نقد وتحليل التعريفات المفهومية والذوقية
هناك بعض الرؤى المعروضة في هذا الصدد تعتمد على تعريفات مفهومية ولفظية مأخوذة بشكل ناقص وغير كافٍ من ظاهر القرآن الكريم والسنة، وامتزجت هذه التعريفات بالاستحسانات الذوقية، وهو ما يمكن تسميته بالتعريفات الذوقية المفهومية. ويجب اعتبار هذه التعريفات بحثاً عبثياً في ثنايا الألفاظ والعبارات لا قيمة علمية لها على الإطلاق، (16) كما أنها لا تتوافق مع النتائج الموضوعية والمعرفة الحقيقية للحقائق الواقعية.
في العادة، يُنسب هؤلاء هذه المفاهيم إلى علم الحق تعالى ومراتبه، حيث يُعتبر العرش والكرسي واللوح والقلم من علم الله تعالى، والذي يُطلق عليه أسماء مختلفة تبعاً لمستويات ذلك العلم. وهذا الأمر في حقيقته لا يدل إلا على العجز عن فهم حقائق هذه الأمور، وكأن العلم الإلهي هو جدارٌ لا يمكن تجاوزه، فكل هذه المفاهيم تعود إليه، وتُفسر وتُؤول من خلاله.
نقد وتحليل الخيالات الموضوعية
في أقوال بعض المتصوفة، يُلاحظ توجه إلى التصورات الكشفية والموضوعية لهذه المفاهيم، مثل قولهم: “حين كنت أتجول في العالم الأعلى، رأيت كذا وكذا. وجدت العرش في فلان من الأفلاك، ورأيت الكرسي في فلان من الأفلاك، ورأيت اللوح والقلم يرقصان في حركة وجودهما بهذا الشكل.”
رغم أن مثل هذه الأقوال تبدو جميلة ظاهرياً، وكانت في وقت من الأوقات محل قبول واسع، (17) إلا أنها الآن فقدت قيمتها المعرفية والعلمية. إن أصل هذه الأقوال يعود إلى سيطرة الخيالات الذهنية على الفكر، والبيانات العلمية المعاصرة تعتبر هذه التصورات غير ذات صلة، وغير صحيحة، ولا يمكن قبولها. لذلك، إذا قال أي عارف متمكن اليوم بأن العرش أو الكرسي داخل الأفلاك أو أن فلان الفلك محاط بالعرش أو أن الجنة في فلان الفلك، أو أن سماء الدنيا مساحة لأمور كذا وكذا، فإن هذه الأقوال لا تمتلك أي قيمة علمية أو تطبيقية، وهي مقولات لا معنى لها بالأساس وباطلة، ولا تصح وفق المعارف العلمية الحديثة. بناءً على هذه المعارف، يمكن القول إن الوجودات الموضوعية لمثل العرش والكرسي وأمثالها تتجاوز الحدود المادية، ولذلك يجب البحث عنها في أطر أخرى محددة.
وباختصار، النظريات التي ورثناها من السابقين في هذا المجال – بصرف النظر عن أدلتها الشرعية كالقرآن الكريم والروایات (18) – لا تخرج عن نوعين: إما أن تكون مفهومة بشكل غامض، أو غير معقولة.
مراوغة ذكية عن النقاش
قد يُجاب على ذلك بطريقة أخرى، رغم أنها ليست جديدة، وهي في الحقيقة من قبيل الأفكار من النوع الأول، لكن للإيضاح يُشار إليها.
مثلاً، إذا سُئل المدعي عن ماهية الكرسي أو العرش، وهل له وجود حقيقي وموضوعي، وبالنظر إلى بطلان الأفكار الأولى، يقول: الكرسي هو وعاء شامل يحيط أزلياً وأبديّاً بكل العوالم المادية، وهو باختصار سعي كلي يؤدي إلى أمر شامل كهذا.
يجب اعتبار مثل هذا الرد مراوغة ذكية عن النقاش، فهو مناسب للجدال والمناظرة والإقناع اللفظي، وليس من شأنه أن يكون بياناً معرفياً حقيقياً. كما ورد في “الكفاية”: “موضوع علم الأصول أمر كلي يتفق مع موضوعات مسائلها” (19). ولكن ما هو هذا الأمر الكلي؟ وأين هو؟ وكيف يُكشف عنه ويُفسر؟ لا يُقال عنه شيء، ولا وجود لشيء يمكن قوله؛ لأن علم الأصول لا يمتلك موضوعاً محدداً، والموضوعات الخاصة تقتصر على العلوم الحقيقية كالفلسفة والرياضيات، وليس العلوم الاعتبارية التي لها مسائل متفرقة.
وفي النقاش قد يقول أحدهم: الكرسي جسم كلي هو وعاء أزلي أبدي للمادة، وعندما يُسأل عن ماهية هذا الوعاء، أو مكانه، أو الدليل عليه، لا يُعطى جواب.
هذا القول في الحقيقة هو مجرد مراوغة بسيطة للإقناع، وليس في شأن الكشف عن الحقيقة.
بعد هذا العرض، يُعاد التأكيد على أن بيان مثل هذه الحقائق والروايات في أي علم أو مجال معرفي: هل هو من اختصاص علم الكلام، أم الفلسفة، أم التصوف؟ أم هو محتكر للوحي؟
علم الكلام
المتكلمون لديهم الكثير من الأقوال في هذا المجال، لكنها كلها لا تعدو كونها محاولات جافة للتفسير المفهومي، وتطابق ضعيف للمأثورات، في حين أن هذه الحقائق لا يمكن أن تُحاط بفهم أو بيان محدود من قبل المتكلم أو علم الكلام، لأن المتكلم يعتمد على التفسير الظاهري للنصوص الشرعية، وبهذا لا يجد مصاديق حقيقية، ولا ينجو من الخطأ في التطبيق.
العمل الوحيد الذي يمكن أن يقوم به المتكلم العادل والفطين هو الحفاظ على إيمانه بهذه العناوين، وعدم الانجرار إلى مشاكل التعقيد اللفظي، والتسليم بظاهر النصوص، وترك فهم هذه الأمور لأهلها، مع الحفاظ على إيمان سطحي وصوري.
(21)
الفلسفة
الفلسفة، رغم عظمتها، ليست مؤهلة للدخول في هذا الموضوع، إذ إن بيان المصاديق الخارجية وحقائق هذه الأمور لا يليق بالفلسفة والفيلسوف الإلهي.
الفلسفة تهتم بالكليات الكبرى، وتتناول الوجود والعدم العام للأشياء والمواضيع الكلية، لكنها لا تختص بتفصيلات المصاديق الفردية، سواء كانت مادية أو مجردة.
بيان وجود الظواهر الخارجية والمصاديق الشخصية مثل الحياة الفردية وتحقيق الوجود أو عدمه، ليس من اختصاص الفلسفة، إذ إن هذه الحقائق تتجاوز حدودها.
وكما لا تستطيع الفلسفة أن تحدد إذا كان شخص معين حياً أم لا، أو هل وُلد أم لم يولد، فهي كذلك لا تستطيع القول ما هو العرش أو أين يقع الكرسي، وما هي خصائص اللوح والقلم وأماكنهما.
(22)
ومع ذلك، تستطيع الفلسفة أن تمتنع عن إنكار هذه الحقائق، وهذا الامتناع في حد ذاته ذو أهمية.
الفلسفة تثبت وجود العوالم المادية والمجردة بصورة كلية، ويمكنها أن تتحدث عن عدم وجود أدلة على استحالة هذه الأمور، وتتحمل مسؤولية إثبات الأصل العام للتجرد ووجود العوالم المجردة، لكنها لا تستطيع الدخول في تفاصيل كيفية وجود مجرد معين كعرش أو كرسي.
العلوم التجريبية
وجهات نظر العلماء في العلوم التجريبية والمادية كعلماء الفلك وأهل الهيئة لا تمتلك قيمة علمية أو اعترافاً علمياً في هذه المسائل الميتافيزيقية، لأن نطاق تدخل العلوم والتقنيات التجريبية محدود جداً، وخارج هذا النطاق لا تمتلك مصداقية.
المعرفة بمواصفات المواد ومواضع الكواكب وتأثيراتها الكيميائية لا علاقة لها بالتحقق أو النفي العلمي لهذه العوالم والموضوعات، وإن كانت تضيف معرفة محدودة وتزيل بعض الشبهات والافتراضات السابقة.
بعد هذا العرض المفصل، يتضح أن النظريات السابقة التي ورثناها من الأجيال الماضية في شأن موضوعات كعرش الله وكرسيه واللوح والقلم، إما أنها تفتقر إلى وضوح المفهوم، أو أنها غير معقولة ومنطقيًا. وهذا يجعلها بعيدة عن المنهج العلمي الصحيح، ويجعل من الضروري إعادة النظر فيها من منظار معرفي دقيق وحديث.
الهروب المراوغ من المناقشة
في بعض الأحيان، يرد البعض على السؤال المتعلق بوجود هذه المفاهيم وحقائقها الموضوعية، بأن الكرسي هو وعاء شامل، يحيط أزليًا وأبديًا بكل العوالم المادية. ولكن عند المطالبة بتوضيح ماهية هذا الوعاء، أو تقديم دليل على وجوده، لا يستطيع المدعي الإجابة.
يعد هذا الرد من نوع المراوغات الذكية التي تقتصر على النقاش اللفظي، ولا تقدم أي إسهام معرفي حقيقي. كما أشار إلى ذلك علم أصول الفقه: «موضوع علم الأصول هو أمر كلي يطابق موضوعات مسائلها المتفرقة»، ولكن لا يتم شرح ماهية هذا الأمر الكلي، أو أين هو، أو كيف نصل إليه.
موقف علوم الكلام
في مجال علم الكلام، هناك الكثير من الأقوال والتفسيرات التي لا تتجاوز كونها محاولات جافة للربط المفاهيمي وتطابق مأثورات النقل، دون القدرة على تقديم تفسير عميق أو كشف حقائق موضوعية حقيقية. ويعتمد المتكلمون غالبًا على ظواهر النصوص الشرعية، الأمر الذي لا يمكنهم من تقديم استنتاجات واقعية دقيقة.
لذلك، من الحكمة أن يحتفظ المتكلم المؤمن والمعتدل باعتقاده الظاهري، متجنبًا الدخول في جدالات معقدة أو محاولات تفسير لا تستند إلى أدلة موضوعية، وترك فهم هذه الموضوعات لأهلها المختصين.
موقف الفلسفة
الفلسفة، مع كل عظمتها، ليست مؤهلة لدراسة المصاديق الخاصة والمحددة لهذه الحقائق الغيبية، إذ تتناول الفلسفة المواضيع الكلية والعامة المتعلقة بالوجود والعدم، ولا تهتم بتفاصيل المصاديق الفردية سواء المادية أو المجردة.
وعليه، فإن الفلسفة لا تستطيع أن تقدم تفسيرًا واضحًا عن ماهية العرش أو الكرسي، ولا عن خصائص اللوح والقلم، ولا عن مواقعهم. ومع ذلك، فإن الفلسفة قادرة على إثبات وجود العوالم المادية والمجردة بشكل عام، ويمكنها رفض إنكار هذه الحقائق، وهذا في حد ذاته إنجاز مهم.
موقف العلوم التجريبية
تقتصر العلوم التجريبية، مثل علم الفلك وعلوم المادة، على دراسة الظواهر ضمن نطاق مادي محدود ومحدد، ولا تملك أدوات أو منهجيات تسمح لها بدراسة حقائق ميتافيزيقية أو وجودات غير مادية. لذلك، فإن أقوال العلماء في هذه المجالات لا يمكن أن تعطي حكمًا علميًا صحيحًا على وجود أو عدم وجود عرش الله وكرسيه وأشباهها.
تقتصر العلوم التجريبية على دراسة خواص المواد والعناصر، وحركة الكواكب، والتفاعلات الكيميائية، لكنها لا تملك صلاحية الخوض في مسائل معرفية تتجاوز نطاق المادة والزمان والمكان.
الإِرْفَانُ وَدَعَوَى الصَّوفِيِّينَ
العِلْمُ الوَحِيدُ الَّذِي يَبْقَى هُوَ الإِرْفَانُ وَالكَلِمَاتُ الْغَامِضَةُ لِأَهْلِهِ، وَالْمُكَاشَفَاتُ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالْمُدَّعِين وَصُولَهُمْ إِلَى حُضُورِ الْحَقَائِقِ وَالْوُجُودِ وَالطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ الْمُحِبُّونَ وَالْمُتَصَوِّفُونَ فِي مَجَالِ الْمَعْرِفَةِ.
فِي هَذَا الْمَجَالِ، قَدْ نُقِلَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُمْ يُطَبِّقُونَ الْعَوَالِمَ وَيَتَكَلَّمُونَ عَنْ الْمَعْرِفَةِ الْحُضُورِيَّةِ لِتِلْكَ الْعَوَالِمِ. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْعَرْشَ، وَاللَّوْحَ، وَالْكُرْسِيَّ، وَالْقَلَمَ وَيَعْلَمُونَ مَا هِيَ وَأَيْنَ مَوَاقِعُهَا. وَكَثِيرٌ مِنْ أَفْكَارِهِمْ تَحْمِلُ أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً، وَرَغْمَ ذَلِكَ، فَلَيْسَتْ خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ وَالدَّعَوَى الْبَاطِلَةِ، وَيَجِبُ تَحْلِيلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِدِقَّةٍ وَاسْتِفْصَالٍ لاِخْتِيَارِ الْمَا يُفِيدُ.
وَيَطْرَأُ هُنَا سُؤَالٌ: مَا هِيَ الْمَنْهَجِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ اتِّبَاعُهَا مَعَ أَقْوَالِ وَمُكَاشَفَاتِ الْعُرَفَاءِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُنَا تَحْلِيلُ آرَائِهِمْ وَدَعَوَاهُمْ؟ هَلْ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْعَوَالِمِ وَالأُمُورِ تَقَعُ فِي دَائِرَةِ قُدْرَةِ الْعَرِيفِ وَحُدُودِ الْإِرْفَانِ؟ هَلْ تُسَاعِدُ الْمُكَاشَفَاتُ الْعِرْفَانِيَّةُ فِي فَهْمِ هَذِهِ الْمَعَانِي، أَمْ أَنَّ الْعَرِيفَ يَبْقَى مُنْغَمِسًا فِي تَأْمُّلَاتِهِ الْحُصُولِيَّةِ وَالْحُضُورِيَّةِ دُونَ صِلَةٍ بِالْحَقَائِقِ؟ وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ، سَنَتَنَاوَلُ بِإِذْنِ اللَّهِ جَمِيعَ جَوَانِبِ الْمَوْضُوعِ بِاخْتِصَارٍ.
الْوَحْيُ وَالْكَشْفُ التَّامُّ
الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُمْكِنُهُ حَلُّ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمَجْهُولَاتِ هُوَ الْوَحْيُ، وَالْغَيْبُ، وَالْكَشْفُ الصَّحِيحُ وَالتَّامُّ.
عَن طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ الْوَاقِعِيَّةِ وَالْمُكَاشَفَاتِ الصَّحِيحَةِ يُمْكِنُنَا الْوُصُولُ إِلَى الْحَقَائِقِ الْعَيْنِيَّةِ وَالْمَعَانِي الْغَيْبِيَّةِ وَتَنْقِيَةُ أَنْفُسِنَا لِكَيْ نَفْتَحَ بَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعَوَالِمِ الْحَقِيقِيَّةِ.
هَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِلحُصُولِ عَلَى الْمَعَارِفِ الإِلَهِيَّةِ وَمُصَدَّقَاتِ الْعَالَمِ وَالْإِنْسَانِ، وَهُوَ سَرٌّ عَالٍ وَطَرِيقٌ طَوِيلٌ مَتَعَرِّجٌ، فَقَلِيلٌ جِدًّا مِنْ سَالِكِيهِ، وَلَوْ كَانُوا بِقُلُوبٍ جَرِيحَةٍ وَأَرْوَاحٍ مُجْهَدَةٍ، يَسْتَطِيعُونَ سَلْكَهُ.
وَالأَهَمُّ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الْكَشْفَ وَالْوُصُولَ إِلَى حَقَائِقِ الْوُجُودِ وَالْمَعَارِفِ الْوُجُودِيَّةِ لَهُ طَرِيقَانِ مُخْتَلِفَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ خَصَائِصُهُ، وَرَغْمَ ذَلِكَ فَهُمَا فِي الْوَاقِعِ وَاحِدٌ وَنَفْسُ الْحَقِيقَةِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي هُوَ خُلاصَةُ وَاسْتِمْرَارُ الطَّرِيقِ الأَوَّلِ.
«الْوُصُولَاتُ الْبَاطِنِيَّةُ لِلْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ»
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ لِلْكَشْفِ وَالْعِلْمِ بِالْغَيْبِ وَالإِخْبَارِ عَنِ الْحَقَائِقِ هُوَ «الْوَحْيُ وَالإِلْهَامُ». فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هِيَ فِي دَائِرَةِ قُدْرَةِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ وَالرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ، وَلَكِنَّنَا لَا نَعْلَمُهَا.
الْكَشْفُ الْغَيْبِيُّ الَّذِي يَتَلَقَّاهُ الْمَعْصُومُ هُوَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الْوَعْيِ وَالْمَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَيَتَمَيَّزُ بِخَصَائِصَ فَرِيدَةٍ. هَذِهِ الْمُكَاشَفَاتُ لَا تَخْرُجُ عَنْ آفَاقِ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْصُومَةِ، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ فِي هَؤُلَاءِ الطُّهُرِ.
الْكَشْفُ وَالْوُجُودُ لِلْمَعْصُومِ هُوَ حَقِيقِيٌّ، وَمَحْمِيٌّ مِنَ الْخَطَإِ. وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي يُعْلِنُهَا وَالْعَالَمُ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ هُوَ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةِ بِحَقِيقَتِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُعْرِضَةً لِلْخَطَأِ.
الْكَشْفُ عِنْدَ الْمَعْصُومِ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ مَصَادِقَ الْوُجُودِ وَالْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ لِلْخَارِجِ، وَيَخْلُو مِنْ أَيِّ تَوَهُّمٍ أَوِ انْحِرَافٍ. وَهَذِهِ خَصِيصَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ لِمُكَاشَفَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ، وَهُنَاكَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَقْلِيَّةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، مِنْهَا آيَةُ التَّطْهِيرِ.
الْخَاصِيَّةُ الثَّانِيَةُ لِلْكَشْفِ عِنْدَ الْمَعْصُومِ هِيَ وُجُوبُ الطَّاعَةِ وَالإِقْرَارِ وَالْيَقِينِ. عِنْدَمَا يُبَلِّغُ الْمَعْصُومُ حَقَائِقَ الْعَالَمِ، يَلْزَمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ وَالْتَّصْدِيقِ بِهَا دُونَ شَكٍّ أَوْ رَيْبٍ.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ، لَوْلَا أَن يَكُونُوا هُمُ أَصْحَابَ الْكَشْفِ، فَلَنْ يَكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكَشْفُ وَرُؤْيَةُ الْحَقَائِقِ، بَلْ هُوَ سَمْعٌ وَتَلَقٍّ لِكَلَامِ الْمَعْصُومِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ كُلَّ كَشْفٍ يَكُونُ حُجَّةً لِصَاحِبِهِ فَقَطْ، فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ أَوْ وَلِيٌّ مِنْ وُلَاةِ اللَّهِ يُبْلِغُ حَدَثًا وَجَدَهُ هُوَ نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ، وَيُصِيبُ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَيْضًا فِي وَصُولِهِ إِلَى الْحَقِيقَةِ بِبَرَكَةِ الْمَعْصُومِ وَالْوَلِيِّ.
«الْكَشْفُ لِغَيْرِ الْمَعْصُومِ»
النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْكُشُوفِ هُوَ مَكَاشَفَاتُ غَيْرِ الْمَعْصُومِينَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُرَفَاءِ الصَّادِقِينَ، فِي سَبِيلِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقَائِقِ الرُّوحِيَّةِ وَالرُّؤْيَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِلْمَثَالَاتِ وَالْعَوَالِمِ الْكِشْفِيَّةِ.
يَتَكَلَّمُ الْعَرِيفُ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَمَكْشَفَاتِهِ بِكَمَالٍ وَنَضَجٍ، وَسَنُحَلِّلُ فِي هَذَا الْبَحْثِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْكَشْفِ، وَلَيْسَ النَّوْعَ الأَوَّلُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْصُومِينَ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ مَرَافِضَتُهُ.
وَأُولَئِكَ الْعُرَفَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ الْحَقِيقِيُّونَ هُمُ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ، وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ أَلْقَابَ النَّبِيِّ وَالإِمَامِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ أَلْقَابَ الْعُرَفَاءِ الْكُمَلَاءِ وَالأَقْطَابِ.
كَشْفُهُمْ كَشْفٌ تَامٌّ وَحَقِيقِيٌّ، وَكَلامُهُمْ صَدِيقٌ وَعَادِلٌ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ قُوَاهُمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ الْمَعْنَوِيَّةِ، لأَنَّ الْكَشْفَ التَّامَّ مِنَ اللَّازِمَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالْعِصْمَةِ.
أَمَّا الْمُكَاشَفَاتُ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا الْعُرَفَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ لَا يَدَّعُونَ الْعِصْمَةَ فَفِي الْغَالِبِ تَخْتَلِفُ عَن ذَلِكَ، وَهِيَ لَهَا أَحْكَامٌ وَخَصَائِصُ خَاصَّةٌ سَنُبَيِّنُهَا مُوجَزًا فِي الْمَوَاقِعِ الْقَادِمَةِ.
من الواجب التنبيه إلى أن سبيل الوصول إلى الحقائق عبر المكاشفات الروحية، سواء كانت حقيقية أو صورية، مفتوح للجميع بلا أي قيود خاصة، ولا توجد أي موانع أو أسباب تمنع ذلك؛ إذ إن الحقائق الغيبية والعوالم الحقيقية هي مظاهر خارجية للكيانات المجردة، وعندما تزول الموانع وتنقشع الأدران النفسية من باطن الإنسان، لا يبقى سبب يمنع الرؤية. مع أن إزالة هذه الموانع ليست بالأمر اليسير، بل تحمل الكثير من الصعوبات التي لا يمكن تجاهلها بسهولة.
إن الأمر الوحيد الذي يبعدنا عن حقيقة أنفسنا والعديد من حقائق عوالم الوجود ويحرمنا منها، هو الموانع النفسية والآثار السلبية للغرائز البشرية.
بإزالة هذه الموانع يمكن تنمية القدرة على بلوغ أعلى المراتب والمقامات الحقيقية للإنسان، والوصول إلى الكشوف والحدس وتحقيق الحقائق.
ورغم سهولة الكلام عن هذه الأمور، إلا أن تحقيقها أمر مختلف تمامًا، ولا يوفق في ذلك إلا قلة قليلة من الناس، إذ إن الإنسان قد غرق في عالمه المادي لدرجة أنه لا يسمح لنفسه حتى برغبة هذه العوالم، وقد يصل إلى حد الهروب منها بالكامل، بحيث إذا وقع له نادرًا كشف بسيط في مناسبة ما، يهرب منه برعب شديد.
إن وقوع وتحقيق مثل هذه المكاشفات الغيبية للعارف الكامل وصاحب القضية ـ إذا ما أزيلت الموانع ـ أمر ضروري وحتمي ولا مجال للنقاش فيه، كما أن لغة الشرع وبيان أهل الدين تقوم على هذا الأساس، وتبني عملها كاملاً على المعجزات والإخبار من العوالم الغيبية، موجهة بذلك الجميع.
وبعد بيان المكاشفات غير المعصوم، يجب التنبيه إلى أن هذا النوع من الكشف له أحكام وخصائص تختلف في كثير من الجوانب عن ما يكتشفه المعصوم، وفيما يلي ملخص مختصر لذلك.
التشابه بين الكشف والقطع العادي:
المكاشفات غير المعصومين من الأولياء والعارفين الكاملين، الذين يتحلون بمعيار الصدق والعدل في أعماق نفوسهم، هي حقائق تحمل لهم ذاتها صحة كاملة، إذ إن هذا الكشف رؤية حقيقية ومتطابقة مع الواقع.
تعاملهم مع هذه الأمور مثل تعامل الناس العاديين مع الأمور الحسية والظاهرية، فكما لا يمكن إنكار رؤية شخص للأمر الحسي الواضح، لا يجوز إنكار رؤية العارف إذا فرضنا عدله وصدقه.
الكشف عند مثل هذا العارف في الحقيقة مثل القطع القطعي، فلا يمكن إنكار من يقطع ويتيقن من أمر محسوس ويراه حقيقة، ولا مجال لتشكيك أو إنكار ذلك.
الكشف عند العارف هو حقيقة وحجة لديه، ولا يمكن لغيره أن ينفيه أو يعدل فيه.
قيمـة الكشـف غيـر المعصـوم:
الفارق الرئيسي الذي يظهر هنا بين كشف المعصوم وغير المعصوم هو عدم وجوب الاعتقاد والقبول للآخرين بالكشف غير المعصوم.
حين يروي العارف عن كشفه أو تجاربه، فإن ذلك لا يعد حجّة للآخرين، بل مجرد سماع قول من يدعي الكشف، ولا يلزم الإقرار به كما في كشف المعصوم.
الكشف الذي يرويه العارف هو خاص به ولا يترتب عليه أي حجية أو أثر شرعي للآخرين، وإن كان قد يستهوي المبتدئين ويمنحهم لذة، لكنه لا يشكل حجة أو تأثيراً عليهم.
على فرض صدق وعدل العارف، وبما أن إنكار هذا النوع من الكشوف لا يتوافق مع العقل الشرعي، فلا يجوز لأحد عاقل أن ينكرها أو يكذبها، وإن لم تكن ملزمة بالاعتقاد بها.
إنكار الكشف في مثل هذه الحالة معناه الجهل، لأن الدليل الواضح على الإنكار غير موجود.
سؤال مهم يطرح هنا: ماذا يفعل الإنسان إذا ثبت قطعاً أن كشف العارف كان خطأً وباطلاً في حياته أو بعدها؟
العديد من مكاشفات دعاة التصوف الظاهري هي بهذا الشكل من البطلان في مسائل الغيب، خصوصًا في ما يتعلق بالعروش والكرسي والأفلاك، إذ إن هذه التصورات لا تتوافق مع الواقع ولا وجود لها.
مثلاً، إذا قال عارف إنه رأى العرش والكرسي في فلَك معين، بينما نعلم يقينًا أن هذا الفلك غير موجود، فإن هذا الكشف يصبح بلا قيمة.
في هذه الحالة، يجب على العقلاء التعامل مع هذه الكشوف بمنطق دقيق وأن يقولوا صراحة إن هذا الكشف لا قيمة له، لأنه يثبت جهل المدعي وانحرافه عن الحقيقة.
العارف الذي يظن في نفسه يقينًا خاطئًا يشبه الأخ الذي يعتقد أن أخاه مات ويصرخ ويئن، في حين أن أخاه حي. وهذا اليقين الكاذب لا قيمة علمية له، وإن كان للمدعي أثراً كبيراً عليه.
لا سبيل لمنع مثل هذا اليقين الكاذب، فقد يتمسك به صاحبه رغم الأدلة، ولا فرق بين القطع والكشف في هذا الصدد.
وإذا ثبت بالبرهان للعارف أن كشفه خطأ، يتخلى عنه ويعترف بخطئه، لكنه قبل ذلك يغرق فيه ويعيش فيه كأنه واقع.
من هذا يتضح الفرق الجوهري بين كشف المعصوم وغير المعصوم، فالاول لا مجال فيه للخطأ أو التوهم، أما الثاني فيخضع للشك والاحتمال مع عدم جواز التكذيب عند صدق العارف وعدله.
أما إذا ثبت كذب أو تزييف أو تقصير، فإن مجال الإنكار يكون متاحًا، إذ يتضح حينها التزوير والخداع.
ويبقى فقط الكشف والبيانات الغيبية لحضرات الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، والتي لا مجال لها في أي من هذه الأمور.
والأقوال السابقة وأحكامها المتنوعة ضرورية جدًا للسالكين في طريق التصوف، نظرًا لأن كبار العرفاء وأصحاب هذه المقامات والمراتب، كلٌ منهم في نقله واكتشافاته قد ادعى حصول مثل هذه المقامات والمكاشفات. ورغم أن كثيرًا من هذه الاكتشافات جديرة بالاحترام وتحمل قيمة نظرية وعملية للسالكين، فإن في أقوالهم أيضًا ما هو باطل لا يمكن تبريره أو تأويله في هذا المسلك.
وفي هذا المقال، حفاظًا على حرمة السابقين وإفادة الأجيال اللاحقة، تجنبنا ذكر أسماء الأشخاص، إذ لم نرِ أن ذلك يقتضيها أدب العرفان، إذ إن ذكر الكليات العامة يبين حكم الصغريات والأفراد وأمثلتها لأهل البصيرة، ولا يُعد معرفة أمثلة الاكتشافات أو العرفاء ضروريًا للآخرين أو ملزمًا، فاقتصرنا على ذكر الأقوال العامة وتجنبنا الخوض في التفاصيل أو ذكر أسماء الأفراد.
“سؤالان مهمان”
بعد بيان هذه الأمور وكيفيتها، يبرز سؤالان أساسيان مهمان من كل الكلام السابق، وكلٌ منهما قد يشغل بال السالكين في طريق السلوك. وهنا يُطرح السؤالان باختصار، وسيُناقش كل منهما بتفصيل.
الكشف غير المعصوم واحتمال الخطأ
أولًا، يطرح السؤال: مع هذا التباين الكبير في كثير من كشوفات غير المعصومين، بحيث يمكن احتمال الخطأ في كثير منها، بل إن الخطأ محقق في بعضها، فكيف يمكن الوثوق بهذه الكشوف والاكتشافات والمكاشفات غير المعصوم؟
بعد استبعاد الكذب والافتراء أو التزوير، فإن مجرد احتمال الخطأ أو القطع بوقوعه في كثير منها لا يترك مجالًا للاعتماد على أي منها.
السؤال الثاني: ما هو المقياس والمنهج الذي يميز بين المكاشفات والخيالات والأوهام في العرفان؟ وبأي قانون وضابط يمكن فحص هذين النوعين من الاكتشافات والبنى النفسية ضمن إطار العرفان وتمييز كل منهما عن الآخر؟
وللخلاص من هذا الارتباك، ما هو الأساس والمبنى الذي يضعه العرفان أمام العارف أو أي سائر أو ناظر ليحفظ اكتشافاته من هذه المعوقات والزوغ، ويحصنها بشكل شامل؟
هذان السؤالان مهمان جدًا ويعقدان مسيرة العرفان والمكاشفات، وسنجيب عليهما بإيجاز، ونزيح كل وهم محيط بهما، محددين حدودهما بعيدًا عن أي تعصب أو تحيز.
مقياس مكاشفات العارف
في جواب السؤال الأول، يُقال: المقامات والمكاشفات والاكتشافات الشكلية أو المعنوية أو غيرها، لها مقياس عام ومحدد ومنفصل، يختلف تمامًا عن مصاديق الباطل، إذ إن لكل المكاشفات العرفانية حقيقة مثبتة ومطابقة للمصاديق الخارجية والاكتشافات الواقعية المحددة، والوصول إلى جميعها ممكن وقابل للتحقق في سياق إزالة الموانع، وهذا الاعتبار لا يعين العارف فقط على تجاوز العقبات، بل هو حقيقة عقلية محسوسة تبهجه دومًا، وقد بينا ذلك برهانًا وعمليًا في الفصول السابقة.
حقيقة الكشف
لا فرق بين اكتشاف العارف والكشف المعصوم عليه السلام، والاختلاف الوحيد، كما بينا سابقًا، هو أن مكاشفات العرفاء غير المعصومين قد تحتمل في نظر الناظر الخارجي احتمال الخطأ أو وقوع الزلل، وهذا لا يربط حقيقة الكشف والاكتشاف الشخصي من منظور العرفان الكلي، والتشكيك في بعض هذه الحالات لا يؤثر على صحة الكليات.
عدم الوجوب نفسه دليل قاطع، إذ إن الشمول الكلي لشيء لا يتأثر بمصاديق انحرافية أو وهمية تنفصل عنه تخصصيًا، ولا يتزعزع شمولها.
المصاديق الجزئية والخارجية حين تتوافق مع الكليات الطبيعية تدعمها، وإلا فهي ليست من أفراد تلك الطبيعة ولا تتشارك نوعيتها.
ومع أن بطلان فرد واحد يمنع الكلي الطبيعي من الشمول عليه، فإن بطلان فرد موهوم لا يؤدي إلى انهيار أو تقيد طبيعي، وإنما يعني فقط أن هذا الفرد ليس مناطًا للسرایت، فلا يطال البطلان الشمول الطبيعي أو الكلي.
لذلك، خطأ العارف في الكشف لا يمس حقيقة الكشف، بل يعود الخطأ إلى طريق الوصول والعقبات التي تواجه العارف المكاشف، كما أن الفهم الخاطئ للواقع لا يضر بالواقع ذاته.
هذا الوهم في العرفان ومكاشفاته يشبه ذلك الشهير في المنطق بالنسبة للقياس والبرهان وأخطاء علماء المنطق، كما سنوضح بإيجاز.
“المنطق” هو المقياس والطريقة الصحيحة للمعرفة، ولا يترك مجالًا للشك أو الخطأ، ويقدم طريقة مؤكدة ومعتمدة للكشف للجميع.
القواعد العامة والأشكال الكلية، خاصة الشكل الأول، منظمة بطريقة تضمن دفع كل الأوهام.
عند رسم المنطق والطريقة العامة للمعرفة، يحدد المنطقي حدود المنطق بدقة متناهية ليبعد أي غموض أو احتمال للخطأ.
يقول المنطقي: البرهان هو العلم، والعلم هو الذي يساوي اليقين الكامل، ولا يسمّي أي تصديق علمًا إلا إذا استلزم استحالة نقيضه، وهذا وحده هو العلم.
المنطقي يختار من جميع أنواع المعرفة البرهان والقياس فقط، وخاصة في شكله الأول، ويصيغ أصوله بصرامة حتى يكون مصونًا من الخطأ والانحراف.
عندما يعرض المنطقي شروط وأحكام الشكل الصوري للقياس، ويتحقق من صحتها بدقة، لا يترك مجالًا للسؤال، وعندما يشرح خصائص مواد البرهان والقياس، يفصلها بطريقة تزيل احتمال الانحراف من أي ذهن مشوش.
يقول مقدمات البرهان يجب أن تكون يقينية، كلية، ذاتية وضرورية، وينظم ذلك بحيث لا يخطئ رامٍ ماهر سهمه ولا يقع خطأ ضمن دائرة الحماية هذه.
التشابه بين كشف غير المعصوم وبيانات المنطق
رغم أن المنطقي يمتلك طريقة مؤكدة في المعرفة ويسعى جاهدًا لتوضيح هذه الطريقة التي يعتبرها منار هداية، فإن علماء المنطق الكبار مثل أرسطو وابن سينا والخواجه ارتكبوا أخطاء وانزلاقات كثيرة، حتى تشوش بعض أفكارهم.
المنطق يستبعد الخطأ ضمن نطاق معرفته، لكن كثيرًا ما يقع المنطقي في زلل وخطأ.
في الرد على هذا الوهم، لا ينبغي خلط أخطاء المنطقي العلمية مع منهجية وأصول المنطق.
خطأ المنطقي أو علماء المنطق لا ينفي صحة منهج المعرفة وكمال المنطق.
الطريقة المنطقية مهما كانت لا تنتقل إلى المنطق ذاته، والمنطق يحفظ نفسه من أي انحراف أو خطأ، وإن لم تُستبعد إمكانية وقوع الخطأ لدى المنطقي، وهذا لا يعد نقصًا في المنطق، وإنما هو نتيجة عدم تطبيق مبادئ المنطق الصحيحة في تطبيق القواعد الكلية والتطابق مع المصاديق، وهذان الأمران منفصلان تمامًا.
التمييز بين المكاشفات والعواطف والأوهام
السؤال الثاني المتعلق بمقياس التمييز بين المكاشفات الحقيقية والخيالات والأوهام في العرفان، يتطلب توضيحًا منهجيًا دقيقًا.
أولًا، يجب التفريق بين ما يُسمى بالمكاشفات القلبية والوجدانية التي تصدر عن تأثيرات نفسية أو عواطف شخصية، وبين ما هو اكتشاف معرفي روحي حقيقي يحمل في طياته حقائق موضوعية تتوافق مع حقائق خارجية ثابتة.
العرفان الحقيقي يضع أسسًا واضحة لتقييم هذه التجارب، بحيث تعتمد على:
- الثبات والاستمرارية: فالمكاشفات الحقيقية لا تكون عابرة أو متقلبة، بل تثبت مع الزمن وتزداد وضوحًا وتأثيرًا.
- التوافق مع النصوص الشرعية والأحكام العقلية: فلا تتعارض مع ما هو مثبت بالدين والعقل، بل تنسجم معه.
- الآثار الإيجابية العملية: فهي تؤدي إلى تحسين السلوك الروحي والأخلاقي، ولا تفضي إلى الاضطراب أو التشتت.
- الاختبار العقلي والبرهاني: بحيث يمكن اختبار مدى واقعية هذه المكاشفات من خلال منطق عقلي دقيق وملاحظة أثرها الواقعي في النفس والواقع.
من هنا، يرفض العرفان الاعتراف بأي مكاشفة تفتقد هذه المعايير، ويعتبرها أوهامًا أو خيالات يجب التنبه لها وعدم التعلق بها.
الخاتمة
تتضح من خلال هذه المناقشة أن المسلك العرفاني، رغم غناه بالمكاشفات الروحية، يبقى منهجيًا وعقلانيًا في الوقت ذاته. وهو لا يعترف بأي اكتشاف إلا بعد تمحيص دقيق ومراعاة المعايير الصارمة التي تحمي السالك من الزلل والضلال.
ولذا، فإن فهم وتطبيق هذه المبادئ يضمن للسالك الوقوف على حقيقته الروحية دون الوقوع في فخوص الوهم والأخطاء، محافظًا بذلك على حرمة المسيرة الروحية وصدقها.
حاجة الإنسان إلى الوحي والعصمة
إذا كان المنطق منطقيًا، ملتزمًا بكامِل أصوله وقواعده، فإنه يضمن تمامًا حفظ الفكر البشري من الخطأ والزلل، وإلا فإن نقصان الالتزام بالموازين المنطقية يزيد من الانحراف والزوايا البعيدة عن الحقيقة، حتى يبعد الفكر البشري عن الهدف الرئيسي أميالًا، وهذا بحد ذاته طريق خطر وضيّق يدعو كل إنسان متفكر إلى الحذر والصبر، ومع كل هذا الحرص لا يخلو الأمر من الزلل في النهاية، وهذا بدوره يشير إلى حاجة الإنسان إلى الوحي والعصمة، ويوجهه نحو الصدق والواقع المطلق، ويكسبه تعلق القلب به.
وبناءً عليه، مع أنه من المسلّم به أن زيادة الدقة والالتزام المنطقي يقلل من الزلل، إلا أن الزلل في التطبيق على منهج المعرفة السليم والأساس الكلي للنظام الفكري الكامل أي المنطق، لا علاقة له به، ولذلك تُجاب الشبهة التي وجهت للنقد المنطقي، وكذلك الشبهة التي وجهت للعارف في التصوف. فكما لا يمكن تحميل المنطق زلات وأخطاء الفرد، لا يمكن كذلك تحميل التصوف زلات وأخطاء العارف.
إن مقام الكشف وعالم المشاهدات وإمكانية الوصول إلى الغيب وحقائق الوجود، أمر واضح جلي، يتحقق بزوال الموانع، وهذا لا يتنافى مع وجود بعض الأخطاء والزلات لدى العارف غير المعصوم. وعلى هذا الأساس، بقدر ما تزول الموانع، يظهر وجه الحقائق والحقائق لدى العارف المشاهد أكثر وضوحًا، وبقدر النقص والتقصير في ذلك تزداد الأخطاء والابتعاد، ولا يمكن تحديد صحة أو خطأ كل ذلك إلا بالكشف التام المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم، “القرآن الكريم” وأهل البيت المعصومين عليهم السلام و”السنة” التي تقوم على الوحي والإلهام والعصمة.
أساس الكشف، الذي يتوافق مع كشف المعصوم عليه السلام، له قاعدة متينة وصلبة، وزلات بعض العارفين لا تضر هذا الأصل، بل تجعل العارف أكثر حرصًا.
الزلل الذي يصيب العارف يعود إلى شخصه، ويدعوه إلى الاحتياط الكامل، وعدم تطابق كل كشفه مع الكشف الكلي يدفعه إلى اليقظة والحذر، ولا تجعله يغني عن الوحي والعصمة والاهتداء بالمعصومين عليهم السلام.
المنطقي والعارف، رغم الحرص والالتزام المتزايد في النظر واتخاذ الرأي والسعي لإزالة الموانع للوصول إلى الحقائق، يجب أن يخضعوا لرب الفيض الإلهي والوصولين الكاملين وأهل العصمة، وينسقوا جميع ما وجدوه من أفكار مع معيار الوحي والعصمة، ولا يظنوا أنفسهم في لحظة من اللحظات غير محتاجين إلى ذلك، وهذا هو المعيار الحقيقي للمنطقي والعارف الحقيقي، ولا يضر مقام الكشف والفكر الكلي، ويجب تمييز الأمرين عن بعضهما، وإعمال معيار مستقل لكل منهما.
توهمان جزئيان
في هذا المقام، تظهر مسألتان جزئيتان وتوضيحيتان، كل واحدة منهما ذات أهمية خاصة، نعرضهما لتوضيح أكبر.
التوهم الأول: إذا كان من المقرر أن يطابق المنطقي والعارف فكرتهم وكشفهم مع الوحي والعصمة، فلا يمكن الاعتداد باستقلالية كلاهما، وهذا هو منهج الكلام الذي يعتمد فقط على الظواهر الشرعية ولا يعترف باستقلال الفكر أو المنطق أو الكشف والعرفان.
التوهم الثاني: إذا تعارضت معطيات العارف والفكر الحكيم مع الظواهر الشرعية، فلا مجال للكشف والبرهان، فالشرع مقدم دائمًا، مع أن الكشف والبرهان هما دليلان مستقلان، ولا يقوى الظواهر الشرعية على مواجهتهما، فإما أن تُردّ الظواهر الشرعية أو تُؤوّل.
رد التوهم الأول
نقول: إن عدم استقلالية الأصل في الكشف والفكر لدى العارف والمنطقي توهم لا أساس له، ولا يشابه المنهج الكلامي، بل ينبع التوهم من نقص الدقة وعدم رفع الموانع، وإلا فإن استقلال وكمال الكشف والفكر عند العارف والمنطقي أمر مسلم.
وكذلك فإن المتكلم بسبب احتمال الخطأ في الكشف والفكر، يرى العقل والمنطق أو الكشف والعرفان ناقصين أو بلا أساس، ويعتمد فقط على النقل ولا يبذل جهد العقل والتفكير، وهذا العلم من علوم النقل، أما المنطقي والمكاشف فلا ينكران أصل البرهان والكشف بسبب احتمال النقص، بل يدعوان إلى الالتزام والاحتياط ورفع الموانع، ولا يؤثر هذا في كليتهما ونفس المنطق والكشف، وإن كانا في النهاية بحاجة إلى العصمة والوحي، لأن الإنسان العادي غير معصوم، ويجب أن يحتمي دائمًا بعصمة وولاية.
ينبغي للمنطقي أو العارف غير المعصوم أن يتبع طريق الاحتياط الكامل والالتزام بجميع الموازين، ولا ينحرف عن القواعد المنطقية، ويزيل جميع موانع الكشف حتى يبلغ الحقيقة الكاملة. لذلك، للمنطق والكشف استقلال وكمال، وليس لهما علاقة بالمنهج الكلامي، وهذا الفكر بعيد تمامًا عن الفكر الكلامي الذي يقوم فقط على توافق ظاهر الشرع مع ألفاظه، وإن كان مصحوبًا بالجهل وخالٍ من الأساس العقلي.
المنطق أساس متين والكشف قاعدة صلبة، والكلام طريقة نقلية. ودقة واحتياط العارف والمنطقي في الكشف والاستدلال لا يجعل منهجهما مشابهًا للمتكلم، وهذا يُبرز أهمية وتفوق المنطق والعرفان كنوعين من الثقافة القيمية على علم الكلام وغيرها من طرق المعرفة، ويمهد الطريق للكمال لكل الباحثين في الطرق الحصورية والحصولية والحكمية والعرفانية بشكل أوضح وأنقى.
لذا فإن وجوب الاحتياط الكامل والالتزام التام بالموازين من المنطقي والعارف المكاشف دليل واضح على كمال المنطق والكشف، ويدعو العارف والمنطقي إلى استقلالية وصولهما عبر هذين المنهجين المعرفيين.
رد التوهم الثاني
أما التوهم الثاني، فنقول: لا تعارض ولا تضاد بين هذين الطريقين، وإذا بدا ذلك ظاهرًا، فيجب تحليل ذلك الخلل الممكن وإزالته، فلا يحتاج إلى تأويل أو طرد أو الإحالة على الشرع أو العقل والكشف، لأن الشريعة هي ذاتها الغيب والكشف والعقل الكامل، وإذا عجزنا عن الوصول إليها، فالقصور منّا وليست من حرم العقل والشرع والكشف.
فإذا ظهر تعارض بين قول منطقي أو كشف عارف مع الظواهر الشرعية، فلا بد من التحقيق وإزالة كافة الموانع والخلل.
وقد يكون العيب في الظواهر الشرعية ذاتها، لذا يجب التأمل أولًا في صحة النقل وسنده وانتمائه إلى الشرع، وإذا لم يوجد خلل، بعد ذلك يجب سؤال دلالتها، وبعد رفع كل التوهمات، يمكن استنتاج أن المنطقي أو العارف قد قصّر في الاحتياط، ويجب عليه بذل أقصى جهد لتصحيح نفسه وتجنب الخطأ، وإلا فلا تعارض حقيقي، وهذا التوهم لا أساس له.
وبالتالي، مع حتمية انتساب الظواهر الشرعية ووضوح دلالتها، والاحتياط لدى المنطقي والعارف، لا توجد إمكانية للتعارض، وتبقى استقلالية العقل والكشف وكمال لسان الوحي والغيب، وهذه الثلاثة وحدة لا تتجزأ.
ينبغي للمنطقي والعارف أن يتحرّيا الدقة في أفكارهم ونتائجهم، ولا يقبلوا بأي نقل أو دلالة بسهولة، ويكونوا أكثر حرصًا في نسبها إلى الشرع المقدس، ولا يتسرّعوا ولا يفتقروا إلى الصبر، ولا يجيزوا لأنفسهم التصديق السريع، بل يتحملوا مشقة النظر الشامل، لأن كل التعارضات والتوهمات والزلل تنشأ من عدم الالتزام بهذه الأمور.
وعلى العارف المكاشف، مع الالتزام بجميع القواعد والموازين والاحتياط في كل الأحوال والمقامات، أن لا يعتبر نفسه غير محتاج إلى الوحي والعصمة والهداية والإرشاد من حضرات المعصومين عليهم السلام، أي الأنبياء الكرام والأئمة المهديين عليهم السلام والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وأن يعتبرهم مفتحي جميع المجهولات والمشكلات في الحصيلتين الحصلية والحضورية، وهذا طريق مستدلّ وتجربة مجرّبة للوافدين إلى مقام الغيب والشهود.
خاتمة:
من خلال ما تقدم، يتضح الجواب على السؤال الثاني وهو: ما هو معيار وملاک معرفة مكاشفات الحق من الأوهام الكاذبة والزواري؟ الجواب هو: ما يتوافق معه برهان كامل ويتفق مع مبادئ الوحي والعصمة، فهو وحي من الغيب ورؤية من حضرة الوجود، وأي شيء غير ذلك فهو وهم باطل أو تزوير شيطاني، والذي يجب على الإنسان أن يلتجئ إلى الله منه ويجتنب الوقوع في هذه الطريق الضلال بشدة.
خلاصـــةُ البــحث والنتيــجة:
من خلال ما تقدّم ورفْعُ اللبس عن الشبهة الأولى والثانية، نصل إلى نتيجةٍ مفادها أنَّه صحيحٌ أنَّ البرهان والعرفان والتفكير والكشف هما طريقان عظيمان للإنسان في سيره نحو معرفة الحقائق والوصول إلى عوالم الغيب، حيث يمكن للإنسان أن يستفيد منهما إلى أقصى حد في فهم أسرار الوجود والتواصل مع الحقيقة الغيبية. ومع ذلك، فإن كلَّ من المنهج العقلي والمنهج الصوفي (المنطق والعرفان) يجدان نفسيهما مرتبطين بالوحي والعصمة، ولا بد للعارف والحكيم من ألا يغفلوا عن هذا المنهج الواضح الذي ثمرته الوصول إلى حقيقة واحدة. هذا الرؤية لا تلبي حاجات الإنسان في إدراك المجهولات فحسب، بل تحفظه من التشتت والاضطراب، وتثبته في طريقه نحو الوصول إلى الحقائق الوجودية.
حدود الفلسفة والعرفان:
بعد توضيح هذا التمهيد، أصبح من الضروري بيان حدود الفلسفة والعرفان حتى لا يكون هناك أي لبس للباحثين عن الحقيقة.
- حدود الحكمة والفلسفة الإلهية:
معيار صحة أو خطأ الافتراضات والمعتقدات الفلسفية والجدلية يعتمد على البرهان والقياس المنطقي، إضافة إلى حدود الحكمة العملية. لذلك، ترتكز الحكمة على قواعد ثابتة ومنهجية تنأى عن التخمين والخيال والتقليد أو القناعة الساذجة.
بهذا، يتضح بدقة ما يندرج تحت نطاق الفلسفة وما لا يندرج، وما هي القضايا التي تستحق النقاش الفلسفي، وما هي الأمور التي تخرج عن نطاق البرهان والقياس الحتمي، مثل بعض المعتقدات الكلامية وأفكار أهل الهيئة والمعتقدات الشعبية والعرفية والتقليدية، التي لا تندرج ضمن دائرة الفلسفة الحقة ولا تمتلك قيمة فلسفية.
- تداخل الأفكار غير الفلسفية:
وجود بعض الأفكار غير الفلسفية في النصوص الفلسفية هو دخيل ولا يؤثر سلبًا على الحكمة والفلسفة، لكنه يُنزل من شأن أصحاب هذه الأفكار، إذ أن الأقوال تعكس شخصية الفرد وعمقه الفكري.
إن المحافظة على نقاء الفلسفة من هذه المداخلات والتشويش ضروري للغاية، ولا بد للحكماء من الالتزام بذلك كي لا تتعرض الفلسفة لعزلة وضعف في الأوساط الفكرية.
حدود العرفان وهمّة العارف:
ينبغي أن يتركز همّ العارف على الرؤية والحضور والمشاهدة والكشف والحقائق العينية. وإذا لم يبلغ العارف هذا المستوى من الإدراك، فعليه أن يعتمد على المنطق العام والمنهج النظري والبرهان الفلسفي كأساس لعمله.
فالعارف إمّا أن يروي تجاربه في الرؤية والكشف، وهذا جوهر العرفان، أو أن يدعم مبادئه وأفكاره بحجج فلسفية قطعية. ولا يجوز له أن يقبل بأقل من هذا.
يجب على العارف أن يتمسّك بالمعرفة، لأن التمسك بهذين الثقافتين التحقيقيتين والعلميّتين هو مقام العارف، وعدم ذلك يساوي الخروج من دائرة التصوف.
إنّ التصوف الإسلامي له أساس أكثر متانةً واتساعاً بكثير من الفلسفة والفكر التجريبي. فالعارف يكتشف ما يدركه الفيلسوف، وعلى هذا الأساس يبلغ العديد من الحقائق التي تعجز الفلسفة عن الوصول إليها.
ما يدركه الفيلسوف، يبنيه العارف بنفسه، وفي هذا المقام يكون العارف متحرراً من كلّ فكرة أو رأي أو نظر.
مع أن الفلسفة والتصوف يشتركان في كثير من المواضيع ولهما مبادئ مشتركة، إلا أن الفلسفة لا تتجاوز أبداً المعرفة الصورية للحقائق وتحقيق المعاني النفسية، بينما العارف هو ذات الحضور والوجود وتحقيق الحقائق والمعاني تمثيلاً عينياً.
فالعارف هو التجسيد الخارجي والمثال البارز لإرادة الوجود، في حين أن الفيلسوف ينعقد فكره على المعرفة التحقيقية ويقتصر وجوده على السعي نحو التحقيق العلمي للكيانات.
ما له قيمة وأهمية في التصوف هو فقط الدلائل التي ترتكز على الشهود والوجدان الكامل الغيبي أو على الأقل على البراهين الفلسفية المحكمة، وأي شيء غير ذلك ولا يُعتد به معرفياً لا قيمة له ويكتفي بأن يكون موقفاً فلسفياً كما ذُكر سابقاً.
أما الآن، فسوف نُشير إلى موقع وشكل التصوف وكتبه، لكي تتشكل فكرة التجديد والتطوير في جميع الجوانب الضرورية.
رغم كلّ ما يملكه تصوفنا من جودة وكثرة ملحوظة، إلا أنه للأسف دخل في كثير من القضايا العقيمة والمتكررة والكلام الخالي من الأساس، والآراء المنحرفة والباطلة التي كل واحدة منها ضربت بضرر شديد مكانة وجسم التصوف على المستوى العام.
الكثير من مسائل ومبادئ التصوف تعتمد على مصادر منقولة مشوهة وعديمة الأساس، وأقوال ضعيفة لا سند لها صحيحة، مع تحيز وذاتية خاصة تتبع غالباً مبادئ ومعتقدات كلامية، وغالباً ما تكون منحرفة وباطلة، مما ألّقَ ظلاً سيئاً على صورة التصوف الإلهي.
لقد بذل كبار عارفينا جهوداً دقيقة وحساسة في مسائل المبادئ المعرفية، بحيث تقدموا في مسائل معرفة الوجود والمعارف الإلهية العالية كثيراً على الآخرين، وكانوا دائماً رواد المكتشفات العميقة في التصوف، وأثروا على الآخرين مهما كانوا في القضايا العقائدية، ونشأ منهم الكثير من مريدي هذا الطريق، ولكن مع الأسف، خلال تاريخ التصوف الإسلامي، كانوا يتأثرون بحوادث اجتماعية وسياسية وثقافية مؤسفة.
الضياع والانزواء وعدم الميل إلى مظاهر العالم المادي حرماهم من الطريق الواضح، والطريقة الحيّة المتحرّكة، حتى أنهم لم يجعلوا ثقافة التصوف التي يقودها العارف فاعلة في جميع الجوانب الإنسانية والاجتماعية، بل بالعكس جعلوا الزوايا الانفرادية كقفص مأوى للخلوة والاعتكاف الطويل.
ضرورة نقد ومراجعة كتب التصوف
كتب التصوف – سواء كانت دراسية أو غير دراسية، منثورة أو منظومة، فارسية أو عربية، بسيطة أو فنية وكلاسيكية – رغم كل ما فيها من دقة وحنكة، والتي قطعت مسافة طويلة في حضارة الفكر البشري، إلا أنه للأسف يوجد فيها العديد من المسائل الزائدة والمتكررة، والأفكار الباطلة والواهية في الهيئات والكلام، والعديد من المكاشفات الوهمية وأقوال متهافتة ليست متينة، والتي دخلت التصوف من أذهان سطحية وعامة بشكل متفرق وغير مدروس، وكل واحدة من هذه الفوضى تسبب الحيرة أو الفرار لأي مبتدئ أو مراقب خارجي، مما أدى إلى أحكام خاطئة وغير محقة.
من يدخل إلى التصوف أو يرجع إلى كتبه يجب أن يعلم أن أساس التصوف ركنان: “المعرفة البرهانية” و”الحضور العيني”، ويجب اجتناب كل المسائل الخارجية بعد اليقين والمعرفة الحتمية، والابتعاد عن الخلط مع الأفكار الغريبة، لأن التصوف العام وكتبنا التصوفية منغمس في هذا الأمر، وهذا أكبر عائق وأخطر عدو للمعارف الإلهية في هذا الزمن والأزمنة القادمة.
من الأفضل أن يكون التصوف الإسلامي مبنياً بالكامل على المعارف التحقيقية والحضورية والتصوفية والبرهانية، خالياً من كلّ شوائب وخالياً من كل كشف وهمي، ليستعيد أساسه السليم كمصدر للمعارف الرفيعة.
لتحقيق هذا الهدف المقدس، يجب بعد تحليل القضايا ودراسة الأدلة والبحث في استعادة المبادئ بشكل صحيح، أن يُعد نص كامل على أساس التوحيد الخالص، برؤية التصوف العالية نفسها، ليبعد السالكين في الطريق والناسكين الشاهدين عن كلّ انزواء اجتماعي وعداء، وليعود التصوف الإسلامي عارياً من كلّ شوائب وسوء تعليم إلى ساحة الزمن وصفحة قلب الإنسان.
ويجب أن يُعلم أن هذا أمر بالغ الأهمية وصعب للغاية، ولا يتحقق إلا بيد متمكنة وملتزمة ومخلصة.
نسأل الله أن يهيئ من المخلصين والواصلين من يرسم الطريق ويزيل كل ما يُسمى هوى وشهوة، ليهيئ السبيل للسالكين.
مكانة التصوف الشيعي
في الختام، من الأمور التي تستحق الإشارة والذكر الضروري، موقع الشيعة في التصوف.
رغم أن الشيعة شهدوا في زمنهم شخصيات لامعة في التصوف، وكان سوق التصوف في أوساط علماء الشيعة مزدهراً إلى حد كبير، وبرز كبار الأساتذة في التصوف، إلا أن التصوف الشيعي وكتبه الدراسية يتبعون صورة وشكل تصوف أهل السنة، ويرتكزون على المصادر الضعيفة والمزوّرة نفسها.
رغم أن هناك كلاماً سامياً ومبادئ جديدة واكتشافات حية واضحة وكتب كثيرة في هذا المجال من علماء شيعة وعرّافين حقّقوا طريق الوحي والولاية، إلا أن الكتب الدراسية الأساسية في التصوف بين الشيعة بقيت على حالها غير مرتبة.
حتى أن العارفين الشيعة كان لديهم دائماً حرية التصرف في التصوف، ولم يقيدوا أنفسهم إلا بالعصمة والولاية، لكن لا يزال تصوف الشيعة اصطلاحياً لم يبلغ بعد مكانة حتمية في ثقافة الإمامة والخلافة.
الثقافة الشيعية الغنية والمنهج الكامل الصحيح للولاية والخلافة محصور في انتظار قيام المنتظرين ومحبي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وهم دائماً أصحاب الثقافة الشيعية الغنية والأفكار السامية والاكتشافات الربوبية القوية، التي ورثوها من أسلافهم من المعصومين عليهم السلام.
ومن المؤسف أن هؤلاء الناس بهذا المحتوى الواضح، كما يُقال، “يأكلون خبزهم على مائدة الآخرين” ولا يبذلون الجهد لتقويم هذا الوضع.
رغم أن هذا العيب لا يخص التصوف الشيعي فقط، بل يعاني منه مجالات علمية أخرى مثل الأدب والكلام، وهذا أمر يستحق التفكر والأسف، ويتطلب جهوداً كبيرة للتخلص منه.
ومن اللازم أن يكرس المحبون العارفون الذين اختبروا التصوف بعقلهم وشربوا كأس المحبة والخلوة، جهوداً كبيرة في هذا المجال، ويعدوا نصاً كاملاً متوافقاً مع الثقافة الشيعية والمصادر الصحيحة، والمبادئ الراسخة للعصمة والولاية، ليُوضع التصوف على طريقه الصحيح، ونأمل أن يأتي ذلك اليوم.
معيار الكشف الصحيح
بعد بيان هذه الأمور، لا يبقى موضوع للسؤال الثاني إلا معيار الكشف الحقيقي والتمييز بينه وبين الأوهام الباطلة.
فما يدركه العارف لا يكون كشفاً كاملاً وصحيحاً إلا إذا لم يكن متناقضاً، ولم يجرح البرهان والعصمة، ولم يتناقض معهما، وإلا فلا قيمة عرفانية لذلك الإدراك.
مع أن تمييز ذلك في كثير من الأحيان صعب، لكن يجب على العارف في كل مرحلة من مراحل السلوك أن لا يسمح أبداً بفكرة الاستقلال والاعتماد على نفسه بعيداً عن الوحي، وأن يستعين دائماً بجميع الأنبياء والأئمة الهدى عليهم السلام، ومثل الحق الأعلى، السيدة فاطمة عليها السلام، فهذا هو سر التعرف على كل المخاطر والوهم التي قد تطرأ في هذا الطريق.
وما يجب التنبيه إليه هنا أيضاً، أن العارف لا يجوز له أن يتصرف في كشفه على أنه مستقِل بذاته، بل عليه أن يربطه دوماً بالوحي والإمامة، فهما المنبع الحقيقي لكل معرفة صادقة، وهذا هو السبيل الذي يحفظ التصوف من الوقوع في أوهام الخيال والبدع.
كما أن التفريق بين الكشف الصحيح والكشف الزائف لا يتم إلا عبر مقاييس دقيقة مبنية على التوافق مع النصوص الشرعية والأصول العقلية، وعدم التناقض مع المبادئ الثابتة في الدين، فلا يكفي أن يكون الإدراك ذاتياً أو تجربة شخصية، بل يجب أن يرافقه برهان عقلي ونقله صحيحة.
هذا هو معيار الصدق في التجربة العرفانية، وبغيره، تصبح كل ظاهرة أو تجربة مجرد وهم وخيال لا قيمة لهما.
وقد أثبتت التجارب التاريخية، أن العارفين الحقيقيين هم الذين تواضعوا أمام سلطان الوحي والعصمة، وهم الذين اتخذوا من النصوص الشرعية والمرجعية العرفانية الموثوقة منهاجاً وأساساً لفهمهم.
أما من انفصل عن هذا المنهج، فقد ضلّ الطريق وسقط في متاهات الفكر الخرافي والبدع المبتدعة، التي ألحقت أضراراً بالغة بالتصوف الإسلامي.
إن حماية التصوف وحفظه من هذه الانحرافات يتطلب حرصاً شديداً على التنقية العلمية والدينية، ومراجعة دقيقة لكل ما يُقدم من كتب ومصادر، وعدم قبول أي نصوص أو أفكار إلا بعد تمحيص دقيق وفق المنهج العلمي الشرعي.
وفي الختام، يجب أن يكون التصوف الإسلامي دائماً منفتحاً على النقد البناء، مع المحافظة على جوهره الروحي والعرفاني النقي، ليبقى مسيرة هدى ونوراً يضيء طريق السالكين في كل زمان ومكان.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.