الفهرسة: ، ، 1327 هـ ش
العنوان والمؤلف:
الفهم العميق للأدب وعلوم الاشتقاق
تأليف:
معلومات النشر:
طهران، صُبح فردا، 1393 هـ ش
عدد الصفحات: 420 صفحة
الرقم الدولي الموحد للكتاب (شابك): 978-600-397-066-3
الوضع في الفهرسة: فيبا
ملاحظة: يوجد قائمة بالمراجع
الموضوع: القرآن – مسائل لغوية
الموضوع: اللغة العربية – تشكيل الكلمات
تصنيف الكونغرس: 1393 4ف8ن/2/82 BP
تصنيف ديوي: 153/297
رقم الفهرسة الوطنية: 5231936
الفهم العميق للأدب وعلوم الاشتقاق
تأليف: حضرة آية الله ()
الناشر: صُبح فردا
الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1393 هـ ش
الطبعة: 3000 نسخة
السعر: 88000 تومان
مركز التوزيع: قم – بلوار أمين – الزقاق 24 – الفرع الأول جهة اليسار – رقم 76
هاتف مركز التوزيع: 025-32159078
الموقع الإلكتروني:
شابك: 978-600-397-066-3
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
المقدمة
للأدب أربعة عشر فرعاً علمياً: علم اللفظ، علم الاشتقاق، علم الصرف، علم النحو، علم الكتابة وخط الرسم (التحرير)، علم الإنشاء (الكتابة)، علم القراءة، علم التجويد، علم المعاني، علم البيان، علم البديع، علم الشعر والقافية، علم الأمثال (المثلية)، وعلم تاريخ الأدب.
يقع علم الاشتقاق في المرتبة الثانية بين فروع الأدب بعد علم اللفظ، وهو موضوعه – كما سنبين – “الكلمة” لا “اللفظ”. علم اللفظ يختص بمعرفة معاني الكلمات المفردة دون اعتبار لدورها في الجملة أو المعنى الذي يقصده المتكلم. وهذا العلم يسرد المعاني الرائجة بين أهل اللغة، التي قد تتأثر بالأذواق القومية.
أما علم الاشتقاق، فهو يتجه إلى معرفة أصل الكلمة والبحث في عائلات الكلمات المشتقة والمترابطة، ليبين بدقة خصائص ودقائق معاني كل منها. يرمي هذا العلم إلى تطبيق المعاني العامة التي ذكرها علم اللفظ على كل كلمة على حدة، بهدف الوصول إلى الأصل والمعنى الحقيقي للكلمة.
“الكلمة” هي وحدة معنوية محكمة أُعدت بحكمة مع مراعاة التناسب بين اللفظ والمعنى، بحيث يمكن عليها التأمل الفلسفي والدقة العقلية.
علم الاشتقاق يتتبع جميع المشتقات لكلمة ما، والكلمات ذات القرب المعنوي منها، سواء كان ترتيب الحروف الأصلية وحركاتها محفوظة أو لا، أو إذا تغيّر حرف من الحروف الأصلية إلى حرف قريب آخر أثناء الاشتقاق.
علم الاشتقاق يمدنا بمعنى الوضع اللغوي للكلمات وأصل المادة، ويقودنا إلى عالم المعنى، خلاف علم الصرف الذي يركز على الشكل الظاهري للكلمة ويحصر نظرته في هيئة اللفظ. فالصرف يشرح خصائص وأوصاف الألفاظ، ولكن البحث في الأسباب والمعايير، واكتشاف الأصل والمعنى الحقيقي للكلمات، وسبب وضع لفظ معين لمعنى معين، مسؤولية علم الاشتقاق. لذا يحتاج علم الصرف إلى الاشتقاق لتبرير عمله، كما يحتاج الاشتقاق علم الصرف لاستخراج جذور الكلمات والوصول إلى الأصل الثابت لكل كلمة.
علم الصرف يتولى الأشكال الظاهرية والهيئات الصوتية، أما الاشتقاق فيعنى بالأصل المادي والمعنوي. الصرف من العلوم الأساسية المتقدمة في تحليل الكلمات وتحديد صورها التي يحتاج إليها العديد من علوم الأدب مثل علم اللفظ والاشتقاق.
علم الصرف علم عملي وأداة يجب اتقان مصطلحاته وقوانينه.
لا يمكن تطبيق علم الاشتقاق أو أي علم أدبي دون إتقان الصرف.
الصرف هو من أهم العلوم الأساسية للاشتقاق ويشبه النظام الصلب للبرمجيات. ونظراً لأن الصرف يتعامل مع شخصية اللفظ، فإنه يساعد الاشتقاق في إدراك شخصية اللفظ وصفاته، وبذلك يمكن الوصول إلى دقائقه المعنوية مثل صفات المبالغة، التعدي، الاستمرارية والتدرج.
علم الصرف يستطيع حسب ضوابطه كشف تميز الكلمة وصفاتها المستقلة دون مقارنة، ويمنح القدرة على بيان التمايز بين كلمتين، في حين أن علم الاشتقاق علم اكتشاف الجذور والأصل المعنوي، وهو علم بحث الأصول.
الاشتقاق هو الكشف، التفكيك، والغوص في الجذور. يوسع الاشتقاق اللغة ويطورها، فهو ليس محصوراً في الأمور اللفظية فقط، بل يشمل كل ما يؤدي إلى توسع وتقدم اللغة.
الفهم العميق للأدب وعلوم الاشتقاق
غياب علم الاشتقاق في المناهج يؤدي إلى حصر النظر في شكل الكلمات وظهورها، وانصراف عن عالم المعنى، كما هو الحال في المنطق حيث يُدرّس المنطق الصوري فقط وتُهمل الصناعات والمنطق المادي.
بعض العلوم تركز على بناء اللفظ وصورته مثل المعاني، البيان، البديع، الصرف، النحو، وحتى المنطق الذي يركز على أشكال القياس ويهمل الصناعات الخمس التي تهيمن على المحتوى.
في العالم الإسلامي، تطور الأدب كان شكلياً وصورياً ولم يحرز تقدماً مماثلاً في المحتوى والمعنى وأصل المادة. مثال ذلك الكتب الأدبية الطويلة التي تكثر في المعاني والبيان والبديع لكنها لا تتجاوز الصورة اللفظية، كما هو الحال مع علمي الصرف والنحو.
المشكلة نفسها تظهر في المنطق حيث تحول إلى منطق صوري، ولا يوجد منطق لفهم العلوم أو المنطق المادي بشكل مستقل، ونمو الصناعات الخمس في المنطق كان ضئيلاً.
العلوم الإسلامية بسبب هذا التركيز على الشكل والظهور وإهمال الباطن والمضمون، فقدت العديد من الحقائق. حوالي خمسين دولة إسلامية اليوم متخلفة بين الحضارات بسبب سيطرة الثقافة الاستبدادية والجاهلية التي منحتها طبيعة التبعية، بحيث لا تملك القدرة على تقديم آراء علمية أو بناء حضاري.
الإسلام، بسبب سيطرة أفكار الخلفاء الظالمين على عموم العالم الإسلامي، وكذلك سيطرة الظاهرين المنفصلين عن الحكمة والمعنى في الشيعة، ابتعد عن ثقافة أهل البيت الرائدة وسقط في التقهقر. لكن الثورة الشيعية التي تمحورت حول السياسة والمعنى أعادت رفع اسم هذا المذهب، رغم أنها تواجه مقاومة من المتزمتين الذين يحاولون إبقاء الهيمنة على المظاهر دون باطن.
هذه هي المشكلة الأساسية للعالم الإسلامي: الانقطاع عن الجذور، البُعد عن المعنى، وإهمال الباطن. لو تُركت هذه الثقافة تنمو في بيئتها الأصلية، كانت لتملك القدرة على السيطرة على الفكر والعقول والعالم، وكان بإمكانها السيطرة على الصناعة والتقنية، والتغلب على الصراعات السياسية للفرق التي تعتمد على القوة العسكرية وحدها، لتصبح الفكر الأعلى المنقذ للإنسان، والفكر القادر على إنتاج العلم وتحريك المجتمع وإضفاء الحيوية الصحية والسعادة.
الأدب والثقافة هما أساس التقدم، والمعرفة المنهجية للجذور لبناء هيكل رفيع حتى في الصناعة والتقنية والعلوم التجريبية التي الثقافة هي روحها. سنتحدث لاحقاً عن هذه الثقافة المدنية.
علم الاشتقاق علم أساسي يضع المحتوى تحت التدقيق العلمي ويوفر لكل بحث لغة علمية ومسار منهجي لنقل المعنى. هو من العلوم الضرورية لفهم أصل ومضمون الكلمات المستخدمة في جميع العلوم، وكذلك لوضع كلمات جديدة للمصطلحات اللازمة للنظريات.
في العلوم الدينية والإسلامية، الاجتهاد الصحيح يقوم على الإلمام بهذا العلم، ونصرة الدين السليمة تعتمد على تخصصه. بناء عليه، علم الاشتقاق من العلوم الأساسية لجميع العلوم.
في رحاب العلوم الإسلامية، إلى جانب الفقه، تحتل معرفة اشتقاق الكلمات في تفسير القرآن الكريم مكانة بارزة، إذ إن جوهر التفسير يكمن في مفردات القرآن الكريم، وهدف التفسير مرتبط بفهم المعنى الأصلي لتلك المفردات والوضع الحكيم لها، وهو ما يعنى به علم الاشتقاق بوضوح.
تستعين جميع العلوم بالألفاظ لنقل معارفها ومكتسباتها. والألفاظ تتكون من شكل (هيئة) ومضمون (محتوى). تتولى الصرف والنحو مهمة التعرف على الهيئة الأصلية للكلمة وموقعها ضمن تركيب الجملة، أما المضمون الدلالي لكل لفظة فيقع ضمن نطاق علم الاشتقاق، إذ لا جدوى من فهم الشكل الخارجي للكلمة ما لم يُدرك معناها ومحتواها. لذا، يجب اعتبار علم الاشتقاق علماً بفهم معاني الكلمات من حيث محتواها.
فهم محتوى الكلمات هو أساس العلوم التي تعتمد على اللغة لفهم معطياتها، ويتقدم على غيره من العلوم، حتى المنطق والفلسفة؛ لأن الاشتقاق يفتح للفيلسوف طريق التفكير المنطقي والمنهجي ويزوده بلغة فلسفية، وإن كان الاشتقاق بدوره علماً يتعلق بالمضمون ويحتاج إلى الفلسفة، إذ لا يمكن فهم محتوى الكلمات وعلاقتها بالعالم المعنوي دون فلسفة وميتافيزيقا.
الاشتقاق علم يرتبط بكل من عملية التصور الذهني (المفاهيمي) وحقائق العالم المعنوي، لذا ينبغي أن يستند إلى تصديق الحقائق الفلسفية، ومع أن التصديق يعتمد على التصور، فإن الاشتقاق، في مجال التعليم، يسبق الفلسفة ويعد تمهيداً لها، رغم اعتماده عليها في مستوياته التخصصية. فمثلاً، لا يستطيع دارس الفلسفة التصديق أو التكذيب لأي مفهوم مثل “الله” أو “الحظ” قبل فهمه الصحيح لمعناه.
ثلاثة أسئلة أساسية في فهم أي ظاهرة: أولاً، الفهم المفهومي لها، ثانياً، البحث في وجودها وصحة أو بطلان مدلولها، ثالثاً، إدراك حقيقتها وتجليها الواقعي.
المفهوم مختلف عن المعنى، إذ لا يُدرك المعنى إلا عندما يُحسَّ ويُشهد، ولا يمكن الوصول إلى الحقيقة والمُصَدَّق بدون فهم المعنى، في حين أن المفهوم يمكن أن يتكون في الغياب وقد يكون غامضاً أو مبهمًا. المفهوم هو تصور ذهني وهمي منفصل عن الحقيقة، وقد يبقى كضباب في الذهن. لا تتحقق الفاعلية الذهنية إلا بتحول المفاهيم إلى معانٍ.
علم الاشتقاق يفتح الطريق لفهم المفاهيم ويرتبط بالعالم المعنوي. المعرفة المفاهيمية هي تصور ذهني، بينما المعرفة الوجودية هي تصديق فلسفي، وتحقيق الحقائق يكون بمشاهدة حقيقتها كما تشرحها التصوف.
كذلك، كما تحتاج الفلسفة والتصوف إلى الأدب ضمن نطاق مفاهيمهما، ويؤثر الأدب في تصورات الفيلسوف وتعاليم المتصوف، فإن الاشتقاق من أجل اتساع المعاني الحقيقية بحاجة إلى الفلسفة والتصوف، وأهم من ذلك الاعتماد على الملكة الروحية والقرب من حقائق الوجود، وهي موهبة إلهية. لا يمكن فهم مادة الألفاظ بدون تخصص في هذه العلوم وامتلاك هذه الملكة.
مثلاً، معنى “الوجود” موضوع الفلسفة يستمد من الاشتقاق. الفلاسفة الذين لم يُدينوا بالفضل للاشتقاق بدأوا نقاشاتهم من بداهة مفهوم الوجود، وهذا خطأ أدى إلى بناء فلسفة هشة. من جهة أخرى، الوجود لا يُدرك بدون حضور روحي ووعي عميق.
للأسف، شمس الأدب قد غابت لقرون، وما تبقى منها خافت وضعيف، مما أدى إلى تراجع العلوم الإنسانية، وأدى إلى تباطؤ إنتاج العلم الصحيح في هذه المجالات وإلى انحرافها. كثير من ما يُدعى علماً اليوم يفتقد الصدق والقيمة الواقعية ولا يحمل دعماً دلالياً حقيقياً.
لقد اكتظت العلوم الإنسانية على مدى قرون بأكاذيب وافتراضات خاطئة، ولم يبق منها سوى جهد ضعيف غير مثمر.
اليوم، مع تطور الذكاء والتقنية في التواصل، بات لزاماً على عبقري شجاع أن يقود تحرير هذه العلوم من براثن الوهم، وبدء حركة حيوية تنطلق من أرض الأدب، حيث يمكن للشمس أن تشرق لهداية كل العلوم والنظام التعليمي، وتبدد ظلمات الأكاذيب العلمية إلى نور العلم الحقيقي والمعرفة الأصيلة.
التفكير يجد منطقياً مادياً حينما يُبنى أدبه على أُسس صحيحة ومدققة، وإن غاب الأدب يصبح العلم سطحياً ومبعثراً، لا فرق بين فيلسوف أو فقيه أو عالم من أي تخصص.
الأدب يتولى تغليف المعاني في قالب لفظي يشكل حصناً للمعنى، وإذا كان القالب غير ملائم، يُشوه الحقيقة ويحولها إلى وهم أو بدعة.
من لا يعرف الأدب وعلوم المعاني لا يصل إلى الحقيقة العلمية ولا يرتقي في العبادة، لأن العبادة وخاصة الذكر تتطلب قصد الإنشاء بمعنى صحيح، وإلا تصبح العبادة باطلة.
الأدب يدخل أيضاً في الاعتقاد، حيث تتحول الكلمات المتكررة إلى إيمان راسخ يشكل الإنسان ويميزه عن غيره.
العلم لا يتأسس إلا بالأدب، وإلا يصبح غامضاً ومبهمًا، ولا يرسخ في القلب، ويتحول إلى فن مضلل يبعد عن الحقيقة، ويعزز هيمنة التقنيات الحديثة التي تخدم مصالح سياسية واقتصادية ضيقة.
في هذا الكتاب، لا نتحدث عن الأدب العام أو الأدب العربي بصفة عامة، بل نركز على اللغة العربية القرآنية، لغة الكتاب السماوي الفريد، التي تختلف عن لغة العرب العادية. الإسلام ظهر بين العرب بثقافة رفيعة وزمنية، والعرب كانوا أكثر الشعوب تحضراً آنذاك.
اللغة العربية كانت حية ونشطة منذ زمن النبي إبراهيم عليه السلام، وكانت مفعمة بالحكمة والفلسفة. اللغة كائن حي ينمو ويتطور بتوافق ألفاظها مع معانيها، كما أن انحطاطها مرتبط بعوامل بيئية.
مثلاً، الثقافة الفارسية دعمت اللغة الفارسية، لكن مع انحراف المسلمين العرب بعد سقيفة بني ساعدة، حاول الخلفاء المغتصبون فرض لغتهم وثقافتهم، فشهدت الفارسية ضعفاً وامتزاجاً.
أيضاً، تجاهل بعض العلماء الإيرانيين للغة الفارسية أضعف حكمة وفلسفة هذه اللغة، ولا توجد اليوم شخصية مثل حافظ أو رودكي أو سعدي في مقابلهم.
رغم محاولات بعض الجامعيين حماية اللغة الفارسية، فإنهم وقعوا في أخطاء منهجية بعدم السيطرة على عالم المعاني، ما أدى إلى انحراف الفلسفة والفكر العلمي إلى اتجاهات غامضة ومتناقضة.
العلوم الإنسانية، خصوصاً في بلادنا، تعاني من استيراد الأفكار، ولا فلسفة محلية علمية، ولا صوفية أصيلة، بل علوم مقطوعة عن لغتها ومعانيها، وغالباً ما يكون الاستعمار قد ساهم في تشويهها.
التعرف على هذه الانحرافات يحتاج بداية إلى علم اللغة الحديث والعلمي، كقاعدة أساسية لكل العلوم، وعلم الاشتقاق هو أحد أهم العلوم الأدبية في هذا المجال.
تطور اللغة وتقدمها تابعان لحضارة الشعوب والأمم التي تستخدمها. فاللغات، بشكل عام، تتطور مع تطور الحضارات ونمو العلوم، ويبقى تقدمها مرتبطًا باستمرار الحضارة، فهو ديناميكي ومتجدد. بناءً عليه، فإن تطور اللغة يعتمد على النمو العلمي والحضاري للبشر. فالأفراد والعلماء في المجتمع هم الذين يجعلون اللغة راكدة أو ديناميكية. لذا، لا ينبغي توقع أن تكون جميع المفردات اللازمة في تراث اللغة العربية جاهزة للاستخدام، بل إن العلماء والحكماء في كل عصر يبتكرون الكلمات اللازمة؛ وهو العمل الذي تتولاه اليوم المجامع اللغوية، رغم أن العلماء الحقيقيين والحكماء يربطون الثقافة والحضارة بأنفسهم، والمجامع اللغوية كجزء من المجتمع العلمي تقدر جهود العلماء، إلا إذا خضعت لسلطة أفراد مستبدين فرضوا أوامرهم بالقوة، أو تعرضت البلاد للغزو من أجانب يفرضون ثقافتهم على الخاضعين، وفي هذه الحالة لا تظل اللغة بمنأى عن الغزو، وتنتشر الكلمات المستعارة والاقتباسات التي تحل محل الكلمات الحكيمة، خصوصًا إذا كان المترجمون تابعين للثقافة الأجنبية أو مجرد مرتزقة لها، أو مولعين بها ومستسلمين لها.
إن خاصية اللغة في اللانهاية والإبداع المستمر تمنع أي شخص من الإحاطة بكل كلماتها. فخصائص الثقافة وطباع الأفراد وغرائزهم وأذواقهم تؤثر في دائرة المفردات. فالقبائل البدائية تخلق كلمات قاسية الحروف، على عكس الأشخاص اللطفاء والودودين الذين يطورون مفردات ذات جمال لفظي.
من جهة أخرى، الأدب هو من المداخل الأساسية في الاجتهاد الفقهي. من لا يملك اجتهادًا أدبيًا، لا يملك اجتهادًا فقهيًا، وأبحاثه لا تثمر، بل تقوده إلى التعلق بالزوائد القديمة والبدع الجديدة، فتضلله باسم الله إلى أسوأ الضلالات.
ويقال إن أرسطو اعتبر المعرفة القراءة والكتابة جزءًا من الأدب واللغة. المفاهيم المرتبطة بفهم اللفظ والمعنى – التي ترتبط مباشرة بعلم الأدب، وأصول الفقه، وتفسير النصوص – وكذلك المناقشات الحديثة في الهيرمنوطيقا وعلم الدلالة، بسبب ابتعادها عن معرفة الجوهر والمضمون، سلكت طريقًا بعيدًا عن الحقيقة، ولذلك كلما تعمق المرء فيها، ازدادت المسافة بينه وبين الحقيقة؛ وهذه المسافة لا تُزال إلا بالعودة إلى تأليف أدبي متناغم مع الوضع الحكيم للكلمات ومتوافق مع ثقافة ولغة القرآن الكريم.
لذا فإن الأدب، كغيره من العلوم، لا يمكن تنظيمه أو فهمه دون الاستناد إلى القرآن الكريم، فهو المصدر الأصيل الوحيد لمفردات اللغة العربية وأمن مصادر الدراسات المعنوية والقواعد الأدبية. هذا الكتاب السماوي يمتلك لغة حكيمة في وضع الكلمات، ويقدم نموذجًا عمليًا لتطبيق صحيح وسليم لتلك المفردات، ولا يشبه معاجم اللغة القائمة التي تعتمد على الاستخدام العرفي للمفردات منفصلة عن وضعها الحكيم، وتتجاهل الدلالة العقلية والتحليل الشرعي لوضع اللفظ.
لذا فإن التدقيق في المفردات المستخدمة في القرآن الكريم، وكذلك الكلمات المهجورة والمفقودة في هذا الكتاب، بالإضافة إلى الدراسة الإحصائية لاستخدام الكلمات، له أهمية علمية بالغة. ولا يمكن الاعتماد فقط على معاجم اللغة أو قبول ما تقوله دون تمحيص، إذ كثيرًا مما نحتاجه لا نجده فيها. لذلك يجب على الباحث أن يجتهد في تتبع آيات القرآن الكريم لفهم دلالات الكلمات والالتزام بها.
الاهتمام بإحصاءات الكلمات في القرآن الكريم يدل على طبيعة كتاب الوحي الإلهي وأهمية كل كلمة وموقعها، فالقرآن يستخدم المفردات بشكل هادف، وتصبح المصطلحات الخاصة بكل علم واضحة، لذا فالتدقيق في عدد مرات استخدام الكلمات، وزيادتها أو نقصانها، وفي سياقاتها وتركيباتها مع كلمات أخرى، يمثل كشفًا علميًا وفهمًا قرآنيًا لموضوعاتها.
لغة القرآن الكريم لغة سامية وهادفة، بخلاف اللغة العربية الشائعة التي تعد بدائية وغير هادفة مقارنة بها، رغم أن جذورها تمتلك مكانة وقدرات متميزة مقارنة باللغات البشرية الأخرى.
في كثير من الأحيان، لا يُولي الناس اهتمامًا كافيًا لبعض الأمور المهمة التي يجب أن تتم في مرحلة الطفولة، ومن هذه الأمور تعليم اللغة. يجب تعليم الأدب وعلوم الاشتقاق القرآني منذ الطفولة، وفي قالب لعب الكلمات، ليتمكن الطفل من فهم اختلاف معاني الجذور والكلمات، ويتأقلم مع روح المعنى، ويكون قريبًا من هذا العالم، مما يمكنه من الدخول إلى عالم التخصص المتوافق مع طبيعته، وينأى بنفسه عن السطحية والبساطة.
تعليم الاشتقاق ينمي ذكاء الطفل، وينشط حاسة البحث لديه، ويعلمه الاهتمام بالجذور والأصول. تعلّق الطفل بعالم المعاني يمنحه الحياة والنمو، ويجعله محاطًا بمعاني حيّة، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه عبر المنطق أو الفلسفة أو التصوف أو الفقه وحدها.
اللغة تقدم للطفل الثقافة والفكر وتبني هويته، ويجب أن تبدأ دراسة اللغويات من الطفولة. المراكز العلمية تولي أهمية كبيرة لدراسة اللغويات واستثمار الموارد فيها لأنها تدرك قيمتها. تعليم اللغة بمعانيها الدقيقة يجب أن يبدأ قبل المدرسة الابتدائية. الفرص لها وقتها الخاص، وإذا فات الوقت لا يعود. تعليم دقة المعاني وفرائد اللغة يجب أن يبدأ منذ الطفولة، مع إيضاح استخدام الكلمات بمعانيها الدقيقة بشكل بصري وتفصيلي.
علينا أن نعلم أنه رغم أن لغة القرآن الكريم متقدمة، إلا أن اللغات المتقدمة، رغم تعقيد معانيها، تمتلك نظامًا تعليميًا يسيرًا ويسهل تعلمها منذ الطفولة، لأنها منظمة ومنضبطة.
لتبسيط تعليم الأدب، يجب أن تتوفر له مصطلحات علمية مستقلة، ولا تستخدم مصطلحات علوم أخرى لتجنب الخلط والتشويش اللفظي، ويجب أن تكون هذه المصطلحات واضحة ومتطابقة مع المعنى، مع تجنب الزخارف الأدبية أثناء تعليم القواعد العلمية الأدبية.
هذا الأمر ينطبق على العلوم الأخرى أيضًا، فمثلًا عبارة «جرى الميزاب» تُستخدم مجازيًا في الأدب وليس حرفيًا أو فلسفيًا. الفلسفة لا تُبنى على المجازات الأدبية، وكذلك تعليم قواعد الأدب يجب أن يعتمد على ألفاظ تدل على المعنى بوضوح. أما في النصوص الأدبية، مثل الغزل، فيجوز استخدام الزخارف الأدبية لإضافة البلاغة مع الحفاظ على الفصاحة.
على أي حال، يجب تعليم الأدب واللغويات وخصوصًا علوم الاشتقاق من المرحلة الابتدائية، ويجب أن يتم ذلك بطريقة تفاعلية تشجع الطفل على اللعب بالكلمات واكتشاف جذورها. ويتعين على نظام التعليم مراجعة الكتب اللغوية وتحديثها لتناسب الأطفال.
المؤسسات الدينية التي أغفلت علوم الاشتقاق يجب أن تضع كتبًا في هذا المجال وتدرجها في المناهج الدراسية المبكرة، ليتم تعليم الأطفال والطلاب معرفة الجذور واستخلاص المعاني من الأساس.
أي علم إذا لم يُدرس بعمق وجذري، يغلب عليه السطحية والظهوريات، ويقف نموه وتطوره، والسطحيون يكرسون الانحرافات، و«العلم نقطة كثرها الجهال». من لم يجد الحقيقة والانسان، يلعب بالألفاظ ويصنع ضلالًا يبتعد به عن الحقيقة، ويخترع أقاويل باطلة في مواجهة الحق.
تعدد المدارس الفلسفية الوهمية، ورواج التنجيم، والخرافات، والصراعات بين العقلانيين والروحانيين، إنما تعبير عن فقدان الجذور والبعد عن البنية المعنوية، والوقوع في الأشكال والشعارات الفارغة، وكذلك النفاق والرياء الاجتماعي، حيث لا يرى في هذه الأمور محتوى أو حقيقة.
التركيز المفرط على الشكل يؤدي إلى تشويه القيم الحقيقية، وانتشار الباطل بدل الحق. من لا يعرف الاشتقاق والجذور يصبح كالنعجة الساكنة التي تنتظر العلف، بعكس الباحث المحقق الذي يشبه القطة التي لا تستقر وتبحث عن الغذاء المناسب.
اتباع الجذور والبحث عن أصل كل شيء هو أعظم منافع علم الاشتقاق، الذي ينمّي الذكاء، وينشط الحواس الإدراكية، ويعلّم الدقة في الرؤية والسمع والفهم، ويقرب الإنسان من عالم المعاني والباطن، وهذا لا توفره علوم أخرى حتى الفلسفة والتصوف.
يجب تحقيق هذا التدريب خلال تعليم الاشتقاق وتطبيقه.
أي عالم قبل أن يكون عالم اجتماع أو نفس أو فلسفة أو عارف أو فقيه، يجب أن يكون عالم اشتقاق ومعاني وأدب، وإلا فكيف لمن لا يفهم الألفاظ أن يفهم المعاني والمضامين؟ هذا مثل من لا يسمح له بدخول القرية يبحث عن بيت شيخها. من لا يعرف اللغة كيف يفهم الفلسفة والفقه والتصوف؟
العالم يجب أن يكون جراح اللفظ، يعرف معاني الكلمات ونعومتها، ويستخدم اللفظ في موضعه. هذا هو العلم الأساسي للثقافة والبصيرة والوعي.
من يفهم المعنى ويبحث عنه جذريًا ويفهم قصد الشارع بمنظومة معرفية متكاملة، يجد عمق أي علم. حتى في السياسة لن يكون سطحيًا أو قاصر الفكر، بل يعالج الأحداث من خلال اتصال مباشر بالواقع والناس.
المعنى هو جوهر الكلمة واللغة، والعالم الحقيقي هو من يمتلك هذا الجوهر لا من يحوز معانٍ سطحية وهزيلة. اللغة والأدب والاشتقاق يهيئون الفهم ويتفتحون العقل، مما يعطي الباحث قوة النقد والاختيار والاجتهاد، ولا يقبل أي فكرة دون تمحيص.
بعد أن نُبعد العلماء عن علوم الجوهر مثل الاشتقاق ومنطق المعنى، نضعفهم ونسيطر على التعليم بالتفاهة والسطحية.
العالم هو الذي يكتشف المعنى والحق، ويستعمل أفضل وأدق المفردات، ويمتلك المعرفة بالنُّفَس الدقيق الذي أُخذ في اعتبارٍ عند وضع الألفاظ، وله القدرة اللازمة لنقل الحقائق المكتشفة إلى عالم الألفاظ. العالم هو الذي “يفهم كلام نفسه وكلام الآخرين”. يعرف ما يقصد هو، ويفهم مقاصد الآخرين. مثل هذا الإنسان، عندما يدخل إلى أي علم، لا يكون سطحياً أو ساذجاً، بل يصبح محققاً عميقاً في البحث.
الشخص الذي يمتلك لغة علمية، لديه إحاطة ودقة في استعمال المفردات، ويستطيع أن يتكلم علمياً بوعي وإرادة. مثل هذا الإنسان قد أعد في نفسه نظام إنتاج العلم والاجتهاد، وهو متحكم فيه. أما من لا يملك القدرة على إنتاج جملة علمية منظمة، ولا يبحث في مسألة من جذورها وأصولها إلى فروعها ونتائجها في جميع الفروع والاتجاهات، ويتحدث بشكل عشوائي “ما يأتي به القدر، يُرضيه”، فهو ليس عالماً، ولا يملك القدرة على الاجتهاد والاستنباط. من الناحية العلمية، مثل هذا الإنسان هو أخرس وأبكم؛ قد يمتلك مهارة الرمي المتكرر بالكلمات واللفظ، لكنه في كل ألفاظه لا وجود لمعنى أو محتوى أو استخدام دقيق ومناسب.
إنّ نشر وتطوير علم اللسانيات والعلوم المحتوية على المعنى، مثل علم الاشتقاق، يمكنه أن يجعل الميادين العلمية مهدّاً للفكر والثقافة والنقد وإعادة النظر. وإذا لم يحدث هذا الأمر، فإن المراكز العلمية والشباب الجامعيين ينأون بأنفسهم عن البيانات الحوزوية، ويعتبرون مواقفهم فاقدة للدعم الفكري والعلمي، ويرونها رجعية ومنحرفة وخرافية، بحيث لا يصل مقلدوهم حتى إلى أبواب مدينة قم. ولكن إذا ازداد إنتاج العلم والفكر في الحوزات العلمية، فستصبح نقطة التحول في المحافل العلمية حتى خارج حدود إيران، لأن الكمال والنمو والارتقاء يجدونه في اتباع بياناتهم العلمية والحقائق الصادقة.
في هذه الحالة، سيولي أتباع جميع الأديان اهتمامهم إلى الحوزة العلمية في قم أولاً بسبب قدرتها العلمية، ثم بسبب دينها وثقافتها المذهبية.
إن لم تُنشئ الحوزات والمراكز العلمية في جميع الفروع المعرفية دعماً علمياً لنفسها، فإن الناس الذكياء والواعين لن يولوا اهتماماً لدينهم. عصرنا هذا هو عصر سيطرة العلم، فالناس اليوم يبدون تواضعاً وخضوعاً وتسليمًا لما يُعرض بأسلوب علمي.
إنّ علم الاشتقاق واللسانيات يمنحان الباحثين البصيرة اللازمة لاكتشاف الحقائق، ويجعلانه قادرًا على النقد وإنتاج العلم الصحيح. إنّ ما يقدمه المحقق العميق من بيانات علمية يجذب كل إنسان نحو حقيقته، ويدفعه إلى الإعجاب بها. قراءة كتابات مثل هذه الشخصية تكون ممتعة وعذبة، وأفكارها تقدم الجذور والمحتوى الحقيقي، وأفكارها العميقة تهزّ معظم المعادلات السائدة.
هذا المحقق العميق، إذا تولى منصب الاجتهاد والفتوى، فهو يسعى لتقديم مراد الله عز وجل، ولا يستسلم أبداً للمسلّمات الخاطئة والشائعات الباطلة، بل يظل دوماً في سبيل البحث عن الحقيقة.
هذا الكتاب يروم، للمرة الأولى، أن يدرس بعض زوايا الأدب وعلم الاشتقاق بناءً على ثقافة القرآن الكريم، ليُنشئ جسرًا تواصليًا من حيث المادة والمضمون للدخول إلى مسار اكتشاف العلاقة الحكيمة بين المعنى واللفظ، وإيجاد التناسبات والأبعاد المتعلقة به، ووضع قواعد علمية لذلك. كما يسعى إلى تعويض الضعف والكسل الذي أصاب الأدب العربي والعلوم الإنسانية من هذه الناحية، ويخطو الخطوة الأولى لسد هذه الفجوة ولتوجيه الباحثين نحو هذا المسار، وإن تحقيق هذا الهدف يتطلب من العلماء القيام بخطوات كبيرة طويلة.
إن تحقيق هذا الأمر يستلزم التعمق في بعض المسائل الصرفية والنحوية وغيرها من العلوم الأدبية ذات الصلة؛ لأن بعض القضايا التي تُدرس في هذه العلوم ـ والتي تُعتبر كمسلمات قطعية لا تتغير ـ لا تمتلك صلاحية في لغة القرآن الكريم، بل هي تتعلق باللغة العربية العامية الشائعة، وهي قضايا تدخل في فهم معنى المفردات، وتأجيلها يؤدي إلى انحراف علم الاشتقاق القرآني. فهل يُراد ذلك وهل يُقبل بحق؟
اللسان واللسانيات والحيّانية
اللسان له عدة دلالات، أحدها هو كونه أداة للتعبير والكلام. يُطلق اللسان أيضاً على الجمل التي تحمل معانٍ صادقة أو كاذبة، كما ورد في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا).
ويجب أن نُدرك أن الكلمات وُضعت لتجسيد الروح والمعنى، وهذه الحقيقة ليست مادية وليست متعلقة بالمادة، وإن كانت مثل قولنا «زيد أسد» حقيقة عقلانية وليست مجازية أو مجرد ادعاء؛ لأن الأصل في الشجاعة الخاصة بالأسد كان محسوسًا، وإذا كان الإنسان أشجع من الأسد، فإن الشجاعة تظل ثابتة للأسد.
مثال آخر هو تعبير «قمر بني هاشم» الذي يدل على بحر من الكمالات وجمال أسمى من القمر في السماء، رغم أن القمر نفسه كرة ترابية صخرية مادية. إلا أن الأذهان العادية تعيد الجمال إلى القمر باعتباره الأصل، وتوجه المعنى إليه. وهنا أيضًا، «لسان الصدق» هو لغة خاصة؛ فالناس الصادقون لهم لغة تميزهم وتحولهم إلى لسان حقيقي.
«اللسان» هو اللغة والأدب الخاص والمشترك بين مجموعة من الناس، والعضو الخاص في الفم، والأهم من ذلك، الحروف لكل أدب، وأحيانًا التصرفات الباطنية والأفعال الجسدية (لغة الجسد) هي أدوات التعبير عنه. في الواقع، «اللسان» هو زهرة، رمز ونموذج لنمو وتطور وفكر المجتمع. جمعه «ألسنة»، ويدل على تعدد الثقافات الخاصة.
المقصود بـ «اللهجة الخاصة» هو مجموع الكلام الجدي والمتفق عليه لدى قوم أو جماعة، ويُقال له «ثقافة» أيضًا، وهو جوهر وأصل ذلك القوم أو الأمة أو الجماعة.
المتكلم باسم مجموعة يُقال له «لسان القوم»، لأنه يعبر عن أصل قصدهم ومرادهم ولغتهم. «لسان العقل» هو لغة الإنسان، و«لسان القوم» هو المتحدث باسمهم.
«لسان البحر» يُطلق على قاع البحر، لأن البحر قائم عليه، وقوامه واستقراره يعتمد على قاعه.
«لسان النار» يعني لهب النار، فهو الجزء الحاد منها، والزهرة الحقيقية للنار.
«معقود اللسان» هو اللسان المربوط والمغلق، لمن لا يستطيع التعبير عن مقصده بوضوح، ويتكلم بصعوبة، وكلماته ثقيلة عليه، أما عكسه فهو «طلاقة اللسان» التي تُعبر عن القدرة على نقل المعاني بسهولة وبدقة، وتتميز بغنى المعجم وفصاحة البيان.
راغب الأصفهاني في مفرداته يقول: «اللسان هو عضو النطق وقوته، وقوله تعالى: (واحُلْلُ عُقدَةً مِن لِسانِي) يعني قوّة لسانه، إذ لم تكن العقدة في العضو بل في قوته التي هي النطق به. ويقال: لكل قوم لسان. ولسن بكسر اللام يعني لغة…».
ويضيف أن «اختلاف الألسنة» يشير إلى اختلاف اللغات والنغمات، لكل إنسان نغمة خاصة تميزها السمع كما له صورة يميزها البصر.
يرى راغب أن اللغة هي قوة النطق والقدرة على التعبير التي يُظهرها العضو الخاص في الفم، وكل هذا يعود إلى مفهوم «البيان».
في قوله تعالى: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، يُفسر اللغة على أنها اللهجات والأصوات الخاصة بكل شخص، و«ألوانكم» تعني الألوان العامة كالأسود والأبيض والأصفر والأحمر. فالآية تشير إلى اختلاف اللغات والثقافات، وليس إلى دقة فلسفية في طبيعة الإنسان.
اللهجة هي طريقة النطق والتكلم المتأثرة بالبيئة، مثل تأثير البيئة على ملامح الجسم، فإذا نشأ الإنسان في منطقة جميلة الطلعة كلبنان وفلسطين يكون أبناؤها جميلين، وإذا نشأ في جنوب شرق آسيا يكون جسده نحيفًا.
اللهجة تعكس البيئة والتقاليد، ولها تأثير على أسلوب الكلام وشكل اللغة والثقافة والفولكلور.
اللسان، وهو ذاته صناعة الثقافة، ورد في حوالي خمسة عشر آية في القرآن الكريم. اللسان هو الزهرة ورأس الرمح ورمز ومظهر المجتمع والشعب، أي ثقافتهم؛ كما يُقال “لسان البحر” لكفّ البحر الذي يستقر عليه. اللسان هو إنتاج علمي خالص للعقائد الصحيحة المفيدة والقابلة للاستخدام لشعب ما، وهو خلاصة فكر الناس التي تقوم عليها الأمة، وليس مجرد أي قول يُلفظ.
اللسان بمعنى الثقافة، واللغة هي الحروف أو الأعضاء الخاصة التي تُستخدم كأداة للتعبير ورمز لإظهار هذه الثقافة؛ كما قال تعالى: (وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ). وجمع اللسان “السنة” بمعنى الثقافات المختلفة. اللسان هو أصل الثقافة، وقد ورد في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) حيث المقصود هو الثقافة والطريقة الحياتية المستمدة من فطرة وطبيعة ذلك الشعب والتي استقرت فيهم، وكان هدف الأنبياء توضيح الصواب وإبراز العيوب كنوع من التوقيع والتنبيه.
وبالتالي، فإن اللسان (اللغة) يحمل بعدًا نفسيًا خاصًا بمجموعة البشر، ويتشرب الصفات الثقافية والقومية. فاللسان قد يكون ناعمًا أو قاسيًا، وقد يحمل تواضعًا أو استكبارًا.
اللسان يمتلك هوية وطبيعة؛ فمثلاً في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، يصف الطبيعة العامة للغة بمعزل عن خصائصها القومية كالعربية أو الفارسية، والتي تعبر عن تميّزها. واللسان في هذا السياق هو موضوع معرفي واضح، كما في قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ).
هذه الآية تتناول اللسان بوصفه ظاهرة اجتماعية عرفية دون الدخول في تفاصيل فلسفية. ومفهوم “ألوانكم” لا يشير إلى نغمات الصوت، بل إلى اختلاف الأعراق والألوان البشرية، ويُشير ذلك إلى عدم الخلط بين اللسان واللحن، حيث إن الأخير يختلف جوهريًا عن اللغة.
وعليه، لا يطلق مصطلح “اللسان” على كل كلمة تُقال، بل على اللغة التي تُعد واجهة الثقافة وحامل التراث التقليدي والعلمي والفكري والديني للأمة. اللسان يعكس مستوى الذكاء، وشجاعة القتال، والكرامة، والأدب، والحضارة، والتدين، أو العكس من الصفات السلبية كالخيانة والكفر والنفاق التي تصف حالة قوم معين.
وبهذا فإن لكل شخصية ثقافة خاصة بها، كما في قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)، حيث يبيّن ذلك الهيكل الديني والثقافي للنبيين داوود وعيسى عليهما السلام. وكذلك الآية: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) التي تصف الثقافة الرحيمة واليسيرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، المنبثقة من توحيده.
الثقافة الإسلامية تُبنى على التسامح واليسر، بينما الثقافات القومية العربية أو الأجنبية التي تراكمت بين المسلمين وتشكلت على أساسها لا تمثل الجوهر الثقافي الإسلامي، وإنما هي قشور ظاهرة لا تعكس جوهر الإسلام الحقيقي.
اللسان هو بنية وأساس أمة أو أمة عالمية؛ فالإسلام له ثقافة خاصة، وكذلك إيران لها ثقافتها التي لا تتعارض مع الإسلام في المضامين الفكرية والعلمية، بل تتكامل معها، مع احترام الخصوصيات مثل أدب الشعب الإيراني.
اللسان، الذي في المنطق يُعرف بالنطق، يجب أن يكون صافياً وواضحاً، خالياً من الغموض والإجمال. نطاق العمل النطقي هو مدى وضوح الذهن والتعبير. مقابلاً لللسان الواضح، توجد كلمات تدل على التعقيد مثل “لوي”، “فتل”، “لون”، “لهن”، “لحن” و”نفق”.
اللسان يختلف عن اللهجة التي ناقشناها سابقاً. والمصطلح الذي يجمع هذه التعقيدات هو “فقه”. وسنناقش هذه المصطلحات تحت مظلة اللسان لتوضيح اشتقاقه وخصائصه الهامة.
مثلاً، “لوي” هو اقتراب معنوي من “لحن”، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ)، حيث يظهر لعب اليهود في لفظ التوراة بما هو غير التوراة، مما يمثل نوعاً من النفاق اللغوي.
“لوي” تعني تحوّلاً لطيفاً لا يصل إلى الانصراف الصريح، ويحمل في طياته نفاقاً كامناً، بخلاف الانصراف الصريح الواضح.
أما “لحن” فهو خروج عن القاعدة اللغوية الطبيعية، وقد يكون سلبياً (مسبباً للخطأ والتشويه) أو إيجابياً (يزيد من الجمال والتقوية). ويشمل ذلك الأخطاء الكتابية أو القرائية أو الخروج عن المعنى إلى الكناية والإشارة، ما يصعب فهمه ويضفي تعقيداً على الكلام.
مثال بارز على التعقيد اللغوي هو “الغزل”، حيث يُقال لفظٌ لكن يُراد معنى آخر، ولا يمكن فهمه إلا عبر اللغة الثانية للغزل، مما يجعله غير مناسب للتعبير عن العقائد التي تتطلب وضوحاً وصراحة.
اللسان هو لغة العقيدة، وهو صريح وواضح كالوثيقة والعقد، ولا مجال للنفاق فيه. القرآن الكريم يستخدم اللسان في حوالي خمسة عشر موضعاً، بينما “لحن” يستخدم مرة واحدة مع تعقيد يضفي غموضاً مقصوداً لتحقيق غاية خيرية لا تتعارض مع الدين.
النفاق في اللغة الدينية غير مقبول، وهو تعقيد وتعمد في إخفاء الحقيقة لتحقيق مصالح شخصية، ولا يهدف إلى حفظ الدين.
المنافقون يبدأون تحريفهم في الدين عبر المعاني والفقه، كما في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ…)، والفرق بين “لوي” و”لحن” واضح، حيث أن اللسان لا ينبغي أن يختلط بهما.
المؤمن يتميز بقدرته على التمييز عبر اللغة ونبرة الصوت (لحن القول) ويُدرك النفاق والفساد من خلالهما، وذلك بفضل الهبة الإلهية.
اللسان في الثقافة هو الأداة التي تُبنى عليها القيم، وتُصاغ بها المعتقدات، ويتم التعبير من خلاله عن الهوية الجماعية. ومن هذا المنطلق، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مرآة تعكس تاريخ الشعوب وحضارتها ومآثرها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية اللسان والثقافة بقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، معتبراً اختلاف الألسنة والألوان آية من آيات القدرة الإلهية وحكمة الخلق، الأمر الذي يُبرز التنوع الثقافي واللغوي كجزء لا يتجزأ من التكوين الإنساني.
وبناء عليه، فكل أمة تمتلك لسانها وثقافتها الخاصة، والتي تجسد رؤية العالم والمعتقدات والقيم التي تعتنقها. وهذا ما يجعل اللسان أكثر من مجرد مجموعة حروف وأصوات، بل نظاماً متكاملاً من الرموز التي تحمل دلالات عميقة وثقيلة بالمضمون.
وعلى ضوء ذلك، فإن فهم اللسان أو اللغة يجب أن يتجاوز الجانب الصوتي أو الحركي إلى الأبعاد الفكرية والنفسية والثقافية التي تبرز في الخطاب اللغوي. فاللسان، بوصفه أداة التعبير عن العقل والروح، يعكس تجارب الأفراد وجماعاتهم، ويعبّر عن مصالحهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
في السياق ذاته، فإن قدرة الإنسان على التحكّم في ألسنه تمكنه من التعبير عن الحقيقة أو التلاعب بها، فاللسان إما أن يكون أداة للصدق والوضوح أو أداة للخداع والتزييف. وهذا ما تعبر عنه الآيات القرآنية التي تذم التلاعب باللسان واللفظ لتحقيق مصالح دنيوية على حساب الحقائق الدينية.
وهكذا، يتضح أن اللسان واللغة ليسا مجرد أداة فنية، بل عنصر جوهري في بناء الثقافة والهوية، وصمام أمان يحفظ تماسك المجتمع وقيمه، إذ بغياب اللسان الصادق الواضح يضيع التواصل وتتبدد الهوية.
وفي الختام، يتجلى اللسان كعنصر محوري في تفاعل الإنسان مع بيئته ومع ذاته، فهو الحامل لروح الأمة ومُبلّغ معانيها، وعليه تقع مسؤولية الحفاظ على نقائه وصدق استخدامه، حفاظاً على الثقافة وصوناً للهوية الأصيلة.
الأولياء الله، لهم قدرةٌ على تشخيص لحن الأفراد، وبالطبع متى ما تعلّق الأمر بمعرفة شخصٍ ما وكان لديهم الإرادة لذلك، تظهر لهم هذه المعرفة. فهم لا يخطئون في معرفة الناس، وهذا يعد من علامات معرفة أصحاب الولاية الحقيقية الإلهية من المدعين الكذبة.
ومع ذلك، فإن الأولياء في مواجهتهم مع عامة الناس، إذا لم تكن لديهم إرادة معرفة شخص معين ولم يكن هناك سببٌ للاهتمام به، فلا تقع على دائرة اهتمامهم حتى الأمور التي يلحظها الأشخاص العاديون أحياناً.
على أي حال، كلام كل شخص يعبر عن باطنه وعمق قلبه. من أقوال الإنسان يمكن كشف باطنه، حتى وإن كان في موقع الكذب أو النفاق المتصنع. كل قول يحمل صبغة ورائحة قلب القائل:
(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) [سورة الحج: ٥٣]
في هذه الآية الكريمة، ما سبب اختلاف الزمن بين الفعلين (فَلَعَرَفْتَهُمْ) و(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ)؟ ولماذا جاء التعبير الفني الذي يعكس اختلاف السلوك الظاهري للكلام؟ إن اختلاف التعبير يعود إلى أن التغير في المظهر والوجه يحدث ببطء ويشمل فترة زمنية طويلة، وهو كأمر ثابت يستدعي الماضي، أما التغير في الكلام فهو سريع ويتجلى في الحال ويبلغ القارئ على الفور، ولهذا جاء الفعل في المضارع ليدل على المرونة واللين.
وقد فسر كثير من المفسرين حرف (فِي) في العبارة (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) على أنه بمعنى (على) للدلالة على السيطرة والبُعد، لكن ذلك غير صحيح، بل المعنى الحقيقي هو ظرفية المكان. فحرف (في) يدل على الوحدة والدخول داخل الشيء، والاحتواء والوصول إليه.
وتختتم الآية بجملة: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)، التي لا تعني جهل البشر بأفعالهم، بل إن (لَوْ) في القرآن الكريم لا تعبر عن الاستحالة، بل عن المشروعية والقدرة البشرية على الفعل، فالقرآن لا يتحدث عن محالات.
اللون اللغوي (اللحن) يشبه اللسان في وجود خصوصية وطبيعة، وفصل (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) يركز على محتوى اللحن وخصوصيته. النطق واللهجات المحلية قد تكون جزءًا من ذلك، لذا وردت كلمة (عرف) لتدل على إمكانية التعرف على صدق أو كذب القول.
“اللحن” يعني الخروج والقراءة غير العادية، وهذا الخروج قد يكون في جانب الجمال أو في جانب الخطأ والنقص، لذلك يشمل اللحن جانبًا إيجابيًا وسلبيًا. فهو قد يعني حسن الصوت وجمال القراءة، وقد يشير إلى الخطأ والانحراف المعنوي.
في كتب اللغة، اللحن يعني صرف الكلام عن سننه المعتادة. واللحن في القراءة هو إضفاء نمط خاص وفريد عليه. في الموسيقى، صاحب اللحن هو الذي يبتكر أسلوبه الخاص، وهذا التميز غير عادي.
الاختلاف بين “اللحن” و”اللَّوْي” أن اللحن خروج معنوي على الكلمات، غير واضح لمعظم الناس، بينما “اللَّوْي” خروج واضح وصريح.
فهم اللحن مهم جدًا، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في موضع واحد فقط، ما يبرز أهمية علم الصوتيات ودوره في كشف الباطن والنية الخفية للكلام.
علم الصوتيات، أو علم النطق، من العلوم التي يمتلكها الأولياء كموهبة إلهية، ويستطيعون من خلالها كشف حقيقة المتكلم عبر أنماط كلامه ولحونه.
إن فهم اللحن والتعرف عليه ليس سهلاً، فهو يتطلب مهارة عالية، ويعد جزءًا مهمًا من علم الفقه، الذي هو فهم تعقيدات الكلام الشرعي وتفسير المراد الحقيقي من النصوص الشرعية، لا الاقتصار على ظاهرها فقط.
اللسان ليس مجرد كلام عابر، بل هو حامل ثقافة وأفكار وعقائد وأخلاق شعب معين. واللسان يتطلب محتوى علمي وسلوكي، ولهذا جاء في القرآن أن الرسل أرسلوا بلغة قومهم ليبينوا لهم، أي بلغتهم وثقافتهم، ليتمكنوا من إيصال الرسالة.
وهذا ما يفسر كيف أن كل شعب يمتلك لسانًا خاصًا يعبر عن صفاته ومعتقداته، سواء كان لسان حماسي، ذكي، مغرور أو غير ذلك.
وفي النهاية، ينبغي أن نفهم أن الفقهاء الحقيقيين هم من يملكون القدرة على فهم ظاهر الكلام وباطنه، ويمتلكون معرفة عميقة بالمعاني الشرعية حتى لا يقعوا في فخ الظاهر ويعرفون متى وكيف يكون اللحن خارجًا عن المراد الشرعي.
إن فهم اللحن والكلام بعمق، يتطلب إدراكًا شاملاً للظروف النفسية والاجتماعية التي يمر بها المتكلم. فكل كلمة تخرج من الإنسان هي انعكاس لحالته الداخلية، سواء كان شعورًا بالصدق أو الكذب، بالطمأنينة أو التوتر، بالإيمان أو الشك.
وبالتالي، فإن معرفة اللحن الصحيح تساعد في التفريق بين الكلام الصادق والكلام المزيف، وهذا ما جعل علم الصوتيات والقراءات القرآنية من العلوم الدقيقة التي يحتاجها أهل العلم وخاصة الأولياء الذين يمتلكون بصائر روحية تعينهم على كشف الحقيقة.
وقد أكد القرآن الكريم على هذا الجانب في قوله تعالى:
(لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، حيث يوضح أن معرفة أهل الباطل والصدق يمكن أن تتم عبر الاستماع إلى أسلوب الكلام، وهذا يشير إلى أهمية الانتباه إلى طريقة التعبير والنبرة، وليس فقط إلى الكلمات المفردة.
ومن الجدير بالذكر أن “اللحن” في اللغة العربية يتجاوز مجرد النطق أو الصوت ليشمل الأسلوب والأساس المعنوي للكلام، فهو يعبر عن الحالة الروحية والمعنوية للمتكلم، ويفصح عن توجهه ومراده الحقيقي.
أما بالنسبة للأولياء، فإن هذه القدرة على تشخيص اللحن والكلام تأتي من قربهم من الحق الإلهي، ومن صفاء نفوسهم، مما يمكنهم من التمييز بين الحقيقة والوهم بسهولة، حتى وإن حاول البعض إخفاء نواياهم وراء أقنعة متعددة.
وهذا يعني أن علم اللحن ليس مجرد مهارة لغوية أو صوتية، بل هو علم روحي يمتزج فيه العلم الشرعي مع الحكمة والإلهام، ما يجعل من يمتلكه مميزًا في فهم الناس وتحليل أقوالهم وأفعالهم.
وفي ضوء ذلك، يبرز دور الفقهاء والأولياء في المجتمع كمرشدين يستطيعون الكشف عن الحقائق الخفية، وتحذير الناس من الأقوال الكاذبة والنيات المبطنة، مما يحقق حفظ الدين والحفاظ على القيم الأخلاقية.
كما أن تعلم هذا العلم وتطويره له أهمية كبيرة في مجال الدعوة والتعليم، حيث أن القدرة على معرفة اللحن والكلام الحقيقي تمكن الداعية من توصيل الرسالة بشكل صحيح، وتجنب سوء الفهم أو الانحراف.
وفي النهاية، يجب على الباحثين والعلماء أن يدركوا أن اللغة والكلام ليسا مجرد أدوات اتصال فحسب، بل هما مرآة للنفس والروح، وبتعمقهم في هذا المجال يستطيعون أن يفتحوا آفاقًا جديدة لفهم الإنسان ومجتمعه بشكل أعمق.
الأدبيات والثقافة المكونة للحضارة
الأدبيات مشتقة من الأدب، والأدب هو الناتج الظاهر من تفاعلات الأفراد وسلوكياتهم وردود أفعالهم. يقوم الأدب على الظاهر ويشمل المظاهر والسلوكيات الخارجية والعامة للناس. الأدب له بعد عملي وظاهر. في مقابل الأدب، هناك الأخلاق التي تخص أمة أو جماعة، وهي خصائص باطنية مثل الخوف والشجاعة، العفو والكرم أو البخل، ولها جانب نفسي وداخلي، وتسمى الطباع، حتى وإن لم تُترجم إلى أفعال. الأخلاق هي الأساس والبنية التحتية للأدب. الأخلاق في الداخل، وعندما تظهر في الأفعال والسلوكيات تتحول إلى أدب. الأدب هو تأديب الجوارح وتربيتها وتوجيهها.
الثقافة، التي تُعرف في القاموس العربي بـ «الثقافة»، هي الحضور المدني والاجتماعي العام في المدينة، مع ارتباط عميق ومتسع بالهوية. الثقافة هي أمر اجتماعي، وبناء عليه تتحول الأمور إلى ثقافة عندما تكون متجذرة بعمق في نفس الأمة والمجتمع. على سبيل المثال، الكلمات التي تُستخدم بشكل عام تُعتبر جزءًا من الثقافة بسبب استخدامها الجماعي. قد تتحول اللغة العلمية للعلماء إلى ثقافة، فاللغة العلمية قد تصبح أساس الثقافة العامة. الثقافة هي المشتركات الاجتماعية والمنش التي تربط أفراد المجموعة وتوحدهم. مصدر الثقافة هو المجتمع والشعب، وعظمتها مرتبطة بلغة الطبقة العلمية والمثقفين. النخب والعلماء هم ثروة ورأس مال الثقافة الوطنية.
قلنا إن عظمة المجتمع تتوقف على لغته العلمية وثقافته. هذه اللغة تعبر عن اتفاقيات عقلية وحكيمة دقيقة، وهي تتجاوز اللغة العرفية والعادية. كما أشرنا إلى أن عظمة الثقافة والعلم تعتمد على عظمة العباقرة والعلماء المتميزين الذين يقودون المجتمع نحو النمو والتقدم. لكن المجتمع الذي تخضع نُخبه وأعلامه لأشخاص ضعفاء ومنحطين يُفضي حتماً إلى الضعف والفساد والانحطاط والانهيار. هذا المجتمع، رغم ثروته وموارده الهائلة، يُهان ولا يحتل مكانة مرموقة بين الأمم؛ لأنه يفتقر إلى دعائم ثقافية ولغوية وعلمية متينة، ويعيش حياة بدائية رغم مظاهر الصناعة والتقنية، حيث تغلب عليه صفات البدائية كالوحشية ونزع الحريات المدنية والاستبداد. وجود كبار العلماء والعباقرة الأحرار، خاصة الذين يمتلكون ملكة مقدسة، وإتاحة المجال لانفتاح أذهانهم واتساع قلوبهم، هو ما يجعل الأمة عظيمة.
الثقافة واللغة، رغم تمسكهما بالتقاليد الصحيحة من الأجداد، إلا أن نمو الثقافة يتم بواسطة العقول ذات القدرة الاستدلالية العالية — أي عقول العباقرة — ووجود بنى تحتية حديثة في الاتصال المدني والحضري، فتُصبح مكونة للحضارة.
الثقافة هي التعبير العملي لمجتمع معين، وحركة العمليات الجماعية لأفراده، وهي قابلة للتطور والتقدم أو الانحطاط. المدنية، بالإضافة إلى الإحساس العاطفي بالجماعية، تحتاج إلى نمو علمي ليصبح التماسك الثقافي مستداماً. التعاون، والتفاعل، والقدرة على تطبيق الهوية الثقافية والاجتماعية والعلمية بشكل عام، والإقبال الاجتماعي الضروري لاستمرار الثقافة، يولّدون تعبيرًا عمليًا جماعيًا يمنحها الحياة.
الثقافة المتقدمة يمكن أن تخلق المدنية والتكامل الحضري العميق، وترفض الانعزال والانفراد، مما يؤدي إلى «حضارة». الحضارة والحياة النظامية الحضرية تعتمد على «مدّ» بمعنى الجذب أو الجاذبية المعنوية. المدنية والحضارة تحتاجان إلى جاذبية عالية وتحمل متبادل. الثقافة والحضارة مترابطتان، فهما لشعب يتمتع بسعة الصدر وتحمل الاختلاف، ويحترم التنوع في المواهب والقدرات والميول.
إذا كان أفراد المجتمع متغطرسين أنانيين أو ساد الجهل بين الجماهير نسبيًا، فلن يستطيعوا تحمل بعضهم البعض، ويصر كل منهم على الاستقلالية والذاتية، ويفكر كلٌ منهم بمعزل وينكر الآخر تمامًا.
المجتمع الواعي والمتعلم هو الذي يتسامح مع الآخرين ويقبلهم، ويؤمن أن البلد وموارده ليست لشخص واحد فقط، بل على الجميع تعزيز قدرات التحمل والتكيف للعيش معًا. إذا افتقر المجتمع لهذا النوع من التربية، يصبح أفراده معزولين ومتخلفين، ويعتقدون أن «الطير له قدم واحدة» و«كلام الرجل دائمًا واحد».
الثقافة الاجتماعية تصبح مكونًا للحضارة إذا أُزيلت الأنانية والعزلة الذاتية، وبدأ الجميع في إدارة المجتمع بالحب والولاية والخير، وعملوا بدافع هذا الحافز، وتركوا الطمع الشرير جانبًا. الثقافة والحضارة تتحققان بالتحمل الاجتماعي، والتكيف، والتعايش مع الآخرين، وخاصة المخالفين والمنتقدين، ومنحهم حرية الفعل واحترام إنسانيتهم وميولهم. قوة وضعف الثقافة والحضارة يعتمد على هذه الجاذبية. الثقافة والحضارة تنبثق من مجتمع أفراده يعيشون معًا كعائلة، لكن بميول ووظائف مختلفة، مسالمين على أساس الخير والحب والولاية. يتعاطفون مع بعضهم ويساعدون بعضهم البعض، وترابطهم الوثيق طويل الأمد وقوي، وقد تخلصوا من الأنانية المفرطة، ويجمعون بين التدين والمحبة لله وبين المدنية المتسامحة، دون إدخال الاختلافات الشخصية في الدين.
يجب التنويه إلى أن الحضارة تختلف عن التجديد، فالتجديد لا يحمل أعباء الحضارة. التجديد هو التجديدات الطوعية والذوقية والهشة في العلم، وله ضرر مثل التدين الرجعي الجامد بدون مرونة أو تعاون. في مثل هذا المجتمع، التدين ليس أمرًا قسريًا أو ناتجًا عن القوة أو المال أو الخداع، وإذا لم يوافق أغلب الناس على حكم معين، فإن مصلحة حريتهم تتقدم على أي مصلحة أخرى. الحرية هذه متأصلة في الأساس والتركيب والتنظيم، والمقصود بالأغلبية هم عامة الناس، وليس الأقليات المعادية التي تسعى للفتنة. منهج الله والدين يقوم على الحرية والإرادة والاختيار، ويستنكر القسر في أي موقف.
يتشكل المجتمع عندما يسود التوحد والتماسك على أساس الجذب والتحمل المتبادل والتقارب، ويتمكن أصحاب القدرة العلمية والسياسية والاقتصادية من الحوار معًا. هذا المجتمع قادر على بناء ثقافة وحضارة، والتحول من البدائية إلى المدنية، والحصول على لغة علمية ومتخصصة. مجتمع كهذا يرفع أفراده إلى العظمة والسمعة ويجعلهم نموذجًا للعالم.
إذا افتقر المجتمع للثقافة والحرية، تُهدر مواهبه وعبقريته، وتصبح إدارة المجتمع بيد العاديين الذين لا يفهمون النخب، ولا يستطيعون تنشئة النخب حفاظًا على السلطة، بل يقتلونها. مثال ذلك المجتمع في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، الذي هُبط شأنه إلى درجة مقارنة سياسته بسياسات معاوية. مثل هذا المجتمع يعاني من حرمان عظيم، فلا يجد السلام في الدنيا ولا السعادة في الآخرة. في مجتمع يعاني من الجهل والاستبداد، وهما عاملان معاكسان للثقافة، لا تستطيع الشخصيات الفاعلة الظهور، ولا تنتشر اللغة العلمية والتخصصية للفهم.
بناءً على ما تقدم، يعتمد تقدم أو تدهور المجتمع على ثلاثة عوامل مهمة: «لغة النخبة العلمية»، «وجود العباقرة»، و«الثقافة الاجتماعية». يجب أن تتضافر هذه العوامل جميعًا لتحقيق نمو المجتمع، وإلا فإن العوامل الأخرى تفقد فعاليتها وتصبح فقط بوابة للنمو. «إنتاج العلم» و«التعاون» و«نشاط الحياة» مضمونة بحضور هذه العوامل مجتمعة. في هذا المجتمع تُدعم النخب والعباقرة للعمل بشكل اجتماعي وجماعي، لا بمعزل وانعزال عن عالم العلم، حيث للأسف أحيانًا يسعى البعض لأن يبرز اسمه لا لأجل البحث العلمي.
نؤكد ضرورة وجود مركز علمي جامع يُحدث بشكل سريع ومحايد بنك معلومات للإنتاج العلمي في الحوزة العلمية وغيرها من المراكز، ليبلغ نتائج البحث العلمي لجميع النخب والعلماء – بغض النظر عن توجهاتهم السياسية أو الدينية أو العلمية – إلى أصحاب الفكر والنظر، ليتمكنوا من الاطلاع، والبحث، والنقد، وتبادل الآراء بحرية ودون رقابة أو حذف. فقط هذا التفكير الجماعي الواسع والمتزن، بعيدًا عن التضييق وتدخل الأهواء، هو الذي يفتح طريق نمو الثقافة وتحقيق الحضارة الإسلامية.
إذا غابت العباقرة، أو لغتهم العلمية، أو الثقافة الاجتماعية عن المسار الصحيح، يركب العاديون الموجة ويستدرجون الجماهير بالرياء والخداع أو بالمال والقوة، وما ينتج عن ذلك هو الجهل والاستبداد والفساد الناتج عن الإدارة السيئة والقرارات الخاطئة، وما يصل إلى الناس من الإعلام هو صور باهتة بلا محتوى سليم، والمجتمع ينغمس في لعب الأدوار والشكلانية. والجماهير، بحكم سطحيّتهم، تعلق آمالها على مظاهر بلا جوهر حقيقي، لأنهم لا يطيقون مشقة مرافقة الحقيقة وخطواتها المرة، وحين يكونون بعيدين عن الحقيقة يصبحون أدوات في أيدي المنافقين المتنفذين، ويساهمون في إشعال موجات ضد أصحاب الحق.
ومن المعروف أن الصراع بين التقليد والتجديد يقود بعض الأفراد إلى الانقسام أو الانهيار النفسي أو التفكك الشخصي، وحين يصاب أفراد المجتمع بهذه الصراعات، يشتد الصراع الاجتماعي، ويزداد الانقسام، فتضعف الثقافة والعلم، وتنشأ الفوضى واللااستقرار. وعندها تفقد الأمة أسباب عزتها وتماسكها.
إذا نجحت الأمة في تطوير «لغة نخبتها العلمية»، و«خلق وتربية العباقرة»، و«تعزيز الثقافة الاجتماعية»، فإنها تحيا حياة العلم والحضارة، وتتقدم على أقرانها، وتصبح محط أنظار العالم.
هذه العناصر ليست متعارضة، بل مترابطة ومتكاملة، فالعباقرة هم صمام الأمان الذي يحمي لغة النخبة العلمية ويعمل على تطويرها، واللغة العلمية تشكل الثقافة الاجتماعية وتدعمها، والثقافة الاجتماعية تحمي العباقرة وتحفزهم، وهذه الدائرة تدور وتتكامل لتنقل المجتمع إلى أعلى المراتب.
لذلك، يجب على الحكومات والعلماء والمثقفين والمجتمع ككل العمل على توفير البيئة التي تشجع على الابتكار، وتحترم حرية الفكر، وتدعم البحث العلمي، وتحترم التنوع، وتحث على الحوار المفتوح، لتتحد هذه العناصر وتحقق الازدهار والنهضة.
وَلَيْسَ لِلتَّعَاوُنِ فِي هَذِهِ الثَّقَافَةِ حُدُودٌ، فَإِنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالقُدْرَةِ، وَتَرْفَعُ مِنْ قِيمَةِ الإِنْسَانِ فِي كُلِّ مَجَالٍ وَمَكْتَبٍ. وَتَكُونُ رُوحُهَا نَابِضَةً بِالمَحَبَّةِ وَالإِخْلَاصِ، فَيُجْعَلُ الأَخُوَّةُ وَالأُخُوَّةُ حُكْمًا وَمِيثَاقًا لا يُنْكَرُ.
فِي هَذِهِ الثَّقَافَةِ، يَكُونُ الشَّخْصُ مَسْؤُولًا عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَيَسْعَى دَائِمًا إِلَى نَصْرِ المَظْلُومِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ، وَهُوَ مَا يُعْطِي الحَيَاةَ مَعْنًى وَمَغْزًى.
وَتُؤَكِّدُ الثَّقَافَةُ العَلَوِيَّةُ عَلَى أَنَّ الحُبَّ لِلَّهِ وَلِوَلِيِّهِ هُوَ أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمِنْ دُونِ هَذَا الحُبِّ تَفْقِدُ القَلْبُ نَبْضَهُ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانُ جَوْهَرَهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ العَلَوِيَّةِ بِحُبٍّ وَصَبْرٍ، وَأَنْ يُوَافِقَ قَلْبُهُ وَعَمَلُهُ وَفِكْرُهُ مَعَ مَسَارِ الحَقِّ، لِيَكُونَ قِدْوَةً وَمَثَلًا لِلنَّاسِ، وَيَنْشُرَ السَّلَامَ وَالوِئَامَ بَيْنَ المُجْتَمَعَاتِ.
اللغة الفارسية هي من أقدم وأشرف وأعذب وأغنى اللغات التي تفوقت على كثير من اللغات والثقافات، وبفضل قواعدها الأدبية المتقدمة المدوَّنة والقابلة للتعليم والتدريس، ومحتواها العلمي الرفيع، جعلتها مُدينَةً ومحتاجةً إليها الكثير من تلك اللغات والثقافات؛ بحيث إن تنوع أوزان الشعر والبحور والقوافي في هذه الأرض القديمة جعل لغات أخرى تُعشقها. المحتوى العلمي والجانب الأدبي الناعم للأدب الفارسي كان سبب تفوق هذه اللغة على غيرها من الثقافات؛ دون أن تكون هناك نية للتعدي أو النفوذ أو التسلل أو التغيير أو التدمير في ثقافات الآخرين.
عندما رأت الأمم الأخرى الخدمة العلمية للغة الفارسية وتأثيرها في نمو وارتقاء الفضائل، خصوصًا في مجالات الروحانيات والتصوف والحضارة العلمية والأخلاقية السامية، نظروا إليها باحترام وافتخروا بها، واستمتعوا بها بقدر ما استمتعوا بلغاتهم الأم.
ومن الجدير بالذكر أن اللغة الفارسية، هذا الإرث الروحي والصوفي والعشقي والولائي، مدين للقرآن الكريم الذي فتح على الناطقين بالفارسية بحرًا من الفضائل. ومن المهم الانتباه إلى أن مواجهة بعض المتطرفين في طلب التجديد – الذين يتجاهلون حتى اللغة العلمية والعربية الواضحة في القرآن الكريم – هو ضرر للغة الفارسية وخيانة لمحتواها الثقافي والعلمي، ويمنع تقدم الحضارة العلمية ويؤدي إلى الانحراف والضلال. لا يمكن لأي لغة بشرية أن تحل محل لغة الوحي القرآني؛ وإذا كان للفرد بصيرة في إدراك قدرة هذه اللغة العلمية المتجاوزة للزمان، فإنه يجدها أفضل لغة للمعرفة وكتابًا للعشق والانس. هذه اللغة تجعل كل عاشق للمعرفة والحكمة مولعًا بها؛ كما قلنا، على سبيل المثال، فإن سلطان الغزل الفارسي، السيد خواجه حافظ الشيرازي، يفتخر بأن “القرآن يُقرأ من فوق بأربعة عشر رواية”، ومن وحي جماليات القرآن الكريم أضاف إلى الزخارف الأدبية في غزلياته.
هذا النظر السياسي إلى اللغة والأدب والثقافة يزيد من أهمية الحماية العلمية والاستثمار في هذا المجال، ويجعلها واجبًا ثقيلًا وخطيرًا على العلماء واللغويين؛ فاللغوي الذي يعرف الاشتقاق يستطيع فهم كيفية تفاعل وتداخل اللغات، ويميز بين الثقافات الغازية والثقافات الخادمة والخيرة. هذا العمل اللغوي لا يقدر عليه إلا اللغويون. اللغات والثقافات التي يمتلكونها تتفوق وتسيطر بعضها على بعض، وهذه السيطرة إما بخير ومحبة أو بالاستكبار ونية استعمار الأمم. اللغوي الماهر يعرف أي لغة تحمل استكبارًا وخيانة تجاه اللغات الأخرى، وأي لغة تخدم نمو وعلو اللغات الأخرى. على سبيل المثال، يحب أهل باكستان وأفغانستان وأذربيجان اللغة الفارسية – وخاصة الأدب الشعري والغزليات الفارسية – كأنها لغتهم الأم، ويجدونها جميلة ومحببة، لأن اللغة الفارسية أعطتهم قيمة وأكرمتهم، ورفعت محتواهم، وعززت علمهم ومعرفتهم وفكرهم، ولم تكن لغة الفارسية مستكبرة على ثقافتهم. ومن الأمثلة على ذلك أحد الكتب البارزة في الثقافة الفارسية، “ديوان حافظ”، الذي ليس فقط معروفًا للكثير منهم، بل ترجمت أعماله إلى أغلب لغات العالم الحية، لأن المترجمين المتفهمين وجدوا ديوان حافظ ناقلًا ومطوّرًا للغة وللثقافة الصوفية والروحانية والعلمية لشعوبهم.
ويجب اعتبار القرآن الكريم نموذجًا رفيعًا للخدمة للغة والثقافة، إذ أغنى اللغة العربية والفارسية معًا؛ لكن الخلفاء الظالمين استغلوا لغة هذا الكتاب المعنوي لتبرير سياساتهم الماكرة والاستكبارية، ووجهوا ضربات مدمرة للغة الفارسية، إلى حد أن بعض المطلعين على اللغة الفارسية كرهوا اللغة العربية خطأً بدلًا من كرههم للسياسة الخليفية ومكائد اليهود، ولا يميزون بين الوحي الإلهي والعرب المتعصبين والمتكبرين. على سبيل المثال، كلمة “سلام” التي تحمل معنى قرآني خاص، يبدلونها بـ”درود”، وهي لا تنقل ذلك المعنى. وهذا الخطأ ناجم عن عدم التفريق بين الاستكبار العربي وبين الثقافة العلمية الحكيمة للغة القرآن الكريم، التي تقدم بحرًا من الفضائل للثقافات الأخرى.
ومن جهة أخرى، يستخدم الظاهريون الرجعيون، الذين كرهوا اللغة الفارسية بسبب تعصبهم للعربية، الكلمات العربية بكثرة وعن عمد في كتاباتهم، وكتاباتهم الفارسية قليلة وضعيفة وغريبة عن اللغة الفارسية، وأحيانًا يستخدمون قواعد عربية في الفارسية، وبهذا الاستكبار الذي كان لدى الخلفاء الظالمين في تفوقهم على الفرس دخل بشكل غير واع في كتاباتهم وأقوالهم إلى الفارسية. وإذا حكم هؤلاء الظاهريون، ستتضرر اللغة الفارسية منهم بشدة، مع أن هؤلاء لا يمتلكون قلبًا ولا روحًا ليفهموا أن اللغة الأم لأي قوم هي عزيزة ومحبوبة لديهم.
وكان هؤلاء الظاهريون حتى القرنين الرابع والخامس في خدمة ثقافة الإسلام الخلافي، وأهم كتب أهل السنة ومصادرهم العلمية كتبها العلماء الناطقون بالفارسية باللغة العربية. هذا الاهتمام الفارسي باللغة العربية جعل من اللغة العربية اللغة الرسمية للعلم في ذروة الحضارة الإسلامية خلال هذين القرنين، بينما أُهمشت اللغة الفارسية عمدًا.
حتى القرن الرابع والخامس الهجري أصبحت اللغة العربية لغة العلم الرسمية، لأن العلماء الذين كانت لغتهم الأم في الغالب الفارسية بدأوا بالكتابة بالعربية، وبلغ الاستكبار بالعربية حد أن كتابة النصوص العلمية بالفارسية اعتُبر دون مستوى العالم وضعفًا له في العلم، كما كان يُعتبر ربطة العنق في عهد الطغاة علامة على التعلّم والرقي. واستمر هذا الاستكبار إلى أن أصبحت المصطلحات العربية، التي استُعيرت من الحضارة الفارسية القديمة، تُعرب أو تتحول إلى العربية بالكامل. وفي هذا الجو من الاستسلام، لم تُبذل جهود لإثراء الأدب الفارسي أو نقل مفرداته إلى الأجيال اللاحقة، ولم يُسمح باستمرار حياة الفارسية.
ولا تزال هذه الفكرة موجودة حتى الآن عند بعض الظاهريين، خاصة بعض أئمة الجمعة الذين يلقون خطبهم باستخدام أكثر المفردات العربية. ومن بيان بعض المراجع الفارسية يظهر هذا بوضوح، وكان أبرزها البيان الذي صدر بمناسبة ترميم وتذهب قبة حرم السيدة معصومة، الذي بُث عبر وسائل الإعلام.
هذا الفكر المتسلط قطع المجتمع عن مصادر الأدب الفارسي الغنية، مثل شاهنامه وبوستان وجلستان سعدي والمثنوي المعنوي، مع أن هذه الكتب الحكيمة تُعتبر تحفًا أدبية وروحية، وأي ترجمة لها تُعتبر تحفة معرفية وتنموية وتحتل مكانة قيادية في فضاء المعارف والروحانيات للغات والثقافات الأخرى، ويتعامل الناس معها بمحبة وعشق. كما يجب ذكر كتاب “القانون” في الطب، الذي كُتب بالفارسية، وهو من أهم الكتب القديمة في تعليم الطب والطب التقليدي، وترجم إلى عدة لغات.
إحياء اللغة الفارسية الفصيحة في الكتابة العلميّة والدينيّة
ينبغي إحياء اللغة الفارسية وآدابها من خلال كتابة نصوص أدبيّة قويّة وخالية تماماً من المفردات الدخيلة، حتى تستعيد الكلمات الدقيقة التي وضعها الحكماء الفرس لمعاني مخصوصة حياتها من جديد، وتتحوّل هذه اللغة إلى لغة مألوفة في المحافل العلميّة، قادرة على حمل المعاني الدقيقة إلى أذهان العلماء والباحثين.
كما يتعيّن على الحوزات العلميّة أن تولي هذه القضيّة اهتماماً خاصّاً، ونظراً إلى أن مدينة قم تقع في بلد ناطق بالفارسية، فإنّه من المستحسن أن تقدَّم الكتابات العلميّة بلغة فارسية معيارية راقية، لتنال الاعتراف والقبول في الأوساط الأكاديميّة والعلميّة. ومن الأسباب الرئيسة لضعف بعض الحوزات العلميّة بعد انتصار الثورة الإسلامية، قلّة اهتمام العلماء فيها باستخدام اللغة الفارسية المعياريّة، واعتمادهم المفرط على المفردات العربيّة.
ومع أنّ محتوى هذه المؤلفات غالباً ما يُستمدّ من القرآن الكريم والسنّة الشريفة، إلا أنّ طريقة العرض والأسلوب لهما أثر بالغ في جذب القارئ. ذلك أنّ غالبية الناس يلتفتون إلى الشكل الظاهري قبل الالتفات إلى المضمون. وإذا لم تُراعَ المعايير الشكليّة والتقديم الجذّاب، فإنّ القارئ سينصرف عن المحتوى، مهما كان غنيّاً وقيمًا.
وفي عصرنا الراهن، أصبحت الإحاطة باللغة الفارسية ضرورة لا غنى عنها لعلماء الدين؛ إذ تحوّلت هذه اللغة، بفعل انتشار وسائل الإعلام وتوسّع دائرة المتلقّين الناطقين بها، إلى لغة رسميّة للعلم والبحث.
العربية في القرآن الكريم
تُعدّ اللغة العربيّة من أقدم اللغات الحيّة، وقد امتازت عبر التاريخ بأدبها الحيويّ والمتجدد، ما جعلها تختار لنفسها اسم “العربيّة” – وهي تسمية تنطوي على معاني الوضوح والبيان – وتُطلق على اللغات الأخرى اسم “العجميّة”، في إشارة إلى ما يُظنّ من غموضها أو عدم قدرتها على التعبير الكامل عن المعاني.
لقد كان الأدباء والحكماء العرب يرَون لغتهم ذات قدرة مميّزة على الإفصاح، بينما وصفوا سائر اللغات بالعُجمة والعجز عن البيان. فكلمة “عرب” و”عجم” هما اسمان جنسيّان، وقد وردت لفظة “عرب” في القرآن الكريم قرابة 22 مرّة، بينما وردت مشتقّات “عجم” نحو أربع مرّات.
في اللغة، “العربيّ” يُطلق على الفصيح والمُبين، و”الإعراب” هو البيان والإفصاح، كما في الحديث: «الثيّب تُعرِب عن نفسها»، أي توضّح وتُفصح. وقد خُصّ الإعراب في اصطلاح النحويّين بالحركات والسكنات التي تلحق أواخر الكلمات. أما “العربيّ” فهو الكلام الفصيح البيّن، كما في قوله تعالى:
﴿قُرآنًا عربيًّا﴾،
﴿بِلِسانٍ عربيٍّ مُبينٍ﴾،
﴿فُصِّلت آياته قرآنًا عربيًّا﴾،
﴿حُكمًا عربيًّا﴾.
وقد قيل في تفسير «حُكمًا عربيًّا» إن معناه: قولٌ فصيح يُبيّن الحقّ ويُبطِل الباطل. وقيل أيضاً: معناه شريفٌ كريم، كما قيل في وصفه: ﴿كتابٌ كريم﴾. وقيل كذلك: معناه ناسخ لما صبغه من الأحكام، أي مُبيّنٌ لما فيه من التشريعات.
أما لفظ “عجم”، فمأخوذ من العُجمة، وهي ضدّ الإبانة، وتعني الإبهام وعدم القدرة على البيان. فالعجميّ هو الذي لا يُفصح، سواء كان من العرب أو من غيرهم. ولهذا السبب، سُمّيت البهيمة “عجماء”، لأنها لا تقدر على الإفصاح. وقيل عن صلاة النهار “عجماء” لأنها لا يُجهر فيها بالقراءة. و”أعجمت الكلام” تعني: أوردته على نحو مبهمٍ غير واضح، وعكسه “أعربت”، أي وضّحت وأفصحت.
وبذلك، يكون الأصل اللغوي لـ”عرب” دالًّا على “الوضوح” و”الإفصاح”، بينما الأصل في “عجم” هو الغموض وعدم القدرة على البيان، لا من باب الاستعلاء، بل من باب التوصيف اللغوي.
وقد فسّر بعض المفسّرين قوله تعالى: ﴿الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا﴾، بأنه لا يشير إلى اللغة العربيّة أو العرب كجنس، بل إلى فئة معيّنة من سكان البادية الذين تخلّفوا عن الإيمان والنفاق، بدلالة ورود اللفظ بصيغة الجمع، لا بصيغة اسم الجنس. كما أنّ القرآن نفسه أثبت وجود مؤمنين صادقين من الأعراب:
﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.
غير أنّ الظروف البيئية القاسية في الصحراء، وما تفرضه من شظف العيش، قد ساهمت في تشكيل طبعٍ جافّ لدى بعض الأعراب، مقرون بعصبيّة شديدة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿بلسانٍ عربيٍّ مبين﴾، فإن وصف “مبين” يُفهم منه البيان التوضيحي، ويُقصد به أن لغة القرآن جاءت واضحةً في معانيها، جليّة في بيانها، ومُحكمة في نظمها، بحيث تصل إلى العقول والقلوب من غير غموض أو التباس.
تأكيد اللغة العربية (عَرَبِيٌّ)؛ مثل قوله تعالى: (وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [41]، إذ من المعروف أن الطائر يطير بجناحين. أما تسمية الحكماء العرب للغتهم بأنها “آشِرَةٌ” فهي تعبير عن دقة هذه اللغة ووضوحها، وقوتها في التعبير عن المعاني. ومن السذاجة أن يُعتقد أن الحكماء العرب وصفوا لغتهم بالعجميّة بسبب جهلهم باللغات الأخرى. فـ”العجميّة” وصف للحال وليس للموصوف؛ بمعنى أن اللغة في ذاتها واضحة، بغض النظر عن جنسية الناطقين بها، إلا أنها توصف بالعجميّة في نظر من يجهلها.
فاللغة العربية تعادل الفصاحة والوضوح، والإعجامُ في الكلمات هدفه إظهار الدور والمعنى في الجملة، مقابل البناء الذي هو خفي ومبني، ولا يمتلك علامة لإظهار موقعه. أوضح صفة للغة العربية هي وضوحها، وهذه الصفة جعلتها لغة واسعة ومتقدمة. اللغة العربية لغة علمية في إيصال المعاني، وقالب يُوصل المعنى للمتلقي بدقة أكثر من اللغات الأخرى.
إنّ اللغة العربية، بالمقارنة مع غيرها من اللغات، تتّسم بوضوح أكبر ودقة أعمق في وضع المفردات، وقد أصبحت ـ بسبب تدخّل الأنبياء ونزول القرآن الكريم بها ـ لغةً حكيمة ومُبينة. وإنّ وَصف العربية بـ”المُبِينَة” هو وصفٌ تفسيريّ بيانيّ، لأن الوضوح هو من أبرز صفاتها. ولأجل هذا الوضوح، لا نجد فيها الحروف الأربعة الثقيلة والمُثقلة النطق مثل: “پ، چ، ژ، گ”، إذ إنّ فاعلية هذه الحروف محدودة، واللغة العربية بما تملكه من حروف قادرة على نقل المعاني بدقّة وبيان. وتلك الحروف تنقل المعاني النادرة بصعوبة، وفيها ضعف أدائيّ في إيصال المقصود؛ ولهذا امتنع الحكماء العرب عن استخدامها في لغتهم.
وقد وصف القرآن الكريم الكلام الأعجمي بأنه عاجز عن التفصيل والإيضاح، كما في قوله تعالى:
(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) [42]،
أي: ولو جعلناه بلغة غير عربية لقالوا فورًا: لِمَ لم تُبيّن آياته بوضوح؟! أكتاب أعجميٌّ ومخاطبُه عربيٌّ؟!
فالقرآن الكريم يمتاز بالفصاحة والوضوح، لكنّ فهمه يحتاج إلى مقدماتٍ علميةٍ مسبقة، فلا يَكشف لسانه إلّا لمن يمتلك هذه المقدمات وأسس الفهم. أما العرب المعاندون، فقد كانوا مفتونين بحكمتهم في وضع الكلمات، ولم يُربَّوا تربية صحيحة على حسن استخدام هذه النعمة، فوقعوا في الغرور والاستكبار، واتهموا القرآن الكريم بالغموض والعُجْمة، دون أن يعترفوا بجهلهم بمبادئ الفهم السليم.
وإنّ العبارات العربية، إذا لم تكن ذات بيان ووضوح، صارت أعجمية، ومن ثم لا ينبغي اعتبار “الأعجمية” نقيضًا لـ”العربية” بمعناها اللغوي القومي، أي لغة العرب، بل يُفهم الاصطلاحان في ضوء الفصاحة وعدمه، فـ”العربية” لغة فصيحة مُبينة، و”الأعجمية” لغة خالية من البيان والوضوح. وقد قرّر القرآن هذا المعنى في قوله:
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۚ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) [43].
فالعرب كانوا يصفون بالكلام “الأعجمي” كلَّ ما خلا من الفصاحة والبلاغة، كما كانوا يصفون به أصوات الحيوانات لكونها غامضة وغير مفهومة، وكانوا يُطلقونه على كلّ ما يفتقر إلى الإبانة والوضوح في الصوت والمعنى. ومن هنا، اتّهم المعاندون ـ بدافع من غرورهم القومي وتعصّبهم للغتهم ـ القرآن الكريم بالغموض، واعتبروه من تأليف العجم، وزعموا أن سلمان الفارسي هو معلّمه، بينما القرآن يُثبت عروبيته ووضوحه، ويعتبر أولئك المعاندين مقطوعي الصلة عن المعاني، عاجزين عن إدراك ما فيه من فصاحة وبلاغة في نقل المعنى.
وإنّ وصف القرآن الكريم لذاته بأنه “عربي مبين” يدلّ على أنّ اللغة العربية قد تكون، من حيث الاستعمال، غير مبينة وغير فصيحة، أي أعجمية، تمامًا كما يمكن للغات غير عربية أن تكون ـ بالبيان والوضوح ـ عربية من حيث الفصاحة.
كما أنّ كلمة “عجم” مذكّرة، في حين أن “عرب” مؤنّثة؛ وهذا ليدل على ما في العربية من لطافة ورقّة ونقاء، فهي لغة شفافة، جميلة، مليئة بالحياة والفصاحة، تنضح بالبلاغة وتفيض بالطراوة والنضارة؛ كما قال تعالى في وصف الحور:
(عُرُبًا أَتْرَابًا) [44]،
والـ”عُرُب” جمع “عَروب”، وهي المرأة التي تتحدث مع زوجها بفصاحة، وتُظهر له محبة وبيانًا وعفة، وتُخصّه بجمالها وحنانها دون غيره.
كانت اللغة العربية – التي كانت تعتبر نفسها ثقافة أدبية رائدة ومتقدمة، وتدعي العروبة وحمل المعنى والمضمون، وكان الحكماء هم من وضعوا مفرداتها – قد بلغت ذروة ازدهارها ونموها مع نزول القرآن الكريم، حيث ارتوت مقوماتها العلمية والأدبية من معجزة الوحي الرباني النصي العلمي والواقعي؛ حتى لم يكن من بين العرب الفصحاء واللغويين والأدباء والشعراء من لم يخضع ويقر بعظمة هذا الكلام في نقل المعاني والحقائق الربانية والعلمية، ولم يعترف بأنها لغة خاصة بالقرآن الكريم. فقد أسرهم كلام مقام خاتم النبيين، وكانت معجزة النبي الكريم في كلمات قليلة تعرف بالوحي القرآني.
نالت اللغة العربية بفضل نزول القرآن الكريم نمواً هائلاً ومتضاعفاً، ولم تعد لغة العرب المتداولة، بل أصبحت لغة علمية ووحيوية قرآنية. وكان القرآن الكريم في مفرداته غني المعنى ودقيق الاستخدام إلى حد أن الحكمة التي وضعها العرب في الكلمات استسلمت أمامه وخضعت له تماماً، حتى تحولت تدريجياً إلى لغة علم، وخلال القرون الثالثة إلى الخامسة، ذروة ازدهار العلوم الإسلامية، رغم أن غالب العلماء في تلك الحقبة كانوا من الفرس العجم، جعلوا اللغة العربية معياراً لتقديم نصوصهم العلمية وجعلوها لغة رسمية للعلم.
ومع ذلك، وبسبب الانقلاب السياسي في سقيفة بني ساعدة والانحراف الجذري للمسلمين عن أساتذة لغة القرآن الحقيقية، سيطر الجمود والسطحية على جميع العلوم ومنها الأدب العربي، فسقطت هذه اللغة وثقافتها في التخلف والانحطاط، ولم يعد فيها أديب ماهر أو حكيم قادر على إدراك رابط اللفظ والمعنى والكشف عن العلاقات المعنوية بين الكلمات. أصبح خبراء الأدب أشخاصاً يفتقرون إلى القدرة على فهم المعنى، ولا يؤمنون بوجود حكمة وشمولية في كل كلمة. وعمق هؤلاء الخبراء في السطحية حتى نسبوا للألفاظ معانٍ مادية، فألبسوا جوهر الكلمات التي وُضعت للمعنى والحقائق صفات مادية.
كمثال، جعلوا الله تعالى على عرش مادي ليشرحوا معنى كرسيه. يكفي الاطلاع على بعض الكتب التي تُسمى علمية في مجالات العلوم الإسلامية والإنسانية لتبيان ضعف مؤلفيها في علم الكلمات والمعاني! وإذا ما قورنت هذه الكتب بمعيار النص المقدس والوحي القرآني، يتبين بوضوح بُعد هؤلاء المؤلفين عن عالم المعنى السائد في هذا الكتاب السماوي، ومن النادر أن تُقبل كتاباتهم بدون شائبة بهذا المقياس النقي.
كثير من الظاهريين استخدموا كلمات في كتاباتهم دون إدراك للحكم الشاملة لتلك الكلمات، وأحياناً اختاروا كلمات غير مناسبة تتعارض مع المعنى المقصود منهم. وقد قدمنا أمثلة متعددة من هذا النوع من الخلط في تفسير “هدى” وكتاب “منطق الموسيقى” وغيرها من كتبنا التحليلية، لكن في هذا الكتاب نمتنع عن ذكر أسماء النصوص حفاظاً على الحساسية النفسية وعدم إثارة التوترات التي قد تعيق نشر هذه الأعمال.
اليوم، وصل هذا الانحطاط إلى درجة أن الغربيين، عبر إنشاء معاهد لغوية، قادرون على تأليف معاجم عربية؛ لأن هدفهم في هذه المعاجم هو تقديم تقارير عن استعمالات الكلمات وفق منهجية معيارية حديثة مدعومة بالبرمجة الحاسوبية، دون نية في التحليل الدقيق والشامل لاختيار الكلمة المناسبة في معناها الخاص. هذه التقارير، رغم توثيقها التاريخي وشواهد الاستعمال، لا تتصل بمقام المعنى والجوهر الحقيقي للألفاظ، فلا تصلح لتفسير معاني القرآن الكريم والحديث الديني، لأنها لا تعبر عن تلك اللغة الوحيانية المقدسة.
هيمنة الظاهريين أدت إلى الابتعاد عن المعنى والحق، وفي هذه السنوات التي سيطر فيها الظاهريون على كل الأسس الدينية والاجتماعية، أصبح التيار السائد مشغولاً بالمظاهر والشعارات فقط. مثلاً، أُهملت حقيقة الولاية العامة وجهود أهل البيت (عليهم السلام) والساحة الغيبية والحقائق الاعتقادية والتوحيدية، والتفسير العميق لأقوالهم، وتحولت المجالس الدينية إلى مجال للروضة والبكاء وذكر بعض الكرامات، وهو نقد سائد للخطاب الديني. وهذا يعني غفلة عن ثقافة ومذهب أهل البيت، إذ يُذكر اسمهم على الألسنة، لكن في قلوب الكثيرين تسود الدنيا والجهل والخرافة.
يجب التنويه إلى أن السبب الجذري لهذه الانحرافات، وخاصة الانحراف العلمي، هو انقلاب سقيفة بني ساعدة في صدر الإسلام وانحراف الأمة عن مدرسة الأئمة المعصومين (عليهم السلام). بعد هذا الانقلاب، سيطر الخلفاء السنة وبني أمية وبني العباس على زمام العلم والعلماء، فكان العلماء المرتبطون بالدوائر الحاكمة والمتملقون يقولون ما يرضي الحكام، لا الحقائق والاعتقادات القائمة على واقع الظواهر الكونية. سيطرتهم ألحقت ضربة جديدة للعلم والدين، إذ انتشرت التقية والرقابة الذاتية خوفاً من حكام مستبدين ودمويين لا يرحمون حتى قبور الأئمة، وخلقوا بيئة اختناق، فلم يستطع إلا من كان مهيأً للتضحية والقتال أن ينطق أو يكتب.
جذر كل مشاكل العالم الإسلامي وبلدان المسلمين هو أن الحكم والسلطة لم تكن بيد أصحاب الولاية الحقيقية، بل وصل الخلافة أشخاص بلا اختصاص علمي يسيطرون على رقاب الناس بالقوة، أي أن الفساد العلمي في العالم الإسلامي فساد منهجي من قمة الهرم – الحكام الفاشلين. وهذا السبب هو أساس مصائب العالم الإسلامي وتأخره حتى اليوم. من يفسر الدين ويقوده ليسوا علماء دين، بل منقطعون عن الله والعالم، غارقون في أوهامهم ويجرون الناس إلى الحيرة والمعاناة بسبب سوء إدارتهم.
هذا التأخر ليس بسبب نقص في المحتوى العصمي للإسلام، بل لأن هذا المحتوى لم يجد مكاناً للسلطة والقوة، بل كان بيد مدعين غير كفوئين يدعون الإسلام والولاية ويغتصبون مكانة الأئمة (عليهم السلام) ويدّعون أنهم ممثلو الله، ويغلبون المعارضين بالقوة ويقمعونهم بوحشية. هؤلاء الخلفاء الفاشلون سيطروا على جميع المنابر العلمية والاجتماعية وقيدوا كل بروز فكري وسحقوا المؤلفات العلمية.
هؤلاء الحكام الدكتاتوريون المتصلبون جعلوا الدين ضيقاً ومحدوداً وفق أهوائهم، وأدّوه إلى أداة في يد سياسات شيطانية، وهم يقتلون المعارضين بحكام يبدون التقوى ظاهرياً لكنهم يفتقرون للرحمة والصدق.
لذا، كما فصلنا بين سعة اللغة العربية القرآنية وخصوصية العرق العربي، يجب أن نفرق بين محتوى الدين الإسلامي الحقيقي وأداء الحكام الجائرين، وألا نعتبر ديانة مدعي الخلافة الظاهريين دين الإسلام العصمي الحقيقي، ولا نربط نتائج إدارتهم بالدين.
مثال واضح على تدخل العلماء المرتبطين بالحكام في الدين هم العلماء اليهود، الذين جمد جمودهم ولغتهم الدينية العبرية. يهودية اليوم تحولت إلى دين عائلي معزول بسبب تعصب علمائهم وضيق أفقهم، وهم لا يسعون لجعل تعاليم التوراة والتلمود عالمية. رغم اعتمادهم على المسيحية الصهيونية كسياسة للسيطرة، فإن عنصرية وتصلب اليهود وتحريفاتهم قد حبست اللغة العبرية، لغة الوحي لموسى والديانة اليهودية، في مجتمعاتهم بدون نمو أو توسع.
في المقابل، بدأ الإسلام أولى آياته ببا فتح وبسط (بسم الله الرحمن الرحيم) شعار رحمة وانفتاح، متجاوزاً القوميات واللهجات، متوجهاً إلى الإنسان وحقوقه على مستوى عالمي، بما يتناسب مع خاتميته وأزلية وشمولية الإسلام. وهذه صفة خاصة بلغة الوحي في القرآن الكريم، لا بلغة العرب المتداولة التي ابتعدت عن الحكمة في اختيار الألفاظ أو تأثير المسلمين الذين عانوا بسبب حكام استبداديين.
مع الأسف، سيطرة الخلفاء الجائرين والحكام الاستبداديين منعت العلماء من العمل بحرية وإثبات شمول اللغة العربية القرآنية عالمياً، لأن ذلك يحتاج إلى أمن فكري واقتصادي مستقل، وهذا يتطلب حكومة صحيحة وغير استبدادية. الانحراف في الحكومات وسيطرة غير المتخصصين والمتصلبين عقلياً كانت دوماً سبب معوقات العلم الحقيقي، ومنعت مجهودات العلماء الخالصة من تحقيق نتائج. لهذا، طال طريق العلم وحاد عن مساره.
اليوم، أكثر العلوم ضلالاً هو العلوم الإنسانية، إذ إذا ضل العلم واتجه إلى الانحراف، كلما بذل فيه جهد أكثر، زاد ضلاله وابتعد عن الحقيقة. ومن يستطيع أن يقف في وجه حاكم ظالم مسلح لا يخشى ارتكاب الجرائم؟
العلماء الحقيقيون للدين لم ينعموا في أي عصر بالحرية والاستقلال والتمويل والأمن لإظهار لغة العلم والثقافة الدينامية المجتمعية. مع هذا النقص، صارت لغة العلم لغة استعمارية مفروضة من قبل أصحاب الصناعة والاقتصاد والسياسة، الذين يوجهون حتى البيانات العلمية لصالح مصالحهم تجاه الجماهير المستهدفة
مصير مقلّدي الثورة المغيبين بسطحية اللفظ
إنّ مصير شَطْرِ من تَبعَةِ الثورة وورَثتِها، الذين استجلبتهم النزعة الشكلانية وأقصتهمَ عن مادّة المعنى والروح الجوهرية للعالم، هو مصير كارثي. فقد جمدت هذه النزعة عقولهم، وضيّقت صدورهم، وأغلقت بصيرتهم، حتى صاروا عاجزين عن الانحناء للحق، فباتوا عاجزين عن الفهم والاستيعاب. وقد امتدّت هذه الحالة إلى مختلف ميادين الحياة، فصارت جائحة منهجية، تعمّ كل أبعاد الواقع.
تُعطّل هذه الأفكار السطحية المتسلّطة كثيرًا من مسارات التقدم العلمي، والنمو الاقتصادي، والحضارة المدنية، والفنّ والأدب، وصحّة الفكر والروحانية الأخروية؛ فتخترق كيان كلّ فرع علمي ومهنة وفنّ، فتضعف فتتعطّل. فإذا هيمنت فكرة الضيق والتقييد، تحوّل الفقه المنظّم إلى فقه هدام وسلطي؛ لا يجمع بل يفرّق، ويقضي على حرية الفكر، ويفرع شعب الظلم والانغلاق. وإذا رُفعت هذه المزودة نحو السلطة، فلا بُدّ أن تنتهي بخروج عالمي، ورفض شعبي، وانزجار عام.
فالضيق لا يجد لغة، فيصبح عاجزًا عن الحوار والتفاهم. وما يعايشه محدود في أصول «لا»، «مخالف»، و«لستُ موافقًا». وكل أمر يُقيد أو يُمنع، يفقد القدرة على النمو وتطوير ذاته، فيصير جامدًا ومقفلًا. وعندما تُقفل لغة المخاطب، تغلق معها قنوات الحضارة والثقافة، فتصبح خاملة، وتخسر أبواب الإبداع، بينما تتسلّل إلى الناس ثقافات نافرة، تعبّر عن نزعات شهوانية غير منضبطة. وهذه الروح الشكلى الوقاحية لا تُعترف بالقيادة الحقيقية، بل تنجذب للفكر السطحي الخالي من عمق.
إنّ أojnقمة هذه الأفكار التقييدية السطحية هو التراجع الحادّ في الأدب واللغة، بل وتحويل كل ما هو حي ورشيق إلى ماتٍ وسقيم. وحتى لو كانت اللغة متقدمة، إلا أن تلك القوى الخارجية قادرة على تحجيمها: فقد عانت اللغة الفارسية من تقييد فكري عنيد يعيش في ظل لغة ثقافية أخرى، حتى أصبح إحياء أعمال خالدة كشاهنامه من المحرَّمات. وتأتي هذه الأفكار بتغطية ظاهرية لتقويض روافد تطوّر ثقافة الفارسية عبر الأدب الروائي، والموسيقى، والمسرح، والسينما. فالقيود تخلق لغوًا وصمًّا، وتغلق مسارات التوسع الفكري والثقافي.
تعطيل أدوات الثقافة والفن وتقييد المواهب الإنسانية
إنّ تعطيل وتجميد أدوات النقل الثقافي الفني، كالمسرح والسينما والموسيقى وسواها من أدوات التعبير الإبداعي، وتقييد طاقات الشعب، ولا سيّما طاقات النساء، ليس إلا بمثابة تعطيلٍ لجزءٍ من دماغ الأمة وشلٍّ لأحد أعضائها الحيويّة، كأن يُصاب لسان أمةٍ كاملة بالخرس والصمت.
فالأمّة التي لا تتّسع لغتها لا تنال العظمة، ولا يمكن لها أن تتفوّق تفوقًا استحقاقيًا على الثقافات الأخرى. والبشرية، بالنظر إلى التقدّم الذي أحرزته، قد حوّلت الحروب العسكرية إلى صراعاتٍ ثقافية وحضارية. وقد باتت التقنيات والصناعة والمال والرياضة والفن والموسيقى والسينما أدواتٍ لتحليل الثقافات وتحويلها وتوحيدها. وإنّ الاستعمار إذا ما بسط ظلاله كالغراب على دولٍ مثل العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان، فإنّما يتستر خلف حروبه بمخططات ثقافية بعيدة المدى، تهدف إلى تفريغ شعوب تلك البلدان من معتقداتها الدينية، وفرض نزعة إنسانية علمانية أو أقله مسيحية مموّهة بلباسٍ إسلامي، بحيث يصبح المسلمون ظاهرًا مسلمين، لكنّهم يعيشون فعليًا بعقائد وسلوكيات نصرانية. فهم أفغانٌ في هويتهم، لكنّهم يتزيّنون بملامح ورموز إنجليزية، مسلمون في الاسم، لكنّهم يعتنقون “الإسلام الأمريكي”.
الإسلام الأمريكي: قشرة تقنية بمحتوى علماني
فحروب الشرق الأوسط، في جوهرها، تهدف إلى تهيئة البنى التحتية للمجتمعات الإسلامية لتقبّل الإسلام الأمريكي والبريطاني، وهو إسلامٌ يمتلك صناعة وتقنية، لكنه يفرغ من مضمونه الروحي، ليتحوّل إلى حاويةٍ لعلمانية بريطانية وديمقراطية أمريكية، مغلّفة بشعائر نصرانية، تُفرض على الشعوب عبر نخبة محليّة تُمهد الطريق لذلك تحت شعارات براقة.
اللغة والهوية الحضارية والدينية
نحن نؤمن أنّ اللغة التي يمكنها دعوة الإيرانيين وسائر شعوب العالم إلى ثقافة التشيع الخالص، هي لغة الفقه والعرفان والعشق الإلهي؛ أي اللغة الخاصة بالقرآن الكريم، لا لغة القوى التي تسعى إلى إزاحة هذه اللغة وفرض نزعتها التقييدية على الشعوب.
وقد بيّنا حتى الآن أنّ لفظ “العرب” يدلّ على الوضوح والبيان والشفافية، وظهور الباطن، وهي معانٍ تقترن بالجِدّة والطراوة، لأنّ الطراوة من صفات الشفافية. وقد تُستعمل “العُرب” أحيانًا ـ بقرينة المقام ـ بمعنى الفساد، من جهة كونه ظاهرًا وواضحًا.
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة أكاديمية فصيحة رسمية للنص المرفق
الفصل: اللغة العربية وفضائلها في القرآن والسيرة
قال تعالى:
«وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا» [الإسراء: 82].
هذا اللفظ يوضّح أن القرآن مصدر شفاء ورحمة للمؤمنين، إذ يحمل في طياته معارف شفائية ونفعية. وقد استنبط الكاتب أن صفة “الشفاء والرحمة” هذه تظهر كذلك في الطبيعة الفطرية للإنسانيّة الفارسية، التي تجلّت في قبولها للدّين بيسر، حتى لاعتناق الديانات المبتدعة جزئيًا، كالبحث عن المعنى والانتماء الروحي.
ومع هذا، فإن اللغة العربية هي لغة الوحي القرآني، دون أن يُفهم ذلك على أنها مرتفعة بنظيرتها الفارسيّة من الناحية العرقيّة. فلو اقترنت العربية بالصناعة والتقنية والاقتصاد والسياسة، كانت هي اللغة السائدة عالميًا. وهذا ما نراه في الإنجليزية حالياً، إذ مثبتة بسبب قوتها التقنية والاقتصادية، بينما الكتاب المقدس الإنجليزي (الإنجيل) لا يتمتع بنفس القوة المعرفية الحضارية.
إنّ الارتفاع العالمي الكبير الذي حققته المجتمعات الإسلامية، والقادرون اليوم على الادعاء بأنهم يتبعون القرآن، لا يعود إلى العرب أو العلماء أو الثقافة العربية وحدها، بل إلى السمة الروحية الفريدة في القرآن نفسه.
الفصل: منابع التفوُّق القومي والتفريق بين الفضيلة والنژاد
جميع الأمم، بما فيها العرب، لها خصائصها القومية المميزة؛ تلك التي تشكل مكانتها بالابتكارات والعباقرة. وليس العرق هو الذي يحدد المكانة، بل السلوك والقيم، فإنما يقبل الله التقوى.
للأعراب باديته خصائص – كالصلابة والقبليّة النشويّة – ممّا حدا بهم لعراقيل أمام النبي ﷺ حين أنزل له بأن لا يلتف الجميع إلى الدين.
وفي المقابل، يتميز الشعب الفارسي بسمات الفروسية والنجابة الدينيّة، دون تهوّر أو طيش. ويتغير صفات القبائل البدوية بالعمران والتعليم.
العوامل المؤثرة:
- الفقر والغنى
- المناخ
هذه العوامل تؤثر على الأخلاق والسلوك، لكنها خصائص مكتسبة وظرفية، لا جوهرية ولا دائمة. فلا نجزم بأن عرقاً كاملاً فاسد أو طيب. بل تنتج الصفات الجيدة أو السيئة عن الظروف والتنشئة الفردية، كما نرى في قصة حرّ التابعي.
كما قال حافظ الشيرازي:
«بر عمل تکیه مکن خواجه، که در روز ازل / تو چه دانی قلم صنع به نامت چه نوشت؟»
فالقيمة في الأفعال، لا الأشخاص أو الأعراق.
الفصل: اللغة العربية القرآنية مقابل اللغة العامية
- اللغة القرآنية:
- لغة وحْيٍ معصوميٍ مُبَيّنٍ، غير قابلة للنمو التدريجي أو التغير الزمني.
- فورية البيان والدلالة، ولَّدت شفاء ومعجزات بيانيّة تجاوزت كل لغة بشرية.
- لغته الحالمة “طفل في المهد” يعلم بالغريزة (الإسراء 7).
- اللغة العربية العامية:
- منتجة عبر التعلم والخبرة، قابلة للتحوّل والاندثار محلياً أو حسب الأزمنة.
- تحتوي على لهجات وأسماء متعدّدة لا تُفهَم دائمًا بين العرب أنفسهم، تمامًا كما الفرق بين الإنجليزية البريطانية والأمريكية.
إذاً، عندما يقارن أحد الفارسية بالعربية، فلا يقارن لغة قرآنية الواحد، بل يخلط بين اللغة العمومية الفانية واللغة المنزلية السماوية.
الفصل: مسؤولية تمكين اللغة القرآنية
- الأسباب:
- هي لغة الوحي الخاتمي، ولا بدّ من استعادتها.
- تخلو منافذ الفهم من الحضور الحقيقي لمعانيها وشعائرها.
- صار مفهومها عند العامة مقتصرًا على الشكل الصوتي، لا المعنى الجوهري.
- الهدف:
- إقامة سياسة تعليمية تدرس القراءة العقلية العقلية للقرآن.
- رفع الغموض عن مضمونه.
- تحقيق نَعيم الارتباط بالفكر القرآني داخل نمط حياة مجتمعية واعية ومستنيرة.
قال الإمام علي عليه السلام:
«يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا».
فكيف إذا غابت آياته عن حياتنا العملية؟
إن إعادة صياغة المنظومة الفكرية والأكاديمية المرتبطة باللغة القرآنية، كموضوع مركزي في المناهج الدينية والثقافية، هو الخطوة التنفيذية الكبرى نحو إبراز العرفان بمعانيه.
الإعلان والترويج لترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأمّ للأفراد لا يمكن أن يحلّ محلّ لغة الدين واللغة العربية للقرآن الكريم، فهي لغة العلم وثقافة الوحي الخاتمي. من الضروري أن تأخذ الأجهزة المسؤولة وأصحاب السلطة المؤثرة هذا المبدأ الأساسي بعين الاعتبار في برامج إدارتهم العليا. ولا ينبغي أن تحلّ سياسة الترويج لترجمات القرآن الكريم، أو سياسة الترويج الخاطئة لحفظ القرآن الكريم، محلّ تعليم اللغة الخاصة بالقرآن الكريم، أو تُهمّشها. التنمية المستدامة لثقافة القرآن الكريم تتطلب العناية بلغة الأصل للقرآن الكريم، وهذا من الركائز الأساسية لبيان الإسلام. يجب على كل مسلم أن يُدرك قيمة لغة القرآن الكريم بحيث يكون لديه دافع قوي وإرادة ثابتة وجهد جاد في تعلم هذه اللغة، بحيث يكون الإقبال العام على لغة الأصل للقرآن الكريم أكبر من الاهتمام بالترجمات.
بالطبع، تعليم لغة القرآن الكريم يختلف عن تعليم اللغة العربية العادية والرائجة، وله نظام وأسلوب خاص به، نذكر بعضًا منها – ومنها ضرورة التآلف مع القرآن الكريم والملكة الموهبية القدسية. وعلى أي حال، لا يمكن أن يكون المرء متدينًا ومؤمنًا بالله وبالمعارف الإلهية دون أن يعرف لغة القرآن الكريم.
تعليم اللغة الخاصة بالقرآن الكريم له نفس الأهمية لكل مسلم كما للغة الأم. علاقة هاتين اللغتين تشبه علاقة الطهارة والصلاة، حيث الصلاة بدون طهارة باطلة، ورغم أن كلًا منهما فرض في طريق العبادة، لا يجوز تفضيل أحدهما على الآخر أو تقليل شأن أي منهما. اللغة الدينية لا غنى عنها، ومن يفقدها يفقد هويته الدينية، دون أن يحلّ محلها دين أو ثقافة إلهية أخرى حقيقية. أما فقدان اللغة الأم، فيؤدي إلى فقدان الهوية الوطنية والذاتية، مع احتمال استبدالها بلغة أخرى قد تكون أفضل أو أسوأ من الثقافة السابقة.
القرآن الكريم يطلب تعلم لغته، ولذلك لم يذكر في نصّه شيئًا عن الترجمة، وهذا يعني أن القرآن الكريم غير قابل للترجمة بشكل كامل، وللدخول إلى فضاء الوحي الخاتمي يجب تعلم لغة القرآن الكريم. كما أن الحفظ الذهني للقرآن الكريم ليس من أولويات هذا الكتاب السماوي، والترجمة ليست موضوع اهتمامه أو من مواد قيمه.
بعض الكلمات تحمل قداسة مثل آية الله وحجة الإسلام، وبعضها لا. بعضها قد تكون قداسة وقيمة مؤقتة وزمنية، وأداء شخص أو جماعة يمكن أن يحول الكلمات ذات القيمة الإيجابية إلى سلبية. وبما أن الكلمات تُصاغ من أجل الروح والمعنى، فكلمة “رجم” تعني الرمي، والرجم بمعنى رمي الحجارة بهدف الإذلال والتقليل. في الغالب ما كان يُرمى في الماضي هو الحجارة، والرجم يعني التقليل من الشأن وفقدان الكرامة. ولذلك يُقال للشيطان “رجيم” في قوله تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، فالأمر بالخروج مختلف عن الإخراج بالقوة. الله أمر الشيطان أن يخرج ولم يرد أن يكون هو الفاعل للرجم، فأمر بالخروج فخرج الشيطان وأصبح رجيمًا.
في آيات القرآن الكريم، غالبًا ما كان الأشخاص الصغار والحقيرون يلجأون إلى رجم الآخرين، كما قال قوم شعيب له: {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}.
لذلك، الترجمة تعني إخراج المعنى من النص بحيث يكون كاللحم المفروم، يتحول ويتدفق بدون أن يفقد حقيقته، لكن بما أن أحدًا لا يستطيع إتمام هذه التحولات كاملة، يصغر المعنى أو يضعف، وهذا ما يجعل الترجمة تحمل من جذر “رجم” نوعًا من الهراء والافتراض غير المستند والعبث الثقيل. يقول القرآن الكريم: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}.
الترجمة، على عكس ما تذكره بعض كتب المعاجم، ليست تفسيرًا أو شرحًا أو تذكرة، وهي تختلف عنها.
عدم قيمة الترجمة من منظور القرآن الكريم يهدف إلى أن الله قد أراد لغة القرآن الكريم – التي هي لغة مبينة وكمال اللغة – أن تكون لغة دينية بين جميع البشر والمسلمين إلى جانب اللغة الأم المغروسة، لكي يكون لكل مؤمن بالإسلام لغتان: الأم والدين.
لغة الوحي لا يمكن تحويلها بشكل صحيح، وكل من يحاول ترجمتها يُقلل من معناها، ولا يستطيع أحد أن ينقل عظمة هذه اللغة كما هي إلى لغة أخرى. على كل مسلم أن يتعلم لغة القرآن الكريم العربية، لغة الوحي وأفضل لغات العلم، إلى جانب لغته الأم التي هي اللغة العرفية والمحاورة، لكي ينسجم مع القرآن الكريم ويستلهم منه حياته الخاصة وطريقته الفكرية والعقائدية مباشرةً من هذا المصدر الوحياني.
لذلك، يجب أن يبدأ تعليم اللغة العربية الخاصة بالقرآن الكريم للأطفال منذ المرحلة الابتدائية، مع الحفاظ على المبادئ والقواعد المشتركة بين اللغات لتسهيل التعلم، ويجب الاستثمار في ذلك، وليس في الترويج للترجمات. الترجمة لا تستطيع حمل العلوم المتجذرة في القرآن الكريم ومعارفه السامية، بل تُنقصها ولا تحافظ على قيمتها العالية. القرآن الكريم يوصي بالقراءة لا بالتلاوة. والقراءة تحتاج إلى معرفة لغة كتاب الوحي. يقول تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}.
القرآن الكريم يمتلك وجودًا خارجيًا ويحتوي على حقائق ربوية لا تُعرف إلا من خلال الالتحام والود والصداقة مع لغته. الكتب العلمية البشرية يمكن فهمها من خلال الدراسة والبحث، لكن فهم لغة القرآن الكريم يتحقق من خلال التآلف وصفاء النفس والروح.
من أهم المبادئ في فهم لغة القرآن الكريم: “للحصول على لغة القرآن الكريم، يجب أن تكون القراءة مصحوبة بفهم معنى الآية، ويُحاول قراءة الآية مرات عدة والتآلف معها لكي يُكتسب فهم لغة استيعابها.”
تكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة إذا أُخذ في الاعتبار أن كلمة “قرآن” في أصلها من عائلة “قراءة” وهي مصدر جُعلي – مثل “غفران” – وهي كلمة همزة من “قرأ”. وبعضهم يعتقد أنها معتلّة ومشتقة من “قرى” أو “قرو” التي تعني الجمع أو العمل. لكن الصحيح أنها مشتقة من “قرأ” بمعنى القراءة التدريجية والفهم.
هذه الكلمات الثلاث متقاربة في المعنى لأنها تشترك في حروف، والاشتراك والاشتقاق بين “قراءة” و”قرآن” دليل على أن قراءة هذا الكتاب السماوي للوصول إلى التآلف معه أمر مهم وضروري. والأمر بالقراءة المستمرة لما تيسر من القرآن ليس عبثًا، بل الحكمة أن فهم لغة القرآن الكريم يمر عبر القراءة والانسجام معه، وهو أمر لا يتحقق فقط من خلال الدراسة والبحث، بل يحتاج إلى ارتباط وجداني وإخلاص.
بالطبع، في التخصص القرآني يمكن التقليد من الخبراء والمختصين، لكن يجب أن يكون هذا التقليد واعيًا واجتهاديًا، حتى لا يستغل المدّعون والشيادون والمتقلبون في المسائل الدينية القرآن ويجرّوه إلى الاضطراب. المعرفة والوعي يحدّان من سوق الأكاذيب والخداع ويزيلان هيمنة الظالمين والمستكبرين.
يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار أن لغة القرآن الكريم، إلى جانب المعنى الذي يتحقق بالقراءة والفهم، لها لغة إيقاعية أيضاً، تتمثل في الوزن والإيقاع الصوتي والموسيقي لكل آية. يمكن تعليم هذا الوزن الإيقاعي والنظام الصوتي والموسيقي دون الانغماس في اللغة العربية القرآنية، مع ضرورة الحفاظ على اللحن العربي في بعض النظم حفاظًا على حرمة القرآن، مما يهيئ الأرضية لفهم لغة القرآن الكريم.
حتى وإن لم يُنقل المعنى مباشرة، فإن خاصية المعنى من خلال الإيقاع تؤثر في النفس والروح إذا ما استُمع إليها. يقول تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
“استمعوا” تعني السماع المتحرّر والطلب مع الجهد، أي يجب بذل الجهد في السماع والإرادة، بينما “استراق” يعني السماع خفية وسرًا.
الفعل “قُرِئَ” مبني للمجهول، والفاعل غير معلوم، أي كل من يقرأ القرآن يجب أن يُسمع له. وهذا الاستماع هو أولى خطوات التآلف والصداقة مع القرآن الكريم والوصول إلى القراءة والفهم.
على أي حال، القرآن الكريم يتميز بإمكانية التعبير عن كل آية بلغة موسيقية، ويمكن استخدام مهارات “العلاج بالقرآن” و”علم إيقاع القرآن” دون الحاجة لفهم المعنى اللغوي، كما أن هذه اللغة الصوتية المستقلة تفتح الطريق لفهم المعاني من خلال التعرف على النغمات.
لغة الصوت الموسيقي للقرآن الكريم تختلف عن لغة معانيه، ولا يعني ذلك أن الصوت والموسيقى عربيان، مع أن بعض الأنظمة تحافظ على اللهجة العربية احتراما للقرآن. عبر معرفة الإيقاع والنغمات يمكن الوصول إلى خواص المعنى المقصود من الكلمات وتحميل روحها المعنوية.
لغة القرآن الكريم، في المعنى وفي الموسيقى، واعية ومُبيّنة وهادفة، وتوضع كل شيء في موضعه الصحيح.
يجب أن تقوم المنظومة التعليمية على هذه الحقيقة، لا على الطريقة المعنوية الشائعة لدى الناس.
لملكة القدسية هي أمرٌ عطائيٌّ وتابعٌ للعناية الخاصة من الله تعالى، والتي لا يُكتسبُها أو يُحصّلها الإنسان إلا بتوفير السبيل والظرف الملائم لنزول تلك الرحمة الخاصة، دون أن يكون لها ملازمة دائمة وضرورية. ومن العلامات الظاهرة لها القدرة على إنتاج علوم جديدة لا يمكن لأي من العلوم المعتبرة أن تعارضها، بل تقبل توافقها مع بياناتها الصحيحة. وهذه الملكة تشارك بالكامل في التوصل إلى أدب ولغة القرآن الكريم.
إن إنتاج العلم يعود إلى نسبة «الملكة القدسية» التي تجعل العلم «دينياً» ومرتكزاً إلى «الحق تعالى». يجب أن يكون العلم في مدار الملكة القدسية حتى يُعتبر العالم من نسل الأنبياء الإلهيين. العلم المنتج هو بفضل الملكة القدسية الذي يجعله دينياً ومنسوباً إلى الشريعة، ويكتسب الحُجية؛ وإلا فإن قول الأقوال الدينية والعلمية المتعلقة بالعلوم الدينية، يصبح مجرد فن ومهارة، والمتحدث فيها يتحدث عن الدين فقط، ولكن أقواله لا يمكن أن تكون دينية وعلمية ومستندة إلى الحق تعالى وشريعته.
وقد ذُكرت هذه الملكة في بعض الكتابات الفقهية، مع أن الذين يعتبرونها مكتسبة ومتوقفة على الرياضة الروحية لم يدركوا حقيقتها. الملكة القدسية لها حكم الرب، المُدبّر، المُربي، والمُعلّم المرشد، وهي تحرص على الفرد والتحقيق العلمي حتى لا يقع في الخطأ والزلل.
الأدب، وخصوصاً الاشتقاق، من مبادىء فهم تفسير القرآن الكريم وسائر العلوم الدينية والإسلامية، وهذا العلم المهم المقدم يمتلك منطق فهميّاً منسجماً ومتناغماً مع العلوم الدينية؛ خصوصاً أن القرآن الكريم له لغته العربية وأدبه الخاص الذي نرغب في الكشف عن معاني وأصول ألفاظه وثقافته.
اللغة والأدب المتقدمان للقرآن الكريم – اللذان يمثلان ذروة الكمال وأوج المعنى واللغة في الوحي الخاتمي – لا يُفهمان فهمًا صحيحًا إلا بفضل الملكة القدسية، ويصبح البحث فيهما علمًا دينيًا. لا يستطيع الاجتهاد في الاشتقاق ومن ثم التبحر في التفسير إلا من وُهِب هذه الملكة من الله تعالى. لذا فإن القلة النادرة فقط هي من تستطيع الدخول إلى هذا المجال. هذه الملكة تعطي الفرد قوة نورانية يتعرف بها على كلمات القرآن الكريم ومعانيها في ضوء هداية الله وعنايته. ومن يملكها يكون له انسجام وودّ مع القرآن الكريم والنصوص الدينية، ويفهم منهج الله في استعمال الكلمات أو ترك بعضها وإهمالها.
على سبيل المثال، القرآن الكريم ذكر «التفسير» في آية واحدة فقط، وهذا يعني أن القرآن الكريم له منهج تفسير خاص وفريد ينبغي الكشف عنه، وليس هناك من مناهج تفسير متعددة للنقاش أو لابتكار المنهج من قبل العقلاء. يقول تعالى:
(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَا بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الإسراء: 89].
لقد تناولنا هذا الآية الشريفة في المجلد الأول من «تفسير هدى» ولن نعيد ذلك هنا.
بعض الألفاظ في القرآن الكريم تتكرر بكثرة، وبعضها نادر الاستعمال أو مقيد بمعنى خاص أو غير مستخدم إطلاقاً، وهذا يعكس منهج الله تعالى في تعامله مع الكلمة والموضوع. في الاشتقاق، نأخذ بعين الاعتبار كل الصفات والخصائص اللفظية، ونحصل على الروح الشاملة للكلمة ومحيط معناها بشكل كامل ودون تحوير. مثلاً، كلمة «فهم» وردت مرة واحدة فقط في القرآن، وفيها دلالة على فاعلية الله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) [النمل: 40].
جذر «فهم» و«فحم» متقارب في المخرج، ولهما قرابة معنوية؛ فـ «فحم» تعني السواد والظلمة، ولذلك تُطلق أيضاً على الفحم. أما (فَفَهَّمْنَاهَا) في هذه الآية، فتعني التعدية ونوعًا من الإجبار، على عكس «فقه» أو «نطق» التي تتعلق بالتفكير والعمل. يقول الله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3-4]. النطق هو فهمٌ مع التفكير وقدرة عمل حكيمة، ومرتبته العليا تكون في مدار الوحي الإلهي، وليس فقط الفهم الأكاديمي. والفقه هو عمل القلب: (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) [البقرة: 7].
لذا، فهم الدين يحتاج إلى قلب مددته نور العناية الإلهية:
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122].
وإن لم يكن هذا القلب نورانيًا، فإن فقهه مهما اجتهد، لن يؤدي إلا إلى خراب واسع وفضيحة كبيرة في تحدي الله وارتكاب الفساد والطغيان على الناس؛ لأن الفقه الادعائي ليس فقهًا إلهيًا حقيقيًا.
كلما احتاج فهم معنى القرآن إلى سلوك عملي وطهارة نفس، يقطع القرآن الحديث المدرسي والمناظرات الكلامية، ويقول في آية واحدة:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85].
فالروح لا تأتي من المختبر التجريبي أو الحوار، بل مجالها يُرى بالحركة المعنوية والرياضة القلبية. وكذلك معرفة الله ليست عبر الفكر المخلوق والفترة القصيرة للإنسان العادي:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [النساء: 1].
التفكير في الله لا يؤدي إلا إلى الحيرة والضياع، إذ لا بد من إيجاد الله من خلال «القلب» و«الفؤاد»، أما العقلانية فهي مثمرة فقط عند النظر في ظواهر الوجود والمخلوقات: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
ومع ذلك، فإن التفكير هو أيضاً نتيجة لجهد خالص؛ إذ لا يمكن لمن يحمل لقمة حراماً ويده ملطخة بغصب مال الناس أن يجد أرضية صالحة للتفكير. وفي هذه الآية المباركة، يسبق الذكر التفكير، ويُعتبر تفكير الإنسان المتذكر ثمرةً ووسيلةً للحقائق:
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
على كل حال، لا شيء أقدر على المعرفة من ذات الله تعالى لكي يكون وسيطاً لتعريفه وتنظيم نظام التفكير في هذا المجال.
وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة «المعنى» التي ترتبط باللفظ؛ فلم ترد مطلقاً في القرآن الكريم، مما يدل على أن القرآن لا يهتم بالعلوم الأكاديمية والمدرسية والاكتسابية. لذلك، فإن الانشغال بالبيانات الذهنية البحتة وغير العملية وبالمعلومات المحفوظة، حتى وإن كانت حفظ القرآن الكريم ذهنياً، لا يشجعه القرآن الكريم.
يريد القرآن الكريم أن يدفع الفرد إلى ميدان العمل والتجربة والارتقاء الخارجي، لا إلى متاهة الانشغال بالكلمات الأكاديمية المجردة والقضايا الذهنية التي لا تنتج عنها أية آثار عملية. وهذه هي الحكمة وراء تجنب هذا الكتاب السماوي لاستخدام المصطلحات الشائعة بين العلماء، مع أن كل كلمات القرآن يمكن أن تفتح لغة اصطلاحية لكل علم، كما أظهرنا في كتاب «علم الاستخارة».
على أية حال، الإهمال لشرط فهم أدب القرآن، يسبب اضطراباً في الفهم الديني. فاللغة الدينية لم تستطع حتى الآن أن تضع مبادئها وقواعدها بشكل مدوّن ليتم الإشراف عليها بوعي وبالاهتمام بجذور اللغة والوضع الحكيم للألفاظ والانتباه إلى تقارب المعاني بفضل «الملكة القدسية». لهذا السبب، بقيت اللغة محصورة ومقيدة ضمن اللغة العادية المتداولة، ومن ثم كانت النتائج المستنبطة منها، على مستوى العلماء العاديين والظاهرين، سطحية ومنخفضة القيمة العلمية، فلا يمكن اعتبارها علماً رغم تسميتها بالفقه أو الفلسفة أو التصوف.
هذا القيد والحصر يمنع العلوم الدينية والقرآنية من النمو والتطور ويبقيها أسيرة البيانات التقليدية القديمة. ويرى الفقيه المتشدد المتمسك بالتقاليد، الذي يعتمد في تحقيقه العلمي على منهج بسيط وساذج، أنه يجب فقط تكرار وتأكيد البيانات السابقة وإلا اعتُبر مخرباً ومنحرفاً. هذه المشكلة ليست محصورة فقط في الحوزات العلمية، بل تطال الجامعات أيضاً، مع فارق أنهم يستوردون من الغرب في القرنين الماضيين نتائجها دون تحليل أو تدقيق، ويكررونها بذهول وتبعية ذهنية، بل ويقللون من شأن الفلسفة الغربية التي تتسم أحياناً بالتفكير الدقيق.
هذه الكارثة جعلت العلوم الإنسانية في الجامعات والعلوم الإسلامية في الحوزات مجرد رماد ذاهب، تاركة خلفها بناءً قديماً متهالكاً ومليئاً بالأمراض، ودليل ذلك أن عامة الناس الذين بعيدون عن هذه العلوم يعيشون حياة أكثر صحة من المتعلمين الذين ملأوا أذهانهم ببيانات خاطئة ومضللة.
إن هذه الثقافة الخاطئة ليست نتيجة نفوذ الاستعمار أو أعداء الخارج فقط، بل هي من صنعنا نحن أنفسنا. وهي مشكلة جذرية في علم اللغة عندنا. وتتفاقم هذه المشكلة حينما يجد المتطرفون الأجانب من غير الفهم للغة الدين المتخصصة سيطرة على المؤسسات والوزارات والحكومات ويريدون أن يسنّوا القوانين على أساس فهمهم السطحي للدين، ويطالبون بالشرعية التي يفهمونها بعقولهم الجافة والسطحية، وليس الشرعية التي توصل إليها العلماء الربانيون بجهد وتدقيق وعلى ضوء «الملكة القدسية» الوهبية.
عدم الإلمام بلغة الدين والبعد عن شروطها، وخاصة «الملكة القدسية»، يحطم قيمة صدق الاستنباطات، ولهذا لا يستطيع العالم العلمي التعامل معها أو شرائها. هذه الاستنباطات التي تشكل أساس الدين تعيق إنتاج العلم الصحيح، وتطيل الطريق الذي يجب أن تقطعه الحوزات والمراكز العلمية من سنوات إلى عقود، مما يجعل عبء إنتاج العلم ثقيل وبطيء ومكلف.
كل هذه الأضرار الناجمة عن الجهل بأبجدية لغة العلم الديني سببها سيطرة الأفراد العاديين والغرباء عن النور الرباني والعناية من «الملكة القدسية»، وعزلة القلة المختارة والمتخصصة القدسية.
في العالم العلمي يجب أن يُتحدث بلغة العلم، ولا يمكن دفع باب العلم حتى بتضحيات كل أفراد المجتمع. للتقدم العلمي، نحتاج فقط إلى العبقري المفكر القادر على التعرف على لغة العلم وإنتاج المعرفة بمساعدة النور الإلهي لـ«الملكة القدسية». هذا هو الذي يستطيع أن يكون المحرك والقوة الدافعة للعلوم الإنسانية.
لتقديم العلم، يجب معرفة اللغة العلمية السائدة والمعيارية والتحدث بها حتى تكون مألوفة وجذابة لطلبة العلم وتدعوهم إليه. امتلاك اللغة العلمية مثل امتلاك العملة الرسمية للدولة التي تنظم سوق العرض والطلب. ولا ينبغي لأي عالم أن يكون متبعاً مالياً أو أجيراً للحكومة أو أصحاب النفوذ، وإلا سيجعل العلم في خدمتهم.
يجب على العلماء القدسيين والمراكز العلمية أن يكونوا دوماً إلى جانب شعوبهم وخدمتهم فقط، وهكذا يحفظون قدسية العلم ولغة العلم.
إذا جهزت الحوزات العلمية نفسها بلغة العلم الديني والمعيارية، وأعطت قدراً عالياً لأساتذة العلم القدسي، يمكنها، بفضل صفائها وصدقها، أن تصبح واحدة من أهم مراكز إنتاج العلم في العالم، وتجذب العقول من شتى أنحاء العالم إلى معارفها. ولكن لهذا العلم لكي يزدهر ويُعرض بشكل جيد، يحتاج إلى علم اللغة الأدبي والاشتقاق بشكل كبير. شجرة الأدب والاشتقاق المثمرة تثمر لغة علمية وتنقل للحوزات ومراكز العلوم الإنسانية لغةً مشابهة لتلك التي يستخدمها المهندسون في مخططاتهم والأطباء في وصفاتهم لكي تكون بياناتهم ومعلوماتهم قابلة للنقل.
من الطبيعي أنه إذا غاب التحرك والديناميكية في العلم، فإن العطاء الطيب يتحول إلى مستنقع.
قيم المجتمع وثقافته تعتمد على اللغة العلمية والتخصصية ومدى انتشارها وتأثيرها في البنى العالمية وتداخلها مع ثقافات أخرى. الثقافة واللغة لكي تكونا رائدتين، يجب أن تطورا شكلهما ومحتواها وأن تبقيا على تجدد مستمر. هذا التقدم يحتاج إلى بقاء واستمرار يجب أن يُتابع بقوة وحزم. هذه اللغة العلمية، بجانب متانتها النصية التي تظهر في اللغة العادية، يجب أن تجذب أيضاً طلبة العلم من ثقافات أخرى بلغاتهم العلمية والتخصصية، مع تقدير الأساتذة القدسيين العباقرة أو الأولياء الإلهيين المتقنين لهذه المعارف.
قوة اللغة الدينية تنبع فقط من عقول العباقرة وقلوب القديسين التابعة لهذه الثقافة واللغة، الذين يمتلكون اللغة التخصصية والعلمية للدين والوحي، وهي أيضاً السلطة الحقيقية للغة العرفية والشعبية.
اتساع اللغة الدينية وعظمتها وبروزها وجديدها وقيمتها تعتمد على عقول العباقرة وقلوب القديسين أساتذتها، كما في اللغات غير الوحيّة مثل اللغة الفارسية، التي كانت العقول العبقرية كحافظ وسعدي هي القلب النابض للغة الفارسية وجعلتها من أروع لغات العالم. العالم يعرف اللغة الفارسية بفضل عباقرتها، وهذه العقول العبقرية هي التي صنعت الأمثال والحكم في لغة الناس، ورفعت المستوى العلمي لشعبها، وجعلتهم كباراً وعظاماً، وجذبت النص الثقافي للمجتمع إلى حضن كبار علماء وثقافات الشعوب الأخرى، ودعتهم إلى فلسفتهم وتقنيتهم وصناعتهم.
تتحول بعض اللغات والثقافات بفضل جهود عباقرتها إلى لغات دولية. فقد ظهر في يوم من الأيام عباقرة مثل ابن سينا الذين ارتبطوا باللغة العربية، فحولوا هذه اللغة، التي كانت ترتكز على العربية الوحْيانية في القرآن الكريم، إلى لغة سائدة للعلم. واليوم، لا يقل شهرة الغرب إلا بسبب مكانته الاقتصادية والتقنية والصناعية.
إن النص اللغوي والثقافي يرتقي بتدفق جهود العباقرة، وأما الثقافة التي تفتقر إلى عباقرتها أو التي لا تكرمهم، فهي ثقافة محاصرة في مأزق الركود والقصور اللغوي وهاوية الضعف ومستنقع الإهانة. هذه الثقافة تفقد قيمتها مع قدمها وسكونها وخمودها، فتسجن في ماضيها.
اللغة الطبيعية هي لغة النص والعرف السائد، أما لغة العباقرة فهي لغة القيمة والتجديد والابتكار والإبداع. فاللغة الطبيعية والنصية هي اللغة المشتركة بين الإنسان والحيوان وسائر الظواهر، ولا تميز الإنسان عن سائر الكائنات، حيث إن الكائنات الحيوانية تدركها جيدًا. أما لغة العباقرة، فهي لغة خاصة بالإنسان، وبالأخص للنخبة والمثقفين، الذين يمتلكون القدرة على النفوذ إلى ثقافات أخرى واحتوائها واستقطابها. وهذه القدرة على الاستقطاب تقوم على عقول وأفكار العباقرة في اللغة والثقافة، أي أولئك الذين يتجاوزون اللغة العرفية في كلامهم، وكتاباتهم العلمية والتخصصية.
العباقرة ليسوا محصورين في سجن الدنيا، بل يسيطرون على عوالم ما وراء الطبيعية من خلال نبوغهم الفكري وعلمهم. إنهم قلب تقدم اللغة والثقافة. ولذلك، يحتاج علم الاشتقاق إلى تطوير والانتباه إلى كتابات عباقرة ثقافتنا؛ غير أن علوم الدين تعتمد على عباقرة قدّيسين قد نالوا عناية ربانية نورانية. فالعباقرة هم الذين يملكون نبض اللغة والثقافة بلغة تخصصية وعلمية تمنح العظمة للأمة والقوم، لا أولئك الذين يضيعون في مناقشات مجردة ويقعون في أسر الألفاظ ويظلّون ظاهريي المظهر.
أهمية الدول وقيمتها تعتمد على علمائها وعباقرتها الحاليين، فهم الذين ينسقون بين الرياضة والفن والتقنية والصناعة والثقافة. وإذا ما كانت قوة استعمارية، فإنها تستخدم هذه الأدوات، تحت ذريعة تصدير التكنولوجيا، لاختراق الشعوب وإلحاقها بالتبعية الثقافية، فتجعلها أقمارة منظومتها.
أما ساحة العلم والثقافة الدينية واللاهوتية، فهي أسمى من أن تسمح لأي كان بدخول بابه. هؤلاء هم العباقرة القديسون الذين يحصلون على شرف الدخول الواحد تلو الآخر، ويبرزون أهمية وموقع وجاذبية اللغة والثقافة الوحْيانية في الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تستمد إيران الإسلامية ثقافتها ولغتها من عباقرتها، وترقيها إلى سلطان القلوب وأمير الأرواح وحب الشعوب الإيرانية وكل الحق طلبة. وإذا لم تدعم اللغة العباقرة العلميين، سرعان ما تصبح مهجورة ومطرودة. وأمة تفتقر إلى علماء عباقرة لتعزيز ثقافتها، ستتخلف في باقي المجالات، فلا اقتصاد مستدام لها، ولا سياسة كريمة، فتتحطم كبرياؤها وتذل أمام دول ضعيفة ومتخلفة.
على إيران من أجل نموها وتقدمها أن تكرم عباقرتها العلميين، وخصوصًا القديسين منهم، وأن تبني في سياستها الخارجية علاقات استراتيجية طويلة الأمد مع ثقافات تملك قوة علمية وتخصصية متجذرة.
لقد شهدنا انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان السبب الأكبر لسقوط الشيوعية محدودية الفكر الاشتراكي المادي وفقر العباقرة العلمي الثقافي المؤثر. اللغة الروسية، التي كانت أداة نقل هذا الفكر، لا تزال لغة محدودة ومقصورة، وتروج أفكار ماركسية ويسارية نادرة عبر الترجمة إلى لغات أخرى كالإنگليزية، وليس بلغتها الأصلية.
إذا اعتمدت دولة في سياستها الخارجية على روسيا، فلن تستمر ولا تصمد، فالثغرة التي أفسدت جسد الاتحاد السوفيتي ستنخر في سياستها الخارجية أيضًا، إلا إذا كان التحالف معها من باب الضرورة والتكتيك المؤقت. فضلاً عن السياسة الخارجية، فإن الثقافة، خاصة الدينية منها، ستتضرر وتفقد فعاليتها، كما كان ينظر الماركسيون إلى الدين كأفيون للشعوب ودودة تنمو في رطوبة الجهل.
على كل حال، الأدب والثقافة وجوهرهما الاشتقاق هو أصل الفكر والتقدم وجذر الحقيقة وهوية الإنسان. وإذا لم يستقطب الأدب المجتمع وأفراده، فهو مجرد لعب بالأفكار لا يجلب خيرًا للفرد ولا ينمي المجتمع. برامج التنمية والتقدم يجب أن تبدأ بالأدب، وبواسطة العباقرة، خصوصًا في مجال لغة القرآن الكريم ومن ثم الاقتصاد ومن ثم باقي الفروع العلمية والدينية والثقافية.
من يملك اللغة والثقافة والأدب يملك قدرة الاتصال بالعالم. ومن يذل ثقافته وأدبه يفقد القدرة على التواصل. التواصل هو أساس الإنتاج والتصدير والاستيراد، وما يصبغه من تطور اللغة والثقافة والأدب، وهي ثقافة خالية من الجمود والتعصب والفساد والطمع والاستكبار والخيانة والتطرف اللغوي. اللغة التي يعبث بها الظاهرية والألفاظ الجافة لا تؤدي إلى خير.
الأدب والثقافة خريطة التنمية والتقدم للدولة، ومن المهم أن تُنفذ هذه الخريطة لكي تظهر الثقافة بمظهرها. تصميم وتنفيذ هذه الخريطة يجب أن يكون من نصيب العلماء والعباقرة المتخصصين، وخصوصًا القديسين في العلوم الدينية. هم الذين يثقلون الأدب والثقافة ليتيحوا القدرة على التواصل البنّاء مع الآخرين، تواصل يبعث على السلام والرفاهية، لا على التسلط والكلام الفارغ.
عظمة الأدب واللغة مرتبطة بحضور العباقرة، وصغرها وذلتها ترتبط بإبعاد العباقرة أو استسلامهم لثقافة الحكام المستكبرين. ولهذا السبب يهاجم الاستعمار العباقرة في حروب الحضارات، كما حدث مع ابن سينا وحافظ الذين اتهموا بالكفر والشرب، رغم أنهم من تربية مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعجز القرآن الكريم، الذين حولوا لغتهم العلمية إلى ثقافة عظيمة. وهؤلاء المهاجمون يريدون تشويههم لتحطيم الثقافة الإسلامية، حتى أن ابن سينا قال في دفاعه:
كفرٌ كهـذا، لا يُسهل التكذيـب إيماني كان أقوى من الإيمـان
في الدهر مثلـي كافرٌ وحيد فلا يكون للمسلمين نظير مثـلـي
عظمة الشعوب تكمن في عباقرتها. الناس أمام العباقرة صفر، وحين يرافقهم نابغة، يحظون بقيمة ويصبحون أمة. إذا كان عباقرة الأمة أصحاء ولم يستسلموا، يمنحون مجتمعهم العلم والنمو والحرية والقوة.
حتى الآن ذكرنا أضرار الانفصال عن ثقافة ولغة القرآن الكريم، هذه الأضرار التي نشأت من الجهل بالمقدمات اللازمة لفهم هذه اللغة، وخصوصًا من فقدان مراكز العلم للقيادة والوصاية من قبل العباقرة القديسين.
للأسف، ثقافة الابتعاد عن لغة القرآن وفهمها المنطقي أدت إلى اعتقاد خاطئ عند بعض المسلمين أن لغة القرآن خاصة بـ«من خوطب به» فقط وأن فهمها لغيرهم مرفوض. وهذا التعطيل ناجم عن جهل بعلم اللغة القرآني، ورغبة في تفسير القرآن بلغة العربية العادية، مع أن لغة القرآن هي لغة الحب والقلب والود والقرب. القرآن كتاب الصداقة والقرب، ويصل إليه من يراه مناسبًا للصداقة. وهو يمنح قربًا للناس بنظام (لا يمسه إلا المطهرون). بالدرس الأكاديمي فقط لا يمكن فتح قفل محتوى القرآن اللامحدود بدون طهارة القلب وسلامة الروح.
لذلك، من الخطأ العظيم مقارنة القرآن بكتب البشر وفرض منهج تعليمي بشري عليه. القرآن في محتواه العلمي والروحي خاص بمخاطبيه، لكنه يسهل لكل الناس الاستفادة (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).
قد يقرأ البعض القرآن بقراءات مختلفة وبأجمل الأصوات، دون أن يشعر بقربه الروحي، وقد يزيد الظالمون خسارة، لكن قد لا يملك آخرون علم القراءة، لكنهم يستمدون إلهامًا ومعرفة باطنية من مجرد النظر إليه.
علوم القرآن التمهيدية كذلك، تتطلب قربًا وموهبة قدسية، كما ذكرنا.
تعليم تفسير القرآن والتأويل والفرقان مرتبط بطهارة الروح، وإلا يصبح خسارة كما في الآية.
لهذا فالتعبير «من خوطب به» في هذا السياق.
المراكز العلمية لم تنتبه لأزمة علم اللغة القرآني التي أدت إلى أزمة معرفية وروحية أبعدت المجتمع عن معارف القرآن، خاصة مع انتشار علوم زائفة تلبس آيات قرآنية، ما دفع بعض الناس للابتعاد والآخرين للمعارضة.
إذا تعرف المجتمع على لغة القرآن، وانتشر الاقبال عليه، سينتشر الدين بطريقة علمية وروحية وعاطفية، ويفقد الدين المروّجون الجهلة، ويتصل الناس مباشرة بمضمون الدين العلمي والمعنوي، فتتكون «ولاية عامة» دينية.
لكن للأسف، مهجورية القرآن التي فرضت بعد حادثة سقيفة بني ساعدة، أدت إلى إهمال لغة الدين، وحل محلها لغة الخلفاء، ففقد المسلمون علاقتهم العلمية بلغة القرآن وتراجعوا. ونتيجة ذلك، صدق بعضهم أنهم يحتاجون إلى أولياء وأرباب لإدارة المجتمع، مع أن كل مسلم يجب أن يكون عالي العلم ليقود المجتمع بفضل موهبة قدسية تسمح له بالإبداع والنشاط الإيماني.
الولاية الدينية هي هداية عشاق واعين ومبدعين، وليست خضوع أعمى وتعصب جامد، وإذا لم تتوفر الموهبة الإلهية في قائد الولاية، فهو ليس شرعيًا بل استبداديًا، ولن يفتح له القرآن بابًا، ويبعد المجتمع عن القرآن ويقوده إلى الفساد.
الخلفاء الجور لم يكونوا إلا اسمًا للإسلام، وبدون علم حقيقي نشروا ظواهر دينية لصالح بقائهم، فانتشر الجهل والظاهرية في مدارسهم، وحوّلوا المجتمع إلى شعارات دينية فارغة.
من لا يعرف لغة القرآن العلمية، كيف يمكنه تعريف المجتمع بها؟
قال الشاعر:
كل من لا مرشده ضل كيف يهدى إلى الجنة الأموات؟
القرآن، كتاب جميع العلوم والمعرفة الربوبية، لا يكتمل إلا بلغة قرآنية مقدسة، تفتح أبواب القلوب والعقول، أما اللغات العادية فلا تقوى على حمل هذا العبء.
لغة القرآن لغة قلب وعقل، مع القرآن لا تخلو، بل تسمو، فهو يحرك العقل ويوقد النور.
لغة القرآن ميتة بلا علماء ومقدسين، والحضارة لا تبنى إلا عليهم.
مع الأسف، لقد بقيت الثقافة العلمية للقرآن الكريم ولغته مهمشةً لقرون طويلة. خلفاء القوة والطغاة إما لم يفهموا لغة القرآن الكريم، أو لم يرغبوا في أن تصل محتوياته التي ترفض الظلم وتتمتع بالروحانية والحرية إلى المجتمع، فشرعوا في تحريف مضامينه وتعاليمه. وللأسف، فإن اللغة العلمية للعلوم الإنسانية وحتى العلوم الإسلامية ليست لغة القرآن الكريم. اليوم، عند سماع الناس اسم الإمام الحسين (عليه السلام)، يتفجّر في قلوبهم الحزن والدموع، لكن عند ذكر اسم القرآن الكريم، لا يصيب بعضهم أي صدمة، بل إنهم أحياناً يقسمون باسمه، والذي من الناحية الفقهية لا يُعتبر قَسَمًا صحيحًا.
على المراكز العلمية أن تُنسّق وثيقة رؤية منظومة التعليم الخاصة بها مع نظام التعليم الديني، بشكل علمي ومنهجي وتصميمي، حتى يحمي المجتمع من كارثة التخلف الديني العامي ومن الدين الشعبوي. الدين العامي في المجتمع العلمي يؤدي إلى الانحراف عن الدين والكراهية له. الدين الشعبي والعرفي لا يستطيع مواجهة اللغة العلمية، ويشاهد المجتمع أن هناك أجيالاً تخرج من خراب هذا الدين العامي في كل حين. إذا استمر هذا الاتجاه، فلن يكون للمجتمع قبول تجاه دعاة الخبرة الدينية، بل سيشعر بالإحباط والاستياء منهم ويرفع راية العصيان ضدهم. لا يمكن للغة الدين أن تنافس اللغة العلمية السائدة وتظهر تفوقها ما لم تصبح علمية ومتوافقة مع المعايير القرآنية، وتبتعد عن اللغة العامية الشائعة في الخطب التي لا تعطي قيمة لأسلوب التدريس والحوار. وهذا الأمر مسؤولية أصحاب السلطة الذين يملكون الموارد البشرية والمالية اللازمة للبحث في هذا المجال، وهم من يقررون توزيع هذه الموارد.
إذا ابتعد الإسلام عن العامية والظاهرية، فإنه يستطيع أن يُربي أتباعًا مثل مقداد وسلمان، ويصل بهم إلى قمم الكمال، وإلا فإن الإسلام إذا وقع أسير الوجوه الشعبوية، فإنه يصنع التزييفات والتحريفات والخرافات، ويقود الجميع إلى كارثة الجهل والجهالة، وانحراف الدين، والكراهية له، والعنف.
لغة التأويل في ثقافة الوحي
لقد قلنا إن الخطوة الأولى لفهم القرآن الكريم هي معرفة لغة الوحي الخاتمي الخاصة، وهي لغة لا تحتمل الترجمة ولا تملك طرقًا متعددة للتفسير، بل يجب تعلم نسختها الأصلية بأسلوب القرآن نفسه، أي من خلال الألفة والرفقة وصفاء الباطن والسلوك الروحي.
لفهم لغة القرآن الكريم وإدراك المعارف والعلوم المتجذرة فيه، يجب معرفة “التأويل” القرآني. طريق الدخول إلى محتوى القرآن الغني هو التأويل، الذي له قطبان: الظاهر والباطن. الدليل في التأويل هو ظاهر ألفاظ القرآن الكريم، ولكل كلمة تأويل يفتح باب معرفة خاصًا بناءً على منظومة الكلمات وترتيبها في العبارة.
اللغة العلمية للقرآن الكريم لها ظاهر يُستمد منه التفسير، وله باطن يمكن الوصول إليه من خلال ذلك الظاهر. التفسير يستخرج من ظاهر ألفاظ القرآن ويحدوده، لذلك فهو محدود في تقديم العلم والمعرفة. يجب ملاحظة أن التفسير هو استخراج المعنى من ظاهر الألفاظ، وليس فرض مقولات العلوم الأخرى عليه. التفسير هو النظر في ظاهر القرآن، أما التأويل فهو النظر إلى باطنه ومحتواه. للتعرف على اللغة العلمية للقرآن الكريم، يجب معرفة التفسير، ولكن الأهم هو معرفة التأويل.
إذا ورد التفسير في القرآن مرة واحدة فقط، فإن المادة “أول” ومشتقاتها مثل “آل”، “أهل”، “يؤول”، “أولئك”، “أولو” و”تأويل”، التي كلها تدور حول معنى العودة إلى الحقيقة والاهتمام بالجذر والمحتوى بشكل خاص وملموس، وردت أكثر من أربعمائة مرة. وهذا يدل على الفرق الكبير بين نطاق المصدر العلمي والمعرفي للتأويل ومصدر التفسير.
مع الأسف، كما ذكرنا، فإن سيطرة الطبقية وأهل الظاهر على مصير المسلمين أدت إلى تهميش العلوم المعنوية والباطنية والمحتوى، ومنها تأويل القرآن الكريم. والنتيجة أنه حتى الآن لم يُبذل جهد كافٍ لفهم لغة التأويل القرآني ولم تُجرَ أبحاث مناسبة، في حين أن محتوى القرآن الكريم يمكن الوصول إليه من خلال التأويل. التأويل يتحدث عن طبقات باطنية في القرآن، باطن أغنى وألمع من ظاهره. التأويل هو الرجوع إلى المحتوى، والبحث عن سبب كل شيء وحكمته، ومعيار ظهوره.
التأويل مشتق من “أول” بمعنى الرجوع – رجوع خاص ومميز – أي العودة إلى الأصل والباطن من خلال ظاهر الألفاظ، كما أن “آل” تعني الرجوع إلى الجذر (النسب). “أول” مرتبط معنويًا بـ”عول” التي تعني الثقل، وهذا الثقل بسبب المسؤولية التي تقع على من يحضن شخصًا أو يحفظ شيئًا. التأويل أيضاً عمل شاق يتطلب قوة للوصول إلى الجذر والأصل.
التأويل هو وجه الباطن لكل ظاهرة، لكل شيء حقيقة، والرجوع إلى هذه الحقيقة من مسار معين يُسمى التأويل. التأويل يعني الرجوع إلى الأصل والجذر والحقيقة. تأويل القرآن الكريم هو الرجوع الخاص إلى حقيقة كل آية وباطنها من خلال الآية نفسها وظاهر لفظها؛ باطن مجرد وعقلي يمكن أن يمتلك دلالات متعددة ومتنوعة متعاقبة. الوصول إلى كل ذلك من خلال ظاهر الألفاظ هو التأويل.
لذا فإن لغة التأويل في القرآن الكريم لها جانب نفسي يمثل الرمز المكتوب والمادي للآيات، وجانب آخر يعبر عن تجرد عقلاني وتجلي عقلي. بناءً على ذلك، فإن المحتوى العلمي والمعرفي لباطن القرآن، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالظاهر، مما يمنحه منطق الفهم واللغة الواضحة. الاحترام العظيم الذي تحظى به ألفاظ القرآن – بحيث لا يمكن لمس أي كلمة منه بدون وضوء – يعود إلى ارتباطها بالحقيقة المجردة والباطن الروحي.
الوصول إلى باطن وحقيقة أي شيء يكون إمّا من خلال الشيء ذاته وثباته، أو من خلال باطن القرآن الكريم. في التأويل، نصل إلى الحقيقة والباطن لكل شيء عبر القرآن، لا عبر الشيء ذاته. الفرق بين هذين الباطنين هو أن لا بد من وجود الشيء حضورًا للوصول إلى باطنه وتأويله، لكن للوصول إلى التأويل والباطن عبر القرآن الكريم لا حاجة لوجود الشيء، فبالنظر إلى ظاهر الآية يمكن الوصول إلى باطن الشيء سواء حدث في الماضي كما في معرفة باطن الأنبياء، أو سيحدث في المستقبل.
التفكير في الله لا يُفضي إلا إلى الحيرة والاضطراب، إذ لا بد من الوصول إلى الله عبر القلب والوجد، بينما العقلانية تكون مثمرة عند تأمل الظواهر الكونية والمخلوقات: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
والتفكر كذلك هو ثمرة جهدٍ نقي، إذ لا يمكن لمن يمسك بلقمة حرامٍ ويده ملوثة بغصب أموال الناس أن يتوفر لديه أساس للتفكير. وقد ورد في الآية الكريمة أن الذكر يسبق التفكر، وأن تفكر الإنسان الذي يذكر الله يكون منتجاً وموصلًا إلى الحقائق:
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
ولا يوجد ما هو أعلم بذات الله ليكون وسيطاً لتعريفه وتنظيم نظام التفكير في هذا المجال.
كما أن كلمة «المعنى» التي ترتبط باللفظ لا وردت في القرآن الكريم، مما يدل على أن القرآن لا يهتم بالعلوم الأكاديمية أو المدرسية أو الاكتسابية. لذا، فإن الانشغال بالبيانات الذهنية المجردة وغير العملية والمعلومات المحفوظة – حتى لو كانت حفظ القرآن الكريم ذهنياً – لا يحث عليه القرآن.
يريد القرآن الكريم أن يدفع الإنسان نحو ميدان العمل والتجربة والتطور العملي، لا نحو متاهات الانشغال بالكلمات الأكاديمية المجردة والقضايا الذهنية التي لا تثمر نتيجة عملية. ومن هنا تكمن حكمة تجنب هذا الكتاب السماوي استخدام المصطلحات العلمية الشائعة بين العلماء، مع أنه يمكن لكل كلمة من كلمات القرآن أن تفتح لغة اصطلاحية لكل علم، كما بينّا في كتاب «علم الاستخارة».
على أي حال، الإهمال لشرط فهم أدب القرآن يُحدث اضطراباً في الفهم الديني. فاللغة الدينية لم تستطع حتى الآن وضع مبادئها وقواعدها بشكل مدوّن، ليتم فهمها بوعي وبالاهتمام بجذور اللغة ووضع الألفاظ الحكيم، والانتباه إلى تقارب المعاني بدعم من «الملكة القدسية». لهذا السبب بقيت اللغة الدينية محصورة في اللغة العادية المتداولة، وكانت استنباطات العلماء العاديين والظاهرين سطحية وقليلة القيمة العلمية، فلا يمكن اعتبارها علماً رغم تسميتها بالفقه أو الفلسفة أو التصوف.
هذا الحصر يعيق نمو وتطور العلوم الدينية والقرآنية، ويجعلها أسيرة البيانات التقليدية القديمة. والمثقف المحافظ الذي يلتزم بالتقاليد ويعتمد في بحثه العلمي على منهج ساذج وبسيط يكرر ويؤكد البيانات القديمة، وإلا يُعتبر مخرّباً ومنحرفاً. هذه المشكلة ليست محصورة في الحوزات العلمية فقط، بل تطال الجامعات أيضاً، ولكن الفرق أنهم يستوردون من الغرب أفكار القرنين الماضيين دون تحليل دقيق، ويكررونها بإذعان، بل ويقللون من شأن الفلسفة الغربية ذات العقلانية الدقيقة.
هذا الخراب جعل العلوم الإنسانية في الجامعات والعلوم الإسلامية في الحوزات مجرد رماد متطاير، تاركاً خلفه بناءً قديماً متصدعاً ومليئاً بالأمراض، والدليل أن عامة الناس الذين لا يتعاملون مع هذه العلوم يعيشون حياة أكثر صحة من المتعلمين الذين ملأوا عقولهم ببيانات خاطئة.
هذه الثقافة الخاطئة ليست نابعة فقط من نفوذ الاستعمار أو أعداء الخارج، بل هي من صنعنا نحن أنفسنا، ومشكلة جذرية في علم اللغة لدينا. وتتفاقم حين يهيمن المتشددون الأجانب غير الفاهمين للغة الدين المتخصصة على المؤسسات الحكومية، ويريدون سن القوانين على أساس فهمهم السطحي للدين، ويطالبون بشرعية يفهمونها بعقولهم الجافة، لا الشرعية التي توصل إليها العلماء الربانيون بالبحث الطويل والملكة القدسية.
عدم المعرفة بلغة الدين والبعد عن شروطها، وخاصة «الملكة القدسية»، يفقد الاستنباطات قيمتها العلمية، ولهذا لا يشتريها العالم ولا يتعامل معها. هذه الاستنباطات التي تشكل أساس الدين تعيق إنتاج العلم الصحيح، وتطيل الزمن الذي يجب أن تقطعه الحوزات والمراكز العلمية من سنوات إلى عقود، مما يجعل عبء إنتاج العلم ثقيلاً وبطيئاً ومكلفاً.
كل هذه الأضرار ناتجة عن جهل أبجدية لغة العلم الديني، بسبب سيطرة الأفراد العاديين والغرباء عن النور الرباني والملكة القدسية، وعزلة القلة المختارة والمتخصصة.
في العالم العلمي يجب التحدث بلغة العلم، ولا يمكن دفع باب العلم بالتضحيات الجماعية فقط. للتقدم العلمي، نحتاج إلى العبقري المفكر القادر على التعامل مع لغة العلم وإنتاج المعرفة بمساعدة النور الإلهي للملكة القدسية، وهو من يستطيع أن يكون محرك القوى الدافعة للعلوم الإنسانية.
لتقديم العلم، يجب معرفة اللغة العلمية السائدة والمعيارية والتحدث بها، لتكون مألوفة وجذابة لطلبة العلم، وتدعوهم إليه. امتلاك اللغة العلمية كامتلاك العملة الرسمية للدولة التي تنظم السوق.
لا يجب أن يكون العالم مديوناً مالياً للحكومة أو لأصحاب النفوذ، وإلا سيخضع العلم لخدمتهم. يجب أن يكون العلماء القديسون والمراكز العلمية دوماً في خدمة شعوبهم فقط، وهكذا يحفظون قدسية العلم ولغته.
لو جهزت الحوزات بلغة العلم الديني والمعيارية وأحيت قيمة الأساتذة القديسين، يمكنها أن تصبح من أهم مراكز إنتاج العلم في العالم، وتجذب العقول إليها. ولكن هذا العلم يحتاج لكي يزدهر إلى علم اللغة الأدبي والاشتقاق، فشجرة الأدب والاشتقاق تثمر لغة علمية متطورة تنقل للحوزات ومراكز العلوم الإنسانية لغة مهنية تشبه لغة المهندسين والأطباء.
إذا غابت الديناميكية عن العلم، يتحول العطاء الطيب إلى مستنقع.
قيم المجتمع وثقافته تعتمد على اللغة العلمية ومدى انتشارها وتأثيرها في البنى العالمية وتداخلها مع ثقافات أخرى. الثقافة واللغة لكي تكونا رائدتين يجب أن تتطورا وتواصلا تحديث مضمونهما.
هذه اللغة العلمية، بجانب متانتها في اللغة العادية، يجب أن تجذب طلبة العلم من مختلف الثقافات بلغاتهم الخاصة، مع تقدير أساتذة العلم القديسين.
قوة اللغة الدينية تنبع من عقول العباقرة وقلوب القديسين التي تمتلك لغة الدين والوحي، وهي أيضاً القوة الحقيقية للغة الشعبية.
اتساع اللغة الدينية وعظمتها وقيمتها تعتمد على عقول العباقرة وقلوب القديسين، كما في اللغات غير الوحيّة مثل الفارسية التي كانت عباقرة مثل حافظ وسعدي هم قلبها النابض وجعلوا منها لغة رفيعة عالميّة.
العالم يعرف اللغة الفارسية بفضل عباقرتها، وهؤلاء هم الذين صنعوا الأمثال والحكم، ورفعوا المستوى العلمي لشعبهم، وجعلوا مجتمعهم كبيراً محترماً، وجذبوا ثقافات أخرى إلى فلسفتهم وتقنيتهم وصناعتهم.
صحيحٌ أنَّ المحبوبين يمتلكون العلم والمعرفة كموهبة، ولكن في مقابل هذه الموهبة يجب أن يُفدّوا وجودهم وأنفسهم. فعلى كلِّ رؤيةٍ ووصولٍ ومعرفةٍ ووعيٍ يَحصلون عليه، عليهم أن يقدّموا هديةً ويُخرِجوا جزءاً من ذواتهم. إنهم يخدمون أولياء الله، ويرحَمون المحتاجين، ويأخذون تضحيات من المحيطين بهم، ويُصابون بالمحن. كلُّ هذه الابتلاءات هي في واقع الأمر «احتياج» في سبيل إقامة صلاة القربى، وأشدُّ وأثقل وأسمى من الصلاة والاحتياج هو طاقتهم على الاحتمال والصبر. وقد شرحنا هذه الثلاثة في كتابنا «علم الذكر». أولياء الله هؤلاء لهم مدادٌ يفوق دماء الشهداء في سبيل الفضيلة.
المحبوبون يمتلكون علومًا كثيرةً كهبة، لكن نظامهم التعليمي لا يقوم على تحويل المفهوم إلى مفهوم، بل لديهم القدرة على تحويل المصداق إلى مفهوم، والأكثر من ذلك، سلطة التعليم من مصداق إلى مصداق. منهج الأنبياء الإلهيين هو منهج القوة الداخلية والقرب الربوبي، ومنهج تحويل المصداق إلى مصداق. فكل مصداق يستقر في فطرة الإنسان ينتج عنه علم ومعرفة بالقدر ذاته. في منهج المصداق إلى المصداق، يُفدي الفرد وجوده من أجل معتقداته، ويجد القدرة على الإيثار والتجاوز؛ على العكس من النظام الطبقي القائم على مفهوم إلى مفهوم، حيث يسعى الجميع للهروب من التكاليف حفاظاً على مصالحهم، ولا يدفع أحد ثمن حفظ الدين والمعتقدات، بل يفرضون أعباءً كثيرة على بيت المال والصدقات. وإذا أُضيف إلى الجمود الروحي اضطراب نفسي، خصوصاً عقدة الدونية، فذلك يكون كارثياً.
لقد تحدثنا بالتفصيل عن واجبات منهج تحويل المصداق إلى المصداق في كتاب «علم السلوك المعنوي»، وتطبق تلك المسائل هنا كذلك. نعتبر الدراسة الدقيقة لهذا الكتاب من متطلبات التأويل الأساسية.
على كل حال، يقوم ثبات الدين وسلامة طريقه بضمان أولياء الله الحقيقيين والشاملين للدين. ولن تصل الأمة الإسلامية إلى معين العلوم القرآنية الحقيقية إلا إذا ميّزت أولاً أولياء الدين الحقيقيين بالمعيار، عن الدعاة الخاويين المحتوى.
المعارف الولائية في القرآن الكريم تعتمد على الأستاذ، وأستاذ الولاية هو عمود خيمة الدين. تتفتح كلمات القرآن بنقاء نور ولاية الأستاذ الربوبي، وتلهم معارفها؛ معارف وعلوم يمكن أن تكون معلوماتية أو قوةً، تجعل صاحبه ذا قوة محتوى متصلة بنفسه، لا تقبل الاختراق ولا الاختراق، رغم أن أصحاب هذه العلوم دائماً ما يتعرضون لهجمات الطبقيين والإهانة والتشهير.
إذا لم يتحقق اتصال المراكز العلمية بمحيط المحتوى العلمي القرآني عبر التعرف على حقيقة لغة القرآن، فإن تسارع نمو العلوم الطبيعية يتوسع بحيث يسخر من بيانات الطبقيين والمعرفة المعلوماتية المنبثقة من الواقع، ويدفعها نحو الانقراض. لا يمكن لأي سلطة أو مال أو دعاية شعبوية أن تمنع هذا الانحسار. سبب هذه المشكلة أن هؤلاء جعلوا عقولهم اليابسة وقلوبهم المتجمدة إمام القرآن الكريم، لا القرآن الكريم إمامهم. هؤلاء يعانون من مرض نفسي يتمثل في حساسية مفرطة تجاه الظواهر الواقعية وليس الدينية، وتشدد بلا معيار. كانوا يظنون أن مرضهم النفسي هو تدين واجتهاد، بينما اجتهادهم الأسير لحساسيتهم النفسية أبعدهم عن مدار الدين، وجعلهم في دين ميلي ومزاجي مرتبط بشذوذات باطنية، وهو تحريف للدين الإلهي. إن حساسية الطبقيين الميليّة أحدثت أكبر أضرار في الدين. لذلك فإن العالم المصاب بهذا النوع من الحساسية له اجتهاد عقيم وغير شرعي.
إذا ما تسلم هؤلاء زمام التولّي الديني والمجتمعي، سيغلقون بحر المعارف القرآنية في التأويل والتفسير، ويحجبون الحرية العلمية عن العلماء والأولياء، ويمنعونهم من فرص التفكير والإبداع، ويخلقون بالطبقية والعصبية والعنف والقسوة والاستبداد مجتمعاً مقيداً.
اليوم، تعاني الأمة الإسلامية المليارية من نقص في العلوم بسبب هيمنة الطبقيين المحبوسين في ظواهر الدين، وبُعدهم عن ثقافة القرآن الكريم، وركونهم إلى نظريات سطحية لا تتجاوز ظاهر الواقع، مما أدى إلى ضعف مالي واقتصادي وأخلاقي، وافتقار إلى المعرفة والروحانية، ما جعلهم فريسة للاقتصاديين وأصحاب السلطة والسياسة العالميين، وتحولوا إلى ضعف وعزلة، وعانوا من طغاة ملونين من الاستبداد والظلم، وهم من يدّعون حل مشاكل حقوق الإنسان.
سيطرة الظاهرين المحبوسين في ظاهر الواقع ومنقطعين عن حقيقة الدين جعلت العلوم الإسلامية في الفقه والفلسفة والمنقول والمعقول لعبة بمفاهيم جافة ومجردة، منفصلة عن الواقع، ما جعل العلماء الطبيعيين ينظرون إليهم على أنهم خرافة، رغم أنهم يمتلكون بحراً لا نهاية له من علوم القرآن وهدي الوحي الخاتمي.
إنتاج العلم من القرآن ممكن في كل العلوم، وله طرق تعليمية واكتسابية، شرط أن يُتخلَّص من الطبقية والشعبوية، ويُتبع منهج أولياء الله في استخدام القرآن؛ أي طريق سلوك صفاء الباطن وحرية الروح والانس والعشق بالقرآن، ويتقبلوا أولياء الله الحقيقيين، بحيث يسود حب المعرفة والوعي لا العواطف العمياء، فتسود الرحمة بدل العنف، ويسعى الجميع للحقيقة نسبياً لا لظاهر الواقع.
للسير في لغة القرآن الكريم، يجب أن يكون الله معلمًا ومرشدًا، كما يقول تعالى: (وكذلك يختبِيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث).
العناية الإلهية تجعل علوم القرآن عِلماً مَختاراً ومنتقى من الله. لغة القرآن تعتمد على الأستاذ، وهو الله أو أولياء الله، كما في قوله تعالى: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً).
لغة القرآن لغة حب وصفاء وروحانية وقوة داخلية وسير في العمق، ولا يمكن تحقيق علومه بالتعليم البشري العادي الذي لا يتجاوز الظاهر.
لغة القرآن تُعلَّم في مدرسة إلهية وفي حضرة الرب، وليس في مدارس أساتذتها متحجرون جامدون قساة. يقول الله: (واتقوا الله ويعلمكم الله)، تعليل واختيار لمن يريد أن يتعلم، فيجب أن يسلك طريق صفاء النفس وطهارة الروح.
على المجتمع أن يصل إلى مستوى يؤهله للحضور المباشر في دروس الرب ليخرج القرآن من عزلته في المفاهيم الجافة والطبقية التي تحيط به، وتفتح له أبواب العلوم المتنوعة. ولا بد من طهارة نفسية وغذاء حلال ونطفة طاهرة.
وللبحث في علوم القرآن لا بد من قدرة مالية وحس بعدم الاحتياج، لأن الاستعمار جعل الفقر هدفاً سياسياً لمنع نمو المسلمين.
الفقر سبب للجهل والبعد عن ثقافة القرآن، والفقير ضعيف مستسلم، لا يمتلك حرارة ونشاط الحياة اللازمة للتحرك سواء أفقياً أو عمقاً.
للأسف، ما نُشِر حتى الآن من علوم قرآنية هو مفاهيم طبقية من ظاهر الواقع ومنفصلة عن حقيقة القرآن، مما يجعل الأمة تملك قرآناً كالذي كان في حرب صفين على الرماح، مجرد عنوان وليس محتوى.
ومن لم يصادق القرآن ويألفه، يظل حائراً في ظلمات العلم المزيف والقشري، وسيعاني كما يعاني يعقوب من الألم، كما في قوله تعالى: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وأبيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم).
والرسول الخاتم تعرّض لذلك بقوله: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا).
الخطر الأكبر في تهميش القرآن يقع على عاتق خواص الأمة وحُماة اللغة والثقافة القرآنية، الذين لم يمتلكوا القوة الروحية والتجربة العملية، وحاولوا إدارة المجتمع بمفاهيم أكاديمية جافة لا تعبر عن عشق القرآن، فكانت أكبر الضربات للدين والروحانية، فأصبح العلم الأكاديمي المقصود منقطعاً عن العلم الإلهي ويعتبره خرافة.
الأدب القرآني يحتاج إلى معلم، فالمدرب هو الذي يربي الإنسان حكيمًا ويمنحه حكمة القرآن، بحيث يضع كل شيء في موضعه ويملك القدرة على التمييز والاقتراب والتعامل العملي مع كل ظاهرة.
هناك من يعانون اضطراباً لأنهم لا يقبلون المعلم الإلهي ولا يقربون الأستاذ الربوبي لحضور القرآن، كما في قوله تعالى: (والكتاب المبين إنّا أنزلناه في ليلة مباركة…).
من يرفض المعلم يُشبه الدخان المتصاعد الذي يضل ويموت في شكوكه، ونتيجة ذلك أن يُأتي يوم يملأ السماء دخان مبين. والقرن الحاضر، عصر الغيبة والغرباء من الأولياء والمرشدين، هو عصر النار والدخان.
من يعادي المعلم السماوي ويتجاهل القرآن، عليه غضب الله: (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولّوا عنه وقالوا رجل مسحور).
ولكن أمل الأمة في رجوعها إلى المنهج الربوبي، والقدرة على التمييز بين الدراويش الحقيقيين والدجالين، وبين المعرفة الحقيقية والمعرفة الزائفة.
هكذا يكون القرآن الكريم في الحقيقة كأس عوالم شاملة، ومجسّدها لا يقتصر على النظام الكوني فحسب، بل يشمل جميع ظواهر الوجود وكذلك الحق سبحانه وتعالى. ويمكن تشبيه القرآن الكريم بالحاسوب العملاق ذي البرنامج المتقدم جدًا الذي يتيح لجميع المستخدمين النقيين المعرفة والعلم، ولكن لابد من اكتساب معرفة كيفية استخدام هذا البرنامج المعقد للغاية. علم التفسير والتأويل يمكنه تشغيل هذا النظام وفك شفرة برمجته، مع الفرق أن رموزه، بالإضافة إلى التخصص في العلوم ذات الصلة، تتطلب أيضاً التآلف الروحي والقرب المعنوي وطهارة النفس.
يقول تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[81]. يجب أن نبحث عن حقائق كل الظواهر وحق الله تعالى في ألفاظ هذا الكتاب المكتوب، تلك الألفاظ التي ليست منفصلة عن حقيقة القرآن الكريم، بل مرتبطة به وتلعب دور الحكاية والهداية إليه؛ ولكن لا يصل إلى الباطن المجرد إلا من تحلّى بالمعرفة المقدمة، وبلغ صفاء النفس وطهارة الروح، فتآلف مع القرآن الكريم بصدق.
علم التأويل يرشد الإنسان إلى رؤية الظواهر الحسية، ويجسد له معنى كل آية، ويحفّزه على السير ورؤية الباطن، ويمنحه السلوك والقرب من الكريم الإلهي. وعلى هذا الأساس، يمكن تعريف التأويل بأنه: «الطريق الذي ينفذ من خلاله النفس الصافية إلى باطن القرآن الكريم، واستحضار كل ظاهرة ومعنى عبر الانتباه إلى ظاهر الكلمات الخاصة المرتبطة بها؛ بطريقة منهجية وعلمية وبمساعدة ملكة مقدسة أو بتقليد نقي لصاحبها».
هذا التعريف يوضح الفرق بين التأويل والتفسير، إذ إن المفسر لا يتجاوز ظاهر الكلمات، ويسعى إلى كشف الأسئلة والأجوبة الكامنة في ظواهر الألفاظ.
الإلمام بلغة التأويل يتطلب استقراراً راسخاً. يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[82]. نظام الرسوخ هو نظام الأنس، المحبة والعشق. للوصول إلى الرسوخ، يجب التآلف مع كل آية، واكتشاف حقيقتها وباطنها من خلال ذات الآية وبواسطة الأنس بها، وليس عبر آيات أو فقرات أخرى. وللوصول إلى باطن الآية، يجب إرضاء ورضا ذات الآية والكتاب الإلهي ككل، الذي لغة تأويله واضحة وجلية، لكي تصبح محرم أسراره. في هذه الحالة، يجد المتآنس القرآن الكريم عربياً مبيناً.
القرآن الكريم، كلام الله الخالص، خزينة الأسرار الإلهية، الحافظ لحرم القداسة، والستر المحجوب لذات الربوبية، هو قابل للوصول بالصفاء والصدق والألفة والقرب، لا بمجرد الدراسة والبحث فيه، رغم أن هذا من شروط التواصل والانس والقرب، لكنه ليس شرطاً كافياً. وقد شرحنا كيفية ذلك في الجزء الأول من «تفسير هدى».
من المبادئ المهمة جداً في معرفة لغة التأويل، أن ظاهر القرآن الكريم يكون الإمام للطريق للراسخين في العلم. تأويل الآيات للعثور على الباطن والوصول إلى حقائق العالم والمعارف الواقعية، له قواعد ومنهجية، وإلا فإن تجاهل قواعد التأويل يؤدي إلى الانحراف والضلال، ويتعارض مع الأنس الصادق مع القرآن الكريم والرسوخ، الذي هو شرط أساسي للتأويل.
ونظراً لأن أكمل نموذج للراسخين في العلم هم حضرات المعصومين عليهم السلام، فإن إطلاق وصف «راسخون في العلم» عليهم يدل على تمام الاطلاق وكمال المرتبة والعظمة، وليس معناه أن الطريق مغلق لأهل المعرفة غير المعصومين، ولكنهم لا يتجاوزون المنهج المنظم لهذا العلم، ويأخذون في الاعتبار احترام حرمة أولياء الله الأعظمين، مما يعني أن استنتاجاتهم قد تحتوي على نقص، فلا يمكن النظر إلى تأويلاتهم بجزم واستقلالية مطلقة، بل يجب السير في هذا الطريق الصعب بعلم منهجي منقح متطور، ليستفيد البشر في مسيرتهم نحو الكمال، والمسار المقصود هو طريق التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
كل محتوى القرآن الكريم له مرجع وأصل يعتبر حقيقة وتأويلاً، وهو كلمة الطيبة «الله»: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾[83]. «الله» هو حقيقة ومرجع جميع المعارف والحقائق. وإذا كان التأويل هو الرسوخ في عمق الحقيقة، فالله هو ذات الوجود وكل الحقيقة. كما يُقال في العلوم الطبيعية إن كل الماء يتجه نحو البحر، كذلك كل درجات التأويل تصل في النهاية إلى أعمق طبقة مستقلة وهي ذات الوجود، وكل ظواهر الوجود تعود إليه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[84]. ومن هذه الناحية، كل الظواهر جميلة ومستحسنة، رغم أن أفعالها تحكم بالخير أو الشر. هذه العبارة هي التأويل النهائي لمحتوى القرآن الكريم.
لذا فإن الطريق والمسار مفتوحان أمام الراسخين حتى أعماق الحقيقة وذات الوجود، ولا وجود لخط أحمر أو نطاق ممنوع أو جدار عالٍ أو زقاق مسدود في الوجود. ومع ذلك، في هذا المسار الحر، ليس من المتصور أن تكون الغوص في أعماق الوجود خالية من المخاطر أو المحن. فعبور هذا الطريق ينزع عن الإنسان كل التحديدات والارتباطات، ويفصل عنه حيًّا، من عموده الفقري إلى أدق تفاصيل هيكله العظمي، بدون فقدان الإحساس، ليبلغ القرب الذي يتحقق له مع الحقيقة، فلا يعود له أي نغمة أو قدم ثابتة، ويدفع ثمن معرفته وخلوته مع سر الوجود والحب والعشق بهذا التفتت والتمزق.
ومن هذا المنطلق، يمكن استخلاص نتيجة مهمة، وهي أن لغة القرآن الكريم ثقافة حرة تشمل كل شيء. هذه اللغة لا تعرف أي زقاق مسدود، وتجيب عن كل سؤال، وتهدي كل سائر إلى كماله الخاص، ليس هداية سطحية، بل هداية حقيقية وحسية ونقلية، ترافق السائر خطوة بخطوة في كل مرحلة وفي كل مسار حتى مقام الذات المستقلة والخالية من التحديد في الوجود. هذه هي عظمة محتوى القرآن الكريم التي تميزه عن سائر الكتب السماوية. وللأسف، فإن إهمال هذا المحتوى اللامحدود والحر، يعود إلى عائق خارجي يتمثل في «غلبة الطائفية والظاهرية المفرطة التي تفتقر إلى المعيار والقواعد». هذه الظاهرية حولت الدين الحر والولاية الكلية والسعي اللامحدود لأهل العصمة إلى قيود ومحددات مزاجية وأفكار دغمائية وميله إلى التنفير من الدين وأحياناً إلى الصراع.
على أي حال، فإن ما نود قوله هو أن المحتوى الغني واللامحدود للقرآن الكريم – الذي هو هوية الوجود وكل ظواهره، ويشمل جميع العلوم والمعارف – لا يُفتح بابه إلا بالمعرفة بالتأويل. لغة العلم في القرآن الكريم تحتاج إلى وعي بالتأويل المبني على التمكن والغوص العميق في القرآن الكريم في ضوء المودّة الصادقة والرفقة الحقيقية، وبمساعدة ملكة موهوبة قدسية أو تقليد لمن يملك هذه الملكة. فالقرآن الكريم يعتبر التأويل موهبة إلهية للمنتخبين من الربوبية، ويعرّف معلم التأويل بالله تعالى ويقول:
(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) [النجم: 6].
للتأويل مراتب كثيرة، بعضها ثقيل للغاية لدرجة أن حتى الأنبياء أصحاب العزم لا يمتلكونه، بل عليهم أن يتلقوه من صاحب التأويل؛ كما ورد في خطاب الله لموسى عليه السلام: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [طه: 17].
لغة التفسير
تتضمن معرفة لغة القرآن الكريم ثلاثة مجالات: التفسير، التأويل، والتحريف.
وقد قيل في علم الدلالة عن التفسير: «الفسر إظهار المعنى المعقول، والتفسير المبالغة في الإظهار».
ومعنى التفسير في القرآن الكريم يرد في الآيات التالية:
(وَقَالَ الرَّسُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ، وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً. كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا. وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الإسراء: 45-49].
وقد ورد استعمال كلمة «تفسير» في القرآن الكريم في هذه الآيات فقط، وهو دليل على وحدة أسلوب الله في التفسير، وأن له نظامًا منهجيًا موحدًا، وهو ما لا يتوافق مع مفهوم «طرق التفسير المتعددة» التي لا تتماشى مع ثقافة القرآن الكريم.
تبدأ هذه الآيات من ألم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إهمال القرآن الكريم، أي أن قليلاً من الناس كانوا يصدقون هذا الكتاب اللامحدود في العلم والوحي، وقد تعرض للكثير من الشبهات من الأعداء والمعاندين. فخاطب الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مطمئنًا إياه بأن لكل نبيٍ مثل هذا المصير، لكنه يكفيه أن الله هو الهادي والناصر، ولا يمكن لأي شك أن يشوش على حقانية القرآن ووحيه الخاتم.
ثم يرد على شبهتهم التي تقول: لماذا لم ينزل القرآن كله دفعة واحدة، كما نزلت الصحف على إبراهيم عليه السلام، والتوراة على موسى عليه السلام، والزبور على داوود عليه السلام؟
الجواب جاء في قوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، أي: نزل القرآن تدريجياً اتصالياً حتى يستقر في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدريجياً. وهذا الوحي مستمر، كما دل عليه لفظ (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) الذي يدل على حسن الترتيب والتواصل وعدم الانقطاع.
وهذا ردّ لطيف لا يثير غضب الخصم، بل يقبل دعواه أولاً ليكسبه ثم ينقدها بلطف وحنكة.
وهذا التدريج الاتصالي يقتضي الاطمئنان والتؤدة والابتعاد عن العجلة، كما يتضح من قوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ).
ويجب التمييز بين فعليّة الوحي وتقسيم نزوله وفقًا للموضوعات وظروف النزول والأسئلة التي تطرح.
الفعليّة تعني أن الوحي قائم ومستمر، لكن نزوله يتوقف على الموضوع والسؤال.
دليل ذلك قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) [القى: 3].
وفي الآية الأخيرة يقول تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الإسراء: 89]، حيث يعرض الله معنى التفسير بأنّه كشف السؤال والإجابة من داخل نصوص القرآن، والمفسر هو الذي يعرف الأسئلة ويبحث عن إجاباتها التي قد تكون متجاورة أو منفصلة في مواضع أخرى.
«اللفظ» في الأصل هو ياء ناقصة تم تطبيق قاعدة الإعلال عليه، فحُذفت الياء وحُلَّت التاء محلها. وقد قيل عن «اللغط» إنه الصوت والهمهمة المبهمة وغير المفهومة، لكن عدم الفهم فيها مُتعمَّد. وأما «اللقط» فهو كل ما وقع على الأرض ويمكن التقاطه بدون عناء أو جهد فكري. ومن ثم، فإن هذه الألفاظ الثلاثة متقاربة في المعنى. يقول صاحب “مقاييس اللغة”: «لغى بالأمر إذا لهج به، ويقال إن اشتقاق اللغة منه؛ أي يلهج صاحبها بها»[108].
أما المعنى الأصلي للفظ «لغت» فهو «الإلقاء مع الإرادة»، وهنا إرادة الإظهار والإفصاح عما في الباطن، وهي إرادة متأثرة بثقافة القوم، ومخصصة لمقام الاستعمال؛ إلقاء يؤدي إلى تمكُّن القارئ المستهدف من استيعاب المقصود. وعلى هذا الأساس، فإن لفظة «لغت» تحوي عدة خصائص: الإلقاء، القوة الظاهرة اللازمة لذلك، القدرة على نقل المقصود (المعنى)، ارتباطها بمقام الاستعمال لا الوضع، وكونها قومية (حاملة لثقافة عامة). كما ورد في بعض كتب اللغة: «اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»[109] أو «اللغة: بضم اللام، فتحها، جمع لغات ولغى، أصوات وكلمات متعارفة يعبر بها كل قوم عن أغراضهم = Language»[110].
السبب الذي جعل من الأداة الناقلة للمعنى والأفكار الذهنية تُسمى «لغت» هو وضوحها وجلاءها في نقل ثقافة القوم، وهو ما يطلق عليه «لهجة» و«لغة»، والمعنى هو المنطق (أي إظهار الباطن ظاهراً) في الكلام – خاصة في مقام الاستعمال – وهو من خصائصه الفصاحة والبلاغة التي تهدف إلى التعبير الدقيق والواضح عن محتويات الكاتب ومراده، بهدف جذب انتباه المتلقي لترسيخ المعنى في باطنه، ذلك المعنى الذي يقصده القائل ويسعى إليه. علماً بأن «النطق» يعني الكلام لإثبات الذات، وهدفه هو «إظهار الكلام من الإنسان» و«إثبات الذات» فيه.
إنّ اللّفظة «لغت» إذاً، كما سبق، تعني الإلقاء المُتعمَّد، المرافق له وضوح وقوة في التعبير، بحيث يتمكن المتلقي من فهم المقصود بدقة، وهذا الإلقاء يختلف عن «النطق» الذي هو مجرد إصدار صوت للكلام بغرض إثبات الذات، دون بالضرورة تحقيق وضوح المعنى أو التأثير المقصود.
ويأتي هنا التمييز بين «اللغة» و«الخطاب»، فاللغة هي الأداة أو الوسيلة التي يستخدمها القوم للتعبير عن أغراضهم، وتتضمن الأصوات والكلمات والقواعد، أما الخطاب فهو الشكل التطبيقي للغة في سياقات معينة، يحمل رسالة معينة يراد إيصالها. ومن ثم فإن اللغة ليست مجرد أصوات، بل منظومة ثقافية حاملة لمعاني عميقة، تعكس تفكير وثقافة القوم الذين يستخدمونها.
وقد أكد العلماء واللغويون أن «اللغة» ليست مجرد وسيلة للتواصل بل هي أيضاً نظام معقد من الرموز والمعاني التي تتشكل في ذهن الإنسان وتتفاعل معه في حياته الفكرية والاجتماعية. فهي بمثابة أداة التفكير والتأثير، وفي الوقت ذاته أداة التأريخ والتوثيق للحضارة.
وهذا ما يجعل من «الإلقاء اللغوي» فناً قائماً بذاته، يتطلب مهارة في ضبط الألفاظ، قوة في التعبير، وذكاءً في اختيار المفردات والعبارات التي تُسهم في إيصال الرسالة بشكل فاعل، وذلك لتحقيق التأثير المرجو على المتلقي.
وأخيراً، فإن دراسة اللغة من هذا المنظور تفتح آفاقاً واسعة لفهم كيف يمكن للغة أن تكون أكثر من مجرد كلمات، بل جسراً ثقافياً يعبر عبر الزمن، ناقلاً أفكاراً وتجارب إنسانية، ومعبراً عن هوية الشعوب وروحها.
ومن الجدير بالذكر أن دراسة اللغة من منظورها الوظيفي والثقافي تقتضي النظر إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة والمجتمع، حيث لا تعمل اللغة بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي تنمو فيها وتستخدمها. فاللغة ليست مجرد نظام من الرموز بل هي وسيلة تعبير عن القيم والمعتقدات والتقاليد التي يحملها المجتمع.
كما أن اللغة تتطور وتتغير تبعاً للتغيرات التي تطرأ على المجتمع نفسه، ما يجعلها مرآة تعكس التبدلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. ولهذا السبب فإن دراسة اللغة تتطلب فهماً عميقاً لسياق استخدامها، وكذلك للغايات التي يهدف إليها المتكلمون.
ولا بد من الإشارة هنا إلى الدور الأساسي الذي يلعبه «الإلقاء» في تحقيق التواصل الفعّال، حيث إن فن الإلقاء يعتمد على مهارات لغوية وفنية تمكن المتحدث من توصيل أفكاره بوضوح وبأسلوب مؤثر، وهو ما يعزز من فاعلية اللغة كأداة للتواصل.
وعلى المستوى الأكاديمي، فإن اللغة تُدرس من خلال عدة فروع تشمل اللسانيات، التي تهتم بدراسة بنية اللغة وصوتياتها وقواعدها، وعلم الاجتماع اللغوي الذي يبحث في العلاقة بين اللغة والمجتمع، وعلم النفس اللغوي الذي يدرس كيفية اكتساب اللغة واستخدامها من قبل الأفراد.
وفي النهاية، فإن فهم اللغة باعتبارها نظاماً معقداً يتطلب التداخل بين هذه التخصصات المختلفة، بحيث يُنظر إليها كظاهرة إنسانية متعددة الأبعاد، تجمع بين البعد الثقافي والاجتماعي والمعرفي.
إنّ تَعَلُّمَ ما هو ظاهرٌ ممكنٌ باتِّباعِ المسارِ الذي سارَ فيه العلماءُ. وكذلك الوصولُ إلى ختامِ ما يحتوي على ضميرٍ وإشارةٍ يتأتّى بتتبعِ خيوطِه، ولا يُعتبر ذلك عملاً شاقاً، ولا يتجاوزُ حدودَ الذاكرةِ والمعرفةِ ليكون مقياسَ تفوُّقِ العلماء، بل إنّ اكتشافَ ما ليس ظاهراً ولا يحملُ علامةً هو إنتاجُ العلمِ والابتكارُ وميزانُ تقييمِ مَقامِ العلماء.
إنّ “التصوّرات” هي ذاتُها “المعلومات” وجمعٌ وتأليفٌ لبياناتِ الآخرين، ولا تولدُ الاجتهادَ ولا العلمَ، بل الاجتهادُ هو إنتاجُ واستخراجُ “التصديقات”. الابتكارُ والإبداعُ والإنشاءُ تقعُ ضمنَ دائرةِ الأمورِ التصديقية.
هذا البيانُ يؤكّدُ ضرورةَ الاجتهادِ وكشفَ ما هو خفيٌّ لا علامةَ له. كما أن قواعدَ وأصولَ العلوم الأدبيةِ تندرجُ ضمنَ هذا السياقِ ويجبُ بالجهدِ والتفكيرِ المنطقيّ أن يُرفعَ رايةُ هذا العلمِ عاليًا، وأن تُستخرجَ تصديقاتُه.
وفي بدايةِ هذا النصِّ، يضعُ أميرُ المؤمنين سبعةَ أصولٍ للغةِ العربيةِ على الكلامِ. ويجدرُ بالذكرِ أن العلومَ الأدبيةَ لم تكن آنذاك مُفصَّلةً، ولاحقًا عُطيت أسماءٌ لكل فرعٍ منها، كأنّ “علم النحو” مثلاً أُطلقَ على دراسةِ إعرابِ الكلام.
وقد وردَ في التعريف: الكلمةُ هي أساسُ الكلام. والكلامُ هو مجموعةُ كلماتٍ تُكوّنُ عبارةً كاملةً وجملةً تامّةً يمكنُ السكوتُ عنها، أي لا ينتظرُ السامعُ استمرارَها. ويمكنُ تعريفُها بأنّها “اللفظُ المركبُ المفيدُ بالوضعِ التعييني”.
وبناءً على الفرقِ بين “الكلمة” و”اللفظ”، يلزمُ إدراجُ القيدِ “بالوضعِ التعييني” في التعريف، ليُجنبَ المعاني العاميّةَ والعرفيّة التي تُستخدمُ في المحادثةِ والتي تُعطى للكلمةِ وضعًا تعيينيًّا.
الكلمةُ إمّا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ. والاسمُ في التعليمِ هو الأصلُ بين أقسامِ الكلمةِ، وإنّما من الناحيةِ الفلسفيةِ فإن الفعل المضارع هو الأصلُ في الكلام. الاسمُ يحملُ معنىً ثابتًا ودائمًا، وهو “حاكٍ” وموثّقٌ لمعنى مستقلّ. المُسمّى أو المعنّى هو المعنى المُبلَّغ. قواعدُ اشتقاقِ الأفعالِ والحروفِ محدودةٌ ومحصورةٌ، على عكسِ الاسمِ الذي له مرونةٌ كبيرةٌ ويأخذُ معانٍ مختلفةً حسبَ السياقِ. ومن هنا فإنّ أهمّ مهمةٍ لعلمِ الاشتقاقِ هي إيجادُ أصلِ معاني الأسماءِ، وأهميّةُ الاشتقاقِ تعودُ إلى ذلك.
في علمِ الاشتقاق، رغم أن لكل اسمٍ طريقًا خاصًا لمعناه، إلا أن هذا العلم ليس خاليًا من قواعد عامةٍ تُرشد إلى كيفيةِ الاقترابِ من المجال، والتكرارُ والممارسةُ في الأمورِ العامةِ تفتحُ الطريقَ لاكتشافِ الجزئياتِ والخاصةِ منها. لذلك يجبُ القولُ إنّ التصريفَ متعلقٌ بالعلمِ التصريفيِّ بشكلٍ كبيرٍ، ولهذا فإنّ تصريفَ الأفعالِ كثيرةٌ، حيث يكونُ للفعلِ أربعَ عشرةَ صيغةً، في حين أن الاسمَ يُصرفُ في حالاتٍ قليلة. وبما أنّ علم التصريف يناقشُ تغيّرَ الهيئةِ والاختلافَ في المعنى بشكلٍ واسع، فإنّ مناقشةَ الأسماءِ فيه محدودةٌ، على عكسِ ذلك في علمِ الاشتقاقِ، حيثُ التغييرُ والتصرفُ في الأسماءِ كثيرٌ جدًا. اشتقاقُ الأفعالِ قليلٌ ومحدودٌ وفقًا لقواعدَ ونظامٍ وقياس، بينما معظمُ نقاشاتِ الاشتقاقِ تتعلقُ بتقويةِ القدرةِ على اكتشافِ مادةِ الاسمِ ومحتواه.
الاشتقاقُ في الأسماءِ يُسببُ اختلافًا في المادةِ والمعنى، وهو اشتقاقٌ معنوي. في الاشتقاقِ الاسمي، قد يبتعدُ معنى الاسمِ الثاني كثيرًا عن معنى الاسمِ الأول حتى يتباين معه. الوصولُ إلى القربِ المعنوي الناتج من الاشتقاقِ الاسمي عملٌ شاقّ. الاشتقاقُ في صورِ الأسماءِ محدودٌ جدًا، ومعظمُ المشتقاتِ الاسميةِ هي اشتقاقاتُ معنوية.
ونظرًا لأنّ نقاشاتَ الأفعالِ محصورةٌ وقليلةٌ ولها قواعدٌ وقياساتٌ، فمن المنطقي أن يُقدّمَ نقاشُ الاشتقاقِ الفعليّ، وأن يُتبعَ لاحقًا بنقاشٍ مستقلٍّ عن الاشتقاقِ الاسميّ، ليُكتسبَ فهمٌ لقواعدِ العلاقاتِ بين الأسماءِ ومعانيها. مع أن لكل اسمٍ طريقًا خاصًا لفهمِه، والاعتمادُ على القواعدِ القياسيةِ العامةِ فيه محدودٌ، إلا أن العادةَ الذهنيةَ على اكتشافِ هذه العلاقاتِ تعزّز القدرةَ على تخمينِ أصلِها.
الاشتقاقُ في الاسم له وجهان: الوجهُ الأول صورِيٌ وماديّ يُسمّى الاشتقاقَ الصرفي، ويعنى بالمادةِ والحروفِ الأصليةِ، كمثل جذرِ “اسم” الذي أصله “سمو”. ينبغي أن ننتبه أن الفرق بين هذا الاشتقاقِ والصرفِ هو أن الصرفَ يُجزّئُ الكلمةَ، لكنه لا يدرسُ ارتباطَها بالكلماتِ الأخرى، على عكس الاشتقاقِ الصرفي الذي يتتبّعُ هذا الارتباطَ العائليّ ويأخذه في الاعتبار.
أما الوجهُ الثاني فهو الاشتقاقُ المعنوي والمحتوى، وهو دراسةُ المعنى الأصلي والوضعي لمادة الاسم، وما يعنيه هذا المعنى في هيئةِ الاسم. هذا الربطُ بين الشكلِ والمعنى يُمكن أن يكون اشتقاقًا صغيرًا، متوسطًا، أو كبيرًا. لا يعني الاستعمالُ الدالُّ على الحقيقة أن المعنى الوضعي حكيمٌ، للأسف، الاعتقادُ بخلاف ذلك أضرّ بالكثير من العلومِ، لا سيما الفقه، وأدى إلى طمس المعنى الحقيقي لكل كلمة.
وبخصوص الفعل، يصفُ أميرُ المؤمنين أن الفعلَ يتضمنُ حركةً تدلُّ على معنى متغيرٍ وغير ثابت، وقابلٍ للكسرِ والتغيير. وقد وُردَ لفظ “الحركة” بدقة في هذا التعريف؛ لأن الحركةَ هي التي تُحددُ زمنَ الفعل، و”الزمن” من لوازم الفعلِ الحركي ولكنه ليس جزءًا من جوهره. أما “الحرف” فهو دالٌّ على معنى ليس في ذاته، بل يخلقُ هذا المعنى في غيره (الاسم أو الفعل)، وهو معنى حرفيٌ ليس ذاتيًا. وقد تناولنا تفصيلًا في درس “خارج أصول” ماهية وكيفية المعاني الاسمية والفعليّة والحرفية.
على أي حال، هذه الصفة العجيبة للحروف هي التي تثبت لها أن لا يكون الشيء فاقداً للمعنى والاعتبار مطلقاً، وأن لا يكون علامةً أو دلالةً بلا سند، ومع ذلك له آثارٌ حقيقيةٌ وخارجيةٌ ـ في السماء أو الأرض أو في كلتيهما بطريقةٍ مركبةٍ وخاطئةٍ. على سبيل المثال، الرقم ألف في الرياضيات هو آخر عدد حقيقي له أثر ويُعتبر عددًا معيارياً، وبعد الألف لا يوجد عدد حقيقي له أثر. وإذا اعتُبرت حروف الأبجدية مثل الواحد إلى الألف، فإنها تمتلك قوة انفجارٍ عظيم في النفس والروح، وقد تقود الإنسان إلى الجنون وتجعله مصابًا باضطرابٍ نفسي.
أولياء الله لا يستخدمون أبدًا مثل هذه القوة التدميرية الناتجة عن ربط الحرف بالعدد، لأنهم لا يقومون بالأفعال غير الواجبة والتي لا حكم لها حتى في المجال الديني، فما بالنا في مجال المصالح الشخصية. وإن تجاوز أحدهم في ذلك، فإنه يُعتبر ضالاً وملوثًا وفاسدًا، ويتصرف ضد مصالح الناس، فيُهزم على يد أولياء الله ويُقطَع خيط قوة تعويذته افتراضياً ليُبطل السحر والتعويذة ويُمحى أثر تأثيره.
وكذلك الآثار العلاجية المرتبطة بالحروف والأعداد، والتي يجب تتبعها في مواضعها وتعويض النقص العلاجي من خلالها. كما أن في التشريح، الآثار النفسية السلبية الناتجة عن التماس مع أجزاء الأموات والاحتكاك النفسي للمشرّح لا تزول دون غسل الميت، وبدونه يصاب بالفتور والبرود وأمراض نفسية أخرى. وكذلك كما أن الاتصال الجنسي، وهو أمرٌ حسي، لا يتناسب مع الغسل الجنابي والماء المحسوس، كما أن حالة النجاسة النفسية للكفر لا تزول بدون التهليل والاعتراف والإيمان بالله، فإن بعض المشاكل والاضطرابات النفسية لا تُعالج بدون استخدام الحروف والأعداد.
للأسف، العلم السائد، كما كان لا يعرف الفيروسات والبكتيريا في السابق، لا يزال لم يدخل في هذه المواضيع، ولا يعرف طريق علاج الاضطرابات الروحية، التي هي أمرٌ فوق الطب وعلم النفس.
على أي حال، هذه الآثار العجيبة لا تنشأ من حروف بلا معنى. الحروف ليست بلا معنى، وإنما هي معجم غير مقروء للأشخاص الجاهلين، وإلا فكل الحروف عربية (مقابل العجمية). كل حرف، بمفرده، له معنى وآثاره الخاصة، وكذلك في تركيبها مع غيرها من الحروف والأعداد، التي هي أصدقاء الحروف القدامى، ولها عالم حقيقي ومعنى خاص بها، كما توصل علم الرياضيات اليوم إلى بعض خصائصها.
استخدام الحروف المقطعة في القرآن الكريم دليل على معنادتها. الحروف التي جاءت في القرآن الكريم كحروف مقطعة مخصصة لأهل الكرامة، فهي تفتح لهم الألسنة، وأهل الالتحاق والتلاقي مع القرآن هم مخاطبو هذه الحروف.
السور التي تحوي الحروف المقطعة، تكون تلك الحروف متناسبة مع آياتها الأخرى. الحروف لها معنى وأثر، ومن كان له ذوق علمي، لا يمرّ على هذا البيان بلا مبالاة، بل يولي اهتمامه وجهده ليكشف معناها.
حروف «أبجد» تسمى حروف الإيجاد، وحروف «هوّز» تسمى حروف الإحاطة، وحروف «حطّى» حروف البيان، و«كلمن» حروف المكالمة، وهكذا تقسيمات أخرى للحروف ذُكرت في مواضعها. حروف أبجد إما صغيرة أو وسطى أو كبيرة. وبعض الحروف هي حروف علة. «الألف» إما أصلي ثابت أو منقلب. الألف المنقلب، لأنه من حروف العلة، ليس مناسباً للبدء. هذا الألف حرف ناقص، مرتبط بالواو والياء، وليس همزة، والهمزة حرف له معارض.
الحروف تُقسم إلى «شمسية وقمرية»، «جهر وهمس»، «استعلا واستفلا»، «ترقيق وتدقيق وترخيم»، و«ذات معنى وذات باب». وكل هذه التقسيمات تُناقش في مواضعها. وقد ذكرنا بعض آثار وخصائص الحروف في نظم شعري، لمن أراد الرجوع إليها.
من الكتب التي أولت اهتمامًا لخصائص الحروف، كتاب «العين» لخليل بن أحمد الفراهيدي، عالم من علماء القرن الثاني الهجري (توفي بين 170 و175 هـ). معجمه من أقدم المعاجم المكتوبة في اللغة العربية. قسم الحروف إلى شفوية ولبية كـ«باء وميم» ـ أول الحروف المنطوقة ـ وحروف الثنايا (الأنياب الأمامية)، وحروف النواجذ، والحروف الستة الحلقيّة (همزة، حاء، خاء، غين، عين). وحيث إن حرف العين هو أبعد حرف عن ظاهر الفم وأقرب الحروف إلى الحلق، وضع الفراهيدي هذا الحرف في صدر كتابه، وبدأ ترتيب الكلمات فيه من آخر الحروف وفق الحروف الأصلية، كما في كتابه «العين». هذا بينما يبدأ القرآن الكريم بأول حرف شفوي وهو «باء» في قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم). «الباء» من حروف البسط والفتح، و«العين» من حروف القبض، والبداية بحرف العين نوع من الجمود وضيق الأفق، بينما بداية القرآن بحرف بسط وفتح تعبر عن سعة وفتوح مدرسته.
من الباحثين اللغويين الآخرين أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في القرن الرابع الهجري (توفي 393 هـ) الذي ألف كتاب «صحاح اللغة». وقد وضع ترتيب حروفه أبجديًا لكنه بدأ المعجم نفسه بالحروف حسب «العين»، مما زاد من تعقيد المعجم وصعوبة الوصول إليه.
اليوم تُرتب المعاجم والقواميس حسب الأبجدية، وترتب الكلمات وفق ألفائها. لكن ما هو مهم هو أن هذه الكتب جُمعت بشكل فردي ومنعزل وليست نتيجة تفاهم جماعي علمي يقلل من الأخطاء.
القول إن حروف المعجم تحمل دلالة معنوية ونفسية محددة. لو لم يكن ذلك، لما حدث تقارب معنوي بين الكلمات ذات الحروف المشتركة. كل حرف يحمل دلالة معنوية خاصة تعبر عن صفات نفسية للمتكلم. لسان الإنسان هو لغة قلبه، وكيانه الداخلي يظهر في الحروف التي يستخدمها.
الانتباه إلى الدلالة المعنوية للحروف يمنح القدرة على فهم نوايا المتكلم، ويساعد في علم الدلالة. أسرار الباطن تُكشف في الكلام لمن يعرف الدلالة. الكلمات تجسيد للأخلاق والصفات النفسية وتظهر باطن الإنسان، كما أن معجزات النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- هي كتبه التسعة الوحيوية التي تكشف عن قربه الداخلي ومحبوبته، وهي دليل قاطع على نبوته. العرب سموا لغتهم «عربية» و«آشِرة» لأنها تنقل المعاني الباطنية بدقة ورفق.
الإعراب يعني إظهار الضمير الداخلي. الباطن يظهر في الكلام، وكل إنسان مخبوء تحت لسانه.
معرفة صفات الحروف تساعد في علم الدلالة، إذ يكشف الدلال باطن كل إنسان من كلامه وحروفه، ولا يختفي الباطن عنه حتى لو حاول الشخص إخفاءه. ترتيب الحروف والكلمات يعكس شخصية الإنسان وصفاته الظاهرة كالصداقة، العنف، الصدق أو الكذب.
لغة كل إنسان هي رؤيته؛ وكما يقولون: «حتى لا يتكلم الإنسان، يكون عيبه وفضله مخفيان». الكلام وسيلة لفهم الشخص، وترتيب الحروف من أقوى الوسائل.
كذلك الحروف المستخدمة في كلمة تناسب معناها. مثلا في اللغة الفارسية، لماذا كلمة «آب» تبدأ بألف وباء، وهي لمادة الماء المؤلفة من الهيدروجين والأكسجين. الألف هو أول الحروف وأصلها، والباء بعده. الماء كلمة جذرية وحيوية لكل كائن.
أي كلمة تبدأ بألف هي من الكلمات الجذرية. والألف والباء من الحروف اللينة، والباء من حروف البسط، مما يدل على أن اللين هو أساس في خلق الطبيعة.
من يعرف خصائص الحروف يستطيع تحليل شخصية من يستخدم أي حروف في كلامه، دون سؤال. ولكي يتقن ذلك، يجب معرفة «علم الأصوات». الباطن والصفات النفسية تظهر من خلال قواعد هذا العلم، المستمدة من طريقة نطق الحروف، بهدف فهم نوايا المتكلم وتعقيدات باطنه.
استخدام الحروف يمنح الكلام بلاغة، ومن وسائل تقييم البلاغة ملاحظة تكرار كلمات المتكلم وأنواع الحروف المستخدمة، هل هي حروف أصلية أو دخيلة. اشتراك اللغات العربية والفارسية والتركية يعتمد على حروفها، وبعض اللغات لا تشترك في الحروف بل تستعير الكلمات فقط.
اللغة الفارسية الأصيلة تحتوي على 24 حرفًا. الحروف الدخيلة العربية الثمانية «ث ح ص ض ط ظ ع ق» تزيد العدد إلى 32. الحروف الفارسية هي: «ألف ب پ ت ث ج چ ح خ د ذ ر ز ژ س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ک گ ل م ن و ه ي». الأصل في اللغة الفارسية هو اللين والسهولة، لكن الحروف الدخيلة صعبة وقوية.
بعض الكلمات الفارسية التي لا تحتوي على حروف عربية دخيلة هي غنية بالأصوات اللطيفة، وبعض الكلمات المحتوية على الحروف الدخيلة تكون قاسية وصعبة. لهذا، الاعتدال مطلوب في اختيار الكلمات.
الاشتقاق
العلم الذي، خلافاً لما يوحي به اسمه، يلجأ إلى المتباين نفسه، الذي هو جامد. غاية علم الاشتقاق هي إيجاد الجامد؛ الجامد الذي لا يمكن تجاوزه ويجب الوقوف عنده. الجامد هو ثبات الاشتقاق. من أجل الغرض المهم في إيجاد المعنى والمادة، يقوم الاشتقاق بكشف مادة الكلمات.
حتى الآن قلنا إن للكلمة حكمة عقلائية، وأن العلاقة بين الألفاظ والمعاني ليست مجرد اعتبار محض بلا معيار أو مقياس. علم الاشتقاق يسعى لاكتشاف هذه العلاقة. الاشتقاق يعود بالكلمة إلى جامدها ليحصل على مادتها، ثم يعقب ذلك تحليلات فلسفية لاكتشاف معنى المادة، ثم يدرس هذا المعنى في المشتقات التي تنبع منه وفي المواد القريبة دلالياً لفهم دقيق لظرايف كل مشتق. ويجب الانتباه إلى أن ظرايف معاني المشتقات ـ التي تحمل حملاً إضافياً على أصل المعنى ـ تنبع من هيئة الكلمة نفسها.
المشتق يحمل أصل المادة ومعنى الكلمة الجامدة، وكلما أضيفت حروف زائدة إليه بعد ذلك، تباعد معناه عن أصله، بمعنى أنه يكتسب قيوداً أكثر ويصبح أكثر تحديداً دلالياً. وهذا يعني أن الكلمات التي تقترب من جامدها ومخرجها، يكون اتحاد معناها أقل تفككاً.
سبق لنا الكلام عن الحروف، ولكن بين الاسم والفعل في التعليم يُقال: الاسم أصل للفعل، لأنه يخبر عن الأصل المسما، والفعل يخبر عن حركة ذلك الأصل، والأصل المسما يسبق حركته. في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء: «فالاسم ما أنبأ عن المسمّى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل».
أما من وجهة نظر فلسفية، بما أن الإنسان يعيش في الحاضر ويحكم على كل شيء على أساسه، ويُستمد الماضي والمستقبل من الحاضر، فإن الفعل المضارع هو الأصل في الكلام، ومِنْه يُشتق الماضي والمستقبل، وكذلك الأمر والنهي وأنواع الكلمات الأخرى ـ حتى المصدر في الأفعال المجردة والمزيدة.
الحرف أيضاً يخلق علاقة بين الأسماء والأفعال ويكون تابعاً لهما، والحرف كما حللناه هو أصل في الكلمة. بناءً عليه، للاشتقاق ثلاثة فروع رئيسية: اشتقاق من الاسم (اسمي)، اشتقاق من الفعل، واشتقاق من الحرف، وقد تم تناول ذلك.
الترتيب الفلسفي هو أن الفعل المضارع (أي الزمن الحاضر) هو الأصل في كل الكلام، بما في ذلك المصدر. أولاً يحدث الفعل والحركة، ثم يُبنى المصدر عليه. المصدر بلا وقوع الفعل لا معنى له لفظياً. بفعل الفعل يُفهم المصدر. الأصل في الكلام هو الفعل. ما يهم في النظر إلى الخارج وإلى العالم الواقعي هو الفعل، والمصدر هو تجريد ذهني منه وُجد بعد الفعل زمنياً.
معرفة المصدر تعتمد على وقوع الفعل في الخارج، ووقوع الفعل في الخارج أمر طبيعي، لكن المصدر يُصنع من الفعل، أي أن بناء المصدر أمر تعاقدي، وليس طبيعياً، وهو لأغراض تعليمية. في التعليم، تسهل وضع المصدر والاسم كأصل الكلام، وهو أمر تعليمي معياري لا يتوافق دائماً مع الواقع الخارجي، كما أن في علم المنطق تُدرس بعض المسلمات للمتعلمين، في حين أن المنطق المتقدم الذي يتجاوز التعليم ويركز على البحث والباحثين يرفضها.
لذلك، في مقام التعليم، يُؤخذ الحرف أصلاً في الكلمة، والاسم الجامد (المصدر) أصلاً في الكلام، لكن الأساس الطبيعي والفلسفي للاشتقاق هو الفعل المضارع الجامد.
المضارع من أصل «ضرع» بمعنى النعومة. المضارع يحمل عبور الزمن التدريجي والناعم والسائل، ولذلك يسمى «مضارع = الناعم». زمن المضارع خالٍ من الخشونة والقسوة. المضارع لا يعني الاستقبال أو المستقبل، بل يشير إلى نعومة الزمن والوجود اللحظي والقدرة على الاستطالة والمرونة. من يعيش في المضارع واللحظة يكون مرناً، لا متراجعاً ولا محصوراً في الماضي، ولا يخشى المستقبل.
الضرع، باعتباره مكاناً ناعماً للحليب، يطلق عليه هذا الاسم، والرفق والوقار من ضرورات معناه. التضرع يعني النعومة والابتعاد عن الاستكبار. مقابل النعومة هي الخشونة التي تؤدي إلى الاعتداء والظلم. ضرع له قرب معنوي مع «رضع» و«رضي». «الرضيع» و«الضرع» – كالـ «علم» – أسماء معنوية. الاسم المعنوي تابع ويحتاج إلى محل وليس له مقابل خارجي، مقابل الاسم الذاتي المستقل والذي له مقابل خارجي.
معظم كتب اللغة مثل «مفردات راغب» أهملت خصائص «رضع» و«ضرع» ولم تحللها تحليلًا دقيقًا، بل أحيانا خلطت بين الخصائص البيئية مثل الرضاعة في الإبل والغنم وبين المعنى الأصلي، حين تتحدث عن «أضرع الناقة والشاة»، مع أن هذا المعنى مشترك بين الإنسان والحيوان ويدل على النزول الناعم. بعض الباحثين اللغويين أوردوا «ضرع» بمعنى الجفاف أو القحط، ولكن ضرع دائماً يدل على النعومة، ولو أن غذاء النار جهنمية لا يشبع من يأكله. كذلك، ضرع لا يدل على الضعف كما قال البعض: «ضرع الرجل ضعفه»، فالإنسان يمكن أن يكون ناعماً لكنه قوي، أو خشناً لكنه ضعيف. الإرادة والطلب والحدث لا علاقة لها بهذه المادة، وما ورد من صاحب التحقيق ليس دقيقًا.
«رضع» تعني المص، الذي يستلزم النزول والهبوط. «الرضيع» هو الطفل الذي يمص حليب الأم وينزله. الرضع هو نزول ناعم وخالٍ من الصخب. «رضي» تعني الموافقة والمصاحبة وتحمل النعومة أيضاً. من يرضى لشخص ما يكون له ناعماً ومنخفضاً بصورة انفعالية. الضرع معناه النعومة التي تستلزم النزول والهبوط. في نهج البلاغة: «كُن في الفتنة كابن لبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب» يعني كن كالولد الذي لا ظهر له للركوب ولا ضرع لحلب الحليب. وهذا التعبير دقيق جداً في استعمال المفردات.
المضارع يحمل النعومة الزمنية، والنعومة تعني أن الزمن يمر تدريجياً. الماضي لا يحمل نعومة الزمن لأنه زمن انتهى وزال. المضارع هو زمن يأتي بلين وسلاسة، حتى يغفل الإنسان عنه. «مُرضعة» تعني المعطية للحليب، وتدل على نعومة الإرضاع.
بالتالي، الأصل في الزمن هو الفعل المضارع، وهو صفة للزمن الحاضر والمتاح. الماضي لأنه زمن ماضي، لا يحمل نعومة ولا خشونة، رغم أن الزمن نفسه مر بلين. المستقبل هو الزمن الآتي، إذا اعتبرته آتياً فهو مستقبل. النعومة دائماً مرتبطة بالزمن، لكن «المستقبل» يدل مباشرة على الزمن القادم وتدريج قدومه. الأفعال المستقبلية ثقيلة اللفظ، لأن بها صوتي «س» و «ل» المطبقة، مما يجعل تلفظها صعباً، ولهذا استخدامها أقل من المضارع الناعم.
التراصف والتشارك
قلنا إن الجامد هو أصل الكلام، والكلمة الجامدة تحمل معنى واحداً فقط، ولا يمكن أن تحمل عدة معان. حتى الحروف لا تحمل إلا معنى واحداً، مع خصوصيات في المعنى لكل حرف. كل أصل معنوي له ملحقات معنوية تستخدم بحسب السياق في الاستعمال، لكن في مقام الوضع لا يجب الخلط بين الملحقات والمعنى الأصلي. كل لفظ وُضع لمعنى واحد، لا يمكن أن يتحمل عدة معان، ولا توجد كلمات متعددة لمعنى واحد في الوضع. لذلك، التراصف والتشارك في مقام الوضع غير معترف بهما في العلم، رغم إهمال هذه القاعدة في الاستعمال اليومي.
الكلمات قد تتقابل أو تختلف، لكن من الناحية الفلسفية لا يتشكل بين شيئين بعد أقصى حد، ولا يوجد تضاد حقيقي. كل لفظ يحمل روح المعنى وكل المعاني، قد تكون هناك مشاركة معنوية لكنها ليست وحدانية كافية للتراصف.
قرب المعنى بين بعض الألفاظ يجعلها تستخدم بالتسامح كبدائل بعضها لبعض، لكن لا يمكن استخدام الألفاظ المزعومة مترادفة في البحث عن المعنى الحقيقي، لأن لا لغة تحوي كلمات مترادفة. الكلمات التي تلتقي في المخرج أو بعض الحروف متقاربة المعنى، لكن القرب لا يعني التراصف، ويوجد اختلافات دقيقة في المعنى.
اللفظ يحمل معنى واحداً فقط، لكن المعاني التي تدخل ذهن الإنسان كثيرة بسبب تجريد العقل وكثرة سرعة استقبال المعاني، مما يجعل اللفظ يضطر لاستعمال ألفاظ متقاربة أو مرادفة في الاستعمال العرفي مع قرائن لاستعمال مشترك، مع الحفاظ على الفروقات الدقيقة بينهما. هذا أمر في مقام الاستعمال العرفي وليس في الوضع العلمي الدقيق.
الكلمات الدخيلة
لفهم مادة الكلمات، يجب أولاً معرفة أصل الكلمة: هل هي أصلية (العربية في البحث الإسلامي والقرآني) أم دخيلة (من الفارسية، العبرية، التركية، اللاتينية، وغيرها).
الثقافات واللغات تتعرض لتداخل أو هجوم ثقافي أو لغوي من ثقافات أخرى، وتأثرت بالهيمنة الثقافية والسياسية، التي قد تغيّر معاني بعض الكلمات في المجتمع بما يخدم سياسات استعمارية أو توسعية. هذه التغييرات قد تزيل القيمة الأصلية للكلمة وتعطيها معانٍ منحرفة لتوحيد ثقافي. في بعض الأحيان يتم تكثير المشتقات لكلمة دخيلة لتعزيز استخدامها وتوسيع نطاقها في المجتمع.
العبارة «الكلام كلّه: اسم وفعل وحرف» تحتوي على حكمين منفصلين انفصالاً حقيقياً؛ بحيث يكون الحكم الأول: «الكلام إمّا اسم أو لا»، والحكم الثاني: «الكلام إمّا فعل أو لا». هذا الانفصال الحقيقي لا يتيح مجالاً لإدخال قسم آخر، فيقتصر الكلام على الأقسام الثلاثة المذكورة.
ويجدر التنويه إلى أن الأدب، وخصوصاً الاشتقاق، بحاجة إلى علم اللسانيات وفهم أصول اللغة لدراسة مادة الكلمة واستخلاص مفهومها. إذ إن هدف علم اللسان هو الوصول إلى معنى مقام الاستعمال والطبقة الظاهرة في الاستخدام، بينما يسعى الاشتقاق إلى الكشف عن المعنى الوضعّي الحقيقي لكي يصل إلى الجوهر والأصل دون الاقتصار على الشكل الظاهري، مُحققًا بذلك البحث العلمي الجاد. ويُعدُّ «فقه اللغة» من العلوم الأساسية للاشتقاق.
الحروف الأصلية:
تتكون اللغة من الأبجدية والحروف، وهي أساس بناء الثقافة ووسيلة نقل المعرفة ونموها بشكل سليم. فالأبجدية تقوم على الحروف التي تُكوِّن الألفاظ والكلمات. والحروف الأصلية هي أساس كل الكلمات. صحيح أن الحروف لا تستمد من شيء، ولا يخضع لها اشتقاق أو تغيير أو تصريف، ولكن في علم الاشتقاق يجب الحديث عن الدلالة المعنوية النفسية لكل حرف، لأنها تنقل هذا الحمل الدلالي إلى الكلمة – موضوع الأدب – وتلعب دوراً أساسياً في تحليل المعنى بشكل تفكيكي، كما أن تركيبها يشكل الكلمة. كما يمكن للحروف في الكلام التأثير على أصل المعنى وخلق ميلاً دلالياً في الكلمة، وهذا يتطلب بحثاً خاصاً.
من أهم الحروف التي تُحدث ميلاً دلالياً في الكلمة هي الحروف العَامِلَة، وتنقسم إلى لفظية ومعنوية. وهناك ثلاثة عشر نوعاً منها، تمتاز بالنظام والقواعد. وقد تم تصنيف وتسميتها بناءً على الحكمة والتعقل، وتحمل في طيّاتها دقة وعناية فائقة. كنا نعتزم التحدث عنها في دروسنا، ولكن للأسف تم تعطيل هذه الدروس بيد المتسلطين، مما أبقى الموضوع ناقصاً.
من بين الحروف العاملَة المؤثرة جداً في الكلام «حروف الجرّ»، وهي تدخل على الاسم وتجريه، فتضعف معناه أو تغيّره. وعدد هذه الحروف كبير وهي ذات قوة في الاستعمال.
في سياق الكلمات، إلى جانب الأفعال، يتم الاهتمام بالحروف الشبيهة بالفعل. وتناول دراسة مادة هذه الحروف وأبواب المزيد فيها له دور واسع في علم المعاني. ومع ذلك، لا يناقش هذا البحث تراكيب الحروف الأولى في الكلمات المختصرة مثل «بسملة» و«حوقلة» و«تهليل» في العربية، أو «ناجا» و«نزاجا» في الفارسية.
نواصل البحث في الحروف الأصلية. «معجم» مشتق من «عجم» بمعنى «غير مقروء». واعتبار الحروف الأصلية غير مقروءة بمعنى عديم المعنى هو اسم بلا معنى. لا يمكن للكلمات المركبة من حروف بلا معنى أن تحمل دلالة. فكلاً من تحليل الحروف والمواد الأساسية البسيطة للكلمات له معنى، وكذلك تركيبها الموجه يُنتج المعنى. لا يمكن أن يُنتج من أمر فارغ وبدون هدف وحقيقة معنىً حقيقياً؛ فالمعنى ليس مجرد اعتبار بل هو ذو وضع حكيم وعلاقة ذات مغزى.
تُشبه الحروف في الألفاظ العناصر الكيميائية البسيطة، فكلك عنصر له درجات من الخفة إلى الثقل وخصائص فريدة، وكذلك الحروف تحمل معانٍ وتمتلك هذه الصفات. وكما أن جدول العناصر في الكيمياء يحتاج إلى وقت طويل ليكتمل، فإن الإنسان ما زال مبتدئاً في معرفة الحروف ولم يأخذ مسار معرفتها بجدية. فالإنسان اليوم ما زال «معجماً» في معرفة الطبيعة والعناصر اللانهائية وغير المحصورة، وكذلك في معرفة الحروف وحتى الأعداد. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الحروف «معجمية»؛ لكن عدم قراءتها ليس بسبب عدم وجود معانٍ لها، بل بسبب ضعف الإنسان في المعرفة والإدراك. فالبشر لم يصلوا بعد إلى قدرة كافية في المعرفة والخلق والابتكار والتعرف على اللانهاية من العناصر وتركيباتها. خاصةً أن خلق الله نظامي ويقوم على قواعد محددة لتحقيق المصلحة الجماعية للأشياء، في حين أن قدرة الإنسان على الخلق قد تكسر هذه القواعد وتُشوّه البناء لصالحه الشخصي. مثال على ذلك خلق إنسان أجمل وأبهى وأذكى وأكثر قدرة من الإنسان المعاصر. في هذه الحالة، يصبح فهم الآية الكريمة: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [النساء: ۵۷] واقعياً ومثيراً للإعجاب.
يرتكز علم اللغة على معرفة دقيقة لـ«الحروف»، ولذلك للحرف أهمية أكبر من الأفعال والأسماء ويجب الاستثمار في دراسته.
تنقسم الحروف إلى قسمين: حروف رياضية – وهي الأعداد والأرقام – وحروف أدبية، وهي الأبجدية اللغوية. ويجب أن يبدأ الأدب من دراسة الحروف ويتقدم منها.
البحث الأول في الحروف هو التعرف على عددها الحقيقي. إن عدم إجراء بحوث دقيقة في هذا المجال يجعل علم اللغة ضعيفاً، ويمنع من امتلاك القوة اللازمة لتطوير اللغة وتأمين بنيتها الأساسية. ويجب أيضاً ألا يغيب عن البال تأثير العادات والذوق في اللغة. فمتحدثو الفارسية يعدون حروف لغتهم 32 حرفاً، والمتحدثون بالعربية 28 حرفاً، واللاتينيون 26 حرفاً. هذا الاختلاف يعود إلى تفاوت المواهب والذوق والتقدم العلمي وأيضاً الفلسفة التي يحملها كل منهم تجاه عالم المعاني، دون أن يكون لله تعالى تدخل مباشر في وضع الحروف والكلمات. فاللاتينيون، لما كانت معاني لغتهم محدودة، استخدموا حروفاً أقل لنقل المعاني، بينما كان الفرس يملكون أغنى معانٍ. أما اللغة العربية، وبفضل قوتها، فلا تقبل الكلمات الدخيلة حتى تعرب أولاً، خلافاً للغات الأخرى.
تحتوي الفارسية على 24 حرفاً أصلياً و8 حروف دخيلة، منها «پ، چ، ژ، گ» التي هي حروف مميزة للفارسية وغير موجودة في العربية، وهذا يزيد دائرة معاني اللغة الفارسية ويعتبر من حسناتها، لكن لثقل نطق هذه الحروف، تبتعد عن الفصاحة والوضوح. وبسبب كثرة الحروف، تحمل الفارسية معانٍ أدق وأعقد، لكنها من جهة أخرى تحمل كلمات ثقيلة وغير سلسة، مما يبعدها عن الفصاحة، في حين أن العربية تحافظ على فصاحتها ووضوحها رغم قلة الحروف.
الحروف ذات النطق المتشابه تؤدي إلى تقارب المعاني، والعكس بالعكس. كما أن الخصائص النفسية لكل حرف تتناسب مع الخصائص النفسية للمعنى، ولا يتناسب كل معنى مع كل حرف، بل هناك تناسب قرب بين الظواهر المعنوية والحروف. لذلك، في الأماكن التي يخضع فيها وضع الكلمات إلى وضع حكيم، يمكن استنباط خصائص الموضوع من اسمه.
كما أن المعرفة الدقيقة لمخارج الحروف وأصواتها ضرورية لمعرفة عدد الحروف الحقيقي، ولا يزال نظام تركيب الحروف لنقل المعنى مجهولاً للعلم. العلاقة بين المعنى واللفظ قائمة على تناسب ووضع حكيم، كما العلاقة بين الروح والنفس، التي تحتاج إلى جسد مناسب لتتصل به. هذه الحروف أصبحت غامضة حتى أُدخلت في علوم غريبة مثل الجفر والرمل والإسطولاب.
لكل حرف «دور» كالدائرة، ولتعريف حرف ما، يُدمج مع حروف أخرى في سلاسل، مثل (أ مع د، د مع ج، ج مع ب، ب مع ت…)، ويسمى هذا «حروف أرضية». هذه التوليفات تناقش في الرمل من حيث العدد، وفي الإسطولاب من حيث الشكل، وترتبط بالكواكب ومراكز الوحي، مما يفتح باب الغرائب ويمنح أصحابه قدرة على الطلسمات، مما يمكنهم من حفظ أنفسهم وسط الأعداء ونشر الحق أو فضح الأشرار.
لكن هذه الأمور دقيقة وتتطلب فهماً عميقاً ونبوغاً، والخطأ فيها شائع جداً، ويقع فيه كثير ممن يتعاملون معها، مما يؤدي إلى انحرافات وأخطاء كبيرة قد تضلل أفراداً وأممًا بأكملها، خاصة في التنبؤات المتعلقة بالمستقبل والغيبيات.
إن تنظيم لغة الدين ليس من الأمور التي يمكن إنجازها على يد فرد واحد فقط، بل يتطلب دعماً تنظيمياً وعمل ميداني، خاصة وأن الإسلام الخلافي والإسلام السياسي سعى إلى اندثار وتدمير الثقافة الأصيلة للقرآن الكريم، وكان له عقدة وعداوة تجاه ولاية الأئمة كمعلمين ومربين للحق. فقد فرضوا بالإكراه والاستبداد الإسلامي العنيف والسلطوي، إسلاماً قاسياً يتجاهل دور الناس والعقل في السياسة، ويريدهم رعياً متعبدين، ليحل هذا محل الثقافة القرآنية الأصيلة.
كما أن انقطاع العلماء عن النقاشات الجوهرية وتهميش الحقيقة بينهم أدى إلى تحول كثير من النقاشات اللغوية إلى نقاشات سمعية مجردة، كان من الممكن أن تُحلل وتُنظّم وتُقيَّم فلسفياً. وقد ساهم التقليد الأعمى للأدب واللسانيات وضعف الوعي الاجتماعي للمتلقين، مع غفلة عن الوضع الحكيم للألفاظ، والتقصير في الكشف عن العلاقة بين اللفظ والمعنى — التي تحتاج إلى تخصصات متعددة وشاملة وهي مهمة شاقة — في زيادة تهميش الثقافة القرآنية واللغة الحيوية.
لو كان العلماء الدينيون والباحثون اللغويون يمتلكون القدرة على القياس والتحليل اللغوي دون تعرّضهم لمضايقات الأعداء، لتغير مصير العلوم الدينية الأخرى. فقد رغب العلماء في حفظ الدين ولغته في بيئة وعرّة وآصفة من المعارضة، ومع ذلك، لم تجف أقلامهم، بل أصبحت أكثر صلابة وثباتاً أمام الهجمات.
حماية الدين في فترة الغيبة ليست طريقاً سهلاً يمكن السير فيه بكرسي دوار وبشرب عصير الأناناس، بل يتطلب صبراً طويل الأمد ومثابرة تمكن الإنسان من إذابة الجبال بإبرة دون أن يفقد قوته وثباته.
غياب مثل هذه القوة أدخل العلوم الدينية في إطار مقولات سمعية وتقليدية متكررة. فلا بد من البدء بتعليم الدين من خلال لغته، حيث الجذور. يجب دراسة مئات المفردات بدقة، واكتساب الاستقراء الواسع، وتحقيق الاستنتاج المنطقي، والاقتراب من لغة الدين بشمولية في العلوم المختلفة، ومن ثم الحصول على معرفة حانية وشوقية للدين، وبذل الجهود الروحية المستمرة، مع استعانة الله تعالى.
ويُشار إلى أنه لا يمكن لأحد أن يجتهد في العلوم الإسلامية، وخاصة الفقه، من دون اجتهاد في مبادئ اللغة الدينية، فالمجتهد يجب أن يكون مجتهداً في مبادئ الاجتهاد ولديه القدرة على البحث والتحقيق فيها، ومن لم يكن كذلك، فلا اجتهاد له ولا يجوز تقليده.
وهنا نقطة مهمة جداً: إن اللغة العربية للخلفاء والإسلام الناتج عنها كانت لغة وثقافة استغلالية متعجرفة، فقد فرضوا، مثلاً، تسمية الخليج العربي بهذا الاسم العربي، أو أدرجوا السمك كأحد رموز “السبع سِين” في مائدة نوروز الفارسية، وحوّلوا كلمات اللغة الفارسية الخاصة إلى عربية مشوهة، ليُظهروا تفوقهم وغطرستهم على هذه اللغة. أما الإسلام الحقيقي — وهو الإسلام الولائي التابع لأئمة أهل البيت عليهم السلام — فهو دين العلم والمعرفة، الذي يرغب في نمو الآخرين، وحتى ضحى بقياداته من أجل تحقيق ذلك.
كان خلفاء العرب الظالمون يرغبون في تحويل إيران إلى مستعمرة لهم عن طريق الفتح العنيف، بينما كان الإيرانيون يتمتعون بعلماء عباقرة وصناعات متقدمة، ما سبب عقدة نقص وغطرسة عند العرب، وأدى إلى استبدادهم بالعجم، حيث أطلقوا على الإيرانيين لقب “الموالي”.
الإسلام الخلفائي كان ثقافة القوة والعنف، أراد تحقير اللغة والتاريخ الإيرانيين والقضاء عليهما، لكن وعي الإيرانيين دفعهم إلى التعرف على مركز العلم والمعرفة الدينية، وهو أهل البيت عليهم السلام، ورفض الإسلام الخلفائي العنيف، ووقفوا مع الإسلام الولائي الرحماني.
نحن نميز بين الإسلام الولائي والثقافة الشيعية من جهة، والإسلام العربي السني والدين الخلافي المحرف من جهة أخرى، ونؤكد أنه لا يجوز نسب السياسات الاستبدادية للخلفاء وعلمائهم إلى الدين الحقيقي. وكان صراع دعاة الحرية مع الاستبداد والهيمنة التوسعية للإسلام الخلفائي، وهو صراع قدم فيه كثير من العلماء الشهداء باسم الحفاظ على الإسلام، وما زالت جراح هذا الصراع تحتاج إلى معالجة دقيقة.
في القرن الماضي، تولى زمام المسلمين من كانوا إما مرتبطين بالروس القيصريين ذوي الطبيعة الاستبدادية أو الغربيين الذين يحاولون بوسائل علمية وصناعية فرض سيطرتهم على الثقافة الإسلامية، فاختلطت السياسة بالدين وسادت مفاهيم نفعية وتعسفية في الحكم.
وعلى هذا النحو، لا يمكن للعلماء الحقيقيين الذين يريدون خدمة الدين أن يضعوا مصلحتهم الدنيوية فوق التفاني في سبيل الله، وإلا فإن الدين لا يظهر إلا عند تضحيات المخلصين.
ديننا هو دين أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم، الذين قاتلوا الظالمين والتكالبين، وقدموا 13 من المعصومين كشهداء في سبيل الحق. الدين الحقيقي لم يضر أمةً قط، بل قدم ثرواته للدفاع عنها ولإيقاظها للحق، بينما كانت الأديان الخلفائية والملوكية أداة للحكام الطغاة وأدوات للاستبداد والاستغلال.
اللغة والثقافة الدينية الحقيقية هي ثقافة علمية راقية تجذب الشعوب الواعية، كما فعل الإيرانيون الذين استقبلوا الثقافة الولائية العلمية ووقفوا ضد الاستبداد الإسلامي الخلفائي الملوكي، مؤكدين أن دين ولاية أهل البيت لم يجبر أحداً على قبوله، بل استقطب القلوب بالعلم والمعرفة والحب الإلهي.
دين ولاية أهل البيت عليهم السلام لم يفرض أحداً بالقوة، بل كان يجذب بالمعرفة والعشق الإلهي وينشر ثقافة العدل والرحمة، بينما كان الإسلام الخلفائي الملوكي يستخدم القوة والزيف والتزوير ليقمع الحقيقة ويبعد الناس عن الفهم الصحيح.
فهم الدين ونشره يبدأ من اللغة، ولا يستطيع حمل مشعل العلم الديني في زمن الغيبة إلا من يضحي بنفسه خالصاً لوجه الله، بعيداً عن أهواء القوى الغربية والروسية.
فاللسانيات عند هؤلاء العلماء لا تقل أهمية عن معرفة الله، فهي أداة فهم وحفظ الدين، وبدونها يصبح الفهم سطحياً وعامياً معرضاً لكل تحريف وظلم.
إن الجناة الحقيقيين هم من استغلوا الدين السطحي وزينوا الظلم باسم الدين، والذين لا يعرفون لغة الدين وأصوله، جعلوا من المسلمين أداة لصراعات سياسية وعسكرية مدمرة وأهانوا الأمة الإسلامية أمام العالم.
من لا يعرف لغة الدين لن يستطيع، حتى ولو كان مخلصاً، إلا أن يكون رهينة لأولئك الذين يمارسون الطغيان باسم الدين، الذين أوقعوا الأمة في الهزيمة والضياع.
الدين الملكي لم يكن لديه سوى الشعائر السطحية، وما كان همه إلا الرياء والنفاق، بينما الدين الحق مبني على الحقيقة والولاية، ويجعل أتباعه قادرين على مواجهة المخاطر للدفاع عن الحق.
الدين الملكي يستغل الشعارات ويقوم على الدعاية والتضليل، ويريد جموعاً هائجة لا تفكر بعمق، ويمنع وصول الناس إلى التحليل والفهم الحقيقي.
استقبال وتبادل المعلومات والمعاني بين المتكلم والمخاطب
التأمل والتقسيم المعنوي
أهمّ الطرق لاستخلاص المعنى الأصلي لأي مادة، هو التأمل والتقسيم بأسلوب تجريبي علمي قائم على المبادئ والقواعد الفلسفية. بهذا المنهج، يُستمدّ الحكم والمعيار لوضع الألفاظ للدلالة على المعاني؛ لأنّ وضع الكلمات كان حكيمًا، ذا علاقة عقلية وواقعية وجوهرية ومتطابقة مع الحقيقة، وقد استُخدمت هذه الألفاظ في لغة الدين. ولهذا، يُؤكَّد في الصلاة على النطق السليم للألفاظ حفاظًا على العلاقة الصحيحة بين اللفظ ومعناه الحقيقي، ليتمّ بذلك اتصال سليم بين المتكلم والمخاطب. عندئذٍ، لا يبطل قصد الإنشاء أو المراد في الصلاة.
لكنّ للأسف، في العصر الحاضر، فقدت علاقة اللفظ بالمعنى رباطها العقلاني أو العرفي، وأصبح الارتباط عرضيًا، والدلالة تضمنيّة أو التزاميّة، بأنواع مختلفة، ففقدت علاقتها بالحقيقة والمصداق.
في هذا العالم الموحش الذي فقدت فيه الأشياء صلتها بالحقيقة، تعيدنا العودة إلى الاشتقاق إلى لغة الدين، ولغة الصلة بالحقيقة والمعنى، فتُعرّفنا على جذور الوصول إلى الحقائق، وتفتح لنا طريق المعرفة والإيمان الصحيح المبرّر، في متاهة الواقع المضلّل، خاصة في مجال الفقه.
إذا ما نُظمَت لغة الدين الحكيمة في مجال الفقه، فإن ذلك يؤدي إلى فقه حكيم وذو معيار علمي، يقدّر موضوعات الفقه، ويُبيّن الأحكام بمعايير عقلية وقابلة للقبول، ويزيل الشوائب المعادية للعقل.
بالطبع، تنظيم لغة الدين ليس عمل فردي، بل يحتاج إلى دعم مؤسسي وجهد ميداني، خاصة في ظل أن الإسلام الخلفائي والسياسي سعى إلى إضعاف الثقافة القرآنية الأصيلة، وكان فيه عقدة وعداء تجاه ولاية أهل البيت، باعتبارها المعلم والمربي الحقّ، ففرضوا بالإكراه ثقافة إسلامية قاسية واستبدادية تنكر دور العقل والشعب في السياسة، وتريدهم رعاعًا متدينين.
أيضًا، بعد العلماء عن المناقشات الجوهرية وإهمال الحقيقة بين بعضهم أدى إلى أن تَصبح كثير من نقاشات اللغة مجرد سماعيات يمكن تحليليتها وتنظيمها بشكل فلسفي ومنهجي. التقليل من شأن الأدب واللسانيات، وضعف الوعي الاجتماعي تجاههما، وإهمال العلاقة الحكيمة بين اللفظ والمعنى – التي تتطلب تخصصات متعددة وشاملة – أسهم في إهمال الثقافة القرآنية واللغة الحيوانية ووضعها في الظل.
لو كان لدى العلماء الدينيين وباحثي اللغة القدرة على القياس المنهجي للغة وبياناتها، ولَم يُعانوا من مضايقات الأعداء، لغيروا مصير العلوم الأخرى. فقد أراد العلماء حماية الدين في بيئة صعبة جداً، وسط ويلات وخصومات، إلا أن أقلامهم لم تجفّ، بل اشتدت بوجه الهجمات.
حماية الدين في عصر الغيبة ليست طريقًا ممهّدًا، ولا يُنجز بالجلوس على كراسي دوارة وشرب عصير الأناناس. من ظنّ ذلك فهو قابل للهزيمة والزوال. فقط من يتحلى بالصبر الطويل يمكنه شرح لغة الدين وحمل العلم الديني، بحيث يذيب الجبال بسِنّ الإبرة في نفسه، ويبقى صامدًا.
غياب هذه القوة جعل العلوم محبوسة في الأقوال السماعية والتقليدية المتكررة. لا بدّ من بدء تعليم الدين بلغة الدين ذاتها، فهي الجذر. يجب دراسة مئات الكلمات وباستقراء واسع، اكتساب ذهن منطقي للاشتقاق، ومع شمولية في العلوم المختلفة، الاقتراب من لغة الدين، وبلوغ روح الدين، والاستمداد من صاحبها بعناية ربانية.
ومن الجدير بالذكر أنّ من لا يجتهد في لغة الدين – باعتبارها من المقدمات الهامة للإجتهاد – لا يمكن أن يجتهد في أي علم من علوم الإسلام، وخاصة الفقه. فالمجتهد لا بد أن يكون مجتهدًا في مقدمات الاجتهاد ويستطيع البحث فيها. من لم يجتهد في إحدى المقدمات، وليس له سوى التقليد، فلا يُعتدّ باجتهاده ولا يجوز التقليد منه.
هنا نقطة مهمة جدًّا: لغة العرب الخلفائيّة وثقافة الإسلام الناتجة عنها هي لغة وثقافة استغلالية وتسلطية، فقد فرضوا مثلاً اسم “الخليج” العربي على الخليج الفارسي، وحاولوا فرض مصطلحات عربية على الثقافة الفارسية، ممثّلين ذلك في محاولات تعريب كلمات فارسية خاصة وتشويه حروف الأدب الفارسي، لإظهار تفوقهم واستكبارهم. لكن الإسلام الحقيقي – وهو الإسلام الولائي التابع للأئمة الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام – هو لغة وعلم ومعرفة تنمو وتريد ازدهار الآخرين، وقد ضحّى بمقدّميها لأجل ذلك.
الخلفاء الظالمون، بفتوحاتهم القسرية، أرادوا استعباد إيران. وكان الإيرانيون في العلم والحضارة متفوقين، وهذا ما ولّد عقدة نقص لدى العرب، ودفعهم للاستبداد والاستكبار. أطلقوا عليهم لقب “الموالي”.
إسلام الخلفاء كان ثقافة القوة والقتل، أراد أن يزيل اللغة والتاريخ الإيرانيين. لكن وعي الإيرانيين جعلهم يتعرفون على أهل البيت عليهم السلام، ويقبلون الإسلام الولائي، ويقاومون الإسلام القاسي الخلفائي.
نؤكد على الفرق بين الإسلام الولائي الثقافي الشيعي، والإسلام العربي السني الخليفوي والدين المحرف الخلفائي. لا ينبغي نسب السياسات القسرية والخلفاوية إلى الدين الحقيقي. نضال الأحرار كان ضد الاستبداد والتسلط والبرامج الإمبريالية للإسلام الخلفائي، التي ضحّت بالعلماء القديسين باسم حماية الإسلام، وأدخلت الشياطين في روح المسلمين، وأحدثت جراحًا تحتاج إلى معالجة دقيقة.
في القرن الماضي، تسلّط على المسلمين من كان معتمدًا على الروس أو الغربيين، فالروس استبداديون يدعمون القادة الظالمين، ولا يولون للعلماء الحقيقيين أي اهتمام، بينما الغربيون يسعون للتغلغل العلمي والثقافي بطريقة ناعمة. العلماء الحقيقيون في نطاق النفوذ الروسي لا يستطيعون الظهور إلا بتضحيات كبيرة.
الدين الحقيقي هو دين أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم، الذين قاتلوا الظالمين وقدموا الشهداء، وهو لم يضرّ الناس أبداً، بل دافع عنهم ووعاهم بالحقيقة. أما الدين الخلفاوي فقد كان أداةً للديكتاتورية والاستغلال والاستبداد.
الإسلام الولائي لم يجبر أحداً على قبول نفسه، بل جذب القلوب بالمعرفة والعلم والمحبة الإلهية، ووسّع ثقافة الولاية القائمة على النبل والرحمة والعشق الإلهي، وهو خير الناس وسعادتهم، بينما الإسلام الخلفاوي كان سياسة زور وزيف وخداع، لا يؤمن بالولاية الحقيقية ولا الوحي، وإنما استغل الدين لتحقيق مكاسب السلطة.
فهم الدين يبدأ من هنا، وفي عصر الغيبة، من يقدر على حمل رسالة الدين بصدق وتفانٍ، هو من يخلص نفسه لله وحده، لا للغرب ولا للشرق، ويهتم بعلم اللغة الديني بقدر اهتمامه بعلم الله، لأن معرفة اللغة هي مفتاح فهم الدين.
من لا يفهم لغة الدين، حتى وإن كان صادقًا، يقع فريسة للمخادعين الذين يسيئون استخدام الدين باسم الدين. الدين الولائي الحقيقي يميز بين الحق والباطل ويصنع الرجال المخلصين.
الدين الملوكاني يعتمد على الشعار والرياء، بينما الدين الحقيقي يقوم على الحقيقة والإنصاف وخدمة الناس. الدين الملوكاني ينظم الصلاة تحت ظل عمر سعد ليذبح الحقيقة، والدين الحقيقي يرسل قائده إلى مذبحة ليوقظ الناس.
الدين الملوكاني يعتمد على الدعاية والتهويل، ويريد أتباعًا يبقون على السطح، ولا يريد للناس أن يغوصوا في العمق.
معجم المفردات
الانس بالمفردات
ج آل: هم أتباع مخلصون ومُطيعون ثابتون. آل عمران: في معجم القرآن الكريم هم المسيحيون، لا اليهود. يجب على المسلمين في سياستهم الخارجية أن يتحالفوا مع آل عمران، أي المسيحيين (وليس الدول المسيحية)، لكي لا يقعوا تحت تأثير اليهود وبني إسرائيل ـ الذين هم قوم راديكاليون ويتجلى ذلك اليوم في الصورة السياسية للصهيونية.
يمكن إجراء حوار ونقاش مع المسيحيين، ولا يليق أن تكون الخلافات والحروب ـ وهي طبيعة الغاب والحيوانات الوحشية ـ معهم، وهم أهل حوار. إذ لو اعتُبرت الحرب جريمة في أي مكان من العالم وعوقب مرتكبها، لكان بالإمكان إجبار جميع الأطراف المتنازعة على الجلوس إلى طاولة الحوار؛ وهذا هو المتوقع من الإنسان.
ج آنية: يُقال للوعاء الذي يُستخدم للأكل والشرب؛ ولكن أحيانًا يُستعمل كناية وللزينة اللغوية في غير ذلك، مثل قوله تعالى:
(أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ).
“الآنِية” معنى عام يُطلق على كل ما يحتوي شيئًا آخر.
ج آية: يُقال للأمر الكلي، الحقيقي، غير القابل للتغيير، الذي يظهر للعيان بوضوح سواء كان نعمة أو بلاء، وهو مقابل “بينّة” التي هي وثيقة تخص المحتوى والباطن والسرّ، ولا تُنال بسهولة.
ج آية الكرسي:
(اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
هذه الآية آية القدرة، فيها أسماء قدرة الله تعالى: (اللَّهُ)، (لا إله إلا هو)، (هو)، (الحي)، (القيوم)، وهي أسماء ذاتية تصف ذات الله، وليست بدلاً يُحلّ محل الذات ولا تناسبها، بل هي متطابقة مع الذات.
كما أن (هو) في آية (قل هو الله أحد) ليست ضمير شأن أو قصة، بل استعمل معها خبران: (العلي) و(العظيم).
يُلاحظ أن “الذات” دائمًا بسيطة وكاملة ولا صفة لها، أما الذات المضافة فله تبعيض وصفات.
باقي أجزاء الآية كلها من صفات القدرة، فمثلاً (لا إله إلا هو) ليست نفيًا بحتًا بل إيجابيًا، وهو التهليل، وهو آخر شعار الإسلام.
التهليل من أثقل الأذكار وأذن الدخول إلى عالم البرزخ، ومن لم يذكره عند الاحتضار أو تاه عنه، يُؤخذ إلى حفريات البرزخ والعذاب.
الفرق بين (العلي) و(العظيم) أن “العلي” يشير إلى الارتفاع المعنوي والباطني، و”العظيم” إلى العظمة والشموخ الظاهري.
الحرف الواو في (وهو العلي) جمعٌ يُشمل به أسماء القدرة المذكورة، وليس عاطفة.
في هذه الآيات ثلاثة أنواع من قدرات الله تعالى: قدرة نفسية (لا تأخذه سنة ولا نوم)، قدرة إضافية (له ما في السماوات وما في الأرض)، وقدرة غيرية (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).
الجزء (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) له نغمات معقدة وثقيلة، ذكرها يجلب كشفًا وسرًا للذاكر ويقويه روحانيًا.
هذه الآية تحتوي على ذكرين (الله) و(هو)، لذا يجب ذكرها في الطهارة، وإلا قد تكون مضرة.
ذكرها في الظلام والخلاء يعمّق المعرفة بالعوالم الأخرى ويُقرب الذاكر إلى الملائكة والظواهر الروحية.
الآية ترفع الحاجات إذا قرئت بطريقة خاصة مع حفظ عشر نقاط ذُكرت في موضع آخر.
ج ابن: يدل على رابطة مطلقة لا تخص النسب، وعادة يُستخدم للذكور، بينما “ولد” يشير إلى علاقة جينية بين الوالدين والولد بغض النظر عن الجنس.
ج أجر: مكافأة تُعطى لكل مجتهد سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، لا يشترط فيها نية القرب، ليست واسعة الأمد، وتشبه النقود الصغيرة التي إذا جمعت لا تُحدث فرقًا كبيرًا، لذا تعطى حتى للبهائم وهي من أمور الدنيا.
في الفارسية، “مزدور” تعني متلقّي أجر الفعل السيئ، أما “مزدگیر” فهي تعني متلقّي أجر الجهد العادي الشريف.
“الأجر” قريب في المعنى من “الثواب” و”الصواب”. الصواب يعني الصحة والاعتدال، والثواب يعني كمال الأجر الذي يشترط فيه القرب والصحة والسعادة والكمال وهو متعلق بالآخرة.
الثواب هو مكافأة العمل بقصد القرب، وروحه العبادة وله “ثوب” أي غطاء واسع يمكن أن يعود بنتيجة كبيرة، فعلى سبيل المثال، امرأة تغسل ثوب زوجها بقصد القرب تفعل عملًا أعظم من رجل يعطي ملايين التومان للفقراء.
“الثوب” رجوع وغطاء آمن ومفيد، والثواب هو رجوع كامل للعمل إلى صاحبه.
ج أخذ: الربا والقبض القوي مع السيطرة.
ج اسم: من السمو، يعني الارتفاع والرفعة، وصيغته الأدبية تدل على النسبيّة والتدرج.
ج أصل: قاعدة الشيء، هو ما يُبنى عليه الشيء ويستند إليه، وهو دائمًا واحد. لذلك يُقال أصل الدين لا أصول الدين، وأصل الدين هو التوحيد والله.
الأصل يرتبط بمعنى القرب مع المصدر، فالمصدر هو مكان رجوع الحيوانات الأليفة للراحة، وهو أيضاً مرتبط بالثوب كما ذكرنا.
ج الذين: أحيانًا تدل على الجهد والعمل الفردي الذي يعادل عمل مجموعة، وأحيانًا تدل على الجمع.
مثال: من أنفق ماله في سبيل الله كحبة أنبتت سبع سنابل.
اسم الموصول يشير إلى الذين يغيبون مكانًا أو مقامًا، خلاف أسماء الإشارة التي تشير إلى شيء مرئي.
تعبير (الذين آمنوا) في القرآن له دلالتان عاليا ومنخفضا بحسب السياق.
ج أمل: أمنية بعيدة المنال، قد تكون خاطئة أو صحيحة، بخلاف التمنى الذي هو أمل متاح لكن ملوث بالرغبات النفسية غير السليمة.
الأمل مرتبط بالقرب بالطمع، والطمع لا يكون بعيدًا بل يتعلق بالمباشرة مع الطامع، سواء كان الخير أو الشر، لكنه غير مستحب.
الرجاء مرتبط بالأمل، ويعني التفاؤل بشيء ممكن، وقد لا يتحقق.
ج أمّ: الأم هي الأصل الطبيعي الصلب الذي يظهر نفسه كما هو ويعتمد نموه على السير في هذا الأصل، والأم هي التي تربي وتبني شخصية الولد، والامتة أصل متين لشعب لديه اعتقاد راسخ.
ج أنعام: من النعم، تشمل الحيوانات الأليفة كالبقر والجمال والغنم، وأيضًا الحيوانات الأخرى كالحمير والخيول.
ج أتى: يعني العطاء لشخصٍ ما باحترام، أو إرساله في خدمةٍ لشخصٍ آخر. وهو قريب المعنى من «عطى». من أمور الإيتاء الحكمة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ)[135]. الفرق بين الإيتاء والإعطاء أن الإيتاء كتعليم الصيد وتسليم الشباك ليصطاد بنفسه، إذ يمنح الله نور الحكمة لمن يشاء، ليصطاد من ينبوع المعرفة جوهراً بلا حدود، ويضع في كيانه نظام إنتاج المعرفة؛ أما الإعطاء فهو كمن يعطي السمكة المصطادة جاهزة دون جهد أو إرادة للصيد. الإيتاء خيرٌ عمل عليه أجيال ونسب عبر قرون طويلة، لينضج تدريجياً حتى يصبح كالماس، مما يمهد له قبول الحكمة.
الحروف «يا» و«تا» في الكلمة «أتي» تدل على التكرار والسرعة، حيث «يا» حرف تكثير، و«تا» حرف شفوي يسهل النطق، أما «عين» و«طاء» فهما من الحروف الحلقية الصعبة النطق.
ج بئس: من الأفعال الذميمة، يدل على النقص والاضطراب والقبح، وهو أشد الذموم.
ج بـ: من المعاني: المضي والشد والتوسع، ويعطي معنى «أي» كما في قوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ)[136].
بدار: (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا)[137]، الإسراف هو التبذير، والبدار هو الإسراع فيه زمنياً.
ج بدع: خلق كل جديد، ككلمة «ربيع» التي تعني ربع جديد من السنة، أي الربيع. «بدع» لها مدلولان: اسم فاعل بمعنى مبتكر، واسم مفعول بمعنى محدث جديد، مثل «مختار».
ج بدو: العلانية والوضوح، ضد الإخفاء الذي يعني التكتم.
ج برزخ: هو حاجز أو فاصل، قد يكون نازلاً أو صاعداً، متصلاً أو منفصلاً. البرزخ المتصل في النفس، كالتخيل والرؤيا، والمنفصل خارج النفس في الواقع. البرزخ النازل المنفصل قبل الدنيا، والبرزخ الصاعد المنفصل بعدها.
ج برز: ظهور قوي، متماسك، ومهيمن، مع معنى يتجاوز مجرد الظهور.
ج بشر: البشارة والخبر السار، والمبشر هو من ينقل هذا الخبر، والبشارة هي الخبر نفسه.
ج بصر: أعلى من العلم والإدراك، البصر يتعلق بالظاهر، أما البصير فيرى الجوهر والباطن عبر الحواس الخارجية والقلب، وهو رؤيا ومعرفة متخصصة تفوق الوصف.
ج بطل: مقطوع، غير مكتمل، مشتت، غير منظم، ولا يؤدي إلى نتيجة. يختلف عن الفناء والاضمحلال، إذ البطل لا يفنى لكنه يفتقر إلى التجلي والنتيجة. الفناء هو الجمع بين الوجود والعدم، حالة خاصة في التصوف حيث تتلخص الذات وتتصفى.
الشجاع الحكيم يُقال له «بطل» لأنه يكسر كل عائق ويأخذ معه كل المقطوعات ولا يسمح بالتمزق.
«بطل» قريب المعنى من «بتل» و«حبط»، حيث الحبط هو إسقاط العمل الصالح بسبب المعصية، والحق مقابل الباطل.
حق: هو الثبات والذاتية في النفس، متوافق مع الواقع والسببية بلا حدوث تدريجي. الواقع قد يكون غير حق، كظلم الواقع دون الحقيقة.
ج بغى: الطلب والسعي المكثف، والابتغاء هو شدة الطلب.
ج بقره: ليس اسم بقرة الحيوان، بل وصف يدل على الانقسام، الشق، الانفتاح، الرقي، والنمو. هو اسم جنس شامل للمذكر والمؤنث. سورة البقرة في القرآن تعبر عن هذه المعاني الروحية العميقة، وتتحدى إنكار أصحاب الكتب السابقة، وهي أكبر سورة وأطول آية. المواظبة على قراءتها تفتح الباطن وتوصل الإنسان إلى الغيب.
«بقر الهدهد الأرض» يعني شق الأرض للكشف عن الماء.
البقرة تمثل الحيوان القوي الحكيم الذي يسير بثبات وكرامة، على عكس الحمار الخفيف العقل وغير النبيل.
ج بلغ: الوصول إلى الحقيقة ذاتها، فالبلوغ الجسدي هو القدرة على الإنجاب، والبلوغ العقلي هو نضج العقل، والبلوغ الروحي هو الوصول إلى الكمال الروحي الذي يظهر في الشجاعة والعدل. «بلغ» قريب من «وصل»، لكن «بلغ» يعني تحقيق الغاية ذاتياً.
في القرآن، آية البلاغ هي من أهم الآيات في هذا الموضوع: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ…)[139]، حيث جاءت بصيغة المبني للمجهول للدلالة على عظمة المهمة وخطورتها.
ج بلو: مجال الاحتكاك والمواجهة.
ج بيت: مكان فارغ للراحة والملجأ.
ج بيع: عقد تبادل المال بشيء، مع التزام، والبائع يُسمى «بائع» لأن البيع هو الخطوة الأولى في العقد. البيع يشمل المبيع والمشترى، وهو تفاعل يلزم التنفيذ. بيع وبيت مرتبطان دلالياً، فالبيت مكان ظرف للبيع الذي هو ظرف المعاملة.
التأكيد: من وسائل التأكيد في الكلام هو تقديم الجملة على صورة محصورة، حيث إن الحصر نفسه يحمل معنى التأكيد «إنّ» التأكيدي. ويكون التأكيد في الحصر السلبي أقوى من الحصر الإيجابي؛ لأن الكلام الإيجابي يمكن أن تضاف إليه أدوات تأكيد، أما الكلام السلبي المحصور فلا مجال لإضافة أدوات التأكيد إليه، وهو أقصى سقف للتأكيد في المعنى، كما في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[140].
التبع: هو الملاحقة والمتابعة والخروج وراء شخص أو شيء ما. وفي التبع يكون الاتباع تقليدياً للآخر دون إضافة شيء من الذات، مع وجود ازدواجية في السلوك. والاتباع التقليدي يكون شكلياً وظاهرياً.
التبع قريب في المعنى من التلو؛ فالتلو هو متابعة الآخر والسير على نهجه مع إضافة تجديد وابتكار، ولا يكون الجمود على التقليد الشكلي. كما أن هذا النوع من الاتباع يكون متصلًا ومنظمًا ومرتبطًا ومرتبًا.
التصور: هو مقدمة التصديق. وللحصول على تصور صحيح لأي شيء، فإن أفضل طريقة هي التأنس والقرب منه. أما الانطباعات المفهومية فتبعد التصور عما يجب أن يكون، ويأتي التصديق بدون تصور. فالإيمان بالمجهول المطلق والعدم من هذه التصديقات التي تفتقر إلى تصور.
التفرس: هو التأنس بالغيب وإصدار حكم على ظاهرة من غير النظر إلى السبب الظاهر أو التجربة. والفراسة من الأمور الموهوبة.
التمحل: هو الإيواء والحيلة، وإدخال الشيء بصعوبة في مكانه.
التوبة: هي الرجوع عن الخطأ وترك المنكر. والتوبة عمل، والكلام عنها مجرد إظهار ودلالة لكي يعلم الناس أن الشخص قد تاب. والتوبة تعني الرجوع والإنابة. والندم والحرقة في القلب هما أساس التوبة، فالندم صفة للقلب. وعندما يريد الله أن يكرم عبده ويمنحه حالة التوبة والندم، يبتليه وهو في كامل إحساسه ليكبح شهوته نحو المعصية. والندم الحقيقي في القلب يكون أحيانًا عالي الثمن وشديد الألم.
الإنابة رجوع خاص يزيد على الندم والرجوع، فهي انكسار للإصلاح والتعويض، والمُنِيب يحاول إرضاء من أخطأ بحقه.
التميم: القصد والنية.
الثلم: خسارة لا يمكن تعويضها ولا يملأ مكانها شيء.
الثم: حرف عطف يدل على التراخي والتدريج، بمعنى أن العمل السابق الذي انتهى لا يتم متابعته في العمل التالي الذي جاء تدريجيًا، فالتراخي يشبه استراحة نفس وراحة من الماضي.
الجار والمجرور: يعتقد البعض أن الجار والمجرور يمكن أن يأتي في أي مكان من الكلام دون غرض بياني، فهو شكل صرف، لكن في الثقافة القرآنية هناك هدف ومضمون وراء اختيار موقع الجار والمجرور، إذ يتبع المعنى بدقة.
الجاء: هو القدوم الهادئ والمتصل والناعم المتوازن في كافة الأوقات.
الجبر: هو كسر وربط القطع المفرقة أو الأجزاء المكسورة. ولهذا السبب يُسمى الوضوء الخاص «جبيرة». والله هو الجابر، أي يكسر الظالم ويرعى المظلوم، وهذا أمر طبيعي وفطري، لا عنف وجبر. ونظام الأفعال الطبيعية كالشمس والقمر والنجوم هو جَبَري طبيعي وليس جَبْري قسري.
الجدل: كلام هدفه إسكات الطرف الآخر وليس الوصول إلى الصواب. والجدل إما مكابرة وعنف، أو جدال حسن معتدل.
الجسم: اسم الذات، والتعبير الدقيق والفلسفي له في الظواهر هو الاسم الظاهر، ووجه العنوان.
الجعل: إعادة الإنتاج غير الطبيعي، وليس خلقًا أوليًا، بل له سابق وخلفية، لكنه لا يتبع مسارًا طبيعيًا.
الجنّ: يعني الظلمة والستر والتعقيد. «جنة» تعني مكانًا مغطى. الغابة أو البستان المملوء بالأشجار المتشابكة، حيث لا يرى الشمس أو الأرض، وكل ما يرى العين هو الخضرة. يطلق على الجنّ لكونهم غير مرئيين ودقيقين وغامضين. والجنّ مرتبطون بالعلم والجمال، لذلك السيطرة عليهم سهلة عبر العلم والجمال. لهم حواس وأعدادهم أكثر من البشر.
الجند: الجيش والمحاربون الذين يشكلون دعمًا للشعب.
الجنس: في الجنس لا يعني التعدد والكمية، بل السعة والانتشار الذي يشمل جميع الأنواع والأفراد على حد سواء.
الجوز: المرور.
الجهد: بذل أقصى جهد في مواجهة العوائق الداخلية أو الخارجية، سواء كانت أضرارًا نفسية أو جسدية أو أعداء خارجيين.
الحبل: ما يُمسك به باليد أو القلب، سواء كان حبلًا فعليًا أو مثل القرآن الكريم؛ لأن الألفاظ توضع لروح المعنى، والحبل يُستخدم بمعناه الحقيقي، لا مجازيًا.
الحج: الدفاع عن أمر مقبول مسلم به للفرد أمام جاهل، ويقرب مع «الدلل». الاحتجاج هو الدفاع بكل عناد وثبات، وقد يشمل العنف والباطل، أما الاستدلال فهو دفاع منطقي لبلوغ الحق وإثباته. غالبًا ما يلجأ أهل الكلام إلى الاحتجاج، لكن الاستدلال يتميز بالتحضر والحرية. سورة الأنعام في القرآن الكريم فيها كثير من أمثلة الاحتجاج. يمكن للاحتجاج أن يستعين بالاستدلال. الاستدلال لطيف، والاحتجاج قد يكون دفاعًا عن موقف خاطئ.
الحجر: حدّ محدود بلا أصل، على خلاف الجبل الذي له جذور قوية. «جبلي» تعني متجذر في النفس. المحجور: محدود في التصرف في المال. «ذو حجر» عقل له حدود، والباطل لا يدخل إليه. التحجير: أرض محددة مرصوفة بالحجارة. التحجر: تصلب وجفاف لا يقبل المرونة.
الحرث: أرض منتجة للمحصول الذي بلغ مرحلة الحصاد لكنه لم يُحصَد بعد.
الحزن: كآبة وانزعاج تجاه حدث سابق، وهو حالة نفسية داخلية، لا يمكن تداركها بسهولة، وقد يؤدي إلى اليأس إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحي. يمكن مواجهته بالتفاؤل القوي تجاه المستقبل. الحزن هو ألم نفسي تجاه أمر وقع في الماضي، مقابل الخوف الذي هو ألم تجاه أمر قد يقع في المستقبل. الخضوع هو التواضع تجاه الآخر، قد يكون بسبب الهيبة والقوة أو بسبب المحبة والرغبة.
الحسن: الخير والفضل، وهو فعل ظاهر أو باطن يدل على الإحسان والكرم، سواء كان واجبًا أو مستحبًا. الحسنة مقابل السيئة، ولكل منهما مراتب مختلفة. ولا يكون السيء وسطًا بين الجيد والأفضل.
الجمال يشبه الجلال من حيث بروز القوة والهيبة، لكن الجمال هو اللطف والظرف، والحسن يشمل جمال الباطن والظاهر معًا. مثلاً لا يُقال: «الإيثار جميل» لكن يمكن القول «الإيثار حسن».
الفضل: عمل غير واجب، قد لا يكون بالضرورة خيرًا، لكنه رحمة خاصة من الله تتجاوز العادة، كحكمة لقمان التي توجه الباطن، على عكس «آتَى» التي تعني إعطاءً خارجيًا.
من لا فضل له يعيش برحمة عامة فقط، ولا يملك ميزات عالية. الفضل له أصل أزلي وهو أمر خارج من عالم المادة ومرتبط بالروحانية.
الإنفاق: مساعدة من يعاني نقصًا أو ضيقًا، والإيثار هو العطاء رغم الحاجة الشخصية.
الحكم: شيء ثابت في الخارج وقابل للاستناد، له قوام وامتلاء ولا شك فيه.
الحاكم: هو من يكون فعله قائمًا على الحق والعدل والإنصاف.
لكل شيء حكم، فإذا تحقق يصبح ثابتًا، وإذا غاب يصبح ضعيفًا. الله هو أحكم الحاكمين، فحكمه يتساوى مع إرادته.
الحكيم: هو من يرى حق كل شيء، وهو من وصل إلى حكمته، فلا يعود يقول «أنا»، لأنه يعتبر عمله عمل الحكم. الحكيم من يكون له عمل ثابت ويقين أو بدعم ملكة مقدسة.
في مقابل الثابت الخارجي، هناك المتشابه الذهني. الحكيم لا يعاني من اضطراب ذهني أو نفسي، ولا هو حر يفعل ما يشاء.
الحكمة: ليست علمًا مكتسبًا، بل هي هبة إلهية: (يؤتي الحكمة من يشاء)[141]. لها حضور رباني، وتظهر الحقائق في نفس الإنسان.
الشك والشرط يعني وقوع خلل في الأمر وهو ضد الثبات.
الحاكم اسم فاعل، بمعنى أنه يحقق الفعل ويتمتع بالسلطة عليه.
كل أعمال الحكيم تكون ثابتة. إذا كان مسؤولًا عن إدارة مدينة، يعيد بناء المباني الضعيفة لتصبح مضادة للزلزال ويضمن أمن الناس بشكل قوي لا يتزعزع.
بداية الحكمة هي الالتفات إلى الحق والرضا به، وقوله: «وافعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله». ونهايتها قطع الطمع من الحق، دون النظر إليه كمتسول، بل كظهور وتجلي، أي «أنا الله نفسي».
يُراعى أن الأحكام الشرعية هي أمور تستوجب معرفة موضوعها بدقة مع كافة جوانبه ليُصدر الحكم المناسب. أولياء الله عندما يفنون وتزول عنهم مظاهر الجهل والنقص، يصبحون فاعلي حكم، ممن يُعطون القدرة على التصرف والسلطة.
الظواهر العادية أيضًا لها حكم. المظلوم له حكمه وهو آهته، والمؤمن له حكمه وهو عنايته، فإذا ذهب ذلك عن أحد يصيبه الضرر في الدنيا والآخرة. الحكم لدني عام لكل ظاهرة.
الحِمار: من الحيوانات، هو الحمار الضعيف والهش، على عكس الأسد. لحمه مكروه، ولا يُهضم جيدًا، ولا يلتصق كالعسل، ولا يلين.
الحمار من كلمة «حمر» بمعنى الأحمر، و«حصانة» الحمار تعني القوة مقابل الحيوان الضعيف.
الحي: الكائن الحي له حياة، لكنه قد يكون كالحيوان أو كالنبات، وهناك حياة ذات مرتبة أعلى في النفس الإنسانية.
الحديد: المعدن الذي يشبه الإنسان، القوي القابل للتشكيل، والحديد ثقيل لكنه قابل للتحول، ومن خصائصه التوصيل.
الحزب: مجموعة تجمعها مصلحة وقانون واحد.
الحيلة: هي التفكير في طرق مختلفة لإدخال شيء ما أو إخراجه بحذر وذكاء.
خبط: الخبط هو اللين الناجم عن الضعف والهشاشة. والخبت (بالتاء المربوطة) تعني اللين، والأرض المستوية والواسعة. والخبت هو “التواضع والاتساع واللين الناجم عن القوة والسيادة”. أما الأخبات، فهي “الاطمئنان المصحوب بالخضوع الكامل واللين المستمر والتخلي عن الأنانية”. والمخبتان هما الشجعان الذين يقطعون أرضًا رملية بالإيمان والاطمئنان إلى الله، فينجحون ويصلون إلى هدفهم، ولا ييأسون خلال الرحلة، ولا يخافون شيئًا.
الخبط هو فعل لازم أصلي، أي أن فاعله يصدره بصفة أولية ومن دون تأثير عامل آخر؛ أما “التخبّط” – على وزن تفعّل – فهي دلالة على معنى ثانوي متوسط وإنفعالي. قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [سورة البقرة: 275].
التخبّط هو الضرب الشديد بأداة قوية على شخص ما لإحداث ضعف وهشاشة فيه؛ وهو ضربة تجعل الإنسان يعاني التعب والمشقة حتى الموت، لكنه لا يموت. على سبيل المثال، الربا من العوامل المسببة للهشاشة – خصوصًا الهشاشة العقلية – والتي تؤدي إلى الجنون وتجعل آكل الربا مضطربًا ومشوشًا وقاصر الفكر. الربا لدى آكله يهيئ حالة وينتج انفعالًا يجذب الشيطان للقيام بالخبط تجاهه، وليس صحيحًا أن الشيطان يقوم بالخبط أصلاً. فالرباوية تسبب من خلال الضربة الشديدة التي يوجهها الشيطان ضعفًا وهشاشة في آكل الربا.
التخبّط نوع من الجنون ينشأ عن مسّ الشيطان للفرد.
المسّ أمر مادي يحس به الإنسان بالحواس الظاهرة ولا يشترط أن يكون شديدًا. وقد لا يكون المسّ محسوسًا بالحواس الظاهرة بل يكون أمرًا روحيًا نفسيًا. كما أن المسّ يتطلب ضربًا وقهرًا.
المَسّ هو مرور أو انزلاق شيء على شيء آخر ويتطلب حركة، وقد يكون مثل نسيم لا يسبب ألمًا محسوسًا ولا يلفت انتباه الشخص، لكن اللمس له إحساس ظاهري وتأثير قد يكون مؤلمًا. أكل الربا يمكن الشيطان من المسّ النفسي لآكل الربا. فبالمسّ الخفي وغير المدرك الذي هو نوع من التعدي، يضعف النفس ويصبح قابلاً للانفعال وقبول الوساوس الشيطانية. يجب التنبيه إلى أن الربا هو الذي يجلب التخبّط، وليس الذنوب الأخرى كالقتل والسرقة. الربا لا يقتل لكنه يربك النفس نفسيًا وينقل الإعوجاج والشيطنة التي في الشيطان إلى آكل الربا عن طريق المسّ، فيصبح متورطًا في إعوجاج لا يعرف كيف يتصرف بأمواله الربوية. من أبسط الإعوجاجات التي تحدث لآكل الربا الميل للتعدي على المحارم والمثلية الجنسية، حيث ينفق أموالاً طائلة على ذلك، مع أنه يفقد متعة النوم والطعام وذائقتهما.
التخبّط هو تلك الحالة من الاضطراب والتشتت التي تنصرف بالنفس والباطن إلى حالة من الانغماس في الأوهام التي تجعل الإنسان يعاني من حياته ولكنه لا يموت.
مسّ الشيطان هو نوع من الضرب القوي للنفس بحيث يفقد الشخص توازنه ويصاب بالهلوسة وينطق كلامًا غير مفهوم. وأحيانًا يؤدي ذلك إلى تحفيز الفساد في الشخص أو ظهور سلوكيات إيذاء النفس أو إيذاء الآخرين أو حكة في بعض مناطق الجسم.
خزي: الخزي هو الذل الناشئ من الضعف والفراغ الداخلي والفساد والخراب في الباطن، وهو التفتت الداخلي للنفس.
خطأ: الخطأ هو زلة واعية ناجمة عن التهاون في أحد أصول العمل، كما في المقولة “الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار”. الخطأ يختلف عن السيئة والذنب. لمزيد من التوضيح يرجى الرجوع إلى تعريف هذه المصطلحات.
خطب: هو التقدم خطوة. والخطيب هو الذي يسبق لقول شيء. وخطبة العقد تسمى كذلك نسبة إلى التقدم خطوة. ويقارب المعنى مع “خطو” بمعنى انزلاق الخطى.
خفي: الخفاء هو كل ما هو مستور، حتى الأمور التي تغيب عن الذهن ولا تخطر على الفكر، ويعني أنه لا يُعلم حتى بوجود هذا الأمر الخفي. الأمور المستورة التي نعلم بها لا تُسمى مخفية. في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الاَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) [النمل: 65]، فإن لفظ “الله” هنا اسم جامع كلي شامل، أي لا يخفي عليه شيء من كل ما في الكون. و”شيء” اسم نكرة يدل على الشمولية مهما صغر. ولم تأتِ العبارة بنفي إيجابي لأن الإنسان العادي لا يحتمل ذلك الشمول الدقيق. جاء الذكر “ولا في السماء” ليخصص حكم الإحاطة بالسماء عن الإحاطة بالأرض، إذ إن الإحاطة بالأرض أصعب بكثير من الإحاطة بالسماء.
خلد: الخلود هو البقاء الدائم. ويُستخدم أيضًا بالقرينة للدلالة على طول الأمد والزمن.
الخلق:
هو الخلق الخاص الذي يُعدُّ أساس كلِّ ظاهرة، وهو صفة باطنية وجوهرية. هذه الكلمة قريبة المعنى من «بدء» و«ظهر»، ولكن في الظهور لا يوجد اختيار بشري كما في قوله «بدأت الشمس»، كما أنها تشير إلى الشيء الذي لم يكن واضحاً ثم يظهر، وهي مقابلة للخفاء. أما «الظهر» فيدخل فيه الاختيار البشري، ويشير إلى شيء واضح يمكن أن يظهر مرة أخرى ويزداد وضوحاً، وهو مقابل «الباطن».
الفرق بين «البدء» و«الخلق» هو أن «البدء» ينطوي على معنى التقديم والابتكار والحداثة، أما «الخلق» فلا يتضمن هذه الخصائص. الخلق الداخلي والطبيعة والهيكل الخاص بكل إنسان هو خلقه الذي يتبع خَلْقه.
الخلق قريب المعنى من «الأدب»، فالأدب الظاهري هو أثر الخلق وشكله وفعلِه، وبما أنه ليس جوهرياً وإنما ظاهري، فيمكن التظاهر به. الأدب هو مراعاة حدود الظواهر دون إفراط أو تفريط، وهو يحتاج إلى الحكمة. لذلك، الأدب لا يعني أن يكون المرء ودوداً مبتسماً مع الجميع، بل صاحب الأدب هو الذي يفي بحق كل شيء ـ سواء الدين وكتاب الله أو جميع الظواهر المرتبطة ـ بالقدر المناسب.
الأدب هو التناسب والاعتدال في المعاملة. الأدب صفة فعلية وليست جوهرية أو باطنية، ويظهر على الظاهر. وإذا لم يكن من قبيل التظاهر، فيمكن من خلاله معرفة خلق الإنسان الباطني.
«الأدب» كمالٌ ظاهري مثل السلام والتحية، والخلق صفة باطنية مثل التواضع. مثلاً، شخص يُلقي السلام ويتصرف بلطف ولباقة، ولكنه في مكان ما يؤذي عشرات الأشخاص بشدة من أجل عدم التنازل عن حقه الشخصي، فهذا شخص مؤدب لكنه يفتقر إلى الأخلاق.
السنة هي فعل له أصل ديني أو قدم تاريخي. الفعل هو سلوك الجوارح، والخلق صفة لهذا الفعل الجوارحي.
جمع خِلّة: هو النصير والحامي؛ الخليل. يقول الله تعالى: (يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)[146]. الشفاعة (التوسط ودفع الثمن) والبيع (الشراء والبيع) من أقسام التعامل الحقيقي، بحيث لا وجود لفرض رابع.
جمع خَوْف: الخوف هو الخشية الناجمة عن التمركز في مقام عالٍ ومرتبة رفيعة، وهو متعلق بالأحداث المستقبلية التي يمكن التخطيط لها والوقاية منها. الخوف هو كلمة ذات سلطان، تحرك وتنبه وتدقق وتثير المقاومة. الخوف يصيب الإنسان العاقل والحسابي، ويولد لديه حالة من التوتر والقلق.
الأشخاص المجانين أقل عرضة للخوف. أما أهل الإيمان والأولياء لأنفسهم درع وقاية يحميهم من الخوف.
يجب الانتباه إلى أنه إذا تولى شخص غير مستحق موقعاً رفيعاً، فإنه يصاب بخوف غير طبيعي ومرض نفسي يؤدي إلى أضرار جمة لنفسه وللآخرين. من كان لديه تصور مهين عن نفسه منذ الصغر يصبح جباناً. ومن تعرض للإهانة أو الضرب على الرأس يصاب بالجبن والخوف. الخوف قريب المعنى من الحزن والخشية والاشفاق.
الحزن هو الهمّ والقلق النفسي تجاه الماضي. إذا شُمل جانب الرحمة للنفس وأخذت الحيطة من الأذى في الخوف، يسمى اشفاقاً. وإذا كان الخوف بسبب احترام جلال المولى وعظمته يسمى خشية. الخوف لا يحتاج إلى علم، أما الخشية فهي خوف واعي وقلبي يتطلب معرفة ورؤية.
جمع خَيْل: من خيال، يعني العلو والسمو. من يركب حصاناً يشعر بأنه أعلى من الآخرين، ولهذا يقال لهذا الحصان «خيل». تعبير (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ)[147] يعني المركبة التي يتباهى بها الإنسان ويُظهر نفسه، مع أن المركبة هي أداة للحياة الأفضل وليست للتفاخر.
جمع دَأْب: العادة والسجيّة؛ وهي صفة مستمرة، كما في قوله تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ)[148].
دَرَج: الارتفاع والسمو. «درجة» مقابلة لـ «دركة» التي تعني الانخفاض. الدرجة مرتبطة بالسلطة والحكمة العملية، مثل المعجزات العملية لموسى عليه السلام.
جمع دَرَك: الانخفاض؛ أقل مستوى من الإدراك العقلي البسيط في الذهن. قريب المعنى من «دلل» الذي هو الإدراك العقلي المستند إلى سند. وهو مقابل «درج» الذي يعني الارتفاع وتثبيت الشيء في النفس.
جمع دَنَس: النجاسات النفسية الباطنية والخفية، وهو مقابل «لبث» الذي يعني النجاسات العرضية الظاهرة والظاهرية.
جمع دنو: الدنيا من هذه المادة. تعني القرب (مقابل الآخرة التي هي البعد). الدنيا منخفضة ومنخفضة الموقع، وليست حقيرة. الدنيا قريبة بسبب قرب الوصال، وهنا يتحدد التكليف بالسير في اللا متناهى بالعالم وبكيفية عالية.
قال الله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)[149]. «الدنيا» اسم عظيم من أسماء الله المتعددة، والاستمرار في ذكره يجلب الدنيا والفرص. الدنيا حياة بها يصل العبد إلى العلم والقوة والجمال والمعرفة والمحبة. الدنيا جميلة جداً، ولها سبع مظاهر في أجمل النساء عند أمير المؤمنين.
الدنيا بفعل المحبة لله تفقد وجهها الخلقي، والزوال والوصول ليسا إلا ذلك. يصل الإنسان في رحم الدنيا إلى حقيقة أن الله هو ظهور وحقيقة المحبة، وأن الوجود وكل الظواهر الظاهرة منه بما فيها الدنيا هي فاتنة.
«الدنيا رأس كل خطيئة» أي دناءة النفس، وليست خلق الله الذي هو فعل الله ولا يخطئ. الخطأ يرجع إلى النفس الإنسانية.
جمع دين: هو المنهج والبرنامج الذي يُطالب بالحقوق بطريقة نظامية ومنظمة ويخضع له. «دين» اسم حق بمعنى «طالب الحقوق والمجازي». «ديان» صيغة مبالغة و«ديان العرب» تعني «طالب حقوق العرب». في معنى الدين صفتان مهمتان: «الانقياد» و«المجازاة على أساس القانون والبرنامج والنظام». إذن، الدين ليس انقياداً لشخص بل لانقياد لمنهج وبرنامج.
جمع ذِكْر: الانتباه والتركيز وحفظ نتائج الفكر والمعرفة. لا يقتصر على الانتباه الحسي بل يشمل العقل والقلب. «تذكر» جمعها نسيان، أما ذكر ضد النسيان ولا يجتمعان. الذكر في القلب، وهو يقظة للحقيقة والانتباه إليها. الذكر قوة لأهل المعرفة وفضل من الله على أصحاب القلوب. الفكر حركة للوصول، أما الذكر فهو كائن فعلي. الذكر صفة حق.
جمع ذنب: تعني «دم» و«ذيل»، وتعني أيضاً تبعاً للأفعال السيئة المرتبطة بها، فالتوبة من الذنوب لا تكفي ولا تمنع العقاب، كما لو أكل شخص سمّاً قوياً يظهر أثره فوراً. «أخذ» في قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)[150] هو عقاب الذنب، وهو نوع من العذاب. كما يصاب الإنسان بألم في المعدة أحياناً، فإن الاضطرابات النفسية التي تنشأ من بعض الذنوب تصيب الإنسان كذلك.
الذنبُ هو ملازمُ الفعلِ الذي يتبعُ الذيلَ (الدُمّ)، وهو عاقبةُ الفعلِ الإجرامي، وكذلك العقابُ الأخرويّ باعتبار ما لا ينفصلُ عنه من اللوازم، مثل الجزاء الطبيعيّ الذي يحسبه العالمُ الحكيمُ بدقةٍ وعلمٍ؛ ولذلك جاء في الآيةِ الكريمةِ: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
ومن لوازمِ بعضِ الذنوبِ جمودُ الروحِ وقسوةُ القلبِ. وفي علمِ الديناميكا والحركةِ في الفيزياءِ يُقال: «لكل فعلٍ ردُّ فعلٍ مساويًا له في الشدةِ ومضادًا له في الاتجاه». ونظامُ العقابِ الإلهيِّ يتبعُ نفسَ هذا النظام الطبيعيِّ الديناميكيِّ، فتتوالى آثارُ الأفعالِ على الإنسانِ بطريقةٍ منظَّمةٍ ومنهجيةٍ.
والـ(آثـم) هو الذنبُ الذي لا يُؤخذ فيه بعين الاعتبار الظلمُ أو التجاوز، وإنما يُسمّى ذنبًا باعتبار الدناءةِ والانخفاضِ والسقوطِ.
وأما الـ(خطيئة) فلا يُحتسبُ فيها حتى الذنبُ، ولكن الـ(عصيان) يشملُ الذنبَ والظلمَ معًا. ويسمّى الذنبُ عصيانًا لأنه يُحدثُ زوبعةً من الفوضى والاضطرابِ في نفسِ الفاعلِ، ويُشوّشُ حياته وحياة الآخرين بسلوكٍ عنيدٍ لا يُمكنُ السيطرةُ عليه.
وأمّا الـ(قصور) فهو نقصٌ اعتباريٌّ مصدرٌ من حيثُ القصور، ولا يدخل فيه قصدُ الفاعلِ أو وعيه، وقد يكون غيرَ واعٍ. أما الـ(تقصير) فهو من باب التفعيل، ويعبّر عن استمرار النقصِ وتتابعِه مع وعي واهتمامٍ من الفاعل.
و(سهى) يعني الجهلُ وعدمُ الإدراك.
و(رأي) هو فهمُ الأمورِ الخارجيةِ بدقةٍ وإدراكها بالعينِ، والرؤيةُ من مصادر العلمِ والمعرفةِ التي تتفاوت درجاتُ الإيمانِ تبعًا لها. وقد يكون الإنسانُ ذا أنواعٍ مختلفةٍ من الرؤية، وقد يرى الشيءَ بعدّةِ أوجه، مثلاً رؤيةً حسّيةً أو نفسيةً أو عقليةً.
ومن أصناف الرؤية النفسية، الرؤيةُ التسلّطيةُ والتحريضيّةُ الشيطانية. وهذه الرؤى مثل الرؤى الرحمانية، قد تظهرُ عند الأطفالِ منذ حوالي ستة أشهر، ولذلك يُستحبّ لحمايتهم من تأثير الشياطين وضعُ القرآن الكريمِ وكأس ماءٍ على رؤوسهم.
وأصحابُ العبقريةِ يمتلكون رؤيةً نبوغيةً، والمتصوفةُ المتمكنون يتمتعون برؤيةٍ روحيةٍ، سواءً كانت سريةً أو خفيةً أو أخفية.
وفي المقابل، قد يعاني البعضُ من رؤى وهميةٍ تمثيليةٍ دنيويةٍ، لها واقعٌ لكنها ليست حقيقة.
كما أن الرؤى التسلطيةَ جينيةٌ، وتتنشط في بعض الأشخاص بحسب الوراثة، بحيث يكون الفردُ متأثرًا بصفاتِ والديه في رؤيةِ أمورٍ معينةٍ متناسبةٍ معها.
بعضُ الكفرة يمتلكون رؤى تعذيبيةً وخوفية، وبعضُ المؤمنين يُمنحون رؤى لطفيةً حبّيةً. في الرؤية الحبّية، يصبح الشيءُ المحبوبُ للمؤمنِ بارزًا أكثر من غيره، مثل الشخص الذي يرى ابنه وسط جمعٍ كبيرٍ ويركز عليه.
هذه الأمور تُظهرُ تنوعَ مصادرِ العلمِ والمعلوماتِ بلا حدود.
وقد قال الله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [سورة الزلزلة: 7]، أي أصغرُ شيءٍ، قد يكون أصغرَ من الذرةِ نفسها، يُبيّن للفاعلِ ليراه بوضوحٍ وشفافية.
وفيما يخصّ النبي إبراهيم عليه السلام، جاء في قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) [سورة البقرة: 260]، أي أريد أن أرى كيفية إحياء الموتى. والرؤية هنا تعني الاطمئنان، ولذلك قال بعد ذلك: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).
والعرضُ شيءٌ أعلى من مجرد الرؤية؛ لأنه يشمل الإدراكَ العميقَ والكاملَ. والرؤية العامة في يوم القيامة أعلى وأسمى من ما رآه إبراهيم في إحياء الطيور؛ لأن الفعلَ جاء بصيغة المضارع البسيط (يَرَهُ) وليس بصيغ مزيدة، مما يدل على ظهور الفعل في أقصى وضوحه.
و(ربا) من الكلمات المشتقة من الفعل (ربو) والمعتل بالواو. والربا هو مصدر يدل على النمو الظاهري والتربية السطحية، والتكبير الخادع، والانتفاخ، والتمدد، والانفجار، والخروج من البيضة.
والربا المالي هو انتفاع يُظهر المال بشكلٍ ظاهرٍ وكبيرٍ، فيسمى رباً.
أما (ربأ) بالهمزة على اللام، فمعناها الرفع والزيادة، و(ربب) (مضاعف) لا يحمل معنى التربية، وإنما يعني مجرد الولادة والإنجاب.
في جميع هذه الألفاظ، يظهر معنى الزيادة والكمال بشكل واضح.
قال الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) [سورة البقرة: 276]، فالربا يسبب النقصان والاندثار، ويجلب الكوارث المفاجئة والمتراكمة.
وانتشار الربا في المجتمع، بعد عدة عقود، قد يؤدي إلى الحرب، فتصبح المجتمعات بالحروب محقةً ناقصة.
الكفر والظلم والربا، هي ثلاثة عوامل رئيسة لاضطراب البشرية في عصرنا الحاضر، بحيث إنّ أهم عامل للحرب العالمية الثالثة – التي ستقع بعد عدة قرون – هو العامل الاقتصادي، وبالأخص الربا.
وصف محقّ الربا لله يعني أن شيءً من قدرة الله لا يخرج عن تصرفه، وإلا فالحق يُلزَم بكونه قهريًا ضد الربا، وهذا النظام المنحرف في معاملات البشر هو سبب هلاكهم.
طبيعة عمل الربا هي المحق؛ لأنه كالحقن تحت جلد اقتصاد المجتمع، يسبب انتفاخًا متورمًا، وليس نموًا طبيعيًا وصحيًا.
أما (ربح) فهو الربح الناتج من البيع، مقابل (تجر) الذي يشمل المصالح والحقوق السياسية والاجتماعية.
و(ربص) يعني الانتظار مع الوعي والانتباه للكمية أو المدى.
و(رزم) حركة تتطلب قوة عالية، وتسمى بحركة شدّ القوس – التي تمثل أقصى مدى له. ولكل قوس عدة انحناءات، والقوة العظيمة المطلوبة للانحناء النهائي تولّد صوت نحيب أو أنين القوس.
و(رسل) جمع رسول، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّکَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [سورة الصافات: 171].
وكلمة (المرسلين) اسم فاعل يدل على الاستمرارية، ما يعني أن نظام الرسالة النبوية مستمر دومًا، والنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ليس وحده في هذه الرسالة.
الرسول هو الوسيط في إيصال الفيض، سواء كان من الأسرار المعنوية والمعرفية أو من النعم المادية.
و(رصد) يعني المراقبة الدقيقة. و(مرصاد) هو مكان المراقبة.
كقطّة تجلس بهدوء وتركيز على حافة البركة، تحبس أنفاسها لصيد السمك، أو كالأم التي تراقب طفلها على السطح أو قرب البئر، حيث أدنى صوت قد يوقعه في خطر.
كذلك صائد الحمام يرمي القمح كطُعم ليصطاد الحمام.
قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ) [سورة التكوير: 14]، أي إن الله يراقب كل عبد برقة وحب، ويرعاه بعناية فائقة.
و(رضا) صفة ذاتية لله تعالى، وهو أمر نفسي، و(مرضى) من الصفات الفعلية والمفعولية، ووصفٌ لمظهر رضاه الإلهي.
يمكن اعتبار رضا الله تعبيرًا أعلى من (سبيل الله)، ويشمل فقط المؤمنين، لأنه يجب أن يكون وسيطًا ليُنال رضا الله.
في الدنيا، لا يرضى أحد إلا إذا رأى كل شيء خيرًا وجمالًا.
ومن يرضى، ينظر إلى الأمور من الأعلى، ليس من موقع المخلوق، بل من باب المحبة والانصهار والقرب من المحبوب (الله).
وكذلك، لا يمكن للعبد أن يعلم أن الله راضٍ عنه إلا إذا كان هو نفسه راضيًا في جميع أحواله – في السراء والضراء – عن الله، لأن رضا القلب تابع لرضا الله، كما قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [سورة التوبة: 100].
الحبُّ هو الظهورُ. لا يستطيعُ العاشقُ إخفاءَ ذاتهِ، ولهذا فهو صادقٌ. في الحبِّ، يكونُ العاشقُ والمحبوبُ في وصالٍ واتحادٍ بل ووحدةٍ، حتى يحققَ العاشقُ قربًا ووحدةً مع المحبوبِ بحيث يصبح المحبوبُ جزءًا من نفسِه وروحهِ. وإذا كان موضوعُ الحبِّ أمرًا مادِّيًا، فإنَّ نفسَ العاشقِ تُدركُ حقيقةَ المادةِ وتُجردُها من حدودِها المادِّيّة لتستطيعَ تشكيلَها حسبَ تصوراتِه. لذلك، يمكنُ للنفسِ الإنسانيةِ أن تحبَّ حتى الأمورَ الدنيويةَ.
الشهوةُ هي حبٌّ منخفضٌ. هي رغبةٌ شديدةٌ للنفسِ نحو شيءٍ مناسبٍ أو كمالٍ محمودٍ ومعقولٍ، يُفضي إلى نموِّ النفسِ وكمالِها، أو غير مناسبٍ ومذمومٍ وغير معقولٍ يؤدي إلى انحطاطِ النفسِ.
الشهوةُ مصدرٌ مجردٌ، وأشتهاهُ هو البِدايةُ والبيئةُ التي تنشأُ فيها الشهوةُ، وهو من بابِ الافتعالِ الذي يدلُّ على الطاعةِ والاختيارِ والطلبِ، وهو التوهّجُ والاحتراقُ في الشهوةِ.
الشهوةُ للنفسِ كالطاقةِ والوقودِ. والشهوةُ تتناسبُ مع المرحلةِ التي يمرُّ بها الإنسانُ، فمثلاً شهيةُ الطفلِ هي الحليبُ والنومُ واللعبُ، وهذه شهوةٌ مناسبةٌ له. وكلما حظي الطفلُ بنومٍ جيدٍ في مكانٍ هادئٍ ونظيفٍ وحليبٍ مغذٍ ولعبٍ صحيٍّ وفرحٍ، نما أفضلَ ونما بصورةٍ صحيةٍ.
الشهوةُ الموحدةُ الخاليةُ من التنوعِ لا تُمهّدُ لنموِّ النفسِ. الأطفالُ الأكبرُ سنًا أكثرُ تحفيزًا، ومن لا يتأثرون بالمحفزاتِ هم مرضى. فالطفلُ يلعبُ بالدمى ويشعرُ بالسرورِ والنجاحِ من ذلك. وبعدَ كبرِه، يجدُ لذته ونجاحه في أمورٍ أخرى كقوة الفكرِ والعقلِ والمعرفةِ.
بعد التحفيزِ، يظهرُ الميلُ في المراهقِ، والميلُ إمّا مادّيٌّ أو نفسيٌّ. الميلُ النفسيّ هو اشتعالٌ نحو عالمِ الناسوتِ وتحقيقُ الصفاتِ المتعلقةِ به، مثل الميل إلى الاستقلالِ وامتلاكِ مسكنٍ.
بعد ذلك، يظهرُ الميلُ المعنويُّ، مثل حبِّ الزوجةِ والعلومِ المعرفيةِ والاختراعِ والابتكارِ، حيث يزدادُ شدَّةً. في الزواجِ، الشهوةُ القصيرةُ هي النكاحُ والزواجُ، والبُعدُ الطويلُ والشهوةُ العُليا هي إنجابُ الأولادِ.
وكذلك الميلُ إلى الرياءِ والظهورِ، وهو شهوةٌ مخفيةٌ. ومن بين الميول المعنويةِ، هناك الرضا والحبّ.
في الميلِ الربوبيِّ للحبِّ، تُنجزُ الأعمالُ بلا غرضٍ أو طمعٍ، وتكونُ نقيةً، وأقصى نموِّ للشهوةِ هو “حبُّ الحقّ”، حيث يحضرُ اللهُ في كلِّ أعمالِ العاشقِ والمحبوبِ.
يقولُ القرآن الكريم: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) [الزخرف: 32]، أي شهوةٌ لا تنتهي.
ينبغي أن تُخلقَ هذه الميولُ في السنِّ المناسبةِ وتُدارَ، فالنشاطُ المفرطُ أو الكسلُ كلاهما مرضٌ، وإن اختلفت الأحكام بين العلماء.
ما ينبغيُ ملاحظتُه في العلاقاتِ الشهويةِ هو أن يسودَ مبدأُ “تبادلِ اللذةِ” بين الآخذِ والعاطي، فكما يأخذُ الفلاحُ من أرضِه، يجبُ أن تأخذَ الأرضُ منه، بحيث يستمتعُ الطرفان. ينبغيُ أن تُطهَّرَ الأرضُ من الآفاتِ، ولا يُشعلُ الحريقُ بقايا المخلفاتِ بعد الحصادِ، لأن ذلك ظلمٌ للأرضِ ويُضعفُها، أما إذا حصلت الأرضُ على حقها، فسوف تعطي محصولًا أفضلَ في السنةِ القادمةِ.
متعةُ الحياةِ والخيرُ فيها، وكذلك الحياةُ الإنسانيةُ والدينية، تكمنُ في التوافقِ والانسجامِ والعيشِ معًا من أجل العيشِ معًا، ورغبةِ كلٍّ في الآخرِ ورضاهم، لا في الأنانيةِ والقوةِ والظلمِ والطمعِ، التي تؤدي إلى الخلافاتِ والفسادِ والدمارِ، وهو انحطاطُ الشهوةِ والنجاحِ.
يجبُ الانتباهُ إلى أنَّ طبيعةَ الناسوتِ مبنيةٌ على الاعتمادِ والانتماءِ والنجاحِ في سياقِ الطالبِ والمطلوبِ والجاذبِ والمجذوبِ والعاشقِ والمحبوبِ، وكلُّهم متداخلونَ ويحتاجونَ إلى بعضِهم البعضَ، ولا يستطيعُ أحدٌ العيشَ بدونِ الآخرِ. الإنسانُ مرتبطٌ ببيتهِ والبيتُ مرتبطٌ بصاحبهِ، وإذا تركَ أحدهما الآخرَ، فإنه يضمحلّ. هذه العلاقةُ تُعتبرُ أساسَ الشهوةِ.
ويجبُ أن تؤخذ في الاعتبارِ أنه إذا كانت أعمالُ الشهوةِ والنجاحِ لا تحملُ الحبَّ أو العشقَ في ذاتِها، فإنها بعد الإشباعِ واللذةِ تُسببُ حزنًا نفسيًّا واكتئابًا، وتضعفُ الشعورَ بالارتباطِ والالتزامِ بالعيشِ معًا. الحبُّ ليس كذلك، فبعد اللذةِ يظلُّ الطرفان يتوقانِ لبعضهما البعضِ، وهذا التوقُّ الدائمُ هو استمرارُ اللذةِ والنشاطِ والصداقةِ والحميميةِ والوفاءِ، بحيث لا شيءَ يفصلُ بينهما إلا الموتُ والقبورُ.
لذا، الشهوةُ من أجل النجاحِ تحتاجُ إلى التوافقِ، وأن يكونَ بالإمكانِ العيشُ معًا حتى مع اللهِ، والتعايشُ والتعاونُ.
الصدق: هو الحقيقة والثبات. صدق كل شيء هو تماسكه وقوامه. الشيء الذي له قوام، يمتلك الكمال والجوهر والسلامة والباطن والميزان والمحتوى. الشخص الصادق هو من يملك القوام والكمال، ويتمتع بالصحة والسلامة. يُقال للموضوع “مصْداق” لأنه يمتلك الاستقصاء والقوام والواقع والكمال والصحة والباطن وتأويل المفهوم.
الفرد الصادق قادر على الصمود، والضعف بعيد عنه؛ لأن الضعيف والهش لا يستطيعان الحفاظ على القوام. صدق الله تعالى هو قوامه وبقاؤه؛ كما في ذكر “يا حي يا قيوم”، إذ وضعت “القيوم” بعد “الحياة”. “القيوم” تشمل جميع العلم والقدرة وجميع الأسماء الأخرى لله تعالى. “القيوم” صيغة مبالغة تدل على الفعل والاستمرار، وأن الله هو القائم على كل شيء. هذا الاسم من أسماء الذات الإلهية.
ويُعتبر “العالم” شخصاً يكون قوله وفعله متطابقين، وفعله يصدق قوله. صدق القلب يظهر في القوام الظاهري، وصدق النفس في توافقها مع الحقيقة ذاتها، وهذا التوافق هو القوام الحقيقي.
الصدق هو محتوى المفهوم وقوامه وحقيقته وتحقيقه ووجوده ووصوله ومحمله. حقيقة كل شيء وواقعه ومحتواه وتحقيقه ووصوله هو صدقه. من لا يمتلك محتوى وحقيقة لا يملك صدقاً. الصدق هو التوافق مع الواقع. معيار كل شيء هو صدقه. الصدق هو ذكر كل ظاهرة. من لا يملك صدقاً لديه قلب ونفس خاوية وفارغة من المحتوى. لذلك، صدق كل شيء يعتمد على مدى قوامه.
نية الصدق أمر باطني ومرتبط بالقلب، ولا يتعارض مع ما يلي: الرحمة مع العدو، المسالمه والتوافق معه، حفظ التقية، الابتعاد عن الجمود والتصلب في مجتمع يجب أن يكون متنوعاً، وألا يُدار بالقوة والقهر. قوام وصدق المجتمع يحفظ التنوع، وإلا فالقوة والتوحيد القسري يسببان الكراهية والاشمئزاز.
الصديق هو من يُقال له صريح اللهجة، لديه الصراحة والصدق والثبات في القول والعمل، وصدقه يظهر بوضوح وبقوة على طريق واحد وثابت.
“الصديق” صيغة مبالغة. الصادق هو الصدوق في القول والعمل لكنه لا يمتلك صراحة الصديق. الصدق والقوام يحتاجان إلى الحكمة. الصدق بالحكمة والاختيار والصفاء هو صدق وله قوام. الحكمة تحتوي على الثبات والقوة والقوام بحيث لا يمكن زعزعتها. لذا يجب أن تكون حقيقة ومنطقية ومستندة لكي تصمد. لا يستطيع أحد أن يكون صادقاً ويصمد بدون حكمة وكتاب (أي منطق ومستند صحيح). أعماله ستكون مزاجية وهواه ونزواته الشخصية، وستكون ضعيفة وهشة.
أساس الصدق هو الحكمة والكتاب. قلنا إن الصادق هو من يمتلك الحكمة والكتاب. مثل هذا الشخص، كل ما يقوله هو صدق بمعنى الحقيقة والثبات وليس فقط صدق الكلام. الصدق ليس وصف القول بل وصف الشيء. لذلك يقال للصادق من يملك قولاً وفعلاً ثابتاً، متيناً، يقينياً، برهانياً، حقيقياً، ذاتياً وأصلياً، أي “صحيحاً”. هذا القول والفعل واضح في قلبه كالشمس مضيء، ويمكنه تقديمه بالدليل. من لديه شك أو ظن في قضية ما أو يقبلها بدليل ظاهري غير صحيح، ليس بصادق، وكذلك عمله وفكره ليس لهما صدق وقوام.
المهر يسمى “صداق” ليعبر عن الصدق والاختيار والقوام؛ ولهذا يجب أن يكون شيئاً يستطيع الزوج دفعه، ولا يتعارض مع صدقه وصفائه وقوامه ـ وهو أساس الحب وميزان المحبة في بناء الزواج ـ وإلا كان العقد باطلاً.
الصداق هو مهر يمنحه الزوج لزوجته ليُظهر صفاءه وصدق قوامه تجاهها، ودليل حبه الحقيقي وقوته واستقامته ووفائه. ويُفضل أن يكون شيئاً يستطيع نقده. وكذلك صدق المرأة يظهر في قبولها هذا المهر. كما يجب أن يكون صدق المهر متناسباً مع محبة الزوجة، وقيمته الحقيقية تعكس قوامه وصدقها. كما ينبغي ألا يكون مبالغاً فيه لدرجة لا يمكن دفعه، ولا بخيلاً في الحد الأدنى.
الحب أمر نفسي يُظهر بالهدايا. الصدقة أيضاً نوع من الإنفاق، وهي تحتاج إلى صدق وقوام. من لديه صدق لا يسعى إلى إيذاء الآخرين، بل يحب الخير لهم. لذلك، وبما أن الكلمات تُوضع لمعنى الروح، فالإنفاق الذي فيه أذى وبدون صدق وقوام ليس صدقة. الصدقة تنقي الباطن، وهي مفيدة للأعصاب، وتزيل الوسواس والمشاكل النفسية الأخرى. من لا يتصدق يُصاب بالقبض ويصبح قاسياً مع الزمن.
“التصديق” من باب التفعيل وهو أمر مكتسب كالتوحيد، أي يحتاج إلى جهد ووقت وظروف كالنية والانتباه للوصول إليه. باب التفعيل له فاعل إرادي، أما باب التفعل فلا فاعل له بل هو انفعال. التصديق ليس له درجات، بل هو صدق وتحقق اعتقادي وإيماني، لكنه أعلى من ذلك وأشبه باليقين في القوام.
التصديق أعلى من الإيمان والتوحيد، لأن التوحيد له مراتب، وأعلى مرتبة هي عين التوحيد أي الوحدة، أما التصديق فلا يتحقق إلا عند كمال قوامه ومحتواه.
الإيمان مفهوم يجمع بين الجهل والظن، ويمكن حتى لمن ليس له بحث ودراسة أن يصل إلى إيمان ولو كان خرافة. التوحيد هو معنى ومحتوى يرتقي إلى درجة، والتصديق هو ذروته، وهو اليقين ونهاية القوام، ولا يرتقي، وهو قائم على الصدق والحق، وأعلى مقياس قوام. التصديق يحتوي على عنصر الاعتقاد.
ج ـ عَرَفَ: هو معرفةُ هويّة الشيءِ وباطنه وحقيقته وذاته، وهو ما يُسمّى بالحكمة. وطريقة المعرفة تتمّ عبر البرهان اللّميّ، أي السير من العِلّة إلى المعلول. والتعرُّفُ هو وعيٌ حصوليٌّ يتمّ دون عناء، وهو لفظٌ من باب التفعّل، يدلّ على حصول الفاعل له بنفسه دون إرادة منه، خلافاً لـ«التعريف» الذي هو من باب التفعيل ويحتاج إلى تحصيل واكتساب ويتطلب بذل الجهد.
المعرفةُ في النفس والروح، وأما حقيقتها فهي في العالم الخارجي. و«العَارف» اسم فاعل وصفة حدوثية لا تُطلَق على الله تعالى، لأن الله لا يمتلك صفات حدثيّة. الإنسان يمكن أن يصبح عارفاً، أي في حالة تغيير ونمو مستمرّ. ومعرفة الله تعالى ذاتية وحقيقية لا زيادة فيها ولا نقصان. الهيئة الفعليّة والمفعوليّة لهذه المادة تنطبق على الله تعالى. العرفان أمر روحانيّ ولا يخصّ فئة معينة، وبالانتقال عن الأمور النفسية والعلمية يمكن بلوغ عرفان القلب.
العرفان إمّا طبيعي وتكويني وهو في جميع الظواهر، أو إرادي وخاضع لإرادة الإنسان، أو ذاتي خاص بالله تعالى. العارف الإرادي إمّا أن يكون متعلقاً ومحبّاً متعبّداً، أو جوهر محبوب سبق له أن عرف الله قبل ظهوره في العالم.
ج ـ عَزازيل: هو اسم جناب إبليس، يمتلك قدرة تأثير في الأنفس النجسة ويقودها إلى طرق الشرّ، كذبابة تختار الأماكن القذرة والنجسة.
ج ـ عَصْر: الضيق والضغط، ووقت العصر يُسمّى كذلك لأنّه يقع بين الظهر والغروب في حالة ضغط يصعب تفكيكها بسهولة.
ج ـ عَصْم: الحفظ مع الدفاع. الاعتصام بالله هو الحفظ الذي يتم بالحرمة والتمسّك بالحق، بحيث لا ينتهك الإنسان حريم الحقّ، ويكون في حفظه ودفاعه تحت كنف الله ليحصّنه من النفس والذنب والشيطان. العصم يتضاد مع الإثم في المعنى.
ج ـ عُطْفَة: الربط والاهتمام الخاصّ بالنظرة السريعة للإشارة إلى القرب والود.
ج ـ عَفّ: له معنى قريب من «لَفّ» أي الالتفاف والإخفاء، فالعفّ هو إخفاء الذات بأمور عقلية كالحَياء والزينة، واللَفّ هو الالتفاف حول أشياء محسوسة كالملابس والأغطية. «العفيف» هو من يلف نفسه بالأخلاق الحسنة والحياء والشرف.
ج ـ عَفْو: العفو هو التسامح مع تأمين حاجات المُعْفَى عنه، ومعناه أعلى من الستر، حيث لا يُمكن لأي أحد كشف الأمر أو عرضه، خلافًا للستر الذي هو غطاء يمكن رفعه. والغفران هو ستر محكم يبقي العمل الأصلي محفوظًا.
ج ـ عَقْد: العقد هو الربط، وله طرفان. والمعاملة تسمى «معاقدة» لالتزامها. الفعل المستمرّ المتعلق بالنية والعزم هو عقد وارتباط للأعضاء. الاعتقاد هو عقد القلب. إذا استمرّت المعصية كظلم الربا بالاختيار والنية تؤدّي إلى الكفر. العقد القلبي سريع التأثير، فالإيمان بالكفر يجعل الفرد كافراً فوراً، أما عقد الجوارح فيحتاج للاستمرار والنية. مثال: المسلم الذي يقتل أو يتسبب بقتل أبرياء بنية و استمرار يصبح كافراً.
ج ـ عَقْل: هو التقيّد والتفكير. العاقل هو صاحب عقل، وكل إنسان يمتلك مستوى من العقل، لذا «العقلاء» جمع يشمل الجميع بمفهوم نسبي، ولا يعني الكمال العقلي بل العقل العادي في المجتمع. «العقلاء» جمع عاقل وليس جمع عقل، وهذا يضعف المعنى.
ج ـ عِلْم: الوعي الشامل بصفات الظواهر من دون أدوات، نقيٌ مستمدّ من البرهان الذاتي، أي من معرفة السبب عبر دراسة آثاره. العلم من أفعال القلوب كاليقين والظنّ ويعتمد على الصفات، أما الحكمة فهي معرفة تامة للذات والحقيقة وليست صفة، لذلك فهي شخصية وجزئية.
أسفل من العلم توجد الظنون والشكوك التي تصل إلى الجهل. العلم في اللغة هو اسم معنى، والفلسفة تصفه كاسم باطن.
في القرآن، (أولو العلم) هم الذين يبدعون العلم من داخل نفوسهم. «عليم» اسم ذات يدل على علم الله الذي هو جزء من ذاته، وهو أيضاً اسم فعل يدل على معرفة الله للأحداث قبل وقوعها.
«العالمين» جمع حقيقي، والعوالم كثيرة في الوجود بلا نهاية.
ج ـ عَمَل: في نظام الوجود المشاعي، لكل فعل فاعلون جزئيون كثيرون، وهذا أمر لازم وواقع.
ج ـ عِندِيّ: في القرآن، مهد الكمال والسلطة، وهو ناتج قرب الإنسان من الله، فلا خوف من المستقبل ولا حزن على الماضي، وتكون الأحداث كلها متساوية في القلب. مقام العندي حصن إلهي حصين، ومقابلها اللدني وهو العلم الناتج عن القرب. مقام العندي كمال الإيمان، والإيمان عندي يحصّن من البلاء ويزيل الخوف والقلق.
ج ـ عيسى: معنى الاسم: المثمر أو المليء بالصفات، من جذر «عاس».
ج ـ غ: حرف يصدر صوتًا يشدّ ويفصل مثل كلمة «غربة»، وهو رأس حادّ.
ج ـ غَرَف: الرفع والحمل بإرادة. «غرفة» غرفة مرتفعة من الأرض.
ج ـ غَفَر: هو الستر المحكم للعمل، بحيث يبقى العمل محفوظًا ولا يُمحى أو يُرمى، لذا يمكن الحساب عليه. «الغفران» هو العفو الرحيم الشامل.
ج ـ غَفْل: الحجاب أو الستار. «غفيلة» هي من يرفع هذا الحجاب.
ج ـ غِلَف: الغطاء، وجمعه «أغلاف».
ج ـ غَمْر: الغموض والظلمة، ومقابله «قمر» بمعنى النور.
السَّفاهة والقسوة والجنون لها درجات مختلفة من الشدة والضعف. على سبيل المثال، تُبيّن الآية الكريمة التالية ذروة القسوة:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾[162]
وقد ورد هذا التعبير في القرآن الكريم؛ لأن القارئ العام لم يكن يعرف شيئًا أصعب من الحجر.
ويؤكد العلم الحديث أيضًا أنَّ ألماسة الهِكْساچونال (المُسدَّسة) هي من أصعب المواد. أشد القسوة توجد في قلوب الذين يتقلدون المناصب والرياسات ولكنهم يخافون الفشل وفقدان مواقعهم.
تصبح قلوب هؤلاء الناس، بتعرضها المستمر لحرارة لذة الرئاسة والخوف من السقوط، كالحديد الصلب وتصل إلى أقصى درجات القسوة. هؤلاء الأشخاص يفقدون هويتهم ولا يبقى لهم سوى القسوة.
لابد أن يكونوا قد اقترفوا العديد من الجرائم وسفكوا دماءً كثيرة حتى يصلوا إلى هذه الدرجة، كأنهم يتخلون عن بشريتهم تمامًا كما أن السرطان يسبب سقوط الشعر، فالقسوة تسبب سقوط الإنسانية.
وقد وصف ذلك بالشقاق البعيد في قوله تعالى:
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾[163]
في الحقيقة، يجب أن تتراكم كمية كبيرة من الظلم والمعصية في الإنسان حتى تتكون لديه القدرة على هذه القسوة، ثم يرتكب جرائم مروعة ويثقل نفسه بها.
هؤلاء الأشخاص، في سبيل تحقيق رغباتهم والحفاظ على مناصبهم، قد يحرفون حتى الكتب السماوية ويظهرون بمظاهر العلماء والرسل:
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾[164]
الظاهرية والتصنع من علامات القسوة الشديدة. هؤلاء القلة، مع أنهم قليلون، يكفي واحد منهم لتشويه دين وإتلافه، خاصة إذا تبوأ مناصب حكومية وتأثير على مصير الناس.
هؤلاء في النار لهم مكانة عالية ويبقون خالدين فيها، وبعضهم يرتكب جرائم لا تستحق إلا التابوت. يظلمون الضعفاء والجهلاء من الناس، وفي النهاية يُجازون بمكافأة أعمالهم.
كما يُقال: «دموع الكبش تؤجج النار». ظلم هؤلاء القساة، وإن كان نادرًا، يؤدي في النهاية إلى الفوضى والتمرد الاجتماعي.
يجب أن نلاحظ أن القسوة والعناد هما اضطراب في القلب، وقد لا تظهر في الأفعال الجسدية، على عكس الفسق الذي يُقاس بالفعل.
أي يمكن أن يكون الإنسان غير فاسق، له مظهر صالح وأفعال صالحة وإيمان، لكنه قاسٍ وعديم الرحمة، أو يكون فاسقًا دون قسوة.
فهم اضطرابات السفاهة والجنون والقسوة مهم جدًا في تربية الأطفال، ومعرفته يمكن أن تكون وقائية.
تعاريف ومفاهيم أخرى:
- السكينة: هي الطمأنينة والتوازن والهدوء الخاص الذي يتصف به المؤمنون المخلصون في الشدائد والمحن، وليس السكون في العافية.
- السلس: هو الضعف في النفس والدين، من يظهر رياً وتظاهرًا بالدين دون جذر قوي في باطنه.
- الشحّ: صفة نفسية تعني الرغبة في إيذاء المحبوب، من أقسام السادية، وهي الميل إلى إلحاق الألم والمتعة من ذلك الألم.
- الشدة: القيام بالعمل بقوة وصلابة، وليس بالضرورة بلا رحمة.
- الشرف: هو المعرفة السرية بالأمور الخاصة، والكرامة التي لا تنفصل عن حقيقة الإنسان.
- الشوق: هو طلب المفقود والذهاب نحوه، ويختلف عن العشق الذي هو حفظ الوجود والاندماج الكامل في المحبوب.
ختامًا، الأشخاص الذين يعانون من السادية النفسية والقسوة الشديدة يجب تقييدهم لمنع الضرر بالآخرين، ومن وسائل ذلك فرض ضرائب ثقيلة عليهم.
ج شخص: المرء أو الفرد.
- “تشخّص” يعني التميّز بناءً على الصفات الفردية دون مقارنة بالآخرين،
- أما “تمايز” فهو التفرّد بالنسبة إلى الغير.
ج شدّ: أي القيام بالأمر بقوة وصلابة واستقرار؛ كما في تعبير: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[168]
- “شديد” يُطلق على من يقوم بأمره بقلب قوي يد ثابت وعمل فعّال دون تردد أو ارتعاش.
ج شرب: هو تناول الشراب والسوائل.
ج شرف:
- هو العلم بالسر المخفي للآخرين أو بشرفهم وكرامتهم.
- “تشرّف” يعني التقدّم إلى ما هو محترم وموقّر، وتبقى الخصوصية محفوظة دون لقاء جسدي.
- التشرّف من باب التفعيل؛ أي ما أُعطي قدرًا وقدرًا من التقدير.
- الألفاظ المرتبطة بذلك: “اشراف” بمعنى السيطرة دون شهوة، و”تشرّف” بوجود المعني ورغبته.
- “شرف” كالعرض والسمو هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان ولا يمكن فصله عن فعاليته؛ وهو سرُّه الأعلى.
ج شطط: الزائد عن الحدّ، بلا أساس أو جذور واضحة.
ج شطن: الميل والانحراف عن الحق، وهو نوع من فساد الجن.
- من أساليب شيطان: “وسوسة” (الهمس الخفي)، و”همز” (الضرب الخفيف الخفى)، و”لمز” (الهجوم الظاهر والقوي).
- “وساوس” هي أبرز أدواته.
- له خصائص مادية، وأقوى سلاحه التوهم.
ج شكر:
- هو شكر المنعم علنًا وفي صمت، وهو استكمال للعمل والقبول.
- “الشكر” يعادل الامتلاء والكمال؛ ففي اللغة “شكرت الناقة” تعني ملء ضرعها باللبن وكماله.
- المقابل هو “كفران” أي الجحود والنكران، وسمة المنافقين والعِرضيين.
ج شمر: عكس الكسل أو الخمول، وهو الدأب والنشاط والتجهيز للعمل.
ج شوق:
- هو الحنين والدافع نحو المفقود الذي يزيد الرغبة والتحرك نحوه.
- “اشتياق” يتضمّن استمرارًا بعد الحصول.
- الاختلاف بين “شوق” و”عشق”:
- الشوق هو طلب المفقود؛
- العشق هو الحفاظ على الموجود في تمامه، وانصهار إرادة العاشق بإرادة معشوقه؛ فلا مكان للشك أو التردد.
- في الحب، الإرادة تُفنى وتذوب ليصبح العاشق كما أمر المعشوق.
- لا يمكن تحقيق الكمال الروحي عبر العبادة أو الاقتراب من الله إلا بالعشق الصادق.
- الصدق: هو الحق والثبات. صدق كل شيء هو قوته وقوامه. الشيء الذي له قوام يمتلك الكمال والحقيقة والسلامة والباطن والميزان والمحتوى. والشخص الصادق هو الذي يمتلك القوام والكمال ويتميز بالصحة والسلامة. ويُطلق على الموضوع “مصْداق” لأنه يمتلك الاستقصاء والقوام والواقع والكمال والصحة والباطن وتأويل المعنى.
- الفرد الصادق لديه القدرة على الصمود، والضعف بعيد عنه؛ لأن الضعيف والهش لا يستطيعان الحفاظ على القوام. صدق الله تعالى قائم على قوامه وبقائه، كما في ذكر “يا حي يا قيوم”، حيث جاءت “القيوم” بعد “الحياة”. “القيوم” تشمل كامل العلم والقدرة وجميع الأسماء الإلهية، وهي صيغة مبالغة تدل على الفعل والاستمرارية، وأن الله هو القائم على كل شيء. هذا الاسم من أسماء الذات الإلهية.
- ويُعتبر “العالم” شخصاً يكون قوله وفعله متطابقين، وفعله يصدق قوله. صدق القلب يظهر في القوام الظاهر، وصدق النفس يتجلى في مطابقة الأمر للواقع، وهذا التوافق هو القوام الحقيقي.
- الصدق هو محتوى المفهوم وقوامه وحقيقته وتحقيقه ووجوده ووصوله ومحمله. حقيقة كل شيء وواقعه ومحتواه وتحقيقه ووصوله هو صدقه. من لا يمتلك محتوى وحقيقة لا يملك صدقاً. الصدق هو التوافق مع الواقع. معيار كل شيء هو صدقه. الصدق هو ذكر كل ظاهرة. من لا يملك صدقاً لديه قلب ونفس خاوية وخالية من المحتوى. لذلك، صدق كل شيء يعتمد على مدى قوامه.
- نية الصدق أمر باطني ومرتبط بالقلب، ولا يتعارض مع ما يلي: الرحمة مع العدو، المسالمه والتوافق معه، حفظ التقية، الابتعاد عن الجمود والتصلب في مجتمع يجب أن يكون متنوعاً، وألا يُدار بالقوة والقهر. قوام وصدق المجتمع يحفظ التنوع، وإلا فالقوة والتوحيد القسري يسببان الكراهية والاشمئزاز.
- الصديق هو من يُقال له صريح اللهجة، لديه الصراحة والصدق والثبات في القول والعمل، وصدقه يظهر بوضوح وبقوة على طريق واحد وثابت.
- “الصديق” صيغة مبالغة. الصادق هو الصدوق في القول والعمل لكنه لا يمتلك صراحة الصديق. الصدق والقوام يحتاجان إلى الحكمة. الصدق بالحكمة والاختيار والصفاء هو صدق وله قوام. الحكمة تحتوي على الثبات والقوة والقوام بحيث لا يمكن زعزعتها. لذا يجب أن تكون حقيقة ومنطقية ومستندة لكي تصمد. لا يستطيع أحد أن يكون صادقاً ويصمد بدون حكمة وكتاب (أي منطق ومستند صحيح). أعماله ستكون مزاجية وهواه ونزواته الشخصية، وستكون ضعيفة وهشة.
- أساس الصدق هو الحكمة والكتاب. قلنا إن الصادق هو من يمتلك الحكمة والكتاب. مثل هذا الشخص، كل ما يقوله هو صدق بمعنى الحقيقة والثبات وليس فقط صدق الكلام. الصدق ليس وصف القول بل وصف الشيء. لذلك يقال للصادق من يملك قولاً وفعلاً ثابتاً، متيناً، يقينياً، برهانياً، حقيقياً، ذاتياً وأصلياً، أي “صحيحاً”. هذا القول والفعل واضح في قلبه كالشمس مضيء، ويمكنه تقديمه بالدليل. من لديه شك أو ظن في قضية ما أو يقبلها بدليل ظاهري غير صحيح، ليس بصادق، وكذلك عمله وفكره ليس لهما صدق وقوام.
- المهر يسمى “صداق” ليعبر عن الصدق والاختيار والقوام؛ ولهذا يجب أن يكون شيئاً يستطيع الزوج دفعه، ولا يتعارض مع صدقه وصفائه وقوامه ـ وهو أساس الحب وميزان المحبة في بناء الزواج ـ وإلا كان العقد باطلاً.
- الصداق هو مهر يمنحه الزوج لزوجته ليُظهر صفاءه وصدق قوامه تجاهها، ودليل حبه الحقيقي وقوته واستقامته ووفائه. ويُفضل أن يكون شيئاً يستطيع نقده. وكذلك صدق المرأة يظهر في قبولها هذا المهر. كما يجب أن يكون صدق المهر متناسباً مع محبة الزوجة، وقيمته الحقيقية تعكس قوامه وصدقها. كما ينبغي ألا يكون مبالغاً فيه لدرجة لا يمكن دفعه، ولا بخيلاً في الحد الأدنى.
- الحب أمر نفسي يُظهر بالهدايا. الصدقة أيضاً نوع من الإنفاق، وهي تحتاج إلى صدق وقوام. من لديه صدق لا يسعى إلى إيذاء الآخرين، بل يحب الخير لهم. لذلك، وبما أن الكلمات تُوضع لمعنى الروح، فالإنفاق الذي فيه أذى وبدون صدق وقوام ليس صدقة. الصدقة تنقي الباطن، وهي مفيدة للأعصاب، وتزيل الوسواس والمشاكل النفسية الأخرى. من لا يتصدق يُصاب بالقبض ويصبح قاسياً مع الزمن.
- “التصديق” من باب التفعيل وهو أمر مكتسب كالتوحيد، أي يحتاج إلى جهد ووقت وظروف كالنية والانتباه للوصول إليه. باب التفعيل له فاعل إرادي، أما باب التفعل فلا فاعل له بل هو انفعال. التصديق ليس له درجات، بل هو صدق وتحقق اعتقادي وإيماني، لكنه أعلى من ذلك وأشبه باليقين في القوام.
- التصديق أعلى من الإيمان والتوحيد، لأن التوحيد له مراتب، وأعلى مرتبة هي عين التوحيد أي الوحدة، أما التصديق فلا يتحقق إلا عند كمال قوامه ومحتواه.
- الإيمان مفهوم يجمع بين الجهل والظن، ويمكن حتى لمن ليس له بحث ودراسة أن يصل إلى إيمان ولو كان خرافة. التوحيد هو معنى ومحتوى يرتقي إلى درجة، والتصديق هو ذروته، وهو اليقين ونهاية القوام، ولا يرتقي، وهو قائم على الصدق والحق، وأعلى مقياس قوام. التصديق يحتوي على عنصر الاعتقاد.
- ج ـ غَمر: الظلمة والكَدَر والغموض، وهي ضدّ القمر الذي يدلّ على النور والوضوح. يُستخدم للدلالة على حالات الجهل أو الالتباس التي تغشى القلب أو الفكر.
- ج ـ غِلف: الغِطاء أو الغلاف الخارجي الذي يُحيط بشيء ما ويُغلقه. يُستخدم مجازًا للدلالة على انغلاق القلب عن الفهم أو الإيمان، كما ورد في قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
- ج ـ غَفل: السهو وعدم الانتباه بسبب وجود حجاب معنوي أو ذهني بين الإنسان والواقع. “الغفلة” حجاب بين النفس والحقيقة، وقد تكون مؤقتة أو دائمة، وقد تنجم عن الإعراض أو الانشغال بأمور دنيوية.
- ج ـ غُفر: الستر والتغطية على الذنب أو الخطأ بوسيلة محكمة، دون محو العمل أو إزالته بالكامل. فـ”الغُفران” في هذا السياق هو رحمة إلهية تُخفي أثر الذنب، لكنه يبقى محفوظًا في علم الله، بخلاف “العفو” الذي يُزيل الذنب تمامًا وكأنه لم يكن.
- ج ـ غُرفة: المكان المرتفع، وهي مشتقة من “غَرَف”، أي أخذ ورفع. تُشير الغُرفة إلى مرتبة أعلى، سواء ماديًا أو معنويًا، وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم للإشارة إلى مقامات عالية في الجنة.
- ج ـ غَرَف: الأخذ أو الرفع بوعي وقصد، ويُقال “غرف الماء” أي أخذه بكفّه. وهو دالّ على الاختيار والانتقاء، وليس على الأخذ العشوائي.
- ج ـ غَيْن: وهو الحرف الدال على التشقيق والفصل، كما في “غربة” التي تعني البُعد والفصل عن الأوطان أو الأهل. يمتاز حرف الغين بأنه ذو حدّة في النطق، تدلّ على التمايز والانفصال.
- ج ـ عيسى: اسم نبيّ الله عيسى عليه السلام، ويُفسّر بأنه مأخوذ من “عاس”، أي كثير الخير والبركة، ويدلّ على الكمال في الصفات وامتلاك خصائص مخصوصة.
- ج ـ عندي: مقام القرب الإلهي، وهو أعلى مراتب الكمال والتمكين عند الله تعالى. “العندية” في الثقافة القرآنية تدلّ على الأمن من الخوف، والاطمئنان من الحزن، والسمو فوق تقلبات الدهر، فلا تؤثر فيه تقلبات السراء والضراء.
- ج ـ عمل: يشير إلى أن كل فعل في الوجود هو نتاج لتعدد العوامل والفاعلين الجزئيين. فالنظام الكوني مشاعي، وكل ظاهرة هي نتيجة شبكة من الفواعل، لا عامل واحد فقط، وهو مبدأ عميق في فلسفة الخلق.
- ج ـ عالَمين: جمع حقيقي لكلمة “عالَم”، وليس جمعًا ملحقًا، ويدلّ على كثرة العوالم الربوبية وتعدّد مظاهر الخلق اللامحدودة. الكون ليس عالَمًا واحدًا بل عوالم لا حصر لها.
- ج ـ عليم: من أسماء الله الحسنى، وهو صيغة مبالغة تدلّ على صفة ذاتية لله لا تتغير ولا تزداد. علمه ذاتي ونابع من نفسه، يحيط بجميع الأشياء قبل وجودها، لا يحتاج إلى تعلُّم أو اكتساب.
- ج ـ أُولُو العِلم: هم الذين يملكون العلم ويُنتجونه من باطنهم ويبدعونه من ذواتهم، لا مجرد ناقلين له. هم أصحاب العلم، أي يملكونه حقيقة ويضيفون إليه.
- ج ـ علم: إدراك الكليات والصفات الظاهرة للأشياء إدراكًا مباشرًا وخاليًا من الوسائط، وهو ناتج عن الاستدلال بالأثر للوصول إلى المؤثر. بخلاف “الحكمة” التي تتعلّق بإدراك الباطن والحقائق الذاتية للأشياء.
- ج ـ عقل: بمعنى الربط والتقييد، فالعقل هو ما يمنع صاحبه من الجهل والانفلات. “العُقلاء” ليسوا بالضرورة ذوي أعلى مراتب العقل، بل هم من يمتلكون الحدّ الأدنى منه الذي يميز الإنسان عن غيره.
- ج ـ عقد: الربط والإلزام بين طرفين، ويشمل العقد الذهني (الاعتقاد)، والعقد العملي (السلوك المتكرر). الاعتقاد إذا كان قلبيًا راسخًا يمكن أن يكون كفرًا أو إيمانًا بمجرد حصوله، أما العمل فيحتاج إلى نية واستمرار حتى يبلغ تلك الدرجة.
- ج ـ عفو: تجاوز عن الذنب مع تلبية حاجات من شمله العفو. أرقى من الستر والغفر، إذ لا يترك أي أثر للذنب، ولا يمكن كشفه أو إعادته.
- ج ـ عفّ: الامتناع عن الأمور السيئة عن إرادة ذاتية، وهو ضرب من الترفّع المعنوي. يُشبَّه باللفّ، أي تغطية النفس بستر الحياء.
- ج ـ عطفة: إشارة إلى الميل والمودة الخاصة، تظهر في النظرات أو الإيماءات، تدلّ على قرب وجداني وروحي.
- ج ـ عصم: الحماية والمنع مع الدعم والدفاع، تُفيد الحفظ الإلهي المستند إلى التمسّك بالحق. من يعتصم بالله فهو في حمى حرمة لا تُخترق.
- ج ـ عَصْر: الفَرض أو الضغط، ويُقال عن وقت العصر إنه في ضيق بين الظهر والمغرب، وكأن الزمن يُعصر فيه.
- ج ـ عزازيل: الاسم الخاص بإبليس قبل تمرده، وهو كائن له قدرة النفوذ في النفوس الملوثة، يُشبه الذباب الذي لا يحط إلا على القذارة.
- ج ـ عرف: المعرفة التامة بالحقائق والذوات، وهي ما يُسمّى بالحكمة. تختلف عن “التعريف” الذي يتطلب جهدًا وكسبًا، أما “التعرّف” فهو حصول باطني مباشر. المعرفة في النفس، ومحاذيها في الخارج هو الحقيقة.
- ج ملأ: تعني الامتلاء والامتلاء بالغنى والوفرة. يُقال للإناء ملأ إذا كان مملوءًا إلى حدٍّ لا يسمح له بأقل حركة أن يفرغ محتواه. كما يُطلَق هذا المصطلح على الأشخاص الأثرياء وأصحاب الأموال الوفير، نسبةً إلى كثرة أموالهم وغناهم.
- ج ملّة: (وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) [سورة البقرة: 130].
مصطلح «أمة» له أصل عقيدي وهو أصل مصطلح «ملة». لذلك، يمكن أن يكون الدستور الأساسي موجهاً إلى الأمة الشيعية أو الإسلامية، أو إلى الأرض والعرق والقومية. الأمة تمثل وحدة اجتماعية وتضامنًا ووفاقًا وِفْق أساس الأرض أو العرق.
«أمة» تحمل معانٍ من الكآبة والملل والحدود، وتنقل معنى الصغر، وتحمل دلالة جغرافية وأرضية ومنطقة محددة، وقابلة للحكم بأنها جيدة أو سيئة.
أما «أمة» من «أم» بمعنى الأصل والجدور، فهي تحمل معنى أوسع ذو حمولة عقائدية وتقبل التنوع والتعدد.
كذلك «الإمام» يطلق على القائد لما له من جذر وأساس في الدين. - الأمة محصورة بالأرض والحدود التي تمنع الاختلاط، بينما الأمة مسألة عقائدية، فالتفكير والإيمان هما من يجمعان الناس، لا الأرض.
وفي العصر الحاضر، مع سيطرة الثقافة العلمانية الغربية وإضعاف الاعتقاد، تم إقصاء هذا الجانب من معنى الكلمات المستخدمة، فأصبحت «الأمة» تعني «شعبًا معينًا في نطاق جغرافي معين دون اعتبار للمذهب أو العقيدة». - الآية التي ذُكرت تقول: إن من يعاني من ضعف النفس وسفاهة الروح لا يستطيع أن يتبع شخصيات ثابتة وصلبة مثل إبراهيم الذي كان أمةً وحده.
السفهاء لا يميزون المغالطات.
مثال على ذلك: من يدعي الشيعة ويملك الكتاب والسنة لكنه لا يعرف حقيقتها ولا يستطيع الاستفادة منها.
فالذي يمكن أن يُقال عنه شيعي هو من استعمل هذه المدرسة في كل أقواله وأوامره.
أما مجرد ادعاء هذا اللقب بلا محتوى فلا فائدة منه وهو مغالطة. - ج ملك: «الملك» تعني القوة والتمكن. هذه الكلمة مصدرية ونتيجة للملكية والفعل.
«ملك» يقال لما يكون الملك فيه للفرد، ويتسلط عليه. - ج منّت: من أهواء النفس ومتعة الشعور بأن الفاعل هو الذي أسهم في مساعدة غيره.
- ج مهد: تعني الحرية والراحة والزوال المؤقت، ولذلك يقال للمهود «المهد».
«مهاد» تعني المستقر.
وعلى الرغم من أن «مهاد» أطول حرفياً، إلا أن معناها مشتق من «مهد».
قاعدة «زيادة الألفاظ تدل على زيادة المعاني» تخضع لمادة الكلمة، فتزيد الحروف أو تقلل المعنى حسب المادة.
«مهاد» يفقد معنى العبور ويصبح «مكانًا ثابتًا»، وهو البناء الذي يتأسس وفق قوانين الطبيعة وفعل الإنسان، ويصبح هذا البناء ثابتًا لا ينكسر. - ج ناس: اسم جمع يُطلَق على العامة، ومعناه النزول والضعف والتراجع.
يشمل الأشخاص العاديين الذين يدخلون إلى الأمور بسهولة ويخرجون منها بسهولة، ولا يتميزون بالدقة أو البحث، ويواجهون النقص في أعمالهم.
في كل آية تأتي فيها هذه الكلمة تحمل معنى النزول والضعف، ولا يمكن أن ننتظر منها حُكمًا علميًا أو حقيقيًا، مع أنها قد تعبر عن واقع. - ج نبأ: هو الإخبار المباشر وغير المشروط، بدون صدور أو حدوث أو إكراه في المتلقي.
«نبي» اسم مهموز العين وسليم، لكن حرف العلة في «نبأ» كلمة مريضة ولا تُطلق على الأنبياء بسبب نقصها.
هذه الكلمة ذات قرب معنوي مع «خبر» و«بشر».
للفهم الدقيق يرجى مراجعة هذه الكلمات. - ج نذر: الخوف والرهبة والقلق.
يقال «نذر شرعي» لأنه يُزَال الخوف والرهبة بالقسم والتعهد المالي الذي يلتزم به القلب وفق الشكل الإسلامي. - ج نزغ: اضطراب في العلم والاعتقاد.
- ج نزل: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) [سورة البقرة: 285].
- (نَزَّلَ عَلَيْكَ) يدل على نزول إشرافي من علو إلى أسفل، وهو من باب التفعيل وله ديمومة وتدريج وبطء وجلالة مع إرادة فاعل.
- (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) يدل على نزول وحركة أفقية عرضية، وهو من باب الأفعال وحادث بسيط ومحدود وسريع، يحتاج إلى دليل لإثبات استمراريته.
- (الْكِتَابَ) يشمل جميع الكتب السماوية وليس فقط القرآن الكريم.
(التَّوْرَاة) كتاب الشريعة، (الإِنْجِيل) الكتب الجديدة والبشارات، (الْفُرْقَان) كتاب الحكمة والتمييز، و(الْقُرْآن) كتاب جامع لكل العلوم، و(الْكِتَابَ) جمع كل هذه الكتب. - الله يريد أن يوحد أتباع الأديان الإبراهيمية في جبهة واحدة ضد الكفار والملحدين.
في عالم السياسة المعقد اليوم، يجب كشف وتطبيق سياسات القرآن لنصرة الإسلام وتمكينه، ومنع انتشار الكفر. - يجب الانتباه إلى أن الكفار الذين يحملون الحقد على الله ليس لديهم وحدة سياسية أو جبهة متماسكة، بل هم في تفرق وشقاق وبدون مبادئ مشتركة.
لذلك يذكرهم الله بصيغة الجمع (الْكُفَّار) للدلالة على وجود حزب وجبهة متحدة.
ويؤكد العقاب الشديد لهم (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لا يقتصر على الآخرة بل يشمل الدنيا أيضاً، في وصف يعكس تفرقهم وعدم اتحادهم. - (عَذَابٌ شَدِيدٌ) هو نتيجة للكفر الذي يؤدي إلى التفكك والتنافر والأنانية والحسد والضيق والضغط، مما يجعلهم كغدة سرطانية تزداد سوءاً يومًا بعد يوم، فلا يجدون راحة أو استقرارًا، ويتعاملون مع الجميع بعداء وشك.
- تنتهي الآية بذكر الله (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) حيث يوضح أن انتقام الله ليس بدافع الحقد أو التأثر بالآخرين، فهو العزيز الذي لا مثيل له، يبتعد عن مشاعر البشر الضعيفة.
- «العزيز» يدل على الندرة والفرادة، فمثلاً في مجموعة يُكرم فيها شخص واحد يُقال عنه: «هو العزيز».
الله لم يُسَمِّ نفسه «المنتقم» بصيغة المفرد، بل استخدم (ذُو انْتِقَامٍ) للدلالة على امتلاكه القدرة على الانتقام دون أن يكون منفعلاً أو غاضباً.
هذا يعني أن انتقام الله ليس له أي تأثيرات سلبية نفسية كالانتقام البشري. - الإنسان يختار انتقام الله لنفسه بأفعاله، فالفرقة والتنافر الداخلي للكفار يتجلى اجتماعياً، ويُصبح «العذاب الشديد» ظاهراً بوجه «ذُو انْتِقَامٍ» ويُثير الفتن والانقسامات، وينتج عنه الفساد، العنف، والقتل، والصراعات.
الله يجعل أهل الكفر يعانون من هذا الانتقام دون أن يتدخل بشكل مباشر فيه. - ج نساء: جمع يُطلق على النساء جميعًا دون مفرد.
تشمل الزوجة، الابنة، الأم، الأخت، الجدة وغيرها.
هذه الكلمة بها ألف غير منقلبة للتعظيم والرفع.
أما «نسوة» فهي جمع يحمل حرف علة وله معنى تحقيري.
الإسلام يرى المرأة حرة مالكة لنفسها ومالكاً لجسدها ومالها، وهي طرف الفعل في عقد الزواج والرجل يقبل فقط. - ج نسيان: هو النسيان والغفلة اللاواعية.
- ج نشز: هو القيام بالمعارضة والتمرد؛
ويقال للمرأة الناشز التي تقوم ضد زوجها وتقف بثبات أمامه. - ج نفس: تعني الراحة والسكينة.
إذا لم تكن النفس موجودة، لا يرى العين ولا يسمع الأذن ولا يحب القلب ولا يتألم.
النفس فيها هواها – أي ميلها.
ميول النفس لا نهاية لها، لذا تحتاج إلى تربية وهدف.
تربية النفس تكون بغمرها في الخيرات والنجاحات المشروعة وليس الهلاك، لكي تستطيع أن تحيا وتتوازن، وتتحلى بالعصمة في ظل وحدة الهدف. - غمر النفس لا يعني قتل الشهوات، بل ضبط التوازن والسيطرة الإرادية عليها.
شهوة النفس والتمتع بها هو كالصبر، فهو عكس العذاب، إلا أن الإنسان إذا ما تمادى في إشباعها بلا ضوابط، تُصبح أداة للهلاك. - البذْلُ يجب أن يكون من مالٍ مكتسبٍ وفق النظام الشرعي، ومن محصولٍ لكسبٍ مشروعٍ يتبع أحكام الدين؛ أي يجب أن يكون العطاء من رزقٍ حلالٍ وشخصي، إذ لا يُعد المال الحرام رزقًا، وإن استخدامه كدخول المرض والعدوى إلى الجسم. وفي القرآن الكريم ذُكر المتصدقون بهذه الصفة:
(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [١]. - في منهجنا العرفاني، تحدثنا عن الإنفاق باعتباره «نيَاز» وعن العبادة باعتبارها «صلاة» وأكثر من ذلك، تحدثنا عن «ناز». ففي هذه الآية، يذكر المنفقون قبل المستغفرين، مما يدل على قيمة النياز، ويُبين أن العبادة بلا إنفاق مالٍ لا تكتسب قيمة. وفقًا لمنهجنا الخاص في التصوف، كمال العرفان يتمثل في ثلاثة أمور: الصلاة، النياز، والناز؛ وهذا يشمل ناز الله وناز الخلق، أي الاحترام والمعاملة الحسنة للناس.
يمكن أن يؤدي النياز إلى إيتاء الحكمة التي لها سبب أزلي وضروري، وفي العالم الدنيوي يُطيل العمر ويُكفّر الذنوب أو يجلب اللطف، كإنجاب ولد صالح وجميل أو مربٍ ماهر، كما يدرأ البلاء والمرض. كذلك يمكن أن يجلب الإنفاق فضل الله، والفضل له سبب أزلي ويتصل بما وراء العالم الدنيوي. مثال على الفضل هو إيتاء الحكمة.
على أي حال، الصلاة بدون النياز والإنفاق لا تملك هندسة دينية صحيحة، فالصلاة بلا نياز لا تُثمر نتائج مهمة.
الإمام علي عليه السلام كان يصلي وينفق على الفقراء (الذي هو النياز عندنا) ويحمل اليتيم على ظهره (وهو الناز لخلق الله). الهندسة الدينية تجمع هذه الثلاثة معًا. - يجب الانتباه إلى أن الإنفاق لا يكون بخسة أو قلة أو من الأشياء المهترئة أو القديمة، ولا ينبغي أن يُذل المحتاج أو المجتمع. كما يجب إدراك أن الإنفاق يحدث نتيجة لطف وخير يهيئه الله لطريق العبد، والله غني لا يحتاج إلى إنفاق العبد.
فلسفيًا، الخير أولًا يعود للفاعل ثم ينتقل إلى المفعول؛ أي أن كل فعل متعدٍّ يتحقق لزوماً، ولكن ليس كل فعل لازم قابل للتعدي.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [٢٠٤]. - إذا تسبب شخص في أذى أو ظلم لغيره، فإن ذلك الضرر يعود أولاً إليه، فيشعر به في نفسه قبل أن يصل إلى الآخرين. الطمع والأنانية والقلق والمشاكل النفسية تبدأ بالفاعل ثم تنتقل للآخرين.
هذا الخطأ هو خطيئة القلب، والقلب إما رفيع يرتقي بالروح ولا يقع في الإثم، أو دنيا تتعامل مع النفس وتتعرض للإثم. هنا القلب يعني هذا النوع الأخير، حيث السقوط بسبب الإثم يصبح الفعل مقدمًا على القلب. - وهذا الأثر هو غير الآثار الظرفية التي تلحق بالفاعل، مثل المصائب أو الأمراض التي قد تحدث نتيجة الخيانة أو الشهادة الزور، والتي تُعتبر من آثار الفعل القهرية التي تصيب الفاعل.
- ج – التنوع: التنوع هو قبول الاختلاف، وهو مهم جدًا لترويض النفس، وإفادة العلم، والتعليم والتربية. الدروس الترتيبية والمدرسية التي تفتقر إلى التنوع لا تسيطر على النفس. التنوع هو أسلوب لتعليم العقل الخلاق والنفس النشطة.
القرآن الكريم يعرض مواضيع متعددة ومتنوعة. الأدب أيضًا يصبح تعليميًا بالتنوع. فن الشعر الغزلي يظهر قوة التنوع، مما يجعله محبوبًا.
الخلق يتقدم بالتنوع، والعبادات وتقديمها دائري ومتجدد ومتعدد الأوجه. الدين يقبل المواضيع الجديدة ولا يحصر نفسه في الأسباب التقليدية والمتكررة. الرتابة تجلب الملل والخمول والضيق للنفس، بينما التنوع يمنع التكرار والملل. - ج – النهر: يشير إلى المادّة السائلة المتدفقة.
- ج – الواو التعليلية: الله سبحانه وتعالى يقول: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [٢٠٥].
الواو هنا ليست للربط العادي بل للتعليل؛ لأن الواو تربط بين جملتين غير مترابطتين بعلاقة سببية واضحة، لذلك هي للسببية وليس العطف. هنا لم تُستخدم اللام التعليلية لكي تبرز عظمة المطلب، فالواو تعليل أقوى. - ج – الوجع: الألم.
ج – التوجع: قبول الألم الذي لا يقتصر على الحواس بل يلامس القلب، مثل ألم فقدان طفل. - ج – الوجه: اسم عام يُطلق على الحق والخلق معًا، والوجه هو لبّ، جوهر، ورمز التعريف بشيء ما.
- ج – الوحي: إشارة سريعة، كلام إلهي خاص بالأنبياء، يوصل إليهم بصوت المَلَك. لا يُضاهى أي كلام بالوحي لأنه يحمل معرفة ربانية سماوية.
تميز القرآن الكريم على سائر النصوص الفصيحة والبلاغية العربية في محتواه الوحياني السماوي، ويجمع في أقل الكلمات كافة العلوم والمعارف، مع مراعاة الفصاحة والبلاغة.
الوحي إشارة داخلية ربانية مصحوبة بصوت الملك، خلافًا للغزل الذي هو همس ظاهري، ولكن مختلط باللطف والإشارة والانس والعشق، فلا يفهمه الآخرون بسهولة.
الوحي مرتبط بالوحي والإلهام والتحدث الروحي، حيث يمتلك الأولياء والأنبياء هذه المصادر قبل الوجود الدنيوي.
الإلهام من نصيب الأولياء وقد يكون مباشرًا دون وسيط المَلَك.
الكلمات القدسية هي كلام الله المباشر إلى نبيه. - ج – الودّ: الودّ، الحب، والعشق هي مراتب ثلاثة من التعلق والارتباط.
الودّ أدنى مستويات الحب، وهو ميل نفسي متغير، قد يتحول إلى غضب أو بُعد عند حدوث خلاف بسيط.
الحب أمر قلبي ثابت يتضمن الحنان والاشتياق، ويظهر بالتركيز على ترك النفس وميولها من أجل المحبوب.
العشق هو أشد درجات الحب، مرتبط بالروح، ويتضمن الشجاعة والتضحية والفناء في المحبوب. - هذه المعاني العميقة مستوحاة من التصوف واللغة العربية الأصيلة، توضح درجات العلاقة بين العبد وربه وبين الإنسان ومحبوبه.
موضوع التقوى:
التقوى هي المعرفة التي تُعد أساس الإيمان، والإيمان هو الجذر الذي يظهر منه العمل. والتقية من ذات الجذر اللغوي؛ فهي تعني القدرة على الحفظ، والصون، والكتمان، والإمساك. أولياء الله في عالم الناسوت، لما لا يُدركون بفهم العامة ويُعدون غرباءً، يلجؤون إلى التقية والكتمان.
ج – ولي:
الولي هو القوة على النفوذ والاتصال الوثيق بالعناية الإلهية التي يمكن أن تكون سببًا للإقبال (أي الدعم الربوبي) أو الادبار (أي الحرمان والضلال). وهذه المعاني المتناقضة لا تكمن في ذات المادة، وإنما في حروف الجر المصاحبة لها، مثل حرف “إلى” للدلالة على الإقبال وحرف “عن” للدلالة على الادبار، ويجب فهم هذه الفروق بحسب الحروف.
الولاية لا تعني تسخير الأمور أو التدخل المباشر فيها. فالولي الإلهي هو الذي يحظى بعناية الله ودعمه، ويدافع عنه، كما أنه يتطهر شيئًا فشيئًا من شوائب الناسوت حتى لا يعاود النظر إليها، ويبلغ أصل ذاته وهو التوحيد والاتحاد الأسمى، ويبقى حقيقة مستقرة.
الولاية تنقسم إلى قسمين: عام وخاص.
- الولاية العامة هي العناية الربوبية التي تشمل الرحمة العامة التي تحيط بكل المخلوقات، وهي عناية الخلق وربوبية الخلق.
- الولاية الخاصة هي العناية الإلهية التي يمنحها الله لعباده المؤمنين والمختارين، حيث يوقد في قلوبهم نورًا يهديهم، وعلى إثره وبفضل هذا الجذب الربوبي يقومون بالأعمال الصالحة بإرادتهم الذاتية.
نوع آخر من الولاية هو الولاية الحرمانية، وهي مختلفة عن الولاية العامة التي يمتلكها بعض الجن والإنس. أولياء الحرمان من الجن يستخدمون هذه الولاية لإثارة الوسوسة والشكوك في قلوب بعض الناس، ويجعلونهم أدوات للشيطان، ويفرضون عليهم هذه الولاية. الولاية الحرمانية تشبه إدمان المخدرات في النفس، حيث تهيمن وتسبب اضطرابات نفسية وروحية مثل الوسواس.
الولاية، سواء كانت نورانية ربوبية أو حرمانية أو خلقية عامة، لا تعني الوصاية أو التسخير أو القرب، ولا تجعل الإنسان دمية أو عبدًا؛ بل كل شخص يتأثر بها بحسب قناعته وإرادته.
ج – وليّ:
الولي بمعنى الإعراض والابتعاد دون تحرك من مكانه. والإعراض يتضمن الابتعاد مع الحركة. والقرآن الكريم يقول: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [209].
في “تعرض” يكمن معنى الجرأة، وفي “إعراض” تجاوز، وفي “اعتراض” وقاحة وجرأة.
ج – وهب:
من يعطي بسخاء ووفرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [210].
ج – هبط:
لها علاقة معنوية بالبطلان، والبطلان يعني الانقطاع، أي وجود إمكانية الاتصال قبل انقطاعه.
ج – هدّ:
المخالفة والرفض.
ج – هدى:
هو إيصال الطريق، وينقسم إلى قسمين: أولي وثانوي، أو عام وخاص.
الهداية الأولى من الله تكون للنظام العام للقضاء والقدر وليست جبرًا.
أما الهداية الخاصة فهي مرتبطة بالعناية الإلهية الخاصة، وهي نصيب من يشاء الله.
ج – هزم:
الشدة في السيطرة والقهر التي تُسبب التفكك والانفصال عند كل تدخل.
ج – هزء:
التقليل والتحقير مع الإيمان بصحة هذا التقليل.
أما “سخرية” فهي تحقير بدون إيمان بخطورة الأمر.
و”مزاح” قصد فيه الضحك بدون تحقير.
بينما “استهزاء” فيه قصد التقليل والتحقير، ومن لا يدرك هذه الفروق قد يحوّل المزاح إلى استهزاء.
ج – هو:
اسم من أسماء القوة والإله، وهو باطن “الله”. هذا الاسم لا ينقسم ولا يتغير، ليس فيه ألف ولا لام ولا نقاط، وهو ثابت في مكانه.
تركيب هذا الاسم مع الاسم الظاهر “الله” (هُوَ اللهُ) يزيد من قوته، ويُعتبر طاقة وروحًا للذكر، ويؤدي إلى وحدة وانصهار تُخلّص الإنسان من كل احتياج.
ج – هيأت بابها (أوزان الأفعال):
- باب الأفعال يدل على السرعة في الفعل.
- إفعال للقيام بفعل بسرعة وتجاوز، وليس فجائيًا.
- تفعّل يدل على العمل بشكل تدريجي وسريع بدون تركيز فاعل.
- تفعيل يدل على أبطأ مراحل العمل، تدريج واهتمام الفاعل، مثل التوحيد والتهذيب.
- استفعال يدل على الطلب والطلب المستمر، وله ثقل في الزمان.
- رباعي فِعْعال يطيل الزمن ويزيد من سحب المعنى.
- الأوزان المجردة تعبر عن وحدة المعنى، والأوزان المزيدة عن كثرة وتداخل المعاني.
- تغيير الوزن يؤدي إلى تغير المعنى، مثلا: “فَعُلْ يَفْعُل” يعني معنى لازمي، أما “فَعَلَ يَفْعِل” فهو متعدي.
ج – يقظ:
التنبه والانتباه. الإنسان اليقظ يُقال عنه “يقظان” والمؤنث “يقظاء”.
“يقظة” تعني الانتباه وغالبًا القيام من النوم.
عكس اليقظة هي: “سنة” (نوم خفيف)، “نعاس” (كسل ذهني بين النوم واليقظة)، “نوم” (انفصال النفس عن الحواس)، و”رقود” (الاستلقاء مع بقاء العينين مفتوحتين، حالة بين النوم واليقظة).
“رقود” حالة قبل الموت، ويصاحبها فقدان كامل للوعي. ورد في القرآن ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [212].
وهي حالة تقلل من حياة الإنسان وتضعف النشاط العقلي. فالأشخاص الذين يعيشون في رقود طويل تقل فرص حياتهم، وتضعف ذاكرتهم ومواهبهم.
الرقود لا يعني السكون؛ بل يمكن أن يكون مصحوبًا بحركات دون وعي. ويؤدي إلى انزعاج الأشخاص الواعين ورفضهم للأشخاص الذين يعيشون في هذا السبات الروحي أو الذهني.
قائمة المؤلفات الجاهزة للنشر
نار القلب الساحر (مقطوعات)
نار الغضب
نار الولاء
يوم الجمعة للأزل
حرية تفكير الحوزويين واستبداد الطغاة
الحرية في الأسر
راحة النفس الصافية
الراحة المرحة
الأضرار الاجتماعية
العش الطاهر
الإبريق
خلق الإنسان والمادية
تعليم مقامات الموسيقى الإيرانية
الصوت الجميل
آه
آيات الأحكام وفقه القرآن
آية آية نور
مذهب العقلانية
مذهب العدالة
السحاب والمطر
إبليس الماكر
الاجتهاد المقدس
الأحكام الطبية
أحكام القمار
أحكام النظر إلى النساء
الأحكام الحديثة
ماذا يقول الإخباري؟
ماذا يقول الإخباري والأصولي؟
نجم القلب
أسباب التنزيل
استخارة مختصرة لآيات وسور القرآن الكريم
الإسلام: هوية حية دائمة
أصول وقواعد تبليغ الدين
ماذا يقول الأصولي؟
الشعر المتساقط
اقتصاد الحوزات العلمية ومخصصات طلبة الدين
الاقتصاد السليم والاقتصاد المريض
التعليقات الفقهية
التعليق على المكاسب المحرمة
التمهيد في شرح قواعد التوحيد
الجسم البسيط وانقساماته
الرسائل التسع الفقهية
الرسائل السبع العقائدية
الغناء والرقص
الفهرس الحديث لآيات الأحكام
الفهرس الحديث للفقه الشيعي
القواعد الفقهية
نماذج الفكر الديني
المباحث السنبوكية في الفنون الأصولية
المسكة (جزآن)
الولاية والحكومة
الإمام الحق؛ فاطمة 3، الإمام العشق؛ حسين 9
الإنسان وعالم الحياة
أنسية حورا
الثورة الإسلامية: التحديات والمشروعات
الثورة الإسلامية وجمهورية المسلمين
الثورة الثقافية
إصبع العشق
علم الباطن
ضروريات البحث الديني ودلالة المعنى
بداهة معرفة الله
البر الربيعي
صفحة من تشخيص أضرار الثورة الإسلامية
مجلس الغمزة
بشرى الأكرم 9
بلا مهني
أعلاء الفقه الشيعي (تسعة أجزاء)
أعلاء المعرفة
القرد الأعمى
ربيع القنوت
جنة شمّران
بلا قلب ومجنون
دراسة جديدة في أحكام الرقص
ملجأ الفناء
خمسة مقالات حكيمة
نصائح سلوكية
أنف الخرقاء
نبي الحب؛ حسين 7
الإعلام الديني
علم الزينة
الأئمة الحقيقيون للإسلام
تاريخ تحليلي للموسيقى في الإسلام
التاريخ الحي دائماً
نبض الإيمان والكفر
تجلّي الحياء
تحرير التحرير (ثلاثة أجزاء)
عدم التحريف وحجية القرآن الكريم
التدبيرات السياسية
ترجمان الهدى
التزوير العنيد
تسعة ثانية
التعامل الناعم والرقمي
تفسير الأحلام
تفسير السور الصغيرة
تفسير الهدى (أربعة أجزاء)
مشاهدة الوجود
تمثال الحق
تمني الوصال
الذات الوحيدة (مقطوعات)
سيف القدر
سحر الرياء
سحر النفاثة
جامع الأحكام
علم اجتماع علماء الدين
كأس السُكر
علم الحيوان
جذب النظرة
جلال المخلصين
جمال الجلوة
السيّد ذرّة
علم الجن
حرب الماء
الحرب واللون
الفرسان
جولة الخيال
العالم المشتت
إطار سير الكمالات
الإطار الجديد للفقه الشيعي
لماذا وكيف الثورة الإسلامية
عين الأمل
أفق علماء الدين
نظرة العين
نبع نبع الحياة
ينابيع الكوثر
نبع اللطف
نبع الياقوت
كيف نعيش وكيف نموت
وجه بوجه
وجه الحب
الحادثة الغامضة
هامش على القواعد والفوائد
الحج؛ إبراهيم أم تنظيمي
الحجرات الروحية
حرارة الحور
الحرم الدائم
خصم المعركة
الحضور الحاضر والغائب
حضور المحبوبين
حضور الناظر
الحقوق الحديثة (جزآن)
حقيقة الشريعة في فقه العروة (جزآن)
حكاية الحب
كتاب الحكمة الفلسفي
الحلاوة
حامل الحطب
حور طور
الحوزة: التحديات والمشروعات
حيرة الذات
الذكرى؛ نقش على وجه العقل
إنكار الله وأصول الإلحاد
عبادة الله والفطرة
معرفة الله
الإله الذي أعبده
الضجة الحمقاء
خصال الصحة والسعادة
خط السكة الغربية
خلود النار والعذاب الأبدي
انثناء الحاجب
الخمس الرسائل السياسية
الخمسة الطيبة
ضحكة نيوشا
الخنزير عديم الجدوى
النوم، الليل واليقظة
دم القلب (رباعيات)
الدم الأبيض
خيمة البقاء
خيمة الظهور الخضراء
قصة من فوضى اللباس الديني
فخ العناد
ظل الدهر
علم الاستخارة (خمسة مجلدات)
الثقافة الأدبية وعلم الاشتقاق
اكتساب العلم والعنف
العلم الكافي
علم التفسير وعلم التأويل
علم الذكر
علم السلوك الروحي
علم طلب العلم
دائرة الوجود
مقدمة في علم الاستخارة بالقرآن الكريم
مقدمة في معرفة القرآن الكريم
مقدمة في علم الأصول والرجال والدراية
الألم الاجتماعي والمشكلات الاجتماعية
ألم الفراق
استناداً إلى السنة (ترجمة المسكة)
دفن الموت
محبوب ومغرم
القلب المنكسر
الحبيب المتهور
المريح للقلب
همس القلب
عالم الجان ومكر البشر
عالم الألوان
دولة الوحدة
الدولة الكريمة
الدولة المنقذة
ميعادا الحب
الديار بلا هوية
ديار البركار
رؤية المصير
ديوان شيدا (الدوبيتات)
ديوان الحب والمعرفة (أربعة مجلدات)
ديوان المحبوبة
ديوان الولاية
ديوان الدناءة
ديوان نسل الكلاب والذئاب
الذليل المخزي
السر والناز (مثنويات)
القيادة والقيادة العملية
الخدّ
اللمعان بلا هوية
وجه الوجود
رسالة توضيح المسائل (مجلدان)
رقص السماء
رقص الخريف
رقص السيف
الرقص الحلو
رقص الفيض
علم نفس الاستبداد
علم نفس الغرور
علم نفس الخوف
علم نفس الطموح
علم نفس الغضب
علم نفس النساء
علم نفس السادية
علم نفس الشرك
علم نفس ضعف الأعصاب
علم نفس ضعف النفس
علم نفس الطمع
علم نفس الظلم
علم نفس الحب
علم نفس العقل
علم نفس العلم
علم نفس قوة الإرادة
علم نفس الكفر
علم نفس العبقرية
علم نفس الوهم
علم نفس هاري النفس
سرد الاقتصاد الريادي
الروحانية والقيادة
روح العالم (الرباعيات)
منهج التفسير من وجهة نظر القرآن الكريم
منهج الأئمة المعصومين والحركات الثورية
ضياء الدنيوية والدنيوانية
ازدهار العصر
ازدهار الزهور
قادة الشيعة في عصر الغيبة
الرؤية الصامتة
الرؤية الحلمية
لغة الجسد
زخمة الشكوك (مجلدان)
زخمة العزف
نقاء التصوف
الشعر المبعثر
المرأة؛ جنة الجمال والتربية
سلسلة المساواة وسلسلة الظلم
الحياة، الحب أم القانون
حياة الظهور
المرأة؛ المظلومة دائمة التاريخ (أربعة مجلدات)
المرأة والحرية الدينية
المرأة؛ إلهة الحب
المرأة والحياة
الجمال الظاهر
جمالك
علم الجمال
صناعة الشعر
بساطة بلون الله
كأس الحور
عقل التنين الخفيف
النجم بلا هوية
سجود القامة
سراب التصوف أو الهباء المبعثر
السرو الطويل
نشيد الأحبة
سلطة الرجال أم النساء
سلوك الحداد
شور الحور
الحزن والعزف (القصائد)
سياحة الأرض
تفكير المسافر
السيرة الحمراء (ثلاثة مجلدات)
سير الحب / مذكرات (ثلاثة مجلدات)
صورة الطالب
قرن الشيطان
مساء الغربة
مساء إيران (ثلاثة مجلدات)
شاهد الوحدة
شاهد الشيدا
الليل، الخلوة، وصاعقة الصمت
شرنغ الحزن
شرنغ المكر
الشغال الجديد
عجائب صحة الجسد
شمعة الجمع
شمعة الحياة
شوخ الألست
شور الشيدا
شوكران العصيان
المدينة السياسية
شيدا الوجود
طريقة تنفيذ الحدود
صاحب المنزل
الصبح الجديد
صحيفة الحب
الصفحات الحوزوية
صفاء الشباب
صفاء القلب
صفاء الروح
ضرورة المعرفة بمقام النورانية
الطاغوت الخادع
طبلة الضجة
الطبيعة المروّضة
طُعم الطمع
طغيان الهوى
طلبية والتزام العمل
طلوع الغد
طيب طوبى
وعاء الظهور
الظهور الطاهر
علم الظهور
ظهور الكرامة
العارف والكمال
الأكثر عشقاً
العاشق النشيط
العلماء الدينيون والبساطة في العيش
عرفان محبوب وسالكي المحبة
العرفان والمقامات
عروس الربيع
عروس القلب
المتعة الطاهرة
الحب والفخ
العصمة؛ موهبة إلهية
عطر الختام
العفريت الفريب
علم الأصول وعلماؤه الخمسة
العلماء الحقيقيون؛ سيرة الرسل
علم الحياة
عنقاء المحبة
عوالم المينا
العيّارون
غارق فيك
غارق فعلًا
الغريب الواحد
غريق الحب
الغزال الأفضل
الغزال السكير
الغناء النسائي
الغنج والدلال
الغيب، الليل، واليقظة
فتنة الظلم
علم الملائكة
ضياء الفرح
ثقافة الشريعة والطبيعة النازلة
ثقافة العرفان
الفقه الحكيم
فقه الصفاء، النشاط، وسكر القلب
فقه الغناء والموسيقى (سبعة مجلدات)
الفلسفة الحديثة
التفكير الفلسفي
الفكر الفلسفي
زوال الوجه
فوج الرعب
فوران الحب
قائمة جمال وجلال الله
قائمة الحالات المذكرة والمؤنثة في القرآن الكريم
قدبس الفردوس
قد البندار
قديس الحب
القرآن الكريم والأسس الاقتصادية
قرب الغربة
القرب والبلاء
قرب الرفيق (دوبيتات)
قصة الشعر
مقامرة الحب
قواعد تأويل الأحلام
القواعد السبعة للسلوك الإلهي
مأوى الأمل
كَمُّ كوثر (رباعيات)
بحث جديد في المعجزات والكرامات
كتاب الله
كتاب الصداقة
كتاب الطبيعة
كتاب القانون (خمسة مجلدات)
مغازلة الغزل
الضبع الأبتر
كلبة في الطريق
مجموع ديوان نكو (ثلاثون مجلدًا)
كوثر؛ شرف الحق
كوثر؛ نقطة الوجود
الممرات والمهربات الاجتماعية
- دولة الوحدة
- الدولة الكريمة
- الدولة المنجيّة
- موعدان للحب
- دار بلا هوية
- دار البركار
- نظرة النهاية
- ديوان الشيدا (الرباعيات)
- ديوان الحب والمعرفة (4 مجلدات)
- ديوان المحبوب
- ديوان الولاية
- ديوان الدناءة
- ديوزاد كلب الذئب
- المذل والمفضوح
- السر والهوى (مثنويات)
- الرانة والقيادة
- الاستراتيجيات الكبرى للنظام الإسلامي
- الوجه
- الوجه بلا علامة
- وجه الوجود
- رسالة شرح المسائل (مجلدان)
- رقصة السماء
- رقصة الخريف
- رقصة السيف
- الرقصة الحلوة
- رقصة الفيض
- علم نفس الاستبداد
- علم نفس التكبر
- علم نفس الخوف
- علم نفس الطموح
- علم نفس الغضب
- علم نفس النساء
- علم نفس السادية
- علم نفس الشرك
- علم نفس ضعف الأعصاب
- علم نفس ضعف النفس
- علم نفس الطمع
- علم نفس الظلم
- علم نفس الحب
- علم نفس العقل
- علم نفس العلم
- علم نفس قوة الإرادة
- علم نفس الكفر
- علم نفس العبقرية
- علم نفس الوهم
- علم نفس النفس الهاربة
- سرد الاقتصاد الرواداري
- الروحانية والقيادة
- روح العالم (رباعيات)
- منهج التفسير من وجهة نظر القرآن الكريم
- منهج الأئمة المعصومين والحركات الثورية
- ضوء الدنيا والمادية
- ازدهار العصر
- ازدهار الزهرة
- قادة الشيعة في عصر الغيبة
- الرؤية الصامتة
- الرؤية الحلمية
- لغة الجسد
- زخمة الشكاوك (مجلدان)
- زخمة الآلة
- زلال التصوف
- خصل الشعر المبعثر
- المرأة؛ جنة الجمال والتربية
- سلسلة المساواة وسلسلة الظلم
- الحياة، الحب أم القانون
- حي الظهور
- المرأة؛ المظلومة الدائمة في التاريخ (4 مجلدات)
- المرأة والحرية الدينية
- المرأة؛ إلهة الحب
- المرأة والحياة
- الجميل الظاهر
- جمالك
- علم الجمال
- بناء الشعر
- بسيط بلون الله
- ساقر الحوراء
- عقل التنين الساذج
- النجم بلا علامة
- سجود القامة
- سراب التصوف أو النسيم المبعثر
- السرو العالي
- نشيد المحبين
- سيطرة الرجال أو النساء
- سلوك الحزن
- سور الحور
- الحزن والشد (القصائد)
- سياحة الأرض
- مفكر متجول
- السير الأحمر (3 مجلدات)
- سير الحب / المذكرات (3 مجلدات)
- ملامح التلميذ
- قرن الشيطان
- مساء الغربة
- مساء إيران (3 مجلدات)
- شاهد الوحدة
- شاهد الشيدا
- الليل والعزلة والرعد الصامت
- سم الأنين
- سم الخديعة
- الذئب الناشئ
- عجائب الصحة البدنية
- شمعة الجمع
- شمعة الحياة
- الشوخ الأنيق
- الحماسة الشيدا
- شوكران العصيان
- سياسة المدينة
- الشيدا الوجودي
- طريقة تنفيذ الحدود
- صاحب البيت
- الصبح الجديد
- صحيفة الحب
- صفاء طلبة الحوزة
- صفاء الشباب
- صفاء القلب
- صفاء العقل
- ضرورة معرفة مقام النورانية
- الطاغوت الخائن
- طبول الضجة
- الطبيعة المروّضة
- فريسة الطمع
- طغيان الهوى
- طلبة الالتزام العملي
- طلوع الغد
- طيب طوبى
- وعاء الظهور
- الظهور النقي
- دراسة الظهور
- ظهور الكرامة
- العارف والكمال
- الأكثر عشقاً
- العاشق النشط
- العلماء الدينيون والحياة البسيطة
- التصوف المحبوبي والسالكين المحبين
- التصوف والمقامات
- عروس الربيع
- عروس القلب
- النعيم النقي
- الحب والفخ
- العصمة؛ هبة إلهية
- عطر الخاتمة
- العفريت الماكر
- علم الأصول وعلماؤه الخمسة
- العلماء الحقيقيون؛ أتباع الأنبياء
- علم الحياة
- عنقاء الحب
- عوالم المينا
- الفرسان
- غارق فيك
- غرق
- الغريب الوحيد
- غريق الحب
- الغزال الأفضل
- الغزال السكران
- غناء النساء
- الغنج والدلال
- الغيب، الليل واليقظة
- فتنة الظلم
- علم الملائكة
- ضوء الفرح
- ثقافة الشريعة وطبيعة الإنسان
- ثقافة التصوف
- فقه الحكمة
- فقه الصفاء والنشاط والسكر
- فقه الغناء والموسيقى (7 مجلدات)
- الفلسفة الحديثة
- التفكير الفلسفي
- التفكير الفلسفي
- زوال الوجه
- فوج الرعب
- فوران الحب
- قائمة جمال وجلال الله
- قائمة المذكر والمؤنث في القرآن الكريم
- قدس الفردوس
- قدس الفكر
- قديس الحب
- القرآن الكريم والأسس الاقتصادية
- قرب الغربة
- القرب والبلاء
- قرب الحبيب (الرباعيات)
- قصة الشعر
- قمار الحب
- قواعد تفسير الأحلام
- القواعد السبعة للسلوك الإلهي
- موطن الأمل
- كأس الكوثر (رباعيات)
- دراسة جديدة في المعجزات والكرامات
- كتاب الله
- كتاب المحبة
- كتاب الطبيعة
- كتاب القانون (5 مجلدات)
- خفة الأنوثة
- الضبع الأجوف
- كلبة في الطريق
- مجموعة ديوان نكو (30 مجلد)
- الكوثر؛ حرمة الحق
- الكوثر؛ نقطة الوجود
- الممرات والهروب في المجتمع
- الخنزير الوضيع
- دوامة الوهم
- الذئب السارق
- مقولات الأنثروبولوجيا
- مختصر شرح المسائل
- الحوارات الاجتماعية
- الحوارات الحميمة
- خطاب تفسير القرآن
- زهرة الرمان
- زهرة الوجه
- الكنز بلا مكان
- جوهر العبادة وجوهر الملك
- علم النبات
- ابتسامة العاشق
- شراب العسل
- رقة المطر
- لطف النهاية
- لطف اللقاء
- لطف الحبيب
- لهيب الفقر
- ليلى القلب
- مات زليخة
- القمر الظاهر
- المحبوبون والمحبان
- محبوب الحب
- محرّم السر
- محضر الذات
- المدينة الفاضلة أو الغابة الحديثة
- مراتب الولاية
- الموت والحياة في الأبدية
- بشرى التلميع
- السكر بلا علامة
- السكران العاشق
- السكران والخمر
- مشقة الشعر
- المعاد الجسدي
- المعاد الجسدي؛ حقيقة دينية وفلسفية
- معرفة المحبوب والسلوك المحب
- الروحانية الغذائية
- مقامات العارفين
- مكافآت الحب
- الذباب المتسول
- الكلمات الناطقة
- المحبوب المخادع
- مناسك الحج
- مناسك الحج
- منطق الموسيقى
- أنا البحر
- العهد
- روح المينا
- غنج المحبوب
- نرجس السكران
- نسخة التصوف
- الجيل المحترق
- نسيم الرحمن
- نظام الهيمنة
- وجهات النظر السياسية
- الألحان الصوفية
- لعنة الغضب
- نفسية الإنسان
- نداء الصلابة
- نداء الحب
- نقد صافي / استقبال ديوان حافظ الشيرازي (4 مجلدات)
- دور الأب
- الرسام البسيط
- رسام الوجود
- نظرة الرسام
- جوهرة الوجود
- صورة الرسالة
- نغم أهل القلب
- النور والسرور
- المشروبات الكحولية
- وحدة السكارى
- وصول بريسا
- علم الولاية
- ولاية الإمام علي المستصعبة (7)
- فيروس بلا خوف
- الهداية الدينية
- تابوت الألف يد
- عزيمة الأبطال
- الأزواج والمديرون الأكفاء
- هواء الحبيب
- الهل
- هوى الليل
- الضجيج
- هيبة الحب
- عهود الحب
- داء النفس الجامحة
- مذكرات الروحانية
- الرفيق الوفي
- الرفيق في كل مكان
- الرفيق الصديق
- الجسد الواحد
- التوحيد
- علم التوحيد
- تصور التوحيد
- الفارس الوحيد
- [1] – مريم / 50.
- [2] – طه / 27.
- [3] – مريم / 97.
- [4] – شعراء / 195.
- [5] – روم / 22.
- [6] – راغب اصفهانى، مفردات غريب القرآن، ص 450.
- [7] – بلد / 9.
- [8] – ابراهيم / 4.
- [9] – مريم / 50.
- [10] ـ روم / 22.
- [11] – مائده / 78.
- [12] – دخان / 58.
- [13] – آلعمران / 78.
- [14] – نساء / 136.
- [15] – محمد / 29 ـ 30.
- [16] – محمد / 30.
- [17] – محمد / 30.
- [18] – محمد 9 / 29 – 32.
- [19] – محمد / 29.
- [20] – ابراهيم / 4.
- [21] – توبه / 97.
- [22] – مائده / 78.
- [23] – نحل / 103.
- [24] – مريم / 97.
- [25] – حجرات / 14.
- [26] – توبه / 97.
- [27] – توبه / 99.
- [28] – يوسف / 2.
- [29] – شعراء / 195.
- [30] – فصلت / 3.
- [31] – رعد / 37.
- [32] – واقعه / 37.
- [33] -رعد / 37.
- [34] – نمل / 29.
- [35] -رعد / 37.
- [36] – نمل / 29.
- [37] -رعد / 37.
- [38] – توبه / 97.
- [39] – توبه / 99.
- [40] – شعراء / 195.
- [41] – انعام / 38.
- [42] – فصلت / 44.
- [43] – نحل / 103.
- [44] – واقعه / 37.
- [45] . توبه / 97.
- [46] . احزاب / 33.
- [47] – حمد / 1.
- [48] . بحارالا، ج 11، ص 56.
- [49] – كنزالعمال، ج 12، ص 43.
- [50] – قيامت / 4.
- [51] – فتح / 26.
- [52] – توبه / 97.
- [53] – تفسير القمى، على بن إبراهيم القمى، ج 2، ص 124.
- [54] – اسراء / 82.
- [55] – حجرات / 13.
- [56] – نحل / 103.
- [57] – مريم / 29 – 30.
- [58] – عبس / 31.
- [59] – سنن دارمى، ج 1، ص 125. مستدرك حاكم، ج 1، ص 105.
- [60] – حج / 18.
- [61] – فرقان / 30.
- [62] – يونس / 37 ـ 38.
- [63] – حجر / 34.
- [64] – هود / 91.
- [65] – كهف / 22.
- [66] . مزمل / 20.
- [67] . اعراف / 204.
- [68] – نساء / 136.
- [69] – تفسير مجمعالبيان، طبرسى، ج 1، ص 24.
- [70] . فرقان / 33.
- [71] – انبياء / 79.
- [72] – نجم / 3 ـ 4.
- [73] – توبه / 87.
- [74] – توبه / 122.
- [75] – اسراء / 85.
- [76] – آلعمران / 30.
- [77] – آلعمران / 191.
- [78] ـ واقعه / 79.
- [79] ـ قمر / 17.
- [80] ـ اسراء / 82.
- [81] . انعام / 59.
- [82] . آل عمران / 7.
- [83] – مائده / 48.
- [84] – بقره / 156.
- [85] – يوسف / 6.
- [86] – كهف / 78.
- [87] . راغب اصفهانى، مفردات غريب القرآن، ص 394.
- [88] . فرقان / 30 ـ 33.
- [89] . فرقان / 32.
- [90] . قيامت / 16.
- [91] . فرقان / 33.
- [92] . آل عمران / 7.
- [93] – بقره / 75.
- [94] – نساء / 46. برخى از آنان كه (خواص عالمان) يهودىاند، كلمات را از جاهاى خودبرمىگردانند و با پيچانيدن زبان خود و به قصد طعنهزدن (در اسلام با درآميختن عبرى بهعربى) مىگويند: «شنيديم و نافرمانى كرديم و بشنو (كه كاش) ناشنوا گردى» و (نيز از روىاستهزا مىگويند:) «راعنا» (كه در عربى يعنى به ما التفات كن، ولى در عبرى يعنى خبيث ما)و اگر آنان مىگفتند «شنيديم و فرمان برديم و بشنو و به ما بنگر» قطعا براى آنان بهتر ودرستتر بود، ولى خدا آنان را به علت كفرشان لعنت كرد در نتيجه جز (گروهى) اندك ايماننمىآورند.
- [95] – واقعه / 79.
- [96] – اسراء / 82.
- [97] – يوسف / 6.
- [98] – كهف / 78.
- [99] – بقره / 282.
- [100] – يوسف / 84.
- [101] – كهف / 6.
- [102] . البته مرجع اشارهى آن، همين ظاهر واقع ارضى است.
- [103] – دخان / 2 ـ 5.
- [104] – دخان / 10.
- [105] – دخان / 13 ـ 14.
- [106] – دخان / 21.
- [107] . ابن ابى جمهور احسايى، عوالى اللئالى، ج 4، ص 116.
- [108] – معجم مقائيس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس زكريا، ج 5، ص 256.
- [109] – القاموس المحيط، فيروزآبادى، ج 4، ص 386.
- [110] – معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجى، ص 392.
- [111] – التحقيق فى كلمات القرآن الكريم، ج 10، ص 230 ـ 231.
- [112] – فقه غنا و موسيقى، ج 1، صص 32 ـ 33.
- [113] – ق / 18.
- [114] ـ ر. ك : الذريعه، ج 18، ص 330.
- [115] – مناقب آل أبىطالب، ابن شهرآشوب، ج 1، ص 324 ـ 325.
- [116] – الفصول المهمة في أصول الأئمة، الحر العاملى، ج 1، ص 684 ـ 685.
- [117] – لقمان / 20.
- [118] – حمد / 1.
- [119] . نهجالبلاغه، حكمت 140.
- [120] . هجاها = بخشهاى متشكل از واكهها و مصوتها و نيز همخوانها و صامتها.
- [121] – نصر / 2.
- [122] – بقره / 143.
- [123] . سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس، ص 162.
- [124] – ابن شهر آشوب، مناقب آل أبىطالب، ج 3، ص 318. قال أبوبصير للباقر 7: ما أكثرالحجيج وأعظم الضجيج، فقال: بل ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج. أتحبّ أن تعلم صدق ماأقوله وتراه عيانآ؟ فمسح على عينيه ودعا بدعوات فعاد بصيرآ فقال: انظر يا أبابصير إلىالحجيج، قال: فنظرت فإذا أكثر النّاس قردةً وخنازير والمومن بينهم كالكواكب اللامع فيالظلماء، فقال أبوبصير: صدقت يا مولاي ما أقلّ الحجيج وأكثر الضجيج، ثمّ دعا بدعوات فعادضريرآ. فقال أبوبصير في ذلک، فقال 7: ما بخلنا عليک يا أبابصير وإن كان الله تعالى ماظلمک وإنّما خار لک وخشينا فتنة النّاس بنا وأن يجهلوا فضل الله علينا ويجعلونا أربابآ مندون الله ونحن له عبيد لا نستكبر عن عبادته ولا نسأم من طاعته ونحن له مسلمون.
- [125] – علامه مجلسى، بحارالأ، ج 22، ص 453. قال رسولالله 9: يأتي على النّاس زمانبطونهم آلهتهم، ونساوهم قبلتهم، ودنانيرهم دينهم، وشرفهم متاعهم، لا يبقى من الايمان إلااسمه، ولا من الاسلام إلّا رسمه، ولا من القرآن إلا درسه، مساجدهم معمورة من البناء،وقلوبهم خراب عن الهدى، علماوهم شرّ خلق الله على وجه الأرض، حينئذ ابتلاهم الله فيهذا الزمان بأربع خصال: جور من السلطان، وقحط من الزمان، وظلم من الولاة والحكّام.فتعجبت الصحابة فقالوا: يا رسول الله أيعبدون الأصنام؟ قال: نعم، كلّ درهم عندهم صنم.
- [126] – نمل / 34.
- [127] – شيخ مفيد، الأمالى، ص 5.
- [128] . خوشپوش. احساساتى.
- [129] -آلعمران / 113.
- [130] – بقره / 255.
- [131] – اخلاص / 1.
- [132] – بقره / 261.
- [133] – بقره / 104.
- [134] – بقره / 254.
- [135] – بقره / 269.
- [136] – بقره / 282.
- [137] – نساء / 6.
- [138] – انفال / 8. تا حق را ثابت و باطل را نابود گرداند.
- [139] – مائده / 67.
- [140] – بقره / 286.
- [141] – بقره / 269.
- [142] – قصص / 25.
- [143] – بقره / 272.
- [144] – بقره / 275.
- [145] – آلعمران / 5.
- [146] – بقره / 254.
- [147] – آلعمران / 14.
- [148] – آلعمران / 11.
- [149] – نجم / 8.
- [150] – آلعمران / 11.
- [151] – زلزله / 7.
- [152] – بقره / 260.
- [153] – بقره / 276.
- [154] – بقره / 252.
- [155] – فجر / 14.
- [156] – مائده / 119.
- [157] – آلعمران / 15.
- [158] – حديد / 23.
- [159] – جن / 4.
- [160] – نساء / 5.
- [161] – نساء / 5.
- [162] – بقره / 74.
- [163] – حج / 53.
- [164] – مائده / 13.
- [165] – نساء / 27.
- [166] – مريم / 59.
- [167] – آلعمران / 14.
- [168] – آلعمران / 11.
- [169] – فصلت / 31.
- [170] – بقره / 138.
- [171] – بقره / 260.
- [172] – نساء / 101.
- [173] – بقره / 284.
- [174] – آلعمران / 18.
- [175] – زخرف / 54.
- [176] – نازعات / 24.
- [177] – آلعمران / 178.
- [178] – جمعه / 9.
- [179] – بقره / 11.
- [180] – بقره / 273.
- [181] – بقره / 273.
- [182] – نساء / 78.
- [183] . دقت شود كه در ناسوت، امرى فورى به معناى ناگهانى وجود ندارد و قانون نسبى ناسوتىبر آن چيره مىباشد و فورى است به اين معناست كه سرعت و شتاب بتندى دارد، وگرنهتدريج در هر چيزى هست.
- [184] – زخرف / 89.
- [185] – بقره / 137.
- [186] – بقره / 255.
- [187] – بقره / 286.
- [188] – مائده / 3.
- [189] – بقره / 25.
- [190] – بقره / 269.
- [191] – بقره / 258.
- [192] – انبياء / 22.
- [193] – نازعات / 24.
- [194] – روم / 41.
- [195] – اعراف / 40.
- [196] – جمعه / 1.
- [197] – نساء / 78.
- [198] – زخرف / 29.
- [199] – بقره / 249.
- [200] – بقره / 130.
- [201] – آلعمران / 3 ـ 4.
- [202] – نحل / 96.
- [203] – آلعمران / 17.
- [204] – بقره / 283.
- [205] – بقره / 282.
- [206] – آلعمران / 10.
- [207] – بقره / 189.
- [208] – بقره / 206.
- [209] – آلعمران / 23.
- [210] – آلعمران / 8.
- [211] – بقره / 259.
- [212] . كهف / 18.
- [213] . كهف / 18.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.