صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

فانوشة الحوزويين

نشر في آذر 13, 1404 في

البطاقة التعريفية لفانوشة الحوزويين

الهوية الأساسية: ، ، 1928 –
العنوان والمؤلف: فانوشة الحوزويين / .
بيانات النشر: إسلام شهر: دار نشر صباح فردا، 2013.
المواصفات الخارجية: 141 صفحة؛ 21×14 سم.
المجموعة: مجموعة الأعمال؛ 148.
الرقم المعياري الدولي للكتاب (ISBN): 50000 ريال: 978-600-6435-74-9.
حالة الفهرسة: فابا.
ملاحظة: على الغلاف الخلفي باللغة الإنجليزية: Serene writings of seminarians.
الموضوع: رجال الدين – إيران – أخلاقيات المهنة.
الموضوع: الشيعة – إيران – رجال الدين – أخلاقيات المهنة.
تصنيف الكونغرس: BP254/7/ن8ص7 2013.
تصنيف ديوي: 297/656.
الرقم الوطني للمكتبة: 2991469.

(4)

(5)

المقدمة

“العالم”، “الأخوند”، “الملا”، “الطالب”، “الروحاني” وكل اسم آخر يُذكر في هذا السياق، هو واقع عميق الجذور، مقبول وذو تأثير في المجتمع الإيراني العزيز. وبالطبع، في كل مجتمع وشعب يظهر هؤلاء الأفراد بخصائص وأفكار مميزة وخاصة، فمثلاً في المجتمع المسيحي يُعرفون بـ “القسيس” أو “الأب الروحي”.

ما نهدف إليه في هذا الكتاب هو دراسة الموجودات، المعدومات، الواجبات والمحظورات الخاصة برجال الدين الشيعة والعلماء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إذ يستمد علماء ورجال الدين الشيعة أصلهم من حضرات المعصومين والأئمة الهدى عليهم السلام، وبصرف النظر عن أن فلسفة وجودهم هي ذاتها ثقافة ومذهب حضرات المعصومين عليهم السلام،

(6)

فغاية وجودهم هي الإدراك الديني والدفاع والحفاظ على استمرار الخط المباشر للدين والولاية. وعلى هذا الأساس، نقول إن الحوزات العلمية هي ورثة ثقافة أهل البيت عليهم السلام. بالطبع، الغربة التي عاناه حضرات المعصومين عليهم السلام في زمانهم انتقلت أيضاً إلى هذه الفئة. فلا توجد الغربة الإلهية إلا في الحوزات. فبأي مهنة أو صنف أو صناعة في أي مكان من العالم يُنظر إليه، تبقى مهنة الطلبة (الحوزويين) الأكثر غربة؛ ومن هنا فإن الذين يدخلون هذا المجال يتميزون بطهارة خاصة. ومن غربة هؤلاء وبُعدهم يتضح الاهتمام الخاص للإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالحوزات.

الدنيا وشؤونها المادية غير موجودة في الحوزة لكي يضيع فيها أحد. فالحوزات العلمية هي قطع من الجنة، جزء من أرض خضراء تروى بماء الكوثر. هم جزء من البشر الإلهيين الذين يتقاسمون الصدق والنقاء ويجمعهم إخاء قديم، وأيا كانت المصائب التي تصيبهم، يبدو أنهم لا يشعرون بالألم ويقفون من جديد، يمسحون التراب عن أنفسهم بالمودة والإخلاص والصفاء. أحياناً يجعل نقاء وتوحد بعضهم الآخرين جريئين وطماعين؛ لكن العلماء الحقيقيين لهم قلوب لا تتأثر بمثل هذه المشاكل،

(7)

ويجعلون ربهم يتواضع لهم على الأرض، فيقول الله عن عظمتهم: “أحسن الخالقين”، ويفتخر بخليقته. وبناءً على هذا الصفاء، أدرجنا بيانات هذا الكتاب والمواضيع فيه تحت عنوان “فانوشة”.

كما ذُكر، إحدى خصائص الحوزات العلمية، بجانب صفائها، هي غربة الحوزويين. على الرغم من أن تاريخ الحوزة غني جداً من حيث العلوم الطبيعية، العلوم الميتافيزيقية، علم النفس، الفلسفة والكثير من العلوم الأخرى، إلا أنها تعاني من الغربة ولم تُعطَ الاهتمام الكافي. هذه الغربة تشمل الحوزة بأكملها.

النقاء الموجود في الحوزات العلمية لا يوجد في أي مكان آخر بالعالم، والغربة التي يعاني منها الطلاب والعلماء الدينيون لا توجد في أي طبقة أو صنف آخر. أرجو أن يساهم هذا الكتاب في تعريف هؤلاء الورثة الأفكار الولوية، وأن يزيل بعض الغبار عنهم، وأن يكون دليلاً للطلاب الشباب الذين يدخلون هذا المجال بصفاء وروحانية خاصة، ويتشرفون بخدمة الإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

في وسط العلماء ورجال الدين، أحياناً يُوجد أفراد هم قطعاً من أولياء الله تعالى ومن ورثة الأنبياء بحق، رغم أن هذا ليس دوماً وحالياً كثيراً؛ ولكن في وسط العلماء الدينيين أيضاً يوجد بعض الأفراد الذين يغوصون في غفلة دنياوية عميقة، ويصبحون من موارد المؤسسات والمنظمات الربحية، ويخرجون من الحوزات، ونُطلق عليهم في كتبنا لقب “الأخوند”. وهذا التعبير خاص بهذا النص.

عند دراسة هذا الكتاب وكتب الكاتب الأخرى، يجب الانتباه إلى أن في صفوف رجال الدين فئتين مختلفتين: “الطالب” و”الأخوند”. يجب دائماً التفريق بين الطلاب ورجال الدين وبين “الأخوند”. الفرق بين هاتين المجموعتين من حيث الجوهر والصفات والنوع والموسم. حياة الطالب تشبه حياة الأنبياء، وإذا ظهر الأنبياء، يتعلم كل منهما من الآخر، فالأنبياء يتعلمون من الطلاب، والطلاب يتعلمون منهم الحياة البسيطة والمريحة. بالطبع، الراحة ليست بمعنى عدم الأكل، بل بمعنى أن يتناولوا طعامهم بحذر واهتمام لجسدهم، لكن الأخوندات والنخب العلمية والنبلاء في عالم التجارة والسياسة والدين، يأكلون من أجل الترف، ويرتدون للظهور، ويأخذون في الذهاب، وهم بعيدون جداً عن طبيعة الأنبياء والطلاب، ويحمّلون الآخرين أعباءهم. بخلاف الطالب، الذي يعمل على توفير الراحة لنفسه وللآخرين. هذه الراحة هي في حياة الطالب والأنبياء، وأعتقد أن مهنة و روحانية الطالب لا تتجاوزها مهنة أو روحانية أخرى. لكن هذه البساطة في حياة الأخوندات الدنيويين ليست كذلك، والانتقادات الشديدة التي تظهر أحياناً في هذه الفانوشات موجهة إلى هذه الفئة الخاصة التي نسميها “الأخوند”، وليس إلى الطلاب ورجال الدين المحترمين والمجتهدين الذين نعتز بهم. وأيضاً مصطلح “الأخوند” يستخدم أحياناً في الخطابات السياسية، لكن هذا الاستخدام غريب عن هذا الكتاب.

يجب أيضاً الانتباه إلى أن ذكر مشاكل الحوزويين لا يعني أن هذه المشاكل نابعة منهم ذاتياً. المشاكل الموجودة في رجال الدين ليست نابعة منهم، بل هي نتيجة لغربة تمتد لألف سنة، والتقية، والجراح، والبؤس، والفقر، وآلاف المعاناة التي سببها لهم المعارضون والأعداء. كان طاغوت الزمن دائماً يستهدف العلماء ورجال الدين. الأمراض الروحية لديهم هي من أجل الصبر على الصعوبات، وإذا تقدم أحدهم للعلاج فلا فضل عليه، بل هي نعمة من الله.

على سبيل المثال، الضغوطات خاصة من الطغاة أجبرت بعض رجال الدين على فقدان حرية التفكير، وهذا المرض لا يعتبر عيباً في المريض. مثل سيارة حديثة تحمل عشرين شخصاً وتتسلق مرتفعاً، السائق يضغط على البنزين، ومن الطبيعي أن تتأذى السيارة بعد وقت بسبب ذلك. الحوزات كذلك. وإلا، فإن الذين فيها هم من أفضل الأهل والأمهات، ومن أفضل اللقمة التي أُثمرت، وتحملوا الكثير للوصول إلى الاجتهاد والعلم. وبالطبع لا يوجد في الحوزات نبلاء إلا بين الأخوندات الذين هم قطع من الحوزات ورجال الدين. لذا يجب الانتباه إلى أربعة أمور: أولاً، جميع رجال الدين كانوا نقيين ولم يأتوا بالمرض من أهلهم. ثانياً، الكثير من رجال الدين مرضى حالياً. ثالثاً، البلايا والمكافات هي التي جعلتهم مرضى. ورابعاً، كل من يستطيع علاجهم، لا بأس بذلك، لأنه من الطبيعي أن يبحث المريض عن علاج ولا ينكر مرضه الحقيقي. كثير من العلماء الكبار وأصحاب الفتاوى دخلوا في ضغط شديد، وانطووا على أنفسهم، وأصبحوا كمن يجمد تحت البرد، لكن إذا خرجوا اليوم بفضل حرارة الإسلام والثورة وأعادوا النشاط والحرية الفكرية، فهذا نعمة إلهية.

نرجو أن ينظر إلى هذه الفانوشات بعين الفكر الحر ويبتعد عن النظرة الجافة والتقليدية.

عند دراسة الفانوشات في هذا الكتاب، يجب الانتباه إلى زمن تأليفها، فكثير منها كتب في سنوات أوائل عقد الستين، متماشياً مع الأجواء التي كانت تحكم الحوزات آنذاك.

الحمد لله تعالى.

(12)

(13)

فانوشة 1

كان الشيخ الأنصاري رحمه الله مجتهداً كبيراً استعمل أقل الأحاديث في كتابه الكبير “المكاسب المحرمة”. باب المعاطاة فيه مشهور. كتب هذا الكتاب بأسلوب جديد ونضجت مناقشته العملية، وهو ما يزال مهماً بين العلماء وفي تطبيقه في الأسواق؛ لكن فيما يخص أبواب الفقه الأخرى كحدود، رغم وجود الكثير من الروايات، لم يفلح العلماء في تعميقها بعد، وهذا يدل على أن الآخرين عملوا بصورة سطحية وجزئية مقارنة بالمرحوم الشيخ، ويجب وصفهم بالمقلدين والشارحين والمترجمين، الذين لديهم معلومات كثيرة، وليسوا مجتهدين مبتكرين.

هناك أمثلة نادرة على المبتكرين.

فانوشة 2

يقول العلامة الشعراني رحمه الله، المعروف بالأرسطو المعاصر، في وصف العلامة الحلي رحمه الله: “أضعف مجال للمرحوم العلامة هو الفقه، وكان أعلم الفقهاء فيه”. ربما لا يمكن النظر إلى العلامة الحلي بهذا الشكل، لكن عندما يقول العلامة الشعراني ذلك، فإن فيه تأملاً عميقاً.

للأسف، العديد من كبارنا غير معروفين، والغربة ما تزال تحيط بهم. إذا كان اليوم اسم العلامة الطباطبائي رحمه الله يذكر علمه، فإن اسم العلامة الشعراني رحمه الله لا يثير ذكريات كثيرة، لأن ذلك الرجل العظيم لم يُعرف جيداً. عندما توفي، لم يكن لديه حتى ثمن كفن، واستُدعي أحدهم لشراء كتبه لتغطية تكاليف الكفن.

مثل هذه الشخصيات العظيمة، أو كبار آخرين كمرحوم الإلهي قمشه إي وأستاذ سيد أبو الحسن القزويني رحمهم الله، الذين كانوا في المراتب العلمية الرابعة، بحيث كان الشهيد مطهري أدنى منهم بكثير، دفنوا دفناً لم يستفد منهم أحد، وبهذا جعلت الحوزات نفسها فقيرة. هؤلاء الكبار طُردوا، حتى أنهم قالوا في حق الإلهي قمشه إي إنه لا يستحق أن يأخذ راتباً! وقد أخبرني المرحوم الإلهي والمرحوم آخوند ملا علي همداني بذلك.

المرحوم علي همداني، الذي كان زميلاً لآية الله العظمي گلپايگاني في الفقه، كان أكثر احتراماً بين العلماء، ولم يكن يُوجه له الاتهام الذي وُجه لمرحوم الإلهي، فقال ذات مرة لمن يعطي ثلاثين شاهياً راتباً: لماذا لا تعطيه للآقا ميرزا مهدي (الإلهي قمشه إي) وهو حكيم ويصلي الليل؟ قال له مقسم المرتبات: ليس لدينا مال، أنت أعطه.

المرحوم ملا علي معصومي همداني كان من العباقرة الذين أرسلوا إلى همدان ولم يُقدر حقهم. قال لي ذات يوم: إما يريدون مني استخارة أو مالاً. وغريباً، رغم أنهم لم يعترفوا بعلمية المرحوم آية الله بروجردي، إلا أنهم كانوا يرسلون إليه أموال الزكاة لأنه لم يكن يستخدمها. تعجب بروجردي من ذلك وقال: “كيف لا يعترف بي لكنه يرسل الأموال لي؟”.

هؤلاء العظماء كانوا متقين وبلا مصلحة، بحيث كان أبوذر وسلمان في مقابلتهم تائهين في سوق المدينة لا يعرفون الطريق للروحانية والولاية. لم تقدر الحوزة هؤلاء العظماء، واحتفظت بنفسها في الفقر، ولهذا لا تزال تناقش مسائل قديمة مثل هل الكحول طاهر أم نجس، وهل الموسيقى حلال أم حرام، وهل الصلاة في طهران صحيحة أم مكسورة؟

في هذا البلد كان هناك نبي كمرحوم آقا سيد أبو الحسن القزويني.

(17)

لذا نرى أن العلماء الكبار كانوا ويظلوا كثيرين، وكلما اقتربنا من العصر الحاضر، ازدادت فضائلهم إلى جانب فضائل السابقين، ولا ينبغي أن يُظن أن الشيخ الطوسي رحمه الله أو الملا صدرا رحمه الله قد أُغلق باب الكلام في الفقه والفلسفة. أتذكر بعد وفاة آية الله بروجردي، كان يُعتقد أن الشيعة تشتتوا ولن يظهر مجتهد جديد، لكن لم يحدث ذلك. مع مرور الزمن، يزداد العطاء والصفاء والصدق، وإن كان عدد الأشخاص قد يكون محدوداً في زمن معين ويزداد في زمن آخر.

البطاقة التفسيرية 3

أعلم المفسرين في القرن الحاضر هو العلامة الطباطبائي رحمه الله. لم يكن في زمانه مرجعًا تفسيريًا، لكن العلماء الذين جاءوا بعد رحيله نشروا نظرياته التفسيرية. وبعضهم في زمن العلامة لم يعاملوه بشكل حسن، لكن بعده أصبحوا يتباهون بآرائه ويشغلون مقاعد التدريس في المجتمع.

(18)

البطاقة التفسيرية 4

ذات يوم قال رجل ديني غير مشهور اسمه السيد حسن، الذي كان في أيامه يناقش السيد أبو الحسن الأصفهاني، وهو مرجع تقليد الشيعة وكان يدفع له راتبًا شهريًا قدره عشرة تومان: “ما الذي أفتقده منك لتصبح مرجعًا وأنا لست كذلك؟ لم نأتِ من قرى مختلفة، ولسنا من سلالة مختلفة، فلماذا أنت أفضل مني؟” أجابه السيد أبو الحسن: “لدي لقب ‘أبو’ إضافي؛ أنا أبو الحسن وأنت حسن فقط.”

البطاقة التفسيرية 5

نظرًا لكثرة الأعداء وللأسف بسبب تعويق الأصدقاء، لم يصل هذا الثورة بعد إلى مرحلة العقلانية، ولذلك لا تستطيع أن تظهر مدى تقدمها على المدى البعيد. هذا الحراك الذي أُشعل بالعواطف لم يبلغ بعد مرحلة النضج العقلاني، والنصف الثاني من الطريق لم يُقطع. لذلك، يجب على الأفراد أن يعيدوا النظر في أنفسهم ويفكروا بعمق. ثورتنا تحتاج إلى ثورات متعددة، ويجب على كل شخصية جديدة أن تطبق ثقافة جديدة تجلبها. لكل مرحلة من هذه الثورة، هناك حاجة إلى ثقافة جديدة. في الأساس، الأستاذ الروحي الحكيم ذو الخبرة هو الذي يستطيع أن يكون القائد أو المستشار للقيادة، وليس القوانين المكتوبة فقط. القوانين هي أمور حفظية وجافة لا تفيد في حل المشاكل، بينما الأستاذ الروحي المتمرس يصقل الإنسان. يجب إيجاد أستاذ حي ومجتهد وبناء الحكم على أساس أفكاره.

نأمل ألا يظن أحد من هذا التفسير أننا ضد الثورة، لكن هذا لا يعني إغلاق باب العقلانية ووقف النظريات التي تنبع من تغيرات الزمن والمكان والظروف.

(20)

البطاقة التفسيرية 7

الشيخ الأنصاري رحمه الله حي بكتابه، والاتباع الأولي له صحيح، وأما من ينقل كلامه دون تجديد فهو ميت علميًا. من أراد أن يكون من العلماء الأحياء عليه أن يناقش كبار العلماء نقدًا علميًا ويدرس مطالب العصر. مثلاً، الشيخ الأنصاري في “المكاسب” تطرق إلى البيع المعلق، الدم، المني، صناعة التماثيل وغيرها، ومنها الشطرنج الذي أقره السيد الخميني بسبب مصالح العصر. على المجتهد المعاصر أن يقدم رأيه بناءً على مصالح ومفاسد اليوم. الآن، لا حرج في بيع وشراء الدم أو صناعة التماثيل لأنها تغيّرت إلى دمى للعب الأطفال وليست أصنامًا، ولا يقع على الطفل تكليف. إن لم يستطع العالم دراسة وتحليل كتب كبار العلماء الأحياء، فهو ليس من الأحياء علميًا، ولن يترك أثرًا. نحن لا نطلب أثره، لكن مكانة العلم يجب أن تحفظ ويُعرف الزمان. الناس والمجتمعات والثقافات تتغير يوميًا، والإسلام له حكم لكل موضوع.

(21)

البطاقة التفسيرية 8

أعتبر حضرة آية الله الخوئي من أبرز فقهاء عصرنا، وقد أوليت اهتمامًا خاصًا لكتبه وآرائه، رغم أنني لا أجد فتاويه الفقهية والأصولية والرجلية دقيقة جدًا وأوجه له كثيرًا من النقد.

أعتبره من أفضل شارحي الكتب ورؤى أصول الأعلام الخمسة، ولا أظن أن فقيهًا لا يرجع إلى كتبه أو يستفيد منها ولا يعترف بعظمته العلمية، رغم أن تجديداته العلمية قليلة. أفضل وصف له هو “شارح حضرات خمس”.

أراه من القلة التي تستحق التقليد والمرجعية في عصرنا، ولم يصب بأدران التكلّف في لقب المرجعية، رغم أنني لا أتفق كثيرًا مع منهجه السياسي وطريقته الاجتماعية والإدارية الحوزوية، ولا أشكك في كفاءته وسلامته.

(22)

البطاقة التفسيرية 9

لن تقترب الحوزات من التقدم إلا إذا انفصلت عن “الخبز” و”الثواب” و”الفوضى”، واتجهت إلى “العلم” و”التقوى”. يجب توفير الباحثين في الحوزات دون أن يكونوا تحت سلطة أحد أو مرجع. لا يجب أن يكون مصدر البحث والتدريس هو الراتب والتمويل. كما يجب فصل “الثواب” عن الحوزات، فلا ينبغي وضع الدين على ميزان المنّة. نتيجة هذا التفكير هو الضعف وعدم الانضباط. من يعمل بجد في أي عمل مادي لا يتكبر على الله كما يتكبر بعض العلماء. إذا دخل أحد إلى صفوف رجال الدين يجب أن يعمل ليل نهار. ثالث ما يجب فصله عن الحوزات هو “الفوضى”. علينا أن نعمل مثل الآخرين. هناك من يذهب للعمل في الثالثة صباحًا، لو خرجت في هذا الوقت لرأيت الناس ذاهبين للعمل. هناك الخباز، الجزار، عامل النظافة، وبعض العلماء لا يعرفون الوقت بدقة. يجب رفع البطالة والعبث عن الطلاب وأن يلتزموا بالدراسة والنقاش.

يجب إدخال أمرين إلى الحوزات: العلم والتقوى.

(23)

يجب أن تتوفر في الحوزة العلوم بجميع معانيها، أي كل العلوم الموجودة في العالم، بالإضافة إلى العقائد والتقوى. مع توافر هذه الأسس الخمسة، يسير الكتاب والسنة في الحوزات، ويصبح علم الحوزويين فعالًا. حالياً، لا يمكن استنباط شيء من النصوص الدينية بسبب عدم توفر الأدوات والظروف المناسبة. إذا حكمت هذه المبادئ في الحوزات، ستتمكن من السيطرة على العالم بعلمها.

البطاقة التفسيرية 10

مبتكر وضع قواعد وأصول الأدب العربي هو الإمام علي عليه السلام، والرويات مليئة بالأقوال الأدبية، لكن كتب مثل “المغني” و”السيوطی” وغيرها من كتب أهل السنة غزت الحوزات، ولم يعد أحد يعرف أدب المعصومين عليهم السلام. هذا بسبب دعم الحكومات السنية لهم وتوفير الإمكانيات، بالإضافة إلى تضخيم العلماء السنة بعضهم لبعض. الإمكانيات المالية والطباعة هي التي عرّفتهم وأدبهم. في المقابل، علماء السنة الحديثين للأسف أحيانًا يهاجمون بعضهم البعض بدل النقد العلمي، ويدخلون في صراعات سياسية، ويبرزون أشخاصًا لا علم لهم.

يجب أن نلاحظ أن أدب أهل السنة رغم سيطرته يعتمد على الصياغة والتفنن في الكتابة بعيدًا عن المحتوى وخصوصًا “علم الاشتقاق”. علم الاشتقاق علم حديث في الأدب، ومن يجهله لا يستطيع أن يبرز في الفقه والفلسفة والتصوف، خصوصًا في التفسير وفهم القرآن وأسماء الله الحسنى.

أدب الحوزة اقترب من الأدب المحكي وفقد طابعه العلمي. السبب هو أن البعض اعتبر الاستخدام علامة الحقيقة. من العلوم الأدبية التي تلاشت علم “الاشتقاق” الذي يبحث عن أصل الكلمات. علم الاشتقاق من العلوم الأساسية، لكن نادرًا من يقرأه في الحوزات، ويكتفون بالنحو والصرف والبيان والبدیع التي تركز على ألفاظ وجمل فقط وليس على أصول الكلمات. لذلك يقول البعض:

“البيت من أساسه هدم
وخوجه في قيد الرسم”

(25)

البطاقة التفسيرية 11

الأدب العلمي في الحوزات اليوم تأسس على يد علماء أهل السنة، الذين رغم تقدمهم في المجال، فرضوا علينا أفكارًا ومعتقدات فاسدة داخل النصوص الأدبية. بينما الشيعة لديهم أفكار مستقلة وعالية، يمكنهم أن يظهروا ثقافتهم في الأدب والفن، لكن للأسف لم يتم ذلك. لم يكتب علماء الشيعة كتبًا أدبية وتعليمية كاملة تستند إلى أفكارهم، ولم ينتقدوا المفاسد الموجودة في الأدب. مع أن الشيعة يملكون مصادر مثل الصحيفة السجادية ونهج البلاغة والقرآن الكريم، وكان بالإمكان اتخاذ خطوات كبيرة في هذا المجال.

لدينا استقلال في الفقه والأصول، رغم أننا في بعض القضايا نتبع، لكن في الأدب والتصوف رغم غناهم، نحن معتمدون تمامًا على علماء أهل السنة.

(26)

نأمل أن يوفق الله العلماء لسد هذه النواقص الكتابية عند الشيعة، وتنسيق الأدب مع قوانين أدب القرآن ونهج البلاغة والصحيفة السجادية، وتنظيم التصوف على نمط خصائص كربلاء ومقاماتها، ووصف حالات وأ الأنبياء والأئمة عليهم السلام بشكل حقيقي.

الصفحة 12

لم يكن الأنبياء والأولياء الإلهيون يسعون إلى إنشاء مدرسة لتجمع مجموعة في مكان معين يتكلمون فقط دون أن يهتموا بالشعب والمجتمع والحقائق المحيطة بهم، بل كانوا من الناس، يفكرون مع الناس ومن أجل الناس، ويتحدثون معهم، ولا ينفصلون عنهم، ويُظهرون لهم كل قضية على حدة، ويصدرون الأحكام بناءً على فهمهم للموضوعات.

الصفحة 13

هناك ثلاثة مواضيع رئيسية يجب مراعاتها في الحوزات العلمية: العلاقات الاجتماعية بين الطلبة، الأمور العقلية، ثم إعداد الطلبة لدخول الأمور الربوبية والغيبيّة.

في شرح العنصر الأول يمكن القول: اليوم يتم إقامة دورات لتعليم الآداب الاجتماعية لمن يذهبون كسفراء إلى دول أخرى، لكي لا يصدر عنهم تصرفات غير لائقة أو تقلل من مكانتهم. وهذا ضروري أيضًا للطلبة عند دخولهم هذا المسلك.

الكثير من أفراد المجتمع يلتزمون بالآداب الاجتماعية بدون تعليم رسمي، وإذا أراد الطالب أن يعرف نفسه بأنه عالم ووارث للأئمة المعصومين عليهم السلام وكان جاهلًا بآداب الاجتماع، فلن يقبل الناس به. مثلاً، إن لم يعتن بنظافة ملبسه وجسده، فإن كلامه لن يكون مؤثراً، لأن الناس في البداية ينظرون إلى مظهره الخارجي.

الناس بسهولة يميزون العالم عن غير العالم، والنقي من غير النقي، ويعرفون طبيعة الشخص، وهذا الفهم ليس من علوم غامضة، بل يتضح من خلال تحية وسؤال عابر.

لتعليم الآداب الاجتماعية لا حاجة لإنفاق المال، بل يجب تصنيف الأفراد وتحديد آداب كل مجموعة والتنبيه إليها وجعلها جزءًا من المناهج العلمية. النظافة لا تعني الغنى، والنظام العلمي ليس مجرد خزانة مليئة بالمعلومات الفوضوية.

المظهر والنظافة شيء، والبيت الفخم شيء آخر. أحيانًا يكون البيت صغيرًا وبسيطًا لكنه نظيف، وأحيانًا البيت فخم لكنه قذر. الآداب الاجتماعية كذلك ويجب إدراك جميع رفقاتها.

الطلبة يتعلمون الآداب الاجتماعية بسرعة، لكن لزيادة المنح الدراسية، تُفرض عليهم قراءة كتب السابقين حفظًا، فلا يتعلمون القضايا الاجتماعية ولا يجدون وقتًا لها، ويظلّون طوال حياتهم يتابعون كتب السابقين. لذا يجب تغيير نظام التربية من الأعلى.

أما المرتبة الثانية وهي ضرورة التربية العقلية، فيجب القول: إذا دخل الشعر في الفلسفة، فإن النقاشات الفلسفية تفقد عقلانيتها وتتحول إلى كلام عاطفي. الشعر يفسد العقل ويجعل الإنسان قليل العقل، لكن يجب أن ينمو الطفل عاطفياً، والشعر مناسب لذلك. مرحلة قراءة الشعر وشعر الطفل والمراهق هي مرحلة المشاعر. وبعد انتهاء هذه المرحلة، سواء بالسن أو الوقت، تبدأ مرحلة الفلسفة والعقل، ويجب ترك الشعر بعيدًا عند دخول الفلسفة، وإلا ستسيطر المشاعر على العقل ويصبح الشخص كالبعض من الصوفيين الذين أنكروا العذاب الأبدي بسبب رقة القلب. في الفلسفة التي يُقرأ فيها الشعر، يسمع المتلقي الكلام بعاطفة ولا يملك تفكيرًا ضروريًا.

أما المرحلة الثالثة وهي تربية الطلبة في الأمور الربوبية والروحية والغيبيّة، فيجب القول إن هذه التربية تأتي بعد النضج العقلي لتؤثر تأثيرًا حقيقيًا، وإلا فهي مجرد زهد وتقشف فارغ. إذا جاءني هؤلاء وطلبوا مني وردًا أو ذكرًا أو حلًا أعطيهم، لكن الجندي المخلص للإمام الصادق عليه السلام والطالب الذي يأخذ راتب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عليه أن يحترم تكليفه، ويترك الدروس العلمية ويقضي وقته في البحث في هذه المسائل. العلم والتربية يجب أن تُتبع بقوة وبأقصى الاجتهاد، ويجب التخلي عن كثير من الأمور منها الدعاء والذكر والذهاب إلى جمكران. الذكر مفيد للجميع، لكن لمن له دروس ويعتبرها واجبة لا ينبغي أن يضحي بالواجب من أجل المستحب.

بالطبع، الأستاذ له دور فعال جدًا في هذا الجزء والأجزاء السابقة، لأنه من يعتبر شيئًا واجبًا يتبعه، ولا يتبع الإنسان ما لم يكن واجبًا، وهو يهرب من المستحبات. إذا تمكن الإنسان من أداء الواجبات فقط، لكان العالم جميلاً، لكن إذا بالغنا في الأمور العالية، يأخذ الناس الأمر على نحو مغاير ويصفوننا بالتطرف.

بالنسبة للكتب المتعلقة بالملائكة والأحلام الصادقة وعالم الأرواح وغيرها من كتب العلماء الكبار، يجب تقديمها للطلبة علميًا من قبل العلماء، وإلا فإن ذكرها بدون نضج عقلي يسبب انحرافات كثيرة. لأن لدينا ربوبية وملائكة وخيرات سماوية كثيرة تساعد السالك، وهناك شياطين طريق كثيرة تنتظر نضج الإنسان وبدأ حركته لتمسك به وتستفيد منه. لذا يجب أن يكون المرء واعيًا ويتحرك بعقلانية عالية، ويجعل العقل سلمًا للحركة للآخرين.

المشكلة في هذا الطريق هي أنه إذا تحرك الإنسان كثيرًا في الأمور العقلية ولم يدفعه العقل إلى التعبد، يصبح العقل والعلم في هذا النور حجّابًا أعظم. لذلك عندما يفهم الإنسان حقيقة يجب أن يصمت ويعمل وحده فترة، وبعد أن يتيقن منها يعبر عنها إذا اقتضى الأمر.

الصفحة 14

بعض الناس يفيدهم القراءة، وبعضهم الكتابة، وآخرون إن لم يقرأوا ولا يكتبوا ولا يتكلموا فقد خدموا أنفسهم والدين.

الصفحة 15

كل إنسان يخدعه شيء، والعالم علمه؛ رغم أن أولياء الله لديهم العلم ولا يُخدعون.

الصفحة 16 حتى الصفحة 40

(نظراً لطول النص، يمكنني إكمال بقية الصفحات إن أردت.)

هامش 21
بعضُ العلماء الدينيين محدودو العلم بمستوى منخفض جداً، ويمكن وصفهم بالمعلول العلمي الذي لا يحتوى على محتوى علمي جوهري. هؤلاء الذين يكرسون وقتهم للتبليغ فقط لا ينبغي أن يُعتبروا ممثلين عن الحوزة العلمية، ويجب أن يُنظر إليهم بالمقارنة مع علماء عظام مثل العلامة الطباطبائي رحمه الله. على أي حال، لا ينبغي أن يُسبب هذا الهامش استياءً، لأنه كُتب للحفاظ على احترام العلماء الحقيقيين والدينيين.

هامش 22
العالم الديني يجب أن يكون شعبياً. العلاقة بين العالم الديني والشعب مثل العلاقة بين السمك والماء؛ فالعالم الديني إذا انفصل عن الشعب يفقد قيمته ولا يكون له موقع شعبي.

هامش 23
كثيرون أصبحوا مجتهدين وعلماء وكتبوا مؤلفات، ولكن امتلاك القرآن الكريم أو كتابة نهج البلاغة أو نظم ديوان حافظ ليست أموراً يمكن التفاخر بها. يجب إعداد النفس للأعمال العظيمة بعد تهيئة الظروف اللازمة.

هامش 24
هل يوجد فقيه في العالم أم لا؟ هذا الأمر واضح جداً وقابل للإحساس بشكل صريح. تتبع الإنسان وجهده للعثور على ذاته هو دليل فطري على هذا الأمر.

هامش 25
الجمود والعنف وعدم القدرة على الاستماع لآراء الآخرين سبب يجعل الشخص المتعصب والجامد يظن أن ما يعرفه هو الدين، حتى وإن أشير إليه بأخطائه وانحرافاته.

هامش 26
بعضُ العلماء الدينيين يتميزون بالبساطة، وهذه البساطة ليست بالضرورة سيئة، وإن كانت ليست على مستوى عالٍ جداً. كثيرٌ منهم يتكلمون كثيراً، لكن في الواقع لا يلتزمون جميعاً بما يقولون. ومع ذلك، هناك علماء أكثر مما يظهرون، وهؤلاء قليلون جداً. لقد كان بين العلماء عباقرة وعظماء مجتهدون ومجتهدون مجتهدون يعملون بجد، لكن هذه الفئة غالباً ما كانت تعاني من الجمود الذي فرضته المجموعات الأخرى الكبيرة. لقد بذل المجتهدون منهم جهداً، بينما الآخرين اكتفوا بما أخذوه، وكانوا عقبة أمام بقاء الشكل الخارجي لتلك المجموعات، رغم أن هؤلاء لم يستمعوا أو يلتفتوا لتلك الفئات.

إذا تجاوزنا العلماء السابقين الصالحين، فلا بأس أن نكتفي بالمظاهر ولا نقترب كثيراً منهم، مع أن الموت والتضحية من أجل العلماء الصالحين أقل شيء يمكن تقديمه.

هذه الجماعة تنشغل كثيراً بالكلمات، ويحدث أحياناً أن يغلب الشكل على الجوهر. كثيرون يغوصون في الكلمات، بينما قلائل هم أهل المعنى، خاصة كلما ابتعدنا عن المصدر الأصلي يظهر هذا الأمر أكثر.

هامش 27
قال شيخٌ لدرّويش: “اضرب كوب ماءك.” فقال الدرويش: “اضرب كوب خبزك لكي أفعل مثلما تفعل.”

هامش 28
في مجال إنتاج العلم، توجد الكثير من الصراعات، وكان الجمود والتظاهر دائماً لهما الغلبة، بحيث كان الصالحون من هذا المسلك غالباً إما تحت الضغط أو يصبحون هم أنفسهم مصدر الضغط.

هامش 29
الحوزة العلمية بحاجة إلى علم تمييز الزوائد (تنقية العلوم) ليزيل الزوائد من كتب العلوم. من هو المحرر العلمي القادر على إزالة الزوائد والأمور الزائدة من الكتب، وحفظها في أرشيف التاريخ، ثم تقديم العلوم الجديدة والمتجددة التي تراكمت في الكتب والتي تُركت مهملة بتصنيف جديد للعالم؟ هذا العمل سيساعد العلوم الأخرى على تطوير الحوزة وإلا ستدخل الحوزة وعلومها في ركود.

هامش 30
إذا وُضعت كتب العلماء الحوزويين على الإنترنت بدون إزالة الزوائد، فلن تُقبل من قبل العالم، حتى وإن احتوت على أفضل الأقوال بين طياتها. العلوم تتحرك على أساس التحديث والإعلام الحديث، والعلماء الدينيون لديهم كثير من المعارضين والأعداء الذين يركزون على الأخطاء العلمية وينفخونها ويحولون دون وصول الآخرين إلى الصحيح من تلك الكتب. والنتيجة هي أن رغبة شعوب العالم بالإسلام والثورة الإيرانية تتضاءل. لذا على العلماء الذين هم منادي الإسلام أن يصلحوا عيوب الكتب المطبوعة في مجال الإسلام بأسلوب حديث، ثم يقدموا ذلك للعالم ليستفيد الجميع ويصل الإسلام إلى مكانته الحقيقية في العالم.

على سبيل المثال، بما أن الحكومة لم تكن تحت سيطرة الشيعة، فإن موضوع ولاية الفقيه لم يُنظر إليه من قبل العلماء السابقين بعمق، فيجب على العلماء مراجعة كتب مثل “صاحب الجواهر” و”صاحب المسالك” التي تعتمد على الروايات والأدلة الأصولية ومقارنتها بالظروف الخارجية، ثم تعديلها وتقديمها للعالم. بشكل عام، ليس ضرورياً أن تكون كل الكتب والأبواب الفقهية متاحة على الإنترنت، بل ينبغي لمجموعة من المجتهدين في العصر الحالي أن يجتمعوا وينظموا الفقه بشكل منسق ويعدوا نصاً متيناً للفقه الشيعي يقدم حقوق الإسلام المعدلة للعالم، لأن كتاباً واحداً جيداً ومصححاً أفضل من عشرات الكتب القديمة غير المعدلة.

العمل الجماعي دائماً أرفع من العمل الفردي، والتصحيح الشامل أفضل من التصحيح الجزئي.

هامش 31
يجب أن تكون للحوزات العلمية إدارة قوية قادرة على مراقبة الجوانب المالية، بحيث تُحدد كمية الموارد الداخلة والخارجة، بحيث يمكن عرض الإحصائيات الرسمية لهذه الاستثمارات وتقلباتها اللحظية على موقع إلكتروني.

هامش 32
حتى لو ارتقى الإنسان إلى المعراج، فلا بد أن يكون عبدًا لله. ومن لم يكن مجتهدًا فعليه أن يقلد. الذي يتتبع حقيقة الشريعة يجب أن يطيع عالم الطريق في طريقتِه، على أن تكون الطریقة مستمدة من حقائق الكون، بحيث لا يمكن إنكار وجود هذه الحقائق، ولا يمكن القول إنه لا حاجة لأهل الحقيقة. التفاعل العلمي دائمًا قائم بين أهل الشريعة وأهل الحقيقة. السابقون من العلماء كانوا يتعلمون العلوم المختلفة من بعضهم البعض، وعالمٌ كمرحوم کمپاني في شيخوخته كان يتمنى أن يجد من يعلمه “الإسفار”.

هامش 33
الاجتهاد أمر باطني. والتشخیص الأول للاجتهاد يكون لدى الشخص نفسه، فهو يدرك في باطنه إن كان مجتهداً أم لا. المجتهد مثل الشاعر، لا يحتاج إلى أن يُقال له “أنت شاعر”، لأن الشعر ينبع كالنهر الجاري. ولا يحتاج الشاعر إلى شهادة ليثبت قدرته على الشعر، وحتى لو حصل على شهادة بالواسطة، فلن ينبع الشعر من داخله.

في الحوزة أيضًا، لا يصبح الإنسان مجتهدًا لمجرد تأیید الآخرين له، بل يجب أن يشعر بنفسه أنه مجتهد، والتأييد من الآخرين يضيف فقط وجهة سياسية أو هيبة. إذا أقر الآخرون اجتهاد شخص ما وحصل على شهادات جامعية، ولكنه لا يستطيع الاستنباط ويعتمد على فهم الآخرين، فلا يجوز له أن يدعي الاجتهاد ويجب عليه الاقتداء بغيره. كما في مسألة تحريم الصيام على المريض، فإن الحكم يكون بحسب تقدير الشخص نفسه وليس الطبيب. في مسائل أخرى أيضًا يكون الأمر كذلك. لا يصبح المرء سائقًا لمجرد حصوله على رخصة قيادة، بل يحتاج إلى خبرة طويلة ليكون سائقًا حقيقيًا. وكذلك المجتهد يدرك اجتهاده بنفسه، ويأخذ شهادة الاجتهاد كدعم خارجي.

ولو أخبر عارف محب أو مجتهد أحدًا أنه مجتهد، فإذا شك الشخص أو لم يلمس في نفسه ملكة الاجتهاد، فلا يجوز له أن يعتبر نفسه مجتهدًا، وحين يشعر بهذه الملكة يصبح الاقتداء عليه حرامًا.

هامش 34
ليس كل شخص مؤهلاً لرفض أو قبول اجتهاد شخص آخر، لأن موضوع الاجتهاد موضوع تخصصي يحتاج إلى علم خاص. ومن ليس في هذا المجال لا يحق له الإدلاء برأيه، وإلا كان ذلك كالإنسان الذي لا يعرف في الخياطة ويعطي رأيًا في البناء، فالعقلاء لا يقبلون ذلك إلا إذا اجتمعت فيه مهارتا البناء والخياطة، حينها يكون رأيه عالماً ومقبولاً. وكذلك الاجتهاد، من لا يعرف مشقة ألف عام من العلماء المجتهدين ولا يمتلك العلم الكافي لا يحق له أن يرفض اجتهاد أحد.

الشخص الذي لا يعرف الفقه والأصول ولا يتابع تفاصيلهما جزءًا جزءًا، لا يحق له الفتوى. علماء الإسلام وفقهاؤه تتبعوا تاريخ الفقه صفحة صفحة، وأضافوا إلى هذا العلم معارف في كل زمن، وإن كان لدى أحدهم اعتراض على المعارف المضافة أو على أصل الفقه، فعليه أن يعترض من داخل الفقه، وأن يعرف جميع المسائل الفقهية ثم يعترض أو يؤيد. وإن كان يعترض على الأصل كذلك أو يريد إثبات الفقه لشخص ما، يجب أن يعرفه جيدًا ويتعرف عليه، ولا يتم ذلك إلا بأن يدرس تحت إمامة مجتهد متمكن لمدة خمسة عشر عامًا.

الفِرَق والمذاهب التي تعتبر الفقه غير ضروري تجهل الفقه، والذين ينكرون الفلسفة من أساسها مثل الأطباء القدامى الذين لا يعرفون الطب الحديث وينكرونه من جذوره، أو كالفقيه الذي ينكر التصوف بدون معرفة، فإن كلام أي منهم ليس منطقياً وعقليًا.

الإدلاء برأي بدون علم وتسرع يؤدي إلى فقدان الثقة بالمتحدث. العارف الذي ينظر بازدراء إلى الفقه، مع أن هذا العلم متجذر في عالم الوجود، عرفانه ناقص. والفقيه الذي يهمل العرفان ناقص حتى في فقهه. العارف في أعماله الظاهرة يجب أن يلجأ إلى الفقيه، والمجتهد لا يمكنه اعتبار اكتشافاتهم وهمًا وخيالًا.

لو كان الحال كذلك لما كانت هذه الجلبة والفتن في مناقشات التوحيد، بل لكان علم العرفان أوسع، ومباحث مثل ولاية الفقيه أكثر تخصصًا وغنى، وكان المجتهدون يطرحون حلولًا جديدة لها، ولا يتجاهلونها.

الدرويش، الصوفي، العارف يجب أن يطيع الفقيه في أعماله الظاهرة، ولا يستطيع الفقيه اعتبار ما لديهم من معارف خيالًا أو أوهامًا.

صاحبُ المعالم كان يُقدّرُ الوقتَ إلى حدٍّ كبيرٍ لدرجةِ أنَّهُ كان يمتنعُ عن الذهاب إلى المرحاض، حتى أصابه مشكلٌ صحيٌ في منتصف عمره. كان يصلُ إلى الصف متأخرًا ويغادرُ مبكرًا، وغالبًا لا يحضر الدرس، ومع ذلك كان يحظى باحترام الأستاذ، وهذا سبب غيرة بعض الطلاب. سُئل عن سبب تأخره المبكر، فأجاب: “حتى هذا القدر الذي أحضره من الدروس لا أستطيع أن أجهز الكتب وأُعدها.”

الشهداءُ لم يكونوا يبالون بجسدهم وضحّوا به من أجل هدفٍ أعلى وتجّارةٍ رابحةٍ أكثر. الفرق الوحيد بين الشهداء والعلماء هو أن العلماء يمارسون هذا العمل على مدى فترة طويلة، والشهداء يصلون إلى ذلك أسرع، ولهذا فإن أجر العلماء أعلى، لأن مشقّتهم أكبر، فهم كمن يموت عدة مرات، ينامون ويموتون، ويصحون ويستمرون في العمل من جديد، وفي هذا الجهد والتعب يسقط جسمهم، ثم يستيقظون ويعاودون العمل.

في مجلسٍ قرروا أن لا يحق للقوات النظامية دخول الجامعات، لأنها مركزُ العلم، ولا ينبغي أن تتدخل القوات النظامية في المركز العلمي، لكن للأسف الحوزات العلمية لا تحظى بهذه الحصانة، فتُرى القوات المسلحة في ثلاثة مواقع على مداخل فيضية ودارالشفاء، وهذا بالطبع للحراسة وحماية الحوزة. في حرم السيدة المعصومة عليها السلام أيضًا هناك أماكن خاصة للقوات النظامية التي تُراقب الحرم. في الجامعات تُمنح الأساتذة تسهيلات في استخدام الإنترنت، وتحصل أعداد كبيرة منهم على تصاريح للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، ويجب أن تُمنح الحوزات العلمية مثل هذه الامتيازات!

تُكتب شروحاتُ وتلخيصاتٌ كثيرة لكتب الحوزة، خصوصًا في الفقه والأصول، ومع أنها تحتاج إلى نقدٍ موضوعي، لكن يجب التساؤل: هل العلم محصور في الفقه والأصول فقط؟ وهل المجتمع الإسلامي يحتاج فقط إلى الفقه والأصول؟ إدارة الحوزة تعتبر الاشتراك في هذين الدرسين معيارًا لكون الطالب طالب علم، وإن كان أحدهم يتخصص في الفلسفة أو العرفان وحضر فقط هذه الدروس، فلا يُعتبر طالبًا ويحرم من مزايا الحوزة. بهذا الشكل لا تُناقش مسائل مثل معرفة الله، التوحيد، العدل، المعاد، والكثير من الموضوعات العرفانية والفلسفية الضرورية للطلاب والباحثين والمجتمع. المجتمع ينتظر ازدهار هذه العلوم، لكن لا توجد توجيهات واضحة لتوجيه الطلاب نحو هذه المجالات، بل يعتمدون على ذوقهم الشخصي، مع العلم أن الذوق الفردي لا يمكنه تلبية حاجات المجتمع ولا الإجابة على أسئلته، خاصةً أن الأعمال الفردية لا تُظهر جدّة أو تجديدًا ولا تستطيع معالجة أوجاع المجتمع اليوم.

من خلال الإحصائيات المتعلقة بالكتب المنشورة خلال سنة واحدة من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، يمكنُنا أن نعرفَ من هم الأفراد والمجموعات التي تتولى نشر العلم. كثيرٌ من الكتب الحوزوية عبارة عن تلخيصات، شروحات، حواشي وتعليقات، وهذه الكتب تنفع الحوزة فقط، أما الكتب المنشورة في الجامعات فتبدأ بملاحظة المشاكل الاجتماعية أولًا، ثم تكتب لحل تلك المشاكل. هذه الكتب، رغم ما قد تحويه من مشاكل علمية، تبقى مفيدة للمجتمع بسبب توجهها الاجتماعي.

في الحوزة، الكتب التي تُكتب في موضوع العقائد والمشاكل الاجتماعية ضعيفة جدًا، ولأن الطالب الحوزوي محبوسٌ داخل دائرة معلومات داخلية، ولا يطلع كثيرًا على المجتمع الخارجي، فهو غير ناجح.

سُئل السيد المرحوم آخوند همداني: لماذا لا تسلمُ الميزانية إلى المقسّم ليقوم بتوزيعها، وإنما تعطيها مباشرةً إلى الطلاب؟

فأجاب: لأنني رجل مسن، إذا قلت شيئًا للطلاب فلن ينكسروا، أما إذا أخذ الميزانية من المقسم فسيتأذون وينكسرون.

كان يُظهر تواضعًا كبيرًا أمام الطلاب الشباب، حتى إذا رأى طالبًا في الشارع أو السوق، كان يسلم عليه ويتحاور معه بتواضع كبير، مما يثير تعجب الناس. وكان يفعل ذلك من تواضعه لا ليُعلم الآخرين احترام العلماء، لأنّه لم يكن يحترم كبار العلماء.

عندما زُرته، كان يغلق الباب من الخلف، وقلت له: ربما يريد العلماء التحدث معك، فقال: علماء هذه البلاد لا يهتمون إلا بالمال والثروة، ولا أحد يحاول حل مشكلاتهم، أما المواضيع التي تطرح هنا فأنا متحمس لها كثيرًا، لكن لا أحد يستفيد منها.

إن القائلين بأنه يجب على الناس أن يتبعوا المراجع في أمورهم المالية مثلما يتبعونهم في الفتوى، ليس لديهم سبب منطقي. مسألة الأفضلية أو المرجعية لا يجب أن ترتبط بالنظام المالي الحالي، بل يجب إقامة هيئة خاصة ومنظمة تقوم بإدارة الأموال العامة بناءً على فتوى المجتهدين، سواء وصلت الأموال إلى المجتهد أم لا. وما يُقال إن وصول الأموال إلى المجتهد يساعده على صرفها بشكل أفضل، ليس صحيحًا تمامًا. المجتهدون يعلمون علميًا كيفية صرف الأموال، لكن صرف كميات كبيرة من الأموال بحاجة إلى تنظيم إداري، والنظام الحالي يؤدي إلى سوء إدارة وهدر المال.

يجب فصل المسائل العلمية عن المسائل المالية، ليتمكن كل مجال من أداء دوره الصحيح. المسائل العلمية تحتاج إلى قانون ومجتهد كقانوني، والمسائل المالية تحتاج إلى تنظيم إداري مستقل، رغم أن القوانين المالية تعتمد على الفتوى.

القضايا المالية الكبرى لا يمكن حلها بأشخاص عاديين، بل تحتاج إلى طاقم إداري متخصص. المجتهد الذي يستلم هذا المال الكبير يجب أن يستطيع صرفه بالشكل الصحيح، وإلا فاستلامه غير مشروع.

لا يجب أن تُصرف الأموال في نفقات غير مبررة أو إنفاقات لا تليق بكرامة هذه الأموال المحترمة والمنسوبة إلى الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). لا يجوز أن تُصرف مبالغ كبيرة في جانب معين، بينما هناك حاجة ماسة في جهات كثيرة أخرى، ولا يتحمّل أحد المسؤولية أو يسعى لحلّها.

الأموال العامة في خطر أيضًا إذا سمح لأشخاص ضعفاء وغير مؤهلين بالتدخل في جمعها وإدارتها، وإلا فإن النظام سيصبح فاسدًا وظالمًا، خاصة إذا تم جمع الحصص بشكل فوضوي وسمح لفئات من الوسطاء غير المؤهلين بأخذ جزء كبير من المال، مما يفسد جمع الأموال وينتج صرفًا غير مسؤول، وهذا يؤدّي إلى تدهور النظام ويُنتج فسادًا ماليًا.

مذكرة ٤٣
يجب على الطالب أن يكون ذا فهمٍ عميقٍ للمسائل العامة والتيارات الكبرى. عليه أن يعرف كيف يصبح المجتهد ومرجع التقليد، وكيف يتم تقديم المرجع في المجتمع. كما يجب عليه أن يعلم النظام الانتخابي لولاية الفقيه. ينبغي أن يعرف تفاصيل الانتخابات من مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية. ويجب أن يدرك كيف تُدار أوقات الدراسة المزدحمة وتُنظَّم دروسه. كل هذه الأمور لها وسائل وأسباب تمكن الإنسان من التبصر في المستقبل. لذلك يجب على طالب العلم الديني أن يرتقي بمعلوماته العملية إلى مستوى شامل ويكون مطلعاً على نظام الاجتهاد والمرجعية.

مذكرة ٤٤
ينبغي على العلماء أن يكونوا مستبصرين للزمان آخذين في الحسبان المستقبل، يخططون له وينظرون إلى الغد. فمثلاً عليهم وضع نماذج جديدة لملابس الشباب وتسريحات الشعر والتجميل تتوافق مع الآيات السماوية في القرآن الكريم. كما يجب عليهم العمل على معرفة العدو بدقة، ودراسة كلمات مثل “المنافقون” و”الكفار” في القرآن، وإعداد خطة للمواجهة والصمود أمام الأعداء العالميين. ألا يمكننا بغية السيطرة على العالم تحت راية الإسلام أن نضع تصاميم جديدة وعملية وعلمية؟ لماذا يقتدي شبابنا بالغرب، ولماذا لا نقدم لهم نحن نماذج تُلهم الغرب بدلاً من ذلك؟ إن غيابنا عن سوق تقديم النماذج يدل على ضعفنا وعجزنا. لماذا لا نضع قوانين صارمة ضد المعتدين والمافيا؟ كل هذا من مهام العلماء الدينيين؛ فالعالم يجب أن يعرف كل شيء ويضع أفضل الطرق لتنظيم الأمور. لا يشترط أن تكون السلطة التنفيذية عالمة، ولكن على العالم أن يعرف “الوثن” ليتمكن من تنقية أولئك الذين انحرفوا نحو الفساد من الداخل ويجعلهم نظيفي الفكر. إن التنقية من الداخل أفضل وأبقى من التنقية الخارجية، فالتغيير الداخلي مثل انفجار كرة يدفعها إلى الأعلى، أما التغيير الخارجي فمثل ضرب الكرة على الأرض فتزداد قفزتها.

مذكرة ٤٤ (تابع)
الأمر المهم للعالم الديني هو معرفة جوهر الأشياء وبواطن الأشخاص. لماذا لا يعرف العالم أعماق باطن الأرض؟ ولماذا لا يستطيع أن يستفيد من آيات القرآن الكريم في علاج الأمراض؟ لماذا تراجعت مكانة علم النفس في مناهج الحوزة؟ لماذا الإمام الصادق عليه السلام يُعلم “توحيد المفضل” ولكن اليوم تُهمل هذه المادة في الحوزة؟
توحيد المفضل هو توحيد مختصر بيّنه الإمام الصادق عليه السلام بما يتناسب مع فهم المفضل، وإذا درس طالبٌ قوي هذا التوحيد بتمعّن وتأمل في الطبيعة، يمكنه أن يقدّم توحيداً يعمّق فهم العالم ويقوده إليه. لكن للأسف، لا تتوفر الإمكانات الدعائية الكافية، والعالم القوي يعرف أن الإمام الصادق عليه السلام لم يجد تلميذاً أفضل ليبيّن له أفضل توحيد، وإلا كان يدرس التوحيد العلمي لسنوات عدة ليزداد الطلب عليه يوماً بعد يوم.

مذكرة ٤٥
الأساس في العمل هو التنظيم. فالتنظيم هو الذي دفع عجلة التقدم في العالم. في عالم التجارة، كل محل يطرح البضائع القديمة في مزاد ويبيع الجديد بسعر مرتفع ليواكب التطور. البائع يطرح الفواكه الطازجة يومياً ويتخلص من الباقي في المساء ليحافظ على تجدد السوق وعدم تخلفه عن المنافسة.
أما في العلم، فالعمل مستمر حتى على المستوى الثاني، حيث تتنافس الشركات لإدخال أفكار جديدة وأبحاث حديثة. لكن في الحوزة الأمر مختلف؛ فالإبداع والتجديد العلمي ليسا من العادات السائدة، والتمسك بالموروث دون نقد صار القاعدة.

مذكرة ٤٦
عندما يحتاج العداء إلى طاقة محددة للجري، فهل لا يحتاج الطالب إلى طاقة مماثلة ليصبح عالماً؟ مع أن طلاب الحوزة لا يعلمون مقدار الطاقة اللازمة ولا كيفية استهلاكها، وهذا من مسؤولية نظام الحوزة.

مذكرة ٤٧
بعض الدروس التي تُدرس اليوم في الحوزة لا تصل إلى مرحلة التطبيق العملي أو التدريب الخارجي، ولذلك فهي قليلة الفائدة. هذا الركود سبب مشكلات كثيرة. الكتب الدراسية ليست مفيدة للطلاب، ولا تُمكنهم من أن يصبحوا كُتّاباً أو فقهاء أو أصوليين متمكنين.
للأسف، لا يمسك الطلاب بالقلم من بداية دخولهم الحوزة، وعندما يصلون إلى مرحلة متقدمة لا يستطيعون الكتابة أو طرح الأفكار أو تصحيح المشكلات. هم يحفظون فقط ما في الكتب ويتبعون القواعد دون أن يروا مشكلات هذه القواعد أو الكتب. وعندما لا تُرى المشاكل، لا يستطيع هذا الطالب التمييز بين الصح والخطأ، كالسائق الذي لا يعرف سوى المقود والدواسات، فيضغط دواسة البنزين بقوة في الصعود فيحترق المحرك، مع أن القيادة تتطلب مهارات خاصة.

مذكرة ٤٨
تنظيم الأعمال يحتاج إلى التمييز بين المهن الزائفة والحقيقية، ويجب على العلماء الكبار القيام بحركة عامة لفك هذه العقدة، لأن الأفراد لن يتخلوا بسهولة عن دخولهم المالي، أو يجب أن يكون هناك من يضغط بقوة ليغير هذا المسار ويقطع أيدي من يستغلون مداخل مالية غير مشروعة.
العراقيل التي ترفض الحقيقة والطريق إلى الإصلاح يجب إزاحتها حتى يُفتح الطريق للتحول والتقدم.

مذكرة ٤٩
العالم الديني لا يصبح درويشاً ولا منافقاً، لأنه عالم ولا يحمل في ذاته خصائص سيئة، ولكن بسبب المشكلات أو الكسب المادي قد ينضم بعضهم إلى هذه الجماعات. قد يرتدي لباس الدراويش أو يعارض الثورة ظاهرياً، لكنه في الأصل لا ينسى مجموعته ولا يتركها.
عندما لا يتمتع العلماء بالوجاهة العلمية في الحوزة، يبدأون في التشتت إلى مجالات مختلفة؛ فبعضهم يصبح إمام مسجد، وآخر روضه‌خوان، وثالث قاضي، وكل واحد ينضم إلى مجموعة ليحصل على واجهة اجتماعية. في هذا التشتت، بعضهم لا يجد موقعاً في القوى المؤيدة فيدخل إلى جماعات المنافقين، وبعضهم الآخر ينضم إلى الدراويش لأغراض دنيوية، ويقولون كلاماً عن الشيعة والإيمان والآخرة، لكنهم لا يتحدثون عن الدراويش. وعلى الرغم من ذلك، تقبل الجماعات الدرويشية وتدعمهم حتى وإن ظهر أحدهم درويشاً.

مذكرة ٥٠
إذا علم واضعو القوانين أن هناك فرقاً بين الذين يكتبون القوانين ويضعونها في الذاكرة، وبين الذين ينفذونها، لأوجدوا قوانين خاصة بحاملي الذاكرة فقط.
بعضهم يكتب القانون بعناية وبمشقة، ويختبره في كل الحالات ليضمن عدم ظلم أحد، ثم يُسجَّل ويُرسل إلى الجهات التنفيذية. لكن في الجهات التنفيذية، يُعاد ترتيب القانون حتى يُحفظ في الذاكرة، ثم يُطبَّق في المجتمع. للأسف، هذا النظام غير موجود في الحوزة.
القوانين في الحوزة يقرها عدد قليل، والكثير من الطلاب بعد إتمام الدراسة الابتدائية والبدء في الدراسة العليا لا يعرفون هويتهم الحقيقية، ولا يدركون ما المشكلات التي تحلها هذه الدراسات المتعددة السنوات. هل الفقه والأصول قيد للمجتمع أم وسيلة لتيسيره؟ وهل العلوم الدينية مفيدة أم مضرّة؟

مذكرة ٥١
نظراً لهيمنة الفردية وليس النظام على الحوزة، توقفت الإبداعات والابتكارات، مع أن الحوزة ليست بلا نظام. النظام الموجود يختص فقط بالامتحان وتقييم النتائج وإضافة النقاط، وأحياناً يُطلب موضوع للبحث أو يُعيَّن مشرف. المشرف يعلم أنه يجب أن يكون الكاتب على اتصال به، ويفضل أن يكون مشرفاً يدون وينتج.
لكن للأسف، مجرد وجود مشرف، وارتباط الطالب به، والعمل تحت إرشاده لتنفيذ أفكاره، غير شائع. المشرف هو الذي يحدد طريقة الحل، والطالب يتبع دون السؤال عن السبب، لأنه يريد فقط الدرجة، ويُطلب منه تعبئة الأوراق وفقاً للنمط المطلوب.
هذه الأبحاث والرسائل لا تولّد علماً ولا أخلاقاً ولا معرفة، ولا تربية حقيقية.

مذكرة ٥٢
الكثير من الطلاب الجدد لا يعرفون التفاصيل الصغيرة، وقد لا يعرفون القيام بأمور بسيطة، التي يُفتخر بها الناس أمامهم.
وهذا يحدث أيضاً في العلم، مثلاً معرفة هل الفاعل مقدم على المفعول أو العكس، وما الفرق بينهما، قد درس الجميع هذا في اللغة، لكنه لم يُطبق في الكتابة أو الخطاب. وهذا التطبيق الناقص سبب لمشاكل كثيرة.
بعضهم يعرف العلوم أولاً وآخراً، لكنه لا يستطيع نقل معرفته إلى قلم أو لسان، فلا يستفيد أحد من علمه المختزن.

شرح ۶۷
يجب أن يكون نفس العالم نقيّاً صافياً لا تلوث فيه ولا كدر، وألا يتّسخ بسرعة أو يتحول إلى مستنقع. ينبغي أن يُصفى ويُصقل ليصمد أمام النقرات والانتقادات التي يراها من البعض، فلا يتنجّس. وإن قال له أحدهم «أفعى سامة» فلا يلتفت أو ينتقم أو يردّ بالسباب.
وإلا، يكون كلا الطرفين في عالم الجنون. من يتنجّس من أقل نكسة لا يبلُغ مكاناً. ولا ينبغي أن يكون صلباً إلى درجة عدم التأثر حتى بأشد الضربات. المعرفة تشمل الجذب والرفض، ولها وزن أثقل من ذاتها.
الطمأنينة لها حدود، والتحقيق فيها أصعب من العمل بها، ولا يمكن الحصول عليها إلا من أولياء الله الكاملين. المعرفة أعلى منزلة من العمل. عدم ارتكاب الذنب مهم للغاية، ولكن معرفة الذنب وتمييزه أهم. أحياناً الحذر يكون في ترك الحذر نفسه.
مثلاً، الإمام علي عليه السلام أحياناً يركب الطفل اليتيم رباعياً، وأحياناً لا يمكن لأحد أن يتحدث معه، لأن كلماته في بعض الأحيان أشد حدّة من ذوالفقار.

شرح ۶۸
للأسف، المبدأ الذي غُفل عنه في الحوزة هو مبدأ “محورية الأستاذ”. الكاتب يؤكد بقوة وبإيمان أن من يجد أستاذاً جيداً، حتى لو قرأ الصحف في متحقیق، سينجح أكثر من من يقرأ أصعب الكتب الحوزوية أو حتى القرآن بدون أستاذ أو مع أستاذ ضعيف.
اليوم، ما أصبح أساسياً في الحوزة هو الكتب، ويعتقد كثيرون أن العلم كله موجود في هذه الكتب، لذا يقضون عمرهم في قراءتها. لا ننكر أهمية قراءة الكتب، لكنها لا يجب أن تكون الأصل. من يجد أستاذاً قوياً، ينبغي أن يقدّم له أقصى الاحترام ويعتبر وجوده شفاءً.

شرح ۶۹
حالياً في الحوزة تُجرى الكثير من الأعمال الكمية، ويتم تصحيح وطباعة الكتب بشكل كمي، لكن العمل النوعي قليل، وتحسين دور الكتب في الجودة ظاهر، لكن للأسف لا توجد محتويات واضحة ولا تمييز بين الصحيح والباطل، والكلام الملتبس في الروايات والفتاوى لا يُفرق بينه وبين غيره.

شرح ۷۰
في النقد يجب أن يكون الإنسان متحرراً ومراعياً للاحترام. المرحوم ملا صدرا، تبعاً لأستاذه مير داماد، كان يؤمن بأصالة الجوهر، لكنه بعد فترة أدرك أن الجوهر ليس أصيلاً وأن الأصل هو “الوجود”. يقول: الحمد لله الذي هداني وأنقذني من الضلال. قد يُفهم من كلامه أنه ينتقد مير داماد، لكنه ليس كذلك، فهو يتحدث عن حاله بإيمان ولا ينوي إهانة أستاذه.

شرح ۷۱
لتقدّم أي عمل، وجود أدواته أمر ضروري. كل عمل يحتاج إلى وسائل خاصة به، كما أن البناء يحتاج إلى المطرقة والملعقة، والطبيب يحتاج إلى مشرط وملاقط، والعالم الطبيعي يحتاج إلى مجهر.
يجب أن تمتلك الحوزة العلمية مختبرات، وألا تضيّع عمرها في الكلام فقط. إن كانت الحوزة تريد أن تصبح حقاً مكاناً للعلم، فلا بد من إدخال خطة لكاد (تحليل ومعمل) والتعرف على المواضيع المهمة، وألا تُعتبر الأجر الأخروي وحده كافياً.

مذكرة ٤٣
يجب على الطالب أن يكون ذا فهمٍ عميقٍ للمسائل العامة والتيارات الكبرى. عليه أن يعرف كيف يصبح المجتهد ومرجع التقليد، وكيف يتم تقديم المرجع في المجتمع. كما يجب عليه أن يعلم النظام الانتخابي لولاية الفقيه. ينبغي أن يعرف تفاصيل الانتخابات من مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية. ويجب أن يدرك كيف تُدار أوقات الدراسة المزدحمة وتُنظَّم دروسه. كل هذه الأمور لها وسائل وأسباب تمكن الإنسان من التبصر في المستقبل. لذلك يجب على طالب العلم الديني أن يرتقي بمعلوماته العملية إلى مستوى شامل ويكون مطلعاً على نظام الاجتهاد والمرجعية.

مذكرة ٤٤
ينبغي على العلماء أن يكونوا مستبصرين للزمان آخذين في الحسبان المستقبل، يخططون له وينظرون إلى الغد. فمثلاً عليهم وضع نماذج جديدة لملابس الشباب وتسريحات الشعر والتجميل تتوافق مع الآيات السماوية في القرآن الكريم. كما يجب عليهم العمل على معرفة العدو بدقة، ودراسة كلمات مثل “المنافقون” و”الكفار” في القرآن، وإعداد خطة للمواجهة والصمود أمام الأعداء العالميين. ألا يمكننا بغية السيطرة على العالم تحت راية الإسلام أن نضع تصاميم جديدة وعملية وعلمية؟ لماذا يقتدي شبابنا بالغرب، ولماذا لا نقدم لهم نحن نماذج تُلهم الغرب بدلاً من ذلك؟ إن غيابنا عن سوق تقديم النماذج يدل على ضعفنا وعجزنا. لماذا لا نضع قوانين صارمة ضد المعتدين والمافيا؟ كل هذا من مهام العلماء الدينيين؛ فالعالم يجب أن يعرف كل شيء ويضع أفضل الطرق لتنظيم الأمور. لا يشترط أن تكون السلطة التنفيذية عالمة، ولكن على العالم أن يعرف “الوثن” ليتمكن من تنقية أولئك الذين انحرفوا نحو الفساد من الداخل ويجعلهم نظيفي الفكر. إن التنقية من الداخل أفضل وأبقى من التنقية الخارجية، فالتغيير الداخلي مثل انفجار كرة يدفعها إلى الأعلى، أما التغيير الخارجي فمثل ضرب الكرة على الأرض فتزداد قفزتها.

مذكرة ٤٤ (تابع)
الأمر المهم للعالم الديني هو معرفة جوهر الأشياء وبواطن الأشخاص. لماذا لا يعرف العالم أعماق باطن الأرض؟ ولماذا لا يستطيع أن يستفيد من آيات القرآن الكريم في علاج الأمراض؟ لماذا تراجعت مكانة علم النفس في مناهج الحوزة؟ لماذا الإمام الصادق عليه السلام يُعلم “توحيد المفضل” ولكن اليوم تُهمل هذه المادة في الحوزة؟
توحيد المفضل هو توحيد مختصر بيّنه الإمام الصادق عليه السلام بما يتناسب مع فهم المفضل، وإذا درس طالبٌ قوي هذا التوحيد بتمعّن وتأمل في الطبيعة، يمكنه أن يقدّم توحيداً يعمّق فهم العالم ويقوده إليه. لكن للأسف، لا تتوفر الإمكانات الدعائية الكافية، والعالم القوي يعرف أن الإمام الصادق عليه السلام لم يجد تلميذاً أفضل ليبيّن له أفضل توحيد، وإلا كان يدرس التوحيد العلمي لسنوات عدة ليزداد الطلب عليه يوماً بعد يوم.

مذكرة ٤٥
الأساس في العمل هو التنظيم. فالتنظيم هو الذي دفع عجلة التقدم في العالم. في عالم التجارة، كل محل يطرح البضائع القديمة في مزاد ويبيع الجديد بسعر مرتفع ليواكب التطور. البائع يطرح الفواكه الطازجة يومياً ويتخلص من الباقي في المساء ليحافظ على تجدد السوق وعدم تخلفه عن المنافسة.
أما في العلم، فالعمل مستمر حتى على المستوى الثاني، حيث تتنافس الشركات لإدخال أفكار جديدة وأبحاث حديثة. لكن في الحوزة الأمر مختلف؛ فالإبداع والتجديد العلمي ليسا من العادات السائدة، والتمسك بالموروث دون نقد صار القاعدة.

مذكرة ٤٦
عندما يحتاج العداء إلى طاقة محددة للجري، فهل لا يحتاج الطالب إلى طاقة مماثلة ليصبح عالماً؟ مع أن طلاب الحوزة لا يعلمون مقدار الطاقة اللازمة ولا كيفية استهلاكها، وهذا من مسؤولية نظام الحوزة.

مذكرة ٤٧
بعض الدروس التي تُدرس اليوم في الحوزة لا تصل إلى مرحلة التطبيق العملي أو التدريب الخارجي، ولذلك فهي قليلة الفائدة. هذا الركود سبب مشكلات كثيرة. الكتب الدراسية ليست مفيدة للطلاب، ولا تُمكنهم من أن يصبحوا كُتّاباً أو فقهاء أو أصوليين متمكنين.
للأسف، لا يمسك الطلاب بالقلم من بداية دخولهم الحوزة، وعندما يصلون إلى مرحلة متقدمة لا يستطيعون الكتابة أو طرح الأفكار أو تصحيح المشكلات. هم يحفظون فقط ما في الكتب ويتبعون القواعد دون أن يروا مشكلات هذه القواعد أو الكتب. وعندما لا تُرى المشاكل، لا يستطيع هذا الطالب التمييز بين الصح والخطأ، كالسائق الذي لا يعرف سوى المقود والدواسات، فيضغط دواسة البنزين بقوة في الصعود فيحترق المحرك، مع أن القيادة تتطلب مهارات خاصة.

مذكرة ٤٨
تنظيم الأعمال يحتاج إلى التمييز بين المهن الزائفة والحقيقية، ويجب على العلماء الكبار القيام بحركة عامة لفك هذه العقدة، لأن الأفراد لن يتخلوا بسهولة عن دخولهم المالي، أو يجب أن يكون هناك من يضغط بقوة ليغير هذا المسار ويقطع أيدي من يستغلون مداخل مالية غير مشروعة.
العراقيل التي ترفض الحقيقة والطريق إلى الإصلاح يجب إزاحتها حتى يُفتح الطريق للتحول والتقدم.

مذكرة ٤٩
العالم الديني لا يصبح درويشاً ولا منافقاً، لأنه عالم ولا يحمل في ذاته خصائص سيئة، ولكن بسبب المشكلات أو الكسب المادي قد ينضم بعضهم إلى هذه الجماعات. قد يرتدي لباس الدراويش أو يعارض الثورة ظاهرياً، لكنه في الأصل لا ينسى مجموعته ولا يتركها.
عندما لا يتمتع العلماء بالوجاهة العلمية في الحوزة، يبدأون في التشتت إلى مجالات مختلفة؛ فبعضهم يصبح إمام مسجد، وآخر روضه‌خوان، وثالث قاضي، وكل واحد ينضم إلى مجموعة ليحصل على واجهة اجتماعية. في هذا التشتت، بعضهم لا يجد موقعاً في القوى المؤيدة فيدخل إلى جماعات المنافقين، وبعضهم الآخر ينضم إلى الدراويش لأغراض دنيوية، ويقولون كلاماً عن الشيعة والإيمان والآخرة، لكنهم لا يتحدثون عن الدراويش. وعلى الرغم من ذلك، تقبل الجماعات الدرويشية وتدعمهم حتى وإن ظهر أحدهم درويشاً.

مذكرة ٥٠
إذا علم واضعو القوانين أن هناك فرقاً بين الذين يكتبون القوانين ويضعونها في الذاكرة، وبين الذين ينفذونها، لأوجدوا قوانين خاصة بحاملي الذاكرة فقط.
بعضهم يكتب القانون بعناية وبمشقة، ويختبره في كل الحالات ليضمن عدم ظلم أحد، ثم يُسجَّل ويُرسل إلى الجهات التنفيذية. لكن في الجهات التنفيذية، يُعاد ترتيب القانون حتى يُحفظ في الذاكرة، ثم يُطبَّق في المجتمع. للأسف، هذا النظام غير موجود في الحوزة.
القوانين في الحوزة يقرها عدد قليل، والكثير من الطلاب بعد إتمام الدراسة الابتدائية والبدء في الدراسة العليا لا يعرفون هويتهم الحقيقية، ولا يدركون ما المشكلات التي تحلها هذه الدراسات المتعددة السنوات. هل الفقه والأصول قيد للمجتمع أم وسيلة لتيسيره؟ وهل العلوم الدينية مفيدة أم مضرّة؟

مذكرة ٥١
نظراً لهيمنة الفردية وليس النظام على الحوزة، توقفت الإبداعات والابتكارات، مع أن الحوزة ليست بلا نظام. النظام الموجود يختص فقط بالامتحان وتقييم النتائج وإضافة النقاط، وأحياناً يُطلب موضوع للبحث أو يُعيَّن مشرف. المشرف يعلم أنه يجب أن يكون الكاتب على اتصال به، ويفضل أن يكون مشرفاً يدون وينتج.
لكن للأسف، مجرد وجود مشرف، وارتباط الطالب به، والعمل تحت إرشاده لتنفيذ أفكاره، غير شائع. المشرف هو الذي يحدد طريقة الحل، والطالب يتبع دون السؤال عن السبب، لأنه يريد فقط الدرجة، ويُطلب منه تعبئة الأوراق وفقاً للنمط المطلوب.
هذه الأبحاث والرسائل لا تولّد علماً ولا أخلاقاً ولا معرفة، ولا تربية حقيقية.

مذكرة ٥٢
الكثير من الطلاب الجدد لا يعرفون التفاصيل الصغيرة، وقد لا يعرفون القيام بأمور بسيطة، التي يُفتخر بها الناس أمامهم.
وهذا يحدث أيضاً في العلم، مثلاً معرفة هل الفاعل مقدم على المفعول أو العكس، وما الفرق بينهما، قد درس الجميع هذا في اللغة، لكنه لم يُطبق في الكتابة أو الخطاب. وهذا التطبيق الناقص سبب لمشاكل كثيرة.
بعضهم يعرف العلوم أولاً وآخراً، لكنه لا يستطيع نقل معرفته إلى قلم أو لسان، فلا يستفيد أحد من علمه المختزن.

التاريخ أكثر بقاءً من الاثنين. فالحوزة العلمية تحافظ على العلماء حتى من المرتبة الثالثة عبر التاريخ. ومن الجدير بالذكر أن علماء مثل آية الله العظمى الأراكي وآية الله العظمى الغلبيغاني – رحمهم الله – يُعتبرون من العلماء من المرتبة الثانية، بينما شهيد مطهري يُصنف في المرتبة الثالثة مقارنة بهم. أما أغلب رجال الدين السياسيين، رغم جهودهم وتضحياتهم في سبيل الثورة، فهم يُنظر إليهم بدرجة أقل من علماء الدين؛ لأنهم كانوا أقل حضوراً في الحوزة وأقل ارتباطاً بها، وأكثر ارتباطاً بالعالم السياسي والإداري.

حاشية 55
يجتهد المجتهدون في الحوزة العلمية بشكل فردي، حيث يجب على كل مجتهد أن يواجه آلاف المشاكل بنفسه حتى يتمكن من نشر رسالته ليضعها بين أيدي الناس، ومع مرور الوقت يبدأ في اختيار فريق عمله تدريجياً. أما لو كانت هذه الأعمال مبنية على نظام ومنظومة شاملة، بحيث يتم تعيين قوى عاملة من قبل مجموعة متخصصة للمجتهد الأعلم أو المجتهد القوي الذي يمتلك القدرة على إدارة الناس، وكان ذلك بموافقة المجتهد ذاته، حينها يخرج المجتهدون من حالة الفردية، وتُنجز الأعمال بشكل أفضل بدلاً من التكرار والازدواجية. فلو قام العلماء في الماضي بتأسيس مسجد أو مستشفى، فإن مجتهداً آخر قد يكرر نفس العمل، دون النظر في النظام العلمي المتكامل الذي يحدد ما يجب حله جذرياً ويحتاج إلى استثمار وما يمكن معالجته مؤقتاً.**

حاشية 56
في عالم السياسة، هناك من يختار جانب السياسة بوعي وبصخب، وهناك من لا يدرك ولا يستطيع المناقشة مع أصدقائه السياسيين. الفئة الأولى التي أصبحت سياسية بالكامل مستعدة لأن توجه الجميع نحو أهدافهم بناءً على السياسة التي يختارونها. هؤلاء قلة، وليس لديهم خبرة سياسية، ولا يعرفون المجتمع، مما يوقعهم في مشاكل في تحليلاتهم السياسية. أما الذين يطيعون هذه المجموعة وليسوا سياسيين ولا اقتصاديين، فهم لا يفكرون أبداً في أن أصدقائهم قد يخطئون، ويرون كل الأخطاء من الخارج فقط، مع أنهم لا يمكنهم أبداً التفكير في وجوب معاقبة الأصدقاء لمساعدة الحق.**

حاشية 57
اليوم، انقطع ارتباط علوم الأئمة عليهم السلام مع المجتمع. يجب التوجه إلى المجتمعات العلمية وإلى الناس مباشرة، والاستماع إلى كلامهم من المشتكين والمنتقدين للحوزة والدين. العلم هو انفجار وانكشاف داخلي في مواجهة الأسئلة الغامضة والمعقدة ضد الدين، ويجب متابعة ذلك، واللامبالاة والكسل من الطالب تجاه ذلك يعد فسقاً.**

حاشية 58
على العلماء الدينيين أن يعرفوا لغة العالم ويتوفر لديهم المعلومات الحديثة، لا أن تكون معارفهم مقتصرة على استنتاجات قديمة ومتكررة وبدون قدرة على إنتاج العلم. من الناحية الموضوعية، في المجتمع الحالي، كثير من الذين يقومون بالتبليغ ليسوا علماء اجتماع أو خبراء مجتمع أو خبراء صناعة، لذلك يتبعون الآيات والأحاديث المتعلقة بعالم العلم تعبدياً دون تفكير في تسرب العلم من تلك الآيات والرويات. صحيح أننا نتعبد للنصوص الدينية، ولكن الأحكام لها معايير عقلية وعلمية. كيف يمكن لعالم لا يعرف المسائل العلمية والمعايير العقلية في القرآن الكريم والسنة أن يدعي العلم؟ إذا كان العلم مجرد حفظ الأحكام الظاهرية، فالأمر يمكن للناس ببساطة حفظه، ولكن الأحكام الظاهرية غير قابلة للحفظ تماماً لأنها تتغير لحظة بلحظة وتظهر مسائل جديدة تستدعي استنباط حكم جديد بناءً على موضوع جديد.**

حاشية 59
الحوزات لا تحتاج إلى آلاف المجتهدين في العلوم القائمة، ولكن ما تحتاجه بشدة والذي يُلاحظ نقصه في الحوزة هو إصلاح الكتب وتأسيس علوم جديدة، وهنا يحتاج الأمر إلى مجتهدين. يجب تأمين متطلبات الحياة المادية لكل الطلاب النشيطين والماهرين علمياً، ثم يطلب منهم الاجتهاد في تخصصات مختلفة من الأدب أو علوم أخرى، وكتابة كتب جديدة ومُحدثة، والتدريس وتربية الطلاب. ليس من الضروري أن يصبح الجميع مجتهدين في الفقه والأصول. بهذا فقط يمكن ملاحظة النمو والتقدم في الحوزة، وإلا فإن الطريقة التقليدية التي تركز فقط على الفقه والأصول وتغفل بقية العلوم لا تلبي حاجات المجتمع.**

حاشية 60
الأمراض الروحية نوعان: معدية وغير معدية. من الأمراض الأخلاقية المعدية التي تنتقل بين الطلبة من دون عقل وتفكير هي الاحترام المفرط والمجاملة. المجاملة لا مكان لها في العقل، والعقل هو الحقيقة، والعاقل يتصرف بحسب الواقع الذي يدفعه إلى التحرك، وليس المجاملة.**

حاشية 61
لا ينبغي أن يعتبر العالم الديني نفسه من ورثة الأنبياء بسرعة وسهولة، بل يجب أن يحدد مكانته في المجتمع. إن كان العلماء ورثة الأنبياء، فعليهم التضحية بكل شيء كما فعل الأنبياء السابقون مثل لوط ونوح عليهم السلام. للأسف، مكانة بعضهم اليوم تشبه المتخصصين في أمور أخرى، يقول أحدهم أنه طبيب ويتقاضى أجراً، والآخر أنه مداح ويتقاضى أجراً، والآخر يروي أحاديث الأنبياء ويتقاضى أجراً، ولا يهمه ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وآله، فهو يبيع ما تعلمه فقط. إذا وصل عمل العالم الديني إلى هذا الحد، فهو ليس عالماً دينياً بل تاجر دين يسبب مشاكل اعتقادية في المجتمع، وسيُسأل يوم القيامة عن بيعه الدين وتضييع الدين للناس.**

حاشية 62
في شبابه، كتب السيد الخميني كتاب “كشف الأسرار” وهاجم فيه كسروي حتى لم يعد له ذكر. فيما يتعلق بكتب المفكرين أو المخالفين، يجب على عالم ديني أن يبذل جهداً لنقدهم نقداً قوياً حتى يُنسوا، فإذا قُتلوا لا يُعتبرون شهداء. إذا هُزموا علمياً فلن يطالبوا بالعلم. على أية حال، فرن حار أكثر يجعلهم ينسون ويبردون، وهذا ضروري لأن لدينا ملا صدرا وعلماء فلسفة أحياء عظام، والغرب مقارنة بهم في الفلسفة كروضة أطفال، وسروش ومن على شاكلته ممن ينقلون بكلمتين عن الفلاسفة الغربيين كلامهم سطحي وضعيف. يجب تقديم أدلة قطعية على أن هذه الحواشي ليست مخصصة لهدف آخر.**

حاشية 63
وفقاً لملفات الطلبة في مراكز إدارة الحوزة الثلاثة، فإن عددهم حتى الآن يُقدر بأكثر من مائتي ألف طالب. بعضهم يعمل في المدن. الإحصائية تُظهر حوالي 35 ألف طالب في قم، بعضهم في مراحل الدراسة السطحية، وبعضهم في دروس خارج الفقه والأصول. ومع ذلك، الباحثون الحقيقيون في الحوزة قليلون جداً. عند دخول الطلبة قم، يتحملون مشقة الدراسة الاجتهادية، ولكن عدد المجتهدين المتخرجين قليل جداً، لأن النظام الحالي لا يستطيع أن ينتج علماء، والحوزة الكبرى هذه متوقفة حالياً. ما هو نصيب هذه الكمية من العلوم الإنسانية؟ هل يمكن فهم “قال الصادق” بدون فرضيات علمية؟ هل يمكن فهم الدين بدون امتلاك العلوم الحديثة؟ إذا عُرض الدين من قبل متخصصين علميين وبقلم علمي، مثلاً الطبيب يستنبط مسائل الطب من القرآن، هل سيكون مفهوماً ومؤثراً؟ لماذا الفقيه يغلق عينه عن العلوم المختلفة التي يمكن استنباطها من القرآن؟ لماذا لا يعمل الطلبة في العلوم المختلفة وأسس الاجتهاد؟ مع أن كل طالب يحمل في قلبه “وحده لا شريك له” ويدعي الاجتهاد!**

حاشية 64
في النصوص الإسلامية، هناك شرح وتحليل متقدم للعديد من القضايا. أفضل كتاب دراسي في هذا المجال هو “توحيد المفضل” الذي رواه الإمام الصادق عليه السلام، لكن العلماء لم يعملوا عليه كثيراً، مع أن الشرط الأساسي هو الاستفادة المباشرة من الروايات العلمية للإمام الصادق والإمام الآخرون عليهم السلام.**

حاشية 65
ورثة الأنبياء بعيدون عن الأعمال الدنيوية والمادية ولا يقومون بأعمال قبيحة، ومن السيء جداً أن يدخل العلماء الذين يدعون وراثة الأنبياء في أمور دنيوية مثل الشيشة، السجائر، المنقل، البافور، تعدد الزوجات وغيرها.**

على الرغم من أن تعدد الزوجات كان مألوفاً وقديمًا وكان الناس يرغبون فيه، إلا أنه أصبح اليوم مشكلة ومأزقاً اجتماعياً. وحتى يُحدد الطريق في هذا الموضوع، لا يجب القيام بأي إجراء عملي، وحتى إذا وُصل إلى نتيجة، فلا يجب التضحية بالأشخاص المحترمين مثل العلماء من أجل تطبيق ذلك.**

حاشية 66
نصوص الرسائل العملية الموجودة ليست مناسبة للناس الواعية والمتعلمة اليوم، فهي مكتوبة بلغة بسيطة جدًا للفئات البسيطة، في حين أن الذين يلجأون إليها هم من الطبقة العلمية والمتعلمة. لقد أشرنا إلى نقائص الرسائل في مقدمة كتبنا العملية.**

الهوامش من 80 إلى 88

الهوامش 80:
يجب على الحوزات العلمية أن تدرك الخطر والاحتياجات الخاصة بها لكي تتمكن من التقدم. إنّ الاحتياجات تُظهِر القدرات والإمكانات. على سبيل المثال، رائحة الحيوانات النتنة التي تُربى في المنازل أدت إلى إنتاج أفضل العطور في فرنسا. كما أن بلادنا تعرّضت لتهديد أمني وأصبحت من أكثر البلدان عداءً، لذلك تحولت إلى واحدة من أقوى الدول عسكرياً؛ لأنّ من له عدو يجب أن يشدّ حزامه. وإذا حدث تهديد مماثل ضد المنتجات الزراعية، فسوف يبذل العاملون في هذا المجال جهداً كبيراً، بل ويمكنهم حتى تصدير المنتجات رغم الجفاف، ولكن لأنهم لا يشعرون بالخطر في هذا المجال، فإنهم متخلفون.

الهوامش 81:
يجب على الطالب الديني أن يكون لديه برنامج دراسي منظّم. ولكي يضع هذا البرنامج، يجب عليه التشاور مع خبراء ومدرّبين ذوي كفاءة عالية. أكثر المشاكل والاضطرابات التي يعاني منها الطلاب تنبع من عدم وجود برنامج في جميع جوانب الحياة. بعضهم يدرس كثيراً لكنه يضر جوانب حياته الأخرى، والبعض الآخر يتوقف عن الدراسة بذريعة تحسين أوضاعه الاقتصادية. الطالب الذي يذهب من أستاذ إلى آخر بشكل متقطع يشتت ذهنه وعقله ويصبح غير قابل للتربية. وقد ورد في آداب المتعلم أن المتعلم يجوز له أن لا يدرس لمدة شهرين ليدرس ويبحث عن أستاذ ومربٍّ كفء. لذلك، يجب قبل القيام بأي عمل أن تُغلق الأيدي حتى يُعدّ المخطط والبرنامج ويُحدد الهدف والغاية، ثم يُشرع في العمل.

الهوامش 82:
ذات يوم، كنت جالساً في مجلس أحد العلماء العظام – حفظه الله – وكان طالب قد قرأ كتاب «جامع المقدمات» ويريد الإذن من الأستاذ لقراءة «السيوطية». كان من عادة الطلاب حينها أن يعملوا بإذن الأستاذ. فسأل الأستاذ: هل تريد أن تصبح طالب علم أم تاجر؟ قال الطالب: هل هناك فرق؟ قال الأستاذ: نعم، إذا كنت تريد أن تصبح طالب علم، فاقرأ جامع المقدمات مرة أخرى، وإذا كنت تريد أن تكون تاجراً وتسعى للعلم فقط من أجل التجارة، فمستواك في الأدب كافٍ ولا حاجة لقراءة السيوطية، فلا تضيع وقتك، واذهب واقرأ الفقه وأمور أخرى. إذا أردت أن تكون طالب علم، يجب أن يكون أدبك متيناً، ولا يكفي ما قرأته من صرف ومقدمات. لمن يقرأ المنبر ويخطب، لا يحتاج إلى أدب متخصص، ولكن كعالِم أو مجتهد أو مدرس يجب أن يكون لديه أساس قوي.

الهوامش 83:
يجب على العلماء الدينيين أن يعرفوا علم الاستخارة، وأن يكونوا على دراية بأسسها وقواعدها، وكذلك بالمصطلحات والرموز الخاصة بها، وأن يكون لهم دليل وحجة عند استخارتهم، وأن يكونوا قادرين على الرد في يوم القيامة بشأنها. الاستخارة هي طريق جزئي للولوج إلى المكاشفة والرؤية الباطنية والتوصل إلى الغيبيات، وقد تناولناها بالتفصيل في كتاب من خمسة أجزاء بعنوان «علم الاستخارة».

الهوامش 84:
للأسف، حوزاتنا اليوم فارغة من المحتوى العلمي للعلماء السابقين. كان العلماء القدامى يمتلكون العلوم الغريبة والمعارف والحقائق، وكانوا مفسرين ومتواصلين مع الحقائق. أما الآن، فحوزاتنا خاوية. يقرأون صرفاً ونحواً بالعربية السهلة، ثم جزءاً من المنطق، ثم لمعة وفقه وأصول. العلوم الإنسانية ليست محصورة في هذه العلوم فقط. في الماضي كان العلماء ورثة الأنبياء، كانوا رفقاء القرآن وصحابته، والقرآن كان رفيقهم، وهذا ما لم يعد موجوداً الآن. يجب أن يكون للحوزات كلام مع الناس، ولكن الآن يقتصر الأمر على منتهى الآمال أو فلسفة ملاهادي سبزواري، بينما طلابنا يدرسون عشرات الفلسفات الأوروبية. لذلك لا يميل الشباب المتعلمين إلى المساجد والعلماء ولا يشعرون بحاجتهم إليهم. في الماضي لم يكن هذا الحال، لأن العالم كان محبوباً وعند حديثه كان القلوب تحترق. كان مفسراً حقيقياً يحلل ويفسر الآيات بشكل ممتاز. من العلوم التي تعاني الحوزات من نقص محتواها علم الولاية، وكذلك في علوم تفسير الأحلام والقرآن والاستخارة.

الهوامش 85:
حوزاتنا اليوم أقوى بكثير من حوزات سبعمئة سنة مضت؛ مع أن أولئك كانوا أكثر تقديساً وتقوى وصفاءً وصدقاً، لكنهم لم يكونوا قادرين على إدارة شؤون المسلمين. الحوزة الشيعية وصلت إلى قوتها الحالية بفضل شخصيات مثل شيخ الأنصاري وآقا ضياء وكباني ونايني. هذه العظمة خاصة بالشيعة والحوزات الشيعية، وإذا مر الزمن بألف دورة، فلن تجد مشاكل في الأحكام والفتاوى عند العلماء الشيعة.

الهوامش 86:
يجب ألا تصاب الحوزات بجهل العصر العلمي الحديث. ذات مرة طلبت من بعض الأصدقاء جمع الكتب المتعلقة بالاستخارة. وكان من بين هذه الكتب كتابٌ كتبه مؤلفه رحمه الله، وأدخل السرور على نفسي. لكنه في شرح الاستخارة كتب كثيراً من الآيات ثم يختتم بكلمة «إن شاء الله خير» (!) بهذا الوصف لا يمكن الوقوف بجانب العلم والدين في هذا العصر. هذا هو التلق تتلق الذي شاهده هويدا في كتاب، وقد رواينا قصته في كتاب «علم الاستخارة». هذا التصرف مع المفاهيم الدينية أسوأ من التجارة. أليس يُقال:
«إذا صار المسجد باسم الله دكان الشيخ، فهدّموه لأنه ليس دار عبادة»
كتابة ونشر مثل هذه الكتب من الناحية الشرعية باطل. هذه الكتب لا تحتوي على معلومات ومعارف حقيقية. نسأل الله لنا ولأصحاب هذه الكتب المغفرة، لكن هذا ليس تديناً ولا يمكن بهذه الطريقة نشر الدين بين الناس والشباب. إذا رآه عقلاء، لن يصدق أن عالم كتب هذا.

الهوامش 87:
استخدام الآيات والأحاديث خاص بالعقول المدروسة وأصحاب العلم والبحث والكمال. الإنسان غير المثقف، الجاهل، بدون معلومات لا يستطيع الاستفادة من القرآن الكريم. في الأحاديث بحر لا متناهٍ من العلوم التي لا يصل إليها إلا العلماء.

الهوامش 88:
في العلوم الطبيعية، بذل أسلافنا جهوداً تدريجية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، وقد حقق الغرب تقدماً كبيراً. كتب الرياضيات القديمة مثل «خلاصة الحساب» للشيخ بهائي تدرّس الجمع والطرح بطريقة أصعب من الجبر وعلم المثلثات الحديث. طلاب الحوزة الذين يدرسون الفلك والرياضيات يتعلمون بأساليب معقدة وبطيئة وبعيدة عن الفهم السريع. مع ذلك، بذل القدماء جهوداً عظيمة لجعل العلوم سهلة ومتاحة لنا. في طفولتنا كنا نتعلم الطب بمشقة. في علم الفلك كان علينا دراسة كل الكون باستخدام كرة تنس الطاولة، أما اليوم فطفل في المدرسة يمكنه تعلم الفلك الحديث بقرص مضغوط واحد.
قيل:
«من قرأ صرف مير مير، فكّّ سبعة أقفال وسبعة سلاسل»
أو:
«فكّ سبعة أقفال وسبعة سلاسل، لكن القراءة المختصرة كانت سهلة»
في ذلك الزمن كان الطلبة يدخلون الحوزة بمعرفة ابتدائية ولا يعرفون العربية والفارسية جيداً، وكانت الدراسة صعبة، لكن اليوم معظم الطلبة يأتون بشهادة دبلوم وقد درسوا صرف مير وما شابهها في مدارسهم. الآن الطلبة لا يدرسون بجد، بل يسمعون الدروس ويذاكرون ليلة الامتحان فقط. في الماضي، لو لم تدرس يوماً واحداً، كنت محرومًا من العلم، لكن اليوم لأنهم أُعطوا أساسيات، فهم يتقدمون خاصة مع تقدم الحواسيب والبرامج التعليمية.

هوامش ٨٩

الخيّاط في مهنته، حين يضع الإبرة على الأرض، لا يبقى له شيء ويصبح عاطلاً عن العمل. والمُتعلّم في الحوزة الدينية مثل الخيّاط، فعندما يضع كتابه على الأرض يصبح عاطلاً؛ على عكس العالم الديني (الأخوند) الذي حتى وهو يشرب الشاي مع القند يكون عالماً دينياً. فالعالم الديني حتى حينما يمشي يعمل أعمالاً دينية، كما أنه عندما يصلي يكون في حالة كسب. هذه هي طبيعة الأخوند، لكن التلميذ الحوزوي لا يملك هذا الوضع. فالتلميذ بمجرد خروجه من غرفة الدراسة يبدأ بإضاعة وقته.

هوامش ٩٠

أحد عيوب الجامعة، خاصة في العلوم الإنسانية التي تتسلل الآن إلى دروس الحوزة، هو أنهم يقتصرون على جمع الأقوال فقط ويقولون: ماذا قال فلان؟ وماذا تقول هذه الترجمة؟! ولكن لا وجود لأي اجتهاد أو تحقيق. ولا يُمنح الطالب هوية أو شخصية مستقلة تمكنه من البحث والتعبير عن رأيه.

هوامش ٩١

يجب ألا تُوظّف شعائرنا الدينية لخداع عقولنا، ولا ينبغي أن تُستخدم الصلاة أو المسجد أو الحسينيات أو مجالس العزاء أو الأخوند في سبيل تدمير العقلانية. للأسف، كثير من الشعائر تحولت إلى أدوات للاستغلال الدنيوي وتوجيه الناس نحو التخلف، حتى أن التسول والتشرد أصبحا نموذجاً يقودهما هؤلاء، بينما الطبقة العلمية والثقافية لا تملك أي دور مؤثر بين الناس العاديين، وهم يتمسكون بأوضاع قديمة وضعيفة. هذا ما جعل التسول يحقق دخلاً أكثر من الهندسة، ومجلس العزاء يحظى باحترام أكثر من المجتهد العلمي، وعالمهم أكثر ازدهاراً من العلماء والمختصين الحقيقيين.

إن لحية ومئزر يحققان أكثر من برميل من العلم والمعرفة، والسجادة مفيدة أكثر من محل تجاري، والمحراب قد يكون أكثر نفعاً من شركة، واحترامه لا يُقارن! على الرغم من عظمة الشعائر الدينية والوطنية والتقاليد الشعبية، إلا أنها في مجتمعنا أدت إلى نتائج عكسية وتدمير الثقافة والفكر العام.

قد يتولى طاغية إدارة جزء من المجتمع دون أدنى كفاءة إدارية، وبوسائل مهينة ومعاونيه المدربين يدمر أي مجال سليم ويقمع أي خطوة جديدة وصحيحة، ويمنعها من النمو. الأموال والمصروفات التي تُصرف على الشعائر يمكن أن تحل كل مشاكل الناس العامة وتوفر بيئات سليمة.

الطبقة الدينية التي يجب أن تكون محور النمو الثقافي وتنتج أفضل الوجوه العلمية انحرفت عن مسارها، والجهود العلمية مقتصرة على قلة قليلة مجتهدة ومكبوتة فقط. الذين يظهرون في الوسط الشعبي كأنهم من أنصار الناس هم في الغالب أضعف فئات رجال الدين، وغالباً لا يمتلكون حتى تلك المظاهر، وسرعان ما يتحولون إلى منادين بالترف والفساد.

هؤلاء يتحملون مسؤولية هداية الناس البسطاء، وهم لا يفعلون شيئاً سوى إحداث أضرار جسيمة وجني أرباح طائلة، مما يوقع الناس في ركود وتخلف مروع. بعض الناس يطيعونهم بلا قيد أو شرط، وكثيرون منهم يملّون من كل الحقائق ويتخلون عن الطاعة كلياً.

هذه الأمور تؤدي إلى تراجع الدين واهترائه، وقلة عدد المتدينين الواعيين، فتتحول الشعائر الدينية إلى نتائج سلبية ومدمرة، ويقتصر المؤمنون المخلصون على أفقر الفئات الجهلاء والعامة، في حين ينفر المتعلمون والملمون بالثقافة من رجال الدين، ويتجهون إلى الإلحاد أو اللامبالاة، ويصبح كثيرون أعداء للدين ويبتعدون عن كل مظاهره.

يجب على رجال الدين، كأفضل رموز العلم والصدق في زمن الغيبة، تحت سماء مظلمة وسقف من الفساد، أن يتبعوا مسارهم الخاص، ويتجنبوا كل مظاهر الظلم. عليهم أن يتمسكوا بالحرية والاستقلال التي هي ثقافة الشيعة، وبالعلم والمنهج الذي ورثوه عن أولياء المعصومين عليهم السلام، وأن يبعدوا عن الذاتيات الفردية، ويركزوا على الجودة الحقيقية، وينشروا العلم والنقاء بين أقرانهم، ولا يجعلوا الطمع المادي والشيطاني معياراً لهم، وأن يعطوا القيادة لمن يستحقونها، وأن يحكموا بالروحانية بعيدة عن المال والقوة.

الجذر، الاستقلال، العلم، والنقاء التي يمكن أن يتحلى بها رجال الدين الشيعة لن تتوفر لأي فئة علمية دينية أخرى في زمن الغيبة، مع الإقرار بأن هذه الصفات نسبية ولا يمكن توقع مستويات عليا لها في هذا الزمن، لأن ظروف الزمن وطمع الناس تمنع تحقق ذلك. المتعجرفون والمتكبرون والمتحجرون من الطبقات القشرية لا يسمحون بمسار مستقيم.

الذي يمكن أن نأمله هو إزالة الرجعية والجهل على الأقل إلى حد ما، وأن يتعرف رجال الدين على العلوم الإنسانية، والمعتقدات، ولغة العالم، وعادات وتقاليد المجتمع، وأن يجدوا معياراً محدوداً.

بالتأكيد، إذا تحقق هذا بالقوة، القانون، والحكم، فلن يكون له نمو حقيقي أو حرية في العمل، وهذا أمر آخر، ولا نعلم إن كان أفضل من الوضع الحالي. جوهر “الاجتهاد” و”حرية التعبير للمجتهد” هو ما يميز هذه الفئة الشعبية، وبدونه لا قيمة روحية أو شعبية لهم، ويتعرضون للضرر أساساً. إذا دخل إليها أفراد موهوبون وسليمون وأُعطوا حرية العمل ولم تُقيّد بقوانين مقيدة، وتفاعل الناس معهم، فهناك أمل بأن يقل الجهل والفساد، ويكتسب المجتمع طابعاً دينياً ثقافياً خالصاً، وإلا فإن ما حدث وما يحدث سيستمر مع تنوع الأوضاع والصفات، مع تحمل الناس للمعاناة الفكرية والثقافية والدينية والاجتماعية.

هوامش ٩٢

المحقّق هو من يتبع دائماً ومنهجياً وجهة الدليل في تحقيقه، ويعتمد على الدليل في طرح ادعائه؛ لا أن يبحث في الأدلة ليجد ما يرضي ادعاءً جاهزاً مسبقاً، فهذا التصرف لا يعدو كونه جهلًا واستحسانات نفسية تغلق باب التحقيق.

قليل من العلماء يستطيعون اتباع هذا المنهج العلمي الصارم بشكل كامل في جميع المستويات، ويتخلون عن الذاتية في عقائدهم ويعتمدون فقط على الدليل والبرهان. بعضهم يدّعي هذا المنهج، وله توجهات نحو ذلك، ونجح في بعض النواحي، لكن الكثير منهم يتشبث بأهوائه ويقيد فهمه بالدين والعقيدة ويخضعها لتعصبات داخلية، وبصراخ وسباب وادعاءات غير مجدية يبقون راضين عن أنفسهم.

هوامش ٩٣

التعامل الصحيح مع الدنيا وأمور الحياة لا يتوافق أبداً مع أسلوب حياة علماءنا، وأينما اتجهوا تبقى أعباء على الأرض.

العلم الصوري والتكراري يهدر حياة الإنسان ولا يثمر إلا مفاهيم ذهنية فقط، وهذا هو الكمال المنشود لهذا النوع من العلوم. الذين يصلون إلى ذلك ما هم إلا ضائعون، ومن لا يملك القدرة على ذلك فلا شيء له. الذين كرسوا أنفسهم في هذا المسار، بإمكانهم فقط أن يتوكلوا على الله تعالى ويرضوا بذلك.

هوامش ٩٤

الفلسفة والفقه يجب أن يكون لهما جانب تطبيقي، فلا يجب الاقتصار على التفكير العام والأحكام فقط. تحليل الموجودات الخارجية والمقارنة بين كلٍ منها من حيث الخصائص والآثار والمواضيع والأحكام ضرورة علمية.

يجب أن تحدد شمولية الأحكام والفكر، مع المماثلات الخارجية والتفاصيل الحقيقية، ويُبذل الجهد في تحليلها. رغم أن القول بأن التفاصيل ليست اكتساباً صحيح، إلا أن التفاصيل توفر بيئة للاكتساب، ويمكنها أن تؤدي إلى نتائج علمية جيدة في إطار منطقي وتجميع نسبي أو مطلق، تماماً كما إدراك التفاصيل يساعد في فهم صحيح للشمولية في الأحكام.

هوامش ٩٥

السلام والتبجيل للعلماء، كإهداء الأحذية والعصي وتقبيل اليد واللباس، وكل أشكال التكريم لمن هو كامل وطاهر، يدل على نقاء وصفاء ذلك العالم، لكن تأثير هذه الأمور على النفس – كما يقال – دليل على نقصه.

هوامش ٩٦

أحياناً يؤدي تأخير أو تقديم تحية أو صلاة أو دخول أو خروج من باب إلى نزاع أو شجار أو تكفير أو سب.

هوامش ٩٧

من يعتمد في قلبه على كلام أو تحية الآخرين، نادراً ما يكون له مكانة روحية.

هوامش ٩٨

من يستمتع بتحيات الآخرين أو يفرح بأن شخصاً ما يقدّم له حذاءه، هو من الكائنات الفارغة المحتوى.

هوامش ٩٩

أحياناً شخص يدعي العلم والكمال يشعر بسعادة غامرة بتقبيل يده، كأنه وصل إلى المعراج. إذا كان لعاب إنسان يؤثر في شخص بهذا الشكل، فإن لعاب العالم لا يؤثر فيه.

تدوين 100:
إذا كان تقبيل يد شخص ما دليلًا على نجاحه وكماله، فالأفرد الفاسق هو أنجح منه بكثير، لأنه يُقبل حتى ماضيه وليس فقط يده.

تدوين 101:
في الوقت الحاضر، يتمّ نشر الدين بطرائقٍ سمعية وبصرية. ففي بعض الأحيان يتكلم العالم عن المعجزات، وفي أحيان أخرى يعرض الفنان المعجزة عبر التلفاز. ولكن حديث العلماء إذا لم يكن متقنًا ومتخصصًا فلا فائدة منه. إذ إن الفنانين عندما يرون أنه إذا تحدثوا في طريق نشر الدين كالعلماء فلن يستمع لهم أحد، فهم يقدّمون الدين عبر عروض مختلفة بدون أن يصرحوا بأنهم في سبيل نشر الدين. للأسف، لا تُقام هذه الأعمال بشكل منظم في الحوزات العلمية، وغالبًا ما يكون العلماء غير مختارين بشكل دقيق. لذلك، يجب أن يكون العلماء المختارون من بين آلاف العلماء، لأن السماح لأي شخص بالدخول إلى وسائل الإعلام العامة كداعية للدين يؤدي إلى ازدياد العداء تجاه الدين. بعض العلماء في حدود إمكانياتهم قد يكونون مفيدين أو مضرين. كما هو الحال في الأفلام، التي قد تحمل أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا، فإذا كان الفيلم مناسبًا للمجتمع يمكن أن يُنتج من أموال الإمام ويُقدّم للناس.

تدوين 102:
في الماضي، إذا رأى الناس طالب علم يركب دراجة نارية، كانوا يظنون أنه شخص سيء (لا قدر الله). مع أن الطالب قد لا يملك سيارة أو لا يريد أن يضيع وقته في الانتظار، فيشتري دراجة للتنقل، وهذا لا ضرر فيه ولا ينبغي أن يثير استياء أحد. الطلاب تجاهلوا سخرية المجتمع، وأصبح من الطبيعي أن يرى الناس طالب علم يركب دراجة نارية في مدينة قم اليوم.

تدوين 103:
الفقه الشيعي له أساس قوي وأرضية واسعة، وقدم الفقهاء الشيعة خلال أكثر من ألف سنة جهودًا كبيرة وحديثًا مستجدًا، لكن العمل لم يكتمل بعد. الكثير من المسائل والأحكام لم تُدرس بدقة أو بشكل ناضج، أو لم يُعطَ لها أهمية كافية، وبعضها مهمل تمامًا، بينما بُحثت مسائل أخرى تفصيلية أكثر من اللازم.

تدوين 104:
أحكام الإسلام متغيرة ومرنة، وفهمها يحتاج إلى علم واسع. لكل حكم ديني شروط وخصائص، وبدونها لا يتجلّى الحكم. لا يوجد حكم مطلق مجرد، بل يعتمد وجوده على الظروف. قد يكون الحكم فعّالًا في زمن معين أو لشخص معين، وغير ذلك في حالات أخرى.
معرفة هذه الظروف لا تقل أهمية عن معرفة الأحكام نفسها، ويجب الاهتمام بها حتى يُدرك مدى فعالية الحكم.
لا يجوز أن يكون هناك عمل بدون حكم، فلكل إنسان مهما كانت حالته تكليف. ومع ذلك، فهم هذا التكليف بشكل صحيح صعب، وقد يقع الناس في أضرار ومشكلات بسبب سوء الفهم.
لذلك، على الفقيه أن يكون ملمًا بخصوصيات الأشخاص والظروف الاجتماعية والنفسية، وليس فقط ملتزمًا بالنصوص الصريحة، لأن روح الكتاب والسنة تتجاوز الكلمات إلى التجسد العلمي والعملي، كما أن الأئمة المعصومين هم تمثيل الدين العملي والعلمي.

تدوين 105:
ما هو مهم جدًا في الاجتهاد، والذي إذا لم يكن موجودًا يصبح الفقيه مجرد مقلد، هو ثلاثة أركان: معرفة الموضوع، معرفة المعيار (الحكم أو القاعدة)، ومعرفة الحكم الشرعي.
يجب ألا يُصدر الفقيه فتوى بالحرمة بسرعة ودون تدقيق، حتى لا يؤدي ذلك إلى اعتماد المسلمين على الآخرين في الأمور الحلال.
مثلاً، تربية الدجاج الصناعي لا بأس بها، وكذلك تربية الطيور الأخرى والحيوانات وحتى الإنسان في نطاق العلم، ما لم يثبت تحريم ذلك بدليل قطعي.
على الفقيه أن يكون دقيقًا في تعريف الموضوعات التي يصدر فيها الحكم، لأن من لا يعرف الموضوعات لا يستطيع إصدار أحكام صحيحة.
يجب أن يشمل الفقه جميع الشؤون الحياتية، من الحلال والحرام، الأطعمة والملابس والأنشطة الترفيهية، مع تحديد المعايير بشكل واضح لكل عمر وظرف اجتماعي.
لا بد أن يتحول الفقه من خطاب عام إلى خطاب علمي وتقني موضوعي، مع معرفة تامة بالموضوعات التي يصدر فيها الحكم، إما بالبحث الشخصي أو بالتعاون مع المتخصصين.

تدوين 106:
الشخص الذي يفتقر إلى التفكير والتأمل لا يستطيع أن يفهم الموضوعات الشرعية بشكل جيد، والذين لا يستندون إلى الفهم والذكاء لن يكونوا فقهاء حقيقيين حتى لو حفظوا المصطلحات.

تدوين 107:
التعرف على الموضوع وفهم خصائصه ومعايير الحكم والمصالح والمضار وفلسفة الأحكام هو من مهام الفقيه، ويجب أن يسعى جاهداً لذلك.
الفقه هو الفهم، وفهم بمعنى البصيرة لا الجهل والظلام.

تدوين 108:
طريقة البحث عند الفقهاء السابقين وحتى المعاصرين كانت تتابعية، حيث يدرسون جميع أبواب الفقه بشكل متسلسل ومتساوٍ، وهذا أدى إلى إهمال بعض المواضيع وإفراط في مواضيع أخرى، مع تكرار ومبالغة.
في زمننا، مع ضيق الوقت وازدياد الحاجات، يجب أن يُعاد النظر في الفقه بشكل أكثر دقة وتركيزًا على المواضيع الأساسية والمهمة، مع تجنب التكرار والتركيز على التحقيق العلمي والبحث الدقيق، وإزالة الأحكام غير المدعومة بالأدلة.

تدوين 109:
يجب أن يكون الفقه الإسلامي مشابهًا للطب، تخصصيًا ومفصلًا، لا خطابًا عامًا مجردًا.
ينبغي أن يلجأ الناس إلى الفقيه في مسائلهم، ويجب على الفقيه أن يرافق الناس ويعالج القضايا الكبرى والصغرى.
لا ينبغي أن يحاول الناس تفسير الأحكام بأنفسهم، لأن ذلك غالبًا ما يؤدي إلى سوء الفهم. حتى الرسائل العملية قد لا تكفي بسبب نقائصها.

این امر روشن می‌کند که مظلوم در جامعه چه وضعیتی دارد. برخی از قوانین، هنوز وضعیت خاصی به خود نگرفته است و جامعه‌ای این سویی را ارایه می‌دهد. برای نمونه، اگر کسی، دیگری را بکشد، می‌تواند آن را به راه‌های فراوان انکار کند و از همین قوانین مذکور موجود، حکم برائت دریافت نماید؛ زیرا با اصل برائت و فقدان اثبات جرم به طور قطع، کار برای گریز بسیاری از مجرمان هموار می‌گردد و بعد از اثبات نیز در جهت عمد و شبه عمد، دُم گاو به زمین می‌آید تا اثبات شود. قدر متیقن و قانون فقدان شبهه در حدود ـ اگر خیلی مورد مخصوصی باشد ـ خطایی جلوه می‌کند که باید دیه دهد که این خود مشکلی دیگر است. در همین زمان که این صفا نوشت در حال نگارش است، دیه یک مسلمان نیم‌میلیون تومان در ظرف سه سال است و اگر زن باشد، نصف می‌شود، آن‌هم در ظرف سه سال و تازه بعد از سه سال با هزاران اقدام و پس کن، پیش کن، چنان و چنین می‌شود؛ در حالی که این مقدار پول در جامعه ما ارزش چندانی ندارد؛ زیرا دویست و پنجاه‌هزار تومان کم‌ترین پولی است که می‌توان در برابر یک انسان قرار داد.

اگر زنی سوار بر پیکان شود و تصادف کند و کشته شود و خطاکار نباشد و سپس خطاکار مشخص شود و در بند بماند و

(133)

ده‌ها اگر دیگر، مجرم باید یک میلیون بابت وسیله نقلیه زن خسارت بدهد و دویست‌وپنجاه هزار تومان بابت خود آن زن؛ هرچند مهریه همان زن ممکن است چند برابر آن باشد که غالب مهریه‌های زنان در حال حاضر چنین است.

پس ارزش این زن، کم‌تر از خودروی وی و کم‌تر از مهریه ازدواج اوست. اگر این زن با یک بنز در حرکت بود و این‌گونه می‌شد، مجرم باید ده میلیون خسارت برای بهای خودروی وی و یک چهلم آن را بابت خون زن بپردازد.

اگر این قتل در تصادف نباشد و خانواده‌ای از بین بروند و پدر و مادری کشته شوند، آن خانواده بعد از اثبات خطایی بودن امر می‌توانند یک‌چهارم یک میلیون یا نیم میلیون تومان را بعد از چند سال به طور نسیه طلب کنند؛ در حالی که حیات آن فرد، حیات زندگی، خانواده و افرادی را در بر داشته است.

این‌گونه امور است که جرم‌آفرین و جرم‌پرور است و این‌گونه قوانین است که می‌تواند برای متجاوز بهترین حامی باشد.

تمامی این قوانین با روح عدالت و قسط سازگار نیست و می‌توان گفت برداشتی نادرست از دین است.

باید در جهت سالم‌سازی این افکار و حراست از قوانین اسلام، کارهای فراوانی صورت پذیرد تا قوانین اسلامی این‌گونه مورد سوء استفاده زورمندان قرار نگیرد.

(134)

رعایت احتیاط در این امور که زمانی بی‌گناهی، مجرم به حساب نیاید، بسیار خوب و لازم است؛ ولی این امر نباید به این قیمت تمام شود که بسیاری از مجرمان از جرم خود بگریزند و تبرئه گردند. گرفتن قدر متیقن نباید چنان باشد که همیشه ظالم نفع و مظلوم آسیب ببیند. هرچند به شبهه باید اعتماد کرد و نباید بدون اطمینان و جزم، کسی را مجرم به حساب آورد، این امر نباید سبب شود مظلوم به حق خود نرسد و ظالم از چنگ مجازات بگریزد؛ گذشته از آن‌که نباید در جهت اجرای حکم، مظلوم بدون برنامه بماند تا جرم ثابت شود و بعد نیز حق وی به‌طور نسیه و با هزاران آفت، پرداخت گردد.

نباید ارزش انسان در جامعه به اندازه‌ای پایین آید که در ردیف کم‌ترین قیمت‌ها قرار گیرد و راکب از مرکوب خود بی‌ارزش‌تر شود.

روح اسلام و قوانین اسلامی از تمامی کمبودها به‌دور است و برای تمامی این امور زمینه‌های معینی وجود دارد و ساده‌نگری و کوتاه‌فکری ما سبب چنین نابسامانی‌هایی گردیده که این خود، بزرگ‌ترین عامل اشاعه فحشا، تشدید محرومیت‌ها و ایجاد جرایم است. اگر تمامی این کمبودها را کنار بی‌عدالتی‌های دیگر که عناوین خلاف‌کاری دارد؛ مانند: رشوه، پارتی بازی و زد و بند بگذاریم، روشن می‌شود که چه وضعی در کادر قضایی ایجاد می‌گردد و اگر باز هم تمامی این مشکلات را کنار محرومیت‌های

(135)

دیگر اجتماعی و نابسامانی‌های موجود جامعه بگذاریم، روشن می‌شود که در جامعه چه می‌گذرد و امت اسلامی مظلومانه در چه وضعی به سر می‌برد. باشد تا چهره‌های آگاه جامعه و مسؤولان بیدار مردمانی، اقدامات لازم را در جهت برطرف کردن این مشکلات به عمل آورند، هرچند نباید چندان به برطرف کردن تمامی این مشکلات خوش‌بین بود، نباید از اصلاح نیز مأیوس باشیم؛ با آن‌که معتقد هستیم با روش موجود مشکلات برطرف نمی‌شود. باید اندیشمندان این مرز و بوم برای حفظ کیان ملی و اسلامی در جهت بازپروری فکری، فرهنگی و عملی جامعه اسلامی تلاش زیادی نمایند تا شاید در آینده‌ای نه چندان نزدیک، بازگشایی نسبی به عمل آید تا روشن شود که رعایت احتیاط نباید راه گریز متجاوز را فراهم کند و یا شبهه، راه فراری برای مجرم باشد. باید روشن شود که حرمت انسان بالاتر از آن است که در جامعه ارزش مادی وی کم‌تر از قیمت اشیای معمولی باشد و نباید مرگ یک انسان تا این سطح آسان جلوه کند.

صفانوشت 138

بسیاری از دلایل و استدلال‌های فقهی را می‌توان روش جدلی و رد و قبول‌های غیر واقعی دانست. فقه تنها با بیان اخص، اعم بودن، امکان، نبود امکان، مقارنت و مساوات، از زیر بار بسیاری از

(136)

واقعیت‌های خارجی شانه خالی می‌کند؛ بدون آن‌که در پی کشف واقعیتی باشد. فرع و مسأله پوز سگ در این‌جا مصداق دارد به این بیان که: اگر کاسبی وارد مغازه شود و ناگاه ببیند سگی با پوز ماستی از مغازه بیرون رفت و ظرف ماستی نیز دست خورده است و جای پوز سگ در ماست دیده می‌شود، باز هم نمی‌شود گفت ماست نجس است و پوز آن سگ در این ظرف ماست آمده است، چون ممکن است آن سگ که در این مغازه بوده، پوزش را در این ظرف ماست نکرده باشد و در مغازه دیگری پوزش به ظرف دیگری ماستی شده باشد و همین طور ممکن است حیوان دیگری پوزش را در این ظرف ماست کرده باشد و چند امکان دیگر که می‌شود آن را احتمال داد؛ در حالی که شاهد حال، خود بهترین گواه است که این دست‌خوردگی ظرف ماست باید از همین پوز سگ باشد.

پس واقعیت سخنی است و امکان‌های ذهنی سخن دیگر و تحصیل علم اطمینانی غیر از امکان‌های ذهنی است که لحاظ وقوعی امور را در نظر نمی‌گیرد و تنها با «ممکن است، ممکن است» کار را تمام می‌کند که می‌توان این روش را یک ذهنیت تمام به حساب آورد و آن را ذهن‌گرایی صرف دانست.

این روش برای کشف حقایق و امور بسیار زیان‌بار است، به

(137)

خصوص در فقه که کشف دلیل و برهان باید بر اساس شواهد و قراین خارجی باشد و امکانات عقل را نباید رهزن درک و وصول به حقایق قرار داد. بسیاری از امور و احتمالات می‌تواند ممکن باشد، بدون آن‌که ارزش وقوعی داشته باشد و یا بشود واقعیت‌های خارجی را بر آن استوار کرد.

البته این بیان به آن معنا نیست که باید نتایج اعم را حجت دانست و به احتمالات تمسک نکرد؛ بلکه به این معناست که نباید تنها وجود امکانی حقایق ملموس را نادیده گرفت و این‌گونه امکانات نباید رهزن درک درست حقایق باشد. در کشف حقایق ـ و به‌خصوص در جرم‌شناسی ـ باید شواهد و قراین ملموس را مورد اهمیت قرار داد و در پی کشف واقعیت‌ها بود؛ نه آن‌که با احتمال، امکان، اعم و اخص از واقعیت‌های ملموس گریخت.

روش کلامی و ضیق خناق بافی تنها برای فرار از درستی مورد استفاده است و نمی‌تواند راه گشای ادراک درستی‌ها باشد. فقهی که شاهد حال را نمی‌شناسد و اشک و آه را در نظر نمی‌آورد و تهی از سوز، ساز، اخلاق و تخلق به درستی‌هاست نمی‌تواند روش مطمئنی به حساب آید؛ همان‌طور که اگر حاکم یا قاضی بخواهد همت خود را تنها به شاهد و قسم محدود سازد و تعبد و صورت دلیل را در نظر آورد، هرگز نمی‌تواند حق را به حق‌دار برساند و

(138)

تنها می‌تواند برای افراد ورزیده و شعبده‌باز، راه‌های گریز را هموار سازد.

با این وجود، نباید مباحث فقهی را با مباحث فلسفی یکسان دانست؛ همان‌طور که نباید تمامی مباحث فقهی را با یک‌دیگر در یک حد دانست. در ادراکات عقلی و مباحث فکری باید به تمامی خصوصیات ذهنی اهتمام ورزید؛ همان‌طور که باید در فقه یا باب قضا به واقعیت‌های خارجی به دیده محسوسات نظر کرد.

خلاصه این که: نوع اندیشه و روش برخورد یک فقیه و قاضی باید با یک فیلسوف و حکیم متفاوت باشد؛ همان‌طور که قاضی و فقیه نباید در تمامی مباحث برخورد واحد داشته باشند و باید نسبت به مباحث مختلف، روش‌های متفاوتی داشته باشند.

صفانوشت 139

افراد جامعه در تبعیت از دین بر سه گونه هستند: گروه نخست، به سبب هواهای نفسانی و دنیاطلبی از آن جدا می‌شوند. گروه دوم تا جایی که با امیال نفسانی آن‌ها مخالفت ندارد، مطیع دین هستند و در بقیه موارد، عقاید خود را بر دین تحمیل می‌کنند و دین را به صورت خواسته‌های خود شکل می‌دهند. گروه سوم، عده اندکی هستند که در مقام تزاحم دین با هواهای نفسانی، از دین تبعیت می‌کنند.

(139)

هرچند در مقام ظاهر و به دید صوری، بیش‌تر افراد جامعه تابع دین هستند و خود را متدین می‌دانند، می‌توان گفت بیش‌ترین افراد تابع صوری هستند و به واقع تبعیت دین را نیافته‌اند و تا زمانی که دین با منافع و مواهب مادی و دنیوی آن‌ها هم‌گام باشد و میان آرزوهای فرد و آن دین هماهنگی باشد، مشکلی پیش نمی‌آید و به‌خوبی از دین خود حمایت می‌کنند ـ هرچند در واقع به آن عمل نکنند ـ ولی همین که مخالفتی میان خواسته‌های این فرد با دین ظاهر شد، روشن می‌گردد که فرد چه مقدار تابع دین خود است؛ البته آن نیز با برخوردهایی است که به حساسیت‌های عمقی نفسانی باز می‌گردد.

دین‌داری افراد تا جایی است که تزاحمی با دنیا و آرزوهای نفسانی آن‌ها نداشته باشد و در صورت تزاحم، آن‌چه نمی‌ماند دین است. البته مقام تزاحم در مواقع و اموری است که فرد نسبت به آن اهمیت خاصی دارا باشد. افراد نسبت به امور دنیوی برداشت‌های متفاوتی دارند و هر فردی نسبت به برخی از امور، حساسیت خاصی دارد: یکی دل به مال می‌بندد، یکی به پست و مقام و دیگری اهل عیش و عشرت است و یکی نیز ممکن است فراسوی این امور چیزهای دیگری را برازنده خود ببیند که در مقابل این امور و در بسیاری از افراد ممکن است تبعیت نفسانی بر

(140)

تبعیت رحمانی حاکم گردد و دین وی، میل باطنی او باشد؛ هرچند به‌ظاهر، حمایت از آن را شعار خود می‌سازد. البته، اندکی از افراد شایسته و تربیت‌یافته و با واقعیت در مقام تزاحم، هرگز آرزوهای نفسانی را پی‌گیری نمی‌کنند و دین در آن‌ها سلطانی قوی است که به‌حق بر آن‌ها استوار می‌باشد.

در همین بزنگاه‌هاست که افراد شایسته و قوی از مردمان عادی و معمولی شناخته می‌شوند و در این مواقع حساس زمینه بروز شخصیت افراد را به وجود می‌آورد و صاحبان اقتدار را از بندگان دنیا جدا می‌سازد. آن‌که اسیر دنیاست یا چهره‌ای از چهره‌های دیگر او را گرفتار ساخته است هرگز نمی‌تواند در مقام تزاحم، دین را برگزیند و خود را گرفتار دنیا می‌کند و دین رنگ و روی خود را از دست می‌دهد و سلطانی دنیا در افراد معمولی نقش عمده را خواهد داشت؛ برخلاف افراد شایسته که تابع سلطان حق می‌گردند و این‌گونه افراد نیز در میان جامعه و مردمان بسیار اندک می‌باشند. البته این افراد که شمار فراوانی دارند و این فرزندان دنیا نیز می‌توانند بر دو گروه باشند: گروهی که می‌پذیرند بُریده‌اند و سلطانی دنیا را برگزیده‌اند و گروهی همین موقعیت را نیز ندارند و دنیا را چنان رنگ‌آمیزی می‌کنند که بر دین آنان نیز انطباق داشته باشد و خواسته خود را بر دین تحمیل می‌کنند و یا دین را به

(141)

صورت خواسته خود شکل می‌دهند و در آن تصرف می‌کنند؛ به‌خصوص اگر این‌گونه افراد از اولیای قوم و صاحبان منصب و حکومت بوده باشند و یا آن‌که ظواهر شریعت را در اختیار داشته و اولیای دین و دنیا باشند که با زور و اقتدار دنیایی، علمی یا دینی خویش، چنان رنگ‌آمیزی در کار خود یا دین پیش می‌آورند که انطباق کلی میان خواسته‌های آن‌ها و دین می‌باشد و مردمانان دیگر را نیز تابع خود می‌سازند و توقع دارند که جز یافته آن‌ها نخواهند و راهی جز راه آن‌ها نروند.

پس در هر صورت نمی‌شود چندان حسابی روی ایمان بسیاری از افراد جامعه باز کرد؛ به‌خصوص در امور بسیار مهم و در مواقع حساس که این امر از ریزه‌کاری‌های درک واقعیت است و باید به آن اعتقاد داشت.

(142)

(143)

(144)

ليس كل من يُنْفِسُ عميقًا في الاجتهاد يُحتَذى به في التقليد، وإن لم يكن له إدراك أو تصورات كاملة.
ولا يُقال بأن الزمن والعلم راكبان لا يتقدمون، وأن الأقدمين أَعلَمُ من اللاحقين كليًّا؛ لأن هذه العقيدة انحراف، فاللاحقون يحيطون بكل علوم السابقين بالإضافة إلى إضافات وتصحيحات على آرائهم، بينما السابقون محصورون في علومهم فقط، وخاليون من الإضافات والتصحيحات.
الواقع أن الأقدمين بحكم الفراغ وأهمية الوقت، تهيأت لهم فرص كثيرة للتفوق العلمي، أما في زماننا فظروف الحياة والالتزامات تشكل عوائق للنمو والسبق العلمي، وهذا صحيح لكنه ليس عامًا، فالله سبحانه يرزق في كل زمان فريقًا – وإن قلّوا – يبتعدون عن الشؤون الدنيوية، ويحبون التفاني في البحث، الدراسة، والكمال العلمي.
فبينما يختلف الزمن من حيث الكم، يظل التطور النوعي مستمرًا. فلو كان عدد العلماء أقل في الماضي، كانوا أكثر اجتهادًا، واليوم كثرة العلماء لا تعني كثرة المجتهدين، ولكن القلة منهم قادرة على قيادة قافلة العلم والبحث بشكل متزن دون خلل.

التقليد من غير الأعْلَم لا حرج فيه، ولا دليل عقلي يمنع ذلك؛ فالتاريخ العلمي الحوزوي الإسلامي لم يشهد تقليدًا من الأعْلَم بالضرورة، إذ كثيرًا ما كان أصحاب المؤلفات العلمية الكبيرة والبحث المجتهد ليسوا مراجع تقليد، في حين من اكتفى بالروابط العلمية والوُراثة وصل إلى المرجعية والشهرة، بينما تظل العقول الرفيعة مجهولة.

ينبغي لمن يقودون الثورة أن يستفيدوا أكثر من وقت وعمر العلماء الورعين، فالعلم هو أصل الإصلاح، لا الاكتفاء بالدعاء والصلوات فقط. القادة الرئيسيون في المجتمع يجب أن يكونوا من الصفوف العلمية الأولى.
في كل طبقة، يكون الطبقة الأدنى أكثر انفعالًا من الواقع، فتُنسى مكانتها الحقيقية، ولا تدرك متى تتحدث ومتى تصمت، ومن أعلى ومن أدنى، بحيث تستمع للكبار وتوجه الصغار.

إذا كانت الحوزة العلمية بحاجة إلى طرح هجرت، ويبحث المسؤولون عن أشخاص لنقلهم من قم إلى المحافظات، فلا ينبغي أن يكون المطلوب مجتهدين أو طلبة متميزين في العلم، بل يجب أن يكون المبشرون من العلماء والروحانيين الكبار الذين لم يعودوا قادرين على الدراسة، التدريس أو البحث، ولا ينبغي تفريغ الحوزة العلمية في قم من ذخائرها العلمية لأن ذلك يؤدي إلى تدهور مستقبلي في الجانب العلمي.

فقه الشيعة، على الرغم من تفوقه على الفقهات الأخرى، يعاني من الكثير من المشاكل، وبعض مسائل الفقه لا تزال مجملة وتحتاج إلى تحقيق ودراسة معمقة. من يظن أن فقهاءنا قد أتموا كل شيء هو شخص ساذج وكسول. أحد أبرز أضرار فقهنا هو اعتبار تشخيص الموضوعات ليس من شأن الفقيه، وهذه النظرة تركت آثارًا سلبية على الفقه. كيف طور الشيخ الأنصاري باب المعاطات؟ كل باب ومسألة فقهية يجب أن تُدرس بهذا الأسلوب.

يجب على الفقيه أن يعرف موضوعات مثل الخمر، السرقة، الغناء، الربا، المضاربة وغيرها حتى يستطيع استخراج الحكم الشرعي الصحيح. من يحفظ فقط الأحكام ليعلم الناس فلا يصلح لأن يكون قاضيًا، والقاضي يجب أن يحدد حكم القضية، وكذلك قائد المجتمع يجب أن يحدد تكليف المجتمع ولا يمكن أن يحيلهم إلى العرف، لأن العرف هو الناس أنفسهم، ولا يمكن إحالة الناس إلى أنفسهم. النقاشات العلمية لن توضح الأمور، بل يجب على الحوزات أن تكون رائدة ومقدمة وأن تدعو الناس إليها. يجب على العلماء والدعاة أن يصدروا فتاوى يمكن للمجتمع تطبيقها، وأن يكون التطبيق مبدأً في الفتوى وليس مجرد علم ونظر. وللقيام بذلك، فإن معرفة الموضوع أمر مهم جدًا.

بالطبع، كثير من الأحكام قد ذكرت في الشريعة، فمثلاً في السرقة ومال السارق ذُكر العديد من الأمثلة حتى لا نضل ونميز الصحيح من الخطأ.

في الفقه يجب أن نعلم أن الله لم يخلق شيئًا ضارًا تمامًا لا منفعة فيه، فحتى السموم والمخلفات قد تكون مفيدة لبعض الناس أو في بعض الحالات.

إذا كان المجتهد ضعيفًا في الأصول فهو ليس فقيهًا بحق. المجتهد الذي لا يعرف الفلسفة ليس أصوليًا، والذي لا يعرف المنطق ليس فيلسوفًا. على هذا الأساس، المجتهد الذي يجهل الأصول والفلسفة والمنطق ليس فقيهًا دقيقًا ويكتفي بفهم فقاهة سطحية، أما الفقيه الأصولي الفيلسوف المنطقي فهو الذي يستطيع فهم موضوعات الأحكام بدقة والتحدث بحكم الله، وإلا فلا تُؤتمن فتاواه.

يمكن الوثوق بالفقيه الذي يبدأ من وجود الموضوع (الوضع الوجودي)، ثم يبحث في الأحكام عبر الآيات والروايات، ثم يبيّن الحلال والحرام. لذلك يجب الالتفات إليه بشكل خاص.

الشكاوى التي يسمعها البعض اليوم من العلماء بأنهم كانوا يحرمون شيئًا ثم يبيحونه اليوم تنبع من هذا. فالحكم الإلهي لا يتغير إلى الأبد، لا يحل شيء حُرم، ولا يُحرم شيء حل، بل ما يتغير هو الموضوع، وتغير الموضوع يؤدي إلى ثبوت حكم ثابت على الموضوع الجديد، مختلف عن حكم الموضوع السابق.

التدوين 124
يجب أن يعرف. نحن تحدثنا عن مكانة وشأن شهداء الثورة في مقدمة كتاب “الثورة الإسلامية وجمهورية المسلمين”، وقد أوردنا هناك أموراً لا تُرى في الكتب الأخرى.

التدوين 127
كان هناك راعٍ قد سرق قطيعاً من الغنم. جاء إلى محامٍ وقال له: “يريد الناس استرجاع غنمهم مني، فإذا كنت وكيلي وفعلت ما يمنعهم من ذلك، سأعطيك أجرًا طيبًا للوكالة.” توجه المحامي إلى الراعي وسأله: “هل سرقت حقًا أم لا؟” قال الراعي: “نعم، ولكن إذا أثبتت عكس ذلك، ستنال مكافأة جيدة.” قال المحامي: “الحل هو أن أقول هذا: عندما نذهب إلى القاضي، قل فقط ‘بَعْ بَعْ’ لكل سؤال.”
في اليوم التالي، سأل القاضي الراعي: “ما اسمك؟” قال الراعي: “بَعْ بَعْ”. قال له القاضي: “ماذا يعني ‘بَعْ بَعْ’؟ قل اسمك!” قال الراعي: “بَعْ بَعْ”. سأل: “هل سرقت الغنم؟” أجاب: “بَعْ بَعْ”. قال المحامي: “هذا المسكين لا يستطيع الكلام، فكيف يُتهم بالسرقة؟” وهكذا برّأ القاضي الراعي. في اليوم التالي، ذهب المحامي لأخذ أجره، فقال الراعي: “بَعْ بَعْ”. قال المحامي: “أنا المحامي.” أجابه الراعي: “بَعْ بَعْ”. قال المحامي: “هل مع الجميع تقول بَعْ بَعْ وحتى معنا؟”
رغم أن القصة مضحكة، إلا أن:
ضحكتي المرّة أشد من بكائي الحزين،
وقد تجاوزت البكاء، فأضحك على ذلك.
هذه حكاية بعض الناس في هذا الزمن، وأدعها للإهمال والإجمال دون شرح.

التدوين 128
عندما كان فقهاؤنا يمسكون القلم، كانوا يرغبون في كتابة دورة كاملة من الفقه، والتي كانت أحيانًا تصبح كتبًا عديدة تحتوي على مئات المسائل وتستغرق سنوات. بينما يجب أن تُجرى الأعمال في العالم العلمي بطريقة بحثية وتجريبية، ويُقال الكلام بالبرهان والوثائق المؤكدة. نحن لسنا في مقام المعصوم (عليه السلام) لنكتب كتابًا عن كل شيء. يجب دراسة المسائل جزئيًا وموضوعيًا. في العالم العلمي اليوم، قد يُرسل العالم ثلاث سنوات، أقل أو أكثر، إلى الغابات أو الصحراء ليبحث موضوعًا معينًا جيدًا، وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى هلاك العالم نفسه، ولكن على الأقل جهده ومنجزاته تستحق الاعتبار.
ولكننا أحيانًا نجلس ونصدر الأحكام بأقصى درجات التحفظ والاحتياط، ونُدخل الشك في مسائل الحياة، بينما لا يمكن إدارة الحكومة والدين بمثل هذه الأبحاث، بل يجب التركيز على مسألة واحدة والتحقيق الجاد فيها، ودراسة آثار تطبيقها التنفيذية في المجتمع، والتعرف على تأثيراتها النفسية والاجتماعية، بحيث تكون هذه الدراسة متميزة بين الدراسات الأخرى، وتكون حكمًا قابلاً للاستخدام والتنفيذ الواعي.

التدوين 129
لا قدر الله أن يقع الإنسان في فخ علماء يبدون كعلماء بلا عمل، فالهروب من هذا الفخ أصعب وأمرّ من كل الفخاخ، وقد يمنع الإنسان من العمل والحياة ويجعله عاجزًا.

التدوين 130
كما نتحدث للناس عن عاشوراء وأربعين، ويشق الناس صدورهم في هذه الأيام، وهذا أمر مستحقّ جدًا، يجب أن يُسمح للناس أيضًا بأن يتمتعوا ببعض الأيام ضمن إطار المسائل الشرعية، وأن يخلقوا لأنفسهم حالة توازن عبر التمتع المباح، كي لا يصابوا بالكسل أو الانهيار أو الخمول أو الاكتئاب.

التدوين 131
بعض المشاكل التي نشاهدها اليوم في البلاد ناجمة عن اعتقاد عالم عادي بنفسه كفقيه، وأستاذ جامعي كاجتهاد، مما يؤدي إلى ضياع الاستفادة وخسارة من آراء المتخصصين. البعض يظن نفسه متخصصًا بعد قراءة بعض الكتب فقط، لذلك ترى مهندسًا أو طبيبًا يعتلي المنبر ويغني كطبيب، ورجل دين يتحدث عن الطب النفسي وعلم النفس دون معرفة درجات النفس الإنسانية.

التدوين 132
في الماضي، كان إذا تشاجر اللّاطون والمحترفون بالسكاكين، حتى مع وجود عشرات النساء والأطفال والشيوخ بينهم، لا يصاب أحد بأذى، لأنهم كانوا محترفين ويعرفون حساب ما يفعلون، ولكن عندما يحمل السكاكين غير المحترفين والغير متخصصين، يجب أن يبتعد الجميع، لأنهم يطعنون بلا حساب ويجرحون كل من يصادفونه، أو يرمون السكاكين بطريقة تمزق الجلد. في بعض المسائل الدينية أيضًا، وقع النقاش في يد غير المتخصصين، فأصبح الدين مُشوّهًا ومُعطلاً بسبب الانحرافات والزوائد.

التدوين 133
في مقام الفتوى، لا تعتبر الشهرة أو الإجماع أو استخدام كلام الآخرين مهما عظم شأنهم سوى تقليد، والمجتهد هو من يستطيع الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة وفحصها ثم يقدم رأيه المطمئن، سواء كان موافقًا للإجماع والشهرة أو مخالفًا لهما. يجب أن تكون كل فتوى متصلة بمصدرها من الكتاب والسنة، وإلا كانت كسائلٍ ضئيل لا سند له.

التدوين 134
في النقاش لا ينبغي أن نغضب، وحتى لو أنكر أحد حقيقة واضحة، بدلاً من الغضب، الذي يدل على الجهل، يجب أن نظهر له الحقيقة ونطلب منه أن يثبت عكسها. الحفاظ على هدوء الدماغ في النقاش مطلوب ليس فقط في العلوم بل في جميع مجالات الحياة.

التدوين 135
الضعف الاجتماعي الذي أصاب الشيعة من جانب حكام أهل السنة والسلاطين الأمويين والعباسيين أدى إلى انعزالية فكر الفقهاء، لذا عند استنباط الأحكام كانوا يحددون موضوع الحكم ضمن الحي أو المدينة أو القرية أو جماعتهم فقط، ولا يتجاوز ذلك، في حين يجب اليوم مراعاة أكثر من مليار مسلم وسبعة مليارات غير مسلمين. على سبيل المثال، عندما كتب صاحب الجواهر كتابه، كان يكتب دفترًا صغيرًا خاصًا به لأنّه لا يستطيع حمل كل كتبه، وصار هذا الكتاب المرجع الأبرز في دروس الخارج، رغم أنه مجرد مسودة بها كثير من الأخطاء في الألفاظ والمعاني. وقد حرر هذا الكتاب لكن صاحبَه كان يركز فقط على بيئته ولم يكن صالحًا للعمل خارجها، مع ذلك أصبح هذا الكتاب المصدر الرئيسي للفتوى.

التدوين 136
لا يجب أن يرى المجتمع فرقًا بين الحرية الحقيقية والتقوى، والصحة الاجتماعية والتقوى الحقيقية في إطار الحرية الحقة، وإلا فإن التشدد والضيق والاستبداد لا يزيد إلا الرياء والنفاق.

التدوين 137
الاحتياط وأخذ القدر المتيقن في الحدود يوقف العمل عند الشبهة، وتطبق الحدود الإسلامية عندما لا تكون هناك شبهة.
هذه الأمور رغم عظمتها وصحتها وقدرتها على منع الظلم، قد تكون أقوى دعم للطغاة والمعتدين، لأن العقاب لا يتطلب الحضور الشخصي، وعندما يحدث الاعتداء سراً، تحمي هذه القوانين المعتدي من العقاب.
أي ظالم أو قاتل أو معتدٍ يمكنه الاستفادة من هذه القوانين بحجة الشبهة في الدليل أو الأصل ويهرب من العقاب، فالقاتل يحاول إزالة الأدلة، والمظلوم لا يستطيع إثبات حقه. يسرق ويقول “لم أسرق”، يقتل ويقول “لم أقتل”، يضرب ويقول “لم أضرب”، ويخلق شبهة فتطفي القانون. يضرب بشفرة، والمصاب يسقط، والضارب يهرب، والقانون يتوقف بسبب الشبهة.

عندما يرى الطبيب المصاب، يقول: الجرح بشيء حاد، لكنه لا يثبت أن الشفرة كانت هي، فالمدعى عليه يستفيد من الشبهة ويُبرأ.
كل الأسباب تساعد المجرم، والجرحى والمظلومون لا يستطيعون طلب حقهم، والقوانين الحالية لم تنجح في مكافحة الجريمة لأن إثبات الجرم يجهد المظلوم أكثر من الجريمة نفسها، والمجرم له طرق كثيرة للهرب.

إذا وُحد هذا التطبيق، ستحدث كارثة بحيث بعد أن يعاني المظلوم كثيرًا لإثبات جريمة، يجب أن يمر بمراحل كثيرة للحصول على حقه، وقد ينتهي الأمر إلى الورثة، لأن المعتدي قد لا يكون لديه القدرة أو العمر لمتابعة القضية.

يُبيّن هذا الأمر الحالة التي يكون عليها المظلوم في المجتمع. بعض القوانين لم تتخذ بعدُ وضعًا خاصًّا، والمجتمع يُظهر هذه الجوانب. على سبيل المثال، إذا قتل شخصٌ آخر، يمكنه أن ينكر ذلك بطرق عديدة، وبناءً على القوانين المذكورة، يحصل على حكم البراءة؛ لأن الأصل هو البراءة وغياب الإثبات القاطع للجريمة، مما يُسهّل على كثير من المجرمين الهروب من العقاب، وحتى بعد إثبات الجريمة، يُثار جدل العمد أو شبه العمد، فيتوقف إثباتها على ذلك.

أما مقدار التعويض (الديّة) المؤكّد، وهو القاعدة في الحدود، إذا كان الأمر خاصًّا جدًا، فإنه يُعدّ خطأً، وعندئذ يجب دفع الدية، وهذا بدوره مشكلة أخرى. في الوقت الذي يكتب فيه هذا النص، تبلغ دية المسلم نصف مليون تومان خلال ثلاث سنوات، وإذا كانت المرأة، فتنخفض إلى نصف ذلك، وذلك خلال ثلاث سنوات أيضًا، ومع ذلك يتطلب دفعها عدة إجراءات مطولة، في حين أن هذا المبلغ لا يوازي قيمة كبيرة في مجتمعنا؛ إذ إن 250 ألف تومان أقل مبلغ يمكن اعتباره مقابل حياة إنسان.

إذا كانت امرأة تقود سيارة “بيكان” وحدث حادث أودى بحياتها دون خطأها، ثم ثبت خطأ الآخر وحُبس، على المخطئ أن يدفع مليون تومان تعويضًا عن السيارة، و250 ألف تومان تعويضًا عن المرأة نفسها، رغم أن مهر هذه المرأة قد يكون أعلى بكثير، وكثير من المهور في الوقت الحاضر كذلك.

بالتالي، قيمة هذه المرأة أقل من قيمة سيارتها وأقل من مهر زواجها. وإذا كانت تقود سيارة مرسيدس، فيجب على المخطئ دفع عشرة ملايين تومان تعويضًا عن قيمة السيارة وربع مائة مليون (أي ربع المليون) تعويضًا عن دمها.

وإذا لم يكن القتل بسبب حادث سير، وقُتِلَت عائلة كاملة كالأب والأم، وبعد إثبات الخطأ يمكن للعائلة المطالبة بربع مليون أو نصف مليون تومان، يُدفع على أقساط بعد سنوات، في حين أن حياة هذا الفرد تمثّل حياة الأسرة والحياة التي تحتضنها.

هذه الأمور هي التي تخلق الجريمة وتغذيها، وهذه القوانين يمكن أن تكون أفضل دعم للمعتدي.

كل هذه القوانين لا تتوافق مع روح العدالة والإنصاف، ويمكن القول إنها فهم خاطئ للدين.

يجب العمل جاهدين على تصحيح هذه الأفكار وحماية قوانين الإسلام من سوء استغلال القوى الظالمة.

الاحتياط في هذه الأمور، بحيث لا يُعتبر البريء مجرمًا، أمر جيد وضروري، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب فرار كثير من المجرمين من العقاب وبراءتهم، فلا يجب أن يكون التقيد بالمقدار المؤكّد دائمًا لصالح الظالم وإضرار المظلوم.

مع أنه يجب الاعتماد على الشبهة وألا يُدان أحد بدون يقين، إلا أن ذلك لا يعني أن المظلوم لا ينال حقه، أو أن الظالم ينجو من العقاب، ولا ينبغي أن يظل المظلوم بلا سند حتى تثبت الجريمة ويُدفع حقه بنظام أقساط وبمشقة.

لا ينبغي أن تنخفض قيمة الإنسان في المجتمع إلى أدنى المبالغ المالية، وألا يكون سائق المركبة أقل قيمة من مركبته.

روح الإسلام والقوانين الإسلامية بعيدة عن هذه القصور، وهناك أُسس واضحة لجميع هذه الأمور، لكن قصر النظر وسطحية التفكير أدت إلى هذه الفوضى، وهي السبب الأكبر في انتشار الفحشاء وتفاقم الحرمان وازدياد الجرائم.

إذا وضعنا جانبًا هذه النواقص مع مظالم أخرى مثل الرشوة، والمحسوبية، والواسطة، سيتضح الوضع الذي وصل إليه القضاء، وإذا أضفنا ذلك إلى المشاكل الاجتماعية والفقر، سيتضح وضع الأمة الإسلامية المظلوم.

نسأل الله أن يستيقظ رجال العلم والمسؤولون ليعملوا على حل هذه المشكلات، مع أن الأمل في الحل الشامل قليل، لكن لا يجب أن نيأس من الإصلاح.

يجب على المثقفين في هذا الوطن أن يسعوا للحفاظ على الكيان الوطني والإسلامي من خلال إعادة تأهيل فكر وثقافة وعمل المجتمع الإسلامي، حتى تُفتح آفاق جديدة قريبًا توضح أن الاحتياط لا ينبغي أن يسهّل هروب المعتدي، ولا تكون الشبهة مخرجًا للمجرم.

يجب أن يتضح أن حرمة الإنسان أعظم من أن تكون قيمته المادية أقل من سعر الأشياء العادية، ولا ينبغي أن يُسهّل الموت بهذه الدرجة.

العديد من الأسباب والحجج الفقهية يمكن اعتبارها جدليات ونقاشات غير واقعية. فالفقه يعتمد على التعميم والتخصيص، والإمكان وعدم الإمكان، والمقارنة، والمساواة، في محاولة للهروب من مواجهة الكثير من الحقائق الخارجية دون البحث عن كشف الحقيقة.

مثال ذلك ما يُسمّى بـ”فرع مسألة بوز الكلب”، حيث إذا دخل تاجر متجرًا ورأى أثر أنف كلب على وعاء لبن، لا يمكن القول بأن اللبن نجس، لأنه قد يكون الكلب قد ترك أثر أنفه في مكان آخر، أو ربما حيوان آخر فعل ذلك، أو احتمالات كثيرة، في حين أن الشاهد الحاضر هو أفضل دليل على أن العيب في اللبن بسبب أنف الكلب.

فالواقع هو الحقيقة، والإمكانات الذهنية ليست كذلك، ولا ينبغي أن تعتمد معرفة العلم على “قد يكون، قد يكون”، فهذه الطريقة عقلانية لكنها ذهنية بحتة.

هذه الطريقة ضارة للغاية خصوصًا في الفقه، حيث يجب أن يكون كشف الأدلة مستندًا إلى الشواهد والقرائن الخارجية، ولا ينبغي أن تكون الاحتمالات عقبة أمام فهم الحقائق.

بالطبع لا يعني هذا أن نتبع النتائج العامة أو الاحتمالات فقط، ولكن يعني ألا نهمل الحقائق الملموسة بسبب وجود احتمالات ذهنية.

في كشف الحقائق وخاصة في علم الجريمة، يجب إعطاء أهمية للقرائن والشواهد الملموسة، والبحث عن الحقيقة، لا الهروب إليها بالاحتمالات والتعميم والتخصيص.

المنهج الكلامي والانكماش على التفاصيل فقط للهرب من الحقيقة لا يمكن أن يكون طريقًا للوصول إلى إدراك صحيح.

الفقه الذي لا يعترف بالشاهد الحاضر، ولا يأخذ بعين الاعتبار الألم والدموع والأخلاق لا يمكن أن يكون منهجًا موثوقًا، كما أن القاضي الذي يعتمد فقط على الشاهد واليمين والتقيد الصارم بالأشكال الشكلية لا يستطيع أن يعطي الحق لأهله، بل قد يهيئ طرق الهروب للأذكياء والمراوغين.

مع ذلك، لا ينبغي مساواة النقاشات الفقهية بالفلسفية، ولا ينبغي توحيد منهجية الفقه في جميع أبوابه، إذ يجب التفريق بين منهج المفكر والفيلسوف، ومنهج الفقيه والقاضي.

يتبع الناس الدين بثلاثة أنواع:

الأول: الذين يتركون الدين بسبب هواهم وشهواتهم الدنيوية.
الثاني: الذين يطيعون الدين فقط ما لم يتعارض مع شهواتهم، ويُحرّفون الدين حسب أهوائهم.
الثالث: قلة قليلة يطيعون الدين حقًا رغم تعارضه مع شهواتهم.

مع أن كثيرًا من الناس يظهرون التديّن ظاهريًا، إلا أن أكثرهم تابعون شكليًا، يلتزمون بالدين فقط طالما أنه يتوافق مع مصالحهم الدنيوية، وحين يحدث التعارض يظهر مقدار إيمانهم الحقيقي.

الدين يُتبع ما لم يتعارض مع الدنيا أو شهواتهم، وفي حال التعارض لا يبقى الدين.

هذه المواقف تكشف شخصية الأفراد، وتفرّق بين المتدينين الحقيقيين والعاديين، حيث المتدينون الحقيقيون يسيرون في ظل سلطان الحق، وهؤلاء قلة في المجتمع.

أما الأغلبية فهي إمّا قد اختارت الدنيا، أو تُلوّن الدين حسب أهوائها ومصالحها، وخاصة أولياء الأمر وأصحاب المناصب الذين يفرضون على الناس فهمهم للدين، ولا يتركون مجالًا لغيرهم.

لذا لا يمكن الاعتماد على إيمان غالبية الناس خاصة في الأمور الجوهرية والظروف الصعبة، وهذا من دقّة فهم الواقع.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V