الطلبة والالتزام في العمل
حضرة آية الله ()
البيانات التعريفية
- الاسم: ، ، مواليد ١٣٢٧ هـ ش
- العنوان والمؤلف: الطلبة والالتزام في العمل /
- بيانات النشر: إسلام شهر: منشورات صباح فردا، ١٣٩١ هـ ش
- الصفحات: ٤٨ صفحة
- رقم الكتاب الدولي المعياري: 978-600-6435-86-2
- تصنيف المكتبات: فيبا
- الموضوعات: الحوزات العلمية – الأهداف والأدوار، الطلبة – أساليب الحياة
- تصنيف الكونغرس: BP7/4/N8T8 1391
- تصنيف ديوي: 297/071
- رقم التسجيل الوطني: 2997085
المقدمة
إن السعي لتحقيق أفضل الأعمال وإتمام المسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتق الإنسان بشكل صحيح ومنظم، يعد من الأسس الرئيسية لبناء الثقة بالنفس، ومن أهم القضايا في تعزيز الاعتزاز الذاتي للأفراد. فالشعوب التي لا تجعل الالتزام في العمل جوهر عملها، وتتسم بالإهمال في أداء المهام، تتدهور يوماً بعد يوم، ولا تنتظر لها سوى الهوان والخذلان والتخلف.
يهدف هذا البحث إلى دراسة بعض عناصر الصحة والكمال في أداء الأعمال، ويركز بشكل خاص على الحوزات العلمية والعلماء وطلاب الدين، موضحاً الضروريات المتعلقة بتحصيل العلوم في الحوزات وسبل الالتزام المهني للطلاب. ويؤكد على أن الطالب يجب أن يكرس جهده لأهم وأولى مسؤولياته، لا فقط للأعمال المهمة والضرورية. كما يشير إلى أن أهم عمل لطلاب العلوم الدينية هو تحصيل العلوم الدينية والبحث في قضية “الولاية”، خاصة “الولاية الروحية والباطنية”، والتعمق في فصول النور والمقامات النورانية للأئمة المعصومين عليهم السلام، ولا سيما السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
مكانة الطلبة وأمانيهم
الطالب مرتبط بأهداف الدين وأماني أهل البيت عليهم السلام، ولا يمكنه أن يعتبر نفسه مستقلاً أو حراً بمعزل عن هذا الارتباط. فهو متصل بمحبة الإمام الزمان ومسيرة حضوره المعصوم في باطنه وظاهر وجوده، ولا يجوز له أن يكون غير مبالٍ بهذا الارتباط.
مكانة العلماء في النظام الإسلامي وعلى المستوى العالمي حساسة للغاية، وقد يغفل البعض عنها، بينما يدركها أعداء الدين والمعادون للروحانية الذين يشاركون في الأحداث الاجتماعية. هؤلاء يدركون تأثير النظام الروحي في المعادلات الإقليمية والدولية، ولا يمكن تجاهل دور العلماء أو استبعادهم في المعادلات السياسية. ولذلك يحاولون التقليل من تأثيرهم من خلال تشويه صورة الروحانيين، لكن استئصال الروحانية غير ممكن، إلا إذا ساهم العلماء أنفسهم بسلوكياتهم الضعيفة أو السيئة في إضعاف هذا النظام الإلهي.
…
(ويمكنني استكمال الترجمة لباقي النص حسب رغبتك.)
مع الأخذ في الاعتبار أهمية ودور العلماء في تحقيق الأهداف الإلهية وتثبيت الدين الحق بين الناس، يجب أن نسأل اليوم: ما مدى نجاح العلماء والطلاب في مختلف المستويات العلمية والسنوية؟ هل تمكنوا من أداء الرسالة الملقاة على عاتقهم أم لا؟
والحقيقة أن العلماء الدينيين قد أبدوا نشاطاً ملحوظاً في المجالات العامة والأعمال التنفيذية، وقد حققوا في هذه المجالات في بعض الأحيان إنجازات مبهرة. ولكن القول إن أداء هذه الأعمال يمثل كامل مهام العلماء غير صحيح، فالهيئة العلمية للعلماء تتمثل في كونهم خبراء ومتخصصين في قضايا الدين.
إن الاهتمام بالأمور الاجتماعية – التي تبدأ من لحظة ولادة الإنسان بإقامة الأذان في أذنه، مروراً بعقد الزواج وتهيئة بيت العروسين، وحتى رعاية غسل وكفن الموتى – رغم ضرورته، إلا أنه إذا اقتصرت جميع جهود العلماء على هذه الأمور دون متابعة الجوانب العلمية، فإن مكانتهم العلمية ستتلاشى، ولن يكون لديهم القدرة على قيادة الفكر المجتمعي، ولن يرى المجتمع فيهم الإجابة العلمية التي يحتاجها.
هل تعترف اليوم المجتمعات بأن الحوزات العلمية هي مراكز لإنتاج العلم والمعرفة؟ هل يلبي علماء الدين الاحتياجات الفكرية للمجتمع العلمي في تخصصاتهم؟
هل يملك العلماء الحوزويون نظريات وأفكار في الأدب العربي – اللغة التخصصية لهم؟ هل لديهم معرفة بتاريخ هذا العلم؟ هل هناك نقاشات حول القضايا الجديدة في الفقه وأصوله، أم أن المناقشات العلمية في الدورات المختلفة مجرد إعادة لما قاله الفقهاء والأصوليون في المئتي سنة الماضية؟
في مجال الفلسفة والعرفان والكلام الجديد، وبالرغم من وجود بعض القصور، يمكن القول إن الاختبار مقتصر على قراءة بعض الكتب الأولية مثل “بدایه الحکمة” و”نهایة الحکمة” فقط، وبشكل محدود غير شامل.
ومن المهم التنويه إلى أن العلماء يحتاجون إلى مؤسسة مسؤولة ومنظمة تُخطط بشكل واسع لمستقبلهم العلمي وتأمين معيشتهم الكريمة. فالكثير من العلماء كانوا بإمكانهم أن يصبحوا بارزين في العلوم، لكن المشاكل الإدارية والمعيشية للحوزات أبعدتهم عن مكانتهم العلمية، وأجبرتهم على ترك الدراسة والتخصص.
وبالرغم من أن الفقر لا يبرر ترك العلم، إلا أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الجهات المسؤولة عن الحوزات. للأسف، نرى في بعض الأحيان أن الطلاب الذين لا يقدرون الدراسة والبحث العلمي في وضع أفضل بكثير من العلماء الذين يكدحون ليل نهار في طلب العلم.
بعد الثورة الإسلامية، وبسبب توجه بعض العلماء نحو الأمور التنفيذية والدنيوية، أصبح الدرس والبحث العلمي أمراً ثانوياً في النظام الحوزوي.
يجب أن ننتبه إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين كانوا يمارسون الأعمال التنفيذية لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى الدراسة الشاملة، أما العلماء فبحاجة إلى تحصيل العلوم المتكاملة ليؤدوا دور “الهداية الدينية” بكفاءة.
إذا قضى العلماء وقتهم كله في الأعمال التنفيذية، فسيفقدون دورهم في الهداية، ولن يكونوا قادرين على تقديم المشورة العلمية المتخصصة، وإذا انغمسوا فقط في الدراسة وأهملوا مجتمعهم، فسيصبحون علماءً مکتبيين يفتقرون إلى فهم علم الاجتماع وتقنيات الإرشاد النفسي.
من هنا، يجب أن يكون الهدف الأساسي للحوزات العلمية هو تحقيق التوازن بين الدراسة العلمية والقيام بالمهام الاجتماعية والتنفيذية. فلا ينبغي أن ينغمس العلماء في الأعمال الإدارية والتنفيذية إلى درجة تهميش البحث العلمي والتدريس، كما لا يجوز لهم الانعزال التام عن المجتمع بحيث يفقدون الاتصال بحاجات الناس وهمومهم.
لذلك، يجب على المؤسسات الحوزوية أن تضع خططاً استراتيجية تضمن توفير البيئة المناسبة للعلماء والطلاب، بحيث يمكنهم متابعة تحصيل العلوم بكفاءة عالية مع الإبقاء على قنوات للتفاعل مع المجتمع وتقديم الإرشاد والنصح.
وعلاوة على ذلك، ينبغي تطوير المناهج الحوزوية لتشمل مناهج حديثة تواكب التطورات الفكرية والثقافية، بحيث تدمج بين الفقه القديم والقضايا المعاصرة، مع تعزيز البحث العلمي، وتحفيز النقاشات الأكاديمية الرصينة التي تدفع الحوزة إلى الأمام.
كما يجب توفير الدعم المادي والمعنوي للطلاب والعلماء، لأن ذلك من العوامل الحاسمة في نجاحهم وتمكينهم من أداء رسالتهم العلمية.
وفي الختام، لا يمكن للحوزات العلمية أن تحقق أهدافها السامية إلا إذا تمكنت من إعادة بناء هويتها العلمية والاجتماعية، فالعلماء هم قادة الفكر، وبدونهم يضيع الطريق، ويغيب النور عن المجتمعات التي تعتمد على الهداية والتوجيه العلمي الدقيق.
يُصاب الإنسان بالإحباط واليأس، وينفصل عن مصالحه الخاصة. وإذا وُجد هذا الشعور في شخص ما، فإنه في الحقيقة يكون قد بلغ مرتبة من الإدراك الروحي، حيث يرى كل ما يُنجز من أجل المحبة على أنه خير وجمال.
فلمَن يطلب الإنسان المنفعة؟ هل هي لجمع المال والادخار، أم للزوجة أو للابن أو للابنة؟ فإذا ورثت الزوجة المال، فإنه بعد موتها ينتقل إلى رجل آخر، وإذا ورثت الابنة، فهو يُقدّم للعريس – وهو الذي تزوج ابنتك – أو يذهب للابن الذي هو تحت رعاية زوجتك – أي الذي تزوج ابنك.
الشخص الذي لا يحمل في حياته حباً، ولا يعمل بحب، ويسعى في كل أمر من أموره لمصلحة حسابية، لا ينال سوى الضرر والخسارة. وطبعاً الله يتعامل مع الإنسان بحسب غايته… ولا يُعرف هل سالكو الطريق بلا غرض أقل نفعاً من غيرهم… نحن لا نعلم ما وراء هذه الأحداث، وكل ما يمكن قوله هو أن أهل الدنيا في خسارة ظاهرة، وكما يُقال: لقد ضاعوا وخُدعوا.
الصلاة أيضاً هي لغة الحب، فلا يوجد فيها مكان للتسول، بل هي مليئة بعزة المحبة، كلها طلب وعطاء، إلا في قول “إياك نستعين” وفي القنوت حيث يكون هناك استعانة ومناجاة.
مشكلة بعض المداحين والخطباء أنهم لا يعلّمون لغة الحب، ويجعلون الخطب والدعاء كلها مناداة وطلباً للمساعدة. والله تعالى العليم الحكيم، ماذا يحتاج إلى طلب حاجاتنا في الدعاء؟ ومن أين نعلم أن ما نطلبه ليس من الخسائر التي ذُكرت؟
الرضا عن العمل
يجب أن يكون الإنسان راضياً عن عمله، فالعمل المحبّ أفضل من العمل الراضي عنه فقط. ولكن على الأقل يمكن أن نرضى عن حياتنا وأعمالنا ونعيش بالرضا. المعرفة وحدها ليست كافية للحياة، بل الرضا والسرور أيضاً شروط مهمة للحياة.
قلنا يجب الالتزام في العمل وإنجازه بإتقان وبحب. مثلاً، يجب أن يدرس الإنسان بحب. من يقرأ “أسفار الملاشيدرا” بعد أربعمائة عام، لا ينبغي له أن يكتب كتاباً يشابه هذا العمل الذي كُتب قبل أربعمائة سنة، فإن فعل ذلك، فإن ملاصدرا كان سيقول له: كيف تجرؤ أن تكتب كتابي بعد ثلاثمائة عام؟
في العمل يجب أن يكون الذهن نشطاً ومبدعاً، وأن نبتعد عن التقليد والتكرار، ويجب أن نوفر في أنفسنا بيئة ثقافية منتجة. العمل التكراري والإعلاني لا يمكن أن يوجه الناس دينياً، لأنه بعد فترة يعطي نتيجة عكسية، وهذا أمر مهم جداً خاصة في الأمور الروحية.
عدم النشاط وعدم الابتكار موجود أيضاً في البحوث الصوفية، ففي بعض الأبحاث المهمة جداً التي هي من مصادر الأفكار السائدة في المجتمع، لا يُبذل جهد كافٍ، وكتاب “فصوص الحكم” مثال على ذلك. قال أستاذنا: من الظلم أن يدرس أحد التصوف النظري ويقرأ “فصوص الحكم”.
بعض الأمور هي زينة باطلة يجب تنقيتها من فكر المجتمع وثقافته، مثل وضع الشوارب الكبيرة ولبس العباءات، فهي من الزينة غير اللائقة.
العدل الاجتماعي أو الولاية العامة
تحقيق “العدل الاجتماعي” من شعارات الحكومة الشيعية، وهو مقدمة لـ “الولاية العامة”، والولاية العامة أعلى منزلة من العدل الاجتماعي. من وجهة نظر الشيعة، لم يُؤمر بالعدل الاجتماعي فحسب، بل أُمر بالولاية العامة.
قلنا إن عمل العالم مبني على “المحبة”، ومن لا يعمل بحب فهو ميت، والحياة في المحبة. المحب متواضع دائماً ولا يوجد فيه استكبار، وهو على علاقة ودية مع الجميع، أما من تسلل إليه الاستكبار فهو عاجز عن بناء علاقات صادقة، وتتراجع علاقته بالناس تدريجياً.
الذي يعمل بحب يتبنى شعار الإيثار، ونحن في زمن يحتاج فيه الإسلام إلى العطاء والتضحيات. هناك نقد كثير للدين، وهجوم ثقافي على أركان الدين والإيمان، وهذا يحتاج إلى تضحية ونكران ذات وتجنب الاستكبار. تجنب الاستكبار خاصة لرجال الدين الذين هم أيتام آل محمد عليهم السلام ورُواد مقاومة الكفار المعاندين، أمر ضروري.
كيفية ونوعية العمل مهمتان في التعامل مع الثورة الإسلامية، ويجب أن نساعد كل من يعمل من أجل هذه الثورة حتى لو آذونا، ومن الخطأ أن يخدم أحد النظام عشرين عاماً ثم يتركه. المشاكل موجودة ويجب حلها بالحكمة والوقت. ألم يمهد النبي صلى الله عليه وآله أسس الدين ولم يُعالج الأسطح فقط؟! كل شخص عليه واجب حسب طاقته.
رجال الدين يجب ألا يكونوا فرديين التفكير أو يركزوا فقط على اكتساب العلم، بل يجب أن يجعلوا أبحاثهم جماعية ليواجهوا تحديات المجتمع والدين والثقافة الدينية، وأن يناقشوا الكتب مثل “فصوص الحكم” و”الأسفار الأربعة” بشكل جماعي، إذ كثير من محتويات هذه الكتب ليست فلسفة ولا تصوفاً. لكن يجب التمييز بين الكتاب وصاحبه واحترام علماء الدين.
على العلماء التفكير كيف يرتقي “الطلبة”، فالطلبة أمر مقدس، وطلابي ليسوا مثل “الأخوند” الذين يستغلون الدين لكسب الدنيا. الطلبة هم ورثة النبي صلى الله عليه وآله، لكن بشرط أن يكونوا ذوي معنى ومضمون.
يمكن للإنسان أن يكون نشطاً حتى أثناء النوم، لكن كيف؟ لا يجب الخوف بل يجب خوض الميدان.
المداومة على قراءة القرآن الكريم
من الأمور المهمة جداً للطالب والمجتهد المداومة على قراءة القرآن، أحياناً من بدايته وأحياناً من نهايته، حسب الحالة النفسية.
تجنب التكبر
يجب أن يكون الطالب كالنواة التي لا تتشقق بسهولة، وبعد عشرين عاماً من الدراسة يجب أن لا يبقى فيه أثر للتكبر، فالتكبر من أسوأ صفات الشيطان، كما أن انكسار النفس وتقليلها نقص أيضاً. علينا أن نكون معتدلين لا متكبرين ولا متكاسرين، وأن نكون نشطين في العمل، فالسلوك يعني النظرية مع التطبيق.
هيكلة العمل
العمل بلا هيكل لا ينضبط، ويجب إعطاء العمل هيكل. إذا كان للعمل هيكل، سيكون كما تريد. مثلاً، إذا أردت أن تشكل فكر شخص، عليك أن تبني له هيكل الفكر، ليظن كما تفكر، ولو لم يكن بجانبك. اتركه حرّاً يفكر.
كما سبق، يجب تقديم العمل بشكل جميل ومنظم، لأن عرض العمل يحتاج إلى تصميم وهيكل جميل.
إنجاز الأهم
يجب دائماً القيام بالأهم، وألا ننشغل حتى بالأعمال المهمة إلا إذا لم يكن هناك أمر أهم، وألا نقوم بالمستحب إذا كان هناك واجب.
تفاعل المعرفة والعمل
العمل تابع للمعرفة، وللأسف لم ينمو هذا الجانب عند المسلمين، بسبب خلفاء بني أمية وبني العباس الذين لم يشجعوا على المعرفة العميقة، بل ركزوا على أداء الصلاة فقط دون فهمها. إذا كان الإنسان موقناً بالله، يحفظ نفسه، ولهذا كان الأولياء مهمين.
للتعرف على الأولياء والحقيقة، هناك حاجة للقرب، ومع ذلك لم ينمِ الإسلام باب المعرفة خلال 1400 سنة بسبب المعوقات.
بعد هذه المدة، جاء الدفاع الإيراني في الحرب ضد العراق مع شهادات. الهدف من هذه الحرب كان إسكات صوت رجال الدين، لكنهم أجبرونا على القتال، وخرجنا منتصرين بفضل الشهادة والصلابة الشيعية.
ومع ذلك، لم تتوفر الفرصة لنبين محبة وحنان الشيعة، بينما يدعي المسيحيون زوراً أن لديهم ذلك. في مجال المعرفة لم يفعل شيء يُذكر، وهناك من قال: “النبوّة قبل الإمامة، لكن علياً عليه السلام قبل النبي”، وهو يعجب علياً لكنه لا يفهم.
نعم، لم يسمح الخلفاء بنمو المعارف، ويجب بذل الجهد في تحقيق المعرفة الحقيقية. كنت أود أن تُدرَّس في الحوزات علوم التعبير، حقيقة الشيطان، علم النفس، الاستخارة، التأويل، الولاية، أسماء الله، تفسير القرآن وغيرها من العلوم الروحية، وأن يعرف العلماء بها. حاولت تنظيم دورات، لكن لم أجرؤ على التحدث عن الولاية إلا قليلاً في كتاب لم يُنشر بعد.
التعرف على مفاتيح التقدم
في كل عمل يجب التعرف على مفاتيح التقدم. أحياناً تُفتح الأبواب الكبيرة بمفتاح صغير، وبدونه تبقى عالقاً. مثلاً، فتح أي مجتمع يحتاج مفتاحين: الأول هو نفوذ الناس العاديين، والثاني هو النفوذ من أعلى، عبر المسؤولين، ومن خلالهم السيطرة على المجتمع. في الطريقة الأولى يبدأ بالناس ويدعمها منهم.
وبناء على خبرة وأدلة في علم الاجتماع، التقدم غالباً يكون من الأعلى إلى الأسفل أو بالعكس.
لقد فشلت الطريقة من الأسفل إلى الأعلى إلى حد ما، ولا يمكن غالبًا فتح قلوب الناس بهذا المفتاح؛ لأن هذه الطريقة بطبيعتها مرتبطة بالمناورات السياسية والمساومات. إن استعمال طريقة من الأسفل إلى الأعلى أمر عسير جدًا، لكن التجربة أثبتت نجاحها الباهر. والمثال التاريخي على هذا المفتاح هو السيد جمال الدين الأسدي. لقد تعرّض السيد جمال رحمه الله لاتهامات من هذا القبيل لأنه كان يتحرك من الأعلى إلى الأسفل.
وأعتقد أن طريقة النفوذ من الأعلى إلى الأسفل لا تحقق أي نجاح. لم يتبع الأنبياء هذا المنهج؛ بل كانوا: «آمنوا كما آمن الناس» (1). أما الكفار فقالوا: «أنؤمن كما آمن السفهاء»؛ والسفيه يعني أهل الطبقة الدنيا في المجتمع. فالقول «آمنوا كما آمن الناس» يعني أن الذين تذكرونهم ليسوا سفهاء بل هم ناس عاديون.
إن أساس المجتمع هو الأسرة. في الدعوة الدينية يجب أن يبدأ الإنسان بنفسه وبأسرته وأقاربه، كما كان سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. يقول القرآن الكريم: «قُوا أنفسكم وأهلكم نارًا» (2)، ثم في المرحلة الثانية يجب أن تتوجه إلى الناس وتكون «دعاة للناس بغير ألسنتكم» (3).
وفي مثال آخر، يجب القول إن طريق إصلاح الحوزة هو ذات الطريقة. إذا أخبرت طالب علم بشيء فإن ذلك يكون أكثر تأثيرًا من أن تخبر عالمًا كبيرًا، لأن هذا الأخير بدوره يقول لآخر، فيقول: حاضر! وتنتهي القصة هنا، بينما الطالب يتبع الأمر بنفسه ويعمل به ولا ينقل الرسالة. الطالب يوازن بين الأمور المهمة وغير المهمة ويأخذ واجبه الحالي بعين الاعتبار.
في كل عمل يجب مراعاة الأمور الأهم وتنفيذها دومًا. على سبيل المثال، لا ينبغي لمن يشغل منصبًا حكوميًا ومسؤولية وطنية أن يُدرّس. إذا قضى وقته في الدراسة، فإنه يظلم حقوق الناس. إذا أراد التدريس بشكل تقني، يجب أن يخصص وقتًا طويلًا للدراسة، وهذا يمنعه من التركيز على حل مشاكل الناس. غالبًا، فإن هؤلاء الأشخاص بسبب كثرة انشغالهم لا يستطيعون إتقان التدريس.
نقول: إذا تولى أحدهم منصبًا ومسؤولية، ورغب في التدريس معًا، ودرس أثناء قيادته للسيارة، فإن دراسته ستكون آلية فقط!
لتنفيذ أي عمل يجب أن يكون هناك التزام ومتابعة لعمل واحد بجودة عالية، وتجنب التشتت. إذا ضرب المطرقة على مسمار واحد، فإنه سيثقب الأرض في النهاية. من يسعى وراء الدنيا والمسؤوليات الاجتماعية يفقد بالضرورة جانبًا من المعاني العلمية، ومن يطلب الروحانيات يفقد جزءًا من النجاحات الاجتماعية والدنيوية.
العمل من أجل العمل ذاته
في أي عمل يجب تقدير العمل نفسه، وأن يكون معيار قيمة العمل هو معرفته. لا ينبغي أن يكون العمل قائمًا على القيم المادية أو الربح التجاري. إذا اعتبرنا إصلاح الحوزة عملاً مهمًا، فلا بد من التفريق بين الطالب والعامل التجاري. وأطلق على أحدهما “طالب” وعلى الآخر “آخوند” الذي هو تاجر ديني! فالطلاب هم ورثة الأنبياء والرسل وذو وجوه مقدسة، بينما الآخوند هم وسطاء الرب! إن الحوزة تنقسم إلى قسمين: علمية وكسبية (!) ويجب فصلهما. الطالب الذي يدرس وليس تاجرًا، يجب أن يُحترم وكأنه يحمل ترابًا مقدسًا. حين أقول “طالب” فأنا لا أقلل من الأولياء والأنبياء، ولكن يجب تمييز الآخوند التاجر عنهم. الشخص الذي يعمل في عدة مجالات لا يستطيع التفكير والثقافة، وليس لديه وقت للدراسة، يجب أن يركز على عمل واحد.
اليوم، الناس لا يصدقون أن المدرس لا يتقاضى أجرًا، بينما كان أسلوب القدماء مختلفًا. سابقًا، لم تكن العلوم تقارن بالأمور المالية، والمال لا علاقة له بالعلم! الحوزة ليست سوقًا، والعلم ليس تجارة. بالطبع، الحياة ليست كذبة ويجب أن تُدار بشكل معتدل، لكن لا يجب أن يكون هناك طبقة عالية جدًا من جهة، وموقف مزري لكثير من الطلاب من جهة أخرى. لتحقيق هذا الهدف، يجب أن يبدأ الإنسان بنفسه. لا بد من تنظيم الحياة بالقناعة حتى لا يحتاج المرء إلى الصلاة في الجماعة لكسب القليل من المال، أو زيارة بيوت الناس، أو الانضمام إلى مجالس.
القناعة ليست أن يبقى الإنسان جائعًا، بل هي متفاوتة حسب الحياة. القناعة فن واسع النطاق. القناعة هي “علم لا ينفد”. القناعة تعني الاستهلاك الجيد، وليس القليل. القناعة هي الكفاءة في الحياة وفن. قناعة الطالب تعني كما أن الجزار يأخذ معه لحمًا أكثر إلى البيت، والصائغ يأخذ ذهبًا أكثر، يجب على العالم أن يأخذ المعرفة والأخلاق معه إلى البيت. إذا لم تصل المعرفة والأخلاق إلى أهل البيت، وأشياء أخرى غيرها، يصبح البيت خاليًا ولا يرضى العائلة.
كان هناك في الماضي درسان محترمان، لا يدفعان أجرًا لطلابهما: درس آية الله الأراكي ودرس السيد مرتضى الحائري. هذان العالمان الكبيران درّسا ولم يكن لهما أي مظاهر دنيوية، وبحسب رأيي هما من استطاعا القضاء على نفوذ “الشهداء الخالدين” في الحوزة.
مكانة الطالب محترمة للغاية ويجب الحفاظ على قدسيتها وعدم تلويثها بالدنيا. من يرتبط بالدنيا ويحب مرافقة من يملك شركات وسيارات فارهة ابتعد عن نهج الطلبة وابتُلي بالآخوندية. الاحترام الذي يجب أن يُمنح للطالب مختلف عن ذلك الذي يُمنح للآخوند. الطالب الذي يتابع دراسته ولا يحمل طموحات دنيوية يجب أن يُحترم كما النبي، لكن لا يجب أن يُعطى الآخوند مثل هذا الاهتمام.
لا نخرج عن الموضوع: كما ذُكر، مفتاح نجاح أي عمل هو “المعرفة”، والمعرفة ليست أمراً مؤقتًا. من لا يملك المعرفة يشبه شخصًا يصلي خمسين سنة ولا يحدث فرقًا في حياته. كأنه يحمل هاتفًا بدون شريحة خمسين سنة ولا يدرك أنه يحتاج إلى شريحة ليتمكن من التواصل.
المعرفة تعني أن الطريق يجب أن يكون واضحًا. كما أن اليد تحت سيطرة الإنسان، يجب أن يكون العقل كذلك. لذلك، مسألة المعرفة ليست مؤقتة بل مستمرة. المعرفة جزئية وليست كلية، ولذلك لا يمكن التعامل مع القضايا المعرفية بتكرار أو تقليد.
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي زمن أمير المؤمنين عليه السلام، لأن الناس كانت لديهم صعوبة في معرفة ولاية الإمام، ارتد الجميع في فترة قصيرة: «ارتد الناس بعد رسول الله… إلا ثلاثة نفر» (1). الذين استمروا لم يصل عددهم إلى عشرة.
لماذا هذا الدين ذو التعاليم السامية، والذي بذل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الصادقون جهودًا كبيرة في نشره، يعاني من هذا الكم من الردة؟ هل لأن درس الولاية صعب؟ أم لأن عليًا عليه السلام شخصية لا يطيقها إلا القليلون؟ أم أنه في زمن النبي لم يُرفض أحد ليُرتد؟ يجب دعوة الناس إلى التفكير. الطاعة ليست بمعنى عدم التفكير.
مع أن النبي وأمير المؤمنين عليهما السلام هما نور واحد ونفس واحدة، إلا أن تصرفاتهما مختلفة. النبي صلى الله عليه وآله سلم جعل أبوسفيان كحرم الكعبة وركّب ابنته منه، بينما أمير المؤمنين عليه السلام حارب الكفار والمتمردين دون مساومة. كل ما فعله هؤلاء الاثنان هو واجب إلهي، والاعتقاد بالعكس كفر. يجب أن نكون دقيقين في دراسات الولاية وأن نبحث بعمق كما في الدراسات الفقهية والأصولية، ولا تدع عظمة الموضوع تجعل علماءنا يتخاذلون. العالم الكبير شيخ صدوق كتب “سهو النبي” وهو من أفضل المصلين، لكنه وقع في خطأ في موضوع الولاية وهذا يثير التساؤل.
الولاية؛ أهم بحث للطالب
أعطي مثالاً من مناقشات الولاية. كان لدينا العديد من الأنبياء، لكن لدينا فاطمة زهرا عليها السلام فقط، وهي ذات مكانة تفوق النبوة وكل الأسماء. في كل عمل، المعرفة مهمة جدًا، ويظهر ذلك جليًا في مجال الولاية وفي التعامل مع أولياء الله. غربة خديجة عليها السلام كانت تؤلم النبي صلى الله عليه وآله، لكن وجود فاطمة عليه السلام كان يخفف عنه. فاطمة عليها السلام كانت أم النبي، كما جاء في الأحاديث. النبي كان يقبّل صدر ابنته ولسانها، لا فمها، وهذا ليس أمرًا عاديًا حتى بين الأئمة.
النبي كان يرى فاطمة عليها السلام كأمه. لم يكن للنبي أحد غير فاطمة. خديجة عظمت بسبب فاطمة رغم كمالاتها الذاتية. ما أُعطي لفاطمة ليس دنيويًا… إذا سُئل النبي: هل تحب فاطمة أكثر أم عليًا؟ لا يستطيع الإجابة بسهولة، ويقول: “فاطمة أذلى وعلي أعز”؛ كأن يقول الأم عزيزة والزوج محبوب، وهما جوابان مختلفان. هذا الاحترام ليس سياسيًا بل حقيقيًا وطبيعيًا.
نحن لا نعرف شيئًا عن ولاية الأئمة الأطهار عليهم السلام. موضوعات الولاية المعقدة والكبيرة تركت مهملة، ومن يقدر على بحثها يجب أن يجعلها أولوية. معلوماتنا عن الأئمة قليلة جدًا، ولا يوجد تفسير صحيح لحياتهم. الأحاديث المتعلقة بالولاية كثيرة لكنها غير مدروسة جيدًا.
هذا يتطلب الحذر والفهم العميق والمربي المطلع والتقوى والتوسل والنقاء الداخلي. من يسير في هذا الطريق يتلقى عون الأئمة المعصومين ويقترب منهم.
قرب الأئمة إمّا شعوري أو معرفي. المهم هو القرب المعرفي الذي يحتاج إلى تربية وتعليم، وتعليم ذلك هو آيات وأحاديث الولاية، وليس أقوال العلماء التي تواجه نقدًا.
في موضوع الولاية لا يجب كتابة “تنزيه الأنبياء”، بل “تفضيل الأنبياء” ومعرفة رتبة كل ولي ونبي.
يقال إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يتمتع بروح الشجاعة والرجولة، وكان يتصرف بطريقة تجعل حتى أعداءه يقبلونه، لكنهم يقولون إنه لا يهادننا. إذا استشار عمر، كان يرد كما كان يرد على الإمام الحسن وفاطمة عليها السلام. إذا رأى العدو أن الطرف صادق، فإنه يخاف أولًا. ومن جهة أخرى، الجبن يهوي بالشخص أولًا لأنه يعلم أنه مرفوض.
هذه كلمة عبد المطلب رحمه الله من دروس الولاية العميقة. عندما أذكرها، أتخيل رجولته. قال لأبرهة: “أنا رب الإبل ولهذا البيت رب يمنعه” (1). هذه كلمة عظيمة من موحد نقي.
دراسات الولاية مهملة ويجب على بطل أن يعالجها. قراءة الآيات والأحاديث المتعلقة بالولاية أمر ضروري وأهم، ولم يُكتب عنها حتى الآن عمل شامل. نأمل أن ننجز ذلك إن شاء الله.
(1) الكافي، ج 1، ص 447.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.