فقه الغناء والموسيقى (الجزء الثالث)
()
حضرة آية الله
البحث في فقه الغناء والموسيقى
الغناء والموسيقى من منظور الأحاديث النبوية
(الأحاديث المتعلقة بالتحريم والتبيح، والأحاديث التي تناقش الآثار الوضعية للغناء والموسيقى ودراسات الحكمة فيها)
فقه الغناء والموسيقى / الجزء الثالث
()
بقلم سماحة السيد آية الله
المصدر: ، ، 1327 هـ ش –
العنوان: فقه الغناء والموسيقى: الغناء والموسيقى من منظور الأحاديث النبوية (الأحاديث المتعلقة بالتحريم والتبيح، والأحاديث التي تناقش الآثار الوضعية للغناء والموسيقى ودراسات الحكمة فيها) / تأليف .
مكان النشر: إسلام شهر، دار نشر ، 1393 هـ ش.
عدد الأجزاء: 7 أجزاء، هذا هو الجزء الثالث، 205 صفحة.
رقم الكتاب الدولي الموحد (ISBN): 978-600-6435-28-2 (للكتاب بالكامل) و 978-600-6435-19-0 (للدورة كاملة).
الفصل الخامس: فهرس وتاريخ الأحاديث المتعلقة بالغناء والموسيقى
الأحاديث التي تذم الغناء وآلات الموسيقى
تنقسم الأحاديث التي تتحدث عن الغناء والموسيقى إلى ثلاث مجموعات رئيسية: أحاديث التحريم، أحاديث التبيح، وأحاديث تناقش الآثار الوضعية والنفسية للغناء والموسيقى.
الأحاديث التي تتحدث عن تحريم الموسيقى تقسم إلى خمسة أقسام:
- تحريم الغناء.
- تحريم الغناء في تلاوة القرآن الكريم.
- تحريم العزف واستخدام الآلات الموسيقية.
- تحريم غناء النساء والنواح.
- تحريم أجر الغناء.
أما الأحاديث التي تتحدث عن جواز الغناء فتنقسم إلى:
- جواز الغناء في الغناء العادي.
- جواز الغناء في القرآن الكريم.
- جواز استعمال الآلات الموسيقية.
- جواز غناء النساء والنواح.
- أحاديث تتحدث عن إباحة دخل النساء الغنيات والنواحات.
أما المجموعة الثالثة من الأحاديث فتناقش الآثار الوضعية لاستعمال الغناء والموسيقى، وهي ضمن دراسات “الموسيقى العلاجية” و”حكمة الأحكام”، وتنقسم إلى:
- أحاديث تبين الآثار السلبية للإفراط في الغناء والموسيقى أو استعمال المحرم منها.
- أجزاء من حديث مفصل تحلل فلسفة جواز الصوت الغنائي واستعمال الآلات الموسيقية.
نقوم في هذا البحث بتحليل ودراسة كل حديث على حدة لفهم دقيق لمعناه ومقصده، كما ندرس السياق الزمني والتاريخي بدقة.
(يتبع تفصيل الأحاديث حسب التصنيفات المذكورة)
- قال إبراهيم بن أبو بلاد: أوصى إليّ إسحاق بأن أبيع جواريه الغنّاءات، وأوصل ثمنهنّ إلى الإمام. فقلت: قد فعلت، وبعتهنّ بثلاثمائة ألف درهم، وأوصلت الثمن إلى الإمام، وقلت له: أوصى إليّ أحد المواليين وأحبّائكم بهذا الأمر، وهذا مال الجواري المغنيات. فقال الإمام: لا حاجة لي بهذا المال، هذا مال باطل وحرام، تعليم النساء الغناء كفر، وسماع أصواتهنّ نفاق، وثمنهنّ سحت وباطل.
- وقال محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: خرجت أريد داود بن عيسى بن علي، وكان ينزل في بئر ميمون، وعليّ ثوبان غليظان، فرأيت امرأة عجوزاً معها جاريتان، فقلت: يا عجوز، هل تبيّع هاتين الجاريتين؟ فقالت: نعم، لكن لا يشتريهما مثلُك. فقلت: ولم؟ قالت: لأنّ إحداهما مغنية والأخرى عازفة.
- رُدود وأثر الاستماع إلى الغناء والموسيقى:
- قال محمد بن يحيى عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن زيد الشحّام: قال أبو عبد الله عليه السلام: “بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخلها الملك.”
- وقال الإمام الصادق عليه السلام: الغناء ودار الغناء لا أمن لهما من الموت المفاجئ، ولا يستجاب الدعاء فيهما، ولا تدخل الملائكة.
- وقال عليه السلام: “لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد، ولا يستجاب دعاؤهم، وترتفع عنهم البركة.”
- وقال سهل عن إبراهيم المديني، عن أبي عبد الله عليه السلام: سُئل عن الغناء وأنا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوت الله معرضاً عن أهلها.
- وقال جعفر بن محمد عليه السلام لرجل من أصحابه: أين كنت أمس؟ قال الرجل: مررت بفلان فدخلني داره، وأخرج إليّ جاريته تغني، فقال: أمن الله على أهلك ومالك؟ إن هذا مجلس لا ينظر الله إلى أهله.
- قال أبو عبد الله عليه السلام: “إن شيطاناً يُقال له القفندر، إذا ضرب في بيت رجل أربعين يوماً بالبربط، دخل على ذلك الرجل، ووضع كل عضو منه على مثيله في صاحب البيت، ثم نفخ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار.”
- وقال الإمام الرضا عليه السلام: من أبقى في بيته آلات موسيقية كالطنبور أو العود أو غيرها وأدوات الملاهي مثل الشطرنج وأشباهها أربعين يوماً، فقد وقع في غضب الله، وإن مات في اليوم الأربعين مات فاجراً فاسقاً، مأواه النار وبئس المصير.
- وقال أمير المؤمنين عليه السلام: “ترك خيوط العنكبوت في البيت يورث الفقر، والبول في الحمّام يورث الفقر، والأكل على الجنابة يورث الفقر، وكثرة الاستماع إلى الغناء يورث الفقر، وردّ السائل الذكر بالليل يورث الفقر.”
- وقال الإمام الصادق عليه السلام: “الغناء أخبث ما خلق الله عز وجل، الغناء أشرّ ما خلق الله، الغناء يورث الفقر والنفاق.”
- وقال عليه السلام: “الغناء غلّ ونفاق، وهو ناخالصيّة ونفاق ذو وجهين.”
- وقال الإمام الباقر عليه السلام: “الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت النخل الطلع.”
- وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يظهر في أمتي الخسف والقذف حينما تظهر المعازف والقينات وشرب الخمور، والله ليبيتَنّ أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب، فيصبحون قروداً وخنازير لاستحلالهم الحرام.”
- وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، واتّباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وعند ذلك يكون قوم يتعلّمون القرآن لغير الله، ويتخذونه مزامير، ويكون قوم يتفقّهون لغير الله، وتكثر أولاد الزنا، ويتغنّون بالقرآن، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”
- وقال الإمام علي عليه السلام: “تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يستشهدوا، وعلى الذين يعملون عمل قوم لوط، وعلى قوم يضربون بالدفوف والمعازف.”
- وقال الإمام الصادق عليه السلام: “الغناء رقية الزنا.”
- وقال أبو عبد الله عليه السلام: “من تزكّى نفسه عن الغناء فله في الجنة شجرة يأمر الله عز وجل الرياح أن تحركها، فيسمع منها صوتاً لم يسمع بمثله، ومن لم يتزكّ عنه لم يسمع.”
- وقال عليه السلام: “من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عز وجل فقد عبد الله، وإن كان يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان.”
البحث في حكم الغناء والموسيقى في الفقه الإسلامي: ترجمة أكاديمية فصيحة
- من استمع إلى السامع فقد عبدَه، فإن كان المتكلم عن الله فقد عبد الله، وإن كان عن الشيطان فقد عبد الشيطان.
(عن محمد بن مسعود العياشي في تفسيره عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان إبليس أول من تغنى، وأول من ناح، وأول من حدا، لما أكل من الشجرة تغنى، فلما هبط حدا، ولما استقر على الأرض يذكر ما في الجنة ناح.) - إبليس كان أول من غنى، وأول من ناح ونوح، وأول من أصدر أصواتًا مُغنية. لما أكل آدم من الشجرة المحرمة غنى إبليس، ولما نزل آدم إلى الأرض تلا الأناشيد، ولما استقر على الأرض وذكر ما كان في الجنة بدأ إبليس بالنواح.
(ورُوي عن أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما رفع أحد صوته بالغناء إلا بعث الله شيطانين على منكبيه، يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك.)
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرفع أحد صوته بالغناء إلا أرسل الله عليه شيطانين على كتفيه يضربانه بأذيالهم حتى يتوقف عن الغناء.
(عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: المؤمن يعافى اللهو ويألف الجد.)
وقال عليه السلام: ليس بعاقل من وَلَهَ باللعب واستهتر باللهو والطرب.
- المؤمن يبتعد عن اللهو ويتعلق بالأمور الجدية.
- من يلهو ويلعب ويُظهر لهوه وطربه فهو غير عاقل.
(قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استمع إلى اللهو يذاب في أذنه الآنك.)
- من يستمع إلى اللهو كأنما يذوب في أذنه رصاص مصهور.
(عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث عن من يطلب الصيد لللهو قال: إن المؤمن في انشغال عن ذلك، وشغله طلب الآخرة عن الملاهي. والملاهي تورث قسوة القلب ونفاقاً، وضرب الصوالج مصاحبة الشيطان، وتنفر الملائكة عنه، ولا يُجزى إذا أصابه شيء، ومن أضر بحيوانه ومات دخل النار.)
- المؤمن يبتعد عن اللهو والملهيات التي تؤدي إلى قسوة القلب والنفاق، والملاهي سبب رقص الشيطان وابتعاد الملائكة، ولا ينال الأجر إذا أصابه مكروه بسبب ذلك، ومن تسبب في موت دابته دخل النار.
(في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: قال: يا علي، ثلاثة يقسون القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وأتيان باب السلطان.)
- هناك ثلاثة أشياء تقسو القلب: سماع اللهو، السعي وراء الصيد، والذهاب إلى باب السلطان.
استنباط الأحكام الشرعية:
إن استخراج الحكم الشرعي من الأدلة النقلية أمر معقد وشاق. يتطلب تقييم الأدلة دقة متناهية لمعرفة هل الدليل عام أم خاص، ظني أم قطعي، ظاهر أم نص، وهل فيه انصراف أو شبهات، وما إذا كانت هذه الشبهات مفهومية أو تطبيقية، وهل الدليل أخص من الموضوع أم أعمّ، وما هو مناط الحكم، وهل الدليل مستند إليه أم لا.
من الأمور المهمة في استنباط الحكم هو فهم موضوع الحكم وتغيراته مع مرور الزمن وتغير الظروف، كما في مثال “سحب ماء البئر” حيث تغير الحكم بتغير معرفة مصدر الماء.
استخراج الفتوى قد يكون أصعب من العمليات الجراحية الدقيقة ويتطلب معرفة واسعة بالعلوم وقواعد الاستنباط الشرعي.
بعض الروايات التي ذمّت بعض الأقوام يجب فهمها في سياق زمانها، فلا يجوز تعميمها على الأجيال الحالية، لأن الموضوع يتغير وتغيره يستوجب تغير الحكم.
مثال: إذا كان تناول الفستق إلى جانب الخمر محرماً في رواية، فلا يعني أن كل الفستق محرّم بغض النظر عن السياق.
في بحث حكم الغناء والموسيقى، يجب الانتباه لوجهة الشريعة كاملة، وليس فقط آراء العلماء، ولا بد من فهم مقاصد الأولياء والمعصومين، ومعرفة موضوع الغناء والموسيقى وتأثيراتها.
كما هو الحال في الفلسفة التي تفرق بين الجوهر والعرض، لا يمكن نسب حرارة إلى الوجود ككل، بل إلى المادة فقط. كذلك يجب فهم أن موضوعات الأحكام ليست ثابتة وقد تختلف بحسب الظروف.
هل حرمة الغناء والموسيقى جاءت بسبب انصراف الناس عن الدين؟ إذا كان الأمر كذلك، فحرمتها عرضية وقد تزول إذا أدى الغناء والموسيقى إلى تقوية الإقبال على الدين.
يجب عدم الوقوع في مغالطات الخلط بين العارض والجوهر عند إصدار الأحكام.
يجب على الفقيه أن يعرف تاريخ الموضوع والتغيرات التي طرأت عليه ليصدر فتوى موثوقة.
تاريخ الموسيقى وألحان العرب:
كان للموسيقى والألحان الحربية دور شائع قبل الإسلام بين العرب، مثل “الرجز” و”النصيب”. كان لديهم طبل وبوق فقط، وكان “الغناء” مرتبطًا بالشعر، وكانت فترة الجاهلية فترة ازدهار الشعر والموسيقى.
كانت هناك ألحان للرحلات تُسمى “الحُدا” و”الحبا” وغيرها، وكانت الموسيقى البسيطة تلائم عادات العرب القبلية.
أشهر من عرف بالغناء والموسيقى في الجاهلية “اعشى بن قيس”، الذي نقل آلات الموسيقى من إيران إلى العرب.
الموسيقى في عهد الخلفاء الظالمين:
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ضعفت مكانة الغناء والموسيقى، وابتعد الناس عنها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكره الموسيقى ويجنبها المسلمين.
لكن الأمويين الذين حكموا بعدهم أعادوا بناء الدولة على أسس ملوكية، وشجعوا على اللهو والغناء، وأدخلوا الموسيقى الفارسية والرومانية إلى الثقافة الإسلامية.
الأمويون أحبوا القصور والعزائم، وانتشرت فيها الموسيقى والأغاني.
كان للأمويين دور كبير في تغيير الثقافة الدينية، وشنوا حملات ضد آل النبي، وأثاروا الفتن بينهم.
كانت عائشة تقود جماعة من المتآمرين ضد آل البيت، وكانت وراء خلفاء السقيفة.
خلاصة:
هذه الدراسة تهدف إلى دراسة حكم الغناء والموسيقى من خلال مراجعة الأدلة النقلية وفهم تاريخ الموضوع، مع مراعاة التغيرات الزمانية والمكانية، للوصول إلى حكم شرعي دقيق متوازن.
- الدولة العباسية والموسيقى
- في عهد الخلفاء العباسيين، تأسست الموسيقى الإسلامية على أسس وقواعد الموسيقى الإيرانية، حيث حلّت المقامات والألحان الموسيقية الإيرانية، التي توافقت مع الذوق العربي، محل الموسيقى العربية، فأصبحت موسيقاهم مرتكزةً على الموسيقى الإيرانية.
- أشهر الموسيقيين في القرون الأولى من تاريخ إيران بعد الإسلام كانوا من الذين عاشوا في بلاط الخلافة العباسية في بغداد أو ضمن حدود حكم العباسيين. كانوا غالبًا من مَن يتقربون إلى الخلفاء وأمراء العباسيين. من بينهم إبراهيم بن ماهان المعروف بـ”الموصلي” وأبناء وأحفاد وأقارب إسحاق وحماد وزلزَل الذين اشتهروا في تلك الحقبة.
- في فترة النزاع بين الأمويين ومنصور الدوانيقي، استغل الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الفرصة مع تراجع التهديدات نسبيًا، ليعلم بعض علوم وأحكام الدين لأصحابه. وقد تحدث الإمام الصادق (عليه السلام) عن فوائد الغناء والطرب، واعتبر كسب بعض المطربين والعازفين حلالًا، وقد وردت رواية هامة له في كتاب التوحيد لمفضل في هذا المجال.
- رُوِيَتْ أحاديث تُحرّم الغناء والموسيقى عن الإمام الكاظم (عليه السلام). وفي تلك الأزمان، كان هارون الرشيد من المنغمسين في اللهو والشهوات، حيث كان يحتفظ بجميلات من الشباب، منهم مثلي وابن جامة وسهماً وزلزال وغزال وبرسوما، وكان يستمتع بصحبتهم واختلاطهم بالنساء.
- كان هارون الرشيد يستغل اسم “أمير المؤمنين” الذي أطلقه على نفسه للقيام بأعمال فاجعة ومخزية، مما شوه هذا اللقب المقدس. لهذا السبب كان الأئمة (عليهم السلام) ينهون الناس عن مناداتهم بهذا اللقب، لأنه مخصّص للإمام علي (عليه السلام) فقط، كي لا يستغلّه الآخرون لأغراض سياسية.
- كما كان لهارون غلام وسيم الصوت يُدعى “سوسن” يتغنى له، وكان يتصرف معه كالفتيات، حيث كانت قيمة هؤلاء الصبيان تفوق البنات في ذلك الزمان، وكانوا يزينون أنفسهم كالنساء. توقف سوسن عن الغناء بعدما اقترن بكنّية. هذه الأوصاف تظهر فساد أخلاق السلاطين العباسيين ودور الغناء والموسيقى في خدمة أهدافهم الفاسدة.
- بلغت الموسيقى العربية ذروتها في عهد المأمون، الذي كان يزعم زورًا شرعية غنائه وموسيقاه منسوبةً إلى الإمام الرضا (عليه السلام). ولخوفه من نفوذ الإمام وأتباعه، وضعه تحت الرقابة في بلاطه، وحاول منافسة مذهبه العلمي بدعم الفلسفة اليونانية وترجمة كتبها، ليصرف المسلمين عن سماع صوت المعصومين. كما روج للغناء والآلات الموسيقية في تلك الفترة لخدمة سياساته.
- كانت الموسيقى في زمن الأمويين والعباسيين تحت سيطرة القوى الاستعمارية الزائلة، ويشبه ذلك فتوى تحريم التبغ في عهد ميرزا شيرازي، حيث اعتُبر التبغ أداة استعمارية، فحُرم. وإذا استُخدم القرآن أو الصلاة أداةً للشر والاستعمار، كما فعل معاوية في صفين، فإن قراءته تصبح محرمة.
- إذا أردنا ذكر من عرف فضائل الأئمة (عليهم السلام) بين الطغاة، نجد معاوية والمأمون فقط. أما عمر بن عاص فقد كان تلميذ معاوية رغم علمه. كيف نشأ هؤلاء ليكونوا ضد المعصومين؟ ابن أبي العوجا كان من ألد أعداء الإمام الصادق (عليه السلام).
- للأسف، ما نملكه اليوم من مسائل الولاية لا يتعدى السجع والروضات ولبس الأسود، ونغفل الجوانب المعرفية الحقيقية.
- في عهد الأئمة (عليهم السلام)، كانت غربتهم في أقصاها، واضطروا للتقية، حتى جاء في الروايات: “التقية ديني ودين آبائي”. الإمام علي (عليه السلام) كان صبورًا حتى على الإهانات العلنية في المسجد. بعد كربلاء، لم يرَ أهل البيت (عليهم السلام) فرحًا، وأي شعر في مدحهم كان كأنه بذل للنفس والدم. القمع والاستبداد حرما الشيعة من مجالس الفرح والموسيقى. حتى اليوم، تنتهي مجالس الأفراح بالنوح على الإمام الحسين (عليه السلام). لم يبقَ للشيعة مجال فرح دنيوي سوى زمن الظهور.
- تعاظمت غربتهم حتى جاء الغيبة الكبرى ليُحفظ حياة الإمام المهدي (عجل الله فرجه).
- لا يستطيع إلا من عاش تلك الظروف أن يفهمها حق الفهم. في عهد النظام البهلوي، تعرض الثوار الولائيون لتعذيب السافاك. رضاخان كان يسعى لتدمير الثقافة الشيعية، وفرض قيودًا أشد من متوكل العباسي، حتى منع مجالس العزاء علانية.
- مع سيطرة جبهة الباطل على فن الغناء والموسيقى، ابتعدت جماعة الحق عنها. فقد أصبحت الأدوات الموسيقية وسيلة لتمكين الظلم، فلا يجوز استخدامها في خدمة الباطل.
- في الروايات، لم يُذكر معنى الغناء بشكل مباشر، لأن الشيعة الحقيقيين كانوا قلة وعرفوا معنى الغناء. الأدوات الموسيقية كانت في يد الطغاة، ولم يثبت عن الأئمة جواز استخدامها إلا في أضيق الحدود، وكانت تحريمها لزمان غياب الدولة الشيعية. أما إذا تغيّرت الظروف وحكمت ولاية أهل البيت، فالموسيقى في خدمة الدين تكون جائزة.
- كانت الموسيقى في المدن كلها تحت قبضة الطغاة، ولم يكن للشيعة حق استعمال الطبول أو الغناء إلا في الخفاء. استخدام الأدوات الموسيقية في خدمة الباطل يعد تبنيًا للحكم الجائر، ولهذا كان الحكم بالتحريم.
- لكن الأدلة الشرعية في الموسيقى والغناء لا تحكم بالتحريم المطلق للصوت الجميل، فقراءة القرآن بالصوت الحسن مستحبة.
- الأدوات الموسيقية المذكورة في الروايات لم تتغير عبر الزمن، لكنها كانت من أدوات الطغاة، فلا تشمل ما يملكه المؤمنون أو شعراء أهل البيت (عليهم السلام).
- في عهد الأئمة (عليهم السلام) لم يكن هناك من يشبه دعبل خزاعي، وكل الشعراء كانوا في بلاط الطغاة، وكانت الموسيقى بأكملها في خدمة الباطل. فحكم التحريم للموسيقى حكم ظرفي وليس ذاتي، وإذا كانت الموسيقى في خدمة الحق وخالية من المحرمات، فلا مانع شرعي منها.
- نُشير إلى أن تاريخ الغناء والموسيقى موثق بتفصيل في كتاب “التاريخ التحليلي للموسيقى في الإسلام”، ونُحيل القارئ إليه لمزيد من الفهم.
البند الخامس: روايات إباحة دخل النساء المغنيات والمنّاحات
(١) عن أحمد بن محمد عن البرقي، عن عبد الله بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، ما تقول في النصرانية، أشتريها وأبيعها من النصارى؟ فقال: اشتر وبع. فقلت: فأنكح؟ فسكت قليلاً ثم نظر إلي وقال كأنّه يخفّي: هي لك حلال. فقلت: جعلت فداك، فأشتري المغنية أو الجارية التي تحسن الغناء وأريد بذلك الرزق لا غير؟ قال: اشتر وبع.
- سألت الإمام الرضا عليه السلام عن حكم كنيز مسيحي أشتريها من رجل مسيحي، فقال لي الإمام: اشترها وبعها. فسألت: هل أنكحها؟ فصمت الإمام لبعض الوقت، ثم نظر إليّ وقال بصوت منخفض: هي لك حلال. فقلت: قربانك، هل يجوز لي أن أشتري نساءً مغنيات أو جواريّ يتقنّ الغناء وأكسب رزقي منهن ولا أريد منهن شيئاً آخر؟ فأجابني الإمام: اشتر وبع.
(٢) عن أحمد عن حكم الحنّاط، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها.
- قال الإمام الصادق عليه السلام: المرأة المغنية التي تغني في مجالس العرس ومراسم تزويج العروس لا حرج في دخلها.
(٣) عن أحمد بن محمد عن الحسين، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحرّ، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست التي يدخل عليها الرجال.
- قال الإمام الصادق عليه السلام: أجر المرأة المغنية التي تحضر مجالس العرس ومراسم نقل العروس إلى منزل زوجها ولا تقبل الاختلاء بالرجال الأجانب، لا بأس به.
(٤) وعنه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن كسب المغنية والنائحة، فكرهه.
- سماعة يقول: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن دخل النساء المغنيات والمنّاحات، فأبغضه الإمام.
(٥) محمد بن علي بن الحسين قال: قال عليه السلام: لا بأس بكسب الناطقة إذا قالت صدقاً.
- دخل المرأة الناطقة (النوّاحة) إذا كانت تنوح بصدق لا حرج فيه.
(٦) قال: وسئل الصادق عليه السلام عن أجر الناطقة؟ فقال: لا بأس به، قد ناح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
- سئل الإمام الصادق عليه السلام عن حكم أجر النساء النواحات، فقال: لا بأس به، فقد كانت نساء ينوحن على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
(٧) علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عذافر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وقد سئل عن كسب الناطقة؟ فقال: تستحلّه بضرب إحدى يديها على الأخرى.
- سئل الإمام الصادق عليه السلام عن حكم دخل النساء النواحات، فقال: إذا كانت تضرب إحدى يديها على الأخرى كعلامة على الحزن وليس أكثر، فلا بأس.
(٨) وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل جميعاً، عن حنان بن سدير قال: كانت امرأة معنا في الحي ولها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي فقالت: يا عمّ، أنت تعلم أن معيشتي من الله ثم من هذه الجارية النائحة، وقد أحببت أن تسأل أبا عبد الله عن ذلك، فإن كان حلالاً، وإلا بعتها وأكلت من ثمنها حتى يأتي الله بالفرج. فقال لها أبي: والله إني لأعظّم أبا عبد الله عليه السلام أن أسأله عن هذه المسألة. قال: فلما قدمنا عليه أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتشارط؟ فقلت: والله ما أدري تشارط أم لا. فقال: قل لها لا تشارط وتقبل ما أعطيت.
- يقول حنان: كانت امرأة في حيّنا تملك جارية نائحة، فجاءت إلى أبي وقالت له: تعلم أن رزقي من الله ثم من هذه الجارية النائحة، وأردت أن تسأل الإمام الصادق عليه السلام عن حكم ذلك، فإن كان حلالاً أبقيتها، وإن لم يكن باعتها وأعتمدت على ثمنها إلى أن يرزقنا الله، فقال أبي: والله إني لأجلّ الإمام أن أسأله في هذا الموضوع. فلما التقينا بالإمام أخبرته بالأمر، فقال: هل تشترط أجراً؟ فقلت: لا أعلم، فقال: قل لها لا تشترط أجراً وتقبل ما يُعطى، فلا حرج.
(٩) عن أيوب بن الحرّ، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس بأجر الناطقة التي تنوح على الميت.
- قال الإمام الصادق عليه السلام: أجر النساء النواحات على الميت لا حرج فيه.
- النصّ:
- هذه الرواية تدلُّ على حرمة استخدام آلات الغناء الباطلة في تلاوة القرآن الكريم. فقد قال النبيّ الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «أخافُ يومًا يُستخفُّ فيه بالدين». والاحتقار للدين من الأحداث التي ستشهدها أُمّة آخر الزمان. ومن الممكن تفسير “الدين” بمعنى الدين الماليّ، أي أن الدين لا يُؤخذ على محمل الجدّ. وكان من منهج الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: «لا أطيقُ أن أكون مدينًا»، فالشخص الذي لا تؤثر عليه فكرة الدين لا يستطيع سداده، أما الذي يضع همّه على السداد فبإمكانه النجاة من الدين وتسديده، ولكن للأسف، الناس خالون من هذا الفكر، فتصبح السجون ممتلئة بالمُدِينين بأوراقٍ مُرتجعة.
- أما المقولة التي موضوع البحث في هذه الرواية فهي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أخافُ يومًا تُقرأ فيه القرآن كالمزمار». والمزمار هو الناي. والمقصود بالمزمار ليس أن يُعزف الناي أثناء التلاوة، بل أن يُقرأ القرآن الكريم بأسلوب مزمار، أي تُؤدّى تلاوته وترتيله بأنماط موسيقية متداولة في الغناء.
- حرمة الخلط بين أنماط التلاوة القرآنية وأنماط الغناء اللّهو
- إنّ النظر في أساليب الأغاني والموسيقى العربية الحالية يبيّن أنَّ كثيرًا من ألحانهم وأغانيهم تشبه أسلوب القرآن الكريم، والعكس صحيح أيضًا. بعض القرّاء اليوم في العالم العربي يستخدمون في تلاوتهم أساليب مستوحاة من الأغاني التي تُغنّى في الملاهي، ولديهم صوت جميل، لا سيما القراء العرب الذين لهم أسلوب خاص. جهاز الحجاز في القرآن واحد من الأنماط التي تُغنّى في الملاهي العربية المفضلة لدى البعض. بعض القرّاء أو المغنيين يخلطون بين أسلوب تلاوة القرآن وأسلوب الأغاني، فيقرأون القرآن كأنه أغنية، أو يغنون الأغاني بأسلوب التلاوة. وفي هذه الحالة يمكن القول إن القرآن يُقرأ بأسلوب باطل، والباطل هنا هو الطرب والشهوة، إذ يصبح صوت القارئ صوت لهو، لأن الصوت أو النغمة إمّا تكون شهوانية تحرك الجسم للرقص، أو تكون مهيبة تهيئ النفس للدعاء والتضرع والصفاء الروحي. صوت الغناء الحرام له طبيعة مختلفة عن صوت الوقار الحلال، مع أنهما منطلقان من الصوت ذاته. وهذا يشبه الفرق بين الزواج والزنا، فكلاهما له صورة واحدة لكنه يختلف في المضمون والجوهر. والتفريق بينهما، خصوصًا من الناحية المنطقية والتعريف الشامل، أمر صعب ويحتاج إلى خصائص تتعلق بالمضمون والمعنى والكلمات والعادات الاجتماعية السائدة في كل مجتمع.
- الأمر المهم في هذه الرواية
- هو التحذير من استعمال الغناء اللّهو، مع إظهار تفوق الشخص غير الكفء على منصب الإدارة، حيث تبيّن العلاقة الوثيقة بين حرمة هذا النوع من الغناء ووجود الجبهة الباطلة والدولة الظالمة.
- اللفظ العربي للرواية
- قال محمد بن يعقوب عن علي بن محمد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اقرءوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة، وقلوب من يعجبه شأنهم».
- أي: اقرأوا القرآن باللهجة العربية الأصيلة وبصوت العرب، واحذروا تلاوة القرآن بألحان أهل الفسق والمعاصي، فبعدي سيأتي قوم يقرؤون القرآن على نحوٍ يغلب عليه الغناء والنوح والرهبانية، ولا يجوز تعظيمهم، لأن قلوبهم وقلوب من يعجب بهم مقلوبة وغير سليمة.
- هذه الرواية تتحدث عن أسلوب تلاوة القرآن الكريم وتوصي بقراءته بلهجة العرب وليس بألحان الغناء العجمية. وهذا لا علاقة له بحرمة الغناء أو حليته، بل كأنه نهي عن رفع الصوت أو الصراخ في المسجد، حيث لا يدل النهي على تحريم الصراخ، بل على كراهة رفع الصوت داخل المسجد وليس خارجه. وهنا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينها عن التلاوة بأسلوب الغناء.
- آداب تلاوة القرآن الكريم
- الرواية تحذر من التلاوة بأسلوب غنائي، ولا تقول إن الغناء حرام، لكنها تشير إلى أن البعض سيقرؤون القرآن بأسلوب العزاء والنوح، كما تفعل بعض الجماعات من أهل السنة حين يثيرون الفوضى أثناء التلاوة ظانين أنهم يشجعون القارئ، مع أن القرآن يأمر بالصمت والتفكر أثناء التلاوة لا بالضوضاء. وهذا الأسلوب بعيد عن الفكر الديني، وحتى الخطباء الذين يرفعون الصوت ويحدثون ضجيجًا يخالف النهج الديني، فالكلام المحسوب والقيم يقال بهدوء وهيبة.
- القراءة بلحن العرب
- يجب قراءة القرآن بلغته العربية الأصيلة، لأنّ نغمة الصوت في التلاوة تختلف عن نغمة الغناء، لذا لا يجوز قراءته بالفارسية أو بأي لغة أخرى غير العربية. وقد يقال إن بعض القراءات الجميلة مثل أذان المؤذن زاده الأذربيلي لا يعتبره العرب أذانًا حقيقيًا لأنه يعتقدون أنه يغني، وهذا يتفق مع توصية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقراءة القرآن بلهجة العرب.
- الخلاصة
- الرواية تؤكد على أهمية قراءة القرآن الكريم باللهجة العربية الأصيلة وبدون تقليد أساليب الغناء، وتحذر من تحوّل التلاوة إلى مجرد ترنيم موسيقي يشبه الأغاني الطربية، حيث يؤدي ذلك إلى طمس خصوصية القرآن وتميّزه، وهو ما يعد مخالفة لأداء التلاوة الشرعي واللائق.
- النص المترجم:
- إن القرآن الكريم نزل على العرب الذين كانت لهم حياة ثقافية خاصة. كما ذكرنا، كان قارئ مثل أم كلثوم نموذجًا من هؤلاء القرّاء. تقليد أم كلثوم أتاح فرصًا لعرض الغناء في المقاهي و أماكن الرقص بأجمل الأساليب الممكنة، ونتيجة لذلك أصبح هذا الكتاب القانون الإلهي قانونًا لهؤلاء الموسيقيين. وقد نُهي في الروايات عن مثل هذه الأمور. فقد قامت عائشة – رضي الله عنها – في السنوات الأولى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، في وسط المشركين، بقراءة آيات من سورة التين.
- القراء العرب يقرؤون (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ) على مقام الحجاز والزابل بطريقة تجعل أشعار حافظ وسعدي، التي أحيانًا يقرأها الفاسقون في أماكن الرقص، تخجل أن تظهر بمظهر المنافسة. أحيانًا تُقرأ أشعار هذين الشاعرين الفارسيين في البيوت الغنائية بطريقة توحي بأن ديوان حافظ وبوستان سعدي كتاب للغناء فقط، وقد فقدا حقيقتهم العرفانية. ولهذا نهت الرواية عن أن يصاب القرآن الكريم بمثل هذا الضرر، ويبقى كتاب حياة خالٍ من هذا التلوث، ونظرنا نحن أيضًا إلى هذا النهي على أنه تحريم.
- للأسف، من الإعلامات اللهوية العربية وبيوت الغناء الفاسدة لا يُسمع شعر بدون ذكر «ربي» أو «يا الله»، وهم يريدون أن يغطوا سوء عملهم بهذه الأذكار المقدسة.
- الجهاز الصوتي الخاص بالقرآن
- يجب أن نعلم أننا نقول: لا ينبغي حتى قراءة القرآن الكريم بالأجهزة الصوتية العادية والعربية، لأن القرآن له لغته ولهجته وإيقاعه ونغمة خاصة به، ولا يجوز أن يُقرأ بلغة أجنبية، والروايات تنهى عن كل هذه الأمور.
- يقول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، أي إننا نحفظ لحن القرآن الكريم وننزهّه عن اختلاط الألحان الأخرى. فالقرآن بحر عميق يحتوي على كل شيء، فكيف لا يكون له لحنه الخاص؟ أبداً.
- لو تطورت المجتمعات، يمكن أن يُكتب في الرسائل العلمية أن قراءة القرآن الكريم بالبيات الترك مثلا، رغم أنها ليست غناءً، حرامٌ، لكن مجتمعنا الآن لا يمتلك ثقافة تسمح بطرح مثل هذه النقاشات، ونحن نعيش في مجتمع تقليدي. قد تكون أمور محرمة، لكن لا يمكن التحدث عن تحريمها لكون الحديث عنها قد يدفع المجتمع نحوها.
- الغناء بالقرآن الكريم بألحان لهوية الفسق وأسلوب المغنيات المنحرفات كأم كلثوم وغيرهن ممن يغنين في مجالس الفساد، حرام.
- الغناء الخاص بأهل الفسق يختلف عن غناء أهل الإيمان، ويجب ألا يستخدم القرّاء المؤمنون أساليب أهل الفسق في الغناء.
- حرمة استعمال الآلات الموسيقية
- تُحلل هذه الفقرة مسألة استعمال بعض الآلات مثل الطبلة. فالطبلة كانت في زمن الروايات من أدوات الموسيقيين في البلاط، وكانت تُستخدم في الحرب كذلك.
- …
- الخلاصة:
- النص يحث على احترام خصوصية القرآن وعدم خلطه مع الموسيقى الفاسدة أو الأساليب التي تضر بحرمة النص. كما يوضح أن استعمال الآلات الموسيقية التي كانت مرتبطة بالفسق والفساد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم محرّم، مع الإشارة إلى ضرورة مراعاة ظروف الزمن والمجتمع في تطبيق الأحكام.
- البحث في إثم معاداة الولاية
الفصل السادس / دراسة تحليلية لروايات الغناء والموسيقى - ـ جامع الأخبار: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يُحشر صاحب الطنبور يوم القيامة وهو أسود الوجه، وبيده طنبور من نار، وفوق رأسه سبعون ألف ملك، بيد كل ملك مقمعة، يضربون رأسه ووجهه، ويحشر صاحب الغناء من قبره أعمى وأخرس وأبكم، ويحشر الزاني مثل ذلك، وصاحب المزمار مثل ذلك، وصاحب الدف مثل ذلك»[106].
- في هذه الرواية، يُعتبر المغنّي في مرتبة الزاني؛ لأن عمله الأساسي كان في بيت الغناء، كما ذُكر سابقاً، حيث كان الغناء والموسيقى موجهين للنساء والجاريات اللواتي لم يَكُنّ يمتنعن عن ارتكاب أي ذنب أو فحشاء، وكان استخدام الغناء والموسيقى غالباً محرماً، ولا تحقق منفعة حلالاً. وهذا الأمر يشبه الدماء، والمني، وغيرها من النجاسات التي لم تكن ذات قيمة مادية في السابق وكانت محرمة، ولكن الآن يُتصور لها استخدام ومنفعة حلالتان، فبذلك يُمكن بيع الدم والمني بعد تغيير موضوعهما، ويبقى حكمهما ثابتاً دائماً.
- لدينا روايات تُذم الشعر والشعراء، لكنها تخص الشعراء الذين يحملون في أشعارهم مضامين باطلة، جاهلية، وكفرية، أو من كانوا يمدحون الحكام الظالمين لأجل المال، ويبيعون دينهم ويستخدمون الشعر في خدمة أجهزة الخلافة والظلم. أما إذا كان الشاعر يستخدم شعره في سبيل نشر أهداف الإسلام وشعار التوحيد، وينشر العدل والإنصاف والشجاعة والنقاء، فيكون مشجعاً عليه. فَرَزدَق مثلاً كان من هؤلاء الشعراء الذين استخدموا مواهبهم الشعرية في نشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي المقابل، كان هناك من يبيعون أشعارهم لأجل المال في خدمة الحكومات الأموية والعباسية، فيصبحون صوت الباطل، ولا يمتنعون عن الخمر وغيره من الذنوب، وكان أعظم خطيئتهم أنهم كانوا في صفوف الباطل ومعادين للولاية.
- الشعر مثل الغناء والموسيقى له حكمان: حلال وحرام، والروايات التي تذم الشعر والغناء والموسيقى تشير إلى النوع الثاني، لذلك لا يجوز الاعتماد على هذه الروايات مطلقاً. يجب على المتدينين أن يكونوا فصيحي اللسان، ولا ينبغي لهم حرمان أنفسهم من الغناء والموسيقى الحلال، لأن ذلك يجعل جبهتهم ضعيفة وكأنها بلا صوت. الآن، تركوا الساحة للعدو وضد الثورة، وبتأييد من القوى الاستكبارية والمعارضة، خصوصاً دعمهم للمطربين، وخاصة النساء المغنيات، يسخرون من المشهد الثقافي في البلاد وأصبحوا قوى طليعية في الهجوم على الثقافة الدينية.
- طنبور الباطل
- ـ ونقل: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سمع رجلاً يطرب بالطنبور، فنهى وكسر طنبوره، ثم استتابه فتاب، ثم قال: هل تعرف ما يقول الطنبور حين يضرب؟ قال: وصي رسول الله أعلم. فقال: إنه يقول:
- «ستندم، ستندم أيا صاحبي
ستدخل جهنم أيا ضاربي»[107]. - ـ أمير المؤمنين (عليه السلام) رأى رجلاً يعزف على الطنبور ليتلذذ به، فنهى ذلك الرجل وكسر طنبوره، ثم تاب الرجل، فسأله الإمام: هل تعرف ما يقول الطنبور بصوته حين يعزف؟ فأجابه الرجل بأن الوصي على رسول الله أعلم، فقال الإمام: الطنبور يقول: «ستندم قريباً، ستندم يا صاحبي، ستدخل النار يا عازفي».
- بيان الطنبور في كلام الإمام هو شعر موسيقي يتألف كل بيت فيه من ثلاث عشرة نغمة. الخطاب موجّه للذي يعزف الطنبور الآن، وليس لمن يأخذه في المستقبل. بناءً عليه، إذا وُجد طنبور ينشد الحق وولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان في خدمة جبهة الحق والولاية، فهل يعامل عازفه بهذا الخطاب أم يشجّع؟
- بحسب مجموع الروايات، وخصوصاً الروايات التفسيرية وثقافة القرآن الكريم، تحريم الطنبور يكون حينما يكون سبباً في اندراس الدين وتقوية جبهة الباطل، فإذا خُلع هذا العطب، فلا يشمل حكم التحريم. مثلاً، إذا دُرب طائر ليقول «لا حق، لا حق»، فلا يجوز بيعه، فطائر كهذا ليس كطائر طبيعي موضوع حكم الحل، وحكمه يتغير بتغير موضوعه.
- فساد آلات الموسيقى
- ـ وعن علي (عليه السلام) أنه رفع إليه رجل كسر بربطة فأبطله ولم يوجب عليه شيئاً[108].
- ـ وصل إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن رجلاً كسر بربطة (آلة موسيقية) لآخر فأفسدها، فلم يثبت الإمام عليه غرامة.
- ما ذكرناه عن فساد قيمة الغناء يمتد إلى آلات الموسيقى التي تكون في خدمة جبهة الباطل وتتناقض مع ثقافة أهل الولاية.
- الاستهزاء بالنبوة
- ) عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله ابن القاسم، عن سماعة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما مات آدم (عليه السلام) وشمّت به إبليس وقابيل، فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم (عليه السلام)، فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فهو من ذلك (ذاك)[109].
- ـ سماعة ينقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: لما توفي آدم (عليه السلام)، استهزأ به إبليس وقابيل، والتقيا في الأرض، فاستعملا المعازف والملهيات لمهانة آدم، ولذلك كل من يتلذذ بهذا النوع من العزف فهو من ذلك النوع.
- بالتدقيق في هذه القصة، بغض النظر عن ظلم قابيل لأبيه النبي، هذا الخيانة – أينما وقعت وبين أي أب وابنه – هي كبيرة جدًا، حتى بدون آلات موسيقية، لأن الابن يكون مع إبليس ويسخر من أبيه ولا يرحم ميت أبيه، بل يحتفل به، حتى لو كان يقرأ القرآن على أبيه بسخرية، فهو أمر قبيح للغاية. وبما أن الطنبور والتار مجرد أدوات، فلا موضوعية للحكم على حرمة اللهو اعتماداً عليها.
- إذا لم يكن الطنبور والتنبك في يد إبليس وقابيل الباغيين، وإذا استعادت هيبتهما، ولم يُستخدمان للسخرية من الدين أو رموزه أو شخصياته المقدسة، بل للمساعدة على دين الله، فلا يمكن اعتبار هذه الآلات محرمة. إن قابيل كان واعياً ويتنفس حين فعل ذلك، فهل يمكن بحجة ذلك منع النظر والتنفس؟
- الرُّديف الرابع والخامس: حرمة غناء النساء ودخلهن
- هذان الرديفان من الروايات بسبب اتصالهما بمواضيع كثيرة أخرى وطول مباحثهما، سوف نبحثهما في المجلد السادس من هذا الكتاب إلى جانب روايات جواز غناء النساء ليتم التطرق إلى «غناء النساء» بشكل مستقل.
- تحليل ورصد الروايات التي تجيز الغناء
الرديف الأول: جواز الغناء في الترانيم - الفرح الموسيقي في الأعياد الدينية والوطنية
- ـ عن عبد الله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به. ورواه علي بن جعفر في كتابه إلا أنه قال: ما لم يؤمر به[110].
- ـ سألت الإمام الكاظم (عليه السلام) عن الغناء وهل هو جائز في أعياد الفطر والأضحى والفرح، فأجاب: لا بأس به ما لم يكن مصحوباً بمعصية.
- في رواية أخرى: إذا لم يُؤمر به فلا إشكال فيه.
- هذه الرواية توسّع دائرة جواز الغناء لتشمل الاحتفالات الدينية والوطنية، وليس فقط مجالس الزواج. هذا المعيار الذي علّمه الإمام (عليه السلام) يشير إلى جواز استعمال الغناء والموسيقى في هذه المناسبات.
- علي بن جعفر رواها بطريقة أخرى: «ما لم يؤمر به»، أي: جائز إلا إذا أمر النهي عنه. هذا التفسير أقل ظهوراً من التفسير الأول. لأن الإنسان يحتاج إلى فرح وشعور بالنشاط، مثلما يحتاج إلى ملابس مناسبة لكل فصل.
- مفهوم «الأمر» في «لا بأس به ما لم يؤمر به» هو الأمر الأولي، لأن الناس بحاجة إلى الفرحة، ولا يمكن دائماً أن يكونوا في حزن.
- طرح الشادماني الديني
- الإمام (عليه السلام) بوضع قاعدة يوجّهنا لأهمية التخطيط للاحتفالات الدينية. لا تزال «الفرحة الدينية» غير منظمة في مجتمعنا، وشبابنا يتجهون نحو الفرح الكاذب. كما
- علي بن جعفر رواها بطريقة أخرى: «ما لم يؤمر به»، أي: جائز إلا إذا أمر النهي عنه. هذا التفسير أقل ظهوراً من التفسير الأول. لأن الإنسان يحتاج إلى فرح وشعور بالنشاط، مثلما يحتاج إلى ملابس مناسبة لكل فصل.
- مفهوم «الأمر» في «لا بأس به ما لم يؤمر به» هو الأمر الأولي، لأن الناس بحاجة إلى الفرحة، ولا يمكن دائماً أن يكونوا في حزن.
- طرح الشادماني الديني
- الإمام (عليه السلام) بوضع قاعدة يوجّهنا لأهمية التخطيط للاحتفالات الدينية. لا تزال «الفرحة الدينية» غير منظمة في مجتمعنا، وشبابنا يتجهون نحو الفرح الكاذب. كما أن الفرح في الأعياد الوطنية غالباً ما يكون فقيراً أو فيه تعصب أعمى.
- بذلك، فالرواية تُشجع الغناء إذا لم يكن مصحوباً بمعصية أو نهي.
تلاوة القرآن
- عن العباس عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله ٧: «الرجل لا يرى أنه صنع شيئًا في الدعاء وفي التلاوة حتى يرفع صوته» فقال: «لا بأس، إن علي بن الحسين ٨ كان أحسن الناس صوتًا في القرآن، وكان يرفع صوته حتى يسمعه أهل الدار، وإن أبا جعفر ٧ كان أحسن الناس صوتًا في القرآن، وكان إذا قام من الليل وقرأ رفع صوته فيمرّ به مارّ الطريق من السقائين وغيرهم فيقومون ويسمعون قراءته».
- سأل معاوية بن عمّار الإمام الصادق ٧ عن حكم رفع الصوت أثناء الدعاء أو التلاوة بلا قصد، إذا كان ذلك مسببًا لحالة نفسية طيبة، فأجابه الإمام: «لا إشكال في ذلك، فقد كان الإمام زين العابدين ٧ يمتلك أجمل صوت في تلاوة القرآن، وكان يرفع صوته بحيث يسمعه أهل البيت، وكان والدي الإمام الباقر ٧ إذا قام من الليل وقرأ القرآن يرفع صوته، فيتوقف السقاة والمارّة ليستمعوا إليه».
رفع الصوت أثناء التلاوة يؤدي إلى تحسين نغمة الصوت ويبعث في النفس سرورًا، وهذه الحالة التي تأتي فجأة لا بأس بها. كان نهج الإمام زين العابدين ٧ هو قراءة القرآن بصوت جهر عالي ليسمعه جميع أهل البيت.
سلطة التلفاز
في الماضي، كان صوت المؤذن وقراءة القرآن يسمع من كل مكان أثناء الأذان، أما الآن فإن الراديو والتلفاز أصبحا بديلًا عن الأشخاص، حيث يؤذن ويقرأان القرآن، ويوقظان النائمين بواسطة التايمر، ففقد المؤذنون والقراء مكانتهم. على وسائل الإعلام الوطنية أن تلتزم بثقافة تحذر المجتمع من أضرار هذا التدخل.
كذلك، كان الإمام الباقر ٧ أفضل الناس صوتًا في تلاوة القرآن، كما كان جميع أئمة أهل البيت كذلك. كانوا يقرؤون القرآن بصوت عالٍ في الليل حتى يسمعهم المارة، أما الآن فإن التلفاز يهيمن على البيوت ويمنع هذا النشاط.
الترجيع في التلاوة
- عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ٧: «إذا قرأت القرآن ورفعت صوتي جاءني الشيطان وقال: إنما تُري بهذا أهلك والناس» فقال: «يا أبا محمد، اقرأ قراءة بين القراءتين تسمع بها أهلك، وارجع بصوتك بالقرآن، فإن الله يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعًا».
- أي: اقرأ قراءتك دون إفراط ولا تفريط بحيث يسمعك أهلك، وزد في ترجيع صوتك، لأن الله يحب الصوت الحسن المزين بالترجيع.
نغمة الصوت
- قال النبي محمد ٩: «إن من أجمل الجمال الشعر الحسن ونغمة الصوت الحسن».
هذه الرواية تتحدث عن نغمة الصوت بمعنى تنقيته وجعله رقيقًا. الصوت الجميل إذا رافقه الرقة والنعومة يُسمى نغمة، وهي كالزخمة التي تنتج عن ضرب الجلد بنصل السكين.
أفضل الجمال
هذه الرواية تذكر بعضًا من أجمل الجمال، وللأسف لم نبذل جهدًا كافيًا في البحث والتنقيب عن هذه الجماليات وتطبيقها عمليًا.
الصوت الجميل
- قال النبي محمد ٩: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا».
الصوت الجميل يضيف جمالًا للكلام، ولا يُعتبر جمال الصوت ذنبًا، بل هو من الكمالات. من أخطاء بعض الناس أن يربطوا الجمال بالمعصية، وهذا غير صحيح.
الأداء الحزين في التلاوة
- عن عبد الرحمن بن السائب قال: جاءنا سعد بن أبي وقاص فقال: سمعت رسول الله ٩ يقول: «القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا».
أي يجب أن تقرأ القرآن بحزن وبكاء، وإن لم تستطع البكاء فتمثل البكاء، وتغني به بنغمة حزينة، ومن لم يفعل فهو ليس من أهلنا.
جواز استخدام آلات الغناء
- عن رسول الله ٩: نهى عن ضرب الدف والرقص وعن كل اللعب، وعن الحضور والاستماع إليه، ولم يجز ضرب الدف إلا في الأعراس مع العذارى، بشرط ألا يدخل الرجال عليهن.
يجوز استخدام الغناء في المناسبات المباحة مثل الأعراس، شريطة أن لا يكون مرفقًا بفساد.
خاتمة
في موضوع حل أو تحريم الغناء واستخدام آلات الموسيقى، توجد روايات تأذن وأخرى تحرم. التحليل يشير إلى أن الجواز يختص بالحالة التي لا يرافق فيها الغناء أي فعل محرم، أما التحريم فيرتبط بالغناء المصاحب للمعاصي والفساد. فالتفرقة بين النوعين أساس لفهم الشريعة في هذا المجال.
- القراءة والعزف حكمان يقترنان بالظروف، وبناءً عليهما ينقسمان إلى قسمين، ولكل منهما دليل خاص على الحرمة أو الحلّ. الصوت الحسن هو نعمة إلهية فطرية تبقى في الجمال، والجمال صفة رحيمة لا يمتلكها الجميع، كما لا يجوز مخالفة الوجه الجميل أو تشويهه، كذلك لا يجوز إفساد الصوت الحسن أو معارضته، مع وجوب حفظ كلاهما عن الآفات التي هي المعصية.
- استخدام بعض آلات الموسيقى في الأمور المحرمة
في زمن صدور الأحاديث النهي عن الغناء والموسيقى، كان هناك عدد كبير من المغنين الذين يغنون في الحرام، وكذلك الحفلات وبيوت الغناء التي لم يكن يمكن إيجاد مناسبة شرعية لها. وقد أدى ذلك إلى ربط كل من يحمل آلات الموسيقى كالعود والرباب والمزمار والطنبور بمجموعة السفهاء وأيضاً الذين كانوا في خدمة أجهزة الظلم والفساد، ولم تكن هناك فرصة لأحد أن يغني أو يعزف موسيقى أمام الأئمة المعصومين عليهم السلام. كما أن أصحاب الولاءات كانوا تحت الملاحقة والتكتم، ولم يبرز منهم موسيقي يوظف فنه في خدمة ولاية أهل البيت عليهم السلام. - وكانت حمل آلات الموسيقى في ذلك الزمان دليلاً على الانتماء إلى أهل الفساد والرذيلة، لذلك كان أهل الحق والولاية يبتعدون عن هذه الأدوات. وفي بعض الروايات، يُوبَّخ الراوي لمجرد اقترابه من مكان توجد فيه الموسيقى والغناء، ويوصونهم بأن يعيشوا بحكمة وكرامة. أما أهل المعصية والفساد الذين كانوا تحت رعاية دوائر الأمويين والعباسيين، فقد كانوا يعقدون الحفلات الموسيقية بكل حرية في بيوتهم ويؤسسون بيوت الغناء، بينما لم يكن لأهل الحق مجال حتى لإقامة اجتماع صغير.
- وقد عانى أنصار أهل البيت عليهم السلام من الغربة والاضطهاد، وكانوا يذكرون ذكر أهل البيت بصوت حزين، ولم تكن لهم الفرصة ليحتفلوا أو يرددوا الألحان السعيدة مثل مقامات الموسيقى العربية المعروفة. وكان التفاني في حب أهل البيت سبباً في استشهادهم أو نفيهم، كما هو مذكور في التاريخ.
- الأحاديث التي تذم الغناء والموسيقى كانت موجهة إلى أولئك الذين يستخدمون هذه الوسائل لخدمة جبهة الباطل والظلم، ولم يراعوا حرمات الله، وسعوا لنشر الفساد في المجتمع ليبعدوا الشباب الباحث عن الحق عن ولاية أهل البيت عليهم السلام.
- من الواضح أن هذه الأحاديث صدرت في ظرف خاص يشبه أن يقول شخص في مدينة تعتمد صناعتها على صنع الخمر: “لماذا تزرعون العنب؟ لماذا تشترونه وتبيعونه؟”، في حين أن النهي لا يتعلق بالعنب ذاته، وإنما باستخدامه في صناعة الخمر المحرم.
- وكان حمل آلات الموسيقى في ذلك الزمان كحمل خاتم في اليد اليسرى، الذي كان مختصاً بالخلفاء، فكان علامة على الانتماء إلى السلطة الحاكمة. ومع ذلك، أقرّت بعض الروايات استخدام الطبل (الدف) أو الغربال في حفلات الزواج، لأنها كانت أموراً عادية ومقبولة.
- يجب أن نعلم أن الحلال حلال في كل زمان ومكان، والحرام حرام كذلك. لكن أحياناً تتغير الظروف والعوامل الثانوية، مما يغير موضوع الحكم. فمثلاً، لا يجوز الضرب على الطبلة قرب نعش مؤمن، لأن حرمة الميت تحول دون ذلك.
- الغناء المباح هو الذي لا يصحبه معصية أو باطل، حتى لو كان مصاحبا لموسيقى معينة. أما الموسيقى التي تروج للفجور والعنف كما في الموسيقى الغربية الحديثة، فهي محرمة. كما أن قراءة القرآن بأسلوب قراء مشهورين في جبهة الطاغوت فيه مخالفة، لأنهم يذكرون الباطل، ولكن إن كان هذا الأسلوب يعبر عن مقام عرفاني وروحي، فلا بأس به.
- في بلدنا، توجد موسيقى ناجحة وذات تأثير روحي وإيجابي، وهناك موسيقى محرمة تقلد أساليب غربية قاسية وفاسدة. سبب التحريم هو خشونة هذه الأساليب وتأثيرها الفاسد، وليس مجرد الكلمات.
- وأخيراً، الأغاني التي تحرض على الفساد والشهوات، خصوصاً التي تصف جمال النساء بعبارات تحريكية، محرمة لأنها تؤثر على الشباب الذين لا يستطيعون إشباع غرائزهم بطرق شرعية.**
- البَصِيرَةُ في هذا الحَدِيث تُظهِرُ إلى أيِّ مَدى كانَ أَهلُ الهُدى يَتَكلَّمونَ بِعِلمٍ وَمَنطِقٍ وَبِشَكلٍ مُتَطَوِّرٍ وَمُعاصِرٍ.
- وَالشَّرْحُ أنَّ الآلَاتِ الموسيقِيَّةَ التي تُعزَفُ جَميعُها حَرَكيَّةٌ وَجَسَدِيَّةٌ، وَالأَصواتُ التي تَخرُجُ مِنْهَا أَيْضًا جَسَدِيَّةٌ. هذِهِ الأصواتُ تَصطَدِمُ بِالمُخِّ وَالمُخَيخِ، وَتَعمَلُ كَالمِطرَقِ الذي يَضْرِبُهُ باستِمرار، وَهذا يُؤدِّي إلى فُقْدانِ الإِنْسانِ لاتِّزانه وَتَغْييرِ دَورَةِ الدَّمِ، فَيَزيدُ أَو يَنقُصُ. وَعِنْدَ ازْدِيادِ سُرْعَةِ الدَّمِ، يَفْقِدُ القَلْبُ قُوَّةَ الضَّخِّ، أَو تَحُدُّ ضِيُوقُ الأوعِيَةِ وَالأَعْصابِ إلى جَلْطةٍ قَلْبِيَّةٍ. وَنَفْسُ القَضِيَّةِ مَعَ حَرارَةِ الجِسْمِ، فَإزْدِيادُها يُسَبِّبُ تَشنُّجًا وَقِلَّتُها تُؤدِّي إلى هبوطِ الضَّغْطِ.
- وَبِمُرَاعَاةِ هذَا الشَّرْحِ يُدْرَكُ أنَّ «بَيْتَ الغِنَاءِ» يَسْتَطِيعُ كَمَا يُسَرِّعُ دَوْرَةَ الدَّمِ وَيُعَرِّضُ الإِنْسانَ لِلسَّكْتَةِ، أَنْ يَكُونَ أَيْضًا دَوَاءً يُعادِلُ دَوَاءً وَيُعِيدُ دَوْرَةَ الدَّمِ لِلَّذِي عِنْدَهُ رُخُودُ الأوعِيَةِ وَالأَعْصابِ إلى حَالَتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا سابِقًا أَنَّ الموسيقى وَالغِناءَ قَدْ يَكُونُ دَوَاءً أَوْ سُمًّا. وَتَحْدِيدُ الكَمِّيَّةِ مِنْ أَمْرِ الخُبَراءِ الطِّبِّيِّينَ وَالنَّفْسِيِّينَ وَالمُطَّلِعِينَ عَلَى عِلْمِ المُوسِيقَى العِلاجِيَّةِ وَتَأْثِيرَاتِ الغِناءِ وَالمُوسِيقَى.
- عدمُ استجابةِ الدعاء
- أما الأَذى الثَّانِي في «بَيْتِ الغِنَاءِ» فَهُوَ أَنَّ الدُّعاءَ لا يُسْتَجَابُ فِيهِ. فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الحَالُ العِبادِيُّ في بَيْتٍ مَلِيءٍ بِالصَّخَبِ، وَالمُوسيقى، وَالرَّقصِ، وَالغِناءِ، وَالصَّوتِ؟ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ مَكانٌ وَالعِبَادَةُ تَتَطَلَّبُ فَضَاءً خَاصًّا وَرُوحِيًّا. فَالعِبَادَةُ تَحْتَاجُ إلى مَكانٍ هادِئٍ وَفَضَاءٍ رُوحِيٍّ وَبَعِيدٍ عَنِ الاِنْشِغالاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهذِهِ الشُّرُوطُ لا تُوَفَّرُ في «بَيْتِ الغِنَاءِ».
- يُنْصَحُ جِدًّا بِالصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ أَوْ عَلى الأقَلِّ فِي مَكانٍ مُخَصَّصٍ لِلعِبَادَةِ أَوْ عَلَى سَجّادَةِ الصَّلاةِ، لِأَنَّ هذِهِ المَكانَاتِ هادِئَةٌ وَمُنَاسِبَةٌ لِلصَّلاةِ. وَالسَّجّادَةُ تَمْثِلُ خُلوَةً وَوَحْدَةً تُفَصِّلُ العَبْدَ عَنِ المَكانِ.
- وَالمَسْجِدُ، عَلَى رَغْمِ كَوْنِهِ مَكَانَ اجْتِماعٍ، إِلَّا أَنَّ الوَحْدَةَ فِيهِ حَاكِمَةٌ وَالجَمَاعَةَ تُؤَدِّي الصَّلاةَ، وَالسُّكُوتُ يُحِيطُ بِالمَكانِ، فَلا يَجِبُ عَلَى المَأْمُومِ أَنْ يُرْتِلَ بِصَوْتٍ عَالٍ لِئَلَّا يُحْدِثَ فَوْضَى وَيُفْقِدَ الإِمَامَ تَرْكِيزَهُ وَيُفْسِدَ نِظَامَ الجَمَاعَةِ. وَالدُّعاءُ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِهُدوءٍ وَرَوْحانِيَّةٍ وَخُلُوَّةٍ.
- عِنْدَما يُصَلِّي الإِنْسانُ بِخُلُوَةٍ وَوَحْدَةٍ وَيَجِدُ الطُّمَأْنِينَةَ، فَإِنَّ الاسْتِجَابَةَ تَلِي ذَلِكَ. أَمَّا فِي الظُّرُوفِ المُزْدَحِمَةِ وَالصَّخَبِ، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ، وَحَتَّى إِذا كَانَ التَّصَوُّفُ عَالِي المَقامِ، يُمْكِنُهُ الصَّلَاةَ وَهُوَ في الصَّخَبِ وَالمُوَافِقَةِ مَعَ التِّلْفَازِ، إِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ بِالعُرَفَاءِ.
- عدمُ دخولِ الملائكة
- التَّأْثِيرُ الثَّالِثُ لِلْوُجُودِ المُسْتَمِرِّ في صُفُوفِ الغِناءِ وَالمُوسِيقَى هُوَ عَدَمُ دُخُولِ المَلائِكَةِ الإِلَهِيَّةِ الْمُكَلَّفَةِ بِعَمَلِ الوَظائِفِ الإِلَهِيَّةِ إِلَى هذِهِ الأَمَاكِنِ.
- وَيَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ بِالعِبَارَةِ أَنَّ الدُّعَاءَ يُرْفَعُ عِنْدَ المَلائِكَةِ، وَفِي بَيْتٍ لا يُسْتَجَابُ فِيهِ دُعَاءٌ، لا تَدْخُلُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ. وَهذِهِ الرِّوَايَةُ تَشْمَلُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ، رَحْمَةً وَغَضَبًا.
- وَإِذَا قِيلَ، بِسَبَبِ شُمُولِ الرِّوَايَةِ، أَنَّ مَلائِكَةَ المَوتِ أَيْضًا لا يَجِبُ أَنْ تَدْخُلَ هذِهِ الأَمَاكِنَ، وَبِالتَّالِي لا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ مِنَ السَّكْتَ
- البَصِيرَةُ في هذا الحَدِيث تُظهِرُ إلى أيِّ مَدى كانَ أَهلُ الهُدى يَتَكلَّمونَ بِعِلمٍ وَمَنطِقٍ وَبِشَكلٍ مُتَطَوِّرٍ وَمُعاصِرٍ.
- وَالشَّرْحُ أنَّ الآلَاتِ الموسيقِيَّةَ التي تُعزَفُ جَميعُها حَرَكيَّةٌ وَجَسَدِيَّةٌ، وَالأَصواتُ التي تَخرُجُ مِنْهَا أَيْضًا جَسَدِيَّةٌ. هذِهِ الأصواتُ تَصطَدِمُ بِالمُخِّ وَالمُخَيخِ، وَتَعمَلُ كَالمِطرَقِ الذي يَضْرِبُهُ باستِمرار، وَهذا يُؤدِّي إلى فُقْدانِ الإِنْسانِ لاتِّزانه وَتَغْييرِ دَورَةِ الدَّمِ، فَيَزيدُ أَو يَنقُصُ. وَعِنْدَ ازْدِيادِ سُرْعَةِ الدَّمِ، يَفْقِدُ القَلْبُ قُوَّةَ الضَّخِّ، أَو تَحُدُّ ضِيُوقُ الأوعِيَةِ وَالأَعْصابِ إلى جَلْطةٍ قَلْبِيَّةٍ. وَنَفْسُ القَضِيَّةِ مَعَ حَرارَةِ الجِسْمِ، فَإزْدِيادُها يُسَبِّبُ تَشنُّجًا وَقِلَّتُها تُؤدِّي إلى هبوطِ الضَّغْطِ.
- وَبِمُرَاعَاةِ هذَا الشَّرْحِ يُدْرَكُ أنَّ «بَيْتَ الغِنَاءِ» يَسْتَطِيعُ كَمَا يُسَرِّعُ دَوْرَةَ الدَّمِ وَيُعَرِّضُ الإِنْسانَ لِلسَّكْتَةِ، أَنْ يَكُونَ أَيْضًا دَوَاءً يُعادِلُ دَوَاءً وَيُعِيدُ دَوْرَةَ الدَّمِ لِلَّذِي عِنْدَهُ رُخُودُ الأوعِيَةِ وَالأَعْصابِ إلى حَالَتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا سابِقًا أَنَّ الموسيقى وَالغِناءَ قَدْ يَكُونُ دَوَاءً أَوْ سُمًّا. وَتَحْدِيدُ الكَمِّيَّةِ مِنْ أَمْرِ الخُبَراءِ الطِّبِّيِّينَ وَالنَّفْسِيِّينَ وَالمُطَّلِعِينَ عَلَى عِلْمِ المُوسِيقَى العِلاجِيَّةِ وَتَأْثِيرَاتِ الغِناءِ وَالمُوسِيقَى.
- هل تُؤثِّر هذه النَّقاطُ في أيِّ مَكانٍ تَجْمَعُ الموسيقى وَالغِناءَ؟
- ليس بالضرورة أنْ تَكونَ كلُّ بُيُوتِ الغِناءِ عَمَلًا لِلشَّرِّ وَالخُرُوجِ عن مَسَارِ العِبَادَةِ. وَلكِنَّ هذهَ الرِّوَايَةَ تُحذِّرُ مِنَ الأَثرِ السَّلْبِيِّ المُتَكَرِّرِ، وَتَشْدُدُ عَلَى تَأْثِيرِ الضَّوضاءِ وَالصَّخَبِ وَتَشويشِ القَلْبِ وَتَشويشِ الذِّهْنِ، وَتَفْقِيدِ الرُّوحِ تَوَازُنَها وَحَالَتَها الإِيْمَانِيَّةِ.
- فَلَذَلِكَ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ أَنَّ هُناكَ أَزْمِنَةً وَأَمَاكِنَ لِلغِناءِ وَالمُوسيقى، وَأَزْمِنَةً وَأَمَاكِنَ لِلصَّلَاةِ وَالتَّدَبُّرِ. وَالمُؤْمِنُ الذِي يَفْهَمُ ذَلِكَ يَحْرِصُ عَلَى الوُقُوفِ فِي مَكَانِهِ الطَّبِيعِيِّ وَيُوَافِقُهُ وَيُحَافِظُ عَلَى رُوحِهِ وَعِبَادَتِهِ.
- البند الذي ينبغي التنبيه إليه وهو من الأمور البديهية، هو أن حضرة الإمام الصادق عليه السلام لا يعطي أبدًا قيمة للأمور المحرمة ولا يعتبر المعصية أمرًا عظيمًا. ومن هنا، إذا كان الإمام عليه السلام يعتبر الطرب شيئًا حسنًا، فهذا يدل على أن الطرب لا يمكن أن يكون دليلاً على تحريم الشيء. إن الإمام العظيم يتحدث عن الطرب الصوتي، وعلى هذا الأساس، فإن تعريف الفقهاء للغناء الحرام والطرب كدليل على التحريم يبتعد كثيرًا عن روايات وثقافة الإمام الصادق عليه السلام. وإذا كان الإمام عليه السلام يستدل على حسن الشيء بالطرب فيه، فينبغي أن يكون الطرب شيئًا حلالًا وذو قيمة. وبالنظر إلى هذه الفقرة وفقرات أخرى، فإن الإمام أيضاً يعد السمع من القيم الخلْقية. إن الإمام عليه السلام يعتبر الصوت الغنائي أمرًا ذا قيمة، ولكن الغناء الذي يشبه غناء العباسيين والأمويين، والذي يدخل فيه الرجال وينسى فيه المحرمات الإلهية، فهو أمر مضاد للقيمة وهدام للدين. هذا التقييد يوضح العلاقة بين الأمرين بأنها علاقة إطلاق وتقييد، لا علاقة عام وخاص، وبناءً على ذلك فإن هذه القاعدة لا تقبل الاستثناء، والغناء الحرام ليس استثناءً من الحلال.
- الألحان الحزينة والمبهجة
- نقطة دقيقة أخرى جديرة بالذكر في كلام الإمام عليه السلام، أنه يبدأ بـ«الشجية» والألحان الحزينة، ثم يتحدث عن «المطربة» والألحان المفرحة والممتعة، مع أن صدر الكلام يبدأ بـ«اللذة»، وهذا يعني أن بداية ونهاية هذه الفقرة تتناولان موضوع اللذة، وينهي الإمام هذا المفهوم بالفرح والطرب.
- الحياة على مدار القدرة الصوتية
- يؤكد الإمام عليه السلام أنه إذا لم يسمع الإنسان أخبار الناس فهو شاهد غائب بينهم أو كالميت الذي يتحرك فقط. الإنسان الانعزالي ليس حيًا ولا نشطًا ولا فعالًا، ولا يمتلك روح التخاطب، وفي الواقع، كل شخص يعيش بمقدار التخاطب الذي يجريه مع الآخرين وبمقدار القدرة الصوتية لديه. الناس يعتبرون من يستطيع الكلام والقيادة حياً. وإذا لم يكن لدى الشريعة المتكلمة القوية، فإنها تصبح معزولة ويتجاهلها الناس تدريجيًا، كما أن البعد عن صوت الجبهة الباطلة يؤدي إلى زوال الباطل.
- كيفية الجهاز الصوتي وخلق الصوت
- يواصل الإمام الصادق عليه السلام تعليم كيفية الجهاز الصوتي وخلق الصوت، فيقول:
- «أطل الفكر يا مفضّل في الصوت والكلام وتهيأة آلاته في الإنسان، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم. ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحّح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء، وأشبه شيء بذلک المزمار الأعظم، فالحنجرة تشبه قصبة المزمار، والرئة تشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتّى تجري الريح في المزامير والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفآ، ونغما كالأصابع تختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانآ غير أنّه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالآلة والتعريف، فإنّ المزمار ـ في الحقيقة ـ هو المشبه بمخرج الصوت.»
- في صوت والكلام وخلق أدواته في الإنسان، تفكر عميقًا ولا تكتفي بالتفكير السطحي. الحنجرة تشبه الأنبوب الذي يخرج منه الصوت، واللسان والشفاه والأسنان هي وسائل تشكيل الحروف والألحان. ألم تلاحظ أن من فقد أسنانه لا يستطيع نطق حرف السين، ومن فقد شفتيه لا يصحح حرف الفاء، ومن ثقل لسانه لا يبين حرف الراء؟!
- ليس فقط الأسنان للغذاء والزينة، بل لها دور كبير في الكلام ونطق الحروف. الإمام عليه السلام لا يعد الأسنان للقراءة فقط، بل يذكرها لدورها في تشكيل الحروف والنغمات.
- تحليل هذه الكلمات يظهر أن الإمام الصادق عليه السلام يلبس علم الصوتيات والموسيقى بكلمات دقيقة، بينما علماء آخرون مثل ابن سينا، النابغة عبر القرون، توصلوا إلى مسائل جزئية فقط. وللأسف، لم يكن هناك طلاب قادرون أو ظروف مناسبة لظهور هذه العلوم. أئمتنا مظلومون جدًا، والتقاليد الباقية عنهم غريبة حتى في عصر حكم أهل الولاية. ومع هذه الروايات، يشعر الإنسان بالخجل من مقارنة أقوال ابن سينا في الموسيقى، رغم علوها، بكلام المعصوم عليه السلام.
- في هذه الرواية، لا يوجد ذكر لتحريم الصوت والغناء والموسيقى، بل يُصوَّر الصوت بشكل جميل وعذب. بناءً عليه، فإن منهج الفقهاء الذين يتعاملون بسلبية مع الصوت والصدى، وأحيانًا لا يستخدمونه، يختلف عن منهج الإمام الصادق عليه السلام وذوقه. بشكل عام، من لا يستخدم الكلام والصوت والنغمة الحلال في تعزيز دينه، فإنه قد ابتعد عن خلق الناس الطبيعي والأولي، وشريعته لا تلقى قبولًا.
- الإمام عليه السلام في هذه الفقرة يذكر فقط كمثال بعض مشاكل نطق الحروف عند من فقدوا الأسنان، ويمكن إضافة العديد من الحالات الأخرى. هذه القواعد تمثل علم الفراسة، التشخيص الوجهي، قراءة الكف، وعلم النفس. طبعًا لا يمكن اعتبار ذكر هذه العلوم علم غيب، لأن علم الغيب علم أعلى وأسمى. كلام كل إنسان يتناسب مع شفته ولسانه، ومشاكل شكلية أو جسدية في الفم والأسنان تؤثر على نوع النطق.
- المزمار الأعظم
- العبارة «وأشبه شيء بذلک المزمار الأعظم» مرتفعة جدًا. لم نر كتابًا في الموسيقى يعالج هذه العبارة بمنهج فقهي. هل سمعت يومًا عن «المزمار الأعظم»؟ المزمار الأعظم هو صوت الإنسان. هل سمعت أحد الأولياء يصف المزمار بأنه الأعظم؟ أقرب شيء إلى الفم والأسنان والجهاز الصوتي هو «المزمار الأعظم». ما هو المزمار الأعظم؟ وما هذه النِيّة الكبيرة التي يذكرها الإمام؟ هل يشبه المزمار الأعظم صور إسرافيل؟ يُقال إن صوت إسرافيل جميل جدًا. وفي حديث من أهل السنة ورد:
- «ليس في خلق اللّه تعالى أحسن صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل السماوات صلاتهم وتسبيحهم».
- يقول الإمام الصادق عليه السلام لمفضل: الحنجرة تشبه النِيّة، والرئة تشبه الكيس الذي ينفخ فيه حتى تدخل الريح، والعضلات التي تضغط على الرئة لتخرج الصوت مثل الأصابع التي تضغط على النِيّة حتى تجري الريح في المزمار. الشفتان والأسنان تصوغ الصوت حروفًا وألحانًا، كما تختلف الأصابع في فم المزمار لتصوغ صفيره وألحانه. صحيح أن مخرج الصوت يشبه المزمار في الآلة والتعريف، ولكن المزمار هو في الحقيقة المشبه بمخرج الصوت.
- الإمام يشير إلى وجود «المزمار الأعظم»؛ مزمار لا تعرفه المراكز العلمية؛ شيء يشبه حلقوم الإنسان.
- هذه الفقرات تبين قيمة الصوت والصدى. الإمام الصادق عليه السلام يتحدث عن النِيّة والنغمة، وهذا يدل على أن الكلام في هذه الأمور ليس حرامًا ولا ترويجًا للباطل، بل يحتاج إلى بحث علمي واستثمار لإنتاج نظرية صحيحة فيها.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.