صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

طريقة تطبيق الحدود

نشر في آذر 13, 1404 في

طريقة تطبيق الحدود
(قدس الله نفسه الزكية)
العلامة السيد آية الله العظمى

المعلومات الببليوغرافية:
المؤلف: ،
العنوان: طريقة تطبيق الحدود /
مكان النشر: إسلام شهر، دار نشر ، 1393 هـ ش
عدد الصفحات: 80 صفحة
الطبعة الأولى: ISBN 978-964-2807-90-1
الطبعة الثانية: ISBN 978-600-7347-47-8
الموضوع: الحدود (فقه)، علم الجريمة من الناحية الدينية – الإسلام
تصنيف المكتبة الكونغرسية: BP195 ن 6/9 ش 8
تصنيف ديوي: 297/375
الناشر:
مكان الطباعة: نقش گستر
عدد النسخ: 3000
السعر: 30000 ريال
مركز التوزيع: قم، بلوار أمين، الزقاق 24، فرعي أول يسار، رقم 76
هاتف مركز التوزيع: 025-32159078

الموقع الإلكتروني: www.nekoonam.com –
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

المقدمة

يتناول هذا الكتاب موضوع التعرف على الجريمة وطرق إثباتها وآليات تنفيذ الحدود، إضافة إلى تأملات عقلانية في مبادئ علم الجريمة وتنفيذ الحدود والعقوبات الدينية. كما يبحث في نظرية الإسلام التربوية في تطبيق الحدود، ومقاييس الأحكام وسبل حفظ المجتمع. كذلك يبين جواز إقامة الحدود على يد الحاكم الشرعي، وكيف يمكن لولي الفقيه في زمن الغيبة تطبيقها، مع الحاجة لوجود عوامل كفوءة وعالمة، إلى جانب مناقشة الجوانب العقلانية وطرق التنفيذ في الغيبة، وبعض الجوانب النفسية المتعلقة بالتعرف على الجريمة.

وقد تناول المؤلف تفصيلات مسائل الجريمة، وإثباتها، وتنفيذ الحدود وغيرها من الموضوعات الحقوقية المرتبطة بها خلال دروس خارج الفقه التي استمرت نحو خمس سنوات، متمنياً أن تعرض على المجتمع العلمي مستقبلاً.

التأمل في طريقة تنفيذ الحدود

  1. الوقاية من الجريمة
    تسعى كل الاتجاهات الاجتماعية، والحكومات، والأديان السماوية، والفرق السياسية إلى استقرار المجتمع وبقاء أفكارها، من خلال وضع قوانين لمنع الانحرافات والسلوكيات المتمردة التي تهدد النظام العام. تختلف هذه الطرق بين اعتماد القوة الصرفة، أو الحوار، أو مزيج من الاثنين وفق ظروف كل مجتمع.
  2. إنكار واقع العصيان
    تنوعت مواقف الفرق بشأن مفهوم الجريمة والعصيان، فبعضهم يفسر المعصية بأنها مجرد عدم رضا أو إجبار، ويرفض وجود واقع خارجي للعصيان، وهو مرفوض في الإسلام الذي يعترف بعصيان مطلق وواقعي، وقد تعامل الأنبياء مع هذه الحقيقة في مراحل متفاوتة. الإسلام هو الأساس الجامع لكل الحقائق الدينية الثابتة، ويركز على العلاقة الخاصة بين الحق والإنسان والمجتمع، مستعرضاً وجهة نظره تجاه العصيان.
  3. الذنوب والعاصي
    يعترف الإسلام صراحة بوجود العصيان والذنب، ويعتبرهما حقائق محسوسة في الحياة الاجتماعية، مع تحديد بعض الأفعال التي تعبر عن العصيان أو تنفيه. كما أن له نظرة فلسفية عميقة تجاه الذنب والعاصي، لا يقبلها أو يتساهل معها، لكنه ينظر إلى العاصي أحياناً برحمة وترميم حتى لا يكون مجرماً بالكامل إلا إذا أصرّ على الفساد.
  4. إثبات الجريمة وملاحقتها
    يشدد الإسلام في إثبات الذنب، ولا يحمّل الأفراد ذنوباً دون دليل قاطع. وبمجرد إثبات الذنب، يتعامل معاهدة بشدة وعقوبة مناسبة.
  5. علم الجريمة والجرأة على المعصية
    إثبات العصيان صعب جداً، ولا يتم إلا عندما يرتكب الفاعل الخطأ بلا تردد أو حياء، مع وجود شروط وشهادات صارمة، منها وجود أربعة رجال بالغين وعادلين يشهدون بنفس الوقت وبنفس الطريقة، وإلا تعتبر الشهادة غير مقبولة بل معيبة وشهادة الشهود قد تؤدي إلى عقابهم.
  6. أمثلة على الجرائم الكبرى: الزنا والسرقة
  • الزنا: من أكبر الكبائر، مع عقوبات شديدة، لكنه في نفس الوقت يصعب إثباته ويتطلب شروطاً دقيقة جداً لشهادات الشهود، مما يترك مجالاً للشك والرحمة.
  • السرقة: أيضاً من الكبائر، مع عقوبات قطع اليد في حالات محددة، وشرط وجود عدد كبير من الشروط لإثباتها، مما يجعل إثباتها صعباً في كثير من الأحيان.
  • شرب المسكرات: يُدان بشدة، ويُتخذ موقف تربوي حذر يمنع الإثبات السريع ويؤكد على التوجيه والردع.
  1. موقف الإسلام التربوي تجاه الجريمة
    يركز الإسلام على الوقاية والإصلاح المجتمعي، ويعطي فرصة للتوبة، ويحذر من التشدد في إثبات الذنوب، ويؤكد أهمية العدالة والرحمة في التطبيق، مع حماية المجتمع من الفساد والانحراف.
  2. حفظ المجتمع
    يضع الإسلام حماية المجتمع من خلال إصلاح الأخلاق، ووضع القوانين التي تمنع الجريمة، ويركز على استراتيجيات الإصلاح والتربية والردع، مع اعتبار الفروق النفسية والاجتماعية في معالجة الجريمة.
  3. التصنيف والتمييز بين الجرائم
    يجب على العلماء تصنيف الجرائم بدقة حسب درجاتها، لتجنب التضخيم أو الإهمال في التعامل معها، مع مراعاة الأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤثر في ظهور الجريمة.
  4. التوبة ورفع العقاب
    يرى الإسلام التوبة سبباً لرفع العقوبة عن بعض الذنوب، مع استناد إلى آيات قرآنية تؤكد رحمة الله وغفرانه للمذنبين الذين يرجعون إليه بصدق.
  5. هذه الآية من أهم آيات الرحمة في القرآن الكريم. فهي لا تتحدث عن الأخطاء الناجمة عن الأهواء النفسية، بل تتجاوز ذلك لتتحدث عن الذنوب التي تنشأ في القلب، أي ليست الذنوب التي تتعلق بجوهر النفس وشخصية الإنسان، بل الذنوب التي تنبع من العناد والإلحاد والتكبر. وتشير إلى أن باب التوبة مفتوح أمام مثل هذه الذنوب، التي عقوبتها هي نار جهنم الأبدية والخزي الدائم، ومع ذلك فإن الله يقبل التوبة منها. فالله لا يكتفي بقبول التوبة فقط، بل يحول الذنوب إلى حسنات، وهذه هي الحكمة من ستر الله يوم القيامة. فإذا أراد الله أن يستر ذنبًا ما يوم القيامة، يحوله إلى عمل حسن بحيث لا يستطيع أحد أن يجد له أثراً. وهذه الذنوب من أعظم الذنوب التي تُرتكب بواسطة أناس متمردين.
  6. وعليه وبالاعتماد على المصادر الفقهية، نقول إن المرتد الفطري له حق التوبة، وإذا تاب تُعاد إليه أمواله وزوجته ولا يُقام عليه حد القتل، والحد يُقام فقط على المرتد الذي لا يقبل التوبة. وفي الفلسفة نقول إن الجوهر ليس شيئًا يمكن أن يتحول جذريًا من السيئات إلى الحسنات، لأن ذلك أمر مستحيل، فالتحول الكامل في الجوهر لا يحدث. لكن في كل العوالم يمكن أن يتحول شيء إلى شيء آخر، فالمادة تتحول إلى مجرد، والمجرد يتحول إلى مادة.
  7. على أي حال، تبيّن هذه الآية عظمة رحمة الله ولطفه بعباده، حيث لا تكتفي فقط بمغفرة أعظم الذنوب، بل تتحدث عن تحويلها إلى حسنات. وكلما زاد ثقل الذنب زاد وزن الحسنات المحولة، بحيث يُعتبر العبد من الصالحين، ولا يستطيع أحد أن يكشف عن ذنوبه السابقة. وهنا يتجلى ستر الله. وكما أن كثيرًا من أدوات الزينة والعطور الجميلة تُصنع من مواد كريهة، كذلك يمكن تحويل السيئات إلى حسنات.
  8. وبالطبع، يمكن أن تتحول الحسنات إلى سيئات أيضًا، وقد يتحول سبعون عامًا من العبادة في ليلة واحدة إلى ذنب بسبب موقف خاطئ تجاه أولياء الله الكاملين، فتذهب كل حسناته هباءً، ويُكتب عليه الذنب. وهذا يتعلق بحكمة الله وعدالته، إذ يُعتبر القيام والمعارضة المتعمدة لأولياء الله من أعراض الشر، وعمل شخص كهذا هو في الأصل منبثق عن نيّة دنياوية أو رغبة في السلطة والمال والشهرة، لا دفاعًا عن الدين الحق.
  9. إن وجود هذه الآية وبعض الآيات الأخرى يرفض بكل قوة العنف والاضطراب والحرمان والتعصب والتكبر والانغلاق والأنانية والجفاف القلبي في الدين، وإذا وجدت هذه الصفات في أتباع الدين فهي من الطبائع النفسية لهم وليست من الدين ذاته، إلا إذا كان دينهم قد تعرض للزيادة والتزيين.
  10. تطبيق الحدود في عصر الغيبة
  11. من القضايا الأساسية المختلف عليها والتي تؤثر على أُسس الدين في العمل الاجتماعي: هل يستطيع الحاكم الشرعي إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام أم لا؟
  12. الواضح أن إقامة الحدود وقوانينها هي لمصلحة عامة المجتمع ونظامه، وليست محصورة بزمن معين، لأن المسلمين مكلفون دائماً والعقاب على الأعمال واحد. كما أن أدلة الحدود في القرآن والسنة مطلقة وغير مقيدة بزمن أو مكان معين، لأنها تخص المجتمع لا الأشخاص.
  13. وفي الأحاديث: «إقامة الحدود لمن له الحكم»، وفي زمن الغيبة لا يستطيع ذلك إلا الفقيه صاحب الشروط.
  14. وعليه، الإسلام دين مجتمع وعمل، والقيادة لشخص ما، سواء في زمن الحضور أو الغيبة. والمسألة هي أن الحاكم الشرعي لا يمكنه إدارة المجتمع وحده، بل يحتاج إلى فريق من الأشخاص لتنفيذ الحدود، ويجب أن يكون هؤلاء الأشخاص ممن لا تقع عليهم حدود، كما جاء في الحديث: «ولا يقيم حدود الله من في عنقه حد، فمن كان لله في عنقه حد فلينصرف».
  15. الحاكم الشرعي يجب أن يدير المجتمع بأشخاص صالحين، وفي زمن الغيبة حيث الجهل وقلة العمل بين المسؤولين، ماذا يفعل؟ هل يتخلى أو يؤجل تنفيذ الحدود، أم ينفذها بالأشخاص المتوفرين؟
  16. لا يجوز التردد ولا تعطيل الحدود لأنها مخالفة لبقاء الدين وقيمه، ولكن لا يجوز تنفيذ الحدود بأشخاص فاسدين. أمام الفقيه خياران: إما أن يدير المجتمع بالأشخاص المتوفرين المظهرين للصلاح، مع مسؤولية تصحيح أنفسهم، أو يربي الفقيه أشخاصًا جديرين قبل تنفيذ الحدود، وهو أمر معقد ولم يتحقق حتى الآن.
  17. لذا، يجب تنفيذ الحدود بأفضل الأشخاص المتوفرين، مع الاعتراف بأن هذا الحد الأقصى الممكن في زمن الغيبة، أو يجب أن يُعنى الفقيه بإدارة رجال الدين وتنظيمهم قبل إدارة المجتمع. لأن القيادة لا تتم إلا بمعصوم عادل، والعصمة للمعصوم في زمن الحضور والعدل شرط للفقيه في زمن الغيبة.
  18. وفي غير ذلك، يبقى الحكم ظاهريًا دينياً ولكنه بعيد عن روح الدين، والكلام يختلف عن العمل والنوايا، ولا يستمر هكذا الحكم.
  19. ملاحظة على تنفيذ الحدود وتأثيرها
  20. الإسلام وضع أحكامًا ووسائل وقائية لتنقية المجتمع من الجرائم والنزاعات، وهذه الأحكام مشتركة بين زمن الحضور والغيبة، لكن يجب أولاً إزالة الموانع التي تحد من تأثير هذه الأحكام.
  21. إذا كانت الموانع كثيرة، فإن تنفيذ الحدود سيكون بلا جدوى بل قد يعود بالسلب.
  22. تجنب ظلم الضعفاء
  23. لا يجوز تنفيذ الحدود في مجتمع يعاني من الفقر الثقافي والاقتصادي وانتشار الأمراض الأخلاقية، بحيث يُضحى عفاف الأغلبية لخدمة أقلية.
  24. في مثل هذا المجتمع، يجب سن قوانين تزيل السلوكيات الشاذة عن حياة الناس العادية.
  25. إذا كان العصيان والسخط نتيجة لظروف المجتمع وأفراده، فلا مجال لتنفيذ الحدود الشرعية، لأن التنفيذ منطقياً يقتضي أن يكون العصيان من أفراد مرضى أخلاقيًا وليس ظاهرة عامة.
  26. لذا، يمكن تطبيق الحدود فقط في مجتمع لا يُصاب أفراده بها إلا الأفراد الفاسدون.
  27. العدالة في فرض الغرامات
  28. في بعض الحالات، تُفرض القوانين بقسوة على الفقراء والمحتاجين، فيما يُغفل أصحاب السلطة والثروة، وهذا ظلم.
  29. مثلاً، في إيران، رغم ارتفاع حوادث المرور، يُعامَل السائق العامل المرهق وكأنه مجرم بسبب مخالفة بسيطة كوجود طين على لوحة السيارة، بينما يُغفَل المتنفذون.
  30. العدالة لا تقتضي ظلم الضعفاء، بل يجب أن ترفع من مستوى الثقافة القانونية، ولا يجوز معاملة الفقراء كالمجرمين.
  31. السجن كمصدر رعب
  32. في الإسلام، السجن هو رادع فقط وليس هدفًا، ويجب أن يكون مخيفًا بما يكفي ليقلل الجرائم، وليس فندقًا يُحتجز فيه كل من ارتكب مخالفة صغيرة.
  33. ولكن منفذي الحدود ليسوا أناسًا يخيفون الناس بالعنف، بل يجب أن يكونوا محترمين كي يكون الحد تربية وليس انتقامًا.
  34. ضرورة معالجة أسباب الفقر والاجتماعيات
  35. لا يجب تطبيق الحدود على الفقراء في وجود ظلم اقتصادي واجتماعي يتيح للغني شراء حتى الحدود.
  36. يجب أولاً إزالة الفقر وتأمين فرص العمل والمسكن والزواج، حينها لن يكون هناك حاجة لتطبيق كثير من الحدود.
  37. الزنا كمثال
  38. يمكن الحديث عن حد الزنا فقط إذا توفرت الظروف الشرعية كتوفر الزواج، والقرآن يبيح الزواج من النساء الأحرار والجواري ويحرّم الزنا.

في الجزاء أحيانًا يكون الهدف منه تخويف المخالف، وأحيانًا يكون الهدف إصلاح الفرد أو المجتمع، أو إرضاء ذوي الحقوق والمظلومين الذين أصابهم الجرم، وكلٌّ من هذه الأهداف مرتبط – وليس مطلقًا – بهذا الأمر. فمثلًا، إذا تحولت الظروف الاقتصادية إلى أزمة تُفقد كثيرين وظائفهم ومساكنهم، فإن حتى الأشخاص النقيين من المجتمع قد يرتكبون جرائم بحثًا عن مأوى، ولو كان السجن. فالعقاب بالسجن في مثل هذه الحالة، وخصوصًا في فصل الشتاء، يصبح مكافأة على الجريمة التي ارتُكبت. وكذلك عقوبة الرجم، إذا ما حلّ زمن لم تُحقّق فيه هذه العقوبة الغرض المرجو منها، ولم يكن تنفيذها له أثر إيجابي سوى تشويه صورة الدين وربطه بالعنف وجعله مادة للسخرية، فإنه يكون حكمًا غير مناسب. وهذا الأمر يحدث غالبًا عندما يُنفذ الحكم أشخاص غير مختصين وبدون علم، بل يدعون الخبرة ويستندون إلى استنباطات لا تأخذ في الحسبان موضوع الحكم أو مقاصده أو آثاره.

يجب أن تكون جميع الأحكام القانونية قائمة على معيارٍ واضح ومحدد، وإذا فقد القانون مَعايره أو تغيرت، ينبغي أن تُحدّ وتُقيّد القوانين. على سبيل المثال، إذا كان استخدام السيف تعبيرًا عن الشجاعة والغيرة لدى الشيعة، يمكن أن يُمارس علنًا ورسمياً، أما إذا كان يُتهم الشيعة بالعنف، فلا يجوز استخدام السيف في المجالس العامة.

كذلك، صنع الدمى في مجتمع يختلط فيه الشرك والوثنية يعد جريمة لأنه ترويج للعبادة الوثنية، بينما في المجتمعات المتقدمة حيث يُعتبر ذلك مجرد لعبة وأداة تعليمية للأطفال، يُسمح به لأنه يُسهم في تطوير فكر الطفل.

هذا النوع من القضايا يمكن لحكيم عارف بالمعايير فقط أن يوضحها، ومكانها هو فلسفة الفقه، التي تعتبر علمًا نادرًا ومهجورًا اليوم. فلسفة الفقه مثل فلسفة القانون هي من العلوم الضرورية، ومن مواضيعها فهم معايير الأحكام، ويجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار النواحي العلمية والإحصائية لتنفيذ الحكم بشكل تجريبي. بعض العقوبات تعطي نتائج إيجابية في مناطق معينة، بينما تكون لها آثار سلبية في مناطق أخرى تختلف ثقافياً وعرقياً، ولا يمكن وضع عقوبة واحدة تناسب جميع المناطق.

في الفقه نقول إن للفقه ثلاثة أبعاد: معرفة الموضوع، معرفة المعيار، ومعرفة الحكم. لا يمكن الحصول على الحكم بدون معرفة الموضوع والمعيار. في تقدير كيفية العقوبة يجب التركيز على النتائج والفاعلية، وهذا مبدأ في فلسفة العقوبات. التحقق من فاعلية وتنفيذ العقوبة عمل ثقيل ولا يمكن أن يقوم به إلا حكيم ماهر أو فريق بحث متكامل يجمع بين علم الاجتماع وعلم النفس. مثلما لا يستطيع المجتهد أن يصدر فتوى علمية دون معرفة نفس المكلفين والمجتمع الذي يعيشون فيه، فالفتوى التي تُصدر بدون هذا الاعتبار لا شرعية لها، وهذا الشخص قد يقود الناس إلى التقهقر الديني بسبب تعصبه وجمود فكره.

المجتمع النظامي لكي يتحرك بشكل صحيح وطبيعي، يجب أن يراقب أي مخالفة أو تقصير، ويضع عقوبات للمخالفين. ضرورة معاقبة المخطئ من قوانين الطبيعة، فحتى الطبيعة لا تترك من يؤذيها بلا جزاء، كما شرحنا في كتاب «علم الحياة». المهم أن نعرف لماذا يجب معاقبة المخالف؟ وما فلسفة العقوبات؟ هل المجتمع هو الذي يحق له التعامل مع المجرم؟ أم أن ضرورة الإصلاح والتربية تعطي المشروعية للعقاب؟ على سبيل المثال، نظام الكفارات في الإسلام يهدف إلى تربية المسلم الذي لم يلتزم بأحكام الدين، والكفارات رغم أنها تفرض تكاليف على الفرد، إلا أن رد فعلها يعود إلى المجتمع حيث يُرفع الظاهرة الاجتماعية مثل الإفطار في رمضان، ويحترم الجميع حرمة الشهر وأحكام الله. هذه نماذج للعقوبات التي مع أنها تهدف في الأصل إلى تربية الفرد، فإن لها دورًا اجتماعيًا.

نوع آخر من العقوبات لا يهدف إلى تربية دنيوية للفرد، بل أثرها مباشر على المجتمع، مثل القصاص الذي يُقتل فيه القاتل فيُسلب حياته الدنيوية. رغم أن القاتل يُطهر بحد القصاص من ذنبه، إلا أن ذلك لا يهدف إلى تربيته الدنيوية، لكنه درس وعبرة للمجتمع للحفاظ على النفس والدماء، فإما أن يحفظ الناس دماءهم أو يُقتلوا بالقصاص. قتل فرد بالقصاص يضمن حياة الآخرين، وله جانب تربوي يقوم على الرهبة.

العقوبات متنوعة جدًا: من الغرامات المالية إلى السجن، الجلد، النفي، والقتل. تحديد تناسبها وقياسها لا يكون إلا من الوحي، والعقل العادي لا يستطيع التدخل في هذه التفاصيل، والخلاف يبدأ في كيفية وكمية العقوبة وليس في أصلها.

عندما تكون العقوبة قائمة على معيار، يمكن أن تُمنح امتيازات لمن يحفظون النفس ويعيشون بنقاء، وتُعطى مكافآت لمن لم يرتكبوا مخالفات لفترة طويلة، فلا يقتصر النظام القضائي على العقاب فقط، بل يجب أن يشمل التشجيع والمكافآت، وينتقل النظام التربوي من نظام الرهبة إلى نظام التشجيع.

إن إقامة نظام تشجيعي مع تخصيص ميزانية له يُسهم في الوقاية من أضرار اجتماعية كبيرة، ويعتبر استثمارًا مضمونًا في حماية موارد الدولة التي تُنفق على محاكمة وملاحقة الجناة.

التركيز على نظام تشجيع المتقين

الجريمة وسيطرة النفس الأمارة بالسوء على الإنسان أمر طبيعي. القران يذكر ذلك مع الاستثناء: (إِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي). الإسلام يقيم الأعمال على النية، ومن ينوي الالتزام بأوامر الله يُثاب حتى على تركه المعاصي. في النظام القضائي، من الضروري الكشف عن كفاءات الناس وتشجيعهم اجتماعياً.

العقاب والجزاء يهدفان إلى الوقاية، والتشجيع هو من أفضل عوامل الوقاية. إذا أخطأ خادم للمجتمع مثل عالم، يجب مراعاة سجله الحسن عند اتخاذ قرار بشأن خطئه، ويُعتمد على القاضي لتقدير الأثر الاجتماعي الإيجابي أو السلبي للعقوبة.

المجتمع ينجح عندما يُدمج إلى جانب آلية العقاب، آلية المكافأة بقوة وقانونية، ويُشجع الأفراد الصالحين كما تفعل شركات التأمين التي تخفض الأقساط للمخالفين الأقل.

كما أن الضرائب تُخفض للمتعاونين في الإقرار الذاتي، وهذا يُسهم في تحصيلها. الوقاية بنظام المكافآت أفضل من الوقاية بالعقاب لأن الأخير يسبب ضررًا.

الانحياز لنظام العقاب ينبع من روح عنف، فالعقوبات التي تعتمد على الرهبة تزيد العنف وتثقل المجتمع بالجمود، على عكس نظام المكافآت الذي يخلق نشاطًا وحيوية، وينعش المجتمع ويعطي الناس شعورًا بالحرية والتقدم، بعكس نظام العقاب الذي يولد انقباضًا ويُفرض بقوة المكافآت والعقوبات.

لمنع الجريمة، يجب نشر الثقافة الاجتماعية والعدالة في إطار التشجيع والتأكيد على حرمة الأمور المحرمة التي تحمل أحكام الله، ويُراقب الناس من خلال ذلك، لا بالعقاب الذي يحمل خصائص الانقباض.

رغم ذلك، لا يمكن الاستغناء عن نظام العقاب، فهو ضروري ولازم. يجب أن يأخذ القضاء بالحسبان كلا من السيئات والفضائل، لتحقيق التربية الكاملة.

وحتى الآن، ذكرنا عدة مبادئ بخصوص تنفيذ العقوبات في زمن الغيبة:

  1. العقاب هو للوقاية والهداية وتربية الفرد والمجتمع.
  2. يجب أن يحدد مصدر موثوق وعالم طريقة ومقدار العقوبة، حتى لا يحدث تجاوز أو انتقام يخل بالغرض.
  3. نظام التربية القضائية يجب أن يشمل التشجيع والمكافأة، وبدون ذلك تكون العقوبات ذات أثر عكسي وتحول إلى جرم.
  4. يجب مراعاة حسن السجل في معالجة مخالفات العلماء والخدم، وإعطاؤهم تخفيفًا بناءً عليه، وليس العفو، لأن العفو يسبب ظلمًا وفوضى.
  5. يجب تصنيف المخالفات، ويُعطى الأولوية لمعالجة المخالفات الأكبر، ولا يعاقب أصحاب الطبقات الضعيفة بشدة بينما تُهمل مخالفات أصحاب النفوذ، فهذا يسبب فقدان ثقة الناس بالقضاء.
  6. الثقافة ضرورية لفهم معنى «الذنب» و«العصيان» و«الجريمة»، وهي أساسية للوقاية.
  7. على سبيل المثال، إذا لجأ الإنسان بدلاً من إشباع شهوته المشروعة تجاه النساء إلى الرجال مثل نفسه، فإن زلزالًا أو شيئًا مماثلاً قد يحدث. وتُستمد هذه العلاقة عبر الزمن من دراسة نفسية المناطق التي وقعت فيها الزلازل، ومن خلال تحليل ثقافة تلك المناطق والإحصائيات المتعلقة بالفساد فيها. ترتبط معدلات الفساد في كل مجتمع بأنواع الكوارث الطبيعية التي تصيبه. والأمراض المستجدة تُعد نموذجًا من الكوارث التي نتجت عن فساد الدنياويين. إن الفوضى السائدة في العالم المادي والآلام والكوارث الطبيعية التي تحل به، هي من صنع أيدي البشر الدنيويين القذرة، ولا تنبع من نظم الخالق العظيم. لا يمكن نسب الفساد والشر إلى الحق. الفساد والدمار والشرور من صنع الإنسان. من الله وحده تنزل الخيرات. ومن الخيرات التي وهبها الله للبشر في العالم المادي القدرة على الحركة والاختيار، وقد منحها للطيبين والخبثاء، وللدنياويين أيضًا. يستخدم الإنسان هذه القدرة في إحداث الفساد والهلاك في أرض كان من المفترض أن تكون مهده الآمن. وبناءً عليه، ليس الحق هو المتدخل في إحداث الفساد، بل هو الإنسان الظالم والطاغية الذي يحول الأرض إلى مقبرة عذابه.
  8. لأفعال وجوه مختلفة، وهذه التعابير كلّ منها تُظهر وجهًا من وجوه أفعالنا. عندما نقول «إثم» فهذا اللفظ يدلّ على خلاء الفعل من المحتوى، أما «ذنب» فيشير إلى استمرار الذنب، بمعنى أنه إذا ارتكبت ذنبًا، فإن هذا الذنب يتكرر، وإذا تكرر يصبح عادةً، وإذا صار عادة يتحول إلى طبيعة، وفي هذه الحالة يصبح من الصعب القيام بخطوة جادة للإصلاح والتوبة. وعندما نقول «سيئة» نؤكّد على شذوذ الذنب ويدلّ ذلك على الشقاء والبؤس، و«فحشاء» تعبر عن الطغيان. كل الألفاظ التي تُستخدم في مجال الذنب تعكس مظاهر مختلفة له لكي تبيّن وجوهه وأبعاده بشكل أفضل، وليس المراد منها أن تكون مترادفات. ففي اللغة الفلسفية لا يوجد كلمتان مترادفتان تمامًا؛ فعلى سبيل المثال، عندما نقول إنسان، بشر، وآدم، كل منها يعبر عن صفة مختلفة من صفات الإنسان. والألفاظ المتعددة التي تُستخدم للدلالة على الذنب تخضع لنفس الحكم، والهدف من استعمالها هو إظهار أبعاد الذنب بشكل أوسع وأوضح.
  9. في المنظومة التي رسمها الدين الإسلامي لرفاهية الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، تُعرف بعض الأفعال والأعمال التي تهدّد صحة وسعادة البشر بـ «الذنب» و «المنكر». ومن ثم، فإن جزءًا مهمًا من واجبات المؤمن، بل وحتى المجتمع المتديّن، هو الامتناع عن «المحرمات» أو «الممنوعات».
  10. وبالطبع، لا تقتصر «الممنوعات» و«المحرمات» على الأفعال والأعمال فقط، بل تشمل بعض المعتقدات الخاطئة والخرافية وغير المعقولة، مثل الشرك وعبادة الأصنام، وعبادة الطاغوت، وعبادة الأهواء، أو عدم الإيمان بربوبية الله تعالى، والبعث، وما شابه ذلك. بالإضافة إلى ذلك، بعض «الممنوعات» تدخل ضمن الرذائل والصفات الأخلاقية السيئة، وهذه الأمور أيضًا تقع ضمن منظومة «الذنب» و«المنكر».
  11. الانتباه إلى آثار وعواقب الذنب
  12. كتب العديد من المؤلفين عن «الذنب» وعقابه وأنواعه، لكن في هذه الكتب نادرًا ما تم تناول مسألة «الذنب» من منظور شامل تربوي واجتماعي. بمعنى آخر، غالبًا ما تُعالَج هذه المسألة من منظور تعبدّي وليس تحليلي أو مصلحي. ولم يُعطَ اهتمام كافٍ لبيئة وصياغة «الممنوعات» من منظور كلامي واجتماعي. النظرة المجردة وليس الواقعية إلى الذنب نقص واضح في الأدبيات الدينية المعاصرة، وهذا يضع فعالية التأثير الديني والإقناع الدعوي تحت الشك، ويضعف من قوته.
  13. ويرجع ذلك إلى طبيعة المعايير والآليات، فكل فعل له آثار تؤثر على روح الإنسان. مثلاً، إذا مارس الإنسان الرياضة، تزداد قدرات الجسم وصحته، وإذا أهمل الرياضة، تصيبه الأمراض تدريجيًا. لذلك، لكل ذنب آثاره الخاصة، ومنها الموت المفاجئ وضيق المعيشة.
  14. يصل المذنب إلى حد يفقد فيه القدرة على الدعاء، لذلك تصبح دعواته المحدودة بلا فائدة، وهذا هو النتيجة الطبيعية للذنب. فمثلاً، يُقال عن المسكرات إنها محرمة لأنها تؤثر على الدماغ عبر المعدة، وتُحدث فيه اضطرابًا، فتفقد الإنسان توازنه ويصبح عاجزًا عن أداء الأعمال وحتى القيام بالشؤون العادية للحياة. ولهذا فقد تناول القرآن الكريم العديد من المسائل المتعلقة بالذنب، وجميع الأحاديث النبوية في هذا الصدد تعبر عن حقيقة واحدة. كأن نقول: النار ساخنة والزهرة طازجة، لكن هذا البديهي غير واضح للإنسان، وميوله نحو الذنب تنبع من هنا. كل أفعالنا لها أسباب ونتائج، وهذا من تعاليم الأديان والرسل.
  15. ثبت في مكانه أن الإنسان كلما فكر بطريقة ما، عمل بناءً عليها، وكلما عمل، ظهرت آثار عمله بشكل طبيعي. وبعبارة أخرى: «ما يخرج من الجرة هو ما فيها». نحن نحصل على النتائج بناءً على أفعالنا، وكل ما في داخلنا يظهر إلى الخارج. وهذا ينطبق أيضًا على الحياة الاجتماعية والفردية. فإذا ركز الناس على المظاهر فقط وحققوا التقدم الظاهري، فسيشهدون نتائج ذلك في نفس المجال، أما الذين يهتمون بمضمون أفعالهم، فحتى وإن لم تكن حياتهم مزدهرة، وكانوا يشبهون المتسولين من حيث المظهر، إلا أنهم في الداخل يعيشون بسلام. وهنا يظهر الفرق بين التدين والكفر أكثر في المضمون وليس في المظهر.
  16. الإحسان والانتقام الإلهي
  17. قلنا إن أفعالنا وأعمالنا لها آثار لا تُمحى ولو بمقدار طرفة عين. وإن الإحسان الإلهي أحياناً يقتضي ألا تُسجَّل ذنوب العبد في سجلات الملائكة، كما ورد في بعض الأحاديث؛ بل أحياناً يقتضي الإحسان الإلهي أن لا يطلع حتى ملائكة التسجيل على ذلك، فلا يرونه، فيُعطى العبد فرصة أخرى لاجتياز الامتحان مرة أخرى. الإحسان الإلهي حقٌ مصحوب بالتدارك والتعويض. وإذا لم يغفر الله تعالى الذنوب، فإن الناس سيعلمون بها سواء في نفس اليوم أو فيما بعد، وربما بعد سنوات طويلة، لأن العبد لم يستغل فرصة التدارك التي أُعطيت له، وحكمة الله تعالى تمنع الإحسان إذا لم يكن التدارك موجوداً، فتُعطى السلطة للإحسان اسم الحكمة والعدل. ويجب أن نلجأ إلى الله من أن يحل مكان إحسانه الحكمة والعدل، أو أحياناً المكر، والتي لا تترك مجالاً للرحمة مع العبد بل تعاقبه بشدة.
  18. يتعامل الله مع بعض العباد المخطئين بالحلم والصبر، بمعنى أنه لا يُوقع بهم العقوبة أو الجزاء الجارح، بل يرضى بعلاجهم التوبة والاستغفار، ولكن إذا لم يشأ الله ذلك، تدخل حكمته وعدله وتسيطر. في هذه الحالة يُعاقب الخطَّاء الذين لم يعوضوا ذنوبهم بقسوة، وتُلقى عليهم ضربات شديدة، وتحيط بهم بلايا عظيمة، فتظهر أسماء الله القابضة والقاطعة والباطشة لتُهلك حياتهم وتقضي عليهم. باختصار، لا ينبغي الغفلة عن سلطة أسماء الله الجبارة.
  19. في بعض الأحيان، تؤدي الجرائم إلى أخطار وأضرار بالغة، لأن اسمي “المضلّ” و”المنتقم” يُفعّلان في الشخص الفاعل دون تهاون. إذا أراد الله أن ينتقم، فلا يستطيع أحد منعه، وأحياناً يقود الإنسان إلى الهلاك التام. من ارتكب جريمة لا مفر له من هذين الاسمين سوى أن يدفع الثمن. يجب أن نلجأ إلى الله حتى لا يبتعد الإنسان عن رغبة ورحمة ربه. فالرحمن الرحيم، الذي يمنّ بهذه النعم، إذا تجلى باسم “المنتقم” لا يُطاق، وتبدأ ساعة صعبة جداً، مسار قاتل يقطع عروق الإنسان ويأخذ كل ما لديه، لا يترك له حتى حذاءً أو قبعةً أو ثوباً. هذه نهاية المعصية. من كان في البداية تحت اسم “الهادي” في نعمة، يقع بالمعصية في قبضة “المنتقم” ويجب أن يدفع الثمن. ولهذا قيل: “ترك الذنب أسهل بكثير من التوبة.” فاسم “المنتقم” يفرض على صيام يوم كفارة ستين يوماً، ولا بد أن تكون الأيام الأولى متتالية، أي يلتقي المنتقم بالمخطئ بأقصى جلاله لأنه كسر حرمة الحق، ويريد أن يهزم نفس المخطئ! أسماء الله تدخل في تشريع الأحكام، واسم “المنتقم” في كل مكان حافظ على حرمة الحق، ويكسر ويذل المخطئ. لذلك، من الأفضل ألا يلوث الإنسان نفسه بالمعصية، وألا يقرب نفسه من ميدان هذا الاسم. فهذا الاسم “المنتقم” يأمر، ولو للحظة مع الذنب العظيم والوقوع في العقاب والنقمة، بأن يُلقى المرء في الجب ويُسقط من على الجبل حتى تتحطم جميع أعضائه وتتكسر. هذه الشريعة وليست مزحة، بل يجب أن يعرف الإنسان “المنتقم” لله. عندما يريد الله أن يظهر جلاله، تمنع الحكمة الرحمة، وتأخذها إلى الباطن، وتُظهر النقمة على الظاهر.
  20. يعاقب الله العباد الذين يصرون على الذنب ويتمردون في عصيانهم، وليس صحيحاً أن نظام تربية الله خالٍ من العقاب، مع أن العقاب هو الخيار الأخير الذي لا بد منه. نظام التربية المجتمعي لا يمكن أن يخلو من الحدود والقصاص والديات، ولا يمكن إلغاء الإعدام. صحيح أن في الأنظمة غير الإلهية تُستخدم هذه الأحكام ذريعة للظلم، لكن في النظام الإلهي، تُنفذ بشروط صارمة وكخيار أخير، فتكون سبباً في نمو النظام الاجتماعي وحفظ الأمن النفسي للأفراد، وتأديب المجرمين.
  21. الله خلق نظام الوجود بجمال وكمال وحسن، ولأنه خلق الإنسان، قال عن نفسه “ما شاء الله” ولكن إذا عصى الإنسان، فإن الله يقتله بصاعقة وبريق البرق لكي يعلم الذين يرتكبون الجرائم والعصيان أن نهايتهم قاسية جداً.

الطلب بالعافية والإثم

أما فيما يتعلق بما يُغفل الإنسان ويجعله يغرَق في الإثم أكثر من أي شيء، فهو “الطلب بالعافية”. فالعافية في ذاتها تُغفل الإنسان عن معاناته وحرمانه وفقدانه، كما تجعلُه يغفل عن مشاكل الآخرين. العافية تضع غفلة عميقة في النفس، حتى إن الفرد قد يصل بها إلى الاجتهاد في الغفلة، أي يجد أسبابًا لتبرير غفلاته. على سبيل المثال، عند رؤية فقير، يقول: “لو شاء الله، لآتاهم شيئًا”، فيُعتبر ذلك استحقاقًا للفقر والبؤس الذي يعانيه. من يفقد العزيمة ويُرخى القلب، يكون في منحدر الضلال. أما الإنسان اليقظ، فيستطيع بقبول البلاء والألم أن يقترب من الله. أعظم ما يمنع الإنسان من الإثم هو “الألم”، وأشد أنواع الغفلة والضلالة هو طلب العافية والابتعاد عن الألم، الذي يجعل الإنسان أسيرًا لإسم “مُضلّ”.

يكتسب الإنسان قوته وحيويته من حرارة الألم والفقدان والمصاعب والبلاء، ومن هذه الحرارة يستمد الطاقة اللازمة للابتعاد عن العصيان والتمرد، وللسير في طريق المحبة والعشق. لذا ينبغي أن نلجأ إلى الله ونتضرع إليه أن يوفقنا للابتعاد عن هذه الغفلة التي هي أصل كل الشقاء والضلال.

الاهتمام بالنظام التشاركي للأفعال

يجب الابتعاد قدر الإمكان عن الإثم، لأن تعويض الكثير من الخسائر يكون مستحيلاً. وإذا تدققنا في نظام التشاركية في الأفعال، هل يعقل أن يكون أحدهم راضيًا عن جميع المخلوقات التي ظلمها بإثم واحد؟ لا يمكن إلا أن يكون هناك تعويض؛ بمعنى أن الجميع يرضون بعضهم البعض. كون النظام الكوني تشاركيًا يجعل الإثم الفردي يسبب اضطرابًا ذهنيًا للآخرين. وهل يمكن رضا من تسببوا في ارتكاب أسوأ الآثام حتى بعد مئات السنين؟ الحل الوحيد هو تجنب الإثم. وحتى لو تحدثنا عن التعويض، فلا يمكن رضا الله به، لأن الله لا يدين لأحد.

وفقًا للنظام التشاركي للأفعال، فإن مرتكب الإثم لا يستطيع أن يكون مسؤولًا منفردًا عن تحقق الإثم، إذ تلعب الظروف الخارجية وأمور أخرى دورًا رئيسيًا في ذلك. ولذلك، لا يمكن أن تكون العقوبة فردية ومحدودة. يجب دراسة جميع جوانب الإثم أو ظروف الجاني ليُطبق عليه العدل النسبي، وإلا سيكون القاضي والمنفذ أنفسهم من المجرمين المتفوقين الذين يحصلون على مكانتهم الاجتماعية وقداستهم من خلال الإثم.

على العاصي أن يخاف من ثلاثة عوامل مؤثرة على صعيد التأثير التراكمي:

  1. المجتمع
  2. النفس البشرية
  3. الحق تعالى

فالعاصي أولاً يخسر نفسه، وإذا عرف الله، يخسره هو أيضًا، ثم يفقد الناس.

عندما يظهر في الإنسان عمل قبيح، يجب أن يستعد للأذى والخسارة من جميع الجوانب: العامة والخاصة، النفس، رد فعل الله، والتأثيرات الاجتماعية. وكلما اتجه أكثر نحو الشر والطغيان، تتجلى آثار العقاب الطبيعي على هذه المستويات الثلاثة بوضوح أكبر.

كرامة الإنسان تتعلق بفكره وعفته، والعاصي يفقدهما. تنهيدة العاصي، عرقه البارد، ونظرته الخالية من الروح والطاقة، لا تقل عن الموت الحقيقي. الإثم يحطم الإنسان ويكسره، وهو بمثابة “موت تدريجي”. العصيان وعذاب الضمير أكبر عوامل هذا الموت التدريجي. الإثم يقصر العمر بشكل ملحوظ. لو صببنا ذرة من تنهيدة العاصي وعرقه البارد في عالم مملوء بالسرور واللذة، لفقد هذا العالم كل نوره.

العذاب النفسي بسبب العصيان لا يقارن بألم الضرب أو قطع الأعضاء، فالعذاب النفسي أشد وأقسى.

الألم والخوف من عقاب الإثم أشد بكثير من لذة المعصية. من يرتكب العصيان بلا حساب، يجب أن يعلم أن آثار الإثم ستظهر عليه بالمثل.

فقدان الغيرة والعاطفة

من تبعات الإثم أن العاصي إذا تعود عليه، يفقد غيرته، يصبح بلا إحساس أو عاطفة أو ضمير، لا يتألم ولا يندم، بل يستمتع بالإثم. يبدو كما لو أن مادة التخدير قد حقنت في جسده. إذا أدرك العاصي عمق إثمه وجريمته، سيشعر بأنه أضاع وجوده كله بهذا الإثم، وكأن إناءً ثمينًا وزجاجيًا كُسر وتحطم. كأنه فقد ابنه بمصيبة عظيمة تعصف بروحه ونفسه.

تأثير الإثم والجرائم العامة

إذا اكتسب الإثم طابعًا اجتماعيًا عامًا، يمكن أن يسبب كوارث طبيعية. الكوارث مثل الزلازل، الفيضانات، الأعاصير، الأوبئة، السرطان، وكل الأضرار التي تلحق بالأرض، تنبع من نوع من الفوضى وعدم النظام الطبيعي أو الإثم الجماعي السائد.

هذه الكوارث خالية من النظام، وفوضوية تسبب الشرور والأضرار. الفاعل في هذه الفوضى هو الإنسان الجاهل والأناني. الله سبحانه وتعالى سلّم الدنيا لأهلها، وهذه الوصاية قانون طبيعي. الأضرار والكوارث الطبيعية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالفساد الذي يفعله البشر.

مثلاً، في الزلازل عوامل عدة، منها وجود الفوالق في الأرض، ومنها الفساد البشري. مقارنة إحصائيات الزلازل مع معدلات الفساد في المجتمعات تظهر علاقة واضحة: كلما ازداد الفساد، ازداد عدد الزلازل وشدتها. الدراسات الميدانية في المجتمعات المختلفة تؤكد هذا الارتباط، ويمكن عبر التجربة والخبرة التوصل إلى قواعد علمية قابلة للتثبت والتكرار.

كذلك نوع الفساد يؤثر على كيفية وقوع الكارثة، توقيتها، وحتى وقت حدوثها ضمن اليوم أو السنة. أحيانًا يكون الإثم سببًا في زلزال يهز الأرض والزمان، فتتشقق الأرض وتنهار الأبنية الشاهقة كأنها طعام يُقلب بالمغرفة. مثل هذه الزلازل تدفن الناس أحياءً، حتى أعلى المباني يقع في أدنى نقطة في الأرض.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V