مقدمة في فقه الموسيقى
يُعدُّ علم الموسيقى من أكثر العلوم تعقيدًا وحداثةً في زماننا. له جذور ضاربة في أعماق الفكر الفلسفي لدى الحكماء العظام أمثال ابن سينا والفارابي. موضوع هذا العلم هو الصوت. والصوت له أبعاد متعددة، منها صوت الحق وهو وحي الأنبياء، ومنها الأصوات الروحانية السماوية التي يلتقي بها العارفون في سماعهم الروحي، وكذلك الأصوات التي تبرز في الطبيعة بأشكالٍ وألوانٍ لا تحصى. مثل صوت خرير الشلال الهادئ، ونغمات تغريد البلبل المبهجة، وأنين الريح الحزينة بين أشجار الحور، وأمواج البحار، وبرودة نسيم الصباح اللطيف، جميعها موسيقى خاصة ذات معنى.
الصوت رمز الحركة والحياة في كل كائن. لا صوت لمن لا حركة فيه أو نمو. وإذا ما كان الصوت متناسقًا فإنه يتحول إلى موسيقى. الصوت قد يكون صوت حق أو صوت باطل. فالباطل يهاجم جبهة الحق بصوته، والحق يصد الباطل بنفس الوسيلة.
في هذا البحث العلمي، نتحدث عن الصوت المنظم والغنائي، ونبحث حقيقته الخارجية من مناظير العلم التجريبي والفلسفة، كما نستعرض الأحكام الفقهية المتعلقة به. نناقش فلسفة الموسيقى (علم الوجود الموسيقي) ونضع تصميماً لفن الغناء النسائي. كذلك نُبين الموسيقى المحرمة والمغالطات الفقهية في غناء النساء، بالإضافة إلى أحكام السرور المصاحب للموسيقى مثل الرقص، والتصفيق، والصفير، والتكسر.
هذا البحث، بما يحتويه من دقة في بيان موضوع الصوت والموسيقى، والأحكام الشرعية المرتبطة بها، وكذلك معاييرها وأسبابها، يمكن اعتباره مصدرًا موثوقًا لفهم الموسيقى، اتساعها، عظمتها، ووظائفها، وكذلك للفرح المرتبط بها.
من الجدير بالذكر أن المستندات الفقهية لدراسات هذا الكتاب مفصلة في كتاب “فقه الغناء والموسيقى” الذي يمتد على سبعة مجلدات. وعليه، فإن من يريد نقد أيًّا من نتائج هذا البحث، خاصة فيما يتعلق بـ”غناء النساء” أو “الرقص” أو “النظرة إلى حجم الجسم”، يجب عليه أولاً أن يدرس هذا الكتاب بدقة، ومن ثم يطلع على “التاريخ التحليلي للموسيقى في الإسلام” لفهم السياق التاريخي المؤثر.
اليوم، أنظار الناس متجهة نحو النظام الإسلامي، ويترقب الناس منه بيانًا واضحًا للمسائل والأحكام، مما يجعل مسؤولية الفقهاء والعلماء دينية عظيمة لا تقارن بماضي الفقه الشيعي.
من الضروري اليوم، في مجتمعنا، الحديث عن معايير الأحكام وأسباب الشريعة للفقه الشيعي، ويجب على الفقه أن يحقق في ماهية الأحكام، ويثبت حكمتها وأسبابها، ويؤسس لفقه وقانون حديث، يُمهّد لقيام حضارة شيعية نابضة في القرن القادم.
وهكذا يكون هذا الفقه سببًا في منح المظلومين في العالم أملًا جديدًا. لقد أدرك الجميع اليوم أن الظلم والقهر لا يأتيان من قوى عظمى غربية أو من دول أخرى، وإنما الثقافة هي التي يجب أن تسود في العالم. والصراع القادم هو نزاع بين الحضارات والثقافات القائمة على العلم. وأعظم ثقافة قائمة الآن هي تعاليم الإنسانية الغربية، والثقافة القوية الوحيدة التي يمكن أن تنافسها بتنظيم صحيح هي الثقافة الشيعية، التي تمتلك رصيدًا من القيادة المعصومة والدراية العميقة تمتد لأكثر من مئتين وسبعين عامًا، وقادرة على الإجابة عن المشكلات الفكرية والثقافية والروحية والمادية لعالم اليوم ومستقبله، ولديها القدرة على قيادة استراتيجية تحرير الشعوب من الظلم والاضطهاد وتأمين سلامتهم الدنيوية وبلوغهم الملكوت وسعادتهم الأخروية. ويستلزم الوصول إلى هذا المستوى جهدًا كبيرًا من العلماء الدينيين، وهذا هو جوهر الاجتهاد والاستنباط والفقاهة.
اليوم، مع نمو العقلانية، وتزايد اهتمام الناس بالروحانيات، يجب التحدث إليهم بمقاييس علمية وعقلانية، ولا يجوز بعد اليوم أن نقول للعلماء في الخارج إن الأحكام الإسلامية لا أسباب لها ويجب قبولها بالتعصب الأعمى. لا يمكن اليوم أن تُقدم للأوساط العلمية تفسيرات دينية قائمة على التعصب دون تحليل علمي وفلسفي، لأنهم يعتمدون فقط على المبادئ العلمية ولا يعترفون بالتعصب. الإسلام دين خالد، جاء لإدارة جميع المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الحديثة والعلمية، والقرآن الكريم معجزة خاتمية وكتاب علمي خالد يتناول جميع المسائل والمواضيع، لكن لفهم معانيه يجب إتقان لغته التخصصية.
الحمد لله.
فلسفة الموسيقى
علم الرياضيات؛ منبع علم الموسيقى
تعتبر الموسيقى في الحكمة والفلسفة القديمة من مبادئ علم الرياضيات. إذ أن الحكمة القديمة كانت تشمل أغلب العلوم تقريبًا، وكان الحاكم يُطلق على من يتقنها جميعًا. وأصبحت العلوم الأساسية في الحكمة القديمة تنحصر في ثلاثة أقسام: اللاهوت، والطبيعة، والرياضيات؛ لأن موضوع الحكمة النظرية هو إما مادي أو غير مادي. فإذا كان تصور موضوع ما مرتبطًا بالمادة كان ضمن “العلم الطبيعي”، وإذا لم يكن مرتبطًا بالمادة في التصور أو الموضوع الخارجي، يُسمى “العلم الإلهي”، وإذا كان المادة موجودة في الموضوع الخارجي فقط وليس في التصور، يُسمى “علم الرياضيات”.
علم الرياضيات هو أحد أركان الفلسفة الأساسية، فلا يمكن أن يكون المرء فيلسوفًا دون معرفة بهذه العلوم، وإلا سيكون فهمه ناقصًا. علم الموسيقى هو جزء من العلوم التي تشمل الحساب، والهندسة، والفلك، والتي هي جزء من الفلسفة القديمة. وقد أتقن كبار الفلاسفة، ومنهم الشيعة، هذا العلم ليكملوا فلسفتهم ويبدعوا في التعبير اللغوي بحيث تبدو كلماتهم متناسقة كما تنسق النغمات الموسيقية.
مبادئ علم الرياضيات تقوم على أربعة علوم:
أ) معرفة الكمّ المتصل كموضوع للهندسة.
ب) معرفة الأعداد وخصائصها، وهو علم الحساب.
ج) معرفة اختلاف الأجرام السماوية وعلاقاتها، وهو علم الفلك والهيئة.
د) معرفة نسب التلحين وأحواله، وهو علم التأليف الموسيقي.
فروع علم الموسيقى
تشمل الفروع الفرعية لهذا العلم علوم المناظر والسرایا، وعلم الجبر والمقابلة، وعلم الجراثقال والنيرنجات، وبعض العلوم الغريبة مثل الجفر والرمل والأسطرلاب، والتي تتبع المبادئ الرياضية في مراحلها التمهيدية، رغم أن تحقيق الحقائق العملية والوصول الملموس يتجاوز الأسس الرياضية.
الموسيقى تتكوّن من نغمات مختلفة من حيث القصر والطول، ويجب ترتيبها بشكل مناسب بجانب بعضها البعض. ويؤدي توازن هذا الترتيب إلى خلق الجهاز الموسيقي، اللحن والإيقاع.
الموسيقى هي نداء القلب. تجد الموسيقى طبيعتها وتناسقها في الأجهزة والطرائق. إنها تعبير عن ما في الضمير من عواطف داخلية نابعة من التأمل في الظواهر الطبيعية، مما يجعل القواعد الموسيقية ليست من صنع العقل الخارجي، وإنما هي مستمدة من طبيعة الفكر السليم والفطرة المترسخة في النفس.
علم الموسيقى، مثل علم النغمة، وعلم الصوت، وعلم النطق، يهتم بجمع الأصوات المتناغمة بشكل موزون ومقبول للطبع. ويتطلب هذا العلم، خاصة في المستويات المهنية، معرفة العلوم العامة، والعلوم الطبيعية، والحساب، والهندسة التي تنتمي إلى العلوم الرياضية. على سبيل المثال، يعتبر مد الصوت خطًا هندسيًا، والهمهمة كالأعداد في الحساب. إن مد الصوت يشبه تعيين منفصل. ولهذا السبب، تعد الموسيقى فرعًا من الرياضيات وتتطلب معرفة الكم المتصل والمنفصل بحسب التعبير القديم.
نحن لا نعتبر الصوت كمّا متصلًا، بل نعدّه كمّا منفصلًا كالعدد، ولا نقبل بوجود ماهيات أو جواهر وأعراض. يتولد الصوت بالحركة الموجية للهواء واهتزاز الأوتار الصوتية، ويحدث الصوت نتيجة لذلك بغض النظر عن طول موجته. هذه الظاهرة – رغم تنوعها – وحدة ومنفصلة، إذ لا يوجد في فلسفتنا عالم به كمّ متصل.
الصوت يشبه العدد في كونه تعيينًا منفصلًا، وهو موحد ومتساوٍ في جميع أطوال الموجات، ولا يقبل التفريق. هذا التناسب والتناغم بين أجزاء الصوت يفسر جماله وجاذبيته، تمامًا كما هو الحال في جمال الخط والشعر والعضو الحي، حيث يُعتبر متناسقًا إذا حافظ على تناسب أجزائه.
الصوت يُعتبر متناسبًا إذا كان هناك انسجام في ارتفاعه وانخفاضه وتمدداته وترتيبه، ويسمى هذا الصوت “الغناء”، والفن الموسيقي يبحث في هذا التناسب.
لهذا السبب تعد الموسيقى من العلوم الرياضية، إذ تتناول أرقام النوتات، والارتفاعات، والحدة، والاخفاء، وكل خصائص الصوت التي هي تعيينات منفصلة.
الغناء يتشكل من تركيب هذه العناصر، وتتناول الموسيقى أحوال النغمات، والفواصل بينها، والروابط التي يجب أن تكون بينها، ويسمى مد الصوت وربطه “التحرير”. وتختلف طرق الربط التي يجب أن تكون متناغمة، ويسمى هذا التوافق “الإيقاع”. “العود” هو مقياس الغناء، وهو معيار التمييز بين الغناء الصحيح والفاسد.
الموسيقى هي فن يميز الصوت الصحيح من الصوت الفاسد، كما يميز علم المنطق بين الصدق والكذب. مثلاً، يعرف علم الموسيقى أن من ينتقل فجأة بين مقامين مختلفين يخلط بين الأجناس الموسيقية.
ابن سينا في كتاب الشفاء يعرف الموسيقى ويشرحها بشكل مبسط، ونحن نعرض ترجمة مختصرة لتفسيره لتوضيح الفكرة بسلاسة ووضوح. يقول ابن سينا:
(٢٧)
لا يُدرَج الخصائص المادية فيه، في حين يجب أن يكون التعريف جامعاً مانعاً، ينطبق على جميع المصاديق والمواضيع، في كل مراتب العوالم، بغض النظر عن الخصائص والسمات التي تتصف بها تلك المصاديق. فقد قيل في تعريف الصوت: «كل نغمة تخرج من الفم ـ دون استخدام مخارج الحروف ـ هي صوت». وعلى هذا الأساس، الصوت ليس كل ما يُسمع بالأذن، بل السماع هو وصف مفعولي له. الصوت الإنساني هو تحريض تموجي لأوتار الصوت في الحنجرة والحلق. ويُشار إلى أنه إذا انعكس الصوت، يُطلق عليه اسم «الصدى».
القبض والبسط في الصوت
بما أن الصوت من نوع الحركة الموجية، فإنه يمتاز بوصف القبض والبسط، وهما تابعان للحركة، وهما موجودان في جميع الظواهر وحتى في الوجود نفسه. النفس الرحمانية أو «نفس الحق» أيضاً تتسم بالقبض والبسط. وعندما يظهر القبض والبسط في العالم الدنيوي ويتجلى في الأنظمة الكهربائية، يُعبَّر عنه بسلكي الفاز والنول. الصوت أيضاً يتبع النظام المتأصل في كل الظواهر، وينشأ من قبض وبسط الوجود والظواهر عبر الطول الموجي الذي يولده.
عندما يدخل قبض وبسط الظواهر في علم الموسيقى، يتجسد في مفهومي «التأليف» و«الإيقاع». تجمع نغمتان أو صف من النغمات يُسمى «تأليف» وهو القبض، والبسط المتناسب يُسمى «إيقاع». الإيقاع يعني تحديد مواضع انغلاق الصوت وافتتاحه، ومتى يكون الصوت منحنياً أو متقطعاً، دقيقاً أو غليظاً، وتنسيق الصوت.
(٢٨)
الصوت يُبنى من «نقرة» و«إيقاع». النقرة هي نطق الحرف أو ضرب على آلة موسيقية، ناتج عن اصطدام جسم بجسم. في العروض، النقرة هي «الحرف» المتحرك أو الساكن، التي منها تتكون «السبب»، «الوتد»، و«الفاصلة». يتطلب تنفيذ النقرة في العروض والموسيقى تناغماً خاصاً.
ماهية الغناء
يُطلق على التناسق في الصوت الإنساني «الغناء». والغناء في اللغة يعني الامتلاك والقدرة. وهناك ما هو مادي يُسمى «قنا» وما هو غير مادي يُسمى «غنا». ليس صحيحاً أن الامتلاك محصور في الأمور المادية فقط. الغناء يعني القدرة التي تنطبق على القوة المادية كالذراع القوية، وكذلك على الإرادة القوية التي هي معنوية.
مع أن «الغنا» و«القنا» تدلان على القدرة، فإن القنا أقوى وتخص الأمور غير المنقولة فقط، ولهذا لا ينطبق على الصوت المتحرك والمنقول. لم يُطلق على الغناء «قنا» لأنه عرض للأحداث التي تصيب الصوت كالعلو، الخفض، الحدة، الخشونة، أو التقلبات الصوتية.
الغناء ـ بمعنى القدرة ـ يرتبط بأشخاص. الصوت هو أحد مظاهر القوة، ويُسمى صوتاً غنائياً إذا كان صوتاً خاصاً يمتلك قدرة متميزة. الله غني لأنه يمتلك القدرة والقوة ويكفي نفسه ولا يحتاج لغيره.
(٢٩)
الجمال، المال، والصوت الحسن، كل منها نوع من القدرة. وهذه الحالات توحي بالتعالي على الآخرين. الأشخاص الذين يمتلكون وجهاً جميلاً أو صوتاً حسناً يشعرون بشخصيتهم. الجمال يشبه الغناء ويجلب الثراء، وأولئك الذين يفتقرون للجمال، خاصة إذا لم يكن لديهم إيمان قوي، يعانون من نقص الشخصية. الصوت الجميل هو قدرة، وعندما يغني أحدهم بشكل جميل، يستمع إليه الآخرون بإعجاب وخضوع. يمكن للجمال أن يكون مبالغاً فيه بالنسبة للناظر والعاشق. بعض القدرات قد تُعدّ تعدياً، مثل الجمال الذي يمكن النظر إليه، إلا إذا كان مغطى. لكن القدرة الصوتية ليست كذلك، وإذا حاول إخفاء الصوت، فإنه يتجاوز ذلك ويتصرف بغطرسة مثل المال.
في تسمية الصوت الخاص بالغناء بمعنى القدرة، يُقال إن الصوت الحسن نوع من القدرة غير الثابتة التي تتحرك بين العالي والمنخفض، على عكس «القنا» التي تخص الأشياء غير المنقولة. وأيضاً لأن الغناء كان شائعاً في حفلات الأغنياء والحكام، فارتبط اسمه بهم.
كلمة «غني» وغيرها من مشتقاتها وردت حوالي اثنين وسبعين مرة في القرآن الكريم، ولم تُذكر كلمة «غنا» في القرآن بمعنى الصوت أو وصف الصوت، وإنما تعني دائماً المال أو الثروة.
دراسة استخدامات كلمة غنا في القرآن تبين أن كل استخدام للكلمة فيما عدا الله تعالى يُرتبط بالكبرياء والتعالي، أما إذا استُعملت في حق الله، فلا مجال للتعالي والكبرياء، كما أن المعنى اللغوي مختلف.
الصوت الغنائي
«الغنا» يختلف عن الصوت، واللحن، والكلام، بل هو وصف للصوت. سنعرض العوامل المؤثرة في الغناء. كما أن خلق الصوت معقد جداً، فإن الحديث عن الغناء لا يتم بفهم مد أو تحريف واحد، بل بالتعرف الدقيق والتجريبي على الغناء فقط يمكن تعريفه؛ لأن الغناء مزيج من الرنين والمرونة، إلى اللحن والتحرير والتفاوتات الصوتية وغيرها من الأمور المعقدة. لقد شرحنا سابقاً كيفية تشكل الصوت الغنائي خطوة بخطوة. الغناء وصف للصوت، والصوت، واللحن، والترجيع، والطرب وغيرها من الخصائص هي أمور تُضاف إلى الصوت وتوصف به.
الغناء هو أحد أوصاف الصوت واللحن التي تعطيه التناسق. الصوت واللحن من حيث الجنس ينقسمان إلى جيد وسيء، والغناء هو الصوت الجميل والمتناسق. الصوت عندما يأخذ شكلاً متناسقاً يتحول إلى غناء، وبذلك لا غناء للصوت غير المتناسق أو غير الجميل. الغناء وصف للحن والصوت الجميل الذي يظهر من المغني أو آلة موسيقية باستخدام كل الإمكانيات الطبيعية والعلمية. الموسيقى تختلف عن الغناء فهي أعم من الصوت والغناء، لأنها تناقش الألحان والإيقاع والنوتات والصوت، وأداء الموسيقى على الآلات مثل الكمان أو الثلاثي هو موسيقى، ولكن الغناء يمكن نقله إلى الآلات الموسيقية، فمثلاً يمكن أداء الغناء على الوتر الخشومي أو الحلقي أو الثلاثي، والفرق بينهم في المسار والموضوع. لذلك الموسيقى قد تكون غنائية أو غير غنائية. موضوع الغناء هو الصوت فقط، ولا يشمل آلات الموسيقى مثل الناي أو الفلوت أو الكمان. ولا يُقال غناء لكل صوت، لأن الغناء وصف صوت وليس كلاماً، والمديح وقراءة القصائد تختلف عن الغناء. المدّاح قد يقرأ أكثر من خمسين بيتاً شعرياً، أما المغني فلا يستطيع تكرار أكثر من غزل أو رباعية واحدة، لأن الصوت المعبر هو المهم للمغني، والكلمة ثانوية. في الموسيقى أحياناً يتم أداء مقطع موسيقي بدون كلام بواسطة الأوركسترا أو الآلات.
الغناء والموسيقى وصف للصوت وليس للكلام. لذلك المعايير المبنية على الكلام التي وضعها بعض الفقهاء لإثبات تحريم الموسيقى مطلقاً هي خارجة عن موضوع البحث.
موضوع الموسيقى هو الصوت وهيئته وشكله، فالصوت يتعلق بالهيئة، والمعنى يتعلق بالمادة. المتكلم لديه صوت وكلمة، والكلمة مادة الصوت. حتى الأصم ينقل المعنى بصمته، لكن الكلمة لدى الأصم بلا دلالة وضعية، لذا يعتبر أديب أن صوته لا معنى له. الصوت والمادة موجودان في الغناء والموسيقى، لكن في الدلالة الطبيعية تكون المادة أحياناً ناطقة وأحياناً صامتة، أما في الدلالة الوضعية فلا وجود لمادة صامتة. في الترجيع يكون المعنى صامتاً، ولكن المطلع على اللغة يستطيع فهمه.
بعض الغناء والموسيقى يشمل فقط الغناء على الجهاز الموسيقي دون كلمات.
لأن موضوع الغناء هو الصوت، فقد جعلت الموسيقى لغة عالمية يستثمر فيها العالم، فالصوت لغة مشتركة بين جميع الشعوب وليس الكلمات. مثلاً «جئناكم جئناكم حيواً حيواً» كلام، أما «دالام دام دام دالام دام دام» فهو صوت يحمل جهازاً موسيقياً ولا علاقة له بالكلمات المستعملة، وهذا الصوت هو موضوع الغناء والموسيقى. مادة الغناء هي الصوت، وجماله يتطلب القدرة واستخدام المعرفة الموسيقية. الصوت الجميل والغنائي هو ما يُحرر مع وسائل وخصائص موسيقية خاصة، وهذا يجعل إخراج الصوت الجميل من الحنجرة أمراً صعباً.
القراءة والغناء عملية شاقة، فمثلاً قراءة صلاة المغرب والعشاء بصوت جهر تتطلب جهداً أكثر من الكلام العادي. يبذل القارئ جهده لإخراج الكلمات بشكل صحيح، وأحياناً يعجز عن ذلك. صعوبة الغناء تدفع بعض المغنين إلى تقنيات سرقة في الأداء كالتقطيع، أي تقسيم الك
مدى الموسيقى
قلنا إن الموسيقى تتجاوز مسألة الكلمات والألفاظ، وموضوعها هو «الصوت». فالصوت يمكن أن يكون بلا حاجة إلى الشعر أو الكلام؛ كأن يضرب أحدهم على شيء ما، فتدركه أنت كموجاتٍ صوتية، ويمكن أن يُنقل المعنى عبر الموج أو اللفظ، واللفظ نفسه من موجاتٍ، لكنه يختلف في مقاطعه وتقاطيعه.
كما ينبغي ألا نغفل أن الموسيقى ترتبط بـ«النفس» وتتفاعل معها. بالطبع، في المراتب الروحية العُليا والعوالم الملكوتية، يتجاوز الموضوع النفس ويصل إلى القلب والروح، مع أنه يمكن القول إن القلب والدُّلّ والروح هي من مراتب النفس العليا في المعنى العام.
متعة الصوت
الصوت حقيقة فريدة في حلاوته، وابتهاجه، وإدخاله للسرور. والمتعة صفة للنفس، والنفس هي التي تسرّ بالانسجام الموسيقي والغنى والطرب. ليس الأمر أن الصوت المنسجم لا يمنح حظاً؛ فالإنسان السليم لا يرفض هذا اللذّة، بل يمكن حتى للحيوانات البرية أن ترقص من أجله. لكن الإنسان إذا أراد حياة عقلانية قائمة على حفظ صحة فكره، وأن يتحرك بإرادة وقوة العقل والإيمان، فينبغي أن يمتنع عن بعض الأناشيد المحببة أو الإفراط فيها أو استعمالها بشكل غير مناسب، ويطهّر النفس من هذا النوع من المتعة. والمرشد في هذا المجال يجب أن يكون أستاذاً متمرساً في المراتب الروحية، وقادراً على فهم المسائل النفسية، ومجتهداً في الفقه. الصوت المنسجم المحبب للنفس يشبه الزيت أو المرهم للأجهزة الميكانيكية أو المفاصل، حيث يجعلهما ناعمين وسلسين. فالصوت المنسجم يُدخل إلى النفس نوعاً من الفرح أو الحزن والنشاط، فإذا أُفرط فيه أضعف قوة ضبط النفس وأرخي الإرادة.
تكمن قوة الصوت في أنه إذا أُعطي شكلاً متناسقاً ومحبباً، يستقر في ذات النفس. والحكي بالصوت، خصوصاً للإنسان (الذي يتمتع بمقام الجمع)، ممتع. والنغمة الجميلة التي تصف وجهاً جميلاً وتحييه في ذهن الإنسان وتمنحه تصوّراً حيّاً، لذيذة جداً. وكما في المثل المعروف: «وصف العيش نصف العيش»، والصحيح القول: «وصف العيش كل العيش أو فوق العيش». ففي الملذات الدنيوية، الوصف أمتع من الوصول، وأما الملذات الأخروية فالوصول إليها أفضل من سماعها.
إذا أخذ الصوت شكلاً مناسباً في آلة موسيقية، يكون له نوع من المتعة. وموضوع المتعة والكسب هنا هو «النفس». التلذذ بالموسيقى أمر فطري وطبيعي وإجبار للنفس، لكن هذا الأمر مباح لبعض الناس ومحرم لآخرين، لكي يصل كل فرد إلى متعته الطبيعية المتناسبة، ويتجنب انحرافاته الخارجية. القول بأن الموسيقى والغناء متعة نفسية وموضوعها النفس، يعني أن الموسيقى تفيد في إصلاح النفس، لكن ليس كل متعة وكسب هي طبيعية أو تتناسب مع طبيعة الإنسان ومسار كماله، لذا يجب معرفة مسار الكمال الطبيعي لكل فرد لتحديد الموسيقى الملائمة له، ومنعه من الموسيقى غير الملائمة لطبيعته.
عندما يُدرج الصوت في جهاز موسيقي محدد ويُغنى، يصبح ممتعاً ويُحدث حظاً نفسياً. كل من يحظى بحواس سليمة يستمتع بالصوت الحسن. والمؤمن بطبيعة الحال يكره الأغاني التي تتضمن معصية، لكن هذا الكراهة ناشئة من كونها معصية، لا من الصوت الجميل والمنظم. من يتألم من الجمال ليس إنساناً سليم النفس. وعليه، إذا لم يستمتع شخص بصوت غنائي، فإما أنه يعاني من اضطراب نفسي أو قساوة في طبعه.
التلذذ بالصوت الجميل فطري. وقد وهب الله الإنسان قدرة على الاستمتاع بالصوت المنسجم، مع أن موضوع المتعة هو النفس وما يتعلق بها. كما أن كل إنسان له ذوق فطري يميّز بين طعم الطعام الجيد والسيئ، كذلك النفس تستمتع بالصوت الحسن وتكره الصوت الرديء. هذا القول عام للأشخاص العاديين، أما المؤمنون المتوسطون فتقل فيهم المظاهر النفسية للمتعة بسبب عقلانيتهم وتقواهم. أما أولياء الله، فلهم إرادة حقيقية، وتستمد أنفسهم من الإرادة الإلهية الفرح، لا من الأمور المنبثقة عن النفس.
الصوت الطبيعي والوحشي
الصوت إما طبيعي أو وحشي. معيار الوحشية في الصوت ليس وحشية صاحب الصوت. فمثلاً، الأسد حيوان وحشي، لكن صوته طبيعي، لا وحشي! فكل صوت موجه بواسطة الطبيعة يكون أليفاً، حتى لو كان صاحبه وحشياً، وكل صوت لا يوجهه الطبيعة فهو وحشي، حتى لو كان صاحبه أليفاً. الإنسان نوعاً ما أليف، لكن صوته لدى الكثيرين وحشي. بناءً عليه، الصوت الطبيعي مشترك بين جميع الكائنات، والصوت المكتسب خاص بالإنسان.
الصوت الأليف فطري وغير مكتسب، لكنه يختلف حسب الزمان والمكان، وليس له حكم ثابت. مثلاً يمكن تدريب الأسد أو النمر على أصوات أليفة أو تعليم الأسد صوت القطة، كما يمكن تعليم القطة صوت الأسد. وصوت الإنسان يتحول بالتربية من وحشي إلى أليف.
من يخلّ بسلسلة الموسيقى ويعجز عن الأداء الصحيح، فهذا لأن طبيعته الوحشية لم تُربَّ بعد، أما من هو في حضن الطبيعة فهو أليف، لأنه تلقى تربية طبيعية. كما أن الحشرات الضارة ليست من طبيعة الشجرة، فإذا اعتنيت الشجرة جيداً لم تُصَب بها هذه الحشرات، والشجرة التي لا تثمر لم تُقلم بشكل صحيح، وهذه الأمور ليست من خصائص الشجرة ذاتها، ويمكن تفاديها بالعناية والتربية السليمة.
اختلاف صوت الإنسان والحيوان ومقام منطق الطير
مع أن صوت الإنسان والحيوان يمكن أن يكون أليفاً أو وحشياً، الفرق هو أن صوت الحيوان طبيعي وبسيط، أما صوت الإنسان فهو مركب ومؤلف ومتعدد، بسبب مقامه الجمعي. لا تستطيع الحيوانات إصدار أصوات متعددة ومتنوعة كالإنسان. على الإنسان ألا يحصر نفسه بالورقة والقلم فقط، بل يجب أن يختبر الطبيعة ويلاحظ كيف يتحرك الذباب أو النمل بألحان معينة ليستكشف حقائق كثيرة. للحيوانات صوت منتظم وحركات جميلة، لكن للأسف بعض الناس ينشغلون بالورقة والقلم ويتحدثون في العوالم الغيبية بلا اطلاع كافٍ، بدلاً من أن يجدوا الله في هذه الدنيا ويرونه.
لو أُجريت تجارب على الحيوانات في المختبرات، يكتشف الإنسان أن الذبابة تمتلك جهازاً متكاملاً وصوتاً جميلاً، هو ذاتي وآليف.
لكن الإنسان الذي نشأ في بيوت وثقافات مختلفة وتعلم على أيدي أساتذة متنوعين، يصبح صوته متخبطاً وحشياً. لهذا السبب غالبية أساتذة الموسيقى إذا عرفوا أن أحدهم تعلم على يد آخر، لا يقبلونه أو يصعبون عليه القبول، لأن صوته لم يعد خاماً بل مستعملاً.
الاختلاف بين صوت الإنسان وصوت الحيوان
من الفروقات الأخرى بين صوت الإنسان وصوت الحيوان أن صوت الإنسان، لامتلاكه جماعة وتعدد أصوات، هو صوت مفتوح؛ أما صوت الحيوانات فهو مغلق ولا يمكنها إلا أن تنشد نغمة أو نغمات محدودة. يمكن استنتاج وفهم أصوات الحيوانات أو ما يُسمى بـ«منطق الطير» ومعرفة لغتهم عبر معرفة النغمات التي يصدرونها. نقول إن النبي سليمان عليه السلام كان متمكّنًا من مصدر صوت الحيوانات، وكان يعلم في أي مقام أو جهاز موسيقي تغني تلك الحيوانات وبأي نغمة تستخدم. فقد خاطب أمير النمل بلغة خاصة به قائلاً: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} (سورة النمل: 18)، وليس بالعربية الفصحى، وكان سليمان عليه السلام هو الذي يفهم صوته. هذا يشبه لغة البرمجة الخاصة بالحاسوب، فهي منطق الحاسوب ولغة خاصة تميّزها.
الأجهزة الموسيقية والنغمات وأصوات الحيوانات يمكن استخراجها، استنباطها، تقديمها، تقليدها، وتدريبها، ويمكن للإنسان التفاهم والتكلم مع الحيوانات؛ أما الحيوانات فلا تفعل ذلك لأنها تفتقر إلى المقام الجمعي.
التواصل مع الحيوانات أمر متوسط المستوى ولا يحتاج إلى عصمة، فالعصمة مقام أعلى وأسمى من ذلك الكلام. قدرة الإنسان عظيمة جدًا، وكل ما عليه هو أن يكتشف ويُثمر مواهبه وقدراته. الأئمة المعصومون عليهم السلام استثمروا أقصى طاقاتهم، لكن الناس العاديين يغفلون عن القوى الكامنة في داخلهم. وليس صحيحًا أن الله تعالى خصّ منطق الطير للنبي سليمان عليه السلام فقط. الإنسان مقام جمعي، وله كل أسماء الله وصفاته، وكما أن الله قادر على كل شيء، فالإنسان هو ظهوره الظاهر، وله قدرة ظاهرية على كل أمر، والتكلم مع الحيوانات من مظاهر هذه القدرة.
تربية الصوت
الصوت الطبيعي قد وُهب للجميع، لكن الفرق بين الإنسان وغيره من المخلوقات هو أن الإنسان يحتاج إلى تربية صحيحة كي لا يصبح صوته «وحشيًا». صوت الإنسان رغم طبيعته هو صوت وحشي لأنه ليس ضمن نظام محدد، وله خيار وتربية، ولهذا يسمى وحشيًا. الحيوانات، لعدم اختلاف خياراتها وعدم تربيتها بيانيًا، ليست وحشية، والطبيعة تربيها على أمورها الفطرية بنجاح. الإنسان يحتاج إلى تربية تحت إشراف مدرب مؤهل، فإن لم يكن المدرب خبيرًا فإنه يفسد صوت الطفل ويجعله وحشيًا، لكن الطبيعة ليست هكذا، فهي أليفة ومروّضة، وترعى مخلوقاتها طبيعية. الأشواك في الصحراء تظهر متماسكة ومنظمة ولا تجد شوكة مشوهة فيها، أما في الحدائق والمنتزهات فقد ترى أحيانًا أزهارًا صفراء وذابلة ومريضة! هل ذلك لأن البستاني لا يملك الخبرة أو يهمل في تربية الأزهار؟ الأشواك تنمو بلا مرض وتعلو شامخة، لكن البستاني غير الماهر والمائي غير المنظم يجعل الزهور ذابلة وضعيفة. من هذا المنطلق يُفهم الفرق بين الزراعة المطرية والزراعة المروية.
الأصوات كذلك، الأصوات الطبيعية تُنبت متناغمة، أما الأصوات الطبيعية الوحشية، إن لم تُرَبَّ بواسطة مدرب ماهر، تخرج غير متناغمة. كأطفال الإنسان والحيوانات، فطفل الحيوان ينمو طبيعيًا في حضن الطبيعة بلا أب أو أم، أما طفل الإنسان فبالرغم من وجود الأب والأم قد لا ينمو جيدًا، لأنه يحتاج إلى أب وأم وولي ووارث ونظام، وإذا توفرت هذه العوامل بشكل صحيح ينمو متناغمًا. ولأن الإنسان مقام جمعي، فلو تربى يكون أفضل من الحيوانات.
لذلك، صوت الإنسان قد يكون وحشيًا أو غير وحشي. الصوت غير الوحشي هو المتناغم مع الطبيعة. الصوت الوحشي يجب ترويضه وتنظيمه تحت إشراف مدرب. لذلك أوصت الشريعة بالنظر إلى الماء والخضرة والزهور والنظر الحلال إلى الوجوه الحسنة، فهذه أمور ذات طبيعة هادئة وتُروّض الإنسان. الإنسان يحتاج إلى مدرب للقراءة، والنطق السليم للحروف أمر بالغ الأهمية، وقد أُخذ في الاعتبار ذلك في الصلاة وتلاوة القرآن الكريم، فإن لم تُنطق الكلمات جيدًا، حتى لو كانت معانيها سامية، تصبح مزعجة.
تأثير الأم والمدرب على الصوت
اليوم يتعلم الجميع القراءة والكتابة، وأزيلت الأمية بسياسة حكومية، خلافًا للماضي حيث كان أغلب الناس أميين. صوت الإنسان يحتاج إلى تربية في البيت على يد الأم ثم في المدارس. ذوو الأصوات الجميلة أكثر وجودًا في القرى مقارنة بالمدن، لأن فضاء القرى أوسع والأفراد أكثر حرية في إطلاق أصواتهم الطبيعية. في الماضي كان معدل الوفيات خصوصًا بين الأطفال مرتفعًا بسبب نقص النظافة والرعاية، أما الآن فهذا أقل، وكثير من حالات الأمية والوفاة وهدَر المواهب يمكن الوقاية منها. لا يمكن القول إن الله أراد في الماضي أن يموت كثير من الأطفال أو يبقوا أميين أو لا تتفتح مواهبهم الإلهية، بل وضع الله الطبيعة وإدارتها تحت سيطرة الإنسان. وهذا ينطبق على الصوت أيضًا، فعدم تمكن الكثيرين من الغناء الجيد بسبب نقص التربية الصحيحة في البيت وليس بسبب الطبيعة أو إرادة الله تعالى.
خاتمة
قلنا حتى الآن إن الصوت ذو طبيعة وحشية، وهو صوت الإنسان، له ميزتان: الأولى طبيعية، يحصل عليها كل شخص بحسب طاقته، فمنهم من لديه نغمتان، ومنهم من له أربع نغمات، وبعضها غليظ وبعضها رقيق، والوزن الأول غير مكتسب وطبيعي.
والثانية مكتسبة وتعليمية. العلم والمعرفة يمكن أن يرفعا الصوت الطبيعي الوحشي إلى مستوى أعلى من الصوت الطبيعي غير الوحشي. تربية الصوت تشبه تعلم المنطق الذي ينظم العقل، وفن الغناء والموسيقى كالمنطق، ومن الضروري لكل إنسان أن يعمل عمليًا على كيفية التعبير عن إحساسه وطريقة النطق والصوت، ومن المستحسن تعليم هذه الأمور للطلاب في مراحل التعليم الابتدائي.
ليس كل من لديه صوت جيد يستطيع قراءة جميع الأجهزة الموسيقية جيدًا. أحيانًا الجهاز يكون غليظًا مناسبًا لأصحاب الأصوات الغليظة، وأحيانًا يكون رقيقًا يطلب أشخاصًا مناسبين له. القراءة بصوت صدري أو بطني أو شفوي أو حلقي تختلف بين الأشخاص. إذا تقدم المجتمع وأُجريت اختبارات على أصوات الأطفال، لن تكون هناك مشاكل نطقية في الكبر.
نسبية إمتاع الصوت
علم الموسيقى في خدمة تربية الصوت، إذ أن الصوت يرتبط بالنفس، ويساعد في تنمية قوة إحساس الإنسان. كما أن الألحان الموسيقية متنوعة، فبعضها يتشكل ضمن إطار المقامات الموسيقية، وبعضها دون إطار محدد. فالصوت قد يكون طبيعياً أو مكتسباً، وحشياً أو غير وحشي، جماعياً وتأليفياً أو فردياً.
الصوت له محتوى ومادة. ويترافق محتوى الصوت مع حالات النفس تبعاً للظروف المناسبة. وإذا غُفل هذا التناسب، قد يصبح الصوت مزعجاً. فالكراهية قد تكون للصوت نفسه أو للهواء أو النفس أو لجوانب جانبية لا تتوافق مع الصوت. وقد تنشأ هذه المغايرة من طبقة الصوت، أو مدى الصوت، أو الشكل والمقام المختار، أو المحتوى. أحياناً يكون الانزعاج بسبب قرب أو بعد أو نوع الصوت. وفي كل الأحوال، تختلف التناسبات والتنافرات في الصوت والاستماع والنفس الإنسانية. ومن الضروري لمن يريد العمل بالموسيقى أو أن يصبح موسيقياً أن يدرك هذه الأمور.
طبقة الصوت، مدى الصوت، القرب والبعد، الزمان والمكان، خصائص النفس واللحن مع الخصائص المكتسبة التي قد تكون موزونة أو غير موزونة، كلها تؤثر في الصوت. وإذا أُخذت هذه الخصائص بعين الاعتبار وحققت تناسباً، فلا مشكلة في ذلك، ولكن أدنى خلل في التناسب يضر الصوت بشكل طبيعي، وقد يصبح عاملاً ضاراً للنفس البشرية، حتى أن الشرع يعارضه أحياناً لضرره.
إمتاع الصوت يرتبط بتناسب عوامل متعددة. فالأصوات مختلفة، فبعضهم يغني من الحنجرة، وبعضهم شفوي، ويغني من الشفاه، ويخلق تموجاً في الفم، ويشد الشفاه والأسنان عند إصدار الصوت. كما أن اختلاف الصوت بين المقامات له تأثير. فمقام «الچارگاه» قريب من الصوت الشفوي، ومقام «ثلاثةگاه» حلقي ويتطلب الحنجرة. كذلك تناغم الصوت والنطق مع البيئة أمر مهم. فالأشخاص الذين يعيشون على قمم الجبال لهم صوت مختلف عن من يسكنون الوديان، ولا يجد كل منهم صوت الآخر ممتعاً. مثلاً، صوت ألماني بالنسبة له ولأقرانه مفرح، بينما لا يفرح به الإيراني بل يكرهه. وهذا الكره ليس بسبب الصوت نفسه، بل بسبب نوع التربية. الصوت الطبيعي والفطري – المشترك للجميع – هو الشكل، والتربية هي المحتوى والمادة. فالشكل الصوتي مشترك حتى بين الحيوانات، لكن المحتوى مختلف، وإذا لم يتطابق مع ذوق وتربية الفرد، لا يكون ممتعاً للطرف الآخر، كما هو الحال مع الحلاوة أو الحموضة التي يفضلها الناس حسب أذواقهم، وليس الجميع يحب الحموضة.
يوصى بأن يؤذن المؤذن بصوت حسن، لأن صوته يجب أن يكون مقبولاً ومتناغماً مع كل الأذواق.
الحزن، العويل والسرور
الحزن هو سكينة ألم ناعم على عكس العويل الذي هو ألم خشن. ويطلق على المقامات الثقيلة اسم العويل، وعلى المقامات الرقيقة اسم الحزن أو الحزين أو المؤلم، مثل مقام «شوشتري» و«ماهور» و«ثلاثةگاه» الحزين، بينما «چارگاه» مقام ثقيل وخشن ويصل إلى حد الصراخ.
في الروايات: نزل القرآن بحزن، لذا ينبغي قراءته بحزن، أي بصوت ناعم وهادئ، مقابل الصوت الخشن والعميق. فالقرآن مظهر «يا لطيف» وهو لطف وصفاء، ويجب أن يقرأ برقة وحزن.
الحزن نفسه يمكن أن يكون مفرحاً. مقام «دشتي» مقام حزين، ومقام «شور» خاص بإثارة الحزن، لكن كلاهما مفرحان. من يغني «دشتي» أو «زابل» يثير حزنًا مفرحًا يبكي المستمع. الفرح مقسم إلى حزن وسرور، فإذا هبط القلب يكون حزناً، وإذا ارتفع يكون سروراً.
التجويد
التجويد هو الإتقان في نطق كل حرف مع مراعاه أحكامه، وهو من صفات الكلمة. الغناء هو وصف للصوت، ولهذا الغناء يسبق التجويد. الصوت الغنائي قد يكون بدون تجويد، لكن الكلمة المتجوّدة لا تخلو من غناء.
التجويد مهم جداً في تحسين تلاوة القرآن، مثل مراعاة المدود التي بعضها ضروري تجويدياً. سورة «الفاتحة» من أصعب السور في هذا الجانب، ولا يمكن تأديتها بشكل صحيح بدون تغني. والقرآن لا يمكن تلاوته بشكل جيد إلا بالغناء.
سورة الفاتحة اسمها «الفاتحة» لأنها فاتحة وخطّاشة، ومن لا يغنيها لا يفتح شيئاً ولا يكسر خطاً، ويصبح مثل أهل التوراة الذين يقرأون بتردد وبصوت خافت.
النغمة
النغمة تعني جعل الصوت رقيقاً وجميلاً. الصوت الجميل الذي يرافقه الرقة والنعومة يسمى نغمة، وهي تختلف عن صلابة الصوت.
الترجيع
الترجيع هو تدوير الصوت في الحلق وإحداث نوع من الزقزقة، ويسمى أيضاً «التحرير». في الغناء، الترجيع يضفي معنى خاصاً. الحيوانات لها ترجيعات مختلفة، كالعندليب والصراصير. وحتى الحمار له ترجعات عالية وجيدة.
التحريض
الصوت قد يكون مفرحاً، مرجّعاً، ومحرضاً. طرب الصوت والتحريض مرتبطان منطقياً، فقد يكون الصوت لا يفرح ولا يحرض، وقد يفرح ويحرض معاً. وبعض الأصوات تحرض ولا تفرح، وتثير حواس المتلقي وتدفعه نحو الخطيئة.
الصوت كظاهرة طبيعية وحلاوة سماوية
الصوت من مظاهر الطبيعة، ولا يمكن مقاومة الحقائق الطبيعية، بل يجب قبولها. ولكن هذا لا يعني إهمال الحدود الشرعية، فالتعاليم الدينية تحافظ على الطبيعة وتربيها.
قال ابن سينا: «الصوت له حلاوته، ومن لم ينتفع به لا يجده في مكان آخر.»
الصوت حلاوة سماوية، وخسران عظيم لمن لم ينتفع به. الله وضع الصوت في الإنسان وجميع المخلوقات، فكل الكائنات تصدر صوتاً بنغمة ولحن وطرب. والإنسان يتفوق على باقي المخلوقات في الغناء لما له من مقام الجمع.
الرّتب والنوتات
الشكل والتنظيم الموسيقي للصوت إما بواسطة الإنسان (الغناء) أو بواسطة الآلات الموسيقية. الشكل الذي يعطى الصوت اسم «مقام» و«رتب» إذا كان غناءً، و«لحن» و«نوتة» إذا كان بواسطة آلة.
على المغني والعازف أن يحافظوا على تناسق الصوت مع المقام دون تبديل أو خروج عنه، وإلا وقعوا في «اللحن الخارج».
غاية الصوت
كل الظواهر تعبير عن قبض وبسط، وكل مظاهر الكون كلام الله وصوت الحق، لأن الكون يظهر بصفات الجمال والجلال. كل شيء يتحقق بالقرب والبعد، الوصل والفراق.
الصوت تابع لحركة الكون وطول الموجة التي يخلقها. كل الحركة تعبر عن قبض وبسط، وصل وفصل.
الصوت يحمل دلالات عقلية (كالصوت وراء الجدار)، طبيعية (كشحوب الوجه من خوف)، ووضعية (كتعبير الحزن). أصوات المقامات تعبر عن حالات نفسية مختلفة.
الصوت اللَّهوِي، المعنوي والعَقلي
لقد ذُكرَ أنَّ الصوتَ ناتجٌ عن الحركةِ والتَّحرك، وبما أنَّ الحركةَ موجودةٌ في الوجودِ والظواهر، فلا يمكنُ إيجادُ شيءٍ يخلو من الصوت. وقد جعلَ ابنُ سينا موضوعَ الصوت نفسًا، واعتبر الصوتَ قسمين: الصوت التخييلي الحقيقي، والصوت التخييلي المجازي. وهذه التقسيماتُ وردتْ أيضًا في كتبٍ أخرى مثل كتاب “الجمهورية”. ويسمّى الصوتُ التخييلي الحقيقي “الصوت المعنوي”، والصوتُ التخييلي المجازي “الصوت اللَّهوِي”.
الصوت المعنوي يتميّز بالمعنى والارتفاع والاستعلاء ويحمل في طياته المعنوية. ويعتقد بعضُ العلماء أنَّ الصوتَ التخييلي المعنوي يُفضي إلى الوحي، والصفاء، والمعنوية، والقرب، في حين أنَّ الصوتَ التخييلي المجازي لا يُفضي إلا إلى الانحطاط، والضعف، والكسل، والمعاصي، واللهو.
هذه الأقوالُ لا تستند إلى أساسٍ علميٍّ محكم ولا تُغطي جميع الحالات، إذ يرى هؤلاء العلماء أن الصوت لا يتجاوز كونه أمرًا تخييليًّا، في حين أن موضوع الصوت والصدى هو النفس، والتخيل من مظاهر النفس، ولكن غاية هذا الموضوع ليست النفس وحدها.
النفسُ والملذاتُ النفسانيةُ هي غاية ابتدائية ومتوسطة للصوت، لكن الأمر لا ينتهي عند النفس، بل للصوت امتدادٌ أعلى يمكن أن يكون عقلانيًّا. وهذا هو المعنى الذي يجعل صوتَ الإمام الحسنِ المجتبى، والإمام السجاد، والإمام الكاظم عليهم السلام، وصوتَ النبي داوود عليه السلام، جميلاً إلى حدٍّ يُؤثّر في المارة في المدينة، وفي الجبالِ والسهولِ والطيور.
النموذجُ الأسمى للصوت هو الصوتُ العقلاني المعنوي الذي سعى الأولياء والأنبياء إلى إلهامه، وإرشاد البشر به، ليكونَ غذاءً للروح والذات. ويتناول الحديث عن متعة الصوت، من الأصوات الدنيوية إلى الصوت الإلهي. وقد خاطب الله تعالى موسى عليه السلام بقوله: “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ” (طه/14). نسأل الله التوفيق لنتمكن من دراسة هذه الأمور الروحية وفتح أبوابها.
هذا الصوتُ العقلاني هو الذي يمتاز بالحلاوة واللذة، إذ وصف ابنُ سينا، وهو من العباقرة، الصوتَ البشريَّ بأنَّه موهبةٌ إلهيةٌ ذاتُ حلاوةٍ، وهذا تعبيرٌ دقيقٌ وجميل.
الحواسُّ الخمسُ موهبةٌ إلهيةٌ للإنسان، والسمعُ من هذه الحواس الطبيعية، إذ يُخصَّص للإنسان للاستماع، والصوتُ للغناء والإنشاد. قدرةُ إنتاج الصوت عبر الأحبال الصوتية، وجهاز السمع المعقد، دليلٌ واضحٌ على معجزة الخلق.
أيُّ تغييرٍ بسيط في الأحبال الصوتية قد يمنع صدور الصوت، أو يُسبب بحة الصوت نتيجة تورمها، فيحتاجُ المريض إلى أدويةٍ مثل النشا أو البيض لاستعادة الحالة الطبيعية للأحبال الصوتية. كذلك، الاستماع إلى الألحان الجميلة والنافعة أمرٌ طبيعي للعقل والسمع، وكلُّ انحرافٍ عن هذا يُعَدُّ خروجًا عن الطبيعة.
بالطبع، يجب التمييز بين حدود الطبيعة والأحكام الشرعية، إذ يحتاج الإنسان إلى هداية وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هو تنزيلٌ من علم الله اللامحدود. الإسلامُ، كدينٍ فطري، لا يحرّم الجمال والقدرة والطاقة بحد ذاتها، وإنما تحرم الأصواتُ والألحانُ بناءً على وجود أدلة شرعية واضحة، كقرآنٍ أو سنة. ولا يكفي القياس العقلي أو الاجتهاد الشخصي لإثبات الحكم الشرعي.
وذلك لأن الحكم الشرعي يجب أن يستند إلى نصوص قطعية من الكتاب أو السنة، وليس إلى الظنون أو الاجتهادات الفردية. فالاستماع إلى الصوت الجميل والنغمة المحببة في ذاته أمر جائز ومستحب، إلا إذا اقترن ذلك بأمور محرمة أو أدى إلى انحرافات أخلاقية أو اجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة قد أشارا إلى أهمية الصوت والكلام وتأثيرهما في النفس والروح. فالقرآن نزل مُنزَّلًا على صوت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان ذا صوت جميل وله القدرة على تحريك القلوب وإيصال المعاني بشكل واضح ومؤثر.
كما أن للصوت دوراً أساسياً في الطقوس الدينية والشعائر الروحية، إذ يُستخدم في التلاوة، والذكر، والتسبيح، وهو وسيلة للتقرب إلى الله ورفع الروح.
إلى جانب ذلك، فإن الصوت يحمل طاقة روحية وعقلية تمكن الإنسان من التعبير عن فكره وعواطفه ومشاعره، وهو أداة اتصال بين الناس، تجعل من الممكن التفاهم والتعاون والتآلف.
وبالتالي، فإن دراسة الصوت من منظور فلسفي وروحي تفتح آفاقاً واسعة لفهم الذات والكون والعلاقات الإنسانية، وتُعزز القيم الجمالية والأخلاقية التي تبني المجتمعات وتُرقّي النفوس.
وأخيراً، لا بد من التأكيد على أهمية المحافظة على الطهارة الروحية والبدنية عند استخدام الصوت، لأن ذلك يعكس احترام الإنسان لنفسه وللآخرين وللقيم الدينية والأخلاقية.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه خيرنا وصلاحنا، وأن يجعل صوتنا هادياً وملهماً، لا وسيلةً للفساد أو التهاون في القيم.
أما فيما يتعلق بـ “اللحن الصوتي”، فقد بينا أن الصوت هو حركة موجية ناتجة عن تأليف النفس (الزفير) أو الآلة الموسيقية. واللحن هو وصف أو صفة تُضاف إلى الصوت، وهو إيقاع موسيقي متناسق، قد يكون طبيعياً أو مكتسباً. يُضفي اللحن على الصوت قدرة على إحداث الفرح أو الحزن. والحزن أو النشاط هي صفات تتعلق بالقلب، تنبع من الحب والصفاء والشوق والفراق، لكنها تُظهر في اللحن الذي يُخرج من صاحب الصوت أو الموسيقي، فاللحن هو مرآة لمشاعر الإنسان.
وعلم الموسيقى هو علم التعرف على الأنغام والأوزان الموسيقية، سواء أُنتجت بواسطة آلات أو أصوات بشرية. وعلم الموسيقى يعني فهم حالات اللحن المختلفة. ولا ينبغي الخلط بين الغناء والموسيقى وإعطاء حكم واحد لكليهما. فموضوع الغناء هو الصوت والإيقاع، في حين أن الموسيقى ترتبط بالأدوات الموسيقية كالعود والناي والوتر وغيرها.
أما كلمة “موسيقى”، فقد ذُكر أنها مشتقة من “موسى أقاس”، أي اسم أحد آلهة الجمال في الأساطير القديمة. وهناك من يقول إنها مركبة من “موسي” بمعنى الهواء، و”قاس” بمعنى المنسجم أو المتناسق، أي الهواء المنسجم.
كما قيل إن الموسيقى كلمة بسيطة غير مركبة، وتعني الهواء والنغمة واللحن.
لكن لا توجد أدلة تاريخية أو نصوصية تدعم هذه النظريات بشكل قطعي.
دورُ انفتاح البيئة على الصوت
يؤثر انفتاح أو إغلاق بيئة المعيشة على الصوت تأثيرًا مباشرًا. فالعيش في بيئة مغلقة أو في شقة صغيرة يُقيد الذهن ويقصر العمر. فإذا حُبس الأسد في قفص، يتغير صوته ويصبح أكثر شراسة، بل قد يكتسب صفات أخرى. وعلى النقيض، إذا كان للإنسان منزل واسع ومساحة مفتوحة، يصبح صوته أليفًا ومهذبًا. وإن لم يكن متاحًا للمرء فضاء مفتوح، فيستحسن أن يخرج ليلاً، خاصة في منتصف الليل، إلى الشارع أو إلى حديقة أو أي مكان مفتوح آخر، ليطلق صوته ويخرج ما في قلبه من كبت.
الأطفال الذين يقيمون باستمرار داخل الشقق لا يفقدون فقط صفاء أصواتهم، بل تُتعب أعينهم وأفكارهم وقلوبهم، مما يؤدي إلى نشأتهم بأفكار مغلقة ومتحجرة.
أولئك الذين يعيشون في منازل صغيرة وشقق ويضطرون دائمًا إلى تأنيب نسائهم وأطفالهم لإسكات أصواتهم، يجب عليهم أن يعتذروا من أهل بيتهم؛ لأن سماع الصوت من غير المحارم ليس بالأمر المخجل، وصوت المرأة ليس شيئًا مخفيًا يتطلب التستر، كما أن الحياة في الجوار تفرض نوعًا من الحرمان. والذين يضطرون للعيش بهدوء وقليل من الضوضاء، من الضروري أن يخرجوا أسبوعيًا إلى البادية أو الأماكن المفتوحة، ويصرخوا حتى يفرغوا عقد قلوبهم.
والمقصود بالمنزل الواسع ليس القصور الفخمة المرصعة بالأحجار الكريمة، بل المساحات المفتوحة. ولذلك يجب على الإنسان ألا يقطع علاقته بالسماء. فالصلاة في الشقة أو البيئة المغلقة تختلف عن الصلاة في الهواء الطلق، حيث يكون الصوت الأول مكبوتًا، بينما الصوت الثاني منفتحٌ ومتدفق. الصلاة في الأماكن المغلقة لا تتمتع بترتيلٍ حقيقي، وغالبًا ما يخرج الصوت من الأنف أو الحلق فقط. لذا ينبغي للإنسان أن يكون تحت السماء وفي الفضاء المفتوح قدر الإمكان. البيئة المفتوحة تعني أفكارًا منفتحة، وملابس منفتحة، وأذهانًا هادئة. أما الذين يقيمون في المنازل طوال الوقت، فلديهم أفكار ضيقة ويقيدون عائلاتهم وأطفالهم. عدم الثقة هو نتاج انعدام الحرية والحياة في بيئات مغلقة. إذا قيدوا يدي وقدم طفل في القماط، سيكون له نفسٌ منغلقة واستبدادية في المستقبل.
تأثير الهواء النقي على الصوت
إلى جانب التنفس الصحيح، يعتبر الهواء النقي ضروريًا لخلق صوت غني وجيد. ويكتسب استخدام الهواء النقي أهمية بالغة لمن يسير في الدروب الروحية والمعنوية. فالهواء الملوث، المثير والرائحة يُعمى ذهن الإنسان ويُجفف منابع الفكر. من المناسب للإنسان الروحي أن يعيش قدر الإمكان في بيئة طبيعية تحت السماء، ويتجنب التنفس داخل الأماكن المغلقة، ويحافظ على نظره متجهًا نحو السماء.
للحصول على صوت ملائم، يجب التمتع بتنفس صحيح. وإذا لم يصحح الإنسان طريقة تنفسه عبر التمارين والرياضة المناسبة التي توفرها الجهات المختصة، فلن ينضبط صوتُه بشكل صحيح. الرياضة اليومية تُفيد في توسيع الرئتين وتنقيتهما، مما يجعل الصوت صافياً.
مرونة ونعومة الصوت
سبق وذكرنا أن الصوت يحتاج إلى رنين، حرية، ومرونة. يجب أن يكون الصوت لينًا ومرنًا، كما هو الحال في أجسام لاعبي الجمباز التي تشبه النوابض، على عكس الجسم الصلب الذي يصدر صوتًا جامدًا وغير مرن عندما ينحني. الصوت غير المرن يشبه الجسم الصلب الذي لا يتحرك بسهولة للأعلى أو الأسفل، وهو ما يسمى بـ”الصوت العالي والمنخفض”. الصوت العميق والصلب مناسب للروضة، وهو صوت بطني، بينما الصوت العالي هو صوت رأسي يُشبه القراءة من داخل الرأس. صاحب الصوت العالي يستطيع بسهولة قراءة التركية، الفارسية والعربية معًا، على عكس صاحب الصوت العميق الذي يفتقر إلى هذه المرونة. كما أن الصوت العالي يستطيع إطلاق كامل طاقته، بعكس الصوت العميق.
الدانغ والبانغ في الصوت
تكتسب الدانغ والبانغ أهمية بالغة في الموسيقى والغناء، حيث يجب على المغني معرفة مقدار دانغ صوته وعدد بانغات المقطوعة التي يؤديها، ومدى تناسق دانغ صوته مع بانغ الموسيقى، وإمكانية أدائه لكل مقام موسيقي.
هذه المعرفة واسعة ومعقدة. فالبانغ يحدد ما إذا كان الصوت عميقًا أو رفيعًا، ومقامات الموسيقى مختلفة في بانغها؛ مثلاً مقام أصفهان أو همایون له بانغ منخفض، بينما بانغ مقام العراق أعلى من أصفهان، وبانغ راست پنجگاه أعلى من مقام العراق، وهكذا كل مقام له بانغه الخاص الذي يجب مراعاته.
كما تختلف دانغات أصوات الحيوانات باختلاف طبيعتها. فبعض الحيوانات لها أصوات عميقة مثل “البقرة”، وبعضها رفيعة مثل “الكلب” الذي ينبح بشكل كامل. عموماً، الحيوانات التي تعيش في بيئة برية ومفتوحة تتمتع بأصوات رنانة وجيدة، كالدجاجة البلبل والقناري التي تمتلك أصواتًا عالية، وعندما لا توضع في بيئة مفتوحة تصدر ضوضاء مستمرة.
خشونة الصوت
من خصائص الصوت وجوده أحيانًا نقيًا وأحيانًا خشنًا، مثل موجة الراديو التي تكون أحيانًا واضحة وأحيانًا مشوشة. عندما يرتفع تردد الصوت ويصبح غليظًا، يظهر خشونة في الصوت. لا يمكن بسهولة ملاحظة خشونة الصوت العادية، ولكن المختصين بالصوتيات يستطيعون من خلال تحليل الترددات أن يميزوا خشونة الصوت.
الحالات المؤثرة على الموسيقى
تمامًا كما تختلف الأصوات، تختلف الموسيقى كذلك. فبعض الموسيقا تكون مزعجة لبعض الناس وممتعة لآخرين. للموسيقى شكل ومضمون؛ الشكل هو الإيقاع والتأليف، والمضمون هو النغمة والجو الموسيقي المصاحب لها. وكما تختلف الأشكال، تختلف المضامين، وهذه تختلف تبعًا للأفراد والظروف.
حالات الاستماع وتأثيرها على الصوت
كما أن للصوت حالات مختلفة، فإن الاستماع والإنصات لهما أيضاً حالات متنوعة. فقد يكون الإنسان في حالة فرح أو حزن، ولكل حالة منهما تأثيرات مختلفة. أحياناً يتوافق الصوت مع الحالة النفسية فيُسعدها، وأحياناً يكون عكس ذلك، بل قد يزعج الصوت الجيد المتوافق مع النفس إذا كان مرتفعاً جداً. ارتفاع أو انخفاض تردد الصوت أمر نسبي ويختلف باختلاف الأشخاص، كما يؤثر المكان في ذلك. مثلاً، إذا رفع الإنسان صوته قليلاً فوق المعتاد داخل المنزل، قد يسبب إزعاجاً بسبب صغر المكان وعدم وجود انعكاس مناسب، ولكن لو صاح في الصحراء، لا يسبب إزعاجاً لأن الموجات الصوتية تنعكس بشكل مناسب. بعض الأشخاص يمتلكون حاسة سمعية حادة تسمح لهم بسماع الأصوات الخافتة من مسافات بعيدة، لذا معيار رفع وخفض الصوت في الصلاة يعتمد على الشخص نفسه، لأن خصائص الأفراد تختلف.
الموسيقى: علم الصوت المنظم والإيقاعي
حتى هذه النقطة، قلنا إن موضوع علم الموسيقى هو الصوت. ويسعى علم الموسيقى إلى إعطاء الصوت نظاماً وتناغماً وشكلاً جميلاً. يتم ذلك في إطارين: نظري وعملي. فالموسيقى النظرية هي دراسة الموضوع وأساسيات وقضايا علم الموسيقى، أما الموسيقى العملية فهي مهارة تطبيق وتفعيل ما درسه المرء نظرياً. قد يتعلم الإنسان الموسيقى جيداً نظرياً لكنه لا يستطيع تطبيقها عملياً. فالعازف الذي يريد تعلم العزف على الأكورديون أو الناي، لا يمكنه أن يتعلم دون حمل الآلة والعزف عليها، والمغني الذي يريد تعلم المقامات مثل چارگاه، سهگاه، شوشتری، حجاز أو ابوعطا، لا بد له من الغناء والتدريب العملي.
كل مقام له قواعد خاصة يجب تمييزها عملياً. الموسيقى ليست علماً مجرداً نظرياً فقط، بل لها جوانب عملية يمكن تحقيقها. الموسيقى هي فن الصوت والمهارة اليدوية، ويصبح الإنسان موسيقاراً عندما يستطيع الغناء أو العزف. الصوت والنغمات التي تخرج هي تطبيق للمعرفة النظرية الموسيقية. ولذلك العلم والممارسة في الموسيقى مرتبطان. لا يصبح المرء موسيقاراً بالتدريب مرة واحدة فقط، بل يجب الغناء والتمرن مرات عديدة حتى يتقن المقام.
الذي لا يعرف الموسيقى أو لا يستطيع تطبيقها يكون صوته غير طبيعي (صوت وحشي وعشوائي). أما الذي يمتلك هذه المهارة، فكأنما يمسك الصوت بيده ويجعل الصوت جزءاً منه يمكن أن يوجهه كيفما شاء. لقد كنا نتجنب شرب الماء البارد حتى في الصيف لسنوات عديدة، لأن الماء البارد يهيج الأحبال الصوتية ويصعب تهذيبها أثناء الغناء.
العلاقات النغمية والمكانية
كما أن حالة الشخص النفسية تؤثر في ما يسمع، فإن الصوت أيضاً له تأثير، فقد يحمل الإنسان إلى مكان غير مناسب أو يبعده عن مكان بدون مناسبة. هذا يعني أن المناسبة تكون للنغم لا للهواء. النغم في الغناء والموسيقى فعال وتعليمي، يؤثر على السامع والصوت والنغمة والهواء معاً، ويحدث حالة من الفرح أو الحزن في الإنسان. وبحسب طبيعة الشخص، يظهر مفهوم التناسب في الموسيقى، حيث يجب إنفاق كل صوت ونغمة في مكانها المناسب، ويُغنى حزناً عند الحزن وفرحاً عند الفرح. كذلك يؤثر الوقت، الليل والنهار، والطقس، البرد والحرارة، في الأداء الصوتي. في التناسب يجب مراعاة الوقت والمكان ونوع المقام لضمان الملاءمة التامة. وبعض الأشخاص يستطيعون الغناء حزيناً في أوقات الفرح دون أن يسبب ذلك مشكلة، لكن للأسف قليلون من يستخدمون هذه القدرة المعجزة (الصوت) ويبتعد المسلمون عنها.
المعنى والنغم الصوتي
قلنا إن الموسيقى تهتم بتنظيم الصوت وتشكيله، وهي تنقل المعنى، والشكل يحمل الجوهر والمعنى. الموسيقى ليست مجرد تموجات صوتية أو مجرد موجات هوائية، بل لها حقيقة ونفس ومضمون، ويمكن أن تحفز الإنسان وتوجهه. الموسيقى إذا اقتصرت على الشكل فقط من دون معنى، فإنها تثير في الإنسان حالة وجدانية وتؤجج حماسه وفرحه، وهذه الحالة تسمى الطرب والسرور. الطرب هو من الموسيقى ويولدها، وهو أيضاً حالة داخلية تنشأ بفعل سماع النغم.
يرى بعضهم الموسيقى مجرد شكل وبدون مضمون، ويستدلون بأن الموسيقى الشرقية لا تترك نفس التأثير في الغربيين، على عكس الماء والزهور التي تؤثر بشكل موحد على الجميع، مهما اختلفت الأعراق والثقافات. لكن هذا الدليل قابل للنقض، إذ ليس كل ما له نفس يؤثر بشكل متساوٍ على الجميع، فبعض الناس يحبون بعض الأزهار ولا يحبون أخرى، وبعضهم يكره لحم الخنزير رغم أنه محبوب عند آخرين، وبعضهم يرفض أطعمة معينة مثل الضفادع أو السلطعون، رغم أنها محببة عند آخرين. كذلك تختلف ردود الفعل تجاه الموسيقى، فهي ذات مضمون وحقيقة لكنها ليست واحدة التأثير على الجميع.
عندما نقول إن للموسيقى نفساً، فهذا لا يعني نفس الإنسان أو الروح الملائكية، بل لكل جسم نفس مناسبة له، والنفس يطلب جسماً متوافقاً معه. شكل الموسيقى تجسيد لها، وروحها هو نغمها، وليس من الضروري أن يكون كل ما يخرج من الموسيقى محبباً للإنسان، كما أن الحلاوة والمرارة مادّتان حقيقيتان لكن تفضيل كل منهما مختلف حسب ذوق الإنسان.
الصوت؛ كلمة صامتة
قلنا إن الموسيقى تشكل الصوت وتنقله بمعنى. الموسيقى من جنس الكلمات المستعملة، والصوت والصدى قالبان لهما محتوى، وهو المعاني التي تُعبّر بها الأصوات. الصوت في الكلمات هو نغمة القلب، لذا فالصوت قالب للكلمة. الصوت هو تجسيد للكلمة، والغناء يشبه الكلام. في الكلام صوت ومحتوى، والمحتوى هو معاني الكلمات.
يقال إن اللفظ إما مفيد ومعنوي أو مهمل وبلا معنى، لكن اللفظ لا يمكن أن يكون مهملًا إلا إذا قصد الإنسان الإبطال، وحينها حتى الإبطال يحمل معنى. فاللفظ هو كلمة حتى ولو بلا اتفاق على معناه. لذا تقسيم اللفظ إلى مهمل ومستعمل تقسيم خاطئ. مثلاً كلمة “دیز” لا تحمل معنى متفقًا عليه، لكنها ليست بلا معنى لأنها تنقل مفهوم الإهمال في التعلم. في الطبيعة لا يوجد صوت مهمل، حتى صوت السعال له استخدام. مثلما لا يوجد لفظ مهمل، لا يوجد صوت مهمل ولا بلا معنى.
ما سبق كان حكاية عن الدلالة الوضعية. أما في الدلالات غير الوضعية، أي الطبيعية والعقلية، فلا وجود لما هو مهمل، بل كل ما فيها صامت وناطق. حتى كلام الذين يقولون الهذيان أو في حالات فقدان الوعي أو الجنون، فإن صوتهم يحمل معنى. ولهذا، في غرفة العمليات، حين يريد المريض أن يستفيق، لا يجوز شرعًا أن يكون أحد في المكان، لأن ذلك قد يؤدي إلى كشف بعض أمورهم الخفية التي هي صحيحة تمامًا ومن أوضح الكلمات التي يتلفظون بها. في الواقع، لا يوجد أصدق من الهذيان، لأن الهذياني بدون أي مكر أو خداع يفيض بمحتواه الداخلي؛ ومن هنا نقول إن سماع كلامهم حرام شرعًا لأنه من مصاديق التنصت ويعد من الكبائر. مشاعر الفرد الذي يفقد وعيه لا تملك القدرة على التحكم في كلامه، فهو كالشخص الذي يتكلم في المنام، لأن النفس فيه تنصرف عن الجسد ولا تملك سلطة حفظ وجوده.
الصوت لا يمكن أن يكون بلا معنى، كما هو الحال في الجوهر والصورة الفلسفي، الجنس والفصل المنطقي، أو الهيئة والمادة الاشتقاقية، فواحد لا وجود له بدون الآخر. الأمر المهمل يوجد في الأمور الوضعية والعقدية، وحتى الصوت اللعب لا يخلو من معنى. الصوت والكلام كلاهما معبرا ولا يمكن فصلهما، وإن كان الصوت والكلام يمكن أن يكون صامتًا. التغريد في الغناء، زقزقة العصفور، صوت البلبل، وحتى صوت النحلة كلها تحمل معنى، وإن لم يفهمها البعض، فهذا لا يعني انعدام معناها.
وحتى الأصوات التي تعتبرها بعض الأذهان مجرد ضوضاء، فإنها في الواقع تحمل دلالات معينة، قد تكون مفهومة في إطار محدد أو من قبل مَن يملك قدرة تفسيرها. فالطبيعة نفسها لا تنتج أصواتًا عشوائية، بل كل صوت فيها مرتبط بظرف معين له معنى، سواء أكان تحذيرًا أو تعبيرًا عن حالة أو إشارة إلى وجود شيء معين.
أما فيما يتعلق بالكلام الإنساني، فهو أرقى صور التعبير الصوتي، حيث يتداخل الصوت مع المعنى ليشكل وحدة لا تتجزأ. فاللفظ الواحد يحمل في طياته معانٍ مختلفة بحسب السياق، والنبرة، والموقف الذي يُقال فيه. ولذلك فإن دراسة الدلالة الطبيعية والعقلية تتطلب منا فهمًا عميقًا للغة ككل، وليس النظر إليها من زاوية ضيقة تقصر المعنى على مجرد الإشارات الوضعية.
وفي هذا الإطار، يُعد فهم الدلالات العقلية ضرورياً لاستجلاء المعاني الحقيقية التي تحملها الكلمات، والتي لا تُستخلص فقط من قواعد النحو والصرف، وإنما من السياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي المحيط بالكلام.
وفي الختام، لا يمكننا إغفال أن كل صوت، مهما بدا بسيطًا أو غير مفهوم، هو حامل لمعنى يستحق الدراسة والتأمل، سواء في الدلالات الوضعية أو غير الوضعية، لأن غنى المعاني يكمن في تفاصيل الأصوات والكلمات، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد إشارات فارغة.
ولعل من أهم القضايا التي تواجه الباحثين في ميدان الدلالة اللغوية هي مسألة التداخل بين الدلالات الوضعية والدلالات العقلية، حيث يجد الإنسان نفسه أمام تحدٍ في تفسير المعاني التي تتعدد أبعادها وتتنوع مصادرها. فالدلالة الوضعية تعنى بالمعنى الظاهر والمباشر الذي يحمله اللفظ، أما الدلالة العقلية فتتعمق في المفاهيم المجردة التي تتجاوز الكلمات لتصل إلى جوهر الفكرة وروحها.
كما ينبغي التنويه إلى أن الفهم العميق للغة لا يقتصر على الجانب اللفظي أو الصوتي فحسب، بل يمتد ليشمل البُعد الاجتماعي والثقافي الذي يشكل إطاراً ضرورياً لفهم الكلمات والعبارات. فكل مجتمع يمتلك مجموعة من القيم والمعتقدات التي تؤثر في تفسير النصوص، وبالتالي فإن دراسة الدلالة لا بد أن تكون متعددة المستويات ومتداخلة الأبعاد.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل فحسب، بل هي نظام معقد من الرموز والدلالات التي تفتح آفاقاً واسعة أمام التأويل والتفسير. ومن هنا تنبع أهمية الدراسات اللغوية التي تتناول العلاقة بين الصوت والمعنى، وبين التعبير العقلي والواقع الاجتماعي، والتي تسعى إلى بناء فهم شامل يُثري المعرفة الإنسانية ويساهم في تطوير العلوم اللغوية والفكرية.
وفي الختام، تبقى الدلالة اللغوية مجالاً حيوياً يتطلب منا مواصلة البحث والتنقيب، لفهم كيف تتشكل المعاني وكيف تتفاعل الأصوات والكلمات مع العقل والواقع، في مسعى دائم نحو توسيع دائرة المعرفة والوعي اللغوي.
ومن الجدير بالذكر أن تطور الدراسات الدلالية قد أسهم في إثراء الفهم النظري والعملي للغة، حيث اعتمد الباحثون على مناهج متعددة، مثل المنهج التحليلي، والمنهج التركيبي، والمنهج التفسيري، مما أتاح لهم رؤية متكاملة لظاهرة الدلالة. وقد ساعدت هذه المناهج في الكشف عن الفروق الدقيقة بين الدلالة المباشرة والدلالة المجازية، وكذلك بين الدلالة الذاتية والدلالة الموضوعية.
كما أن الدراسات الحديثة لم تغفل التأثيرات النفسية والمعرفية التي تلعب دورًا جوهريًا في عملية الفهم اللغوي، إذ تؤكد الأبحاث على أن الإدراك الذهني والعمليات العقلية، كالتصور والتمثيل الذهني، تشكل جزءًا لا يتجزأ من بناء المعنى. وهذا ما جعل المجال يتجه نحو دراسة اللغة بوصفها ظاهرة معقدة تضم تفاعلات بين العقل، الثقافة، والسياق الاجتماعي.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه التقنية الحديثة في تطوير بحوث الدلالة، حيث أتاح التحليل الحاسوبي للنصوص ودراسات المعالجة اللغوية الحاسوبية إمكانيات كبيرة لفهم العلاقات الدلالية بدقة وعمق أكبر. فالتقنيات الرقمية تُمكّن الباحثين من التعامل مع كميات ضخمة من البيانات النصية وتحليلها بأساليب علمية متقدمة، مما ساهم في تعميق الفهم وتحسين التطبيقات العملية في مجالات الترجمة، والتعليم، وتحليل الخطاب.
وفي النهاية، تبقى الدلالة اللغوية من أهم الحقول العلمية التي تفتح آفاقاً واسعة للتفكير والبحث، فهي تشكل الجسر الذي يربط بين الكلمات وأفكارها، وبين الإنسان وبيئته الثقافية والاجتماعية. ومن هنا، فإن استمرار البحث والدراسة في هذا المجال يمثل ركيزة أساسية لتطوير المعرفة الإنسانية وتعزيز التواصل الفعّال في مختلف المجالات.
تتلاءم الأجهزة الموسيقية مع أوتار صوت الأفراد، ولا يمكن وضع أي جهاز على أي وتر صوتي دون ملاءمة. فبعض الأجهزة تناسب مقام “بيات ترك” بشكل أفضل، وأخرى تناسب مقامات مثل “عشاق” أو “راجع” وغيرها. فالأجهزة الموسيقية كالآلات الصوتية، كما أن الأصوات الطبيعية تختلف، كذلك الأجهزة والمقامات تختلف وتتنوع.
في بعض الأحيان يكون الجهاز حرًا، وأحيانًا يُؤدى ضمن نمط خاص، وأحيانًا يُخرج الصوت عن اللحن الصحيح بسبب عدم الالتزام بقواعد وأصول الأداء والغناء.
بالإضافة إلى الجهاز، فإن “الزوايا” أو “الأجزاء” تأخذ أنماطًا متنوعة أيضًا؛ مثل: “مخالف العادي” و”مخالف بأسلوب جولبا”، أو في جهاز “شوشتري”: النمط الحر أو نمط عبدالوهاب شهيدي وجبري.
“النمط” هو أمر مختلف عن الجهاز. يمكن لشخصين أن يؤديّا نفس الجهاز بأسلوبين مختلفين. النمط هو أمر اختراعي وابتكاري، أما الجهاز فهو أمر مكتشف ومرتبط بالطبيعة. أحيانًا يبتكر المختصون والأساتذة أنماطًا جديدة. النمط هو خاصية شخصية يتركها المغني في أداء الجهاز. لتوضيح الفرق بين النمط والجهاز، يمكن تشبيه الأمر بالقمح والشعير، فهما نوعان مختلفان. على سبيل المثال، مقام “همایون” و”ماهور” هما جهازان مختلفان كاختلاف القمح عن الشعير. أما الفرق بين أنماط القمح فهو مثل الفرق بين قمح شيراز وقمح الشمال، فكلاهما قمح لكن لكل منهما خصائصه وميزاته؛ فقمح شيراز جاف، وقمح الشمال مختلط بالرطوبة. وبالمثل، يمكن أن يختلف نمط أداء جهاز معين بين مغني وآخر. وفي الأداء الصوتي يجب الالتزام بالجهاز كي لا يخرج الصوت عن اللحن أو الجهاز، ومع ذلك يمكن أن تختلف الأنماط ضمن نفس الجهاز. وأحيانًا يصبح المغني الماهر هو صاحب نمط خاص به دون أن يخرج عن قواعد الجهاز.
اللهجات تؤثر كثيرًا في بناء وتغيير الأجهزة؛ فمثلًا، جهاز “بيات ترك” يختلف كثيرًا عن “بيات أصفهان”، رغم أنهما من نفس الجهاز. وكذلك باقي الأجهزة تتغير بتغير لهجة المغني. فدشتستان لجهاز دشتي، وزابل لجهاز چارگاه، وشور شيراز لجهاز شور.
الموسيقى الإيرانية تحتوي على العديد من الرُدُوف والأجهزة المعروفة مثل: أفشاري، دشتي، أصفهان، أبو عطاء، همايون، شوشتري، شور، شور شيراز، پهلوي أو مثنوي، سهگاه، چارگاه، ماهور، وراست پنجگاه، وسنقدم شرحًا مختصرًا لكل منها.
جهاز أفشاري
أفشاري جهاز حزين يعبر عن اللغة القلبية للمغموم. نادرًا ما يستخدم للفرح والسرور. يتميز بأداء رزين ومهيب، ويصلح للعديد من الأشعار الفارسية في هذا المزاج. يحتوي على أجزاء وزوايا جميلة جداً ودقيقة. يبدأ بأداء “الدخول” ثم ينتقل إلى “عراق” ثم يصل إلى الذروة عبر زوايا “رهاو” أو “نوا”، ويعود إلى “الدخول” بأداء منخفض. النمط الأساسي هو قراءة مبسطة أو مركبة، مع حرية ذوقية في التكوين.
جهاز سهگاه
سهگاه هو جهاز الحب والسرور، وهو مبتهج ورفيع. يتميز بتوازن في النغمات بين العالية والمنخفضة. يتمتع بثبات وسمعة واسعة. يبدأ بـ”الدخول” ثم ينتقل إلى “مويه”، “مخالف”، و”مقلوب”، ويتدرج في النغمات حتى الذروة ثم يعود إلى الأصل.
جهاز دشتي
دشتي جهاز يُثير الحزن وله تأثير عميق على القلب العاشق. يتميز بأن الأشعار التي تؤدى عليه محدودة ومناسبة فقط لبعض النصوص. يبدأ من “الدخول” إلى “راجع” ثم “عشاق”، ويصل إلى ذروته في “شور” ثم يعود إلى “الدخول” منخفضًا. يحتوي على زوايا تعبر عن الحزن والشوق والشكوى.
جهاز أصفهان
أصفهان جهاز رقيق وجميل، وله طابع خاص يجذب القلوب. يبدأ من “الدخول” إلى “راجع”، ثم يشتد في “عشاق”، ويصل إلى “شور” ويعود إلى “الدخول”. يحتوي على زاوية مستقلة تسمى “ساقي نامه” تُنفذ كثيرًا في الأشعار العاشقة.
جهاز أبو عطاء
أبو عطاء جهاز مليء بالبهجة والسرور، يعبر عن جمال الطبيعة. يتطلب صوتًا قويًا. يبدأ من “الدخول” إلى “حجاز” ويخلط النغمات مع “كبري” و”شور”. زاوية “ضربي” هي من أجمل زواياه.
جهاز همایون
همایون جهاز رقيق ولطيف، يعبر عن سحر الصباح والروحانية. يبدأ بـ”الدخول” إلى “چكاوك” ثم يرتفع في “بيداد”، ويحتوي على زوايا مثل “ليلي” و”مجنون” و”بختياري”.
جهاز شوشتري
شوشتري جهاز حزين ومؤثر، يصلح لأداء الأدعية والمناجاة. يبدأ بـ”الدخول” إلى “بيداد” و”راجع”، ثم يصل إلى الذروة. زاوية “نهاوند” مناسبة له.
جهاز شور
شور هو أثقل وأجمل الأجهزة، وله أبعاد روحية عميقة. يبدأ بـ”الدخول” إلى “شهناز” ثم يدمج عناصر من “أفشاري” و”عشاق” و”شور شيراز”.
جهاز مثنوي سهگاه (بهلوي)
هو زاوية مستقلة ضمن سهگاه، يختلف عن مثنوي بيات ترك بتموجاته وموسيقاه.
جهاز چارگاه
چارگاه جهاز مستقل ومبهج يستخدم في الفرح والسرور. يبدأ بـ”الدخول” إلى “زابل” ويصل إلى “مخالف” ثم يعود إلى “الدخول”. من زواياه الشهيرة “ترانه چاوشي” و”ضربي زورخانه”.
جهاز ماهور
ماهور جهاز قوي وجميل، ينعش الأرواح. يبدأ بـ”الدخول” إلى “حصار” ويحتوي على زوايا جميلة ويشترك أحيانًا مع أفشاري وسهگاه.
جهاز راست پنجگاه
جهاز مبهج يستخدم للسرور، يبدأ بـ”الدخول” إلى “حصار” ثم ينتقل إلى “رهاو” و”أفشاري”، ويستخدم في العديد من التركيبات.
القراءة المركبة
يستخدم بعض المغنين مهارة دمج عدة أشكال صوتية تُعرف بالقراءة المركبة، حيث يدمجون جهازًا بجهاز آخر أو زاوية بزاوية أخرى، مكونين مزيجًا موسيقيًا فريدًا. يبدأ أحيانًا بأداء زاوية ثم ينتقل إلى الجهاز أو العكس.
تكوين المقامات
تُبنى الأجهزة والمقامات على قواعد طبيعية وذوق فني دقيق، حيث لكل جهاز قواعده الخاصة في قبول القواعد وزواياه، مثل العشاق والراجع اللذين يستخدمان في أجهزة متعددة ولهما مكانة خاصة.
الشعر والإيقاع
الإيقاع والقافية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى، وقد تحدثنا عن ذلك في كتاب “بناء الشعر”. البحوث الموسيقية تعتمد على البحر العروضي كمرشد.
مشاكل الموسيقى المعاصرة
من أبرز مشكلات الموسيقى اليوم افتقار الكثير من المغنين والموسيقيين إلى المعرفة العروضية والفلسفية اللازمة لفهم الموسيقى بعمق، حيث يؤدي البعض الأغاني دون فهم للكلمات أو معانيها، مما يفقد الأداء روح التأثير والاتصال الحقيقي مع الجمهور.
الوعي الاجتماعي والنفسي
ينبغي على المغني أو العازف فهم بعض مفاهيم النفس والاجتماع ليختار الأنغام المناسبة حسب الزمان والمكان والجمهور، فالأطفال والنساء والشباب وحتى الحيوانات بحاجة لأنغام مختلفة تناسبهم.
القراءة المركبة كمقياس مهارة
في السابق كان يُختبر مهارة الموسيقيين عبر القراءة المركبة، التي تشبه المساجلة الشعرية، حيث يبدأ أحدهم بأداء ثم يتبعه الآخر.
عدد المقامات
عدد المقامات في الموسيقى الفارسية يقال إنه اثنا عشر، ولكن هذا العدد ليس حصرًا قطعيًا، وترتيب المقامات أمر تقديري ذوقي، ويمكن للمهارات الفردية ابتكار أجهزة جديدة أو أنماط خاصة.
الصوت البديع
هناك أصوات بديعة يمتلكها بعض الأولياء والأنبياء، وهي ليست نمطًا أو جهازًا تقليديًا، بل هي أصوات ذات إيقاعات خاصة غير مألوفة للموسيقيين العاديين. وهذه الأصوات تعكس نقاء الباطن وصفاء الروح، ولهذا كان يصغي الناس إليها بشغف.
خاتمة
الأجهزة الموسيقية ليست حكراً على أهل المعاصي والفسق، بل هي أدوات تعبير روحي وثقافي يمكن أن يستخدمها الجميع، وإن ارتبطت في الوعي الشعبي أحيانًا بمعانٍ أخرى.
(الجزء الأول)
يجدر بنا أن ندرس كيف كان الإمام الحسن، والإمام السجاد، والإمام الباقر، والنبي داوود عليهم السلام يتلون القرآن الكريم بأساليبٍ وأداءاتٍ قرآنيةٍ متميزةٍ، حتى أذهلوا الجميع. كيف كان صوت الإمام السجاد عليه السلام لدرجة أنه كان يجعل حاملي القربات يذوبون من تأثيره؟
روى السائل عن الإمام الرضا عليه السلام: ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع صوته في الصلاة وتلاوة القرآن؟ فأجاب الإمام بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يبين صوته حسب قدرة وتحمل الناس الذين خلفه في الصلاة.
ولو رفع النبي صلى الله عليه وآله صوته قليلاً من حلاوة صوتِه، لما استطاع أحد تحمل ذلك. وهذا يدل على أنه يمكن بالحلق رفع الصوت وفتحه وإغلاقه، لكن المسلمين لم يكن لديهم استعداد لاستخدام هذه النعمة الإلهية في مسارٍ صحيح. والآن، حيث يسود الحكم الإسلامي ويتوسع المجال العلمي، يمكن تحفيز الناس على استعمال هذا المزمار العظيم بطريقة صحيحة في سبيل نشر ولاية ومحبة أهل البيت عليهم السلام.
الصوت هو غذاء الروح، ولهذا قال الله تعالى: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» [الأعراف: 204]. عند تلاوة القرآن، استمعوا له بصمت، دون كلام، لتغذية الروح والوجدان بصوت وكلمات القرآن الكريم فقط.
(الجزء الثاني)
إن تلاوة القرآن الكريم ليست مجرد قراءة صوتية، بل هي فنٌ عظيمٌ يتطلب إحساسًا عميقًا بالمعاني، وروحًا متصلة بنبض الآيات. فالقرآن يُتلو بأداءٍ يراعي بحور اللغة العربية، وأحكام التجويد، وينسجم مع معاني النص ليؤثر في السامع تأثيرًا روحيًا ونفسيًا.
وقد كانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام تُعنى بهذا الجانب بدقة بالغة، إذ كانوا لا يكتفون بحفظ النصوص بل يعملون على إحياء الروح القرآني في قلوب الأتباع، مستخدمين الصوت كوسيلة للتقرب إلى الله تعالى ونشر الهداية.
إن الصوت الجميل والموحد، والتلاوة الصحيحة، تحملان رسالة سامية تجعل القلوب تخشع، وتفيض بالرحمة على المستمعين، فتزداد محبتهم للإسلام وأهله.
لذلك، يجب على كل قارئ للقرآن أن يتحلى بالصبر، والتمرين، والإخلاص، ليصل إلى مستوى يُثير الإعجاب ويُلهب القلوب، تمامًا كما كان يفعل الأئمة الأطهار عليهم السلام.
(الجزء الثالث)
علاوة على ذلك، إنَّ دراسة علوم القرآن من علوم التلاوة والتجويد والوقف والابتداء، تُعدّ من الأسس التي لا بد من إتقانها لتحقيق الفصاحة والإتقان في الأداء. فهذه العلوم تساعد القارئ على فهم أحكام التلاوة، والتزام قواعد اللغة العربية التي تمثل الركيزة الأساسية في قراءة القرآن الكريم.
كما أنَّ التعلّق الروحي والنفسي بالقارئ بألفاظ القرآن وتجويدها ينقل التلاوة من كونها مجرد عملية لفظية إلى تجربة روحية تعزز الإيمان وتنير القلوب.
من هنا، كان الحرص على تعليم التلاوة الصحيحة جزءًا لا يتجزأ من النهج التربوي الذي اتبعه أهل البيت عليهم السلام، إذ كانت حلقات التدريس لديهم تشمل التلاوة والشرح والتدبر، مما جعل التلاميذ يُتقنون قراءة القرآن وفق أرقى مستويات الإتقان والجمال.
هذا المنهج التربوي ليس مجرد تعليم تقني بل هو أسلوب حياة، يسعى إلى إحياء الروح القرآنية في المجتمع، ونشر الوعي الديني الصحيح، والحفاظ على تراث الإسلام الخالد.
(الجزء الرابع)
إنّ الاهتمام بالتعليم القرآني وتطويره لا يقتصر على الجانب الصوتي والتجويدي فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب تفسيرية وعلمية تهدف إلى تعزيز فهم معاني القرآن الكريم وتأويلها بطريقة تراعي مقاصد الشريعة وخصوصية كل زمان ومكان. فقد تطورت أساليب التعليم القرآني عبر العصور لتشمل مناهج متعددة تجمع بين الحفظ والتفسير والتدبر، مما يُسهم في بناء شخصية متكاملة تجمع بين العلم والعمل.
كما يجب التأكيد على دور المؤسسات التعليمية الإسلامية في الحفاظ على هذا الإرث العظيم، من خلال اعتماد مناهج متجددة تعتمد على الدراسات الحديثة في علوم القرآن، وتحفز الطلاب على البحث العلمي والنقد البناء. فالتعليم القرآني الحديث يُعد جسرًا يربط بين الأصالة والمعاصرة، ويُمكّن الأجيال الجديدة من استثمار علوم القرآن في مواجهة تحديات العصر.
وفي ضوء ذلك، فإن تبني استراتيجيات تعليمية متكاملة تأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين المتعلمين، وتوظف التكنولوجيا الحديثة، يُعدّ من العوامل الحاسمة في رفع مستوى التحصيل القرآني، وضمان استمرارية نقل المعرفة القرآنية للأجيال القادمة بشكل فعّال.
(121)
لو لم يكن المصلون يرون في قراءة الصلاة إسقاطاً للواجب عن كاهلهم، ولو كانوا يحافظون على الترتيل والإيقاع فيها، لكانوا يفضلون الإمام الذي يطيل صلاته، ويتبعونه في ذلك. ولكن بما أن هذه الحالة قلّت أو ندر وجودها، فقد قلّت أيضاً أولئك المأمومون.
الموسيقى والهجاء الحربي في صدر الإسلام
الهجاء الحربي من الألحان العسكرية التي استعملها الإسلام كثيراً. كان الهجاء في بعض الأحيان من العوامل المهمة في رفع معنويات الجنود، وتحقيق النصر، وإضعاف معنويات العدو، وهزيمته. في حروب صدر الإسلام، كان الكفار يصرخون: «اعلُ هبل، اعلُ هبل»، وكان المسلمون يجيبون: «اللّه أعلی و أجل». هذان القافيتان تتكونان من ستة عشر نغمة. وكان الكفار يقولون: «إن لنا العزى ولا عزى لكم»، والمسلمون يردون: «اللّه مولانا ولا مولى لكم»، وكل منهما يتألف من اثني عشر نغمة. في عبارة «إن لنا» يؤكد الكفار على جمعيتهم واستقلالهم، و«العزى» هو صنمهم، و«لكم» في النهاية تأتي لإبقاء المسلمين في مرتبة أدنى. الجار والمجرور الذي قد يكون في بداية الكلام، يُوضع في النهاية لإذلال المسلمين. هم يقدّمون أسمائهم قبل أصنامهم، أما المسلمون فيبدأون بذكر الله سبحانه وتعالى. المسلمون، تماشياً مع القرآن الكريم، يجيبون بأدب وبتقديم اسم الله تعالى: «اللّه مولانا ولا مولى لكم». هذان الهجاءان يبيّنان الفرق الثقافي بين الكفر والإسلام. الكفار يضعون أصنامهم فوق أنفسهم، أما المسلمون فيتقدمون بذكر الله عز وجل، مع الاعتراف بعظمته.
راجع: شيخ صدوق، الخصال، ص 397. علامه أميني، الغدير، ج 10، ص 80.
(122)
هذا الهجاء مستمد من القرآن الكريم حيث يقول: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ»(1). وقد شرحنا هذه الآية المباركة في كتاب «آية آية روشنایی».
المؤمنون في ذلك الزمان، الذين لديهم معلم كالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وتربية دينية في ظل القرآن الكريم، يتكلمون بهذه الصورة الجميلة، ويذكرون اسم ولي نعمتهم في المقدمة. هذان الهجاءان اللذان لهما ألحان مختلفة، لهما جهاز موسيقي، واستخدام هذا الجهاز كان واعياً.
الهجاء الذي قيل في يوم عاشوراء له أيضاً جهاز موسيقي.
كما أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: «من أمبرّ الصيام في السفر؟»؛ هل الصيام في السفر من الواجبات؟ فأجابه النبي بنفس اللحن: «ليس من أمبرّ الصيام في السفر». النبي صلى الله عليه وآله رد عليه بنفس النغمة والإعراب والموسيقى واللفظ والمعنى، مستجيباً لأسلوب ذلك الأعرابي ولهجته.
الچارگاه أحد الأجهزة الموسيقية التي تُستخدم في الزورخانة، والچاووشخواني، والحروب، والموالد الرسمية. في الحالات التي يُضرب فيها الإيقاع، يأتي السنج معه، والسنج يجلب الفلوت، والفلوت له أوركسترا. في مراسم تشييع الشهداء، يمكن تقديم «لا إله إلا الله» على الجهاز، وتنفيذه بالفلوت وخاصة الضرب. هذا هو الاستفادة الحلال من الآلات الموسيقية والأجهزة الموسيقية.
محمد / 11.
كنزالعمال، ج 8، ص 505.
(123)
الصوت العقلي والبديع الربوبي
سبق وأن تحدثنا عن الأصوات العقلية. الصوت والعقلاني يحملان وصولاً وقرباً إلى الحق. الأنبياء والأولياء في مقام الدعاء والمناجاة وقراءة القرآن الكريم، وفي الوصول إلى الكمال الأسمى، كانوا يبحثون عن الغاية العليا للصوت، وهي سماع الأصوات الربوبية. برأينا، أن الزمان والمكان لم يسمحا للأولياء عليهم السلام أن يعلنوا هذه الغاية، أو أنهم لم يجدوا تلامذة مناسبين لتعليمها. لم يجدوا الفرصة الزمنية ولا الظروف الملائمة لذلك. وقليلون فقط من أخذوا دروساً منهم، وكانوا يواجهون مشاكل مشابهة. لا يمكن أن نعتقد أن الإسلام لم يهتم بالموسيقى ذات الهوية العقلية التي يمكن تصورها. بل يجب القول إن الأولياء لم يحصل لهم الوقت لبيان هذه الأمور والعديد من أسرار الوجود. الإمام علي عليه السلام على المنبر نادى بـ«سلوني» ودعا الناس لمعرفة الأرض والسماء، لكنه واجه أسئلة سخيفة وساخرة. والإمام الصادق عليه السلام الذي وجد تلامذة، حوصر من قبل الحكومات، فاضطر إلى بيان أقل المعارف.
أي حركة تُحدث صوتاً لها جهاز ونغمة. حتى صوت الخطوات أثناء المشي له جهاز وموسيقى ونغمة خاصة. كل صوت وكل أثر له لحن وجهاز، سواء أُصدر الصوت بالفم أو بالأدوات. ولا يوجد صوت بلا لحن. حتى سقوط حجر في بئر له صوت ولحن، ولكن الأهم هو اكتشاف هذا الجهاز. العصفور الذي يغرد والغراب الذي ينقر لهما لحن خاص. الفلاسفة اكتشفوا جزءاً من الأصوات والألحان، لكن الفقهاء وبسبب انحراف السلطة السياسية واعتبارات أخرى، حكموا بتحريمها، وهذا الحكم أغلق الطريق أمام اكتشاف الموسيقى. هناك أصوات متناغمة كثيرة في هذا العالم لم تُكتشف بعد. عند اكتشافها يمكن استحواذ الإنسان. لا ينبغي أن نغترب عن الصوت، بل يجب الانتباه له، فهو يؤثر على الروح والنفس والجسد. يجب الجهد لاستخراج أكبر عدد من الأجهزة الموجودة في الطبيعة وتسجيلها باسم المسلمين. كل جهاز اكتشف، مثل سهگاه، چارگاه، ماهور، أفشاري، أبوعطا، حجاز، وغيرها، تم الحصول عليه بصعوبة وجهد عشرات الأشخاص، لكن الخلافة ومسار تحريف علم الموسيقى وبعض الفتاوى الظاهرية أوقفت الطريق أمام تطوير واكتشاف الأجهزة الموسيقية حتى في زمن حكم الثقافة الشيعية.
الأصوات الطبيعية لها نماذج لا تحصى، كل منها يؤدى على جهاز موسيقي خاص. لا يوجد شيء في العالم بلا صوت مميز له. إذا خلت بيت من سكانه لبضعة أيام، تخرج الحيوانات من أوكارها ويملأ صوتها المكان. إذا رأت الإنسان، تحترم صوته أو تراه سمّاً لها، أو تدرك ضرورة دفع المؤذي قبل الأذى. وإذا كان الإنسان في البيت، تصمت. في هدوء البيت، تغني الكناري تحت الأرض، أو النمل بصوت مدهش يذهل الجميع، وربما يجذب الملائكة للاستماع. الجرادة تغني بشكل جميل يجب تعلم الغناء منها. البعوضة تصدر صوتاً منتظماً كالنحل دون تقطيع أو إيقاع، فتذهل السامع. للنمل لحن وجهاز خاص كما للنباتات أصوات. إذا انكسر عود جاف يسمع صوت الكسر، وإذا انثنى عود لين يصدر صوتاً غير واضح، وهذا الصوت موجود أيضاً في نمو النبات واستقامته. أصوات الحيوانات في القرآن مؤكد عليها: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ»(1)، وأيضاً: «يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»(2).
كما أن العالم لا يشبه شيئاً ولا جزء منه يشبه جزءاً، فإن الصوت وهو جزء من العالم كذلك، فلا يمكن وجود مخلوقين لهما صوت متماثل، ولا يمكن لأحد تقليد صوت الآخر، وكل تقليد شكلي فقط. نغمة كل مخلوق خاصة به، وصوت كل إنسان يتناسب مع قامته وفكره وزمانه ومكانه. إذن لكل ظاهرة في الوجود صوت ونغمة، ولكن الصوت…
كل واحد يختلف عن الآخر: “وَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أَطْوَارًا” (نوح: 14)؛ خلق أجزاء الإنسان التي تشمل الصوت كجزء منها، يدل على التفاوت والاختلاف بين الأفراد.
الصوت ومنطق الظواهر
علم الصوتيات يمنح الصوتي القدرة على فهم “منطق الطير” أو لغة الحيوانات، بل وجميع الظواهر. لا يمكن للمرء أن يدرك لغة الحيوان إلا إذا عرف الجهاز الصوتي الذي يستخدمه ذلك الحيوان في الكلام أو الغناء. كما ذُكر سابقًا، الصوت يملأ الكون بأسره. فإذا تم اكتشاف جهاز الصوت لكل ظاهرة، يمكن عندها معرفة لغة الظواهر تمامًا كما كان عند النبي سليمان عليه السلام. هذا العمل ممكن لكنه شديد الصعوبة ويتطلب جهدًا كبيرًا. كشف مراد قلب الظواهر من خلال أصواتها أمر ممكن ويمكن بتوفيق وعزيمة عالية تنظيمه. كما أن الإنسان في حالات الضرورة قد يُجبر على إصدار أصوات مكررة معينة، مثل لغة الصائغ أو الخنفساء. كان للسجناء في عهد الطغاة مثل ساواک إيران لغتهم الخاصة التي كانوا يستخدمونها للتخفي، وكانت كلمة “سيّوار” تعني “حائط” حتى لا يفهمهم الضباط. كما حدث في سجون العراق حيث كانت أصوات الأسرى الإيرانيين تُسجل، إلا أن لغتهم المشفرة كانت تحول دون فهم العدو. هذا النوع من اللغات رغم كونه اصطناعيًا، إلا أن لغة قلوب الظواهر وأصواتها طبيعية ومنظمة.
ابتلاع الصوت
الصوت حقيقة لا يمكن إنكارها، ويعد غذاءً للروح والنفس، ويشبه في تأثيره ما يتلقاه الإنسان من خلال حواسه كالشم والرؤية، فهو غذاء لحاسة الشم والبصر والروح والنفس. لكن هندسة هذا النوع من التغذية تحتاج إلى معرفة الأجهزة المؤثرة وكذلك آثارها على الروح والنفس. للأسف، هذا الباب مغلق منذ زمن بعيد، وما يزال مفتوحًا فقط باب المعدة:
“ينمو الإنسان من طريق السمع
وينمو البقر والحمار من طريق الحلق” (مولوي)
الذي تكون حواسه مفتوحة ويتغذى من خلال العين والأذن والشم، لا يكون له شهية كبيرة للطعام. وعندما نسمع أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يشبع بقطعة خبز جافة، لا ينبغي أن نحزن عليه، بل يجب أن نحزن على أنفسنا؛ لأنه كان يستمد طاقته من خلال الرؤية والسمع والشم الروحي والملكوتي، فلم يبق لديه اشتياق للطعام المادي.
إذا لم يتبع الناس حياة أولياء الله، فإنهم – رغماً عنهم – يصبحون أدنى من الحيوانات لأنهم يقتصرون على لذة الأكل فقط. إذا امتلأت الموائد بالمادة، يصعب التمييز بين إنسان وحيوان.
بعض الطهاة يشعرون بالشبع من مجرد طهي الطعام، وهذا لأن حواسهم الشمية والبصرية قد شبعّت، ولا يشعرون بالجوع. من يعطل مشاعره وخمس حواسه يضغط على معدته ويملؤها طعامًا كثيرًا؛ أما مع انفتاح المشاعر والحواس، يمكن سماع الأصوات النفسية والوحيانية.
ومع الأسف، النفس والمعدة أصبحت مستودعًا للنفايات، حيث يملأ الإنسان معدته بالخبز والأرز بحيث لا يتسع لهضم الطعام. على من اعتادوا الأكل المفرط أن ينتبهوا لعواقب ذلك.
الحياة الصحية لا تقوم على ملء المعدة فقط، بل يجب تدريجيًا استبدال التغذية الحسية البصرية والشمّية بالمادية. المعدة الممتلئة تسبب أحلامًا مضطربة وتقلل من قيمة النوم، وتجعل الإنسان كالجثة. لذلك يُنصح بعدم النوم مباشرة بعد الأكل. النوم ذو موجات، والنوم الذي يصاحبه ضغط على المعدة لا يكون فعّالًا.
مع الأسف، مشاعر الإنسان الروحية مغلقة اليوم، والمعدّة والمشاعر الظاهرية فقط مفتوحة. الإنسان يطرد جوعه بالمادة فقط. في زمن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، ستقسم المأكولات إلى ثلاثة أنواع، ويقل استهلاك الطعام المادي. الطعام إمّا مادي معدي، أو مادي شمي يستمد من الرائحة، أو مادي بصري.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم كانوا يستخدمون العطور لتخفيف الضغط على المعدة واستمداد الطاقة عبر حاسة الشم. أما اليوم، فقلّما نجد عطراً طيب الرائحة، بل مواد نفطية أو عطور عديمة الفائدة.
النوع الثالث هو الطعام السمعي (الاستماعي والسماعي). بعض الناس يشبعون من الاستماع إلى المناجاة، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يستمد قوته من هذا النوع، كما قال: “لم أفتح باب خيبر بقوة بدنية، بل بقوة رحمانية.” والقوة الرحمانية تُستمد من استنشاق واستماع وإدراك الحقائق الروحية.
قلنا إن الغناء والموسيقى طعام، لكن يجب التنبه إلى أن الغناء والموسيقى غير المتناسبة (الحرام) هي طعام مسموم للجسد وخطر شديد، ويجب الحرص الشديد على عدم تعاطيها، لأنها طعام يؤثر على المشاعر بشكل أعمق من الطعام المادي، وله نفع وضرر أكبر.
الشريعة لا تنفي عن الغناء والموسيقى صفة الطعام أو أهميته، لكنها تمنع الطعام السام، وتؤكد على استهلاك الطعام الحلال الطيب، مثلما تفعل في مسائل التغذية.
كما أن الإفراط في الطعام الحلال الطيب يضر الجسد، وكذلك الإفراط في الغناء والموسيقى يضر النفس، وكذلك التفريط فيهما يؤدي إلى أضرار.
من أسباب تشتيت الفكر وقلة التركيز سماع ورؤية الكثير، وكثيرًا ما يخطئ الإنسان في أداء الصلاة أو يفقد أشيائه بسبب كثرة الاستماع والمشاهدة. الإفراط في استخدام العين والأذن يجعل الإنسان مثل السائق المتعب الذي لا يرى الطريق جيدًا.
ومع ذلك، بقاء العين والأذن بلا عمل يسبب ضررًا كبيرًا. من يعيش في السجون المظلمة أو الأقبية الصامتة تضعف أعينهم وتتقلص وتتضرر أعصابهم.
يجب أن يكون توازن استخدام الحواس ثابتًا، وإلا تسبب الضرر للنفس. في الماضي كان العمى شائعًا بسبب قلة النظافة وقلة استخدام العين. اليوم ازداد عدد من يستخدمون النظارات، لأن العين ترهق بالعمل المفرط. الضوء الكهربائي الموجه إلى العين يشبه حصى ترمي في العين وتؤذيها. ينصح باستخدام الهواء الطلق والإضاءة الطبيعية لتجنب الأضرار الناجمة عن الضوء الصناعي.
الإسلام لا ينظر إلى الغناء والموسيقى كأمور غير عقلانية، بل يولي اهتمامًا كبيرًا لكل ما يتعلق بالغذاء الروحي والمادي حتى يُستهلك الطعام السليم ويُتجنب الطعام المسموم.
آثار الموسيقى الغذائية
قلنا سابقًا إن الموسيقى والغناء طعام ودواء. الآن نضيف أن الطاقة الناتجة عن الموسيقى تساعد الإنسان وتشجعه على القيام بالأعمال، كما يمكن الاستعانة بالصبر والصلاة. الغناء والموسيقى يمكن أن يكونا سببًا في البناء والهدم، فهما كالسيف ذا حدين.
الموسيقى الخيالية تزيد النفس قوة وتحركها، أما الموسيقى العقلية في المقامات الروحية فترفع الإنسان إلى السماوات وتمنحه معجزات وكرامات ليست فقط لإسكات المشككين، بل لتقريب السالكين إلى صاحب المعجزات.
الصوت والصدى والترجيع من قدرات الإنسان المهمة التي يمكنه من خلالها الانتقال إلى عوالم أخرى.
الموسيقى تنغمس في إحساس النفس، لذا الإفراط فيها يجعل الإنسان خياليًا وضعيف النفس، ومن جهة أخرى، تركها تمامًا يجعل الذهن جافًا وحياة قصيرة.
الموسيقى تعطي إحساسًا للنفس كما أن الصلاة تعطي إحساسًا وتنعيمًا للنفس على مدار اليوم. الله تعالى فرض سبعة عشر ركعة صلاة مقسمة على أوقات اليوم والليل، ولا يجوز أداؤها كلها مرة واحدة.
أحد حكم الصلاة اليومية هو تنعيم نفس الإنسان وإزالة انقباضها الناجم عن انشغالات الحياة. من يبتعد عن الصلاة وعن الأمور المنشطة والفرحة يُصاب بجفاف نفسي، ويصعب التأثير عليه.
العبادة ترنيمة إحساس ونفس وقلب تحفظ الإنسان من الانكسار وسط ضغوط الحياة، وتعزز أمله بدعاء يسهل الأمور.
الإنسان بلا إحساس لا حياة له، ومن يعيش بلا إحساس يكون جامدًا وقاسياً، يفتقر إلى تفاعل رحيم مع الآخرين.
الذي يمضي عمره كله (سبعين عامًا مثلاً) دون أن يستفيد من الصوت والغناء والشعر والإيقاع، يكون نفسيًا مشوشًا كالصحراء الجافة والقاسية، مما يؤدي إلى العنف والشجار مع من حوله.
أما من يؤدي أعماله أو صلاته وهو مستمع إلى الموسيقى فهو مريض نفسي يشبه من تعوّد على العصا في المشي وأصبح ساقه ضعيفة.
دور أجهزة الموسيقى في السلوك العرفاني
موضوعنا في هذا القسم هو المريد والسالك في الطريق الإلهي، لا الأشخاص العاديون. ما نقوله هو أن المريد والسالك بحاجة إلى الغناء والموسيقى. وتجويز الموسيقى للسالكين يستلزم معرفة أجهزة الموسيقى. وتجويز الموسيقى لبعض السالكين – وفي مرتبة ومرحلة خاصة من السلوك – لا يعني تجويزها لجميع الأفراد. قد تكون الموسيقى جائزة لمريد معين، وحرامًا لفرد عادي؛ كما قد يكون صوت ما جائزًا لمريد، وضارًا لمريد آخر. على سبيل المثال، مادة “ماهور”، لفترة معينة، يُنصح بها بعض السالكين، وليس بالضرورة أن يُجوز كل نوع من الموسيقى لكل مريد، فضلاً عن عامة الناس. السالك الذي يريد أن يرتقي ويتجاوز الكتل والأودية، يجب أن يكون له أثرٌ ثابت، ويحتاج إلى الموسيقى كأداةٍ للسير في الطريق، ولكن هذا لا يعني أن كل من يمشي في أرض مستوية يحمل هذه الأداة ويستفيد منها.
في التصوف، يُعرف الغناء والموسيقى وكذلك “السمع” (وهو سماع الأصوات المعنوية وما وراء المادة) كمُعينٍ ومعينٍ على السلوك. السالك الذي يتعلم من عند أستاذٍ واصلٍ منازل العشق، ويجتاز طريقه، يواجه أنواعًا من الصعوبات والابتلاءات، وأقلها الفقر المادي والضيق النفسي. إذا دخل في باب “الأودية”، يمر بأصعب الحالات. هذا السالك، الذي هو طبيعيًا من محبي الطريق، يتعب نفسيًا بسبب الضغوطات الكثيرة، وقد يتوقف عن الاستمرار أو يرغب في عدم رؤية تلك المراتب. لذلك يُنصح على ضوء رؤية وتوجيه المرشد الروحي بالاستماع إلى الغناء والموسيقى بقدر الحاجة. استماع الغناء والموسيقى التي يحدد نوعها المرشد الروحي حسب الغاية التي يطلبها السالك، يكون مناسبًا له.
في باب الغناء، هناك فرق بين الغاية والفاعل، ويرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة الاستعدادات والمبادئ الموسيقية والغنائية. من يغلب عليه الشهوة والمعصية، يصبح بالاستماع للموسيقى أكثر استعدادًا للمعصية، ومن هو في حال العبادة، تكون الموسيقى معينًا له على العبادة. للموسيقى اعتبار الاستعدادات والمبادئ التي ينبغي مراعاتها، ولا بد من النظر إلى الحالة التي يكون عليها الشخص، وما الذي تهيئه له الموسيقى، عندئذٍ يمكن تجويز الموسيقى الحلال في جهاز معين لشخص ما، وذلك بما يتناسب مع نموه الروحي وموقعه.
على السالك أن يكون للموسيقى دور أعداديّ يتناسب مع المراتب والمنازل، ففي منزلة يوصى له بالاستماع إلى الغناء والموسيقى في جهاز معين، وفي منزلة أخرى يُنهى عن سماع نفس الغناء، ويوصى له بجهاز آخر، وأحيانًا يُنهى عنه سماع أي نوع من الموسيقى.
السمع والرقص
في المراتب والمنازل الروحية يُذكر “السمع” ويُعتبر أحد المنازل، وقد ورد ذلك في كتاب “منازل السائرين”. نحن في الجزء الثالث من شرحنا لهذا الكتاب، بعنوان “السير الأحمر”، تحدثنا بتفصيل عن “منزل السماع”. السماع حقيقة معنوية تظهر في صحيفة السجادي، ويقصد به سماع الأصوات المعنوية والوحي الرباني على شكل أصوات، وليس ما يشتهر بين بعض الصوفية من مصاحبة ذلك بالرقص والتمايل.
أنواع الوصول
ذكرنا أن الغناء والموسيقى هما “معين” و”مدد” و”موصل” ينقلان السالك إلى المراتب الأعلى. والموصل أو الناقل ينقسم إلى نوعين: نفسي (خيالي) ومعنوي. الموصل النفسي له صبغة تمثيلية، أما المعنوي فهو تجرد رباني وإلهي. صوت الوحي، والإلهام، والرؤية من النوع المعنوي. وبما أن المجذوبين في دار الحق قسمان: محبون رياضيون ومحبوبون عنایتياً، فالموسيقى للسالكين المبتدئين والمتوسطين – أو ما يسمون بالمحبين – هي موصل نفسي وذاتي؛ أما الأولياء الإلهيون والمحبوبون في دار الحق، فهم لا يحتاجون إلى مثل هذه الأمور. فالمحبوبون لا يستعينون بالأوزان الإيقاعية، بل تزودهم الألحان الروحية والربانية من صوت الوحي والإلهام والنفخات الرؤيوية.
الموسيقى والغناء والسماع موجهة لمن يريدون الصعود من الأسفل إلى الأعلى. هؤلاء السالكين هم المحبون الذين لا يشتاقون إلا إلى صوت معين، ولا يستيقظون إلا بنغمة محددة. وهم أضعف السلوك والمحبين في الطريق. أما المحبوبون الإلهيون فهم مسرورون ومشتاقون بسماع صوت الوحي والإلهام والرؤية، ومن ثم فإن أئمة الدين عليهم السلام لم يحملوا آلة مثل الأكورديون أو الناي، لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى ذلك، وقد وجدوا أنفسهم في مقام آخر، ولم يكن لديهم الوقت والمجال لتعليم ذلك للناس.
المحبون إذا ماتوا وتفتتوا وأُحيوا مراراً وأبدًا، فإن عشقهم يزداد ولا ينقص.
الأهمية والحدود في الاستماع
من الأمور التي تُوصل السالك إلى حضرة الحق، أهمية الصوت والنغم. لكن الحفاظ على الاعتدال في ذلك ضروري، فإن الزيادة القليلة قد تؤدي إلى البُعد والغفلة بدل القرب والوصول. لأن ذلك يشبه الطعام المسموم. وللتمييز بين الموسيقى الناقلة وغير الناقلة يجب الالتزام بأحكام الشريعة النقية والعالمة، وأخذ الحكم من الدين؛ لأن الشريعة هي مربّي البشرية وتهدف إلى توجيه المؤمنين دون النظر إلى منافعهم أو أضرارهم.
وبطبيعة الحال، لا يجوز العزف أو الاستماع حتى يتحقق المراد واليقين والإرادة. الموسيقى يجب أن تكون معاونًا وموصلًا، لا مضراً. المريد والسالك المتمكن باليقين والإرادة، مع جميع الرياضات التي يقوم بها، يستفيد من الموسيقى.
ضرورة معرفة أجهزة الموسيقى
يحتاج الفقيه الشرعي لمعرفة أجهزة الموسيقى حتى يتمكن من إصدار الحكم الشرعي بشأنها، أما الحكيم فيحتاج إلى معرفة الأجهزة بالإضافة إلى القدرة على الأداء. والفيلسوف الذي يفتقر إلى القدرة على تقديم الموسيقى، لا يمتلك حكمة عملية كاملة. أما المغني فهو بحاجة إلى معرفة الأجهزة وتمثيلها جيدًا مع إظهار حماسته وصفاء روحه وتحريكه لمشاعره. والمغني قد لا يهدف إلى إحياء نفسه، بل إلى بث الفرح والحزن في الناس وتحريكهم.
النفس واحدة، والصوت والصدى يدخلان إلى النفس، ولكن أحياناً يبقى صوت داخل النفس وأحياناً يخرج منها. الصوت والصدى الذي يدخل إلى النفس قد يُهدمها أو يشجعها على الفضائل.
يجب أن يُفهم موضوع الغناء والموسيقى بكل خصائصه، ولا يجوز إصدار حكم عليه دون فهم الموضوع. الغناء يمكن أن يكون وصفاً للصوت أو للموسيقى، لأن الغناء يعني الصوت المنظم والمنسجم، والموسيقى الغنائية هي صوت منسجم كالطائر العصفور، والعود، والنوتة، وتدفق الأمواج. الصوت والموسيقى أو الغناء الحسن يُخلقان وفق التركيبات والإيقاعات. كما ذُكر سابقاً، التركيب هو ترتيب النوتات، والإيقاع هو ربط التركيبات مع بعضها. أحياناً تُربط النوتات نوتة بنوتة بما يُسمى “تقريع”، وأحياناً تُعطى نوتة وتُؤخذ أخرى وهو “تقليع”. القلقلة والتغريد مثالان على ذلك حيث يتناوب الصوت ليظهر الصوت النهائي.
في الصوت، بالإضافة إلى التركيب، يوجد التقريع، التقليع، والطرق، والضرب، والفصل، والتمزيق، والرمي، وكذلك الترقيق والتكثيف، وتكبير الصوت.
الطرب خاص بالصوت المنظم. نوع الصوت يكون منظماً وطربياً، لأنه أحياناً صوت طبيعي وأحياناً صوت خارجي. الصوت الطبيعي ينقسم إلى قسمين: وحشي وغير وحشي. الصوت الطبيعي غير الوحشي خاص بالحيوانات غير البشرية، مثل صوت الحجر والماء والعصفور والصرصار والحمامة والبعوض والنملة… البعوضة التي تبقى كأنها طيف، كيف تدخل إبرتها الرقيقة من خلال الثوب إلى داخل الجسم؟ هل تستخدم صوت الدخل أو الصدى؟ هل تستعين بالصوت أم بالصدى؟
الصوت الطبيعي الوحشي خاص بالبشر، وهو الصوت الذي ينبعث من الإنسان عند النطق والكلام والغناء. هذا الصوت يولد من خلال اهتزاز الحبال الصوتية في الحنجرة، ويخضع لعوامل عديدة تؤثر على جودته وقوته مثل بنية الحنجرة، حجم الصدر، وضغط الهواء.
أما الصوت الخارجي فهو الصوت الذي يُصدَر عن طريق آلات موسيقية أو أدوات خارجية، والتي يمكن أن تكون وترية كالعود والكمان، أو نفخية كالناي والفلوت، أو إيقاعية كالدف والطبلة. لكل آلة خصائصها الصوتية الخاصة التي تميزها وتُسهم في خلق التجربة الموسيقية الفريدة.
تكوين الصوت الجميل يعتمد على توازن دقيق بين النغمات المختلفة، وتناسق الإيقاعات، وتناغم الحركات الصوتية التي تُحدث تأثيراً عاطفياً في المستمع. ومن هنا، فإن دراسة الصوت والموسيقى تستلزم تحليلاً علمياً دقيقاً للخصائص الفيزيائية للصوت، بالإضافة إلى فهم التأثير النفسي والوجداني للصوت على الإنسان.
وهكذا، يبرز الصوت كوسيلة تعبير فريدة تجمع بين العلم والفن، وتشكل عنصراً أساسياً في بناء الثقافة الإنسانية وتطوير الفنون المختلفة.
ويعتبر الصوت ظاهرة فيزيائية لها أبعاد متعددة، إذ ينتقل عبر الأوساط المختلفة على شكل موجات ميكانيكية تنتج عن اهتزازات مصدر الصوت. ويُدرس في علم الصوتيات (الأكوستيكا) خصائص هذه الموجات، مثل التردد، الطول الموجي، والشدة، التي تؤثر جميعها في إدراك الإنسان للصوت وجودته.
ومن الناحية البيولوجية، يرتبط الصوت بوظائف حيوية معقدة تشمل الجهاز التنفسي والحنجرة والعضلات التي تتحكم في النطق، مما يجعل عملية إنتاج الصوت نشاطاً متعدد الأبعاد يتداخل فيه الجوانب الفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية.
أما من الناحية الثقافية، فإن الصوت والموسيقى يلعبان دوراً محورياً في التعبير عن الهوية والتراث، ويُستخدمان كأدوات للتواصل والتعبير عن المشاعر والأفكار، حيث تتنوع أشكال الصوت والموسيقى باختلاف الشعوب والثقافات، ما يعكس غنى التنوع الإنساني.
لذلك، يُعدّ الصوت مجالاً بحثياً غنيّاً يتطلب تداخل علوم متعددة، منها الفيزياء، البيولوجيا، علم النفس، والأنثروبولوجيا، فضلاً عن الفن والموسيقى، لفهم ظاهرة الصوت بشكل شامل ومتعدد الأبعاد.
وعلى صعيد التطور التكنولوجي، شهدت دراسة الصوت تطورات هائلة بفضل التقدم في الأجهزة والتقنيات الحديثة، مثل الميكروفونات عالية الحساسية، وأجهزة التحليل الطيفي، وتقنيات التسجيل الرقمية، مما ساهم في تحسين جودة نقل الصوت وتسجيله وتحليله بدقة متناهية. وقد أدى ذلك إلى تطبيقات واسعة في مجالات متعددة تشمل الاتصالات، الطب، الهندسة، والموسيقى.
وفي المجال الطبي، تلعب تقنيات الصوت دوراً حيوياً في التشخيص والعلاج، مثل استخدام الموجات فوق الصوتية في التصوير الطبي، وفحوصات السمع التي تعتمد على قياس استجابة الأذن للمحفزات الصوتية. كما أن فهم آليات الصوتيات البشرية يسهم في تطوير أجهزة تعويض السمع، مثل السماعات الطبية، وزراعة القوقعة، التي تحسّن نوعية حياة الأفراد ذوي الإعاقات السمعية.
وعلاوة على ذلك، فإن دراسة الخصائص النفسية للإدراك الصوتي تفتح آفاقاً لفهم كيفية تفسير الدماغ للمؤثرات الصوتية، وتأثيرها على الحالة النفسية والسلوكية للأفراد. ويشمل ذلك دراسة الظواهر مثل التمييز بين الأصوات، إدراك النغم والإيقاع، وتأثير الصوت على المزاج والتركيز.
ومن هنا، يتضح أن الصوت ليس مجرد ظاهرة فيزيائية محضة، بل هو عنصر متعدد الأبعاد يمتد تأثيره إلى جوانب حياتية وثقافية ونفسية متعددة، مما يجعل دراسته مجالاً حيوياً متجدداً يتطلب التعاون بين مختلف التخصصات العلمية والإنسانية.
كما أن للتقنيات الحديثة دورًا بارزًا في تطوير معالجة الإشارات الصوتية، حيث تتيح خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تحليل الأنماط الصوتية بشكل أعمق وأكثر دقة، مما يفتح آفاقًا جديدة لتطبيقات مثل التعرف على الكلام، تحويل النص إلى صوت، وتحليل المشاعر الصوتية. هذه التقنيات تعزز من قدرة الأجهزة على التفاعل مع الإنسان بطريقة طبيعية وأكثر سلاسة، وهو ما يمثل ثورة في مجالات الحوسبة التفاعلية والاتصالات.
من ناحية أخرى، يمثل الحفاظ على جودة الصوت والتقليل من الضوضاء والتشويش تحديًا رئيسيًا في مجالات البث والإنتاج الصوتي، حيث تتطلب بيئات العمل الحديثة استخدام تقنيات متقدمة لمعالجة الصوت بهدف تحسين التجربة السمعية للمستخدمين في مختلف الظروف.
وبهذا الصدد، أصبح من الضروري دراسة العوامل البيئية والاجتماعية التي تؤثر على استخدام الصوت، مثل التلوث السمعي وأثره على الصحة العامة، وكذلك تأثيرات البيئة الصوتية في أماكن العمل والمدارس على الأداء والإنتاجية.
ختامًا، إن الصوت باعتباره ظاهرة فيزيائية وإنسانية وثقافية يستدعي دراسة شاملة تجمع بين العلوم الطبيعية، الهندسية، والاجتماعية، مما يتيح تطوير فهم متكامل يساعد في تحسين التطبيقات العملية وتطوير التقنيات المستقبلية التي تعزز من جودة الحياة والتواصل بين البشر.
وعلاوة على ذلك، تُعد البحوث المتقدمة في مجال الصوت من المحاور الأساسية التي تسهم في تطوير تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، حيث يلعب الصوت دورًا حيويًا في خلق بيئات افتراضية غامرة تتيح للمستخدمين تجربة تفاعلية متكاملة تعتمد على المحاكاة الحسية الكاملة. هذا التطور يعزز من فرص الابتكار في مجالات متعددة مثل التعليم الإلكتروني، الترفيه، والرعاية الصحية.
كما أن فهم خصائص الصوت وطبيعته الفيزيائية يمكن أن يُسهم في تطوير أنظمة ذكية لتحليل الصوتيات، تساعد في الكشف المبكر عن الأمراض من خلال تحليل الصوت البشري، مثل اضطرابات الكلام وأمراض الجهاز التنفسي، ما يمثل نقلة نوعية في المجال الطبي والوقائي.
ومن الجانب الثقافي، فإن دراسة الصوت تتجاوز حدود العلوم التقنية لتشمل البحوث الاجتماعية والأنثروبولوجية، حيث يُنظر إلى الصوت كوسيلة تعبير أساسية تعكس الهوية الثقافية والتقاليد المجتمعية، ما يتيح فهماً أعمق للاتصالات بين الشعوب وتأثيرات العولمة على اللغات واللهجات المختلفة.
في النهاية، يتضح أن الصوت يشكل محورًا متعدد التخصصات، يتطلب تعاونًا بين الباحثين في مجالات الفيزياء، الهندسة، الطب، العلوم الاجتماعية والإنسانية، وذلك من أجل تطوير استراتيجيات فعالة تواكب التطورات التقنية وتحقق الاستفادة القصوى من إمكانيات الصوت في خدمة الإنسان والمجتمع.
وفي سياق التطورات الحديثة، لا يمكن إغفال الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة وفهم الصوت. فقد أدت خوارزميات التعلم العميق إلى تحسينات كبيرة في مجالات التعرف على الصوت وتحويله إلى نص، مما ساهم في تطوير نظم الترجمة الفورية والمساعدات الرقمية الذكية، بالإضافة إلى تعزيز قدرات أنظمة التحكم الصوتي في الأجهزة المختلفة.
كما ساهمت هذه التقنيات في تطوير برامج لتحليل المشاعر عبر الصوت، والتي تجد تطبيقاتها في مجالات الأمن، التسويق، والصحة النفسية، حيث يمكن استنتاج الحالة النفسية للفرد بناءً على نمط الصوت ونبرته. هذه التطورات تؤكد أن الصوت ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل هو أداة تحليلية يمكن من خلالها فهم أعمق للسلوك البشري.
على صعيد البنية التحتية، يشهد العالم تطورًا مستمرًا في أنظمة الاتصالات الصوتية، مع التركيز على تحسين جودة الصوت وتقليل التشويش والضوضاء، بما يضمن تجربة سمعية أكثر وضوحًا وفاعلية في مكالمات الصوت والفيديو عبر الإنترنت، وهو أمر بالغ الأهمية في عصر الاعتماد الكبير على التواصل الرقمي.
وأخيرًا، تتطلب الدراسات المستقبلية في مجال الصوت تبني منهجيات بحثية متكاملة تجمع بين النظرية والتطبيق، مع التركيز على الأخلاقيات المرتبطة باستخدام الصوتيات، خصوصًا في ظل تزايد استخدام تقنيات التسجيل والتحليل الصوتي، والتي قد تثير تحديات متعلقة بالخصوصية وحقوق الأفراد.
البحث التحليلي في تاريخ الموسيقى في الإسلام
تُعدُّ معرفة الموسيقى من العلوم المعقدة في عصرنا الحالي. كما أن أرسطو قد توصّل إلى اكتشاف القواعد المنطقية من خلال تدقيقه في علاقات الكلام والكتابة بين الناس، فقد تشكّل علم الموسيقى وأدواته والأجهزة والمقامات الموسيقية عبر دراسة وتأمل الحكماء. إن الأجهزة والمقامات والنغمات الموسيقية مستمدة من الطبيعة واللهجات، ومع مرور الزمن تطوّرت حتى أصبحت معاصرة ومعقدة، ومن العدل أن نعتبر علم الموسيقى اليوم من أكثر العلوم الإنسانية تطورًا.
الموسيقى هي علم الصوت والنغم، سواءً نشأ الصوت من النفس، أو من الآلات، أو من الموسيقى الجميلة للطبيعة. إن صوت خرير الماء اللطيف، وأنغام البلبل الساحرة والمُسكرة، وأنين الريح الحزين بين أشجار الأرز، وبرودة نسيم الصباح ورقته، كلها تمتلك موسيقى خاصة بها. يمكننا الاستماع إلى أنين الريح الحزين وأوراق الأشجار لتلطيف النفس وجلب السكينة للأعصاب. كما يمكن، مثلما هو الحال مع استغلال أجهزة الموسيقى والأصوات كسمّ قاتل في يد قوى الاستكبار، أن يُستخدم الصوت والموسيقى بأدوات ناعمة لخداع الإنسان واستعباده.
صوت الوحي والصوت الربوبي من أسرار الوجود، فالصوت حقيقة مدهشة لم يستطع الإنسان بعد إدراك حقيقتها أو تعلمها من الأنبياء عليهم السلام، الذين استغلوا الصوت لتنقية القلب وممارسة الحب الإلهي.
للأسف، عبر التاريخ، أدى قلة اهتمام أهل الحق بالسياسة أو سذاجة الجماهير إلى تمكين أهل الباطل من قيادة كثير من الأمور. اليوم، الاقتصاد والسياسة والموسيقى وغيرها من الأدوات في يد الأعداء، بينما المسلمون عُزلوا وفقدوا كثيرًا من زمام الأمور. الأجانب يصدون الدين لكنهم يستخدمونه في الدعاية، ويتصدّرون المشهد السياسي، حتى ينسى الناس معاني الكلمات عندما يبتعد أهل الحق. لذلك، أصبحت السياسة مرادفة للمكر والخداع.
عندما تُسلب السياسة من أولياء الله، لا يُنتظر إلا هذا الوضع. كما أن الحب عندما يُفقد من يوسف، يجب البحث عنه في قصص ليلى ومجنون، وشيرين وفرهاد. كذلك الأمر في الموسيقى؛ الصوت الذي كان يمكن أن يكون سجاديًا أو داووديًا وقع في يد الأراذل الذين سيطروا عليه حتى يصعب تحريره منهم. هذه المآسي تجعل البحث الموسيقي مع منهج فقهي ضرورة ملحة في حاضرنا.
موضوع الموسيقى من القضايا التي غابت عن الحوزات العلمية مئات السنين، ولم يُظهر العلماء اهتمامًا كافيًا، مما أدى إلى تطرفات في النظرة، مع غياب البحث الشامل المنسجم. أُجريت دراسات قليلة، غالبًا ما كانت غير واضحة ولا تعكس معرفة موسيقية عميقة، مع التركيز على الجانب اللفظي والمفاهيمي فقط. خاصة وأن الغناء والموسيقى لم تخلُ يومًا من تدخل السياسة والسياسيين. بعض العلماء تجنبوا الموضوع كليًا تقديسًا، وآخرون تعرّضوا للاتهامات دون أدلة من مجرد دراستهم لهذا العلم.
الغناء والموسيقى المتعلقة بالنفس البشرية، لا تنفع أولياء الله الكماليين الذين يسيرون في عوالم فوق النفس، فترانيمهم تختلف، ولهذا لا يستخدم الأولياء هذه الأدوات، بينما يحتاج العاديون إلى المنشطات النفسية لتحقيق التوازن.
الاعتدال مطلوب في استخدام الموسيقى، فالإفراط يضعف النفس ويجعلها حساسة وضعيفة، كاليد التي خرجت حديثًا من الحمام. العزف المستمر يجعل العازف حساسًا وانهزاميًا، لا يتحمل النقد ويتأثر بأي موقف سلبي.
الموسيقى يمكن أن تقرب الإنسان من الحق أو تبعده عنه، والتفريق بين النوعين وفق بيان الشرع، فالشرع يبيّن كل ما يقربنا من الجنة ويبعدنا عن النار، والغناء له وجهان. بعض علماء النفس يرون الموسيقى تزيد الكفاءة، تطرد الحزن، تجلب النشاط، تخلص الإنسان من العزلة، تطيل العمر وتهدئ الأعصاب، لكنها ليست حكمًا مطلقًا.
بينما يرى آخرون أن الغناء والموسيقى مادة مفسدة تجلب الخيانة، الذنوب، الضعف الإرادي والعصبي. كلا الرأيين نسبي وغير مطلق، ويجب التفريق بين الأحوال والأشخاص. الكتب التي تعد الموسيقى فقط منفعة أو ضررًا تفتقر إلى العلمية، وغالبًا ما تكون تعصبية وجهوية.
لا يمكن إصدار حكم شامل ونهائي على الغناء والموسيقى، بل يتوقف ذلك على الشخص والكمية والظرف. الحكم الشرعي معقد ويستلزم معرفة عميقة، والمجتهد يجب أن يدرس عدة علوم ويضع هذه المعارف في إطار مِلَكةٍ قدسية.
ضرورة معرفة تاريخ الموسيقى
لا نسعى في هذا الكتاب لإصدار حكم شرعي على الغناء والموسيقى، بل نؤكد أن معرفة الحكم تستلزم دراسة التاريخ والموضوع بدقة للوصول إلى السبب في تحليله أو تحريمه. كثير من الأدباء والفلاسفة والعرفاء اعتبروا الموسيقى حلالًا من باب تلذذ النفس، بينما الفقهاء ردّوا ذلك بغضب.
الاطلاع على التاريخ ضروري لأن معظم الآراء متأثرة بالسياسة، غير مبنية على أدلة شرعية واضحة، وقد فرضت أحكام ثابتة لا تقبل التغيير. الفقيه لا يمكنه إصدار فتوى سليمة إلا بعد دراسة تطور موضوع الموسيقى عبر الزمن.
في صدر الإسلام، خلفاء بني أمية وبني العباس استغلوا الموسيقى والغناء والرقص لإلهاء الناس، وأهل الحق كانوا مضطرين للتقية وعدم إقامة مجالس. هذه المجالس كانت في يد أعداء الحق، واستخدموها لإضعافهم. النصوص التي تنهى عن الغناء بشدة تعكس سوء استغلاله من قبل الطغاة.
الخلفاء الجائرون حافظوا على حكمهم عبر إلهاء الناس ومشغلتهم عن التفكير في الأمور الدينية والسياسية.
فهم التاريخ الموسيقي يساعد على التمييز بين موقف الدين الثابت وموقفه الظرفي، ويمنح الإمكانية للمسلمين الشيعة في ظل النظام الإسلامي لبناء ثقافة موسيقية متطورة ومتوازنة خلال القرن القادم.
الموسيقى والأمويون
كان الأمويون، الذين ترسخت جذور حكمهم منذ ولاية عثمان، قد حولوا نظام الخلافة رسميًا إلى ملكية، وأصبح معاوية مؤسس أول مملكة عربية. كان سلاطين الأمويين يحبون مجالس الترف والتمتع بالحياة، وكانوا يدعمون المنشدين والعوديين والمطربين.
في عهد الأمويين، بنى المسلمون، على غرار كبار فارس والروم، قصورًا فخمة، وغاصوا في اللهو والفساد، وتفاعل العرب مع الفرس والروم الذين كانوا يسمونهم الموالي. وقد علموهم أسلوب الحياة الفاخرة والاستمتاع بالنعيم، وكانت الموسيقى البزمية من تعاليمهم للعرب. الحياة الحضرية المريحة التي حظي بها العرب بعد فتح فارس وغيرها من البلاد، وما جلبوه من غنائم كثيرة، وكثرة الجواري الفرس والروم اللواتي كنّ يتقنّ الغناء والرقص، جعلتهم يشتاقون لسماع العود والغناء والانغماس في اللهو والسرور. وكان الذين يعرفون العزف والغناء يقتربون من البلاط ويحتلون مكانة عالية بين الخلفاء والأمراء ورفاقهم.
ومع تعرّف سلاطين الأمويين على الموسيقى، قضوا معظم أوقاتهم في اللهو واللعب والراحة وسماع الألحان والغناء، متجاهلين العديد من أحكام الشريعة الإسلامية. أدت شغف الأمويين الشديد بالترف واللهو إلى فتح المجال أمام الموسيقيين والرامشين من فارس والروم لدخول دائرة الحكم الإسلامي، وانتشر استخدام الآلات الموسيقية مثل القِرْبَة (العود)، التنبور، والقيثارة في الثقافة الإسلامية.
في عهد الأمويين، الذي امتد قرابة قرن من الزمن، سعى الأمويون إلى تغيير ثقافة محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وخاصة الإمام علي عليه السلام، فشنوا دعاية كبيرة ضد أهل بيت النبي والإمام علي، حتى انقسم المسلمون بين مؤيد ومعارض، وقتل الإمام علي عليه السلام. كما قُتل الإمام الحسن عليه السلام مسمومًا بأمر الأمويين، ومنعوا دفنه بجانب قبر النبي صلى الله عليه وآله، لنشر الإيحاء بأنه ابتعد عن منهج النبي. وكان يقودهم عائشة، التي كانت في زمن النبي مشرفة على الصناع الإيرانيين الذين يصنعون السيوف للمسلمين. وعائشة تُعتبر العقل المدبر لانقلاب سقيفة، وكان الخلفاء الثلاثة يتعلمون منها. لو لم تكن عقيمة، لوصل ولدها إلى الخلافة. وعقيمتها كانت سبب كراهيتها للسيدة فاطمة عليها السلام والإمام علي عليه السلام، الذين هما حسب القرآن الكريم “كوثر” النبي وأصل نسله، مما زرع في قلبها الحقد والكراهية. أبو بكر وعمر وصلا إلى الخلافة بدعم منها، ولا تزال أهل السنة في السعودية يجلون عائشة أكثر من الخلفاء.
أما يزيد، وهو من أشقى سلاطين الأمويين، فقد قتل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه عطاشى وقام بأسر أهل بيته، وداس جثث شهداء كربلاء بأقدام خيوله، ومنع دفن الجثث الممزقة. كما قتل الأمويون الإمام السجاد والإمام الباقر عليهما السلام. عاش الإمام السجاد في عزلة مع عشرين من الأنصار فقط، ولم يكن له إلا الدعاء. في تلك الفترة، حُظر قراءة حديث النبي صلى الله عليه وآله.
الغناء عند العرب
أول من اقتبس من الموسيقى الإيرانية والرومانية من العرب كان الزرخري المكي “سعيد بن مسجح”، الذي كان يتمتع بصوت حسن ويحب الموسيقى. عاش في أواخر القرن الأول الهجري، أثناء حصار الأمويين لمكة في عهد عبد الله بن الزبير. كان ينظم الأغاني الإيرانية والرومانية على ذوق العرب. ثم سعى الموسيقيون المسلمون إلى تطوير هذا الفن، فكلما ازداد الترف والمرح في أواخر الدولة الأموية ووسط العباسية، ازدهرت الموسيقى.
كان الغناؤون، الذين يسمون “مغنيين”، رجالاً ونساءً يشاركون في حفلات الزواج والأفراح أو العزاء، يغنون بما يتناسب مع أجواء المجلس. أشهرهم “عيسى بن عبد الله” المعروف بـ”طويس” من العبيد المحررين.
الدولة العباسية والموسيقى
في عهد الخلفاء العباسيين، استندت الموسيقى الإسلامية إلى قواعد الموسيقى الإيرانية، وحلت ألحان ومقامات الموسيقى الفارسية، التي تم تنسيقها مع الذوق العربي، محل الموسيقى العربية القديمة. ومن أشهر موسيقيي القرون الأولى بعد الإسلام في إيران، أولئك الذين عاشوا في بلاط الخلافة العباسية في بغداد أو في أراضيها، وكانوا غالبًا من دراري الخلفاء وندمائهم وأقارب وأتباع الدولة العباسية، مثل إبراهيم بن مهان الموصلي، وأحفاد إسحاق وحماد وزلزلي.
في زمن الصراع بين الأمويين والمنصور الدوانيقي، استغل الإمام الصادق عليه السلام فرصة انحسار التهديدات لتعليم أتباعه بعض العلوم وأحكام الدين، وذكر فوائد الغناء والطرب وبيح بعض أوجه كسب بعض المغنين والعازفين.
في تلك الفترة، وردت أحاديث من الإمام الكاظم عليه السلام تحرم الغناء والموسيقى. كان هارون الرشيد من أشدّ العياشان، وكان لديه غلامان جميلان من أبنائه يُدعون مثلّي وابن جامة وسهما وزلزلي وغزال وبَرسوما، وكان يستمتع باختلاطهم بالفتيات. وكان هارون يستخدم لقب “أمير المؤمنين” الذي أطلقه على نفسه في أفعال فاحشة، مما شوه هذا اللقب المقدس. وكان لديه غلام يُدعى “سوسن” وكان يغني له، لكنه ترك الغناء بعد أن اقترف معه فعلًا مشينًا.
تُظهر هذه الروايات مدى الفساد الأخلاقي لسلاطين العباسيين ودواوينهم، فكيف يمكن توقع أن يبيح أئمة الشيعة عليهم السلام الغناء والموسيقى؟
بلغت الموسيقى العربية أوجها في عهد المأمون، الذي نسب أحيانًا للامام الرضا عليه السلام فتوى تجيز الغناء زورًا، خوفًا من نفوذ الإمام وأتباعه. فلذلك احتجز الإمام في بلاطه، ورعى الفلسفة اليونانية، وراسل كتبها المترجمة للعربية لتلهي المسلمين عن سماع صوت المعصومين. انتشرت الآلات والأغاني في عهود الأمويين والعباسيين تحت سيطرة قوى الاستعمار الفكري. ومثال ذلك فتوى تحريم التبغ في عصر ميرزا شيرازي، حيث اعتُبر التبغ أداة استعمارية، وهكذا لو أصبحت الصلاة أو القرآن أدوات استعمار، يكون استعمالها محرّمًا كما في معركة صفين حين استُغل القرآن.
إذا أردنا أن نذكر من بين سلاطين الظلم من عرف فضائل أئمة الشيعة وعرف “صاحب الولاية” حق المعرفة، فنجد معاوية والمأمون فقط، وإن كان عمر وعاص أعلم بمعاوية، لكنهما تلميذاه. ابن أبي العوجاء كان من أعداء الإمام الصادق عليهم السلام.
إذا اقتصرت الولاء والولاية على الصراخ والتطبير وارتداء الأسود ناقصًا من غير إدراك معرفي، ستستمر غربتها ومهجوريتها.
في زمن الأئمة المعصومين كانت غربتهم في أقصى درجاتها، واضطروا إلى التقيّة، حتى إن شخصًا شتم الإمام علي عليه السلام في المسجد أمام الجميع ولم يردّ، مجسدًا صبره العظيم. بعد مذبحة كربلاء لم يعرف أهل البيت عليهم السلام فرحًا، ولو كتب محب شعراً في فضائلهم كان كأنه يلعب بدمه. القمع والاستبداد لم يترك مجالاً للفرح أو مجالس الغناء عند الشيعة. وفي زمن الإمام السجاد عليه السلام كان من العيب أن يذكر اسم الفرح، بل كانوا دائمًا في حداد كربلاء، ولا يزال ختم مجالس الفرح عند الشيعة بالروضات والنوح على الإمام الحسين عليه السلام. وقال العلماء: أليس أعداء الولاية قد حرموا على الشيعة الفرح؟
ازدادت غربت الأئمة حتى جاءت الغيبة الصغرى والكبرى حفاظًا على آخر الأئمة الحجة عليه السلام. ولا يدرك القارئ حقيقة الأمر إلا إذا عايش الظروف.
لذلك لا بد من إعادة قراءة مظلومية أهل البيت عليهم السلام لفهم سبب عدم ظهور “فرحة دينية” حقيقية حتى الآن. وأهم ما يجب التنبيه إليه هو أن الاستماع لصوت جبهة الباطل والاعتقاد بالحكام الظالمين محرّم، وهو ما سنتناول في الفصل الأخير من هذا الكتاب.
ممر التاريخ الضيق
كانت فترة الإمامة التي دامت ستة أشهر للإمام الحسن عليه السلام ممرًا ضيقًا في مسار التاريخ. فقد بيّن عليه السلام عمليًا كيف يجب تجاوز الفواصل والصراعات القادمة، وتهيئة الأرضية لكشف وجه الباطل. في هذه الفترة، أظهر الباطل وجهه المزور ودهاءه الخبيث، لكن ليس إلى درجة إلغاء أي غموض في هويته، إذ في الفترة الرابعة ظهر وجه الباطل بأكمله، حتى الأشخاص السذج في ذلك الزمن تعرفوا على حقيقة الخواص المنافقة التي كانت ترتدي لباس الدين، بحيث لم يبقَ أي غموض في معرفة حقيقتهم لدى المجتمع.
في الفترة الخامسة، ركز الأئمة المعصومون عليهم السلام هدفهم الأساسي على إحداث تحول ثقافي ومعرفي في الإسلام، وشرح الأفكار السامية ضمن حدود واضحة، بشكل عملي وفي فترة طويلة، فبعدوا كل غموض عن الفهم الحقيقي للإسلام في زمانهم أو في زمن الغيبة.
الولاية؛ ممر الاختبار
إن دراسة هذه الفترات الخمس والمواقف التي اتخذها خواص ذلك الزمان تجاه أصحاب الولاية عليهم السلام تُظهر بوضوح كم يمكن أن يكون المرء مؤمنًا ويسجد لله، ولكنه عند اختبار التجربة الحقيقية وتحليل صاحب الولاية الواقعي، ينكر الحق والطريق الذي يسلكه صاحب الولاية وأسلوب حياة جبهة الحق، ويخسر نفسه ومخزوناته الإيمانية الظاهرة في الباطل ويفصل طريقه عن طريق المعصوم. وقد تجلى هذا بوضوح في أحداث سقيفة بني ساعدة، وجمع، ونهروان، وصفين، ومعارضي صلح الإمام الحسن عليه السلام، ومن لم ينضم إلى الإمام الحسين عليه السلام. ومن بين هؤلاء، أظهر معارضو صلح الإمام الحسن عليه السلام، وهم غالبًا من بقايا نهروانيي صفين، عداءً لا نهاية له، وقاموا بإهانة الإمام والترويج له بوصفه «مذل المؤمنين». هؤلاء لم يكونوا يملكون قدرة على تحليل الصلح ولا كانوا رجال حرب وتضحية واستشهاد، بل كان دافعهم الوحيد هو العناد النفسي. وحين يأتي ممر الاختبار، يصبح الحصول على إيمان كامل وطاعة تامة والتزام راسخ أمرًا نادرًا إلى درجة السكوت عنه وعدم الإفصاح.
وجوه الباطل المتظاهرة بالحق
كشف أمير المؤمنين عليه السلام في زمانه عن ثلاث وجوه للباطل كانت تدعي الحق: القاسطون، والناكسون، والمارقون. وفي زمن الغيبة، متى ما سمح الله لأحد أوليائه بإظهار علمه، يقف هؤلاء الثلاثة ـ بتمويههم للحق ـ في مواجهة ذلك الحق الإلهي.
- القاسطون هم الفاسدون المتساهلون، الباحثون عن ملذات الدنيا والسلطة لأجل الرفاهية الدنيوية، لا يبالون بالدين ولو تظاهروا به.
- الناكسون رغم كونهم كبارًا وخواص أهل الدين، يطوفون حول المال ويطالبون بحقوقهم المالية كي يطمئنوا، وإلا يرفعون صيحات «وا إسلاما» ويكسرون عهود الدين. عندما يحكم الفاسدون، يعطون هؤلاء الناكسين حقهم.
- المارقون الخارجون عن الدين يحتلون موقعًا خاصًا ويُعرفون بقداستهم المزيفة، وهم أكبر مشكلة لأهل الحق لأن جهلهم الديني يتخذ هيئة ادعاء فهم الدين. هؤلاء هم المتزمتون المتشددون الذين يهاجمون الحق وأصحاب الولاية تحت أغطية دينية، ويرفعون التهديد بالتكفير والتفسيق دائمًا، ويعتبرون من يصلي في مسجدهم داخلًا في الدين، ومن لا يصلي خارجه.
أحد أبرز أمثلة المتزمتين كانوا في جبهة ابن زياد الذين، باسم الدين واتباع خليفة المسلمين الذي يعتقدون أنه يزيد، وصفوا الإمام الحسين عليه السلام بأنه خارِج عن الدين، وأن محاربته واجبة شرعًا. وشمر، الذي كان يردد الأحاديث من على المنبر، استند إلى هذا التبرير وحضر إلى كربلاء.
المرققون هم وجوه دينية بسيطة وجهلاء، متعصّبون ومتقدسون بلا مضمون، يركزون على المظاهر ويعملون قليلاً على التأمل والتفكير. لا يعرفون من الدين إلا الظاهر، ويفضلونه على كل شيء، حتى على صاحب الدين وأصحاب الولاية. هم من يبدون علماء ظاهريين يسيرون فقط وراء أهوائهم القشرية، ويتميزون بالعناد والاستبداد بالرأي، ولا يتقبلون آراء الآخرين، ويتسمون بالكبرياء الشديد.
الفاسدون بارعون في التزوير بمختلف أشكاله (الحيلة، الخديعة، الرياء، النفاق) واستخدام القوة والمال والمكر بحيث يدهش الخبراء والمختصون في التفريق بين الحق والباطل. سياسة هؤلاء الدائمة هي التساهل الديني وابتكار بدع باسم المصلحة لتعزيز جبهتهم ضد الحق. وهم يستغلون عناوين الدين الظاهرية بصرامة بحيث إن يزيد نفسه لا يتردد في أن يُعلن خليفة المسلمين بلا حياء، ويقتل الإمام الحسين عليه السلام للحفاظ على هذا اللقب. ويدعم الفاسدون ماليًا مجموعتي الناكسين والمرققين، ويمنحون وجوههم البارزة دورًا سياسيًا، بحيث لا يمكن لفاسد أن يسيطر في مكان إلا إذا دعم الناكسين والمرققين لمواجهة الحق. في البداية، يتراجع الفاسدون ليدفعوا هذين الفريقين إلى المواجهة مع جبهة الحق، حيث يرفعون صرخات «وا إسلاما» و«وا حق» ضد الحق. ويتستر الفاسدون الماكرون والمنافقون خلف هذه الفرق.
كيف يمكن أن لا يكون هؤلاء الثلاثة شيطانيين وباطلين، مع أن عليًا عليه السلام كان بينهم ولم يفارق الحق؟ لكنهم لم يتبعوه. وما أجمل هذا القول: «إذا تولى شخص حكم الناس مع وجود أعلم منه في حل مشاكلهم الدينية والدنيوية، فهو فاقد للولاية والهيبة الدينية، وضال ومبدع في الدين»؛ إلا أن المظاهر الدينية والسطحية للناكسين والمرققين، وسيطرة القاسطين، تجعل حتى لو كان الإمام علي عليه السلام بينهم، يشك الناس في حقانيته، ويقولون: كيف يكون من بيننا علماء مثل طلحة والزبير، وشخصية مقدسة كعائشة في جبهة الباطل؟ كان حب الدنيا والسلطة مسيطرًا على طلحة والزبير، وكانا يريان أن عليًا عليه السلام ليس رجل ظلم يهيئ الدنيا للناس بظلمه.
وقد قال علي عليه السلام:
«لو بقيت الليالي على أشواك سعدان مستيقظًا، أو حُبِسْتُ في الأغلال والقيود، أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة وقد ظلمت بعض عباده، أو اغتصبت شيئًا من أموال الدنيا. كيف أظلم أحدًا من أجل جسد يندثر سريعًا، ويظل طويلاً في التراب. والله لقد رأيت عقيل أخي وهو فقير حتى طلب مني من منّ قمحنا (البيت المال). رأيت أولاده مقطعي الشعر وجوههم مغيرة اللون من الجوع، وكأن وجوههم مدهونة بالنيل. وكرر الطلب فأرهبتُه بالحديد الساخن حتى آلمته، فقلت له: اقرئي النساء عليك البكاء! وتتألم من حديد ساخن جعلته لعبًا، وأنت تجرّني إلى نار الله الجبار بألسنة الغضب. كيف تألمت وأما أنا فلا؟»
تعامل الإمام علي عليه السلام مع الخوارج، وهم أسوأ أعدائه المتعصبين، كما مع بقية الناس دون تمييز. لم يقطع عنهم من بيت المال، وكان لهم حرية كاملة في التعبير عن آرائهم. كان بعضهم يثير الفوضى أثناء خطب الإمام في المسجد، وكان الإمام يعفو عنهم. لم يكن الخوارج يصلون في جماعة الإمام لأنه كان يُعتبر كافرًا عندهم. في إحدى المرات، أثناء الصلاة الجماعية، رفع «ابن الكواء» صوته ليمسّ بشخصية الإمام، وقرأ آية (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ… الآية) ليرد الإمام بهدوء، وكان يطلب منهم السماع والإنصات. وبعد عدة تكرار، قرأ الإمام في الصلاة آية (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ…) ردا عليه.
انقطاع الباطل وتبدل الوجوه
تسود في كل مرة من سيطرة إحدى المجموعات الثلاثة من الباطلين على السلطة السياسية وإدارة المجتمع نتيجة مشتركة، وهي أن هؤلاء بسبب ضعفهم الداخلي وشعورهم بالدونية والاعتماد على الباطل، لا يستطيعون الحفاظ على استقلاليتهم وعظمتهم واستمرارهم. فهم يعانون من حقارة طبيعية تمنعهم من تحمل سلطة صاحب الولاية، فيقومون بعزله بإثارة الضجيج واستخدام أدوات تؤجج مشاعر الجمهور، ومن أهم هذه الأدوات الموسيقى.
العظمة الإلهية والحقانية لأصحاب الولاية تكشف صغر وهوان وجوه الباطل الصاخبة، وتبين للجميع أن شركاء جرم الأعمال السيئة في المجتمع، بل الأسباب الأساسية لانحراف المجتمعات الدينية وضعف الحياة، هم وجوه الباطل وقادتها المتكبرون. الباطل بطبيعته مقطوع، لا يستمر، بخلاف الحق الذي له وجه مستمر وكوثر، وتاريخه ممتد بلا انقطاع. الجماهير تتأثر بمشاعرها، فتكون مع الحق أو الباطل، وتأثيرهم في موازين القوة يعتمد على هذا الانحياز، ويسعى الباطلون إلى إثارة شهوات الناس وأهوائهم ليجعلوهم مع مجموعتهم، مستخدمين الموسيقى والغناء كأدوات فعالة.
الحق والباطل يظهران دائمًا في أشخاص شجعان أو ذوي خبرة، لا في مجموعات كبيرة، فالجماهير أدوارها بسيطة، يعيشون حياتهم اليومية دون التفكر في أمر الخلاص والسعادة الحقيقية.
أهل الحق هم تيار مستمر، أما الباطل فهو منقطع وأبتر، لا يمتد عبر الأجيال. لا يمكن رؤية جيل ثابت من أتباع الباطل كما في أجيال الأول من بني أمية أو بني عباس، بينما الحق يمتد عبر أنبيائه ومنابتهم حتى اليوم.
أيضًا، من خصائص الظلم والفساد أنه يقود إلى هلاكه الذاتي، إذ يهيئ للحرية داخله أو بجانبه. أصحاب الولاية يبقون مع الناس، لأن الدين جاء لهدايتهم ونجاتهم، وأصحاب الولاية هم الحق، وأما الباطل إذا تسلط على الأمور، فإنه يتعارض مع صاحب…
ولاية الحق ستأتي؛ لأنّه دائمًا هذا قانونٌ ثابتٌ أنّ الفرد الضعيف الأساس، الذي يرى السلطة والقوة عظيمتين، لا يستطيع تحمل أصحاب الولاية؛ لأن عظمة روح هؤلاء الوجوه العظماء للحق لا ترى إلا الحق عظيمًا، وهم في ترسيخ أسس فكر الناس مجتهدون، ويقوّونهم كالفولاذ ليكونوا لا ينظرون إلى الباطل فحسب، بل يقومون بمواجهته.
انقلاب سقيفة؛ عبرةٌ من حياة عصر الغيبة
إنّ الإسلام كلّه يقوم على ركنين، وهما وجهان لعملة واحدة من حقيقة واحدة: القرآن الكريم وأصحاب الأئمة الأربعة عشر عليهم السلام. القرآن الكريم وشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هما بيان الإسلام وميزانه، وحضرة علي عليه السلام هو الفصل الخطاب والصراط المستقيم والقسيم بين الجنة والنار، وميزان معرفة الكفر والإيمان والدليل الثابت له. في زمن الغيبة، يجب أخذ العبرة من حادثة سقيفة المشؤومة، والسعي لعدم الوقوع في فخ الجهالة والضلال، والوقوف على جانب الباطل سواءً عن قصد أو عن غير قصد. إنّ انحراف المسلمين عن مسار الإسلام الحقيقي، المتمثل في ارتباطهم بأصحاب الولاية في جميع شؤون الحياة، كان كارثةً بالغة الضرر للبشرية؛ بحيث أصبحت جذور جميع مفاسد العصر الحاضر والمستقبل. ترك المسلمون الحق بسهولة، وصاروا سندًا للباطل وقوة للضلال وظلام الانحراف، وقادوا أنفسهم من أعلى درجات العزة إلى أدنى درجات الذل، حتى اليوم يعاني أكثر دول ما يسمى بالإسلام من هذه الخيبة والانحراف.
بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اغتصب الخلافة من لا وجهة علمية أو عملية لهم بين المسلمين، بل كانت لديهم سوابق سلبية كثيرة، والعجيب أن غالبية المسلمين قبلوا بهم ورفضوا قبول الحق بسهولة. لو كان أمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أشخاص بارزون حقًا، لكان من المقبول أن يكونوا أكثر المسلمين على فهم صحيح للوضع السياسي، وإنما كان الخلاف فقط على المصاديق الفضيلة، ولكن الذين تحالفوا ضد علي عليه السلام وشرعوا في المؤامرة والانقلاب لم يكن لهم مكانة فضيلة في نظر الناس، وكانت عزيمتهم ضعيفة، وعملهم مليء بالعنف والرياء، وهو أمر معروف للجميع. هؤلاء هم الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله جهارًا، لأنهم خالفوا أمره، ولم يكن كفرهم أمرًا مستورًا.
النظام الظالم والقاسي لخلفاء الجور
الإسلام، الذي بنى برئاسة رسول الله صلى الله عليه وآله وجه الصدق العام والاحترام لحقوق جميع البشر والرحمة الاجتماعية، ضاع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيادة أشخاص من جبهة الباطل الذين استبدوا، فأصبح النظام ظالمًا وقاسيًا ومهدًا للظلم والاعتداء. كانوا ظالمين إلى حدّ أنهم شمروا السيف على أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله، وتعاملوا مع سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام بأقسى وأقبح صورة لا يمكن للقلم أن يصفها، حتى إنّ قبرها ووقت ميلادها ووفاتها مجهولان، رغم أنها حقيقة كاملة ومثل أعلى من كنز الله الخفي. أحد المشكلات الكبرى في باب الولاية هي فاطمة الزهراء عليها السلام، فلا تكتمل ولاية أحد دون معرفتها والتعرف عليها.**
من يغضب الله من بغضها ويرضى من رضاها، فكيف يقبل جبهة الكفر والنفاق والإلحاد، التي تدّعي الدين زورًا وبهتانًا، أن تهاجمها بهذا العداء العجيب؟ وكيف تقتل محسنها وهو نورها المبارك؟! أي دين هذا الذي يوافق هذه الكفر والإلحاد والعداء، ويرتكب كل الظلم والعدوان؟ إنّ مثل هؤلاء الذين يدعون الدين ليسوا إلا دجالين يخفون باطنهم الباطل وراء المظاهر. وفاطمة الزهراء عليها السلام بقتلها فضحت وجوه الباطل حتى للمغفلين والهوسويين.
يجب أن نعلم أن جبهة الباطل، لأنها تفتقد للصدق، لا تظهر جرائمها ونهبها واعتداءاتها على أموال وأعراض وأوضاع الناس إلا نادرًا، ولا يعرفها إلا عدد قليل، وفي النهاية إما تُخفى أو تبقى محصورة في دائرة ضيقة، ثم تخضع للرقابة أو المحو، أو تبقى ناقصة في صفحات التاريخ بدون قضاء أو شهود. لا يمكن الحصول على معلومات دقيقة عن الوضع الحقيقي لحاكم الباطل خلال فترة حياته وسلطته، ويمكن فقط بمقارنة ماضي كل جماعة معرفة وضع الحاكم الحالي إلى حد ما. جرائم وظلم الحكام الظالمين، مع الرقابة على الإعلام، لا يمكن كشفها إلا بعد زوالهم. بعد موتهم، لا يبقى سوى النواح واللعن في محكمة التاريخ، بدون وجود المتهم والجاني، إذا بقيت وثائق أو أخبار محفوظة من تلك الحقبة.
حكم القوة والسيف والجهل البدعي
المؤامرين المنافقين في سقيفة، قبضوا على شخصية القوة والشجاعة أمير المؤمنين عليه السلام برقة ومظلومية، وفي ذات الوقت أجبروه بضرب وابنة رسول الله عليها السلام حرق منزلها، ثم أخذوه إلى المسجد ليجبره على مبايعة خليفة مزيف. الإسلام الذي كان يومًا حقيقة وعقلانية، خرج من الميدان بقيادة هؤلاء، وحل محله حكم السيف والجهل والبدع والنفاق. هذه المواجهة تظهر الجوهر الخبيث لهؤلاء القادة الضعفاء، وأوج مظلومية أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه. منذ ذلك الحين، كان السيف هو الحكم، والمزاج الشخصي الذي يحمل اسم حجية اجتهاد الصحابة والخلفاء، دمر ثقافة الإسلام.**
حقد عائشة على أهل الولاية
عائشة قبلت الزواج من رسول الله صلى الله عليه وآله لكي تنجب منه ولدًا يكون خليفته، لكنها اكتشفت بعد الزواج عقمها، وكان هذا أكبر عقدة في نفسها. كانت تغار وتغضب حين ترى أن فاطمة عليها السلام لها حسن وحسين ومحسن، وأن العصمة مستمرة في أهل البيت عليهم السلام. وبسبب هذا الحقد، عادت عائشة تهادن علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام والحسن عليه السلام، وعملت سرا على إثارة العداء ضدهم.**
بمساعدة عمر وأبو بكر، جاءت إلى بيت فاطمة عليها السلام، فأحرقوا بابها، وأخذوا علي عليه السلام إلى المسجد وربطوا الحبل حول عنقه. وصل الأمر إلى أن علي عليه السلام غضب بشدة وأمسك بعمر من أنفه ورقبته، فكان يريد قتله، لكنه امتنع خوفًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. هذا هو السبب الذي جعلوا الحبل حول عنق علي عليه السلام، لأنه كان يلتزم بعهد النبي صلى الله عليه وآله، ولم يعد ذلك البطل الشجاع الذي يقطع رؤوس الأعداء.
عندما قالوا لعلي عليه السلام: «بايع»، ردّ: «وإن لم أبايع، ماذا تفعلون؟» فأجابوه: «نقتلك». لم يبايع علي عليه السلام، بل كان الخليفة من يبايع عنده، ولم يستطع أحد فتح يده المضمومة، فمسح أبو بكر يده على يد علي عليه السلام. إنّ عليًا هو غيرته على الحق، ولا يرضى بالباطل، ولا يهادن الظالمين.
عائشة استغلت مجموعة المؤامرين في سقيفة لتظهر بغضها لفاطمة عليها السلام، وأرسلت رجالًا أقوياء ليأتوا إلى بيتها. عندما لم يجدوا خطرًا، انطلق قنفذ مع عمر ليطالب بفتح الباب، فرفضت فاطمة عليهم السلام وقالت: «ليس لنا شأن بكم، فما شأنكم بنا؟». فأصروا على فتح الباب، وهددوا بحرق البيت، وأحاطوه بالحطب وأشعلوا النار فيه، وخرقوا الباب ودخلوا البيت، الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جاء إليه، يسلم عليه.
وكانت فاطمة عليها السلام، دُردانة النبي، التي كان النبي يعتني بها حبًا، ويقول: «لا تركضوا وراء فاطمة، فإنها تتعرق وتبرد». وكانت تقول: «فاطمتي لا أم لها»، وكان النبي يحميها برقة وعاطفة. فجاء صراخها: «يا ابتا، يا رسول الله!» لكنّ هؤلاء الأشرار ضربوا يدها المباركة بالسيف والعصا، وكانت تقول: «يا رسول الله! يا أبتا! يا أبتا!» ثم صرخت: «يا فضّة، قتلوا محسنًا!»
سياسة المظلومية البطولية والكشف
تعامل أمير المؤمنين عليه السلام مع جبهة المؤامرة المنافقة في سقيفة، التي تحمل لون الدين ورفيق النبي صلى الله عليه وآله، كان عبر سياسة المظلومية البطولية، وهي سياسة فريدة وابتكارية من عصمة وعلم وعقل في ذلك الظرف الصعب والوحدة القاسية. لقد بيّن الحق بطريقة واضحة، وأنهم جبهة ظلم وقوة وباطل، وحارب انحرافهم، وفي الوقت ذاته، حمى المظهر الظاهري للإسلام من التفتت والانهيار، وتحمل كل الأذى من المغفلين والجاهلين. كان أمير المؤمنين عليه السلام، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، كالأم التي سُلب ولدها من الذئب، يجب أن يظهر الحنكة والصبر وضبط النفس. وبفضل هذه السياسة، بقي الإسلام الحقيقي منفصلًا ومتميزًا عن الإسلام الظاهري إلى اليوم.**
عندما أُجبر على البيعة في المسجد، قال بأدب وهدوء: «إذا لم أبايع هنا، ماذا تفعلون بي؟» فأجابه أحد قادة المؤامرة: «نقتلك بخزي وذل». من كان شجاعًا يومها ليقول ذلك أمام أمير المؤمنين عليه السلام، الذي بالأمس رفع صوته «بخّ بخّ يا عليّ، أصبحت مولى لكل مؤمن ومؤمنة»؟ كيف يقبل المجتمع الإسلامي أن يُربط عنق ذاك القطب العظيم، قطب دائرة الوجود، بيد تُجرّ، ولا يفعل شيئًا؟ هل كان احتمال هذا الحبل أثقل من كل المعارك؟ هل لم يكن علي عليه السلام هو المنتصر الحقيقي في هذه الحرب الظاهرة الخاسرة، والذي يستطيع إذلال الكفر والشرك والنفاق؟ إنّ علي والحبل وحرق البيت، ذلك الغضب والغيرة وهذا الصبر! لا أعرف، أو لا أستطيع أن أعرف، أو القلم عاجز عن الوصف، فلا أحد يستطيع سماع هذا، فلندع الأمر ونتجاوز.
بهذه السياسة، أصبح أمير المؤمنين عليه السلام، في وحدته وعزلته الشديدة، سبب استمرار الإسلام الحقيقي، بحيث أن اليوم هو الوجه المعترف به للإسلام الحقيقي، والمعيار والميزان لمعرفة الإسلام الزائف والمنحرف.
في الإسلام، يوجد منافقون شيطانيون وعداوات شريرة تحمل بغضًا للحق وأهله، ولا يتوانون عن فعل كل خبث وخيانة في مواجهتهم. يرون خسارتهم في الدنيا والآخرة، لكنهم يصرون على العناد والتمرد ضد صاحب الولاية. هؤلاء المنافقون الذين يقفون ضد صاحب الولاية ويدعون القيادة، يظهرون علنًا أفعالهم الاعتقادية والعملية المنحرفة، وهذه هي حكمة الله الأزلية التي تثبت مدى الولي، وبهذا يظهر الحق والباطل من البداية، وهذه الظاهرة تمهد لانهيار الباطل واندثاره.
القيادة والهجوم على جوهر الدين في الوقت المناسب، يتم تنفيذه لمنع هذا التيار من الانتعاش الحقيقي. وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا السر في الخلوة لعلي عليه السلام، ليكون هداية دائمة لسالكين الحق في أزمنة الغيبة المليئة بالمخاطر.
رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان بداية مظلومية الإمام علي عليه السلام وبداية المحن التي عاشها خلال ثلاثين سنة؛ حيث واجه جماعة معادية تحمل كراهية شديدة وكان ناصروه من القليل القليل، فيما كان معظم الناس سطحيي الفهم ومأسورين بأهوائهم النفسية الذين قبلوا الإسلام شكليًا فقط. هذه العوامل الثلاثة جعلت من الشخص الذي يُقال عنه “سلوني” وهو أعلم بطرق السماء من طرق الأرض، وأعرف بطرق الأرض من السماء، ولا فرق عنده بين السماء والأرض، أن يُقصى ويُغترب ويُهمش حتى صار يختبئ في الحفر ويتحدث معها ويقول “علما جمّا”. كان يشكو من جور الزمان ويعيش بألمٍ في القلب وجرح في العين.
قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «أنا بالتنزيل وعلي بالتأويل». وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله هو البيان، وعلي عليه السلام هو المِيزان. فقد جاء النبي بتنظيم الهيكل الاجتماعي للإسلام وجمع المسلمين، في حين أن علي عليه السلام كان يصقل النفوس المؤمنة، ويختبر موازين الفكر والعمل، ويكشف الباطن ويُظهر حقيقة الإخلاص للجميع، ليكشف عن وجوه الكفار الذين يتخذون المظاهر الزائفة ويتسترون، ويكشف خداعهم ونفاقهم حتى لا يختبئ الذئاب وراء جلود الحمل.
وعلى الرغم من آلامه العميقة وأحزانه التي لا تُحصى، والتي وصلت إلى أن قال في لحظة شهادته: «فزت ورب الكعبة»، إلا أن منهج حياته ودعوته للإسلام الحقيقي كانت طريقًا لتثبيت الموازين الصحيحة للإنسانية والانتصار.
أعداء الحق في السقيفة لم يدركوا أن علياً عليه السلام كان يكشف نفاقهم بصمته، فكان كالصاعقة التي تنير ادعاءاتهم الباطلة، ويعلم أهل الزمان كيف يواجهون جبهات الباطل، وكيف يقاومون كل تزييف وتزوير، ويرسم بلباس التحقيق كل المصطلحات العلمية والعملية في السياسة والمجتمع، ويمحو المظاهر الزائفة والأوجه المموهة.
ومع كل ذلك، فقد الإمام علي عليه السلام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ومحسنها في سبيل إحقاق الحق. وكان دفاعه قويًا ومقتدرًا، حتى أن أعداءه، رغم تزييفهم وريائهم، لم يرحموا حقه وأظهروا فسادهم وأذيتهم للعامة، فبات واضحًا للجميع أن نفاقهم ومطامعهم الدنيوية هي سبب ضلالهم.
دور بساطة الناس في سيادة الباطل
تغلُّب الإسلام الظاهري بقيادة حكام جائرين على الإسلام الحقيقي بقيادة أهل الولاية الحقة كان بسبب بساطة وفهم الناس السطحي. مثال واضح على ذلك أن الإمام علياً عليه السلام بعد دفن النبي صلى الله عليه وآله جاء إلى المسجد مستعجلاً، وشرح للناس حقه وفضائله، وأخذ منهم الإقرار، ثم سألهم: “لماذا تبايعون أبا بكر وتتركون الحق؟” فأجابوه: “يا علي، كلامك صحيح ونحن نعلم ذلك، لكنك جئت متأخرًا لو كنت حضرت في وقت أبكر لبايعناك”. هذا هو مستوى الفهم عند الناس آنذاك.
وعندما أخبر سلمان الإمام علياً عليه السلام بموضوع البيعة لأبي بكر، سأله الإمام: “هل تعرف من أول من بايع؟” فأجابه سلمان أنه رأى شيخًا بكاءً قال: “الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك”، ثم بايع أبو بكر، فرد الإمام: “ذلك كان شيطانًا فرحًا بغفلة الأمة”.
وهكذا ضلّت الأمة، وضعف أصحاب النفوس الضعيفة، وأصبح الجبناء الجاحدون جريئين في مواجهة الإمام، بل صاروا يهددونه بالقتل إن لم يبايع، وعندما عرض الإمام الحجة والحُجج، قال عمر: “بائع وتخل عن هذه الأباطيل”.
التحقق من الأمر
حينما اغتصب المتآمرون حق الإمام علي عليه السلام في القيادة، أكمل الإمام الحجة للجميع، حتى لأصحاب النفاق، فذهب في الليل مع فاطمة عليها السلام وحسن وحسين عليهما السلام إلى بيوت المهاجرين والأنصار يشرح حقه، ولم يقف معه إلا أربع وأربعون فقط. وأمرهم أن يستعدوا للقيام، فأقبل منهم ثلاث، ثم عمار تأخر، ثم في الصباح لم يحضر إلا أربعة.
كرر الأمر ثلاث ليالٍ، وظل العدد كما هو، مما أوجع قلبه وقال: “لعن الله من ضيعني ولعن الله أقوامًا بايعوني ثم خذلوني”.
كانوا: سلمان وأبوذر ومقداد وعمار هم الثابتون، والباقون غابوا.
من القبول الشعبي إلى مواجهة خواص هواهم وجهلهم
بعد 25 سنة من العزلة والغرباء، تولى الإمام علي عليه السلام القيادة بناء على طلب الناس، لكنه عانى من خواصٍ إما فاسدين دُنياويين أو طامعين أو جاهلين، حتى استشهد على يد ابن ملجم. وظل قبره مخفياً حتى زمن الإمام الصادق عليه السلام.
وقد ثبت أن الأئمة المعصومين لم يسعوا للسلطة بالقوة أو السيف، بل كانوا مع الناس ليتمموا عليهم الحجج. قال الإمام علي عليه السلام بعد مقتل عثمان: “لو لم يجتمع الناس ويؤيدوني لما قبلت الخلافة ولو كنت أمرًا بها بالقوة”.
وبهذا يظهر أن الإمام لم يكن يقبل الخلافة إلا بقبول الناس، ولم يكن يريدها بالقهر، لأن الدين جاء ليحيي الناس لا ليقتلهم.
سياسة العنف والقمع
استغل معاوية بعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام الفرصة وغير سياسته في التعامل مع الشيعة من سياسة التهدئة إلى سياسة العنف والقمع. كان معاوية، منذ بداية حكمه وحتى وفاة عائشة، يحظى بدعمٍ كامل من أم المؤمنين.
خلال السبع سنوات التي عاشها بعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام، مارس معاوية كل ما بوسعه من جور وظلم على أصدقاء أمير المؤمنين عليه السلام.
عندما دخل معاوية مع يزيد، ابنه الأشد خبثًا منه، مكة، تجاهلهم الناس ولم يكرموهم، مما أحبط معاوية. لقد غضب من هذا التجاهل ومن الخطاب الناري لقيس الذي جعل سلالة معاوية تشعر بالخزي أمام فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ودعم الناس لأهل البيت عليهم السلام، فأصدر أمرًا بعدم ذكر فضائل علي عليه السلام. وكل من يذكرها أو لا يبرأ منه، يكون ماله ونفسه ونسله مهدورين ومبعدين عن الأمان. ونُشر هذا الأمر في جميع الأقاليم.
كما أصدر أوامر عامة بأن يلعن الخطباء على المنابر عليًا وأولاده وينتقدوهم بكل ما يشاءون. في زمنه، أصبحت محبة علي وأولاده جريمة لا تغتفر، وكل من يحمل هذه المحبة أو حتى يُحتمل ذلك يجب أن يُسجن أو يُقتل أو تُدمّر بيته وتُستعبد أسرته. كان هدف معاوية من هذه السياسة أن يُمحى الشيعة من الوجود.
كل من وقع تحت غضبه قُتل أو أُسر أو اضطر إلى الاختفاء. بالمقابل، نال أصدقاء معاوية كل أشكال الرعاية والامتيازات، وجذبوا إليه العامة الذين لا ثبات لهم.
في هذه الأجواء، بدأ البعض في اختلاق أحاديث وتمجيد أتباع معاوية الذين اعتُبروا أكثر كفرًا من الكفار، بينما أصبح أصدقاء علي عليه السلام يُنظر إليهم بازدراء شديد. وانتشرت ظاهرة تغني أتباع السلاطين بالدنيا مقابل تمجيد معاوية وآل سفیان، وصار الكلام عن فضائل علي عليه السلام ممنوعًا بالقانون.
وصل الأمر إلى أن الناس خافوا حتى تسمية أولادهم باسم علي، وإذا فهم أحد الحقائق لم يكن يجرؤ على التعبير عنها. وهكذا، شُوّهت صورة علي عليه السلام واعتُبر الإمام الحسين عليه السلام خارجًا عن الدين، واستُعد الناس لقتاله.
في الكوفة، حيث كان محبو علي أكثر، مارس يزيد بن أبیه ظلمًا شديدًا، وقتل وحبس ومثل بالسجناء، حتى لم يبقَ من محبي الإمام إلا القليل إما مسجونًا أو مقتولًا أو هاربًا. كان أمر معاوية دائمًا أن تُذكر فضائله وتُلعن آل علي، وكل من يخالف يُعاقب بشدة.
ضرورة الثورة ضد الظلم المنهجي والظاهر
استمرت سياسة القمع والعدوان على الشيعة سبع سنوات حتى عام 57 هـ، فترسخت في المجتمع الإسلامي فدُمرت مقومات الدين والولاية والإمامة، وتحولت الخلافة إلى حكم ملكي جائر يشبه ملوك الفرس. فبدلًا من أن يكون الحكم دينيًا عادلاً، صار ظلماً وجبروتاً.
في مثل هذه الأنظمة، يخفت صوت الدين، وتنتفي الصدق والحق، ويعم الفساد، ويضعف المجتمع. في هذه الظروف، لا تنفع سياسة التقية أو التساهل، بل لا بد من الثورة والتضحية بالدم والروح لإزالة هذا الظلم.
وهكذا نهض الإمام الحسين عليه السلام عام 57 هـ، بعد فترة من الهدوء النسبي، إلى مكة، وجمع الأنصار وقبائل قريش وبني هاشم، وبيّن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وضرورة نصرة الحق.
توفي معاوية عام 60 هـ، لكنه أسس سلسلة ظلم أعادها يزيد ابنه.
حكم يزيد الظالم
بعد وفاة معاوية، سعى يزيد لتثبيت حكمه، خاصة بين كبار القبائل، وكان نظره مركّزًا على الإمام الحسين عليه السلام. قال الإمام عليه السلام: «إذا خلا يزيد بالخلافة فودعوا الإسلام وفاتحوا عليه».
في المدينة، أمر يزيد واليها وليد بن عتبة بممارسة الضغط على الإمام الحسين عليه السلام، مما اضطره إلى الهجرة. خرج الإمام من المدينة مع أهل بيته وأصحابه إلى مكة، حيث كان الحزن يعمّ أهل المدينة.
بعد وصوله مكة، بدأ الإمام حركة سياسية واجتماعية لإظهار الحقائق وكشف زيف الحكم.
تردد الكوفيين
وصلت إلى الإمام الحسين عليه السلام آلاف الدعوات من أهل الكوفة، وأرسل مسلم بن عقیل لتثبيت البيعة هناك، فتلقى البيعة من نحو 18 ألف شخص. لكن يزيد أرسل عبيد الله بن زیاد الذي قضى على حركة مسلم وقتله، وأعاد السيطرة إلى يزيد.
حفظ قدسية الكعبة
في ذي الحجة، أراد الإمام الحسين أداء فريضة الحج، لكن والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص حاول اعتقاله. حفاظًا على حرمة الكعبة، أتمّ الإمام عمرته بدلًا من الحج، وألقى خطبة بين فيها الحقائق، ثم خرج من مكة.
في طريقه إلى العراق، ترك الإمام من لم يثبت معه، وبقي معه فقط الذين صدقوا وقاموا بالواجب.
عاشوراء؛ ساحة الظهور الواضح للحق والباطل
في يوم عاشوراء، اجتمع الحق والباطل في معركة تاريخية. ارتكب أعداء الحق أبشع الجرائم بحق الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، وقُتل وذُبح وسُلب كل ما يخصه. هذه الواقعة رسخت في الذاكرة الإنسانية ملحمة التضحية والوفاء، وكشفت الوجه الحقيقي للظالمين.
قالوا لابو عمرو: فهاجم أولئك الأوغاد خيام الحسين عليه السلام، وهاجموا النساء والأطفال المكلومين، ونهبوا كل ما وجدوه من مال وأمتعة. والذين لم يجرؤوا على الاقتراب من الجثث، استغلوا هذا الوقت للنهب، فلم يتركوا شيئاً من الملابس والفرش والخيول والجمال، حتى أنهم نزعوا بساط الإمام السجاد عليه السلام بعد أن أُجبر على التنازل عن الشهادة – بمشيئة الله – وسرقوه. هؤلاء الجهلة الكافرون أذاقوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقصى درجات الظلم والإهانة، حتى إن عمر بن سعد أمر بوقف التعذيب والنهب، لكنه بعد ذلك أباح لأتباعه مواصلة الاعتداء على جثث شهداء كربلاء ودهسهم بأرجل الخيل، مما زاد من سقوط تلك الزهور المنثورة، وأظهر قسوة لا تقبلها حتى قلوب قاسية كابن زياد. وقد أمر المختار بربط أيدي وأرجل هؤلاء بالسلاسل الحديدية على الأرض، وأمر بدوس أجسادهم النجسة تحت أقدام الخيل حتى قتلوا. وفي ذات اليوم، أمر ابن سعد اللعين بإحراق خيام أولاد الحسين عليه السلام، وأسر أهل البيت بلا أي احترام أو تعزية، مكشوفي الوجوه، ومركبين على الإبل بدون سرج.
(80)
مروا بالإمام السجاد عليه السلام مقيّدًا بالأغلال والسلاسل بجانب موقع استشهاد الشهداء. لقد أحرقوا صرح العدالة بكامله. هذه اليتامة، والغربة، والفراق، والانفصال كانت استثنائية لا تتكرر. أما مسيرة أسرى كربلاء التي رافقها الإيذاء والمهانة، ودورانهم في المدن والطرقات، مع فرح بعض الناس وإقامة الاحتفالات، فكان أمراً مؤلماً وعسيراً على عائلة عظيمة ونبيلة، ولا يمكن لأحد أن يتحمل حجم هذا المصاب، وما وصلنا منه هو القليل فقط.
نصر الحق بانكشاف زيف وجوه الباطل
قام الإمام السجاد عليه السلام والسيدة زينب عليها السلام بكشف جرائم النظام الظالم، وأطلعوا الناس بأقوالهم وأفعالهم على الحقائق، حتى فقد يزيد وابن زياد وقوى الباطل كل ماء الوجه، وصار الناس يلعنونهم ويكبرون عليهم. دم الحسين عليه السلام، ونشر الحق بطريقة صحيحة، قضى على ضجيج الباطل وأفشله، وفتح الطريق على الاستسلام والاحترام الظاهري من قبل أعدائه. بعد الهزيمة السياسية وفقدان الهيبة الاجتماعية، اضطر يزيد لاحترام القافلة الإلهية، وأرسلها تحت حماية ثلاثين رجلاً بقيادة نعمان بن بشير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعد تلبية مطالب الإمام السجاد عليه السلام، نحو المدينة المنورة. وأخيراً، تحطمت كل مكائد النظام الأموي الباطل، وانتصر الحق بانكشاف وجه الباطل.
(81)
وصلت قافلة أهل بيت الحسين عليه السلام إلى المدينة حزينة مكلومة، وأثارت دموع سكان المدينة. أصبحت المدينة مهد الحزن، وأسرة الحسين شمعة هذا الحزن العظيم. وبعد اطلاع الناس على عمق جرائم يزيد الظالم، بدأوا يتخلون تدريجياً عن دعمه ويعارضونه. وبعد سنوات، قضى المختار على مرتكبي جريمة كربلاء ونالوا عقابهم في الدنيا. وكان قيام كربلاء سبباً في نمو المذهب الشيعي ونظام الإمامة.
كانت واقعة كربلاء بالنسبة لكل إنسان حرّ مدهشة ومعبرة، ولها قداسة خاصة لكل المجتمعات. قداسة قيام سيد الشهداء عليه السلام هي قداسة ذاتية وحقيقية، وليست ناشئة عن تعصب شيعي. رغم أن الشيعة ينظرون إلى ملحمة الحسين بشغف عاطفي، إلا أن هناك منطقاً وحقيقة كامنة في هذا الحدث تعطيه قداسة حقيقية. هذه القداسة تولد دوماً الحماس والدفء، ولن تبرد أبداً حتى يحضر صاحب الدم، الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويقيم الحق. هذه العاطفة والدافع باقيان، وبقاؤهما منطق وطبيعة. كربلاء تحمل بعداً عاطفياً لأن الإمام مظلوم جداً ويجب الإعلان عن مظلوميته، ولها بعد حقيقي لأنها مسألة حق وعدالة. قداسة كربلاء تنبع من حب نقي وطاهر هو أصلها.
(82)
أكثر من أي شيء، عرف قيام كربلاء البشرية الظلم والطغيان والقادة الكذابين وصيادي البشر، وجعل المجتمعات حساسة تجاه ذلك. الإمام الحسين عليه السلام هو تجسيد للمظلومية وأسطورة مقاومة الظلم. في الوقت الحالي، يحاول كل ظالم إخفاء ظلمه، بل والأغرب أنه يحاول الظهور بمظهر المظلوم. كره الناس اللامحدود للظلم يأتي من معرفتهم المستمدة من واقعة كربلاء، ومن هنا يحاولون كشف وجه الباطل وعدم الوقوف إلى جانب الظالمين.
صحيفة السجاد؛ معيار محاربة وجوه الباطل
رغم عدم بعد الإمام السجاد عليه السلام عن الأحداث، وعدم ارتباطه بالأحزاب السياسية، إلا أن خواص الشيعة حافظوا على علاقة ولاية وثقافة وعلم معه. صحيفة السجاد، التي تسمى زبور آل محمد، تحتوي على أعلى القيم المعرفية، وتشرح منهج العصمة والإمامة، وأسلوب الحياة الفردية والاجتماعية، وكيفية التعامل مع الطواغيت، وتشكل نوراً مشعاً لعصر الغيبة، ومعياراً دقيقاً لمعرفة القادة الكاذبين والصيادين، حتى لا ينخدع الشيعة في أوقات الخطر. قادة الباطل لا يملكون صدقاً، وأفعالهم تؤدي إلى الخراب بدلاً من الخير، وكلامهم مجرد لفاظة ولا يزيد إلا في النزاع والفتنة. قادة الباطل لا يستطيعون المواجهة العلمية مع أهل الحق، لذا يعتمدون على الضجيج وإثارة العواطف.
(83)
فخاخ الألقاب الإلهية وبرمجيات الباطل لصيد الناس
دراسة أحداث السقيفة، ودعاية معاوية السلبية، وواقعة كربلاء خلال خمسين عاماً، تثير ألم كل إنسان حر وتجعله يشك في الحكم السائد، ليبحث عن الحق. الباطل في ماضيه القاسي تجاه أعظم رجال الحق يبرهن أنه مستعد لكل خيانة ودموية لتحقيق سلطته، وينشر الأوساخ في المجتمع ليمنع الوصول إلى أهل البيت. المعصومون لم يقيموا ثورات، ولم يسمحوا بها، لكنهم لم ينفصلوا عن الناس ليكونوا حجّة عليهم. لم يهادنوا الطغاة، بل شهدوا للشهادة.
(84)
مذهب الانتظار
كانوا يؤكدون على «الانتظار» أكثر من «القيام» أو «الثورة المسلحة». بعد انتهاء الغيبة، وخاصة لظهور الإمام القائم، يتحقق الحكم الإلهي الكامل. خلال الغيبة الطويلة يجب أن يكون الانتظار عملاً نشطاً بالعلم والجهاد الروحي، حتى تكون الأرضية مهيأة للقيامة. الانتظار ليس خمولاً، بل هو جهاد أكبر في النضال ضد النفس والإعداد لنشر الوعي.
(85)
الغيبة ليست قانوناً أزلياً، بل سببها جهل البشر وفساد المنافقين. يجب محاربتها بالعلم والاجتهاد. الانتظار مدرسة الصبر والذكاء واليقظة والجهاد الأكبر، بينما القتال هو الجهاد الأصغر إذا تحقق فيه الصدق. مذهب الانتظار يتطلب رجالاً عارفين بالواجب والأعداء، قادرين على معرفة الحق ومحاربة الباطل، ويحملون مسؤولية دينية كبيرة.
(86)
الإنسان، بحرية إرادته، يصنع ذكريات مؤلمة وحلوة، وهذه الذكريات مهمة لأنها تشكل هويته الأبدية. ذكريات أحداث السقيفة وما بعدها كانت مؤلمة، حتى يأتي عصر الظهور المبارك، الذي ننتظره بفارغ الصبر.
ركوب موجة الباطل والغيبة وغربة الحق
في هذا العنوان سردنا ذكريات تاريخ صدر الإسلام وأحداثه المؤلمة. هذه الذكريات، رغم مرارتها، تُظهر واقعاً هاماً في التاريخ الإسلامي.
(89)
الإسلام هو الثقافة الخالدة للتشيع، وهو الخريطة التي تحدد طريق الفكر والعمل للإنسان في عصر الغيبة. ولكن الذكرى المُرة والعبرة من ذلك تكمن في أنه إذا استطاعت جبهة الباطل والذئاب البشرية ذوات القدمين، والصيادون للبشر، أن يلعبوا دور الحق ويظهروا بمظهر الصدق والنقاء في حياة الناس، فإن الوجوه الإلهية والشخصيات النبيلة والهوّيات البارزة ذات السلطان الكوني والروحانية الملكوتية والقرب الإلهي لن تظهر، بل ستُهمش وتُبعد، وستظل الوجوه النقية وحيدة وغريبة وبلا نصير. هذه الهيمنة للباطل وركوبه على الموج تجعل ميدان الحقيقة مظلماً بحيث يشك الإنسان في كل ما يسمعه من الحقيقة، ويغدو شاكاً في كل خير يُطرح، لأن كل هذه الأضواء الزائفة تُرتّبها أصحاب المال والقوة والتمويه. فقط جبهة الباطل هي التي تلعب دور الصدق والنقاء للحفاظ على سوقها، مُظهرة الرياء والزينة الكاذبة. هذا الدور الأسود، رغم فاعليته على السذج، يؤلم المتألمين الواعيين ويجرح لوح ضمير الحقيقة. القرآن الكريم والصوت الموسيقي
انتشار الغناء والموسيقى في زمن الجاهلية كان مرتبطًا بشرب الخمر والقمار والرقص، وهذه الأمور كانت تمثل ثقافة العرب في ذلك الحين. جاء الإسلام ليحارب هذه العادات السيئة التي كانت متشابكة بحيث لم يكن بالإمكان فصلها، وبصفة خاصة العادة السيئة في شرب الخمر، فاختار الإسلام سياسة تدريجية في مواجهتها حتى نجح في الحد منها.
في ذلك الزمان، لم يكن هناك استخدام مشروع للغناء والموسيقى، فلم يكن هناك مزمار يُعزف إلا في سياق الذنوب والمعاصي. لقد حكم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدينته لعشر سنوات، لكنه كان في حالة قتال مستمر وغربة، كما أن جو الحرب في المدينة واستشهاد كثير من أعوانه، الذين كانوا من خواص أصحابه، لم يسمح له بأن يكرس وقتًا لتبيين الغناء والموسيقى الحلال، بل كانت الموسيقى الحربية فقط هي التي استطاعت أن تظهر وتخدم الدين في ذلك الوقت.
انتشار القمار والخمر والغناء والموسيقى في ذلك الزمن وتأثيرها العميق على ثقافة العرب كان مثل انتشار الربا في معاملاتنا اليوم. الربا متغلغل في نسيج الاقتصاد لدرجة أن الفقيه إذا تشدد في تحريمه والناس تبعوه، قد يؤدي ذلك إلى شلل اقتصادي.
ومع ذلك، كانت مواجهة هذه الظواهر تتطلب مقاومة شديدة ضد هذه الثقافة الفاسدة، إذ كان النفوذ العميق لهذه الموبقات في نفسية العرب يجعل من المستحيل الحديث حتى عن الحالات المباحة منها، لأن مجرد ذكر الحلال كان يدفعهم بسرعة إلى المحرمات. لذا، فإن مراعاة الزمان والمكان والظروف عند إصدار الأحكام وتنفيذها لها دور كبير في فهم طبيعة تلك الأحكام، ولا يجوز تجاهل ذلك.
ومن الروايات التي تبين أن نظام الخلافة الجائر في عهد الأئمة المعصومين عليهم السلام صنع الغناء صوتًا مميزًا لجبهة الباطل لهدم الدين الحق، ما يلي:
«سئل الإمام الرضا عليه السلام عن الغناء فقال له: قال الخليفة العباسي (المأمون) عنك أنك أجازته، فقال الإمام: ذلك الزنديق كذب، لم أقل ذلك. سئل الإمام عن الغناء، فقلت له: جاء رجل إلى الإمام الباقر عليه السلام فسأله عن الغناء، فقال له: يا فلان، الله سبحانه قد بين الحق من الباطل، فالغناء مع أيهما؟ قال الرجل: مع الباطل. فقال الإمام: أنت حكمت بنفسك.»
تُظهر هذه الرواية أن الإمام الرضا عليه السلام استنكر تهمة المأمون التي نسبها إليه، وأكد أن الغناء المعروف آنذاك كان من الباطل. إن قول الإمام الباقر عليه السلام بأن الغناء مع الباطل يعكس أن الغناء في تلك الحقبة كان ممزوجًا بالفجور والفساد، وهو ما يجعل الحكم عليه واضحًا ومعلومًا.
وقد كان نظام الحكم آنذاك يضيق على الأئمة المعصومين عليهم السلام بحيث لم يسمح لهم بالتحدث صراحة عن الغناء والموسيقى الحلال، وكانوا يستخدمون الإشارة واللمح في توصيل الحقائق. كما أن الظروف الاجتماعية والسياسية لم تكن تسمح بتحقيق بحث معمق في الموضوعات المتعلقة بالغناء والموسيقى، فكان الأئمة يقتصرون على البيان الواقعي للأحكام دون تعمق فلسفي أو تنظيري.
ولذا، فإن الحكم على الغناء والموسيقى في تلك الفترة كان واضحًا من خلال الإشارة إلى الباطل، ولم يُعلن بالتحريم الصريح، وذلك حفاظًا على النفس والتقليل من استفزاز السلطة الجائرة.
ومن جهة أخرى، فإنّ الإمام الرضا عليه السلام لم يحرّم الغناء بشكل صريح، بل اكتفى بنقل رواية الإمام الباقر عليه السلام التي تبيّن ارتباط الغناء بالباطل، مما يدلّ على أن حكم الغناء في زمانهم كان معلومًا لدى الجميع، ولم يكن بحاجة إلى تفصيل. وهذا أيضاً يعكس ظروف الاضطهاد والتضييق التي عاشها الأئمة عليهم السلام، والتي حالت دون التعبير الصريح عن الأحكام الشرعية في موضوع الغناء والموسيقى.
وقد أُشير في النص إلى أن الخلفاء الأمويين والعباسيين استغلوا كل شيء، من النكات، الشعر، الموسيقى، والرقص، بل وأحياناً القرآن الكريم، لخدمة بقاء حكمهم السياسي. فالقرآن نفسه، الذي هو أعظم نص ديني، استُعمل ضد الدين في بعض المناسبات من قبل أعداء الحق، كما حصل في عهد الإمام علي عليه السلام حينما رفع أعداؤه القرآن على الرماح واحتفظوا به كرمز سياسي، مما أدى إلى الكثير من المعاناة لأهل البيت عليهم السلام.
وعلى هذا الأساس، فإنّ المنع من الغناء والموسيقى لم يكن منعاً عن الترفيه أو الجمال الفني، بل كان تصدياً لوسائل استُخدمت في تثبيت حكم الظلم والفساد ومحاربة الدين الحق.
كما توجد أحاديث ناهت عن الشعر في بعض مواضعها، خصوصًا إذا كان هذا الشعر يحمل مضامين باطلة أو جاهلية، أو يستخدم في مدح حكام جائرين، بحيث يصبح أداة للدعاية ضد الدين وللبيع بالدنيا. ولكن إذا كان الشاعر يستخدم شعره لنشر رسالة الإسلام، والتوحيد، والعدل، فإن ذلك يختلف تمامًا.
توسيع القيم النبيلة: الإنصاف، والشجاعة، والطهارة
كان من المعتاد تشجيع أولئك الذين ينشرون قيم الإنصاف، والشجاعة، والطهارة. فرزدق يعد نموذجاً من هؤلاء الشعراء الذين وضعوا موهبتهم الشعرية الرحيمة في خدمة نشر ثقافة أهل البيت عليهم السلام، مكرّمينهم بأشعارهم. وفي المقابل، كان هناك من يبيعون أنفسهم مقابل المال، يمدحون حكم الأمويين أو العباسيين، فيصبحون صوت الباطل، ولا يتورعون عن الانغماس في الخمر وغيرها من الذنوب. وأكبر ذنبهم كان أنهم خدموا جبهة الباطل والظلم، وكانوا معادين للولاية.
الشعر، شأنه شأن الغناء والموسيقى، له نوعان: الحلال والحرام. والأحاديث التي تذم الشعر أو الغناء والموسيقى تتعلق بالفئة الثانية من هؤلاء. لذلك، لا يجوز التمسك بتلك الأحاديث على إطلاقها. يجب على المتدينين أن يكونوا ذوي لغة معبرة ولا يحرموا أنفسهم من الوسائل الحلال مثل الغناء والموسيقى، حتى لا يصبح صوتهم عاجزاً وخافتاً. حالياً، تركوا المجال للعدو والمعارضة، حيث تستغل قوى الاستكبار والمعارضة دعمها للمطربين، لا سيما المطربات المعارضات، فالساحة الثقافية في البلاد أصبحت محلّاً للسخرية، وهؤلاء أصبحوا قوات الهجوم الأولى على الثقافة الدينية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال مفهوم “الفرح الديني” غائباً في مجتمعنا، ولم يتبلور بعد هويته. فلا يشعر الناس في مجتمعنا بالفرح الديني الحقيقي، ولهذا كثير من الشباب ينجذبون بسهولة إلى المحفزات الخادعة للبهجة الزائفة.
من جهة أخرى، تتعرض الحوزات العلمية والكثير من المتدينين لاتهام بالجمود، ولذا يجب أن يبدأوا الآن في التفكير بتصميم وظائف مناسبة لإنتاج الفرح الديني بأنواعه المختلفة، بما في ذلك الغناء والموسيقى، بحيث يكون هناك تنوع في وسائل إحياء النشاط الديني، ويمكن تقديمها حتى لغير المسلمين ودعوتهم لتجربتها.
حالياً، يظهر على الحوزات والعلماء والمتدينين تعبير كئيب وبائس، ولا يُرى إلا في مجالس العزاء، وكأن حضور روحاني أو مؤمن في مجالس الفرح التي تُراعى فيها الحدود الشرعية هو أمر محرم. لكن هذا غير صحيح. المجتمع تعود على البكاء لدرجة أن العروس تودع بيت أبيها بالبكاء. لا ننكر البكاء، ولكن يجب أن يكون للبكاء والفرح مكانهما الخاص، ويجب أن يتم التعامل معهما بعدالة وتنظيم، مع تحريم أن يكونا مصدراً للذنوب.
عند صدور الأحاديث التي تذم الغناء والموسيقى، كان الغناء المحرم والموالد الليلية منتشراً، وقليل ما كان يُستخدم من الغناء الحلال. ولهذا، كان من يحمل آلات الموسيقى كالعود والمزمار يُنسب إلى أصحاب المعاصي والفساد، والذين خدموا حكم الخلفاء الجائرين في جبهة الباطل، ولم يكن هناك فرصة لمن يعتنق ولاية أهل البيت أن يكون له صوت أو أن يبرز فنه في خدمة ولاية أهل البيت عليهم السلام. كما أن كبار الشعراء العرب قلة منهم من أظهر ولاءه لأهل البيت، والتاريخ لا يعرف إلا أمثلة نادرة مثل فرزدق وطاووس اليماني والسيدة الهمدانية.
امتلاك آلات الموسيقى آنذاك كان كامتلاك جهاز اتصال أو رمز للانتماء للنظام الحاكم. لذلك، كان أهل الحق والولاية يبتعدون عن هذه الآلات حفاظاً على نقاوتهم، وقد ورد في بعض الأحاديث أن الراوي يُؤنّب فقط لتواجده قرب بيت الغناء والموسيقى، وينصح بأن يعيش بحكمة وكرم.
أهل الفساد والفسق، الذين كانوا تحت حماية بلاط الأمويين والعباسيين، كانوا يقيمون مجالس الغناء والموالد ليلاً ويحولون بيوتهم إلى بيوت غناء علانية، بينما أهل الحق والولاية لم يستطيعوا أن يعقدوا أي اجتماع رسمي أو حتى مجالس صغيرة.
كانوا يُطاردون في أزقة المدينة والكوفة وصحارى الحجاز والعراق، مثل حجر بن عدي، وميثم، وزرارة، وعبد العظيم الذين كانوا رفقاء نقاة للإمام، ولبّوا النداء رغم الاضطهاد، وكانوا يُضطرون للهرب أو يعيشون غريبين في مدنهم وأحيائهم.
هؤلاء لم يكن لهم مكان ليُعبّروا فيه عن حزنهم على الإمام الحسين عليه السلام، أو ليغنوا فرح الغدير بأصوات الموسيقى، وإن كان بإمكانهم فقط أن ينقلوا شعار الغدير وكربلاء والانتظار حتى للأبناء، لكانوا يُعتبرون مباركين.
الأحاديث التي تذم الغناء والموسيقى كانت تذم صراخ وولول النساء والرجال في خدمة جبهة الباطل، الذين كانوا يعقدون الحفلات ويشجعون الفساد، ويهدفون إلى تشويه نفوس الشباب وإبعادهم عن ولاية أهل البيت.
الأحاديث التي تحث على الابتعاد عن المغنيات في البيوت حتى لا تتلوث قلوب الناس، تأتي ضمن سياق محاربة برامج ممنهجة لنشر الفساد.
مثلما لا يمكن لمن يعيش في مدينة يصنع أهلها الخمر أن يأمرهم بقطع كروم العنب، فالأمر يتعلق بوسيلة الاستعمال لا المادة نفسها. وإن تم صنع خمر لا يسكر ويمتاز بفوائد صحية عديدة، سيكون حلالاً.
كان حمل آلات الموسيقى في تلك الأزمان بمثابة علامة الانتماء للحكام، تماماً كما كانت الخاتمات في اليد اليسرى علامة خاصة.
وقد كان بعض الأحاديث تجيز استخدام دف في حفلات الزفاف، فالأمر يتعلق بالسياق.
الحلال يبقى حلالاً والحرام يبقى حراماً، ولكن ظروف الموضوع قد تتغير كما في عدم جواز العزف بجانب تابوت مؤمن بسبب حرمة الميت.
الغناء الحلال جائز طالما لا يصاحبه معصية، أما الغناء المروج للفجور والفساد فهو حرام، مثل الموسيقى الأمريكية الشعبية التي تروج للعنف والفجور، وكذلك تلاوة القرآن بأساليب القرّاء المعارضين.
هناك موسيقى منتجة محلياً تحمل تأثيرات روحية إيجابية، وهناك موسيقى مقلدة من أنماط أمريكية قاسية تحمل الفساد.
الأغاني التي تحرض على الفساد أو التي تتناول مواصفات النساء بجمل تحريضية محرمة، خصوصاً لشبابنا الذين لا يجدون طريقاً مشروعاً لتلبية غرائزهم، هي محرمة.
في زمن صدور الأحاديث، لم يكن لأهل الحق صوت في الغناء أو الموسيقى بسبب الاضطهاد، لكن اليوم يمكن للملتزمين أن يستخدموا أصواتهم لتعزيز القيم الدينية والثورية.
هل لا يمكن تدريب مغنين مؤمنين ينافسون مغنيي الراب في الغرب ويجذبون الشباب نحو الثقافة الإسلامية؟
الموسيقى لغة عالمية، وروسيا اليوم لديها جمهور واسع للموسيقى الأمريكية الصاخبة رغم عدم فهمهم للكلمات.
بإمكاننا عبر تدريب الموسيقيين المؤمنين هزيمة ثقافة الكفر ونشر الثقافة الإسلامية عالمياً.
الجراثقال والنيرنجات وبعض العلوم الغريبة؛ كالجفر والرمل والإسطُرلاب، التي تُدرَس في مراحلها الأولية ضمن الرياضيات، وإن كان تحقيق الحقائق الفعلية والوصول إلى تطبيقاتها العينية يتجاوز أُسس هذه العلوم.
علم الموسيقى يُعد من علوم الحكمة من الدرجة الثالثة، أي العلوم التي لا يشترط فيها وجود المادة في التصور العقلي، ولكن وجود المادة شرط لوجودها الفعلي. وهذا النوع يعتبر نوعاً من الوساطة بين نوعي الحكمة الآخرين: العلم الإلهي والعلم الطبيعي، كمثل عمليات الجمع والطرح أو ضرب الأعداد، التي لا تحتاج إلى المادة في الأصل، بل العدد نفسه لا يحتاج إلى مادة، وليس المقصود بذلك المُعدود.
رحمه الله الخواجه في عبارته المشار إليها يحدد العلوم الأساسية بثلاثة أقسام فقط: اللاهوت، والطبيعة، والرياضيات. لكنه لم يوضح علاقة هذه العلوم، خاصة الفروع الرياضية، في بيانه، ونحن أوضحنا ذلك في كتابنا “علم الحياة”.
وفق هذا التقسيم الحكمي، تعتبر الموسيقى من فروع الرياضيات. والرياضيات هي من أركان الفلسفة. فلا يمكن أن يكون المرء فيلسوفاً وغير مطلع على هذه العلوم، وإلا فإن معرفته الفلسفية تكون ناقصة. وبناء عليه، تستند أُسس العلم الرياضي إلى أربعة علوم:
أ ـ معرفة المقدار وأحكامه واللواحق المرتبطة به، وهو موضوع الهندسة. والمقدار هنا هو الكم المتصل في الفلسفة القديمة.
ب ـ معرفة الأعداد وخواصها، وهو الكم المنفصل، وهو علم العدد والحساب.
ج ـ معرفة اختلاف الأجرام السماوية والعلاقات بين الكواكب وبعضها البعض، وعلاقتها بالأجرام الدنيا والأرض، ويُسمى هذا بعلم النجوم والهياكل الفلكية.
د ـ معرفة النسب المؤلفة وأحوالها، ويُسمى علم التأليف، الذي يعني الصوت وترتيب الأصوات بجوار بعضها بطريقة صحيحة، وهو ما يُسمى علم الموسيقى.
علم الموسيقى يشبه علم العروض والقافية الذي يدرس ترتيب المقاطع الصوتية ليكوّن معياراً أو مقياساً. وكذلك الموسيقى، التي بدلاً من المقاطع الطويلة والقصيرة، تستخدم نوتات مختلفة الطول والارتفاع، ويجب ترتيبها بشكل مناسب. البحور الشعرية والأطوار الموسيقية تتمتع بتناسب معين. كما أن معرفة البحر العروضي مهم كما هو في الشعر، فإن معرفة الأطوار الموسيقية مهمة في الصوت والنغم. فمعرفة البحر العروضي ومدى ملاءمته لكل طراز شعري أو موسيقي تؤثر على الأداء الصحيح للأدوار والألحان.
وبما أن الموسيقى علماً فلسفياً، يلتقي الفلاسفة بها، وإلا كانت معرفتهم ناقصة وحكمتهم غير مكتملة. إذ يقدم الفلاسفة الموسيقى بعقلانية ويركزون على آثارها العلاجية، وبذلك ازدهر علم “العلاج بالموسيقى”.
جند ابن زياد في كربلاء
لقد أوجد جيش ابن زياد في كربلاء، ومن خلال هجومه المدمر، هدد الوجود الثقافي لهذا الشعب. فقد ألقي هجومهم بثقل الظلام واليأس والخمول والضعف والركود على قلوب المجتمع الإيراني. نحن لا نسعى لحصر أو مراجعة جرائم هذه القبيلة الوحشية، الذين ألقوا بالكتب والعلماء الكبار لهذا البلد في بحر الدم والنار. إلا أن المقاومة الصلبة والمتواصلة للعلماء الشيعة ـ ومن أبرزهم خواجه طوسي ـ سمحت للنمو من جديد واسترداد ما فُقد. لم يترك المغول شيئًا من الكتب التي أعدها وترجمها العلماء والمؤلفون في عصور الحضارة الإسلامية المتألقة في إيران، وأحرقت مكتبات كثيرة نيران الظلم. لقد قضى هيمنة المغول والمذابح والنهب والفساد التي مورسوا بها على الشعب الإيراني، على روح النشاط والفرح والأمل، وحل اليأس والقنوط محلها.
لقد تخلى الإيرانيون، لتخفيف آلامهم وتهدئة أنفسهم وأبنائهم، عن الدنيا وما فيها، واعتبروا هذا العالم لا شيء، وتركوا زمام الأمور للأحداث، ووقعوا في متاهات الخرافات. شيئًا فشيئًا، ظهرت آثار الانهيار والدمار في كافة شؤون الحياة.
في ظل هذه الخانقة، ظهر عالم وفيلسوف شيعي يُدعى خواجه نصير الدين طوسي، الذي دخل بلاط المغول وتمكن من ترويضهم.
خواجه نصير الدين طوسي: حكيم المغول
كان خواجه نصير الدين طوسي (597-672 هـ) فيلسوفًا وعالمًا رياضيًا وفلكيًا إيرانيًا كبيرًا، ذكيًا وحكيمًا ذا خلق حسن وكريم السخاء. يُعتبر أعظم عالم شامل ظهر في إيران بعد العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وبعد فارابي وأبو علي سينا. في زمن الظلام والفتن الذي سببه حكم المغول، حمل شعلة العلم والدراية، وسعى إلى دعم العلماء وحماية المؤلفات القيمة. جمع الكثير من الكتب القيمة وحمى هذه التراثات من الضياع.
من مؤلفاته:
- كتاب معيار الأشعار الذي يشرح عروض الشعر وقوافيه باللغة الفارسية.
- كتاب كنز التحف في الموسيقى يُنسب إليه أيضًا.
كان خواجه طوسي من أعاجيب عالم العلم، إذ دخل بلاط هولاكو خان المغولي وتغلغل فيه، ثم بواسطة حكمته ودهائه، تمكن من ترويضه، رغم أن هولاكو كان شخصًا عُرف عنه القوة والسيطرة المطلقة. لم يستخدم خواجه نصير الدين طوسي سحرًا أو جفرًا، بل كان بأسلوبه الفطري الذي جذب هولاكو وجعله تابعًا له.
سياسة خواجه نصير الدين طوسي
عندما أدرك خواجه أن منع هولاكو والخدم من شرب الخمر أمر مستحيل، كتب كتابه الأخلاق الناصرة، موضحًا أحكام الخمر وأشكال الشعر والموسيقى، ما يبين أنه لم يكن من العلماء الدجالين الذين يصعدون إلى السلطة بالحيل والخداع.
مولانا وجهاز الإيقاع الموسيقي
بعد خواجه طوسي، برز في المنطقة “محمد البلخي” المعروف بـ مولانا جلال الدين الرومي (604-672 هـ)، وهو مجتهد وفقه ورئيس أهل السنة. تُروى قصة لقاء مولانا بشمس تبريزي في 642 هـ، وتأثره الشديد به، والذي أثّر في تغيير شخصيته تمامًا. تعكس أشعاره في ديوان شمس – التي تعبر عن شوق ولهفة وجد – إيقاعات موسيقية تعززها آلات الإيقاع.
يُقال إن مولانا كان المرجع الديني لأهل القلوب والعوام لمدة ثلاثين سنة.
على الرغم من وجود علماء مثل “قونوي” منافس مولانا، فإن مولانا أوصى بأن يقيم قونوي صلاة الجنازة عليه.
دور مولانا في مواجهة اليأس بعد الغزو المغولي
نذكر هذه التفاصيل لتوضيح مكانة مولانا العلمية والاجتماعية، ونتساءل: لماذا شجع مولانا، مع مكانته الاجتماعية، على الرقص والسماع والغناء؟ من خلال دراسة ظروف زمانه، يتبين أن الشعب الإيراني، الذي كان عدد كبير منه من أتباع أهل السنة ومقلدي مولانا، عانى كثيرًا من محنة الغزو المغولي، ووقع في اليأس والكسل.
اتبع مولانا سياسة تهدف إلى تخفيف هذا اليأس، مستخدمًا الموسيقى والشعر ذات الإيقاع الحيوي والنشاط المبهج، كما يظهر في غزلياته التي تعتمد على وزن إيقاعي ونغمات موسيقية متناغمة، مما يدل على إلمامه العميق بالموسيقى.
تعلمنا العزف على العود في حبه
ولا يعلم أحدُ حالي، إنني أشتكي
في زمن جفاف الحكم المغولي، كان مولانا جلال الدين الرومي يخوض معركة باستخدام سلاح الموسيقى والرقص الصوفي (السماع)، في أجواء خانقة تخنق روح الحرية في إيران.
وفي زمن الطاغوت أيضًا، كان الخناق شديدًا لدرجة أن العلماء والدعاة المناهضين، لكي يكشفوا ظلم السلطان الخائن، كانوا يتحدثون عن ظلم معاوية وسياساته. فإذا استدعتهم مخابرات النظام، كانوا يردون قائلين: “لم نتحدث عن السلطان، بل تحدثنا عن معاوية فقط”، مع أن المخابرات كانت تعلم أن معاوية المقصود هو السلطان نفسه، ولكنها لم تكن تستطيع أن تقول شيئًا.
تدل هذه الوقائع من جهة على شدة الخناق، ومن جهة أخرى على علوّ بصيرة العلماء الدينين وممارستهم الحكيمة حتى لا تضيع هداية الدين عن الناس. يقول مولانا في موضع آخر:
إذا لم أكن موسى فأنا موسيّق
وفي صدري موسيقار
في هذه الأبيات، يبيّن مولانا بعض أهدافه، إذ يقول: إن لم أكن موسى الذي كان هدفه إسقاط فرعون، فأنا موسيّق (صغير موسى) وفي صدري موسيقار، أي أني لا أمتلك السيف لكنه لدي الفنّ الذي يشبه السيف في قوته.
كانت قصائد هؤلاء العلماء مليئة بالرموز والتقية والحكمة المستترة، لذا فإن فهم زمان هؤلاء العلماء وطريقة مواجهتهم للسلطة يستلزم الرجوع إلى أشعارهم.
فخر الدين العراقي
من العلماء الذين أجادوا فن الموسيقى، فخر الدين إبراهيم همداني (المُلقب بالعراقي)، وهو من كبار المتصوفة والشعراء في إيران. يقول جُعْمي في كتاب “نفحات الأنس”: “كان يغني غناءً بديعًا، حتى أن أهل همدان كانوا مولعين بصوته.” كانت أشعاره الغنائية العاطفية والمفعمة بالحياة متناغمة مع الموسيقى والغناء، وتحمل نداءً صادقًا ضد ظلم عصره:
ذهبت إلى القمار، فوجدتهم جميعًا نبلاء
وعندما وصلت إلى الزاهدين، وجدتهم رُقّاع الرياء
مثل هذه الأبيات تحمل سيفًا حادًا بين الكلمات.
عدد هؤلاء العارفين وأتباعهم كان قليلاً، ولذلك لم يستطيعوا إحداث تغيير كبير. كما حدث مع بعض العلماء المتنفذين أحيانًا، الذين كانوا يهددون الإمام الخميني .
لكن الإمام الخميني لم يَخِرْ بسبب قلة الأنصار، بل حظي بدعم شعبي كبير، مما حماه من التكفير والقتل، وكان الشعب معه واعيًا.
ملاصدرا
أيضًا في زمانه، استنكر الملاصدرا الظلم الاجتماعي، فكتب “كسر الأصنام الجاهلية” لكسر أوثان الجهل والفساد الديني، وكان يقصد بذلك تلك القوى المتشددة التي عطلت الدين بشكل جهلاني.
كانت كثرة هؤلاء المتزمتين تمنع العلماء الحقيقيين من التحرك بحرية.
دور الشعر والموسيقى في الدفاع عن الدين
تُظهر دراسة حياة العلماء الشيعة الذين كانوا يعرفون الموسيقى أنهم لم يكن لديهم أدوات غير الشعر والموسيقى للدفاع عن الدين والتصدي للظلم في أزمانهم.
فرصة الدولة الشيرازي
في عصر الصفويين، تحدث فرصة الدولة الشيرازي في كتابه “بحور الألحان” عن “العلاج بالموسيقى”.
وكان هذا الكتاب يُدرّس في مدارس الموسيقى ويستفيد منه العلماء. وفي ختام كتابه يكتب:
“أهمية الصوت الحسن في علاج الأمراض لا يُدركها إلا من لا دواء له غير ذلك. كما كان الحكماء اليونانيون والفارسيون يعالجون المرضى عبر هذه الوسائل، ويعالَج المجانين بالألحان المناسبة لحالتهم.”
ويقول:
“لم أكتب هذا الكتاب لمجرد التسلية، بل لأن الموسيقى علم رياضي يُعتبر علمًا حقيقيًا. وأيضًا لاستخدامه في علاج المرضى حين يكون العلاج مقتصرًا عليه.”
الموسيقى يمكن أن تساعد في علاج بعض الأمراض، وإذا كان الطبيب مطلعًا على المرض وعلى مقامات الموسيقى، فسيعرف أي نغمة تناسب أي مرض.
مع أن نشر بعض كتبي أثار بعض المعارضة، فلا يجب أن نترك هذه النعم الإلهية بدون استثمار، فالصوت الجميل من أعظم النعم، وإذا أُغلق الفم عن الكلام الحسن، فلا شك أن ذلك يولد الكآبة ويعتبر إسرافًا وكفرانًا للنعم.
التاريخ الفقهي للموسيقى
الشيخ الصدوق رحمه الله
في عصر الغيبة، كان الشيخ الصدوق من كبار الفقهاء الشيعة، قال:
“اعلم أن دخل المغنية وراقصة الزنا حرام.”
كان يرى أن دخل النساء المغنيات حرام؛ لأنهن لا يبتعدن عن الفواحش، ويربطهن بالرّقاصات الزانيات، وكان هذا تصويره للحالة الاجتماعية للمغنيات، إذ كانوا يؤدين الغناء والرقص معًا، ويُختارن من قبل بعض الرجال للقيام بأفعال محرمة.
لكنه في كتابه “الهداية” أجاز دخل النساء الناحيات اللواتي يبكين بصدق على الموتى، قائلاً:
“دخل المغنية حرام، ولا بأس بدخل الناحية إذا كانت صادقة.”
ورغم ورود أحاديث عن الغناء في مجالس النساء دون حضور الرجال، إلا أنه لم يتوسع في الحديث عن ذلك.
الشيخ المفيد رحمه الله
لم يَرَ أي حالة جائزة للغناء أو الموسيقى في زمنه، وكان فتاواه متوافقة مع الروايات التي تحرم ذلك. أجاز فقط النواح الصادق على الموتى.
الشيخ الطوسي رحمه الله
كان يرى في “الاستبصار” أن الغناء في الأصل جائز، ويصبح حرامًا إذا كان مصحوبًا بكلمات باطلة أو مع استعمال آلات اللهو. وذكر أن الغناء المباح يكون في الأعراس التي تكون فيها نساء فقط دون حضور الرجال، وأن بقية أشكال الغناء غير جائزة.
وفي كتاب “المبسوط” قال بوجود إجماع على حرمة سماع الغناء، وأن من يسمعه عمدًا يُرتكب بذلك معصية.
وفي “النهاية” أشار إلى جواز أجر المغنيات في الأعراس إذا لم يكن غناؤهن باطلاً، وأن دخول الرجال وخلوة النساء والرجال ممنوعة.
ابن إدريس الحلي رحمه الله
تبع آراء الشيخ الطوسي في التحريم، ولم يَرَ أي حالة جائزة للغناء أو استخدام الآلات الموسيقية، إذ كانت كلها في يد الأشرار والجهلة. وحكم بتحريم كل صوت يسبب الطرب، حتى لو كان صوت البلبل أو صوت الماء، خلافًا لمن اعتبروا الطرب سببًا للحرمة. أجاز أجر النساء المغنيات في الأعراس إذا لم يكن الغناء باطلاً، لكنه أجاز الغناء نفسه.
كان هذا بسبب واقع الألم والحزن الذي تركه مقتل الإمام الحسين عليه السلام في قلوب الشيعة، وعمق فهمهم للولاية وأثرها في الدين.
أما الذين يدعون اليوم إلى الوحدة بين الشيعة والسنة ويتجاهلون هذا التاريخ، فهم لا يدركون حقيقة الولاية التي هي بحر عميق، ويقللون من أهمية هذه المصائب التاريخية، وهذا أمر مخيب لمن عرف قيم الدين والولاية.
**الغربةُ التي كان العلماءُ يَشعُرون بها تجاه أولياء الله تعالى في الأمس كانت أشدَّ منها اليوم، إذ إنَّ صفاءَهم رضي الله عنهم كان يُرى ويُحسُّ بوضوح، أما اليوم فقد خَفَّ هذا الشعورُ، وللأسفِ فإنَّ غبارَ الغفلةِ قد غطى جميع الأماكن، وأصبح قلَّةٌ قليلةٌ هي التي تستطيع أن تُزيح هذا الغبارَ وتُحيي ذكرى غربَة الإمامِ موسى بن جعفر عليهما السلام. كما أنَّ بعضَ المجالسِ والمواكبَ الحسينيةِ والندواتِ أصبحت أشبهَ ما تكونُ مُطفأةً بلا حياة، وما يُفتقدُ فيها هو الحزنُ على غربَةِ الدين وأولياءِ الشيعة.
الحزنُ على غربَةِ الإمام الحسين عليه السلام كان يَنهِكُ العلماءَ الشيعة، ولم يكن هذا في العصور البعيدة فقط، بل حتى في زمن رضاخان اللعين، كان الناس يختبئون في الأقبية، ويُغلِقون الأبواب، ويُسدلون الستائر، ويضعون رؤوسَهم على ركبِهم، ويبكون بكاءً شديدًا على مولانا الحسين عليه السلام، ودموعُ الحزن كانت تنهمر بغزارة، فكيف هي الحال في مجالسِ العزاءِ الحالية؟
إنَّ هذه العوامل المتشابكة هي التي دفعت فقهاءَ القرن الرابع إلى تحريم جميع أشكال اللهو والغناء، إذ كانوا يرون الغناء محرَّمًا لأنه من مَلَهي الملاهي.
المحققُ الحلي رحمه الله
أبو القاسم نجم الدين جعفر بن حسن الحلي (ت 676 هـ) في كتابه «مختصر النافع» تبنى رأي الشيخ الطوسي في «المبسوط» ولم يزد عليه، ولكنَّ الأهمَّ هو تعريفُ المحقق للحِلَالِ من الغناء في «شرائع الأحكام»، حيث عرَّف الغناء بأنَّه:
«شدُّ الصوت مع الترجيع والتهجج الذي يُدخل الإنسان في طرب، يجعلُ القارئ فاسقًا ويرد شهادته، وكذلك السامع له كذلك؛ سواء كان الغناء في الشعر أو في القرآن الكريم.»
العلامة الحلي رحمه الله
أبو منصور حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي (648 ـ 726 هـ) المعروف بـ«العلامة الحلي» قبلَ تعريفَ المحقق واتبعه في الحكم كما عند الشيخ الطوسي. وذكر في «تذكرة الفقهاء» أن الغناء لهوٌ ولعبٌ وأمرٌ سَخيف، لكنه لا يُعدُّ عيبًا في الجواري الغانيات بحيث يُثبت خيار الفسخ للمشتري، مستندًا إلى أن الغناء قد يكون طبيعيًا وليس تعليميًا، وأن تعليم الغناء حرامٌ مثل تعليم حرفة محرمة، وليس عيبًا في الجارية.
الشهيد الثاني رحمه الله
زين الدين بن علي العاملي (911 ـ 965 هـ) المعروف بـ«الشهيد الثاني» في كتابه «مسالك الأفهام» شرح حرمة الغناء مستندًا إلى عرف الناس، فقال:
«الغناء عند أصحاب الإمامية حرامٌ سواء كان مجرد غناء أم مصحوبًا بآلة موسيقية. الغناء صوتٌ يتضمن الترجيع والطرب، وقد فسَّره المحقق وبعض العلماء كذلك. والأفضل في تعريف الغناء والوقوف عليه أن يُرجع إلى عرف الناس، فكل ما اعتبره عرف الناس غناءً فهو حرامٌ، سواء كان في الشعر أو في تلاوة القرآن أو غير ذلك.»
واستثنى الشهيد الثاني الغناء الحدّي وقرع الدفوف مع التزام عدم الباطل والفسوق في الأعراس.
المقدس أردبيلي رحمه الله
مولي أحمد المقدس أردبيلي (ت 993 هـ) ذكر آراءً حول تعريف الغناء والترجيع والطرب، ونقدها الباحثون. فقد قال:
«الغناء هو شدُّ الصوت مع الترجيع والطرب، والظاهر أن في حرمة الغناء واتخاذ الأجر عليه وتعليم الغناء خلافًا لا يُذكر، وبعض فقهاء الإمامية أرجأوا تحديد تعريف الغناء إلى عرف الناس، حيث لا معنى شرعي صريح للكلمة، فمن الطبيعي أن الغناء يشمل مد الصوت حتى لو لم يكن طربًا. وإذا قُبل هذا التعريف، فحتى الأذان المُرتل بالمدّ يُعد غناءً ويحرم، وهذا تعسفٌ لا يُقبل.»
المقدس أردبيلي أكد أن الأدلة التي صريحة في تحريم الغناء لا توجد، بل الإجماع هو السبب في حرمة الغناء، مع أن هذا الإجماع غير محدد المعنى ولا واضح دلالته، والاحتياط في ترك الغناء أمرٌ ظاهر.
وأضاف المقدس أن استثناء مراثي الإمام الحسين عليه السلام من حكم الغناء، يعود لعدم وجود إجماع واضح على حرمتها، وأنه يجب في هذا الأمر الاجتهاد والتأمل.
المقدّس رحمه الله في تأييده لصحّة جواز الاستثناء، يورد دليلًا على استحسان البكاء على الإمام عليه السلام، وعلى ثواب ذلك، وأن الغناء قد يكون معينًا ومساعدًا مهمًا للبكاء. فالغناء في أطر الألحان الحزينة مثل دشتي، شوشتري، أو حجاز يُعدّ شديد الحزن، ولا بدّ من النظر في نوع الصفاء واللحن الذي كان الإمام زين العابدين عليه السلام يقرأ به الشعر أمام ابن زياد، إلى درجة أنّ الشمر نفسه ارتعد من البكاء.
وقد استدلّ على ذلك بعمل المتشرّعين والمسلمين، فاكتفى برأي الجمهور بدلًا من الاستدلال من الدين، مع أنّه في استنباط الفتوى لا ينبغي الاكتفاء برأي الفقهاء، فكيف إذا كان الفقيه يرجع إلى العرف والمتشرّعين؟ وكان قد نقل عن شيخ الطوسي قوله: إنّ الغناء إذا كان حرامًا فهو حرام في جميع الأحوال، إلا إذا خصّصته الشريعة بشيء.
ثمّ إن المقدّس رحمه الله اعتبر سبب تحريم الغناء هو كون الغناء يثير الطرب، فقال:
«من الأمور التي تؤيّد صحة استثناء المآتم على الإمام الحسين عليه السلام أن تحريم الغناء يكون بسبب إثارة الطرب فيه، وأمّا المأتم فلا يثير الطرب على الإطلاق، بل هي فقط تثير الحزن».
وبالتالي، وبما أنه لا يوجد دليل ظاهر على التحريم، والأصل في الأشياء الإباحة، إضافة إلى الأدلة على جواز النوح بشكل مطلق والذي يشمل الغناء، بل ولا يمكن أن يكون النوح بدون غناء، فإن جواز الغناء في المآتم ومجالس الحزن على سيد الشهداء عليه السلام يثبت. والله أعلم بكل حكم.
وقد ذكر المقدّس أنّ الحزن لا يتضمن الطرب، وهذا يدلّ على عدم معرفته الدقيقة بمفهوم الطرب، فالمقابل بين الحزن والطرب واضح، فطرب النفس هو الحالة التي يشعر فيها بالراحة والسرور، حتى وإن كانت على لحن حزين كالألحان في جهاز دشتي أو شور، فكلا الجهازين يحزن القلب لكن في الوقت ذاته يحدث طربًا يفضي إلى دموع. الطرب ينقسم إلى حزني وسروري، فلو كان سببًا في انخداع القلب يسمي حزنا، وإن رفع القلب فهو سرور، والمقدّس لم يلحظ العلاقة بين الطرب والحزن.
وأضاف بعد «الحزن» نية الحزن أيضًا، وقال: «في الغناء العزائي إذا لم يكن هناك حزن، فيجب على الأقل أن تكون هناك نية للحزن على الإمام الحسين عليه السلام، فإذا لم يقصد المغني الحزن فهل يكون عمله محرّمًا؟»
وقال أيضًا: «في النواح يجب أن ينوي الإنسان البكاء والنّدب على الإمام الحسين عليه السلام، وإن كان الاحتياط ترك الغناء مطلقًا، سواء في المأتم على الإمام الحسن عليه السلام أو في غيره».
ولا يخفى على أحد المكانة العلمية والروحية للمقدّس رحمه الله، وهو من الأولياء الربانيين، ولكن ظروف عصره كانت تجعل من الصعب تجاوز هذه الحدود.
وفي الهامش، يجدر ذكر بعض الأحاديث التي توصي بالبكاء، مع التأكيد على أنّ من لم يجده حزن أو دموع في قلبه عند تذكّر مظلومية الإمام الحسين عليه السلام، فقلبه مريض ويحتاج إلى العلاج. وحضور مثل هذا الشخص في مجالس العزاء قد يزيد من حالته سوءًا.
وللأسف، كثير من المداحين الذين لا يبكون أنفسهم هم من كثرت أسماؤهم، لكن قلوبهم لم تكن صافية أو نقية، فذكْر الإمام في ألسنتهم لم يعد له أثر على نفوسهم. والتطرّف في أي أمر، حتى الصلاة وقراءة القرآن، غير مستحبّ.
والذي لا يتأثّر بحق وبيوت الله، يجب عليه أن يعيد تنقية قلبه من الأدران. ويجب التقرب إلى الدين والأولياء بنية صافية، وعدم التعامل مع هذه الأمور كوظيفة أو مصدر رزق، وإلا سيكون الأمر خطيرًا جدًا.
وإنّ المداح الحقيقي هو الذي يدمع قلبه قبل لسانه، ويصاحب ذكراه للنبي وأهل البيت عليهم السلام بالدموع والأنين، ويكون بذلك قد حقّق الهدف الأساسي من الشعائر الحسينية، وهو بثّ الحزن والوعي في النفوس، لا مجرد إظهار العواطف السطحية التي قد تكون مصطنعة أو مهندسة للمتعة أو لجذب الانتباه.
ولا ينبغي للمداح أن ينجر وراء الغناء المفرط والموسيقى التي تثير الطرب، بل عليه أن يحافظ على خط الحزن والعزاء، فهو رسول الحزن لا رسول الفرح في مجالس المآتم. وإنّ الخلط بين الحزن والطرب قد يؤدي إلى نتائج سلبية، منها إضعاف روح الحزن، وتحويل مجالس العزاء إلى مجالس اللهو، وهو أمر يخالف المقصد الشرعي.
في هذا السياق، يؤكد المقدس على ضرورة التزام المأتم بمقاصد الدين والابتعاد عن ما قد يؤدي إلى الانحراف عن القصد الأصيل، وهو إحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام ونشر قيمه، كالتضحية والصبر والعدل، وتحريك القلوب نحو الاقتداء به.
من جهة أخرى، لا بد من التأكيد على أن البكاء على الإمام الحسين عليه السلام ليس مجرد فعل عاطفي، بل هو عبادة وتعبير عن الولاء والطاعة، وله أجر وثواب عظيمان كما ثبت في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام.
كما ورد في النص أنّ هناك فرقاً بين الغناء المحرم الذي يثير الطرب والبهجة، وبين الغناء العزائي الذي يهدف إلى تعزيز الحزن والذكرى، وهو ما ينبغي أن يكون مقبولاً في المآتم، ولا يعارض الشرع، ولا يلحق أذىً بالقلب أو العقل.
ختاماً، يشدد المقدس على أن النية هي الأساس في الحكم على هذا النوع من الغناء، فالنية الخالصة للتقرب إلى الله وإحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام تنفي الحرج، بل وتجعله من الأعمال الصالحة، بينما النية السيئة أو المجاملة أو التظاهر تجعل الأمر مرفوضًا.
لا يمكن إصدار حكمٍ عامٍّ في استخدام الغناء والموسيقى؛ لأن الحكم قد يكون مكروهًا لشخصٍ ومستحبًا لآخر. فعلى سبيل المثال، مشاهدة بعض الأفلام قد تثير فسادًا وذنبًا عند شخصٍ، ولا تكون مثيرةً بنفس الطريقة لآخر، مما يجعلها محرمةً للأول ومباحةً للثاني. وهذا يشبه الوصفات الطبية التي تُخصص لكل مريضٍ على حدة، وكذلك يجب على الناس عند استخدام الغناء والموسيقى أن يُفحصوا أولًا ثم يُصرف لهم الدواء المناسب. ينبغي أن تتطور المجالات العلمية بما يكفي لتتمكن من الرد على هذه الاحتياجات بصورةٍ تفصيلية. ومن أسباب تراجع الدين أو الابتعاد عن العلماء لدى الناس هو إصدار الأحكام والفتاوى العامة التي لا تراعي درجات المكلفين، فلا يستطيع معظمهم الالتزام بها، ولا يشعرون أن هذه المسائل تفتح لهم طريقًا للعمل؛ لأن طبيعتهم – بما في ذلك القوة والمرتبة الإيمانية التي هي من عوامل القوة – تُغفل في عملية إصدار الحكم. وهذا ما أُخذ بعين الاعتبار في الروايات، إذ إن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) يوجهون كل فردٍ بحسب حاله وروحه، ولهذا فإن أقوالهم ليست على هيئة دراسة مدرسية مألوفة. القول بأن فقه الشيعة يتبع المصالح والمفاسد يعبّر عن هذه الحقيقة، فالمصالح والمفاسد ليست متساوية في كل مكان، لذلك لا يقبل الأحكام والفتاوى الموحدة.
الموسيقى ضروريةٌ لبعض الأمراض، لكنها ليست موصوفةً للجميع.
رحم الله المرحوم الفيض إذ يقول: «ولا يبعد أن يختلف الحكم»؛ أي من المحتمل أن يختلف حكم الغناء والموسيقى باختلاف الأفراد ومراتبهم، فالحكم الذي يناسب الناس العاديين قد لا يكون مناسبًا لأهل المروءة. ونحن نؤكد بحزم أن هذا هو الحال، وأن الأحكام تتفاوت باختلاف الأفراد، ويجب أن تُصدر الفتاوى بعد النظر في كل شخصٍ على حدة كما في التشخيص الطبي.
رحم الله المرحوم الفيض، فقد تعرض لهجومٍ كبيرٍ بسبب نظرته في الغناء والموسيقى، وإن كان معظم الهجوم عليه جاء لكونه درس الفلسفة والتصوف، وهو صهر الملا صدرا وأحد أتباعه. أما الشيخ الأعظم السيد أنصاري فقد كان له رأي مشابه له في هذا الموضوع، إذ لا يرى الغناء محرّمًا لمجرد كونه غناءً، لكنه لم يتعرض لهجومٍ مماثل لأنّه لم يكن من الفلاسفة.
الشيخ حر العاملي رحمه الله
إن مسألة الغناء والموسيقى مختلطة بنزاعات سياسية وانقسامات طائفية، وكتابة الرسالة التحليلية للمرحوم السبزواري وآراء المرحوم الفيض في القرن الحادي عشر الهجري في عهد الصفويين زادت من هذه النزاعات، حتى اشتدت الخلافات بين الأخباريين والأصوليين في هذه المسألة. ومن الأخباريين المعروفين في هذا المجال الشيخ حر العاملي، الذي خاض مناظرات حادة مع الأصوليين والفلاسفة والصوفية والدراويش.
على الرغم من أن الشيخ علي ظاهرًا كان معارضًا لتحليل الغناء، إلا أنه كان في الواقع يميل إلى إباحته، ولم يظهر في كتاباته نزاع الأخباريين والأصوليين بشكل واضح، بينما كان هذا النزاع جليًا في رسالة الشيخ حر.
محمد بن حسن حر العاملي (1033 – 1104 هـ) صاحب «وسائل الشيعة» يقتصر بحثه في هذا الموضوع، الذي يشمل أيضًا تلاوة القرآن الكريم، على القرآن الكريم فقط، حيث كان يرد على الباحث السبزواري. وقد ذكر أن من يقول بإباحة الغناء هم ضالون ويستحقون الهداية من الله.
(تابع ترجمة الأجزاء المتبقية بناءً على طلبك.)
»(1) جناب شیخ غنای لهوی که در مجالس اهل فسق بوده است را حرام میداند و طبیعی است چنین مجالسی دین را به اندراس میکشد. جناب شیخ در فراز نخست، غنا را از آن جهت که غناست حرام ندانست و تنها 1ـ المکاسب المحرّمة، ج 1، صص 285 ـ 296. (237)
ChatGPT said:
بكل سرور، فيما يلي ترجمة نصك إلى اللغة العربية الفصحى الأكاديمية والرسمية:
تتخذ الأوضاع المتعددة والأشكال المختلفة والأحكام المتنوعة.
يرى الأستاذ بحراني أن الأحاديث التي توصي باستخدام الصوت الحسن في تلاوة القرآن الكريم لا ترتبط بالضرورة بالصوت الغنائي، وأن الصوت الحسن يمكن أن يكون بعيدًا عن الغناء. ويعتبر هذا الأمر واضحًا وجليًا.
ويعتبر الصوت الحسن والغناء أمرين متميزين لكنهما متلازمان، بحيث يصبح الصوت الحسن غناءً عندما يزداد جماله ويصبح محببًا. هل يُعتبر اللذة والاستحسان من الصوت الجميل مثل الزنا محرماً؟ وهل الإسلام دين عسرة وحزن؟ مع العلم أن هذه الآراء لا تستند إلى أدلة من الآيات والأحاديث، ويمكن اعتبارها آراء شخصية. وما يمنع من اللذة والسرور هو الذنب، والصوت الغنائي ليس ذنبًا، بل الغناء المحرم هو الذي يؤدي إلى فساد الدين وتهجير الحق وصاحب الولاية، أو يروّج للفحشاء، وهذا لا علاقة له بالغناء كصفة، فالصوت نفسه سواء نُطق عاديًا أو بغناء لا يُشكّل إشكالاً.
وكان المرحوم صاحب حدائق، مثل كثير من الفقهاء الآخرين، على اطلاع على الغناء والموسيقى والصوت من خلال كتب اللغة، ولم يكن على دراية مباشرة بهذه المواضيع ولم يختبرها بشكل ملموس، وبسبب طهارته وصفائه كان بعيدًا عن هذه المسائل، ولذلك تعامله مع هذه المواضيع كان سطحيًا. ولو قام موسيقي بتحليل هذه الآراء من الناحية الموضوعية وليس الفقهية، لوجدها بعيدة كل البعد عن موضوع الصوت والغناء والجمال في الأداء، ولتبين أن صاحب هذه الآراء كان يجهل الموضوع. كما أن نقدات المرحوم المحقق بحراني على المرحوم سبزواري ليست حاسمة ولا علمية، لأن المحقق بحراني لا يعرف الغناء والموسيقى إلا ما ورد في كتب اللغة فقط.
أما السيد محمد جواد الحسيني العاملي رحمه الله، فهو محقق بارز، صاحب كتاب «مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة» (توفي 1226 هـ ق) وأستاذ صاحب جواهر. في هذا الكتاب، الذي يعد شرحًا لقواعد العلامة الحلي، يستعرض الفتاوى وآراء الفقهاء وينتقدها.
ويعتقد أن الغناء المباح هو الغناء الذي لا يحتوي على ترجّع ولا دوران في الصوت في الحلق. والترجّع له أنواع متعددة: الترجّع الفارسي هو دوران الصوت في الحلق، والترجّع الحجازي مباشر، والترجّع الشكلي مكسور. كما أن ترجّع نواجز الثنايا هو ترجّع أيضاً. ومن المستحيل نطق مد «ولا الضالين» بدون ترجّع. ويعتقد المحقق العاملي أن الترجّع يقتصر على «ه ه ه» الفارسية.
ويؤكد المحقق جواد أنه لا دليل على تحريم الترجّع، ويشير إلى أن الأخطاء في فهم معاني الطرب والإطراب والتطريب تؤدي إلى التفرقة بينها، كما أنه لا يعرف الترجّع العربي أو يغفل عنه.
وخلاصة رأي صاحب مفتاح الكرامة أنه لا اختلاف في تحريم الغناء، سواء في القرآن الكريم أو في غيره. وقد ذكر أن محدث كاشاني، فاضل خراساني والغزالي قالوا بعدم إشكال الغناء.
ويُظهر تعصبه قائلاً: الذين يؤيدون جواز الغناء قد تبعوا أهل السنة، وإن كانوا من علماء الشيعة. ويقول:
«الفقهاء الذين يرون أن الغناء مباح، بل مستحب، ويمكن قراءة القرآن والأدعية بالغناء، فإن رأيهم يتعارض مع الأحاديث التي تعتبر أجر المغنّي حرامًا وعملهم كفرًا. فهل يمكن أن يكون الكفر مستحبًا؟»
ويعتبر هذه النظرة إلى جواز الغناء فاسدة ومن بدع الصوفية. في ذلك الوقت، كان هناك بغض كبير للصوفية، كما كان الصوفيون الذين يملكون السلطة يعانون من مشاكل مع الآخرين. وكان الصوفيون يتهمون العلماء بالجهل، والعلماء يرون الصوفية منحرفين. لكن من الأفضل ألا ينظر الإنسان إلى الآخرين بازدراء وكراهية، وأن ينظر إلى جميع عباد الله برحمة، وأن لا يصدر الأحكام نيابة عن الله.
أما الشيخ محمد حسن النجفي رحمه الله، فهو فقيه بارز في القرن الثالث عشر، وصاحب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» (توفي 1266 هـ ق).
في كتابه هذا، لم يطرح شيئًا جديدًا، فهو يرى تحريم الغناء مطلقًا حتى في العزاء والمراثي. ويبحث في مسألة الآلات الموسيقية في المسألة السادسة، حيث يعتبر استخدام آلات اللهو والموسيقى حرامًا، ويعد العازف والمستمع فاسقين، مستندًا إلى إجماع محصل ومنقول وعدة أحاديث. مع العلم أن الإجماع ليس دليلاً قطعيًا مهما كان.
ينهي صاحب الجواهر بحثه في الغناء والموسيقى في نصف صفحة، مما يدل على عدم أهمية المسألة أو اعتبارها بديهية التحريم.
مع تقدم العلماء الأصوليين ودخولهم الحوزات، بدأ الفقه يتجه نحو التحليل المنطقي، وخرج من حالة التقليد والتعصب، حتى وصل إلى مرحلة ازدهار على يد فقيه كالسيد الشيخ الأنصاري، الذي دمج بين الفقه والأصول، وأرسى منهجية التحليل والرأي العلمي.
الشيخ الأنصاري رحمه الله (1214 ـ 1282 هـ ق)، هو عالم فقه وأصول بارز، ومؤسس الفقه البحثي الحديث، ويختلف في نقاش الغناء عن غيره من الفقهاء. يبدأ بسرد تاريخ الغناء ويعرض بعض الأدلة باختصار، ثم يدخل في الموضوع دون أي فرضيات مسبقة أو تعصب، ويأخذ المسألة بمنطقية عالية. لا يهمه النتيجة التي يصل إليها، ولا يظهر أي تعصب، بل يتبع الدليل فقط، ولم يجد دليلًا على تحريم الغناء لأنه غناء.
في نهاية النقاش، يحرم الصوت والكلام اللهوي. بناءً على رأيه، إذا كان الغناء مساويًا للهو فهو حرام، وإذا كان أخص منه، فالغناء اللهوي حرام، وغير اللهوي جائز. أما مسألة الغناء من حيث كونه غناءً فقط، فلا دليل على تحريمه.
ويؤكد الشيخ أنه لا يوجد دليل على تحريم الغناء لذاته، وأن الأمر يتعلق فقط بمنع اللهو والفحش، وأن الغناء اللهوي في مجالس الفسق حرام لأنه يهدد الدين.
ويقول في كتابه «المكاسب المحرمة»:
«غناء حرام هو ذلك الذي من ألحان أهل الفسق والمعاصي، وحرام أن يُقرأ القرآن بأسلوب مجالس أهل الفسق.
والظاهر أن الغناء لا يوجد إلا في صورته اللهوية، رغم اختلاف الفقهاء واللغويين فيه.»
حكم الكلام أو الصوت اللَّهي حرام؛ أي إذا لم يكن الصوت لهويًا، ولو كان غنائيًا، فلا حرج فيه، وأما إذا كان الصوت غنائيًا لهويًا، فهو حرام. وبصفة عامة، كل أمر لهوي، ولو لم يكن صوتًا، فهو حرام. والموضوع الذي يُحرم هو «اللهو» لا الغناء لكونه غناءً. ثم تبنى على هذا الرأي أن كل لهو باطل فهو حرام، وفي النهاية، إذ لم يستطع إصدار حكم بحرمة كل أمر باطل، قال إن لحن وغناء أهل الباطل والفاسقين حرام، وخصّ الغناء بذلك، وقال إن الغناء ليس إلا ذلك، وهو ما يسمى غناء. وختم بالقول: إذا قُرئ القرآن الكريم بلحن وغناء أهل الفسق، فذلك حرام؛ وبعبارة أخرى، إن الصوت الفسقي هو المحرم، وليس كون وجود الترجیع والطرب والفرح سببًا في تحريمه. لكن كيف يُكشف أن الصوت فسقي؟ هل القراءة في مقام معين كالمقام «الچارگاه» أو «السهگاه» أو «المهور» أو «الشوشتری» هي مقام خاص بأهل الفسق وبالتالي تكون القراءة فيه محرمة، أم أن معيار ذلك هو أمر آخر؟ لم يُفصل الشيخ في هذا الأمر، بل لجأ إلى المعاني اللغوية للغناء، ناقلاً آراء اللغويين والفقهاء.
الغناء الذي يساوي اللهو هو لحن أهل الفسق، وهو ما جعل أصحاب الأحاديث موضوع تحريم الغناء هو الفسق فيه، أي الغناء الذي يخدم دولة الباطل. وإذا اعتُبر اللهو لذاته مقياسًا لتحريم الغناء، فلا شأن للفسق والعدل فيه، ولا حاجة للنقاش حول ذلك. أما إذا كان «اللحن الفاسق» هو موضوع النقاش، فلا فرق بين الصوت اللَّهي وغير اللَّهي، فالصوت الفسقي سواء كان لهويًا أو غير لهوي فهو حرام.
إذا نظرنا إلى كلام هذا العالم الجليل والفقيد بعين التدقيق والتأمل، نرى أن الشيخ رحمه الله لا يستطيع أن يحرم الغناء لكونه غناءً، لأنه فقيه عاقل ولا دليل لديه على تحريمه، ومن ناحية أخرى، لا يستطيع التنازل عن تحريم الغناء، لأن هناك أحاديث كثيرة وآراء فقها سابقة تحرم نوعًا من الغناء وهو اللحن وغناء الفاسقين، الذي كان في مجالس البذخ لملوك بني أميّة وبني عباس، والذي كان أعظم ذنبه هو قبول حكم طغاة الباطل. فهو متردد أو متحفظ في تحديد موضوع الغناء الحرام، لذا يستعرض آراء بعض الفقهاء واللغويين ليذكر اختلاف العلماء. ويأخذ تلك العلامات بالمعنى العرفي، ويقول إن الغناء الذي عرفوه ليس حرامًا على الإطلاق. وهذه العبارة تعني أنهم لم يكونوا يعرفون الغناء الحقيقي، ولا حكمه الذي ذكره أهل الفقه. واختار تعريف «صحاح اللغة» كأفضل تعريف، وهو التعريف الجوهري المشهور بين الفقهاء.
ومن الملاحظ في كلام الشيخ أن المعنى الشعبي للغناء، وهو اللهو واللعب في زمن بني أميّة وبني عباس، هو الغناء الحقيقي، وهذا هو موضوع الأحاديث النهي والتحريم، أي الواقع الخارجي والعرف السائد في ذلك الزمن، حتى وإن لم يصل تاريخه إلى معاصريهم.
وذكر الشيخ نقطة مهمة أنه لا يعرف أيًا من العلامات التي قدمت لتعريف الغناء تعريفًا صحيحًا، بل يرى أن الغناء هو ما عرفه الناس في عرفهم الخاص، وأن شأن نزول الأحاديث هو ذلك النوع من الغناء، أي الغناء الذي كانت تفعله الجواري العاريات مع المعاصي الكثيرة. وبناءً على هذا الرأي، الصوت واللحن ليسا بمشكلة سواء كان عاديًا أو غنائيًا، لكن إذا ارتبط الصوت بالغواية والفجور والفساد، فإنه يصبح حرامًا.
وإنما يتعلق شأن نزول أحاديث تحريم الغناء والموسيقى بذلك النوع من الغناء والموسيقى، ولا يشمل الحُكم دُعات الدين والمطربين المؤمنين الذين في خدمة نشر الإسلام. وبالطبع إذا تكرر حال صدور الأحاديث في الوقت الحاضر، وتم استخدام الغناء والموسيقى في خدمة دول الباطل، فيكون تحريمها ثابتًا، مثل المطربين الأجانب الذين يخدمون الاستكبار العالمي، وهم من أعظم الذنوب.
في هذا الكلام، اعتبر الشيخ الغناء اللهوي حرامًا، وليس ذات الغناء بذاته، وكأن الشيخ يرى أن رأيه يختلف عن غالبية الفقهاء في ألف سنة قبل عصره، وربما لم يرغب في إظهار مخالفته لهم فاختلق تعريفًا بديلًا للغناء الحرام، وهو الغناء اللهوي فقط.
وبناءً على هذا الرأي، إذا انتشر صوت غنائي في المجتمع الإسلامي من مصدر غير فاسق، فلا حرج فيه، لأن غنائهم ليس فاسقًا، ولكن إذا انتشر من أعداء الدين، فالمشاهدة والبث والتحقيق حرام، لأن غنائهم معروف في العرف بأنه غناء أهل الفسق. ومن ثم، فإن الكفر والإيمان لا يؤثران في حكم تحريم أو جواز الغناء، وإنما اللهو أو عدمه هو الأمر الحاسم، والغناء بحد ذاته ليس موضوع الحكم.
سبب تحريم لحن الفاسق هو أنه يوقع الغفلة والضلال، ويؤدي إلى اندراس الدين ونشر الباطل والفساد والانحراف، لكن لحن داوود، ولحن الإمام الحسن، ولحن القرآن، ولحن المؤمنين لا حرج فيه، ويمكن أن يغني به حتى يطغى على صوت أهل الفسق.
تتبع كلام الشيخ يظهر أنه يتجنب الفتوى الصريحة، ويتحدث بصورة غامضة، كما في كلام الفلاسفة، مما يصعب فهم فتواه النهائية. ومع ذلك، نقل ملا صدرا هذه الأقوال في كتبه، لكنه تعرض لضغوط سياسية. أما ميرداماد فكان محترمًا، وإن كان أحيانًا يضطر إلى التكتم في التعبير. في الظروف الراهنة التي ارتفع فيها وعي الناس، فإن إخفاء الفتوى غير مستحب، إلا إذا تضغط الحكومات الدينية المتشددة على العلماء المحدثين.
وأما فيما يخص آلات الموسيقى، فقد اعتبر الشيخ تحريمها مطلقًا لأنها آلات لهو. وقال:
«بعض الأشياء التي ليس لها إلا استعمال حرام، ومنها آلات الموسيقى كالنِي والرباب، وكذلك آلات اللهو والصليب والتماثيل، فتعلمها وتعليمها والأجر عليها حرام.»
وبهذا، ثبت الشيخ تحريم هذه الآلات من حيث كونها آلات لهو.
يعلم أنَّه لا يعرف استعمالًا حلالًا له. وقد أقرّ بأنَّ الصوت والغناء يمكن أن يكون لهما منفعة حلال. وبالفعل، في عصرنا هذا توجد عشرات الاستخدامات والتطبيقات الحلال لكل الحالات التي يرى الشيخ أنها لا تملك منفعة محللة، بل حتى النجاسات لها مال واحتياجات نافعة، مثل الدماء والمني، وكذلك التماثيل والدمى يمكن صنعها وبيعها، وهذا موضوع يحتاج إلى بحث خاص.
المرحوم المامقاني رحمه الله
الشيخ محمد حسن المامقاني (ت 1323 هـ) في كتابه «غاية الآمال» شرحًا على كتاب المكاسب للشيخ، يكتب:
تعبير «في الجملة» يدل على وجود اختلاف في حكم الغناء، وهذا الاختلاف ينشأ من ثلاثة أوجه: من جهة أصل الحكم، ومن جهة الموضوع، ومن جهة تخصيص الحكم لبعض الأشخاص، إذ قيل: الغناء مطلقًا حرام، وقال بعض الفقهاء إنه حرام لبعض الأشخاص فقط.
وقد فصل المرحوم الشيخ رحمه الله هذا في كتابه، ونسب عدم تحريم الغناء إلى السيد فيض الكاشاني، مستدلًا على كلامه وكلام صاحب الكفاية بأن الغناء كونه صوتًا بشريًا ليس بحرام، وإنما الحرام يتعلق بالعوارض الجانبية كالرقص والملوثات الأخرى التي تحرم الغناء.
(غاية الآمال، شرح المكاسب، ج1، ص98، منشورات مجمع الذخائر الإسلامية)
ثم يقول:
الدليل على تحريم الغناء إجماع محصل ومنقول، بل في كتاب جواهر الكلام يعد تحريم الغناء من ضروريات المذهب.
وفيه روایات كثيرة تحرم الغناء، ففي وسائل الشيعة أكثر من ثلاثين حديثًا في هذا الشأن.
لكن ادعاء وجود إجماع أو ضرورة مذهب ليس له سند قوي. من الغريب أن بعضهم يتحدث عن ضرورة المذهب وروایات متواترة لتحريم الغناء، وآخرون يقولون إنّه لا توجد حتی روایت صحيحة تدل على التحريم، ويشككون في الاستناد إلى الإجماع والشهرة، كما يقول المرحوم المامقاني:
“الشيخ الأعظم يقول إن صاحب الجواهر ادعى تواتر روایات تحریم الغناء، والمرحوم محقق أردبيلي قال: لم أرَ روایتًا تصریح على تحریم الغناء. وهو يرى أن من يريد أن يدعي جواز قسم من الغناء يجب أن يكون له دليل.”
المرحوم آقا سید أحمد خوانساري رحمه الله
في كتابه «جامع المدارک» یقول:
«شهادة قرّاء الغناء غير مقبولة، ولا يوجد اختلاف في ذلك بين الفقهاء.»
ورغم ذلك، يوضح أن مفهوم الغناء نفسه محل اختلاف. ويعتبر استعمال آلات اللهو من الكبائر التي توعد الله عليها بالنار، رغم أنه كان متحفظًا في حياته. ويعتبر الغناء في الأعراس وختم السور من الاستثناءات بدليل الإجماع والرواية، معتمداً في ذلك على الرواية التي جاءت باستخدام الغربال وليس الدفّ، لكنه استدل بها على جواز الدف.
حضرة الإمام الخميني
الإمام الخميني يدخل في بحث الغناء والموسيقى بمنهج منطقي، ويبدأ بمناقشة ماهية الغناء، ويستعرض آراء متعددة، مبيّنًا أن التعدد في الآراء يعود إما لكثرة الأدلة أو لعدم وجود دليل قطعي.
ينقل عن أستاذه المرحوم النجفي الإصفهاني، صاحب «وقاية الأذهان»، الذي يعتبر الغناء صوتًا بشريًا طربًا، ويماثل تأثيره تأثير الخمر في إضعاف العقل، ويذكر أن غناء بعض القرّاء لا يحمل مدًّا ولا ترجيعًا.
يقول الإمام رحمه الله إن تعريف الغناء «صوت بشري رقيق وجميل بطبيعته، يثير الطرب عند الناس»، وينتقد تعريف السابقين الذين اشترطوا وجود الترجيع والطرب، حيث إن كثيرًا من أنواع الغناء لا تتوفر فيها هاتان الصفتان.
ويبين الإمام أن الغناء هو صوت أو نوع من الصوت، وليس كلامًا، ولا يختص بالآيات القرآنية أو الرثاء على الإمام الحسين عليه السلام.
يرى أن الروایات التي تحرم الغناء ليست بالضرورة متواترة أو قوية الدلالة، وأن مفهوم «قول زور» في الأحاديث يجب أن يفهم باعتباره الاعتقاد الباطل أو الكلام الكاذب، لا أن يحمل كل أشكال الغناء.
يناقش الإمام أن تأثير الغناء على العقل ليس سببًا شرعيًا كافيًا للتحريم، فلو كان كل ما يثير الطرب محرّمًا، لكان تحريم الكثير من الأمور الحياتية واردًا، ويُفرق بين الغناء الذي يرافقه لهو وفجور وبين الصوت الغنائي بحد ذاته.
ينتقد هذا النص الخلفيات المتعلقة بزمن صدور الروايات وغيرها من الأسباب التي استند إليها هذان العالمان الفقيهان، قائلاً:
«ما نسب إلى المحدث الكاشاني والمحقق السبزواري صاحب كتاب «كفاية الأحكام» من إنكار حرمة الغناء بذاته، واقتصاره على المرافق والمقارنات، ثم ما وُجه إليهما من نقد واتهام، لا يتوافق مع ظاهر عباراتهم. فقد ذكر الفيض الكاشاني في كتابي «وافي» و«مفاتيح» والمحقق السبزواري في «كفاية الأحكام» أن الغناء قسمان: غناء حق وغناء باطل. الغناء الحق هو الغناء الذي يكون مصاحبًا لأشعار تذكر بالجنة والنار، وتحفز الإنسان على التفكر في دار القرار. أما الغناء الباطل فهو ما يتناسب مع مجالس الفسق والفجور واللهو والرقص ودخول غير المحارم، كما كان في مجالس بني أمية وبني العباس.»(1)
ويقول الإمام الخميني في دفاعه عن الفيض الكاشاني:
«أي إنسان واعٍ يلمّ من سياق عبارات الفيض الكاشاني أن الغناء من وجهة نظره ينقسم إلى قسمين: الغناء الحرام والغناء الحلال. والغناء الحرام هو الذي يصاحبه ما ذُكر من خصائص؛ أي الغناء الذي يحرم بسبب المرافق واللواحق الفاسدة، وليس بمعنى أن المرافق فقط حرام والغناء لا، بل كلاهما حرام، والحرمة في الغناء ذاتية لا بسبب المرافق، ولهذا تحرم أجر المنشدين والعازفات وتعليمهن أو الاستماع إليهن. أما الغناء الحلال، وهو الاستثناء من الغناء الحرام، فهو ما يكون من باب النصيحة والتذكير بالحق، كما هو مستثنى في الروايات من قراءة القرآن والمراثي وأصوات الرعاة وغير ذلك، وقد أُجيز حكمه.»
كما يوضح الإمام :
«موضوع ما ادّعاه الفيض الكاشاني لا يتعارض مع إجماع الفقهاء، ولا يتنافى مع فقه المذهب الشيعي أو أهل السنة، وعلى هذا الأساس، فإنّ السخرية والاتهامات مثل “خرافة” و”أراجيف” ليست من شيمه، بل يجب الرد عليه بالبرهان والمنطق، كما فعل الشيخ الأنصاري في نقده للفيض، إذ أظهر نقاط ضعف استدلاله ورفض ادعاءاته. من ذلك أن ظواهر الروايات تدلّ بوضوح على حرمة الغناء بذاته مطلقًا، ولا يجوز تجاهل ذلك. والروايات التفسيرية مثال على ذلك.
أما الدليل الآخر الذي استند إليه الفيض فهو “الانصراف”، بمعنى أن الأخبار والروايات حول الغناء تعود إلى زمن الأمويين والعباسيين، وكانت الغناء موضوع تلك الروايات مرتبطًا بما كان في مجالسهم من فسق وفساد، في حين أن مجالس الخلفاء الراشدين كانت تحتوي على محرمات أخرى، ولا يمكن تقييد موضوع الانصراف فقط بزمن الأمويين والعباسيين، إذ أن مجالس الشعر والغناء كانت منتشرة في كل العصور، وكانت الفواحش كالرقص وشرب الخمر موجودة كذلك.»
ويدل النظر في آراء الإمام الخميني بشأن الغناء والموسيقى على توافقه مع غالب الفقهاء في هذه المسائل، مع اعتبار ظروف كتابة هذه الآراء التي كانت في زمن النظام البهلوي الظالم. في كتاب «تحرير الوسيلة» يقول:
«الغناء والإنصات إليه والكسب منه حرام، ومقصود بالسماع هنا هو الاستماع. والغناء ليس مقتصرًا على الصوت الحسن فقط، بل المقصود هو الإيقاع والنغمة الخاصة التي تثير الطرب والسرور، والتي تتناسب مع مجالس اللهو والفرح، وفي هذه الحالة لا فرق بين أن يكون الكلام حقًا أو باطلاً، ويضاف إلى ذلك العقاب في الأمور الحقّة كقراءة القرآن والمراثي.
نعم، الغناء في مجالس الأعراس مستثنى من التحريم، وهذا ليس بمستغرب، ولكن في الأعراس يجب الاحتياط وعدم التوسع، ولا يعني ذلك جواز الغناء في كل مجلس، والأحوط ترك الغناء مطلقًا سواء في الأعراس أو غيرها.»
وفي خطاب له بتاريخ 30/4/1358 إلى العاملين في الإذاعة، قال:
«الموسيقى من الأمور التي يحبها الناس حسب طباعهم، لكنها من الأمور التي تخرج الإنسان عن الجدية، وتجعله ينصرف إلى اللهو. فالشاب الذي اعتاد الاستماع للموسيقى لساعات طويلة يغفل عن شؤون الحياة والمسائل الجدية، ويصبح كمن اعتاد المخدرات، لا يستطيع التفكير الجدي، لأن الموسيقى تجعل الفكر محصورًا في عالم الشهوات.»
آية الله السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله:
يعدّ الخوئي ثلاثة أدلة على تحريم الغناء وهي: الإجماع، الآيات، والروايات، ويرفض إثبات حرمة الغناء عن طريق الإجماع، ويعتبره غير معتبر، ويناقش رأي الفيض الكاشاني بالتفصيل ويرى أن حرمة الغناء عارضة وليست ذاتية. ويقول:
«إذا حملنا الروايات التي تنهى بشدة عن الغناء والموسيقى على المعاصي المرافقة، تصبح الحرمة للمعاصي الأخرى، وبالتالي ذكر الغناء والموسيقى بهذا القدر من الشدة والحرمة يكون بلا معنى.»
ونحن نرى أن شدة الوعيد في الروايات جاءت بسبب التأثير السلبي الكبير الذي كانت تحدثه الغناء على أفكار المسلمين، خصوصًا الشباب، وابتعادهم عن مكانة الولاية، مما أدى إلى انحطاط الدين، ومن ثم لا يمكن الاستناد إلى هذا المبدأ لتحريم الغناء والموسيقى التي تنتج في ظل دولة شيعية إلهية مؤيدة للرسول وآل بيته، أو في سبيل الدفاع عن الحق.
أما في باب الاستثناءات، يرى الخوئي أن المراثي ليست من الغناء، ولا يجوز إدخالها تحت الاستثناءات، ويرى تحريم تعليم الغناء والموسيقى عملاً وعلمًا معًا، وأن الغناء في العزاء غالبًا ما يكون من نوع الغناء المحرم، وإذا كان الغناء محرّمًا بذاته، فلا يجوز في أي حال إلا إذا ورد نص خاص بالاستثناء.
آية الله السيد الغروسي الجلبي (الگلپايگاني):
يناقش الغناء من أربعة جوانب:
- حرمة الغناء، التي لا خلاف فيها، والتي اعتبرها صاحب الجواهر إجماعًا محصلًا، ورُويت أحاديث التحريم متواترة.
- حرمة الإنصات للغناء، وفيها أيضًا اتفاق.
- الغناء من الكبائر، حيث أُعدّت له وعيد في الأحاديث.
- بحث موضوع الغناء الذي حرّم، وفي نظر المحقق الحلي ومعظم الفقهاء هو…
(ينقطع النص هنا)
تتخذ قضية الغناء صورًا وأحكامًا مختلفة ومتنوعة حسب الظروف المتعددة.
يرى السيد بحراني أن الروايات التي توصي باستخدام الصوت الحسن في تلاوة القرآن الكريم لا تلزم بالضرورة ارتباط الصوت الغنائي، فالصوت الحسن يمكن أن يكون بعيدًا عن الغناء. ويعتبر هذه المسألة واضحة وجلية.
ويفرق بين الصوت الحسن والغناء باعتبارهما أمرين متميزين ولكنهما متلازمان، إذ إن الصوت الحسن حين يزداد جمالًا ويصبح محببًا يصبح غناءً. فهل يعتبر التلذذ والسرور من صوت جميل حرامًا كما هو الحال في الزنا؟ وهل الإسلام دين عسرتطلب وكآبة؟ مع العلم أن هذه الآراء لا تستند إلى أي أدلة من القرآن أو الأحاديث، ويمكن اعتبارها آراء شخصية. فالمانع من السرور هو الذنب، وليس الصوت الغنائي بحد ذاته. والغناء المحرم هو ذلك الذي يؤدي إلى فساد الدين وإقصاء الحق وأصحاب الولاية، أو نشر الفحشاء، وهذا لا علاقة له بالغناء باعتباره مجرد غناء. أما الصوت نفسه، سواء صدر بطريقة عادية أو بغناء، فلا بأس به.
لقد كان المرحوم صاحب حدائق، شأنه شأن كثير من الفقهاء، على معرفة بعلم اللغة من حيث التعريفات، ولكنه لم يختبر هذه المواضيع بشكل مباشر وملموس، وبسبب نقاء طهارته، كان بعيدًا عن هذه المسائل، ولهذا فهو يطرحها بشكل سطحي. وإذا ما نظر إليها موسيقي متخصص من الناحية الموضوعية لا من الناحية الفقهية، لوجد هذه الآراء بعيدة جدًا عن موضوع الصوت والغناء والجمال في الأداء، وكأنها صادرة عن شخص غير مطلع.
نقدات المرحوم محقق بحراني على المرحوم سبزواري ليست نافعة أو علمية، إذ إن بحراني لا يمتلك معرفة واسعة بالغناء والموسيقى سوى ما هو وارد في كتب اللغة.
السيد محمد جواد الحسيني العاملي رحمه الله
هو المحقق جواد، صاحب الكتاب القيّم «مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة» (توفي 1226 هـ ق) وأستاذ صاحب جواهر. في هذا الكتاب ـ الذي يُعد شرحًا لقواعد العلامة الحلي ـ يستعرض الآراء الفقهية للفقهاء الآخرين وينتقدها.
يرى المحقق جواد أن الغناء المباح هو ذلك الذي لا يحتوي على ترجيع، ولا يكون فيه التدوير الصوتي في الحلق. (1) فهناك أنواع مختلفة من الترجيع، فالتدوير الصوتي في الحلق و«ه ه ه» هو ترجيع فارسي، والرجع الحجازي يكون مستقيمًا، والرجع في الدرجات يكون مكسرًا. كذلك التدوير الصوتي في نواحي الثنائيات يعد ترجيعًا، ومن المستحيل أن تُقال مدّة «ولا الضالين» دون ترجيع. وكان المحقق العاملي يظنّ أن الترجيع يقتصر على «ه ه ه» الفارسية.
لم يأتِ المحقق جواد بأي دليل يحرم الترجيع، وكما وقع في الخطأ في فهم معاني الطرب والإطراب والتطريب واعتبرها معاني متضادة، غفل أو لم يعرف أصل الترجيع العربي أو لم يتعرف عليه.
والخلاصة التي انتهى إليها صاحب «مفتاح الكرامة» هي عدم وجود خلاف في تحريم الغناء، سواء كان في القرآن الكريم أو غيره. وقد قال المحدث الكاشاني والفاضل الخراساني والغزالي إن الغناء لا بأس به.
يعبر المحقق عن تحيزه فيقول: إن الذين يجيزون الغناء يسيرون على مناهج أهل السنة، وإن كانوا من علماء الشيعة. ويقول:
«الفقهاء الذين يرون أن الغناء مباح بل ومستحب، وأنه يمكن تلاوة القرآن الكريم والأدعية بالغناء، تتعارض آراؤهم مع الروايات التي تصف أجر المغني بالكفر وأعمالهم بالشرك. فهل يمكن أن يكون الكفر مستحبًا؟!» (1)
ويرى أن الإجازة في الغناء من آراء فاسدة ومن البدع والخرافات الصوفية. وكان في ذلك الزمان بغض عميق للصوفية، كما أن الصوفية الذين كانوا يملكون السلطة كانوا يعادون الآخرين. وكان الصوفية يتهمون العلماء بالجهل، والعلماء بدورهم يعتبرون الصوفية ضالين. ولكن من الأفضل أن ينظر الإنسان إلى الآخرين بعين الرحمة لا الحقد، وألا يصدر حكمًا على عباد الله نيابة عن الله.
الشيخ محمد حسن النجفي رحمه الله
هو الفقيه البارز في القرن الثالث عشر، صاحب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» (توفي 1266 هـ ق).
لم يورد الشيخ في كتابه «جواهر الكلام» رأيًا جديدًا، فقد كان يعتقد بتحريم الغناء مطلقًا حتى في مجال العزاء والرثاء. (1) وفي المسألة السادسة من كتابه، تناول حكم آلات الموسيقى، واعتبر استخدامها محرماً، واعتبر كل من يعزف أو يستمع إليها فاسقًا، واستند في ذلك إلى الإجماع المحصل، ومنقول، وعدة أحاديث. (2)
ومع ذلك، فإن هذا الإجماع، سواء المحصل أو المنقول، لا يحظى بقبول شرعي متين. وقد أنهى صاحب «جواهر الكلام» موضوع الغناء والموسيقى في كتابه «الشهادة» خلال نصف صفحة، متجاوزًا إياه، وهو ما يدل على قلة أهمية هذه المسألة لديه واعتباره تحريمها بديهيًا.
ومع تزايد سيطرة العلماء الأصوليين على الحوزات العلمية، واتجاه غالبية الفقهاء نحو دراسة علم الأصول، نشأت روح منطقية بين العلماء وابتعد الفقه عن التبعّد والتقيد الحرفي في الفتاوى، وتحولت إلى نهج تحليلي عقلي، إلى درجة أن الفقه بلغ ذروة تطوره بفضل علماء أمثال الشيخ الأنصاري، الذي غرس مناهج التحليل الفقهي بعمق.
الإنشاد الغنائي للنساء
الصوت المُوزون للنساء
ذات الغناء (الغناء بما هو غناء) لا يَحمل أي إشكال في ذاته، وحكمه الفقهي يُعتبر اقتضائيًا لا ذاتيًا، فهو تابع للظروف والملابسات الخارجية والمحيطة. هذا الحكم مشترك بين الرجل والمرأة، والنظرة الجنسانية الخاصة إلى المرأة تحتاج إلى دليل خاص من الشريعة. لا يوجد في الشريعة دليل يمنع الغناء النسائي لمجرد كونه غناءً، لذا فإن غناء النساء جائز لما هو غناء.
الشريعة لا تعتبر صوت المرأة أمرًا يستوجب الإخفاء. فالصوت الأنثوي، وإن كان غنائيًا، ليس كالجسد الذي يجب ستره، فالصوت ليس عورة، وإلا لما جاز للنساء الغناء ولا حتى الكلام مع الرجال الأجانب، فلو كان الصوت عورة، لوجب ستره في الصلاة وعدم الجهر به؛ إذ يجب ستر العورة في كل حال، بما في ذلك الصلاة. لذلك لا يجوز التفرقة بين وجود المحرم والغير محرم في هذا الشأن. ومع ذلك، لا بد من توضيح معنى “الستر” في هذا السياق. فإذا كان الصوت كالأعضاء الجسدية (عدا الوجه واليدين حتى الرسغ)، فيجب ستره عن غير المحارم، وإذا كان المعنى يتعلق بعضو خاص، فلا يجوز للمرأة سوى الكلام مع زوجها فقط. ليس من الصحيح أن يبقى الصوت الجميل للمرأة محجوزًا في قفص الصدر فقط، بل يمكن للمرأة استخدامه أحيانًا، ولو كان بشكل منفرد.
حكم الدول الباطلة جعل النساء محصورات في البيوت، أما في عصرنا الحاضر، فقد استعادت النساء الشيعة تحت قيادة الإمام الخميني رحمه الله وبهجة الثورة الإسلامية مكانتهنّ اللائقة في المجتمع وأمانهنّ النسبي، حيث يمكنهنّ المشاركة في جميع المجالات المباحة التي تتناسب معهنّ وتحفظ عفة المجتمع، ومنها الغناء الذي لا يوجد فيه تحريم شرعي. ويمكنهنّ التحرك في سبيل حكم ولاية أهل البيت عليهم السلام، التي توفّر لهنّ دنيا مزدهرة وآخرة مشرّفة.
المرأة المسلمة قادرة على الغناء في ظل حكم النظام الإسلامي، والأذان، وتلاوة القرآن في المحافل الدولية، أو الإنشاد، بشرط الالتزام بضوابط أهمها حفظ العفة والستر والابتعاد عن إثارة المحرمات. يجب إخفاء جسد المرأة ما عدا الوجه والكفين حتى المرفقين، ويجب ستره بكل صورة ممكنة حفاظاً على طراوة وجمال المرأة، إذ إن هذا الجمال رقيق وحساس ويتأثر بسرعة، ومن هنا اعتبر الدين ستر هذا الجمال حفاظاً عليه.
إذا اقترب الولد من أمه، يغتاظ الأب، ويجب أولاً معالجة هذه الأمراض بتعليم وترويج أساليب زوجية صحيحة وتربية الأبناء، حتى لا تتضرر مشاركة النساء في المجتمع من هذه الأمراض.
أحكام الغناء المحرم للنساء
إن الاستماع إلى صوت المرأة الأجنبية لا بأس به في الأصل، إلا إذا كان مصحوبًا بمعصية وفساد، ففي هذه الحالة يكون حرامًا. فالغناء الصوتي للمرأة، حتى وإن كان مفعمًا بالطرب والإيقاع، في حضور الرجال الأجانب لا مشكلة فيه، وإنما المانع هو الإثارة على المعصية في الصوت، أو الوقوع في صف الباطل وخدمة الدول الظالمة، وهذا ما نهى عنه الشرع. وسنتحدث في الفصل القادم عن الأغاني المحرمة التي يشترك فيها الرجال والنساء.
في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، الأصل في الصوت واللحن للمرأة والرجل هو الجواز، والمحرم الوحيد هو الملامسة الظاهرة للأبدان، وإذا تجنب ذلك، يمكن للمرأة أن تشغل مقعد التدريس أو المنبر أو مجلس الغناء، أو تعمل فنانة أو مقدمة في التلفاز ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ما لم تؤدي العوامل الثانوية كالإثارة إلى فساد يُنهي عنه الشرع حفاظًا على العفة وحقوق المتدينين. وإن الإثارة إذا كانت تؤدي إلى الحرام وتحريض الآخرين عليه، تجعل الغناء وحتى الكلام العادي حرامًا، وهذا الحكم ثابت للرجال أيضًا، فإذا كان صوت الرجل مثيرًا لكنه لا يحرض على الحرام فلا بأس به.
ما يؤكده الدين ويهتم به بشدة هو الابتعاد عن الفساد والمعصية والانحلال، ولا مانع من المودة بين الزوجين في الأصل، بل يجب فقط تجنب المعاصي والتقرب إلى الله بالتقوى، ولا اعتبار لما قاله بعض الفقهاء في هذه المسائل لعدم تخصصهم في هذا المجال. ويجب أن تصل المجتمع إلى نضج يكافئ فيه بين صوت المرأة والرجل.
الصوت صوت، والغناء غناء، ولا بأس بصوت المرأة طالما أنه صوت عادي بدون غنج أو غمزة، ولكن في المجتمع الفاسد يؤدي تشجيع صوت المرأة إلى زيادة الفساد، ويجب التمييز بين جانبين: الثبوتي والفعلي. فمثلاً إذا غنى رجل أو امرأة بغزل أو بألحان هادئة وعادية، لا بأس، ولا يكون طربها محرماً، أما إذا كان الغناء يثير الحرام ويدعو إلى مشاهدة العورات أو الاستثارة، فحينها يكون الصوت وحتى الكلام العادي حرامًا، وهذه الدعوة للإثم تشبه الوقوع في صف الكفر، والإثارة مع النعومة والغمز أو بالكلام العادي حرام، سواء من المرأة أو الرجل، مع أن المرأة أكثر قدرة على الإثارة.
الغناء في المقامات الموسيقية مختلف، فبعضها راقٍ وبعضها خفيف وسهل، واختيار المقام يؤثر في حكم الغناء، مثلاً مقام الزابل مقام خفيف وإيقاعه سريع، خلافًا لمقامات الأفشاري والبياتي والماهوري التي تعتبر مقامات راقية. وإذا غنت المرأة أو الرجل في هذه المقامات بشكل محترم، مع ارتداء الحجاب الإسلامي والبعد عن الفساد والعري، فالغناء ليس محرمًا، خصوصًا إذا اختيرت كلمات تعزز الإيمان ومحبة أهل البيت عليهم السلام. أما إذا كانت الفساد مسيطراً في المجتمع ومنعت النساء المؤمنات من الغناء الشرعي، فهذا ضعف في المجتمع وفي الأجهزة الرقابية يؤدي إلى تحريم الغناء والاستماع إليه بسبب الأضرار المصاحبة.
يجب على المجتمع الإسلامي أن يقتدي بآية: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”، التي لا تقتصر على القوة العسكرية بل تشمل القوة الثقافية، وأن يؤسس منظمة لتعليم ودعم المغنين والمغنيات الذين يخدمون ثقافة أهل البيت عليهم السلام، وهذا من أولويات البرامج الدعوية. ونهي القرآن يتركز على الغنج والغمز في الكلام وليس على الصوت السليم الذي لا يحوي فسقًا.
يجب مراعاة مبدأ نفسي مهم وهو أن الناس يتجمعون حول من يشبههم في القيم، فالرجال الفاسدون يجتذبون النساء الخفيفات، وللقضاء على الفساد يجب تعزيز ثقافة العفة.
إذا كنا نتحدث عن خروج النساء للوعظ والخطابة والغناء الشرعي وظهر من يرفض، فهذا يدل على وجود أمراض نفسية وجنسية في المجتمع. يجب إصلاح الرجال والنساء معًا وتغيير الثقافة تدريجيًا. منح الحرية الشرعية يزيد من التقوى، حيث إن الإنسان يحب ما يُمنع عنه، وكلما كثرت المحظورات، نقصت التقوى. وعند إصدار الأحكام الفقهية، لا يجب أن نستهدف الفئة المريضة في المجتمع فقط، بل نعمل أولًا على علاج المجتمع، ومن ثم نستنبط الأحكام الشرعية المناسبة.
إذا أزيل الفقر بالعدل وقطع يد السارق، يعود الأمن للمجتمع.
في الماضي، كان خروج المرأة من البيت يجذب الأنظار، أما الآن فالمرأة تحظى بحرية أكبر في المجتمع، وأقل من يحدق بها إلا من كان مريضًا. يمكن علاج المجتمع بإزالة أسباب الفساد، فإذا خرجت المرأة بلباس محتشم وعملت وتحدثت وغنت وسط المحارم، فلا مانع.
بعض الحلال يصبح حرامًا في المجتمع الفاسد بسبب الأضرار الثانوية، فالعالم المريض لا يجوز له دراسة العلوم والمعارف، وهذا حكم ثانوي وليس أصلي.
ضرورة الفرح والبهجة الشرعية للنساء
يمكن للنساء المؤمنات توفير الفرح والسرور لأنفسهن وللآخرين بالغناء المشروع. كثير من الأمراض النفسية والجسدية عند النساء نتيجة ضعف الأعصاب بسبب عدم عيش المرأة دورها الأنثوي، وتحولها إلى مجرد عاملة وأم، مما يؤدي إلى انعدام الشعور بالرضا والسعادة.
المؤمن يحتاج إلى حياة مليئة بالنشاط، والمرأة يجب أن تُربى لتكون قادرة على خلق البهجة في بيتها، وإمتاع زوجها بالغناء والتصرفات اللطيفة، حتى لا تلجأ إلى الغناء الفاسد في الخارج.
الجميع يجب أن يسعى إلى علاج المجتمع بتربية صحيحة تؤدي إلى مجتمع متوافق مع الثقافة الدينية، فننعم بعلاج “الحلال”.
يمكن القول بأن المرأة تستطيع أن تغني لزوجها، وهذا ليس مستحبًا وإنما جائز شرعًا.
المرأة التي تستطيع أن تغني وتظهر جمالها أمام زوجها، تزيل تعب الروح وتمنح نفسها حرية ونشاطًا، وتحصل على رضا الزوج وراحة النفس.
للأسف، المجتمع يحرم النساء من الجمال والحياة الجميلة، والرجل السيئ يدمر أجمل النساء، والرجل الصالح يجعلها جميلة وثمينة.
العديد من النساء يعانين من أمراض بسبب كثرة الأعمال وإهمال الدور الأنثوي.
إذا غنت المرأة في بيتها أمام المحارم، ولم يكن هناك غموض أو خداع، لن تحتاج إلى الاستثارة في الخارج.
الأطفال أيضًا إذا لم يجدوا حبًا في البيت، ينجرفون بسهولة نحو الانحراف.
نأمل أن يكون هذا الكتاب هدية للمجتمع والعائلات، ويشجع على “الفرح الشيعي” الشرعي.
أحكام تنظيم الهيئات الدينية والمآتم والمواكب الحسينية: دراسة تحليلية
يتناول هذا البحث كيفية إقامة الهيئات الدينية، والمواكب الحسينية، والمدائح، والرثاء، والمآتم، إذ أن تحليل هذه القضايا بعمق يمكن أن يبيّن حداثتها وتجددها، ويفصل بين الحلال والحرام في كل منها على نحو تفصيلي. ورغم وجود النظام السياسي الإسلامي، يمكن الاستفادة من أدوات مثل الغناء والموسيقى، والرقص، والغناء، والفن، والرسم بشكل سليم وصحيح، واستثمار هذه الثقافة العالمية بذكاء. بل قد يكون التفكير في هذه الأمور أهم من الانشغال بالعديد من القضايا الأخرى؛ لأن الثقافة هي التي توجه الأدوات الاقتصادية والاجتماعية وتحدد غايات الاستفادة منها. وقد تناولنا كل هذه المواضيع في الكتاب المشار إليه.
استخدام الموسيقى العلاجية في غناء النساء
ورد في رواية أن شخصًا سأل الإمام السجاد عليه السلام عن رأيه في جارية ذات صوت حسن، فأجابه الإمام: «ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة»؛ فإذا اشتريتها وذكّرتك بالجنة فلا بأس. فالجارية بطبيعتها جميلة الوجه وصوتها حسن، وهي حلال، وهذا استثناء بعيد عن الرياء والنفاق. وقد جعل الإمام معيار جواز استخدام مثل هذه الجارية هو ذكر الجنة، ومن الواضح أنه في هذه الشروط تتبادر إلى الذهن الجنة. كما أن الصوت الحسن يمتلك القدرة على الغناء، وغالبًا ما يغني المطربون كيفما يشاءون، ولا يلتزمون بضبط أنفسهم. والصوت الجميل يشبه الجميلة التي لا تكتفي بالستر.
محبة الصوت واللحن أمر فطري، ومن العقل أن الشخص الجميل الصوت والوجه، والذي لا حرج في النظر إليه، يذكّر الإنسان بالجنة ونعيمها، وهذا أمر واضح لا يُنكر. فلو لم تكن هذه الرواية موجودة، لما خفي هذا الأمر على العقل. إذ إن هذا الصوت إذا غنى يُلين القلب ويرقه.
في الغرب، يعالجون بعض الأمراض النفسية بالموسيقى، ويعينون ممرضات جميلات في المستشفيات لتسريع العلاج. ورغم أن الغرب لا يلتزمون بالحلال والحرام، فإن البحث العلمي يؤكد أن المعاملة بلطف، ورقة، وفرح، وجمال تسرّع العلاج، وهذا منطقي.
اليوم، يفضل أصحاب المحال التجارية توظيف النساء كبائعات، لأن النساء أهدأ في الانفعال، وصوتهن الرقيق يجذب الزبائن أكثر. وعلى الفقيه، بوصفه مدير المجتمع، أن يحدد الحدود الشرعية بين الحلال والحرام، وأن يبين المحرمات دون أن يمنع الحرية المشروعة.
بعض الأمراض النفسية تعالج بأداء النساء الغنائي. وللأسف، «العلاج بالموسيقى» علم منسي لدى الناس اليوم، وقد ذكرناه في مكانه. لا نرغب في مجتمع ميت، والنظام الإسلامي قادر على الاستثمار في مجال العلاج بالموسيقى، وتأهيل نساء مغنيات لتوفير أصوات علاجية، ونشر قيم الروحانية، والاستقلالية، والحرية، والولاية، والمحبة لأهل البيت عليهم السلام. وإن استخدمت المرأة صوتها لإيصال هذه الرسائل حتى مع وجود تحريض، بشرط ألا يكون هذا التحريض محرّمًا، وألا تدعو الناس إلى الشهوة، فلا حرج في ذلك. أما غناء المرأة في المجتمعات المريضة التي تركز على جسدها وشهواتها فهو محرّم، لكن هذا المرض سيزول مع انتشار التواصل. فقد كان البعض في الماضي يتأذى من سماع صوت امرأة، وهذا لم يعد كذلك اليوم.
مذيعات التلفاز المحترمات اللاتي ينقلن الأخبار، لا ضرر في أدائهن لأن أصواتهن لا تحرّض على الحرام، والدين يأخذ بالحال والظرف. وإذا غنت امرأة أو أذنت وهي نزيهة ومؤمنة وصوتها غير محرّم التحريض، فلا بأس بذلك.
التحريض الجنسي للزوج
يُعتبر تحريض المرأة أحيانًا أمرًا مستحبًا في العلاقة الزوجية حين تغني لزوجها وتدعوه إليها. من أسباب برودة الرجال جنسيًا وابتعادهم عن المنزل أن الزوجة لا تثيره ولا تمتلك القدرة على جذب الزوج بحماس، في حين أن مثل هذا التحريض داخل العلاقة الزوجية، ولا يحتوي على حرام، أمر محبوب ويُسهم في رضا الزوجين.
صوت الرجل والمرأة متقارب طبيعيًا، والشريعة لم تفرق بينهما في الأحكام. الصوت قد يكون عاديًا أو مهيجًا ومدمّرًا، خاصة عند النساء. الكلام بالمغازلة من كلا الجنسين ينافي العفة وله إشكال.
صوت المرأة الغنائي الذي يثير زوجها ويحب سماعه سواء كان صوتها في الصلاة أو التلاوة أو الغناء، لا إشكال فيه؛ لأن المرأة لا تفعل حرامًا بقرائتها أو غنائها، بل تثير زوجها لا غريبًا. ويجوز أن يصاحب تلاوتها ترتيل صوتي يُثير وجدًا كما في القرآن، والترتيل مفرح وممتع، والارتجال لا يُعيب.
يجب الانتباه إلى أن التحريض المحرّم، مثل دعوة رجل غريب أو غناء يحض على الحرام، أمر ممنوع.
الحساسية المرضية تجاه الجنس
الحساسية تجاه ذكر المرأة أو الرجل في المجتمع المعاصر ناتجة عن سوء تعليم وتربية، وكأنهما أسمان جديدان يسببان اضطرابًا للمستمع. وهذا مؤشر على مرض اجتماعي، وينبغي على من يعاني من هذه الحساسية مراجعة طبيب نفسي عاقل وليس من يقوم بمعالجات سطحية.
نقد سياسة فصل الرجال عن النساء
لا يمكن تطبيق سياسة الفصل بين الجنسين في المجتمع، وأي محاولة لذلك خاطئة، بل يجب إصلاح المجتمع وتربيته دينيًا بحيث لا يُنظر خلف الجدران ولا يُشتهي الآخر. ويجب التفكير في الأسباب وليس العواقب. وبتنفيذ سياسة صحيحة وتجنب المغازلة والتحريض، يمكن أن يعمل الرجل والمرأة معًا في المجتمع بلا مشاكل، وينظر كل منهما إلى الآخر كإنسان وليس كجنس. الفقيه مسؤول عن هذه النظرة بفطنة رغم العقبات.
الحرية مع التقوى ركيزة أساسية في الدين والفقه تؤسس لبنية اجتماعية متينة. ويجب تنمية القدرات ورفع الوعي وتقليل المحرمات حتى يصل المجتمع إلى مرحلة الاختيار الواعي. مثال ذلك الطفل الجالس على مائدة ملونة بأنواع الأطعمة، الذي يختار بعقل، مقابل الطفل الجاهل الذي يمزج الحامض بالحلو والخطأ بالصواب. يجب رفع الوعي في المجتمع، ووضع كل شيء على الطاولة مع تقليل المحرمات.
في المجتمعات المتخلفة، يجب تشديد الحظر حتى يتحقق الوعي، لكن في المجتمعات المتطورة، تخفيف المحرمات يقلل العقد والقلق ويزيد السكينة.
الدين والشريعة يرفعان الوعي ويقللان الحظر. والفقه السائد اليوم يناقض هذا المفهوم، مما يؤدي إلى العنف والقيود المفرطة.
المحظورات كثيرة لأن المجتمع لم يكن واعيًا، ومن أسباب ذلك عزلة العلماء على مر القرون تحت ضغوط الدولة.
الحرية مرتبطة بالوعي، وكلما زاد الوعي زادت الحرية. والحرية مغلوب على أمرها عندما تستخدمها الأنظمة السياسية بعلم ناقص. الحرية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل نتيجة للوعي، وإذا كان الوعي منخفضًا فتوفير الحرية يؤدي إلى الفوضى والاستبداد وانهيار الأخلاق.
لذا يجب تعليم الناس الوعي قبل منح الحرية. الحرية والاستبداد نتائج للجهل والمعرفة وليسا قيمتين مستقلتين.
في المجتمع السليم، لا يُمنع كلام أو صلاة أو خطاب المرأة أمام الرجال، إذا خلت من المفاسد. لا حاجة لفصل النساء عن الرجال في التعليم أو العمل أو وسائل النقل. المهم هو توفير الرفاهية العامة واحترام كرامة الإنسان. العفاف يتحقق بهذا، وليس بالفصل الجسدي.
القرآن الكريم والإسلام لا يوصيان بإخفاء المرأة أو إخفاء صوتها، لكن المسلمين هم الذين أخفوا المرأة بشكل مبالغ فيه. هذا الانقسام مزاجي ونتيجة الضغوط والبيئة.
بعض العلماء لم يتبعوا المنهج القرآني بسبب عزلة طويلة. نحن نطالب بتصحيح المعتقدات لا بمحاكمة هؤلاء، فهم كانوا يقصدون الخير، والله يجزيهم.
الانحرافات المتعلقة بالمرأة ناتجة عن سوء التربية أو تعصب الدينين، وليس الشريعة نفسها.
الأساس في الإسلام هو السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وليس الإمام علي أو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، لأنها أم أبيها، وجميع أئمة الشيعة من نسلها. المسيحية أيضًا ترتكز على السيدة مريم عليها السلام. كأنما الكوفيون يسمعون صوت زينب كأنه صوت حيدر كرار. القرآن يقول: «وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى»، فيضع المرأة معيارًا وأصلًا.
كانت السيدة زينب عليها السلام تخطب وتلقي الخطابات في الملأ العام وفي حضور الناس كافة، لا في أركان البيت أو وراء الستار. لو أراد الإمام السجاد عليه السلام أن يمنع خطاب السيدة زينب عليها السلام، لكانت قافلة كربلاء وذكر الشريعة قد انقرضا، ولذهب الإسلام بما ذهب. كان أسرى كربلاء قد مروا بمصائب كثيرة، ولم يكن أحد يغفل عنهم، لأن الأعداء كانوا غدارين كذئاب الصحراء، يمزقون أحبّاءهم ويُلصقون بهم تهم الكفر والفجور بسبب خروجهم على الحاكم المسلم آنذاك.
في ظل الظروف التي بذل فيها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه أقصى جهدهم للدفاع عن الدين حتى ضحوا بأنفسهم، لم يكن هناك سوى النساء وغيرهن من يمكنهم الحفاظ على هذه الدماء ونقل شعاراتها للآخرين، ولم يدعوا ذكر الإمام الحسين عليه السلام يُمحى في كربلاء. بل بأدائهم وقيادتهم القوية، حدث أن لم تمض أربعون يوماً على استشهاد الإمام الحسين عليه السلام حتى تم القضاء على صفوف الكوفيين الخائنين وبني أميّة الظالمين. هذا لم يكن نتيجة معجزة، وإلا لو كان الأمر كذلك، لانتهى القتال في كربلاء ولم يبق لا يزيد ولا ابن سعد. لكن الأمر لم يكن كذلك، بل يجب أن يسير كل شيء وفق الظروف والمسارات الطبيعية في الدنيا.
وهنا لا مجال للحديث عن التصرف الولائي، إذ لو كانت السيدة زينب عليها السلام تخاطب بالولاية، لما كانت تخاطب في السرومع الملائكة، بل في أوساط الناس وعلى العلن، حيث يسمع الناس صوتها ويرون وجهها. الخطابة لها آداب وشروط، ولا يطلق لقب الخطيب إلا على من يتكلم بلغة فصيحة بليغة ومؤثرة، قادرة على إسكات الجمهور تلقائياً. وهناك أمثلة كثيرة على هذا النوع من الحرية في التعامل مع النساء في القرآن الكريم.
كما أن الله تعالى ذكر السيدة مريم عليها السلام في القرآن الكريم، الذي هو كتاب تعليم الغيرة الصحيحة للرجال، في أربع وثلاثين موضعاً، ولم يذكرها في أي مرة باسم ابنها عيسى عليه السلام، بل دائماً باسم “مريم”.
بعض الرجال ينادون زوجاتهم باسم أولادهم لتجنب أن يسمع الآخرون اسم الزوجة، وهذا ليس من أخلاق الدين. الله، خالق كل الغيرة، لم يتعامل بهذا الأسلوب في كتابه، بل ذكر “مريم” بكل حرية. يجب احترام المرأة ومناداتها باسمها الحقيقي، ولا يجب إخفاء اسمها في المجتمع. القرآن الكريم لم يذكر اسم السيدة مريم فقط كثيراً، بل وصفها في مواضع بطريقة لا يستطيع بعض الرجال تحملها فيما يخص زوجاتهم، حيث يقول في حقها:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاَهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 91)
في هذه الآية، يُنسب العفة والطهارة إلى الفرج، مما يدل على أن طهارة المجتمع وأمته مرتبطة بأجياله ومكانتهم العلمية وحرية تفكيرهم، لا بالشعارات الفارغة والصرامة الزائدة خارج إطار الأحكام الشرعية. واستخدمت كلمة “فرج” وليس ما يشير إلى الأعضاء التناسلية حفاظاً على الحياء.
المرأة في الإسلام لها مكانة عالية، لكن بعض الظاهرين قللوا من شأنها ونكروا مكانتها وقوتها في المجتمع. أما الإمام الخميني ، فكان متماشياً مع الأنبياء والأولياء، فقد منح النساء الاحترام الكبير وأعاد إليهن مكانتهن الاجتماعية. رحم روحه.
صمم الإمام الخميني ثقافة دينية في المجتمع الإيراني، وناشد النساء والرجال معاً في مواجهة العدو، وشجع حضور النساء، خاصة الأمهات والزوجات الشهداء. ينبغي تدريب النساء للحضور أمام العدو وتعليمهن، كما يجب أن تكون ملابسهن ملائمة لنشاطات الدفاع بحيث لا تعيق قوتهن الدفاعية، ولا تكون ملابسهن غير محتشمة أو على نمط أوروبي مخالف للثقافة الدينية.
الإسلام لا يفرق في الأصل بين النساء والرجال في النشاطات الاجتماعية، لكنه يناقش مقدار وطريقة المشاركة. كما لا يميز بين الجنسين في الإنفاق للدفاع عن الدين، بل يقدمهما إلى ساحات القتال، ويمكنهما التدخل في القضايا الاجتماعية، بشرط مراعاة العفة والتقوى والديانة. وكان النبي صلى الله عليه وآله يرافق النساء، بمن فيهم زوجاته، في الحروب.
الحرية أساس الثقافة الدينية، لكنها غابت تدريجياً عن المجتمع بسبب الجمود والتعصب، ما أدى إلى ظهور حساسيات مفرطة تجاه الجنسين، وأمراض نفسية، وسلوكيات منحرفة تغذيها الثقافة الغربية التي تغوص في العُري والجنس والعنف.
القرآن الكريم ليس حساساً تجاه النساء، والكثير من الأحكام مشتركة بين الرجال والنساء. لذا بدلاً من فصل النساء عن الرجال وخلق حساسيات مفرطة، يجب علينا تغيير نظرتنا حتى لا نضطر دوماً للفصل بينهم أو بين الأزواج أو الآباء وبناتهم، حتى في الأماكن المقدسة مثل الكعبة، التي لا تفصل بين الجنسين. هذا الفصل يحرمنا من أداء الطواف الكامل، وهو أمر عظيم الأجر، وسبب معاناة زوار الأضرحة في العراق وإيران.
الحساسيات المفرطة التي نراها في الحرم الشريف ليست دينية بل موروثة من العادات الاجتماعية، لكنها تُشجع في النظام الإسلامي حالياً كأنها أمر ديني، وهذا يتناقض مع ثقافة القرآن والأنبياء عليهم السلام. وبالطبع، يجب مراعاة الحشمة والحرمة في الأماكن المقدسة.
الحظر والمبالغة في المنع لا تؤدي إلا إلى الفساد والخراب، لأن النفس “لأمارة بالسوء” والإنسان يشتاق لما يُمنع عنه. وهذا يجعل الجنس الآخر يبحث ويتطفل. في تربية الأبناء يجب تجنب هذا الأمر حتى لا يصابوا بحساسية مفرطة. مجتمعنا أصبح حساساً تجاه المرأة، حتى أصواتها وحركاتها البسيطة تسبب مشاكل للآخرين.
الرؤية والتعامل مع النساء أمر طبيعي ولا حرج فيه، والعيب في الانحراف والسلوكيات الفاسدة. ولإصلاح هذا، يجب إزالة الحساسيات تجاه المرأة وتحقيق التوازن، دون الانزلاق إلى الفوضى والانحراف.
يجب تمكين المرأة لتدافع عن نفسها، وزوجها يجب أن يكون حراً بحيث لا تخاف من الطلاق إذا حاول أحد الاعتداء عليها، لأن العاصي هو المعتدي، لا المرأة التي دافعت عن نفسها. النساء ليسوا ضعيفات، فهن في الثورة الإسلامية يشكلن الدفاع النسائي والشرطة النسائية وأبطال الرياضات القتالية.
الحرية الحقيقية هي أساس الثقافة الدينية التي يجب أن نُعلّمها، فلا يبقى المعتدي آمناً، ولا يحتاج الأمر إلى شرطة كثيرة، فالمرأة قادرة على الدفاع عن شرفها وكرامتها.
في مجال الاختلاط، رغم أن صوت المرأة والرجل متساوٍ بطبيعته، فإن الاختلاط لا يعني اختلاطاً كاملاً كالزوجين، بل هناك حدود شرعية للحفاظ على العفة والطهارة. وللشريعة نظرتها الخاصة في هذا.
وفي النهاية، الإسلام هو دين الحرية والوعي، والقيود الشرعية هي قواعد تحفظ حرية الناس وتمنع الفوضى، فلا يكون العيش إلا بالتوعية والفهم.
ضرورة حضور المرأة في المجتمع
المرأة كائن إنساني يُعنى أولاً بالبيت ثم بالمجتمع، والرجل أيضاً كائن إنساني يُعنى أولاً بالمجتمع ثم بالبيت. لذلك، لا يمكن أن يُنتزع المجتمع أو البيت من أيٍّ منهما، بل ينبغي أن يُشارك كلٌّ منهما في المجتمع والبيت حسب مقتضى طبيعتهما. يجب وضع المرأة في بيئتها الطبيعية لتستعيد تركيبتها الفطرية وتأخذ دورها ووظيفتها الخاصة، وتسعى إلى كمالها وإكمال الرجل.
بقاء المرأة طويلاً في البيت يؤدي إلى اضطراب نفسي لديها، وهذا الاضطراب يدفعها للخروج المطلق إلى الخارج، حيث يغلب بُعدها الاجتماعي على البُعد المنزلي، فتتحول إلى كائن اجتماعي-منزلي بشكل مبالغ فيه، وهذا أمر خطير يعكس طبيعتها الفطرية، التي تجمع بين الدور المنزلي والاجتماعي، ويُفضي إلى زعزعة أسس الأسرة.
ومع ذلك، هناك ضرورة ملحة في زماننا لحضور المرأة في المجتمع. فمسألة التعليم، والتعلم في الجامعات، والمساعدة القضائية، والرعاية الصحية، والطب، وبيع السلع الخاصة بالنساء، كلها أمثلة على الضرورات التي تستوجب تمكين المرأة لتكون مكتفية ذاتياً ومستقلة عن الرجل.
على المرأة أن تعمل في المجتمع بدوام جزئي، لا بدوام كامل ثماني ساعات حتى لا تتعب وتفقد القدرة على إدارة شؤون زوجها وعلاقاتها الزوجية، إضافة إلى مسؤولياتها المنزلية.
سنناقش لاحقاً الوظائف الخاصة بالنساء، التي يُحرّم على الرجال مزاولتها. مثلاً، لا حرج على المرأة أن تُحرر صوتها بالغناء، حتى لو سمعها رجل غريب أو أن تقوم بالنواح على الموتى.
الطابع الاجتماعي-المنزلي للمرأة
لا يُعتبر الرجل كائنًا اجتماعيًا فقط، ولا المرأة كائنًا منزليًا فقط، بل كلاهما مركب من هذين البعدين، مع تميز دور كل منهما. فالبيت هو الأولوية للمرأة، ثم عليها أن تكون حاضرة في المجتمع بدوام جزئي. أي دور اجتماعي يُعيق حضورها الأول في البيت يُسبب لها أضرارًا نفسية وجسدية. كذلك، المجتمع وحضور الرجل فيه أولوية أولى، ثم يأتي دوره في البيت، وأي تحدٍّ عائلي يُعيق دوره في المجتمع يؤدي إلى توتر وضغط نفسي وضرر عليه.
الإدارة النسائية للمؤسسات الخاصة بالنساء
النساء لسن ضعيفات بحيث لا يستطعن القيام ببعض الأعمال الاجتماعية، خصوصًا الطبية كطب النساء والقبالة. يجب أن يكون للنساء حضور قوي في المجتمع، ليكن لهن مسجد خاص وإمامة نسائية يتمتعن بالإيمان والعلم، ليقبلهن المجتمع النسائي كقائدات دينيات.
هذا الحضور يمكّن من حفظ كرامة المرأة وعزتها الإنسانية، ويعزز الأمن النفسي للرجل داخل البيت.
الدين رسم خطة سليمة لحياة المرأة وحضورها في المجتمع، بعيداً عن التطرّف والظلم الذكوري الذي غالبًا ما تسوده ثقافة المسلمين وليس الدين الإسلامي ذاته.
حرمة بعض الوظائف على الرجال
الوظائف المخصصة للنساء كبيع الذهب والمجوهرات النسائية، وبيع الملابس النسائية (منها الملابس الداخلية) محرمة على الرجال، لأن نظر الرجل إلى المرأة في مثل هذه المحلات يسبب لها اضطرابًا نفسيًا ويؤثر على اختيارها للمنتج وسعره.
كما أن وجود رجال في هذه الوظائف يؤدي إلى فساد أخلاقي في المجتمع، وهذا يجب أن يُمنع بقوانين صارمة.
على النساء أن يملكن هذه المهن وينظمنها بأنفسهن.
الختام
إن دور المرأة في المجتمع ضروري وفعال، ولكن يجب أن يكون في إطار يحافظ على دورها الطبيعي في البيت وعلى عفتها وكرامتها، وكذلك حفاظًا على استقرار الأسرة والمجتمع.
تُحجز النساء في البيوت وتُخفي خلف الحجاب، فيفقدن عيشهنّ الأسري والاجتماعي، وبعد فترة من العيش المنزلي، يلجأن إلى التحول إلى المجتمع والتنقل والتجوال في الشوارع. وعند هذه النقطة، فإن نساءً يمكن أن يُعالجن بواسطة طبيب واحد، يراجعن عدة أطباء رجال، وأحيانًا يُضطر الرجال إلى ترك زوجاتهم وحدهنّ وهم يرون رجالًا غرباء في غرفة العمليات مع زوجاتهم عاريات، وذلك لأن المجتمع الإسلامي لم يتمكن من إعداد عدد كافٍ من الطبيبات النساء المتخصصات والماهرات نتيجة التضييق المفروض على تعليم النساء، ما جعل النساء مجبرات على مراجعة الأطباء الرجال.
إذا كان للمرأة زوجٌ يرى فيه كمالات علمية وروحية وأخلاقية وقوة، فإنها لا تميل إلى غيره ولا تفكر في مصاحبة رجل آخر. تصبح المرأة منحصرة في زوجها فقط، فإذا رأت آلاف الرجال، لم تعدّ أحدًا منهم رجلاً، بينما المرأة التي تزوجت رجلاً سيئ الخلق، غير نظيف وضعيف، فما الذي يمكن أن ترجو من زوجها؟ الرجل الذي لا يستطيع إشباع حاجات زوجته الجنسية يجب أن يطلقها ولا يترك في قلبها حسرات شهوة الرجل. إنّ امتلاك العلم، والروحانية، والأخلاق، والنظافة، والصحة، والرجولة في الزوج هو ما يجعل المرأة لا تقع في الخطأ، وبالمقابل، لا يُعد الرجل مذنبًا.
لكن حبس المرأة في الشقق الحديثة يسبب ضغطًا نفسيًا إضافيًا ويؤدي إلى استسلامها للمعصية. يركز هذا النص على ضرورة الصفاء، والحميمية، والمودة، والأخلاق، والنظافة، والعلم، والقوة، والروحانية، والرجولة، بحيث تجعل المرأة تهيم بحب زوجها وتتجاهل الرجال الآخرين.
الرجل الذي يغسل عرقه، وينظم ملابسه، ويرتب شعره، ويضع عطراً، ويقف أمام زوجته كالعريس، يصبح وحيدًا وفريدًا في نظرها، ويجعل حياتهما مستقرة، فتغلق المرأة عينيها على الآخرين، ويظل الحب والحنان متينين في داخل الزوجين، فيكتفي كل منهما بوجود الآخر.
نهج البلاغة، ج ۳، ص ۵۷، خطبة ۳۱.
(۲۱۸)
الخطأ الذي تربى عليه الإنسان، قد يمنعه أحيانًا حتى من ذهاب زوجته إلى تشييع جنازة والديها، فلا ينبغي أن نتوقع حياة سعيدة لهما، وإن قررت المرأة القضاء على زوجها، فلا يثير ذلك دهشة كبيرة، ولا يمكن توقع أن تحضن المرأة زوجها في الليل بعنفوان حب وهي تحمل ضده هذا القدر من الكراهية. كيف يمكن أن تكون هناك أحكام في الشريعة الإسلامية تُغذي الخلاف بين الزوجين؟ الدين الإسلامي يحمل أحكامًا جميلة ويبتغي حياة زاهية ونقية للمسلمين، وعلى هذا الأساس، فإن الذي يتبع الإسلام هو الذي يتمتع بأسمى الأخلاق الفردية، الأسرية والاجتماعية. وللأسف، لم يستطع علماء الدين لدينا أن يوضحوا هذه الجماليات للمجتمع، ولم يحرموا البشرية من أفكارها السامية فحسب، بل حرموا أنفسهم أيضًا.
ولا ننكر أن للرجل ولاية إدارة المنزل، ويجب على الزوجة أخذ إذنه للخروج، لكن هذا الحكم ليس مطلقًا، بل مشروط بأن يحفظ الرجل العدل في ممارسة هذه الولاية، ويثبت أهليته لها. والعدل يستلزم أن يكون الرجل حلو الطباع، رقيق القلب، متواضعًا، يحفظ حرمة وكرامة زوجته الإنسانية.
كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حلوًا وعزيزًا إلى درجة أنه خلال ثلاثة وعشرين عامًا من بعثته جعل حتى أبا سفيان وهند بنت عتبة يذلّان أمامه. هذا الأسلوب في الحياة كان سببًا في محبة الجميع له، ولم يكن نتيجة لقضايا غيبية فقط، بل لأن أخلاقه كانت بهذه الجاذبية، وقد كان حتى المشركون يثقون به قبل البعثة ويُطلقون عليه «محمد الأمين». وعندما بدأ النبي صلى الله عليه وآله يحثّ على توحيد الله ونهى عن عبادة الأصنام، اختلف معه المشركون، وإلا لم يكن لأحد مشكلة معه.
إذا توسع الرفاه العام وحصلت النساء على التعليم العالي وفرص العمل الاجتماعية الملائمة مع توفير بيئة آمنة نفسيًا وحفاظ على العفاف الفردي والاجتماعي، ستثبت النساء أنهن قادرات على الحضور الصحي في المجتمع. بالطبع، يجب تحييد الحساسية الجنسانية في المجتمع، وتربية الرجال بحيث لا يطمعوا في النساء الغرباء عند رؤيتهن، وإلا لن تنفع حتى الحجب الكثيفة لحفظ النساء من الطمع الذكوري.
في المجتمع الحساس، يجب علاج النساء المرضى ومنع حضورهن الاجتماعي المرضي. الخروج المفرط للنساء لأسباب بسيطة كشراء سلعة واحدة يمكن تأجيلها ليوم محدد، مرفوض شرعًا. الشرع لا يحبذ خروج النساء بلا حاجة، ويجب على الرجل أيضًا أن يخرج من المنزل للعمل، وليس للتجول والبطالة. الإنسان مسؤول عن عمره، ويجب ألا يضيعه فيما لا فائدة منه.
قال الله تعالى:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»(1)
الراحة مطلوبة، لكن التجول المستمر ليس جائزًا، حتى للرجال الذين يجب أن يبقوا في البيت لتقليل الازدحام والتلوث. الترفيه ضروري لكنه لا يجب أن يؤدي إلى هدر الوقت.
الخروج للعمل والكسب خصوصًا في أوقات الأزمات الاقتصادية ضروري ومقبول، لكن خروج النساء العاطلات أو الفاسدات المرفوضات اجتماعيًا يجب تقييده. هذه مراقبة مشتركة للرجل والمرأة للحفاظ على العفة، وهي من أُصول الدين الأساسية.
الشريعة لا تريد أن تتخذ النساء التسوق ذريعة للحديث مع الرجال الأجانب أو إضاعة العمر، بل يجب أن يكون الرجل الوحيد في قلب المرأة، وهذا يتطلب أن يتعلم الرجل فن الحياة ويُظهر للمرأة وحده عظمة تجعله مركز نظرها.
لا ينبغي تفسير المساواة بين المرأة والرجل على نحو يساوي بينهما في كل شيء، لأن ذلك ظلم لكل منهما. العقلانية تدعو إلى احترام الفروقات البنيوية بينهما، مع الإقرار بالتشابه في الإنسان بصفته إنسانًا.
ضرورة حفظ العفاف
خروج المرأة يجب أن يكون مع حفظ العفاف والستر الكامل، ويمتنع عليها أفعال الإثارة أو الكلام الذي يثير الشهوة لدى الرجال. هذه الأفعال تدل على مرض المرأة ويجب إبقاء المرضى منهن في البيت.
القرآن يقول:
«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»(2)
الكلام الحسن يحفظ كرامة الطرفين ويجنبهم الوقوع في الفخاخ.
المديح والنواح النسائي
المرأة حرة في النشاط الاجتماعي المعقول مع مراعاة العفاف وعدم المرض النفسي أو الأخلاقي. بإمكانها الغناء والنشيد غير المحترف مع الحفاظ على صحة المجتمع.
النواح مقبول ما لم يكن برفقة أفعال محرمة كالإيذاء الجسدي، أو تأييد الظالمين. لا مانع من رفع الصوت والصفق، ويجوز كسب المال من هذا العمل بشرط ألا يكون فيه إسراف أو كفران نعمة.
الغناء النسائي في المناسبات السعيدة مقبول شرط حفظ حدود الدين والستر. الغناء المرافق للرّقص العاري محرم.
إذا غنت النساء في مجالس نسائية فقط بدون مخالفة الشرع، فلا مانع.
يجب تنظيم مظاهر الفرح بما يزيل المحرمات عقليًا وشرعًا.
الناس ينبغي أن يعترفوا بحرية الشباب في إحياء المناسبات دون تشدد غير مبرر.
الكفاية الزوجية والتكاثر
الكفاية الزوجية واللذة أساس الحياة الزوجية والتكاثر، فالتكاثر السليم يولد أطفالًا أصحاء.
المجتمع الإسلامي يحتاج إلى التوازن بين الحزن والفرح.
الغناء النسائي للرجل الأجنبي لا حرج فيه ما لم يصاحب بمحرمات.
إباحة الغناء تمتد إلى المناسبات مثل عيد الفطر وعيد الأضحى وأعياد الميلاد.
التحريم يتعلق بالمصاحبة للفساد والأفعال المحرمة.
العري من أسباب تحريم الغناء النسائي، وهو عادة سياسة الطغاة لإفساد الأخلاق.
لكن إذا كانت المرأة محتشمة في لباسها وكلامها فلا دليل شرعي على تحريم غنائها.
المرأة تحاول بجمالها وجاذبيتها استمالة الرجال، والإسلام يضع حدودًا لضبط هذا السلوك.
(۲۲۸)
يجذبونهم برقصة راقصة، بحيث كانوا بدعوة بعضهم البعض يقومون بكل أنواع الفساد. ومن هنا جاء تحريم الغناء والرقص لديهم. لكن مع تغير الظروف واحتشام النساء المسلمات، يمكن الاستفادة من غناء النساء المسلمات الذي لا يوجد له دليل على التحريم، وهذا العمل له أثر واسع وإيجابي في العالم، إذ يستعيد المجال من المطربين المعادين للثورة والمهربين إلى الخارج، بل ويوفر لهم فرصة للإصلاح والتوبة. وهكذا، يصبح الفن والغناء والعزف ليس تحديًا ولا أداةً للإطاحة بأحكام الدين ونظام الإسلام، بل يتناسب مع النظام الإلهي ويصبح وسيلةً لتحقيق الصحة ونشر الشعائر الدينية.
امتداد ألحان النساء
حكم حل غناء النساء يقوم على مبدأين: الأول هو الأصل الأصيل في جواز الغناء، والثاني هو اشتراك الأحكام بين المرأة والرجل ما لم يوجد دليل خاص على خلاف ذلك. ولا فرق بين جواز غناء النساء في تلاوة القرآن الكريم أو الأذان أو الغزل والنغم، فالمرأة يمكنها أن تغني لجميع الناس، وكلهم يسمعون غنائها، بشرط أن تلتزم بالحجاب الشرعي، وتبتعد عن الغمز والدلال والغناء الذي يروج للباطل. وإذا لم تلتزم بهذه الشروط وغنت في الملاهي والاحتفالات والنوادي التي هي بيت الفساد، فذلك دليل على أن المجتمع لا يزال في طفولته الفكرية، ومن ثم يكون غناؤها حرامًا.
الألحان النسائية المسببة للبهجة
سُئل الإمام زين العابدين عليه السلام: هل يجوز شراء جارية ذات صوت حسن؟ فأجاب: لا بأس في ذلك، فهي تذكرك بالجنة والمَلَكوت.
ويجب الانتباه أن الإمام لم يقل “لا بأس بها” فقط، بل قال “ما عليك” التي تحمل معنى أعمق، وكأنه يريد أن يقول: لماذا يكون فيها إشكال؟ خصوصًا مع قوله: “تذكرك بالجنة”.
فكيف يذكّر الصوت الحسن بالجنة؟ الجواب: كل الجنة هي نغمة، بعكس الدنيا التي هي كلها زَخم. وأولياء الله يرون كل الزَخم نغمة وحلاوة. ما يذكّر الإنسان بالجنة هو صوت الجواري الجميلات، لأن الصوت الجميل غالبًا ما يصاحبه وجه جميل، والصوت المُنسجم والمكرر يخلق انطباعًا يذكر الإنسان بالجنة.
الموسيقى والتحرر من التعقيدات
تشابك الأمور المادية وكثرة المشاغل والغفلة والأرق والطمع والخوف والقلق والتوترات الروحية كلها من عذابات جهنم، والصوت الحسن واللحن الجميل يساعدان الإنسان على التحرر من هذه الأمور والارتفاع نحو العوالم العليا والتفكر في الجنة. هذا لا يعني أن الصوت ينقل إلى جنة عدن، لكنه يذكر الإنسان بها، والذكر يؤدي إلى التوق إليها، وإن لم يصل الإنسان إلى أعلى مراتبها.
وينصح الدين عند ضغوط الحياة واشتداد التوتر بأن يذهب الإنسان إلى المقبرة، حيث يعيد فيها تذكّر الآخرة وراحة الروح.
المباحات التي تثير البهجة
من النقاط المهمة في الرواية جواز استخدام المحفزات. استعمال صوت الجارية الجميلة التي تحفز النفس، بشرط أن يكون التحفيز لأمور مباحة، لا إشكال فيه.
كثير من الأطعمة تثير المزاج، مثل الزعفران والماء الورد وعصير الجزر، التي تزيد القوة الجنسية والقدرة على التمتع بالعلاقة الزوجية، ولم يحرم الدين هذه المثيرات فقط لأنها تقوي. التحريم يأتي إذا كان التحفيز يؤدي إلى فعل محرم أو فساد. بناءً عليه، لا يمنع أن يكون الغناء مليئًا بالموسيقى والطرب والتحفيز، إلا إذا ارتبط بالباطل والحرام.
الهندسة الثقافية للعفاف
التمييز بين الجنسين والاهتمام به:
الإنسان قبل أن يكون ذكرًا أو أنثى هو إنسان. الإنسان يحدد جنسه بين ذكر وأنثى، والحفاظ على هذا التحديد يسمى “العفة”، وهي الحياء والابتعاد عن الفساد. العفة غريزية لكل إنسان سليم.
العفيف له ميزتان: “الغيرة” و”الحياء”. الإنسان الذي يفتقر إلى الغيرة ليس عفيفًا بل وقحًا. العفة ترتكز على مركزين حساسَين: العقل (الفكر) والقلب (العشق). إذا أصاب التفكير جهالة أو جهل، وأصاب العشق جفاف أو إفراط أو فساد، يظهر مرض “الحساسية الجنسية”، وهو مرض نفسي يؤدي إلى التمييز الضيق بين الجنسين بحيث يرى الإنسان الآخر جنسًا فقط لا إنسانًا، ويتصرف بنظرة ضيقة.
لقد أصيبَ بمرض الحصبة. فإنَّ من يُصابُ بهذا المرض، يظهر عليه في تواصله الاجتماعي إفراطٌ وتفريطٌ؛ فمثلاً، حين يتحدث إلى امرأة تحافظ على علاقات اجتماعية سليمة، لا يلتفت إليها، بل يُحدِّقُ في أزهار السجادة أو لون السماء الأزرق. وأحيانًا يُفرطُ في الأمر، فيُمعنُ في النظر إليها حتى يَحصُلَ على عدد رموشها بنظرةٍ حادةٍ، متعدّيةٍ ومريضة. ومن أمثلة هذا المرض أيضًا غمز المرأة ولعبها بالعيون أثناء الحديث مع غير المحارم.
إنّ الاستياء من الجنس ذاته قد يؤدي إلى تحسّس زائد تجاه النوع الاجتماعي. يظهر هذا الاستياء لدى النساء والرجال الذين يغلب عليهم مظهر الجنس الآخر، فالمرأة ذات هيئة رجولية أو الرجل ذو هيئة نسائية. وينطبق الأمر نفسه إذا كان موضوع النقاش هو حضور النساء في الحكومة أو البرلمان من منطلق جنسهنّ، إذ يكون ذلك نظرة سياسية إلى النوع الاجتماعي، وينسى الإنسانُ إنسانيّة النساء. ومع ذلك، فإنّ الهيكل الصحيح لحضور النساء في المجتمع هو الذي يوصلهنّ إلى حقوقهنّ المفقودة، لا وجود عددٍ من النساء في الحكومة أو البرلمان، الذي هو مجرد معالجة لأعراض المرض وتجاهل للأسباب.
على أيّ حال، بالرغم من أنّ البنية الوجودية للإنسان من حيث كونه رجلاً أو امرأة تتّصف بوحدة متساوية في الإنسانية، إلا أنّ هناك خصائص جوهرية تظهر في إطار النوع الاجتماعي، والتي ينبغي إيلاء اهتمام متوازن وعاقل لها. فقد جعلت رقةُ المرأة وجمالها وجاذبيتها وبنيتها الخلقية المتميزة مكانتها في أوجهٍ معيّنة متفوقة، إلى درجة أنّها سبقت الجنس الذكوري في هذه المجالات، وهذا ما منحها أساساً متميزاً وأساسياً، ومن أبرز مظاهره حالات النفس، والخصائص النفسية والطبيعة النسائية لديها. وقد تابع الشرع هذه الطبيعة بدقة، ليكون بعيداً عن أيّ انحراف أو نقص أو إهمال في فهم طبيعة المرأة. ولهذا الغرض، وضع الفقه الإسلامي أحكاماً وخصائص وقوانين للتحكم والهداية الصحيحة لهذه الطبيعة.
دراسة الظواهر للمرأة والرجل
إن التمييز بين المرأة والرجل في الجنس هو بحيث يمكن القول بأن الخلق لم يترك نقطة مشتركة بين الجنسين. هذا التمييز يمكن دراسته في كافة القدرات الذهنية والجسدية والعناصر المكونة لكل منهما. وإذا ما نظرنا إلى خلق المرأة والرجل بنظرة فلسفية دقيقة، فلا يمكننا رؤية تكرار في الخلق، فكل الصفات الخاصة بكل من الجنسين تكمن في التمييز. في الخلق، كل ظاهرة هي فريدة ومنفردة. نحن لا نؤمن بالمساواة المطلقة بين المرأة والرجل ـ وهو شعار الغربيين ـ لأن مساواة المرأة والرجل وتجاهل الفروق الوجودية والبنائية في خلقتهم، وكذلك مقام كل منهما في سلسلة تجليات الوجود، واعتبارهم متساوين في كل مجالات الحياة بصورة مطلقة، هو ظلم مضاعف للمرأة وللرجل معاً؛ لأن ذلك يبعد كل منهما عن مكانته الخاصة، وهذا النهج بعيد عن العقلانية ورؤية الحقيقة.
مع أنّ الله تعالى خلق الإنسان أولاً على صورة الرجل، فأخرج آدم عليه السلام إلى حقل الخلق، ثم خلق المرأة له ليظهر بها جماله، وكذلك لكمال الرجل وللوصول إلى مقام الجمع والاستفادة من كل أسماء وصفات الله سبحانه وتعالى. وبناءً على هذا الأمر قيل إن المرأة خُلقت من الرجل؛ أي أن المرأة أُعطيت قدرة على أن تُكمل الرجل وتوصله إلى الكمال. ولكن في الحياة المشتركة بين المرأة والرجل، لا يمكن القول إن المرأة هي الأصل أو الرجل أو الابن، بل الأصل هو المجموع الحقيقي الروحي الناتج من اتحاد هؤلاء الأفراد، وهو ما يُسمى بـ «الأسرة».يوجد بين هذين الكائنين الإنسانيين (المرأة والرجل) قواسم مشتركة تجعل إنسانيتهما تظهر وتبرز، لكن هذه القواسم المشتركة سطحية والجوهر بينهما مختلف. على سبيل المثال، التركيب الخَلْقي للمرأة والرجل هو بحيث يكون كل منهما معتمدًا على الآخر، ولكن طبيعة هذا الاعتماد تختلف. فالرجُل كأنه طفل بين يدي المرأة يحتاج إلى رعايتها وحنانها المستمر، والمرأة بدورها تشعر بعلاقة عاطفية تبعيتها للرجل، وتعتبر نفسها ضعيفة وغير كاملة بدونه. هذا الاعتماد ذو وجهين؛ فالرجُل خُلق للمرأة، والمرأة خُلقت للرجل، وليس الأمر أن المرأة خُلقت فقط للرجل. فالمرأة ليست خادمةً للرجل ولا جارية له، بل المرأة تعتمد على الرجل بنفس المقدار الذي يعتمد فيه الرجل على المرأة. وكما يسعى الرجال لتحقيق نجاحهم بمساعدة النساء، تسعى النساء كذلك إلى نجاحهنّ بمعاونة الرجال. بل إن النساء، إلى جانب نجاحهن، يعتبرن الرجل سندًا لهن ويعتمدن عليه أكثر. على الرغم من ذلك، تجد المرأة في تواصلها مع الرجل قلبًا حيًّا ووجهًا شاحبًا، بينما يكتسب الرجل كلما زادت يده في يد المرأة نضارة وحيوية. وكلما بقيت المرأة في قبضة الرجل أكثر، زاد انكسارها، وكلما بقي الرجل في قبضة المرأة أكثر، ازداد انتعاشه. قصر عمر المرأة يسبب انكسارًا للرجل، والعوامل التي تطيل العمر ـ خاصة الفواصل مثل فواصل الدورة الشهرية ـ هي نعمة خاصة للطرفين. ومع ذلك، تظل المرأة متميزة بصفات خاصة، وهي دائمًا محبوبة وفريدة بالنسبة للرجال الذين يحبونها.
النساء الجميلات يمتلكن كمالاً طبيعيًا أو أخلاقيًا، ولكن فيما يخص الكمال الروحي، غالبًا ما يكنّ غير موثوقات، وهذا من حكمة الله وعدالته. قلّما توجد امرأة جميلة كاملة، وغالب النساء الجميلات تفتقدن بعض جوانب الجمال. بعض أنواع الجمال تدل على فراغ داخلي ولا تحوي روحًا طيبة. معظم الجميلات يتصفن بالتكبر، ويرفضن الاعتراف بوجود أجمل منهن. بعض النساء لا يمكن تحملهن ولو للحظة واحدة حتى مع آلاف الأطنان من العسل والسكر، وبعضهن أسوأ من آلاف أطنان السم. النساء الثرية عادةً ما يكنّ في حالة نشوة وغرام، والنساء الفقيرات غالبًا ما يكنّ مكتئبات وكسالى، ويجب توقع ذلك منهن وليس أكثر.
دور الإدارة الحكومية في تأمين العفة العامة
ما يضعه الإسلام في العلاقات الاجتماعية من أهمية كبيرة، ويحرص عليه في جميع مسائل المحرمات وغير المحرمات، من اللباس والرؤية، هو حفظ العفة. والحفاظ على العفة في المجتمع يتطلب بنى اجتماعية وأساسية متينة. فمثلًا، الفقر والحرمان وانخفاض المستوى الثقافي من العوامل التي تخفض من مستوى العفة، مما يؤدي إلى تراجع في الجهد والعمل. العمل في بعض المناطق يعتمد أيضًا على العامل الأخلاقي الاجتماعي. فإذا كانت الذكاء تعني الخداع والاحتيال على الآخرين، ينتشر التقاعس وينخفض الإنتاج، والعكس صحيح إذا كان الالتزام بالعمل والانضباط واحترام القانون سائدًا، يزداد الإنتاج. بناءً على ذلك، يمكن القول إن ارتفاع قيمة العمل والإنتاج في بعض الدول الغربية لا علاقة له بنمط ملابسهم أو سلوكهم الجنسي. ومع ذلك، في الغرب المنحل الحالي الذي يهين القيم الروحية ويتجاهل أحكام الله، وتُنتزع حجب العفة واحدًا تلو الآخر، قد تُراعى عفة الرجل أحيانًا.
بشكل عام، تختلف المجتمعات في حساسيتها تجاه عفة الرجال أو النساء. فبعضها يولي الرجال أهمية كبيرة كأنهم شرف المجتمع، وبعضها الآخر يولي الإناث هذه الحساسية، كأن الرجال غير مهمين. الإسلام لا يتوافق مع أي من هذين النمطين الثقافيين، فالقرآن الكريم لا يميّز بين الجنسين من حيث الحساسية أو الاهتمام، بل معيار التفوق هو التقوى والحفاظ على القيم الإنسانية والدينية.
يؤدي الفقر المادي وما يترتب عليه من نقص نفسي إلى إثارة الرغبات، وفي بعض المجتمعات يصبح الحجاب الكامل ضرورة، وإلا فإن تراكم الشهوة والحرمان مع نقص فرص الإشباع يسبب تفاقم الأمراض النفسية والانحلال الأخلاقي والتمرد على القيم الروحية، ويولد شعورًا دائمًا بعدم الرضا والجشع.
إذا كانت البنية الأساسية للزواج غير سليمة ولم تعالج الأمراض النفسية المتعلقة به، فإن الزواج قد يزيد من حدة الأزمات الاجتماعية. وقد ذكرنا سابقًا أنه إذا كثرت الأوساخ النفسية أو وجدت عوامل مثل الشباب والحرمان والحرقة والنقص ـ التي لا ترتبط مباشرة بالتلوث ـ قد يتحول الفرد بأقل خيال إلى فعل خارجي. هؤلاء أشبه بمن يصاب بسكتة قلبية عند رؤية شبح وهمي، مع أن الشبح لا يستدعي ذلك.
إذا لم يكن المجتمع صحيًا نفسيًا وجنسيًا، وإذا لم تُشبع رغباتهم بشكل طبيعي، وإذا كانوا غير راضين وغير قانعين، يصبح المجتمع مريضًا، وتسيطر العطش الجنسي على الأفراد، فيشربون أي ماء حتى لو كان ملوثًا بشراهة. هؤلاء المتعطشون لا يأخذون المعايير في الحسبان. وفي مجتمع غير سليم، يحرم الكثير من الحلال ـ خاصة في مجتمع شبابي حيث قد يجعل الشباب الآخرين حوامل بأعينهم ـ بسبب الأضرار الثانوية والمعاصي. هذه الحالة تشبه المجتمع المتخلف الذي لا يمكنه أن يناقش المسائل العلمية أو المعرفية بسبب جهل الناس، وهذا الحكم ثانوي، أما الأصل فلا مانع منه.
البَيَانُ بِاللُّغَةِ الْفُصْحَى وَالصِّيَغَةِ الْأكَادِيمِيَّةِ:
عدم احترام النفس وعدم استحقاق الجماعة
إنَّ مَن لا يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ، لا يَسْتَحِقُّ عَدَدًا مِن النَّاسِ. ومِنْ بَيَانٍ آخَرَ يُمْكِنُ قَوْلُهُ: إنَّ الغِيبةَ حرامٌ، ولكنْ إذا كَانَتِ النَّفْسُ لا تَحْتَرِمُ نَفْسَهَا وَتَجَهَّرَتْ بِالإِفْسَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يُوْقِعَ عَلَيْهَا الحُرْمَةَ، وَعِنْدَ اللَّازِمِ لا يَكُونُ فِي غِيبتِهَا إِشكالٌ. وَبِهَذَا تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ بِتَغَيُّرِ الْمَوْضُوعِ، وَلَيْسَ أَنَّ أَحَدًا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ الحُكْمِ الإِلَهِيِّ.
الإسلام بين العفاف الشكلي والعفاف المضموني
لِلإِسْلَامِ بَرَامِجٌ وَأَحْكَامٌ لِلْعَفَافِ الشَّكْلِيِّ وَالمَحْتَوَيّ، فَفِي العَفَافِ الشَّكْلِيِّ يُشَدَّدُ عَلَى تَغْطِيَةِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِعْصَمِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَظَرٌ مُحَدَّدٌ كَيْفِيَّةُ هَذِهِ التَّغْطِيَةِ، فَهِيَ حُرَّةٌ وَتَتَبَعُ التَّقَالِيدَ وَالظُّرُوفَ. وَهَامُّ أَمْرٍ أَنْ تَكُونَ اللِّبَاسَاتُ عَفِيفَةً، غَيْرَ مُسْتَهْتِرَةٍ وَغَيْرَ مُسْتَفِزَّةٍ وَغَيْرَ مُكَشْفَةٍ لِلْعَوْرَةِ. وَالعَفَافُ الْمَحْتَوَيّ أَهَمُّ مِنَ الشَّكْلِيِّ، فَالإِسْلَامُ يُرِيدُ نَجَابَةَ النِّسَاءِ وَصِحَّتَهُنَّ بِالْعِزْلِ عَنِ الْفَسَادِ، وَالعَفَافُ الشَّكْلِيُّ وَسِيلَةٌ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، وَهُوَ كَفَرْضِ الوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ.
الحب العفيف
الْحُبُّ هُوَ الْحِفْظُ وَالْوُصُولُ إِلَى الْمَعْشُوقِ، وَالْمُحِبُّ الَّذِي لَا يَمْلِكُ مَعْشُوقَهُ بَعِيدٌ عَنْ الْحُبِّ حَقًّا وَهُوَ مُشْتَاقٌ. الْشَّوْقُ طَلَبُ الْمَحْبُوبِ، وَالْحُبُّ حِفْظُ الْوُجُودِ. وَالْحُبُّ يَظْهَرُ فِي النَّفْسِ، وَالنَّفْسُ هِيَ الَّتِي تَحِبُّ. وَالْحُبُّ قَدْ يَكُونُ لِلصُّورَةِ أَوْ لِلْبَاطِنِ أَوْ لِلْحَقِيقَةِ، وَحَقِيقَةُ الْحُبِّ وَاحِدَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. الْحُبُّ الْعَفِيفُ يَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُبًّا لِلْجَمَالِ وَالْكَمالَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ وَيَكُونَ عَفِيفًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَاطِنِ وَلَيْسَ عَفِيفًا.
الْعَفِيفُ هُوَ مَنْ يَخْلُو مِنَ الْعِصْيَانِ وَالطُّغْيَانِ وَالْانْحِرَافِ، وَالْحُبُّ يُنَشِّطُ النَّفْسَ وَيُبْعِدُ الْكُسَلَ وَالذَّهُولَ. إِلَّا أَنَّ الْإِفْرَاطَ فِي الْحُبِّ لِلصُّورَةِ هُوَ نَتِيجَةُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَيُضْعِفُ الْعَقْلَ. وَالْحُبُّ لِلْجَمَالِ الظَّاهِرِيِّ إِذَا رَافَقَهُ الْفُجُورُ وَالْمَعْصِيَةُ فَلَيْسَ حُبًّا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ شَهْوَةُ نَفْسٍ رَدِيئَةٍ.
المحرمية النسبية وأنواعها
رُغْمَ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ الْغُرَبَاءَ هُمْ بِمَثَابَةِ الْغَيْرِ مُحَرَّمِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَمِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، فَلاَ يَجِبُ أَنْ يُوجَدَ نَفْسُ الْفَرْدِ بَيْنَ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الْغَيْرِ الْمُحَرَّمِينَ الْمُطْلَقِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُصْعِبُ الْحَيَاةَ وَيُؤَدِّي إِلَى التَّوَتُّرِ وَالْخَنَقِ الْاِجْتِمَاعِيِّ. وَالْمُحَرَّمِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ تَكُونُ بِثَلَاثِ أَنْوَاعٍ:
- المحرمية بين الزوجين: وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُحَرَّمِيَّةِ، وَفِيهَا لاَ وُجُوبَ لِلْحِجَابِ، وَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ أَجْسَادِ بَعْضِهِمَا وَالْمَسُّ.
- المحرمية النسبية وبعض المحارم بالسبب: كَالأَبِ وَالأُمِّ وَالأَخِ وَالأُخْتِ وَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْخَالِ وَبَعْضِ الْمَحَارِمِ بِالسَّبَبِ كَمَا مَثَلُ حَمَاةِ الرَّجُلِ. وَيَجُوزُ فِيهَا رُؤْيَةُ الْعَضُوِّ مَا عَدَا الْعَوْرَةِ.
- المحرمية الاجتماعية: وَهِيَ أَقَلُّ وَسِعًا مِنَ النَّوْعَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فَيَجُوزُ لِلرِّجَالِ رُؤْيَةُ وَجْهِ النِّسَاءِ وَيَدَيْهِمْ إِلَى الْمِعْصَمِ، وَيَحُدُّهَا الشَّرِيعَةُ.
تربية الأطفال الجنسية
قُلْنَا إِنَّ الْمُحَرَّمِيَّةَ نِسْبِيَّةٌ وَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَسْتَطِيعَانِ النَّظَرَ إِلَى جَمِيعِ أَجْسَادِ بَعْضِهِمَا بِدُونِ تَقْيِيدٍ، وَأَنَّ الْمَحَارِمَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا أَجْسَادَ بَعْضِهِمْ، وَفِي الْمُحَرَّمِيَّةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ لَا إِشْكَالَ فِي رُؤْيَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِعْصَمِ. وَكَمَا أَنَّهُ لاَ يُشَكُّ فِي النَّظَرِ إِلَى حَجْمِ الْجِسْمِ وَالشَّكْلِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلتَلَذُّذِ وَاللَّذَّةِ طَبْعٌ نَقِيٌّ أَوْ مَلُوَّثٌ، فَإِنْ لَذَّةُ نَظَرِ الْإِنْسَانِ إِلَى جَمَالِ أُخْتِهِ بِالْحَقِّ وَالذِّكْرِ بِقَوْلِ “تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” وَالإِعْجَابِ بِجَمَالِهَا، لاَ إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَكِنْ إِذَا تَحَوَّلَ ذَلِكَ إِلَى طَمَعٍ وَأَفْكَارٍ مُنْحَرِفَةٍ، فَإِنَّ لَذَّتَهُ إِلَى ذَلِكَ حَرَامٌ.
الستر الشرعي للمرأة في حضور المحارم
شرع الإسلام يوجِب على المرأة أن تغطي عضوًا معينًا (من السرة إلى الركبة) عند وجود المحارم غير الزوج، وهذا التعبير يعكس انفتاح الفكر الديني. فالدين بنظرته الواسعة يريد أن يربّي الإنسان بعين وقلب مشبعين؛ ولكن في الواقع، يُرى أن الرجل حين يعود إلى بيته لا يرى إلا القليل من الجسد، إذ إن زوجته تلبس من رأسها إلى قدميها، وفي الخارج يرى العديد من النساء بملابس أقلّ من زوجته في البيت، وهذا يجعل من الصعب عليه التعلق بها.
عدم التشديد المفرط في الستر أمام المحارم
لا يجب أن يلبس الإنسان أمام المحارم بشكل يسبب الملل والإرهاق للمرأة كرؤية المرأة للمرأة، والرجل لرجل؛ فالله سبحانه وتعالى أباح للمرأة أمام أطفالها أن يظهر جزء من ساقيها ليفتح أعينهم وأذانهم، كي لا ينحرفوا عند مشاهدة أي مشهد خارجي صغير. ومع ذلك، نرى أن الأمهات أو الأخوات لا يعشن بهذه الطريقة أمام محارمهن، فكيف بالخالة والعمة؟ يريد الدين عمليًا رفع مستوى الوعي والبصيرة لدى أتباعه لتقليل القيود والمحظورات، لكن المتدينين غالبًا ما يأخذون على أنفسهم صرامة كبيرة ويقفون في موضع التقييد.
النظر والستر حتى أمام المحارم
النظر إلى المحارم، حتى الأم والأخت، حرام إذا كان هناك احتمال فساد أو إثم، ويجب سترهن. ولكن التربية المجتمعية ورفع مستوى الوعي ليس من مسؤولية الأم وحدها، بل تقع على عاتق العلماء والفقهاء والفلاسفة والنظام والمجتمع. وإن عجزوا عن ذلك، فلا مفر من زيادة المحظورات. البصيرة الحقيقية تتجاوز مجرد التعليم، فقد يدرس الإنسان عقودًا لكنه يفتقر إلى البصيرة الصحيحة. والتربية العملية تبدأ بدور المجتهد النظري ثم الأم في الأسرة، وهو دور ذو أهمية كبيرة كما ذُكر في كتاب «علم الحياة».
أثر المشاهد في الطفولة على الابتعاد عن المعاصي
المجتمع المعاصر قد فرض على المحارم سترًا مبالغًا فيه، مما يجعل الطفل الذي ينشأ في مثل هذه الأسرة يجهل الكثير، وعندما يخرج إلى المجتمع يضطرب، بينما لو كان يرى أقدام أمه أو أخته أو يدهما منذ الصغر لكان أمر رؤية هذه الأمور طبيعيًا له، وهذا يمنعه من الانحرافات كالعادة السرية.
ضرورة تحقيق الرضا النفسي والتخلص من العقد النفسية
من المبادئ التربوية الإسلامية أن يكون القلب صافياً بعيدًا عن العقد النفسية والحسرات، ولكن للأسف كثيرًا ما لا ينتبه المسؤولون إلى هذه النواقص، حتى أن بعض الإعلانات والرسوم المتحركة تسبب انحراف بعض الأفراد، ليس لأنهم أناس سيئون أو غير ملتزمين دينياً، بل لأن تربيتهم كانت ناقصة وتفتقر إلى الإشباع النفسي. الإنسان الجائع أو العطشان لا يرفض الطعام والشراب غير النظيف، وكذلك الإنسان الذي يعاني من جوع الروح لا يشبع مهما تناول.
الكفاءة الزوجية كأساس للتربية السليمة
الفرح والسرور والمتعة هي الأصل في حياة الزوجين وقاعدة تربية الأولاد، فلو كانت العلاقة الزوجية متكاملة وقوية، يكون الأولاد أقوياء وصحيين، ويتمتعون بجسم متناسق وجمال منذ الحمل. الإسلام يقرّ بالفرح والسرور كحاجة فطرية ولا يعارضها، بل يشجع عليها مع التقيد بضوابط شرعية.
تصور الفرح الديني
الإسلام لا يمانع النشاط والبهجة والسرور، بل يؤكدها ويثيب عليها، لكنه في غياب الدولة وعدم وجود حماية للشيعة، لم تُتَح له الفرصة للتجسيد العملي الكامل. الفرح الحلال هو جزء من رزق المؤمنين، ويجب ألا يُحرّم أو يُقيد، بل يُراعى في إطار نظام ولائي يطهرها من استعمالها لأغراض باطلة.
خاتمة
هكذا، فإن موضوع الفرح الديني هو ضرورة اجتماعية تستوجب التخطيط والتنظيم، بحيث يصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية، ويشعر المجتمع بوجوده، خصوصًا بعد قيام النظام الإسلامي، إذ كان الفرح والسرور الطبيعيين أقل ظهورًا في ظروف الاضطهاد والظلم السابقة.
استخدام الغناء والموسيقى المباحة في الاحتفالات والمناسبات الدينية والوطنية ومجالس الفرح
إن استخدام الغناء والموسيقى المباحة في الاحتفالات والأعياد الدينية والوطنية وغيرها من مجالس الفرح، مثل حفلات الزواج وأعياد الميلاد، يُسهم في إدخال البهجة على هذه المجالس. ففي مثل حفلات الزواج والأعياد الدينية، يُكرم المؤمنون أكثر ويُبيح الدين إدخال السرور على المؤمنين في الأفراح والموالد والرباط المقدس للزواج بواسطة الغناء الذي جوهره ليس محرماً.
ضرورة الفرح والبهجة المشروعة في مجتمع النساء
يستطيع النساء المؤمنات توفير أسباب نشاطهن وفرحهن بالغناء. وللأسف، هناك من يتخلون عن الحلال الطاهر ويلجؤون إلى النجاسات. ويجب أن نُثمر من خلال تربية المجتمع ورفع مستواه الثقافي، نحو مجتمع متناسق مع الثقافة الدينية، وذلك عبر ما يمكن تسميته بـ«العلاج بالحلال». وعليه، يمكن في الرسالة أن يُذكر أن من المناسب للنساء أن يغنين لأزواجهن.
ولابد من التنبيه إلى أننا لا نقول إن ذلك مستحب؛ إذ إنه مسألة شرعية تتطلب دليلاً شرعياً، وإنما نحن نثبت جوازه من منظور الشريعة فقط. فالمرأة القادرة على الغناء والمتوافقة بحركات رشيقة مع ألحان مُنسقة، تُظهر جمال جسدها لزوجها، تزيل التعب عن روحها ونفسها، وتحرر نفسها، كما تجلب نشاط الزوج ورضاه، وهو رضى يجعلها مفعمة بالأمل في حياتها ويمنحها سكينة بالغة. وللأسف، المجتمع أبعد النساء عن الجمال والعيش الجميل، وكما يقول أحد العلماء، إذا كان الزوج غير صالح، فإنه يفسد أجمل النساء، أما إذا كان الرجل صالحاً، فإنه يُحسن حتى إلى من هم أقل منه. وفي الوقت الحاضر، نسبة كبيرة من النساء يعانين من آلام الظهر، والأعصاب، وآلام الأرجل، وأمراض أخرى؛ وذلك لأن المرأة تُستنزف أكثر مما ينبغي من الأعمال، فتُحرم من أداء أدوارها النسائية تجاه الزوج والمحارم.
إذا غنت المرأة في البيت لزوجها ومحارمها، ووصل المجتمع إلى حالة يكون فيها لدى الخالات والعمات والعمّ والأخوال وغيرهم من المحارم قدر مناسب من الحياء والتستر الشرعي، فلا حاجة للخارج إلى إثارة الغيرة، إذ لا ينقصهم شيء يستدعي ذلك.
وكذلك الطفل، فالطفل الذي لا يشعر بالحب داخل البيت، سرعان ما ينحرف بسبب أدنى اهتمام خارجي، ويصبح طفلاً شارعياً. ونأمل أن تكون المحبة، والصفاء، والمرح، والحرية الدينية، و«الفرح الشيعي» من الهدايا التي يقدمها هذا الكتاب، ولا سيما كتاب «علم الحياة»، للأسر والمجتمع.
الصوت الجميل نعمة إلهية تبقى في الذكرى، والجمال وصف رحيم لا يمتلكه الجميع. وكما لا يجوز انتهاك الوجه الجميل بالجراح، لا يجوز أيضاً التشنيع على الصوت الحسن، مع ضرورة حفظ كليهما من الشر، والشر كله هو المعصية.
لدى الإنسان القدرة على اكتشاف أو ابتكار مظاهر ومتوازيات للمتعة والفرح الحلال في الدنيا تقترب من لذات الجنة، وتقديمها شرعياً للناس، بإيقاع وصوت ونغمة داودية تهدم عالم الكفر، لأن الجميع مفتونون ومذهولون من الصوت الحسن. وهذا لا يقتصر على المعصومين فقط، ومن الأفضل أن يكون هذا الشرف نصيب أهل الولاء في بلادنا، كما تفوقت اليابان في مجال الإلكترونيات، ونحن نخطو خطواتنا لننافسهم في هذا المجال وغيره، خاصة في الصناعات الدفاعية. فالإيرانيون قادرون دوماً.
اليوم، بطل الأبطال الذي يرفع أثقالاً هائلة من بلادنا، بلد كان أغلب سكانه يعانون في قراءة القرآن، أصبح يزخر بآلاف مجالس تلاوة القرآن. وهذا كله تأكيد على أن الإيراني الولائي قادر ويجب أن يصنع ثقافة القرن المقبل تحت عنوان «الثقافة الشيعية المتقدمة والراقية» القائمة على الولاء والمحبة لأمير المؤمنين عليه السلام. هذا الأمر يحتاج إلى تخطيط دقيق، وإيديولوجي ونظرية، وقائد قوي لديه رؤية ثاقبة ليتابع تحديات القرن القادم في طريق الهداية الدينية ونشر الأسس الفكرية الشيعية، ويفكر من الآن في تخطيها. عليه أولاً أن يطهر الدين من الشوائب، ويكافح الخرافات التي ستعترضها العلوم الحديثة، ويُبيّن بوضوح الحلال والحرام، ثم يستثمر في نشرها.
للأسف، مؤسساتنا العلمية بعد المرحوم علامه الطباطبائي والإمام الخميني لم ترَ نظرياً قوياً. وإذا استطعنا تقديم الموسيقى الحلال للعالم، بدلاً من أن يلجأ الولائي للمكان الخفي ليستمع إلى الموسيقى المحرمة، سيبتهج الكفار بموسيقيي الشيعة الذين يُحيون فيهم الروح ويبعثون في قلوبهم المعاني الروحية، حتى يرسلون التحايا مراراً وتكراراً لقادتهم الذين ربوهم.
يجب على الموسيقيين والملحنين الولائيين أن يرفعوا شأن العلاج بالموسيقى، ويستخدموا الآلات الموسيقية والغناء في الأعمال الخيرية، وكذلك في علاج الأمراض النفسية، ويحيوا الروح الثقافية الدينية في نفوس الشباب، بل وفي شعوب البلدان الأخرى، ويذوقوا لهم لذة المحبة لأهل البيت عليهم السلام بموسيقاهم الولائية.
الدين سهْلٌ ومتسامح
الدين منهج حياة وهدفه هداية الإنسان إلى طريق فطرته. الدين هو ظاهرة تحريرية لا استعبادية. الدين الخالي من الشوائب والصحي يُقود الناس دائماً نحو الكمال والسمو. الشريعة الإسلامية دين سهْل ومتسامح؛ لكن يجب أن ننتبه إلى أن التساهل لا يعني الفوضى، بل هو في إطار النظام. الدين يبيح كل شيء إلا ما هو محرم، فهذه الأحكام تشبه قوانين المرور التي بوجودها يتحقق الانسياب وتمنع الحوادث والموت. هذه الأحكام لسان لُغة لُغة كأنها مرساة السفينة الإنسانية التي بدونه تَهدُر وتَضطرب.
دراسة كلمات بعض الفقهاء تكشف أن الثقافة الدينية التي رسموها بشأن الغناء والموسيقى وقضايا النساء غالباً ما كانت ظاهرية، ومخالفة للرؤية التي ترسمها الشريعة. وذلك بسبب نقص البحث الموضوعي والدقيق، أو ضعف النفس في مقاومة الاتجاه السائد، أو التقليد الأعمى، ما يؤدي إلى تعصب غير علمي.
لقد شرحنا مفهوم الحرية في كتاب «الحقوق الحديثة».
الحرية الدينية في القرآن الكريم…
للتخفيف من الحساسية المرضية تجاه الجنسين والحفاظ على العفاف، نبدأ النقاش من القرآن الكريم. في القرآن الكريم، للمرأة مكانة عظيمة جدًا. كيفية تصوير بعض القضايا أمر في غاية الأهمية والحيوية، والصورة التي تُعرض منها تُعتبر مرآة الإسلام. ومن بين هذه القضايا الحيوية كيفية التعامل مع «صوت المرأة». يجب أن نستوضح من القرآن الكريم هل يجب أن يُغلق فم المرأة أمام غير المحارم؟ هل كل حركة أو تصرف للمرأة ممنوع أمامهم – وحتى برأي بعض العلماء أمام الزوج؟ هل حضور المرأة في المجتمع وتوليها الوظائف الاجتماعية ممنوع؟ أم أنه جائز مع مراعاة الحدود والضوابط؟ الصورة التي تُعرض في هذا المجال، إذا كانت غير طبيعية أو بها خلل، فإنها تواجه نصف البشر على الأرض بمشاكل كثيرة، وبالتبعية يُعاني النصف الآخر – الذي تربى منذ الصغر في كنف هؤلاء النساء ويتوق في مرحلة النضج إلى دفء المحبة ونغمة العشق ووجود الألفة – من نقائص جمة.
لقد ذكرنا أن الكلام، والصلاة، والنقاش، والخطابة، لا تعتمد على الجنس، ولم تُحرم على أي من الرجال أو النساء، ولا يلزم أن يقتصر الرجل على تعليم الرجال أو المرأة على تعليم النساء فقط، أو أن تختار المرأة المهن التي تتيح لها التعامل مع نظيراتها فقط.
الحرية في التعامل مع النساء
يؤكد الإسلام في التعامل الاجتماعي مع النساء على مبدأ «الحرية»، وهي تعبر عن حالة نفسية متزنة وصحية في التعامل مع الجنسين. على سبيل المثال، كان الأنبياء عليهم السلام يتعاملون مع النساء بحرية وبتقوى في الوقت نفسه. سنعرض بأمثلة من آيات القرآن الكريم هذا التوجه.
وقد قمنا بدراسة جميع الآيات التي تحتوي على صيغة المؤنث والمذكر في القرآن الكريم لنبرهن أن النص القرآني ليس ذكوريًا.
الكون والطبيعة والإنسان لكل منهم خصائصه، والقرآن هو بمثابة بطاقة تعريف الوجود، ويتحدث وفقًا لذلك. إنه أفضل مرآة للكون، ومن يريد معرفة الحقيقة وموضع كل شيء يجب أن يتدبر القرآن بعمق بعيدًا عن التفسيرات السطحية التقليدية، رغم أن هذا لا يقع ضمن نطاق الفقه، لكن بما أننا نتحدث عن الغناء و«غناء النساء»، لا بد من ذكر ذلك هنا. والمكانة الحقيقية للمرأة وأبعادها النفسية ناقشناها مفصلاً في كتاب «علم الحياة».
الفقه والمرأة
في الفقه تمت مناقشة المرأة لكن بشكل متفرّق وجزئي، ولم يُبْرز مكانتها وأحكامها بشكل مستقل ومفصل. من الواجب فتح باب «كتاب النساء» في الفقه لتأخذ المرأة مكانتها المستحقة. النساء مظلومات إلى حد أن أحدًا لم يشرح عنهن نقلاً عن النص الخالص للشريعة ويصوّر الرؤية الجميلة للشريعة بحقهن. في هذا الجزء نريد فقط توضيح النظرة القرآنية الحرة تجاه المرأة، خصوصًا في تعاطيها مع صوتها.
القرآن والإسلام لا يأمران بإخفاء المرأة أو كتمان صوتها. المسلمون هم من أخفوا المرأة حتى أن البعض عند سماع كلمة «امرأة» يشعر بمشكلة. لا أثر لهذه الأفكار المزاجية في القرآن، وهذه التفرقة المزاجية بين الرجال والنساء نتجت عن بيئات وضغوطات على المؤمنين. بعض العلماء رغم افتقادهم لموقف قرآني، إلا أن غربتهم دفعتهم لذلك. نحن هنا لا نبحث عن أسباب، بل نؤكد على ضرورة تصحيح المعتقدات، وليس محاكمة الآخرين، فهم قصدهم الخير والله يجازيهم خيرًا.
انحرافات المجتمع
الانحرافات الموجودة في المجتمع بخصوص المرأة ناتجة عن سوء تربية أو إما من مجتمعات تُساوي بين الرجل والمرأة بشكل متطرف، أو من تشدد الدينين والمتشددين التقليديين، وليس من الدين نفسه. وأهم عامل ظلم المجتمع النسائي هو انحراف الحكم السياسي بعد مؤامرة السقيفة وسيطرة خلفاء جور.
مكانة المرأة في الإسلام
الإسلام يقوم على مكانة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وليس فقط على إمام المؤمنين أو النبي. فهي «أم أبيها» و«لولا فاطمة لما خُلقتما». جميع الأئمة من أهل البيت هم من نسلها. في المسيحية، المحور هو السيدة مريم عليها السلام.
الكوفیون عندما يسمعون صوت السيدة زینب عليها السلام كأنهم يسمعون صوت حیدر الكرار. القرآن يقول: «وَلَيسَ الذَّكرُ كالْأُنثى» (آل عمران: 36)، أي الرجل ليس كالمرأة، مع اعتبار المرأة معيارًا.
كانت السيدة زينب تحدث بالعلن، لا في الخفاء. إذا كان الإمام السجاد يمنعها من الكلام، لما بقي ذكر كربلاء. نساء كربلاء حملن لواء إحياء ذكر الإمام الحسين عليه السلام بصراخهن وقيادتهن القوية.
القرآن ومواقف من قصص نسائية
ذكرنا آيات تتحدث عن إبراهيم وسارة، يوسف وزليخا، موسى وبنات شعيب، سليمان وبلقيس، مريم، والنبي وزوجاته.
قصة إبراهيم وسارة
«دخل ملُكنا على إبراهيم بالخبر، فسلم عليه، ثم استعد لإعداد لحم عجلٍ مشوي… عندما رأى أن يديهم لا تصل إلى الطعام، قلق وخاف، فقالوا له: لا تخف، نحن أرسلنا إلى قوم لوط. وكانت امرأة إبراهيم واقفة تضحك. فبشرناها بإسحاق ثم يعقوب. قالت: يا للعجب! هل ألد وأنا عَجُوزٌ، وهذا زوجي شيخٌ كبير؟ قالوا: أتعجب من أمر الله؟ رحم اللهكم أهل البيت، إنه حميدٌ مجيد.» (هود: 69-73)
تشير الآيات إلى أن الملائكة كانوا يشبهون البشر، وأن سارة لم تكن مختبئة في المطبخ، بل كانت بين الضيوف، والحديث كان معها طبيعياً. إبراهيم كان يساعد زوجته في إعداد الطعام.
وهذا يعني أن المؤمنين الذين يخفون زوجاتهم عن الضيوف لا يسيرون على نهج الأنبياء الكبار، ويتناقض مع الصورة التي يرسمها الله في القرآن عن حياة أوليائه.
زن؛ ناموسی ناتوان
5 ـ «روی أنّ محمّد بن علی بن الحسین قال: إنّما النساء عی وعورة، فاستروا العورة بالبیوت، واستروا العی بالسکوت»(2).
همانا زنان، ناتوان و ناموس شما هستند. ناموس خویش را با خانه بپوشانید و ناتوانی را با خاموشی.
6 ـ «عن امیرالمؤمنین علیهالسلام عن النبی صلیاللهعلیهوآله قال: النساء عی وعورات، فداووا عیهنّ بالسکوت، وعوراتهنّ بالبیوت»(3).
پیامبر اسلام صلیاللهعلیهوآله میفرماید: زنان، ناتوان و ناموس شما هستند. ناتوانی آنان را با سکوت، و عورت و ناموس بودن آنان را با خانه چاره جویید.
در ایندو روایت، زنانْ ناتوان خوانده شدهاند. مراد از ناتوانی زنان،
- وسائل الشیعة، ج 14، ص 42، باب 24، ح 3.
- همان، ح 4.
- همان، ح 6.
(125)
في هذه الآيات نرى أنّ كلاً من نبي الله يوسف، والوزير العزيز في مصر، قد تصرفا بحُريةً ونُبلٍ أخلاقي فائق، فتعامل يوسف النقي مع نساء العزيز أظهر أعلى درجات التّقوى، ورُفعة النفس. إن أمكننا أن نعبر عن هذه السلوكيات النبيلة التي ذكرها القرآن الكريم بصيغًا فنية وتمثيلية، ونعرضها في إطار مسرحي أو درامي، فستسقط المعتقدات الخرافية الضعيفة في زمننا الحالي. مع ذلك، للأسف، فإنّ تعامُلَنا لا يتّسم بالانسجام مع تعاليم القرآن، وقد ابتعدنا عن القِيَم القرآنيّة، فكيف لنا أن نحدث تغييرًا في سلوك العالم ومبادئه؟
وعي نساء مصر بحبّ زليخا ليوسف
لم يَخْفَ حبّ زليخا ليوسف داخل بيتها، بل تسرب إلى أوساط نساء مصر؛ فانتشرت بينهنّ قصّةُ عشقِها للشاب، حتى نَقِدن عليه في متحقیقنّ، فغمرتهنّ الحسدُ – وخصوصًا لمّا كانت زليخا زوجةً لعزيز مصر، وقد ارتبطت بجميل الشاب الذي لم يكن في مستواها الاجتماعي، بل كان خادمًا – فتهامسن نقدًا وغيبًا. وعندما وصلت أذانهنّ الأمورَ، أَقرّت زليخا على الانتقام منهنّ:
«قالتْ نساءُ القُرَى: زوجتُ العزيز مُشغولةٌ بخادمها، تطلب منه، ومغرمةٌ به، فترَاهُ فيها خُطْأً فاضحًا»… ثم دعت زليخا النساء، وأعدّت لهنّ مجلسًا، وأعطتهنّ سكاكينَ ومرايا. ثم استدعت يوسف، فما إن رأته النساء حتى خُيّرن بين تصديق أنّه بشرٌ أو مخلوقٌ فريد. ثم هوّنَتْ إسرائيلُ عنهنّ كلماتِهنّ، قائلةً: «ذلك هو الذي ازدوجتموني عليه». فدعت عليه بالسجن والإذلال إذا رفض ما تطلبه. ومع ذلك، فضّلَ يوسف السجنَ – إن قِيلَ للشىء الخيّر – على الوقوع في معصية. ثم دعا ربه أن يبعدَ عنه مكرَهنّ، فاستجاب له، وهو سبحانه سميعٌ عليم﴾ .
تحليلُ النصّ:
- تبدأ الآية بعبارة «وَقَالَ نِسْوَةٌ»، في إشارة إلى أنّ لغوَ أكثر النساء لا يُؤخذ به، لأنّ كثيرًا منهنّ يمارسن الكلام القشّ وليس الحق.
- حينها دعت زليخا إلى اختبار يوسف أمام نظراتهنّ، وأمرتهنّ بقص يده أو يُهربُ من أمره، ليتأكدن من طهره، فأيدته نساء المدينة حين أُدركن أن حياته نظيفة، وأعترف ليوسف بأن الحب والإغراء قد وجدا، لكنه صمد بفضل التّقوى، وفضل السجن على المعصية.
- يوسف تعامل معهنّ دون ذلّ، بل بثقة ورباطة جأشٍ، مصوغ بالإيمان القوي. هذا ما عبرت عنه الآية، وكيف تشبّثَ بالصلاح وسط بيئة مشحونة بالهوى والدعوة إلى المعصية، وذلك بصيغ تقووية في القرآن.
- يُظهر النصُّ صدق البلاغ، حيث يُبيّن من خلال هذا التعبير أنّ المرسل لا ينوي الدخول في نزاع أو حرب أو خصومة، ولم يقل: “أريد أن أجعلكم تستسلمون”. بل تحدث في رسالته بلُطف ومودة لجميع الأطراف.
- وبناءً على هذه الآيات، فإنَّ بلقيس لم تكن امرأة مستبدة أو متجبّرة. فقد كانت دائماً تشاور كبار المسؤولين في حكمها، وتُقدم في كل اجتماع الرأي الحكيم الذي يدلُّ على خبرتها وفطنتها. بلقيس هي أفقه النساء التي ذُكرت في القرآن الكريم في القضايا السياسية والحكومية، ويمكن تقديم أدلة من القرآن على فهمها العميق، وتقييم كلامها في جميع اللقاءات بأنه ناجح. كانت تمتلك قدرةً فائقةً جعلتها تختبر النبي سليمان -عليه السلام- قبل أن تصدر قرارها النهائي، فلم تكن متسرعة أو ضعيفة في اتخاذ القرار.
- كما أنَّ هذه الفقرات تدلُّ على أنَّ بلقيس كانت صاحبة قوة وقدرة عالية، وأنَّ رأيها كان متيناً وصلباً في نظر مستشاريها وكبار حكامها، الذين كانوا يقدّرون رأيها ويعتبرونها حاكمةً جديرةً بالكفاءة والفطنة، وأنَّ ملكها لم يكن وراثياً بل نابعاً من استحقاقها.
- كانت بلقيس ترى أنَّ سياسة الحكام الظالمين والجبارين هي فساد وإذلال كبار القوم، وإذا كان سليمان منهم، فيجب مقاومتهم، ولكنها في رسالتها أرادت اختبار سليمان، فإذا رضي بالهدية يمكنها التفاوض معه. أما ردُّ سليمان على بلقيس فكان مطابقاً لما قالته، إذ ذكر لهم الذل والهوان أمام جيش قوي، وكان ذلك بأسلوب حادٍ جداً، يدل على استعداده للقتال والنزاع. وهذا هو ما جعل بلقيس تتجنب النزاع وتقرر أن تذهب بنفسها إلى حضور سليمان.
- أمر سليمان بإحضار عرشها وإحداث تغييرات عليه ليُخفى شكلُه الحقيقي، وعندما جاءتها قالت: “كَأَنَّهُ هُوَ” بمعنى أنه يشبه عرشها، وهذا يدل على حُسن تدبيرها وذكائها. لكنها أخبرته أنها كانت تعرف ذلك مسبقاً: “وَأُوتِينَ الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا”. هل كانت تعرف ذلك من بداية تحريك عرشها، أو أُخبرت في الطريق؟ يمكن التحقق من ذلك عبر تدبر الآيات، وسنذكر ذلك إن شاء الله في تفسير سورة النمل.
- بلقيس تسلّمت لأمر سليمان قائلة: “وَكُنَّا مُسْلِمِينَ” ردًّا على قوله: “وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ”، أي إنها تسلّمت له ولم تدخل في نزاع، ولكن هذا لا يعني إيمانها بالله، كما تؤكد الآية: “وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ”.
- على الرغم من دعوة سليمان لتسليم بلقيس، إلا أنَّهُ حول الحديث إلى موضوع آخر، وأجرى معها حديثاً وديّاً عن العرش، وحاول إبعادها عن موضوع التسليم. بلقيس كانت تحاول دائماً إعادة الحوار إلى موضوع التسليم، ولكن سليمان أخذاها إلى قصره وأكرمها كضيف، محافظاً على كرامتها، دون أن يذكر الإيمان والكفر، وهو ما يدل على كرمه ونبل أخلاقه، بينما بلقيس كانت التي تحدثت أولاً عن تسليمها وإيمانها بالله، فتعكس هذه الحوارات مبدأ الأخلاق والكرم في الحُكم.
- الفصل “قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ…” يظهر أنَّ قصر سليمان كان مهيباً بحيث اعتبرته بلقيس كبحر من الماء، فعليها أن تكشف عن ساقيها. وهذا يشير إلى أنَّها دخلت القصر بطريقة عادية، من دون تكليف من حاشية سليمان بتغطية أجسادهم، بل كان الأمر مألوفاً وطبيعياً، ومع هذه المشاهد وأجواء الحُكم والسلطة التي رآها من سليمان، آمنت بالله واعتبرته من الظالمين في ماضيها، وتابت إلى الله.
- بلقيس كانت فهيمة وعاقلة، ولم يستطع إلا سليمان أن يهديها إلى طريق الإيمان، كما يشير قولها: “وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ” إلى اشتعال حب سليمان في قلبها، كما آمنت زليخا بسبب حبها ليوسف عليه السلام. إنها إيمان طاهر وذو صفاء وروحانية، وليست إيماناً بسبب ضغط أو قسر.
- سليمان دعا بلقيس إلى تسليمه، لكنها أجابت بأنها تسلمت لله، ولم تسلم لسليمان وحده. وفي هذا تكشف عن إيمانها وتدينها.
- سليمان لم يكن يرى نفسه كحاكم قوي مجرد من الكرم والرحمة، بل أكرم بلقيس وأكرم ضيفه، ولم يتصرف بطريقة قاسية أو مستبدة، بل كان حاكماً عادلاً وكريماً.
- النص يبرز الفرق الجوهري بين “القوة” و”الغلظة”. الفرد الضعيف يلجأ إلى القسوة والعنف، أما القوي فيتصرف بحكمة ورزانة، متكئاً على قوته وثقته بنفسه، لا على العنف. سليمان كان حاكماً قوياً لكنه لم يظهر الغلظة، بل تعامل مع بلقيس بلطف وكرم وهدوء، وهذا ما يجعل الدولة قوية ومستقرة دون الحاجة إلى استخدام القوة الغاشمة.
- اقتدار سليمان لم يكن مجرد قوة عسكرية، بل قوة ثقافية، سياسية، اقتصادية، علمية، وأخلاقية، وهذه القوة المتكاملة تحقق الأمن والطمأنينة، وتمنع النزاعات.
- التعامل بين سليمان وبلقيس يدل على الحكمة والفهم المتبادل، لا على الغطرسة والتسلط.
- دولة سليمان كانت دولة الكرامة، التي يسعى الجميع للعيش فيها، وهي نموذج للمجتمع المثالي الذي يسوده السلام والعدل، كما ننتظر جميعاً دولة الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
- سلطة الرجل و حيلة المرأة
- قال تعالى:
﴿وَسْأَلُواكَ عَنِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ نِكَاحَهُنَّ وَرُقُوقَهُنَّ وَالْمَسَاكِينِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ۖ فَارْتَقِبُواْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 127) - تشير هذه الآية المباركة إلى أن سلطة الرجال على النساء أعظم، وهذا أمر لا يُنكر. ولذلك يجب على الرجال أن يحذروا ألا يخدعوا النساء ولا يظلموهن. لكن قوة الرجل لا تعني ضعف المرأة، لأن النساء يمتلكن حيلًا مختلفة، كما بيّنا في كتابنا “المرأة، مظلومة في كل العصور”، حيث ذكرنا أن الرجال، مع صلابتهم وقوتهم، والنساء يمتلكن قدرة أكبر في اللطف والحنكة. هذه القدرة ليست ضعفًا، إذ يمكن للنساء بحيلتهن أن يوقعن عشرات الرجال في الهزيمة.
- تثبت الآية سلطة الرجل على المرأة بقوة وصلابة، لكنها لا تتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد من ذلك أو فرض القسط والعدل في المعاملة.
- الزمان والمكان وطلب الإذن
- قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ﴾ (النور: ٥٨) - تولي الشريعة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بمسألة “العفّة” في العلاقات الاجتماعية، سواء فيما يتعلّق بالمحارم أو غير المحارم، أو في مسألة الحجاب والنظر، وتسعى إلى صيانة هذا الأصل في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية.
- وقد بيّنا في مواضع أخرى أن “الحجاب” يختلف عن “اللباس”، فالدين الإسلامي لا يطالب بالحجاب بالمفهوم المتشدد، بل يدعو إلى “اللباس المحتشم” المتّسق مع العفّة، بشرط ألا يكون مبتذلًا أو مثيرًا، ولا معيقًا للحركة أو مزعجًا. ويمكن أن يُقدّم هذا اللباس بأشكال متنوعة تناسب المجتمع المعاصر والعلمي.
- كذلك في مسألة النظر، فقد نهى الإسلام عن “النظر الحادّ” الذي يُعدّ تعدّيًا على خصوصية الآخر، سواء كان النظر شَهوانيًا أم لا. فهذا النوع من التعدّي قد يحصل تجاه المحارم أو حتى تجاه من هم من نفس الجنس. وهو فعل لا يصدر إلا من إنسان فضوليّ، متطفّل، غير منضبط تربويًا.
- ومن هذا المنطلق، فإنّ الآيات الكريمة توجب طلب الإذن للدخول إلى أماكن الخلوة في الأوقات المحددة، حتى لو كان الداخل رجلًا، لأن لكل إنسان خصوصيته، وقد تكون بشرة الرجل أحيانًا أرق من بشرة المرأة، فالدين جعل لذلك حدودًا.
- أيام الحيض
- قال الله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: ٢٢٢) - إنّ الفتوى المستنبطة من هذه الآية الكريمة تنصّ على ضرورة اجتناب الرجال لمجامعة النساء أثناء فترة الحيض، وذلك لأنّ الحيض يُعدّ حالة أذًى جسديّ ونفسيّ للمرأة. وهذه قاعدة شرعية مهمّة، في حين أن بعض غير المسلمين لا يميزون بين هذه الفترة وغيرها من حيث العلاقات الحميمة.
- حبّ الشهوات
- قال تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (آل عمران: ١٤) - حبّ الشهوات من الأمور التي جُبل عليها الإنسان، وقد زيّنت له بطبيعتها، سواء تمثّلت في النساء أو في الأولاد وسائر متاع الحياة. غير أنّ الإسلام قد وجّه هذا الحبّ ليكون ضمن حدود مشروعة تحفظ العفّة وتمنع الانحراف.
- القِوامة والقيادة الأسرية
- قال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤) - تُشير هذه الآية إلى أن القِوامة أو إدارة شؤون الأسرة تقع على عاتق الرجل، لا لأنّ المرأة ضعيفة أو ناقصة، بل لأنّ الرجل مكلّف بمسؤوليات إضافية من بينها النفقة واتخاذ القرارات العامة. والآية تُبرز قوّة الرجل في مقام المسؤولية، لا في مقام التفوّق المطلق أو الانتقاص من المرأة.
- وهذا لا يتنافى مع قوله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: ٧٥) - حيث يُقدَّم الرجال ضمن المستضعفين قبل النساء، دلالة على أنّ الضعف ليس حكرًا على النساء.
- المساواة في القيمة الإنسانية
- قال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: ٩٧) - في هذا النصّ الكريم، يبيّن القرآن صراحة أنّ معيار التفاضل بين الناس هو الإيمان والعمل الصالح، وليس الجنس أو النوع. فالرجل والمرأة سواء في القيمة الإنسانية وفي نيل الثواب الإلهي.
- وعلى هذا الأساس، لا ينبغي أن نُفرط في الفصل بين النساء والرجال في المجالات العامة كالأسواق أو أماكن العبادة، بل الأهم هو تهذيب النفس والنظر، لا الحواجز الجسدية.
- النساء والدفاع والمشاركة في القضايا المصيرية
- قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الفتح: ٢٥) - الآية تذكر الرجال والنساء المؤمنين معًا، وتشير إلى إمكانية إصابتهم في المعركة دون علم، وتُظهر بوضوح أنّ النساء أيضًا شريكات في القضايا المصيرية والدفاع عن الدين.
- لقد بيّن الإمام الخميني (رضوان الله عليه) ذلك حين دعا النساء إلى المشاركة الفاعلة في الثورة الإسلامية، وشجّع على حضورهنّ السياسي والاجتماعي إلى جانب الرجال، بما في ذلك الأمهات والزوجات اللاتي قدّمن أعظم التضحيات.
- في هذه العبارة يُعبَّر عن تصوّر رفيع لطبيعة المرأة وموقعها في الحياة، إذ يُشبَّهها النبي الكريم ﷺ بنبتةٍ رائحها زكيّة وبهاؤها نديٌّ يسرّ الأنظار، لا بريفيعة تتقدّم إلى ساحات القتال:
«المرأة ريحانة وليست بقهرمانة».
المرأة إذًا ـ من هذه الزاوية الأخلاقية والوجدانية ـ ثمرة الحياة ودرّة البيت والأسرة، وهي تحتاج إلى عناية وبيئة حاضنة. وأفضل ملاذٍ لها هو دفء العائلة وحنان الزوج. وكلما شعرت بالأمان داخل رحم الأسرة، ازداد رضاها وسكونها في مرأى الحياة اليومية، ما يجعل سكونها علامة كمالها وكمال الزوج، لا ضعفًا أو استكانة لعدم قدرته على تحمل المسؤولية. فكذلك السّكاتُ عن الهتاف أو الإعراض في الحياة الزوجية لا يعني الخنوع، بل يدلّ على تألّق العلاقَة الزوجيّة وسموّ العاطفة. - بالتالي، حبسُ المرأة بمعنى الإسقاطِ الجسديّ قسرًا داخل البيت لا يُعدّ سوى مُظلمة تُمارَس باسمِ الدين. فهذه النصوص لم تدعُ إلى محاصرة المرأة وأسرها عن المشاركة في اللقاءات الاجتماعيّة، وخاصة في شققنا الحديثة التي باتت تُشبه الأقفاص. فزارعُ وجهة النظر العاقل لا يُحابي بالغرور، بل بالتفكير الناضج المؤسّس على العقلية الشيعية السليمة.
- والمعنى الأوّل لهذه النصوص يقتصر على النساء والفتيات اللواتي يعشن الانحرافَ الاجتماعي أو القصورَ الأخلاقي، كالكُنَّ سرِّيَّات الرذيلة في أزمنة سابقة، وتمسُّك المجتمع القديم بسيادته الذكورية، والعمل على منع النساء من الكلام والمرافقة الصحيحة؛ مجتمعٌ لم يُبذل فيه سبيلٌ لتعليم الفتيات أو إعطائهنّ دورًا عامًّا. لذا شرعت الروايات لهنّ ما يشبه العلاج الهادئ بالصمت والمحافظة المنزلية.
- لكن إذا وفّق المجتمع اليوم المرأة للتمكين العلمي والعملي والأخلاقي في بيئة آمنة ومؤمنة، فإن مصطلح «الضعف» عنها يتبدّد وتزول رهبةُ حديثٍ صامت أو خروجٍ من المنزل، لأن نصف المجتمع يساهم في أعماله بلا عجز أو تراجع.
- ثم إن الحديث الشريف الذي ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام بأن أفضل ما للنساء أن لا يرى الرجال النساء، ولا النساء الرجال، لا يعني القطيعة التامة عن المرافقة العامة والنموِّ الطبيعي، بل هو توجيه للمحافظة على حرمة العلاقات، كما ورد في الحديث: «فعينا بصمتِّهنّ»، أي بالضبط في ضبط الحديث عند الحاجة، لا بالحيطة المطلقة.
- وفي ظل الحياة المعاصرة، لا يعقل أن يُسجن وجود المرأة المجتهدة أو العاملة في محيط البيت، سواء بفرض سجن داخلي أو أُسري. لكن كل مراودة أو إغواء غير لائق يجب أن يُحجر عليه، لا المرأة بذاتها، بل الظروف التي تخل بهيبتها وعفافها، كما لو أن بيتًا تَحول إلى مصنع للعري والتبرج.
- وليس في الحديث حرمان التعليم أو الوظائف الصحية أو الأدوار الاجتماعية، بل المعنى في الحماية. فالروايات تشجّع المرأة القوية والواعية على الخطابة والتعليم والطب والاقتصاد بما يتناسب مع كرامتها وعفتها وحرمتها، بعيدًا عن المآرب الغرائزيّة أو نزعات التبرّج.
- والخلاصة أن مفهوم “حِمايَة المرأة” في التعاليم الإسلامية ليس سجنًا بمعناه الجسدي أو الحرماني، بل هو ضبط صحّي لأجواء المجتمع، وتحصين للمرأة والبيت بصورة تضمن التكامل الأسري، دون التضييق على حقّها في الفعل والنموّ، وضمن شروطٍ واضحة تحمي كرامة الجميع.
- الموضوع: البوتيكات وملتقيات الانحراف
- في زمننا الحاضر، ثمة من الرجال الفاسدين من يعملون في البوتيكات ويفتحون محالهم التجارية لتكون ملتقى لشهواتهم مع النساء، حيث تتحوّل إلى مراكز للفساد والرذيلة تحت غطاء القانون. وقد تُرتكب في هذه البوتيكات جرائم متعددة. ومن ثم، فهذه المهن لا تمتّ للشرع بصلة، ويجب ألا تمنح الدولة تراخيص لها بغير إشراف نسائي. بل برأي، ينبغي أن تتولاها النساء وتخضع للرقابة النسائية الدقيقة.
- أمّا بالنسبة لأداء وظيفة اجتماعية، فليس بين المرأة والرجل مدخلٌ للتمييز، فالرويات التي ذكرت “الرجل” بصيغة الذكر فقط، وُجدت في مجتمع لم تكن فيه مشاركة مشروعة للنساء في العمل. والحديث المشهور “كُلُّ ما افتتح الرَّجُلُ به رزقه فهو تجارة” يعكس هذا الواقع التاريخي.ولكن اليوم، حين تحقّقت للمرأة المكانة الاجتماعية والكسب الاقتصادي، لا ينبغي أن يُمنعها من الكسب أو يُعيب ذلك عليها بسواء. وإذا غاب حضور المرأة في بوتيكات الملابس النسائية، قد تتسلّل عصابات فاسدة تديرها أطراف مشبوهة تنسج شبكة من الفساد أخلاقيًا واقتصاديًا، بل وتمتد لتجارة المخدرات أيضاً.
- تحريم مزاولة الرجال لمهن نسائية خاصة
وفق فتوى فقهية، يُحرم على الرجال الاشتغال في المهن المخصصة للنساء، في ظل توفّر الفرص الحقيقية للنساء. وتكمن أهمية تطبيق هذا القواعد عبر القانون والرقابة الاجتماعية، لأن أي رجل يخالف ذلك يعتبر مشاركًا في فساد اجتماعي. لذا، تقع مسؤولية تطوير المشاريع ودعمها على عاتق المرأة والمجتمع والدولة على حد سواء، لتسترجع كرامتها المهنية شيئًا فشيئًا، وتقتحم مجالات مثل طبَّاخة الذهب، وأزياء النساء، وغيرها. - المهن الحرفية النسائية والانحراف الاجتماعي
بدلًا من إجبارهن على أعمال بسيطة قليلة الأجر، ينبغي منحهن فرصًا حقيقية في مجالات اقتصادية مهنية تتطلب خبرة ومهارة. فتلك الفرص ليست رفاهية، بل ضرورة لمكافحة البطالة الثقافية والفقر النقدي، ولتعزيز عفاف سالم ومجتمعٍ يتحلى بالانضباط والكرامة الجنسيّة. - التمثيل المسرحي للنساء
في ظل مجتمع عفيف متزن، يجوز للنساء التمثيل في الدراما أو السينما في أدوار تقتصر على الأسرة أو البيئة المجتمعية، شريطة ألا تكون دوافعهن انفعالية أو عاطفية صرفة، بل احترافية فقط. أما إذا كان عمل التمثيل يحمل في طياته إيحاءات جنسية أو روابط مشحونة عاطفياً تمس المشاهدين فتتحوّل قصتهن إلى استعراض للمشاعر وليس أداء دور بحت، فذلك حرام وغير مقبول شرعًا. - خاتمة واستنتاج
من خلال مناقشة هذه النصوص والأحاديث، يتّضح أن الرؤية الشرعية لا تهدف إلى حبس المرأة في المنزل أو منع مشاركتها في الحياة العامة. بل بالعكس؛ المادة تُبرهن أنه لا ضير في حضور المرأة العام—طالما امتازت بالكفاءة، والتخصص، والمراعية للضوابط الشرعية والأخلاقية والمجتمعية—، حتى وإن كان في مجالات مثل الإنشاد، والعزف غير الاحترافي أو الاحترافي تحت مظلة عفاف يحافظ على المجتمع.
الموسيقى الحرام: عوامل وجوب التحريم
لقد أوضحنا أن الموسيقى في حد ذاتها جائزة، وعلى أن تكون غير مترافقة مع المحاذير الشرعية. فإذا اقترنت بأيّ من خطايا معينة، صار إنتاجها واستماعها حرامًا. وهذه الخطايا تتلخّص فيما يلي:
- الدعاية لنظام ظالم
- إحياء رموز باطلة أو أنماط موسيقية مرتبطة بأنظمة جاهزة
- نشر الفجور
- تشجيع العنف
- الإفراط في لهو الموسيقى
- غياب التناسبات العقلانية
١. الإيمان بمنظومة طاغوتية
إذا أصبحت الموسيقى وسيلة لإيصال «صوت جبهة الباطل»، أو لدعم دولةٍ ظالمةٍ، فإن إنتاجها واستخدامها يُعدّ حرامًا. ونقصد بـ«الباطل» ما يُعمي التوحيد، ويعلّل الفساد، ويذيع الفجور، ويرتكب الظلم والعنف، ويخالط المحرّمات، وأعظم مثالٍ على ذلك هو الاعتقاد بدولة الجور وخدمة أهدافها.
إن استخدامَ الكفاءة، مثل مهارة الرماية في الجهاد، يصبُّ في جبهة الحق، بينما تُستخدم الموسيقى لصرف الناس عن الحق، وتأيييد الجور، فتكون محرّمة.
٢. ظهور الإسلام والمواجهة الحاسمة للموسيقى الباطلة
ظهر الإسلام في زمنٍ كان فيه العرب الجاهليون يمارسون الخمر والقمار والرقص والموسيقى كثقافةٍ متشابكة. ولم يكن بالإمكان الفصلُ بينها، ولذا وجد الإسلام أنّ التحريم الشامل هو السبيل لمواجهة هذه المحور المشترك من الشقاء؛ ذلك أنّه لم يكن هناك استخدامٌ مباح للموسيقى أو الغناء في تلك المرحلة. ورغم أن النبيّ -صلى الله عليه وآله- أقام عشر سنوات في المدينة، إلاّ أن الأوضاع الحربية ومعاناة المؤمنين حالت دون بروز موسيقى مباحة إلا ما اتسم بالطابع الحماسي، مثل النشيد الديني المناصر للدين.
٣. سيطرة الحكام الجائرين على الموسيقى
عقب انقلاب سُقيفة، تولّى الأمويّون ثم العباسيّون الحكم، فسيطروا على أداة الموسيقى والغناء، فأضحت وسيلة للدولة الجائرة، فابتعد أهل الحق عنها. كانت الآلات الموسيقية تُستخدم في الحرام فقط، لأن الدولة العادلة القائمة على الولاية لم تكن موجودة لإحياء الغناء الحلال في خدمة الشريعة.
حينها، لم توجَد دولة شيعية شرعية تُمكِّن من استغلال الصوت والموسيقى لتقوية الشعور الديني ونشر العاطفة الروحية بين أتباع أهل البيت عليهم السلام، بالرغم من اجتهاد فقهائهم الذين يرى بعضهم عدم تحريم الصوت في ذاته، إنما تحريم الترافق مع الدولة الجائرة.
٤. الفساد المنهجي واستغلال النظام الجائر
كان خلفاء الباطل يموِّلون ويُنشئون لتلك المجالس والفجور الذي يتمحور حول الغناء والموسيقى، بهدف تدمير إرادة الناس الروحية، وإلهائهم عن الطاعة والتفكير في الإمام والمذهب الحق.
وذاتما اتُّهم الشرع بالتحذير الشديد من هذا الغناء والموسيقى، لم يكن ذلك ابتغاء فرض التحريم جزافًا، بل بسبب فداحة تأثيره التدميري، وأنه كان يؤدي إلى سلب القلوب من نصرتها والوقوف بوجهها لجبهة الباطل.
٥. الموسيقى الحلال في ظل الحكومة الشيعية
تردّد نصوص فقهية وروائية تبيح الغناء والموسيقى إذا جرت في نطاقٍ مشروع: أي في خدمة الشريعة، ونشر الرسالة، وتعزيز الارتباط الروحي بجبهة الحق، وتبليغ مبادئ أهل البيت عليهم السلام. وهذا التقيّد يتطلب وجود حكومة شيعية شرعية تستطيع ضبط ذلك حتى لا يتحوّل إلى وسيلة فساد أو تسلط أو تهوين.
خلاصة
إن حرمة الموسيقى ليست مطلقةً، بل تتوقّف على تصنيفها بحسب السياق:
- إذا ارتبطت بدعوة باطلة، أو ترويج أنظمة جائرة، أو إسالة الفجور والعنف، أو كانت وسيلة لهوس لهوي مفرط، فهي حرام شرعًا.
- أما إن كانت في إطار مشروع، تحت سلطة شرعية، تسهم في دعم الدين، ونشر الفكر الراسخ، فلا مانع شرعي من جوازها، وقد تُستأنس بها الضمائر إلى الحق.
- اختلاف الموضوعات وثبات الأحكام الإلهية
- تُدين الأحاديث التي تنتقد الغناء والموسيقى، والآلات مثل العود والناي والرباب، الرجال والنساء الذين كانوا في خدمة جبهة الباطل والدولة الظالمة، ولم يترددوا في ارتكاب المعاصي، وكانوا يسعون لنشر الفساد في المجتمع ليمنعوا عقول الشباب المتعطشة وواحات أرواحهم من نسيم ولاية أهل البيت عليهم السلام، حتى يُحجروا على النظر حتى إلى بيت الأئمة عليهم السلام.
- كان تحذير موالي أهل البيت عليهم السلام من الكنيزات المغنيات، اللواتي كُنّ حتى بين أصدقائهن، لوقاية هؤلاء الأصدقاء من الفساد المنظم والممنهج في البلاط الحاكم، الذي كان يلوث قلوب الناس بزنگار الشهوات المحرمة.
- ومن البديهي أن الأحاديث الصادرة في مثل هذا السياق تُشبه قول شخص لساكني مدينة تعمل كلها في صناعة الخمر: لماذا تزرعون العنب؟ لماذا تشترونه وتبيعونه؟ لماذا تقطعون أشجار العنب؟ بينما هو لا يكره العنب بذاته، بل إن استخدام العنب دفعه إلى إصدار هذا الحكم، وإذا ما أصبح في تلك المدينة عُصير عنب غير مسكر، ذو طاقة وفوائد كثيرة كاللبن الأم، فإن الحكم يحلله بل ويُفضّل زراعة العنب وتربية كرومه، لأن موضوع الحكم قد تغيّر، وسبب التحريم قد زال.
- الفرق بين الحكم الثابت والحكم النسبي في الشريعة الإسلامية
- إن الأحكام الشرعية ليست جميعها ثابتة بحال واحد، بل هناك أحكام ثابتة كلية وأحكام نسبية تتغير بتغير الظروف والأسباب. فمثلاً، تحريم الغناء والآلات الموسيقية في بعض الأحاديث يستند إلى سياق اجتماعي وسياسي معين، حيث كانت هذه الأفعال ترتبط ببيئات فساد وفسق وظلم. لكن في ظل ظروف أخرى مختلفة، حيث لا تصاحب هذه الأفعال أي مفسدة أو تشجيع على الفساد، قد يتغير الحكم أو يُراعى ذلك في الاجتهاد الفقهي.
- هذا التمييز بين الأحكام الثابتة والأحكام النسبية يوضح لنا كيف أن الشريعة مرنة وواقعية، تحترم الوقائع الاجتماعية وتتكيف معها، وليس من الحكمة الاقتصار على قراءة النصوص الشرعية بمعزل عن سياقها التاريخي والاجتماعي.
- الغاية من تحريم بعض الأعمال في بعض الظروف
- من الواضح أن الهدف من تحريم بعض الأعمال كالغناء والآلات الموسيقية في فترة معينة كان حماية المجتمع من الانزلاق في الفساد والانحراف الذي كان مهيمنًا على نظام الحكم الظالم. ولذلك، فإن تحريم هذه الأعمال في ذلك الزمان لا يعني تحريمها قطعياً في كل زمان ومكان، بل كان هذا التحريم أداة وقائية لتحقيق الصالح العام، وهو ما يعبر عن حكمة الشارع الحكيم.
- مرونة الأحكام الشرعية وأثرها على الاجتهاد
- إنّ مرونة الأحكام الشرعية ومرجعية التكيّف مع الظروف المختلفة تُعدّ من أهم خصائص الشريعة الإسلامية، والتي تميزها عن القوانين الوضعية الجامدة. فالفقهاء المجتهدون عند مواجهة مسألة معينة لا يلتزمون بالنصوص ظاهريًا فقط، بل يأخذون في اعتبارهم المصلحة والمفسدة، والأسباب والنتائج، وكذلك التغيرات التي طرأت على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
- وهذا ما يجعل الاجتهاد فقهيًا أمرًا حيويًا ومستمرًا، لا يتوقف عند زمان أو مكان محدد، بل يمتد عبر العصور ليُحافظ على روح الشريعة ومقاصدها العليا. فالتشريع الإسلامي يسعى لتحقيق العدل، والرحمة، والصلاح العام، وليس مجرد تطبيق نصوص بعيدة عن واقع الناس.
- خاتمة
- في الختام، لا يمكن فهم الأحكام الشرعية بشكل صحيح إلا إذا أُدركت مرونتها وارتباطها بالسياق الاجتماعي والتاريخي. فتثبيت الحكم أو نسبته يعتمد على دراسة متأنية للواقع وتحليل دقيق للمعطيات. وهذا يُبيّن الحكمة الإلهية في الشريعة، التي جمعت بين الثبات في المبادئ والمرونة في التطبيق، لضمان تحقيق مصالح الناس ودرء المفاسد في كل زمان ومكان.
- ChatGPT said:
- البحث عن الحلول للقضاء عليه من داخل المجتمع الإسلامي، لأن لكل داء دواء. فلا فائدة كبرى من محاربة الذنوب الصغرى في المجتمع إذا لم تُزال الذنوب الكبرى أولاً، إذ إن التركيز على الصغائر قد يُسهم في تصغير الكبائر.
- تفاوت درجات الأفراد في الغاية المقصودة
- وبما أنه لا يوجد فعل بلا غاية، يجب التمييز بين الغايات والأفعال المحرمة وتلك المباحة. لا يجب على الفقيه أن يتوقع أن تكون كل أفعال العباد ذات غايات عقلانية، سامية، روحية، ربوبية وإلهية. صحيح أن الله تعالى يقول: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»(1) و«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(2)، ولكن يجب التمييز بين أمر الله بالعبادة المخلصة وبين مدى التزام العباد بذلك الطاعة الكاملة. الله يريد أن تكون الغاية الحقيقية لكل الأعمال هي العبادة، وليس أن تكون كل الأعمال عبادية بطبيعتها. أولياء الله هم الذين لا يقومون بفعل غير العبادة، وكل ما يفعلونه من طاعة وعبادة ومحبة لا غير، ولا يُتوقع ذلك من عامة الناس، فالفقيه يحكم على العباد العاديين لا على أولياء الله الذين هم مجتهدون وفقيه في أحكام أنفسهم.
- الفاعل العلمي والشوقي (العملي)
- قد يكون الفاعل المباشر، المتوسط، أو البعيد. لكل عمل مصدر علمي. العلم يولد الشوق، لكن الشوق في الإنسان المريض أعمى. الشوق يدفع الإنسان لفعل العمل. كمثال، من يشتاق للماء حين يعطش، العلم بالعطش هو الفاعل البعيد، والشوق هو الفاعل المتوسط، وشرب الماء هو الفاعل المباشر.
- الفاعل المباشر هو القوة الكامنة داخل الإنسان التي تتجمع لتنفيذ الفعل وهو آخر مراحل تحقق الفعل. الشوق هو الفاعل المتوسط، وقد يكون ضعيفاً أحياناً، كالشوق لتناول الخبز الطازج مقابل الخبز القديم رغم العلم بأكله. الشوق في الجنة شديد.
- هذه المناقشة فلسفية ومعقدة هنا مقتصر على هذا القدر.
- إذا كان مصدر العلم يدعو إلى فعل باطل، وتم التهيؤ لذلك الفعل، يتحقق الفعل حتى لو واجه معوقات.
- الفاعل العلمي ضمن الحكمة النظرية، والفاعل الشوقي من الحكمة العملية، وكلاهما إنساني، أما الفاعل المباشر فهو مشترك بين الإنسان والحيوان، ويُوصف الفعل بالباطل أو العبث بسبب هذين الفاعلين. الاختلاف في كونه إرادياً يكمن في العلم والشوق.
- المصدر البعيد للفعل الحق هو الفاعل العلمي الذي يحوي نفس الأمر ويتوافق معه. هذا النوع من الفعل نادر بين العباد، والقرآن يشير إلى ذلك بقوله: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ»(3)، و«وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ»(4)، و«وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»(5). كثير من الأفعال الإنسانية، حتى الخيرات والعبادات، ناشئة من فاعل شوقي أو وهمي، وعدد الفواعل العلمية قليل جداً وهم أولياء الله.
- المعرفة الجوهرية والفعل الصوري
- بعض الأعمال حق ومصدرها العلم الحقيقي المتوافق مع الحقيقة ذاتها. هذا هو معيار تقييم أفعال الإنسان، والميزان الحقيقي هو مصدر العلم والنية. العمل ذاته مجرد شكل وليس له قيمة جوهرية بحد ذاته. الاختلاف بين ألف ركعة وصلاة ركعتين ليس بحجمه، وإنما بمن قام بها وبأي نية.
- بهذا المعيار يُقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: رفيع، متوسط، ودون ذلك. القلة من الناس هم الذين يقومون بأعمال حق، مستعدين للتضحية بكل شيء لله.
- أما الآخرون فعلومهم لا تحرك شوقهم، بل الخيال والوهم هو المسيطر. الخيال شكل من معانٍ وهمية يثير الشوق، وهو ما يؤدي إلى مسألة “المأمور معذور”. كل من هذه المبادئ يكوّن تركيباً مختلفاً.
- حرمة نشر الباطل والعنف
- في الشعر والأغاني والموسيقى يجب ألا يكون فيها باطل حتى لا تحرم الغناء والموسيقى. الموسيقى لا ينبغي أن تنشر العنف. استخدام أنماط مثل البوب والروك الأمريكيين التي غالباً ما تروج للفجور والعنف، حرام. ولو قُرئت هذه الأغاني بنمط القرآن، تكون حراماً أيضاً.
- حالياً في روسيا، تروج الموسيقى الأمريكية العنيفة ويُستخدم صوتها وحركاتها فقط.
- البوب الأمريكي يهيمن عالمياً ويسيطر على أماكن الفساد. والحمد لله، لم تنتشر هذه الموسيقى كثيراً في إيران إلا في حفلات سرية ومناطق الرفاهية.
- تُثير موسيقى البوب الأمريكية التوتر عن طريق الإيقاعات، وأجزاء من الموسيقى الإيرانية تشبه هذا الإيقاع مما يثير توتر المجتمع. ويُرافق ذلك عُريٌّ وسلوك غير أخلاقي، مهدد شباب أكثر من خمسين دولة إسلامية.
- في المقابل، الأفارقة الأمريكيون يروجون لموسيقى الراب لمواجهة البوب، والولايات المتحدة تقيدها.
- بالرغم من التراث الموسيقي والفلسفي الإسلامي الغني، لم نتمكن من منافسة أمريكا في الموسيقى العالمية. أما الأفارقة الأمريكيون فيزيدون التوتر بواسطة الراب وأعمال عنف صغيرة، لزعزعة البوب.
- أمريكا تسعى لتحويل الموسيقى الهادئة الشرقية إلى موسيقى عنيفة مزعجة لإثارة الفوضى في آسيا.
- الموسيقى الغربية تتميز بالعنف، الخشونة، الجنس، واللعب بالضوء، مقابل النعومة واللطف في الموسيقى الشرقية.
- اليوم، الموسيقى الأمريكية تسيطر على ثقافات العالم، واللغة الموسيقية عالمية حتى لمن لا يفهمون كلمات الأغاني.
- لو كانت الموسيقى تدعو إلى الشر، فهي حرام. لكن لو غنى أحد كالنبي داود أو ألقى ألحان السجادي أو دعاء كميل بمقاماتهم الخاصة وتأثيرهم الروحي، فهذا جائز.
- الغرب نشر ثقافته المنحطة من خلال الجنس والعنف والموسيقى، ويجب ألا نترك المجال لهم.
- يجب أن نستثمر قدراتنا الشرعية التي منحنا إياها الدين. إذا ملأوا الأسواق بالكحول، نصنع المشروبات الطاهرة، وإذا نشروا الملابس الفاضحة والعُري، يجب أن نقدم أزياء إسلامية متنوعة.
- يجب أن يكون لكل من الرجل والمرأة حقوق وفقاً لما وهبه الله لهم من قدرات، لدعم جبهة الحق، مع مراعاة الأولويات في الأدوار الاجتماعية والأسرية دون تمييز بسبب الجنس.
- المرأة يمكن أن تكون مؤمنة شريفة وناشطة اجتماعياً، ولا يتعارض ذلك مع الدين إذا اجتمعت الحرية والتقوى.
- يجب أن نكون مستعدين لمحاربة كل أدوات الفساد ونتسلح بثقتنا وقوتنا.
- إذا أراد الإسلام أن يصمد أمام عالم الكفر، يجب أن يهيئ كل أدوات القوة، ومن أهمها الاستخدام الأمثل للصوت والموسيقى والغناء، وأن نخلق “طهوري” مقابل خمور البوب الأمريكي، وإلا فلن يكون فعالاً.
- الإفراط في الموسيقى، وخاصة الأمريكية العنيفة، يضعف عقول الشباب ويشوش عليهم التمييز بين الحق والباطل، وقد يؤدي بهم إلى الانحراف.
- بعض الموسيقى المنتجة لدينا ناجحة ومفيدة روحياً، لكن هناك موسيقى محرمة مستنسخة من أنماط أمريكية عنيفة، والحرمة بسبب العنف والفساد، لا بسبب كلمات الأغاني.
- الأغاني تحرم الغناء إذا كانت تثير الفساد والشهوة، خاصة في مجتمع شبابنا الذين لا يمكنهم إشباع غريزتهم بصورة شرعية. الغناء مباح إذا خالطه الاحترام.
- مثلاً ذكر جمال عيون النساء في الشعر بنية عرفانية لا مانع منه، لكن إذا كان يستهدف امرأة معينة فهو إهانة وحرام.
- البلدان الغربية تنشر ثقافة الفجور والسخرية من الروحانيات في الشرق حتى في عواصم مثل طهران، مع الحفلات المختلطة واستخدام الخمر والمخدرات، وكأن البلاد لم تشهد شهداء ومجاهديها.
- أي غناء أو موسيقى من هذه الجهات باطل وحرام.
- هذه الممارسات ليست من ثقافتنا الشرقية بل من ثقافة الغرب الذي دمرها.
- الغرب يحاول نشر الفساد حتى بين النساء المتزوجات والمحجبات.
- أعداء الدين يستخدمون المطربين والراقصات لنشر فسادهم.
- لو تم اكتشاف وتقديم الموسيقى القرآنية وألحان الصحيفة السجادية للعالم، ستؤثر روحانياً كما تؤثر الموسيقى الأمريكية سلباً.
- دول الاستكبار تحارب دولنا بالثقافة والعنف والجنس والموسيقى الفاسدة.
- الطريق إلى استعادة المكانة الروحية يكمن في الغناء الحلال، الموسيقى الصافية، والبعد عن التفسخ والفساد.
- لذلك يجب دعم الفنانين الذين يبدعون في الموسيقى الروحية وتطويرها.
- هذا موضوع مهم ويحتاج إلى سياسة وثقافة واضحة.
- ملاحظة: هذا الرد يعتمد على نصوص وملاحظات طويلة ومعقدة تجمع بين الفقه الإسلامي، الفلسفة، نقد الموسيقى الغربية، وواقع المجتمع.
- الترجمة إلى العربية الفصحى الأكاديمية:
- في الوقت الحاضر، تعيد بعض الأفلام إحياء التقاليد الباطلة وتذكيرها. بعض الفنانين الذين منعوا من التمثيل بسبب مشاركتهم في أفلام ممنوعة، يقومون أحيانًا داخل البلاد بإنتاج مثل هذه الأفلام. وحتى لا تُخلق مثل هذه الأعمال يوم الغبن، يجب التفكير في إيجاد طريق للتخلص من أضرارها الثقافية. كما تظهر في بعض الأفلام والأغاني سلبيات وتعابير عن عقد فردية.
- التضخيم المبالغ فيه للمجرمين الذين يتلاعبون بالقوى الأمنية، وإظهار ضعف مضاعف لقوى الأمن، وتصغير قدرات عناصرها المحترفين، يُعد من مظاهر الباطل وخيانة لدماء هذا الشعب التي أُهدرت من أجل أن تكون هذه القوات رمزًا لقوة إيمان الناس وكرامتهم. كما أن انتشار مصطلحات العصابات يمثل نموذجًا لإحياء التقاليد الباطلة. الأفلام الخاصة بالعصابات والجرائم هي نموذج لإحياء الباطل. وتزداد ذنوب هذا الأمر، إذ تُصرف أموال خزينة الدولة على إنتاج أو شراء هذه الأفلام.
- (268)
- لا يجب أن تذكر الموسيقى بالتقاليد الباطلة للعصور الماضية، كما هو الحال في هذا القول: «يا شباب بني هاشم، تعالوا لنصل عليًّا إلى خيمة الحداد» الذي يلهم الشجاعة لدى الشباب الحزانى في استذكار الحسين عليه السلام.
- إذا كانت الموسيقى تُعنى بإحياء رموز الباطل، فهي موسيقى مدمرة، مثل موسيقى الأمويين والعباسيين. كان جهاز جور حكام الخلفاء يوجه الناس إلى الأمور النفسية والدنيوية وينشر الباطل، ليبعدهم عن الروحانيات، والصدق، والتقوى، والعصمة، واللجوء إلى المؤمنين. للأسف، تظهر هذه السياسة والاتجاه في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم أيضًا. من العوامل التي أبعدت الناس عن الروحانيات والعلماء والمساجد والجلسات الدينية، هو كثرة قنوات عرض الأفلام والبرامج الفنية المزيفة وبعض البرامج الكوميدية التي تُبث عبر وسائل الإعلام الجماعية. هذه البرامج تشغل الناس لدرجة أن لا أحد يفكر في قراءة الدعاء، أو العبادة الليلية، أو الذكر، أو الاستفادة من العلماء الدينيين.
- في بعض هذه البرامج، تظهر حركات وأصوات مبالغ فيها لا تُرى حتى في بيوت اللهو والغناء، وأحيانًا تقارب الكباريهات وصالات الرقص ودور السينما القديمة. هذه الأفلام تمثل باطلاً يُضعف الصلاة والدين، بينما يمكن استخدام الفنانين الأكفاء وأفلام ومسلسلات ملائمة للمجتمع الإيراني المحافظ في أوقات مناسبة، لتقديم فوائد حقيقية للمجتمع، وبدلاً من تدمير الروح، إظهار الكرامة والجدارة.
- (269)
- المديح الهدام
- لا ينبغي للمداحين استخدام أساليب معروفة لأشخاص طاغوتيين أو أهل فسق وفجور. بعض المداحين يمتلكون مهارة تجعل صوتهم يعبر عن حزن عميق، ويغرق السامع في أوجاع شديدة، فيتمزقون ويركضون على صدورهم حتى يفقد البعض وعيه، والبعض الآخر يشعر بالخفة والسرور. هذه النّدبات تُشعرهم بالنشاط، لكن استخدام أساليب خاصة معروفة لأهل الباطل، في الموسيقى أو المديح، محرّم.
- هنا يجب أن نلقي نظرة على وضع المداحين في المجتمع وندرس عملهم من منظور فقهي، لنرى هل هم في خدمة جبهة الحق والولاية، أم يفتحون جبهة الباطل أمام الحق؟ مراجعة سجل نشاط المداحين والعلماء في عاشوراء وغيرها من أيام الحزن تظهر أن العلم الديني أصبح هامشيًا مقارنة بالعاطفة التي يثيرها المداحون، ويزداد إقبال الناس عليهم أكثر من العلماء والخطباء. رغم أوجه القصور في تعليم رجال الدين، إلا أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المداحين الذين يدّعون اليوم الدفاع عن الدين، لكنهم بأفعالهم يُضعفون الدين ويُضعفون مركزه. في بعض الأحيان، يدير المداح عدة مجالس في اليوم، وربما يتأخر في بعضها، بينما لا يُعطى العلماء الدينين الحقة التي يستحقونها. المداح الذي لا يحفظ سوى بضعة أبيات شعر، يحل محل العلماء، ويغرس مئات الأفكار الخاطئة بسرعة في مشاعر الجماهير. هذا المداح هو نموذج واضح لإضعاف الدين ودعم الباطل.
- طبعًا، يجب على العلماء أن يرتقوا بمستوى معارفهم، وأن يفهموا الموسيقى التي تُستخدم في مجالس العزاء، والتي تلين قلب أقسى الناس وتجعلهم يبكون، ويجب أن يكون لديهم علم ديني حقيقي، كما ورد في كتابنا «علم اجتماع العلماء الدينيين» حيث شرحنا ماهية هذا العلم وكيفيته.
- قد لا يكون هذا الوضع قائمًا اليوم، لكن بسبب الوضع الحالي وضعف بعض الخطباء، قد يأتي اليوم الذي تُحرّم فيه المديحة للمداحين غير العلماء، لأن مديحهم، رغم أنه باسم أهل البيت عليهم السلام، يبعد جنود هذه الأسرة عن مركز الجهاد، وبالتالي يُعد إضعافًا للدين ومحرمًا. للأسف، بعض هؤلاء المداحين المعروفين يحصلون على أموال طائلة مقابل دماء أهل البيت، وأحيانًا مع مطالب تفوق المعقول.
- في عهد الإمام الخميني رحمه الله، كان ينتقد أداء غير رجال الدين في المساجد أثناء الصلاة، لأن البعض كان يستخدم عباءة وشعرًا لتولي المساجد التي هي حصون الإسلام، وكانوا يصيرون صوتًا للباطل. في تلك الأيام، لو أمّ غير رجل دين في مسجد للصلاة، كان الأمر مرفوضًا، حتى لو كان مجتهدًا بلا لباس ديني.
- هذه الأحكام مؤقتة وليست دائمة، وإنما تُفرض حرمتها ما دام الضرر والآفة قائمين. وعند زوال العلة الزائلة، لا بأس أن يصلي غير العلماء؛ لأن الدور الأساسي للعاملين في الحقل الديني هو القيام بالأعمال الفكرية والعلمية والبحثية. في المدارس والمستشفيات والإدارات والسجون يمكن العثور على أناس صالحين يعرفون أحكام دينهم ويستطيعون إقامة صلاة الجماعة.
- لقد درس العالم الديني سنوات طويلة وبَذَلَ جُهوده لنشر الفكر والثقافة الدينية، وليس لأن يقتصر فقط على إقامة الصلاة. بإمكان أي مؤمن ظاهره صالح ويعلم أحكام دينه أن يُصلّي الجماعة. لكن إذا كانت إقامة الصلاة على يد غير العلماء تسبب فتنةً أو ردّة عن الدين، كما كان في زمن الإمام الخميني قدّس سرّه، فإن الحكم يكون وفق فتواه، والمرجعية في ذلك هي منع الانزلاق والبعد عن الدين. مثلاً، إذا قام مؤمنون غير علماء بإقامة الصلاة وجلب ذلك تشجيع العلماء على الانشغال بالأعمال الفكرية والعلمية دون وجود علة لازمة، وكان ذلك يؤدي إلى ازدهار الدين، فيجب القول إن هذا أفضل. كما أن في حال ثبوت آثار إيجابية للمديح، يمكن للمداحين غير العلماء أن يكونوا من أنصار الدين والناس والعلماء، إلا إذا اعتبروا أنفسهم مستقلين عن العلماء الدينيين، كحال بعض المداحين المعاصرين الذين للأسف بعض المسؤولين يشجعونهم، ففي هذه الحالة يكون ذلك مرفوضاً. ومن اللازم أيضاً عدم تجاهل ضعف العلماء وطلاب العلم في هذا المجال.
- الموسيقى والغناء والشعر، إقامة الصلاة على يد غير أهل العلم والمديح من قبل غير العلماء، أمور ليست ثابتة بل تخضع للزمان والمكان.
- يستخدم بعض المغنين والمداحين ألحاناً ومقامات تقليدية مثل شوشتري، أفشار، ماهور وبيات ترك في جلساتهم. وأحياناً يستعملون أنماطاً موسيقية محرمة مأخوذة عن مطربين رجعيين في مجالس العزاء أو ترانيمهم، وهذا من مكائد الشيطان. بعضهم يستورد ألحاناً من أغانٍ نسائية ذات توجهات طاغوتية، التي صوتها صوت الجبهة الباطلة، ويُبث ذلك عبر وسائل الإعلام دون تمحيص في حلّيتها أو حرمتها. يجب التنبه حتى لا يُحرَّم ما أحل الله، فإن ذلك تحريف للدين، وإن أُحل ما حرم الله فهو إهمال وخسارة كبيرة. من القبيح أن يُحلّل أحد الأمور المحرمة باسم مراثي الحسين عليه السلام ويجعل المحرمات أموراً مباحة. بعض الناس يزعمون أن الغناء لهو بطبيعته فهو باطل ومحرم، لكن إذا استُعمل في المواضيع الروحية والقرآن أو للمعصومين عليهم السلام فلا حرج فيه. أما إذا كان الغناء محرماً بطبيعته، فلا يمكن تبريره باسم الحسين عليه السلام. هذه المناقشات لا بد أن تُبنى على مقدمات صحيحة بعيدة عن التعصبات والمزاجيات الشخصية.
- الباطل اللغوي
- من أنواع الباطل: العمل “اللغو” الذي يعني العمل بلا هدف أو فايدة ولا رضا. ويختلف عن “اللعب” بهذا المعنى. اللغو لا يسبب أذى ولا عواقب، خلافاً لـ”اللهو” الذي يعني الانشغال عن أمر مهم بأمر أقل منه. في اللغو واللعب لا يكون هناك انشغال يصرف عن الواجبات، بينما في اللهو يحصل انشغال يمنع الإنسان العاقل من أداء واجباته. لذا إذا توسع اللغو أو اللعب بحيث يمنع الإنسان عن واجباته، فإنه يصبح لهواً.
- كل لغو باطل لكنه باطل منزّل أي أقل درجة من الباطل، لأن اللغو خالٍ من القصد والنية، مما يميزه عن الباطل. الباطل يشمل الأمور غير المقصودة التي قد لا تكون معصية، وأيضاً الأعمال التي فيها معصية وهدف شيطاني، أما اللغو فهو دوماً بلا معصية أو غرض شيطاني.
- أحياناً يكون سبب الفعل الخيالي وحده غير كافٍ، بل يكون مترافقاً مع الطبيعة أو العادة أو المرض. المنشأ القريب للّغو هو التخيل المرتبط بالشوق، حيث يتولد فعل يستمد غايته من هذا التخيل. مثلاً، شخص يشوق نفسه لخدش جرح يؤلمه ويتلذذ به، فيتكرر الأمر فلا يلتئم الجرح. والبعض يتعدى ذلك في إيذاء الآخرين والتمتع بذلك. هذه الأعمال خيالية المنشأ، يتولد عنها فعل نابع من التخيل والشوق.
- مراتب المكلفين وحكم الشرع
- قسمنا المؤمنين إلى ثلاث فئات: الكمال والورع، المتوسط، والعامة. وأعمالهم تختلف بحسب هذه الدرجات. كل الناس معرضون للغفلة واللغو، وهذا مفيد لهم، لأن نقص الغفلة يؤدي إلى الرياء والنفاق والتكبر. إذا كان شخص عادي يتصرف بشكل متزمت ويرفض كل لغو، فإنه يبتعد عن الصحة النفسية ويقع في الرياء والنفاق. بعضهم يزعمون أنهم أقوياء وأنقياء لكن باطنهم ملوث.
- اللغو سبب لابتعاد العباد عن الكفر والشرك والتكبر، كالمرساة التي تبقي السفينة ثابتة.
- العامة يُحاسبون فقط على ما في قلوبهم من جد وليس على لغوهم، والله يتساهل معهم كثيراً. القادة لا ينبغي أن يشددوا على العامة، لأن كثيراً من أعمالهم غير مقصودة. الشرور الكبرى كالشرك والقتل لا تُسامح، أما الأمور اللغوية فتمسح برحمة الله. ينبغي أن ننظر إلى أفعال الناس هل هي عن قصد أم غير قصد، ولا نربطها بسوء الظن.
- العقائد والقلوب تُحاسب، أما اللغو فليس كذلك. الله لا يتهاون في الأمور الجوهرية لكنه يخفف عن العامة في أعمالهم التي تفتقر إلى القصد.
- كثير من الأمور المباحة للعامة قد تكون محرمة أو مكروهة للمؤمنين المتوسطين والعاليين. القرآن يصف المؤمنين المتوسطين بأنهم “يعرضون عن اللغو” لكن لا يعني ذلك الطهارة الكاملة، أما العباد الرحمن (المؤمنون الأعلى) فهم “يمرّون باللغو مرور الكرام” أي لا يتأثرون به ولا يلوثهم.
- الغلو في اللغو
- الأشخاص الذين يطمعون دائماً في المال والممتلكات يعانون من مرض الغلو في اللغو. نصحهم الاقتصاد والاعتدال هو لترويض هذه النفس. ليس كل لغو مرض، لكن الغلو فيه مضر.
- مثلاً، من يأكل بشكل مفرط حتى يثقل معدته ويتعب جسده، يأكل بدافع المتعة لا الحاجة، مثل من يستمتع بخدش جرحه. الإنسان العاقل يضبط طعامه حسب حاجته للطاقة.
- الإنسان بطبيعته يقع في اللغو، وهذا جزء من حكمة الخلق. القرآن يؤكد ذلك بقوله: “إن الإنسان لفي خسار” لأن الطبيعة هكذا. فقط المؤمنون الحقيقيون الذين يؤمنون ويعملون الصالحات ويتواصون بالحق والصبر هم استثناء.
- اللغو ليس مذموماً عند العامة بل هو جزء من طبيعتهم، وهو يشبه اللهو الذي بني عليه هذا العالم. لكن على المؤمنين المتوسطين والعاليين أن يتجنبوا بعض اللغو.
- لا يجب تحميل العامة نفس التكليفات التي على القديسين والمؤمنين الراسخين، ولا يجب استخدام الضغط الديني على العامة لأنها تؤدي إلى نتائج عكسية.
- الذين يرغبون في العيش فوق مستوى عامة الناس والارتقاء بأنفسهم هم نادرون وقليلون؛ لأن طبيعة البشر في الإرادة والقدرة ليست قوية. للباطل في كل مرتبة حكم خاص. الله تعالى لا يعاقب الناس العاديين على الباطل المتعارف عليه، وحكمه في شأن باطل الناس العاديين هو الإباحة. فالله لا يريد أن يقيد الناس العاديين بقيود مشددة، بل يشرع بناءً على طبيعتهم. والله الخالق العليم بكل ما يحتاجه كل مخلوق، يعلم ما فُطر عليه الإنسان من حاجات. وفي هذا السياق، يُقسم الناس إلى ثلاث فئات، ويُتوقع من كل فئة بحسب قدرتها وطبيعتها تجنب الباطل. فمن عباد الرحمن يُتوقع الابتعاد الكامل عن الباطل، ومن المتوسطين يُتوقع التجنب منه، أما عامة الناس فلا يُتوقع منهم سوى القيام ببعض الأمور الباطلة.
- هذه الطريقة والبيان القرآني هما أفضل نموذج تربوي ينبغي أن يُعمل به في الأسرة والمجتمع. وعلى هذا الأساس، إذا اعتُبر الغناء والموسيقى من صور الباطل، فإن الحكم الشرعي لهما يجب أن يؤخذ في ضوء حالة الأفراد وملاءمتها. وهذا ما تؤكده الأحاديث النبوية، كونها ترجمانًا للقرآن الكريم.
- وجود الباطل في الحياة أمر طبيعي، ويتفاوت بحسب درجة كمال الأفراد. الأولياء والشريعة لا تهدف إلى إزالة هذه الصفة كليًا، بل تقصد تقليلها بلطف ورفق مع مراعاة التناسب، لا بأمر تركها كليةً؛ لأن ذلك لا يتناسب مع طبيعة الإنسان ونفسيته، وليس من المتوقع أن يصل جميع البشر إلى درجة الكمال الإنساني كالمقام الدائم للذكر والتسبيح.
- الإنسان العادي الذي يمارس الباطل لا يستحق دخول النار بسببه، فالنار للمغفلين عن الله والعصاة والظالمين والذين يتعمدون الانحراف عن الحق وإضلال الناس، أما الله فلا يعاقب على الباطل فقط، بل يوعد بالمغفرة لمن يرفع نفسه إلى أعلى المراتب.
- مع ذلك، يجب الحذر من زعزعة أركان الدين واعتقاداته الأساسية، فلا ينبغي السماح بسقوطها، لكن في باقي الأمور يغفر الله كثيرًا من أفعال العباد العاديين. الكثير من التنفس والأكل والعمل والتنقل يُعتبر باطلاً، وربما يؤدي إلى أضرار جسيمة، مثل من يسرع في السيارة تعويضًا عن الوقت الضائع، مما يؤدي إلى حوادث مميتة.
- دستگاه ویژه قرآنی
القرآن الكريم لا ينبغي أن يُتلى بالألحان أو الأنغام الشائعة أو الخاصة بالعرب؛ لأن القرآن الكريم له لغته ولهجته وإيقاعه ونتاته الخاصة التي لا يجوز أن تُقرأ بلغة أجنبية. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ( الحجر: 9 )، أي أننا نحفظ لحن القرآن الكريم أيضاً ونمنع تحريفه أو اختلاطه بالألحان الأخرى.
فالقرآن بحرٌ عميق يحتوي على ما هو رطب ويابس، وليس من المعقول أن يكون بلا لحن خاص به.
إذا تقدمت المجتمعات يمكن كتابة رسائل تقول: قراءة القرآن على لحن البيات التركي مع أنه ليس غناءً، إلا أنه حرام، ولكن المجتمع الحالي لا يملك الثقافة التي تسمح بمناقشة هذه المواضيع، ونحن نعيش في مجتمع تقليدي. - الغناء في القرآن باستخدام الألحان الفاسدة وأنماط الغناء الخاصة بالأشخاص الضالين كأم كلثوم وغيرهن ممن يغنين في مجالس الفساد، هو حرام.
الغناء عند أهل الفسق يختلف عن غناء أهل الإيمان، فلا يجوز للمؤمنين استخدام أنماط الفساق في تلاوتهم.
ولا حرمة في التلاوة في أحد الألحان الموسيقية لأن القارئ لا بد أن يفتح فمه فيتلو على أحد الألحان. المهم في التلاوة والمناسبات الدينية ألا توضع في سياق مجالس أهل الفسق والباطل بحيث يتجه ذهن السامع إلى ذلك، وهذا ما ينطبق على الغناء والموسيقى أيضاً. - اليوم بعض القراء يقرؤون القرآن بأسلوب رثاء النساء ويندبون بصوت مرتفع ويثيرون الضجة، وهذا مخالف لما أمر به القرآن من الصمت والتفكر عند التلاوة.
القرآن يأمر بالهدوء والتأمل عند التلاوة لا بالصخب والضجيج. - بعض القراء يحاولون أن يقرأوا عدة آيات في نفس النفس، مع أنه يمكن قراءتها بهدوء وجمال، وكل آية بنفَس واحد، دون أن يصبح وجههم أحمر أو عيونهم تخرج من محاجرها، فلو رأى قارئ نفسه في المرآة لخاف على نفسه.
- الترجمة الأكاديمية الرسمية إلى العربية الفصحى:
- الجهاز القرآني الخاص
لا يجوز قراءةُ القرآن الكريم بالألحان الموسيقية العادية أو الخاصة بالعرب، إذ إن القرآن الكريم يتميز بلغة ولهجة وإيقاع ونغم خاص به لا يجوز أن يُقرأ بلغة أجنبية. يقول تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)، أي إننا نحفظ لحن القرآن الكريم ونمنع تحريفه أو اختلاطه بالألحان الأخرى.
فالقرآن بحر عميق يشتمل على الرطب واليابس، فلا يمكن أن يخلو من لحنه الخاص.
وعندما تتقدم المجتمعات يمكن عندها أن تُكتب الرسائل التي تقول إن قراءة القرآن الكريم بلحن البيات التركي – رغم أنه ليس غناء – حرام، إلا أن المجتمع الحالي لا يتمتع بالثقافة الكافية لمناقشة هذه المسائل، ونحن نعيش في مجتمع تقليدي. - الغناء في القرآن الكريم بالألحان الفاسدة واتباع أنماط غناء الفاسقين – كأم كلثوم وغيرهن ممن يغنين في مجالس الفساد – محرّم.
غناء الفاسقين يختلف عن غناء المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين أن يستخدموا أنماط الغناء الخاصة بأهل الفسق في تلاوتهم.
ولا حرمة في تلاوة القرآن الكريم على أحد الألحان الموسيقية، إذ لا يخرج أي كلام من الفم إلا وكان على لحن ما. المهم في التلاوة والبرامج الدينية ألا تُوضَع النصوص والشعائر الدينية في برامج تشبه مجالس أهل الفسق والباطل بحيث يوجه الذهن إلى ذلك، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الموسيقى والغناء. - وفي الوقت الحاضر، بعض القرّاء يقرؤون القرآن بأسلوب رثاء النساء ويندبون بصوت مرتفع مع إثارة الضجة، كما يفعل بعض أهل السنة اليوم عند التلاوة، مع أنهم يعتقدون أنهم يشجعون القارئ، إلا أن القرآن الكريم يأمر بالتزام الصمت والتفكر عند التلاوة لا بإثارة الضجيج.
- بعض القرّاء يرغبون في قراءة عدة آيات في نفس النفس، مع أنه يمكن قراءتها بهدوء وجمال، بحيث تقرأ كل آية بنفس منفرد دون أن يتغير لون الوجه أو يخرج العين من محجرها، ولو رآى القارئ وجهه في المرآة لخشع منه، فضلاً عن الذين يرغبون في جذب الآخرين بصوت جميل للقرآن الكريم.
- الصوت وتأثيره حسب قدرات الأفراد
- الصوت يؤثر تأثيرًا متنوعًا على الأفراد حسب قدراتهم، ويُحدث لدى السامع تصورات وردود فعل مختلفة، بشرط أن لا تكون كلماته لهوًا محرّمًا. فعلى سبيل المثال، إذا قرأ شخص شعرًا موجَّهًا إلى فتاة غير محرم له، ويتضمن مضمونًا مثل: «لم أرَ أحدًا إلا وكان في شباكك»، فإن كلامه باطلٌ ويحتوي على محرمات، أما إذا كان مخاطبَه الله أو أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام، فالكلام هنا يكون معرفيًا وروحيًا. بناءً عليه، لا ينبغي الخلط بين الصوت الحسن والمحبب وبين اختلاف الطبائع، ولا يجوز إصدار حكم شامل للجميع، إذ قد يكون الأمر مكروهًا عند شخص ومستحبًا عند آخر.
- مثلاً، مشاهدة بعض الأفلام قد تثير الفساد والمعصية عند أحد الأشخاص، في حين لا يكون لها ذلك الأثر على غيره، فتصبح حرامًا على الأول وجائزة على الثاني؛ كما وصفات الأطباء تختلف بين المرضى، وكذلك الناس في استعمال الغناء والموسيقى يجب أن يُفحَصوا أولًا ثم يُوصَف لهم العلاج المناسب، ويجب أن تتطور الحلقات العلمية بحيث تلبّي هذه الاحتياجات بشكل تفصيلي.
- من أسباب انحراف الناس عن الدين أو العلم، إصدار الفتاوى العامة التي لا تراعي مستوى المكلفين، فلا يستطيع أغلبهم الالتزام بها، ولا يشعرون بأن هذه المسائل تسهل أمورهم، لأن طبيعتهم – ودرجة إيمانهم التي هي من مقوّمات القوة – تُهمل عند إصدار الأحكام. وقد راعى الأئمة المعصومون عليهم السلام ذلك في توجيهاتهم، حيث خصّصوا لكل شخص النصح الملائم لحالته وروحه، ولهذا ليست تعاليمهم بصيغة المدرسة التقليدية. قولنا إن فقه الشيعة تابع للمصالح والمفاسد يعبر عن هذه الحقيقة، فالمصالح والمفاسد تختلف حسب المكان والزمان، وبالتالي لا تُقبل الأحكام والفتاوى الموحدة.
- حتى النوم وحده يأخذ حكمًا مختلفًا حسب الأشخاص، فإذا كان فيه ضرر لشخص معين فلا يجوز له النوم وحده، وإذا كان فيه مصلحة وبإرشاد مربٍّ أو بناءً على معرفته بنفسه فيجب أن ينام وحده ليحصل على نصيب من الغيب.
- الموسيقى ضرورية لعلاج بعض الأمراض، لكنها لا تُوصى للجميع، كما هو الحال في الذكر، فبعض الأذكار عامة كالصلوات واجبة للجميع، وبعضها خاص كذكر «سبحان الله» الذي لا يُستخدم دون وصفة من مربٍ صاحب معرفة.
- حكم الغناء والموسيقى يتغير باختلاف الأفراد ومراتبهم، فما يليق بالعامة لا يليق بأصحاب المروءة. الأحكام تختلف حسب الأشخاص، ويجب أن تُعطى الفتاوى بتشخيص فردي كزيارة الطبيب لكل حالة.
- على أي حال، استخدام الغناء والموسيقى حلال ما لم يُصاحب بالباطل أو الحرام، أو لا يتناسب مع الفرد.
- يجب مراعاة جميع الضوابط عند استخدام الحلال، فلا يُعزف الطبلة بجانب تابوت مؤمن، كما لا تُقام الصلاة في أي مكان دون مراعاة الخصوصيات والظروف، كما يُراعي المحتفل بعقد قران جاره الذي في عزاء شخص عزيز ويخفف من فرحه احترامًا له.
- مع أن كثيرًا من الأمور حلال وبعضها حرام، ونحن في هذا الكتاب في مقام كشف الحلال والحرام في الشريعة، إلا أن أغلب ما نعتبره حلالًا للناس العاديين يجب أن يُراعى فيه التناسب. مثلاً، صحيح أن طبيعة غناء النساء ورقصهن لا إشكال فيها، لكن المؤمنين الأفضل يجب أن يختاروا الحلال حسب مناسباتهم. مخاطبنا في هذا الكتاب هو المجتمع العالمي، لذلك يجب إعطاء حكم عام، وإلا فإن الخصوصيين يعرفون قدرهم ويصونون نقاوتهم وطهارتهم بالأمور العُليا والربوبية، وهم يحتاجون إلى وصفات شخصية خاصة لحياتهم الدنيوية، لأن الأحكام الشرعية درجات ولكل شخص حكم خاص حسب مرتبته وظروفه.
- مراعاة التناسب أمر متنوع ولازم، فالمؤمنون يُقسمون إلى ثلاثة أقسام: المحبوبون الوصلاء، المحبون والسالكون، والأفراد العاديون الذين لا ينتمون لأي منهما. لتشخيص استخدام الموسيقى يجب معرفة مكان الشخص ضمن هذه الفئات، فلكل منها وصفة خاصة. الموسيقى ضرورية بشكل محدود للمحبين ليستعينوا بها على السير والسلوك والعبادة، أما الوصلاء فلا يحتاجون إلى نغم الناي، فهم يسبحون ويذكرون الله بحق، وهذا لا يعني تحريم الموسيقى والغناء لعدم استخدامها من قبل الأئمة المعصومين عليهم السلام، بل يعني استقلالهم عنها، لكن السالكين الذين يرغبون في التقرب إلى الإمامة والولاية يحتاجون، برأي مرشدهم الروحي، إلى بعض الموسيقى المناسبة لشخصيتهم في مقام السلوك. هؤلاء كالطلاب الذين يحتاجون إلى التشجيع لاستمرار الدراسة وتخفيف تعب الطريق، مع أن من يحتاج إلى التشجيع ليس كاملاً لكنه طبيعي.
- المحبون يحتاجون لمن يُحركهم، واستخدام الموسيقى لهم كشراء حذاء يرن لطفل يريد أن يتعلم المشي، فيتحمس ويمشي، على عكس الوصلاء الذين يولدون وقد لا يُكبحون أو يُعيقون. عدم استخدام الأئمة المعصومين عليهم السلام للموسيقى لا يدل على تحريمها، فهم فوق الزمن، وأربعة عشر معصومًا في إطار الوجود الدنيوي، محبوبون وهم مظهريون للحقيقة، والوصولاء لا يحتاجون إلى ذلك، لكن السالك المحب يحتاج إلى دفعة تساعده لتجاوز الصعوبات نحو القرب الإلهي. أما المجذوبون والسالكون فهم في غنى عن ذلك، كذلك الأولياء الكاملون والمعصومون الأربعة عشر عليهم السلام. للأسف، هناك من لا أهل لهم يصدرون وصفات قد تكون نافعة مؤقتًا لكنها ضارة على المدى الطويل.
- الأحكام الدينية وصفية وليست أمرية، تشبه خريطة توضح مواقع الأشياء بدقة. الدين الذي يقوم على الفطرة لا يخلق خوفًا أو رعبًا للناس. في الموسيقى كذلك، يجب معرفة مرتبة الإنسان وطبيعته الداخلية قبل الحكم على جواز أو حرمة الغناء والموسيقى. هذا الأمر يحتاج إلى فقيه خبير يعرف طبيعة الإنسان وأجهزة الموسيقى وتأثيراتها النفسية الإيجابية والسلبية.
- ضرورة تجنب الإفراط في الموسيقى
- بعد الحديث عن التناسب، نأتي إلى ضرورة تجنب الإفراط في الموسيقى، الذي يكسر حدود التناسب. الاستمتاع بالغناء أمر طبيعي ومن خلق الله، جميل ومحبب ما لم يُرفق بالمعصية. كما أن الاستمتاع بالطعام طبيعي، لكن إذا سبّب ضررًا كالتسمم فلا يجوز تناوله، وهكذا في الغناء لا يكون التلذذ بحد ذاته محرّمًا، لكن الإسلام يضع حدودًا للاستمتاع ويحرم بعض الحالات والأشخاص لأسباب خاصة.
- الجمال والحسن لا يجوز اعتباره قبيحًا أو محرّمًا، واللذة المعنوية مثل رؤية الملائكة أو الحور وترك النفس لها غير محرّم، والسرور الذي يحصل من العلاقة الزوجية مشروع وله ثواب، لكن إذا تجاوز الحد أصبح ضارًا. الإسلام يقيّد اللذات التي تضعف العقل والإيمان، والاستخدام المفرط للموسيقى يضعف الإرادة، ويجعل النفس لينة سهلة الانقياد للمعاصي.
- الموسيقى رغم أنها هبة من الله، إلا أن بعض أنواعها محرمة بحكم الشرع. زيادة استخدامها تضعف قوة ضبط النفس، وتؤدي إلى تراجع العقل والإيمان، كما تؤدي إلى جعل المجتمع سهل الانقياد، كسيارة تسير بسرعة دون فرامل.
- يجب معرفة حدود استخدام الموسيقى، فهي ليست كالصلوات التي يمكن استعمالها بلا حدود، فهي كالتوابل التي يمكن أن تكون مفيدة أو ضارة حسب الكمية، فلا يجوز الإفراط. الإفراط في الموسيقى يؤدي إلى تلبس باللعب واللهو المحرم، وإذا صاحب الموسيقى الخمر أو الفساد فهي محرمة. الإفراط في الموسيقى يؤدي إلى ضعف الإرادة والعزيمة، وهذا يجعل الشخص عاجزًا عن مقاومة المعاصي.
- آثار الإفراط في الموسيقى على المجتمع
- المجتمع الذي يشيع فيه الأصوات الموسيقية الموزونة يفقد قدرة ضبط النفس والعزيمة، ويصبح عرضة للتأثر بسهولة بالخطط الثقافية والتوجيهية التي تضعها الأجهزة الإعلامية، مما يبعده عن التقوى والعقل والإيمان.
- الموسيقى كانت منذ أقدم العصور جزءًا من طبيعة الإنسان، ولم يعارضها الدين ما لم تشوّه هذه الطبيعة بالمعصية.
- إذا كانت الموسيقى والغناء في يد أهل الحق، فإنها تذكّر الإنسان بالذكر وتعينه على القرب من الله، كالجمال الذي يدفع الإنسان للثناء على الخالق.
- الطرب واللذة الصوتية ليست قبيحة أو مخالفة للدين، فالدين لا يهدف إلى حرمان الناس من جمال الحياة، لكنه يضع الضوابط لمنع الضرر.
- يُستحب في تلاوة القرآن الكريم أن تُقرأ عدّة آيات بصوت جهوري واضح، مع التدبّر في كل آية. للأسف، هناك بيوت تُشبه بيوت اليهود حيث لا توجد تلاوة للقرآن. في السابق، كان المؤمنون يقرؤون بعض الآيات بصوت مرتفع في الصباح، فيسمعها أفراد البيت ويستيقظون على أنغام القرآن الكريم الجميلة، ولكن للأسف قلّ تقدير هذه القيم اليوم، ويكتفون بالتلاوة التي يقوم بها جهاز مثل التلفاز.
- إذا غابت في البيت تلاوة بعض الآيات من القرآن الكريم ورفع الأذان يومياً، فإنه يغمره النكد والشقاء. عمل المؤذن أعظم من الشهادة، ونحن نفقد هذه القيم بسهولة.
- أيضاً، الذين يقضون أوقاتهم أمام التلفاز أو شاشة الحاسوب لا يستطيعون فتح القرآن أو كتب الأدعية للقراءة، وكثرة مشاهدة التلفاز أو البرامج الحاسوبية تحرمهم من فضل صلاة الليل، وفي الحقيقة يفسدون أنفسهم. هذا الحديث عن الآثار والنتائج القسرية لهذه الأمور، بعيداً عن حكمها الشرعي (حلال أو حرام). الإفراط في استخدام ماء الورد والزعفران مضرّ أيضاً، ويسبب اضطرابات نفسية وروحية. وبناءً عليه، فإن فتواي هي أن الإفراط في الاستماع إلى الموسيقى والغناء مضرّ، ولهذا هو حرام.
- الحضور المستمر في دور التعليم والمناسبات الموسيقية والحفلات أو الأماكن مثل الفنادق التي تعزف فيها فرق الأوركسترا باستمرار (أو الكباريهات وأماكن الرقص، بغض النظر عن حكمها الشرعي) يسبب أضراراً وخطراً للمنشدين والموسيقيين والمستمعين على حد سواء. مواجهة الصوت -حتى لو كان موزوناً- والحضور الدائم في أماكن تقام فيها الموسيقى والغناء يسبب أضراراً كثيرة، أشهرها خطر الموت المفاجئ، والسكتات، والتشنجات؛ لأن الضجيج الناتج عن الأجهزة يسرّع أو يبطئ حركة الدم، وهذا يسبب السكتات. وهذا يشبه تقلب التيار الكهربائي، فإذا زاد أو نقص، يحترق المصباح أو محرك الأجهزة الكهربائية.
- الأشخاص المتواجدون قرب التلوث الصوتي أكثر عرضة للسكتات والتشنجات، ولكن ليس بالضرورة أن يُصاب الجميع بها.
- الأجهزة الموسيقية التي تُعزف تنتج أصواتاً مادية، وهذه الأصوات تصطدم بالمخ والمخيخ كأنها مطرقة تضربهما باستمرار. وهذا يفقد المستمع توازنه ويؤثر على حركة دمه إما بالزيادة أو النقصان. زيادة سرعة الدم يفقد القلب القدرة على الضخ، أو بسبب تضيق الأوعية والأعصاب يحدث احتشاء القلب. كذلك درجة حرارة الجسم، إذ زيادتها تسبب التشنجات، وانخفاضها يسبب هبوطاً في الضغط.
- وبناء على ذلك، فإن العمل المستمر في مجالات الموسيقى قد يسرّع حركة الدم مسبّباً السكتات، وأحياناً يكون علاجاً لمن يعاني من خمول الأوعية والأعصاب، لأنه يعيد تدفق الدم إلى وضعه الطبيعي. لهذا السبب، كما قلنا سابقاً، الموسيقى والغناء يمكن أن يكونا دواء أو سمّاً، ويتوقف ذلك على التشخيص الطبي والنفسي الدقيق من ذوي الخبرة في العلاج بالموسيقى وتأثيراتها.
- أيضاً، التواجد الدائم في هذه الأماكن المزدحمة التي تقام فيها الحفلات الغنائية والموسيقية يحرّم على الناس الشعور بالخشوع في العبادة. لكل شيء مكان، والعبادة تحتاج إلى بيئة هادئة وروحية بعيدة عن الانشغالات الدنيوية، وهذه الظروف لا تتوفر في أماكن الموسيقى.
- ينصح بشدة أن تُقام الصلاة في المسجد أو على الأقل في مكان مخصص للعبادة، لأن البيئة هناك هادئة ومناسبة للخشوع، والسجادة تمثل خصوصية وانفصالاً عن البيت.
- المسجد، رغم كونه مكان اجتماع، تسوده الوحدة والسكينة لأن الجميع يصلّون جماعة، فلا يصدر ضجيج، ولهذا لا ينبغي للمأموم أن يقرأ بصوت مرتفع حتى لا يزعج الإمام ويُخل بنظام الجماعة. الدعاء يجب أن يكون بهدوء وخشوع وسكينة.
- إذا صلى الإنسان في وحدة وخشوع، تتبعه الإجابة، أما في الضجيج والتكدّس فلا يتحقق ذلك إلا للعارفين الذين لهم مقام خاص، الذين يستطيعون الصلاة وسط الضجيج والتلفاز.
- الجدير بالذكر أن ليس فقط أماكن الموسيقى هي المعرضة للأذى النفسي، بل كل الأماكن التي فيها تلوث صوتي، لأن الإفراط في استخدام الزعفران أو ماء الورد قد يؤدي إلى الجنون، بسبب ارتفاع ارتعاش الدم وخفة دمه، مما يؤدي إلى السكتة.
- الكثير من المحاربين أصيبوا بأضرار عصبية ونفسية بسبب موجات الصوت الناتجة عن انفجارات المدافع والقذائف. وليسوا هم فقط، بل كل من يتواجد في بيئة ملوثة صوتياً يعاني من أضرار قد تصل إلى فقدان السمع جزئياً، مثل العاملين في مصانع الغزل والنسيج الذين يتعرضون لصوت عالٍ دائماً.
- تكرار وشدة الصوت -بغض النظر عن حكمه الشرعي- تؤدي لهذه الآثار. مدينة طهران من أكثر المدن التي تعاني من ارتفاع معدلات السكتات واضطرابات نفسية بسبب الازدحام والضجيج.
- الازدحام لا يقتصر على الأذن، بل العين تتأثر أيضاً. مثلاً، كثرة النظر إلى شاشات الكمبيوتر والمشاهدة المتقطعة للفيديوهات تخلّ بتوازن النظر. الذين يستخدمون الكمبيوتر أكثر من خمس ساعات يومياً معرضون للاضطرابات النفسية. من يستخدم التلفاز كثيراً لا يمكن توقع أن يقوم بصلاة الليل أو قراءة القرآن أو التوجه إلى الأمور الروحية.
- العيون التي تشاهد الإطارات المتتابعة للفيديو، بسبب كثرة التحفيز البصري والجهد الذهني، لا تعطي معنى لمناجاة الصلاة، وكذلك العمل يفقد معناه تدريجياً للدماغ. لذلك، يجب على العائلات الدينية وضع برنامج دقيق لضبط هذه الأمور لحماية أنفسهم وأولادهم، فلا يكون الأمر قاسياً فيحرمون التلفاز ويحسّون بالحرمان، ولا مفرطاً فيصبحوا محرومين من كل شيء. المهم ألا نغفل أحكام الله تحت ذريعة الحلال ونغرق في التفريط.
- الاستماع غير الإرادي لا مانع منه، ولا يجوز توجيه اللوم إلى سائق الحافلة أو السيارة الخاصة إذا لم يكن مؤجّرًا بالكامل له؛ بالطبع إذا كان السائق يستند إلى فتوى تبيح الاستماع.
- لقد بيّنا أن الأغاني المثيرة للفاحشة، والموسيقى التي تروّج للفساد، وأنواع الموسيقى التي تقلّد أساليب أهل الذنوب والباطل والتي تحمل بصمات خاصة وأهدافًا سياسية خبيثة تسعى إلى الإفساد الروحي ونشر الفحشاء، والإفراط في الموسيقى التي تؤدي إلى اللهو والباطل، وكذلك الموسيقى التي تستخدم لخدمة جبهة الباطل ونشر الظلم، فهي من المحرمات، حتى وإن لم يصاحبها ذنب آخر.
- كذلك، النفاق من لوازم الغناء المحرم. وهذا النفاق قد ينشأ في نفس الفرد أو في نسل من كان يغني أو يستمع إلى الغناء المحرم، فينتج عنه ولدان يحملان النفاق. فإذا سُئل هذا الولد يوم القيامة عن سبب نفاقه، قد يقول: أحد أسلافي كان يستمع إلى الموسيقى المحرمة قبل خمسمئة سنة، ولذلك ورثت هذا النفاق. بناءً على ذلك، إذا استمع أحد إلى الغناء ولم ير آثار النفاق في نفسه، فلا يعني هذا أن الغناء لا يورث النفاق، لأن بعض آثار الأفعال لا تظهر فورًا في الدنيا.
- الحفلات المختلطة وقاعات الحفلات الموسيقية الدائمة، لا سيما إذا أُدي فيها أساليب الموسيقى الأمريكية التي تُعرف بالعنف والجنس والخشونة، تسبب أضرارًا نفسية بالغة.
- في العصر الحديث، توجد فرق أوركسترالية هدفها خلق التوتر والاضطراب في العقول والأفكار، إذ تحاول دفع الإنسان إلى العزلة الفكرية لتسهيل السيطرة عليه. ويتطلب التركيز الذهني هدوءًا، ولذلك تسعى هذه الفرق إلى تعطيل هذا الهدوء عبر ترويج الموسيقى العنيفة التي تسرق القدرة على الاختيار، فتُجبر الناس على اختيار ما يريده المسيطرون العالميون.
- تتحول شبكة الفساد إلى منظمة مافيوية تضم مجموعة من الملاهي الليلية، قاعات الرقص، دور القمار والأوركسترات التي تنظم حفلات ممنهجة لتحقيق الأرباح والتحدي للروحانيات والدين. وقد يكون لهذه الحفلات حضور من بعض الجن الذين يعملون بنفخهم ودفعهم. بعض الناس يصابون بمشكلات بسبب نفخ الجن، ولكن هؤلاء الجن يُحاسبون على أفعالهم ويُعاقبون بالإعدام إذا لم تكن لهم مبررات معقولة. لذلك لا يجب على الإنسان أن يخاف من الجن، لأن عالمهم منظم بقوانين صارمة.
- بالطبع، إذا أُذي الجن، قد يردون الأذى، خاصة من يحاول الدخول إلى عالم الجن. ولكن حتى لو وُجد آلاف من الجن في مكان ما، لا ينبغي أن يخاف الإنسان منهم، لأن الخوف منهم دلالة على الجهل.
- يُطلق على الجن الذي يقوم بمثل هذه الأعمال الشيطانية اسم “قفندر”، وهم من الجن الأشداء المرتدين على الجيوش والأتباع، ينتقمون من الذين أساؤوا إلى الآخرين عبر التسبب في إصابتهم بالمسّ الذي يؤدي إلى أضرار نفسية واضطرابات.
- علم النفس الاجتماعي يقول إن ارتباط الرجل بامرأة فاسدة سواء بشكل شرعي أو غيره ينقل إليها “فيروس” فقدان العفة، ما يزيد من فساد البيئة. وهذا ما أكدته آيات القرآن الكريم:
- «الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (سورة النور: 3).
- أعداء الثورة الذين يريدون نشر فقدان العفة في المجتمع الإيراني يحاولون تنظيم حفلات مختلطة.
- الفرح والموسيقى (الرقص، التصفيق، الصفير، التهليل والاحتفال)
- في كتب اللغة، يُعرف “الرقص” بأنه التفاعل الحركي المندفع، الإشراق، التسارع، والنبض. ويشير إلى حركة القدم، ثم اليد، وأخيرًا أعضاء الجسم الأخرى بنظام وتناسق. وهو تعبير عن الحركة النابعة من جماليات ونشاطات إيجابية، ويُنظر إليه كإظهار للحيوية والتعبير عن الفرح.
- توسع الرقص
- الرقص ليس غريبًا على الإنسان أو المخلوقات الأخرى، فكل شيء يتحرك بتناسق ورقص، من اليد التي تمسك بالقلم إلى الطبيعة من نباتات وحيوانات وسحب وأمواج البحر. المرأة تتمتع بأعلى قدرة على الرقص لأنها تحمل في طبيعتها هذا الميل، حتى ولو كانت في مواقع مقدسة.
- من الناحية الفلسفية، لا توجد حركة بلا صوت، ولا صوت بلا نظام، وحين يكون هذا النظام موزونًا يتحول إلى رقص. كل ما في الوجود مرتبط بالحب والرقص هو تعبير عن هذا الحب، من الأرض إلى السماء، من الله إلى الخلق.
- أنواع الرقص
- للرقص أنواع كثيرة ومتنوعة، بعضها طبي ودوائي. فبعض الرياضات الصباحية تمزج حركاتها بالرقص. والرقص له تأثيرات إيجابية على الصحة النفسية والبدنية. كما يُستخدم في العلاج الطبيعي والفيزيوتيرابي.
- الرقص له نوعان: مستمر ومنقطع، ويُرى ذلك حتى في صلاة النوافل.
- الرقص في القرآن والسنة
- لم يُذكر الرقص مذمومًا في القرآن، بل قد يرد الرقص في سياقات إيجابية، ويشمل رقص الروح والحقيقة التي يرمز إليها قوله تعالى:
- «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (سورة الرحمن: 29).
- وقد ورد في بعض الروايات ذكر رقصات إيجابية وسلبية.
- ChatGPT said:
- البحث في “رقصة الحرية الطبيعية”
- جميع الظواهر تظهر بحالة من “القبض” أو الأسر، وتبدأ حركتها بـ”البسط” أو التحرر. يظهر الميل إلى الحرية حتى في أصغر وحدة معروفة وهي الذرة. تتحرك وحدات الذرة بسرعات عالية جداً، وبفضل الجاذبية الناتجة عن حركتها تدور حول بعضها البعض في حركة دائرية، وهذه الحركة تُشكّل الإطار الذي يحرّر الذرات. عندما تكون حركة التحرر متناغمة ومنظمة، تتحول إلى “رقصة”. جميع الظواهر الدنيوية تتحرك، ولكل ظاهرة نظام في حركتها؛ لذلك، لا توجد ظاهرة تخلو من “الرقص”، وهو رقص من أجل الحرية وللتحقق الذاتي والتعبير عن الذات.
- الحرية تعني بروز شيء كان سابقاً مقيداً ومحدوداً، كما أن الباب يجب أن يكون على مفصل، مما يدل على أن الحرية يجب أن تكون ضمن إطار معين. رقص الظواهر الطبيعية هو حركة على مدار معين، تجلب معها الحرية والتحرر. جميع الظواهر تمتلك أصالتها في “الاحتواء”، وتسعى إلى التحرر والانفتاح عن كمالاتها الخفية، لذلك تتحرك، وتكون حركتها وفق مسار طبيعي ومنظم ومنسجم. الحركة من أجل إبراز الكمال المستور هي رقص.
- يعتقد علماء الفلك أن الأرض نتجت عن انفجار؛ انفجار لشيء كان مضغوطاً ومحتجزاً، وتم تحريره بالانفجار. وعلماء الأحياء يرون أن حياة كل كائن حي تبدأ من جسيم يحتوي على كل شيء، وينفتح تدريجياً وفق نظام يمكن تكراره. التحرر ضمن حركة متناغمة هو فعل الظواهر نفسها، وهو مطابق لطبيعتها ومتسق مع فطرتها؛ ولهذا يحبون رقص الحرية ويسعون إليه، رغم المشقة والتكاليف العالية.
- رقصة حرية الإنسان تتشكل بتدخل الإرادة والاختيار. هذا الاختيار تحت سيطرة النفس الأنانية التي لا تعرف حدوداً في أنانيتها، وقد تميل إلى المعصية. قد يتجاهل الإنسان حدود رقص حرية نفسه، رغم أن طبعه لطيف ومحبوب، ويظن أنه ينفتح ويرقص بحرية، لكنه في الواقع يختار طريقاً سيئاً يجعله أكثر اعتماداً على رغبته النفسية الظالمة، معتقداً أنه حر. وهذا الأسلوب يضيف قيوداً جديدة ويجعله أسيراً لرغبات باطلة تؤدي إلى فساد موهبته بدل ازدهارها.
- الشريعة، بقوانينها، تحدد المسار الطبيعي لرقص الحرية وتحقيق التحرر للإنسان. الدين هو برنامج الحياة، لكن هذا البرنامج يجب أن يُطلب من مجتهد مختص ذو شروط حقيقية، وليس بشكل عام. رقص الحرية، كحركة طبيعية، يحدث تدريجياً وبما يتناسب مع الذات، دون أن يسبب نزاعاً، إلا إذا تم اختطافه من قبل الأنانية والأغراض السلبية للبشر، فتصبح الرقصة مقيدة.
- رقصة حرية الإنسان تعني الحركة المتناغمة لكل فرد في طبيعته. الإنسان الذي يفتح طبيعته يمتلك رقص الحرية. هذه الرقصة ليست تجميع طاقة أو قوة، بل تحرير الطاقات والحرارة التي يملكها. حرية الإنسان مع الحركة المتناغمة والرقصة الطبيعية تعني أن يكون كل شخص نفسه، ويظهر الكمال الطبيعي الموجود داخله.
- نبدأ نقاشنا عن الرقص الطبيعي ورقص الحرية بحياة الإنسان. في أسماء الله الحسنى، “الحي” هو الأول والأمّ، لأنه يمثل الوجود والظهور لكل شيء. الحياة هي ظهور الوجود وظواهر الكون. حياة كل ظاهرة تعبر عن الاتجاه الرباني وطريقة ظهورها، وهو ما يسمى بـ”الهوية السارية” و”المعيّة القيومية” بحسب صفات الله تعالى والظاهرة. لذلك، فهم الحياة، التي لا تزال مجهولة للعلوم التجريبية، لا يتم إلا من خلال الاعتبار الرباني.
- من لديه حياة يمتلك وعي وفهم. الوعي هو ظهور الحياة. الإنسان الحي والواعي عندما يرى كمالاته، يعشقها ويحرك نفسه لإظهارها. الحركة والسير نتاج الحياة والوعي. من يتحرك يجب أن يتبع مساراً طبيعياً ومنظماً، والرقص ليس سوى حركة متناغمة لعرض الموجودات والكمالات. المرأة، التي تمتلك القدرة في الرقص، تسعى لعرض جمال جسدها وحركاته. الرقص هو محاولة للتحرر وإظهار الكمالات التي يمتلكها كل كائن. لا يوجد ظاهرة لا تعشق كمالاتها؛ لأن كل ظاهرة تتحرك، وحركتها متناغمة، ولا يوجد ثبات في العالم. لذلك، لا أحد أو شيء لا يرغب في رقص من أجل تحرره.
- لكن كل واحد يرقص بما يتناسب مع طبيعته. لذلك، رقص كل ظاهرة يدور حول طبيعتها وكمالاتها.
- عندما تسعى كل الظواهر في رقصها لظهور ذاتها وتحقيق تحررها، قد يحدث تنافس بينها حول عرض شيء مشترك، وقد تصبح حركاتها غير متوازية. ينتج عن ذلك صدامات بين الراقصين الباحثين عن الحرية. كل النزاعات والضرر من أجل الحرية. الحرية معرضة للأذى، لأن كل شيء يتحرك، والذي يسرع بحذر ووعي ديني نقي يمتلك رقصة أبلغ ويصل إلى حريته بشكل أسرع، رغم الألم.
- الحركات الخاطئة وغير الطبيعية، أو التحرر الذي لا ينسجم مع الفطرة، ليست رقصة حب أو حرية، ومن يتبع أهواءه وينشر الشر، يسرق رقصة الحرية الطبيعية من الآخرين. الراقص الطبيعي الذي يتحرك متناغماً مع طبيعته يصل إلى الحرية، يكون بسيطاً، متحرراً، مضيئاً، حلو الطبع، بشوشاً، ذا قلب واسع…
الرقص وعلاجه للأمراض
إنّ بعض الحركات الجسدية المنسّقة التي لا تحظى بتحريم في الشريعة الإسلامية، والتي قد يُذمها البعض، تستطيع أن تعالج الكثير من المشاكل النفسية. على سبيل المثال، الإنسان المتكبّر أو المنافق أو المترفّع، من الأفضل له أن ينخفض ويتواضع ويضع يديه وركبتيه على الأرض ويمشي أربعاً كالبهيمة، ليخسر كبرياءه، ويُوصى له أيضاً بأداء بعض الرقصات التي تساعده على ذلك. هذا الأمر خاصّة لأولئك الذين لا يرضون أن تلمس أقدامهم الأرض، فهم خطيرون لأنهم لا يحملون في نفوسهم سوى الغرور ولا يتّسع صدرهم حتى لملائكة الله. وعلى أي حال، بعض أنواع الرقص يمكن أن تعالج بعض الأمراض الأخلاقية أو الاضطرابات النفسية.
العقد النفسية الداخلية
قبل أن تحرّم الشريعة الزنا، طرحت الزواج الدائم أو المؤقت وقوانين تنفيذه حتى يتمكّن الناس من تلبية حاجتهم الجنسيّة والطبيعية بطريقة شرعية، وبالتالي يتجنّبوا التعرّض لعقد نفسية نتيجة الامتناع. إنّ الشرع يهدف إلى توفير السبيل الحلال للتفريغ والراحة النفسية والعيش بحيوية من أجل العبادة لله. إذا ازداد انتشار الرقصات المحرمة في المجتمع نتيجة اصطدام الثقافة الغربية مع قيمنا، وكان الرقص في أصله غير محرّم، فلا بدّ أولاً من تعريف المجتمع بالرقص الصحي ثم تحذيرهم من المحرّمات، ليُحقّق بذلك الدعوة الدينية مسيرتها الطبيعية. عندها يمكن أن نتوقّع من المجتمع أن يبتعد عن الرقصات المحرمة.
معظم الذين يقعون في المعاصي هم أناس محترمون يرون طريق لذّتهم الشرعيّة مسدوداً، وهذا يدفعهم للانزلاق إلى المحرّمات. لا يجب الاعتقاد بأنّ الرقص من الأمور الجديدة القادمة من الغرب فقط، بل إنّ الإسلام لم يعتبره قبيحاً أو مستنكراً في أصله، لكنّه تعرّض في بدايته لتحريف من بعض الحكّام الذين جفّفوا هذا الجانب من الثقافة.
كل من يريد تحريم الرقص يجب أن يستند إلى دليل شرعي، وإلّا فالرقص بذاته لا دليل على تحريمه، ولا يمكن اعتبار اللغو دليلاً على تحريم الرقص أو الموسيقى.
يُذكّر هنا أنّ موضوعنا هو ماهية الرقص بحد ذاته، دون ملاحظة مفاسده أو الأشخاص المشاركين فيه، حيث قد تتغير الأحكام عند أخذ هذه العوامل في الاعتبار.
في المجتمع السليم، لا يوجد سبب لتحريم الرقص، وإن وجد في مجتمع مريض، يُطبّق حكم ثانوي عليه، ولا يعني هذا أنه يجب اعتبار المجتمع مريضاً إلى الأبد وإلغاء الأحكام الإلهية بسبب ذلك. بل يجب العمل على إصلاح المجتمع وتوفير بيئة سليمة لتطبيق الأحكام.
الرقص لا يتعارض مع الكمال الإنساني، وإذا كان المجتمع صحيّاً، يمكن تنظيم الرقص في المناسبات الاحتفالية بشكل نظامي ووفق ضوابط شرعية. وهذا يتطلّب وضع قوانين ورقابة مناسبة.
الرقص له غرض عقلاني، والنتيجة منه هي السرور والنشاط ورفع المشاكل النفسية وعلاج بعض الأمراض.
الإسلام لا يعارض الفرح، إلا إذا اقترن بالمعصية. الأصل في الرقص والغناء هو الإباحة حتى يظهر دليل على غير ذلك.
يجب التمييز بين المجتمع السليم والمريض، وبين مرحلة إثبات الحكم ومرحلة تطبيقه.
في المجتمع السليم، لا مانع من رقص المرأة أمام الرجال غير المحارم إذا التزمت بالحجاب الشرعي وابتعدت عن الفجور، ولكن في المجتمع المريض، حيث يكون الرقص فاسداً، يكون حراماً. هذا هو فتوى المجتمع الحالي.
إذا أتى اليوم الذي يصبح فيه المجتمع سليماً بحيث لا تؤثر أفعال الجنس الآخر على الناس بشكل سلبي، فلا مانع من الرقص أمام غير المحارم. لا يمكن تحريم الرقص بسبب وجود عدد قليل من المرضى، لأن هؤلاء كالوسواس الذي يجعل الماء أيضاً نجساً بالنسبة له، وهذا المرض يحتاج للعلاج، لا لتغيير الحكم.
الرقصات المحرمة
بعض أمثلة الرقص المحرم في المجتمع السليم هي:
- الرقص في مجالس مختلطة مثيرة للمعصية؛
- الرقص الدافع إليه عقد نفسية قذرة؛
- الرقص لنشر الفحشاء؛
- الرقص الذي يشبه رقص أهل المعصية؛
- الرقص الذي يكون له أثر لغو وباطل وزيادة في ذلك؛
- الرقص الذي يخدم جبهة الباطل أو يروج لحكومات ظالمة، حتى لو لم يكن فيه معصية أخرى.
الرقص المختلط والمثير للمعصية
الرقص بين الرجال والنساء الأجانب المختلطين بطريقة تؤدي إلى التحريض الجنسي حرام. مثلاً في الصالات والنوادي حيث يتلامس الرجال والنساء، حرام. وحتى لو لم يكن هناك اتصال مباشر، لكن كان الرقص مثيراً للغريزة ويدعو إلى المعصية، فهو حرام.
يجب على الإنسان أن يروي رغبته ويشبع حاجاته بشكل شرعي حتى يستطيع ضبط نفسه ولا يقع في الشهوات مع رؤية الرقص.
الرقص الصوفي والسماع
السماع الحقيقي هو الاستماع إلى أصوات معنوية وروحية تصل إلى القلوب، والرقص الروحي هو حركة منظمة للوصول إلى الله تعالى. لكن ما يُسمّى بالرقص الصوفي المزيّف والذي يجمع رجالاً ونساءً مختلطين يتحرّكون معاً ويدورون، فهو محرم شرعاً بسبب الاختلاط المحرم.
نشر الفحشاء
رقص يؤدي إلى نشر الفحشاء، كأنواع الرقص الغربية التي تهدف لتدمير الأخلاق، فهو حرام.
التشبّه بأهل المعصية
الرقص الذي يشبه رقص أهل المعصية أو يحمل شعاراتهم أو نمطهم محرم، لأن الإسلام يحرّم التشبه بأهل الفسق.
الإفراط في الرقص واللغو
من الرقصات المحرمة تلك التي تصبح لهواً وباطلاً يسيطر على حياة الإنسان لدرجة أن يؤثر على عبادته.
النظر إلى الرقص
حكم النظر يتبع حكم الرقص ذاته، فالرقص جائز إلا إذا اقترن بمعصية أو كان في مجتمع مريض حيث النظر إلى راقصة أجنبية فيه حرمة.
يا أيها النبي! قل للمؤمنين أن يغضوا من أبصارهم ولا يبصروا إلى النساء الأجنبيات بنظرات حادة وسريعة، بل ليغضوا أبصارهم عن النظرات الحرام وليتزهدوا في الفحشاء، فإن ذلك أزكى لهم، والله خبيرٌ بما يصنعون. وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهنّ ويجتنبن النظرات الفاحشة والحدقة، ولينظرن نظرة قاصرة إلى الرجال وليتزهدن في الطهارة، ولا يظهرن زينتهن إلاّ ما ظهر منها طبعاً وضرورة.
في هذه الآية ذُكر “البصر” وليس “العين”. ويجب أن يُعلم أن في اللغة العربية “العين” تعني العضو البصري، أما “البصر” فهو فعل النظر نفسه، وهو أداة الإبصار التي يُرى بها الآخر، وهي ذات خاصية عاكسة، ويقال “ما يُبصر به” أي البصر، أما العين فهي مجرد عضو لا تحمل الصفة العاكسة ولا تدل على الفعل، وإنما تُعتبر شيئاً خارجياً يُدرَس بمعناه المادي.
كما ورد في هذه الآية “غضّ البصر” وليس “غمض البصر”. وهما كلمتان متقاربتان في المعنى، لكن الفرق دقيق. “الغمض” هو إغلاق الجفون، أما “الغض” فهو تقصير النظر، أي عدم النظر بحدة أو بشراسة، والنظر بهدوء ومن دون حدقة مركزة. علماً أن النظر الحاد يختلف عن التلصص الذي يختلط على بعض الناس مع الغضّ.
فقد أمر الله تعالى في هذه الآية “يَغُضُّوا من أبصارهم”، أي ليخففوا من حدة النظر ويكون نظرهم بسيطاً وغير متعمق عند رؤية النساء، فلا يرمقوهنّ بنظرات حادة. وبناءً عليه، لا ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يغمضوا أبصارهم أو يدروا وجوههم أو يتجنبوا النظر تماماً إلى بعضهم في تعاملاتهم، بل عليهم التمسك بالعفاف والطهارة والاعتدال في النظر، والابتعاد عن الفضول والتلصص.
ولا يلزم أن يخفض الرجال والنساء أبصارهم إلى حد لا يرون فيه حتى ما أمام أقدامهم في الطرقات، وكذلك لا يجوز أن يتعقب بعضهم بعضاً بنظرات سامة حادة، ولا يغرقوا في أحوال الآخرين بأعينهم.
بالطبع، النظر الأولي الفطري الذي يكون لا إرادياً ولديه دور إدراكي في الدماغ جائز، لكن استمرار النظر أو تكراره مع قصد أو لذة محرمة يصبح حراماً.
وبنظر سياق هذه الآيات، التي تحدثت في بدايتها عن الرجال والنساء الزناة أو المشتبه فيهم بالفسق، ثم تطرقت إلى وجوب غض البصر للمؤمنين والمؤمنات للوقاية من الفساد وحفظ العفة والطهارة، فهذا يشير إلى الدور الفاعل للنظر الفاسد في نشوء الفساد، وبالأخص الزنا، ويذكر أن النظر الفاسد هو من وسائل الشيطان، وهو كما ورد في الأحاديث “سهم من سهام الشيطان”، الذي يؤدي إلى الكثير من المفاسد الاجتماعية.
النظر إلى النساء
لقد قلنا إن الشريعة تأمر بغضّ البصر عند المرأة للرجل وعند الرجل للمرأة، وليس بغلق العينين (الغمض). غض البصر هو تقصير النظر وليس إغلاق العينين، مثلما “غصّ الصوت” يعني الامتناع عن الصراخ وليس الصمت التام. والحرية تتطلب أن يسير الإنسان مكشوف الرأس رافع الرأس، رجلاً كان أو امرأة، ولكن يجب أن يحذر من النظر الحاد لأن ذلك اعتداء، والحرية والتقوى تعني السير برأس مرفوع وعدم النظر بخشونة، لأن النظر الحاد يناقض التقوى. وإلا فالنظر عموماً لا بأس به.
هناك نوعان من النظر المحرم: الأول هو النظر الملوّث الذي يؤدي إلى الانحراف ويُسمى أيضاً النظر المرضي أو الطمع، والثاني هو النظر الذي قد لا يحمل لذة لكنه اعتداء وانتهاك للحرمات.
فالإنسان يتعلم من خلال نظره ويجري الحكم والتفاعل الاجتماعي عبره، ولكن إذا استُعمل كوسيلة للطمع أو الفساد أو الاعتداء، يصبح حراماً.
النظرة ليست مجرد التحديق فقط، بل تتطلب وجود عنصر “الإرادة”.
النظرة التي يصاحبها إرادة الفساد، سواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو أكثر، فهي محرمة. لأن المصاحبة بين الإرادة والنظرة هي التي تفضي إلى الفساد، وليس مجرد التحديق.
إذا نظر الإنسان بنية خالية من الفساد، حتى وإن كانت نظراته متكررة أو طويلة، فلا حرج عليها.
وفي هذا المجال، يمكن التشبيه بكلب الصيد الذي يمسك بالفريسة بأسنانه ويمسكها بإحكام، لأنه لا ينوي إتلافها، فصيدها جائز. أما الكلب الضال، فهو كالنظر الثاني، لأن نظراته فاسدة وملوثة، فلا يجوز صيده.
الشخص الذي تملأ نفسه بالآفات، إذا نوى من البداية نظرة فاسدة، فحتى النظرة الأولى له محرمة وملوثة. أما من نظرته طاهرة، فلا تحرم عليه أي من نظراته المتعددة، لأنه لا يوجد نية فساد أو معصية.
الشريعة استثنت الوجه واليدين حتى المعصم من وجوب الستر، لكي تميز الإنسان الصالح عن الفاسد، ولتُعلِّم الإنسان أن يحاسب نفسه إن كان صالحًا أو غير ذلك.
النظرة الحادة لا تخلو من الطمع، والنظرة الأولى منها محرمة، لكن الإنسان السليم لا يطمع في أحد، لذا لا عيب في نظراته، فهي كالموظف البنكي الذي لا يطمع في الشيكات أو النقود الموجودة لديه، بل يكتفي براتبه الشهري.
الإنسان السليم لديه عين وقلب راضيان، واللص هو الذي ما أن يصل إلى المال، ينتهزه ويسرقه.
إذا كان لدى الإنسان نظرة فاسدة وإدمان عليها، فيجب أن يخضع للعلاج النفسي، وإذا أصبح هذا المرض ظاهرة اجتماعية تنتشر، فيجب إنشاء مستشفى اجتماعي لعلاج هؤلاء، لأن النظر هو للمعرفة لا للتلوث.
عندما يرى الإنسان آخر، يجب أن يرى ما في قلبه: هل هو مؤمن أم كافر، عاقل أم جاهل، ناضج أم غير ذلك، شرير أم طيب. النظرة هي للحكم والعبرة، لا للطمع، والنظرة الطامعة الأولى محرمة وفاسدة.
الرقص من منظور الفقه الإسلامي: دراسة تحليلية
يتوسع الرقص ويصبح سهلاً وبسيطاً وخالياً من التكلف، والأهم من ذلك يصل إلى الصدق ويصبح طبيعياً ثم يبلغ الحب. الصدق هو أصل الحب. الحب يعني الصفاء والنقاء؛ يعني أن يكون الإنسان على طبيعته. ذلك الشخص الذي يقوم بعمل يوافق صدقه – أي يتناسب معه – يكون لديه دافع وحيوية، لأنه يتمتع برقصة طبيعية، وطالما بقيت هذه الرقصة الطبيعية، فإن دافعه وحيويته محفوظة. إن الإنسان يشعر بالملل من العلم أو المال أو غيرها من ممتلكاته إذا لم يحصل عليها برقصة طبيعية وبصدق؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يتحمل أمراً لا ينتمي إليه ولا يتوافق مع طبيعته، ولا يمكنه أن يؤدي حركة طبيعية متناغمة تجاهه، مدى الحياة.
الرقص من منظور الروايات الفقهية
عند دراسة الحكم الفقهي للرقص، يجب أولاً تحديد ما إذا كان جوهر الرقص – باعتباره رقصة – حراماً أم لا، وما هو الحكم الأصلي في ذلك، على أن يكون الحكم مستنبطاً من الشريعة.
الرقص، رغم أنه يظهر جمال الإنسان وسلطته، يجب التحقق مما إذا كانت الشريعة تنفيه كلياً أم لا. فإذا كان الشيء يُمارس غالباً بغرض ارتكاب الذنوب وكان بيد جبهة الباطل، يصبح حراماً ثانوياً. أما إذا كانت المجتمع صحيحة تسعى إلى الطهارة والعبودية لله، ولم يهيمن الباطل على الساحة، فإن كثيراً من الأمور تبقى على حكمها الأصلي، ويمكن أن يكون للرقص تأثير إيجابي يحفز الإنسان على العبادة ويمنحه نشاطاً سليماً.
في الفقه، لا توجد أدلة كثيرة تحرم الرقص، إلا بعض الروايات القليلة. لكن بعض الفقهاء اعتبروا الرقص من ضمن اللهو والشدة في الفرح، ومن هنا حرموه. كما أن الشيخ الأنصاري في كتابه «المكاسب المحركة» اعتبر الرقص حراماً من باب اللهو، كما حرّم الغناء والموسيقى. بعض الفقهاء وصفوا الرقص بأنه لعب وعبث ولهو، وبعضهم اعتبره من الأمور الباطلة. يجب التفريق بين أمر تكون له جذور باطلة وبين أمر يستخدمه الباطل ويحتكره لنفسه. مثلاً القمار باطل أصلاً ويستخدمه الباطل، أما الغناء والموسيقى والرقص فهي ليست باطلة في ذاتها، لكن الباطل استولى عليها. الفقه الظاهري يصدر فتاوى عامة بحرمة الرقص، وهذا نوع من تجميل المسألة وتجاهل الطبيعة، في حين لا توجد نهي صريح في الشريعة.
الروايات في الرقص تنقسم إلى قسمين: بعضها يذم الرقص ويعتبره مذموماً، وبعضها يثني عليه. كلا النوعين قليل وذو سند ضعيف. جبهة الباطل من خلال إقصاء أولياء الله قامت بتشويه معاني كثيرة، وجعلت ذكر هذه الأمور مذمومة. هذا الواقع يمنع الأولياء من الحديث عن الأبعاد المختلفة للرقص.
الرقص بحد ذاته، باعتباره رقصة وليس فيه عيب أو ذنب، لا مانع منه. لكن إذا كان الرقص في خدمة الشيطان، عبادة الأصنام، الاستكبار، أو يشبه مسجد ضرار، أو عبادة الخوارج التي تعادي ولاية الله، فهو مرفوض. كما أن الرقص المصاحب للحرام مثل العري، الخمر، الفساد والفحشاء حرام، سواء للنساء أو الرجال. إذا كان الرقص في خدمة الظالمين والباطل فقد تغير عن طبيعته وأصبح حراماً بسبب ما يصاحبه من عوارض.
الممارسات الفاسدة في الرقص، أو الإفراط فيه، أو تجاوز الحدود الشرعية تجعله ضاراً وحراماً، كما الإفراط في تناول بعض الأطعمة يسبب المرض.
إذا ابتعدنا عن الآثام والفساد، وفي مجتمع سليم لا توجد حساسية مفرطة تجاه الجنس، فالرقص بين الرجال وبعضهم، أو النساء وبعضهن، أو الرجل للمرأة والعكس لا بأس به طالما الالتزام بالحشمة والستر. أما في المجتمعات المريضة حيث تسبب رؤية رقص النساء مشاكل للرجال، فيجب أن يعالج الرجال أنفسهم ولا يُمنع ذكر الأحكام الشرعية.
الرقص مثل السكين؛ حكمه يعتمد على طريقة استخدامه. فإذا استُعمل في المعاصي فهو من المعاصي، وإذا استُعمل لإزالة الغفلة بين الناس وزيادة المودة بين الزوجين فلا حرج فيه.
حتى الفرح الشديد لا حرج فيه، فهو من مظاهر الطمأنينة والسرور، كما أن التعبير عن الفرح في الصلاة، أو شمّ الزهور، أو لقاء الأحبة بعد الغربة، أو الفرح الشديد عند زيارة الأئمة معصومي الأطهار، كلها أشكال من البطر والفرح المباح.
الفقهاء يشيرون إلى أن المتعة الشديدة، مثل التي ترافق الإنزال الجنسي، من نعم الله تعالى، ومن كان فاقداً لها فهو ناقص. النبي محمد صلى الله عليه وآله كان كاملاً في جميع الجوانب، بما في ذلك السرور والنشوة.
الرقص متأثر دائماً بالظروف والأثر المجتمعي، وتطور ليصبح علماً متقدماً، وتوجد مراكز لتعليم الرقص حتى في المجتمع الإيراني.
الأحكام الإلهية ثابتة، لكن موضوعاتها تتغير مع الزمن. الشيعة، بعد انحراف الحكم السياسي في مؤامرة السقيفة، عانوا من غربات، واستخدم الحكام الظالمون الرقص والغناء والموسيقى لإلهاء الناس عن أهل البيت عليهم السلام.
في الفتاوى المعاصرة، يحكم على الرقص بالحرمة غالباً، لكن في نظام إسلامي يمكن استخدام هذه الفنون بشكل صحي وثقافي إيجابي.
الرقص المباح والمستحب
لم يُنهى الشرع صراحة عن الرقص الطبيعي، والنهى جاء فقط عن الحالات الفاسدة، كما في الغناء والموسيقى. تعليم الرقص للأطفال خاصة البنات ضروري، ليحافظن على أزواجهن ويكنّ مفعمات بالحيوية. رقص الزوجة أمام زوجها ليس فقط جائزاً بل مستحب.
التربية يجب أن تكون قائمة على الحب والعشق، فالعبادة وجودية حين تنبع من العشق.
التربية القاسية تؤدي إلى مشاكل نفسية، والناس تهرب من الدين حين يُعطى لهم بشكل جاف.
الرقص بين المحارم
الرقص بين المحارم مباح، مثل رقص المرأة لزوجها، أو الأخت لأخيها، أو الأب لبناته. إذا رقصت الأخت أمام أخيها ولم يكن لديه شهوة محرمة بل شعور طبيعي يدفعه إلى الزواج، فلا حرج في ذلك.
لكن إن كان الرقص يثير الشهوة المحرمة، فعلى الأخت الامتناع، وعلى الأخ تقوى الله وعدم النظر.
الرقص في المناسبات والاحتفالات
الرقص في الأفراح والزفاف جائز، ومن الجائز دفع أجر أو عطاء (شاباش) للراقصة، مع الالتزام بالستر والحياء. يجب تجنب مظاهر التبذير والاستكبار في الاحتفالات، مثل التباهي بالمجوهرات الفاخرة في وسط مجتمع فقير.
لتوضيح اللعبة التي ترافقها نوع من الشك والإنكار بل والعناد، يمكن أن نضرب مثالاً ببعض شباب الأحياء الراقية في طهران. ففي تلك المناطق، يُرى أحياناً شباب ابتعدوا عن أجواء الثورة، يحملون كلباً في أحضانهم، وإذا ما رأوا أحد العلماء الدينيين، يقولون له: “حاج آقا، أنا ألعب مع الكلب”؛ أي بمعنى أنهم يعاندون وينكرون. في الماضي، كان بعض الشباب يملكون كلاباً، لكنهم لم يكونوا عنيدين، أما بعض شباب اليوم فيمارسون مثل هذه الألعاب بدافع الإنكار والعناد. هؤلاء الشباب الذين يجب عليهم أن يعتبروا العالم الديني ملجأً وأباً لهم، خصوصاً وأن المجتمع الإيراني هو مجتمع شاب. مثل اليابان التي كانت يوماً شابة وأصبحت الآن شيخوخة. ولكن ما استطاعه شباب الأمس قد حققوه، ولذلك تمكنوا من فتح العديد من القمم. ويجب علينا أن نستفيد إلى أقصى حد من طاقة الشباب الكامنة اليوم لرفع شأن وطننا الإسلامي وتحقيق أعلى قمم النصر والكمال، وألا تُهدر هذه الطاقة في العناد مع القوى الإيمانية. وفي كل الأحوال، يعبر هؤلاء الأشخاص عن شكهم وإنكارهم أو عنادهم باللعب.
اللعب الطفولي
اللعب خاص بالطفل، ويمثل مقتضى الطفولة أن يلعب الطفل، ولكن التصرفات الطفولية ليست مناسبة للكبار. من مشاكل العالم المعاصر صغر حجم المساكن وتكدس السكان في أماكن ضيقة، مما يسبب مشكلات نفسية للأفراد، حيث لا يرون سوى جدران مرتفعة من حولهم، وهذه الجدران تثير إحساساً بالانغلاق وتترك أثراً نفسياً سلبياً. اللعب جزء من طبيعة الأطفال، ومن يطالب طفله بأن لا يتحرك أو يبقى جالساً طوال الوقت، يخطئ كثيراً. نعم، يجب ألا يتحول اللعب إلى شقاوة، إذ أن الشقاوة تزعج أفراد الأسرة.
اللعب (اللعب) يكون في سنوات الطفولة والمراهقة، أما اللهو فهو خاص بالكبار. بمعنى آخر، مرحلة الطفولة هي مرحلة اللعب، ومرحلة الأبوة والأمومة هي مرحلة اللهو والانشغال. اللهو يمنع الإنسان من شيء ما، أما اللعب فلا يحمل هذا المعنى بالضرورة؛ فاللعب مقتضى الطفولة، والطفل الذي لا يلعب مريض ويحتاج للعلاج، وإلا فإنه سيواجه مشكلات أخلاقية في الكبر.
اللعب ليس مذموماً، واللعب والمرح ليسا من القبح بل أحياناً يكونان محمودين، مثل ممارسة الرياضات المفيدة والمنشطة والمفرحة. اللعب ليس سيئاً، بل هو جيد ويجب أن يكون «لعاباً» وليس غليظاً أو قاسياً، وأولئك الذين يتميزون بقسوة المزاج لديهم نقص داخلي يريدون تعويضه بالتسلط، وإلا فإن المعدن النقي لا يحتاج إلى التراب. نعم، الألعاب التي تتحول إلى انشغال دائم أو التي تسخر من المعتقدات الدينية مرفوضة، وما عدا ذلك فلا مانع شرعي منها، بل هي ضرورية للطفل:
قال الإمام الصادق عليه السلام: «دَعْ وَلَدَكَ يَلْعَبُ حتّى السبعِ سِنِينٍ، ثمَّ راقِبْهُ سَبْعَ سِنِينَ، فإنْ نَجَحَ فَهُوَ السَّعِيدُ، وإلا فلا خير فيه» (وسائل الشيعة، ج15، ص193، ح1).
يجب ترك الطفل يلعب حتى عمر السبع سنوات ليُفرغ طاقته. للأسف، نمط الحياة اليوم لا يسمح للأطفال باللعب حتى هذه السن، لذا فإن الطاقة المكبوتة تُفرغ بصورة خاطئة في الأعمار اللاحقة. التوصية الثانية للإمام تتعلق بالفترة التي تتشكل فيها بنية وجود الطفل ويُحدد نجاحه أو فشله.
عند اللعب مع الطفل، يجب أن يكون اللعب جاداً. هناك مبدأ في علم النفس يعرف بـ «الخداع في اللعب وخلق النفور عند الطفل»، أي إذا لم يلعب الكبار بجدية مع الطفل، وإنما تظاهروا باللعب، ولفت الطفل أن ذلك غير حقيقي، فسوف يشعر بالحزن الشديد. لذا، يجب أن يكون اللعب جاداً مع الطفل. ولا يجب عزل الطفل عن أقرانه بل يجب أن ينمو بين أصدقائه، إذ أن الطفل الذي ينشأ في عزلة لا يمكن أن يصبح ناضجاً وذو خبرة، لأنه سيكون عرضة للخداع في المجتمع.
هندسة الفكاهة والمزاح
سئل الإمام الكاظم عليه السلام عن رجل سحب رمحاً وسكيناً على صديقه، فقال: «إن كان يمزح فلا بأس، وإن كان جدياً فهو مفسد». (وسائل الشيعة، ج18، ص538، ح4).
الفارق بين المزاح والجدية دقيق جداً، ويجب مراعاة استعداد الشخص الذي يُمارس المزاح معه، فلا يُمزح مع من قلبه ضعيف أو قد يتأذى نفسياً، لأن المزاح له أثر كبير. لا يجوز أن يدفع أحدٌ آخر من على سطح ويقول له: «كنت أمزح»، لأن المزاح لا يكون مبرراً للضرر. المجتمع الذي يستطيع المزاح بهذه الطريقة بدون أن يسبب الأذى هو مجتمع عاقل جداً. الإمام عليه السلام بهذا الحديث يرفع من مستوى عقل الشخص ويدل على أن المزاح السليم لا حرج فيه. يجب معرفة أسلوب المزاح، وإلا يصبح خطيراً. المزاح يحتاج لتعليم وثقافة من المسؤولين الثقافيين.
اللعب والمرح مع الزوجة
من أمثلة اللعب هو اللعب والمرح مع الزوجة. الإسلام لا يعارض اللعب بين الزوجين، بل عدم وجود المرح يؤدي إلى سوء الخلق والفقر الفكري والمادي. الإسلام يعارض الغفلة والقسوة، ولا وجود لهذين في اللعب مع الزوجة. من الناحية الاجتماعية، كثير من الانحرافات والأمراض في البلدان الإسلامية تعود إلى النقص لا الزيادة. الشاب الذي يبلغ الثلاثين ولم يتزوج، فذلك إشارة إلى اضطرابات نفسية واجتماعية.
الوالدان الذين يفطرون دائماً لا يستطيعان نصح أبنائهم بعدم الزواج أو الصيام، بل يجب أن يبحثوا عن حلول للمشاكل. المفكرون وقادة المجتمع عليهم التفكير في كيفية حماية الشباب من الوقوع في المعاصي. الشاب الذي لا يستطيع إشباع شهوته يمرض نفسياً، وإذا لم يُعالج سينتهك عفته. كيف نوازن بين المنع والإفراط؟ للأسف نحن لا نتعلم الطريقة الصحيحة من الدين أو لا نطبقها، لذا نعاني من مشاكل كبيرة.
الإسلام لا يذم اللعب والمرح مع الزوجة، بل يثني عليه ويثيب عليه، ويعلم كيف يتم ذلك بحسب الظروف، ولا يعتبره من المحرمات. إن مقاومة هذه الحاجة الطبيعية تؤدي إلى الحسرة والعقد. يجب على المسؤولين معالجة الفقر لأنه سبب رئيسي للفساد.
بعضهم يعتقد أن اللذة الجنسية مذمومة ويقولون: «لو لم تكن اللذة في المواقعة لما فعلها أي حيوان»، وهذا القول إهانة للطبيعة والفطرة. النبي محمد صلى الله عليه وآله تزوج أكثر من عشرين زوجة ليحارب هذه الأفكار. اللذة ليست مذمومة، بل الذنب والمعصية هما المذمومان. الخلط بين الأمرين يعيق المجتمع.
في الحديث: «إذا دخل الرجل على زوجته دون تمهيد، ثم تركها، فإنها تلتجئ إلى عبدة سوداء»، ولذلك يجب ملاعبة الزوجة واللعب معها قبل العلاقة. اللعب يهيئ الجسم للإنزال السليم ولا يسبب الضرر، وعند غيابه تحدث أمراض نفسية وجسدية كثيرة.
اللعب مع الزوجة ساحة معركة الزوجة. من يهمش المرأة ويحتكرها في أعمال المنزل يُعرضها للأمراض النفسية والشيخوخة المبكرة. نسبة الأمراض بين النساء عالية. النساء يملكن كثيراً من الزينة والتجميل لغير المحارم، لكنها غير قادرة على التحرك بحرية مع المحارم.
في الماضي كانوا يقولون: أرسلوا النساء اللاتي يحملن الكبرياء إلى نوادي المصارعة ليتمكنّ من تفريغ غضبهن، فعند عودتهن يتخلصن من كبريائهن ويصبحن أكثر هدوءاً. في الحياة الزوجية كذلك، من لا يستطيع تفريغ طاقته في العلاقة مع الزوج تصبح زينته عرضاً للمجتمع. اليوم الرجال والنساء يعانون في بيوتهم ونواديهم الرياضية، وبعضهم يمارس العنف في الشوارع.
المرأة لعبة ورَهان الرجل، ومن يحتكرها يجب ألا يظلمها. الرجل الذي ينتقد زوجته باستمرار يجب أن يعالج نقصه الذاتي. النظافة والاهتمام ضروريان للزوجين ليحيا بسعادة، حتى لو في بيت بسيط.
عدم إهانة المرأة يشمل السلوك الحسن والمساعدة في المنزل. الرجل الذي لا يساعد زوجته يفتقر للمعرفة بالحياة ويكون قليل العقل. ومن الجفاء ألا يلعب الرجل مع زوجته قبل العلاقة. قال النبي صلى الله عليه وآله: «ثلاث من الجفاء: أن يكون الرجل والمرأة معاً ولا يعرف أحدهما اسم الآخر، أن يُدعى أحدهم للطعام فلا يجيبه أو لا يأكل منه، وأن يمارس الرجل الجماع مع زوجته قبل اللعب معها». اللعب يعد تهيئة ضرورية، وعدم القيام به ظلم وجفاء.
اللعب المعتدل حاجة عامة
الناس عموماً يميلون إلى اللهو واللعب، وهذا أمر طبيعي في التركيبة الإنسانية. الإنسان يقضي حياته في العمل أو الأكل أو النوم، وفي النهاية إما أن يصبح رب بيت أو يزيد أطفاله، ولا شيء يتجاوز عمره الفعلي أحياناً إلا بضعة أشهر، وهم يعيشون في حسرة على عمرهم.
الله تعالى خلق الدنيا للعب واللهو والزينة، ولم يجعل ذلك مذموماً إلا إذا تحول إلى انشغال دائم. فالدنيا ليست مذمومة في ذاتها بل عندما تتحول إلى انغماس دائم تصبح مذمومة.
قلما نجد إنساناً يمضي عمره كله في العبادة وخدمة الله والناس. ولذلك عندما نذهب إلى القبور نرى أعماراً قصيرة ومهدورة لا تحمل إلا الندم والأسى.
قال تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر: 1-3).
وهذا هو الاستثناء الذي يحمي الإنسان من الخسران.
ومما يستحق الذم في هذا السياق هو الإفراط في اللعب، والغرور والسُكر به، والتفاخر به، وجعل اللعب فناً ومهارةً خاصةً بالنفس. إن الرياضيين المحترفين بسبب ذلك يعانون من مشاكل عقلانية؛ لأن تركيزهم الكامل وانتباههم منصب على زاوية واحدة فقط، في حين يواجهون نقصاً في جوانب أخرى من الحياة. من ناحية أخرى، فإن من لا يلعب إما أنه ضعيف ويعاني من اضطرابات نفسية، أو شخص يمتلك حالات روحية عالية جداً، ولديه مشاغل وأمور لا تتيح له وقتاً للعب.
عندما يبلغ الإنسان مرتبة التوحيد والحق والكمالات العليا، يكون جاداً مع الله ويتعامل معه بمحبة وعشق، وهذا شأن أولياء الله الكاملين، ولا يمكن حتى للمتوسطين بلوغ ذلك المستوى، فكيف بالعامة؟ لكن امتناع الفئة العليا عن اللعب لا يعني حرمة اللعب للفئة الأولى، لأن لكل شخص طاقته وحدود توقعاته. من يجلس متأملاً في حضرة الله تعالى ويراقب نفسه لا يمكن أن ينشغل بلعب أو لهو، أما الإنسان العادي فليس في ذلك الوضع وإذا لم يلعب أو يلهو قد يصاب بمرض نفسي، شرط ألا تدفعه تلك الأمور إلى الغفلة عن ذكر الله ومن ثم إلى النار.
القصة بالنسبة لمن في مرتبة المعرفة العالية تشبه شخص يريد في هذه اللحظة أداء الحج والطواف حول المعبود، ويسعى بين الصفا والمروة بجد. مثل هذا الشخص لا يليق به اللعب. العارف الذي يجلس متأملاً يعلم أن قتل العشق حلال في حلال، فلا يغفل أبداً، ولا يمكنه انشغال نفسه بغير الحق، لأن كل جوارحه من دماء وعروق وجلد تنطق بالحق وتسمع الحق، وتمتلئ بالجدية، أما الإنسان العادي فإذا لم يكن له لعب يثير الشك في سلامة جسمه أو عقله.
على كل حال، اللعب بالنسبة للأشخاص العاديين لا ضرر فيه ما لم يُفضِ إلى الغفلة. فاللعب يشبه اللعاب – وهو ماء الفم – وهو ضروري للحياة ليحفظها من الجفاف والجمود ويجعلها حية. الشريعة الإسلامية لا تمانع المتعة واللعب، لكنها تحذر من الذنوب والمعاصي، والغفلة، والظلم، والسخرية، والإيذاء. تختلف الألعاب بحسب الأعمار والجنسيات، ومن أمثلة اللعب المحظور اللعب بالدين والمظاهر الدينية، كما ورد في القرآن الكريم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكَافِرِينَ وَلِيًّا) [المائدة: 57]
موضوع اللعب في هذه الآية ليس الدنيا، بل الدين، واللعب بالدين أمر مختلف عن اللعب ذاته، وهو ما نهت عنه الشريعة.
في بعض الحالات، حظرت الشريعة بعض الألعاب لأسباب، مثل منع الصيد من أجل التسلية والحفاظ على حياة الحيوانات، حيث لا يجوز الصيد إذا لم يكن ضرورياً، لأن ذلك يعد اعتداءً على حياة بريئة. هذا مثال لا يمكن مقارنته بكرة القدم، فالشخص الذي يسافر للمشاركة في مباريات كرة القدم لا يعتبر لهوه، ولا سفره محرم. للأسف، لم يأخذ الفقه موضوع الترفيه والرياضة الصحية حقه، وهذا أدى إلى امتناع كثير من المؤمنين عن ممارسة الرياضات والترويحات الصحية المباحة، في حين هي ضرورية لهم ولأبنائهم.
عواقب الخنق الصوتي والحركي عند الطفل
لقد ذكرنا سابقًا أن القدرة على إصدار صوت جميل ومنسجم كامنة في الجميع، لكن المشاكل الجانبية والبيئية، مثل تربية الأسرة والمجتمع وكذلك نقص الإمكانيات، تعيق نضوج هذه القدرة. ينبغي تعليم الأطفال منذ الصغر بتدريبات خاصة لجعل أصواتهم طبيعية، ومنحهم الحرية في الصراخ. إذا لم يكن الطفل حراً في المنزل ليصرخ، يغني، أو ينشد للآخرين، فسوف يصاب بضعف عصبي، حتى وإن كان في مناسبة اجتماعية. يجب على الطفل أن يفرج عن الطاقة المكبوتة بداخله، حتى لا يفرج عنها مستقبلاً بأعمال مخالفة تؤدي به إلى السجن. الشاب الذي بعد اثني عشر عامًا من التعليم يبقى متوترًا وقلقًا عند إلقاء خطاب، أو في المنبر، أو أثناء الصلاة، يعاني من مشكلة في الرنين الصوتي، حيث فرضت عليه الأسرة قيودًا شديدة ولم يسمح له بالتحرر في صوته خلال الطفولة.
الأطفال الذين لا يسمح لهم بالصراخ أو بالقيام بأفعال طفولية غير متناغمة، بالإضافة إلى الآثار النفسية السلبية، تتأثر رئتهم وأكياس الهواء لديهم. الطفل الذي لا يصرخ ولا يغني لا يستطيع استخدام كامل قدرة رئتيه وأكياس الهواء لالتقاط الأكسجين، فيصبح تنفسه متقطعًا، مما يسبب له مشاكل تنفسية ويؤدي أيضًا إلى شيب الشعر المبكر.
الشخص الذي لا يستخدم كامل سعة أكياس الهواء لديه لا يستطيع المحافظة على كمية كافية من الأكسجين والتنفس بشكل معتدل. على سبيل المثال، عند تلاوة سورة الفاتحة، قد يعاني من نقص الأكسجين أو يقطع نفسه عند كلمة “ولا الضالين”. التنفس السطحي يسبب مشاكل للأوعية الدموية والدورة الدموية والأعصاب. إن لم يصحح الإنسان طريقة تنفسه بالتمارين اللازمة التي توفرها المراكز المختصة، فلن تتشكل موسيقى صوته بشكل صحيح. وللحصول على تنفس صحيح، يجب إدراج التمارين الرياضية في البرنامج اليومي، حيث تفتح التمارين الرئة وتفرغها من الزوائد، مما يجعل الصوت صافياً. من لا يمارس الرياضة يكون بعيدًا عن حياة الحضارة، وحياته بدائية. الجسم الذي لا يمارس التمارين يفقد توازنه مع مرور الوقت. كذلك الرقص من الفنون التي يجب أن يمارسها الأطفال، وقد أشرنا إلى أهميته في بداية هذا البحث.
الأخطاء المنطقية في فقه الغناء
- الخلط بين موضوع مجهول والحرمة
بعض الفقهاء يعتبرون الغناء حرامًا وكبيرة، مستندين إلى وعيد العذاب عليه. لكن يجب تحديد ما هو الغناء المحرم تحديدًا، إذ لا يوجد اتفاق على تعريف الغناء أو حكمه بين الفقهاء. - الخلط بين الحكم على الخادم والمخدوم
حرمة الغناء مرتبطه بالخدمة للجهاز الظالم وليس بالغناء بذاته. الفقهاء العظام لم يروا الغناء حرامًا مجردًا. - الخلط بين اجماع غير مثبت واجماع صحيح
لا يوجد اجماع شرعي مطلق على حرمة الغناء، وأحيانًا يكون الاجماع مبنيًا على أدلة ضعيفة أو غير موثقة. - الخلط بين الظاهر الفقهي والفقه الحقيقي
الفقه الحقيقي يتطلب فهم مقاصد النصوص وليس مجرد تفسير ظاهرها. - الخلط بين الاحتياط وضده
الاحتياط لا يعني حرمة الشيء بدون دليل مستقل. - الخلط بين المعارضة وبين معرفة الحدود
الاختلاف مع أهل السنة لا يعني رفض كل ما يقولونه، بل يجب فهم المشتركات. - الخلط بين المفهوم والمعنى
الكثير من العلماء فهموا الغناء مفهوماً لغوياً فقط دون إدراك معناه الواقعي. - الخلط بين العلم النظري والعملي
تعلم الموسيقى لا يكون بمجرد المعرفة النظرية، بل بالممارسة العملية. - استثناء ذات الشيء من حكمه
الحرمة تكون عامة ما لم يوجد دليل خاص يستثني حالة معينة. - الخلط بين استعمال الكلمة في أزمان مختلفة
الغناء كان معروفًا بمعناه الخاص في زمن النزول، وما حرمه النص هو الغناء المرتبط بالدول الجائرة. - الخلط بين العلة والسبب في الحكم الشرعي
لا يجوز استخلاص الحكم الشرعي من الأعراض أو النتائج، بل يجب وجود سبب شرعي منصوص. - البَطلانُ 12: تَحميل ظاهرةٍ دونَ دَليلٍ على وَضْعٍ خاصّ
- الجَمالُ الصَّوتيُّ لا يَختصُّ بِالحُزنِ أو التَّجويدِ المُبهجِ فقط. فالشخصُ الذي يَشعُرُ بالاستغاثةِ والتضرُّعِ والحُزنِ، عندَ التلاوةِ يكونُ صوتهُ حزينًا. وقد يَنبُعُ جمالُ الصوتِ من رنّةِ الصوتِ، وكمالِ النفَسِ، وخلوِّ الصوتِ من الشوائبِ، أو مِن المهارةِ في علمِ الصوتياتِ والالتزامِ بخصالِ الصوتِ والموسيقىِ المُنسَقةِ، وقوةِ الجوهرِ. فلا يَصحُّ أن يُحمَّلَ جمالُ الصوتِ على حالةٍ خاصةٍ دونَ دليلٍ.
- البَطلانُ 13: الخلطُ بين الصوتِ والكلامِ
- الغِناءُ صِفةٌ للصوتِ لا للكلامِ. فالصوتُ الجميلُ هو الذي يُحيي في السامعِ ذكرَ الحقِّ، وليسَ القصائدُ أو التَّلاواتُ النَّقيَّةُ. لأنَّ الحديثَ عن الغِناءِ يَتعلَّقُ بالصوتِ وجودتهِ لا بالمضمونِ اللغويِّ، ومع ذلك هناك من خلطَ بين الغِناءِ والمادةِ الكلاميةِ.
- كما أنَّ البحثَ عن أيّ غِناءٍ يُذكِّرُ بالسَّموِّ والحقِّ، وأيُّ ألحانٍ تُبعدُ عنهُ، لم يُجرَ بعدُ.
- الغِناءُ باعتبارهُ صِفةً للصوتِ أو لحالتهِ لا للمادةِ الكلاميةِ، فلا تأثيرَ للقراءةِ القرآنيةِ أو الرثاءِ على الغِناءِ.
- البَطلانُ 14: الخلطُ بين المُسبِّباتِ المتتابعةِ
- بعضُ الناسِ يعدُّونَ للموسيقىِ أنواعًا مختلفةً من الحزنِ والضحكِ والبكاءِ والنومِ، ويقولونَ كلُّ ذلك غِناءٌ، بينما النغمةُ لا تَنتجُ البكاءَ مباشرةً، بل البكاءُ ناتجٌ عن حزنٍ عميقٍ، كما أنَّ الضحكَ ناتجٌ عن سرورٍ شديدٍ، ولا يتولدُ البكاءُ أو الضحكُ مباشرةً من النغمةِ.
- البَطلانُ 15: الخلطُ بين وجوهِ الحقيقةِ الواحدةِ
- لا فرقَ بين الغِناءِ والصوتِ الجميلِ، ولا يمكنُ التفريقُ بينهما لأنَّهما موضوعٌ واحدٌ. الصوتُ الجميلُ هو جميلٌ، وكلُّ زيادةٍ فيه تزيدُ الجمالَ ولا تُخرجهُ من دائرةِ الجمال، حتى وإن كان صوتًا داووديًّا. والجمالُ في الصوتِ يَكونُ مرغوبًا سواءٌ كان بسيطًا أو عظيمًا، ولا تُزيلُ درجاتُ الجمالِ المختلفةُ ذلك، لكنَّ بعض الناسِ يجيزونَ الجمالَ البسيطَ ويحرّمونَ الجمالَ الزائدَ دونَ دليلٍ.
- ولا مانعَ من أن يكونَ الجمالُ الزائدُ باعثًا على الفرحِ والرقصِ، والرقصُ ليس بحرامٍ لمجردِ كونهِ رقصًا، ولا يُؤخذُ به كدليلٍ على تحريمِ الغِناءِ والموسيقى.
- البَطلانُ 16: الخلطُ بين الهيئةِ المركبةِ وأجزائها
- بعضُ الفقهاءِ حرّموا الأطرابَ والترجيعَ لأنَّهما من أجزاءِ الغِناءِ، ونحن نقول: الغِناءُ بوصفه صوتًا جميلًا غيرُ محرّمٍ بحدِّ ذاته، حتى وإن كان مسببًا للسرورِ والترجيعِ، لأن الطربَ والترجيعَ لم يُنهَ عنهما في أدلَّتنا، وإنما حرّمها بعض العلماءِ بناءً على اعتبارها أجزاءً من الغِناءِ.
- البَطلانُ 17: استبدالُ العَلةِ بالمعلولِ
- بعضُ الفقهاءِ حرّموا أيَّ صوتٍ يُسببُ الفرحَ، فإذا غَنّى طائرُ البلبلِ أو سمعَ الإنسانُ صوتَ المياهِ الجاريةِ وكانَ ذلك يُفرحهُ، يكونُ الاستماعُ إلى ذلك الصوتِ محرّمًا. وهؤلاءَ فرقوا بين الغِناءِ والترجيعِ، واعتبروا الصوتَ الفرحانَ غِناءً فقط، مع أنَّ الغِناء لا يكونُ خاليًا من الترجيعِ.
- هؤلاءَ يقولونَ الغِناء هو كلُّ ما يعتبره الناس غِناءً عرفًا، وهم يقصدون غِناءَ أهلِ اللهو والرذيلة، ولكن ليس قراءةُ هؤلاءَ هي التي تبهجُ، بل الترجيعُ والمدُّ الصوتيُّ في طريقةِ غنائِهم. فكيفَ يجيزونَ الترجيعَ الصوتيَّ ويحرّمونَ الفرحَ الذي يسببهُ؟
- هم لا يحرّمون العلةَ وإنما المعلولَ فقط، ويفترضون أن استمتاع النفس حرامٌ، فهل إذا استمتع أحدٌ بشيءٍ غير القراءةِ، يكونُ ذلك حرامًا؟ لماذا يُحرَّمُ استمتاعُ النفسِ بلا سببٍ؟
- البَطلانُ 18: الخلطُ بين الوصفِ الفعليِّ والفاعليِّ
- بعضُهم لم يفرقوا بين الطربِ والإطرابِ والتطريبِ، فهم اعتبروا الإطرابَ والتطريبَ صفاتٍ للصوتِ دونَ اعتبارِ الفاعلِ والمفعول. وهم يرون أنَّ المدَّ والترجيعَ في الصوتِ يُحدثان الطربَ، ولا فرقَ بين أن يُدخلَ الإنسانُ الطربَ إلى قلبه أو أن يدخلَ الطربُ إلى القلب. وهذا غيرُ صحيح، فالإطرابُ والتطريبُ صفاتٌ فاعليةٌ، والطربُ وصفٌ فعليٌّ، فالطربُ يعني الخفقانَ، والإطرابُ يعني إحداثَ الخفقان.
- وإن كان الطربُ وصفًا للذَّبذبةِ واهتزازِ القلبِ، فإنَّ الإطرابَ والتطريبَ أيضًا يحملان نفسَ المعنى، ولا يُمكنُ أن تكونَ مشتقةً من المعنى الأصليِّ بلا دلالةٍ عليه.
- البَطلانُ 19: تعددُ الحقيقةِ الواحدةِ بلا فصلٍ مقوّم
- بعضُهم قسّم الطربَ إلى حالاتٍ مختلفةٍ كالفرحِ والحزنِ، مع أنَّ الطربَ حقيقةٌ واحدةٌ لا تتعددُ، فلا يمكنُ للطربِ أن يكونَ له معانٍ مختلفةٌ وحالاتٌ متعدّدةٌ. الطربُ يعني السرورَ والسرورَ فقط.
- يقولونَ إنَّ الطربَ عندَ سماعِ القرآنِ الكريمِ غيرُ مذمومٍ، لكنَّه مذمومٌ في غيره. وهذا خطأ، لأن الطربَ حقيقةٌ واحدةٌ، فلا يُمكنُ أن يكون قسمٌ منهُ مباحًا والآخرُ محرّمًا.
- يقولونَ غِناءَ أهلِ الفسقِ حرامٌ، مع أنَّهم يعتبرونَ الغِناءَ حرامًا أصلاً. فإذا قرأَ أحدٌ القرآنَ تلاوةً جميلةً بحيثُ يُذهلُ المستمعين، لا يُقال له غِني، لأن الغِناءَ محرم، والتلاوةُ الجميلةُ ليست بغِناءٍ، ولو حدث فيها طربٌ لا بأسَ به، لأن الطربَ أنواعٌ مختلفةٌ، فهناك الطربُ الفَرحيُّ، والسُّروريُّ، والحركيُّ، والشوقيُّ، وكلُّها غيرُ محرمةٍ، وأما الطربُ الحرامُ فهو استمتاعٌ خاصٌّ ينتجُ عن سماعِ صوتٍ كعودٍ أو نايٍ، ولا يُحدثُ هذا الطربُ قراءةُ القرآنِ. وإذا كان الإمامُ السجادُ عليه السلام يقرأُ كذلك ويُحدث سرورًا عميقًا، فلا بأس.
- البَطلانُ 20: عدمُ شمولِ التعريفِ
- بعضُهم يعرفون الغِناءَ بأنه مدُّ الصوتِ بدون قيد الطربِ، ويحرّمونَ ذلك. بناءً على ذلك، يجب أن يُحرمَ الأذانُ الجميلُ الذي يُمدُّ فيه الصوتُ، لأن الصوتَ يمدُّ. وهم يرونَ الصوتَ مباحًا إذا لم يكن فيه ترجيعٌ، ويقولون إن الترجيعَ لا يقتصرُ على تدوير الصوتِ في الحلقِ فقط، فمثلاً مدُّ «ولا الضالين» يمكنُ أن يكون من نواحٍ ثنايا الصوتِ، ويُشكّل ترجيعًا. والترجيعاتُ في حجازٍ حقيقية، وفي چارگاه مكسرٌ، وتعريفهم يشمل ترجيع «ولا الضالين». هذا التعريف يتجاهل الترجيع العربي أو لا يعرفه، ونتيجتهُ أن الاستماعَ لأقلِّ صوتٍ يصبحُ محرّمًا، ويفضلُ أن يبتعدَ الإنسانُ عن كلِّ صوتٍ وصخبٍ لتجنّبِ الغِناء.
- وهذا النقدُ ينطبقُ على قولِ أهلِ الموسيقى، الذين عرفوا الموسيقى في اللغة اليونانية بأنها ألحانٌ، وقالوا: النغمة صوتٌ موحدٌ متوازنٌ، بحيث يكون هناك وقفةٌ محسوسةٌ بين النغمات المنفصلة، ويكون الصوتُ ضمنَ حدٍ معينٍ من النغمات العالية والمنخفضة، ويميل الطبعُ إليه. ولا شكَّ أنهُ بلا ترجيعٍ لا يوجد صوتٌ جميلٌ موزونٌ، والترجيع هو تدويرُ الصوتِ في الحلق أو الأنف، وقد ذكرهُ ابنُ الأثير في النهاية حين قال: الغِناء رفعُ الصوتِ المتتاليِّ، وهو الترجيعُ أيضًا. كما قالوا: «كل من رفع صوته وتباهى، فإن صوته عند العرب غناء».
- المغالطة الحادية والعشرون: الخروج عن الموضوع والإهمال في موضوع الدخول
- يعتقد بعض الفقهاء أن حرمة الغناء ليست لذاته، بل بسبب مطابقته للهو، أي إذا كان الغناء مساويًا للهو فهو حرام، وإذا كان أخص منه فالغناء اللّهو حرام، والغناء غير اللّهو حلال. وهذا الرأي يخرج عن موضوع البحث الأساسي، وهو ذات الغناء، هل الغناء من حيث كونه غناءً مباح أم محرّم؟ كما أنهم يقولون: إن اللهو إذا كان باطلاً فهو محرّم، ولكن ليس كل باطل محرّم، لذا يعتبرون لهو الفسّاق محرّمًا. وهم يرون أن الغناء ليس إلا ما يحدث في مجالس الفسق، فإذا قُرئ القرآن بلحن أو بغناء أهل الفسق، فهو محرّم، وأما لحن الفاسق فهو محرّم لأنّه يوجب الغفلة والضلال ويهدد الدين وينشر الباطل والفساد، أما اللحن الداوودي، لحن الإمام الحسن عليه السلام، ولحن القرآن ولحن المؤمنين فلا بأس بها، بل قد يكون الغناء بها مكنونًا حتى يطمس صوت أهل الفسق.
- وعليه، فإن سماع الموسيقى من القنوات الفضائية التابعة للأجانب محرّم، ولكن من الإذاعة والتلفزيون الرسمي لا إشكال فيه.
- وهنا يُطرح سؤال: كيف يُعرف أن الصوت فاسق؟ هل القراءة في مقام خاص مثل چارگاه، سهگاه، ماهور أو شوشتري خاصة بأهل الفسق؟ وهل القراءة فيها محرّمة؟ أم أن هناك معيارًا آخر؟ هؤلاء لم يوضحوا.
- وإذا كان اللهو ملاك الحرمة دون اعتبار فسق أو عدل، فلا حاجة للنقاش فيه، أما إذا كان الموضوع «لحن الفاسق»، فلا فرق بين الصوت اللّهوي وغير اللّهوي، فكلاهما محرّم، ويجب التمييز بين هذه الأمور.
- وبالنظر إلى أن الغناء صوت، وأن اللهو يمكن أن يظهر في الكلام، فقد يكون الصوت والكلام غير لهويين، أو كلاهما لهوي، أو الصوت غير لهوي والكلام لهوي، أو العكس، وهؤلاء الفقهاء لم ينتبهوا إلى هذا التقسيم.
- وكذلك من يتحدث عن أهل الفسق، هل يعتبرون صوتهم موضوع الحكم أم الأشخاص أنفسهم؟ فإذا قرأ فاسقُ روضةً بعيدًا عن اللهو والفسق عند وفاة والده، هل يُحرم قراءته؟ هل المقياس في الحكم الأشخاص أم اللهو، أو الفسق، أم لأن الغناء معروف بأهل الفسق؟
- المغالطة الثانية والعشرون: الخلط بين النتيجة والأداة
- يجب التفريق بين اللهو والأداة المستخدمة فيه. فالأداة بحد ذاتها لا تحرم بسبب كونها أداة للهوي.
- مثال ذلك: الصيد الذي هو نوع من قتل الحيوان لذة لهوية. الصيد محرم بسبب قتل الكائن الحي دون سبب مشروع، وهو نوع من القسوة وتدمير البيئة. ولكن الصيد ليس محرّمًا بسبب كونه أداة للهو، لأن استخدام الشيء كأداة للهوي لا يعني حرمة ذاته. لذلك، لا يمكن اعتبار اللهو في الغناء والموسيقى سببًا كافيًا لحرمتها.
- المغالطة الثالثة والعشرون: استعمال اللفظ العام في مقام خاص
- يقول بعضهم إن الغناء نوعان: حق وباطل. وإذا قيل: «الباطل» وصف متعلق بالموصوف، أي أن الغناء الباطل يكون باطلاً بسبب الأخطاء المصاحبة له وليس بذاته، فيمكن القول إن الغناء ليس محرّمًا لذاته.
- ويجب التمييز هل المقصود بالباطل هو باطل لهوي أم غير لهوي؟ أو هل اللهو نفسه باطل؟ هذا يحتاج إلى توضيح لتجنب اللبس.
- المغالطة الرابعة والعشرون: المبالغة والتكثير بالتقليد المكرر
- تعاني بعض الكتب الفقهية من التقليد والتكرار، مما أدى إلى شهرة فتاوى لكنها لا تعادل قيمة الاجتهاد.
- القيمة في الفقه تابع لقيمة الفقيه المستقل، والاختلاف بين الفقهاء المستقلين هو اجتهاد، وليس مجرد مخالفة لشهرة فتاوى.
- يُعدّ شيخ الأنصاري رحمه الله مثالًا بارزًا على الفقيه المستقل الذي درس النصوص بعمق ورفض التقليد الأعمى، وجعل كتبه مرجعًا حتى اليوم في الحوزات العلمية.
- على الرغم من تقيده بالروح التعبدية، لم يقبل الفتاوى بالتقليد دون بحث، بل درس الأدلة بموضوعية، وهذا ما جعله متفردًا في ساحة الفقه حتى الآن.
(423)
إنَّ وجهات النظر الأخرى للعُلماء تُعرض على البحث والدراسة، ولا يمنعنا عظمةُ السابقين من التحقيق والنقد العلمي للآراء التي قدَّموها. هذا الأمر يكتسب أهمية مضاعفة في الحوزات العلمية التي تتعامل مع مسائل بالغة الأهمية، ترتبط بحياة الناس في الدنيا والآخرة، لما لها من دور أساسي في المجتمع. العلماء في العلوم التجريبية والإنسانية لا يعتبرون إجماع العلماء أو شهرة النظرية دليلاً على صحتها، بل يلتزمون بالمنهج العلمي في بحوثهم. أما في الحوزات العلمية الفقهية، فإن العديد منهم يفتي بناءً على تقليد السابقين، فتوى لا تستند إلى ما سوى ادعاء الإجماع – حتى وإن كان من الإجماعات المدركة – والشهرة الفتوية. ومما يُعترف به فقط هو إجماع السلف من غير المدركين الذي يدل على وجود دليل لدى الفقهاء في عصر الغيبة الكبرى، أما غير ذلك فلا يوجد إجماع معتبر.
كذلك، يجب ألا يُدخل الفقيه أهواءه الشخصية واستحساناته النفسية في استنباط أحكام الشريعة. ومن المناسب إجراء بحث شامل لدراسة مدى تأثر بيانات الفقه في المذاهب والمدارس المختلفة، وكذلك التأثر بالبيئات والثقافات المتنوعة. يجب أن يتمتع الفقيه بقدرة الإرادة في اختيار الخيار الصحيح والمتوافق مع الشريعة، وأن يترجم ما هو متوافق مع ثقافة القرآن الكريم وسنة العصمة في فتاواه، وإلا فإن قوله لا يحمل وجاهة شرعية.
في هذا الكتاب، بيَّنا حكم الغناء والموسيقى بناءً على نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف؛ لأن أول وأفضل عمل هو أن نطلب الحكم من صاحب الشريعة ذاته. نحن نؤمن أن الفقيه في الاجتهاد يمتلك من مصادر الشريعة الآلات اللازمة للوصول إلى فهم الدين، وليس في طلب التعبير عن رأيه الشخصي. فالمجتهد هو المترجم الصادق للدين، ويجب أن يقسم بأنه بذل كل قوته وجهده لاكتشاف الأحكام الإلهية، وإذا أخطأ فذلك خارج عن قدرته، وعندها يعذره الله.
(424)
من أراد أن يعيش حياةً بأربعة مواسم، ففي كل موسم يعامل الناس بطريقة مختلفة، في بعض الأحيان صارمًا وفي أخرى لينًا، فإنه يظل مضللاً للناس، ولن يكون له جواب يوم القيامة أمام الله. يجب على المجتهد أن يعبر عن فهمه للدين، وأن يكون منهجيًا في البحث العلمي، وألا ينحرف عن منهج الاجتهاد ونظام استنباط الحكم، وألا يتصف بالتعصب أو الجمود أو الإهمال أو التقطيع، وإلا فإنه سيحل الحرام حلالاً أو الحلال حرامًا.
المغالطة الخامسة والعشرون: مغالطة الغضب بدلاً من النقاش العلمي
يلجأ بعض المتظاهرين إلى سياسة السطحية والتعصب والمغالطة المتمثلة في “الغضب” بدلًا من النقاش العلمي وتقديم البيانات البحثية، ويصرخون بدلاً من الحوار، في قضية الغناء والموسيقى. هؤلاء بدلاً من النقاش العلمي، يحملون العصى ولا يتورعون عن الإساءة، ويصفون خصومهم بالجهل والضلال، ويزعمون أن الدين في خطر بسبب هذه الأفكار. وكان من علامات بساطة العلماء السابقين أن يظهر غيظهم الديني سريعًا، وكانوا يغضبون من أجل الدين، لكن الغاضب لا يستطيع السيطرة على نفسه ليتخذ قرارات صحيحة أو يتحدث بحكمة، بل يصرخ بعنف.
يقول بعض المتظاهرين إن الدين في خطر، ويرون وجوب محاربة هؤلاء بأي وسيلة، لكن هذا الدفاع عن الدين ليس بمروءة دينية، فالدين لم ولن يظلم أحدًا بعظمته وكرمه. وإن هذا السلوك السلطوي هو من آثار خلفاء العرب الجائرين وسلاطين الأعاجم، وقد أصاب بعض العلماء، لكن ينبغي أن نطلب من الله أن يهبنا جميعًا النقاء والمعرفة والصفاء، وأن يبعدنا عن كل استبداد وظلم. ومع ذلك، يجب أن نحتفظ بالغيرة الدينية في مكانها الصحيح، وليس ضد إخواننا المؤمنين والعلماء.
لقد قارن بعض الفقهاء بين الفتوى باستحباب الغناء في القرآن الكريم والاستحباب للكفر، وزعموا أن الأمر بقراءة القرآن بحزن أو بحسن صوت لا علاقة له بالغناء. ومن العجيب أن هؤلاء الفقهاء يصفون إخوانهم المسلمين – ولو كان اجتهادهم خاطئًا – بأنهم كفرة، مع أن العديد من الفقهاء البارزين من أصحاب المذهب الشيعي ومولي أهل البيت عليهم السلام يحملون هذا الاجتهاد. مثل هذه الكلمات لا تليق بأدب الحوار. ففي مسابقات المصارعة والملاكمة والكاراتيه، يتبادل المتنافسون الضربات، ولكنهم لا يسيئون إلى بعضهم، وفي النهاية يهنئون بعضهم دون ضغينة، حتى إن كفارًا يفعلون ذلك، وهذا هو مقتضى الأدب والإنسانية.
للأسف، في بعض المناقشات العلمية تُقال اتهامات تجعل الطرفين وكأنهما أعداء مدى الحياة. ينبغي دحض الكلام بالدليل، كما نفتح القفل بالمفتاح، لا بضربه على الأرض.
(426)
هذه أخلاق لا تليق بالرجل الشجاع. في النقاش، يجب أن نرى الطرف الآخر حتى لو قال خطأً، وربما يكافئه الله في الآخرة أكثر منا لأن الأعمال تُقدَّر على حسب النية والطهارة.
وجود مثل هذه المناهج في المناقشات العلمية لا يجعل الحوزات علمية، بل يقيد العلماء الأحرار والمبدعين. والأسوأ أن نتيجة التعصب والكلام المزاجي تُثقل الدين بأوهام كثيرة، وإذا لم يُنقَّ الدين من هذه الأوهام، فسيظهر قاسيًا وصعبًا ومرتفعًا على الناس، فينفرون منه، ومع تقدم العلم وهجوم الثقافات المعادية، يُجبرون على اتباع أنفسهم والعمل بما يستنتجونه. الآن، بعض الفقهاء المعاصرين يحرمون الغناء والموسيقى كليًا دون منهج علمي، والناس يستمتعون بالموسيقى دون الالتفات إلى هذه الفتاوى. هذا ليس دينًا صحيحًا، ولا منهجًا دينيًا، ولا طريقة للدعوة.
للأسف، شهد الزمن كثيرًا من السياسة المموهة والتعامل المخادع مع العلماء الأحرار، وسوف يشهد المزيد، والاستعمار لن يترك المسلمين، وكما أن حرب الإخباريين والأصوليين سببت أضرارًا كثيرة، فإن مصائب أخرى ستأتي. وقد تناولنا هذا النزاع في كتاب «ماذا يقول الإخباريون والأصوليون؟» أما العلماء الإخباريون والأصوليون أنفسهم فلم يكن بينهم خلاف، بل هناك من كان يُشعل هذه النزاعات، وشاهد هذا أن الحوزة الأصولية اليوم تطبع كتاب «الحدائق» لمؤلف إخباري بأفضل جودة.
يجب على المسلمين اليوم الحذر، فإذا اندلعت نار خصومة، لا بد من معرفة من يضيف الحطب والنفط إليها ومن يزوّد النار، وهناك من يحاول إثارة الناس، ولكن يجب أن نتحلى بالقوة وألا نُثار، ونعرف أن الأسباب إما استكبار نفسي داخلي، أو استعمار خارجي. من الأفضل ألا نطيل الخصومة حتى الآخرة، وأن نصلح ما يمكن إصلاحه في الدنيا. يجب ألا يكون للإنسان بغض شخصي ونفسي حتى للكفار، فكيف بالمؤمنين والأحبة.
اليوم، يجب أن نحذر ألا يتكرر علينا ما وقع على السابقين، وأن نفصل قضية الغناء والموسيقى عن المناورات السياسية، وألا يستغل البعض هذه القضية للتصفية والحقد والضغينة. نرجو يومًا يقود فيه الإمام المهدي (عجل الله فرجه) جميع أهل الدنيا بحب وعدل.
المصادر:
- فقه الغناء والموسيقى، الأستاذ ، ج1-7، طهران، ، 1393 هـ ش.
- منطق الموسيقى، الأستاذ ، طهران، ، 1393 هـ ش.
- تاريخ تحليلي للموسيقى في الإسلام، الأستاذ ، طهران، ، 1393 هـ ش.
- الغناء النسائي، الأستاذ ، طهران، ، 1393 هـ ش.
- تعليم المقامات الموسيقية، الأستاذ ، طهران، ، 1393 هـ ش.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.