النوم. إذا استطاع أحد أن ينام حتى الثانية عشرة ويبقى مستيقظًا بعدها، فقد نال النوم الليلي ووعى اليوم. كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعود سريعًا إلى منزله بعد صلاة العشاء، وأحيانًا لا يصلي الوتر، لأنه كان يريد استغلال الليل حتى الثانية عشرة للنوم والراحة، وبعد منتصف الليل كان يكرس وقته للأعمال السماوية، ويعيش بهذا الشكل ليكون حاملًا للوحي.
من يسهر حتى منتصف الليل يعاني من ضعف في الأعصاب، ومن ينام حتى الظهر، فإن دماغه كالإناء الفخاري الهش. من يطلب المعالي يجب أن يسهر الليالي: «مَن طلب العلى سهر الليالي».
ثقافة القرآن الكريم عن الليل هي البقاء في اليقظة فيه، والنوم استثناء، لذا يقول للنبي صلى الله عليه وآله: «قُمِ اللَّيلَ إِلَّا قَلِيلًا» (المدثر: 2). لم يقل نم إلا قليلًا، بل قال قم إلا قليلًا. إذا أمضى الإنسان الليل مستيقظًا، سيصل بلا شك إلى النجاح ويمكنه أن يجد طريقًا إلى عالم الغيب.
وكما أن من ينام طوال الليل ولا يغوص في عالم الغيب لا يحقق نتائج، فإن من يسهر الليل أيضًا يحقق نتائج. مجرد البقاء مستيقظًا في الليل مثمر، كما هو وارد في الليالي المباركة مثل ليلة القدر، حيث يُستحب البقاء فيها مستيقظًا حتى دون عمل. للأسف، برامج التلفاز طوال الوقت أوقفت نمو الإنسان، فإذا أراد أحد أن يسير في طريق الكمال، يجب أن يبتعد عن مسار عامة الناس ولا يتصرف كسائرهم.
يجب أن نعلم أنه لا وجود للتوقف في العالم، والنوم مهما كان وقته له قيمة. ما يفرق بين الأوقات هو الظروف، الحوادث، الانتباهات، والخصائص. الزمن نفسه واحد، لكنه يتفاوت بالنسبة للناس حسب الظروف.
عن الزمن يجب أن نأخذ جانبين في الاعتبار:
الأول: الأيام والساعات والزمن متساوٍ، وكل لحظة هي يوم الله ومتعلقة بالله سبحانه وتعالى. لا يوجد لحظة لا تعود لله، لكن بسبب الظروف، الخصائص، وقوع الأحداث، يتفوق بعض الأوقات على البعض الآخر. مثلاً، يوم الجمعة في الإسلام هو يوم عيد وله مكانة خاصة. الزمن ذاته ليس مختلفًا، لكن خصائصه ومكانته تختلف.
الزمن مثل الخط في الفلسفة؛ الخط متصل لكن الانحناءات والتقوسات والكسور فيه هي ظروف طارئة عليه.
الزمن مقدار من الحركة، ويختلف باختلاف البشر وخصائصهم وظروفهم. الزمن بحسب الظروف، الحوادث، الآثار، والمكانة يختلف، مثلما يُقال إن أبواب الجنة تفتح في ليالي الجمعة.
بِمَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ أرَادَتْ أَنْ تُرَبِّيَنَا عَلَى أَنْ نُوَجِّهَ اكْتِرَارَ انْتِبَاهِنَا إِلَى الأَمْوَاتِ وَالأَحِبَّةِ وَالسَّابِقِينَ فِي لَيَالِي الجُمُعَةِ، فَيَنْفَتِحُ لَنَا أَبْوَابُ الجَنَّةِ. وَشَهْرُ رَمَضَانَ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ. فَالدِّينُ يُرَبِّي فِي نَفْسِنَا، فَيَكُونُ لِهَذَا الشَّهْرِ مَكانَةٌ وَمَهيبَةٌ عَظِيمَةٌ. إِنَّهُ شَهْرُ البَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ وَالكَمَالَاتِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي. هَذِهِ الأُمُورُ هِيَ مَكَارِمُ وَمَكَانَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ، نَفْسِيَّةٌ، تَرْبَوِيَّةٌ، تَقْلِيدِيَّةٌ، أَخْلَاقِيَّةٌ، عَقْلِيَّةٌ، وَأَحْيَانًا حَقِيقِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي الزَّمَنِ.
وَالْمَكَانُ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَالْقِطْعَةُ الأَرْضِيَّةُ تُكَوِّنُ مَكَانًا بِحُسْبَةِ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ غُرْفَةَ نَوْمٍ، فَيُوضَعُ فِيهَا سَرِيرٌ وَمَلَابِسُ نَظِيفَةٌ، وَقِطْعَةٌ أُخْرَى تَكُونُ مَطْبَخًا أَوْ خِدْمَةً صِحِّيَّةً. وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ أَيُّ اخْتِلَافٍ إِلَّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ السَّطْحِ الأَرْضِيِّ. فِي بِيئَتِنَا الْحَيَوِيَّةِ، هُنَاكَ أَمَاكِنُ الآنَ خَرِيبَةٌ وَقَدْ تَصِيرُ فِي المُسْتَقْبَلِ مَسْجِدًا أَوْ مَكَانَ سُجُودٍ. فِي طِهْرَانَ، كَانَ مَكَانٌ مُنْذُ سِنِينَ مَطْعَمًا وَمَحَلًّا لِلشُّرْبِ وَالصَّخَبِ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْيَوْمَ مَسْجِدًا. وَيُقَالُ: هَذِهِ الأَرْضُ قَدْ نَالَتْ خَيْرًا فِي النِّهَايَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحَوَّلَ مَسْجِدٌ إِلَى مَعْبَدِ أَوْ مَذْبَحٍ لِلأَوْثَانِ، كَمَا حَدَثَ فِي الْهِنْدِ مَسْجِدُ “بَابَرِي” الَّذِي أُحْدِثَ فِيهِ مَذْبَحٌ لِلأَوْثَانِ. وَكَانَ بَيْتُ اللهِ الأَعْظَمُ يَوْمًا مَذْبَحًا لِلأَوْثَانِ، وَالْيَوْمَ أَصْبَحَ مَكَانَ عِبَادَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
هَذِهِ الْمَكَانَاتُ وَالزَّمَنَاتُ تَكْتَسِبُ مَكَارِمَ وَخَصَائِصَ اعْتِبَارِيَّةً، عَقْلِيَّةً، تَقْلِيدِيَّةً، أَخْلَاقِيَّةً، اِجْتِمَاعِيَّةً، نَفْسِيَّةً، رُوحِيَّةً وَنَفْسِيَّةً، تَمْنَحُهَا الشَّرَفَ وَالْمَنَزِلَةَ. فِي الآيَةِ الشَّرِيفَةِ: “كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”، إِنْ رَدَدْتَ الضَّمِيرَ “هُوَ” إِلَى “يَوْمٍ”، فَهُوَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ شَأْنُهُ، وَإِنْ رَدَدْتَهُ إِلَى اللهِ فَإِنَّهُ فِي شَأْنٍ مَعْنَوِيٍّ.
لِلزَّمَنِ حِسْبَتَانِ: حِسْبَةٌ نَفْسِيَّةٌ تُعَدُّ مِنْهَا جَمِيعُ الأَيَّامِ سَوَاءً، حَيْثُ إِنَّ كُلَّ كَمٍّ هُوَ غَيْرُ قَارٍّ لِذَاتِهِ. وَحِسْبَةٌ أُخْرَى تَسْتَنِدُ إِلَى خَصَائِصٍ وَعَوارِضَ مُحَدَّدَةٍ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَالْكُوفَةُ لِلإِمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقُمُّ لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَالْكَعْبَةُ وَمَكَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رِي، سَاوَةَ وَقَزْوِينَ مَكَانَةٌ شُؤْمٌ، لِأَنَّ الإِمَامَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُتِلَ فِيهَا. وَكَانَ بَعْضُ الأَعْظَمِ وَالْعُلَمَاءِ عِنْدَ رِحْلَتِهِم مِنْ قُمَّ إِلَى طِهْرَانَ يَسْتَعْجِلُونَ الْعُبُورَ عَلَى رِي، وَلاَ يُرِيدُونَ الْمُقَامَةَ فِيهَا. وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ تُرَابَ رِي قَدْ تَعَامَلَ بِهِ عَلَى الإِمَامِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ عُمَرَ سَعْدَ اللَّعِينَ خَاضَ بِسَبَبِ هَذَا التُّرَابِ حَرْبًا ضِدَّهُ. وَمَعَ ذَلِكَ، يَجِبُ قَوْلُ إِنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ هَكَذَا، وَأَنَّ التُّرَابَ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ. وَفِي رِوَايَةٍ يُقَالُ: “لَوْ زُرْتَ قَبْرَ عَبْدِ الْعَظِيمِ عِنْدَكُمْ لَكُنْتَ كَمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ”، أَوْ “كَمَنْ زَارَ اللهَ فِي عَرْشِهِ”، وَمَعْنَاهُ أَنَّ رِي تَصْبَحُ مِنْ جِهَةٍ “عَرْشَ اللهِ”.
وَإِنَّ رِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَصْبَحُ مَكَانَةً شُؤْمًا، وَمِنْ جِهَةٍ تَالِيَةً، مِثْلَ مَنْ زَارَ الإِمَامَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَيَجِبُ أَنْ يَزُورَ الإِنْسَانُ هَذَا التُّرَابَ. وَبِهَذَا تَخْتَلِفُ الْمَكَارِمُ وَيَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُرَاعِيَ أَيَّ مَكَانَةٍ يَدْخُلُهَا أَوْ يَخْرُجُ مِنْهَا.
وَبَيْنَ الْأَزْمِنَةِ، بَيْنَ الطُّلُوعَيْنِ لِلشَّمْسِ حِسْبَةٌ خَاصَّةٌ، فَالْيَقَظَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ تُسَاعِدُ عَلَى اسْتِفَادَةِ الْهَوَاءِ النَّقِيِّ وَالنَّشِيطِ. وَبَيْنَ الطُّلُوعَيْنِ تُعَدُّ زَهْرَةَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ. وَهُوَاءُهَا صَحِيحٌ وَبَارِدٌ، وَزَمَنٌ تَتَزَاحَمُ فِيهِ رَوَائِحُ الْهَوَاءِ. فَمَنْ كَانَ يَقِظًا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَاسْتَنَفَسَ هَذَا الْهَوَاءَ بِحِكْمَةٍ، يَفْتَحُ مَشَاعِرَهُ وَيُنَبِّهُ أَعْصَابَهُ. وَمَنْ كَانَ نَائِمًا، فَإِنَّ الدُّنْيَا تَصِيرُ لَهُ مُرْبَكَةً وَلاَ يَرَى فِيهَا خَيْرًا.
خُلاَصَةُ الْمَنَالِ أَنَّ الزَّمَنَ وَالْمَكَانَ لَهُمَا حِسْبَتَانِ: الأُولَى هِيَ أَصْلُهُمَا، وَعَلَيْهَا لَا يَخْتَلِفُ أَيُّ زَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ. وَالثَّانِيَةُ هِيَ الْخَصَائِصُ وَالْمُصَاحِبَاتُ الَّتِي تُعْطِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَمِثَالٌ عَلَى ذَلِكَ، إِنْ أَكَلَ شَخْصٌ عَشَاءً ثَقِيلًا وَنَامَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً، يُصْبِحُ مَعِدُهُ بِحَالَةٍ سَيِّئَةٍ تُشْبِهُ الْمُزْبَلَةَ، وَتَصْعَدُ أَبْخَرَاتُهَا إِلَى دِمَاغِهِ، فَيُصِيبُهُ تَلَهُّجٌ وَانْتِفَاضَاتٌ، وَيَرَى أَحْلَامًا مُخِيفَةً. وَفِي نَفْسِ اللَّيْلَةِ، فَإِنَّ شَخْصًا آخَرَ يُنَوِّمُ نَفْسَهُ بِتَدَبُّرٍ وَقِرَاءَةِ سُورَةِ “يَسْ” أَوْ “أَمَنَ يُجِيبُ” قَبْلَ النَّوْمِ، فَيَرَى أَحْلَامًا جَمِيلَةً. وَيُمْكِنُ أَنْ يَمْضِي شَخْصٌ آخَرُ اللَّيْلَةَ بِالتَّسَفُّحِ وَاللَّغْوِ وَمُشَاهَدَةِ الْأَفْلَامِ وَالدَّرْدَشَةِ عَلَى الإِنْتَرْنِتِ، وَيَسْهَرُ حَتَّى قُرُبِ الصَّبَاحِ، فَيَرَى أَحْلَامًا سَيِّئَةً. وَإِنْ نَامَ فِي مَكَانٍ فِيهِ رِمَالٌ أَوْ أَشْوَاكٌ أَوْ نَمْلٌ أَوْ صَرَصِيرٌ أَوْ رُطُوبَةٌ، فَسَيَرَى أَحْلَامًا سَيِّئَةً. وَكُلُّ هَذِهِ الأَحْلَامِ وَتَأْوِيلَاتِهَا تَبْنِي عَلَى الْمَكَارِمِ الَّتِي نَصْنَعُهَا أَوْ تُنْشِئُهَا الدِّينُ وَالتَّقْلِيدُ.
وَالْمَكَارِمُ تُعْطِي لِلزَّمَنِ وَالْمَكَانِ قِيَمًا وَتُغَيِّرُ خَصَائِصَهُمَا. وَبَعْضُهَا اعْتِبَارِيٌّ وَبَعْضُهَا حَقِيقِيٌّ. وَمِنْهَا مَا هُوَ دِينِيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ طَبِيعِيٌّ. وَإِنْ اسْتَطَاعَ الإِنْسَانُ فِي مَوْضُوعِ الْحُلْمِ وَالرُّؤْيَا أَنْ يُخَفِّفَ الْمُصَاعِبَ، فَكُلُّ مَنَامٍ يَرَاهُ يَكُونُ صَحِيحًا وَذُو تَعْبِيرٍ. وَإِلَّا فَإِنَّ مَنَامَهُ يَكُونُ شِيطَانِيًّا حَتَّى فِي وَقْتِ السَّحَرِ.
وَإِذَا كَانَ لِلشَّخْصِ مَوْقِعٌ وَحِسْبَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنْ نَامَ ظُهْرًا، فَهُوَ كَأَنَّهُ نَامَ فِي الصَّبَاحِ. وَإِنْ نَامَ فِي مَكَانٍ فِيهِ نَمْلٌ أَوْ أَشْوَاكٌ أَوْ صَرَصِيرٌ أَوْ رُطُوبَةٌ، فَإِنَّ نَوْمَهُ فِي السَّحَرِ يُشْبِهُ نَوْمَةَ اللَّيْلِ الْمُبَكِّرِ، وَيَرَى أَحْلَامًا سَيِّئَةً.
وَفِي النِّهَايَةِ، نُخَصِّصُ كَلَامَنَا لِلْمَجَالِ الْعِلْمِيِّ. يَجِبُ عَلَى مَجَالِينَا الْعِلْمِيَّةِ أَنْ تَسْلُكَ مَنْهَجَ الإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَمَا كَتَبَ الإِمَامُ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عِلْمِيَّةً لِمُفَضَّلٍ، فَتَجِبُ عَلَى مَجَالِينَا أَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً وَتَقْنِيَّةً وَتَتَّخِذَ مَنْهَجًا مِنَ التَّجْرِبَةِ وَالإِثْبَاتِ.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.