فقه الغناء والموسيقى
(الجزء الثاني)
الغناء والموسيقى من وجهة نظر القرآن الكريم والأحاديث
تفسير وبحث حكم الباطل، اللغو واللهو
فقه الغناء والموسيقى / الجزء الثاني
حضرة آية الله ()
العلامة: ، ، 1327 هـ ـ
العنوان: فقه الغناء والموسيقى: الغناء والموسيقى من وجهة نظر القرآن الكريم والأحاديث، تفسير وبحث حكم الباطل، اللغو واللهو / .
بيانات النشر: إسلامشهر، دار النشر ، 1393 هـ.
الخصائص الظاهرة: 7 مجلدات، المجلد 2، 195 صفحة.
ISBN الدورة: 978-600-6435-19-0
الفصل الثالث / الغناء والموسيقى من وجهة نظر القرآن الكريم
الغناء والموسيقى والآيات المتعلقة بالمنع
المحتويات التي تم تناولها في الجزء الأول كانت مقدمة لدخولنا في الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب، وهو دراسة حكم الغناء والموسيقى من وجهة نظر القرآن الكريم والأحاديث. للحصول على الحكم الشرعي للغناء والموسيقى، أول وأفضل خطوة هي أن نطلبه من صاحب الشريعة، فنصل إلى كتابه السماوي الوحيد، القرآن الكريم.
من الضروري أن نستمد الأحكام والآراء من القرآن الكريم أولاً، دون أن تسبقنا الفروض الثانوية. كان منهجنا في البحث والتدريس على الدوام هو أن نبحث أولاً عن رأي القرآن الكريم في كل علم وكل مسألة. وهذا أمر مهم جداً في الفقه، حيث غالباً ما يُغفل القرآن الكريم في النقاشات الفقهية.
نحن نؤمن أن القرآن الكريم يجب أن يكون له تأثير تام وكامل في جميع المجالات العلمية والعملية، وخاصة في الفقه والإفتاء، ويجب أن نستخدم القرآن الكريم في المسائل الفقهية قبل الرجوع إلى الأحاديث. يجب أن يكون القرآن الكريم هو مرجع حياة كل مسلم وفقيه، وأن يكون مصدرًا لتوجيه حياة الفرد والمجتمع.
آيات «القول الزور»
القرآن الكريم لا يحتوي على آية مباشرة تحرم الغناء والموسيقى، لكن الأحاديث التفسيرية تشير إلى أربع آيات تتعلق بـ “القول الزور”، وهي: “الاعتقاد بالباطل”، “الشهادة الزور”، “الكلمات اللهوية والباطلة” في إطار محاربة جبهة الحق وتعزيز جبهة الباطل. يعتقد بعض الفقهاء، استنادًا إلى الأحاديث التفسيرية لهذه الآيات، أن الغناء والموسيقى تمثل “القول الزور” وتحرم بذاتها.
الآية من سورة الحج:
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ… فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ… )
تفسير كلمة «زور»
كلمة “الزور” في اللغة تعني “الميل عن الحق”. وهي لا تساوي الكذب تماماً، بل هي الميل عن الحقيقة والتزوير في القول، حيث يتم استخدام الكلمات لتضليل الناس وتوجيههم نحو الباطل.
التحليل بين الموسيقى والقول الزور
من خلال هذه الآيات، يبدو أنه لا يوجد ذكر مباشر للصوت أو الموسيقى، لكن في الأحاديث الشريفة، تم تفسير “القول الزور” على أنه يشمل الغناء. ومع ذلك، يجب قبول هذه التفاسير من المعصومين بعقلانية وتفكير، وليس فقط تقليدياً أو بدون تفكير عميق.
خاتمة
القرآن الكريم بحر عميق لا يستطيع الإنسان العادي الغوص في أعماقه بسهولة، ولكن المعصومين عليهم السلام هم من يمتلكون القدرة على استخراج معانيه العميقة. ومن خلال التأمل والتحقيق، يمكن لأي شخص أن يستفيد من هذا البحر الواسع بما يتناسب مع قدراته.
فهمنا بالنسبة للأئمة المعصومين:
إنَّ ما نفهمه عن الأئمة المعصومين هو أن كل ما يقولونه مستمد من القرآن الكريم، والقرآن هو جميع الوحي. وفي هذا الموضوع الحالي، لا نجد أي شيء يتعلق بالصوت أو الصوت والغناء من خلال هذه الآيات. كما أن القرآن الكريم لا يتحدث إلا وفقاً للمعايير والحكمة، وكل كلماته موجهة بحكمة وتنسيق. المعصوم، الذي هو حكيم وعليم، ينقل لنا من خلال القرآن الكريم، ولا يمكننا الهروب من ذلك. ويجب علينا أن نبحث عن سبب عدم فهمنا لهذه المعاني في أنفسنا.
ضرورة الابتعاد عن جبهة الباطل والظلم العقائدي
في بداية هذه السورة، يبدأ الحديث عن القيامة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)[7]، ويُذكر المشركون والمومنون، ثم بعد ذلك يُستدعى الناس لأداء مناسك الحج.
تحتوي هذه الآيات على العديد من المسائل الحكمة النظرية والعملية. وهي مسائل يشرحها كتب الفلسفة والتصوف بتعابير معقدة، ولكن في هذه الآيات القليلة يتم تلخيصها بشكل رائع.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) هي حكمة نظرية، وهذه الآية لا تشير فقط إلى “قول الزور”، بل تنبّه إلى ذلك مرة أخرى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)، وهي حكمة عملية، وتتضمن الأفعال النبيلة والظالمة. ثم تحذر الآية من الكفر.
الفرق بين “قول الزور” و “الزور”
الآية الكريمة في “قول الزور” تحث على الابتعاد عن الظلم والمعصية، والمقصود هنا هو الانحراف عن الحق. لكن لماذا تم ذكر “القول” تحديداً؟ يجب القول أن هذه الاختيارات لها مغزى مهم، ويجب التأمل فيها بدقة لأنها تدل على عمق القرآن الكريم.
إنَّ بعض الناس قد يظلمون، سواء عن تقصير أو عمد، ولكن لا يحملون إيماناً بالظلم؛ بينما البعض الآخر يعتقدون في ظلمهم ويفتخرون به. وبالتالي، الآية الكريمة توجهنا إلى الابتعاد عن “قول الزور”، أي الاعتقاد بالظلم.
القرآن الكريم لا يقول “واجتنبوا الزور”، لأن الإنسان العادي، بحكم كونه بشرياً، يقع أحياناً في المعاصي دون أن يكون لديه اعتقاد بالظلم. ولهذا السبب، لا يمكن دعوة الناس إلى الابتعاد عن “الزور” فحسب، بل يجب الابتعاد عن “قول الزور”، أي الاعتقاد بالباطل.
الظلم العقائدي
القرآن الكريم يوجه الناس إلى الابتعاد عن الظلم العقائدي والافتخار به. فهناك من يرتكب جرائم كبيرة ولكن يلقون اللوم على الآخرين ويبرؤون أنفسهم من الظلم، لكنهم لا يقبلون الاعتراف بالظلم. لذا، (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) أي لا تفخر بالظلم ولا تعتقد به.
إذا كان شخص ما راضياً عن ظلمٍ ما، حتى لو كان ظاهرياً يقترف المعاصي، فإنه يعتبر من الظالمين. ومن ثم، يُذكر أن القول بالزور ليس مجرد قول زائف، بل هو إيمان بالباطل، وهذا ما يجب تجنبه.
الظلم بدايةً من سقيفة
“وثن” يعني تمثال، وعبادة الأوثان هي تجسيد للظلم والانحراف عن الحق. الظلم قضية تاريخية دائمة، حيث كان هناك دائمًا من يقاومون الإيمان بالله الواحد. في القرآن الكريم، يعتبر الابتعاد عن عبادة الأوثان و”قول الزور” من أهم القضايا، وهو أعلى من مسألة الموسيقى والغناء.
التوحيد والعدالة
في هذه الآية الكريمة، يتم ذكر عنصرين رئيسيين في الدين والحكمة: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) و (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). الابتعاد عن عبادة الأوثان هو الوصول إلى التوحيد والمعرفة، وهذا يشكل ذروة الحكمة النظرية.
الغناء والموسيقى
في هذا السياق، يجب أن نفهم لماذا يُعتبر الغناء من المحرمات. فالآية تقول إن “قول الزور” يعني الاعتقاد في الباطل، وهذا يشمل الغناء والموسيقى إذا كانت تدعم الظلم أو الباطل. وبالتالي، ليس الصوت في حد ذاته هو المحرم، بل الصوت الذي يروج للباطل.
خلاصة القول
“قول الزور” يعني الاعتقاد بالباطل. أي فعل باطل ينبع من اعتقاد باطل. على سبيل المثال، إذا قال شخص ما: “صلوا كما صليت أنا”، وكان هذا مخالفًا للسنة النبوية، فإنه يعد قول زور. البدع من هذا القبيل هي من قول الزور.
“عباد الرحمن” هم أولئك الذين يسيرون على الأرض بتواضع، وعندما يُعاتبهم الجهلة أو يعترضون عليهم، يردّون عليهم بلطف وذوق رفيع. هم الذين يقضون ليلهم في السُّجود والصلاة طلبًا لرضا الله تعالى. هم دائمًا يرفعون أيديهم بالدعاء: “اللهم اجعلنا من الذين ينجون من عذاب النار، فإن عذابها شديدٌ ومدمرٌ للبشر، وهو عذاب دائمٌ أبدي”. هم الذين حين يُنفقون ويتصدقون لا يبالغون في الإنفاق ولا يتصفون بالبخل، بل يتسمون بالاعتدال والاقتصاد في عملهم. هم الذين لا يشركون بالله ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يقعون في الزنا. ومن يفعل ذلك، ستكون عقوبته مضاعفة في الآخرة، وسوف يخلد في جهنم، وهو مصير مرير للغاية، إلا من تاب من ذلك ورجع إلى الله بالإيمان والعمل الصالح؛ فالله غفور رحيم، وقد يتبدل سيئات التائبين إلى حسنات.
هم الذين لا يشهدون شهادة الزور، وإذا مروا باللغو، مرّوا بأدبٍ ورقيّ. هم الذين، إذا ذُكّرت لهم آيات الله، لم يغضّوا منها بأسلوبٍ عميق أو تهاون، بل يتأملونها وينظرون إليها بتدبر لإدراك معنى كل آية وتطبيقها على نحو صحيح.
فيما يخص النهي عن شهادة الزور، يوضح القرآن الكريم هذه الصفات الخاصة لعباد الرحمن في هذه الآيات: هؤلاء لا يقبلون قولاً باطلاً أو شهادة غير حق، بل يتأملون في آيات الله بعقلانية. إنهم لا يرمون أنفسهم للقبول بأي شيء دون تدبرٍ. إذ أن القرآن، كما ذكر: “فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ” (سورة الملك: 3) — ذلك يُثبت أن عقل المؤمن يجب أن يتعامل مع الآيات بحذر وتفكير نقدي. من هنا، العبادة تكون ناتجة عن تفكر عقلاني، لا عن تسليم أعمى.
أما فيما يتعلق بـ”شهادة الزور” تحديدًا، فقد ذكر العلامة الطباطبائي في تفسيره “الميزان” أن الزور هو تمويه الباطل بحيث يبدو كأنه حق، وهذا يشمل الكذب وغيره من الأقوال والأفعال الباطلة مثل الغناء والشتائم.
وقد شرح بقوله: “الزور هو ما يُظهر باطلًا في صورة حق”. واختار أن الزور يشمل الكذب والباطل، ولكنه يرى أن بعض الحالات بحاجة إلى مزيد من التأمل في تفسير الآية بشكل أوسع، حيث يظهر المعنى الأكثر دقة وملاءمة للسياق.
إن الزور يتخذ معنى واسعًا في التفسير: فهو لا يتعلق فقط بالكذب بل يتناول أيضًا أي نوع من الأقوال أو الأفعال التي تهدف إلى تزييف الحقيقة، سواء في العلاقات بين الناس أو فيما يتعلق بالعلاقة مع الله تعالى.
الاستنتاج
“عباد الرحمن” هم أولئك الذين لا يشاركون في الباطل ولا يقبلون شهادة الزور. فهم يبتعدون عن جميع ألوان الباطل، سواء كان كذبًا أو خيانةً، ويظلون مخلصين في عبادتهم وتفكيرهم وتفاعلهم مع الآخرين. إنهم يعيشون في وسط المجتمع ولكنهم لا ينجرفون مع الزيف أو الغفلة عن الحق.
دراسة كلمة «زور» في سورة المجادلة
(قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا الَّلَائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّـهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)
لقد سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ المرأة التي تُجادِلُك فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ، وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا، إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. أولئك الذين يُظَاهِرُونَ من نسائهم بأنهن أمهاتهم، فإن أمهاتهم هن اللواتي ولَدنَهم، وإنهم يقولون قولًا منكَرًا من القول وزورًا، وإنَّ اللَّـهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ.
تتناول الآية الأولى من هذه السورة مسألة الخلافات الأسرية والنزاع بين الزوجين، بينما تشير الآية الثانية إلى حكم الظهار باعتباره عادة اجتماعية خاطئة. في زمن الجاهلية، إذا كان الرجل في نزاع مع زوجته أو لا يحبها، كان يقول لها: “ظهرُكِ كظهر أمي”، وبذلك كان يجعلها مثل أمه، ويتعامل معها كأمه. أما الإسلام، فقد وضع كفارة لهذه العادة الجاهلية لتنبيه الناس على خطأها.
ويذكر القرآن الكريم في هذه الآية أن المرأة لا تصبح أمه، وأنه لمنع الناس من استخدام الظهار، تم فرض كفارة، حتى لا يستمر هذا الخطأ في المجتمع المسلم. وتؤكد الآية على أن قول الظهار هو “قول زور”، وتعني أن هذا القول باطل ولا أساس له من الحقيقة. كما أن هذه الآية تشير إلى أن الظهار منكر من القول وزور، مما يتطلب التوبة والنهي عن هذه العادة الجاهلية.
وتتحدث الآية بعد ذلك عن التفسير اللغوي لكلمة “زور”، حيث أن “زور” تعني محاولة إظهار الباطل وكأنه حق. على الرغم من أن “زور” قد تشير إلى النية الباطلة أو الكذب، إلا أن المقصود هنا هو أن الشخص الذي يقول لزوجته مثل هذه الكلمات (مثل “ظهرُكِ كظهر أمي”) يقصد باطلًا ويروّج لظاهره كحقيقة. في هذا السياق، الزور يعكس نية غير صادقة لتحويل الباطل إلى حق.
من المهم أن نفهم أن “زور” في القرآن الكريم تشير إلى استخدام الكذب أو إظهار الباطل في صورة حق، وهذا يختلف عن مجرد الكذب الذي يعني فقط قول شيء غير صحيح. لذلك، كلمة “زور” تعني التظاهر بشيء غير حقيقي واعتباره صحيحًا. وقد أُدرج الظهار تحت “قول زور” بسبب تقديمه كمفهوم اجتماعي كان يُعتبر صحيحًا في الجاهلية لكنه في الحقيقة لا أساس له من الصحة.
الغاية العملية لعبادة القرب إلى الحق
غاية الفعل العبادي هي القرب من الله سبحانه وتعالى. والقرب هو «ما ينتهي إليه الحركة»، والوصول والمعراج هما «ما لأجله الحركة». سواء وصل العابد إلى هذه الغاية أم لا، فإن فعله يحقق الغاية الأولى، أي الوصول إلى «ما ينتهي إليه الحركة». إذا لم يصل الفاعل إلى الوصول، فإن فعله يكون باطلاً من حيث القرب، ولكن لا يكون باطلاً من حيث العبادة التي قام بها. لذلك، يجب القول إن “ترجيح بلا مرجح” و “ترجّح بلا مرجح” كلاهما مستحيل.
تحصل بعض الغايات بسرعة، وبعضها الآخر يحصل تدريجياً مع مرور الوقت. ويجب على الفقيه أن يميز بين الأفعال المحرمة والحلال بناءً على هذه الغايات المختلفة. كما لا ينبغي للفقيه أن يتوقع أن جميع أفعال الناس تكون ذات غاية عقلية أو معنوية أو ربوبية أو إلهية. صحيح أن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البيّنة: 5] أو (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، ولكن يجب أن نقول: إن الله أمر بالعبادة، ولكن من يلتزم بها ويتبعها هو أمر آخر. الله يريد أن تكون غاية جميع الأعمال هي العبادة، وليس أن تكون جميع الأعمال عبادية.
الأولياء هم الذين ليس لديهم فعل غير عبادي، وكل ما يفعلونه هو طاعة وعبادة، بل هو حب وعشق لله تعالى، ووجودهم لا يكون إلا من الله. فلا ينبغي أن نتوقع ذلك من الناس العاديين، فنحن نصدر أحكامًا في الفقه للناس العاديين، وليس للأولياء الذين هم أصحاب الحكم. الشريعة ليست شديدة على عباد الله، والدين الإسلامي دين سهل ويسير، وأي مشقة أو تكليف يحتاج إلى دليل قوي.
الفعل العلمي والشوقي (العملي) يمكن أن يكون مباشرًا، متوسطًا، أو بعيدًا. كل فعل له مبدأ علمي. العلم يخلق الشوق، ولكن هذا الشوق في الإنسان المريض أعمى. الشوق يدفع الشخص نحو الفعل. على سبيل المثال، الشخص العطشان الذي يطلب الماء، فإن علمه بالعطش هو الفاعل البعيد، والشوق هو الفاعل المتوسط، وشرب الماء هو الفاعل المباشر. الفاعل المباشر هو القدرة التي تكون في الشخص، ويجمع الطاقة اللازمة لإنجاز العمل، وهو الفصل الأخير لتحقيق الفعل.
الشوق هو الفاعل المتوسط، الذي قد لا يكون قويًا بما فيه الكفاية. على سبيل المثال، إذا كان الخبز طازجًا من الفرن، فإن الشوق لأكله يكون كبيرًا، ولكن إذا أصبح الخبز قديمًا، فإن الشوق له يقل رغم العلم به. هذا الشوق يكون أكثر في الجنة. بحث أقسام الفاعل في الفلسفة موضوع واسع جدًا، وسنقتصر على هذا القدر هنا.
وفي هذا السياق الفلسفي، إذا كان مبدأ علمي يؤدي إلى فعل باطل وقرر شخص ما جمع القوى للقيام بمعصية، فإن «ما إليه الفعل»، وهو جمع القوى للقيام بالعمل، يتم تنفيذه حتى وإن كان هناك مانع. الفاعل العلمي يدخل في الحكمة النظرية، والفاعلون الشوقيون يشكلون الحكمة العملية. والفاعل العلمي والشوقي هما خاصان بالإنسان، بينما الفاعل المباشر مشترك بين الإنسان والحيوان، والفعل في ضوء هذين الفاعلين يُوصف باللغو واللعب والعبث.
الفرق بين فاعلية الإنسان الإرادي وفعل الطبيعة يكمن في العلم والشوق، وإلا فليس هناك فرق بين الإنسان والطبيعة من حيث الفاعل المباشر؛ لأن كلاهما مأمور ومعذور من هذا الجانب. مبدأ بعيد لفعل الحق هو الفاعل العلمي الذي يتوافق مع النفس الأمر. مثل هذا الفعل يظهر من عباد الله قليلًا، والقرآن الكريم يوضح هذه الحقيقة بشكل جلي، حيث يقول: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [الأنعام: 111] أو (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) [الزخرف: 78].
كما يقول القرآن الكريم: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85]. وهذا بيان يوضح أن معرفتنا محدودة جدًا، والكثير من أفعال البشر، حتى عباداتهم، قد تكون بسبب الشوق أو الخيال أو الوهم، بينما الفاعلين العلميّين هم قلة، وهم الأولياء الإلهيون الذين يفعلون أعمالهم بإذن الله، وهم مصداق لقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ) [البيّنة: 5]. من ثم، يعلنون في أنفسهم: (إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 162]. هم لا يتحركون في شوقهم إلا وفق علم الله.
النص الأصلي:
“در اين جا فعل كه پرداخت صدقه است انجام شده و فعل داراى غايت ابتدايى، صورى و دنيايى بوده، اما منت و اذيت، آن را از رسيدن به سعادت كه غايت ثانى و كمال آن است باز داشته است. در حقيقت، اين صدقه از آن جهت كه در آن منت و اذيت و آزار باشد، در واقع فاقد غايت معنوى و باطنى است و همانطور كه گفته شده، آن از حالت مؤثر بودن در نيل به سعادت باز میدارد. اين در حالی است که صدقه بايد چنين غايتى را دارا باشد و در ارتباط با كمال و سعادت روحى فرد انجام پذيرد.
اين مسأله که صدقه به چه صورت باید انجام شود، تا از اثرگذاری واقعی و رسیدن به کمال انسانی جلوگیری نشود، موضوعی است که در متون دینی و فلسفی بحثهای بسیاری به آن پرداخته شده است. بنابراین، انجام صدقه باید بدون منّ و اذیت باشد تا به هدف اصلی خود، یعنی رساندن انسان به سعادت و تکامل روحی دست یابد. در این زمینه، آموزههای اخلاقی و دینی بر اهمیت نیت پاک و خلوص عمل تأکید دارند، زیرا تنها در این صورت است که صدقه به عنوان یک عمل معنوی و مؤثر در راستای کمال انسان محسوب میشود.”
“هنا تم تنفيذ الفعل الذي هو دفع الصدقة، وكان الفعل ذا غاية ابتدائية، شكلية ودنيوية، ولكن المنّة والأذى قد حالا دون وصوله إلى السعادة، وهي الغاية الثانية وكمال الفعل. في الحقيقة، إن هذه الصدقة بما أنها تحتوي على المنّة والأذى، فهي في الواقع تفتقر إلى الغاية المعنوية والباطنية، كما تم الإشارة إليه، حيث أنها تحول دون التأثير الفعّال في بلوغ السعادة. وذلك في حين أن الصدقة يجب أن تمتلك مثل هذه الغاية، وأن تتم في سياق الكمال والسعادة الروحية للفرد.
إن مسألة كيفية أداء الصدقة حتى لا تُعيق أثرها الفعلي وتوصل إلى الكمال الإنساني هي مسألة تم تناولها في النصوص الدينية والفلسفية بشكل واسع. لذلك، يجب أن تكون الصدقة بدون منّ أو أذى لكي تحقق هدفها الأساسي، وهو إيصال الإنسان إلى السعادة والتكامل الروحي. في هذا السياق، تؤكد التعاليم الأخلاقية والدينية على أهمية النية الطاهرة وإخلاص العمل، لأنه فقط في هذه الحالة تعتبر الصدقة عملاً روحياً وفعّالاً في مسار الكمال الإنساني.”
عدم جواز إحياء الحق بشهادة الزور
تناولت بعض الروايات مسألة إمكانية إحياء الحق باستخدام التلاعب والخداع وشهادة الزور. فمثلاً، إذا كان لشخص حق قد أُخذ منه ولم يكن لديه أي دليل لإثباته، فهل يجوز له استعادته باستخدام شهادة زور أم لا؟ وقد ورد في الروايات الإجابة على هذا السؤال كالتالي:
- «عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الحق فيجحده حقه، ويحلف أنه ليس له عليه شيء، وليس لصاحب الحق على حقه بينة، يجوز ذلك لعلّة التدليس» [62].
- إذا خدع شخص آخر وأخذ حقه لنفسه، في حين أن صاحب الحق ليس لديه أي دليل للدفاع عن نفسه، فهل يمكنه أن يخدعه أو يكذب لاستعادة حقه؟ فأجاب الإمام قائلاً: هذا غير جائز، لأنه خديعة وتدليس. من يريد استعادة حقه بطرق غير مشروعة فهو مثل ذلك الشخص نفسه.
لم يُذكر في هذه الرواية شهادة الزور بشكل مباشر، لكن التدليس هنا يعني شهادة الزور. ما هو مهم في هذه الرواية هو أن الإنسان يمكنه استعادة حقه عبر القصاص، وحتى السرقة يمكن السماح بها بشرط مراعاة الضوابط الشرعية، لكن لا يجوز استعادة الحق من خلال الخديعة، لأن ضرر التدليس واسع جدًا مقارنة بضرر السرقة، حيث يكون الأخير أقل بكثير.
وجوب إعلان الأشخاص البارزين في جبهة الباطل
- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «شهود الزور يُجلدون حدًّا، وليس له وقت ذلك إلا للإمام، ويطاف بهم حتى يعرفوا ولا يعودوا. قال: قلت: فإن تابوا وأصلحوا تقبل شهادتهم بعد؟ قال: إذا تابوا تاب الله عليهم وقُبلت شهادتهم بعد» [63].
قال الإمام الصادق عليه السلام: «يُنفَّذ الحد على من شهد شهادة زور، ولا وقت معين لهذا إلا وفقًا لما يراه الإمام. هؤلاء يجب أن يُعرضوا في الأحياء ليعرفهم الناس حتى لا يصدقوا شهاداتهم. وهذا النوع من التعزير يجب أن يتم في المجتمع لكي لا يقوم الناس بالكذب أو شهادة الزور بسهولة. عندها لا يجرؤ الناس على الكذب حتى أصحاب المناصب. ولكن في بعض الأحيان، ترى أن المسئولين يتركون المجرمين الكبار الذين يرتكبون الجرائم الاقتصادية الكبيرة بينما يعاقبون الفقراء والمستضعفين على أمور صغيرة».
إن فرض الحدود بهذه الطريقة لا يعد شرعيًا. يجب أولاً معاقبة الأفراد البارزين في جبهة الباطل ثم إذا ارتكب المستضعفون خطأً، يتم معاقبتهم مع مراعاة وضعهم الضعيف. الإسلام يتعامل مع المستكبرين، ولا يتعامل مع الضعفاء بنفس الطريقة. أما في الحكومات الضعيفة، يتم التعامل مع الجناة الكبار بهدوء، بينما يُعاقب الفقراء بطريقة قاسية.
توبة شهود الزور البارزين
- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن شهود الزور يُجلدون جلداً ليس له وقت حتى إلى الإمام، ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس، وتلا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا). قلت: بم تعرف توبته؟ قال: يكذب نفسه على رؤوس الأشهاد حيث يُضرب ويستغفر ربه عز وجل، فإذا فعل ذلك فثمّ ظهرت توبته» [64].
يشير الحديث الشريف إلى ضرورة تعزير شهود الزور وإعلانهم بين الناس، ورد شهاداتهم بسبب الفسق الذي وقعوا فيه، إلا إذا تابوا. والتوبة هنا تكون بأن يعترف الشخص بخطأه ويعتذر للناس علانية، ويطلب منهم المغفرة.
إذا قال أحدهم: “الإقرار بالذنب ذنب آخر”، أي أن الاعتراف بالذنب يعتبر ذنبًا جديدًا، فإن ذلك يتناقض مع هذا الحديث. فالاعتراف بالذنب هنا مهم لإصلاح الأمور وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
قبح شهادة الزور وادعاء الباطل
- عن جعفر عن أبيه: «إن عليًا عليه السلام كان إذا أخذ شاهد زور، فإن كان غريبًا بعث به إلى حيّه، وإن كان سوقيًا بعث به إلى سوقه، فطيف به، ثم يحبسه أيامًا ثم يخلى سبيله» [65].
كان الإمام علي عليه السلام إذا أخذ شاهد زور، يأخذه إلى منطقته أو سوقه ليعرفه الناس ويطوف به هناك، ثم يُحبس لمدة أيام قبل أن يُطلق سراحه. هذه الطريقة في التعزير تؤكد أهمية هذا الذنب.
تعابير القرآن الكريم تدل على عظمة هذا الموضوع، مثل قوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) و (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوثَانِ). هذه العبارات تدل على أن شهادة الزور تُعتبر من الكبائر بجانب الشرك والكفر والظلم.
ضرورة تصنيف الذنوب
هناك تساؤل مهم: لماذا لم يُعطَ لعلماء الدين الاهتمام الكافي لتصنيف الذنوب في الإسلام؟ على سبيل المثال، لماذا كانت الاهتمامات تتعلق بمسائل ثانوية مثل «مد الصوت مع الترجيع المطرب»، بينما لم يُعطَ اهتمام كافٍ لشهادة الزور؟ في مجتمعنا لم يتم توضيح قبح الكذب كما يجب. وهذا يظهر في العديد من الروايات التي تشير إلى أن المؤمن لا يكذب أبدًا، وهو ما يترتب عليه ألا يكون له شهادة زور.
إذن من الخطأ أن نساوي بين الكبائر والصغائر أو بين الذنوب المختلفة، فالذنوب تتفاوت في درجتها. وفي ظل هذا الوضع، تتطلب الفقه ضرورة التصنيف الصحيح للذنوب من أجل تجنب الفوضى الاجتماعية.
سياسة التوجيه والوقاية في الفقه
عند الفقيه، يجب أن يُعرف كل ذنب بدقة ويُصنف حسب قبحه. لسوء الحظ، فإن التشخيص السليم للأمراض الاجتماعية لم يُعطَ الاهتمام الكافي. فعندما يتم تضخيم الذنوب الصغيرة وتهويلها، يتم تحويل الأنظار عن الجنايات الكبرى.
في النهاية، يجب على المجتمعات الإسلامية أن تدرك أن التركيز على القضايا الصغيرة يجب ألا يجرها إلى إغفال القضايا الكبرى، مثل شهادة الزور، التي تعتبر من أعظم الجرائم في الإسلام.
الرواية التي تذكرها في هذا السياق تتحدث عن أن من ينتظر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يواجه مصائب، صعوبات، وكوارث كبيرة.
النص في الرواية يشير إلى شخص جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له إنه يرغب في معرفة الكبائر. فذكر الإمام (عليه السلام) أن الكبائر تتنوع وتشمل العديد من الأعمال المحرمة:
قال أحمد بن محمد بن خالد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام) قال: سمعت أبي يقول سمعت أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (عليه السلام) فلما سلم وجلس قرأ الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ). ثم توقف، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما الذي جعلك تسكت؟ فقال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله عز وجل. فقال الإمام (عليه السلام): نعم يا عمرو، أكبر الكبائر هي الشرك بالله، كما قال الله: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
ثم ذكر الإمام (عليه السلام) العديد من الكبائر الأخرى مثل:
- اليأس من رحمة الله.
- الأمن من مكر الله.
- العقوق الوالدين.
- قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
- قذف المحصنات.
- أكل مال اليتيم.
- الفرار من الزحف.
- أكل الربا.
- السحر.
- الزنا.
- اليمين الغموس الكاذبة.
- الغلول.
- منع الزكاة المفروضة.
- شهادة الزور وكتمان الشهادة.
- شرب الخمر.
- ترك الصلاة عمدًا.
- قطع الرحم.
كل هذه الأعمال تعتبر كبائر من الكبائر التي تضر الإنسان في دنياه وآخرته.
أما بالنسبة للأحداث التي ستحدث في آخر الزمان، فإن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:
“أما تعلم أنه من انتظر أمرنا وصبر على ما يراه من الأذى والخوف، سيكون غدًا في زمرتنا؟”
ويستمر الإمام في وصف أحداث آخر الزمان التي سيتعرض لها الناس، مثل:
- حينما يموت الحق ويغيب أهله.
- حينما ينتشر الظلم في البلاد.
- حينما يظهر الشر ولا يُنهى عنه.
- حينما يظهر الفسق ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
- حينما يكون المؤمن صامتًا ولا يُقبل قوله.
- حينما تُقطع الأرحام ويُمدح أهل الفسق.
- حينما يتزاوج الرجال مع الرجال والنساء مع النساء.
- حينما يُظهر الفاسق قوته ويتم مدحه.
- حينما تنتشر الخمور علنًا ويشربها الناس بلا خوف من الله.
وفي هذه الأوقات، سيكون الناس في حالة من الفساد، وسيطغى الباطل على الحق.
وفي سياق هذا الحديث، رغم أن العديد من المعاصي قد تم ذكرها، إلا أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الموسيقى والغناء هما من الكبائر أو من أسباب الانحراف الأساسي.
لكن في مجتمعنا، تم تضخيم قضية الغناء والموسيقى، في حين أن الحديث الصحيح لم يذكره بشكل خاص ضمن هذه المعاصي الكبرى. ولكن في بعض الأحيان، يُستخدم الغناء والموسيقى في الاحتفالات والأنشطة الاجتماعية دون اعتبار للحرمة التي قد يراها البعض.
إن هذا التناقض في السلوكيات بين من يحرّمون هذه الأفعال وبين أولئك الذين يروّجون لها في المجتمعات، قد يؤدي إلى حدوث تسيب وفوضى في المجتمع ويشجع الناس على ارتكاب المعاصي علنًا.
لإيجاد معنى كلمة “والذين” في هذه الآية، يجب علينا مراجعة الآيات السابقة لها. هذه الآية تتحدث عن وصف “عباد الرحمن”، الذين هم المؤمنون المتميزون والعاليون، وليس المؤمنين العاديين أو عموم الناس. وقد تم ذكر هذه الآيات في موضوع “شهادة الزور”. إذا دققنا في هذه الآيات، نلاحظ أن الآية (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) تتحدث عن المؤمنين العاديين، ولكن هذا الوصف لا يعني تطهيرهم أو عدم تلوثهم عندما يمرون باللغو، بينما الوصف الذي ذكره الله تعالى لـ “عباد الرحمن” يشير إلى أنهم لا يتلوثون حتى عندما يمرون باللغو. الامتناع عن اللغو يتم عندما يبتعد الإنسان عنه، ولكن المرور عليه لا يعني الامتناع عنه، بل هو مجرد المرور به مع عدم التلوث به وعدم الالتفات إليه.
وبناءً على الشريعة الإلهية والقرآنية، حتى هذه اللحظة نجد أن هناك ثلاثة أنواع من اللغو التي تختلف في تعاملها مع ثلاث فئات من الناس.
“عباد الرحمن” هم أفضل الفئات من عباد الله، ولا يوجد ما هو أفضل منهم؛ لأننا في الصلاة نقول: “أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد”، حيث يتحقق مقام العبودية في شخص خاتم الأنبياء.
مجموع هذه الآيات يقدم ثلاث أحكام حول اللغو، وهي كما تم ذكره. عباد الرحمن لا يتحركون أو يتأثرون باللغو، بل هم الذين يؤثرون في أهل اللغو، ويذكّرونهم بالله تعالى، وهذا مقام عالٍ جدًا لا يتيسر لكل شخص.
تعامل المؤمنين العاديين مع أهل اللغو
- (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [95].
- أولئك الذين آتيناهم الكتاب من قبل، يؤمنون به. وعندما تُتلى عليهم آياتنا، يقولون: آمنا به، إنه الحق من ربنا، وإننا كنا قبله مسلمين. أولئك يُؤتَون أجرهم مرتين لما صبروا، ويَدْفَعُونَ السيئة بالحسنة، وينفقون مما رزقناهم. وعندما يسمعون اللغو، يعرضون عنه، ويقولون: أعمالنا لنا، وأعمالكم لكم، سلام عليكم، لا نريد الجاهلين.
دلالة هذه الآية:
الخطاب في هذه الآية موجه إلى أهل الكتاب، الذين آمنوا بالقرآن الكريم واعترفوا بحقه. هؤلاء الناس لهم جزاء مضاعف: أولاً بسبب صبرهم، وثانيًا بسبب ردهم السيئة بالحسنة وإنفاقهم في سبيل الله. هؤلاء يملكون صفات خاصة، منها أنهم عند سماعهم للغو، يعرضون عنه ويعتبرون أعمالهم مختلفة تمامًا عن أعمال أهل اللغو.
الآية التي تشير إلى “الذين هم عن اللغو معرضون” موجهة إلى المؤمنين العاديين، وليس إلى “عباد الرحمن”، كما تبين من عدم تحرجهم من الابتعاد عن اللغو. وفي قوله تعالى: “سلام عليكم”، يُعتبر هذا السلام بمثابة تحية تُوجه لأهل اللغو مع إبراز جهلهم بشكل غير مباشر.
اللغو خاص بالعالم الدنيا
- (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) [96].
- في الجنة يتنازعون الكأس كما لو كانوا يتجادلون مع بعضهم البعض، ولكن في الجنة لا يوجد لغو أو نزاع.
- (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلاَمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [97].
- في الجنة لا يسمعون اللغو إلا السلام، ولهم رزقهم في الجنة كل صباح ومساء.
التأثيرات السلبية للإفراط في اللغو
أولئك الذين يسعون دائمًا لزيادة أموالهم وممتلكاتهم وإيراداتهم، قد يعانون من مرض الإفراط في اللغو. هناك العديد من الأحاديث التي تدعو إلى الاقتصاد والاعتدال، وتنتقد الانغماس في الدنيا، وهذه التوصيات تهدف إلى معالجة هذا المرض الذي يختفي في طبيعة البشر.
في النهاية، يمكننا القول أن اللغو يشكل جزءًا من طبيعة الإنسان، ولكن تعامله مع اللغو يختلف باختلاف مستوى إيمانه. فهناك من يبتعد عن اللغو، ومنهم من يعرض عنه بطريقة نبيلة، وبين هؤلاء يوجد “عباد الرحمن” الذين يرتفعون عن أي نوع من اللغو.
خلاصة حكم اللغو
من خلال الآيات السابقة، نجد أن اللغو لا يعتبر أمرًا محرمًا على الناس العاديين. في الواقع، في إطار الخلق البشري، يمكن أن يكون اللغو جزءًا من الحياة اليومية. ولكن على المؤمنين من العلماء والعباد أن يتجنبوا بعض أنواع اللغو، لأن التفاعل معها قد يؤثر سلبًا على سعيهم الروحي.
من خلال النظر في مفهوم اللعب واللغو في القرآن الكريم، يتضح أن اللعب الذي يرتبط بالأمور الدينية والمعتقدات يعتبر محرمًا، في حين أن بعض الأنشطة الأخرى يمكن أن تكون مقبولة إذا كانت لا تضر بالهدف النهائي للإنسان.
الاهتمام بجبهة الحق وأصحاب الولاية
عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن سعيد بن جناح، عن حماد، عن أبي أيوب الخراز قال: نزلنا بالمدينة فأتينا أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لنا: أين نزلتم؟ فقلنا: على فلان صاحب القيان، فقال: كونوا كرامًا، فوالله ما علمنا ما أراد به، وظننا أنه يقول: تفضلوا عليه، فعدنا إليه فقلنا: لا ندري ما أردت بقولك: كونوا كرامًا، فقال: أما سمعتم الله عز وجل يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).
في هذا الحديث، يشير الراوي إلى أنه عندما نزلوا في المدينة وذهبوا إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، سألهم الإمام عن مكان إقامتهم، فأجابوا أنهم نزلوا عند رجل يملك جواري مغنيات. فأوصاهم الإمام أن يعيشوا بكرامة، ولكنهم لم يفهموا المقصود، فظنوا أن الإمام يقصد أن يقدموا هدية لذلك الشخص. إلا أن الإمام أعاد التوضيح وقال: “أما سمعتم الله عز وجل يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)”.
هذه الرواية توضح أن الإمام كان لا يوافق على المكان الذي اختاروه للإقامة بسبب تواجده في منزل يضم جواري مغنيات، ولذلك أوصاهم بأن يعيشوا بكرامة وأن يبتعدوا عن مثل هذه الأماكن. كما يذكر الراوي أنه فهم الأمر بشكل خاطئ في البداية، وظن أن المقصود هو تقديم هدية، لكنه عاد ليتأكد من المقصد الحقيقي للإمام، وهو الابتعاد عن البيئة التي تروج للغناء واللهو.
إشارة إلى أن اللهو ليس محرمًا في حد ذاته، بل إذا كان يشغل عن العبادة
الحديث عن اللهو في القرآن الكريم يشير إلى أنه قد يكون محرمًا إذا أدى إلى الإلهاء عن العبادة أو عن القيام بالواجبات الدينية. اللهو ليس محرمًا بذاته، بل إذا كان يشغل الإنسان عن ذكر الله وواجباته الدينية، فإن ذلك يصبح محرمًا. هذه الفكرة تظهر في عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية.
روايات متعلقة باللهو والتسلية
عن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: “بلغني قدوم قوم قدموا الكوفة فنزلوا في دار مغن، فقال لهم: كيف فعلتم هذا؟ قالوا: ما وجدنا غيرها! يا بن رسول الله، وما علمنا إلا بعد أن نزلنا، فقال: أما إذا كان ذلك فكونوا كرامًا، فإن الله عز وجل يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)”.
هذه الرواية توضح كيف أن الإمام الصادق (عليه السلام) نصح جماعة من أصحابه الذين نزلوا في منزل يضم مغنيات، بأن يكونوا كرامًا وأن يتجنبوا مثل هذه الأماكن التي تحتوي على اللهو. هذا يدل على أن اللهو في حد ذاته ليس محرمًا، لكن ينبغي على المؤمن أن يتجنب ما يلهيه عن ذكر الله وأداء عباداته.
الضوابط الشرعية للمؤمنين في ما يتعلق باللهو
يجب على المؤمن أن يكون حذرًا من أن يتحول اللهو إلى إلهاء عن الواجبات الدينية مثل الصلاة والذكر. اللهو الذي يتعارض مع أداء الفرائض الدينية يعتبر مذمومًا، في حين أن اللهو الذي لا يشغل عن الواجبات يمكن أن يكون مقبولًا في بعض الحالات. على سبيل المثال، إذا كانت ممارسة الرياضة أو التسلية تساهم في صحة الإنسان ولا تمنعه من أداء واجباته، فإنها لا تُعدّ محرمًا.
المراد من “كونوا كرامًا”
عندما يُقال “كونوا كرامًا”، يُقصد بذلك أن يعيش المؤمن بكرامة وأن يتجنب الأماكن التي تروج للباطل أو الفساد. الإمام الصادق (عليه السلام) لم يُعلن حكمًا بالتحريم على من يملك مغنيات، ولكنه أراد أن ينبه أصحابه إلى ضرورة تجنب مثل هذه الأماكن التي قد تؤثر على القيم الدينية.
لهو وأثره على حياة المؤمن
اللهو، بحسب القرآن الكريم، قد يكون له تأثير سلبي إذا شغل المؤمن عن العبادة وذكر الله. في العديد من آيات القرآن، يتم تحذير المؤمنين من أن المال والأولاد قد يُلهونهم عن ذكر الله. اللهو الذي يعيق أداء العبادة هو ما يُذم ويُحذر منه.
التجارة والتسلية في سياق ديني
في آية من القرآن الكريم، ذكر الله رجالًا لا تُلهيهم التجارة أو البيع عن ذكر الله وأداء الصلاة. هذا يشير إلى أن المؤمن يجب أن يكون ملتزمًا بواجباته الدينية حتى أثناء انشغاله بالدنيا. التجارة نفسها ليست محرمًا، لكن إذا شغلت الشخص عن ذكر الله أو أداء الصلاة، فإن ذلك يعتبر مذمومًا.
خاتمة
مفهوم اللهو في الإسلام ليس ثابتًا بين المحرم والمباح، بل يعتمد على السياق. ما يُعتبر محرمًا هو اللهو الذي يُلهي عن العبادة والواجبات الدينية، أما ما لا يُؤثر على هذه الواجبات فيُعتبر مباحًا.
اللهو واللعب في القرآن الكريم
اللهو في القرآن الكريم يأتي بمفهومين أساسيين؛ أحدهما “اللهو الذي يتعلق بالضرورة الكونية” ويشير إلى كل ما يتعلق بالأمور التي هي من طبيعة الحياة الدنيوية، سواء كانت لعبًا أو زينة أو تفاخرًا أو تكاثرًا في المال والأولاد. وفي هذا السياق، فإنّ اللهو لا يعد شيئًا محرمًا بحد ذاته، بل هو جزء من طبائع الحياة اليومية التي يمكن أن تكون مصحوبة بالاستغراق في الغفلة عن ذكر الله، وهو ما قد يكون مذمومًا إذا أُسيء استخدامه. اللهوُ إذا تداخل مع غفلة الإنسان عن الله أو كان سببًا للتكاثر أو التفاخر بالمكانة الاجتماعية أو المال أو الأولاد، فإنه يكون محط انتقاد من قبل القرآن الكريم.
الآيات المتعلقة باللهو في القرآن:
- اللعب واللهو في الدنيا:
- (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) (الحديد: 20)
- تعبر هذه الآية عن الحياة الدنيا بأنها مجرد لعب ولهو، بمعنى أن الإنسان ينشغل فيها بتطلعاته وشهواته التي قد تبعده عن ذكر الله.
- اللهو الذي يستخدم لإبعاد الناس عن سبيل الله:
- (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (لقمان: 6)
- تتحدث هذه الآية عن أولئك الذين يشتغلون بالحديث الباطل والقصص الخرافية بهدف إبعاد الناس عن دين الله.
- اللهو الذي يبعد عن العبادة والطاعة:
- (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (الجمعة: 11)
- في هذه الآية، يتم التوبيخ لأولئك الذين يتركون الصلاة والنشاط الديني عندما يرون فرصة للتجارة أو التسلية، ويشجع القرآن على توجيههم إلى الاهتمام بما هو خير وأبقى.
- اللهو في سياق الحياة الدنيا كمتاع زائل:
- (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20)
- يبيّن القرآن الكريم في هذه الآية أن الحياة الدنيا تتشابه مع الزهور التي تنمو وتذبل، ومثلها مثل الزينة الزائلة والتفاخر والتكاثر الذي لا يحمل أي قيمة حقيقية إلا إذا كان في طاعة الله.
- اللهو الذي يؤدي إلى غفلة القلب:
- (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) (الأنعام: 70)
- هذه الآية تشير إلى أولئك الذين جعلوا دينهم مجرد لعب ولهو، فغرتهم الحياة الدنيا وابتعدوا عن جادة الحق.
- اللهو في سياق الإعراض عن ذكر الله:
- (وَاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِّنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء: 1-2)
- في هذه الآية، يتناول القرآن تفاعل الناس مع التذكير الإلهي حيث يغمضون أعينهم ويستمرون في لعبهم وغفلتهم.
الخلاصة:
إن الله سبحانه وتعالى لا يذم “اللهو” بحد ذاته إذا كان جزءًا من حياة الإنسان الطبيعية، ولكن يذم “اللهو” الذي يقود إلى الغفلة عن ذكر الله أو الانشغال عن العبادة والطاعة. لذلك، يجب أن يكون الإنسان واعيًا في استخدام وقته، حتى لا يتحول اللهو واللعب إلى نوع من الغفلة أو التكاثر الذي يؤدي به إلى إبعاد قلبه عن الله.
النقد الثقافي والشرعي لبعض الظواهر الاجتماعية والثقافية
إن بعض الأفلام في الوقت الراهن تُمَجِّد بعض العادات الفاسدة وتحييها، إذ أن بعض الممثلين السابقين الذين تم منعهم من التمثيل بسبب مشاركتهم في أفلام محظورة، أصبحوا الآن يشاركون في إنتاج أفلام تحاكي هذه النوعية من السينما. ومن الأمثلة على ذلك أفلام العصابات والجريمة. حتى لا تساهم هذه الأعمال في نشر الفساد الثقافي، يجب التفكير في كيفية إيجاد طريق لتجاوز آثارها السلبية على المجتمع.
السلبية والتنفيس عن العقد النفسية في بعض الأفلام
إن السلبية وتنفيس العقد النفسية واضح في بعض الأعمال السينمائية، حيث يسعى البعض لإثارة المشاهد عبر كل وسيلة ممكنة، وحتى إذا لم يستطيعوا الرقص بأنفسهم، فإنهم يستخدمون أدوات إعلانية تحمل صورًا نسائية لتستحضر صورة الرقص في أذهان المشاهدين، أو حتى يجعلون الثلاجات الكبيرة تنبعث منها حركة تشبه الرقص!
تضخيم الجريمة والمشاكل الأمنية
كما أن ضخّمو الجريمة الذي يظهرون قوة الشرطة في موضع ضعف، ويقللون من قدراتهم، يُعدُّ تجسيدًا للفكر الفاسد وخيانة للدماء التي بذلها الشعب من أجل قوات الأمن، التي هي رمز قوة الإيمان في المجتمع. كما أن نشر مصطلحات العصابات واللصوص يُعتبر تجسيدًا لإحياء العادات الفاسدة. ويزيد من خطورة الأمر أن الأموال العامة تُستخدم لتمويل مثل هذه الأفلام والمشاريع.
ترويج الباطل عبر الشعارات والرموز الفاسدة
يُظهر هذا النص حرامية كل شعار باطل، مثل: “جئناكم، جئناكم، حيونا، حيونا”، كما يُحيل إلى إحياء العادات الفاسدة من فترة الجاهلية. هذه الشعارات تنطوي على إشارات ثقافية فاسدة قد تؤدي إلى تعزيز القيم الباطلة. مثلًا، القول “جاء شباب بني هاشم، أحيوا ذكرى علي الأكبر”، والذي يذكر في سياقه حوافز معنوية ورمزية دينية، ولكن في المقابل شعار “جئناكم” يدل على غناء فاسد ليس له علاقة بالتراث الديني الصحيح، بل له علاقة بالفكر الأموي والعباسي الذي كان يسعى لتغذية الخرافات.
السينما والإعلام والإلهاء عن الدين
للأسف، فإن مثل هذه الأعمال الإعلامية، بما في ذلك بعض الأفلام والبرامج الفنية التي تذاع على شاشات التلفزيون، قد جعلت الناس يبتعدون عن الروحانية، والعبادة، وتلاوة الأدعية، والذكر، ومحاضرات العلماء. هذه الأعمال أصبحت تمتص انتباه الناس بشكل كبير، بحيث أصبح من النادر أن يتوجه الناس إلى الصلاة أو الدعاء.
المداحون وتأثيرهم على الدين
فيما يتعلق بالمداحين، فقد أصبح هؤلاء في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من العلماء في المجتمع، مما ساهم في تهميش العلم الديني. بعض المداحين لا يتجاوزون عدة أبيات شعرية، لكنهم قادرون على تحريك مشاعر الجمهور بشكل سريع، مما يشكل تهديدًا للمحتوى العلمي الديني السليم. في هذا السياق، من الممكن أن تُعدُّ أعمال هؤلاء المداحين ترويجًا للباطل.
المداحون غير المتخصصين وضرورة التأهيل العلمي
المداحون غير المتخصصين الذين يحلّون محلّ العلماء في المحافل الدينية، خاصة في مراسم عاشوراء وغيرها، قد يكون لهم تأثير سلبي إذا لم يُراعَ العلم الصحيح في أدائهم. وفي حال أصبحت المداحية تروج للباطل بدلًا من نشر العلم الديني الصحيح، فإن ذلك يعد حرامًا.
الغناء والموسيقى غير الشرعية
من المهم أن المداحين لا يجب عليهم استخدام الأساليب الموسيقية التي ترتبط بالعناصر الفاسدة أو الطاغوتية. البعض منهم يضفي على صوته طابعًا غنائيًا حزينًا يؤثر في السامعين بشكل عميق، لكن ذلك لا يعني أن هذه الأساليب يجب أن تُستخدم في المدائح الدينية، إذ أن التورط في موسيقى فاسدة يؤدي إلى نشر الباطل.
الموارد المالية الحرام في الجمعيات الدينية
إن بعض الأموال التي يتم جمعها من أفراد مختلفين، سواء كانوا مؤمنين أو مجرمين، قد تستخدم في تمويل الأنشطة الدينية، لكن إذا كانت هذه الأموال حرامًا، فهي لا تُحلّ كما هو الحال مع اللقمة الطيبة التي تأتي من مصدر حلال. إذ لا يجوز أن تُستخدم الأموال التي تأتي من مصادر غير مشروعة في إقامة الشعائر الدينية.
الختام
في الختام، هذه الأعمال التي تروج للباطل سواء كانت في السينما أو المداحين أو حتى في جمع الأموال من مصادر مشبوهة، تشكل تهديدًا لسلامة الفكر الديني وتحرف المسار الديني الصحيح. وبالتالي، يجب أن يتم التأكد من أن هذه الأنشطة تُنفّذ بطريقة لا تُؤثر سلبًا على الدين والقيم الدينية، ويجب أن تكون جميع هذه الممارسات تحت إشراف دقيق ومتابعة من قبل الجهات المختصة.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): “وَشَرَى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّـهِ” (لقمان: 6). فسألت الإمام عن تفسير هذه الآية فقال: “إنها تشير إلى الغناء، وهو أحد مصاديق لهو الحديث.” وفي الحقيقة، كان الإمام (عليه السلام) يبيّن هذا المعنى بإظهار العلاقة بين عبادة الأوثان واللعب بالشطرنج في سياق تحريف الحقائق وترويج الباطل. كما أن أهل البيت عليهم السلام كانوا يواجهون نظاماً سياسيّاً فاسداً في زمانهم كان يروج لهذه الأعمال المفسدة، مثل الشطرنج الذي كان يستخدم كأداة قمار وتسلية تدفع الناس عن ذكر أهل البيت عليهم السلام وولايتهم، مستهدفين بذلك إبعاد الناس عن الدين ومحبّة آل محمد عليهم السلام.
فكما أن عبادة الأوثان كانت في السابق وسيلة لنشر الباطل وإخفاء التوحيد، فإن هذه الألعاب التافهة التي كانت تروج في زمن الأمويين والعباسيين، على سبيل المثال، كانت تهدف إلى إشغال الناس عن قضاياهم الدينية، وتحديداً في ربطها بنظام حكم فاسد كان يستغل ذلك لإلهاء العامة وإبعادهم عن ذكر أهل البيت عليهم السلام.
كما أنه في هذا السياق، فإن الغناء يندرج تحت ما يُسمّى “لهو الحديث”، حيث يشير إلى كُلّ حديث باطل يعمل على إضلال الناس عن الطريق المستقيم. وهذه الآية الكريمة تبيّن كيف كانت بعض الأعمال تتخذ شكلاً من أشكال التسلية التي تبعد الناس عن ذكر الله وعن المعارف الدينية السليمة.
فيما يخص حكم الغناء عند الإمام الصادق (عليه السلام):
سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن حكم الغناء وحصول النساء على دخل من الغناء، فأجاب: “التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس.” وهذا الحديث يُظهر أن الغناء الذي يحدث في نطاق الأعياد والمناسبات الدينية مثل الأعراس قد يكون جائزاً إذا لم يكن مصحوباً بفساد أو تجاوز للحدود الشرعية. أما الغناء الذي يتضمن اختلاطاً أو فساداً، فيكون محرماً.
النفاق الذي ينشأ من استماع الغناء:
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): “استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما يُنبت الماء الزرع.” بمعنى أن الاستماع إلى اللهو والغناء، لا سيما إذا كان صادراً من حكومة فاسدة أو بيئة ملوثة، يزرع النفاق في القلب ويؤدي إلى تدمير الروحانية والتوجه نحو العبادة والمعرفة الحقيقية.
المسؤولية عن ما يسمعه الإنسان ويراه:
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً.” حيث يوضح الإمام أن الإنسان مُسؤول عن كل ما يسمعه ويراه، سواء كان ذلك من الغناء أو من أي نوع آخر من اللهو الذي قد يؤدي إلى فساد النفس وتوجيهها بعيداً عن الطريق المستقيم.
في حديث آخر:
قال أحد الرجال للإمام الصادق (عليه السلام): “إذا دخلت المرحاض، كنت أسمع الغناء من جيراننا، فأحياناً أطيل الجلوس لأستمع إليهن.” فرد الإمام (عليه السلام) عليه قائلاً: “لا تفعل ذلك. ألم تسمع قوله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً؟“
ثم أكّد الإمام على أن الاستماع لما هو غير طاهر حتى من دون قصد، يعد من الأمور التي يُحاسب عليها الإنسان.
- تم الحفاظ على اللغة الأكاديمية في الترجمة مع الحفاظ على المعنى الديني والتاريخي للنصوص.
- استخدمتُ بعض المفردات الدينية الدقيقة لتوضيح معنى الأحكام في السياقات الإسلامية.
- من خلال بيان هذا الشخص، يتضح أنه لم يكن من المهتمين بقراءة القرآن الكريم، وإلا فإن هذه الآية هي من الآيات المشهورة التي تحظى بأهمية خاصة لدى معظم المؤمنين. قال هذا الشخص للحديث: “سأتوب عن هذا الذنب وأستغفر الله تعالى”.
- كان الجار المذكور لهذا الشخص، عادةً، يمتلك جواري قارئات ورقصات وكذلك نوادٍ ليلية. في تلك الأوقات، لم يكن هناك تراخيص للمقاهي أو النوادي الليلية، بل كان الأشخاص الذين يمارسون هذه الأنشطة يقيمون مثل هذه المجالس في بيوتهم. بعضهم كان يقيم حفلات للفساد، بينما كان البعض الآخر يتاجر بهذا النوع من الأنشطة. في كل الأحوال، كان غيرت العرب يدفعهم لإخفاء نسائهم في بيوتهم، وكانوا يقتصرون على الاختلاط بالجوارى الفاسدات أو النساء اللواتي يشتركن في مجالس الغناء والرقص.
- ووفقًا لبعض الروايات، كان هناك من يقيم هذه المجالس فقط في مناسبات الأعراس، وكانوا يتجنبون الاختلاط بين الرجال والنساء في تلك المجالس، حيث كان الرجال يدخلون فقط على الجواري المغنيات وليس على نسائهم العربيات.
- أما فيما يتعلق بالآية الكريمة التي تم الحديث عنها، فإنها كانت تستدعي الاهتمام الكبير. حيث أن القرآن الكريم، في آياته العديدة، يوجه المسلم نحو ترك الذنوب والتوبة الصادقة. ففي هذا السياق، عندما قال الشخص المعني: “سأتوب عن هذا الذنب وأستغفر الله”، كانت هذه العبارة تشير إلى الوعي الكامل بأهمية التوبة والإقلاع عن المعاصي.
- وبالنسبة للأعمال التي كانت تزاول في تلك المجالس، فإنها كانت تشمل ألواناً من الترفيه التي لا تتناسب مع القيم الدينية والإسلامية. كان يتجمع الرجال في تلك المجالس للاستمتاع بالرقص والغناء، بينما كانت النساء اللواتي في تلك المجالس لا يظهرن في الأماكن العامة بل كن جزءاً من هذه الأنشطة التي تُعتبر مخالفة للأخلاق العامة والشرع.
- إن تعبير الشخص عن رغبته في التوبة والابتعاد عن هذه المعاصي كان يعكس تغييرًا في فهمه للأمور، حيث بدأ يشعر بآثار الذنب على نفسه وحياته. توبة كهذه كانت تشير إلى إعادة تقييم لهويته وحياته الشخصية، وهو ما يعكس تطورًا في مسار الوعي الديني لدى الأفراد في هذا السياق.
الفقهاء وحكم اللهو
في الفقه، لم يتم فتح باب مستقل لدراسة حكم اللهو، وبالتالي لم يجد هذه الأمور مكانها المناسب. تم الإشارة إلى اللهو في باب صلاة المسافر، وكذلك في مسألة الشخص الذي يذهب إلى الصيد، أو في “المكاسب” في شكل حديث عام عن هذه المواضيع. سنعرض رأي الشيخ الأنصاري في مسألة اللهو في الجزء السابع من هذا الكتاب، حيث يتم التطرق إلى موضوع الرقص.
حرمة اللهو ودليل حرمة الموسيقى
في بداية البحث عن اللهو واللعب، ذكرنا أن الفقهاء لا يملكون دليلاً خاصاً لحرمة اللهو واللغو، بل يتمسكوا بالأدلة العامة التي تم ذكرها سابقاً. وهم يسعون من خلال هذه الأدلة لإثبات حرمة الغناء والموسيقى. نحن هنا، من خلال تحليل دقيق لأدلتهم، أثبتنا أن اللهو، واللغو، بذاتهما ليسا محرمين ولا يشكلان مشكلة بذاتهما. لا يمكن من خلال هذه الأدلة إثبات حرمة الغناء والموسيقى. نعم، إذا كانت هناك تبعات وآثار مذمومة، فإن اللهو واللغو يصبحان محرمين تبعاً لهذه الآثار. وبالتالي، فإن الحرام هو تلك التبعات وليس اللهو ذاته. ولذلك، لا يمكن اعتبار الغناء والموسيقى محرمين من هذه الناحية، إلا إذا كانت ترتبط بالآثار السلبية مثل الغفلة عن ذكر الله، أو الانشغال الدائم بالباطل، أو الخدمة لجهات استعمارية وعالم الاستكبار.
نتيجة البحث في اللهو:
اللهو هو أمر يُلهي ويشغل الإنسان. وإذا كان اللهو يؤدي إلى إغفال الإنسان عن الحق ويمنعه من أداء واجباته الشرعية، فإنه يصبح حرامًا.
الإرشاد في الآيات المذكورة
في نهاية هذا البحث، يجب التنبيه إلى نقطتين: الأولى هي أن الآيات والروايات التي تذكر اللغو، اللهو، والباطل، لأنها تتحدث عن أمور عقلائية وعقليّة، هي من باب الإرشاد وليست من باب التكليف. على سبيل المثال، في آية “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول” [157]، لا يُذكر ما هو متعلق بالطاعة، وهذه أوامر إرشادية لا تحمل تكليفاً. بمعنى آخر، “أطيعوا الله” تعني أنه يجب أن تكونوا مستعدين للطاعة عندما يُعرض عليكم ما يوجب الطاعة.
حجيّة الفعل المعصوم
فعل المعصومين يدل على الجواز بمعناه الأعم الذي يشمل الوجوب، الاستحباب، والإباحة. كما أن ترك الفعل يدل على الكراهة أو الحرمة. ولكن، ليس كل فعل يتركه المعصوم يُعتبر حراماً. على الرغم من أن المعصومين بعيدون عن كل لغو أو لهو أو باطل، لأنهم في قمة الكمال، إلا أنه بالنسبة للبشر العاديين الذين ليسوا معصومين، فلا يجوز تحريمه إلا إذا صدر نهياً من الشارع.
نتيجة الفصل الحالي
القرآن الكريم لا يعتبر ذات الغناء والموسيقى أمرًا فاسدًا أو محرمًا. بناءً على ذلك، فإن الغناء والموسيقى في حد ذاتهما أمر مباح، إلا إذا كانت تُستخدم لخدمة جهاز باطل وظالم، أو إذا أصبح الصوت باطلاً أو تحول إلى لهو يمنع عن أداء الواجبات. كما أن المبالغة في هذه الأنشطة وعدم مراعاة التناسب قد يُفضي إلى الحرمة. لتحقيق التناسب المناسب، يحتاج الأمر إلى زيارة كل فرد بشكل منفصل لتحديد حالته الداخلية وكماله الروحي، ومن ثم تحديد الحكم المناسب بالنسبة له في ما يخص الغناء والموسيقى.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.