صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

علم الأصول وعلماؤه الخمسة

نشر في آذر 13, 1404 في

علم الأصول وعلماؤه الخمسة

البيانات التعريفية

المؤلف: ال (1327 هـ)

عنوان الكتاب: علم الأصول وعلماؤه الخمسة / تأليف ال

مكان النشر: إسلام‌شهر، منشورات صباح فردا، ۱۳۹۳ هـ ش

المواصفات: 48 صفحة؛ 9.5 × 19 سم

رقم الكتاب المعياري الدولي (شابك): 978-600-91763-6-6

الحالة في الفهرسة: فيپا (فيش التوثيق البرمجية)

ملاحظات: الطبعة الثانية

الموضوع: أصول الفقه الشيعي

التصنيف وفق تصنيف الكونغرس: BP159/8 / ن8ع8 ۱۳۹۳

تصنيف ديوي العشري: 297/312

رقم الفهرس الوطني: 3678012

فهرس المحتويات

  • المقدمة … 7
  • فن الأصول … 9
  • محاسن الأصول ومعائبه … 13
  • الأدوار الثلاثة للأصول … 16
    • الدورة الأولى … 18
    • الدورة الثانية … 20
    • الدورة الثالثة … 24
    • الأخوند صاحب الكفاية … 24
    • ضياء الدين الغروي العراقي … 26
    • آية الله النائيني … 28
    • الشيخ الكمباني … 29
  • الخمسة الكاملة … 31
  • الحوار مع العلماء الشيعة في العصر الحاضر … 37
    • تغاير السلوك بين المعصومين عليهم السلام والأصوليين … 38
    • الوظيفة الخطيرة … 45

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

هذه الرسالة التي بين يدي القارئ الكريم تتناول محاسن علم الأصول ومعائبه وتاريخه وأدواره الثلاثة، وخصوصاً الدورة الثالثة وعلمائه الخمسة، وهم: الشيخ مرتضى الأنصاري، والأخوند صاحب الكفاية، وضياء الدين الغروي العراقي، وآية الله النائيني، والشيخ محمد الحسيني الإصبهاني. ويؤكد المؤلف أن كل من جاء بعدهم كان من تلاميذهم، ولا يتجاوز إبداعهم في هذا الفن حدود اللمسات الشكلية الجزئية.

وينبه الكاتب إلى ضرورة مرافقة العلماء لسيرة المعصومين عليهم السلام في مسيرتهم العلمية، والاقتداء بأخلاقهم، والامتناع عن الانحراف عنها، وخصوصاً في توجيه الناس، مبرزاً بعض ردوده وانتقاداته لهم في هذا المجال.

وفي الختام، يوصي المؤلف بضرورة تنقية علم الأصول من الأبحاث الخيالية والفروض اللاواقعية، مع تعداد بعضها وبيان الطريق المستقيم السوي في عرضها وتعليمها، ويذكر الحلول الحكيمة المناسبة لمعالجة عيوبه، مع الاعتراف بصعوبة هذا المسلك وبعده.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فن الأصول

علم الأصول هو طريق بيان مدارك الاجتهاد في زمن الغيبة لكل مجتهد وفقهٍ مؤهل لاستنباط الأحكام، وضرورة هذا الفن واضحة لمن له أدنى تأمل وبصيرة في الفقه.

وحاجة المجتهد إلى هذا الفن لاستنباط الأحكام أمر ضروري وبدهي، فلا يمكن الاجتهاد والاستنباط الصحيحين في زمن الغيبة إلا عبر هذا الفن مع باقي العلوم والطرق المعروفة في المجال، ولا يتمكن المجتهد والفقهاء من التحقيق والتدقيق إلا بالاعتماد على هذا العلم التمهيدي والآلي.

تعليقات على أهمية الموضوع

اختلاف أقوال الفقهاء والأصوليين في مدى حاجة الفقيه إلى الموضوعات المهمة والمطالب المجملة في هذا الفن هو أمر معروف، بعضها بين الإفراط والتفريط. والقول الفصل في هذا المجال هو أن كمية ونوعية الأصول اللازمة للاستنباط والاجتهاد تعتمد على زمنها ومدى توسع هذا الفن.

والذي يحتاجه الفقيه اليوم هو المعرفة بما قاله المحققون في هذا الفن منذ البداية وحتى الآن، واستنباط الحق من الجميع، واكتشاف البدائع المهمة بنفسه عبر القبول والرد والكشف والوصول.

هذا العلم، مع علوّ مقامه ورفعة شأنه في الفقه، يشبه في الوقت الحاضر الفن والصناعة؛ وذلك لكثرة ظرافته وعمق دقته التي تطورت مع مرور الزمن بأيدي العلماء المدققين والمحققين.

فلا يكون علم الأصول علماً مجرداً معنوياً أو شكلياً، بل هو فن آلي وطريقة تمهيدية لاستنباط الأحكام في الفقه، وطريق للوصول إلى الأحكام في زمن الغيبة،

ومع أن هذا الطريق ضرورة لا مناص منها، فلا يمكن للفقهاء الهروب من هذه الحقيقة، ورغم ذلك فإن جوهره هو الدقة والظرافة، مع أنه علم ميت لا روح فيه.

علم الأصول في جانب الاستدلال والمنهج الإدراكي من الماضي إلى الحاضر يبتعد يوماً بعد يوم عن المنهج الكلامي التقليدي، ويقترب من المنهج الفلسفي السائد. فالأصول في السابق كان يشبه الكلام، أما الآن فيسير على أوزان الفلسفة من حيث الدقة والظرافة، فتكون مباحث الأصول غالباً على وزن العلوم الذهنية، ولا تنطبق على الخارج بصورة عامة من حيث تحقيق الحاجات الفكرية، وهذا النهج الفكري ليس من دأب الدين في كثير من المواقع العادية لتلبية حاجات المؤمنين أو الناس عموماً، وخصوصاً في باب أعمال المكلفين.

فالأصول هو طريق فلسفي لاستنباط الأحكام في زمن الغيبة، للحفاظ على تجنب الوقوع في الجهل والعجلة، وبعبارة واضحة، الأصول شعبة من فروع الفلسفة في أمور الدين، وطريقة فلسفية لأخذ الفتوى من الفقه، وطريقة فلسفية لاستخلاص الأحكام للمكلفين.

هذا التطور في الأصول من الكلام إلى الفلسفة عبر القرون الماضية نشأ نتيجة المجالس والمشاورات بين العلماء وارتباطاتهم في الحوزات العلمية، واطلاع غالب العلماء المبرزين من كل من المجالين، ولشدة هذا الارتباط يسير المنهج الفلسفي تدريجياً إلى أصول الفقه مع مرور الزمن، وهذا واضح للمتدبر، وامتزاج كثير من مسائل الأصول بالفلسفة دليل واضح على هذا الأمر، ولا حاجة لإطالة المقال في ذلك.

وهذا العلم، بالإضافة إلى ذلك، هو علم تأليفي وتركيبي من العلوم والأحكام، ولا تكون مواده متجانسة تماماً، بل يؤخذ من المبادئ أو المسائل في علوم أخرى.

فأغلب مباحث الأصول، إن لم يكن كلها، تؤخذ من علوم أخرى، إما من الكلام أو المنطق والفلسفة أو من روايات الشيعة أو الأحكام العقلائية والفقه، وبعضها يشبه أصول أهل السنة مع تشديدها وتمييزها في مواضع الأحكام عند الشيعة كالإجماع وقياس الأسبقية، وهذا التبني من مصادر أخرى يكون إما على عينها أو مع تحويل وتأويل واختلاف وتفاوت.

محاسن الأصول ومعائبه

علم الأصول في العصر الحالي له محاسن ومساوئ؛ من محاسنه أنه علم دقيق للاستنباط، وطريق محكم للاحتياط في زمن الغيبة، وله أحكام مبنية وإتقان معاني مستمدة من الأفكار الكاملة والرؤى الباكرة، وينتهي إلى غاية الدراية ونهاية الأفكار، وهو من الفوائد الخالدة والمقالات الآثارية التي تبقى إلى يوم البعث.

أما من معائبه في الوقت الحاضر فهو تعقيده وتشعبه في العنوان، وتشتت مبانيه وطرق براهينه، وكثرة فروعه وتفريعاته إلى درجة يصعب على المحقق ضبطها جميعاً حتى لو كان التحقيق من عند نفسه حقيقة.

وكثيراً ما يظهر من العلماء البارزين فتوى في مسألة مخالفة لما رأوه في مسألة أخرى، وهذا شائع بين غير المدققين حتى من المجتهدين العظام والعلماء الأفاضل.

والآن، بسبب كثرة مبانيه وتعدد فروعه وعناوينه، يشبه علم الأصول الفن والظرافة والعلوم التجريبية والصناعات والحرف والاختراعات اليومية المتولدة من فكر البشر، ومن الواضح أنه لا يشابه الدين وطريق القرآن الحكيم والسنة النبوية الأمية.

فالأصول هو نتاج فكري متوقد ومتهور في القرون الماضية من الأول إلى الآن، وهو الآن في ذروة شدة وضغط علني.

والدقة في كيفية الأبحاث الأصولية ومصادرها الموجودة في القرآن الكريم والسنة تظهر واضحة للمتدبر المنصف، ومع ذلك فإن اهتمام العلماء الأصوليين بهذا الفن الذي لا يشهد له دليل من القرآن الكريم وسنة المعصومين، هو عكس ما يحصل في مسائل أخرى كثيرة في الموضوعات المادية والاجتماعية أو الأخروية، حيث توجد في القرآن الكريم آيات وأحاديث كثيرة، لكنها مهجورة من قبل الأفكار الناقدة الأصولية والأنظار الفقهية المتقدمة، وتُترك بلا اهتمام رغم أهميتها للدين والدنيا.

وكيف لا يبحث العلماء في مباحث أخرى كثيرة في كل الأبواب والعناوين والموضوعات المادية والمعنوية، مع أن معظم الآيات والروايات في الأمور الدنيوية والأخروية مجملة ومبهمة، ولا يتم البحث فيها أساساً، ومع الأسف يُصرف كثير من العمر في الانشغال والبحث عن الأصول الصرفة والمصطلحات المجردة لتقوية الفكر والعقل، بينما يُغفل كثير من المباحث اللازمة بين العلماء الكبار والحوزات، فكيف بحال العامة، ومشكلات الدين ولطائف الكتاب المجيد والمتشابهات من القرآن الكريم والسنة محصورة ببعض الجهات، مع أنها أيضاً محدودة من بعض النواحي ومغفول عنها في نواحٍ أخرى.

(15)

للأسف، لم يقم علماء الشيعة وأصوليوهم بتفعيل هذه السيرة العملية الكاملة، مع أنه يليق بهم أن يبحثوا في جميع الموارد العقلية والاجتماعية مستندين إلى الحكمة القرآنية والسنة النبوية، ليهتدوا إلى الحق المحض أو الحجة البالغة. إلا أنهم لا يعملون بهذه السيرة المتكاملة بين العلم والعمل، مع شكرنا لهم جميعاً على جهودهم في رفع مستوى العلوم وتحقيق المباني.

الأدوار الثلاثة في علم الأصول

لأصول الشيعة ثلاثة أدوار تفاوتت في البدايات والوسطيات والنهايات خلال هذه العصور. ويُبحث في هذا المقام كل واحدة منها، مع بعض الكلام المختصر حول مبدأ هذا العلم ومؤسسه الأول.

في مؤسس هذا الفن ومبتدعه أقوال مختلفة، والقطع منه أن علم الأصول ضرورة حتمية ظهرت لاستنباط الأحكام عند الشيعة وأهل السنة، مع اختلاف في الانفتاح أو الانغلاق بينهما. إذ يبقى باب العلم مفتوحًا عند الشيعة إلى غيبة الإمام الأكبر، وبقاء مواهب الأئمة المعصومين ومصادر الأحكام إلى هذه الأزمان، وثابتة إلى قيام الحق وظهور الحجة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). أما الأمر عند أهل السنة، فهو عكس ذلك، إذ لا يبقى لهم طريق صحيح من النبي (صلى الله عليه وآله) سوى العمل بالقياس والاستحسان وسائر المبادئ المبتدعة، خلافًا للنص والضرورة الدينية. وهم في مقابل هذه المصادر المفسدة يعتقدون بالعمل بالسنّة النبوية المضمحلة بأيديهم وأيدي أمرائهم، الذين بادروا في أوائل الأمر لهدمها وضياعها من بين المسلمين، بل وإحراقها مرارًا، كما تشهد بذلك كتب التاريخ وتاريخ جميع الملل.

فالأصول علم قهري، وفن ضروري واقع في الدين، وظهر في الفقه بتفاوت في الطرق والأساليب لدى كل فرقة في طرح المسائل، عناوينها، الحلول، والردود والإشكالات.

فأول مؤلف من الشيعة أو السنة ليس بمبتكر للفن قهريًا، لأن بين الإبداع والتأليف لهذا العلم فرق بعيد وزمان أطول. بل المؤلف في البداية جمع المسائل الموجودة في إطار الفن من أولها حتى تاريخ الجمع في مجموعة واحدة بعنوان واسم خاص.

الأدوار الثلاثة للأصول

  • الدورة الأولى بدأت من ابن عقيل وختمت بصاحب “المعالم”.
  • الدورة الثانية من زمن صاحب “هدایة المسترشدین” إلى الشيخ الأعظم صاحب “الفرائد الأصول”.
  • الدورة الثالثة تنحصر في الأخوند، العراقي، الكمباني، والنائيني رحمهم الله.

الدورة الأولى

كان القدماء في هذا الفن، وأوائل العلماء من الشيعة، من أمثال ابن أبي عقيل، ابن جنيد، الشيخ المفيد، السيد المرتضى، والشيخ الطوسي م.

وكان البداية الرسمية والاستقلال الجمعي للشيعة في تدوين الأصول من زمن الشيخ الطوسي والسيد المرتضى، وله للشيخ عدة كتب في الأصول. واستمر الوضع على هذا المنوال إلى ظهور دور ابن إدريس، الذي اجتهد في الاستنباط وفتح باب الفتوى في الشيعة ثانية.

وبعده اقتدى به كثير من العلماء المجتهدين والمحقّقين، فألف المحقق صاحب الشرائع كتاب “نهج الوصول إلى معرفة الأصول”، ومن بعده ألف آية الله العلامة الحلي في الباب كتبًا كثيرة، منها: “تهذيب الوصول”، “النكت البديعة”، “تحرير الذريعة”، “نهاية الأصول”، “منتهى الأصول”، “نهج الأصول”، واشتهر منها كتابه “تهذيب الأصول” في الحوزات العلمية وله شروح كثيرة.

وبعد تأليفات العلامة في الأصول ظهر من الحاجبي “المختصر” و”تمهيد القواعد” من الشهيد الثاني، وبعده ألّف نجل الشهيد الثاني الشيخ الفهيم الحسن كتاب “معالم الأصول”، وهو الذي ختم الدورة الأولى، ومنتهى المقال فيها.

وهذا الكتاب جامع لجميع كتب القدماء من السيد المرتضى والشيخ الطوسي إلى المحقق والعلامة، ولا يزال راسخًا في الحياة العلمية والحوزات الدينية، لأنه أساس الأصول من السيد والشيخ إلى المحقق والعلامة.

“المعالم” كتاب قيم في الأصول، جامع لأفكار القدماء، مكمل لتقريرات المباحث مع تحليل ونقد وردود في جميع المراحل، متخذًا النظر من جميع الزوايا بالألفاظ المألوفة والمعاني المحكمة، والبيان السديد، واحتوى على أفكار مبتكرة وأنظار دقيقة.

الدورة الثانية

الدورة الثانية في الأصول والتأليف الأساسي في الفن بعد “المعالم” كان لها أثر عظيم من الشيخ الفهيم محمد تقي المسمى بـ”هدایة المسترشدین”، وكذلك “القوانين” من الميرزا القمي، و”الفصول” من الشيخ النقّاد محمد حسين . وبعد هؤلاء العلماء، تعتبر سائر الكتب المؤلفة في هذا الفن مستقلة أو ناظرة إليها نقدًا أو شرحًا.

والأهم في الدورة الثانية هو كتاب “فرائد الأصول” المشهور بـ”الرسائل” للشيخ الأعظم وآية الله العظمى الفقيه المتبحّر مرتضى الأنصاري، الذي اختتم هذه الدورة وجمع أصول القدماء، نقّحها وزاد عليها موارد كثيرة في جميع الأبواب بأسلوب بليغ وطلاقة في الكلام.

أصول الشيخ الأعظم مع الجودة في البيان مغلقة، ومع حلاوة اللسان متشابهة في استخدام العبارات والمعاني، مما يصعّب الفهم الدقيق، خصوصًا مع إعادة البحث والتكرار، وهذا سبب للحذر في نقد كلامه، إذ أن فهم عباراته على أسلوب الدقة واليقين أهم من الإشكال عليها، فكل تصديق صحيح يحتاج إلى تصور كامل، والتصور لكامل جوانب كلام الشيخ صعب، والنقد والرد بعده أصعب، وإن كان الإمكان قائمًا كما حصل لبعض الأفذاذ بعده.

وبالجملة، الشيخ سند رسمي وحكم كلي لأصول الشيعة، متن القدماء ومعتمد الأمة من البداية إلى النهاية في جميع الحوزات العلمية، ومع كثرة الجوامع الأصولية والأعلام بعده وقبله، يبقى الشيخ دائمًا وكتابه سندًا متينًا، ورسائله قاموس الأصول في العالم، يتعلم بها كل متعلم وينتهي إليها كل مجتهد ويأخذ الحكم منها. ولهذا كان الشيخ وكتابه بوحدته دورة مستقلة وطورًا واحدًا، لا يليق بمجانسته في الأصول، ويليق أن يطلق عليه وعليه دورة مستقلة وكتاب واحد، واحد كالألف، وليس فوقه من الرتبة والمقام.

الدورة الثانية رغم وجود عدة أعاظم وأفاضل لكل منهم أساس في الفن وعماد في الأصول ومرجع في الحكم، إلا أن الشيخ الأعظم وكتابه بوحدته جمع المجموع، وصار في التحقيق من الأول إلى الآن وحتى قيام الحجة (عجل الله تعالى فرجه) أيضًا.

ومع ذلك، الشيخ مع علو همته وقوة دولته لا يكون منحصراً في الباب، ولا يكون كتابه رشحات أفكاره فقط، بل استفاد كثيرًا من كتب القدماء والمتقدمين وكلمات الفحول والمعاصرين، لا سيما “القوانين” و”هدایة المسترشدین”، ومع هذا لا ختم للباب، بل الباب مفتوح للداخلين كما دخل كثير من الأعاظم بعده وشدّدوا عليه، وصُدّ الباب له، وهي سيرة الشيعة والإمامية الإثني عشرية في الاجتهاد والتحقيق. هذا تمام الكلام في الدورة الثانية لأصول الشيعة.

الدورة الثالثة

تنحصر الدورة الثالثة من أصول الفقه في الأخوند والعراقي والكمباني والنائيني.

وهؤلاء الأربعة مع الشيخ الأعظم يليق أن يُسموا بـ”الخمسة الكاملة” في علم أصول الفقه، لأنهم سند الجميع ومتنه في هذا الفن من الفقه. والآن يُبحث عن كل واحد منهم بإيجاز.

الأخوند صاحب “الكفاية”

الأول من الأربعة هو الأخوند صاحب “الكفاية”، رغم استفادته من الشيخ وكتابه “الفرائد” وغيره من الكتب، ويليق أن يُسمى “الكفاية” فهرسًا لـ”الفرائد” و”الفصول”، إلا أنه مع ذلك رجل عظيم، وفحل عجيب، عزيز الوجود في الباب في طور البيان والاستدلال، وكتابه “الكفاية” كفاية في الإثبات وهذا الأمر، وكفاية أيضًا في الأصول عن كل ما عداها، وإن كان فهمه لا يتم إلا بالجميع.

هذا الكتاب دليل على عظمة فكره في الأصول، وسعة فهمه للوصول إلى حقائق الأفكار، وقدرته على التلخيص في الكلام، وهذا التلخيص مع الإيجاز مع الإغلاق في الألفاظ يصعّب الأمر للجميع، ولاسيما المبتدئين، مع عدم إضافة كثيرة على الشيخ و”الفصول” في بحث الألفاظ، لكن لا يخل ذلك بعلو مقامه وعظمة شأنه، لأنه صاحب “الكفاية”، و”الكفاية” تكفي عن ما عداها.

“الكفاية” مع إيجازها واختصارها في العبارات كثيرة التكرار، التكرار بلا فائدة أو مع فائدة في بعض المواضع، ورداءة العبارة أو الخطأ في بعضها أحيانًا، لكنها مع ذلك كفاية لكل عصر ودورة، يحتاج إليها كل أصولي عالم موفق، ومن لم يعرف “الكفاية” من الأخوند لا يعرف الأصول أصلًا، ومن لم يعرف الأصول تمامًا ولا يسلط الأنظار

أنظار عليها، وكتاب الأخوند مصدر دائم ومخزون في جميع الحوزات، ولن يتخلص من الاهتمام به في المستقبل، وإن ظهرت كتبه وكتب أساتذته أو تلامذته أو أقرانه من علم أصول الفقه.

(31)

وحتّی الآن، والمرتبة للمتأخّرین منهم تکون فی فهم کلام هذه الأعاظم الخمسة الکاملة أوبعضها، کما یکون کذلک غالبا.

وبعد هذه الخمسة الکاملة فی الأصول لم یتحقّق من الجمیع شیء مهمّ، فلا یحصل من الجمیع ما یسمن ولا یغنی فی الباب من جوع، ولا یکون لهم مبلغ من الازدیاد فی العلم والابتکار فی الفنّ مع السعی فیه من البعض جدّا وقدرة فهم کلام هولاء، ولکنّ البدائع جزئیة، والفوائد صوریة، ـ سعیهم مشکور، وأجرهم منظور ـ کما کان للمتقدّمین منهم کذلک ـ شکراللّه مساعی جمیعهم من المتقدّمین والمتأخّرین والمتأخّر عن المتأخرین والآخرین، فأین أن یکونوا موجودین بالمماثلة للقدماء والمتأخّرین لقلّة الأهمّیة فی زماننا هذا بالأصول والفقه والفهم للاستنباط القدمائی مع کثرة البحوث والدروس ـ وهذا بالأسف حقیق وبالانحطاط یلیق ـ کیف صار الاجتهاد فی هذه الأزمان موهون، وکیف یدّعی

(32)

العلم بالأحکام من أصاغر الطلبة مع قلّة البضاعة والمکنة وعدم اکتساب المقدّمات اللازمة.

فالمدار للأصول فی زماننا هذا هو هذه الکتب الأصولیة وهذه الأجّلاء الإلهیة، ویدور الجمیع حول حمائهم مع کثرة جهدهم وشدّة أمرهم، وإن کان کلّ واحد من الأعاظم المتأخّرین بعد الفهم والدقّة فی هذه الکتب ومن هذه الأساتیذ صار عالما نحریرا، وألّف فی الباب تألیفا، وقرّر تلامیذهم تقریرات درسه کثیرا، وحقّق فی الفنّ تحقیقا، ویشکل علی الأعاظم الخمسة کرارا، ویردّ علیهم فی أکثر الأبواب مع حقّهم فی بعض موضع الردّ والتنقید وثبات کلامهم فی الحکم؛ إلاّ أنّ کلّ ذلک بضاعة لهم ردّت إلیهم، واکتسب الجمیع منهم وردّت إلیهم، وهو ضرورة فی الاجتهاد للشیعة، ومقتضی اعتقادهم فی انفتاح باب العلم وإلاّ حکمهم ثابت، وسعیهم مشکور، والتعییرات لموازینهم قلیل، ومع هذا جمیعا لابدّ للانصاف فی أنّ بعض المتأخّرین علی الخمسة

(33)

الکاملة شدّد الأمر علیهم، وجاؤوا بعجل سمین.

فخلاصة الکلام أنّ أصول الشیعة من البدو إلی الآن ینقسم إلی ثلاثة أدوار کلیة: الأولی من السید المرتضی والشیخ الطوسی إلی صاحب معالم الأصول؛ نجل الشهید الثانی، والثّانیة من الشیخ محمدتقی صاحب «الهدایة» والمیرزا صاحب «القوانین» و«الفصول»، وفی الأخیر من هذه الدورة «الفرائد» للشیخ الأعظم الذی هو الختم فی الباب، والدورة الثّالثة وهی الأخیرة إلی الآن الآخوند صاحب «الکفایة»، والکمبانی صاحب «النهایة»، والضیاء العراقی صاحب «المقالات»، والنائینی صاحب «الفوائد» ، الذین یکونون مع الشیخ الأعظم الخمسة الکاملة فی علم الأصول، وکلّ من جاء من بعدهم إلی الآن هو مقرّری کلماتهم، ومفسّری مطالبهم الشریفة.

فرؤساء الأصول فی الشیعة من البدو إلی الآن وإن کانت کثیرة ولا یمکن الإحصاء لهم علی نحو التمام إلاّ أنّ الفائزین منهم ولاسیما المؤلّفین منهم مشهور معلوم للکلّ، وهم ـ وإن لم یکونوا

(34)

منحصرا فیما أقول فی الآن ـ إلاّ أنّ الأعاظم منهم من الأوّل حتّی الآن ینحصر فی ابن عقیل وابن جنید والشیخ المفید والطوسی والسید المرتضی وابن إدریس والمحقّق والعلاّمة والحاجبی وصاحب المعالم والشهید والشیخ محمدتقی والشیخ محمد حسین والمیرزا والشیخ الأعظم والمرجع فی الفنّ للجمیع الشیخ المرتضی الأنصاری سید المحقّقین ومرجع المدقّقین فی الفقه والأصول وفی طریقة الاجتهاد علی النحو البدیع المنحصر به، والآخوند والعراقی والنائینی والکمبانی وبعض المحقّقین المقرّرین بعدهم من أساتذة العلماء الحاضرین لاسیما الشیخ الأجلّ المجدّد للحوزة العلمیة فی البلدة المبارکة «قم» الشیخ عبدالکریم الحائری صاحب «الدرر» ، وهو حقّا کان من المجتهدین والأصولیین من أعاظم علماء الشیعة، مضافا علی قداسة روحه العظیم، وعزّة نفسه الشریفة، وعلوّ همّته فی اکتساب الأخلاق الحمیدة.

(35)

ولابدّ فی الأخیر من أن یقال أنّ ذلک الانحصار لیس بشیء؛ لأنّ هولاء الأعاظم المشهورین من رؤساء الأصول فی الشیعة لا یکونون جمیعهم ولا ینحصر فیهم، بل یکون فی العلماء المتقدّمین والکتب الموجودة فی البین مدارک وأعاظم کثیره لا تعدّ ولا تحصی، ولا یمکن أن یوصف، وکانوا من الأصولیین المبرّزین فی الشیعة، ولکن لا تشتهر مدارکهم وأفکارهم العالیة إلاّ للخواصّ من المحقّقین.

وعلل عدم اشتهارهم أمور شتّی داخلیة وخارجیة من جهة أصولهم ومن غیر هذه الجهة، وهی باعثة علی عدم اشتهارهم للعموم.

ومع الأسف، هذه المدارک العالیة لا یستفاد منها، ولا تکون مدارا فی الفنّ، ومرجعا فی الباب إلاّ للمحقّقین المبرّزین أو المؤلّفین والمدرّسین عند التدریس والتألیف، الذین یطالعون جمیع ما فی الباب علی قدر الوسع والطاقة، وفی الباب مطالب أخر لا مجال لذکرها، وکثیر من المؤلّفین یستفید

(36)

من المدارک والأعاظم فی التألیف بلا إسم وعنوان للشخص، وهذا أحد عوامل النسیان لهذه الأعاظم.

بعد بیان الأصول ومدارجه العالیة وأدواره الثّلاثة ورجاله المشهورة لابدّ فی زماننا هذا من البحث فی جهة أخری التی یرتبط بالأصول وعلماء الأصول وسیرته وسیرة علماء سائر العلوم الدینیة الشیعییة.

الکلام مع العلماء الشیعی فی الحال

والکلام فی الحال مع العلماء الشیعی الذین یکونون حاملین لمنابع الوحی والإمامة ومسؤولین لتکفّل ایتام آل محمد علیهم‌السلام ؛ أی المؤمنین، ولا کلام مع علماء سائر العلوم، وکلّ من یدّعی أنّه عالم من أهل السنّة والفرق المختلفة أوالأدیان المنسوخة.

فالکلام لهم لسلامة أمرهم وصحّة مرامهم، ولیس الکلام للأخری من الأقشار المدّعیة لعدم صلاحیتهم فی الإصلاح والعمل الصحیح إلاّ من بعد الإصلاح والتصفیة بأیدی العلماء المؤمنین.

فلا ینحرف البحث، ولا ینتج التخریب من هذا البحث بالقصد من بیان هذا الأمر الخیر، وبیان الأسف فی نفسی من هذه الجهة، والتمنّی لرفعها

(37)

فی الآتیة، إن شاء اللّه تعالی .

تغایر السلوک بین المعصومین علیهم‌السلام والأصولیین

تغایر سلوک العلماء ـ ومنهم الأصولیین ـ عن سیرة الأنبیاء والائمّة المعصومین علیهم‌السلام فی الغیبة الکبری فی کثیر من الجهاة المهمّة مشهود بالعیان ومعلوم بالضرورة والوجدان لمن کان له أدنی تأمّل فی المقام بعد العلم والإحاطة الکاملة بالسیرتین بالدرایة فی الروایات الصحیحة فی البابین من صدر الإسلام إلی زمان الغیبة ومنها إلی الآن.

وبیان هذا الاختلاف والتباین بین السیرتین من جمیع الجهات بالتصوّر والإدراک محتاج إلی تمهید عدّة أمور کلیة وجزئیة، فکریة واجتماعیة، تاریخیة وسیاسیة التی لیس لنا فی الحال إصرار فی اثباتها مع وضوح الأمر للمطّلعین من العلماء علی النحو الذی لا یحتاج إلی البیان.

مضافا إلی عدم جواز بیانها فی هذه الأعصار من الغیبة الکبری لکثرة الأعداء والمخالفین لإیتام آل محمّد علیهم‌السلام ؛ وهم العلماء والمؤمنون، ولحرمتهم وعلوّ کرامتهم لعنوان هذه المطالب بالتفصیل والصراحة ولاسیما للعوام، ومع هذا لابدّ لنا من التذکار للمقام بالکفایة، وللإیهام لتفهیم المقام لابدّ من البیان من بعض الجهات الضروریة.

سیرة الأنبیاء والائمّة المعصومین علیهم‌السلام علی

(38)

حسب الروایات الصحیحة والتاریخ المسلّم سیرة المعاشرة والمخالطة مع النّاس والمؤمنین أیا مّا کان، ولکن علی عکس ذلک سیرة العلماء العظام والمجتهدین الکرام، لاسیما المشتهرین فی العنوان والمقام، لأنّهم لا یخالط النّاس ولا یحشرهم فی الخلوة والعیان علی نحو العام، وسبب ذلک حفظ الحرمة واغتنام الفرصة لاکتساب العلوم الاصطلاحیة وفضائل الأخلاق الصوریة من العرفان والخلوة، ومع المخالطة والمعاشرة لا یبقی الأمرین علی هذا النحو من الحرمة والإجلال ومن الاکتساب فی العلوم والفضائل الکذائیة والاصطلاحات الصوریة الدقیقة التی لا یمکن الإدراک لها الملائکة السماویة وکیف بالغیر، وهی فهم حاشیة فلان وحفظ مقالة فلان وتقریر بحث فلان وردّ تحقیق فلان وسائر الأمور المعهودة فی العلوم الدینیة ولاسیما فی الأصول والمعقول، ولا أقول شیئا للعرفان والشهود وترک المعروف والمشهور من الإصطلاحات والرموز.

ومع المخالطة والمعاشرة للعوام لا یمکن تحصیل الاجتهاد والدقّة واتّخاذ الفتوی والحجّة فی جمیع الجهات اللازمة؛ لأنّ الاجتهاد السالم والاستنباط المعهود القدمائی لا یحصل لأحد إلاّ بالرهبانیة والخلوة وترک هذه الأمور المذکورة.

(39)

وهذه إحدی التناقضات فی السیرتین، ولا یمکن الفرار عنها؛ لأنّ المخالطة معاند لحفظ الفرصة، والتحصیل الکذائی لا یمکن أن یحصل إلاّ بهذا النحو من الفرصة والخلوة، والجمع بینهما لا یمکن إلاّ بترکیب الأمرین، ولکن لا بأس فی هذا؛ لأنّه شیء آخر ـ لا هذا ولا ذلک ـ والمهمّ فی التحصیل، التحصیل القدمائی مع المخالطة والمعاشرة، والأمر فی هذا النحو من الاجتهاد والتحقیق وغیر ذلک لا یصدق علیه، کما کان کثیرا فی هذه الأعصار ، ولکن لا بحث فیه.

من إحدی الخصوصیات الأساسیة من‌خصائص الأنبیاء والمعصومین علیهم‌السلام التبلیغ والإرشاد تحت أی شرط کان بلا أخذ من الدراهم والدنانیر أوالتوقّع والمنّة، وتکون سیرة العلماء ومنهم الأصولیون علی عکس ذلک؛ لأنّ العلماء العاملین والأعاظم المحقّقین لا یهتمّون بأمر التبلیغ والإرشاد ولا یعتقدون ذلک لأنفسهم، ولا یعملون بهذا الأمر المهمّ، ولا یعتقدون بأنّ التبلیغ والإرشاد أمر أساسی ، ولا یلیق ذلک بشأن العلماء، وهو وظیفة للنازلین من أصاغر المعمّمین؛ سواء کان واجدا لشرائط التبلیغ أم لا، بل یکتفی بالأقلّ من المقدار، مضافا إلی الأخذ من جمیع الجهات من الوجوهات وغیرها حیثما یکن، ولا یتحقّق

(40)

الإرشاد منهم، ومن تحقّق به الإرشاد لم یکن واجدا للشرائط غالبا، وسیرة الأنبیاء والائمّة علیهم‌السلام لیست کذلک قطعا، فالمؤمنون المحقّقون من العلماء العاملین لا یتحقّق منهم التبلیغ والإرشاد، بل هو مخلّ بحرمتهم، ومن تلبّس لباس التبلیغ والإرشاد لا یکون مرشدا غالبا کما هو حقّه، وهذا هو الأسف وهیهات منه.

ولهذا صار التبلیغ والإرشاد الذی هو مقصد الأنبیاء وفی شأن الأولیاء المعصومین علیهم‌السلام مختصّا بالعوام من العلماء أحیانا أو بغیر العلماء من الجهال والأراذل، ولیس من شأن علماء المحقّقین والأعاظم المجتهدین المنبر الذی کان فی زمان الوحی للنبی الأکرم صلی‌الله‌علیه‌وآله والائمّة المعصومین علیهم‌السلام ، وکان محلّ إعلان الوحی والقرآن الکریم والأحادیث والسنّة، والحال صار مراکز للکلام والفنون ومقاعد الفتن لابتذال المطالب والعناوین فی الغالب لحفظ حرمة بعضهم من الواجدین من شرائط المنبر إن کان موجودا، إن شاء اللّه تعالی.

الإرشاد والتبلیغ من السفراء الإلهی بالدورة والحرکة والخروج إلی جانب النّاس والمؤمنین وعلی عکس ذلک فی الحال للعلماء المبلّغین؛ کان کلّ واحد من الأنبیاء طبیب دوّار بعلمه وطبّه، ولأجل هذا عرض لهم مصائب کثیرة ومضارّ

(41)

متعدّدة لا تعدّ ولا تحصی، ولا یکون هذا للعلماء والمبلّغین، بل الإرشاد والتبلیغ الآن لمن کان یمکن أن یجبر أویشوَّق للتبلیغ بالوعدة والإجلال والإکرام ، ولهذا یکون مبدء فی التبلیغ المنبر والمقال إلی أن ینتهی إلی الحرفة والصناعة الخطابیة، وغیر ذلک من الأمور التی تکون شأنا لهذا الأمر، ولا یوجد لهم خسرانا إلاّ فی موارد من غیر هذه الجهة، ولهذا یصحّ أن یقال لهذا النوع من الإرشاد الحرفة والخطابة الغنیمة للحائزین منهم، فالفرق فی هذه الجهة بین السیرتین واضح، ولا یحتاج إلی البیان.

والتبلیغ من الأنبیاء ذو مراتب وذو مراحل من الأنواع المترتّبة فی البیان والعنوان بالقول والعمل والحرکة والقیام ، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر إلی أن ینتهی إلی‌المشاجرة والجدال والضرب والقتل والشهادة، وعلی عکس ذلک التبلیغ فی الحال لا یخرج من القول، ولا یتجاوز عن المسجد والمنبر علی نحو الخطابة، ولا یسری إلی المراتب الأخر، وقهرا لا یتجاوز عن التکریم والإجلال بلا حرکة وقتال.

التبلیغ من الأنبیاء قد کان مع التخلّق بما قال والإخلاص عمّا عداه، وفی الحال علی عکس ذلک غالبا بلا احتیاج إلی التخلّق والإخلاص، بل

(42)

فی هذه الأعصار وفی زماننا هذا الخطابة مع الصناعة بلا تخلّق واخلاص أحسن وأدخل فی النفوس الواهیة والأوجاف الخالیة من التخلّق والإخلاص.

الموادّ فی تبلیغ الأنبیاء هی الکلمات التامّات والحِکم الکلیة والمواعظ اللطیفة مع اللینة فی البیان والعنوان بلا تخلیط مع الأوهام، بل الکلّ وحی من اللّه تعالی، وکان البیان من اللّه إلی العبد ومن الخالق إلی المخلوق، ولیس الأمر فی الحال کذلک، بل التبلیغ مشحون بالترکیب والتخلیط من أی جهة کان.

وسائر الفروق واضح، ولا یحتاج إلی البیان، مضافا علی أن لا میل لنا من بیانها أصلاً، واللازم للمؤمنین من العلماء والمسلمین الاستعاذة باللّه فی الغیبة الکبری من هذه الأمور وسائرها التی تنکشف فی الاستقبال، ولا علم لنا بها فی الحال.

الوظیفة الخطیرة

فالکلام مع الأعاظم والمبلّغین من الأوّل إلی الآخر ومن الأفاضل إلی الأصاغر، ولابدّ لکلّ واحد منّا الحسّ بالوظیفة الخطیرة فی محدودة نفسه عند اللّه تعالی.

فالانحطاط فی التبلیغ ظهر من جهة کیفیة التحصیل والتحقیق فی الأعاظم من العلماء وعدم

(43)

ارتباطهم دائما علی نحو العموم، ومع عدم دخولهم فی أمر الدین والاجتماع یدور الأمر قهرا إلی هولاء المذکورین، وهذه السیرة من الأعاظم إحدی العوامل فی انحطاط المسلمین والمؤمنین وانحرافهم وعدم أهمیتهم للأحکام؛ لأنّ العلماء والمحقّقین مشتغلون باکتساب العلوم والفنون دائما فی حال الانزواء والخلوة، والعامّة من المؤمنین یکونون حیاری ابتداءً، ویفسدونهم الأغیار بعد ذلک، ثمّ کان کلّ واحد منهم أحد عوامل الفساد والإفساد بلا عنایة من جانب غیر، فالجهالة والفساد والرکود والخمود الموجود فی المؤمنین بالایمان الصوری کانت من العوارض النوعیة فی الاکتساب فی العلوم للعلماء والمجتهدین ولا أقلّ من أنّها إحدی عوامل هذه النوعیة فی الاکتساب، وهذا البحث لا یحتاج إلی الزیادة فی العنوان وتکثیر المثال، ویکتفی بالکلیة والإبهام؛ لأنّ العارف بعلم الأصول أعرف به، والجاهل به لا یحتاج إلی البیان.

یوجد فی الأصول أبحاث هورقلیائیة، وعبارات جابلقائیة، وفروض خیالیة کثیرة وإن کان الکلّ لا یخرج عن دائرة الأصول اللفظیة والعلمیة، والاشتغال بهذه الأبحاث فی هذه الأعصار علی هذا المنوال لا یلیق بالعمر لطلاّب

(44)

العلوم الحقیقیة، وإن کان التحقیق مقتضاها، ولا یمکن الفرار منها.

یوجد کثیرا فی الأصول القواعد الوهمیة والاستصحابات الواهیة، والبراءات الخیالیة، وللأعدام الأزلیة علی حدّ لا یلیق بالعاقل قبولها وإن کان الأصل من کلّ واحد منها حقّ ولازم للفقیه، ولا یمکن الفرار منها علی النحو الکلّی والإیجاب العقلی.

کثیرا مّا یوجد فی الأصول موارد أنّ الأصولی فی صورة الجهل بالحکم أوالموضوع والمصداق الخارجی ـ بدل التحقیق والاجتهاد لتفحصّ الدلیل والحجّة أو الفحص والدقّة فی الخارج الحقیقی ـ یکتفی بالأصل ویغمض العین عن الجمیع، ولا یتحمّل المشقّة والریاضة العلمیة والعملیة الخارجیة فی التفحّص والتحقیق، ویلفت النظر فی استکمال القواعد الأصولیة والتحقیق لهذه الفروض المسلّمة عنده، وهذا لیس من دأب المحقّق؛ لاسیما فی الموضوعات والمصادیق الخارجیة التی لا یعقل عندها الأصل من الاستصحاب والبراءة،بل المعقول منها الفحص عن الخارج فی الأمر والواقع من الخارج، ولیس هذا إلاّ عکس الأمر فی التحقیق وتحمّل المشاقّ، وموارد هذا المقال فی الأصول کثیرة، ولا یحتاج إلی البیان لمن تدبّر فی

(45)

المقام.

(46)

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V