غناء النساء ومشروع نشر البهجة والفرح الديني والهندسة في إزالة الحساسيات المتعلقة بالنوع الاجتماعي وصورة الحضور الصحي للنساء في المهن الخاصة
غناء النساء
()
حضرة آية الله
مقدمة
خلق الله الإنسان بأفضل صورة وجعل له صوتًا جميلًا، فالصوت دليل على الحياة والحضور. ومن أجمل وألطف الأصوات هو صوت المرأة، إذ لا يوجد في أصوات المخلوقات الأخرى ذلك الحلاوة التي تتميز بها أصوات النساء. يمكن للمرأة أن ترفع صوتها دون أن يكون مبالغًا أو مبتذلًا، وأن تُظهره بطريقة سليمة، كما يمكنها أن تضفي عليه الغنج واللطف، وتجعله صوتًا جميلاً ومثيرًا، بشرط ألا يكون هذا الإثارة محرمة شرعًا، وأن تمنحه غناءً يبعث على البهجة والسرور.
فيما يخص غناء النساء، إذا كان خاليًا من الباطل والمحرمات، فلا مانع من ذلك، ويمكن للنساء أن يغنين كما الرجال، وفي الحالات التي يكون فيها الغناء والموسيقى جائزة، يكون صوتهن غنائيًا وموسيقيًا بغض النظر عن وجود غير المحارم أو لا. هذا الكتاب يثبت هذه الأحكام مستندًا إلى كتاب “فقه الغناء والموسيقى” المكوّن من سبعة أجزاء، ويُعدّ هذا الكتاب مختصرًا موضوعيًا له، مع تطوير إضافي في إطار مشروع هندسة العفاف في المجتمع.
ورغم وجود اختلاف بين العلماء في مسألة جواز قراءة المرأة للصلوات الجهرية بصوت مرتفع في حضور الرجال غير المحارم، فإن هذا الاختلاف ليس بسبب اختلاف في النصوص الدينية، بل يعود إلى عدم التمييز بين الأبعاد الفلسفية والاجتماعية المختلفة، إذ يجب التفريق بين هذه الجوانب لتجنب الوقوع في اللبس.
إذا كان موضوع الجهر والإخفات يُعطى لخبير في علم الصوت، لتمكن بسهولة من التفريق بينهما، مما يمنع حدوث الاختلافات التي نراها، كما أشار إليه صاحب حدائق رحمه الله، والذي قال إن هذا التفصيل يعود إلى التعقيدات التي وضعها بعض الفقهاء في هذا الموضوع.
من وجهة نظرنا، لا يوجد حرمة في سماع صوت المرأة، وبناءً على الأدلة الدينية، نقول: لا مانع من الجهر في الصلاة بحضور غير المحارم، بل يمكنها أيضًا الغناء، وإذا كان الغناء سليماً ومباحًا، فلا حرج فيه. هذا الحكم يتوافق مع قاعدة الأرجحية الشرعية، ما لم يُرد دليل قاطع على خلاف ذلك، وليس لدينا مثل هذا الدليل.
بعض الفقهاء يرون أن صوت المرأة يجب أن يُخفي، وهذا ليس من الشريعة، ولا وجه للقول بأن صوت المرأة وجب أن يُستر، إذ إن الله جعل هذا الصوت في أعلى موضع في الجسد ليظهر بوضوح.
في العصر الحالي، من يعتبر صوت المرأة صوتًا مخفيًا هو من ذوي الأفكار المتخلفة التي تود أن تحصر المرأة في خلف الجدران، مدعومة بسلطة الرجل المتغطرس. من خلال مراجعة الروايات وأقوال الفقهاء في هذا الكتاب، نثبت أن صوت المرأة ليس أمرًا مخفيًا، وأن القول بأن “صوت المرأة يجب أن يُستر” لا أساس له في الشرع، وأن الجهر بصوت المرأة إن كان صحيًا وسليمًا لا يحمل أي إشكال.
في الوقت الحاضر، الذين يضطرون للعيش في بيوت ضيقة أو شقق صغيرة ويطالبون المرأة وأفراد الأسرة بخفض أصواتهم، يجب عليهم أن يعتذروا من ذويهم، لأن سماع صوت المرأة من قبل غير المحارم لا يُعدُّ إشكالاً شرعياً، فصوت المرأة ليس شيئًا مخفيًا يستوجب الإخفاء. كما أن الجيرة تُشكّل مستوى من التعارف والألفة، ولو كان ذلك من دون غطاء كامل (أي من دون حجاب كامل).
أما الذين يُجبرون على العيش بهدوء وبصوت منخفض داخل المنازل، فمن المستحب أن يخرجوا مرة على الأقل أسبوعياً إلى مكان واسع أو صحراء، ليصرخوا ويطلقوا أصواتهم حتى يفرغوا كُبت المشاعر داخلياً. فالعيش في بيئة ضيقة أو شقة صغيرة يُقيد الذهن ويُقصّر العمر، كما أن الحيوان الذي يُحتجز في قفص يغير صوته ويصبح شرساً، وكذلك الإنسان إذا ما تهيأ له فضاء واسع، فإن صوته يصبح أكثر تحضراً وراحة.
وإن لم تتوفر مساحة واسعة، يُمكن الخروج ليلاً، خصوصاً في منتصف الليل، إلى الشارع أو الحديقة أو أي مكان مفتوح. فالأطفال الذين يبقون داخل الشقق بشكل مستمر لا يفقدون صوتهم الصافي فقط، بل تتعب أعينهم وأفكارهم وقلوبهم، مما يؤدي إلى انغلاق ذهني وعاطفي.
وليس المقصود بالبيت الواسع القصور المزخرفة، وإنما الأماكن المفتوحة والفضاءات الحرة. لهذا يجب على الإنسان ألا يقطع علاقته بالسماء، فالصلاة في الشقة أو مكان ضيق تختلف عن الصلاة في الهواء الطلق، إذ إن الصوت في الأول محبوس، أما في الثاني فهو حر ومفتوح.
الصلاة في الأماكن الضيقة لا يكون بها ترتيل واضح، ويخرج الصوت من الأنف أو الحلق بشكل مكتوم، لذا ينبغي للإنسان أن يبقى قدر الإمكان تحت السماء وفي الأماكن المفتوحة، حيث الهواء المفتوح يُريح الفكر واللباس والأفكار، ويمنح راحة نفسية.
أولئك الذين يبقون دائماً في المنزل يكون لديهم أفكار ضيقة، ويجعلون زوجاتهم وأطفالهم يعيشون تحت ضيق نفساني، أما عدم الثقة فهو نتيجة عدم وجود حرية وبيئة ضيقة. وإذا قيدت حركة الطفل منذ صغره، فسينشأ شخصية مغلقة ومستبدة.
الحمد لله
القسم الأول: هندسة ثقافة العفاف
الفصل الأول
المهندسة الثقافية للعفاف
الفصل الأول: التمايز الجنساني والحساسية تجاهه
الإنسان قبل أن يكون رجلاً أو امرأة، هو إنسان. يتحدد الإنسان في مرتبة التميز ضمن أحد الجنسين: ذكر أو أنثى. الحفاظ على هذا التحديد هو العفة. والعفة تعني الطهارة والامتناع عن الفساد والفحشاء. العفة أمر فطري يؤمن به كل إنسان سليم.
من أهم خصائص العفيف وجود “غيرَة” و”حياء”. الإنسان بلا غيرة ليس عفيفاً، بل بلا حياء. للعفة مركزان حساسان في الإنسان: أحدهما العقل والآخر القلب. العقل يحتاج إلى “تفكير” و”وعي”، والقلب يحتاج إلى “حب”. إذا أصاب هذين المركزين الإفراط أو التفريط، وأصبح التفكير جهلًا وعدم إدراك، وأصاب القلب جفاف أو إفراط أو دنس في الحب، فإن مرض “الحساسية الجنسية” يظهر. في مقابل هذا المرض، هناك حالة توازن وصحة، ونسميها “الحرية المتزنة والتقوى”. للحرية جذور راسخة في العقيدة والدين الإسلامي. لتحقيق الحرية المتزنة، يجب تنمية القدرات ورفع الرؤى وتقليل المحظورات، حتى يصل المجتمع إلى مستوى يُمارس فيه كل عمل على أساس العلم والإرادة. لكي يبلغ المجتمع هذه النضج، يجب تقليل المحظورات غير المشروعة والاستبدادية، ومنحه الحرية الطبيعية. وقد تحدثنا عن الحرية وحدودها في المجلد الثاني من كتاب “الحقوق الوليدة”، والذي يُنصح بقراءته لإكمال هذا النقاش. كما سنُعطي تلميحات من ذلك في الفصل الأخير من هذا الكتاب.
الأساس الذي ترتبط به صحة الحياة دائماً هو مراعاة العفة والطهارة الفردية والجماعية. كل ما يعزز هذا الأمر هو في طريق صحة الحياة، وكل ما يخل بالعفة والطهارة يجعل الحياة مريضة. في هذا المبدأ، لا فرق بين الرجل والمرأة. حيثما تتأذى عفة شخص ما، تنهار حياته وتفقد صحتها. ومن أخطر الأمراض التي تنتشر اليوم في المجتمع، مرض “الحساسية الجنسية” وضيق الأفق. الحساسية الجنسية مرض نفسي ينشأ نتيجة التربية السيئة. هذا المرض لا يرى الرجل والمرأة كإنسانين، بل يراهما دائماً كذكر أو أنثى، وينزل الإنسان إلى مرتبة الجنس، مصاحباً ذلك بضيق الأفق والتنفس في أجواء ضيقة وملوثة. ينظر لهذا الجنس لا للإنسانية، وعند ذكر كلمة رجل أو امرأة، يثور فيه رد فعل دفاعي أو هجومي. يشبه هذا الشخص الذي يملك حديدًا في جسده وعند ملامسته لقطعة قماش تنبعث منه الكهرباء الساكنة.
التخلف الذكوري وانعزال المرأة، وعدم مراعاة حدود الحياء، والإفراط في اللباس الذي لا يرغب فيه الدين، وإخفاء مواضع يجب أن تكون ظاهرة شرعاً، كلها عوامل تثير الحساسية في المجتمع. المجتمع الحساس يشبه من لديه حساسية تجاه الطماطم، فعند أكلها يحمر وجهه ورأسه كأنه مصاب بالحصبة. هذا المريض في تفاعلاته الاجتماعية يكون إما مفرطاً أو متجاهلاً؛ مثلاً في الحديث مع امرأة يحترم العلاقات الاجتماعية السليمة، لا ينظر إليها أبداً، بل يحدق في الزهور أو لون السماء، أو يكون مفرطاً وينظر حتى لرموشها بنظرة حادة ومعتدية. الغنج والغمز الذي تقوم به المرأة في حديثها مع غير المحارم مثال آخر على هذا المرض.
عدم الرضا عن الجنس الذاتي قد يؤدي أيضاً إلى الحساسية الجنسية. هذا يحدث لدى نساء ورجال يسيطر عليهم صفات الجنس الآخر، امرأة لها صفات رجولية أو رجل له صفات نسائية. كذلك، حين يصبح موضوع نقاش مشاركة النساء في الحكومة أو البرلمان مسألة جنسهن، وهو نظر سياسي إلى الجنس، تُنسى إنسانيتهن. في حين أن الحضور الاجتماعي الصحيح للنساء هو الذي يمنحهن حقوقهن المفقودة، وليس مجرد وجود عدد من النساء في البرلمان أو الحكومة، وهو علاج للأعراض وليس للأسباب.
على أي حال، رغم وحدة الإنسان في إنسانيته بين المرأة والرجل، تظهر في جنس كل منهما خصائص جوهرية يجب الانتباه إليها بعقلانية وتوازن. الرقة والجمال والصفات الخلقية الخاصة بالمرأة تجعل موقعها متميزاً إلى حد أنها تفوقت على الرجل في هذه المجالات. هذه الخصائص تشمل الأحاسيس النفسية، والسمات النفسية، والطبيعة الأنثوية، وقد تبنت الشريعة الإسلامية هذا الواقع لمنع أي تحريف أو تقصير في فهم طبيعة المرأة، وضعت فقه الإسلام الأحكام والقوانين المناسبة لتوجيه هذه الطبيعة.
ظاهرة المرأة والرجل
الاختلاف بين المرأة والرجل في الجنس شديد لدرجة أنه يمكن القول إن الخلق لم يترك نقطة مشتركة بينهما. هذا الاختلاف يشمل القدرات الذهنية والجسدية وجميع العناصر المكونة. بالنظر الفلسفي الدقيق إلى خلق المرأة والرجل، لا نجد تكراراً بل كل صفاتهما تتمايز. في الخلق، كل ظاهرة فريدة وخاصة. نحن لا نؤمن بالمساواة بين المرأة والرجل كما يروج الغربيون، لأن مساواة المرأة بالرجل وتجاهل الاختلافات الجوهرية والبنيوية بينهما، وكذلك الاعتقاد بالمساواة المطلقة بينهما في كل مجالات الحياة، ظلم مضاعف لكليهما، إذ ينقل كل منهما بعيداً عن موقعه الخاص، والعقلانية والحقيقة تبتعدان عن هذا المنظور.
على الرغم من أن الله خلق الإنسان أولاً رجلاً، وجعل آدم أول من خُلق، ثم خلق المرأة له ليُظهر جماله ويُكمل الرجل ويُحقق الكمال الجمعي، وليستفيد من أسماء وصفات الله كلها، (وهذا ما يفسر القول بأن المرأة خُلقت من الرجل، أي أن للمرأة القدرة على إكمال الرجل)، إلا أنه في الحياة المشتركة بين الرجل والمرأة، لا يمكن القول إن الأصل هو المرأة أو الرجل أو الولد، بل الأصل هو الاتحاد الروحي الحقيقي بينهم، وهو “الأسرة”.
هناك مشتركات بين هذين الكائنين الإنسانيين (المرأة والرجل) تظهر في إنسانيتهما، لكنها سطحية وتختلف نوعياً. مثلاً، تركيب خلق المرأة والرجل يعتمد أحدهما على الآخر، لكن طبيعة هذه العلاقة تختلف. كأن الرجل طفل في يد المرأة يحتاج لرعايتها، والمرأة تشعر بحاجتها العاطفي للرجل وتعتبر نفسها ضعيفة وغير مكتملة من دونه. هذه العلاقة ثنائية، خُلِق كل منهما للآخر، وليس أن المرأة خُلقت فقط للرجل. المرأة ليست خادمة أو جارية للرجل، بقدر ما هي تعتمد عليه كما يعتمد عليها، وكما يسعى الرجال إلى تحقيق نجاحهم بالنساء، تسعى النساء إلى نجاحها مع الرجل. إضافة إلى النجاح، تعتبر المرأة الرجل سندها وتعتمد عليه أكثر.
كما خلق الله المرأة للرجل، خلق الرجل للمرأة. يقول القرآن الكريم بعبارة جميلة وعلمية:
(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)
وأعطى النساء القدرة على التحمل والصبر الذي يفوق الرجل، فبإمكانهن تربية أبنائهن في غياب الزوج، أما الرجل فلا يستطيع تربية الطفل حتى لفترة قصيرة بدون زوجته. قدرة النساء على التكيف أكبر من الرجال. الرجل والمرأة يكملان بعضهما.
المرأة أجمل خلق الله، يمكن أن تمتلك أجمل صوت. بالرغم من جمالها وصفاتها الحسنة، يمكن أن تحتوي على الشر. هي تزين عالم الإنسان، تخلق الجمال والشر معاً، هي أفضل رفيقة للرجل وأيضاً سبب انحرافه، تمثل أدواراً شيطانية وأدواراً إيجابية.
من يتوقع من المرأة صحة عالية وكمال مطلق، سيجد ذلك قليلاً وغير واقعي، وهذا القليل جعل المرأة كالكنز النفيس. أمل المرأة هو بيت الزوج فقط، ومع ذلك، تقطع قلبها بسهولة وترتبط بآخرين. في هذه الأمور، هي بارعة ومهرة جداً، تقدم نفسها للزوج دون أن يلاحظ ما يدور في قلبها.
المرأة حساسة جداً ورقيقة القلب، هذه الرقة أحياناً تقودها إلى قسوة القلب. رغم حاجتها الشديدة للرجل، تلبي حاجته. غالباً ما تخدع المرأة الرجل، فهي تملك القدرة على خداع أي رجل، إلا القليل. المدهش أنها نفسها أكثر الناس خداعاً. جنس المرأة سريع القناعة وقابل للخداع، لا استثناء في ذلك، فقط تختلف الظروف. تملك المرأة قدرة خداع الرجل وترى في نفسها هذه المهارة، ولا استثناء لذلك إلا إذا كان الرجل لا يعرف صفات النساء، عندها سيُهزم من أول لقاء.
المرأة رقيقة وماهرة، والرجل قاسي ومستبد. كما يوجد في المرأة جهل وسذاجة، في الرجل اتزان. المرأة مرغوبة والرجل طالبها. المرأة مستهلكة، والرجل منتج. الرجل يعتز بالشيخوخة، والمرأة تخافها وتعتني بمظهرها. المرأة تحب الرقص والبهجة، والمرأة بدون الرجل لا تدوم ولا تحيا حياة صحية. العجب أن المرأة بجانب زوجها تظهر غيرتها وتخفي حاجتها له بفخر. غيرتها شديدة لدرجة لم تسمح الطبيعة لها بالقيادة الاجتماعية، والشريعة تقبل ذلك. في المدى القصير يُظهر الرجل ما في داخله، ولا يخفيه، لكن المرأة تخفي رغبتها وتكشفها مع الزمن.
المرأة مصدر شعور وعاطفة وتضحية، لكنها في الوصال مع الرجل وفي الصراع معه، قد تتصرف بلا رحمة مع الأطفال. الرجل العاقل في الصراع يستميل قلبها، والجاهل يصدق كلماتها في الوصال. لا يُعتمد على كلام النساء، حتى أفضلهن، لأنهن يكثرن من الحديث البعيد عن الحقيقة.
تفكير المرأة مركزه الجمال، وجهها عقلها، وقيمتها في جمالها. جمال المرأة أعظم ثروة لها وأفضل نعمة للرجل، لكنه مصدر مشاكل خطيرة. إذ تُهين المرأة، يهين الرجل نفسه لأنها جذابة وتخدع، لكنها أحياناً تخدع نفسها. الرجل بدون هذا الجمال لا يكمل، لكنه إذا استعبد له، لا يُعتبر رجلاً ولا يُعتمد عليه. الهروب منه ضعف عقل ونقص ذوق. لذا يجب امتلاكها دون استعبادها.
رغم كل قواها وخداعها، المرأة مظلومة، تعرضت للظلم والاستغلال والهجمات المدمرة. والرجل أيضاً لم ينم مطمئناً، لكنه لا يستطيع العيش بدون المرأة ولا يستعبدها. كثير من الرجال وقعوا في خداع المرأة مراراً ومع ذلك بقوا أسرى لها، لكنهم لا يؤمنون بها.
المبدأ المهم في الحياة أن تكون المرأة أولاً في البيت ثم في المجتمع، والرجل أولاً في المجتمع ثم في البيت. كل صحة الرجل والمرأة في الالتزام بهذا المبدأ.
النساء والصبر والوقار في مقابل الرجال
تمتاز النساء بصبرٍ وتحملٍ أكبر مقارنةً بالرجال، وإن كانت أقل استفادةً من ذلك. في المقابل، يتمتع الرجال بقدر أقل من الصبر والوقار، ويستغلون النساء أكثر. وهذه السذاجة وضعف الشخصية هي الدافع نحو الفساد. المرأة التي لا تستطيع أن تسيطر على زوجها، لا محالة تقع تحت سيطرة رجل آخر. والمرأة التي تقع تحت سيطرة رجل تصبح مقيدةً بذلك الرجل ولا تعرف غيره. كلما ازداد تواصل الرجل مع المرأة، أصبح أكثر مللاً وقسوةً في القلب، بينما تحيا المرأة في تماسها مع الرجل لكنها تكتسب ملامح الشيخوخة. كلما بقيت المرأة تحت يد الرجل، سرعان ما تنكسر، بينما يزداد الرجل حيويةً كلما كان تحت يد المرأة. قصر عمر المرأة يجلب الفشل للرجل، وعوامل إطالة العمر – خصوصاً الفواصل مثل فترات الحيض – تعتبر نعمةً لكليهما. مع ذلك، فإن المرأة تتفرد بخصائصها وتظل دائماً محبوبةً ومميزةً بالنسبة للرجال.
النساء الجميلات والكمال الروحي
النساء الجميلات يمتلكن كمالاً طبيعياً أو أخلاقياً، لكن في الكمال الروحي غالباً ما يكن غير موثوقات، وهذا من حكمة الله وعدالته. نادراً ما توجد امرأة تجمع كل مقومات الجمال، وغالباً ما تعاني النساء الجميلات من نقائص في جمالهن. بعض أشكال الجمال تدل على فراغ داخلي وعدم نقاء باطني. كثير من الجميلات متكبرات ولا يقبلن وجود أجمل منهن. بعض النساء لا يمكن تحملهن حتى للحظة مع آلاف الأطنان من العسل والسكر، وبعضهن يساوين آلاف الأطنان من السم. النساء اللاتي يعشن حياة مرفهة غالباً ما يكنّ سكرى وواهنة، بينما النساء الفقيرات غالباً ما يكنّ مكتئبات ومكتنزات، ويجب توقع ذلك في إطار ظروفهن.
دور الإدارة الحكومية في تأمين العفة العامة
الإسلام يولي اهتماماً بالغاً للعفة في العلاقات الاجتماعية، سواء في مسائل المحرمات، الحرام، الحجاب، أو المشاهدة. الحفاظ على العفة في المجتمع يحتاج إلى بنى اجتماعية وأساسية متينة. الفقر والحرمان وقلة الثقافة من العوامل التي تُضعف العفة وتقلل الإنتاجية والعمل. العمل والإنتاج مرتبطان بالأخلاق الاجتماعية. إذا كان الذكاء في بلد ما يعني الخداع، ينتشر التكاسل وينخفض الإنتاج. أما في بلد يتحلى بالالتزام والانضباط والواجبية، يرتفع الإنتاج. لذلك، لا علاقة لقيمة العمل والإنتاج في بعض الدول الغربية بنمط اللباس أو السلوك الجنسي. في الوقت ذاته، في الغرب اليوم حيث يتم إهمال القيم الروحية تدريجياً، يُحترم أحياناً العفة للرجال.
حساسيات المجتمع تجاه العفة بين الجنسين
تختلف المجتمعات في حساسياتها تجاه عفة الرجال أو النساء. بعض المجتمعات تعتبر الرجل كالأمانة، والبعض الآخر يعتبر الفتاة كذلك، بينما لا تكترث للرجل. الإسلام لا يتوافق مع أي من هذين الموقفين، والقرآن الكريم لا يميز بين الجنسين من حيث الجنس، بل معيار التفوق هو التقوى وحفظ القيم الإنسانية والدينية.
الفقر وأثره على العفة
الفقر المادي والنقص النفسي يحفزان الشهوات، مما يجعل التزام الحشمة في المجتمع ضرورة قصوى. كثرة الرغبات وعدم توفر الوسائل المشروعة للإشباع تؤدي إلى تفاقم الأمراض النفسية والانحلال الأخلاقي والاستياء من الحياة. إذا لم تكن بنيات الزواج سليمة وعالجت أمراضه النفسية، فإن الزواج يزيد الأزمة في المجتمع.
تفاوت الشعور الجنسي في المجتمع وتأثيره
في حال لم يُشبع الأفراد نفسياً وجنسياً، وفي حال عدم رضاهم عن الواقع، تصبح العطش الجنسي قوياً إلى حد أنهم يشربون أي ماء عكر بشراهة، أي لا يراعون أي معيار. إذا كان المجتمع غير صحي، تصبح الحلال أحياناً محرماً بسبب فساداته المصاحبة. هذه حالة المجتمعات المتخلفة التي لا يمكنها مناقشة القضايا العلمية والمعرفية مع أفرادها.
امتيازات إيران وسياساتها الاجتماعية
إيران بلد ذو فصول أربعة، مليء بالحيوية والنشاط، وشعبه جميل المظهر، لكن المجتمع لا يعرف كيفية الاستفادة من هذه المزايا بشكل صحيح، والعنف في هذا المجال يؤدي إلى الجحود بالدين. يجب تقديم الدين بصورة سليمة ومتنوعة لتوفير بيئة ملائمة للمرأة والرجل مع البنية التحتية اللازمة.
ينبغي توفير مساكن حكومية صغيرة للشباب، بحيث يعيشون فيها حتى ولادة أول طفل، ثم تنتقل الأسر إلى شقق أكبر تدريجياً، وهذا يقلل من تكلفة الزواج. المشكلة ليست فقط في السكن، بل في ارتفاع تكلفة الحياة التي تجعل الزواج مكلفاً جداً. على مجلس الشورى الإسلامي التصدي لهذه الأزمة ووضع قوانين لتخفيض تكلفة الزواج وزيادة كلفة الفساد والفحشاء عبر الغرامات.
تعدد الزوجات وقوانين العدل
كل شخص له مزاج مختلف في الزواج، فمنهم من يكتفي بزوجة واحدة ومنهم من يحتاج إلى أكثر. لذلك يجب عدم التشدد ضد تعدد الزوجات، بل يجب أن يضمن القانون العدل بين الزوجات. من غير الصحيح فرض قوانين صارمة قبل توفير بنية الزواج المتنوعة.
العمل للشباب وحفظ العفة
يجب توفير فرص عمل للشباب. هناك فجوة كبيرة بين سن البلوغ والعمل والزواج، حيث يضطر الشباب للانتظار سنوات طويلة بدون حلول مناسبة. يجب أن يُسمح لهم بالتعليم والعمل والزواج دون عوائق. الزواج ليس واجباً بل اختياري، ويجب ألا يُفرض تحت أي ظرف.
دور الدولة والإدارة في مواجهة الفساد
لا يمكن إيقاف الطغيان والفساد بدون سياسات حكيمة من الإدارات. على الدولة وضع برامج تساند الشباب المتدين وتحمي عفتهم.
أهمية العدالة الاجتماعية
لا يمكن فرض الحدود في مجتمع يعاني من الفقر والظلم. إذا كانت الثروة مركزة في أيدي قلة، فإن الفساد في الطبقة الغنية يُغطى بالمال والسلطة، فيما يُسمع صوت الفقراء فقط. على مسؤولي الدين تحمل مسؤوليتهم، والحدود الشرعية يجب أن تُنفذ بما يتناسب مع المصالح الحالية.
الاحتياج للعفة والفطرة
العفة حاجة فطرية معترف بها في مجتمعنا، حيث يُحترم الحجاب رغم بعض التشوهات في التطبيق. يجب تصحيح التربية المتأثرة سلباً عبر توعية الجميع من القيادات حتى العائلات.
ثقافة الإسلام في إزالة الحساسية تجاه الجنس
يريد الإسلام حفظ الحرية والعفة العامة. التشدد في بعض الأحكام مثل وضع النقاب بشكل مفرط قد يزيد من الإثارة الجنسية ويضر العفة. في المجتمعات المريضة يجب معالجة المرض بالثقافة الإيمانية والمحبة، وليس بزيادة الحجاب فقط.
ختاماً
في مجتمع يضم عشرين مليون شاب عازب، إذا لم يتم الترويج لثقافة الزواج والعمل، سينحرف المجتمع وتفقد السيطرة على الفساد. على المسؤولين استلهام حياة الأئمة المعصومين الذين كانوا بسيطين وطاهرين، فذلك الأسلوب يصلح للمجتمع.
إذا لم تُفهم أحكام الدين بشكل صحيح، ينتشر النفاق والرياء، ويذهب الشباب والمجتمع إلى الانحرافات مثل مشاهدة الأفلام المحرمة، والشات مع الجنس الآخر، والاستمناء، ما يؤدي إلى ارتفاع نسب الطلاق وتغلغل الثقافة الغربية الرديئة.
العفاف ضرورة لا يحتاج إلى إثبات، والمجتمع يقدره بطبيعته، ويجب أن تُحسن السياسات لتدعيمه وتقويته تدريجياً.
في الوقت الحاضر، هناك عشرون مليون شاب يعانون من شهوة متراكمة يجب تفريغها وتحليلها خلال ستة أشهر. ومع ذلك، شبابنا كرام ومؤمنون. إنهم شباب طاهرون، يقضون الليل والنهار في الدعاء والتضرع كي يتغلبوا على شهواتهم. بعضهم يتمنى أن يظهر شخص ما من التلفاز أو الأقمار الصناعية أو الإنترنت ليحل مشكلتهم، ولكنهم يعلمون أن ذلك لن يجلب لهم الراحة.
لهؤلاء الشباب، يجب أن يكون هناك إدارة دينية صحيحة لمعالجة هذه المشكلة، وليس بيد الشباب المحتشمين والكريمين، بل في يد المسؤولين عن الدين والمجتمع، ويجب مطالبتهم بالوعي والإدارة السليمة للموارد والثقافة.
في الوقت الحاضر، يوجد عشرون مليون شاب يعانون من شهوة مكبوتة يجب أن تُفرغ وتُمحى خلال ستة أشهر. بالطبع، شبابنا أشراف ومؤمنون، فهم شباب طاهرون يقضون لياليهم ونهاراتهم في طلب الدعاء والتضرع كي يتمكنوا من التغلب على شهواتهم. بعضهم يتمنى أن يخرج من التلفاز أو الأقمار الصناعية أو الإنترنت من يساعدهم في حل مشكلتهم، لكنهم يعلمون أن هذا لن يجلب لهم الراحة.
لهؤلاء الشباب، يجب أن تكون هناك إدارة دينية سليمة لحل هذه المشكلة، فالمسؤولية ليست على عاتق الشباب المحتشمين والكريمين وحدهم، بل تقع على عاتق أولي الأمر في الدين والمجتمع، ويجب أن نطالبهم بالوعي والإدارة الصحيحة للموارد والثقافة.
وكذلك، إذا لم تُربَّ المرأة بطريقة سليمة، فإنها لا تستطيع أن تتحدث مع الأجانب، ولا حتى تدافع عن نفسها إذا حاول أحد الاعتداء عليها، بل تبقى مظلومة بلا رد فعل. مثل هذه المجتمعات والنساء ليست متحضرة وغير قادرات على إدارة أنفسهن أو الآخرين. أما إذا كانت تربية المرأة سليمة وحياتها صحيحة، فإنها تستطيع أن تقوم بأعمالها وأعمال المجتمع بقوة وكفاءة.
يمكن للمرأة أن تسير في المجتمع بغطاء مناسب دون أي مشكلة، وأن تعمل في وظيفة، بل وتفوز بميداليات في ميادين الرياضة، وهذا لا يتحقق إلا بتفكير حر من قبل المسؤولين الدينيين وأفراد المجتمع.
المنع غير المبرر والإثارة:
قلنا إن التحرر والتقوى لهما مقام رفيع في العقيدة والدين الإسلامي. لتحقيق التحرر، يجب تنمية المواهب ورفع الوعي وتقليل المحرمات حتى تصل المجتمع إلى أن يفعل كل شيء بناءً على العلم والإرادة. وللوصول إلى هذه النضج، يجب تقليل المحرمات.
على سبيل المثال، إذا جلس إنسان عاقل إلى جانب طفل على مائدة تضم كل أنواع الطعام، من لبن وحموضة ولحم أحمر وأبيض وفيلية السمك، فإن الإنسان العاقل يختار طعامه بحرية بناءً على معرفته، فيأكل ما هو نافع ويتجنب الضار، لأنه عاقل وواعي وله إرادة، ولن يشرب الماء مع الشاي أو اللبن مع الحموضة. أما الطفل، فلا يعمل بوعي، فهو يخلط اللبن بالحموضة ويرميهما على الأرز ثم يأكلها مع الماء.
في مجتمعنا يجب رفع الوعي ووضع كل المباح على المائدة، مع تقييد المحرمات بالمحرمات الشرعية الحقيقية. ولكن إذا كان الوعي منخفضاً، فلا مناص من زيادة المحرمات، كما هو حال الطفل الذي يجب منعه حتى يحل مكان جهله وعيٌّ ينمو به، ليختار طعامه بإرادة وفكر.
في زمن الطاغوت كانوا يقولون إن الراديو حرام، وبعد الثورة قالوا إن الفيديو حرام، والآن يرون القمر الصناعي حراماً (وهذا الحكم صحيح إذا كانت هذه الوسائل تروج للصوت الباطل)، ولكن برفع الوعي تنخفض المحرمات.
نعم، في المجتمعات الأمية والمتخلفة والجاهلة والمنعدمة الإيمان والتقوى، يجب زيادة المحرمات ولا بد من ذلك، كما هو الحال مع الطفل الأمي، ولكن في المجتمعات الراقية التي يرتفع فيها الوعي، فإن إزالة القيود تؤدي إلى تقليل العقد والقلق والاضطراب وزيادة السكينة النفسية.
مع ارتفاع الوعي، يستخدم الإنسان العاقل الإرادي فقط ما هو نافع له. الدين والشريعة أيضاً يرفعان الوعي ويقللان المحرمات، كما في الفتوى التي تقول بوجوب تغطية المرأة لعورتها أمام المحارم، ويفضل أن تغطي من السرة إلى الركبة. هذا يبين اتساع الفكر الديني، فالدين يريد أن يربي المحارم بنظرة عين وقلب مفتوح، لكن في الواقع، حين يعود الرجل إلى البيت لا يرى سوى القماش الخشن والجلد، لأن زوجته تغطي جسدها كله، وفي الخارج يرى نساءً كثيرات بملابس أقل من زوجته في البيت، وهذا يجعل الرجل لا يتعلق بزوجته كثيراً.
لا يجب على الإنسان أن يغطي نفسه أمام المحارم بطريقة تؤدي إلى أن تمل المرأة من أنوثتها ويأس الرجل من رجولته. الله تعالى يسمح للمرأة أمام أولادها أن تظهر قدميها عريانتين حتى تنفتح أعينهم وآذانهم، فلا يضلوا إذا شاهدوا أصغر مشهد في الخارج. ولكن المجتمع لا يقبل أن تعيش الأم أو الأخت أمام المحرم بهذه الطريقة، فكيف بالعمّة والخالة؟
يريد الدين عملياً رفع مستوى وعي أتباعه وتقليل المحرمات، ولكن رجال الدين أنفسهم يشددون على أنفسهم ويعيقون تقدمهم.
المحرمات والقيود المفرطة غير المحدودة تؤدي إلى الفساد والتدمير بدلاً من الأمن والحماية، لأن النفس أمارة بالسوء، والإنسان يحرص على ما يُمنع عنه، وهذا الحرص يضاعف الرغبة ويؤدي إلى التخفي، مما يدفع الطرف الآخر إلى التجسس.
في تربية الأطفال يجب مراعاة هذا المبدأ حتى لا يصبح الطفل حساساً. يجب الاعتراف بأن مجتمعنا أصبح حساساً تجاه المرأة، مثل أجهزة إنذار السيارات التي تشتغل عند أدنى صوت، فإذا ارتفعت صوت المرأة قليلاً أو تحركت بأي حركة، يزداد حساسية الناس، وهي حساسية مرضية نتيجة سوء التربية، وهذه الحساسية لم تظهر في حياة أي من الأنبياء، فقد تعامل موسى وإبراهيم ويوسف مع النساء بشكل طبيعي، كما سيُذكر لاحقاً.
رؤية المرأة، التحدث معها، العمل معها في بيئات العمل والإدارة، وضحكها، كلها أمور لا حرج فيها. ما هو مرفوض هو المرض، وعدم التقوى، والفوضى، واللامبالاة والانحراف.
ولعلاج هذه الانحرافات، يجب إزالة الحساسية تجاه المرأة وتشبع الأفراد جنسياً ضمن إطار الشرع، وعندها يعود السلام إلى المجتمع.
في بعض الأحيان يوصي الرجل زوجته بعدم فتح الباب لأحد أو التحدث مع الأجانب في غيابه، لكن مثل هذه الحساسية تسبب مشاكل حتى في العلاقات الأسرية والمحارم.
لعلاج الأفراد والمجتمع يجب إزالة هذه الحساسية تجاه الجنس الآخر، دون الوقوع في الفوضى والانحراف والفساد. هذه الحساسية شديدة لدرجة أن السياسيين أنفسهم يعانون منها، وأحياناً يُتهمون بعدم الغيرة الدينية عندما يرفضون أموراً لا يمنعها الشرع.
كما أن الإصرار على التربية المنفتحة لا يعني أن المجتمع يجب أن يصبح معصومًا بحيث لا يرتكب أي رجل أو امرأة ذنبًا في علاقاتهما الاجتماعية. هناك دائمًا بعض الأشخاص المرضى الذين لديهم أفكار ملوثة، ولكن حدوث المعصية في مثل هذا المجتمع – إذا كان المجتمع في مجراه العام صحيًا ومنفتحًا – يكون قليلًا، ولا يجب حرمان المجتمع السليم من حرياته بسبب ذلك.
نقد سياسة الفصل بين الجنسين
إذا كان جوهر العفة والكفاف – من خلال توفير وسائل الرفاهية العامة ورفع القدرة الشرائية للناس وترسيخ ثقافة الكفاف والقناعة – موجودًا، فلا حاجة إلى التشدد وفصل النساء عن الرجال، وبدون ذلك، فإن أي فصل لا يحمل فائدة كبيرة. فصل النساء عن الرجال في الأماكن العامة تحت هذه الشروط ليس ضروريًا. مثال على ذلك فصل الرجال عن النساء في حافلات النقل العام. الحل الحقيقي في مثل هذه القضايا هو أن توسع الدولة الرفاهية العامة بحيث يجلس كل شخص في مقعده بحفظ كرامته ومكانته، ولا يقف أحد على قدم الآخر، ولا يزدحم الركاب ويحتفظ الجميع بالاحترام والكرامة، وهكذا تتشكل العفة العامة؛ وإلا قد يحدث أن تجذب امرأة رجلاً خلف ستار في مسجد في ليلة القدر. إذا وجدت العفة، يمكن للمرأة والرجل الجلوس جنبًا إلى جنب في سيارة أجرة، وللأمان يمكن وضع حاجز بينهما. أما إذا كان المجتمع مريضًا، واحتياجات الشباب الجنسية غير ملباة، وانخفض الزواج الشرعي في المجتمع، وتزايد الفقر وارتفعت معدلات البطالة، حتى وإن فصلت النساء عن الرجال في المسجد، فسوف يتقابلون بطرق أخرى.**
ما هو مهم في هذا النقاش هو احترام الحدود التي وضعها الشرع. التحديد الشرعي للحريم وما يجوز وما لا يجوز، مثل قوانين المرور، إذا تم احترامها تمنع الازدحام والحوادث، وتحفظ الاحترام والحرمة.
اليوم في الدول الحرة، حيث تم التخلي عن مفهوم المحرم وغير المحرم، أصبحت الكلاب أكثر قيمة من النساء أو الرجال، لأنها على الأقل تمتلك فروًا وتغطي نفسها، بينما النساء لا يغطين، ولهذا فقدت النساء بريقهن وصفائهن. أين تلك المبالغة وأين تلك التفريط التي عند الشرقيين، الذين يتحسسون حتى من أهدأ صوت للمرأة، مما يسبب لهم وللنساء مشاكل نفسية كثيرة؟ كلا النهجين، الشرقي والغربي، أضر بالصحة النفسية للمرأة والرجل والمجتمع.
اليوم في بعض المناطق الحرة، يتزوج الرجال مع بعضهم رسميًا، ويسعون لإضفاء الشرعية على الزواج المثلي. كل هذه الأضرار تنشأ من عدم احترام الحريم؛ لأن الرجال الذين لا يحترمون النساء ويتعدون عليهن بالنظر أو غيره، لا يجدون متعة في النساء، فتتجه ميولهم للزواج من نفس الجنس. وفي الشرق، بسبب القيود، أصبحت النساء موضوع شهوة مفرطة لدى البعض، بحيث بمجرد سماع حرف “ز” في كلمة “زنابور” (دبور)، يتذكرون المرأة. كلتا الطريقتين (التشدد والتساهل) هي غلو وتفريط، بعدم الاعتدال، وخروج عن التناغم مع طبيعة الإنسان. الإسلام يعارض كلا السلوكَين، ولا يقبل أيًا منهما، بل يقترح الحياء والعفة؛ دون الحاجة لفصل النساء على جانب والرجال على جانب آخر.**
على الرغم من أن المرأة والرجل مختلفان ويجب حفظ حدود وقيم بعضهما البعض، واللباس، والمفهوم الشرعي للمحرم وغير المحرم، والابتعاد عن المعصية في العلاقات الاجتماعية بين الجنسين حقيقة لا يمكن إنكارها، إلا أن هذه الحقيقة لا يجب أن تكون سببًا للحساسية المفرطة، حتى نلجأ لسياسة الفصل أو كما عند الغربيين تؤدي إلى التبلد، وكلاهما ضلالة.
بدلًا من فصل النساء عن الرجال وزيادة الحساسية في الحافلات أو حول الأضرحة المقدسة، يجب علينا تغيير أنفسنا ونظرة المجتمع بحيث لا نضطر دائمًا لفصل النساء عن الرجال، أو حتى فصل الأزواج عن بعضهم، أو الآباء عن بناتهم، ولا نحرم الناس من زيارة الأضرحة، التي لو تمت بالطواف حول ضريح الإمام الرضا (عليه السلام) لا تعادل آلاف الحج الأكبر. اليوم المجتمع محروم من هذا الفضل العظيم، وحتى زيارة الأئمة والأولياء تواجه هذه المشكلة، وإذا كان الأمر بيدنا، ربما نفصل النساء عن الرجال حتى داخل بيوت الله، بينما يمكن بتصميم مناسب للأماكن المقدسة إنجاز هذا الأمر دون فصل. يمكن إجراء الطواف الكامل حول الحرم في دائرة كاملة للاستفادة من هذا الفضل. الحساسية التي تظهر أحيانًا في الأضرحة ليست دينية، بل مزاجية وقبلية فرضت على النساء بسبب الظروف البيئية، ومن يشجعون ذلك يزيدون من حساسية الجنسين. بالطبع الحرم الشريف للمعصومين والأولياء يتطلب لباسًا مناسبًا يحفظ حرمة المكان.
في المجتمع لا يمكن تنفيذ سياسة فصل النساء عن الرجال عمليًا، وكل من يفكر بذلك مخطئ. يجب إصلاح المجتمع وجعله صحيًا، وإرشاد أفراده لتجنب النظر من وراء الحجاب وطلب ما ليس لهم. في هذا المجال يجب النظر للأسباب لا للأعراض، وبتطبيق صحيح لهذه العملية وتجنب المواقف والأفعال المثيرة يمكن إصلاح الوضع. إذا كان الرجال والنساء نشيطين في المجتمع ويعملون، لن تنشأ مشاكل بين الجنسين، وسينظر كل منهما إلى الآخر كإنسان لا كجنس، وهكذا يمكن الجمع بين الانفتاح والاحتشام.
رجولة الرجل
تحفظ عفة المرأة والرجل إذا كان الرجل رجلاً حقًا ويمارس الرجولة لزوجته، وكانت المرأة امرأة حقًا وتمارس الأنوثة لزوجها. الصفاء، الصداقة، الحب، الأخلاق، النظافة، المعرفة، القوة، الروحانية، ورجولة الرجل تجعل المرأة تحبه وتغفل عن الرجال الآخرين. الرجل الذي يغسل عرقه، يرتب ملابسه، يمشط شعره، يضع عطرًا، ويقف أمام زوجته كأنه عريس، يصبح فريدًا في عينيها، وتساعد هذه الحياة المستقرة على كبح رغباتها تجاه الآخرين، وتثبت المحبة والحنان بينهما، وتجعلهما مكتفين ببعضهما.
يجب أن يكون الرجال الحقيقيون هكذا ليشبعوا عيون زوجاتهم بحضورهم، ويجعلوهن معجبات بهم، ويكون وجود الزوج ملجأً وغطاءً لهن. يجب أن يكون الرجل جميلًا وقويًا وذكيًا وحلوًا، يقف أمام المرأة بحيث يجعلها لا تنظر إلى رجل آخر، ولا تراودها رغبة غيره. أما إذا كان الرجل قذرًا، سيئ الخلق، ضعيفًا، فكيف تتوق إليه المرأة؟ مثل هذا الرجل لا يستطيع بحقيقته ورجولته أن يحتفظ بالمرأة، بل يدفعها إلى الفساد، ويجب أن يكون مسؤولاً عن فسادها. هذه هي الرجولة والكمال التي تجعل المرأة تركز نظرها عليه فقط، ولا ترى شعاعًا من غيره، وتجعله حلمها الوحيد.
يجب أيضًا تربية المرأة بحيث تستطيع إسعاد زوجها في البيت بأقصى قدر ممكن. الفكرة الخاطئة أن خلق المرأة فقط للتكاثر والإنجاب. يقول القرآن الكريم:
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)[4]
وهذا يعني أن النساء كالأرض الزراعية، أي أساس وحاضنة الحياة…
المرأةُ ودورها الأساسي في المجتمع والأسرة
تُعتبرُ المرأةُ أساسَ الأسرةِ وركيزةَ المجتمعِ، فهي الحَرْثُ الذي يزرعه الزوجُ ليستمد منه النماء والاستقرار. الأرضُ كانت دومًا رأسَ مالٍ مهمٍّ في الزراعةِ، وكذلك المرأةُ لها أهميةٌ بالغةٌ في بناءِ الأسرةِ وصيانةِ استقرارها.
قال تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)، وهذه الآيةُ تدلُّ على ارتباطِ أمنِ المرأةِ بالرجلِ، إذ إنّ المرأةَ بلا زوجٍ تفقدُ الأمانَ والحمايةَ. فقد بيّن تعبيرُ لَكُمْ (للرجل) التخصيصَ، مما يعني أنَّ المرأةَ التي لا تنالُ هذا التخصيصَ تكونُ معرضةً للمضايقاتِ والاعتداءاتِ. فالمرأةُ الحرةُ بلا زواجٍ تُصبح بلا اتجاهٍ أو شخصيةٍ مستقلةٍ.
أهمية وجود المرأة في البيت
البيتُ الذي لا تسكنه امرأةٌ يُعد خرابًا لأنه فاقدٌ لرأس المالِ وسبب الكمال. كمالُ الرجل مرتبطٌ بحياتهِ، وحياةُ الرجل لا تقوم إلا بوجودِ المرأةِ. فالمرأةُ هي الحياةُ ذاتُها، والولدُ هو ثمرةُ الحياةِ وليس الحياةُ بحد ذاتها. كما تعتمدُ المرأةُ على الرجل كدعامةٍ ومؤازرٍ. وإذا اعتدى الرجلُ على المرأةِ وخرب سُمعتَهُ، يكون قد دمّر دعائمه ومكانته.
المشاكل الصحية والنفسية للمرأة في العصر الحديث
في العصرِ الحديثِ، تعاني العديدُ من النساء من أمراضٍ نفسيةٍ وجسديةٍ خاصة في الجهازِ التناسلي، ويرجع ذلك إلى ضعفِ الأعصاب بسبب عدم تمكينِ المرأةِ من أداء دورها الطبيعي داخل البيت، وعدم إبراز أنوثتها. بل تُعامل في كثير من الأحيان كعاملة في المجتمعِ وربّة منزلٍ محرومةٍ من الراحةِ والترف.
هذه الحالةُ تسبب العديدَ من الآلام مثل آلامِ الظهرِ والساقين، إضافةً إلى مشاكل نفسية متزايدة.
دور المرأة في الجهاد الأسري والاجتماعي
تقع مسؤوليةُ حفظِ صحةِ الحياةِ على عاتق النساء، فهنَّ يمتلكن مقاومةً أعلى من الرجال تجاه الأمراض والصعوبات، ويتحمّلن ولادة الأطفال. صحة المرأة تؤثر مباشرةً على صحة الرجل وحياة الأسرة بشكلٍ عام.
حضورُ المرأة في جميع مناحي الحياة ضروريٌّ، ويُعد نجاحُ الحياة الاجتماعية مرتبطًا بجهاد المرأة في بيتها مع زوجها. على المرأة أن تكون جميلةً ومُزينةً لزوجها، تستخدم مهاراتها في جذب الزوج وإسعاده، وليس أن تكون زاهدةً أو متصوفةً.
أهمية تسهيل الزواج وتثقيف النساء
يجب على المجتمع تسهيل الزواج وتثقيف النساء حول كيفية تقوية العلاقة الزوجية. هذا ما يسميه الإسلام جهاد المرأة.
كما ينبغي تنظيم حضور المرأة في الأماكن العامة بشكل يضمن حفظ العفة، حتى لا يتعرض المجتمع للفساد. إذا صعّب المجتمع الزواجَ، يزداد الفساد، واللوم يقع على من يعسر الزواج لا على الشاب المشتاق.
قال تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)، وهذا يدل على الترابط والتكامل بين الرجل والمرأة، حيث لا يمكن الاستغناء عن أحدهما.
التعليم والتمكين النسائي
يجب تعليم النساء المسائل الأسرية والاجتماعية من قِبَل نساء متمرسات، لأنهن أقدر على التواصل مع النساء الأخريات.
كما يمكن تعليم المرأة طرق التمتع الشرعي مع زوجها وكيفية الدفاع عن نفسها ضد الاعتداءات.
المرأة القوية تدافع عن نفسها ولا تخاف من الطلاق إذا كان ذلك يحفظ كرامتها. المرأة أثبتت قدرتها في الثورة الإسلامية على المشاركة في الدفاع عن النفس، وهذا لا يتعارض مع كونها رقيقة كزهرة الريحان.
مهارات الدفاع الذاتي للمرأة
من المهم تعليم المرأة مهارات الدفاع الذاتي لتكون قادرة على حماية نفسها من المعتدين، مما يرفع من مكانتها ويؤمن لها السلامة.
أقسام العفاف
العفاف قسمان:
- العفاف الشكلي: يرتبط باللباس المحتشم الذي لا يلفت الأنظار ولا يثير الفتنة.
- العفاف المحتوى: حفظ النفس من الفساد والانحراف.
إذا خرق الإنسان لباس العفاف الشكلي، يكون قد فقد جزءًا من حرمته، وإذا لم يكن لديه عفاف داخلي، فهو معرض للفساد.
النظرة إلى النساء في بعض البيئات التي لا تلتزم بالعفاف الكامل قد تكون مقبولة ضمن حدود معينة، ولكن يجب الحذر من الطمع والنية السيئة.
الإسلام يفرض على المرأة الالتزام بالعِدة للحفاظ على حرمتها، وإذا لم تحترم المرأة نفسها، لا يُطلب منها ذلك.
العشق العفيف
العشق هو الحفاظ على العلاقة مع المحبوب والاستمتاع به، وليس مجرد الشوق فقط.
العشق له درجات: عشق للظاهر، للباطن، وللحقيقة، وكلها أشكال مقبولة ومشرّفة.
العفيف هو الذي يبتعد عن العصيان والانحراف، ويحب بما يحفظ نفسه ونقاءه.
الحب للظاهر مشروع وجميل إذا لم يفسده المعصية، ويجب الاعتدال في كل شيء، حتى في الحب.
الوجود والظواهر المرتبطة به كلها في الحب الطبيعي، ولا يمكن لأحد أن يخرج من هذا الميدان. فالحب مصاحب للألم، والوجع، والفراق، والوصال، والاحتراق، والتسامح. ومسيرة العفاف تقوم على نشر الحب العفيف وتعليم مهارات المحبة للأفراد في المجتمع.
الحرمة النسبية وأنواعها
مع أنّ الرجل والمرأة غير المحارم لبعضهما البعض، إلا أنه لا يعني أنّهما محرمان من كل الجوانب بشكل مطلق، وبالتالي لا يُعتبران محرّمين مطلقين من بين عدد كبير من الأفراد. لأنّ الحياة في هذه الحالة ستكون صعبة، وسيشعر الإنسان بالضيق والاختناق الاجتماعي. بل إنّ مفهوم الحرمة في الإسلام ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
أولًا: الحرمة بين الزوجين: وهذه الدرجة الأعلى من الحرمة، حيث لا يوجد أي لزوم للتستر بين الزوجين، فيجوز لهما أن ينظر كل منهما إلى كامل جسد الآخر ويلمسه.
ثانيًا: الحرمة النسبية وبعض المحارم بسبب الصلة بالزوج: وتتمثل في المحارم من الدرجة الأولى كالوالدين، والأخوة، والأعمام، والعمات، والخالات، والأخوال، وبعض المحارم بسبب الصلة كحمات الزوجة. وفي هذا النوع من الحرمة، يحرم النظر إلى الأعضاء الخاصة فقط، أمّا بقية الجسد فلا مانع من النظر إليه. وإنّ رؤية المرأة لأفراد عائلتها من غير الأعضاء الخاصة لا بأس به، مع أنّه في بعض المجتمعات غير الصحية يُعتبر هذا أمرًا محرّمًا بسبب تلوثات بيئية وثقافية، وقد يتحول المؤمنون إلى أن يكونوا أشدّ من الله حرصًا في هذا الشأن. فقد قبّل النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) بين صدري السيدة فاطمة (عليها السلام) وأدخل لسانه في فمها، ولكن الآخرين الذين لا يتمتعون بهذه الصحّة لا ينبغي أن يفعلوا ذلك. بل إنّ بعض العائلات تحث الفتاة على ارتداء الحجاب عند سماع صوت والدها داخل البيت، أو تُلزمها بارتداء الغطاء حتى في البيت دون وجود محرم. وفي بعض الحالات تشكّ الأخوات في نظرات الإخوة إليهن، فيلتزمن بالستر، وهذه العادة نشأت لأسباب ثانوية. ومن المهمّ التنويه إلى أن الحرمة لا تعني ضرورة العري الكامل في غير الأعضاء الخاصة، فهناك تفاوت في درجات ذلك بحسب صحّة الأفراد وفسادهم والبيئة المحيطة.
ثالثًا: الحرمة الاجتماعية: وهي أقلّ شمولاً من النوعين السابقين، مثل جواز نظر الرجل إلى وجه المرأة ويدَيها حتى الرسغ، وينظم الشرع هذه الحدود. النساء محرمات على النساء والرجال محرمون على الرجال في غير الأعضاء الخاصة. وإنّ هذه الأحكام تستند إلى الأصل، ولكن إذا كان هناك خطر الانزلاق إلى المعصية، فتظل الحرمة قائمة.
ويجدر السؤال: هل استثناء الوجه واليدين حتى الرسغ هو تخصيص أم تخصص؟ بمعنى هل كان يجب سترهما لكن العذر اضطر إلى الإظهار، أو هل الشرع لم يرد سترهما أصلًا؟ نحن نعتقد أنّها حالة تخصص، لأنّ هذا الجواز متأصل في طبيعة الرجل والمرأة، وبيان الشرع يعكس صوت العقل والفطرة وليس تأسيس حكم. للأسف، لم تُناقش هذه المسألة بعمق في الفقه، ولم يتابعها العلماء الكبار بالشكل اللازم.
التربية الجنسية للأطفال
لقد ذكرنا أنّ الحرمة نسبية، وتنقسم إلى ثلاث أنواع. يجوز للزوجين النظر إلى جميع أعضاء بعضهما دون قيد، وللمحارم رؤية كل الجسد عدا الأعضاء الخاصة، وفي الحرمة الاجتماعية، يجوز النظر إلى الوجه واليدين حتى الرسغ. كما لا حرج في النظر إلى حجم الجسم أو السمنة أو النحافة أو هيئة كل فرد.
إنّ الاستمتاع واللذة يمكن أن تكون طاهرة أو محرّمة، فإذا استمتع الإنسان بجمال أخته وقال «تبارك الله أحسن الخالقين» وأثنى على جمالها فلا حرج في ذلك، أما إذا تمنى ذلك واستدرجته الأفكار المنحرفة فهو لذة محرّمة.
يأمر الشرع المرأة بستر الأعضاء الخاصة أمام المحارم (باستثناء الزوج)، ويفضل أن يغطي من السرة إلى الركبة. هذا يعكس سعة نظر الدين الذي يريد تربية الإنسان بعين وقلب راضيين، لكن في الواقع يُرى أنّ الرجل عندما يعود إلى بيته لا يرى من زوجته إلا الملابس الكثيفة، في حين يرى نساء كثيرات في الخارج أقلّ تغطية، فهنا لا يستطيع الرجل أن يحب زوجته كثيرًا.
ليس من الضروري أن يلبس الإنسان أمام محارمه بحيث يشعر الرجل أو المرأة بالضجر من هويتهما، فقد أذن الله للمرأة بأن تكون أقدامها عارية أمام أطفالها ليكونوا واعين ولا ينحرفوا برؤية أشياء بسيطة في الخارج. لكننا للأسف لا نرى هذه الحرية في بيئة الأسرة، حيث تغلب على الحياة المنزلية ثقافة التشدد.
حتى النظر إلى المحارم مثل الأم أو الأخت يكون ممنوعًا إذا ظهر احتمال للفساد، وعليه يجب سترهن. لكنّ تربية المجتمع ورفع مستوى الوعي لا تقع على عاتق الأم فقط، بل على العلماء، والفلاسفة، والأنظمة، والمراجع الدينية الذين ينبغي أن يغرسوا هذه الثقافة. وإن عجزوا عن ذلك، يزيدون في المنع، والمستوى الواعي يتجاوز مجرد التعليم، بل هو تدريب عملي، يكون للعلماء النظريين والأمهات الدور الأكبر فيه.
دور النظرات في الطفولة في الوقاية من المعاصي
المجتمع الحالي يفرض ستائر كثيرة بين المحارم، فتُولد لدى الطفل حالة من الحرمان البصري، وعندما يخرج إلى المجتمع يفقد توازنه. لو كان الطفل قد اعتاد رؤية أيدي وأرجل والدته وأخته منذ الطفولة، لما كانت رؤيتها في الكبر أمرًا غير طبيعي، وكان من الممكن أن يكون محميًا إلى حد ما من الاستمناء.
إحدى مشاكل الجامعات اليوم أنّ بعض الشباب يبتعدون عن الدين بسبب تجاربهم في الطفولة وقيودهم الصارمة. هؤلاء شباب عانوا في طفولتهم ولم يُسمح لهم حتى بترك شعرهم ينمو، في حين لا حاجة إلى ذلك في مجتمعاتنا الصحية، ليخرج الإنسان إلى الحياة متوازنًا غير محروم من حريته.
من الضروري إصلاح القلب وعدم السماح بترسيخ عقد ونقص وحرمان، فالاسلام يعلّم ضرورة تجاوز هذه المشكلات. للأسف، كثيرًا ما لا ينتبه مسؤولو النظام إلى حاجات الناس ونقائصهم، فيتحول أحيانًا المشاهد البسيطة في الإعلانات إلى سبب في الانحراف! وهذا ليس بسبب كونه إنسانًا أو دينًا، بل بسبب نقص في التربية وتلبية الاحتياجات.
إنّ الإنسان الجائع لن يكتفي بأكل الخبز العفن، ولا العطشان بشرب مياه ملوثة. الجوع الحقيقي هو جوع القلب والعين. إذا لم تُرفع الغيرة والفقدان عن المجتمع، لن ينفع أيّ نعم كثيرة تُعطى للفرد، لأنّ جوع النفس لا يشبع.
النجاح والتربية على الأبناء
النجاح، واللذة، والمعاشرة هي أساس الحياة الزوجية وتربية الأولاد، فإن كانت الحياة الزوجية ناجحة وقوية، سيكون الأطفال أقوياء وجميلين ومتوازنين. المجتمع الإسلامي يحتاج إلى التوازن بين الحزن والفرح، إذ إنّ الزيادة في أحدهما على حساب الآخر مضر.
مشروع البهجة الدينية
الإسلام لا يعارض النشاط والبهجة، بل يرى ذلك حاجة فطرية ويشجّع عليه ويجزِي ثوابًا على ذلك. ولكن بسبب غياب الدولة لأهل الحق وضغوط الأعداء، بقي الشيعة في غربتهم ومعاناتهم، فلم تتحقق مشاريع الفرح الديني كما ينبغي. أهل الباطل سعوا جاهدين لإقصاء أهل الحق وجعلهم في العزلة، ومن ثم نشر أفكارهم الفاسدة. في هذه الظروف، كانت وسائل البهجة والتسلية غالبًا محرمة، والمجتمع نادرًا ما يجد فرصًا للفرح الحلال.
الإسلام هو دين النجاح بكل أشكاله، كما قال النبي الكريم (صلى الله عليه وآله): …
من عالمكم ثلاثُ أشياءٍ أحببتها: النساءُ، والعطرُ، ونورُ عيني في الصلاة.
المرأةُ والعطرُ والصلاةُ كلها نجاحاتٌ تشمل المتعة المادّية واستخدام اللذّات المعنوية المجردة. كان رسول الله ﷺ يعتبر نور عينيه في الصلاة، والسجادة ليست مانعًا من تمتعِه بالنساء والعطر، اللذين يعزّزان القوة الجنسية. وإذا كان المسلمون اليوم يعانون من عقد نفسية وحرمان في أمورهم الجنسية، ويختبئون تحت أغطية متعددة دون أمان، فذلك لأنهم ابتعدوا عن سيرة نبيهم، وعن المسلك العالِم الموصوف في الشريعة، ولا يعرفون طرق النجاح.
النجاح هو ما يهدي الناس الصحة الاجتماعية والنفسية والروحية. كان للنبي ﷺ إلى جانب محرابه “نساء” و”طيب”، واستعمل العطر لزوجته ليتمكن من أداء الصلاة بقلوب مطمئنة لا تملؤها عقد النفس والحرمان. إن النجاح هو ما يوصّل الإنسان إلى المعنويات، والأنبياء والأولياء عليهم السلام كانوا يتلذذون بأفضل هذه النعم. فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يمتلك أفضل نساء العالم، فاطمة الزهراء عليها السلام، التي لا تساويها أي حورية من الحوريات.
والقرآن الكريم يقول في حق الناس العاديين:
{الناس أُلفة وشهواتٌ من النساء والبنين والقيانِ من الذهب والفضة والخيول المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}.
لقد جعل الله الأمور الدنيوية زينةً للناس، وزينَةُ الدنيا والتمتع بها أمر طبيعي وفطري في النفس، والشريعة تحرّم الحرمان والعصيان، لا النجاح والسرور واللذة الطبيعية. قال خاتم الأنبياء ﷺ: “اختبرت من دنياكم ثلاثًا: المرأة، والعطر، ونور عيني في الصلاة”. بهذا البيان يؤكد ﷺ النجاح المادي والروحي معًا، ويشير إلى أن من شأن من بلغ خاتمة النبوة أن يستمتع بكليهما.
والبيان يحمل معنى أن لا يغرق الإنسان في اللذات المادية فقط ويأخذ حب الشهوات من النساء والأبناء، بل يجب أن يطلب المعراج الروحي مع اللذات المادية، ويحرص على الكمال الروحي والقرب الرباني. يجب أن يجتنب الفساد والفجور في استخدام أي لذة، ويتحرّى الحلال منها.
هذا الحديث النبوي يشير إلى أن أولياء الله وإن كانوا من أهل الأرض فهم أهل السماء كذلك، ويمارسون حياة طبيعية كغيرهم وهم في ذات الوقت أصحاب مقام عرش الله تحت أقدامهم. في فهم أولياء الله يجب أن تؤخذ كل أبعاد شخصياتهم بعين الاعتبار فلا تُجتزأ أو تُشوّه.
على كل حال، مهندسة “السرور الديني” ضرورة اجتماعية، والقرآن ينبه لذلك في قوله:
{قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون}.
من الذي حرّم الطيبات للمؤمنين في الدنيا؟ الطيبات التي هي رزق الله في الدنيا ستكون أكثر صفاءً وأفضل في الآخرة، وتظهر على شكل “شراب طهور”. هذا الكلام للذين يستعينون بالعقل ويفهمون، وهو تحذير. السرور والنشاط واستخدام محفزات كالغناء والرقص المشروع، خصوصًا للزوجات، من الطيبات التي لا ينبغي حرمان النفس منها، ولا استبدالها بالكآبة واليأس من الخبائث، خاصة مع وجود نظام الولاية الذي يطهر كثيرًا من الأمور.
الاهتمام بهذه الأمور يظهر لماذا الفقه لا نهاية له، ولماذا لا تكفي كتب الفقه القديمة للمجتمع الحالي، إذ أن الظروف تغيرت كثيرًا وموضوعات الفقه تطورت. لكن ثقافة الشيعة هي المرجع الأول لاحتوائها عصمة زمانية.
في الماضي كانت السلطة في يد معارضين للشيعة، والسياسات المحيطة بالغناء والآلات الموسيقية تخضع لإدارتهم. كما أن فاجعة كربلاء تركت جرحًا عميقًا في قلوب الشيعة، مما جعلهم في حالة حزن دائم. وكانوا يبكون بحرقة في السر رغم كل هذا الألم، لكن اليوم مع وجود النظام الإسلامي والشيعي بقيادة الإمام الخميني، يمكن للسرور الديني أن يبدأ ويخطط له.
السرور الديني لا زال بلا خطة واضحة في مجتمعنا، لذا يغيب طعمه عن الناس، والشباب ينجذبون بسهولة لأي بهجة كاذبة مهما كانت صغيرة. من الآن يجب التفكير في تصميم آليات للسرور الديني تشمل الغناء والموسيقى، وتنويعات للفرح الديني تكون جذابة حتى لغير المسلمين.
الحزن والفرح لكل منهما مكانه الخاص، ويجب معاملة كل منهما بعدل وقانون، مع إبقاءهما بعيدين عن المعصية.
مثلاً، الغناء والموسيقى المباحة في الأعياد والاحتفالات الدينية والوطنية هي مصدر للسرور. وفي مناسبات الزواج والاحتفالات المذهبية، يعبر الدين عن سرور المؤمنين ويجعل السعادة من طبيعة هذه المناسبات، لا مانع فيها من الغناء المحلّل.
ضرورة سرور ونشاط المرأة المؤمنّة:
يمكن للنساء أن يبعثن النشاط والسرور بغناء مباح. للأسف البعض يرفض الحلال ويلجأ إلى النجاسة. يجب أن نسعى لتربية المجتمع وتطويره حتى يصبح متناغمًا مع الثقافة الدينية، ونسمي ذلك “العلاج بالحلال”. لذا يُجوز للمرأة أن تغني لزوجها.
ليس ذلك مستحبًا بل جائز شرعيًا يحتاج إلى دليل، والمرأة القادرة على الغناء والتمايل بجمالها أمام زوجها تزيل تعبها النفسي، وتحرر نفسها، وتثير سرور زوجها، ما يزيد أملها وسكينتها.
للأسف المجتمع أبعد النساء عن الجمال والحياة الجميلة، وكما قال أحد العلماء، إن الزوج غير الصالح قد يدمر أفضل النساء، أما الزوج الصالح فيجعل المرأة جميلة ومميزة.
الآن نسبة كبيرة من النساء يعانين آلامًا عضلية وعصبية بسبب الأعباء الكثيرة التي تُطلب منهن، بعيدًا عن القيام بدورهن النسائي أمام أزواجهن ومحارمهن.
لو غنت المرأة في بيتها لزوجها وأقاربها، ولم يكن هناك غموض أو حرمان مفرط، لما كانت بحاجة إلى تلبية هذا النقص خارج البيت. كما أن الطفل الذي لا يرى محبة في بيته ينحرف بسرعة لأدنى مداعبة خارجية.
نأمل أن يكون الحب والصفاء والفرح الديني هدية من هذا الكتاب، خاصة كتاب “علم الحياة” للعائلات والمجتمع.
الصوت الحسن نعمة إلهية تبقى جمالًا، والجمال صفة رحيمة ليست متاحة للجميع، وكما لا يجوز الإساءة إلى الوجه الجميل، لا يجوز تحطيم الصوت الحسن، مع ضرورة تجنب المعصية.
يمكن للإنسان أن يبدع في الدنيا أشباه اللذات الحلال في الجنة، ويكتشفها ويخترعها، ويقدمها للناس بطريقة شرعية. ويستطيع حتى غير المعصوم أن يؤدي هذا، ويُفضّل أن تكون هذه الميزة من نصيب بلادنا الموالية، كما تفوقت اليابان في الإلكترونيات.
اليوم بطل الأبطال تحت أعباء شديدة من بلدنا، بلد كان يواجه صعوبة في تلاوة القرآن، والآن يُقام آلاف مجالس تلاوة القرآن في البلاد، وهذا دليل على أن الإيرانيين الموالين قادرون على وضع الثقافة الشيعية المتقدمة باسم الولاية والمحبة.
هذا يتطلب مصممًا دقيقًا ونظريًا وقائدًا بصيرًا يرى تحديات المستقبل، ويخطط لتجاوزها، ويزيل الخرافات، ويوضح الحلال والحرام، ويستثمر في نشر ذلك.
للأسف، بعد العلامة الطباطبائي والإمام الخميني، قلّت النظريات القوية في الحوزات العلمية.
إذا استطعنا تقديم موسيقى حلال للعالم، بدل أن يهرب الفرد الموالي إلى أماكن خالية ليستمع إلى الموسيقى الحرام، ينظر الكفار إلى المغنين الشيعة ويحيى فيهم الروح، فيرسلون السلام عليهم.
يجب على الموسيقيين الولائيين أن يعيدوا الموسيقى العلاجية إلى مكانتها اللائقة، ويستخدموا الآلات والغناء في الخير وعلاج الأمراض النفسية، وينشِطوا روح الثقافة الدينية في نفوس شبابنا وشعوب العالم، ويجعلوا طعم محبة أهل البيت يعيش فيهم عبر موسيقاهم.
الدين سهْل وسَمْح:
الدين هو طريقة حياة، وهدفه هداية البشر في طريقهم الطبيعي. الدين ظاهرة تحريرية، لا قيودًا مقيدة. الدين الصحيح والمطهّر يقود الناس في طريقهم الطبيعي نحو الكمال الأعلى.
الشريعة الإسلامية دين سهْل وسَمْح، ولكن الانفتاح لا يعني الفوضى، بل الانفتاح ضمن النظام. الدين يقول كل شيء مباح إلا ما حُرّم. النظام الشرعي كقانون المرور، يحفظ الأمن ويمنع الحوادث.
الكلمات التي يستخدمها بعض الفقهاء في موضوعات الغناء والموسيقى والمرأة غالبًا ما تكون ظاهرية، تختلف عن تصور الشريعة، بسبب ضعف البحث والتدقيق، أو خوفهم من التيار السائد، أو التقليد والتعصب غير العلمي.
ChatGPT said:
الباب الثاني:
التحرر الديني في القرآن الكريم
نبدأ في هذا البحث من القرآن الكريم بهدف رفع الحساسيات المرضية المتعلقة بجنس المرأة والرجل، والحفاظ على الحياء. للمرأة مكانة عظيمة في القرآن الكريم، وتصوير بعض المسائل فيه له أهمية بالغة وحيوية، والصورة التي تُعرض تُعد مرآة الإسلام. من بين هذه المسائل الهامة والمصيرية: كيفية التعامل مع “صوت المرأة”. علينا أن نستقصي من القرآن الكريم: هل ينبغي أن تُغلق فم المرأة أمام غير المحارم؟ هل يُحظر عليها كل حركة أو لفتة أمامهم، بل وحتى وفقًا لبعض الآراء أمام الزوج؟ هل يمنع حضور المرأة في المجتمع وتوليها الوظائف الاجتماعية؟ أم لا بأس بذلك مع مراعاة الحدود والضوابط؟ إذا كانت الصورة المعروضة في هذا الشأن غير طبيعية أو بها خلل، فإن نصف البشرية سيواجه مشاكل كبيرة، ومن ثم النصف الآخر منهم – الذين تربوا في كنفهم منذ الصغر ويحتاجون في الكبر إلى حضن محبتهم ونغمات عشقهم وحضورهم الإنساني – سيعاني نقصًا كبيرًا.
سبق القول بأن الكلام، والصلاة، والنقاش، والمنبر لا تفرق بين الجنسين، ولم يُحظر على الرجال أن يخاطبوا الرجال فقط، أو على النساء أن يقتصرن على النساء في التعليم أو المنبر أو العمل الاجتماعي، إذ لا ضرر في الاختلاط ما دامت الضوابط محفوظة.
التحرر في التعامل مع النساء
يركز الإسلام في التعامل الاجتماعي مع النساء على مبدأ “التحرر”، وهو حالة نفسية متزنة وسليمة تجاه الجنس والجنس الآخر. فالأنبياء عليهم السلام كانوا في تعامُلهم مع النساء متقين وفي الوقت ذاته متحررين. سنستعرض في آيات القرآن الكريم نماذج متعددة لهذا المنهج.
بالطبع، لتبيان مكانة المرأة في القرآن الكريم وإظهار أن نصه ليس ذكوريًا، قمنا باستخراج كل الألفاظ المؤنثة والمذكرة من الآيات ودراستها.
الكون والطبيعة والإنسان كل له خصائصه، والقرآن الكريم بوصفه هوية الوجود يتحدث في ذات السياق. هو أفضل مرآة للوجود، ومن أراد فهم مكانة كل شيء يجب أن يتلمس ذلك من القرآن، ليس في إطار التفسير التقليدي أو الأحكام الجزئية، بل بفهم عميق.
في الفقه، رغم الحديث عن المرأة، إلا أن ذلك كان جزئيًا ومبعثرًا، ولم تُعطَ المرأة مكانتها المستقلة والمفصلة. يستحق كتاب “النساء” أن يُفتح في الفقه حتى تحظى المرأة بمكانتها اللائقة. إن مظلوميتها كبيرة حتى إن أحدًا لم يُعبّر عن رأي الشريعة الحقيقي فيها بدقة وجمال.
في هذا القسم نُريد فقط توضيح موقف القرآن الكريم المتحرر تجاه المرأة، خصوصًا في مسألة صوتها.
القرآن لا يأمر بإخفاء المرأة أو كتمان صوتها. المسلمون هم الذين أخفَوْها إلى حد أن بعضهم ينهار بمجرد سماع كلمة “امرأة”. هذه الأفكار المزاجية ليست موجودة في القرآن، وإنما هي نتيجة الضغوط البيئية والتقاليد. بعض العلماء لم يتبعوا المنهج القرآني في هذا الأمر، لكن عزلة الغرباء دفعتهم لذلك. نحن لا نبحث هنا عن الأسباب، بل نؤكد على ضرورة تصحيح هذه الأفكار، وليس محاكمة أحد، فنية نواياهم خير.
الانحرافات في المجتمع بشأن المرأة ناتجة عن سوء التعليم أو قلة الوعي، أو من المجتمعات التي لا تميز بين الرجل والمرأة وتتبنى شعار “جنبًا إلى جنب”، أو من التشدد الديني التقليدي وليس من الشريعة. وأهم عامل ظلم للنساء هو انحراف الحكم السياسي، ومؤامرة سقيفة بني ساعدة وسيطرة خلفاء الظلم.
أساس الإسلام قائم على السيدة فاطمة الزهراء (ع)، لا على الإمام علي أو النبي محمد (ص)، إذ هي أم أبيها، و”لولا فاطمة لما خلقتكما” [10]. جميع الأئمة (ع) من نسلها. كذلك في المسيحية الأساس هو السيدة مريم (ع). كان صوت السيدة زينب (ع) في الملأ العام كصوت الإمام علي (ع). القرآن يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) [11]؛ الرجل ليس كالإمرأة، والمرأة معيار وأصل.
السيدة زينب (ع) كانت تخطب في العلن، ليس في الخفاء. لو منع الإمام السجاد (ع) كلامها، لما بقي ذكر كربلاء، ولم يبقَ من الإسلام إلا اسمه. النساء هن من حملن راية الإمام الحسين (ع) بصراخهن وهدايتهن، وأغلقن صفحة الكوفة وبني أمية بعد أربعين يومًا من استشهاده. هذا لم يكن بمعجزة، بل هو نتيجة عملية طبيعية.
لو كان كلام السيدة زينب (ع) وليًا غيبيًا، لما كانت تخطب في مرأى الناس. الخطيب هو الذي يجيد الخطابة بفصاحة وبلاغة. القرآن يحتوي على نماذج كثيرة من هذا التحرر في التعامل مع النساء.
مكانة المرأة في الإسلام عالية، لكن الظاهريون خفضوها وأغفلوا مكانتها الحقيقية وقوتها في المجتمع. الإمام الخميني (ره) أعاد للمرأة حقها وكرامتها الاجتماعية، فلتكن روحه شادقة.
لكي نبين موقف القرآن من صوت المرأة وحضورها في المجتمع، نناقش آيات تتحدث عن إبراهيم وسارة، ويوسف وزليخا، وموسى وبنات شعيب، وسليمان وبلقيس، ومريم، وزوجات النبي.
قصة إبراهيم وسارة
(دخل ملائكتنا على إبراهيم بالبشرى وقالوا له السلام، فأجابهم إبراهيم بالسلام، ثم أسرع لتحضير لحم عجل مشويّ، فلما رأى أنهم لا يأكلون، أصابه خوف، فقالوا له: لا تخف، إنّا مرسلون إلى قوم لوط. وكانت امرأة إبراهيم واقفة تضحك. فأخبرناها ببشارة إسحاق ثم يعقوب. قالت: يا عجبًا أتلد في كبر وأنا وزوجي شيخان؟ قالوا: أتعجب من أمر الله؟ رحمته وبركته على أهل البيت، إنه حميد مجيد.) [12]
تشير هذه الآيات إلى أن الملائكة كانوا يشبهون البشر، حتى إن إبراهيم خدمهم بنفسه، وسارة لم تكن مختفية في المطبخ، بل كانت بينهم، تضحك من كلامهم، وهذا يعكس حرية التعامل وعدم الخوف من وجودها بينهم. هذا يخالف تصرف بعض المؤمنين الذين يخفون زوجاتهم عن الضيوف، فهو بعيد عن سلوك الأنبياء، ويرتبط بالتشدد.
بالرغم من كبر سنها، كانت سارة نشيطة، ولم تكن عجزاء، لأن القرآن يصفها بـ”امرأته” وليس بـ”العجوزة”. الملائكة تحدثوا معها كما مع بشر، فهي تتكلم وتضحك، وهذا يدل على أن الكلام والصوت حق مشترك بين الرجل والمرأة، ولا يختص أحد منهما.
قصة يوسف وزليخا
ننظر هنا إلى كيفية تعامل يوسف (ع) مع زليخا لنستشف مبدأ التحرر في سلوك أجمل الأنبياء. صدرا في كتاب “أسفار” يقول إن الشعراء والكتاب والجميلات لهم طبيعة صافية، على عكس الجافة القاسية.
يوسف (ع) كان النبي الوحيد الذي اتُهم بالفسق، بسبب جماله، وهو الذي ميزه علم تفسير الأحلام. الجمال مرتبط بالعلم والحكمة. لم يقل نبي إنه أجمل من يوسف، حتى النبي محمد (ص) قال: “أنا أكثر ملاحَةً وبهجة من يوسف”. [14]
الآيات تقول:
(ولما بلغ يوسف أشده آتيناَه حكماً وعلمًا، وكان في بيتها يخدمها، وطلبت منه امرأة العزيز نفسها، وأغلق الأبواب وقالت: تعال إليّ. قال: معاذ الله، ربي أحسن مثواي، إن الظالمين لا يفلحون. ولولا أن رأى برهان ربه، لجعلها في نفسها ولجعلناها من الناجين. فلما رأت أنه لم يستجب لها وهددها بالله، أخذت منه من الخلف فجرته القميص ووجدوا العزيز الباب مغلقًا. قالت: جزاء من أراد أن يفسد في بيتك إلا أن يسجن أو عذاب أليم.) [15]
“بلغ أشده” يعني أن يوسف كان شابًا ناضجًا حين حصل ذلك. “في بيتها” يشير إلى منزل ملكي كبير، وليس مكانًا مزدحمًا. كانت هي وزيوسف فقط في ذلك المكان المغلق، حيث أغلقت الأبواب لتضمن الخصوصية.
زليخا قالت له: “أنا لك!”، لكنه لجأ إلى الله وقال: “معاذ الله”. هذا هو التحرر الذي يعني التمسك بالتقوى، أن يواجه الإنسان المحنة دون أن ينجرف.
يوسف كان يستطيع الهروب إلى بيت أبيه، فالأرض واسعة، لكنه لم يفعل، لأنه نبي ناجح ومتميز. هذا هو الفرق بينه وبين أبيه.
يوسف الجميل والشاب المكافح، عاش
مقدمة
لقد سبق وذكرنا أن الجميع، وبخاصة النساء، يجب أن يقتدوا بسيدنا يوسف عليه السلام، وأنهم إذا واجهوا بيئة المعصية، فعليهم أن يقولوا «معاذ الله» وألا يستسلموا للباطل، بل يجب أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم. ينبغي تعليم المرأة رفع قدراتها ومهاراتها الدفاعية حتى لا ترضخ بسهولة للمعصية. في هذه القصة، يظهر سيدنا يوسف عليه السلام أقصى درجات التقوى مع أقصى درجات الحرية، فيقول «معاذ الله» مسرعًا ليخرج من الغرفة، محافظًا على قوته في الدفاع عن نفسه أمام المعصية والذنب، لا أن يستسلم أو يذل؛ كما يتضح ذلك في الآية الكريمة المذكورة.
نزاع يوسف وزليخا
تفسير (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) يدل على وقوع مشاجرة بين يوسف وزليخا وتصارعهما. ولكن ما لم نذكره هو أن يوسف عليه السلام لم يفرغ المكان قبل هذه الحادثة، لأنه كان عبدًا لخادمه زليخا وعزيز مصر، وكان من واجبه طاعته ما لم تكن الطاعة معصية لله، لأن قولهم «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» يوضح واجب برّ يوسف عليه السلام.
الكرم والحرية بعيدًا عن الاحترام المزيف
صحيح أن عمل عزيز مصر وزليخا ليس حجّة، وإنما عمل يوسف عليه السلام هو المطلوب، إلا أن عزيز مصر في مواجهته للأمر تصرف بحرية غير متسلطة، فقد خاطب يوسف مباشرة لكنه كان يلمّح إلى زليخا قائلاً: «استغفري لذنبك إنك كنت من الخطائين» دون أي عنف أو تصرف استبدادي.
العلاقة بين الزوجين كمثال
إذا كانت العلاقة بين الزوجين كعلاقة العامل ورب العمل، فيجب التنبيه أن الزوجة لا تحب زوجها. فالزوجة التي تتصرف كالعاملة، حتى وإن قالت مرات عديدة «أنت عزيز علي»، فهي تكذب خوفًا من الأذى، وليس حبًا.
سلوك يوسف وزليخا وعزيز مصر
في هذه الآيات نرى أن يوسف نبي متحرر وتقواه عظيمة، وعزيز مصر وزليخا يتصرفان بحرية غير مستبدة، وإذا تمكنا من تقديم هذا السلوك الحر الذي ذكره القرآن الكريم في أشكال فنية متنوعة، سينهار الفكر الخرافي المتعفن، رغم أننا للأسف بعيدون عن تطبيق القيم القرآنية.
وعي نساء مصر بحب زليخا
لم يخفَ حب زليخا ليوسف في بيتها، وانتشر بين نساء مصر، خصوصًا نساء النبلاء اللاتي حسدنها. وصلت أخبارهن إلى زليخا التي قررت الانتقام منهن. وردت الآيات على هذه الحادثة مبيّنة أن النساء قطعن أيديهن من شدة التأثر بيوسف وقالوا: «طهّر الله، ليس هذا بشرًا، بل ملك كريم».
دخول يوسف إلى مجلس النساء
يُطرح سؤال حول سبب دخول يوسف عليه السلام إلى مجلس النساء رغم معرفته بمكر زليخا والنساء. الجواب أن يوسف عليه السلام سبّاح ماهر، لا يغرق في عمق البحر، بل يدخل في المحن دون أن يلوث نفسه بالمعصية، مع طاعته لوليه.
نسوة مصر تعجبن بجمال يوسف
نساء مصر، رغم جمالهن، غلب عليهن الإعجاب بجمال يوسف عليه السلام واعتبروه ملكًا، وهذا يدل على تواضعه وحسن خلقه.
محاورة يوسف مع النساء
يوسف عليه السلام كان يُحادث الله في غيبته مع النساء، ويرى أن السجن أحب إليه من إرضاء النساء، وهذه روح التقوى والحرية.
قصة موسى وبنات شعيب
عند دخول موسى عليه السلام إلى مدين، رأى بنات شعيب يروين غنمهن، وعرض عليه إحدى البنات دفع أجره، فذهب إلى شعيب الذي عرض عليه الزواج بإحدى بناته مقابل خدمة طويلة. وهذه القصة تبرز كيف تعامل موسى كبالغ حر، وكيف تعاملت معه البنات بطريقة محترمة وعفيفة.
نظرة موسى إلى البنات
موسى عليه السلام نظر إلى البنات نظرة تقوى وحُرية، واستفسر عن حالهن، وليس بنظرة مراقب أو مفتش.
عمل بنات شعيب ونمط الحياة
بنات شعيب كُنّ يرعين الغنم خارج المنزل، وهذا يبرز حرية وحيوية المرأة في ذلك العصر.
رابطة الإيمان بين الأب والبنات
التصرف المحترم بين موسى والبنات ووقوف البنات بعفة وإحترام أمام موسى يدل على علاقة متينة قائمة على الإيمان والأخلاق العالية.
زواج موسى من ابنة شعيب
اقتُرح على موسى الزواج من إحدى بنات شعيب بمهرة من عمله كعامل، مما يدل على سهولة ويسر عقد الزواج في الإسلام.
ختام
القصة تدل على سهولة الزواج والحرية المصحوبة بالتقوى، وأن المجتمع المثالي مجتمع متحرر من الرياء والظلم.
قصة النبي سليمان عليه السلام وملكة سبأ بلقيس
قال تعالى:
“وَطَارَ عَلَىٰ هَٰذَا وَذَٰلِكَ وَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ لَعَلَّهُ مِنَ الْغَائِبِينَ إِنِّي لَأُعَذِّبُهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ لِيَ أَنبَأْتُكَ بِمَا لَمْ تَكُنْ تَشْعُرُ أَنبَأْتُكَ بِمَا يَفْعَلُ صَبَأُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ رِيْبٌ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا كَافِرِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهُوَ مُؤَخِّرُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ قَوْمٍ سَاءُوا ٱلْعَمَلَ فَقَالَ سُلَيْمَانُ لَنَحْكُمَنَّ بَيْنَهُمْ بِمَا رَأَيْتُ …”
(سورة النمل، الآيات 20-27)
في هذا النص القرآني الكريم، يُسرد لنا قصة النبي سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ بلقيس، التي تُعدّ شخصية استثنائية في تاريخ الأنبياء والملوك. إذ يروي النبي سليمان، عليه السلام، كيف كان يبحث عن الطائر الهدهد الذي كان يعينه على معرفة أخبار مملكته، فحين غاب الهدهد أمره بالعقاب، لكن الطائر عاد ليخبره عن ملكة سبأ التي كانت تحكم قومًا يعبدون الشمس، وهو ما يخالف توحيد الله.
بلقيس، هذه الملكة العظيمة، كانت حاكمة ذات سلطان واسع وملك عظيم، وقد منحها الله من كل شيء، كما وصفها الهدهد بأنها تملك عرشًا عظيمًا. وبرغم ممارستها لعبادة الشمس، فقد امتازت بفهمٍ عالٍ وحكمةٍ كبيرة، جعلتها تخضع لاختبار النبي سليمان وتتفاعل معه بحكمة وبُعد نظر.
في رسالته إليها، استخدم سليمان لغة الرحمة والرفق، داعيًا إياها إلى السلام والتسليم دون تهديد أو استعلاء، ما يعكس قوته الحقيقية التي لا تحتاج إلى العنف أو الإكراه. بلقيس، التي لم تكن ملكة مستبدة أو متغطرسة، بل كانت تحكم بمشاورة حكيمة مع وزرائها وقادتها، استقبلت رسالة سليمان بوقار واحترام، وأظهرت استعدادها للحوار والتسليم.
وقد تجلى حُسن تصرف بلقيس في موقفها حين أرسلت إليها رسالة سليمان، وقررت اختبار سليمان بذكاء، لكنها في النهاية استسلمت لحكمته وقوته الحقيقية التي عبرت عن نفسها بالإيمان والتسامح.
ويبين النص أيضًا التمييز بين القوة والجبروت؛ حيث إن سليمان يمثل القوة الحقيقية القائمة على الحكمة والعلم والرحمة، لا على القهر والتسلط. هذه القوة هي التي تمنح الأمن والاستقرار، على خلاف الجبروت الذي يفضي إلى الفوضى والضعف.
ختامًا، تُبرز قصة سليمان وبلقيس دروسًا عميقة في الحكم الرشيد، القوة الحقيقية، والتعامل الإنساني الراقي بين الحُكّام، فضلًا عن التأكيد على أهمية الإيمان والتواضع في قيادة الشعوب.
في قصة سليمان وبلقيس، لسان القرآن الكريم رقيق وجميل للغاية. فعلى الرغم من أن سليمان دعا بلقيس إلى الخضوع له، فإنه في اللقاء الذي جمعه بها لم يتطرّق إطلاقًا إلى مسألة خضوعها، بل تناول حديثه في سياق عادي يتعلق بعرش بلقيس وقصره. إن سلطان سليمان الكامل لا يسمح له بأن يدخل في نزاع مع بلقيس، بل هي التي كانت في كل مرة تحرف النقاش وتُثير مسألة خضوعها. سليمان لم يتحدث بطريقة تجعله يواجه بلقيس أو يصارعها، بل لم يدعُها حتى إلى الإيمان.
كانت دولة سليمان – عليه السلام – دولة الكرامة؛ دولة يتمنى كل إنسان أن يعيش فيها، كما ننتظر نحن دولة كريمة من حضرة ولي العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ونرغب في الحضور في ديار ذلك العزيز، دولة يعيش فيها الجميع بسلطة وقوة، لا مكان فيها للتعصب الأعمى أو التصلب الفكري، بل الجميع كرام وعطوفون، حتى أن الروايات تصفها بأن الذئب والغنم يجتمعان معًا في سلام. في مثل هذا المجتمع، لا يعاني أحد من ضعف علمي أو عملي، ولا من الندم أو العقد النفسية، بل يستطيع الجميع العيش بعفة وطهارة كاملة.
ذكر الله تعالى لسيدة مريم
في القرآن الكريم – وهو كتاب يعلّم الرجال الحمية الحقة – ورد ذكر السيدة مريم – عليها السلام – في أربعة وثلاثين موضعًا. ولم يرد في أي من هذه المواضع ذكر اسم ابنها المسيح – عليه السلام – بل دائماً ما يُذكر اسم “مريم”.
بعض الرجال ينادون زوجاتهم باسم أولادهم لكي لا يسمع أحد اسم زوجتهم، وهذا السلوك لا ينبع من تعاليم الدين. الله تعالى، خالق كل الغيرة، لم يتعامل بمثل هذا الأسلوب في كتابه، بل على العكس، ذكر اسم “مريم” بأريحية في أربعة وثلاثين موضعًا. ينبغي احترام المرأة وناديها باسمها الحقيقي.
لقد ذكرنا في كتابنا “فهرست موارد المذكر والمؤنث في القرآن الكريم” أن الله تعالى تحدث أكثر عن الإناث والنساء. وقلنا هناك إن القرآن الكريم ليس ذكوريًا ولا نسويًا، فالسيد هو الله وحده، والبشر جميعًا عبيده. يمكن ذكر اسم المرأة في المجتمع دون إخفاء أو تقييد. القرآن الكريم لم يذكر اسم مريم فقط كثيرًا، بل وصفها في آية كريمة على النحو التالي، وهو وصف لا يمكن لبعض الرجال احتماله حتى بالنسبة لزوجاتهم:
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 91]
في هذه الآية، يُنسب الحصانة والطهارة إلى “الفَرْج”، وهذا يدل على أن طهارة المجتمع والأمة تعتمد على نسلها ومستواها العلمي وثقافتها وحريتها، لا على الشعارات الخالية من المضمون أو الصرامات الزائدة التي تتجاوز أحكام الشرع.
وقد ورد في الآية لفظ “فرج” الذي يدل على الحياء والستر، لا على الأعضاء التناسلية صراحةً.
حادثة المباهاة في الإسلام
بعد دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، رفض النصارى الاعتراف به رغم إدعائهم الحق. فأعلن النبي الكريم – صلى الله عليه وآله وسلم – عن حقانية الإسلام بدعوة المباهاة، حيث قال: “نحن أولادنا ونساؤنا وأنفسنا، وأنتم أولادكم ونساؤكم وأنفسكم”، وهنا ورد ذكر النساء مع الرجال على حد سواء، دون تفريق:
(فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [آل عمران: 61]
في هذه الآية، يأمر الله النبي أن يقول: “نحن نأتي بنسائنا وأنتم بنساءكم”، وهو ما يتعارض مع بعض مظاهر الغيرة المبالغ فيها في المجتمعات. فمثلاً، إذا ذكر شخص اسم امرأة أخرى، يتأفف البعض بشدة، كأنها مسألة محرمة، ظناً منهم أن ذكر اسم المرأة مقتصر على البيت فقط.
والنساء المقصودات هنا هنّ السيدة فاطمة الزهراء – عليها السلام – لأن المباهاة كانت ميدان معركة الحق والباطل، وتتطلب أبطالاً عظاماً يأتون إلى ساحة القتال.
عندما أتى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بالسيدة فاطمة الزهراء إلى المباهاة، شاهدها الكفار والمشركون والمسلمون، وأدركوا أن مع هذه المجموعة لا يمكنهم الفوز، لأن النبي جلب معه أغلى ما يملك وأعز من عنده.
الدين يحمل في طياته روح الحرية والكرامة بحيث أنه إذا استدعى الموقف ووجب الأمر، يُخرج حتى العرض الإلهي؛ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام إلى الميدان، مع حفظ مكانة الغيرة السليمة. للأسف، في زماننا هذا، الباطل مسيطر على الميدان ولا يمتلك الحق زمام القيادة. ولكن بحمد الله، الإمام الخميني رحمه الله تعالى حرك الجماهير وأوصل النساء إلى مكانتهن الاجتماعية المستحقة. الخروج للناس ليس عيبًا، وإنما العيب هو المعصية والذنوب. يجب أن يكون التواجد داخل البيت أو خارجه بحسب مقتضى الحال.
فلماذا لا تكون نساؤنا أكثر فاعلية في مختلف مجالات الحياة؟ والحمد لله، في الجامعات والمجالات العلمية، وفي ميادين الرياضة والفنون، هناك نساء قادرات يمتلكن الكثير من الإمكانيات ويستطعن إبراز مواهبهن. يجب على المرأة والرجل أن يحصل كل منهما على المكانة التي يليق بهما حسب المواهب والدور الذي خلقهما الله لأجله، ويجب إنفاق هذه الامتيازات في الدفاع عن جبهة الحق. ومن يحصل على مزيد من التميز، مع مراعاة الأصل الذي هو أولوية كون المرأة في البداية خاصة بالبيت ثم اجتماعياً، والرجل اجتماعياً ثم خاص بالبيت، يكون هو الأفضل، ولا يكون الجنس معياراً في ذلك.
في مباهلة العصر، أخرج الغرب بكل ما يملك من وجود باطل، ملأ الدنيا بالفسق والعنف والموسيقى، التي هي ثمرة ثقافة منحطة وأومانيزم منفصلة عن الحق والباطل. لذا يجب ألا نترك ميدان الحق فارغاً، وإلا سيسعى الآخرون إلى السيطرة على ثقافة العالم. علينا أن نستخدم قدراتنا المشروعة التي منحناها إياها ديننا. إذا ملأوا الأسواق بالخمر، علينا إعداد مشروبات طاهرة وعرضها على العالم. وإذا نشروا الملابس الفاضحة والعري، يجب أن نقدم لهم الحجاب الإسلامي بتصاميم متنوعة وأشكال عديدة.
اليوم، يمكن لنساءنا، في المجالس والأماكن المختلفة، أن يحتذن بحياة الإمام الخميني (رضي الله عنه) ليبلغن مكانتهن المشروعة. عندما كان الإمام مريضاً وزارته زوجته الكريمة، قوبل ذلك بمعارضة من بعض الناس، لكن الإمام لم يعطِ لذلك أهمية، لأنه كان يحمل حرية دينية حقيقية. ومن المشكلات التي تواجهها النساء اليوم، حساسيات البعض عند ذكر اسم امرأة أخرى أو رؤيتها، كما لو أن مكان المرأة هو فقط داخل البيت، وهذا مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين دعا إلى المباهلة بمشاركة النساء.
يمكن للمرأة أن تكون مؤمنة، كريمة، وفعالة اجتماعياً، وهذا ليس مستحيلاً. المعصية هي فقدان الغيرة والدين، وهذا هو الأمر المرفوض، والحرية الحقيقية يمكن أن تتوافق مع التقوى. إذا كان لدينا نساء قويات، يجب أن نستفيد منهن في المجالات التي تناسبهن.
علينا أن نكون مستعدين دوماً لمباهلات متنوعة، وأن نؤمن بقوتنا وصلابتنا وقدرتنا على أداء العديد من الأعمال التي لا تستطيع حتى الدول المتقدمة تخيلها. على سبيل المثال، في زلزال بم، رغم الخسائر الكبيرة، تمكنت قوات البسيج من السيطرة على المدينة في أقل من 24 ساعة، مما أثبت لجميع الدول الطامعة أن إيران لا يمكن أن تُطمع بسهولة.
في مسألة المباهلة، يجب ملاحظة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختار أعلى وأفضل الأفراد في مجموعته، وحتى زوجاته لا يشاركْن فيها، لأن مشاركتهن قد تسبب لهن مشاكل. بمعنى آخر، يجب أن نكون مستعدين بحيث نُقدّم الأفضل دائماً، وليس أن نُشوّه مكانة الدين والثورة بإدخال الأشخاص الضعفاء.
ما يولي الإسلام من أهمية بالغة في العلاقات الاجتماعية، والتي يحرص عليها في جميع المسائل المتعلقة بالمحرم، وغير المحرم، والحجاب، والنظر، هو المحافظة على «العفاف».
وقد ذكرنا سابقًا أن الحجاب يختلف عن الستر، فالدين يطلب من أتباعه الستر، لا الحجاب؛ سترٌ يتوافق مع العفاف، لا يكون مبالغًا فيه أو مزعجًا أو متكلفًا. وهذا الستر يمكن تقديمه بتنوع كبير، ليؤمن الستر الإسلامي في المجتمع العلمي والحديث.
وكذلك النظر، فقد أمر الإسلام بالابتعاد عن النظرة الحادة — التي تعتبر نوعًا من التعدي على الطرف الآخر — حفاظًا على العفاف وحرمات الأفراد. والنظرة الحادة، سواء كانت بنية خبيثة أو بدونها، تعتبر تعديًا. والتعدي يشمل ما هو أوسع من المعصية والفساد والأذى. ولا يقتصر هذا التعدي على النظر إلى غير المحارم فقط، بل يشمل أحيانًا المحارم والأشخاص من نفس الجنس أيضًا. وهذا التعدي يصدر فقط من الأشخاص الفضوليين، المتجسسين، العاطلين، وغير المربين، الذين ينظرون دائمًا إلى الآخرين دون احترام للحرمة؛ فالنظرة التعدّية — سواء كانت للمرأة أو الرجل، من نفس الجنس أو غيره، للمحرم أو لغير المحرم، بدافع شهوة أو بدونها — محرمة، وفي مجتمع راقٍ ثقافيًا تُلاحق هذه السلوكيات.
في هذه الآيات، يُشترط أخذ الإذن للدخول إلى الخصوصيات في الحالات المذكورة، حتى لو كان الداخل رجلاً، لأن كل جلد يختلف عن الآخر، فبعض الجلود سميك وبعضها ناعم. وأحيانًا يكون جلد الرجل أنعم من كثير من النساء، ولهذا وضع الدين حرمة لذلك.
أيام الحيض
(وَسْأَلُواكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[33]
الحكم الشرعي في هذه الآية هو عدم الجماع مع النساء أثناء فترة الحيض. هذا القانون هام جدًا، وللأسف، بعض غير المسلمين لا يرون فرقًا بين هذه الأيام وغيرها من أوقات الجماع.
حب الشهوات
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ)[34]
قد زيّن الله للناس حب الشهوات، سواء من النساء أو الأولاد أو غير ذلك.
قيام الرجال
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[35]
يرى القرآن الكريم أن الرجال هم القائمون بأمور الحياة والإدارة العامة، وهذا لا يعني ضعف المرأة، بل يوضح قوة الرجل. كذلك، لا بد من وجود مدير للبيت، يتبعه الآخرون في شؤون الحياة والسياسات الكبرى، وإلا ساد الفوضى. وهذا تعبير عن مسؤولية الرجل الأكبر، وليس ضعف المرأة. كما أن الآية التالية تشير إلى ضعف الرجال مقارنة بالنساء حين ذُكروا أولاً في سياق الضعفاء:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)[36]
لم يخصص القرآن الكريم النساء بنوع من الحساسية الخاصة، بل المسائل مشتركة بين الرجال والنساء، كما يقول:
(مَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ)[37]
وبذلك يوضّح أن معيار التفوق هو الإيمان، لا الجنس.
لذا، بدلًا من فصل النساء عن الرجال وخلق حساسيات مفرطة في الحافلات أو الأماكن المقدسة، يجب علينا تغيير نظرتنا بأنفسنا، حتى لا نضطر للتأكيد الدائم على الفصل بين النساء والرجال، أو حتى بين الزوج وزوجته، أو الأب وابنته.
النساء والدفاع
(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[38]
يذكر القرآن الرجال والنساء المؤمنين معًا في سياق الدفاع، مقدمًا الرجال لأنهم الطليعة في الجهاد، والنساء خلفهم. وهذه الآية لا تشير إلى تفوق الرجال في الثقافة الدينية، بل تُبيّن دورهم في القتال. وقد شجع الإمام الخميني حضور النساء، وخاصة الأمهات والزوجات الشهيدات، في مواجهة العدو.
يجب تدريب النساء وتعليمهن للحضور في مواجهة العدو، وأن يكون لباسهن مناسبًا لحركتهن وقدرتهن الدفاعية، دون أن يعيقهن أو يضر بفاعليتهن. كذلك، ينبغي تجنب الملابس العارية أو التي تتعارض مع الثقافة الدينية.
يبدو أن هذه الآية تشير إلى فترة ما قبل الثورة، عندما كان الناس يتجمعون للدفاع عن الإسلام والإمام، وكان الكوماندوز يهاجمونهم، مما يسبب تدافعًا وضغطًا قاتلًا.
الإسلام لا يفرق بين النساء والرجال في النشاطات الاجتماعية، بل يختلف في كيفية ومستوى المشاركة. وكما لا يفرق في الإنفاق للدفاع، فإنه يدعو كلا الجنسين إلى ساحات القتال والمشاركة في المشكلات الاجتماعية مع مراعاة العفاف والتقوى والدين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ النساء، بما في ذلك زوجاته، معه في الحروب.
بوجه عام، إذا كان الإنسان فاعلاً، وحضر مع زوجته التي ترافقه وتتعاون معه، فإن قوته تُضاعف؛ كما لو كان «رجلًا واحدًا أفضل من مئة ألف».
نتيجة الآيات المذكورة
أن «الحرية» هي الأساس في الثقافة الدينية، لكنها مع مرور الوقت انخفضت في المجتمعات الإسلامية، وحلّ محلها الجمود والتعصبات غير المدعومة بالدين، مما أدى إلى ظهور أمراض نفسية وحساسيات مفرطة تجاه الجنسين، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى الانحراف واللامبالاة، خاصة مع غزو الثقافة الغربية التي تغرق في العري، الجنس، والعنف.
ضرورة حضور النساء في المجتمع
في كتابنا «المرأة؛ مظلومة عبر التاريخ» أوضحنا أن المرأة هي إنسان اجتماعي وخاصة في الأسرة، والرجل إنسان اجتماعي أولاً ثم في البيت. لذا لا يمكن حرمان أي منهما من المجتمع أو الأسرة، بل يجب مشاركتهما حسب الحاجة.
لكن هناك ضرورات عديدة اليوم تستدعي حضور المرأة في المجتمع، لكي تصبح نساء المجتمع مستقلات عن الرجال وقادرات على الاعتماد على أنفسهن، مثل التعليم، التعاون القضائي، الصحة والعلاج، والبيع للنساء فقط. ومع ذلك، كما سنقول لاحقًا، يجب أن تعمل المرأة في المجتمع بدوام جزئي، لا دوام كامل، حتى لا تتعب وتفقد قدرتها على إدارة شؤون البيت والعلاقات الزوجية.
سنتحدث بعد ذلك عن الوظائف المخصصة للنساء والتي يحرم على الرجال القيام بها.
يولي الإسلام اهتمامًا بالغًا بالحفاظ على العفاف في العلاقات الاجتماعية، سواء في مسائل المحرمات، أو الحجاب، أو التغطية، أو النظر، ويركز على تأمين “العفاف” كهدف أساسي.
لقد أوضحنا سابقًا أن الحجاب يختلف عن التغطية، فالدين يطلب من أتباعه التغطية التي تتوافق مع العفاف، لا التغطية الفجة أو الضيقة المزعجة. يمكن أن تكون التغطية متنوعة ومناسبة للمجتمعات العلمية والحديثة.
وينطبق الأمر ذاته على النظر؛ إذ يمنع الإسلام النظر الحاد، الذي يُعتبر تعديًا على الطرف الآخر، بغض النظر عن كون الشخص طاهرًا أو غير طاهر. التحديق الحاد يتجاوز مجرد الإثم أو التلوث أو الأذى، فهو تعدٍّ يشمل أيضًا المحارم والأشخاص من نفس الجنس. هذا التعدي يكون من قِبل الفضوليين والمتجسسين وغير المربّين، الذين لا يحترمون الحُرُم الاجتماعية. إن النظر التعديّي، سواء كان موجهًا إلى المرأة أو الرجل، المحرم أو غير المحرم، كان برغبة شهوانية أو بدونه، فهو محرّم ويُعاقب عليه في المجتمعات الراقية ثقافيًا.
في هذه الآيات، يشترط الإسلام أخذ الإذن للدخول إلى الخلوة، حتى لو كان الشخص رجلاً، لأن طبيعة الجلد تختلف من شخص لآخر، فبعضه رقيق وبعضه سميك، ووفقًا للدين، يجب الحفاظ على هذا الحرم.
أيام الحيض:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا طَهُرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[33]
الحكم المستفاد أن على الرجل أن يمتنع عن الاقتراب من زوجته أثناء الحيض، وهذا القانون مهم جدًا، مع الأسف بعض غير المسلمين لا يرون فرقًا بين هذه الأيام وأوقات أخرى في العلاقات الزوجية.
حب الشهوات:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ)[34]
لقد زيّن الله حب الشهوات للبشر، سواء كان ذلك من النساء أو الأبناء أو غيرها.
قيام الرجال:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[35]
يرى القرآن الكريم أن الرجال هم القوامون على النساء، وذلك لا يعني ضعف المرأة، بل يعكس قوة الرجل، ولا بد من وجود إدارة في البيت، وأن يتبع الآخرون في الأمور الحياتية والسياسية الكبرى، وإلا يتحول البيت إلى حالة من الفوضى. هذا يفرض مسؤولية أكبر على الرجال، وليس ضعفًا للنساء. وفي ذات الوقت، تشير آيات أخرى إلى ضعف الرجال مقارنة بالنساء، كما في قوله تعالى:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ)[36]
وهنا يشير القرآن إلى أن المرأة والرجل على حد سواء مكلفان بالدفاع، ولا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى.
النساء والدفاع:
(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[38]
تؤكد هذه الآية أن الرجال والنساء المؤمنين شاركوا في الدفاع عن المقدسات، وأن غياب أحدهما كان سيؤدي إلى هلاك كثير من المؤمنين.
خلاصة القول أن الإسلام لا يفرق بين الرجل والمرأة في العمل الاجتماعي، بل يختلف في الكيفية والكمية، ولا يمنع المرأة من المشاركة في الدفاع عن الدين والحياة الاجتماعية، بشرط الالتزام بالعفاف والاحتشام.
الخير الثاني الذي رآه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا وقبله هو «المرأة» التي تُجسّد الجمال والجمال، وأفضل ما يمكن للرجل أن يراه في الدنيا ويطمئن به.
وأما الخير الثالث الذي اختاره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو الصلاة، التي وصفها بـ «نور العين». فالصلاة، التي هي خلاصة الحق، تُرشد إلى الطريق.
بهذه الزوايا الثلاث التي جمعها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لن يجد التعب طريقاً إليه، بل سيُتعب التعب ذاته، وكلما تعب من زاويةٍ رجع إلى حضن زاوية أخرى. هذه الثلاث زوايا في الوجود البشري تكفي الإنسان ولا يحتاج إلى رابع.
المرأة؛ ظاهرة تطلب الرجل
- قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«الرجال مخلوقون من الأرض، وجهدهم متوجّه إلى الأرض، والنساء مخلوقات من الرجال، وجهودهنّ متوجهة إلى الرجال، فاحبسوا نساءكم في البيوت.»[42]
هذه الرواية تُعبّر عن نفسية الرجل والمرأة بدقة، نُشير إلى بعض نقاطها:
- خلق الرجال من الأرض: يُشير إلى خلق الإنسان من التراب، وهو متوافق مع تعاليم القرآن الكريم.
- سعي الرجال منصبّ على الأرض: أي أن نشاط الرجال يتركّز على الإنتاج من الأرض بكل ما ينطوي عليه من تغييرات وصناعات.
- توجه النساء إلى الرجال: فالمرأة ترى ذاتها كاملة في ظل وجود الرجل، ويُعدّ الرجل والمرأة متكاملين، فالقرآن الكريم يقول:
(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)[43].
لا يتعارض أي من هذه النقاط مع العقل أو علم النفس، لكن هناك نقطتان جديرتان بالبحث: الأولى «خلق المرأة من الرجل»، والثانية «احبسوا نساءكم».
في توضيح الأولى: خلق المرأة جاء لتكملة الرجل وتحقيق كماله، لذا قيل المرأة من الرجل.
أما الثانية، فهي نصيحة بالاحتراز في خروج المرأة للشارع، وذلك حفاظاً على أمنها الاجتماعي، خصوصاً في ظروف زمنية كان المجتمع يعاني فيها من الفساد والانتهاكات.
الاستشارة مع النساء
- في رسالة إلى ابنه قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
«اجتنب الاستشارة بالنساء، فإن نظراتهنّ إلى التفاهة، وإرادتهن إلى الأمور غير القيمة، فاجعل لنفسك ستر عيونهنّ لكي تكفيهن ويرينك الرجل الوحيد، فإن الشدة في سترهنّ خير لك ولهم من الريبة…»
من وجهة نظر نفسية، غالباً ما تغلب العاطفة على المرأة على العقل، لذا يجب أن يكون الرجل ساتراً لها بحسن أخلاقه، وعلو قدره، واهتمامه بها، حتى لا تميل إلى غيره.
الرجل؛ حجاب المرأة
الرجل الحقيقي هو الذي يجعل نفسه حجاباً لامرأته، بأن يكون نظيفاً، أنيقاً، قوياً، ومهتماً بها، فيرضي حاجاتها ويشبع رغباتها حتى لا ينظر أحد إلى غيره.
المرأة؛ جوهرة الحياة
قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«كان الإمام السجاد (عليه السلام) إذا دخل زوج ابنته أو أخته عليه، يفرش له عباءته ويتحقیق عليها ويقول: مرحباً بمن يستطيع أن يدير حياته ويحفظ عرضه.»
وهذا الحديث يبيّن أساس الحياة الزوجية: إدارة الحياة بكرامة وحفظ العرض، دون دعوة إلى حبس المرأة أو تقييدها اجتماعياً.
المرأة؛ عرض ونقصان
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«النساء عي وعورات، فداووا عيهنّ بالصمت، وعوراتهنّ بالبيوت.»
أي أن النساء في طبيعتها ضعيفات ويجب حفظهن بالصمت وعدم الخروج إلا في الضرورة.
خاتمة
النصوص المذكورة تؤكد على ضرورة الحفاظ على كرامة المرأة واحترامها، مع الاهتمام بدورها في الأسرة والمجتمع. كما تؤكد على أهمية دور الرجل في توفير الحماية والرعاية النفسية والمعنوية لزوجته، بحيث لا يلجأ إلى غيره.
في هاتين الروايتين، وُصِفَت النساء بالعجز. المقصود من عجز النساء هو ما ورد في الرواية التي تقول: “المرأة ريحانة وليست بقهرمانة”، أي أن المرأة زهرةُ الحياة وليست بطلة ميادين القتال. فالمرأة ثمرة الحياة وجوهرة البيت والأسرة التي تحتاج إلى الحماية، وأفضلُ ملجأٍ لها هو دفء البيت وحنان الزوج. ومن الطبيعي أن كلما شعرت المرأة بأمان أكبر في هذا الملجأ، قلت اعتراضاتها ولجأت إلى الصمت والرضا، وهكذا يُمكن تغطية عجزها بالصمت. هذا الصمت ينبع من كمال الرجال وكمال النساء، وليس من شعور بالحاجة أو عدم تحمل المسؤولية. كما أن الصمت ليس مطلوبًا في كل مكان، بل أحيانًا تفرض الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لا علاقة له بغناء النساء أو إسكاتهن. وسيأتي توضيح أوسع لاحقًا.
حبس النساء لا يعني إلا سوء المعاملة للزوجات، ورواياتنا بعيدة عن هذه التفسيرات الضيقة التي يقدمها بعضهم. حبس النساء ومنعهن من الترفيه والمناسبات الاجتماعية، خصوصًا في بيوت الشقق التي تشبه الأقفاص، هو أمر مخالف للعقلانية التي هي شعار الشيعة.
موضوع هذه الروايات لا يتعلق بالفتيات والنساء العفيفات من الشيعة، بل كان موجهًا إلى النساء العاصيات والعاهرات، وخصوصًا الجواري اللاتي كن تحت يد معارضي ولاية الإمام، اللواتي كن معروفات بالفجور. وكان الرجال العرب يفرضون على نسائهم عادات جاهلية، خصوصًا تحت تأثير أخلاق الإمام الثاني، مما كان يمنع النساء من الكلام أو الجدال أو العمل. كانت تلك المجتمعات لا تعترف بحق الحياة للبنات، بل كن يُدفَنّ حياتهن وهنّ على قيد الحياة، بسبب غياب الأمن وسيطرة الغرائز الحيوانية والشهوة عند الرجال، إذ لم تكن هناك رحمة بين قبائل العرب.
الحياة في تلك الأزمان كانت بسيطة، ونقص الوظائف سبب معاناة، مما حال دون وجود فرص عمل مناسبة للنساء. في مثل هذه الظروف، كانت النساء تُعتبر “عاجزات” و”مريضات”، وكان يُعالَج عجزهن بالصمت. ولكن إذا انتشر الرفاهية العامة وتمكنت النساء من التعليم العالي والمهن الاجتماعية المناسبة، وتهيأ لهن بيئة للنمو والتفتح في أجواء من الأمان والحياء الفردي والاجتماعي، فلا يجب اعتبارهن عاجزات.
مثلاً، إذا دُعي طالب علم إلى المدينة للتبليغ وزوجته ليست متعلمة جيدًا، ينصحه بأن تتكلم أقل، وربما ترفض الزوجة الدعوة لإلقاء خطبة. أما إذا كانت الزوجة متعلمة وقادرة على إدارة المجالس، فلا يتردد في تشجيعها على ذلك، وهذا ما يقتضيه كونها اجتماعية.
المرأة والبيت:
قال الإمام علي (عليه السلام): “كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألنا: ما خير النساء؟ فلم نجد جوابًا حتى تفرّق الصحابة، فذهبت إلى فاطمة (عليها السلام) وأخبرتها بما سألنا النبي، فقالت: خير النساء أن لا يروا الرجال ولا يرونهم.” وعندما أخبرت النبي بهذا، سرّ وقال: “فاطمة مني وأنا منها.”
هذه الرواية تعكس من أسرار ولاية الإمام علي، وتُظهر مكانة فاطمة الزهراء في الكون، حيث تُنقل الخيرات والكمالات من خلال يدها المباركة إلى بقية المخلوقات. كما أن الأمر لا يناقض ما قاله الإمام علي عن معرفته بالسماء أكثر من الأرض أو قراءته القرآن قبل نزوله.
هذه الرواية تشير إلى تحذير النساء من الحضور غير المبرر في المجتمع، والتجوال في الأسواق والزيارات المفرطة، وهو أمر لا يتعارض مع حضور المرأة المناسب في المجتمع.
إن المقصود من هذه الروايات هم النساء اللواتي يعشن في بيتهن، غير القادرات على التواجد في مجتمع رجولي قد يكون ملوثًا أو غير آمن، حيث لم يكن السوق أو المدينة آنذاك كبيرًا بما يكفي لتوفير فرص عمل مناسبة للنساء، فكانت النساء يخرجن فقط لشراء حاجات الأسرة، وهو أمر يمكن تأديته مرة واحدة بأوقات محددة.
الشريعة لا تُحبذ أن تستغل المرأة شرائها لشيء كذريعة للخروج والتحدث مع الرجال الغرباء، خصوصًا المرأة التي ليست راضية عن زوجها ولا مخلصة له، والتي تضيع عمرها بين الأسواق والزيارات بلا هدف. الإسلام لم يرضَ يومًا بإخفاء المرأة أو تقييدها بالسلاسل، بل يجب على الرجل أن يتعلم فن الحياة ويكون وحده في عين زوجته، بحيث لا تنظر إلا إليه، فتكون البيت ملجأها الآمن ومسجدها.
طبعًا لا يعني هذا التشديد المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة كما يروج الغرب، بل هناك اختلافات جوهرية بينهما في التركيب الخلقي والدور في الحياة، ويجب احترام ذلك بعقلانية.
المرأة بين المنزل والمجتمع:
المرأة ليست كائنًا منزليًا فقط، والرجل ليس كائنًا اجتماعيًا فقط، بل كلاهما مركب من الاثنين، لكن الأولوية للمرأة في البيت مع حضور اجتماعي جزئي. حضور المرأة في المجتمع يجب أن يكون جزئيًا لا يضر بدورها الأساسي في البيت، كما أن الرجل أولويته في المجتمع ثم البيت.
النساء العاملات في المستشفيات أو المدارس أو المكاتب اللاتي يتعاملن مع جمهور كثير يفقدن هدوءهن النفسي تدريجيًا، وقد يصبن بالاضطرابات العصبية والنفسية، وعندما يأتين إلى البيت لا يجدن الهدوء أو المحبة لأنهن لم يتفرغن لدورهن الأساسي.
في المجتمعات الحديثة، تتنافس الفتيات على التعليم والعمل لتأخذ مكان الرجال في الوظائف، وهذا يسبب بطالة بين الرجال ويجبرهم على البقاء في البيت.
المرأة ليست ضعيفة بالفطرة، والموضوع متعلق بالنساء في زمان صدور هذه الروايات.
إدارة المراكز النسائية:
النساء لسن عاجزات عن القيام بالأعمال الاجتماعية، وخاصة كطب النساء والقبالة. يجب أن يكون لهن حضور قوي في المجتمع حتى يكون لهن مساجد خاصة وإمامة نسائية ذات علم وإيمان، وهذا يضمن كرامتهن ويزيد من أمان الرجال في بيوتهم.
الشريعة تقدم خطة حياة صحيحة للنساء، لكنها تختلف عن ثقافة المسلمين التي هي ثقافة ذكورية متطرفة. كل مجتمع يبالغ في ذكوريته سيواجه عصرًا تهيمن فيه النسوية، ثم يعقبه صراع مستمر.
الدين يدعو إلى ولاية الله والعدل والاعتدال، ويركز على الفطرة والعقلانية.
الحفاظ على العفة:
خروج المرأة يجب أن يكون مع الحفاظ على العفة واللباس الشرعي الكامل، وينبغي عليها الابتعاد عن التبرج والحديث الذي يثير الرجال، فذلك علامة مرض. النساء المريضات يجب أن يبقين في البيت لمنع خروجهن.
خلاصة:
هذه الروايات ليست فقط للقديم، بل تنطبق اليوم على النساء والرجال العاطلين عن العمل الذين يخرجون بلا سبب. إذا كانت المرأة تعمل خارج البيت، فهي ليست من موضوع هذه الروايات.
الدلال والغزل وإثارة الصوت
يجب على الرجل والمرأة معًا أن يحافظا على عفة وسلامة المجتمع، وأن يبتعدا عن الكلام المملوء بالدلال والغزل، لأن وجود هذه الصفة العرضية قد يؤدي إلى تحريم كلام المرأة. أما الكلام بحد ذاته، بصوته ونطقه، فلا حرج فيه، لكن الدلال والغزل في الكلام هما أمران عارضان لا ينبغي الخلط بينهما. يجب التنبه إلى أن تحريم الغزل في الكلام لا يعتمد على تأثير الرجل أو انفعاله، فإذا كانت المرأة في حضور رجل قوي النفس لا يتأثر بدلالها، يبقى فعلها محرمًا، لأن القرآن يأمر بقوله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ)، وهذا الوصف صفة فاعلة، لا تُقاس برغبة الرجل، وإنما يؤمر المرأة أن تخلو كلامها من دلالات تثير الشهوات.
حبس النساء الفاجرات والضعيفات
يتضح من ذلك أن حبس المرأة يعني منعها من التسكع والضياع إذا كانت ضعيفة ومريضة، فهي تحتاج إلى “دواء الصمت” وإبقائها في البيت. أما المرأة التي لها زوج قادر على حفظها، وقد أثار بشجاعته عينيها، فيمكنها، عند الضرورة، المشاركة في الأعمال التي تناسب طبيعتها وبشكل جزئي في المجتمع، والاختلاط الصحي مع الناس. وليس من طبيعة المرأة أن تبقى محبوسة في البيت بالضرورة.
لكن إذا كانت المرأة ضعيفة القلب ومريضة، تتسكع في المجامع العامة وتضيع وقتها، فيجب عليها “دواء الصمت” وهو حبسها في البيت، ويشمل ذلك أن يزيد الزوج من رجولته بحيث يرضي رغباتها الشهوية ويجعلها قانعة به، وإلا فلا دواء يمكن أن يطعم شهية المرأة التي لا تشبع. مثل هذه المرأة، حتى إذا حُبست في البيت، لا تؤدي إلا إلى الفساد وإضعاف نفسية زوجها. وينبغي الانتباه إلى أن الضعف له نطاق واسع، ولا يقتصر على عدم المعرفة أو القوة الجسدية أو الإرادة، فحتى المرأة العالمة، إذا أظهرت دلالها في الحجاب والكلام، فإن كلامها مردود عليها، مثل من يصلي وهو رافق. المرأة التي لا تملك ضبط النفس هي امرأة ضعيفة.
إدارة الوظائف الخاصة بالنساء
إذا كانت المرأة قوية النفس وسليمة القلب، يمكنها أن تتولى الوعظ والخطابة، وأن تحضر في وسائل الإعلام، وأن تُدرس في الصفوف، مع الابتعاد عن الدلال والغزل وأي اختلاط غير لائق. يجب أن يكون حضور المرأة في المجتمع متناسبًا مع قدراتها، بحيث لا تضطر للرجوع إلى الأطباء الرجال. نرى أنه من المحرمات على الرجال أن يمارسوا المهن الخاصة بالنساء. مثلاً، يجب أن تكون بائعة الذهب النسائي امرأة، لأن نظر البائع الرجل قد يسبب اضطرابًا للمشتريّة ولا تمكنها من اختيار ما تريد بسلاسة، كما قد تمنعها من البيع أو الشراء بسعر مناسب. أما إذا كانت البائعة امرأة مؤمنة، يكون لكل من البائعة والمشتريّة راحة نفسية ويحفظ حق المشترية.
كما أن بيع الملابس النسائية (بما فيها الملابس الداخلية والخارجية) على يد الرجال حرام، ويجب على النساء أن يديرن هذه المجالات بأنفسهن. وكذلك على النساء أن لا يتولين وظائف تخص الرجال.
بوتيكات وملتقيات الفساد
في المجتمع اليوم، كثيرًا ما نجد رجالًا فاسدين يعملون في بوتيكات، يستخدمونها ملاذًا للشهوات مع الفتيات، وهذه المحلات ليست سوى بؤر للفساد والرذيلة، وتحدث فيها جرائم عديدة. لا يجوز شرعًا أن تمنح الدولة تراخيص لهذه الأماكن لغير النساء، وينبغي للنساء أن يديرنها ويراقبنها.
في الأصل، لا فرق بين الرجل والمرأة في حق العمل الاجتماعي، والروايات التي تشير إلى الرجال في مجال العمل كانت في زمن لم تكن النساء فيهّن حاضرات في سوق العمل. في حديث:
“كل ما افتتح الرجل به رزقه فهو تجارة”، جاء لفظ “رجل” لأنه لم يكن موضوع آخر، لكن لا يصح أن نحرم العمل على النساء في زمنهن.
إذا لم تستلم النساء مهامهن، فإن شبابًا بلا هوية سيتولون بيع الملابس الداخلية النسائية، وهذا ما يُعد عارًا على المجتمع الديني. على المجلس التشريعي أن يسن قوانين تحدد المهن الخاصة بالنساء والمهن الخاصة بالرجال، وأن يتم تحديد جنس البائع حسب نوع البضاعة.
تحريم المهن النسائية على الرجال
فتوى واضحة لدينا: المهن التي تخص النساء حرام على الرجال، ولا ينبغي لهم أن يختاروها إذا توفرت بيئة مناسبة للنساء ليشغلنها. ويجب على الجهات التنفيذية والمجتمع المسلم أن يتصدى لمن يخالف ذلك لخفض مظاهر الفساد وحفظ غيرة المجتمع الدينية، لأن دخول الرجل لمجالات النساء فساد.
ينبغي للمجتمع أن لا يحقر النساء ولا يجبرهن على الأعمال الخدمية والنظافة، بل يعطى لكل منهن حقها في مهنها مثل بيع الذهب وملابس النساء. وللأسف، بعد عقود من الثورة، لم يتم تحقيق تقدم في هذا المجال، ويظل الفساد في بوتيكات ترتبط أحيانًا بعصابات تهدد المجتمع دينيًا وثقافيًا، وتروج للمخدرات.
إذا كانت البائعة امرأة مؤمنة، فإن المشتريات ستكون أسهل، ولا حاجة لتغيير الملابس مرات عديدة بسبب الارتباك.
إدارة المجتمع ودور الدين
إذا لم يُدار المجتمع بالدين، يظهر الفساد، وللتخلص منه يجب تسليم الأمور للدين والعمل بطرقه، مع تحفيز المرأة على تعزيز ثقتها بنفسها وإبعاد الضعف عنها، لجذب ثقة المجتمع، بحيث تلجأ النساء إلى طبيبات ومركبات نساء دون خوف.
التمثيل الفني للنساء
في مجتمع سليم يحترم العفاف، يمكن للنساء أن يكن ممثلات، ويظهرن أمام الكاميرا في أدوار أسرية، وحتى لو استخدمن كلمات غزلية في التمثيل، فلا حرج لأنهن لا يقصدنها بصدق. لكن إذا استخدمن هذه الكلمات بجدية في القلوب، فهذا حرام.
يجب على الممثل أن يكون مثل الجزار والخياط: عند انتهاء العمل يغسل يديه ويترك مكان العمل ولا يحمل أثره معه إلى البيت. وإلا فهو مريض، وبهذا المرض يُحرم على الممثل مواصلة التمثيل.
النتيجة
الأحاديث التي ذكرناها لا تحبس المرأة في البيت أو تمنعها من حضورها الاجتماعي المعقول، بل لها حرية العمل والتخصص، شرط أن يكون بعيدًا عن الإثارة والشهوات والأمراض النفسية. المرأة يمكنها، بصوتها، أن تمارس الغناء والعزف غير المحترف، مع الحفاظ على صحة المجتمع وعفافه.
البند الثاني:
غناء النساء
الفصل الأول:
الغناء وحلاوة تأثيره
ما هو الغناء؟
الغناء هو انتظام الصوت الإنساني. وفي اللغة، يعني “الغنى” الامتلاك والقوة والقدرة. فالغنى يكون إما ماديًا يمكن نقله ويسمى “قنا”، أو غير مادي وغير منقول ويسمى “غنا”. وقد يكون الامتلاك ماديًا أو معنويًا. فالقدرة ليست مقصورة على الأمور المادية فقط؛ فالغنى يعني القدرة التي تشمل القوة الجسدية — وهي أمر مادي — وكذلك الإرادة القوية — وهي أمر معنوي.
رغم أن “غنا” و”قنا” تستخدمان بمعنى القوة، إلا أن “قنا” تعبر عن ثبات أكثر وتُستعمل للأمور غير المنقولة التي لا تنتقل، لذلك لا تنطبق على الصوت الذي هو قابل للحركة والتغيير. فلم يُسمَّ الصوت بالغنا لأن الصوت يخضع لتغيرات مثل الطول والقصر والارتفاع والانخفاض، ويتغير بنغمات مختلفة مثل التزغيط والتموج.
الغناء بمعنى القدرة له أشخاص؛ فالصوت هو أحد مظاهر القوة. الصوت الخاص يسمى “غناء” لأنه مثال على القدرة. الله غني لأنه يمتلك القدرة والقوة وهو مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى غيره.
الجمال والمال والصوت الجميل كل منها نوع من أنواع القدرة. هذه الأمور تؤدي إلى التفوق على الآخرين. الأشخاص الذين يمتلكون وجوه جميلة أو أصواتًا حسنة يشعرون بالكرامة. الجمال يشبه الغنى ويجلب الثراء، لكن الذين لا يتمتعون بجمال ظاهر — خصوصًا إن لم يكن لديهم إيمان قوي — يشعرون بنقص في الشخصية. امتلاك صوت جميل وقدرة صوتية هو شكل من أشكال القوة. حين يغني شخص بصوت جميل، يستمع له الآخرون بإعجاب واهتمام. الجمال يمكن أن يكون سببًا في السيطرة على الآخرين، وبعض أنواع القوة يمكن أن تُستخدم في التجاوز — مثل الجمال الذي يُرى — إلا إذا غُطي. أما القوة الصوتية فلا يمكن إخفاؤها تمامًا، وإذا حاول الشخص إخفاء صوته فستظل هيمنة الصوت قائمة، كما هو الحال مع المال الذي يجلب الكبر والاعتداد بالنفس.
في تسمية الصوت الخاص بالغناء بمعنى القدرة، يمكن القول إن الصوت الجميل نوع من القوة غير الثابتة التي تتغير في النغمة والصعود والهبوط — وهو ليس كـ”قنا” الذي يختص بالأمور غير المنقولة — وكان هذا النوع من الصوت يُسمع في حفلات الأغنياء والحكام، فسمِّي “غناء”.
كلمة “غني” ومشتقاتها وردت حوالي اثنين وسبعين مرة في القرآن الكريم، ولم يُذكر فيها الغناء بمعنى الصوت أو وصف للصوت، وإنما تعني الامتلاك.
دراسة استعمال كلمة “غنا” في القرآن الكريم تبين أن كل ما يُوصف بالغنى غير الله سبحانه وتعالى يرتبط بالكبر والتعالي، أما إذا استعملت في وصف الله فلا مجال للتكبر فيها، ومثلما يختلف المعنى، يختلف اللفظ.
الصوت الغنائي
“الغناء” ليس مجرد صوت أو كلام، بل هو وصف للصوت. كما أن خلق الصوت أمر معقد، فإن فهم الغناء لا يقتصر على مد أو طريقة تحرير صوت معينة، بل يتطلب معرفة دقيقة وتجربة عملية، لأن الغناء مزيج من الرنين والمرونة والنغمة والتحرير والصعود والهبوط وغيرها من الأمور المعقدة. الغناء وصف للصوت، والصوت والأداء الموسيقي كلها عناصر تكوّن وصف الغناء.
الغناء هو أحد أوصاف الصوت الذي يعطيه انتظامًا وإيقاعًا. الصوت والأداء الصوتي يصنفان إلى جيد وسيئ، والغناء هو الصوت الجيد المنظم. الصوت غير المنتظم وغير الجميل لا يُسمى غناءً. الغناء وصف للأداء الصوتي والتناغم الصوتي الجميل الذي يظهر باستخدام الإمكانيات الطبيعية والعلمية للمغني أو الآلة الموسيقية.
الموسيقى تختلف عن الغناء، فهي أبعد من الصوت والصوت الغنائي، لأنها تشمل الألحان والإيقاع والنوتات والتنوع في الصوت ووسائل الأداء الموسيقي. يمكن أن يُنقل الغناء إلى الآلات الموسيقية، فمثلاً يمكن استخدام الغناء مع آلات مثل الطار أو ثلاثي الأوتار، والفارق يكمن في الممر الصوتي والموضوع.
الموسيقى يمكن أن تكون غنائية أو غير غنائية.
الغناء يتعلق فقط بالصوت ولا يشمل آلات الموسيقى كالعزف على الناي أو الكمان. لا يُقال غناء لكل صوت أو كلام، لأن الغناء وصف صوتي لا كلامي. مدح الشعراء والرواة يختلف عن الغناء الفني. فمديح الشعر قد يكون طويلًا، لكن المغني لا يمكنه تكرار أكثر من قصيدة أو رباعية لأن الصوت المعبر هو الأساس.
الموسيقى أحيانًا تُؤدى بدون كلام باستخدام أجهزة موسيقية مثل الناي والكمان والأكورديون. المغني يدخل في الإيقاع ثم يصعد وينخفض ويعود للجو الأساسي، كل ذلك دون كلام.
الغناء والموسيقى ليسا وصفًا للكلام بل وصفًا للصوت، لذا فإن الاعتماد على الحجج المتعلقة بالكلام لإثبات تحريم الموسيقى أمر خاطئ وخارج عن موضوع البحث.
الموسيقى ترتكز على الصوت وشكله، والكلام مادة صوتية. المتحدث لديه صوت وكلمات، والكلمات مادة الصوت. حتى من لا ينطق يمكنه إيصال معنى بالصمت أو الإشارة. الفنان قد يعتبر صوت الشخص الأصم كلامًا بلا معنى لأنه لا يحمل دلالة لفظية.
الصوت والمادة موجودان في الغناء والموسيقى، ولكن في الدلالة الطبيعية قد تكون المادة ناطقة أو صامتة، وفي الدلالة الوضعيّة، المادة الصامتة غير موجودة.
الغناء يختلف عن المدح، فالغناء يتعلق فقط بتنظيم الصوت، والموسيقى لغة عالمية مشتركة، لذلك يستثمر العالم فيها.
الطرب
الطرب من صفات الغناء، أي الفرح الناتج عن الصوت الجميل والمنظم. يمتد الصوت ويُرتّل ويُغنى بتدفق سلس يثير الطرب. الطرب حالة نفسية تشبه شعور الركاب حين ينزلون من منحدر بسرعة، حيث يشعرون بالخفة والبهجة.
الطرب كذلك موجود في حالات أخرى مثل الانزال النفسي، والتأمل، والسرور الروحي. الطرب ينتج من الجهاز الموسيقي، سواء كان مرحًا أو حزينًا.
الصوت الطربي هو صوت فيه دلع وتحريك وترنم وصفاء. هذه الخصائص تظهر غالبًا في صوت المرأة.
الأسباب الطبيعية التي تثير الطرب كثيرة، ومنها ما ذكرناه، وهذه الحالات مسموح بها شرعًا لأنها ليست ممنوعة بذاتها وإنما منع بعض اللذات بسبب آثار جانبية يجب مناقشتها.
الغناء يخلق طربًا سواء للغني أو للمستمع، ولا طرب بدون انتظام الصوت. قد يكون الصوت يحتوي على مد أو ترجيع لكنه لا يكون طربيًا إذا لم يكن موزونًا.
الصوت والنغمة، عندما تكون ذات جودة عالية وتبعث على الطرب، تثير في الإنسان حالة من الاضطراب النفسي الإيجابي، وتؤدي إلى سرور النفس وارتياحها؛ تمامًا كما يُلهم الإنسان منظر الخط الجميل أو الوجه الحسن أو أي جمال آخر يبعث شعورًا مشابهًا. ورؤية الإنسان الشجاع الكريم تُسعد كل عاقل. والصوت أيضًا يحمل هذا القابلية ولا مهرب منها، ومن لم يستمتع بجمال الصوت فذاك مريض نفسيًا، وإن كان أحيانًا إنسانًا سليمًا، كمن يُقدم له في ظهر رمضان أفضل الأطعمة والمشروبات فلا يتناول شيئًا، بل ينفر من الطعام الطيب، وفي بعض الأحيان يشعر بحالة سيئة، على العكس من الضعيف الذي يستمتع بذلك ويتمنى وقت الإفطار. وإن أراد الإفطار قبل الوقت، يبطل صومه.
الاضطراب النفسي أمر اقتضائي، يشبه السكين أو المسدس، فالأمر يعتمد على من يملكه ونواياه؛ فإذا كان في يد مختل نفسيًا، يصبح خطرًا، وإذا كان في يد عاقل شجاع قوي، فلا يُشعر بالخطر. والقابلية هنا غير السبب والعلّة. الطرب في العالم الحالي له اقتضاءات شرعية وغير شرعية. في عصر الخلفاء الظالمين والعالم الفاسد، إذا وُجهت الموسيقى والغناء والطرب إلى أيدي أهل الدنيا وجبهة الباطل، فتصبح كسلاح في يد مختل، لأنها تحث الإنسان على الحرام والغفلة والمعصية. الصوت والطرب بحد ذاتهما لا إشكال فيهما، بل هما حسنان إذا اقتضيا ذلك، ولا يفسدان إلا إذا كانا في خدمة الفساد والشر.
الصوت متصل بالمضمون والمادة التي يحتويها. والمضمون هو تركيبة من الصوت والنغمة. في الكلام، يظهر الصوت أولًا، فإذا اعتُمِد على مخرج الفم وأضيف إليه الصوت، يظهر الكلمة. الصوت والنغمة مع المضمون والزمان والمكان والخصائص الأخرى مثل طريقة القراءة ونوع النفس ومرحلته تختلط معًا، فتنتج صوتًا حسنًا أو قبيحًا. الصوت الطربي، سواء أكان مفرحًا أم حزينًا، يحمل خصائص لا تتعلق بالصوت فقط. فمثلًا، إذا غنى قارئ لفاقد والده على مقام دشتي أو شور أو اصفهاني، يبكي، بينما إذا غنى على مقام آخر في مجلس فرح قد يثير النفور أو حتى الضحك. لذلك في المجالس الفرحية يُنصح بالغناء على مقام زابل أو چارگاه أو بيات ترك لتجنب تحويل الفرح إلى حزن.
نسبية استحسان الصوت
علم الموسيقى يخدم تدريب الصوت، وهو مرتبط بالنفس ويعزز قوة الشعور لدى الإنسان. اللحن الموسيقي يختلف: أحيانًا يكون بمقام، وأحيانًا بدون مقام؛ أحيانًا طبيعي، وأحيانًا مكتسب؛ أحيانًا فطري، وأحيانًا غير فطري؛ أحيانًا جماعي مؤلف، وأحيانًا منفرد.
الصوت له مضمون ومادة، والمضمون يرتبط بحالة النفس في اللحظة. إذا لم يُراعَ هذا التناسب، قد يصبح الصوت مؤلمًا ومزعجًا. الازعاج قد يكون من الصوت نفسه أو من النفس أو من عوامل أخرى غير متناسبة معه، كحجم الصوت أو طبيعته أو العلاقة بالمقام المختار أو المحتوى. الازعاج قد يكون بسبب قرب الصوت أو بعده أو نوعه. كل هذه التناسبات والاختلافات في الصوت والاستماع تظهر بأشكال متعددة. معرفة هذه الأمور ضرورية لكل من يريد العمل في الموسيقى أو يصبح موسيقيًا.
ارتفاع الصوت وعرضه وقربه وبعده والزمان والمكان وخصائص النفس ونوع الصوت المكتسب، سواء كان موزونًا أو غير موزون، كلها تؤثر في جودة الصوت. إذا أُخذت هذه الخصائص بعين الاعتبار وخلقت تناسبًا، لا مانع من الصوت، أما إذا طرأ أدنى خلل، فقد يضر بالنفس ويُعتبر عنصرًا ضارًا، وقد يعارضه الشرع لأجل ذلك.
استحسان الصوت نسبي ويعتمد على عوامل كثيرة. أصوات الناس مختلفة، فبعضهم يغني من الحلق، وبعضهم شفوي أو شفوي-شفتوي. اختلاف الصوت في المقامات له تأثير. مثلًا مقام چارگاه قريب من الصوت الشفوي، أما سهگاه فهو حلقوي ويحتاج للحنجرة. كذلك طريقة الصوت والنطق تتناسب مع البيئة. من يعيش في الجبال له صوت مختلف عن من يعيش في الوديان. صوت شخص ألماني يسرّه ويسعده، لكن إيرانيًا قد يراه غير لطيف، ليس بسبب الصوت، بل بسبب التربية والذوق. الصوت الطبيعي والفطري مشترك بين الجميع، حتى الحيوانات، لكن المحتوى هو المختلف، والذي يجب أن يتناسب مع ذوق الفرد حتى يكون مقبولاً. كما هو الحال مع الحلوى أو الحموضة، كل شخص يفضل نوعًا حسب ذوقه.
ينبغي للمؤذن أن يؤذن بصوت حسن، ليكون مقبولاً للجميع ومتوافقًا مع جميع الأذواق.
الحزن والشيون والسرور
الحزن هو ألم لطيف، مقابل الشيون وهو ألم خشن. المقامات الخشنة تسمى شيون، والناعمة حزينة. مثلًا مقام شوشتي، ماهور وسهگاه حزينة، بينما چارگاه صاخب وخشن يصل إلى الفزع.
ورد في الحديث أن القرآن نزل بالحزن، فليُقرأ بحزن، أي بصوت ناعم وهادئ، مقابل الصوت الصاخب الخشن. القرآن مظهر لصفة “يا لطيف” ويجب أن يُتلى بلطف وحزن.
الحزن طربي أيضًا. مقام دشتي مقام حزين، والشور كذلك، ولكنهما طربيان. من يغني دشتي أو زابل يُحدث طربًا حزينًا قد يبكي المستمع. الطرب ينقسم إلى حزني وسروري، فإذا هبط القلب فهو حزن، وإذا ارتفع فهو سرور.
التجويد
التجويد هو إتقان النطق بكل حرف وأداءه بحقوقه، وهو من ضرورات الغناء، إذ يتبع الغناء. التجويد وصف للكلمة، والغناء وصف للصوت. الغناء قد يكون بلا تجويد، ولكن الكلمة المجودة لا تكون بلا غناء.
التجويد مهم لتحسين تلاوة القرآن الكريم، مثل مَدّات القرآن التي تتطلب تغنيًا لإتقانها، وسورة الفاتحة أصعب السور في ذلك. لا يمكن تلاوة المَدّات الثقيلة دون تغني، كما لا يمكن قراءة القرآن جيدًا بدون غناء.
يُطلق عليها “فاتحة” لأنها فاتحة وخاطمة، ولا يمكن فتح وإحداث أثر دون تغني. أهل التوراة يقرؤون بتردد وصمت، ويحجمون عن الغناء خوفًا من النقد، مثل من يحول الحروف لإخفاء طريقة النطق.
النغمة
النغمة الصوتية تعني تنقية الصوت وتنعيمه. الصوت الجميل عندما يقترن بجماليات أخرى ويصبح رقيقًا يسمى نغمة، وهي مختلفة عن حدّة الصوت.
الترجيع
الترجيع هو تدوير الصوت في الحلق وإصدار ما يشبه الزقزقة، ويسمى أحيانًا تحريرًا. “هاها” في الغناء أو الزقزقة تبرز معنى الترجيع. للحيوانات أنواع مختلفة من الترجيع، فبلبل والصراصير لهما ترجيع جميل وعالٍ، والحمير لها صوت قوي أيضًا.
التهييج
الصوت يمكن أن يكون طربيًا ومثيرًا. العلاقة بين الطرب والتهييج من حيث المنطق هي علاقة عموم وخصوص من حيث الوجه، فالصوت قد يكون لا طربيًا ولا مهيجًا، وقد يكون كلاهما، أو واحدًا فقط. بعض الأصوات مطربة ولكنها لا تثير، وبعضها يثير ولا يطرب، وتثير حركات الجسد من العين والحاجب والصدر والذراع لدى المستمع أو المتحدث.
يجب الانتباه إلى أن الطرب والتهييج صفات فاعلة في الصوت، أي أن الطرب والتهييج في الصوت موجودان بذاتهما، وإن كانا يتطلبان تأثيرًا على المستمع، فعليتهما تتحقق بالاستماع، سواء كان المستمع يفرح أم لا.
الصوت الطربي يقتضي وجوده في صوت معين، وإن لم تتحقق الظروف قد لا يثير الطرب لدى البعض، فمثلًا مرضى نفسيًا قد لا يستمتعون بالصوت الجميل، أو الصوت الطربي في مكان ضيق قد يسبب إزعاجًا. لذا الصوت اقتضائي للطرب وليس سببًا قاطعًا.
الصوت المهيج كذلك، فهو صفته اقتضائية، ولا يجوز اعتباره مطلقًا حلالًا أو حرامًا. التهييج مثل الكذب، حكمه يتغير حسب الزمان والمكان والشخص. قد يكون التهييج في محيط الزوجية مباحًا، وفي سياق محرّم حرامًا. لذا يجب الحذر في التعامل مع التهييج.
التهييج قد يكون نابعًا من الصوت ذاته أو من صاحب الصوت أو من العوامل الخارجية. امرأة عارية تغني وتغمز حتى لو لم يكن صوتها جيدًا تفسد المجتمع، والرجال كذلك إذا كانوا مثيرين، والحال سواء كان الجمهور بارد المشاعر أو شديدها.
اقتضائية الصوت في التهييج تعني عدم جواز الحكم المطلق. التهييج قد يكون حلالًا إذا كان لأمر مباح، وحرامًا إذا كان لأمر محرّم.
عندما يُصدَر الصوت من آلةٍ موسيقيةٍ خاصةٍ ويُمنَحُ له طابعٌ موسيقيٌّ منظّمٌ، فإنّه يُسببُ لذّةً نفسيّةً ويُنشئُ إحساسًا بالبهجة. كلُّ إنسانٍ ما زالت قنوات إدراكه وحواسه سليمةً، يستمتعُ بالصوت الجميل. أمّا المؤمن، فقد ينزعجُ من الغناء إذا كان مصحوبًا بالمعصية؛ ولكنَّ انزعاجه يكونُ من كون العمل معصيةً، لا من جمالية الصوت المنظّم. فالإنسانُ الذي يتألّمُ من الجمالِ ليس بصحّة نفسيةٍ سليمةٍ. بناءً على ذلك، إذا لم يستمتع أحدٌ بالغناء الموسيقي، فهو إمّا يعاني من اضطرابٍ نفسيٍّ أو يفتقر إلى الحيوية والطبع.
الاستمتاع بالصوت الجميل أمرٌ فطريٌّ، والمرأةُ تمتلكُ قدرةً فطريةً أكبر على إنتاج الأصوات الجميلة والمُرضية. اللهُ تعالى قد وهب الإنسان حالةً يستمتعُ فيها بالصوت المتناغم؛ وإنّما موضوع اللذّة النفسية هو النفسُ وما ينبعُ منها. كما أنَّ كلَّ إنسانٍ لديه ذوقٌ فطريٌّ يميّز به طعم الطعام الجيد من الرديء، كذلك النفسُ في كلِّ فردٍ تستمتعُ بالصوت الحسن وترفضُ الصوت الرديء. هذا الكلام مخصّصٌ للناس العاديين. أمّا المؤمنون المتوسطون، فهم يمتلكون عقلانيةً وتقوىً تُقلّلان من سيطرةِ الملذاتِ النفسانية، أمّا أولياء الله، فلهم إرادةٌ إلهيةٌ تُسعدُ نفوسهم من خلال الفعل الحق، لا من الملذاتِ النفسية.
المصدر الشرعي لحكم غناء النساء
مصادر حكم الفقه في غناء النساء هي: القرآن الكريم، الأحاديث، الإجماع، والدليل الفقهي في ستر صوت المرأة.
بعضُ الفقهاءِ يعتبرون حرمة الغناء ذاتيةً بالإجماع. ولكن هذا الإشكال قائمٌ لأنهم لم يُبيّنوا موضوع الإجماع ولم يحددوا أي نوع من الغناء يُحرم. هذا الادعاء بالإجماع معيبٌ ومبهم. وجود إجماعٍ على حرمة الغناء ذاتيًا لم يُثبت، ولو ثبت لكان لا يعتمد عليه بسبب كثرة الأدلة ونوعيتها. بالطبع، هناك إجماعٌ على بعض الأنواع من الغناء التي تُحرّم جزئيًا وفي بعض الحالات، لكن الإجماع على مسألةٍ لها أدلّةٌ واضحةٌ لا يُعدّ حجةً. كما أن الفتوى الشائعة ليست حجةً شرعية.
أيضًا، إثبات الحرمة لا يتطلب إجماع أهل البيت عليهم السلام، كما يدّعي بعضهم، فلو قال أحد الأئمة الطاهرين بحرمته، فذلك كافٍ.
الاعتماد على أنواع الإجماع المختلفة مثل الاجماع اللطفي أو الكشفي ناتجٌ عن سرعة التصديق واليقين القطعي، في حين أنّ الوصول إلى اليقين في مراجعة الأدلة الدينية أمرٌ نادرٌ جدًا. كما أنّ اتفاق الفقهاء على مسألةٍ أمرٌ نادرٌ، وهم في العادة يختلفون.
الشيخ الأنصاري في “رسائل” أثبت بطلان جميع أنواع الإجماع على نحو قاطع. ومع أننا نقرّ بأهمية الإجماع القديم إذا لم يكن هناك دليل، إلا أن لدينا أدلة كثيرة حول الغناء والموسيقى؛ لذلك لا نعتبر الإجماع من مصادر الأحكام المتعلقة بهما، وسنُركّز على القرآن الكريم، الأحاديث، والدليل الفقهي في ستر صوت المرأة.
القرآن الكريم
القرآن الكريم لا يحتوي على آيةٍ صريحةٍ تحرّم الغناء والموسيقى أو غناء النساء بشكلٍ مطلق، ولكن توجد أحاديث تفسيرية لأربع آياتٍ تشير إلى “القول الزور” (الاعتقاد بالباطل)، “الشهادة الزور”، “الكلام اللغو”، و”القول الباطل”؛ حيث تفسر في الأحاديث “القول الزور” على الغناء.
عندما يقال: «الإنسان ضاحك»، فالضحكُ أمرٌ عرضيّ، ولكنّ العرضَ الضروري الذي لا ينفكُّ عن الإنسان هو الاستعداد له، ويُعتبر ذيليًا ذاتيًا للإنسان بناءً على البرهان، وليس ذاتيًا من باب الكليات الخمس. وأما القول «الإنسان ناطق» فذاتيٌ، مع أنّهما متساويان، لأنّ «كل ناطق ضاحك» و«كل ضاحك ناطق»، والفرق بينهما أن الذاتي لا يقبل سؤال «لِمَ؟»، أما العرضي فيقبل ذلك، وحكم كلٍ منهما يختلف عن الآخر. ومن ثم، إذا ضحك الإنسان يمكن أن نسأله: لماذا ضحكت؟ وأمّا النطق فلا يجوز سؤال «لِمَ؟» عنه.
ويجدر بالذكر أنّ بعض الحيوانات تعجب وتضحك ولها نطق خاص، وإن كان الضحك والنطق الذاتي للإنسان مختلفًا عن ذلك.
وهذا يعني أنّ كل موضوع يجب أن يُعرف بأحكامه وخصائصه، وكذلك بذاته وعوارضه، ثم يُستنبط الحكم عليه. وبديهي أنّ حكم الموضوع قد يتغير بتغير العوارض واللواحق، فهل يكون حكم التحريم في الغناء والموسيقى عرضيًا بناءً على انصراف الناس عن الدين وميولهم إلى الحكومات الظالمة؟ وإذا كان كذلك، فإذا تسبّب الغناء والموسيقى في إقبال الناس على الدين، هل ينزّل الحكم بالتحريم؟
سبق القول أنّ الاستنباط الصحيح للحكم يتطلب معرفة كاملة بجميع العوارض التابعة للموضوع، لا أن يحل عرض مكان عرض آخر في الحكم، ولا أن يُنسب الحكم الذي يُعطى للموضوع بناءً على عرض إلى ذاته، لتجنّب مغالطة الأخذ بالوجه بدل الذات أو النظرة التحويليّة.
وكما ذُكر، الفقيه لا بُدّ له من معرفة الموضوع وتحولات التاريخية له لاستنباط الحكم الصحيح، والاستنباط من دون هذه المعرفة ناقص. ولا يكفي حفظ بعض الروايات ودراسة سندها في حكم الغناء والموسيقى، بل يجب أن يمتلك مبادئ الاستنباط اللازمة. لذا، علينا دراسة تاريخ الموسيقى في صدر الإسلام وزمان صدور الروايات لفهم تطورات الموضوع والظروف المكانية والزمانية التي تحكمه، وهذا أمر في غاية الأهمية ويظهر بوضوح في الأدلة التي نعرضها في هذا الكتاب، التي تؤكد أنّ أحكام الغناء والموسيقى في الروايات لا تتجاوز ما ذكره القرآن الكريم.
ظهر الإسلام في زمن كان فيه العرب الجاهليون يمارسون الخمر والقمار والرقص والموسيقى معًا، وكانت هذه الأمور رمزًا لثقافتهم الجاهلية. وكان لزامًا على الإسلام أن يقف بحزم ضد هذه المظاهر المتشابكة التي كانت تُعرض جميعها معًا، وخاصةً في مواجهة ثقافة استخدام الخمر التي تم التعامل معها تدريجيًا بأسلوب متدرج. في ذلك الزمان، لم يكن هناك استعمال مباح للغناء والموسيقى، إذ لم يكن يُعزف المزمار إلا في سياق المحرمات. وعلى الرغم من أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم المدينة لمدة عشر سنوات، إلا أنه كان يواجه معارك وغربة، وكان الوضع الحربي في المدينة سائداً، مع استشهاد العديد من أصحابه من خواص أنصاره، فلم تُترك فرصة للانشغال بالغناء والموسيقى الحلال، سوى الموسيقى الحماسية التي استطاعت في تلك الفترة أن تظهر وتُستغل لصالح الدين.
لقد اقتضى الصراع مع القمار والخمر وما يرتبط بهما من غناء وموسيقى أن يكون التعامل معها بكل قوة وحزم. كانت هذه الرذائل متغلغلة في الروح العربية إلى حد أنه لم يكن بالإمكان التحدث عن حالات مباحة منها، لأن مجرد الحديث عن الحلال كان يدفع الناس بقوة نحو الحرام. إن مراعاة الزمان والمكان وخصوصيات الفترة التي صدر فيها الحكم وتنفيذه أمر بالغ الأهمية لفهم طبيعة الحكم.
بعد انقلاب سقيفة بني ساعدة، أصبح الباطل مصدرًا لكل شيء في العالم الإسلامي، واستولى الأمويون والعباسيون على كل ما أمكنهم استيلاؤه. ونتيجةً لذلك، وحينما وقعت بيد السلطة أغاني وموسيقى ذلك العصر، ابتعد أهل الحق عن الغناء والرقص والغناء، وأصبحت الأدوات الموسيقية تستخدم فقط في الأمور المحرمة، إذ لم يكن هناك دولة شيعية تحكم وتسمح باستخدام الموسيقى في إطار مباح. كان خلفاء الظلم يشعرون بقوتهم، ويقومون بفعل ما يشاؤون بالدين، ولذلك أصدر الفقهاء أحكامًا بتحريم الموسيقى والغناء، وهو حكم موضوعي في ظل غياب الدولة الإسلامية الشيعية التي تحكم على وفق ولاية أهل البيت (عليهم السلام). وإذا تغيرت الظروف وظهر حكمٌ شيعيٌ قادرٌ على استخدام الغناء والموسيقى لخدمة نشر الشريعة وإثارة مشاعر الناس في سبيل جذبهم إلى طريق الروحانية وتحقيق منفعة عقلائية مباحة، فلا دليل فقهي يمنع ذلك.
في تلك الفترة، كانت الموسيقى في جميع المدن تخدم الحكومات الظالمة، وكان الشيعة يعيشون في غربتهم وتقيتهم وذلّهم وقلة عددهم. لم يكن بإمكانهم أن يمتلكوا حتى الدف أو الطبل أو غيرها من الأدوات، ولا أن يسمعوا أصواتًا أو حتى يشاعوا أشعارهم أو كتبهم العلمية خوفًا من أن تقع في أيدي أعدائهم. وبطبيعة الحال، لم يكن الطبل والتنبك، وتأثيرهما القوي على العواطف وتحريكها ضد الحكم، يمكن أن يستخدم في خدمة الدين والولاية. بناءً عليه، فإن استخدام تلك الأدوات التي تقع في خدمة الدولة الظالمة يعد ترويجًا للحكم الجائر، وهو أمر محرم. وبفحص الأحاديث والأدلة المتعلقة بالموسيقى والغناء يتبين أن تلك الأدلة تشير إلى هذا النوع من الحالات.
وكانت آلات الموسيقى المذكورة في الروايات، على الرغم من عدم شموليتها، موجودة في يد السلطة الطاغوتية، وذكر هذه الأدوات والشعراء والمجالس واعتبارها محرمة كان إشارة إلى مجالس خلفاء الظلم، ولم تشمل الأدوات التي في يد المؤمنين أو شعراء أهل البيت عليهم السلام. فقد كانت الحق والولاية في تلك الأزمان في حالة غربة وتقية، ولم يكن هناك دولة أو حكومة تتيح استخدام «الصوت» للتبليغ. جميع الأصوات والمجالس التي تتضمن رقصًا وموسيقى وكذلك العود والطبل والدف وغيرها من أدوات التسلية، كانت في خدمة جبهة الباطل والظلم، ولم يكن لها أي مثال مباح حتى يُناقش. كما أنه لم يسأل أحد من الرواة عن مصاديق الحرام في الغناء، لأنه كان واضحًا لديهم أن المراد هو تلك الأمور التي كانت في يد خلفاء الظلم، والمصاحبة للخمر والقمار والرقص والنساء الراقصات، وكل ما يخدم جبهة الباطل فهو حرام بطبيعته، لأن الانتماء إلى جبهة الباطل والظلم ذات قبح وحرمة ذاتية، ويشمل كل ما يتبعها.
في زمن الأئمة المعصومين عليهم السلام، لم يكن هناك دعاة غناء من نوع دعبل خزاعي، بل كان الشعراء في خدمة البلاط، وكل آلة موسيقية كانت تستخدم في تلك المجالس فقط، وكانت الموسيقى كلها في خدمة النظام الظالم وضد جبهة الحق. وكان الغناء في ذلك العصر مملوءًا بالفجور والفساد والفحشاء. إذ كان خلفاء الظلم يضيقون على أئمة الشيعة حتى لم يتمكنوا من إبلاغ كلماتهم لأتباعهم، ومن هنا لم يتم شرح الغناء والآلات الموسيقية الولائية لأتباع أهل البيت عليهم السلام. لم تتاح للأئمة عليهم السلام الفرصة لبيان جميع الحقائق صراحة، بل اكتفوا بالتلميح والإشارة، فقد لم تسمح الظروف الاجتماعية للبحث والتحقيق في موضوع الغناء والموسيقى، كما أن الأئمة عليهم السلام، رغم علمهم الغيبي، لم يعرضوا المسائل بشكل مدرسي، بل اكتفوا ببيان حكم الواقع العملي في مجتمعهم.
استولى سلاطين بني أمية وبني العباس على كل شيء، من النكتة إلى الشعر والموسيقى والرقص وحتى القرآن الكريم، لاستخدامها في بقاء حكمهم. وإذا قال الإمام لهم إن قراءة القرآن في تلك الظروف محرمة، لَم يكن لذلك معنى، لأنهم كانوا يستخدمون القرآن أيضًا ضد الدين ولترويج الباطل. كما حدث في عهد أمير المؤمنين عليه السلام حين استخدم الأعداء القرآن كدرع ودافعوا به عن معاوية، وجعلوا من هذا القرآن حِجّة تحفظ معاوية، رغم ما تسببوا به من معاناة لعلي عليه السلام. وكان النظر إلى مثل هذه النسخ من القرآن وحفظها حرامًا، وكان ينبغي أن توجه الأسلحة نحو هؤلاء الطغاة.
إذا ورد في الروايات ذكر النهي عن «المزامير» (أي النايات)، فإن المقصود منها هو النيات التي كانت موجودة في زمن صدور الروايات، وهي التي كانت تُبعد الناس عن أهل العصمة وتضعف الدين، وتقوي جبهة الباطل، ولا يشمل ذلك النايات التي يستخدمها الراعي في البادية أو التي تعزز ذكر الله عند العازف والمستمع. وهذا مثل تحريم شراء وبيع الراديو والتلفزيون في زمن الطغاة، لأنهما كانا في يد أعداء الدين ويُستخدمان لنشر الفساد، وقد ثبتت الإحصائيات التي تؤكد ذلك.
في زمن الأئمة المعصومين عليهم السلام، كان هناك قرّاء يغنون حرامًا، وحفلات موسيقية ومجالس غناء كثيرة، وقليلًا ما كان يوجد غناء مباح. ولذا كان أي من يحمل آلة موسيقية كالعود أو الرباب يُنسب إلى هؤلاء المنحرفين الذين كانوا في خدمة النظام الظالم. لم يكن هناك مجالٌ لأحد أن يلقي شعرًا أمام الإمام المعصوم أو يعزف نايًا، وكان أتباع أهل البيت في حالة مطاردة وتقية، ولم يظهر بينهم من يعزف أو يغني لخدمة الولاية، كما لم يكن من الشعراء البارزين من يظهر ولاءه لأهل البيت إلا عدد قليل جدًّا مثل فرزدق وطاووس اليماني وامرأة همدانية.
كان حمل آلات الموسيقى في ذلك الزمان مثل حمل الهاتف المحمول اليوم، لا يُعتبر أمرًا عاديًا، بل يشير إلى ارتباط بالسلطة الحاكمة. ومن كان يحمل آلات الموسيقى في تلك الحقبة يُعتبر من المنحرفين وفاسدي الأخلاق، ولذلك تحاشى أهل الحق وأتباع الولاية الاقتراب من هذه الآلات. وقد تشير بعض الروايات إلى أن الرواة كانوا يُعاتبون إذا اقتربوا من أماكن تُقام فيها مجالس الغناء والموسيقى، ويُوصون بالعيش الكريم والابتعاد عن الفساد. أما أهل المعصية والفساد الذين كانوا يحظون بدعم بلاط الأمويين والعباسيين، فكانوا يعقدون الحفلات الموسيقية الليلية ويحولون بيوتهم إلى دور غناء، بينما كان أهل الحق عاجزين عن عقد حتى أصغر الاجتماعات، فكانوا يطاردون في أزقة المدينة أو البوادي، مثل حجربن عدی وميثم وتميم وزرارة وعبدالعظيم، وهم من أعظم أنصار الأئمة، الذين عانوا التشريد والذل وأسر نسائهم وأطفالهم، وتعرضوا للتشويه والتعذيب.
ويُذكر أيضًا أن الأصل في الموسيقى والغناء من منظور أهل البيت عليهم السلام ليس القطيعة التامة أو الحظر العام، بل الحذر من الانزلاق إلى ما هو مخل بالفضيلة والأخلاق، وما يؤدي إلى الابتعاد عن طاعة الله تعالى وأهل بيته عليهم السلام. فقد كانت هناك أشكال من الغناء والموسيقى التي تُستخدم في سياقات إيمانية، مثل الإنشاد الديني والابتهالات، والتي تعزز الروحانية وتزيد من ارتباط النفس بالله تعالى، وهذه لم تكن ممنوعة.
وقد دلّت بعض الأحاديث والروايات على جواز استخدام الآلات الموسيقية في إطار معين، بحيث لا تُؤدى إلى الفساد أو الفجور أو الانغماس في الشهوات. أما ما كان يُروَّج له في المجالس السلطانية من غناء مُفسد، أو ما يرافقه من مشاهد الرقص والخمر، فكان ممنوعًا جملة وتفصيلاً، لما فيه من إساءة إلى الدين وانتهاك لحرمة النفس والمجتمع.
كما أن الشريعة الإسلامية جاءت متوازنة في معالجة هذه القضايا، فهناك مرونة في الفقه الإسلامي تجاه بعض أنواع الموسيقى إذا كانت تخدم المصلحة ولا تفضي إلى الفساد، ولكنها تظل محكومة بضوابط صارمة تمنع الانحرافات الأخلاقية والفساد الاجتماعي.
ويُستفاد من سير الأئمة عليهم السلام وأصحابهم أن الابتعاد عن آلات الموسيقى كان في إطار سياق اجتماعي وسياسي محدد، تزامن مع اضطهاد النظام الحاكم، حيث إن استخدام الموسيقى كان مرتبطًا بالحكام الظالمين الذين استغلوا هذه الفنون لخدمة مصالحهم الخاصة، وأي انتماء لها كان بمثابة تأييد لهذا الظلم.
وبذلك، يمكن فهم النصوص الدينية التي تنهى عن الغناء والموسيقى في هذا السياق الخاص، دون تعميمها على كل أشكال الفن الموسيقي، خصوصًا ما يخدم التقوى والعبادة ويقرب الإنسان من الله تعالى.
وفي الختام، إن دراسة هذه النصوص بحاجة إلى فهم دقيق للسياق التاريخي والاجتماعي الذي صدرت فيه، ومراعاة المقاصد الشرعية التي تهدف إلى حماية الدين والروح والنفس، وليس مجرد التحريم المجرد دون فهم.
ويُذكر أيضًا أن الأصل في الموسيقى والغناء من منظور أهل البيت عليهم السلام ليس القطيعة التامة أو الحظر العام، بل الحذر من الانزلاق إلى ما هو مخل بالفضيلة والأخلاق، وما يؤدي إلى الابتعاد عن طاعة الله تعالى وأهل بيته عليهم السلام. فقد كانت هناك أشكال من الغناء والموسيقى التي تُستخدم في سياقات إيمانية، مثل الإنشاد الديني والابتهالات، والتي تعزز الروحانية وتزيد من ارتباط النفس بالله تعالى، وهذه لم تكن ممنوعة.
وقد دلّت بعض الأحاديث والروايات على جواز استخدام الآلات الموسيقية في إطار معين، بحيث لا تُؤدى إلى الفساد أو الفجور أو الانغماس في الشهوات. أما ما كان يُروَّج له في المجالس السلطانية من غناء مُفسد، أو ما يرافقه من مشاهد الرقص والخمر، فكان ممنوعًا جملة وتفصيلاً، لما فيه من إساءة إلى الدين وانتهاك لحرمة النفس والمجتمع.
كما أن الشريعة الإسلامية جاءت متوازنة في معالجة هذه القضايا، فهناك مرونة في الفقه الإسلامي تجاه بعض أنواع الموسيقى إذا كانت تخدم المصلحة ولا تفضي إلى الفساد، ولكنها تظل محكومة بضوابط صارمة تمنع الانحرافات الأخلاقية والفساد الاجتماعي.
ويُستفاد من سير الأئمة عليهم السلام وأصحابهم أن الابتعاد عن آلات الموسيقى كان في إطار سياق اجتماعي وسياسي محدد، تزامن مع اضطهاد النظام الحاكم، حيث إن استخدام الموسيقى كان مرتبطًا بالحكام الظالمين الذين استغلوا هذه الفنون لخدمة مصالحهم الخاصة، وأي انتماء لها كان بمثابة تأييد لهذا الظلم.
وبذلك، يمكن فهم النصوص الدينية التي تنهى عن الغناء والموسيقى في هذا السياق الخاص، دون تعميمها على كل أشكال الفن الموسيقي، خصوصًا ما يخدم التقوى والعبادة ويقرب الإنسان من الله تعالى.
وفي الختام، إن دراسة هذه النصوص بحاجة إلى فهم دقيق للسياق التاريخي والاجتماعي الذي صدرت فيه، ومراعاة المقاصد الشرعية التي تهدف إلى حماية الدين والروح والنفس، وليس مجرد التحريم المجرد دون فهم.
وقد أضحت الموسيقى في العصور التالية أداةً في يد السلطات الظالمة، إذ استُغلّت لتثبيت أركان الحكم الجائر، وتشويه صورة الدين وأهله، فكانت مجالس الغناء والرقص التي تُقام في بلاطات الخلفاء الأمويين والعباسيين مراكز للفساد والانحراف. في تلك الأوقات، كان أهل الحق والولاء لأهل البيت عليهم السلام يعيشون في أحلك ظروف القمع والاضطهاد، ولم يكن لهم سبيل للاستفادة من الموسيقى في سبيل نشر الدين أو تعزيز الروحانيات.
ومن هنا نشأت قاعدة فقهية مهمة، تنص على أن حكم تحريم الموسيقى والغناء لا ينطبق على ذاتهما المطلقة، بل يُنظر إلى السياق الذي تستخدم فيهما، فالآلات الموسيقية التي في يد الطواغيت وأعداء الدين تعتبر محرمة، لما فيها من تعزيز للفساد، أما الموسيقى التي تُستخدم في إطار شرعي يخدم مصالح الدين وأهله، فلا مانع شرعي منها.
ويؤكد هذا الفهم أن الأحكام الشرعية ليست جامدة أو مطلقة بدون مراعاة للزمان والمكان والظروف المحيطة، وإنما هي متغيرة تبعًا للمتغيرات التاريخية والاجتماعية. فالفقهاء مطالبون بفهم واقع الموضوعات التي يصدر فيها الحكم الشرعي، والتمييز بين العَرَض والذات، وبين ما هو مرتبط بالزمان أو المكان، وبين ما هو جوهري وثابت في ذات الموضوع.
وفي هذا السياق، تكون المحاكم الشرعية وفتاوى العلماء أكثر دقة وواقعية، بعيدًا عن المغالطات والمنهجيات الأحادية التي قد تؤدي إلى ظلم أو تحريم غير مبرر. ومن ثم، فإن دراسة تاريخ الموسيقى والغناء في الإسلام، ومعرفة ظروف صدور النصوص الشرعية في هذا الشأن، ضرورة علمية لا غنى عنها للاستنباط الصحيح والموضوعي للأحكام.
الظلم النظامي والفساد المنظم
في زمن صدور الروايات، تولّى خلفاء الجور من بني أمية وبني عباس هندسة ثقافة وفكر الناس، وجعلوا إقامة المجالس والحفلات المحرّمة التي تتمحور حول الغناء والموسيقى من أولوياتهم. ومن جهة أخرى، تبنى الشيعة سياسة التقية للحفاظ على أنفسهم من ظلم وظلم الحكام الجائرين.
رغم أن الأئمة الشيعة كانوا يبيّنون بطلان النظام والحكم الظالم، إلا أنهم لم يكن لديهم القدرة على التصدي لكل جوانب الجهاز الحاكم. فالروايات التي تنهى بنبرة شديدة عن الغناء والموسيقى تكشف عن مدى سوء استغلال الأعداء لترويج الغناء والموسيقى كوسيلة للسيطرة على إرادة الناس.
كان هؤلاء الأعداء ينظمون المجالس والحفلات الموسيقية والغنائية، ويدعمون المطربين والمفسدين والشعراء، بهدف تقريع الجماهير وتقريبهم من الخليفة الجائر، ومنعهم من التفكير في وجود الإمام الباقر أو الإمام الصادق في مجال الفكر والسياسة بين المسلمين. وكانوا يسهرون الناس حتى ساعات متأخرة في الخمر والسكارى، ويتكفل الخليفة بجميع تكاليف هذه المجالس ويشجعها، ليعود الناس إلى بيوتهم وهم في حالة من التوهان والارتباك.
استخدام خلفاء الجور للموسيقى كأداة كان مماثلاً لاستخدام النظام البهلوى للأشرار والبلطجية في الشوارع، أو استخدام الحكومة الصفوية للروضات والمدائح لكسب القبول الشعبي. ومع ذلك، لم يكن للدين أو للإمام الباقر مكانة عند الموسيقيين، بل كانوا يستغلون فنهم في خدمة الخليفة ومعارضة أصحاب الولاية. لذلك ورد في الروايات الحديث عن هذه الأنواع من الموسيقى بنبرة بغض وكراهية. هذا البغض ليس لماهية الموسيقى والغناء ذاتهما، وإنما لارتباطهما بعمل الاستكبار والاستعمار الذي استغل الموسيقى في خدمة جبهة الباطل والغاصب، وكانت رمزًا لهؤلاء الخوارج هو الخليفة الجائر، الذي كان يسعى لنفي الولاية وتثبيت حكمه الباطل.
واليوم، يستخدم بعض الحكام أساليب مشابهة، حيث يعرضون مسلسلات وبرامج تلفزيونية جذابة في أوقات حساسة سياسية أو اقتصادية، ليشغلوا الناس ويصرفوا انتباههم عن قضايا مهمة، وبالتالي يضعفون إرادة الجماهير في مواجهة سياساتهم. كان خلفاء الجور يستمرون في حكمهم عبر إغفال الناس عن القيم الحقيقية، ويملؤون أوقات فراغهم وأوقات عملهم بأنشطة لا تمنحهم فرصة للتفكير حتى في وجود إمام لهم. وبهذا العمل، كانوا يقيّدون الدين ويملؤون الفضاء الاجتماعي بأصوات الموسيقيين الباطلة، ليحجبوا صوت جبهة الحق وأصحاب الولاية.
اللهجة الشديدة في الروايات التي تنهى عن الغناء والموسيقى ترجع إلى التأثير المدمر الذي تتركه على أفكار المسلمين، وخاصة الشباب منهم، إذ تبعدهم عن مكانة الولاية السامية، وتدفعهم إلى التسليم للخلفاء الظالمين، مما يؤدي تدريجيًا إلى تضاؤل الدين وانقراضه. وإلا، فما الضرر في مجرد غناء منفرد، حتى تأتي تلك النهي الشديد؟ (هذا النقاش يحتاج إلى دراسة دقيقة لتصنيف الذنوب وأوزانها). لذا لا يمكن أن تؤخذ تلك الروايات كدليل على تحريم الموسيقى والغناء التي تُنتج في ظل دولة شيعية والولاية، وتكون في خدمة أهل بيت الرسول في الدفاع عن حقهم، إذ أن موضوع تلك الروايات هو الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل والدولة الظالمة، وهو أعظم من كل الذنوب الأخرى.
اختلاف الموضوعات وثبات الأحكام الإلهية
الروايات التي تذم الغناء والموسيقى تستهجن استخدام آلات العود والرباب من الرجال والنساء الذين كانوا في خدمة جبهة الباطل والجهاز الظالم، ولم يترصدوا ذنباً إلا اقترفوه، وبدؤوا بإفساد المجتمع وروح الشباب الباحثة عن الحقيقة، ليحولوا نفوسهم إلى قساوة تجعلهم غير قادرين حتى على النظر إلى بيت الأئمة. تحذير أهل الولاية من الاستماع إلى الجواري المغنيات اللاتي حتى أصحاب الإمام يمتنعون عنهن، كان لأجل حفظ أصدقاء الإمام من فساد منظم ومخطط من قبل البلاط، الذي كان يلوث قلوب الناس بوصم الشهوات المحرمة.
وبديهياً، فإن الروايات التي صدرت في هذا السياق تشبه أن يخبر أحدهم أهل مدينة كلها تعمل في صناعة الخمر: لماذا تزرعون العنب؟ لماذا تبيعونه؟ لماذا تقطعون أشجاره؟ مع أن ذلك الشخص لا يكره العنب بذاته، بل الظروف التي تحيط به والتي تدفعه إلى ذلك الحكم. وإذا ما صُنع في تلك المدينة يومًا ما عصير عنب صحي لا يسكر، ويمتاز بفوائد عديدة كالتي في حليب الأم، فإن حكم الحلية سيُعطى له، بل ويُستحسن زراعة العنب وإنتاجه، لأن موضوع الحكم قد تغير وسبب تحريم سابق قد زال.
وكانت حمل الآلات الموسيقية في تلك الأزمان يشبه وضع الخاتم في الإصبع الأيسر الذي كان علامة مميزة لمن يتبعون الخلفاء، فكانت تلك الآلات تدل على انتماء معين. ومع ذلك، فقد كانت الروايات قد سمحت باستخدام الغناء والموسيقى في حفلات الزواج التي كانت معروفة لدى الناس في ذلك الوقت كأمر عادي.
وينبغي التنبيه إلى أن ما هو حلال يبقى حلالًا في كل مكان، وذكر الأعياد كعيد الفطر والأضحى أو حفلات الزواج في الأحاديث لا يعني أن الغناء جائز في كل حال، وكذلك المحرم يبقى محرماً في كل مكان، ولا يجوز تحليله بحجة تواجد في مكان معين. ولكن قد تتغير ظروف الموضوع أو تتدخل أسباب ثانوية تحول دون تطبيق الحكم ذاته، فمثلاً لا يجوز الضرب على الطبل بجانب نعش مؤمن لأنه يخل بحرمته.
واختلاف الأحكام في هذه الروايات يعود إلى اختلاف الأشخاص والمظاهر والموضوعات، فالروايات تدين غناء وجهاز موسيقي معينين كانا يستخدمان من قبل الحكام الظالمين المستبدين الذين كان هدفهم إفساد الدين وإبعاد الناس عن الولاية ومحاربة جبهة الحق، وهو موضوع الروايات المذمة. أما الغناء والموسيقى التي كانت من نصيب موالين ضعفاء لأهل الولاية، فكانت حلالاً لأنهم كانوا في حالة تقية مستمرة.
وتشير الروايات التي تجيز الغناء النسائي في حفلات الزواج إلى نساء عربيات كن يشاركن بالغناء والرقص بأنفسهن، دون انتظار منظم، على عكس الحفلات الكابرية التابعة للديوان التي كانت تحضرها الرجال الفاسدون والنساء الراقصات، وهي التي تنطبق عليها الروايات التي تحرم الغناء والموسيقى.
وكان بعض العرب والفرس بحكم غيرتهم يحفظون حرمة زواجهم وأعراضهم ويرفضون إفساد حفلاتهم، لكنهم مع ذلك كانوا يذهبون لبيوت الفساد عند النساء المغنيات والفاسقات لارتكاب المعاصي.
أما العرب المعاصرون فقد فقدوا كثيراً من ثقافتهم السابقة، واندثروا تحت الثقافة الأوروبية. بعضهم يرقص باللباس العربي التقليدي الذي هو لباس المسلمين، وهذا أمر قبيح ومرفوض. كما أن النساء العربيات تخلين عن الحجاب وارتدين الملابس العارية، وهذا أمر غير مقبول في ثقافتهم السابقة التي كانت قائمة على غيرة قوية.
والخلاصة أن الأجهزة التي نهى عنها النصوص هي التي تستخدم في تلك الحفلات التي يدخل فيها الرجال على نساء عاريات، لا يمتنعن عن الفساد والباطل، أو التي تهدف لنشر الباطل. أما الحفلات التي تُقام مع مراعاة أحكام الله فهي ليست موضوع التحريم، فالتغيير في الموضوعات لا يعني تحليلاً للمحرمات، لأن المحرمات ذاتها لا تتغير، وإنما قد يضاف إلى الحلال ما يجعله محرماً.
حكم الموسيقى والغناء: حكم استقرائي غير ذَاتي
حكم الموسيقى والغناء هو حكم استقرائي غير ذَاتي، إذ لا دليلي على أن الموسيقى والغناء، إذا وُظفا في خدمة الحق ولم يصاحبهما ما هو محرم، يكون حكمهما بالحرمة. بل إن الموسيقى قد تكون من أهمّ العوامل المحفزة للأفكار التي تُرسخ الحق في القلوب وتنشره في الأجواء الاجتماعية والعاطفية، وهذا ما تدل عليه الأحاديث الداعمة لإباحة الموسيقى.
مع ذلك، فإنّ موقفنا هنا هو أن الموسيقى لا ينبغي أن تُستخدم لتعزيز الاعتقاد بالظلم، وخاصة الظلم المنهجي والدائم ونظام الباطل. فإذا كانت ألحان المغني أو ترديد الكلمات تروّج للباطل وجهاز الظلم، وتؤدي إلى إضعاف الدين وانصراف الناس عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، وتُعدّ من صور “يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ”، فهي محرمة ومعصية.
كل فعل باطل ينبع من اعتقاد باطل، فالاعتقاد الباطل يتجسد في العمل. الاعتقاد بالباطل يعني أن الباطل قد تغلغل في نفس الفرد بحيث لا يشعر بالخجل من الحق. ومثال ذلك أئمة الكفر، لا الخطاة العاديون. وإذا رافق الباطل أجمل الأصوات، فهو حرام لما فيه من تعلّم السوء وضعف الدين، ويخدم جبهة الباطل ويؤيدها، ويغري الجمهور العاطفي بالانحياز للباطل.
كما أن التشجيع على من يروّج للباطل يعدّ محرماً. فإذا أعطت الموسيقى الباطل وجهاً محبّباً للجمهور بقصد الإفساد والتصدي للحق، فإنها تكون قد تلوثت بذلك.
جبهة الباطل لا تقتصر على الموسيقى والغناء بل توظف كل شيء، حتى الشعائر الدينية، كما فعل معاوية في معركة صفين حين استخدم القرآن الكريم للدفاع عن باطله. ففي هذه الحالة، يكون القرآن الذي استخدمه في خدمة الباطل، والمسلمون لا يجوز لهم التوقف عن محاربته بحجة حفظ حرمة القرآن.
على الموسيقي أولاً أن يميز بين الحق والباطل، كي لا يلبس الباطل ثوب الحق أو يظهره على هذا النحو. وإذا لم يعرف الحق، فقد يضل ويعتقد بصحة الباطل فيخدمه ويصبح “مزوّرًا” أي يغطي الحق بالباطل ويستخف به، متظاهرًا بالحق، مبتدعًا الحيلة والخداع.
إن إظهار الباطل على أنه حق أسوأ من الكذب، لأن الكذب هو مجرد قول خلاف الواقع، أما التزييف فهو الكذب المتظاهر بالحق، وهو أفعال انشائية يهدف فيها المزور إلى الظهور بالحق.
إذا نشأ الغناء والموسيقى في جهاز جور وظلم، يؤدي ذلك إلى نفاق وتخريب القلب، ويجعل الإنسان عاجزاً عن العبادة والمعرفة.
الذي يتصف بالنفاق والتزييف، وخصوصًا في الشهادة، مهدد بالعذاب الشديد، لأن الإسلام دين العدل والإنصاف. المزور يفسد نفسه قبل أن يفسد غيره، لذلك وعده الله بالنار مع المنافقين في أدنى درجات جهنم، وهؤلاء ليسوا ضعفاء أو مغفلين بل هم أئمة الكفر والمنافقون المتعمدون.
الباطل ونهايته الفاشلة
على الموسيقي أن يعرف الباطل، والباطل هو ما لا يحقق غايته ولا يحمل غرضًا عقلائياً أو معنويًا، بل هو مقصود بغاية خلقية وهوايات نفسية. الباطل ليس مجرد شيء بلا هدف، بل هو عمل ناقص بلا نهاية، حيث لا يصل إلى غايته المقصودة ولا يحقق السعادة.
العمل الحق هو الذي يبلغ غايته وهدفه النهائي.
الباطل لا يوجد كشيء قائم بذاته، ولا يمكن إصدار حكم شرعي عليه بدون معرفته جيدًا.
كل ما يتفق مع مذهب أهل البيت عليه السلام فهو حق، وكل ما يخالفه فهو باطل، سواء صدر عن كافر أو مؤمن. معيار الصواب هو العصمة.
ليس كل باطل حرامًا، ولا يلتقي الحكم الوضعی دائمًا مع الحكم التكلیفي؛ فالحرمة تقتضي وجود نهي شرعي، والباطل بحد ذاته لا يوجب الحرام.
الباطل الذي يمنع الإنسان من ذكر الله ويغفلّه، هو الذي يكون حرامًا، مثل الغناء الذي يصرف الناس عن الدين، كما هو حال مسجد الضرار في صدر الإسلام.
كل أمر يستخدمه الباطل ليحاربه ويستأثر به يصبح محرماً.
الدين متوافق مع الفطرة، ومهمته إزالة الغفلة، والموسيقى قد تكون سببًا في الغفلة أو علاجًا لها، بحسب استخداماتها؛ ففي خدمة أهل البيت يمكنها أن تنشر الحق وتزيل الغفلة.
ترتيب الباطل والذنوب
يجب تعريف الباطل ووضع قوانين مفصلة لتصنيفه حتى يكون للمعنيين معيار واضح.
الذنوب تُعرف بحسب قبحها، وتصنف، ثم تُعالَج. للأسف، دراسة الذنوب غير كافية، فبعض الذنوب الصغيرة تتضخم اجتماعياً، مما يؤدي إلى التقليل من شأن الذنوب الكبرى.
مثلاً، حلق الذقن محرّم ويخرج صاحبه من العدالة، لكنه ليس بمقدار الكبائر مثل الغيبة أو القذف.
التزييف كذلك، سواء في المحاكم أو المجتمع، يظهر بوضوح، وهناك ظلم في كيفية التعامل معه مقارنة بالموسيقى والغناء، التي يُتعامل معها بخشونة وكأنها أشدّ الذنوب.
أشد الذنوب هو ما يغلق باب الحق ويُسلم السلطة للظالمين، وهذا يشمل الغناء والموسيقى في خدمة الباطل، حيث تكون من كبائر الكبائر.
المجرمون والمفسدون دائماً ما يصنعون قضايا ثانوية لتشتيت الانتباه عن قضايا أكبر، ولتقليل شأن القادة.
على العلماء والدعاة، كقادة المجتمع، أن يكونوا أطباء الأمة، يصنفون الذنوب حسب أضرارها، ليُكافحوا الأشرار بفعالية. وإلا سيُقنع المجتمع بتقليل شأن الذنوب الكبرى.
علم دراسة الذنوب وكيفية التعامل معها يجب أن يكون من العلوم الأساسية في العلوم الدينية، ويبدأ بتحديد الذنوب الكبرى التي تهدد البشرية والإنسانية، ويُفكر في القضاء عليها من المجتمع الإسلامي أولاً، لأن لكل سم قاتل مضاد.
حتى لا يضيع الجهد في معالجة الذنوب الصغيرة قبل القضاء على الكبائر، لأن التركيز على الصغائر يؤدي إلى تصغير الكبائر وإهمالها، وهو أمر مضرّ للمجتمع.
على المسؤولين والعلماء وأهل الحل والعقد في المجتمع الإسلامي أن يعوا هذا الواقع، وأن يضعوا منظومة دقيقة لتصنيف الذنوب حسب تأثيرها على الفرد والمجتمع، فيسهل لهم اتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهتها والحد منها.
فهم “علم الجريمة” و”علم الذنب” مع تطوير آليات علاجية وتربوية لمكافحة الأفعال الضارة يجب أن يحتلوا مكانة بارزة بين العلوم الدينية، لأنها الأساس في حماية المجتمع والحفاظ على صلاحه.
ولذلك، فإن الموسيقى والغناء، إذا استخدمتا في سبيل خدمة الحق ودعم الدين، فهما جائزتان ومستحبتان، أما إذا كانت في خدمة الباطل والظلم، فهما محرمتان، لما فيهما من دعم لجهة الشر والفساد.
ينبغي على الموسيقي أن يكون واعياً لقيمة الموسيقى وأثرها، فالموسيقى قد تكون سلاحاً فتاكاً يُستخدم في تزييف الحقائق وتغذية الباطل، وقد تكون وسيلة مباركة لنشر الخير والحق.
ختاماً، فإن النص يدعو إلى وعي دقيق وحذر في التعامل مع الموسيقى والغناء، وفهم سياقهما الاجتماعي والديني، مع الاعتراف بمرونة الحكم الشرعي فيهما حسب المواقف والأهداف، وتأكيد ضرورة تنقية الموسيقى من أي استخدام يخدم الظلم والباطل.
كما ينبغي التنويه إلى أن الفقهاء والعلماء لا يرون الحكم على الغناء والموسيقى ثابتاً بذاته، بل هو حكم اقتضائي يتغير بحسب الظروف والمقاصد. فلا يجوز تعميم التحريم أو الإباحة دون النظر في محتوى الموسيقى والغناء وتأثيرهما.
فعندما تكون الموسيقى وسيلة لتحفيز العقل على التفكير في الحق وتثبيته في القلوب، وترويج القيم السامية في المجتمع، فهي من الأمور الجائزة والمستحبة، وهو ما تشير إليه نصوص الروايات الدالة على جواز الغناء.
أما إذا كان الغناء والموسيقى يسوقان إلى ترسيخ الظلم، ويعززان الاعتقاد بالجور ونظام الباطل، ويدفعان الناس إلى الانصراف عن الدين وعن منهج أهل البيت عليهم السلام، ويصبغان هذا الباطل بلباس الحق، فإنهما يصبحان محرّمين وذنباً عظيمًا.
وكل عمل باطل، ينبع من اعتقاد باطل يُظهر في صورة فعل، فمَن يعتقد بالباطل يرتبط به ارتباطاً حقيقياً في قلبه، ولا يشعر بالخجل من الحق. وهؤلاء هم أئمة الكفر الحقيقيون، وليس العوام من الخطأة.
ومن هنا، فإن المصاحبة بين المحتوى الباطل، حتى وإن كان مع أجمل الأصوات وأحسن الأداءات، تظل محرّمة، لما فيها من فساد ديني وتأجيج لغفلة الناس، وتأييد للجبهة الباطلة.
ويعتبر أيضاً مديح وتشجيع من يروّج للباطل من الأعمال المحرمة التي تغذي ذلك الفساد، ويشترك في نتائجها السلبية.
وعندما تستخدم الموسيقى لجعل الباطل يبدو جميلاً وجاذباً للجماهير، فهي بذلك تلوثت، وأصبحت في صف الباطل، الذي لا يكتفي باستخدام الموسيقى فقط، بل يستغل كل الوسائل، حتى الشعائر الدينية، كما فعل معاوية في حرب صفين حين استظل بالقرآن، ولكن هذه الظلال لم تحول دون مواجهته.
على الموسيقي أن يتعلم الفرق بين الحق والباطل أولاً، فلا يلبس الباطل ثوب الحق ولا يظهره على حقيقته. وإن لم يتعرف على الحق، فإنه يقع في خداع الباطل، ويصبح أداة تزوير تمارس التمثيل على الحقائق.
إن إظهار الباطل على أنه حقّ هو أسوأ من الكذب، لأن الكذب نوعان: كذب بسيط بإظهار خلاف الحقيقة، وتزوير وهو إظهار الباطل على هيئة الحق. والتزوير أمر يهدف إلى التظاهر بالحق، وله أبعاد خطيرة على المجتمعات.
وإذا كانت الموسيقى والغناء صادرة عن نظام جائر وظالم، فإنها تفضي إلى النفاق والتخريب الداخلي للنفوس، وتفقد الإنسان القدرة على العبادة والمعرفة.
أما المنافقون الذين يمارسون التزوير، خاصة في الشهادة، فقد وُعِدوا بالنار والعذاب، لأن الإسلام دين العدل والإنصاف. فالمزور يلحق الضرر بنفسه قبل أن يلحق الضرر بالآخرين، ولذلك ذُكر أنه من أهل النار في أدنى درجاتها.
وهؤلاء المنافقون ليسوا بالضرورة أناس عاديون، بل هم أئمة الكفر أو أصحاب النفاق المقصود.
وبناء عليه، فإن الموسيقي عليه أن يعي أن الباطل لا يحقق الغاية النهائية، فهو عمل غير مجدي في النهاية، ولا يحمل أهدافاً عقلائية أو معنوية، بل يعتمد على الأهواء والشهوات.
ولذلك لا يجوز الحكم على شيء بالحكم الشرعي من غير فهم دقيق للباطل والحق، فليس كل باطل حرام، وإنما الحرام هو الباطل الذي يؤدي إلى غفلة الإنسان عن ذكر الله ويمده بالعصيان.
كما أن الدين متوافق مع الفطرة والطبيعة الإنسانية، ويريد فقط إزالة أسباب الغفلة، ولا يهدف إلى حظر الأمور إلا إذا ثبت ضررها.
وفي الختام، فإن النص يؤكد على ضرورة وضع معايير دقيقة لتصنيف الذنوب والباطل، وفهم سياقاتها وتأثيراتها حتى يمكن التعامل معها بفعالية، وحماية المجتمع من الوقوع في الأخطاء الكبرى التي تهدد أمنه الروحي والاجتماعي.
روايات غناء النساء
هي مجموعة من الروايات التي تدل بشكل مباشر على تحريم غناء النساء. وهناك عدد من الروايات الأخرى التي تبيحه. في البداية، سنحلل روايات تحريم غناء النساء، ثم نتناول الروايات التي تجيز ذلك. ومن الجدير بالذكر أن عدد الروايات المبيحة يُعتبر مجموع كل الروايات التي تسمح بالغناء؛ لأنّ الصوت بين المرأة والرجل لا اختلاف فيه. إباحة غناء النساء تتوافق مع الأصل الأوّل في هذا الباب، المستمدّ من منهج الشرع ونصوصه المقدسة. بناءً عليه، إثبات الإباحة لا يحتاج إلى تقديم دليل، بل على من يدّعي التحريم تقديم الأدلة؛ كما أننا نبحث في هذا الكتاب جميع الأدلة التي قد تُستعمل في تحريم غناء النساء ونثبت عدم كفايتها لإثبات التحريم. وقد بدأنا بناء هذا الكتاب بذكر الموانع التي تحول دون غناء النساء لأننا نعتبر الأصل في الأمر هو الإباحة، لذلك ينبغي فقط دراسة الأدلة التي تمنع ذلك. وبطبيعة الحال، قد تضفي الظروف الزمانية عنواناً ثانوياً وتحمل الحكم بالتحريم تبعاً لحدوث الشروط اللازمة.
ذكرنا أن الروايات التي تتحدث عن الموسيقى تقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: روايات التحريم، وروايات الإباحة، وروايات تستند إلى آثار استعمال الموسيقى، وخصوصاً الموسيقى المحرمة. وكل من روايات التحريم والإباحة تتناول خمسة محاور، منها المحور الرابع والخامس اللذان يتناولان غناء النساء وكسبهن المال من ذلك. وهنا نبحث في هذه الروايات، وهي:
- تحريم غناء النساء والنوح.
- تحريم أجر غناء النساء والنوح.
- إباحة غناء النساء والنوح.
- روايات إباحة دخل النساء الغانيات والنوّاحات.
سنقوم فيما يلي بدراسة هذه المجموعات من الروايات.
تحريم غناء النساء والنوح
حدود غناء النساء
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نهى عن الغناء وبيع النساء الغانيات، فقال: أجرهن باطلٌ وحرامٌ، والغناء جائزٌ إلا في الموالي على الموتى ما لم يكن باطلاً، وكذلك الحدّاء، وأيضاً في الأعراس إذا لم يسمع الرجال الأجانب أصواتهن، وألا يُستخدمن في الأغاني والأشعار الباطلة.”[56]
يجدر التنبيه إلى أن هذه الرواية مرسلة وقد وردت فقط في كتاب “عوالى اللآلئ” ولم تُرَ في غيره، كما يجب الانتباه إلى عبارة “ما لم يكن باطلاً” التي تعني الكلمات غير اللائقة والحركات الفاحشة والسلوكيات الخادشة، فإذا لم يكن الغناء مصحوباً بباطل فلا حرج فيه. وقد عرضنا حدود هذا الحكم سابقاً.
إذا أخذنا بعين الاعتبار الروايات المشابهة، نجد أن فيها عبارة “لم يدخلها الرجال”، أي أن غناء النساء لا بأس به إذا لم يكن الرجال الأجانب حاضرين، وليس شرطاً أن لا يسمع الرجال أصواتهن. وإذا كان النص كما في الرواية الأولى، فسمع الرجال الأجانب لصوت المرأة حرام. هذه الروايات المتشابهة نقلت بكثرة في كتب موثوقة، مما يعزز قوتها سنداً ودلالةً، وقد نقلها صاحب الكافي والنهاية والاستبصار، وهم ثقات كالإمام الكليني والشيخ الطوسي، الذين كانوا أئمة في الرواية والفتوى. كما أن دلالة هذه الرواية واضحة، ولا يوجد موانع لتكّون الغناء النسائي الفردي.
نوح النساء
- في الحديث المنهي عن الذنوب التي يحصيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نهى عن رفع نواح الحزن عند المصيبة والنوح على الموتى، وضرب الوجه.”[57]
- وقال أيضاً: “أربعٌ باقيةٌ في أمتي إلى يوم القيامة: التفاخر بالآباء، والاخذ على النسب، وطلب المطر وحساب النجوم، والنوح.”
والنساء اللواتي لا يتبّرن قبل الموت من النوّاحات، يُبعَثن يوم القيامة وهن يلبسن ثياباً من نار وأردية من داء الجرب.”[58]
إذا كان نوح المرأة مصحوباً بمبالغة ومغازلة تثير الشهوة في الرجال الأجانب، يكون ذلك نوحاً باطلاً ومحرمًا، أما نوح المرأة لكونه تعبيراً عن الحزن فلا بأس به.
وينبغي أن تُربّى المجتمعات التي تفرّق بين الجنسين تربية تزيل حساسيتها، بحيث لا يثير منظر المرأة الأجنبية شهوانية الرجال، وإلا فإن حتى الحجاب الكامل لا يمنع من ذلك إذا كانت النفس مريضة بالطمع. المعيار العام الذي استخلصته هذه الروايات هو أن نوح المرأة أو غناؤها لا يحل إذا ارتبط بالباطل، وإذا لم يكن مرتبطاً فلا حرج فيه. والروايات التي تحرم نوح المرأة تنطبق على تلك الحالات.
تحريم دخل غناء النساء والنوح
- عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: سألت عن رجل له جواري غانيات تقدر قيمتهن بأربعة عشر ألف دينار ووهب ثلث ذلك له، فقال الإمام: لا أحتاج إليه، فإن الأجر الذي يُعطى للكلب أو النساء الغانيات باطل وحرام.”[59]
في هذا الحديث، جمع الإمام بين أجر الكلب وأجر النساء الغانيات، ووصّفهما بـ”السحت”، وهو أشنع من الحرام، لأن الحرام قد يكون طيباً، أما السحت فهو نجس وخبيث.
هذا يدل على أن بعض الذين كانوا يكسبون المال من الغناء كانوا من الشيعة، لكن بحسب ثقافة ذاك العصر، كان عملهم محرماً، كما أن هناك من الناس في العصر الحالي يكسبون بطرق محرمة بالرغم من كونهم من الشيعة، والمال الحرام لا يجوز تقديمه للأئمة أو للأعمال الخيرية.
- وفي توقيع مكتوب من الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى محمد بن عثمان: “إن الدخل الذي أتيتنا به ليس مقبولاً إلا إذا كان طيباً طاهراً، وأجر المرأة الغانية باطل.”[60]
يؤكد صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن الأموال التي ترسل إليه يجب أن تكون طيبة وطاهرة، وإلا فلا يقبلها، وأن المال الطيب هو الذي لم يُكتسب بكدّ وجهد شاق، والمال الطاهر هو المال الحلال الخالي من المحرمات.
بناءً على هذا الحديث، يجب على العلماء أن يكونوا كراماً في حساب الخمس، وألا يُشدّدوا في احتساب الأمور التي تُخرج المال من طيبته، كأن يحسبوا حتى الأدنى من المستلزمات المنزلية، لأن ذلك يقترب من الظلم وسلب الحقوق.
كما لا يجوز أخذ الخمس من التاجر أو الشخص الذي يختلط مال حرام في ماله، وعليه أن يُردّ المال الحرام لأصحابه.
الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يقبل خبزاً غير طيب ولا مالاً كُسب بغير صفاء القلب. ولا يتحلّل المال الحرام بدفع الخمس، بل يجب إرجاعه لأصحابه، وإلا فإن له آثاراً سلبية تؤخر تقدم المؤسسات الدينية.
في دفع الخمس، يجب أن يكون كل من الدافع والمستلم نقيين، وأن يصل المال إلى مجتهد عادل، وإلا لا يُقبل.
في هذا الحديث، أُعلن تحريم أجر النساء الغانيات، واستنبطنا من مجموع الأحاديث أن أجر المرأة الغانية محرم إذا كان مرتبطاً بغناء محرم.
هناك روايات أخرى تعتبر أجر النساء الغانيات “سحتاً”، وهي نازلة في حق النساء اللاتي لا يمتنعن عن الفواحش أو يغنين في مجالس المعاصي.
لفهم سياق صدور هذه الروايات، يجب التنبيه إلى أن في عصر السلاطين كان يُحتجز كل امرأة جميلة بالقوة أو الرغبة لتكون في خدمة الملك والديوانيين، وكان الغناء يُرافق عادة ممارسات فاسدة، والنساء الغانيات يكنّ متوفرات للرجال الآخرين، لذا جاءت العبارات الشديدة في الروايات ضد هؤلاء، وليست موجهة إلى النساء المؤمنات العفيفات.
كان العرب سابقاً مثل الفرس قبل الثورة، حيث كانت طبقة قليلة تمثل قطاع الطرق والمشاغبين. هؤلاء يدخلون المقاهي ليلاً لفرض هيمنتهم، ويأخذون أتاوات من الناس وأصحاب المقاهي، لكن في منازلهم كانوا محافظين على نسائهم. وكانت علاقاتهم بالنساء الغانيات في المقاهي خالية من الحياء.
بالتالي، فإن أموال النساء الغانيات ليست فقط محرمة، بل هي “سحت” أي نجسة ومرفوضة بشدة.
موضوع الروايات التي تحرم دخل الغناء كان موجهًا إلى هؤلاء النساء الغانيات والفاجرات، وليس إلى النساء النقيّات المدعوات للأعراس. وهذا يبيّن أننا لا يجب أن نعمّم معنى “مغنية” على كل امرأة تغني، بل المقصود بها النساء اللواتي يرتبط غناؤهن بالفجور.
في هذه الروايات، المسألة ليست الغناء بحد ذاته، بل التوصيف الاجتماعي الكامل للنساء اللواتي يرافقهن الفساد، واللواتي إذا لم يكن مرتبطاً بغنائهن الفساد وكانوا ملتزمات بالحجاب الشرعي وغير تابعين للسلطات الطاغوتية، فلا بأس في غنائهن في الأعراس.
الدخل الملوَّث
قال إبراهيم بن أبو بلاد: أوصاني إسحاق بأن أبيع الجواري المغنيات لديه، وأن أوصل الثمن إلى الإمام. ففعلت ذلك وبعتهن بثلاثمائة ألف درهم، وسلمت المبلغ للإمام، وقلت له: إن أحد المواليين وأهل الولاء لديك أوصاني بذلك، وهذا ثمن الجواري المغنيات. فقال الإمام: لست بحاجة إلى هذا المال، فهو باطل وحرام. تعليم النساء الغناء شرك، وسماع أصواتهن نفاق، وثمنهن باطل.
هذا النص يتسم بلغة شديدة وحرجة تجاه الغناء، ويرى أنه حرام بشدة، وينطبق عليه نفس التحليل الذي ورد في الأحاديث السابقة.
وهنا تنبيه إلى المراجع الكرام وأصحاب مسؤولية إدارة الأموال الشرعية بضرورة الحذر في قبول الأموال، حتى لا يستلموا أموالًا محرمة، لأن ذلك قد يؤثر سلبًا على العلماء والمجتمع العلمي.
قال الإمام الرضا عليه السلام: خرجت لأزور داود بن عيسى الذي كان يقيم في منطقة تُدعى بئر ميمون، وكنت أرتدي ثوبين ثقيلين جدًا. رأيت امرأة مسنة ترافقها جارية تغني وأخرى تعزف الناي. فسألتها: هل تبيعين هاتين الجاريتين؟ فقالت: نعم، أبيعهما، لكن ليس لك. فسألها الإمام: ولماذا؟ فأجابت المرأة: هاتان الجاريتان لا يصلحن لك، إحداهن تغني، والأخرى تعزف الناي.
هذا الحديث لا يحمل حكمًا شرعيًا مباشراً، بل يصف الجواري اللاتي كنّ فاسقات، لأنهن كن يمارسن الغناء والعزف لكسب الرزق، والمرأة المسنة كانت تستغلهن في ذلك. وكان من الطبيعي مشاركتهن في مجالس الغناء التي تتسم بالفجور، حيث كن يرقصن عاريات، وربما كن يمارسن الدعارة لكسب المال، ولذلك رفضت المرأة المسنة بيعهما للإمام، معتبرة أنهن فاسقات، لا يقتصر عملهن على الغناء فقط.
هناك ملاحظة اجتماعية في هذا الحديث تشير إلى أن النساء اللاتي تأثرن بالانحرافات عادة ما يخضعن لولي أمر ذي خلفية سيئة، يدير شؤونهن، ويرافقهن رجل قوي يحميهن، ويمنع من يحاول الإضرار بهن أو عدم دفع أجورهن، وقد يحدث صدام عنيف مع من يتعدى عليهن. كما أن جزءًا من دخلهن يؤخذ كضريبة من قبل هؤلاء المسؤولين.
الإمام الرضا عليه السلام، وكل شخص عاقل، عندما يرى هؤلاء النساء، يميز فسادهن من خلال مظهرهن، ولا يحتاج إلى علم غيب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يسأل الإمام عنهن؟ الجواب يوجد في سياق الولاية والقيادة الشرعية، حيث يعتبر هذا الحديث مهمًا جدًا. وقد يكون من بينهم نساء صالحات قد يستعدن عفتهن إذا وجدن رعاية وصونًا ورحابة صدر.
الملخص أن الحديث يصف الجواري الفاسقات اللاتي يكسبن رزقهن بالغناء في بيوت اللهو، ولا يشير إلى تحريم الغناء الشرعي أو الموسيقى التي يتجنب فيها المؤمنون الفواحش والاختلاط المحرم.
الشريعة وأحكام الغناء في مجالس الفرح والسرور
يرى الشارع جواز الغناء في مجالس الاحتفال والسرور، ولكن ليس لأن الناس يقرأون ويغنون ويرقصون في هذه المجالس بلا إذن من الشارع فصار الأمر مباحاً، ولا لأن الشارع اضطر إلى تحليله، بل لأن الغناء والموسيقى في الأصل ليسا محرَّمين، والإسلام لم يعارض أبداً الفرح والسرور أو الغناء والرقص المشروعين. فالحرمة تثور فقط إذا كانت العواقب اندراس الدين، أو إشاعة الفحشاء، أو نشر الباطل، أو استخدام مضامين غير لائقة.
العري كأحد الأسباب الرئيسية لتحريم الغناء والموسيقى
إن ما يجعل غناء المرأة محرماً هو الذنوب المرتبطة بنوع النساء المغنيات، وأبرزها عريهن. فإذا تأملنا في الكاباريهات والحفلات المعاصرة، نجد أن غناء ورقص النساء لا يمكن أن يكون بلا عري أو بدون قراءة مثيرة محرمة أو دعوة للانجذاب وشرب الخمر، وبالتالي فإن تحريم هذه الأمور يعد من ضروريات الإسلام. وعريهن أمر قطعي بحيث لا يمكن حتى احتمال تحريم بسبب عرض أجزاء الجسم أو الملابس الرقيقة. ومع ذلك، إذا غنت المرأة بستر شرعي، ولم تستخدم في أغانيها ألفاظاً فاسدة أو مثيرة للشهوات، فلا دليل على حرمة غنائها، إذ أن النصوص المتاحة تشير إلى المغنيات الفاسدات العاريات، وهذا هو المقصود المحدد للحكم.
شهادات التاريخ وعلم الاجتماع
دليل كون المغنيات في تلك الحقبة نصف عاريات هو شهادة التاريخ والمجتمع وعلم نفس النساء، فحتى لا يكن عاريات لا يمكنهن الغناء، ولا يمكنهن الرقص دون الغناء. نفس المرأة تميل إلى جذب الرجال بأساليب الإغراء والخداع، وهذا ما حدده الإسلام بضوابط صارمة.
تغير الظروف وإمكانية الاستفادة من الغناء الإسلامي
في صدر الإسلام كان المتحكمون في مجال الغناء والموسيقى هم الفاسدون، فكانت رقصات المغنيات تجذب العملاء الذين يقومون بكل أنواع الفساد، لذا حرمت الغناء والرقص في تلك الظروف. لكن مع تغير الأحوال ولتحقيق أهداف الدين، يمكن الاستفادة من غناء النساء المسلمات اللواتي لا دليل على حرمة غنائهن، وهذا له أثر إيجابي واسع في العالم ويمنع احتكار الفضاء الغنائي للمغنيات المعارضات للهروب إلى الخارج، كما يفتح المجال للإصلاح والتوبة.
حكم جواز غناء النساء
حكم جواز الغناء عند النساء يقوم على مبدأين: أولاً جواز الغناء أصلاً، وثانياً اشتراك الأحكام بين الرجل والمرأة، ما لم يوجد دليل خاص يخالف ذلك. لا فرق بين غناء القرآن، أو الأذان، أو الغزل، أو النغم، والمرأة تستطيع أن تغني لكل الناس بشرط الالتزام بالستر الشرعي والابتعاد عن الغمز والدلال والأغاني التي تروج للباطل. أما إذا غنت في أماكن مثل الكاباريهات أو الحفلات التي هي بيوت فساد، فهذه إشارة إلى عدم نضج المجتمع، ويكون غناؤها محرماً.
الصوت الجميل كذكرى للجنة
ورد في حديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام سؤال عن شراء جارية ذات صوت حسن، فأجاب أن ذلك لا بأس به لأنها تذكرك بالجنة، وهذا يدل على قيمة الصوت الجميل الذي يرفع الإنسان عن متاعب الدنيا ويذكره ببهجة الجنة.
الموسيقى كوسيلة للتخلص من هموم الحياة
الأصوات الجميلة والأنغام الرائعة تخلص الإنسان من الهموم المادية والنفسية وترفعه إلى عالم الروح، وتذكره بالجنة، وهي بذلك من أسباب الطمأنينة والراحة النفسية.
استعمال المحفزات الحلال
جواز استخدام المحفزات التي تنشط النفس والجسد مثل الصوت الجميل، شرط أن لا تؤدي إلى ما هو حرام. تماماً كما أن بعض الأطعمة كزعفران والورد وعصير الجزر تزيد من النشاط الجنسي، فالتحريك في الأمور الحلال لا حرج فيه.
النواح والتعزية في الإسلام
في الإسلام جواز النواح والمشاركة في مراسم العزاء كدليل على المحبة والترابط بين الناس، وقد وردت قصة أم سلمة رضي الله عنها التي سمح لها النبي صلى الله عليه وسلم بالمشاركة في نوح العزاء. وهذا يعكس تسامح الإسلام ووسعه في التعامل مع المشاعر الإنسانية.
أهمية الالتزام بالقيم والأخلاق في الحياة الزوجية
يؤكد النص على أن الإسلام يرغب في حياة زوجية جميلة وسعيدة، ويحث على احترام المرأة والعدل في المعاملة، ويرفض التصرفات الظالمة التي تحرم المرأة من حقوقها الإنسانية.
مراجعة نقدية لفتاوى “جهر صوت المرأة” في الصلاة أمام الرجال الأجانب
يوضح هذا البحث أن الفقيه لا ينبغي أن يُدخِل أذواقه الشخصية أو انفعالاته الذاتية في استنباط أحكام الشريعة، بل يُستحب أن يجري دراسة شاملة للموضوع تشمل بيانات مذاهب فقهية مختلفة، وكذلك الثقافة والمجتمعات المتنوعة، لتمييز أثر الثقافة عن النص الشرعي. ومما يشير إلى ذلك عبارة «لاتفاق كلمة الصحابة»، التي تنبع من مكانة المرأة في المجتمع التقليدي الماضي، إذ كانت تُعتبر كيانًا منزليًّا محصورًا، وقد انعكس ذلك على فتاوى الفقهاء التي قلما استندت إلى دليل شرعي، بل كانت مدعومة بعادات اجتماعية منوطة بمنع المرأة من الخروج ومنع صوتها من الظهور.
١. نقد فتاوى “جهر الصوت للمرأة”
- صاحب الجواهر أورد عدة أدلة للجواز، مثل الانطلاق من الأصل والاتفاق العملي، ويدلّل على ذلك بـ«مَشْهَد فاطمة» في رفع صوتها بالقراءة أمام النبي ﷺ، لكنه في الوقت نفسه شكّك ومنع قطعًا، داعيًا إلى السّتر.
- هذه المواقف، بحسب الباحث، تفتقر إلى ملكة الاستدلال الشرعي الدقيق؛ إذ غاب عن صاحب الجواهر الاهتمام بخبرة صوتية أو فلسفة الصوت، واتكأ على اجتهاد شخصي.
٢. الجهر والإخفات صفات للقراءة لا أمورًا مستقلة
- يستشهد الباحث بقول شهيد ثانٍ في أنه لا وجود لـ«قراءة مجردة» منفصلة عن “الجهر والإخفات”، تمامًا كما لا وجود لـ«عدد مجرد» بلا أن يكون سواء أو فردًا.
- إذًا، الصوت بكل درجاته جزء لا يتجزأ من صفة القراءة.
٣. فرق بين ستر المرأة وصوتها
- ستر المرأة في الصلاة واجب مطلقٌ حتى في الخلوة، أما الصوت بصيغتيه—جهرًا أو إخفاتًا—فهو أمر جائز.
- وخادم الفقه الإسلامي لم يجعل الجهر أو الإخفات إشكالًا ما دامت العبادة صحيحة وليست لتعري أو إثارة.
٤. رد على نظرية إخفاء صوت المرأة
- يرفض الباحث دعوى الفقهاء الذين قالوا بوجوب كتم صوت المرأة بحجة شرعيّتها من «إجماع الصحابة»؛
- ويؤكد أن هذا القول لا يستند إلى دليل قاطع، بل إن السنة متعارفة والمشاهد العملية كانت مخالفة له.
٥. فتاوى عصر الغيبـــة
- يرى بعضُ العلماء مثل «عروة الوثقى» أن المرأة مخيّرة بين الجهر أو الإخفات، إلا أن وجود رجل أجنبي يجعل الأخـفات أولى.
- لكن الباحث يتساءل: أين الدليل على ذلك؟ هل من القرآن أو السنة؟
- ويبيّن أن هذه الفتاوى تأثّرت بثقافة اجتماعية محافظة وليست بأحكام شرعية قطعية.
٦. التحليل الصوتي النفس-اجتماعي
- يلحظ الباحث في علم النفس أن الصوت الخفي قد يكون أكثر إثارة من الصوت الجلي، لكن ذلك لا يعطيه قيمة شرعية.
- الأذواق النفسية—مهما فاقت في التحفيز—لا تملك حجية شرعية للفتوى.
٧. النتيجة النهائية
- لا دليل شرعي على أن صوت المرأة في الصلاة يجب أن يُخفيه.
- فهي مختارة بين الجهر والإخفات، لا ملزم عليها كتم الصوت بغير سبب شرعي، ولا تبطل صلاتها بالجهر.
- أثر الفتاوى التي تمنع صوت المرأة مردّه إلى الثقافة الذكورية والاجتهادات غير المبنية على أدلة شرعية راسخة.
- والقضية تستدعي مراجعة الفتاوى الفقهية وإعادة الفحص بنزاهة ضرورية، بما يحترم التسمية في القرآن والسنة بلا تزوير.
سألتُ الإمامَ الرضا عليه السلام عن حكم شراء سبع جواري مسيحيات لأني أشتريهن، فقال لي: اشترِ وبيّعْ. فسألتُه: هل يجوز لي أن أتزوج بهن؟ فصمتَ لحظةً ثم نظر إليَّ وقال بصوت منخفض: هو لك حلال. فقلتُ: قربانكَ، هل يجوز لي أن أشتري النساءَ المغنياتَ أو الجواري اللواتي يُحسنَ الغناءَ وأكسب رزقي منهنّ دون أن أستخدمن في غير ذلك؟ فأجابني الإمام قائلاً: اشترِ وبيّع.
إنّ عبارة: «وقال: شبه الإخفاء هي لك حلال» في هذه الرواية تعني أنّه بعد صمتٍ قصير، بيّن الإمام عليه السلام أنّ ذلك إذا كان شبيهاً بالإخفاء، أي كنكاحٍ مؤقت، فلا بأس وهو حلال لك.
ويتابع الراوي أنَّه عرض على الإمام قائلاً: يا مولاي، إنّي أشتري المغنيات والجواري اللاتي لديهن صوت حسن وأبيعهنّ وأعيش من ذلك، هل هذا جائز؟ فأذن لي الإمام بذلك.
وينبغي التأكيد هنا على أنّ الراوي لم يسأل إن كان يشتريهنّ لغناء حرام، إذ إنه مؤمن بولايته، فلا يغنين حراماً، وكان الإمام قد قال إنّه لا مانع. بل سأل عمّا إذا كان أصل البيع والشراء مباحاً أم لا، فكان الجواب بالإباحة. وعدم علم الراوي بكيفية استخدام هؤلاء الجواري يؤدّي إلى جواز بيعهن.
إنّ بيع هؤلاء الجواري المغنيات يشبه بيع أجهزة البث الفضائي، أو الكمبيوتر، أو اشتراك الإنترنت، والتي قد تُستخدم فيما هو حلال أو حرام، لذا فبيعها لمن لا يعلم كيف ستُستخدم، لا حرج فيه، على العكس من الزمن الذي كان فيه التلفزيون صوت جبهة الباطل، حيث كان غالب استخدامه حراماً، فكان البيع محرّماً.
مثلاً، بيع العنب في مكان يغلب فيه استخدامه لصناعة الخمر حرام، وقد يكون زراعته محرماً مقدمياً. والفضائيات كذلك لها استخدامات حلال وحرام، فإذا كان المجتمع لا يتقن اللغات الأجنبية خصوصاً الإنجليزية ويشاهد مواد تثير الشهوات وتروّج للفحشاء فإنّ هذا محرم، إلا إذا كان الغالب من المجتمع يستخدمها في أمور حلال.
ينبغي أن نعلم أن مجرد الاقتضاء لا يحرم الشيء، ولكن إذا غلب الاقتضاء الحرام، يكون الحكم بالتحريم. وهذا مثل المواد المخدرة التي يُسرف فيها الفقراء على حساب أسرهم، فبيعها لهم حرام.
وبناءً عليه، فإنّ الروايات التي تحرم دخل النساء المغنيات وتلعنهنّ تخصّ المغنيات اللواتي لم يراعين الأحكام الشرعية، أو المغنيات في مجالس تختلط فيها النساء بالرجال، والنساء عاريات أو شبه عاريات، ولا يشمل ذلك غير ذلك من الحالات.
ثقافة الزواج المؤقت
مما يستفاد من كلام الإمام عن الزواج المؤقت أنّه يجب مراعاة العادات الاجتماعية، والامتناع عن ما تكرهه الناس ظاهرياً، مع الإبقاء عليه سراً وبضوابط حفظ الأمن والسمعة، وهذا لا بأس به.
العقد المؤقت من أفضل الخيارات التي يمكن تشريعها وتنظيمها لمكافحة الفساد والحفاظ على العفاف العام. للأسف، المجتمع في الواقع يتبع الغرب في جعل الزنا حلالاً والزواج المؤقت حراماً، مع أن التطبيق الحقيقي لتعاليم الدين يحفظ المجتمع من كلّ انحراف.
جواز كسب النساء المدحّيات
رُوي عن حنان أنّه كان هناك امرأة في حيه تملك جارية نوحه، فقالت لوالده: تعلم أنّ رزقي من الله ثم من هذه الجارية، أريد أن أسأل الإمام الصادق عن حكمها، فإذا لم يكن حلالاً أبيعها وأكسب رزقي من ثمنها إلى أن يفتح الله باباً آخر. فقيل له: إن لم تشترط عليها أجراً محدداً ورضيت بالقليل فلا مانع.
هذه الرواية تبيّن جواز كسب النساء المدحّيات، وبالطبع صوتهنّ أيضاً مباح، فمن الطبيعي أن تنشد النساء نوحاً في مجالس عامة أو على قبور الأموات، ويكون الرجال أو على الأقل صاحب المجلس يسمعهنّ، وهذا جزء من طبيعة المجالس.
قال الإمام الصادق: «أجر النساء اللواتي ينحنّ على الموتى لا بأس به».
وهذا يدلّ على عدم وجود مانع من صوت المرأة في مثل هذه الحالات.
صوت المرأة وعورة
تشير الأدلة التاريخية إلى أنّ نساء عصر النبي صلى الله عليه وسلم كنّ يتحدثن بحرية مع الرجال، ويشجعن أزواجهنّ بحضور النبي. وكنّ يسألن الأئمة المعصومين عن أمورهنّ، ومع ذلك، صدرت فتاوى من بعض الفقهاء في عصر الغيبة الكبرى تحرم كشف صوت المرأة، معتبرينه عورة، وأوجبوا ستره بالكامل حتى في الحديث مع المحارم.
إذا قيل إن الصوت يعني الغناء فقط، فالجواب: الصوت يشمل الكلام العادي، والقراءة، والغناء، وحتى في مسائل الصلاة جهر المرأة بالقراءة لا يعتبر ممنوعاً.
أحاديث الجهر بالصلاة للنساء
- عن الإمام الرضا: يجوز للمرأة التي تؤم النساء أن ترفع صوتها في القراءة والتكبير إلى أن تسمعها المأمومات.
- عن الإمام الكاظم: نفس الحكم.
- عن الإمام: لا يجب على النساء الجهر في الصلاة إلا من كانت تؤم النساء.
وهذا يدل على أنّ الجهر في الصلاة للنساء أمرٌ اختياري، ولا يدلّ على تحريم ذلك.
خلاصة
إنّ صوت المرأة في الصلاة والجهر جائز، ولا يوجد دليل شرعي يُبيح حرمة سماع صوتها، ولا يوجب ستره بشكل كامل كما يزعم بعض الفقهاء. الإسلام يريد الحفاظ على العفة العامة، وعلى الرجال والنساء مراعاة ذلك على حد سواء.
«بقدر ما تسمع قراءتها» ليست واجبة بل اختيارية
عبارة «بقدر ما تسمع قراءتها» لا تعني الالتزام بقراءة مرتفعة الصوت بقدر سماع الآخرين لها، بل تبين أن ذلك اختياري وإرادي، وليست قاعدة واجبة تكاد تكون مطلقة.
وقد تحدَّد مقدار «الجهر» في الآية الكريمة:
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 110]
وفقًا لهذه الآية، يجب أن يكون صوت الصلاة معتدلاً لا منخفضًا لا إلى حد لا يُسمع— لأنه حينها يشبه قراءة في القلب فقط؛ ولا مرتفعًا جدًا حتى لا يصل إلى حد الصراخ، لأن تلك الحالة تفسد الصلاة. ولا اختلاف في ذلك بين الرجال والنساء.
والحديث التالي يعزز هذا التفسير:
- عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، وعن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألته عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾؟ قال: «المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديدًا.»
كما سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن معاني «الجهر» و«المخافتة»، فقال: «المخافتة أقل من سماعك، والجهر أن ترفع صوتك بشدة». بمعنى أن صوت المصلي في الصلاة يجب ألا يكون هادئًا داخليًا فقط، ولا مرتفعًا أعلى من مقام الاعتدال.
القراءة الجهرية الصوتية
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «إنما تُسجّل في القراءة والدعاء الأصوات التي يسمعها القارئ نفسه، ويثاب عليها». هذا الحديث يؤكد أن القراءة يجب أن تكون ذات جوهر صوتي يسمعه المصلي، ولا تُعد القراءة في الذهن فقط قراءة شرعية صحيحة.
لذا تعالى أمر: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ مؤكدًا على الإتيان بنطق الكلمات، لا القراءة الخاطفة الصامتة.
صوت الإمام في الجماعة
روى يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام): سُئل: هل يجب أن يصل صوت الإمام إلى المأمومين وإن كثروا؟ فأجاب: «ليقرء قراءة وسطًا»، مستندًا إلى الآية الكريمة التي جاءت بعدم الجهر والإخفات المفرطين.
وبعبارة أخرى، على الإمام أن يقرأ الصوت بوضوح بحيث يُسمع للجميع دون إزعاج ولا طمأنينة تامة، بل ببلوغ الاعتدال في الصوت.
الموقف من جهر المرأة
- الفاضل الهندي في «كشف اللثام» يجزم أن جهر المرأة ليس واجبًا في الصلاة، إلا إذا كانت إمامًا للنساء، وفي هذه الحالة يُشترط جهر الصوت إلى ما تسمعه المرأة منها دون إظهاره للذكور. ويُدّعى أن هذا مستند إلى إجماع الإمامية، لكن هذا ورود ضعيف.
- المرحوم بحراني يرى أن المرأة إن قرأت جهرًا ولم يصل صوتها للغريب، فصلاةها صحيحة، وإن وُصِل عمدًا إلى الرجل الأجنبي فالخطأ غالب وأصحح الفقه أن تصحح نطقها دون توجيه الصوت إلى غير محرم.
- المرحوم صاحب «جواهر الكلام» يذكر أن جهر الصلاة ليس واجبًا على المرأة، ويشير إلى أن قول «تسمع» في بعض الروايات يقتضي أنها تُسْمع فقط لمن يحق له السماع. وإن قرأ بصوت مسموع ضمن إطار خاص بغير فضائح—كالصوت الطبيعي بدون مبالغة—فصلاة المرأة تُعتبر صحيحة، ولا يسوغ حرمانها بناءً مجرد دلالة اجتهادية دون دليل شرعي قطعي.
الخلاصة
- قراءة الصلاة يجب أن تكون بصوت واضح يسمعه المصلي نفسه، لا صامتة ولا صاخبة.
- الإمام في الصلاة الجهرية مطالب بقراءة متوازنة تشير إلى سماع المأموم دون إزعاج.
- المرأة ليست واجبة عليها القراءة الجهرية، إلا إذا كانت إمامًا لفئتها؛ كما أنها ممنوعة من أي رفع صوت الصفير عند وجود الرجال غير المحارم.
- الرأي الراجح يفيد بأن الإناث يمكنهن القراءة بصوت جهر خفيف يسمعن له فقط، دون قصد إيصال الصوت للرجال الأجانب، وبذلك تصحّ الصلاة ضمن قواعد العفة والحياء.
تحليل فقهي – موسيقى: إثارة الصوت الخفّي وتكرار الفتاوى
١. إثارة الصوت الخفي (تهييج بيشتر)
أثبتت البحوث النفسية أن الحالة الخفية أو المنع المتزايد تزيد من رغبة الإنسان في الحصول على الشيء، وتزيد طمعه فيه. والصوت الخفي، وعلى الرغم من كونه غير مسموع ببساطة، يشحذ الاهتمام والتلهف للاستماع إليه. لكن، مهما بلغت درجة إثارة الصوت الخفي، فإنها لا ترتقي إلى حد حجية شرعية، ولا تشكل أساسًا لاستخلاص أحكام فقهية.
٢. تكرار الملال في كتب الفقه
عند استعراض كتب الفقهاء منذ بداية الغيبة الكبرى، يُلاحظ تكرار شبه مطلق للمحتوى. فلو كان كتابٌ كـ«جواهر الكلام» يعاني من عيب ما، يمكن سد هذا النقص من خلال قراءة كتب أخرى. رحمه الله الإمام الخميني حينما فضّل التدريس، ثم نزع هذا الزي المدني حينما حانت لحظة المواجهة، ليكون في كل حالٍ صالحًا للهداية والعمل، وهو نموذج حي لمن يودّ أن يقول: “في البيت إن من يتندر”.
الجزء الثاني – غناء النساء: الفصل الرابع
أ. تأثير المكان والزمان على حضور المرأة
لقد أتاح الإسلام النسائي الواسع، فكان الفوز والمكانة في كل ميادين الإبداع، لولا انحراف السلطات السياسية وخرافات التعصب الجاهلي التي أرّخت للانغلاق المؤسَّس على تقاليد ذكورية جامدة. لا ينكره التاريخ: هناك نساء شجاعات في سبيل أهل البيت (ع) ضحين وأفعالهن وثائق حيّة في صفحة الزمن. وحضورهن الاجتماعي يحتاج إلى دراسة شاملة وميدانية تمنحهن الموقع الذي طالما استُبعدن عنه.
في تلك الحقبة لم يخرج إلا سارق ليلاً، ولا تجرّأت امرأة على أداء مهمة اجتماعية. فإن خرجت توصف بدهاء كـ«لصّة». لم يكن للمرأة إذن أي دور مجتمعي. أما الروايات التي وردت حول مشاركتها الاجتماعية، فهي صادرة في ظروف جبروت سياسي خانق استهدف حتى تعزيز ثقافة الانزواء الذكوري.
ورغم فتور العهد وأحداث الجور ضد أهل البيت، عادت هذه الثقافة المتعصّبة لتؤصل الانزواء المنزلي. وعندما إرادت الثورة البهية بقيادة الإمام الخميني (ره)، لامست حضور المرأة في كل الساحات المشروعة. لكن فقهاء ذلك الزمن لم يقدروا ذلك، وندد بعضهم بقولهم: «لا تخرّجنّ النساء»، مع أنها إذا خرجن للخير المطابق للشريعة، فلا حرج في ذلك.
ب. صوت المرأة – جوازه وسقوفه
- لا دليل على تحريم صوت المرأة – بخلاف سترها الجسدي – بل غياب دليل الحرمة أقوى سبب للجواز (وفق مبدأي: الأصل في الجواز، والأصل في عدم الحرمة، والأصل في الاشتراك).
- المرأة المسلمة يجوز لها أن تؤذن، وتتلو القرآن، وتغني إن شاء، طالما التزمت بضوابط العفاف وتجنبت ما يثير الشهوات المحرّمة.
- بعد غيبة الإمام الصغرى، أخذ فقهاء التركيبة الحاكمة (العباسيين، العثمانيين، الإيرانيين) يضخّون مؤسسات تكفل إخفاء المرأة ووضع تصورها كمخلوق منزلي، فأغلقوا بيوت العلم والمدارس أمامها.
ج. الصوت – مشترك بين المرأة والرجل
كل القواعد الإسلامية التي ترتبط بالإنسانية لا تميز بين المرأة والرجل. لا يجوز تخصيص حكم الغناء أو الصوت للنساء دون دليل قاطع. فإذا أُثِر قيدٌ على الصوت، فهو عامة سواء كان لصوت رجل أو امرأة.
د. خطانة التحرر وحكمة الشرع
- على الفقيه أو المفتي أن يضع حدود الشرع بعيدًا عن مذاهب شخصية أو تقاليد قومية، فالشرع هو الحرية بعينها، لا القيد.
- في كل حكم، عليه أن يستقي من العقل السليم والشرع الشريف، مثله كمثله نظام المرور الذي يضبط ولا يكبّل.
هـ. الخلاصة والأحكام
- لا توجد حجة شرعية على تحريم صوت المرأة في الغناء أو التلاوة، حتى ضمن حضور رجال أجانب، ما دام محتوى الصوت طاهرًا، معتدلاً، غير مثير للشهوات.
- أسباب الحرمة في الغناء، كما عند الرجل، هي: الإباحية، الفساد، الترويج للباطل، الفتنة، أو التعري.
- صوت المرأة في الصلاة أو الدعاء مشروع ومشترك مع الرجل، ما دام ضمن الضوابط الشرعية.
- إذا ارتبطت أغاني المرأة بأطروحات فكرية عسكرية أو دعوات منافقة، كالكراهية أو الفتنة ضد الإسلام، فهنا تحرم حسب المقصود والغاية، لا بصفتها صوت أنثوي.
🔚 خاتمة موجزة
- المرأة حرة في غنائها ومشاركتها الصوتية في أي مجال، ما لم يتورط في ما حرم الشرع.
- الفقهاء مطالبون بالحرص والموضوعية والنزاهة في إصدار الفتاوى، متجنبين الأذواق الشخصية والتعصب الثقافي.
- صوت المرأة هو جزء من إنسانيتها، ليس معوقًا للعفة أو للعدل، بل مكمّل لحضورها للحياة والإبداع.
- في العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال، الأصل الأولي في الصوت والأداء الصوتي للمرأة والرجل هو الإباحة؛ فلا مانع شرعي في الأصل من أن تتولى المرأة مقعد التدريس أو الخطابة أو الفن المسرحي أو الإعلام المرئي والسمعي، طالما امتثلت للضوابط الشرعية؛ وذلك عدا وجود آثار جانبية كالتحريض أو الإثارة الجنسية، التي تخلّ بالعفاف العام وحقوق الجمهور. فإن تجاوز ذلك إلى إثارة جماعية أو استثارة الجسد (وهو عورة)، فإن الشرع ينهى عنه حفاظاً على العفاف.
- طالما لم يكن الصوت مهيجاً إلى الحرام، فإن سماع صوت المرأة وإن غنت أو ألقت خطبة أو شاركت في وسائط إعلامية كالتلفزيون مباح – حتى الأذان – شريطة أن تكون ملتزمة بالحشمة والإيمان. ويُشترط ألا تكون تلك الإثار ة محرّضة على المعاصي أو جذّابة لغير ذوي العلاقة الزوجية.
- في سياق تسوية العلاقة الزوجية، قد يكون من المستحب أن تستخدم المرأة صوتها لإحياء جوّ من المودة والجذب لزوجها، ولا إشكال شرعي في ذلك. أما إذا يُؤدّي استخدام الصوت إلى إثارة جنسية محرّمة، أو رغبة في تشويق الآخرين الأجانب؛ فهذا محظور شرعاً، سواء صدر عن المرأة أم الرجل، وإن كانت المرأة لديها قدرة أكبر على الإثارة الصوتية.
- يجدر بالتفريق بين صفة الصوت بذاته – وهي بيّنة طبيعية طيّبة – وبين الغناء المصاحب للغنج والإثارة، أو استخدام أنماط موسيقية تخدش الحياء، كجهاز “الهزلي” – أما الغناء المحمود وليس فيه إثارة، خاصة في أنظمة موسيقية راقية كالماهور، فلا بأس به. المعيار في الحكم هو الآثار العملية: فإن طغت آثار فساد أو انحراف ثقافي، فالحكم بالتحريم أو الكراهة يُرجع تبعاً لذلك.
- كما أنّ استخدام المرأة للصوت في ميدان “الموسيقى العلاجية” له ما يبرره شرعاً، وخصوصاً في علاج بعض الاضطرابات النفسية إن توافرت فيها الفضيلة والنزاهة؛ بما يخدم القيم الإسلامية والحضارة المعنوية.
- لذا، تأصيل الصوت والغناء للمرأة والرجل يقع في حِلّة الأحكام السليمة، ما لم يرافقه دليل عملي على التحريم؛ ومع ذلك، الشرع الراشد يحترس من الآثار السانوية التي قد تقود إلى الإلحاد الفقهي والغواية الأخلاقية، فلهذا وضع ضوابط دقيقة للفصل بين الغناء المشروع الذيشدّد عليه في ظل دوام العفاف، والغناء المحرم المرتبط بالفسقات والملذات الشاذة؛ مع ضرورة تقوية المؤسسات الثقافية والتعليمية الداعمة للحداثة الإيمانية في إخراج الصوت الإنساني في صورة طاهرة وآفاق رحبة.
تحريم الترويج للباطل والخشونة في الأناشيد والموسيقى
أولًا: شرط مشروعية الأناشيد والموسيقى
في شعرها وألحانها، يجب ألا تحمل أدلّة باطلة أو غرضًا يخالف شرع الله، وإلا أصبحت الغناء والموسيقى محرمة. فلا ينبغي أن تنشر خشونة أو فسقًا. على سبيل المثال: الأغاني البوب والروك الأمريكيين اللذين يشتهران بنشر الفحشاء والعنف بشكل واسع، يعتبر أداؤهما محرّمًا شرعًا — ولو نُشدتْ بقراءة قرآن، فإنها تظل حرامًا.
في روسيا اليوم، تلقى “الموسيقى الأمريكية العنيفة” رواجًا كبيرًا، فهم يستخدمون الزخم الصوتي والحركة لإحداث تأثيرات نفسية. فالموسيقى الأمريكية تستخدم الضوء والإيقاع لتهجيج الأعصاب. وحتى بعض الموسيقى الإيرانية بنمط الإيقاعات الأمريكية أضحت توترية. هذه الموسيقى، ملازمة للفجور والعري، تهدّد الشباب في أكثر من خمسين دولة إسلامية، دون وجود بديل ثقافي من علماء فقهائهم؛ فهم غالبًا ما يحكمون على الموسيقى بالحرمة المطلقة، فصار المجتمع المسلم في الواقع يتقبل البوب، بينما الأطباء السود الأمريكيون يروّجون للراب، فحدّدت أمريكا خطورة ذلك.
ثانيًا: أهمية إنتاج موسيقى شرقية “طاهرة”
علينا أن نستثمر تراثنا الغني في الموسيقى والعرفان والفلسفة، لنشكّل موائمة للفنون الصوتية الروحانية، ونقدّمها للعالم، فليس من المقبول أن نتخلف عن أمريكا في هذا المضمار. السود الأمريكيون، بلا علوم دينية، يؤججون النزاع بالعنف الصوتي والرّاب.
واستخدامهم لموسيقى شرقية لطيفة كالأغاني الفارسية أو الهندية سيمكنها من مقاومة هجومات البوب الأمريكي، الذي يمزج خشونة الضوء والإيقاع العنيف والتبرج الجسدي. إذا تُرِكت الشعوب الأسيوية على هذا المنوال، ستتعرّض للانفجار الاجتماعي والتلوث بثقافات العري والجهل والهيمنة.
ثالثًا: أثر الاستماع المفرط:
الإفراط في سماع “الموسيقى الأمريكية العنيفة” يؤدي إلى تخدير عقول الشباب، يضعف إرادتهم ويبعدهم عن الحقيقة، فغالبًا ما يُساء استغلالهم في حملات دعايات نفسية وسياسية معادية.
رابعًا: الفرص الموسيقية الملهمة:
الدولة الإسلامية قادرة على إنتاج موسيقى روحية أصيلة مستوحاة من القرآن الكريم أو الأذكار أو قصائد الإمام السجاد مثل دعاء كميل، أو نغمات داوود النبي، أو أنغام صادقة تنقل الصلاة والسكينة إلى النفس البشرية. هذه الموسيقى يمكن أن تكون وقودًا للإيمان والمقاومة الثقافية.
خامسًا: توظيف قدرة المرأة والرجل بحسب الأدوار
يجب أن يُمنَح كلٌّ – الرجل والمرأة – الفرصة لإبراز مهارته الصوتية والموسيقية لصالح جبهة الحق. فالشرف ليس بذكر أو أنثى، ولكن بأثر الأداء الروحي. وبشرط الاحتشام الشرعي، يمكن للمرأة أن تنهل من العلم والتعبير الموسيقي من بيتها وحتى في المجال العام.
سادسًا: موسيقى الطهارة مقابل موسيقى الباطل
لمواجهة الحرب الثقافية التي تُخاض عبر العري والعنف SEX-musical، يجب إنتاج “موسيقى طاهرة” تربوية، دينية، وروحية، تُقدّم للقيم الإنسانية والإسلامية. فإذا تركنا المجال دون إنتاج بدائل روحانية وإبداعية، استسلمنا لعولمة الفساد وقيم الثانويات.
سابعًا: تحريم رمزية الباطل
تحرم الموسيقى والأغاني التي تروّج لأيدولوجيات غير دينية، أو تمجّد رموزًا فاسدة تحت أي صورة: قصائد، شعارات، أعلام، مسلسلات، أفلام، حتى لو كانت في سياق فني محض.
ثامنًا: دور المؤسسات والمجتمع
على مؤسسات الدولة والمجتمع الإسلامي أن تساند الفن الطاهر، وتوفر البدائل المصاحبة: من ألعاب ورياضة وأغاني تعبيرية بأسلوب هادف. فلو أن كل بيت مسلم أنتج موسيقى «طهورت» تأخذ العالم بسلام، فيبدو أن الفجوة بيننا وبين موسيقى البوب العالمية تضييقت.
🎶 التحليل الفقهي للموسيقى ودورها في “إحياء الباطل”
١. الموسيقى التي تعبّر عن سلطات باطلة
الموسيقى التي تؤيد رموزاً باطلة وتقود إلى انزلاق الناس نفسياً تشبه موسيقى الأمويين والعباسيين، فهي جزء من سياسية الحكومة الظالمة التي سعت لتخريب القيم الروحية والأخلاقية للمجتمع. وقد تجدد ظهور هذه السياسة اليوم في بعض المجتمعات الإسلامية، من خلال انتشار وسائل الترفيه التي تبعد الناس عن المساجد والدعاء والتقوى، وتلهيهم بأفلام ومسلسلات وفكاهات لا روح فيها. ومهمّتنا أن نحوّل الفن إلى مسار معنوي وآمن يعزّز المجتمع وليس يكسّره.
٢. تحريم انتهاج الموسيقى التي تنشر الفحش والابتذال
الموسيقى المروّجة للفحش أو موبقة محرّمة شرعاً، وتعدّ في حكم حُفظ شراب الخمر بوعاء زجاجي جميل: وإن كان مملوءاً ماءً، فإنّ الذهن يرتبط به بالمعنى السيئ وينشأ الإشكال. ولقد وردت آيات صريحة في ذلك:
«إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةَ…»
والشرع يحذر من التشبه بأهل الفسق (“تشبه بأهل معاصٍ”) ويأمر باستخدام ألفاظ وحُسن سلوك يبعد عن الانخراط في فوضى المعاصي .
٣. الموسيقى واللعب (اللّهو)
اللهم يعبّر عن انشغال يُؤثّر على أداء الأعمال والواجبات، ويُستثنَى ما إذا كان مصاحباً لمصلحة أو وقاية من السوء.
- إن لم يسبب تفويت فريضة أو ترک اجتهاد بعبادة أو علم، فهو لا حرج فيه.
- وإذا أعطى راحة نفسية، كما في الرياضة أو التمثيل الفني الهادف، فهو محمود.
- ولكن إذا حوّل الإنسان عن واجباته الشرعية أو دفعه للانغماس في ملذات محرمة، فقد يصبح حراماً.
فالموسيقى والرياضة تُعتبر حبراً على الرحبان مادامت ضمن ضوابط الزمن والمجتمع والنية.
٤. اللّهو الذي يُهدر القيم وينتهي إلى فساد
إذا تجاوز اللّهو حده وساهم في تسييس رمز ديني أو مقدس، أو استُخدم ظرف ذلك لممارسات فاسدة (كمسجد ضرار للحرب الأهلية)، فقد يترتب عليه حكم شرعي: وهو أنه يصبح محرمًا، إن كان ممنهجًا ويقوّي باطلًا.
٥. الصيد الترفيهي
- الشريعة لا تُحرّم التنزه ولا الرحلات، ولا تُدين امتلاك السلاح لوظيفته في الحياة.
- لكن قتل الحيوان بدون سبب مشروع يُعدّ قسوة نفسية وسادية ويُحرّم، لا لأن الحيوانات مقدسة، بل لأن السلوك القاسي يفسد القيم الإنسانية .
- أما قتل الحيوان بغرض القوت المشروع، فلا إشكال فيه.
٦. نطاق القيم والفاصل الشرعي
في الإسلام، لا يُحرّم اللّهو بحد ذاته، بل يُقدر ويحكم عليه حسب تأثيره على التوازن النفسي والالتزام الشرعي.
إن اللعبة أو الغناء يُحبذ إذا أقام حاجزاً ضد المنكر، لكنه يُذم إذا حوّل الإنسان عن واجباته أو حمّل نفسَه فقط بالشهوات والملذات.
✅ النتيجة المختصرة
- الموسيقى سوقها الحرام إن كانت محرّفة أو تضعف الوازع الأخلاقي والديني.
- اللّهو محايد لا يُدين إلا بأثره، وليس بجوه.
- كل ما يبعد عن ذكر الله أو أداء واجباته يُحاسب عليه الرأي الشرعي.
- الرياضة، الترفيه، الفنون، والموسيقى إن كانت تُؤدي إلى حفظ النفس، رفع الهم ولامست روح الوعي والحرية المشروعة فهي مرحب بها.
- الإسلام لا يخيف الإنسان من الفرح بل يوازن بينه وبين التزام قيم.
- وفقًا للنص، فإنّ “اللعب” أو الانشغال المخل بالمتون الدينية، أو الانغماس المستمر في لهو دون إدراك لأبعاد حياتية أخرى، يُعدّ مجرّد إيغال يتعارض مع الشريعة.
فمثلًا، من يكرّس نفسه بالكامل لبناء الجسم والتدريب بلا تنويع، قد يفقد توازنه العقلي. وكذلك من يفرط في تقوية ذاكرته أو حفظ القرآن كريمًا على نحو متطرف، يستهلك عمره دون توزيع حكيم للطاقة العقلية والروحية. صحيح أن بعض الأولياء قد يمتلكون قدرة استثنائية على ذلك، لكنهم حالات نادرة. - الإنسان بطبعه متعدد الميول والأحاسيس، ولا يليق به أن يعيش في حالة واحدة رتيبة.
يحتاج إلى تنوّع ينشط به روحه—كالاستماع للموسيقى أو الغناء أو الحركة—ما دام ذلك لا يؤدي إلى الانغماس باللهو الذي يفضي إلى غفلة عن ذكر الله أو تجاهل للواجبات الدينية. - أما “اللعب” حتى إذا طال وأثر في القلب وغيّب الإنسان عن حقائق دينه، أو خلق انحيازًا نحو الباطل، فقد يتحوّل إلى سبب للفسق – وهو فساد روحي، وليس مجرد لهو مختلّ.
لكن ليس كل لهوٍ فاسقًا، بل الذي يعطل العلم بالله والطاعة حقيقة. - في مسائل الترفيه، الحديث عن الكمية والنسبة يجب أن تكون عادلة:
التسلية الخفيفة لتهدئة النفس أفضل من التراكم المفرط الذي يُحدث اضطرابًا روحيًا ونفسيًا.
فالافراط في اللّهو قد يضعف العقل ويُضعف الإيمان، وهذا ما حذر منه الشرع. - يهدي الشرع الناس إلى برّ التوازن والتناسب في حياتهم:
فإذا كان فعل ما، كموسيقى أو غناء، ينسجم مع حال المرء – دون إدخاله في شهوات محرمة أو انشغال دائم عن ذكر الله وعباداته – فهو جائز.
مثل استخدام السمع والألحان لعلاج نفسي أو ترويح مؤقت يُعد مشروعًا، شرط أن يُدار ضمن ضوابط شرعية. - وإذا أُختلط الصوت بجذب جنسي أو رفعٍ للنفس بعيدًا عن العفة أو جذب الأجانب، فقد يصبح محرّمًا – لأن مرفأ الفتنة هو المشروع المتوازن:
وفي الواقع لا حرج في أن تغنّي المرأة بصوت نقي أمام زوجها لتحقيق دعوة قلبية أو ترويحية ضمن إطار الزواج الشرعي، بل قد يحمل ثوابًا؛
فالتمييز الشرعي لا يصِرّ كل “وقف صوتٍ جميل” محرمًا، بل يفصل بحسب غايته ومضمونه. - تنظيم الناس لنشاطهم وردم فراغهم بالضد النبيل من التشتت، فضيلة،
فالشرع لا ينهى عن الترفيه ما دام في إطار الاعتدال والاعتبار.
وعلى الفقهاء والمؤسسات العلمية التفكير في إيجاد آليات ثقافية واجتماعية لتنظيم “اللعب المشروع” ليتناسب مع مراتب الناس وواقعهم النفسي والسلوكي. - خلاصة رسالته:
اللهو المشروع ضروري لحياة متوازنة، لكن إذا استُغل لفُسق أو انحراف أو طغيان على الدين – صار لغوًا يعيق السير الحق. الشرع يوازن بين الجدية والراحة، بين العبادة والراحة البريئة، ويحثّ على وضع “اللعب المشروع” في نصابه الصحيح، بعيدًا عن الفوضى والفساد.
الموسيقى: حدودها الشرعية وآثارها النفسية والاجتماعية
الموسيقى، رغم كونها لذيذة ومحفزة، هي في جوهرها عطية إلهية منحها الله للبشر. ومع ذلك، فإن الشريعة قد حرّمت بعض أنماطها مراعاة لآثارها النفسية والسلوكية. فبقدر ما تُحدث الموسيقى لذّة للنفس، فإن الإفراط في استخدامها يُضعف القوة الكابحة والإرادة لدى الإنسان، ويُعرّض النفس للانزلاق تحت سطوة الشهوات. ومع ضعف الإرادة، تهيمن النفس الأمارة على باطن الإنسان، مما يضعف العقل والإيمان تباعًا.
الاستخدام المفرط للموسيقى يُفقد النفس توازنها، ويجعلها كالسيارة المسرعة التي تفتقر إلى مكابح، ما يجعل المجتمع أكثر عرضة للمعاصي والانزلاق في الفجور. غير أن هذا الضرر لا يوجب القطيعة المعرفية مع الموسيقى، بل ينبغي أن يكون دافعًا لفهمها بعمق. كما أن معرفة طبيعة الميكروبات شرط لعلاج الأمراض، فإن فهم طبيعة الموسيقى وحدودها هو ضرورة لضبط استخدامها.
كما أن الإفراط في تناول المضادات الحيوية يضعف الجسم، فكذلك الموسيقى تحتاج إلى ما يقوّي النفس ويوازن أثرها؛ كالأطعمة المقوية والمشروبات الطازجة. الشريعة الإسلامية، إذن، رسمت حدودًا دقيقة تفصل بين الموسيقى المحمودة والمذمومة، وبين الغناء المشروع والمحرّم.
فالنفس إذا غُذّيت كثيرًا بالمحفزات والمُطرّبات، أصبحت عُرضة للانفلات، وفقدت القدرة على مقاومة الخطأ. إن موضوع الموسيقى والغناء متعلق ارتباطًا مباشرًا بالنفس، واستخدامه خارج حدوده يُفقد الإنسان القدرة على السيطرة الذاتية في بيئات المعصية. ومن ثم، فالموسيقى كالدواء، لا بد من استعماله بمقدار، وإلا تحوّل إلى سُمّ. ليست كالصلوات التي يُستحب الإكثار منها بلا قيود، بل يجب معرفة حدودها.
تشبيهًا دقيقًا: الزعفران لذيذ ومفيد، لكن لا يجوز الإفراط في تناوله، إذ قد يسبب اختلالات نفسية وضحكًا لا إراديًا. كذلك الغناء، ينبغي أن يُستخدم ضمن إطار محدد، ولا يجوز خوض غماره دون الاستنارة برؤية الشريعة، التي تعرف دقائق النفس أكثر من الإنسان نفسه.
الإفراط في الموسيقى هو من مصاديق الانغماس في اللهو الباطل، وهو حرام. وقد بيّنا سابقًا أن ليس كل لهو أو ضرر محرّم، بل لا بد من قياس حجم الضرر والمفسدة. فالغناء إذا أصبح بديلًا عن الصلاة، وتحوّل إلى محور حياة الإنسان، فقد تجاوز حدّه المشروع. كما أن الغناء في مجالس المعصية أو ضمن أجواء من الفسق والعُري يكون محرّمًا بلا خلاف.
الأثر المجتمعي:
انتشار الموسيقى بأنواعها، وتغلغلها في حياة المجتمع، يضعف الإرادة الجماعية ويجعل المجتمع أكثر قابلية للتأثر بالمؤثرات الثقافية المنحرفة. وتُستغل الموسيقى كأداة لتوجيه الرأي العام وإضعاف قيم التقوى والعقل والإيمان، لأن من يمتلك ناصية الصوت يملك توجيه الإرادة الجمعية.
الإرادة نابعة من النفس، والحركة الظاهرة انعكاس لها، فإذا ضعفت الإرادة بسبب الترفيه المفرط، أصبحت النفس عاجزة عن تحريك الجسد نحو الفعل الصالح، حتى وإن أدركه الإنسان بعقله. ومن هنا يُفهم كيف يمكن للموسيقى أن تتحوّل إلى أداة حرب ناعمة تسلب الإنسان قدرته على الفعل الأخلاقي والروحي.
ورغم أن الميل إلى الغناء متجذّر في الطبيعة البشرية منذ هبوط آدم، إلا أن الشريعة لا تُحرّم الطبيعة، بل تحرّم الانحراف فيها. فكما أن قارئ القرآن قد يُلعن إن قرأه بنية غير صافية (رُبّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه)، فكذلك الغناء، إن صدر عن نفس طاهرة وهدف سامٍ، فقد يُستخدم في التعبير عن ذكر الله والجمال الإلهي.
الغناء والتجربة الروحية:
إن الغناء والطرب – إذا كان في يد أهل الحق والعرفان – يمكن أن يُحرّك الإنسان نحو الذكر والشهود الإلهي، ويبعث على التأمل في الجمال الإلهي، تمامًا كما يدعو الجمال الطبيعي إلى القول: “فتبارك الله أحسن الخالقين”.
اللذّة ليست محرّمة بحد ذاتها، والدين لا يُعارض الاستمتاع المشروع، بل يحث عليه في صور متعددة: قراءة القرآن، النوافل، طلب العلم، المناجاة. وقد كان الإمام السجاد عليه السلام نموذجًا لهذا الحب الروحي العميق عبر أدعيته وقراءته.
لكن، وكما أن السكين يمكن أن تُستخدم للخير أو للشر، فإن الموسيقى كذلك: يمكن أن تكون وسيلة للحق والإصلاح، ويمكن أن تكون أداة بأيدي الطغاة والغزاة لترويج الانحرافات وهدم القيم.
نقد للمبالغين في مدح الموسيقى:
بعض الكتّاب المعاصرين يبالغون في مدح الموسيقى حتى يُصوّرونها كأنها خالية من أي ضرر. ويرفضون فكرة أن تكون الشريعة قادرة على تقييدها. في الرد على هؤلاء، نقول: صحيح أن للموسيقى أبعادًا جمالية وروحية، ولكن لها أيضًا وجوهًا “جلالية” لا يجوز تجاهلها، تمامًا كما أن الزواج حلال ولكنه إذا تجاوز حدوده يصبح ضارًا للنفس والجسد.
الغناء كشغل دائم؟ خطأ مفهومي:
الغناء والموسيقى ليستا حاجة أولية في حياة الإنسان، بل هما من الحاجات الثانوية، كالملح والتوابل، لا تُستهلك بكميات كبيرة، ولا يجب الاعتماد عليهما كأساس للرزق أو محور للحياة.
المبالغة في استخدام الصوت والموسيقى يؤدي إلى تآكل الطاقات الجسدية والنفسية. حتى الإفراط في قراءة القرآن قد يُسبب إرهاقًا عصبيًا إذا لم يُوازن بالتأمل والراحة.
إرهاق الصوت والإعلام الموجَّه:
الاستخدام المفرط للموسيقى في الإعلام، كما في بعض برامج التلفزيون التي تبالغ في إدماج الموسيقى حتى في خلفيات الكلام، يفضي إلى تبلّد نفسي ويُفقد الإنسان هويته الفكرية والروحية.
المخاطر الصحية للموسيقى المفرطة:
الوجود الدائم في بيئات موسيقية عالية الإيقاع، كقاعات الحفلات والملاهي، يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات عصبية حادة، بل وسكتات دماغية وقلبية مفاجئة بسبب تأثير الموجات الصوتية على تدفق الدم، كما يحدث في حالات الارتفاع أو الانخفاض الشديد في التيار الكهربائي المؤدي إلى تلف الأجهزة.
الموسيقى: دواء أم سم؟
إن التواجد المستمر في الأماكن المرتبطة بالموسيقى، والعمل في هذا المجال، كما قد يُسرّع جريان الدم ويُعرّض الإنسان للسكتة القلبية، فإنه يمكن أن يحمل في طياته جانبًا دوائيًا يُعيد تدفق الدم إلى حالته الطبيعية لدى من يعانون من خمول الأوعية الدموية والأعصاب. ومن هنا جاء قولنا سابقًا بأن الموسيقى والغناء قد يكونان دواءً أو سمًا، ولا يحق تحديد ذلك إلا للخبير في الشؤون الطبية والنفسية، والمتمكن من العلاج بالموسيقى وأثر الغناء عليها.
أماكن العبادة والموسيقى: ضرورة الفصل
إن التواجد المستمر في تلك الأماكن المزدحمة التي تُقام فيها الغناء والموسيقى والأصوات العالية، يُفقد الحضور حالة العبادة وخشوعها، فالعبادة تستلزم مكانًا هادئًا وبيئة روحية خالية من مشاغل الدنيا. فلا يمكن تحقيق الخشوع الحقيقي في أماكن مخصصة للموسيقى.
لذلك يُوصى بشدة بأداء الصلاة في المسجد، أو على الأقل في مكان خصصتموه للعبادة، أو على السجادة، لما في ذلك من هدوء وخصوصية. فالسجادة تحمل في طياتها وحدةً وانفصالًا بين الذات وبيتها. والمسجد رغم كونه مكان تجمع، إلا أن الوحدة فيه تسود، فلا يصدر فيه ضجيج يُخل بنظام الجماعة وتركيز الإمام.
الدعاء كذلك يجب أن يكون في هدوء وطمأنينة، فالخشوع لا يتحقق إلا في بيئة صامتة وهادئة، ولا يمكن أن ينال الإنسان استجابة دعائه وسط الصخب والضجيج، إلا نادرًا من العارفين ذوي المراتب العالية.
التلوث الصوتي وآثاره النفسية والجسدية
لا يقتصر الضرر النفسي على أماكن الموسيقى فقط، بل أي مكان يعج بالتلوث الصوتي معرض لهذه الأضرار. كما أن الإفراط في تناول بعض المواد مثل الزعفران أو ماء الورد قد يؤدي إلى اضطرابات عقلية بسبب زيادة تذبذب الدم وخفّته، مما قد يسبب السكتات.
وقد أصيب كثير من المحاربين بأضرار نفسية نتيجة موجات الانفجارات الصوتية التي أثرت على أعصابهم وحواسهم، وكذلك العمال في المصانع الذين يتعرضون لصوت عالي مستمر، مما يؤثر على السمع ويؤدي إلى اضطرابات نفسية.
وبالتالي، فإن شدة وتكرار الأصوات، بغض النظر عن حكمها الشرعي، تؤدي إلى هذه الآثار السلبية. من هنا، تعد المدن المزدحمة مثل طهران من أكثر الأماكن التي تشهد ارتفاعًا في معدلات السكتات والاضطرابات النفسية، بسبب الضوضاء والازدحام الشديدين.
تأثير الضجيج البصري واستخدام وسائل الإعلام
الضرر لا يقتصر على السمع فقط، بل العين أيضًا معرضة للخطر. كثرة التحديق في شاشات متعددة تؤدي إلى اضطراب توازن النظر، كما أن مشاهدة أفلام متقطعة ولفترات طويلة تخل بالتوازن النفسي.
استخدام الحاسوب والتلفزيون لفترات طويلة، خاصة فوق خمس ساعات يوميًا، يجعل الإنسان معرضًا للاضطرابات النفسية ويقلل من قدرته على الانخراط في العبادات والأنشطة الروحية. العين التي تُرهق برؤية آلاف اللقطات في الفيلم تفقد مع الوقت حساسية التأمل والخشوع.
لذا ينبغي للعائلات الدينية وضع برامج دقيقة للتحكم في استخدام هذه الوسائل، دون منع مطلق يسبب إحباطًا، ولا تساهل مفرط يؤدي إلى انحراف روحي. ويجب عدم تجاوز الحدود الشرعية بحجة الحلال، وعدم اعتبار كل شيء مباحًا بدون ضوابط، بل يجب النظر للأمور بعين الاعتدال والوعي.
ختامًا:
الاعتدال في استخدام الموسيقى والوسائط، والحفاظ على أماكن العبادة هادئة وخالية من الضجيج، هو سبيل الحفاظ على الصحة الروحية والنفسية، والتوفيق بين متطلبات الحياة اليومية والحياة الروحية.
في الإعلانات التلفزيونية كثيرًا ما يُستخدم الرقص، لأن الرقص يُعتبر من الأمور التي تُسعد أفراد المجتمع ويستمتعون بها. فالرقص قادر على علاج بعض الأمراض النفسية والجسدية. إنّ “الرقص” ليس مقصورًا على الحركات التي تُؤدى في الحفلات المختلطة أو الملوثة بالمعصية، أو ما يظهر في الأعراس فقط، بل للرقص أنواع متعددة، ويشمل جزءًا منه جانبًا دوائيًا وعلاجيًا، تمامًا كـ “العلاج بالموسيقى” الذي يُوصى به لبعض الحالات. ففي “العلاج بالرقص” يمكن أن يُعالج الكثير من التهابات المفاصل، وفي العلاج الطبيعي تُنصح بعض الحركات الإيقاعية. فالتأمل في تركيب الهيكل العظمي للإنسان يُبيّن أن حفظ سلامته لا يكون إلا بالحركات الإيقاعية المنسجمة، وهذا هو جوهر الرقص في هذه الأمور. وبوجه عام، ينقسم الرقص إلى قسمين: متصل ومنقطع.
وهذا التقسيم موجود أيضًا في السنن النافلة؛ إذ يُنصح بأداء نافلة الليل منفصلة، وبعض النوافل الأخرى متصلة. وإذا نظرنا إلى النوافل من زاوية الرقص والعشق، فلن يقع خطأ في أداء الصلاة، ولن يُختلط عدد الركعات أو الأذكار، ولن يُخلّ في ذلك. وعلى أي حال، لا ينبغي أن نتجاهل الصفات الإيجابية الكامنة في النفس البشرية والتي وردت في النصوص الدينية.
في القرآن الكريم لم يُذم الرقص قط، بل يمكن إيجاد رقصات في مراتب مختلفة من الخلق ذُكرت بشكل حسن، فالرقص واسع النطاق، من رقص القلب والروح إلى رقص الحق وتجلياته، الذي تشير إليه الآية الكريمة: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ).
مكانة الحق، التي هي سيرٌ موزون، هي رقصه، وقد تناولنا هذا الكلام بالتفصيل في درس الفلسفة في موضوع الحركة. والقرآن الكريم لم ينهَ عن التصفيق والصفير إلا في آية واحدة، والتي سنذكرها في موضوع التصفيق والصفير. وفي الأحاديث الواردة عن الرقص توجد حالات قليلة إما مذمومة أو محمودة، وفي الحالات المذمومة لم يُذكر إطلاق الرقص وطبيعته.
الرقص الطبيعي والحرية
جميع الظواهر تظهر بحالة “قبض” (تقييد) وتبدأ حركتها بالانبساط (التوسع)، فالحرية موجودة حتى في أصغر وحدة معروفة، الذرة، التي تدور ذراتها بسرعة عالية حول بعضها بفعل جاذبية حركتها، وهذه الحركة المنظمة تُعطيها إطارًا، وهذه الحركة المنظمة تسمى رقصًا. جميع الظواهر في عالم المادة متحركة ومنظمة، ولا توجد ظاهرة بلا رقص، فالرقص حرية وظهور الذات. والحرية تعني كشف الشيء المغلق والمقيّد سابقًا، مثل الباب المرتبط بالمفصل، وهذا يعني أن الحرية يجب أن تكون ضمن إطار.
الرقص الطبيعي للظواهر هو حركة ضمن مدار محدد، ويجلب معه الحرية والانفتاح. جميع الظواهر في حالة قيد وتركيز، وتسعى للحركة والانفتاح لكشف كمالاتها الخفية، وحركتها تكون منظمة ومنسجمة وإيقاعية. الحركة لكشف الكمال الخفي هي رقص. العلماء في علم الفلك يرون الأرض نتاج انفجار كان مركزًا ومضغوطًا ثم توسع. وعلماء الأحياء يرون الحياة تبدأ من ذرة صغيرة تحتوي على كل شيء وتتفتح تدريجيًا بنظام يمكن تكراره. الحرية عبر حركة إيقاعية طبيعية، هي فعل الظواهر الطبيعية والمستمرة، ولذلك يحب الناس الرقص والحرية حتى وإن تطلب ذلك جهدًا وتكاليف.
رقص حرية الإنسان يتشكل بإرادته واختياره، وهذه الإرادة قد تكون أنانية تجهل حدودها وتميل إلى المعصية. فقد يظن الإنسان أنه يرقص من أجل حريته وانفتاحه، لكنه قد يتجاوز الحدود ويصبح أسيرًا لرغبات نفسه الخاطئة التي تعيق تطوره. الشريعة بوضع قوانينها تُرشد الإنسان إلى مسار طبيعي للرقص والحرية. والدين هو برنامج حياة يجب أن يُؤخذ من مجتهد مؤهل خاص، لا بشكل عام.
الرقص الطبيعي يحدث تدريجيًا ومتوازنًا، ولا يسبب نزاعًا إلا إذا تدخلت الأنانية والأغراض السلبية، فتصبح حرية الرقص مقيدة. رقص حرية الإنسان هو الحركة الإيقاعية التي تكشف طبيعته. فالإنسان لا يرقص ليكدس طاقته، بل ليحرر طاقته. الحرية عبر الرقص الطبيعي هي أن يكون الإنسان ذاته ويظهر كماله الطبيعي. العمل هو رقص موزون يحتاج إلى نشاط وحيوية، وقد تحدثنا عن المنشطات والسرور المشروع في كتاب “فقه الصفاء والنشاط”.
نقطة بداية الحديث عن الرقص الطبيعي وحرية الإنسان هي الحياة، وفي أسماء الله تعالى “الحي” مقدّم على جميع الأسماء، وهو أصلها وا. كل شيء له وجود وله حياة، والحياة هي ظهور الوجود والظواهر. حياة الظاهرة هي الاتجاه الرباني وطريقة ظهورها، وهو ما يُسمى “الهوية السارية” وصفة “المعيت القيومية”. لذا، فهم الحياة لا يمكن بدون الاعتبار الرباني.
من له حياة وعقل يصبح عاشقًا لكمالاته، ويبدأ بالحركة والسير نتيجة لحياته ووعيه. الحركة يجب أن تكون طبيعية ومنظمة، والرقص ليس إلا حركة إيقاعية تعبيرية عن الكمالات. المرأة بارعة في الرقص لإظهار جمالها، فالرقص محاولة لتحرير الذات وكشف الكمالات. لا يوجد كائن أو شيء لا يرغب في الرقص من أجل كشف ذاته. وكل رقص يعبر عن طبيعة كمالات الكائن.
حين يتشارك عدة ظواهر في نفس المظهر، يحدث تنافس واضطراب بين الراقصين، وينتج عن ذلك تصادم وصراع، لأن كل ظاهرة تسعى لحريتها. كل الصراعات بسبب الحرية. الحرية تُصاحبها أذى أحيانًا، ومن يسير بحذر وعلم ودين يصل أسرع وأفضل.
الحركات الخاطئة والمحرمة ليست رقص حب أو حرية، فالذين ينساقون وراء شهواتهم يعيقون رقص الآخرين.
من يرقص بطبيعته ويكون متوازنًا يصل إلى الحرية، ويصبح بسيطًا، منفتحًا، صادقًا، ومحبًا.
الصدق هو أصل الحب، والحب هو الصفاء والصدق والذات. من لديه صدق يحفزه ذلك للقيام بعمل يناسبه وله نشاط.
من العلم أو المال أو غيره لا يملّ إلا من لم يحصل عليه برقص طبيعي وصدق، لأنه لا يستطيع تحمل حمل شيء لا يناسبه.
الرقص في الروايات
في الفقه يجب أولًا معرفة هل الرقص بحد ذاته حرام أم لا؟ الأصل في الرقص من الشريعة.
الرقص يبرز قوة الإنسان وجماله، ويجب أن نرى هل الشريعة نهت عنه كليًا أم لا. إذا كان غالبًا معصية، يصبح ثانويًا محرّمًا. وإذا كانت البيئة صحية ونقية، يبقى الأصل جائزًا. كثير من الفرح مشروع ويُنشط الإنسان.
في الفقه – ما عدا بعض الأحاديث القليلة – لا يوجد دليل عام على تحريم الرقص. بعض العلماء رآه من باب اللهو والفرح المفرط، وبعضهم جعله حرامًا. لكن الفرق بين أن يكون الشيء محتلًا من جبهة الباطل وبين أن يكون من أساسه باطلًا. القمار من أساسه باطل، أما الغناء والموسيقى والرقص فليست كذلك، لكن الباطل استولى عليها.
الفقه الظاهري يعطي فتوى عامة بتحريم الرقص، وهذا تضييع للمسألة التي ليس فيها منعه أصلًا.
الروايات عن الرقص قسمان: مذمومة ومحمودة، وكلاهما قليل وضعيف السند. جبهة الباطل تحاول تحريف المعاني وتجميد أصحاب الولاية.
الرقص بحد ذاته بلا عيب أو إثم لا حرج فيه، لكن إذا كان في سبيل الشيطان أو عبادة الأوثان أو ظلم، يحرم.
أيضًا إذا كان في معصيات مثل العري، الخمر، الفساد، الزنا، فهو حرام سواء عند الرجال أو النساء.
إذا كان في خدمة الشيطان أو الحاكم الظالم، يتحول الرقص إلى محرم. أما إذا كان بغير ذلك وضمن الضوابط، فلا بأس به.
الخلاصة
الرقص مثل السكين، حكمه يتوقف على استخدامه. إذا كان في خدمة المعصية، فهو معصية، وإذا كان في خدمة نشر المودة بين الزوجين مثلاً فلا إشكال.
الرقص حتى لو كان تعبيرًا عن فرح مفرط فهو جائز.
شدة الفرح مثلها مثل حمد الله، زيارة الضريح، وغيرها، كلها مباحة ما لم تؤدي إلى ضرر.
يجب تجنب ما يسبب ضررًا جسيما.
البهجة والمحبة والطهارة من صفات الدين، والله يأمر بالنظافة والعطر وكلها أشياء محببة.
اللهو الذي يمنع ذكر الله بشكل صارم مذموم، لكن الغفلة أمر عادي.
الفرح – وإن كثُر – ما دام مستندًا إلى الحدود الشرعية وضمن إطار الأحكام الدينية، فلا بأس به. القذف أيضًا يجلب لذة عظيمة، حتى إن البعض يفقدون وعيهم أحيانًا. من يمتلك قوة جنسية شديدة ولا يصاب بالكسل والخمول، تكون حالة القذف له في غاية النشوة بحيث يغرق في عالمه الخاص وتستمر هذه الحالة لفترات طويلة. لما يُقال إن الرجل في الجنة عند القذف يُبقى النشوة حتى أربعين سنة، وكل قذف يستمر لأربعين سنة أو أكثر ويزيد اللذة على اللذة، فهذا يدل على أن اللذة، حتى لو كانت شديدة، لا حرج فيها، وأولئك الذين لا يختبرون بعض هذه اللذات ناقصون. النبي الأكرم ﷺ هو من الكاملين في النجاح والنشوة، كما قال: “إن فيّ قوة أربعين رجلاً”. وعلى العكس، كثيرون يعانون من ضعف ويجهلون لذة القذف.
الرقص دائماً مرتبط بالجوانب والتأثيرات الجانبية المتعلقة به، وقد خضع للتحول عبر الزمن، وأصبح اليوم علماً متقدماً، مع وجود العديد من المعاهد في المجتمع الإيراني لتعليم الرقص.
نجدر بالذكر أن الأحكام الإلهية ثابتة لا تتغير، إذ إن التشريع من حق الله والرسول والأولياء المعصومين، والعلماء والفقهاء هم فقط ملتزمون باتباع الشريعة، أما موضوعات الأحكام فدائماً تتغير بتغير الأحوال، وكل موضوع له حكمه الثابت.
عانى الشيعة من الغربة بسبب انحراف السلطة السياسية في مؤامرة سقيفة، وكان الرقص في كل أشكاله آنذاك يُستخدم في الأمور المحرمة ولصالح الخلفاء الذين استعملوا الغناء والموسيقى والرقص والقمار لإلهاء الناس عن أهل البيت، وإبعادهم عن حقيقة الولاية. كان هذا الرقص يبعد الناس عن الحقيقة، ويقودهم إلى حياة مادية بحتة، وهو نفس الضرر الذي يهدد الناس اليوم عبر الوسائل الإعلامية الغربية مثل القنوات الفضائية والتلفاز والإنترنت.
معرفة موضوع الرقص ليست سهلة، لأن أنواعه ارتبطت بالذنوب والفحشاء، ولهذا في الفتاوى المعاصرة كثيراً ما يُحكم بحرمة الرقص. مع أن هذا الحكم صحيح، إلا أنه في ظل النظام الإسلامي يمكن استخدام الغناء والموسيقى والرقص والفن بشكل صحيح وسلمي، والسيطرة على ثقافة العالم من خلال ذلك، بل إن التفكير في هذه الأمور أحياناً أهم من قضايا أخرى كثيرة، لأن الثقافة توجه الوسائل الاقتصادية والاجتماعية وتحدد غاياتها.
الرقص المشروع والمستحب:
لم تُمنع طبيعة الرقص في الشريعة صراحة، ولم يُنهى إلا عن الحالات المحرمة المرتبطة بالخمر والشيطان. التحليل التاريخي للغناء والموسيقى ينطبق أيضاً على تاريخ الرقص، الذي استولى عليه الظلم والطغيان الخلفائي. إن تعليم الرقص للأطفال، خصوصًا البنات، أمر ضروري ليحتفظن بأزواجهن في المستقبل، وأيضًا رقص الزوجة لزوجها ليس فقط مستحبًا بل واجبًا، وهذا ما نفتي به.
التربية يجب أن تكون عاطفية مليئة بالشغف، كما أن عبودية الله هي حب وشغف قد تصل إلى مرتبة العبادة الوجودية. يجب أن نربي أطفالنا بشفافية وفرح ونبعدهم عن الكسل والجمود، لأن التربية الصارمة تؤدي إلى أضرار نفسية وتفريغ عقد الطفولة. يجب الحفاظ على النشاط والفرح في تربية الأبناء وخلق بيئة أسرية مليئة بالحب الرباني.
الصرامة المفرطة تجعل الناس يبتعدون عن الدين، ولكن هؤلاء يبتعدون عن دين ليس الله هو شارعه. يجب إظهار الأحكام الإلهية كما هي دون خلط الأذواق الشخصية.
الرقص للمحارم:
من الرقصات المباحة رقص المحارم لبعضهم، مثل رقص الزوجة لزوجها أو الأخت للأخ، أو الأب للابنة، شرط أن لا يحمل الإثارة معناه الحرام. وإذا رقصت الأخت أمام الأخ وأثارته الرقص، مع العلم أن الإثارة ليست في طريق الحرام، فلا حرج في ذلك. أما إذا كانت النية الحرام، فإن الرقص والنظر كلاهما حرام.
الرقص في المناسبات السعيدة:
الرقص بحد ذاته ليس محرمًا، ويمكن ممارسته في الأفراح والأعراس. لا مانع من تقديم الأجر للمرأة الراقصة التي ترتدي الحجاب الشرعي، ولا حرج في إيداع النقود في فم العروس أو الراقصة كنوع من التهنئة والتشجيع.
تعليم الرقص لا مانع منه شرعًا، مع مراعاة الحدود الشرعية والابتعاد عن الاختلاط وارتداء الحجاب الكامل والابتعاد عن الرقصات المحرمة.
الرقص كعلاج:
بعض الحركات الإيقاعية التي لا تحرم شرعًا تعالج مشاكل نفسية، مثل الغرور والنفاق. يوصى بهؤلاء القيام بحركات تخفض من كبريائهم لتطهير النفس. بعض أنواع الرقص قد تعالج أمراضًا نفسية وأخلاقية.
العقود النفسية:
الإسلام قبل تحريم الزنا شجع الزواج الدائم والمؤقت لتنظيم العلاقة الجنسية الطبيعية، ولتجنب عقد نفسية ومشاكل روحية.
لا يجب الاعتقاد أن الرقص أمر جديد أو مستورد من الغرب، بل لم يكن في الإسلام مكرهاً، لكن استيلاء الظالمين على الحكم أدى إلى تحجيمه.
كل من يريد تحريم الرقص يجب أن يستند إلى دليل شرعي واضح، فالرقص في ذاته لا حُكم عليه بالحرمة.
الرقص في المجتمع السليم ليس له حُكم بالحرمة، لكن في المجتمع المريض يصبح الرقص سببًا للفساد ويحرم، وفتوانا في هذا الصدد تصدر تبعًا لحالة المجتمع.
الرقص والإنسان الكامل:
الرقص لا يتنافى مع الكمال الإنساني، وإذا كان المجتمع سليمًا يمكن تنظيم الرقص والمناسبات السعيدة بحدود شرعية وقوانين واضحة.
الإسلام لا يعارض الفرح ما لم يصاحبه ذنب.
الرقصات المحرمة في المجتمع السليم:
- الرقص في مجالس مختلطة ويؤدي للتحريض على المعصية.
- الرقص المصاحب لعقد نفسية وسيئة.
- الرقص لنشر الفحشاء.
- الرقص المشابه لأهل الفساد.
- الرقص المفرط المفسد.
- الرقص في خدمة الطغيان والظلم، حتى إن لم يكن فيه ذنب آخر، فهو حرام.
ChatGPT said:
البند الثاني: الرقص المختلط والمثير الذي يؤدي إلى ارتكاب المعصية
الرقص في المجالس المختلطة التي يتواصل فيها الرجال والنساء من غير المحارم بطريقة تثير الشهوة عند احتكاكهم ببعضهم البعض، يعتبر محرماً شرعاً. بناءً على ذلك، اختلاط الرجال بالنساء في أماكن الرقص والقاعات التي يلتقط فيها الرجال والنساء الأجانب أيدي بعضهم أو خصر بعضهم، ويتمايلون ويدورون، وأحياناً يحتضنون بعضهم ويدورون معاً، يعد أمراً محرماً. وهذا التحريم يعود إلى مبدأ الاختلاط بين غير المحارم، أما طبيعة الرقص في ذاتها فلا حرج فيها.
وكذلك إذا رقص رجل أو امرأة دون احتكاك مباشر، لكن رقصه أو رقصها يثير الآخر ويشجعه على ارتكاب المعصية، فإن الرقص في هذه الحالة أيضاً محرّم. فمثلاً، إذا كان أحد الراقصين يتمنى لمس أو التقارب مع الراقص الآخر من غير المحرم، يصبح رقصه محرماً.
ومن جهة أخرى، إذا كان الفرد يعاني من نقص في تربيته واحتياجاته الجنسية مشبعة بشدة، لدرجة أنه مستعد لتناول أشياء ضارة لشدة جوعه أو عطشه، يجب عليه أن يسعى لتلبية حاجاته بشكل صحي، ويغذي قلبه وروحه بالتربية المناسبة حتى يتمكن من ضبط نزواته وشهواته، وألا تدفعه رؤية الرقصات المحرمة إلى رغبات محرمة.
الرقص والسماع عند الدرويش
السماع هنا يعني الاستماع إلى الأصوات الروحية والربانية، والرقص الروحي هو الحركة المنظمة والطبيعية التي تؤدي إلى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما يسمى بالسير والسلوك، وشرح ذلك ذُكر في موضع سابق تحت عنوان “الرقص الحر”. للأسف، لقد شوه العالم المعاصر هذا السماع والرقص، وخلط بينه وبين الطبول والاختلاط المحرم لدى الدرويش والصوفية، فأصبح صورة محرمة من الرقص، وهي الرقصات المختلطة التي تؤدي إلى الفتنة. ومن الأمثلة على ذلك مشاهد مختلطة من رجال ونساء يدورون في رقصة بذكر اسم علي رضي الله عنه. وهذا بلا شك أمر محرّم، إذ أن الشرع ينهى بشدة عن الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء. لا يبرر ذكر أسماء أهل البيت أو الصوفية هذا الاختلاط المحرم، سواء كان في المسجد أو في المقهى، أو الزاوية أو الحفلات الليلية، فالمكان والزمان والأشخاص لا يغيرون حكم الحرام إلى حلال.
والمقصود بالسماع هنا ليس مجالس الرقص الصوفي المحرفة، التي شوهت معارف أهل البيت عليهم السلام كما حدث في بعض مجالس العزاء التي تغيرت عن أصلها، وكذلك طمس الهدف الحقيقي لذكرى عاشوراء.
المقصود هو سماع أولياء الله الذين كانوا يتسامعون بأصوات روحية وربانية ترتقي بهم إلى عالم الملكوت، أما الدرويش والصوفيون فقد حوّلوا هذا السماع إلى رقص بلا هوية، وأصبحوا يلفون ويصرخون حتى يخلطون بين الجنسين، وهذا منكر شرعي واضح.
هذا النوع من التحريفات موجود أيضاً في مناسبات عيد الزهراء، ولا يجوز أبداً أن يُحلّ ما حرّمه الله في أي يوم. التحريم قائم إلى يوم القيامة، ولا رفع للقلم في الأعياد إلا خرافة تضرّ ولا تنفع، وتُضعف مكانة الإنسان وتقوّض الولاية. الأفراح الشرعية يجب أن تكون بالمعرفة والعمل الصالح، لا بتشويه الحقائق وإلغاء الأصول.
الإمامون عليهم السلام لم يشجعوا أبداً على إثارة الفتن بين الشيعة والسنة، بل كانوا أهل صفاء ومحبة. استغلال مثل هذه المجالس المصوّرة من قبل أعداء الثورة لبث الفتنة بين المسلمين هو عمل مدبر لتشويه صورة الشيعة.
إنّ من أكبر الكبائر أن يُساء إلى مقام أمير المؤمنين عليه السلام بسبب تصرفات بعض الأفراد المدعين للولاية، فلا بد من الاقتداء بسيرة الأئمة وعدم تحريف مجالس العزاء أو الاحتفالات أو السماع والرقص.
نعتبر هذه الممارسات توصيات من الغرب لتشويه الروحانيات وتعمّد التشويش على المسلمين. وقد تناولنا نقد الثقافة الغربية وتأثيرها على العالم الإسلامي في كتاب مستقل يشمل الجوانب الفلسفية والنفسية والطبية والتكنولوجية.
البند الثالث: نشر الفحشاء
الرقص الذي يؤدي إلى نشر الفحشاء أو يكون مصداقاً له محرّم شرعاً، ومن ذلك رقصات “الدانسينغ” التي ينفرد بها الغرب ويريدون من خلالها تدمير ثقافة الشعوب.
حتى وإن كان الرقص بحد ذاته غير محرم، فإن رقصاً يؤدي إلى الفحشاء بلا شك حرام.
بعض الرقصات تحمل علامات وأهداف سياسية خبيثة تسعى لنشر الفساد، وهذه الرقصات محرمة. والرقص المباح هو الرقص الحضاري والإنساني الذي يعبر عن الفرح والروح الحرة.
البند الرابع: الرقصات الخاصة والرموز المنسوبة لأهل المعصية
من الرقصات المحرمة تلك التي تشبه رقصات الكفار أو التي تُعتبر شعاراً لهم، إذ يشملها تحريم التشبه بهم. فالتشبه بأهل المعاصي من المحرمات التي تهدف إلى منع نشر الفحشاء.
ويظل التحريم قائماً ما دام هذا الرقص مرتبطاً بتلك الجماعات أو الأهداف الشيطانية، وإن زال ذلك الارتباط فإن الحكم يزول.
مثلاً، في السابق كانت الملابس الغربية مثل البدلة وربطة العنق محرمة لأنها مرتبطة بالكفار، أما الآن فلا تحريم عليها لأنها فقدت ارتباطها بهذه الجماعات.
ويشمل ذلك أي رمز أو عادة تصبح شعاراً لجماعة معادية للإسلام، فلا يجوز تقليدها أو استخدامها.
البند الخامس: الإفراط في الرقص واللهو
من الذنوب أيضاً الإفراط في الرقص واللهو والتصرفات الباطلة، كمن يحرك نفسه باستمرار بدون سبب، حتى أثناء الصلاة.
سبق وأن بيّنا أن كل لهو غير محرّم، لكن إذا أُفرط فيه وأصبح بديلاً عن العبادة والواجبات، فذلك حرام.
أيضاً الرقص في مجالس الخمر والفجور أو مع العري حرام، والنظر إليه أثناء الصلاة أيضاً مكروه.
النظر إلى الرقص
النظر إلى الرقص يتبع حكم الرقص ذاته، والرقص والغناء مباحان ما لم يرافقهما إثم.
النظر المحرم هو ذلك الذي يؤدي إلى الفتنة والشهوة ويكون من غير المحارم.
أحكام النظر مفصلة في سورة النور، حيث يأمر الله المؤمنين بغض البصر وعدم التحديق في النساء الأجنبيات.
والمقصود بـ”غض البصر” هو تقصير النظر وعدم التحديق الحاد، وليس إغماض العين.
يجب أن يكون النظر عفيفاً معتدلاً، لا بحدّة تثير الفساد أو تجاوزاً.
في النهاية، الحلال واضح، والحرام محدد، والرقص المباح هو الذي يعزز الحيوية والحرية ويقوي الإيمان، ويجب تقديم الفرح المشروع الذي يرفع من روح المسلمين ويبعدهم عن الغواية.
الإنسان يكتسب المعرفة من الآخرين بواسطة النظر، وفي تفاعله الاجتماعي يحكم ويقرر بالنظر؛ ولكن إذا أصبح النظر وسيلةً لرغباتٍ طمّاعةٍ أو للمعصية أو للتعدي، فإنه يصبح محرماً.
النظر ليس مجرد مشاهدة فقط، بل يتطلب عنصر “الإرادة”. النظر الذي يحمل إرادة، سواء كان النظر الأول أو النظرات التالية، إذا كان نية الفساد فيه، فهو حرام. المصاحبة بين الإرادة والنظر هي التي قد تفضي إلى الفساد، لا مجرد النظر فقط. فإذا نظر الإنسان بدون إرادة فساد، ولو كانت النظرات الثانية أو الثالثة أو أكثر، فلا حرج فيها. في هذا المجال يمكن تشبيه الأمر بكلب الصيد؛ عندما يمسك الصيد بأسنانه ويضغط عليه، فلا حرج لأن الكلب لا ينوي الفساد، أما الكلب الضال – كالنظرة الثانية – فهو فاسد وملوث، وصيده غير جائز.
الشخص الذي نفسه ملوثة، إذا نوى منذ البداية النظر الفاسد، فإن نظرته الأولى تكون ملوثة ومحرمة، أما الشخص الذي نظره طاهر، إذا نظر عدة مرات فلا شيء في نظراته حرام، لأن الإرادة للفساد والمعصية غير موجودة. الشرع استثنى الوجه واليدين إلى المعصم من وجوب الحجاب، ليميز الإنسان المتعلم والحذر، ويدعوه إلى اختبار نفسه ما إذا كان إنساناً صالحاً أم فاسداً. النظر الحاد ليس خالياً من الطمع، والنظرة الأولى منه غير صحيحة، لكن الإنسان السليم لا يطمع في أحد، وكل نظراته لا تضرّه. هو كموظف البنك الذي لا يطمع في شيكات السفر أو الأموال الموجودة عنده، وإنما يفكر في راتبه الشهري فقط. الإنسان السليم عينه وقلبه شبعانان، وهذا هو السارق الذي ما إن يصل يده إلى المال حتى يسرقه. إذا كان الشخص نظره ملوث ولا يشبع، يجب أن يخضع للعلاج النفسي، وإذا أصبح هذا مشكلة اجتماعية وانتشر بين كثير من الناس، يجب إنشاء مستشفى اجتماعي لعلاجهم، لأن النظر للمعرفة لا للفساد.
عندما يرى الإنسان الآخر، يجب أن يرى ما يقول قلبه: هل هو مؤمن أم كافر؟ هل هو واعٍ أم جاهل؟ هل هو ناضج أم غير ناضج؟ هل هو جيد أم سيء؟ خلاصة النظر هو للحكم والعبرة، لا للطمع والنظر الطماع الذي هو فساد ومعصية من البداية.
كذلك، لا ينبغي أن يؤدي النظر إلى انتهاك الحرمة. النظر الذي يكسر حرمة الإنسان الكريم هو نوع من التعدي ومحرم. التعدي قد يكون بالأيدي أحياناً، وأحياناً بالنظر الذي يكسر الحرم. في هذا النظر لا فرق بين النظر إلى رجل أو امرأة، ولو نظر الرجل إلى رجل آخر بهذه النية فهو غير صحيح، حتى ولو لم يستلذ. أما النظر بهذا الشكل إلى الكافر فلا حرج فيه، لأنه كالحيوان حتى لا يؤمن بالدين؛ لكن النظر بهذا الشكل إلى المسلم – سواء كان من نفس الجنس أم لا – هو تعدٍ على حرمة المسلم وقلة أدب. لهذه النظرات أشكال مختلفة، فمثلاً إذا طرق أحدهم باب بيتك وفتح الجار ليرى من هو، نظره يعد تعدياً. صلاة هذا الشخص خفيفة وعديمة المعنى وليس لها أثر. سبب حرمة التجسس هو التعدي الناتج عنه. النظر من الخلف إلى النساء، والنظرة الحادة نوع آخر من التعدي. ذكرنا أن النظر من الأمام للوجه، إذا لم يكن ملوثاً بالطمع والمرض، فلا حرج فيه، أما من ينظر إلى المرأة من الخلف (مع افتراض أنها محتشمة)، إذا كان نظره بسبب المرض والفساد فهو حرام، رغم أنه يرى جسم المرأة المغطى فقط.
ما ذُكر يتعلق بنظر المرأة المسلمة المحترمة، أما النظر إلى الكافر، حتى لو كان في قمة الجمال، فلا حرج إلا إذا كان يسبب انحرافاً، لأن الموضوع ليس جمالاً أو قبحاً، بل حرمة وعدم حرمة وتعدي.
في الدولة الإسلامية، يجب أن يكون الإنسان حذراً في العلاقات الاجتماعية والنظر والكلام، وألا يدخل على حرمة الآخر بدون إذن؛ أما في الدولة غير الإسلامية، فيجوز النظر إلى كل شخص وإلى كل مكان والتحدث مع كل أحد، ولا يحتاج إلى إذن من أهل الكفر.
في المجتمع الإسلامي، رغم ضرورة احترام العرف، النساء اللواتي لا يحترمن أنفسهن كما الكفار، لا حرج في النظر إلى أبدانهن العارية ما لم يترتب على ذلك فساد أو انحراف. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون بالعنف، بل بالأدب والرفق وبإزالة الضرر والحساسية من المجتمع، رغم أن بعض سوء السلوك يجعل الأمر بالمعروف يوحي بالعنف.
بعض نساء الدول اللواتي يأتين إلى مكة لا يغطين من القدم حتى الركبة. النظر إليهن لا حرج فيه، لأن لكل شعب عاداته وسلوكياته وأخلاقه المختلفة، كما لكل قوم عادات زواج مختلفة.
على كل حال، النظر إلى الأماكن التي لا تعتبرها النساء نفسها محرمة للستر، بشرط ألا يلوث القلب ولا يخالف التقوى، لا حرج فيه.
كما أن لكل شعب عادات وسنن، فإذا كان عادة شعب أن يتركوا الشعر أو جزءاً من الجسم عارياً ولا يعتبرونه من الأمور المستورة، فلا حرج في رؤيته، أما النظر إلى ما يخفيه الإنسان فحرام. وعلى هذا الأساس، النظر إلى عورت امرأة ذمية أو كافرة في حمامات السباحة أو الشواطئ حرام. وهذا الحكم إذا افترضنا جواز النظر إلى نساء أهل الكتاب للعادتهم لا لعدم وجود حرمة، أما النظر إلى ما يخفونه فهو أيضاً لا يجوز لأنه يشبه النظر إلى البهائم التي لا تخضع للقيود المذكورة. هذا الحكم إذا لم يسبب شبهة أو انحرافاً للمؤمن.
هناك مبدأ آخر في جواز النظر إلى نساء الكفار، وهو المشقة والصعوبة التي يواجهها المؤمن إذا حُرم من النظر إلى الأجزاء العارية التي يتركها الكافر.
كذلك النظر إلى الأشياء والزينة التي تظهر قسراً، كوجه المرأة واليد والكحل أو الزينة العادية على الشفاه والوجه، لا حرج فيه، لأن المرأة يجب أن تختلف عن الرجل. إذا ارتدت المرأة خاتماً أو إسورة في يدها فلا حرج، لأن هذه زينة عادية وظهورها أمام غير المحارم جائز.
من الطبيعي أن تزين المرأة وجهها بالكحل أو الكريمات البيضاء وأحمر الخدود وغيرها، لكن إذا كانت الزينة مبالغاً فيها أو مبتذلة أو فاسدة، فهي خاطئة. مثلاً، لبس الخاتم في اليد لا حرج فيه، لكن إذا لبس الإنسان خواتم في جميع أصابعه فهو خطأ لأنه تجاوز المألوف وهو شعار تكبر.
هذا الحكم منفصل عن الزينة، أما الوجه واليدان إلى المعصم جزء من الزينة المتصلة التي لا حرج في النظر إليها. كما أن النظر إلى حجم الجسم (السمنة أو النحافة أو الانتفاخات التي يظهرها الثوب) لا حرج فيه، لأن الستر واجب على النساء وليس الحجاب.
النظر إلى القدمين ليس مثل النظر إلى الوجه واليدين إلى المعصم ليُستثنى، وستر القدمين والوجه واجب، لأن القدمين اليوم رقيقان جداً ويجب تغطيتهما بالجوارب أو الحذاء. أما القدمين في السابق كانت كالحذاء ولم تكن عارية، لذا لم يكن النظر إليها خطأ، خلافاً لقدمي النساء اليوم.
النظر إلى حجم جسم المرأة:
ذكرنا أن المرأة يمكن أن تحضر اجتماعياً بشكل طبيعي إذا التزمت بالستر المناسب وغطت عدا الوجه واليدين إلى المعصم، باقي الجسم والشعر يجب تغطيته. السؤال الآن: ما نوع الستر الذي يجب أن يكون؟ هل يجب أن يغطّي الجسم كلياً كالنقاب أم يجوز أن يظهر حجم الجسم مع تغطية الجلد؟
عادة المغنيات أو الراقصات، حتى إذا لم يكن عريّاً كاملاً في حفلات النساء، يرتدين ملابس تظهر حجم الجسم. ملابسهن مصممة حسب سيكولوجية النساء. هذه الملابس تظهر تفاصيل الجسم. الأدلة في هذا المجال تشير إلى وجوب ستر الجلد وليس حجم الجسم. لكن الملابس الشفافة والمبتذلة والملابس التي تروج للشهرة محرمة.
المرأة التي ترتدي ملابس شفافة جداً تثير شهوة الرجال وتخدعهم، ولو خلعت هذا الستار يكتشف الآخرون أن مظهرها غير حقيقي وأنها تخفي عيوبها وجمالها الحقيقي. اللباس الشفاف هو فخ لصيد الجنس الآخر. يجب ألا ترتدي المرأة ملابس رقيقة جداً تكشف كل شيء، ولا يجب أن تتكئ على نفسها كما الطفل المحتاج. أحياناً ترتدي المرأة فوق العباءة قميصاً وتنورة… وهي تقيد نفسها بالملابس. في كتاب “المرأة؛ المظلومة في التاريخ” قلنا إن النساء يمكنهن الاكتفاء بلباس وقميص واحدين والالتزام بالستر الشرعي. الأهم ألا يكون اللباس شفافاً أو مبتذلاً أو يغري للفتنة.
جميع أعضاء المرأة وشعرها، عدا الوجه واليدين إلى المعصم، يجب سترها، وأي عري أو شفافية فيها حرام. الستر يدل على كرامة المرأة وعفتها وقيمتها، وليس على قبحها.
فرق الستر الإسلامي والحجاب:
الأمر بالستر في القرآن كان حينما كانت النساء العربيات يلبسن الجلباب والخمار، ولكن كان حجابهن كثيراً ما يرافقه سوء في الستر، حيث كن يتركن الشعر والرقبة وأجزاء من الصدر والساقين عارية. لذا ذُكر في الآيات الجلباب والخمار.
النساء العربيات في ذلك الوقت كان لديهن حجاب ولكن لم يكن لديهن ستر، فالإسلام جاء ليؤكد الستر ويصحح سوء الستر.
الشرع لا يشترط نوع الستر سواء جلباب أو خمار أو عباءة أو غيرها، الأهم هو ستر الجلد والشعر بستر يعكس العفة والوقار ويحفظ القيم الاجتماعية.
الشرع يعتمد على الإرشاد والتوجيه لا على إصدار حكم تأسيسي صارم، ويدعو إلى الحشمة والعفة والتوازن في العادات المقبولة.
الحجاب بمعناه الخاص هو حاجز بين المرأة والرجل لحماية الطرفين. الحجاب ليس مجرد ثوب، بل هو سلوك وقيم وأخلاق واحترام متبادل.
النظر والحجاب في زماننا:
في الوقت الحاضر، انتشار وسائل الإعلام والتكنولوجيا جعلت من الصعب على المرأة المسلمة التمسك بالحجاب الكامل كما في الماضي، لكنها تحرص على الستر الجزئي، أي الوجه واليدين إلى المعصم، وتستخدم وسائل التنبيه الذاتي والاجتماعي للحفاظ على الكرامة.
النظر في زمن العولمة يحتاج إلى قراءة دقيقة للواقع والمرونة في التطبيق، مع الحفاظ على المبادئ الشرعية.
اللعب الطفولي
اللعب مخصص للطفل، وهو من مقتضيات الطفولة أن يلعب الطفل، ولكن التصرفات الطفولية غير الملائمة للكبار لا تناسبهم. من المشكلات الراهنة التي تواجه الناس في العالم، صغر المساحات السكنية والتكدس السكاني في بيئات ضيقة، مما يؤدي إلى مشاكل نفسية للفرد؛ لأنهم يرون حولهم جدرانًا عالية تُوحي بالاحتباس، فتترك أثرًا نفسيًا سلبيًا. اللعب جزء لا يتجزأ من وجود الأطفال، ومن يلقّن طفله أن «لا يتحرك» و«اجلس» ولا يسمح له بالنشاط، يقع في خطأ جسيم. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول اللعب إلى شقاوة، لأن الشقاوة تعني إحداث إزعاج لأفراد الأسرة.
اللعب (اللعب الصغير) في السنوات الأولى ودور الطفولة والمراهقة، واللهو هو لصالح مرحلة البلوغ. بمعنى آخر، اللعب مقتضى الطفولة، والطفل الذي لا يلعب طفل مريض بحاجة إلى علاج، وإلا سيواجه في كبره مشكلات أخلاقية.
اللعب ليس أمرًا مذمومًا، واللعب الناجح لا عيب فيه، بل قد يكون محمودًا مثل ممارسة الرياضات المفيدة والمبهجة. اللعب حسن ويجب أن يكون «مرنًا» وليس غليظًا ومتصلبًا! الذين يتصرفون بعنفٍ وصلابةٍ يملكون نقصًا داخليًا يحاولون تعويضه بالسيطرة على الآخرين. الذهب النقي لا يحتاج إلى التراب.
بالطبع، اللعب الذي يتحول إلى انشغال دائم أو يسخر من القيم الدينية مرفوض، وبخلاف ذلك، ليس هناك سببٌ لتحريمه، بل هو ضرورة للطفل.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «دع ولدك يلعب حتى السابعة، ثم راقبه سبعًا أخرى، فإن نجا كان له الخير، وإلا فلا خير فيه.»
يجب السماح للطفل باللعب حتى السابعة ليخرج طاقته المكبوتة، ولكن للأسف الحياة الحديثة تمنع الطفل من اللعب في هذه المرحلة، فيفجر طاقته بشكل غير سليم في المراحل اللاحقة. والتوصية الثانية للإمام هي مراقبة الطفل، لأن تكوينه النفسي والجسدي يتشكل في هذه المرحلة، ومصيره يتحدد فيها.
عند اللعب مع الطفل، يجب أن يكون اللعب جادًا وحقيقيًا، لأن في علم النفس مبدأً يُعرف بـ «الخداع في اللعب وإثارة كراهية الطفل»، أي إذا لعب الكبار مع الطفل بشكل تمثيلي ومزيف يدرك الطفل ذلك فيغضب. كذلك لا ينبغي عزل الطفل عن أقرانه، بل يجب أن ينشأ بينهم لأن العزلة تمنع الخبرة الاجتماعية وقد تؤدي إلى خداعه عند دخوله المجتمع.
ماذا فعلوا لكي لا يعذبهم الله؟ بينما هم يغلقون طريق المسجد الحرام في وجه عباده، وهم ليسوا أهلاً للإشراف عليه، فإن الأوصياء عليه يجب أن يكونوا من أهل التقوى، لكن أكثر الناس لا يعلمون. وصلاتهم في بيت الله الحرام ليست سوى صفير و تصفيق، وهو ما يعيق الناس عن العبادة في المسجد الحرام. لذلك، في الآخرة يقال لهم: “ذوقوا عذاب جهنم بما كنتم تكفرون.”
في هذه الآية، تم تحديد معيار المنع من التصفيق والصفير بشكل واضح. كان هناك من يصفق ويصفر بجانب بيت الله الحرام، وكانوا يهدفون من وراء ذلك إلى إحداث ضجة وعرقلة العبادة للمسلمين في المسجد الحرام. من هذا المنطلق، يجب أن يُقال: إذا كان هؤلاء يقرؤون القرآن الكريم أو يسبحون بالصلاة مع نية تعطيل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قراءتهم وصلاتهم تكون باطلة. وهكذا، جاء في القرآن الكريم أن صلاتهم كانت صفيرًا وتصفقًا، وهذا يعني أنهم لا يصلون، بل إن صلاتهم لا تعدو كونها إحداثًا للضجة والفتنة.
إذا كان هؤلاء المعطلون، الذين كانوا يقصدون إفساد الدين وإحداث فوضى في الطقوس الإسلامية، يقومون بالتصفيق والصفير دون أن يكون لديهم نية لتكدير عبادات المسلمين، في هذه الحالة لا يوجد دليل شرعي على أن تصرفهم خطأ. وإذا لم يسببوا ضررًا أو معصية في تصرفاتهم، فليس هناك مانع من ذلك. إن ما ينبغي الالتفات إليه هو وصفهم بـ “وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”، مما يشير إلى أن جبهة الباطل قد اختارت الصفير والتصفيق كسلاح لمحاربة جبهة الحق.
إذا استخدموا التصفيق والصفير كوسيلة لمحاربة الحق، فإن هذا الفعل يكون باطلاً، حتى وإن كان يتضمن الصلاة أو قراءة القرآن. وفي حالة كان هؤلاء يسعون فقط إلى التفكه والمرح دون أي ضرر، فإنه لا يمكن الحكم عليهم بالحرمة، حيث أن الأصل في هذه الأفعال هو البراءة. وإذا سألنا: هل التصفيق والصفير في هذا السياق هو كفر؟ الجواب لا، لأن ذلك لا يدخل ضمن مفهوم الكفر، بل هو مقاومة للحق بإعاقة السبيل إليه.
وعد العذاب: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) ليس متعلقًا بالتصفيق والصفير، لأن هذين ليسا كفرًا، بل يتعلق الأمر بـ (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، أي أنهم أعداء للحق وكانوا يقفون ضد أصحاب الولاية والحق.
وقد أشار القرآن الكريم إلى تصرفات جبهة الباطل في آيات أخرى، حيث ينفقون أموالهم لمحاربة سبيل الله وصد الناس عن الدين. مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).
للأسف، في المجتمعات المغلقة والرجعية، نجد هذه الأنواع من الناس الذين يتصرفون بهذه الطريقة. بعضهم يصبحون خلفاء في إدارة الأمور ويشكلون حكومات في الظل، ويستخدمون أناسًا ضعفاء كجنود يعملون لصالحهم، دون أن يتحملوا عناء أو مشقة في إدارة الأعمال. كما أن بعض الحكام الطغاة لا يتعرضون للأذى، بينما هم من يقودون الفساد دون أن يتعرضوا للمسائلة.
حكومة إسلامية لابد لها من كسر شوكة حكام الطغيان. وبالتأكيد، إذا ذهبنا إلى السجون في أيام معينة، نجد أن هناك أسرًا فقيرة وضعيفة في انتظار حكمهم، بينما نادرًا ما نجد هؤلاء الطغاة وراء القضبان. فإذا تم محاكمة هؤلاء القادة الذين يصدون عن سبيل الله، فإن العديد من المشاكل والفساد سيزولان.
ومن المهم أن نلاحظ أن جبهة الباطل تستخدم شعارات جبهة الحق وتقلبها لصالحها، مثلما كان يفعله معاوية وعمرو عاص في حرب صفين. إن أي شيء يُستخدم ضد الحق يُعتبر باطلًا، حتى لو كان القرآن الكريم أو الصلاة أو أي طقس ديني.
التصفيق والصفير الذي يهدف إلى التفكك
من المهم أن نكون واعين لضرورة التفريق بين العناوين الأولية والثانوية. على سبيل المثال، التصفيف والصفير قد يكون محرمًا في سياقات معينة، لكن في غياب هذه العوامل، لا يمكن الحكم عليه بالحرم.
خلاصة:
إن تصرفات مثل التصفيق والصفير من حيث المبدأ لا بأس بها، ولكن في الحالات التي يصبح فيها تلك الأفعال سببا للغفلة أو إذا كانت تؤدي إلى ضرر معنوي أو اجتماعي، تصبح محرمًا.
اللعب الطفولي
اللعب مخصص للطفل، وهو من مقتضيات الطفولة أن يلعب الطفل، ولكن التصرفات الطفولية غير الملائمة للكبار لا تناسبهم. من المشكلات الراهنة التي تواجه الناس في العالم، صغر المساحات السكنية والتكدس السكاني في بيئات ضيقة، مما يؤدي إلى مشاكل نفسية للفرد؛ لأنهم يرون حولهم جدرانًا عالية تُوحي بالاحتباس، فتترك أثرًا نفسيًا سلبيًا. اللعب جزء لا يتجزأ من وجود الأطفال، ومن يلقّن طفله أن «لا يتحرك» و«اجلس» ولا يسمح له بالنشاط، يقع في خطأ جسيم. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول اللعب إلى شقاوة، لأن الشقاوة تعني إحداث إزعاج لأفراد الأسرة.
اللعب (اللعب الصغير) في السنوات الأولى ودور الطفولة والمراهقة، واللهو هو لصالح مرحلة البلوغ. بمعنى آخر، اللعب مقتضى الطفولة، والطفل الذي لا يلعب طفل مريض بحاجة إلى علاج، وإلا سيواجه في كبره مشكلات أخلاقية.
اللعب ليس أمرًا مذمومًا، واللعب الناجح لا عيب فيه، بل قد يكون محمودًا مثل ممارسة الرياضات المفيدة والمبهجة. اللعب حسن ويجب أن يكون «مرنًا» وليس غليظًا ومتصلبًا! الذين يتصرفون بعنفٍ وصلابةٍ يملكون نقصًا داخليًا يحاولون تعويضه بالسيطرة على الآخرين. الذهب النقي لا يحتاج إلى التراب.
بالطبع، اللعب الذي يتحول إلى انشغال دائم أو يسخر من القيم الدينية مرفوض، وبخلاف ذلك، ليس هناك سببٌ لتحريمه، بل هو ضرورة للطفل.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «دع ولدك يلعب حتى السابعة، ثم راقبه سبعًا أخرى، فإن نجا كان له الخير، وإلا فلا خير فيه.»
يجب السماح للطفل باللعب حتى السابعة ليخرج طاقته المكبوتة، ولكن للأسف الحياة الحديثة تمنع الطفل من اللعب في هذه المرحلة، فيفجر طاقته بشكل غير سليم في المراحل اللاحقة. والتوصية الثانية للإمام هي مراقبة الطفل، لأن تكوينه النفسي والجسدي يتشكل في هذه المرحلة، ومصيره يتحدد فيها.
عند اللعب مع الطفل، يجب أن يكون اللعب جادًا وحقيقيًا، لأن في علم النفس مبدأً يُعرف بـ «الخداع في اللعب وإثارة كراهية الطفل»، أي إذا لعب الكبار مع الطفل بشكل تمثيلي ومزيف يدرك الطفل ذلك فيغضب. كذلك لا ينبغي عزل الطفل عن أقرانه، بل يجب أن ينشأ بينهم لأن العزلة تمنع الخبرة الاجتماعية وقد تؤدي إلى خداعه عند دخوله المجتمع.
الهزل والفكاهة
سُئل الإمام الكاظم (عليه السلام) عن شخص قد أمسك برفيقه بالرمح والسكاكين، فأجاب: «إذا كان يمزح أو يمازح فلا بأس، أما إذا كان جدًّا فهو مفسد».
الفرق بين الهزل والجد رقيق جدًا، وفي حالة ما إذا كان الشخص يمازح صديقه باستخدام الرمح أو السكين أو المسدس، فلا مشكلة في ذلك، شريطة أن تكون نية المزاح واضحة وألا تسبب أي ضرر للطرف الآخر. بالطبع، يجب الانتباه إلى الشخص الذي يتم المزاح معه؛ إذا كان قلبه ضعيفًا أو قد يثير هذا الفعل مشاعر الخوف لديه، فمن الأفضل تجنب هذه الأفعال. المعيار في التمييز بين الهزل والجد هو ما تتركه هذه الأفعال من آثار. بناءً على ذلك، لا يمكن لأحد أن يقذف آخر من سطح مبنى ويقول إنه كان مزاحًا ولم يقصد أي ضرر. المزاح لا يضر إذا لم يُؤدِّ إلى فساد أو مشكلة، وفي مجتمع يستطيع أفراده المزاح بدون إيذاء، نعتبره مجتمعًا حكيمًا.
الإمام (عليه السلام) يريد من خلال هذا التوضيح رفع مستوى العقل الاجتماعي لدى الأفراد. ولذلك، هو لا يُعَتِّب على شخص يمازح بهذه الطريقة، بل يعتبر ذلك مزاحًا مقبولًا ما دام لا يضر. ومن هنا، يُفهم أن الهزل يحتاج إلى تعليم وتوجيه، ويجب على المؤسسات الثقافية أن تعمل على نشر ثقافة التعامل مع المزاح بشكل صحيح.
النجاح والملاعبة مع الزوجة
من الأمثلة على اللعب والمزاح هو الملاعبة مع الزوجة. الإسلام لا يعارض الاستمتاع بأي شكل من الأشكال، بل يعتبر الكمال والميل إلى الفطرة أمرًا حسنًا. ما يعارضه الإسلام هو الغفلة عن الحقوق والظلم. في موضوع الاستمتاع بالعلاقة الزوجية، لا ينبغي أن يكون هنالك غفلة أو قسوة قلب.
من الناحية الاجتماعية، يُلاحظ أن الكثير من الانحرافات النفسية والخلقية في الدول الإسلامية ناتجة عن النقص، لا الزيادة. الشاب الذي يبلغ الثلاثين ولا يستطيع الزواج، ليس لديه حياة صحية نفسية، حتى وإن لم يقع في المعصية.
إذا كان الأب والأم يدعوان الابن إلى الامتناع عن الزواج بدعوى أنه لن يستفيد منه، فهما في الواقع يخدعان أنفسهما. عليهما أن يبحثا عن علاج للمشكلة. يجب على القيادات الفكرية والمجتمعية أن تفكر في كيفية معالجة مشكلة الشاب الذي يصل إلى مرحلة البلوغ، وكيف يمكن أن يعيش حياة طيبة دون أن يقع في المعصية أو يجرح قوامته.
الإسلام لا يرفض الاستمتاع بالزوجة، بل يمدح هذا الأمر ويثني عليه، ويعلم كيفية التعامل مع المسائل الجنسية بما يتناسب مع الشريعة. لكن الإسلام يرفض المعصية في هذه المسائل، ولا ينبغي خلط بين الاستمتاع المشروع والمعصية. الفكرة التي تقول إن الاستمتاع بحد ذاته مذموم هي فكرة غير سليمة، وقد تكون ضارة للمجتمع.
الاستمتاع بين الزوجين: نصيحة فقهية
الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إذا اقتربت من زوجتك دون مقدمات، ثم تركتها، فإنها سترتبط بمن يراها وتقترب منه».
هذا الحديث يوضح بجلاء أهمية الملاعبة بين الزوجين قبل العلاقة الزوجية، لأن الملاعبة تساعد على تجهيز الجسم والنفس للقاء الجنسي بطريقة صحية. عدم التحضير المناسب بين الزوجين يمكن أن يؤدي إلى مشكلات صحية ونفسية، سواء للزوج أو للزوجة. إذا تمت العلاقة الجنسية دون تحضير أو ملاعبة، فإن ذلك يُشبه إخراج شيء من الجسم بشكل عنيف ومؤلم، مما يسبب أضرارًا نفسية وجسدية.
الكثير من الأمراض النفسية والجسدية في مجتمعنا ناتجة عن تجاهل هذه المسألة. ومن بين الأمراض التي قد تنتج عن الإهمال في هذه الأمور: الرعشة، الوسواس، مشاكل الأعصاب، وأمراض القلب. إن عدم الاعتناء بهذه الآداب الصحية يمكن أن يؤدي إلى العديد من المشكلات التي تُشوش حياة الأفراد.
اللعب مع الزوجة: ساحة معركة للمرأة
اللعب مع الزوجة هو ساحة المعركة الخاصة بها. يجب على الزوج أن يتعامل مع زوجته في الأمور الجنسية بحساسية واهتمام. من يضيع فرصة الاستمتاع مع زوجته ويجعلها تقتصر فقط على الأعمال المنزلية، فإن ذلك يؤدي إلى تدهور الحالة النفسية والجسدية لها. تتزايد المشاكل الصحية بين النساء في المجتمع، ولهذا السبب يجب على الزوج أن يراعي صحة زوجته النفسية والجسدية.
من العوامل المهمة التي تؤثر على العلاقات الزوجية هي النظافة الشخصية. على الزوجين أن يتجنبا الروائح الكريهة التي قد تؤثر على العلاقة، بل يجب عليهما أن يحافظا على نظافتهما الشخصية. عندما يعتني الزوجان بمظهرهما ويهتمان بصحتهما، حتى لو كانا يعيشان في ظروف بسيطة، فإن العلاقة بينهما تكون أكثر نجاحًا وسعادة.
أهمية عدم إهمال الزوجة
إهمال الزوجة في العلاقة الزوجية يشمل العديد من الجوانب، بدءًا من التعامل اللائق معها إلى مساعدتها في الأعمال المنزلية. الرجل الذي لا يساعد زوجته في البيت ويكتفي بانتقادها لا يعرف أصول الحياة الزوجية، ويجب عليه أن يعيد تقييم سلوكه.
كما أشار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثة أشياء تعتبر جفاء: الأول أن يكون الرجل والمرأة معًا دون أن يعرف أحدهما اسم الآخر أو لقبه، الثاني أن يدعو الإنسان ضيفًا ولا يطعمه أو يرحب به، الثالث أن يمارس الرجل مع زوجته العلاقة الجنسية قبل أن يكون بينهما لعب ومزاح».
لا ينبغي أن يُستهان بأهمية اللعب والملاعبة في العلاقة الزوجية، بل يجب أن يُعتبر أمرًا أساسيًا قبل الدخول في العلاقة الجنسية. الملاعبة ليست فقط لتهيئة الجسم، بل هي جزء من الحفاظ على العلاقة الزوجية والحفاظ على صحة كلا الطرفين النفسية والجسدية.
إنّ نوعَ الإنسان من الصبح إلى المساء إما مشغولٌ بالعمل أو بالأكل أو بالنوم، وفي النهاية، إذا ما بلغ الشيخوخة، يكون إما مالكًا لمنزلٍ أو قد أضاف منزلاً إلى ممتلكاته، أو زاد في عدد أبنائه، ولا يُرى في سجلِّ حياتهم التي تمتد إلى نحو تسعين عامًا شيئًا غير ذلك، وربما لا يتجاوز مجموع أامارهم المفيدة بضعة أشهر، وكلُّهم يحملون حسرةَ البرزخ؛ ولكن هذا الهيكل وهذه البنية هي مسار طبيعي يجري في الوجود.
لقد خلق اللهُ الكريمُ الدنيا لعب ولهو وزينة، ولا تُعتبر هذه البنية مذمومة أو عيبًا فيها؛ كما قال تعالى:
(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)[114].
اللهو واللعب والزينة والتفاخر وغيرها من الصفات التي وُجدت للدنيا، هي في مقام بيان مقتضى الدنيا، فإذا تحوّلت إلى غمر مستمر، صار من المذموم، لكنها قد تكون سببًا في الكمال أيضًا. ولهذا فالدنيا في ذاتها ليست مذمومة، بل المذمة تخص مقتضى سوء استعمالها، وحتى لا يتفعّل هذا المقتضى، تُعتبر الدنيا من الكمالات.
نادراً ما يمرُّ إنسانٌ عمره في خدمة الله وعبادته ودعائه، وعندما يمر الإنسان إلى القبر يرى أعمار النائمين تحته عشرات السنين أو أقل، ولا يجد من عمره إلا حسرة وأسى على ما خلف من شقاء وبؤس. واللغو هو أصل هذه الأمور، وكلما اقترب الإنسان من الكمال قلَّ لغوه وازداد كماله، ولكن الوصول إلى هذا الأفق ليس إجباريًا.
الطبيعة الأولى للإنسان أن يسير سيرًا عادياً، ويفعل في شبابه ما يفعله في كبره. قال تعالى:
(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[115]، وهذا الاستثناء هو الذي ينجو من الخسران.
أما ما يُذمُّ فهو الإفراط في اللعب، والتكبر به، والتفاخر به، وجعله فنًّا أساسيًا. فالرياضيون المحترفون يتعرضون لمشاكل عقلانية بسبب تركيزهم الشديد في مجال واحد، في حين أن من لا يلعب إما ضعيف نفسيًا أو معنويًا مرتفعًا بحيث لا يجد وقتًا للعب.
عندما يبلغ الإنسان مرتبة التوحيد والكمال، يكون مع الله جادًا ويحبب الله، وهذا مقام الأولياء الكاملين، وحتى أصحاب المرتبة المتوسطة لا يبلغون ذلك، فكيف بالناس العاديين؟ لكن عدم اللعب عند النخبة لا يعني تحريم اللعب عند الآخرين، فلكلٍ قدرته، ومن جلس في حضرة الله لا يلهو، أما العادي فهو بحاجة إلى اللعب كي لا يمرض، شرط ألا يغفل عن ذكر الله ولا يوقع نفسه في النار.
ومن هنا، اللعب للأفراد العاديين ما دام لا يوقعهم في الغفلة فهو جائز، واللعب كاللعاب في الحياة ضروري كي لا تجف الحياة أو تجمد. الشريعة الإسلامية لا تعارض السرور واللذة، لكنها ترفض المعاصي والغفلة والظلم والاستهزاء. وهناك أنواع من اللعب تختلف باختلاف العمر والجنس، ومنها اللعب بالدين والشعائر، وهو محرم، كما قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكَافِرِينَ وَلِيِّينَ)[116].
أما اللعب بالدين فهو مرفوض، وليس كل لعب مذموم، بل المذمة على اللعب بالدين فقط.
وقد نهت الشريعة عن بعض الألعاب لأسباب، مثل منع الصيد للمتعة، حفاظًا على حياة الحيوانات، فإذا لم يكن الصيد ضروريًا، فلا جواز له من أجل اللهو، وهذا مختلف عن كرة القدم التي لا تعتبر لهوًا محرمًا.
للأسف، لم يتناول الفقه الحديث هذه الأمور بشكل كافٍ، فالكثير من المؤمنين محرومون من الترفيه الصحي والرياضات التي تؤيدها الشريعة. وقد تناولنا هذا التفصيل في كتاب «فقه الصفاء والنشاط» الذي يختتم فيه هذا البحث.
ضرورة هندسة النجاح والسرور والترويح
النجاح والسرور من عوامل الصحة والسعادة، ومن لا يحظى بها يصاب باضطرابات نفسية ويصبح عقديًا، والحوادث الاجتماعية والجرائم غالبًا ما تنشأ من هذه العقد النفسية. الفقر لا يفسد الإنسان مباشرة، لكنه قد يسبب عقدًا نفسية تؤدي إلى الفساد. كما جاء في الحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرًا»[117]، إذ إن الفقر يُفسد النفس أولًا ثم ينتج عنه الكفر والسرقة والقتل، وليس الفقر سببًا مباشرًا.
النجاح هو العامل الرئيسي في إزالة العقد النفسية، ومن هذا المنطلق، كيف يُقال إن الموسيقى والرقص والتصفيق حرام؟ الفتاوى التي تتجاهل الطبيعة الإنسانية وتدخل قيودًا على الدين تسبب أمراضًا نفسية واسعة في المجتمع.
وينبغي حل مشاكل الشباب والمجتمع بالنجاحات الحلال، وليس بالرياضية القاسية والامتناع الكامل عن المتع، فقد يكون الصوم أحيانًا ضارًا إذا أُفرط فيه.
يجب أن ينشر المجتمع الإسلامي أسباب النجاح الحلال بطريقة شرعية وسليمة، وقد قدمنا هندسة النجاح المشروع في كتاب «فقه الصفاء والنشاط».
التعصب الجاهل والابتعاد عن الحقيقة
كل باحث حرّ يعلم أن الوصول إلى الحقيقة لا يكون إلا بالتخلص من كل تعصب، سواء كان تقليديًا أو قبليًا أو عقيديًا. ويجب النظر إلى آراء العلماء والخبراء بعين الموضوعية، والابتعاد عن اتهام الآخرين بالكفر أو الارتداد دون دليل، والاقتداء بسلوك الإمام الصادق في الحوار مع المخالفين.
الحكمة والعقل يحتمان عدم احتقار أحد أو النظر إليه بغضب. العالم الرباني هو من يحب جميع عباده ويعاملهم برحمة، ولا يصدر حكمًا متسرعًا على أحد. المحبة والبغض يجب أن تكون لله، وأي محبة أو بغض شخصي أو طائفي هو مجرد حقد أو رقة قلب.
كل إنسان مسلم بمقدار فهمه، وكان بعض الفقهاء في الماضي يطلقون حكم الكفر بسرعة على الآخرين، أما اليوم فقد تغيرت الأوضاع، لكن للأسف ما زالت الاتهامات الباطلة والتجاوز على حرمات المسلمين منتشرة.
ويجب أن تكون المناقشات العلمية مؤدبة وتحترم الحرمات، كما هو الحال في ميادين الرياضة التي تُمارس فيها المنافسة الشديدة، لكنها لا تُفضي إلى الإهانة أو التجريح.
الشهادة والغربة
عند الحديث عن الغناء والموسيقى والرقص، يجب أن نعلم أن زمان نزول الأحاديث كان ذروة غربّة الشيعة، خاصة بعد استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يبقَ لهم سوى الظلم والألم.
كان النبي والأمير المؤمنين عليه السلام يمزحان ويتسامران، لكن بعد استشهاد النبي بدأت فترة الغربة والظلم، وتحملت فاطمة الزهراء وأهل البيت مصائب عظيمة لا تحصى.
كان الأئمة في حياتهم الخاصة لا يظهرون الحزن والبكاء، وفي حياتهم السياسية كانوا يعارضون الحكام الظالمين، ما أدى إلى عواقب الغربة والغيبة.
كانت مجالس الغناء والرقص بيد الطغاة والسلطانة، الذين أرادوا أن يبقوا الناس في غفلة عن وجود إمام معصوم.
يجب أن نفهم سياق النصوص الشرعية وأن نراعي تطور الأحكام مع إقامة الحكم الشيعي، فالشيعة واجهوا مؤامرات كثيرة حاولت الإطاحة بهم، من الناحية العسكرية والاقتصادية والسياسية، وهم يواجهون الفساد والانحراف حتى اليوم.
الفن؛ ميدان الجهاد الولائي
في سوق النزاع بين الحق والباطل، يجب علينا أن نستعمل جميع أدوات القوة، ويُعد الفن والغناء والموسيقى والرقص والسرور والنجاحات المنظمة من أفضل دعائم النظام الإسلامي، التي للأسف تقع الآن في أيدي الأعداء.
على الشيعة أن يستعيدوا هذه الأدوات ويستخدموها وفق الضوابط الشرعية، ليصبح الفن أداة فعالة في جبهة الحق.
الدين يتطلب أستاذًا متخصصًا قادرًا على وصف الموسيقى بأنواعها المختلفة بما يتناسب مع كل شخص، ويجب تجنب إصدار وصفات من قبل أولئك الذين يجهلون تأثيرات أجهزة الموسيقى على الروح والنفس البشرية، وكذلك أولئك الذين لا يدركون آثارها السلبية. هذه القضايا، وخاصةً نسبية جواز الموسيقى، تجعل مهمة الباحثين الفقهاء في هذا المجال غاية في الصعوبة، ويجب على الفقيه الذي يتحدث في هذا الموضوع أن يكون ملمًا بعلم الموسيقى وأيضًا بالقضايا الفقهية والبيانات الأصولية، وأن يكون قادرًا على فهم الروح والنفس والمقامات المعنوية والتطورات النفسية للإنسان، وأن يرى التحديات والمآزق التي يواجهها في الحياة بعيون نافذة وبصيرة. أما إذا كان غير ذلك، فهو يتحدث في موضوع ليس من اختصاصه، وفي العصر العلمي الحالي، يُنتقد بشدة التحدث في غير التخصص، وقد يتم فرض مسؤولية قانونية، أو عقوبة، أو غرامة، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بإصدار وصفات طبية.
تقول هذه الدراسة: لا يمكن تحريـم الموسيقى بشكل مطلق، كما لا يمكن الإذن بها بشكل مطلق؛ بل حكم الموسيقى هو حكم نسبي يتحدد بناءً على الأفراد، والأزمان، والأماكن، مع الأخذ في الاعتبار الآثار المترتبة عليها والملحقات المتعلقة بها، ويتراوح الحكم بين الحرام والمكروه والمباح والمستحب والواجب.
[1] . بقره / 187.
[2] ـ يوسف / 53.
[3] . ر. ك : كنز العمال، ج 16، ص 113. (إنّ ابن آدم لحريص على ما مُنع)
[4] . بقره / 223.
[5] . بقره / 187.
[6] ـ الخصال، ص 165.
[7] ـ آل عمران / 14.
[8] ـ اعراف / 32.
[9] . ما مفهوم آزادى را در كتاب «حقوق نوبنياد» توضيح دادهايم.
[10] . مجمع النورين، ص 14.
[11] ـ آل عمران / 36.
[12] ـ هود / 69 ـ 73.
[13] ـ احزاب / 32.
[14] . مناقب آل ابىطالب، ج 1، ص 187.
[15] ـ يوسف / 22 ـ 25.
[16] . عنكبوت / 56 و زمر / 10.
[17] ـ شيخ طوسى، الخصال، ص 608.
[18] ـ يوسف / 29.
[19] ـ يوسف / 30 ـ 34.
[20] . نعمانى، الغيبة، ص 33.
[21] ـ قصص / 23 ـ 27.
[22] . نمل / 20 ـ 45.
[23] . زخرف / 54.
[24] . نمل / 16.
[25] . نمل / 17.
[26] ـ أنبيا / 91.
[27] ـ آل عمران / 61.
[28] ـ احزاب / 30.
[29] ـ احزاب / 32.
[30] ـ احزاب / 59.
[31] ـ نساء/127.
[32] ـ نور / 58 ـ 61.
[33] ـ بقره / 222.
[34] ـ آل عمران / 14.
[35] ـ نساء / 34.
[36] ـ نساء / 75.
[37] ـ نحل / 97.
[38] ـ فتح / 25.
[39] . نور/30.
[40] . لقمان / 19.
[41] . شيخ صدوق، الخصال، ص 165.
[42] . وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج 14، ص 41، باب 24، ح 1.
[43] . بقره / 187.
[44] . وسائل الشيعة، ج 14، ص 42، ح 2.
[45] . وسائل الشيعة، ج 14، ص 42، باب 24، ح 3.
[46] . همان، ح 4.
[47] . همان، ح 6.
[48] . نهج البلاغه، ج 3، ص 57، خطبهى 31.
[49] . وسائل الشيعة، ج14، باب 24، ح 7، ص 43.
[50] . مرسلات / 43.
[51] . احزاب / 32.
[52] . وسائل الشيعة، ج 12، ص 96.
[53] . ر. ك : الشفاء، الرياضيات، الفنّ الثّالث من الرياضيّات، ص 8.
[54] ـ غاية الآمال، في شرح كتاب المكاسب، ج 1، ص 98، منشورات مجمع الذخائر الاسلامية.
[55] ـ الكافى، ج 1، ص 58.
[56] ـ عوالى اللئالى، ج 1، ص 261.
[57] . وسائل الشيعة، ج 12، ص 91.
[58] ـ الخصال، ص 226.
[59] ـ قرب الاسناد، ص 305.
[60] ـ وسائل الشيعة، ج 17، ص 123.
[61] ـ وسائل الشيعة، ج 17، ص 123.
[62] ـ الكافى، ج 6، ص 478.
[63] . كافى، ج 5، ص 119.
[64] ـ من لايحضرهالفقيه، ج 4، ص 60.
[65] . كافى، ج 5، ص 117.
[66] . كافى، ج 1، ص 358.
[67] . همان، ج 5، ص 117.
[68] ـ شيخ طوسى، تهذيب الاحكام، ج 6، ص 386؛ وسائل الشيعة (آل البيت) ج17، ص 122.
[69] . همان، ص 89.
[70] . وسائل الشيعه، ج 12، ص 90.
[71] . همان.
[72] . وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج 4، ص 772، باب 31، ح 1.
[73] . همان، حديث 2.
[74] . همان، ح 3.
[75] . اسراء / 110.
[76] . وسائل الشيعة (الإسلامية) ـ الحرّ العاملي، ج 4، ص 773، باب 33، ح 2.
[77] . اسراء / 110.
[78] . وسائل الشيعه، ج 4، ص 773، باب 33، ح 1.
[79] . مزمل/20.
[80] . وسائل الشيعة، ج 4، ص 774، ح 3.
[81] . كشف اللثام (ط.ق)، فاضل هندي، ج 1، ص 220، مجلدات 2، ناشر: مكتبة مرعشى نجفى.
[82] . كشف اللثام ـ الفاضل الهندي ج1 ص220.
[83] . المحقق البحراني، الحدائق الناضرة، ج 8، صص 141 ـ 142.
[84] . جواهر الكلام، ج 9، ص 384، 383.
[85] . الحدائق الناضرة، ج8، ص139.
[86] . العروة الوثقى ج 1، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ص 649، مسألة 20.
[87] . همان، ص 650، مسألهى 25.
[88] . همان.
[89] . مستمسک العروة، ج 6، ص 212.
[90] . همان، ص 211، ناشر: مكتبة سيد مرعشى (قدس سره).
[91] ـ نحل / 97.
[92] . انفال / 60.
[93] . ر. ك : كنز العمال، ج 16، ص 113. (إنّ ابن آدم لحريص على ما مُنع)
[94] . نور / 19.
[95] . بقره / 104.
[96] . ر. ك : وسائل الشيعه، (اسلاميه) ج 9، ص 237.
[97] ـ مائده / 32.
[98] ـ لقمان / 6.
[99] . انعام / 32.
[100] ـ حشر / 9.
[101] . ر. ك : لسان العرب، ج 7، صص 442 ـ 443.
[102] ـ رحمان / 29.
[103] ـ بحارالا، ج 45، ص 250.
[104] . الرحمان / 29.
[105] . دعائم الاسلام، ج 2، ص 513.
[106] ـ انفال / 34 ـ 35.
[107] ـ انفال / 34.
[108] ـ انفال / 35.
[109] ـ انفال / 36.
[110] ـ وسائل الشيعة، ج 15، ص 193، ح 1.
[111] ـ وسائل الشيعة (الإسلامية) ـ الحر العاملي ج 18، ص: 538، ح4.
[112] ـ وسائل الشيعة (الإسلامية) ـ الحر العاملي ج 14، ص: 82، ح3.
[113] ـ وسائل الشيعة (الإسلامية) ـ الحر العاملي ج 8، ص501:.
[114] ـ حديد / 20.
[115] ـ عصر / 1 ـ 3.
[116] ـ مائده / 57.
[117] . كافى، ج 2، ص 307.
[118] ـ نور / 3.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.