صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

منهج السیاسة

نشر في آذر 13, 1404 في

منهج السیاسة

تبیین ۵۱ آیة حول منهجیة السیاسة الإسلامیة

یسعى هذا الکتاب إلى دراسة بعض من أهم الآیات السیاسیة في القرآن الکریم، والتي تعبّر عن مَنشَأ وأهداف ودَعائم دین الإسلام الحنیف. إن السیاسة في الإسلام لیست قسرية ولا تستند إلى الاستبداد، بل هی بحاجة إلى کشفٍ دقیق، وإعادة تَعریف، وهیكلة منهجیة.

البیانات التعریفیة

  • اسم المؤلف: (موالید ۱۳۲۷ هـ ش)
  • العنوان: منهجیة السیاسة: تبیین ۵۱ آیة حول منهجیة السیاسة الإسلامیة / تألیف
  • مكان ودار النشر: إسلام‌شهر: ، ۱۳۹۱ هـ ش
  • عدد الصفحات: ۱۲۶ صفحة
  • مجموعة الأعمال: ۱۶۳
  • رقم الشابک: 978-600-6435-55-8
  • الموضوعات: السیاسة فی القرآن، الإسلام والسیاسة
  • التصنیف: BP104 / س94 ن8 1391
  • الرقم الوطني: 2929258

المقدمة

یناقش هذا الکتاب بعض الآیات السیاسیة القرآنیة ذات الأهمیة البالغة، ویُبرز أن السیاسة فی الإسلام لیست قسرًا أو استبدادًا، بل هی منهجٌ وأسلوبٌ خاصٌ یحتاج إلى فَهمٍ عمیق وإعادة تأویل وإعادة بناء. السیاسة فی الإسلام لا تُعتبر غایةً ذاتیه، بل وسیلةٌ لتطبیق المبادئ والعقائد الدینیة، وینبغی ألّا تخضع العقائد الدینیة للسیاسة، بل العكس هو الصحيح، إذ یجب أن تُسخّر السیاسة لخدمة دین الله.

على عكس السیاسیین الدنیاویین الذين یسعون للبقاء على السلطة بأي ثمن، یتمسک رواد الإسلام بالحقیقة والعقیدة حتی لو ضحّوا بحیاتهم. أما هؤلاء الذین یمکن أن نصفهم بالمصلحین المغرضین، فهم یتناورون ویخونون القیم والحقائق سعیاً للبقاء في السلطة.

یوضح الکتاب أن السیاسة غیر الدینیة تُمارس من قبل أشخاص یفتقرون إلى الفهم العمیق، ویعتمدون على الخداع والخداع السياسي المتطور، یستخدمون وسائل الإعلام والتقنیة لنشر الأكاذیب والتحكم بالمجتمعات.

الکتاب یعرض نموذجًا جدیدًا للسیاسة الإسلامیة المستندة إلى القرآن، ویعترف بصعوبة بناء نظام فقهی سیاسي شیعی قوی خلال عصر الغیبة بسبب العزلة التي عاشها الفقهاء.

الآیة الأولى: انتساب القیادة والحکومة

«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَیْنَا إِلَیهِمْ فِعْلَ الْخَیرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِیتَاءَ الزَّكَاةِ وَکَانُوا لَنَا عَابِدِینَ» (الأنبياء: ۷۳)

معنی الآیة: إن الله تعالى هو الذي یختار القادة السماویین ولا یعطي هذا الحق للبشر، فقیادة الأمة الدینیة لیست انتخابیة بل تنصیبیة، لأن القائد هو الذي یهدی الناس إلى الحق، فلا یجوز أن یختاره الناس أنفسهم. هذا القانون عامٌّ یسري في زمن العصمة وفي زمن الغیبة، حیث یبقى التثبیت الإلهي للقائد قائماً، ویُعطى التثبیت العام لخبراء الشأن الذین یحددون أکفأ الأشخاص وفق المعاییر الشرعیة.

القیادة الدینیة فردیة وليست شورائیة، وخبراء الشأن یقومون بمهمّة کشف القائد وفق المعاییر الشرعیة، ویُبلغون الناس بذلك. الانتخاب الشعبي یعزز السلطة الاجتماعیة للقیادة ویعطیها صبغة رسمیة، ولكنه لا یُغیّر أن القائد مُنصَبٌ من الله تعالى.

القيادة الدينية في الإسلام: التفصيل والتوضيح

القيادة الدينية في الإسلام دائماً ما تكون فردية وليست جماعية أو شورى، إذ إن الخبراء المختصين في الشؤون الدينية لديهم وظيفة الكشف عن القائد الحقيقي بناءً على المعايير الشرعية العامة التي تحدد أهلية الشخص للقيادة، ولا يتولون اختيار القائد بناءً على الأهواء أو المصالح الشخصية.

تتمثل وظيفة هؤلاء الخبراء في تقييم المتقدمين للقيادة ومقارنة قدراتهم ومدى توافر الصفات التي حددها الشرع، ومن ثم الإعلان عن الشخص الذي يستوفي أعلى درجات الكفاءة والموثوقية.

إن انتخابات الجماهير تكتسب أهمية كبيرة في إضفاء الشرعية الاجتماعية والسياسية على القائد الديني، ولكنها ليست المصدر الأساسي لتولي القيادة، إذ إن القائد في جوهره منصب إلهياً.

ومن الممكن أن يكون في زمن معين وجود عدة قادة دينيين شرعيين في مناطق مختلفة دون أن يتعارضوا أو يتداخلوا في نطاق سلطة بعضهم البعض، كما حصل في التاريخ حين تزامن وجود عدة أنبياء في وقت واحد.

التنصيص الإلهي في عهد الغيبة

حتى في زمن الغيبة، حيث يغيب القائد المعصوم، تبقى القيادة الدينية منصبة من الله تعالى ولكن بطريقة عامة، ويُترك الأمر للعلماء والخبراء لتحديد الشخص المؤهل لشغل منصب القيادة بناءً على الصفات الشرعية المحددة.

إن وجود شخص واحد كقائد ديني هو الأصل، مع استثناءات بسيطة، إذ إن القيادة الجماعية أو الشورية ليست نموذجاً إسلامياً أصيلاً في هذا المجال.

القيادة كوسيلة لهداية الأمة

القيادة الدينية ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة لهداية الأمة إلى الخير، وتحقيق العدالة، وتطبيق شرع الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما ورد في الآية الكريمة:

“وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا…”

فالقيادة يجب أن تتسم بالأمانة، والعدل، والصلاح، والاهتمام بمصلحة الأمة على المدى الطويل، وليس المصلحة الشخصية أو الحزبية أو الفئوية.

رفض الاستبداد والتسلط في السياسة الإسلامية

السياسة الإسلامية التي يقوم عليها هذا النموذج الهادئ لا تتفق مع الاستبداد أو الاستغلال السلطوي، بل تعتمد على مبادئ العدالة والحق، وتتطلب الحكمة، والمعرفة، والالتزام بالقيم الدينية، والانضباط الأخلاقي.

لذلك، فإن القادة الحقيقيين في الإسلام لا يطلبون السلطة من أجل السلطة نفسها، ولا يحبونها حباً جموحاً، بل هي مسؤولية ثقيلة تقبلوا حملها حباً لله ورسوله وللأمة.

اختلاف السياسة الإسلامية عن السياسة الدنيوية

يُبرز الكتاب الفرق الجوهري بين السياسة الدينية، التي تُعتبر وسيلة لتنفيذ القيم الدينية، وبين السياسة الدنيوية التي يسيطر عليها حب السلطة، والمصالح الذاتية، والخداع، والتملق، والتي ينتهجها الكثير من السياسيين في العالم المعاصر، ممن لا يمانعون في تغيير الحقائق، وتزوير الدين، وتبرير الانتهاكات لتحقيق مصالحهم الخاصة.

قيادة الدين وهداية الناس

القيادة الدينية والهداية للمجتمع هي منصب إلهي يمنحه الله لمن يشاء، ولا يملك أفراد المجتمع اختيار أو تدخل في ذلك؛ كما قال الله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا»، حيث يُنسب تعيين القادة إلى الله وحده.

وهذا التعيين الإلهي موجود أيضاً في زمن الغيبة عن الإمام المعصوم عليه السلام، لكن شروطه تُذكر بشكل عام ويُترك للناس كشفها عبر مطابقة المعايير مع الأفراد المختارين. وإذا وجد أكثر من مرشح للمنصب، يُختار من يتطابق مع الشروط أكثر، وهذا لا يتعارض مع وجود أكثر من إمام أو ولي غير معصوم في مناطق مختلفة ما داموا لا يتعارضون ويتعاونون فيما بينهم.

المبدأ الثاني: وجود عزيز القيادة

قال تعالى:
«مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يَصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطْئُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (التوبة: 120).

والمراد أن أهل المدينة والبدو المحيطين بهم لا يجوز لهم أن يتخلفوا عن طاعة رسول الله، وأن يفضلوا أرواحهم على روحه، لأنهم لا يصيبهم في سبيل الله تعب أو عطش أو جوع، ولا يخطون خطوة تثير غضب الكفار، ولا يظفرون بغنيمة من العدو إلا كتب لهم عليها عمل صالح، فالله لا يضيع أجر المحسنين.

وهذه الآية تشكل شعاراً للحياة الإسلامية: «نفدي أنفسنا فداءً لزعيمنا».

أساس كل نظام وحكم مرتبط بوجود قائد أول ومشرف على المجتمع، قائد كفؤ ونزيه يوجه الناس إلى السعادة والانتصار، لذا يجب على المواطنين أن يقدروا هذا القائد الغالي ويجلوا نفسه، والله تعالى يكافئ من يضحي في سبيل ذلك ولا يضيع أجرهم.

المبدأ الثالث: العداء للمبتكرين في العلم

قال تعالى:
«وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ» (الشعراء: 5).

لا يقبل الناس عادةً التذكير الجديد من عند الله، ويعرضون عنه، لأنهم معتادون على التقاليد القديمة ويفتخرون بسلفهم، ويرفضون أي جديد إلا إذا كان من الخلف الصالح.

التاريخ يؤكد هذا، فكثير من العلماء كابن سينا والملا صدرا نُكروا في حياتهم وتحملوا الصعاب، لكن بعد موتهم أصبحوا من الخلف الصالحين، وأفكارهم قديمة لكنها مقبولة.

المبدأ الرابع: أصالة الناس في السياسة

قال تعالى:
«إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (القصص: 56).

الرسول يحب أن يوجه كبار الناس والقادة للإسلام ليكونوا سبباً في هداية الجميع، لكن الهداية بيد الله وحده، وهو أعلم بمن يستحقها.

الحكومة الإسلامية يجب أن تراعي الناس كأفراد وعائلات، وتتعامل معهم برحمة، فلا ينبغي أن تتصلب في مواجهة الناس بسبب أخطاء بسيطة، بل تتحلى بالصبر والتسامح.

المبدأ الخامس: أصالة المحبة والحرية في الحكام

قال تعالى:
«وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ» (التوبة: 59).

الحكم الإسلامي يجب أن يقوم على المحبة والرعاية، لا على القمع والتنكيل، ليشعر الناس بالأمان وتزداد محبتهم لله ودينه، ويصبح شعارهم «إنا إلى الله راغبون».

الحكومة التي تهيمن على قلوب الناس بالمحبة والحرية تؤدي إلى صلاح المجتمع ونجاحه، فلا ينبغي أن تكون ضد الناس، بل تراعي مصالحهم وتسامحهم في كل وقت.

المبدأ السادس: اتساع الأمور المباحة وحرية التصرف

قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[المائدة: 4].

يُسألك الناس عمّا أحلّ لهم، فتجيبهم بأن الطيبات كلها قد أُجيزت لهم، وكذلك الصيد من الحيوانات التي تُدرَّبونها، كما علّمكم الله، فتأكلون ممّا أمسكته تلك الحيوانات لكم، مع ذكر اسم الله عليه، ومراعاة التقوى منه، لأن الله سريع الحساب.

يبدو أنَّ الناس قد فاض بهم الصبر، فسألوا عن ما هو مباح لهم، وهذا أمر يلحظه علماء الاجتماع؛ فعندما تكثر المحظورات، ينفر الناس. ولا ينبغي في دين اجتماعي أن تطغى المحظورات على المباحات، إذ يمل الناس ويئسون إذا طال الحظر. فالله تعالى يطمئنهم ويبيّن أن ما أحلّه واسع وطاهر، وأن المحظورات قليلة ومبررة بنقاء الدين وطهارته.

المبدأ السابع: النأي بالدين عن التشدد والتقييد المفرط

قال تعالى:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ۖ قُلْ أَأَلَّلَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾[يونس: 59].

قل لهم أخبروني لماذا جعلتم بعض ما أنزل الله لكم من الرزق حرامًا، وبعضه حلالًا؟ هل أذن الله لكم بذلك أم أنتم تفترون على الله الكذب؟

تتمثل البركة والطهارة في الرزق إذا أُخذ من مصادره الشرعية، وإن التحريم بدون سبب هو ناتج عن ضيق الأفق وضعف البصيرة، ما يؤدي إلى تشويه الدين وإلحاق الضرر بالمجتمع. الله سبحانه يوبّخ من يفرضون المحظورات على غير حق، ويذكر أن هذه النظرة الضيقة سبب مشكلات اجتماعية وفكرية.

لذا، فإن النظام الإسلامي لا يستطيع أن يستمر إلا إذا حافظ على ثقافة دينية خالية من هذه التشويهات، التي أسميناها «الزينة» أو التزيين السلبي للدين.

المبدأ الثامن: أصالة الحرية والاتساع في الدين

قال تعالى:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾[المؤمنون: 7].

أي من تجاوز حدود الحلال المبيّنة فهو من المعتدين.

يُبيّن الله تعالى أن الأمور المباحة واسعة وشاملة، والمحرّمات قليلة ومحصورة، وأن ثقافة الدين ثقافة حرية لا تقيد إلا حيث الضرورة تستدعي ذلك. خلق الله الإنسان ليس ليحاصره في قيود، بل ليمنحه الحرية ضمن حدود مدروسة بعلم وحكمة.

الدين ليس مجموعة من الأوامر والنواهي الجافة، بل هو نظام حكيم يفتح أبواب الخير واليسر، ويجنب الناس التعسف والتشدد.

هذا الحرية ليست تعسفية بل مستمدة من شرع الله، فلا يجوز اختراع تحريمات لا أساس لها، لأن ذلك يؤدي إلى التشويه والابتعاد عن جوهر الدين.

المبدأ التاسع: تصميم نموذج تعايش سلمي بين مختلف الفئات

قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[الحجرات: 13].

سورة الحج، الآية 17 (35)

النص القرآني:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

البيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآية جميع الأمم والأديان، من المؤمنين الشيعة والمسلمين واليهود والصابئين والنصارى والمجوس وغيرهم، تحت تعبير «وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» ليؤكد الشمولية والجامعية في الحكم الإلهي يوم القيامة. ويشكل هذا النموذج أحد الأسس المهمة لحكم الدولة الإسلامية، إذ يجب أن يتصف خليفة الله بالنزول من هذا الشمول والامتداد إلى مرتبة تنفيذية.

في بلد يقترب عدد سكانه من مئة مليون نسمة، من المستحيل توحيد الأفراد جميعًا على دين واحد أو مذهب واحد أو نمط سلوكي واحد، فالمجتمع يحتوي على نسبة لا يمكن إنكارها من الأشخاص غير المؤمنين، الذين يتصارعون باستمرار مع المؤمنين. في عهود الطغيان كان المؤمنون هم الطبقة السفلى، أما اليوم فقد تراجع دور غير المؤمنين. لذلك، يجب على الحكام والمخططين الاجتماعيين أن يتمكنوا من هندسة المجتمع بحيث يعيش جميع التوجهات والأديان والمذاهب بسلام دون أن يحاول أحدهم الإطاحة بالآخر.

إن غياب الحرية يؤدي حتماً إلى الانقلابات، لأن كل فرد يعتقد أن الظروف لا تصب في مصلحته فيسعى إلى التغيير بالقوة. ولذلك، تواجه الأنظمة الاستبدادية مخاطر الانقلاب بصورة أكبر.

ينبغي وضع نموذج للحكم يسمح للمئة مليون نسمة بالعيش في بيوتهم وأوطانهم دون أن يقعوا في عداوة أو يحطموا جدران وطنهم، بحيث تسود الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الخاصة للآخرين.

في الثقافة الدينية، يجب أن يكون هناك “صمام أمان” يُتيح للفرد أن يُفرغ ما في داخله دون أن يُقدم على الإطاحة بالنظام، كالمصهر الحراري في سخان الماء الذي يسمح بخروج الفائض دون الانفجار.

هذا الصمام هو الذي يحفظ كرامة الأفراد ويكفل لهم الحرية، وعليه يجب أن تكون الهياكل الاجتماعية مصممة بحيث تسمح بتفريغ الطاقات دون تصادم وانفجار. وهذا يتطلب مهندسين اجتماعيين على دراية كاملة بمبادئ الحكم الديني.

من لا يمتلك صمام أمان، يلجأ إلى الثورة. مثلاً، مدمن الخمر قد يشرب في خصوصية منزله، فلا تمنعه الحكومة ما دامت لا تؤثر على المجتمع الخارجي. وجود هذه الحماية في الخصوصية يشجعه على الحذر في الأماكن العامة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويبعد الاستبداد.

مائدة، الآية 48 (39)

النص القرآني:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِيَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

البيان:
أمر الله تعالى النبي محمد صلى الله عليه وآله ألا يتبع أهواء الناس، فلا يخضع للكلام المزاجي أو المصالح الشخصية للنفوذين، لأن ذلك ينزع العدالة من القاضي أو العالم.

خلق الله البشر مختلفين: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”، وعلى الحكم الإسلامي قبول هذه الاختلافات وعدم فرض نمط موحد، لأن ذلك يؤدي إلى الاستبداد وينقلب على الدين ذاته.

شعار “إما معنا أو ضدنا” هو من مظاهر العنف، ويجعل حتى غير المؤمنين يتظاهرون بالالتزام الديني لأسباب مصلحية.

الاختلاف بين الناس ضروري ليتنافسوا في الخير، وهذا هو الهدف من الاختبار الإلهي.

الأنعام، الآية 125 (41)

النص القرآني:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيَكْفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

البيان:
هذا الوعد خاص بالمؤمنين المتقين الذين يحبهم الله ويتسامح معهم، ويغفر لهم أخطاءهم، ويعاملهم برحمة وتسهيل، ولا يحاسبهم في كثير من الذنوب.

هذه القاعدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل القضاء لتطبيق العدالة مع مراعاة الظرف والمكانة، مع تجنب استغلالها لتبرير جرائم كـ “اللصوص الموقرين”.

الآيات المتعلقة بالجنس والزنا ووجوب التيسير

ذكر القرآن ضرورة توفر الوسائل الحلال كالزواج الدائم والمؤقت والجواري، لضبط النفس وتلبية الحاجات الإنسانية.

في الحساب يوم القيامة، يؤخذ بعين الاعتبار توافر الإمكانيات لدى المذنب، فمَن لم تتوفر له الظروف الحلال يعذر ويخفف عنه.

هذا المبدأ يجب أن ينعكس في تطبيق الحدود، فلا يجوز فرضها ما لم تتوفر الحد الأدنى من الإمكانيات الاجتماعية، وإلا فالتطبيق يعتبر ظلمًا وجورًا.

الباب الرابع والأربعون

مبدأ (13): رجال الإدارة الأكفاء

﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (الأنبياء: 82)

الشرح:
يقول الله تعالى إن سليمان عليه السلام بسلطانه وقوته كان يسيطر على الشياطين الجن الذين كانوا يغوصون في أعماق البحار ويعملون له أعمالًا مختلفة، ولم يسرقوا شيئًا مما يجدونه، لأنهم تحت مراقبة الله وحفظه لهم. إن طاعتهم كانت نتيجة لهيبة وقوة سليمان عليه السلام. العلم والقوة يجلبان السلامة، ومن المنطقي استحالة الجمع بين الجهل والضعف من جهة، والسلامة والنقاء من جهة أخرى.

المجتمعات التي تكون قوية ومتجذرة في الروحانية والقيم الأخلاقية تميل الشر فيها إلى الخير.

سليمان عليه السلام، بقوته ومعنويته، سيطر على الشياطين واستخدمهم في الأعمال المفيدة، كما كان يوازن بين أضداد الأمور بقوته، وهو الذي يملك الريح ويفهم لغة الحيوانات ويمتلك الطيور، فاستطاع أن يوظف الشياطين في خدمته.

في كل مجتمع، إذا ضعف مركز السلطة، يعتري بعض مناطقه الفوضى، لكن مع وجود سلطة مركزية قوية ومحبّة، تسود طاعة الناس. العلم والقوة يجلبان الأمن والصلابة والنقاء، في حين أن الجهل والضعف يجلبان الذل والفساد.

عندما يكون المسؤولون غير أكفاء وضعفاء، يزداد الفساد في المجتمع. أما إذا كان لديهم القدرة على تلبية حاجات الناس بطرق صحيحة ومشروعة، فلا سبب للتمرد أو العصيان.

السيادة التي تحافظ على الحقوق وتمنع السرقة العارمة وتكفل للفقراء حقوقهم تحل العديد من مشاكل المجتمع.

الشياطين في عصر سليمان كانوا مطيعين له لأنه كان يزودهم بما يحتاجون، وكذلك طائر الهدهد كان في خدمته مستمرًا، ما يدل على أن الطاعة تأتي من تلبية الاحتياجات.

عندما يكون الناس ممتلئين وحاصلين على حاجاتهم، يكونون مطيعين. يجب كشف اللصوص ذوي الهيبة وسلب حقوق الفقراء منهم، وإلا لن يحل المجتمع مشاكله.

سليمان عليه السلام كان يضمن للشياطين والجن والطير حاجاتهم، فكانوا يطيعونه كما يطيع المحب لله، كما كان كل نبي يطيع أمر الله.

عند ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) حين يكون زمان القوة والسلطة، لن يبقى محتاج في الأرض، ويغمر الأمن جميع القلوب. من لديه طعام كاف لا يطمع في المال الملقى على الأرض، لكن الفقير الجائع يأخذه ليخفف من جوعه.

المؤلف يروي تجربته في جزيرة كيش حيث لاحظ فسادًا وغيابًا للآداب بسبب نقص الخدمات. نصح ببناء دورات مياه قبل بناء مساجد، لأن نقص المرافق يؤثر على أخلاق الناس.

في بندر الإمام، نصح الناس بتقديم التسهيلات للعمال حتى يستطيعوا الصيام، لأن الصيام في ظروف صعبة بدونه دعم يصبح عبئًا على العامل.

إذا وفرت الدولة الإسلامية للناس الخدمات والتسهيلات، سيحظى دعمهم وحبهم. في ذلك الزمان كان المؤلف يوزع الطعام وكان الناس ملتزمين ومتعاونين، وفرض عليهم مراقبة الأمن لمنع السرقة.

الفقر والحاجة هما سببان رئيسيان للسرقة وفقدان الأمن. يجب أن تستثمر الأمة الإسلامية أموالها أولًا في توفير الحاجات الأساسية ثم في البنى التحتية لتحقيق نتائج طويلة الأمد.

الباب الخامس والأربعون

مبدأ (14): السلطة والروحانية

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: 26)

الشرح:
الولاية والحكم لا يتحققان بدون قوة روحية ومادية.

الله تعالى جعل داوود عليه السلام خليفة في الأرض لأنه كان قويًا وتائبًا. الأنبياء منحهم الله قوة المعجزات وبفضل الروحانية وهذه القوة كانوا أهلًا للولاية على الناس. الله لا يختار الإنسان الضعيف أو المتردد للنبوة.

من يدعي أنه وارث الأنبياء يجب أن يمتلك الروحانية والقوة والكرامة، سواء كانت علمية أو عملية.

اتباع بشر عاديين لا يملكوا فضائل روحية لا يجوز، فالحاكم الإسلامي يجب أن يكون أفضل من الناس العاديين روحيًا وعلميًا حتى تكون طاعته واجبة، وإلا سيكون ذلك استعبادًا.

الله خلق الإنسان حرًا، والقاعدة الأصلية هي عدم الطاعة للآخرين إلا لمن له حجة واضحة من الله، ومن يعصي هذا يحق له العذاب في الآخرة.

الباب السادس والأربعون

مبدأ (15): العدالة الاجتماعية، الإيثار والتسامح

﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274)

الشرح:
تتحدث هذه الآية عن الإنفاق في الليل والنهار، سرًّا وعلانية، وتؤكد أن ثوابه محفوظ عند الله، ولا خوف ولا حزن على المنفقين.

الإنفاق فعل حسن بغض النظر عن مكان وزمان وأسباب الإنفاق، وله أجر دائم. ليس شرطًا أن يكون العمل لله فقط ليكون ذا قيمة، بل حتى إنفاق المال لإطعام الجائع أو مساعدة المحتاجين يحمل قيمة فعلية.

المجتمع لا يمكن إدارته بدون أعمال الخير والتضحية من الأفراد.

علم الاجتماع الإسلامي يرى أن من أدوات إدارة المجتمع الناجحة هي: «العدالة الاجتماعية» و«الإيثار» و«التسامح».

تنظرُ المجتمعاتُ إلى أفرادها بعين المساواة، وتوزعُ المواردَ والفرصَ بينهم بعدلٍ وإنصاف. ومن الطبيعي أن يعاني المجتمعُ دومًا من وجود قلةٍ من الأشرار الذين يعطلون سيرَ التوزيع السليم والعادل للمرافق الحكومية ومالِ العام. ولا يعني هذا أن يكون نظامُ توزيعِ الموارد مئة بالمئة عادلًا، بل يظلُّ الفقراء والمحرومون هم الأكثر ضعفًا في هذه المعادلة. ولا يمكن تعويضُ هذا الضعف إلا بتضحياتِ وخيراتِ الصالحين من أبناء المجتمع. فهؤلاء الصالحون هم الذين يستطيعون سدَّ ثغراتِ الجرائم النظامية المعقدة لللصوص المحتالين، الذين لا يترددون في السلب حتى من حقِّ الفقراء بالريالِ الواحد. فعدالةُ المجتمع في ظلِّ تضحياتِ هؤلاء هي التي تخلق بيئةً مثاليةً يظهر فيها العدلُ بوضوح، وإلا كان العدل ضعيفًا وخاليًا من الحيوية، لا يشعر به الفقراء ولا يحسُّون ببرودته. أما الطبقةُ المتوسطةُ في المجتمع، فهي منشغلة بحياتها، لا هي ضعيفة تحتاج المساعدة المالية، ولا هي متصدقة تتصدق بجزءٍ من مالها، ولا هي مرتكبةٌ للجرائم. فقط أهلُ التضحيات هم من يعوضون النقصَ الناتج عن جرائمِ المحترفين الآثمين.

دائمًا في المجتمع هناك أفرادٌ يفتقرون إلى ما يكفيهم من مصاريف الحياة، واعتقاد بناء مجتمعٍ لا ينام فيه أحدٌ جائعًا، هو اعتقادٌ خاطئٌ من أساسه، لأن الاحتياجات كثيرةٌ ومتجددةٌ ولا يمكن توقعها كلها. لذلك، لا يمكن معالجةُ هذه المشكلات والتعويض عنها إلا بتضحياتِ وكرمِ من يعيشون في مستوىٍ مادي عالٍ وقادرين على سدِّ احتياجاتِ المحتاجين.

الشريعة، بالرغم من توفر مصادر مالية كالخمس والزكاة والأنفال، إلا أنها تُقدِّرُ الإنفاقَ برحمةٍ عظيمة، ولا تضع له حدًا أدنى، حتى يظهر أهلُ التضحيات. فالواجبات الدينية كالصلوات والصيام لكل منها حدٌ معين لا يُقبلُ بأقل منه، على عكس الإنفاق الذي يُقبل بأي صورة كان. الصلاة بدون استيفاء أركانها وشروطها باطلة، لكن الإنفاق حتى وإن كان من كافرٍ فهو مقبول.

آیین «16»: إخوان الإيمان

﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فهم إخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون.

بيان: المشركون الذين عاشوا في الكفر وعذبوا المسلمين لسنين طويلة، إن تابوا صاروا في صفوف المسلمين الأوائل، كأنهم آمنوا منذ البداية. الله يعتبرهم إخوانًا في الدين، لا في الجبهة أو الحي. قد يتوب الكافر في لحظة ويتغير روحه وأفعاله أكثر من كثير من الصالحين.

والقرآن يأمر بقتل المشركين المعاندين «أئمة الكفر»، ولكن المشركين الذين يلجأون للإسلام يُعتبرون مسلمين بإرثٍ عريق. فهل يستطيع بعض الناس أن يقبلوا هذا؟ الإسلام لا يصنف الناس حسب ماضيهم المشرك، ولكن هل يتبع المسلمون هذا؟ البعض لا يعترف بالتوبة ويعاملهم كأعداء دائمين، بينما الإسلام يعتبرهم إخوانًا بمجرد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

التصرفات الشخصية في بعض الأجهزة الحكومية التي تمزج الاستكبار وقوانين غير دينية، ليست من دين الله، بل خليطٌ من سُلطانٍ وثقافة فردية. الدين هو القرآن بصفحاته الممتلئة بالرفق والود. الله يجعل من توبة المشرك قاتلٍ للمسلمين أخًا في الدين، ويقاتل فقط أئمة الكفر الذين يعيثون فسادًا.

آیین «17»: الثقة والإيمان بالمؤمنين

﴿وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۖ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ۖ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ۖ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

ومنهم من يؤذي النبي ويقول عنه إنه سمعٌ فقط. قل له: إنه أذنٌ خيرٌ لكم، يؤمن بالله ويؤمن بالمؤمنين، وهو رحمة للمؤمنين منكم. ومن يؤذي رسول الله فله عذاب أليم.

بيان: النبي يؤمن بالله وبالمؤمنين، كالمعلم الذي يثق بتلميذه. الحاكم الإسلامي ينبغي أن يثق بمؤمني شعبه.

آیین «18»: القدرة على الردع

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ورباطِ الخيلِ لترهبوا به أعداء الله وأعداءكم والآخرين الذين لا تعلمونهم والله يعلمهم. وما تنفقوه في سبيل الله يُرد إليكم ولن تُظلموا.

بيان: الآية تتحدث عن زمن السلم، وتتطلب استعدادًا وقوةً للردع. على المسلمين تجهيز أنفسهم بكل الوسائل المتاحة، ليس للحرب وإنما لردع الأعداء وتأمين المجتمع. الأمن لا يتحقق إلا بقوةٍ تمكن من منع الاعتداء.

حتى امتلاك الأسلحة المتطورة كالأسلحة النووية مبررٌ في الإسلام إذا كان لغرض الردع لا الاستخدام الفعلي. القوي يردع الأعداء، والضعيف يصبح هدفًا لهم. إذا ضعفت الأمة، يظهر أعداؤها ويكثرون. المسلم لا يجب أن يبرر الضعف باسم الصبر والتوكل.

الفقرة (19): القوة وتشكيل جبهة مقاومة الاستكبار

﴿وَإِذْ یعِدُكمُ اللَّهُ إِحْدَی الطَّائِفَتَینِ أَنَّهَا لَکمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَیرَ ذَاتِ الشَّوْکةِ تَکونُ لَکمْ وَیرِیدُ اللَّهُ أَنْ یحِقَّ الْحَقَّ بِکلِمَاتِهِ وَیقْطَعَ دَابِرَ الْکافِرِینَ﴾(الأنفال: 7)

تذكروا حين وعدكم الله إحدى الطائفتين لتكون لكم، وأنتم تفضلون التي لا تحمل السلاح، لكن الله يريد أن يثبت الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين.

التفسير: حسب هذا الآية المباركة، القوة هي التي تجلب الهيبة والعظمة لا المال. فإذا كان للمسلمين قوة وعزة، فإنهم يمتلكون الدنيا، أما المال بدون قوة فيؤدي إلى الذل والهوان، كما هو الحال اليوم حيث يمتلك المسلمون نفط العالم لكنهم مهانون تحت ظل قوى الاستكبار.

اختار الله في هذه الآية مواجهة العدو المسلح على كاروان التجارة، ويريد هزيمتهم. واليوم، لا بد للمسلمين من تشكيل جبهة موحدة في البلدان المتصارعة وتجهيز القوات وتجميع القوى.

الفقرة (20): إدارة وقيادة الحرب

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَی وَلِیَبْلِیَ الْمُؤْمِنِینَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمٌ﴾(الأنفال: 17)

البيان: هذه الآية تؤكد أن النصر من عند الله، فهو الذي يقتل الأعداء بيده. إن الله هو السبب المباشر للانتصار، وليس السببية الطبيعية فقط.

الله ينسب قتل الكافرين إلى نفسه، لكنه ينسب للرَّسول فقط رمي السهام، لأن الرسول كان قائدًا يدير الحرب وليس مقاتلاً مباشرًا في كل الميادين.

الإدارة أسمى وأصعب من التنفيذ، فلا يلزم أن يكون القائد في الخط الأمامي، فحضوره هناك ليس دليلاً على الإيمان، بل قد يدل على ضعف القيادة أو الجبهات.

الفقرة (21): تعليم الصبر وجمع القوة للجنود

﴿يَا أَیُّهَا النَّبِیُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِینَ عَلَى الْقِتَالِ إِن یَکُن مِنکمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ یَغْلِبُوا مِأَتَینِ وَإِن یَکُن مِنکمْ مِأَةٌ یَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِینَ کَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَفْقَهُونَ﴾(الأنفال: 65)

الشرح: الآية تتحدث عن القوة المضاعفة للمؤمنين الصابرين، حيث الصبر يجمع قواهم ويزيد من قدرتهم بشكل كبير، بعكس الكفار الذين يفتقرون إلى الصبر والقوة.

“الاستجماع” هو مصطلح يعبّر عن جمع الطاقة والتركيز الناتج عن الصبر، وهو سبب قوة المؤمنين.

الفقرة (22): القوة الغيبية للمؤمنين

﴿أَلَا الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِیکُمْ ضَعْفًا فَإِن یکُن مِنکمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ یَغْلِبُوا مِئَتَینِ وَإِن یکُن مِنکمْ أَلْفٌ یَغْلِبُوا أَلْفَیْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِینَ﴾(الأنفال: 66)

التفسير: الله يخفف عن المؤمنين الضعفاء، ويوعدهم بنصر مضاعف إذا صبروا، حيث يمنحهم من قوته الغيبية ويضاعف طاقاتهم بإذنه، والله مع الصابرين.

الفقرة (23): وجوب الحضور الفعال في الميدان

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِینَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَیْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَیهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَیهِ ثُمَّ تَابَ عَلَیهِمْ لِیَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ﴾(التوبة: 118)

الشرح: الإسلام يعاقب بشدة المتخلفين عن الجهاد، حتى يشعروا بضيق الأرض والذات، فيعودون إلى الله بالتوبة.

هذا ليس استبدادًا، بل حفاظًا على النظام الاجتماعي، حيث المشاركة في الدفاع عن المجتمع واجب اجتماعي يشبه دفع الضرائب أو تقديم الجهد.

الموظفون ملزمون بالحفاظ على شؤون المجتمع الإسلامي، ويعدّ المشاركة في الحرب والبذل المالي من هذه الشؤون العامة. فبذل المال للإخوة سببٌ في ازدهار الاقتصاد، وله أثرٌ على الفرد المتصدق بأن لا يصبح محتاجًا أو معتمدًا على الآخرين، على عكس من لا يملك عطاءً، فقد يكون ذا مال ولكنه يظل محتاجًا إلى هذا وذاك.

الأصل الرابع والعشرون: الحرب حتى النصر

{فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35].

التفسير: لا ينبغي للمؤمن في هذه الدنيا أن يضعف أو يستسلم أمام المصاعب والمحن التي تأتيه من أعدائه، ولا يجب عليه أن يقترح السلام أو التفاوض في حالة الحرب، بل عليه أن يصمد بشجاعة ويقاوم حتى ينتصر، كما كان شعار الحرب: “الحرب حتى النصر”. ولكن، وبسبب غياب القادة الشجعان والمقاومين الذين يمتلكون القدرة على شن هجمات متواصلة على السفن الأمريكية، اضطر السيد الخميني إلى مراجعة موقفه وقبول ما سماه “كأس السمّ” للصلح والمصالحة. لو أن القادة في ذلك الوقت تصرفوا كما قال، لما كانت أجهزة الطاقة النووية اليوم تخضع للتفتيش بذريعة القنبلة النووية، ولما تعرض شعبنا للإهانة.

ولو كان لديه سبعون رجلًا مثل الشهيد چمران وأصدقاءً مخلصين مثل رجائي الذين كانوا يتبعونه بإخلاص وتواضع، لكان نتيجة الحرب مختلفة تمامًا رغم نقص الإمكانات والعقوبات.

على كل حال، في ميدان الحرب، لا يجوز الحديث عن السلام أو الصلح، بل يجب القتال فقط. الحرب دائمًا هي الخيار الأخير، وإذا ما اضطر الأمر إليها، فلا ينبغي الحديث عن السلام، بل يجب الصمود والقتال بشجاعة حتى الوصول إلى إحدى النتيجتين الحميدتين: النصر أو الشهادة.

الأصل الخامس والعشرون: مائدة المفاوضات مع الكفار

{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].

التفسير: إذا ما مال الكفار الحربيون إلى السلام والمصالحة، فيجوز للمسلمين قبول السلام. من الطبيعي أن الكافر الحربي القوي لا يقبل المفاوضة، والكفار الذين يرضون بها يكونون قد ضعُفوا وفقدوا القدرة. الله يأمر بالتوكل عليه في هذه الحالة، وهو بمعنى تقوية النفس والاحتفاظ بقوة الردع. يجب التفاوض معهم دون أن نكشف عن نوايانا في تجديد القوة، ومن دون اتهامهم، مع السعي لتعزيز قوتنا لضمان بقائهم ضعفاء والحفاظ على المعادلة الراهنة. التوكل هنا لا يعني ترك الكفار لحالهم، بل الاعتماد على الله في مدّ العون والقوة. قال تعالى: {وَإِنْ يَرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]، أي أن الله كافيك، وهو الذي يؤيدك بنصره والمؤمنين.

الأصل السادس والعشرون: أمن الباحثين والمحققين الثقافيين

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6].

التفسير: يأمر الله بحماية حياة المشركين الذين يلتمسون الملجأ من أجل سماع آيات القرآن، ويجب إيصالهم إلى مكان آمن حتى لا يتعرضوا للأذى أو التوتر النفسي من المؤمنين الجاهلين. هذه الآية تعكس روح الإسلام الرحيمة التي ترحم حتى أعداء الدين، وتقدم فرصة ثقافية للمناقشة والتدبر حتى في ظروف الحرب.

الأصل السابع والعشرون: الدبلوماسية السلبية

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15].

التفسير: في حالة المواجهة العسكرية، لا يجوز الفرار أو التخلي عن الميدان مهما بدا تفوق الأعداء، لأن الفرار يعرض المرء لغضب الله وعذابه. الاستراتيجية التي تستدعي الانسحاب المؤقت للانضمام إلى صفوف أخرى أو لتجديد القوة ليست فرارًا، أما التخلي الكامل فهو مذموم. في ظروف اليوم، الدبلوماسية السلبية التي تعكس استسلامًا أمام الحرب النفسية تؤدي إلى هزيمة المسلمين، ومن يفعل ذلك مستحق للعذاب في الآخرة.

الأصل الثامن والعشرون: الخلق المتناسب مع الظروف

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} [التوبة: 123].

التفسير: هذه الآية تأمر بمعاملة الكفار المجاورين بحدة وقسوة. الإسلام يدعو إلى سلوكيات متناسبة مع الظروف، فتكون الرحمة مع الباحثين والصلح، والشدة مع الأعداء الحربيين. هذه الشدة هي سبب في ردع الأعداء ودرء الحروب. المؤمنون الذين يصمدون في الحرب حتى النهاية هم من أهل التقوى، والله يكون معهم بنصره ورضاه.

الطقس التاسع والعشرون: الهداية واحترام الناس

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 57).

أيها الناس، إنّ لعظتكم من ربكم قد أتتكم، وهي شفاء لما في الصدور، وهداية ورحمة للمؤمنين.

القرآن الكريم أنزل لجميع الناس لا لفئة من البشر الذين يجرّون الناس إلى الفساد والضلال، والذين كانوا يُعرفون بالنسناس الذين كانوا قبل آدم عليه السلام. فالقرآن شفاء لما في الصدور، لأن الناس يؤمنون به.

الناس كصفحة بيضاء لم تُكتب عليها كلمات، ولذلك يستطيعون فهم الرسائل الروحية التي تُحررهم بسهولة ووضوح. بخلاف بعض المؤمنين الظاهريين الذين امتلأت صفحات وجودهم بأفكار تعصبية مغلقة لا يمكن تغييرها، ولا يمكن نقش الهداية عليهم حتى بخط نور.

من لا يحترم الناس ويذلّهم، يفقد مكانته الاجتماعية.

وعلى القائد الديني أن يحترم كلمة «الناس» تمام الاحترام، ولا يستعملها إلا في الأمور الإيجابية.

الطقس الثلاثون: القضاء الفصل

{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}.

وقد ثبتنا ملكه وأعطيناه الحكمة وقوة الحكم والفصل في النزاعات.

المعنى: منح الله سليمان عليه السلام ملكًا وحكمة، ومنحه أيضًا «فصل الخطاب»، أي القدرة على إنهاء الخلافات وإصدار حكم حاسم.

يجب على القضاة في المجتمع الإسلامي أن يكونوا كذلك، وألا يطيلوا في إجراءات التقاضي التي تؤدي إلى تآكل الحقوق، لأن التأخير في النظر في الدعاوى يخسر الحقوق ويمحوها.

قد يبرر الجهاز القضائي هذا التأخير لسياسة خاصة يهدف من خلالها إلى تقليل شكاوى الناس، لكن التقاضي السريع يردع النزاعات ويساعد المجتمع على احترام القانون، كما أن العقاب الفوري يحد من الجرائم.

الطقس الحادي والثلاثون: وحدة شعارات الحق والباطل

{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ}.

المؤمن في هذه الآية هو مؤمن آل فرعون الذي يدعو قومه إلى اتباعه ليهديهم إلى طريق الرشاد.

ومن المثير للاهتمام أن فرعون نفسه يردد نفس الشعارات، إذ يقول: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ».

وهذا يعني أن جبهة الباطل تستخدم نفس شعارات الحق، ولا يمكنها أن تعلن أهدافها الباطلة بشكل صريح.

وهكذا يتكرر هذا التماثل في شعارات الحق والباطل حتى في القانون، حيث يستخدم أهل الباطل شعارات مثل «احترام القانون» لاستقطاب الجماهير، رغم أنهم لا يسمحون بتنفيذ القانون فعليًا.

القانون وحده لا يكفي دون وجود سلطة تطبيقية عادلة وراسخة، كما أن الكتاب السماوي والقانون الإلهي يحتاجان إلى قوة تنفيذية مستندة إلى القيادة الحقيقة.

الكثير من المسؤولين الذين يشغلون المناصب القانونية والذين ليس لديهم تجربة في السياسة أو النضال يكونون غير مدركين لمرارة الواقع السياسي، ويتحدثون بنبرة عاطفية سطحية، بينما السياسيون الحقيقيون الذين عانوا من الشدائد يتحدثون بأسلوب قاسٍ وعميق.

في هذه الآية، يظهر شعار الحق كما قاله كل من فرعون والمؤمن آل فرعون، لكن الفرق هو أن فرعون يحصر الحق في نفسه ويستكبر عليه، أما المؤمن فلا يجعل طريق الهداية حكرًا على نفسه فقط.

الطقس الثاني والثلاثون: حرمة السياسة الاجتماعية

{فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سبأ: 14).

عندما قضينا بموته، لم يَعْلَم الناس بموته إلا دابة الأرض التي أكلت عصاه تدريجياً، وبعد سقوطه تبين للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب المهين.

المعنى: بقي موت سليمان عليه السلام خفيًا لفترة طويلة، مما يوحي بأن أحدًا لم يكن يتمنى بقاؤه أو محبته.

طبيعة السلطة والسياسة أن المحبة والقداسة لا تكون غالبًا فيها، فغالبية الناس لا يحبون حكامهم.

حتى مع أن سُلطة سليمان كانت نبوية، إلا أنها لم تكن محل رضا الجميع، لذا لم يعلم الناس بموته سريعًا.

العذاب الذي حل بالجن هو قوة سليمان، فقد لم يكن الجن راضين عن سلطته، وكانوا مستائين لأنهم ظلوا يعملون دون علم بموته.

الحكم الإلهي يعلّم أن قوة الأنبياء وأوليائهم لا تُبنى على القهر، بل على الحكمة والرصانة والصدق والإيمان.

في النظام الإلهي، القوة وحدها ليست كمالًا، ولا الأمر بالقوة هو غاية، بل المحبة والطاعة القلبية هي الكمال.

الأنبياء الذين حكموا، مثل داود وسليمان عليهما السلام، كانوا يملكون قوة مادية، لكنهم حكموا بعدل وبعيدًا عن الاستبداد.

عاقبة سليمان أن خبر موته لم يُعلن حتى من قِبل موظفيه، وهذا يبيّن أنه لا يمكن للحكم القهري أن يستمر بنجاح دون نفوذ اجتماعي حقيقي.

في الحكومات الإلهية، يجب أن تخلو من أوجه الاستبداد والقهر، وإلا فإنها تفقد تأييد الناس ومكانتها الاجتماعية.

الطقس الثالث والثلاثون: مكانة الاحترام بين الناس

يُعد احترام الناس من أساسيات المجتمع الراقي، فمن لا يحترم الناس يفقد مكانته الاجتماعية.

ويجب على القائد الديني أن يحترم هذه الكلمة (الناس) ويستخدمها فقط في الأمور التي تعكس الإيجابية والكرامة.

الاحترام المتبادل هو ركيزة للقيادة الفعالة، لأن القائد الذي يهين شعبه يفقد السلطة المعنوية لديه.

الطقس الرابع والثلاثون: دور الحكمة في الحكم

كما منح الله لسليمان عليه السلام الحكمة ليحكم بحكمة وعدل، ينبغي على الحكام والقضاة في المجتمع الإسلامي أن يتحلوا بالحكمة في إصدار الأحكام.

الحكمة تعني القدرة على الفهم العميق والتصرف المناسب في الظروف المختلفة، وهي التي تضمن إقامة العدل وحفظ حقوق الناس.

بدون الحكمة، قد يتحول الحكم إلى ظُلم واستبداد، مما يفضي إلى تفكك المجتمع وفقدان الثقة في السلطات.

الطقس الخامس والثلاثون: التعامل مع النزاعات

ينبغي للسلطات القضائية أن تسرع في البت في النزاعات دون تأخير، لأن الإطالة في نظر القضايا تضر بالحق وتُضعفه.

إن معالجة النزاعات بسرعة تؤدي إلى حفظ الحقوق وتحقيق العدالة، كما أنها تمنع استغلال النظام القضائي من قبل الأطراف المتنازعة.

العدالة السريعة هي ركيزة الاستقرار الاجتماعي، ويجب أن تكون من أولويات كل نظام قضائي فعال.

المبدأ 33: الغرور الذاتي للحكام وجهل الشعوب

قال تعالى:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الأنعام: 136)

الشرح:
كان المشركون في مكة يخصصون نصيبًا من زرعهم وأنعامهم لله ولبُـتُـانهم، مع اعتقادهم بأن ما يُخصّص لله يصل إليه، وما يُخصّص للأوثان لا يصل لله. وهذا اعتقاد خاطئ وعجيب، إذ كيف ينال بتاتهم ما يُخصّص لله، بينما لا يصل لله ما يُخصّص للأوثان؟ هذا دليل على سوء حكمهم وضلالهم.

يرجع هذا الاعتقاد إلى زعماء المشركين الذين غرّسوا هذا الفهم الخاطئ في نفوس أتباعهم. وهذا مثال واضح على الجهل الذي يسود المجتمعات غير الصالحة، والذي يمكّن الحكام المتغطرسين من زيادة نفوذهم وسيطرتهم، مستغلين جهل الناس.

وقد ورد في نصوص أخرى أن هذا الجهل وصل بهم إلى حد تقديم أبنائهم كقرابين للأوثان، مما يدل على عمق الضلال والتشويه في معتقداتهم.

مثال تاريخي:
في بدايات الثورة في منطقة جَناباد، كانت قرية شورآباد معروفة بزراعة الزعفران، حيث كان الأهالي يقدمون زعفرانهم، الذي جُمِع بصعوبة كبيرة، كنوع من النذر لدرويش محلي، رغم فقرهم وحاجتهم، وكان الدرويش يعيش في قصر فخم. هذا مثال حي على استغلال الجهل لتبرير الظلم واستمراره.

المبدأ 34: حدود المتجاوزين السياسيين

قال تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55)

الشرح:
الله لا يحب المتجاوزين للحدود، والمقصود بالمتجاوزين في هذا السياق هم السياسيون الذين يتعدون على حقوق الناس أو يتجاوزون حدود الله.

التاريخ يُثبت أن الإنسان العادي حين يكتسب سلطة سياسية غالبًا ما يفسد، ولا نجد سياسيًا نزيهًا وعادلًا إلا من أولياء الله أو السفراء الربانيين. حتى في المجتمعات الحديثة، يُنظر إلى السياسيين على أنهم الأقل ثقة ومحبة بين الناس، مقارنة بمهنيين آخرين مثل رجال الإطفاء الذين يضحون بحياتهم لإنقاذ الآخرين.

المبدأ 35: الغطرسة والجهل

قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 79)

الشرح:
هذا المبدأ يسلط الضوء على الاستكبار الذي يفتك بالقلب والنفس، خصوصًا عندما ينشأ من القوة أو المال أو العلم أو القدرة الجسدية. المستكبرون يسخرون من الذين يقدمون الصدقات عن طواعية، أو ممن لا يملك إلا ما يبذله بجهده، فالله سبحانه يسخر منهم ويعدهم بعذاب أليم.

الاستكبار من نتائج الجهل وغفلة الإنسان عن نقاط ضعفه، ومن هنا تأتي حماقة الاستكبار التي تحجب الحكمة والبصيرة، وتجعل صاحبها في موقف سخرية الله والعاقبة السيئة.

في نظام إسلامي بني بتضحيات عظيمة، يُشهد على إخلاص النساء والأطفال في زمن الحرب، الذين قدموا ما يملكون لدعم الجهاد، بينما كان هناك من يسخر منهم ويستهزئ، والسبب هو الجهل والاستكبار.

في الختام، المستكبرون يعاندون الحكمة ويستهزئون بالإيمان والورع، ولكن الله يرد لهم السخرية والثواب بالعذاب.

المبدأ (36): النفاق والرياء الهادم

قال تعالى:
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران: 167).

البيان:
يُبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن المنافقين والمرائين يظهرون خلاف ما يبطنون، فعندما دُعي هؤلاء للقتال في سبيل الله أو الدفاع، زعموا جهلهم بالحرب لكي لا يشاركوا، ومع ذلك كانوا أقرب إلى الكفر من الإيمان. وينبغي التنويه إلى أن النفاق والرياء أكثر انتشارًا في المجتمعات السلطوية، ولا يمكن القضاء عليهما بوجود الاستبداد.

إن ترك المعاصي والابتعاد عنها رغم فضيلته قد يؤدي إلى نشوء النفاق والرياء، وهما أخطر من المعصية نفسها؛ لأن المعصية لا تُخرج الإنسان من دائرة الإيمان، بينما النفاق يؤدي إلى الكفر. انعدام النفاق في المجتمع أمر مرغوب لكنه يعتمد على وجود الشرور التي تدفع الناس إلى التظاهر، ومن ناحية أخرى، وجود النفاق ناتج عن بعض الفضائل.

لذا لا بد من وجود سلطة قادرة على اتخاذ القرار بشأن كيفية الحد من نشوء النفاق ونموه، وهل يجب قبول بعض مظاهر غير الدينية ظاهريًا أم أن النظام الإسلامي لا يحتملها؟ هل يجب منح أهل الكتاب حرية في اللباس بما يتوافق مع أعرافهم أم من الأفضل أن يكون اللباس أقل شفافية ليُحجم الرياء ويحفظ سلامة المجتمع؟ وهل القبول ببعض مظاهر الكفر في سبيل إزالة النفاق يؤدي إلى الفوضى أم هو الحل الأمثل الذي ينبغي على منظري النظام الإسلامي وضع أسسه وقوانينه؟

لا يمكن إدارة البلاد بالقوى الثلاث الحالية فقط؛ فالأساس هو وجود قوة فكرية نظرية تهتم بتصميم الثقافة الإسلامية الصحيحة وتوجيهها نحو التطبيق، وهذه القوة ليست سوى الاجتهاد الشامل.

إذا لم يُتخذ حل لهذه القضايا في المجتمع الإسلامي، فلن يصل إلى الصحة والاستقرار. وللتخلص من هذه المشاكل، لا بد من إزالة الاستبداد وترك الحرية الكافية بحيث لا يُعاتب أحد على عدم قيامه بالعمل الصالح ولا يُتهم بالشر.

هذه القضايا أولوية على الإصلاحات الاقتصادية البحتة، لأن الإصلاح الاقتصادي في مجتمع مضطرب فكريًا يزيد المشاكل. ويجب دراسة كيفية خفض نسبة الرياء والنفاق دون فقدان رادع الذنوب وبقاء الفضائل على حالها، وهذا أهم حتى من مكافحة الفساد المالي والرشوة، لأن تأمين موارد القائمين على السلطة وروح القناعة لديهم أساس لكل الإصلاحات.

المبدأ (37): اللجوء إلى الطاغوت المرتشي

قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 60).

البيان:
تحرم هذه الآية نقل النزاعات إلى الطاغوت، إذ أن ذلك يعزز وجوده واستمراره. قبل الثورة الإسلامية، كان يُحرم اللجوء إلى المحاكم لأنه مصداق اللجوء إلى الطاغوت، الذي كان في حينه فاسدًا ومرتشيًا. اللجوء إلى من لا يؤدي عمله إلا بالرشوة والواسطة هو اللجوء إلى الطاغوت، ولا يجوز إلا في حالات الضرورة القصوى التي قد تعرض حياة الإنسان للخطر.

المرتشي مذنب دائمًا، ولو كان دفع الرشوة أحيانًا واجبًا لحفظ النفس والكرامة، فالأخذ بها ممنوع بشكل قطعي، كالربا.

المبدأ (38): التدخل في نزاعات المؤمنين

قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).

البيان:
الأمر في هذه الآية هو علاج أسباب الفتنة، فلا يجوز ترك الخلاف بين المؤمنين دون إصلاح. على المقربين من المتخاصمين أن يسعوا لإصلاح ذات البين، وإن استمر الاعتداء فيجب القتال ضد المعتدي حتى يرضخ لأمر الله. بعد رجوع المعتدي، يجب الصلح بالعدل والإنصاف، لأن الله يحب العادلين.

كما يشمل الحكم جميع النزاعات الفردية، ويجب على الأصدقاء التدخل للصلح وعدم التهاون أو التساهل مع الظلم.

المبدأ (39): حرية عمل المجرمين

قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123).

البيان:
يبيّن الله أنه يمنح المجرمين الكبار حرية التحايل والفساد في كل قرية، إلا أنهم في الواقع يضرون بأنفسهم دون وعي. هذا يدل على أن الإدارة الإسلامية تحتاج إلى إعطاء حرية معقولة للمجتمع، مع رفع مستوى الوعي والثقافة حتى يُدرك الناس أن الجريمة كفرٌ بالنعم وسبب في الهلاك.

الله لا يهدد المجرمين بالقهر والغضب بل ينسب جريمتهم إلى نقص الفهم، مما يعني إمكانية الحد من الجريمة بتربية المجتمع على الوعي والثقافة الصحيحة.

المبدأ (40): احتكار الأموال الشرعية

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: 34-35).

البيان:
تهم الآية أصحاب الكنائس والهيئات الدينية الذين يأكلون أموال الناس ظلماً، ويمنعون عن طريق الله، ويحتكرون الذهب والفضة دون إنفاقها في سبيل الله. ويُوعَدون بعذاب أليم يوم القيامة يُسخَّن فيه ما احتكروا ويُكوى به أجسادهم.

وهذا يشمل أيضاً المؤسسات الدينية في بلادنا مثل الأوقاف والأضرحة، فإذا قام القائمون عليها بالاحتكار مشابهًا، فهم مسؤولون قانونيًا وأخلاقيًا عن ذلك. ولا ينبغي أن يكون هناك فقر في بلد كبير مثل بلادنا.

الطقس رقم (41): الرزق المحدود وغير المحدود في العالم الدنيوي

﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (سورة الحجر: 20).

  • وجعلنا لكم ولمن لستم له برزقين في الأرض وسائل العيش.

البيان:
هذه الآية تتحدث عن الرزق اللامتناهي لجميع سكان الأرض. فالأرض مادة جامعة، أصلية، ذات حركة ذاتية ومنتجة، حيث تتجدد عناصرها أكثر من غيرها في العوالم أو الكواكب الأخرى، حتى وإن استغل مليارات البشر هذه الموارد عبر مليارات السنين، فإن مواردها لا تنفد، ولن يعاني الإنسان من نقص في الموارد.

قال تعالى:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (سورة نوح: 17-19).

وقد خلق الله تعالى السماوات بأعمدة غير مرئية، ومدّ الأرض وطرح فيها الجبال كأوتاد ثابتة كي لا تهتز أو تنكسر أو تنهدم. فقال تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (سورة لقمان: 10).

وقد خلق الله من كل زوج جميل من المخلوقات، ووهب الأرض جوًا مستقرًا، وواصل إنزال الماء من السماء لينمو ما شاء الله من نباتات ومواشي، فلا ينقص شيئًا في الأرض.

فالأرض مزروعة ومحمية بالجبال والسماء بأعمدتها غير المرئية، وهي قفص مهيأ لكل ما يتحرك عليها من مخلوقات. وماء السماء يرويها فينبت فيها كل ما يحتاج إليه الإنسان. والرزق ليس فقط ما يؤكل، بل يشمل كل حاجات الحياة.

هذه الحقيقة تتعارض مع المزاعم الحديثة حول “نفاد موارد الأرض المحدودة” والقول بأن الأرض ستفشل في توفير حياة الناس، وهذا من ترويج سياسي أو جهل علمي.

وعلى المؤمن أن يثق بأن رزقه محفوظ من الله، فلا يموت فقيرًا إلا إذا ظلم وقتل أو حقه ضاع، والدم أول ما يُحاسب عليه يوم القيامة، ثم الصلاة.

قال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (سورة الحجر: 21).

فخزائن المواد في عوالم تجريدية عند الله، وهو ينزلها بمقادير محددة لا تفضي إلى إهدار أو ظلم.

ولا يجوز أن يُخزن الرزق للاستخدام المستقبلي دون استغلاله اليوم، لأن كل رزق له تاريخ صلاحية، وتركه يضيع. قال تعالى:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (سورة الحجر: 22).

الطقس رقم (42): ضمان رزق الأولاد

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 31).

  • ولا تقتلوا أولادكم خوفًا من الفقر، نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم خطأ كبير.

البيان:
هذه الآية تبين أن الله قد قدر رزق كل مخلوق، فلا تضر كثرة السكان حياة البشر، فالأرض قادرة على توفير الرزق لهم، لكن ضعف الإدارة وعدم وجود نظم ملائمة للتوزيع تجعل الكثافة السكانية عبئًا.

وينتشر الحديث عن “ضبط النسل” و”قلة الأولاد حياة أفضل” بسبب جهل بعلوم الاستفادة من الموارد وعدم كفاءة التوزيع ومكافحة الفساد.

زيادة السكان أو الحد منها لا تحل المشكلة، بل الانحراف عنها. الحل في تصحيح النوع والوراثة، ورفع مستوى الصحة والقدرة الجينية، فبذلك تكون الكثرة أو القلة بلا أثر سلبي.

وينبغي أن يشجع النظام الإسلامي الأزواج الأصحاء على الإنجاب، ويقيّد الإنجاب عند من يعاني من مشاكل وراثية إلا بعد تصحيح جيني.

هذه السياسة ليست تقييدًا لحرية الإنسان أو تدخلًا في عمل الله، بل هي تصحيح لمشاكل الإنسان ورفع لمعاناة المجتمع، إذ لا فائدة من انتشار الأفراد غير الأصحاء ذوي القدرات المحدودة الذين يشكلون عبئًا.

وبذلك فإن موارد الأرض تكفي لعدد سكان كبير جدًا، وضمن هذه السياسة سيكون المجتمع قويًا سليمًا ذكيًا.

قال تعالى:
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.

هذه الآية من آيات علم النفس في القرآن الكريم، وإذا تمكنت المجالات العلمية من دراستها وتقديمها إلى جامعات العالم، فإنهم سيُذهلون من علم القرآن الكريم.

ومن الجدير بالذكر أنه لا ينبغي نسيان أن من كان فيه فسق أو كفر أو شرك أو نفاق، فإن المال والولد يكونان سبباً في محنته وعذابه، ومهما كثر لديه من هذه النعم، فلا ينال منها لذة، بل تكون هذه الأمور سبباً في عذابه وألمه. الحكمة الإلهية أن يحول الله سبحانه وتعالى المعاصي إلى مادة للعذاب في هذه الخيرات الدنيوية، فتكون بلاءً لصاحبها.

الفقرة: النظام الربوي
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
(سورة البقرة، آية 275)

هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كقيام من أصابه مسٌّ من الشيطان، وذلك لأنهم قالوا: البيع مثل الربا، مع أن الله حَلَّ البيع وحرَّم الربا. فمن تلقى وعظًا من ربه فانتهى عن الربا فله ما سلف، وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار خالدون فيها.

البيان:
الآية الكريمة تتحدث عن الربا وأهله، والربا في مقابل الإنفاق. فالمنفق يوزع ماله على المحتاجين ويغنيهم، أما الرباوي فيسعى لجمع أموال الآخرين وزيادة ماله. الربا مالٌ بغير جهد، وإذا استشرى في المجتمع أدى إلى ركود الإنتاج، وانصراف أصحاب الأموال عن العمل إلى جني الربا بدون تعب، فتنقلب نشاطات المجتمع إلى كساد وضعف. لذا وصفهم الله تعالى بأنهم كالذين أصابهم مسّ الشيطان في العقل.

الربا ظاهرة شائعة في النظام المالي العالمي، ومثال عليها مثلاً مهر الزواج الذي يتضاعف على مر السنين مع الفوائد المركبة، وهو من صور الربا التي يغفل عنها البعض ويعتبرونها تجارة أو بيعاً عادياً. بينما القرآن يفرق بوضوح بين البيع الحلال والربا المحرم، فيقول: «أحَلَّ الله البيع وحرَّم الربا».

وفي واقعنا الحالي، تقوم غالبية البنوك على نظام الفائدة الربوية، ولا تستطيع الحكومات الدينية العمل بشكل مستقل خارج هذا النظام، لذا فإن حتى البنوك الإسلامية تعاني من نفس المشكلة. والنتيجة أن الربا يُسكتَر ويُشرّع في المجتمع تدريجياً، رغم التحذير الشديد في القرآن الكريم من خطورته.

الفقرة: الجهاد المالي
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
(سورة التوبة، آية 41)

الجهاد بالخفة والثقل، بالمال والنفس في سبيل الله، هو أفضل لكم إذا كنتم تعلمون. قيمة المال تتجلى في استخدامه في سبيل الله، وحسن استثماره في جهاد مالي إلى جانب الجهاد بالنفس.

الفقرة: الصدقة والإعانة المالية
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(سورة التوبة، آية 60)

الصدقات تُصرف للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمُؤلَّفة قلوبهم وفي سبيل الله والغارمين وابن السبيل، وهي فريضة من عند الله، والله عليم حكيم.

الصدقة في الإسلام ليست فقط للفقراء، بل تشمل عدة فئات، ومن ضمنهم العاملين في جمع وتوزيع الصدقات والعلماء والطلبة والموظفين في الخدمة العامة، لأنهم يؤدون خدمات دينية واجتماعية هامة.

هذه النصوص القرآنية والتفسيرات المتعلقة بها تُظهر عمق الفكر الإسلامي في تنظيم الحياة المالية والاجتماعية، وتحذر من الآفات الاقتصادية كالربا، وتشجع على الجهاد المالي والصدقة كوسائل للارتقاء بالمجتمع والحفاظ على تماسكه وازدهاره.

المبدأ (46): مكانة العقاب في النظام الاجتماعي

قال تعالى:
«فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ» (سورة فصلت).

البيان:
يُعاقب الله سبحانه وتعالى العباد الذين يُصرّون على المعصية ويتمادون في العصيان والطغيان، وليس من النظام التربوي الإلهي أن يخلو من العقاب، وإن كان العقاب دائمًا هو الخيار الأخير والضرورة القصوى.
لا يمكن للنظام التربوي والاجتماعي أن يستغني عن الحدود والقصاص والديات، ولا حتى عن عقوبة الإعدام. صحيح أن بعض الأنظمة غير الإلهية استغلت هذه الأحكام لظلم الناس، ولكن في النظام الإلهي تُطبق هذه الأحكام بشروط صارمة وبصورة نهائية، مما يؤدي إلى نمو واستقرار المجتمع، ويحقق الأمن النفسي للأفراد، ويكون رادعًا للمجرمين.
إن الله قد خلق نظام الخلق بجمال وكمال، وقال في نفسه «سبحان الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم»، ولكن إذا طغى الإنسان وعصى أمر الله يُهلكه كالصاعقة كما حل بعاد وثمود، ليعلم أن جزاء العصيان والعصاة شديد.

المبدأ (47): سوء الظن وصفاء الباطن

قال تعالى:
«وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (سورة البقرة: 191-192).

البيان:
تتحدث هذه الآية المباركة عن وجوب المواجهة والقضاء على الأعداء الذين لا يفهمون إلا لغة القوة والهيمنة، فهي من آيات الجلال التي تحمل لسانًا شديد اللهجة مع الكفار الذين يستمرون في كفرهم وطغيانهم، حتى يُردعوا ويعودوا إلى طريق الحق.
كما تؤنّب الآية ضعف الدولة والأمة الإسلامية، وتدين الذين يدّعون الضعف والتظلم، فالضعف هو سبب الخوف والتنازع المستمر، وقوة الأمة هي التي تحميها من الاعتداء وتجلب لها الأمن والاستقرار.
تحث الآية على أن المؤمن يجب أن يكون قويًا متماسكًا، لا يحمل في قلبه الكراهية والضغينة تجاه إخوانه المؤمنين، لأن ذلك يفسد القلب ويجعل صاحبه في حالة دائمة من النكد الداخلي.
ويُستفاد من هذه الآيات أيضًا أن العداوة والخصومة يجب أن تكون مقصورة على من يستحقها، وألا يغلب سوء الظن والتشاحن القلوب بين المؤمنين، فلا يجوز أن يكون للمؤمنين غلٌّ في القلب تجاه إخوانهم في الدين، بل الواجب عليهم المحبة والإخاء والصفح.

ومن مظاهر خبث الباطن أن يفرح الإنسان بمصيبة تصيب غيره، ولو كان ذلك الغير عدواً له، فهذا دليل على دناءة النفس ونجاسة القلب، لأن الإنسان السوي لا يشمت بألم غيره، بل يفرح بخيره ولا يتمنى له الشر، وإن كان خصماً له في الرأي أو الموقف.
إن الشماتة بالمصابين، والحزن لنفع الآخرين، من صفات المنافقين الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
«إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ، وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ» (سورة التوبة: 50).

فـ”الحسنة” في الآية تشير إلى أقل أنواع النفع والخير، ومع ذلك، فإن المنافقين يتألمون من حصولها للمؤمن، في حين أن أقل مكروه يصيب المؤمن يُفرحهم. وهذا يدل على فساد نيتهم وسواد قلوبهم، وأنهم لا يحبون الخير للآخرين، حتى وإن كانوا من إخوانهم في الدين.

أما المؤمن الحق، فيفرح لفرح أخيه، ويحزن لحزنه، ويتمنى له من الخير ما يتمناه لنفسه. أما أولئك الذين يفرحون بكوارث الآخرين، ويعدّون ذلك ذكاءً أو احتياطاً، فهم في الحقيقة مرضى النفوس، تائهون في ظلمات الكبر والحسد وسوء الظن.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغم قوته وهيبته، صاحب قلب طاهر ونفس صافية، يتعامل بالمحبة والرحمة حتى مع أعدائه، بل تزوج من بعضهم ليحفظ الإسلام من شرورهم، وكان ذلك جزءاً من حكمته السياسية والاجتماعية.

قال عنه بعض الكافرين: “إياكم أن تقتربوا منه، فإنه يسحركم بكلامه”، لأنهم رأوا في صفاء نفسه وسحر منطقه خطرًا على معتقداتهم الباطلة.

وإذا كان هذا هو تعامله مع الكافرين، فكيف يجب أن يكون تعامل المؤمن مع أخيه المؤمن؟

إن الواجب هو أن يحفظ له حرمته، ويغفر له زلّاته، ويبتعد عن العداوة والخصام والبغضاء التي تقضي على صفاء القلوب، وتزرع الفتنة بين الصفوف.

وقد استغل أعداء الإسلام هذه الثغرة لزرع الفتن بين المسلمين، فمرةً أشعلوا نار الاختلاف بين “الأخباريين” و”الأصوليين”، ومرةً أخرى بين اليمين واليسار، والشيعة والسنة، وكل ذلك بهدف تشتيت وحدة الأمة وإضعاف بنيانها.

فعلى المؤمن أن يكون فطنًا، لا يُستدرج إلى ساحات الفتنة التي يُديرها الاستعمار الخفي، ولا يكون دمية في مسرح دُبّر بليل لتخريب الصف الإسلامي من الداخل.

يجب على المسلم أن يتحلى بالحكمة والبصيرة في التعامل مع إخوانه في الدين، وأن يحافظ على وحدة الصف وتماسك المجتمع الإسلامي، فلا ينجر إلى الخلافات التي تضعف الأمة وتشتت جهودها، لأن الفتن الداخلية أخطر على المجتمع من الأعداء الخارجيين.

ومن أهم وسائل الحفاظ على هذه الوحدة هو محبة الخير للآخرين، والتسامح مع الزلات، وعدم التمسك بالضغائن القديمة التي تفسد القلب وتزرع الحقد.

وليس من الإسلام أن يعيش الإنسان بقلب مليء بالغل والحقد على أخيه، فإن ذلك ينقض القيم الدينية والإنسانية التي دعا إليها الإسلام، ويؤدي إلى تدمير الروابط الاجتماعية بين الناس، ويُفسد الأجواء التي يجب أن يسودها الإخاء والمحبة.

كما يجب التنبيه إلى أن المسلمين مطالبون بأن يكونوا قويين في مواجهة الظلم والعدوان، وأن لا يظهروا ضعفًا يُستغل من قبل الأعداء، لأن الضعف هو سبب النزاعات والصراعات التي تضر المجتمع بأسره.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يُمارس القوة بعدل ورحمة، بحيث لا تكون القوة أداة للظلم أو العدوان، بل وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار، وحماية حقوق الجميع، وهذا هو المنهج الإسلامي الذي يحافظ على التوازن بين القوة والرحمة.

فالمسلم القوي هو الذي يحترم الحق، ويقاوم الباطل، لكنه لا يتجاوز الحدود، ولا يظلم أحدًا، بل يحمي الضعفاء ويُعزز السلام في المجتمع.

إن الإيمان الحقيقي لا يقتصر على العبادات الظاهرة فقط، بل يشمل تصفية القلب من الحسد والبغضاء، وتطهير النفس من الكراهية والأحقاد التي تُفسد العلاقات بين المؤمنين.

فالتدين الحقيقي هو أن يكون الإنسان رحيمًا بغيره، متسامحًا، ذا قلب صافٍ لا يحمل ضغائن، بل يسعى دوماً لتحقيق المحبة والوئام بين المسلمين، لأن ذلك من أهم أسس بناء المجتمع الصالح والمتماسك.

ويحذر الإسلام من التمسك بالعداوة والخصومة بين المسلمين، وينهى عن كل ما يؤدي إلى الفرقة والشتات، ويأمر بالسعي إلى الصلح والمودة، لأن فرقة المسلمين تُضعفهم وتفتح المجال للأعداء للاستغلال.

ومن هنا، فإن الأوامر الربانية بالحزم والقوة ضد الظالمين والمعتدين لا تتعارض مع الدعوة إلى التسامح والمودة بين الإخوة في الدين، بل هي مكملة لبعضها البعض، تضمن الأمن والاستقرار، وتحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.

فالإنسان المؤمن عليه أن يتجنب الشحناء والبغضاء التي لا تؤدي إلا إلى الفساد والدمار، وأن يسعى جاهدًا لتحصين قلبه من الأحقاد، ويرفع راية المحبة والوحدة، لأنها سبيل النجاة والازدهار للمجتمع الإسلامي.

ومن الجدير بالذكر أن المسلمين ينبغي عليهم أن يكونوا على وعي تام بأن أعداء الإسلام لا يفتئون يحاولون بث الفتنة بينهم، وإشاعة الشكوك والعداوات التي تُضعف من قوتهم ووحدتهم. فالانقسام الداخلي هو أعظم مكسب للأعداء، ولذلك فإن تعزيز التآلف والاخاء بين المؤمنين ضرورة حتمية للحفاظ على الدين والمجتمع.

وينبغي على كل مؤمن أن يتحلى بالحكمة واليقظة، وأن لا يسمح لليأس أو الغضب أن يعمي بصره، بل أن يرد على كل من يحاول التفرقة بين الإخوة بالحوار العقلاني، وبالتمسك بالحق، وبالخلق الحسن الذي يأمر به الدين.

ولا يجوز للمؤمن أن يترك العواطف السلبية تسيطر على قلبه، لأن ذلك يؤدي إلى انحراف السلوك، وإلى الإضرار بالعلاقات الاجتماعية، ويخلق بيئة من العداء والبغضاء التي تخدم أعداء الإسلام، فتفقد الأمة قوتها وصلابتها.

وختامًا، إن النظام التربوي والاجتماعي الذي يبنيه الإسلام يعتمد على موازنة بين الحزم في مواجهة الظلم، والرحمة في معاملة الآخرين، وعلى التمييز بين العدو الذي يحارب الدين، وبين الأخ الذي يجب أن يُحسن إليه ويحفظ حقوقه، مما يضمن وحدة الصف واستقرار المجتمع.

الطَّريقَةُ الثامِنَةُ وَالأَرْبَعُونَ: سِلاحٌ قاتِلٌ دونَ تَدميرٍ

قال تعالى:
«فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (سورة النمل، آية 52).

البيان:
تشير هذه الآيةُ إلى سلاحٍ قاتلٍ يُميتُ الأفرادَ دونَ إلحاقِ الضررِ بالبُنى التحتية والصناعاتِ. وإنْ كانَ مميتًا فهو لا يُسببُ تدميرًا. وهذا السلاحُ ذوُ أهميةٍ كبيرةٍ لمن يُريدُ غزوَ البلادِ وفتحَها دونَ أن يُلحقَ ضررًا بالصناعاتِ العسكريةِ والمدنيةِ. وسيبلغُ العلمُ في المستقبلِ هذا النوعَ من الأسلحة.

الطَّريقَةُ التَّسْعُونَ وَالأَرْبَعُونَ: حُكمُ المُستَضعَفِينَ

قال تعالى:
«وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» (سورة القصص، آية 5).

البيان:
هذه الآيةُ تتحدثُ عن بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين لعقودٍ طويلةٍ، ثمَّ بفضلِ قيادةِ النبي موسى عليه السلام استطاعوا الإطاحةَ بفرعون.
حينَ يُصبحُ المستضعفُ حاكمًا، يكونُ ذلك بمثابة كارثةٍ إذ يُنزلُ الرعبَ والفساد. ولا يصحُّ أن يُفهمَ هذا الحكمُ على أنه متعلقٌ بقيامِ الإمام المهدي عليه السلام، لأنَّه ليس مستضعفًا، بالإضافة إلى أنَّ الآيةَ تشيرُ إلى جماعةٍ وليس شخصًا واحدًا.
إنَّ عقدَةَ الاستضعافِ تمنعُ تدفقَ الخيرِ إلى المجتمع، تمامًا كما في حالةِ سكان سراوان في بلوشستان، حيثُ وُزعت كتبٌ ليست مناسبةً لثقافتهم، فأدت إلى جمودٍ ثقافي.
الاستضعافُ لا يعني انعدام الأصل بل ضعفُه وهشاشته، كما هو حالُ الأبناء الذين ينحدرون بسبب الإدمان.

الطَّريقَةُ الحَادِيَةُ وَالخَمْسُونَ: خَوْفُ القَاتِلِ

قال تعالى:
«وَنُمَكِّنُ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ» (سورة القصص، آية 6).

البيان:
تتحدثُ هذه الآيةُ عن مبدأ نفسي: أنَّ الإنسانَ يجلبُ على نفسه ما يخافُ منه.
ففرعونُ وهامانُ ورجالهم قد نالوا مصيرًا كانوا يخشونه، فكأنما ما يهرب منه الإنسانُ هو ما يصيبه.
لذلك ينبغي التوكلُ على اللهِ والتفاؤلُ لتجنبَ مخاطرِ الأفكارِ السلبية.

الطَّريقَةُ الوَاحِدَةُ وَالخَمْسُونَ: سُلْطَةُ اليَهُودِ

قال تعالى:
«قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَل لَّكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ» (سورة القصص، آية 35).

البيان:
طلبَ النبي موسى عليه السلام من الله أن يرافقه أخوه هارون الذي كان أكثر قدرة على الكلام أمام فرعون. وأكد الله لهما أنهما سيملكان قوةً وسلطانًا لا يُغلبان به، وأنهما مع أتباعهما سيكونون غالبين.
وتشير الآية إلى أنَّ اليهودَ ظلوا يحكمون العالم حتى قبل ظهور الإمام المهدي عليه السلام، فالسلطةُ العالميةُ بأيديهم اليوم، وتكنولوجياهم واقتصادهم الضخم يثبت ذلك.

الطَّريقَةُ الثَّلاثُونَ وَالخَمْسُونَ: سُلْطَةُ اليَهُود (تَتمة)

البيان (تكملة):
إنَّ الله تعالى يؤكد لقوم موسى أنَّهم سيملكون قوةً لا تُقهر، ولن يستطيع أحدٌ بآيات الله أن يُغلبهم. وهذه القوةُ هي السلطانُ والنفوذُ الذي منحه الله لهم.
ويشير هذا النصُّ إلى أنَّ هذه السُّلطنةَ ظلتْ في يد اليهود حتى قبل ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، فاليومَ نجدُ أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تُعتبر إحدى الولايات في “إسرائيل العالمية” نظرًا لتأثيرها العسكري والتقني والاقتصادي.
ويُضاف إلى ذلك أنَّ العددَ القليلَ من اليهود لا يتجاوزُ عشرة ملايين نسمة، إلا أنهم يمتلكون قوةً تكنولوجية وعسكرية وعلمية تجعلهم قادرين على التحدي والتفوق على دولٍ كثيرةٍ في العالم.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V