صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

فقه الغناء والموسيقى (الجزء الرابع)

نشر في آذر 13, 1404 في

فقه الغناء والموسيقى
(الجزء الرابع)

تحليل ودراسة آراء الفقهاء المستقلين وتابعي منظومتهم الفقهية من بداية القرن الرابع حتى القرن الثاني عشر
()

حضرة آية الله

الهوية المرجعية:
، ، 1327 هـ.ش

العنوان والمؤلف:
فقه الغناء والموسيقى: تحليل ودراسة آراء الفقهاء المستقلين وتابعي منظومتهم الفقهية من بداية القرن الرابع حتى القرن الثاني عشر / .

مكان ودار النشر:
إسلام شهر، دار صباح فردا، 1393 هـ.ش

الوصف المادي:
7 أجزاء، الجزء الرابع، 264 صفحة

رقم الكتاب الدولي المعياري (ISBN):
978-600-6435-19-0 (للدورة)
978-600-6435-29-9 (لجزء 4)

تصنيف الفهرس:
فيبا

الفصل السابع: الغناء والموسيقى من وجهة نظر فقهاء القرنين الرابع حتى الثاني عشر

الشيخ الصدوق
(أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن موسى بن بابويه، توفي 381 هـ)

قال:
“واعلم أن كسب المغنية حرام، وأجر الزانية وثمن الكلب الذي ليس بكلب صيد سحت، واعلم أن الرشاء في الحكم هو الكفر بالله العظيم.”

أي: إنّ دخل المغنية حرام، وأجر الزانية، وثمن الكلب غير المستخدم للصيد من مال حرام. واعلم أن الرشوة تعتبر كفراً بالله العظيم.

يرى الشيخ الصدوق أن دخل النساء المغنيات حرام، لأنهن لا يبتعدن عن ارتكاب المعاصي والفساد، ويقارنهن بالزانيات، مما يدل على ارتباط وثيق بينهما، كما أن الزاني هو الوصف المميز للمغنيين، إذ كان الرجال يختارون هؤلاء النساء للغناء ويرتكبون معهن المعاصي. وقد استدل مع الروايات بذكر ثمن الكلب إلى جانب ذلك.

تصنيف الذنوب:
الشيخ الصدوق يعتبر الغناء والزنا وبيع الكلاب محرماً، لكن يصنف الرشوة كفرًا بالله. وهذا يختلف عن بعض المتدينين الذين لا يعترضون على الرشوة التي تحدث أحياناً في الإدارات، ويعتبرون استخدام الطار والطنبور في الأعراس كفرًا عظيماً، متجاوزين تصنيف الذنوب بشكل صحيح.

الرشوة للقاضي هي المثال الأبرز، لكن ليست مقصورة عليه، فالقاضي يشمل كل موظف مسؤول يصدر حكماً في مجال عمله، كالمعلم أو شرطي المرور.

جواز دخل النساء الناحات:
الشيخ الصدوق في كتابه “الهداية” يبيح دخل النساء الناحات اللواتي ينوحن بحق وصدق، قائلاً:
“وكسب المغنية حرام، ولا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً.”
ولا يكتب أكثر عن الغناء في هذا الكتاب.

استثناءات الغناء:
في الروايات يُستثنى غناء النساء في الأعراس والمجالس التي لا يحضرها الرجال. هذا ليس استثناءً من التحريم، بل لأن مجالس الأعراس عند العرب كانت نظيفة وخالية من الفساد، وبالتالي حكم الحلية بالغناء فيها صدر بناءً على ذلك. وكذلك الحال في مجالس العزاء والنوح على الموتى.

حديث الغناء في تلاوة القرآن الكريم:
قال الشيخ الصدوق في “معاني الأخبار”:
“وقال صلى الله عليه وآله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، والمعنى: ليس منا من لم يستغن به ولا يذهب به إلى الصوت… ”
وقد فسّرنا هذا الحديث في الجزء الثالث من الكتاب بأن المعنى لا يدل على عقوبة عظيمة لمن لا يتغنى بالقرآن، بل يعني أن من يقرأ القرآن مثل اليهود والنصارى فهو بعيد عن منهج المعصومين.

الشيخ المفيد
(أبي عبدالله محمد بن نعمان الحارثي، 336-413 هـ)

تحريم صناعة وآلات اللهو الموسيقية:
“وكل ما حرمه الله تعالى وخطره على خلقه فلا يجوز الاكتساب به، ولا التصرف فيه، فمن ذلك صناعة الخمر وبيعها، وصناعة العيدان والطنابير وسائر الملاهي محرّم، والتجارة فيها ممنوعة.”

تحريم دخل النساء المغنيات وتعلم وتعليم الموسيقى:
“وكسب المغنيات حرام، وتعلم ذلك وتعليمه محظور في الشرع، وكسب النوائح بالباطل حرام.”

جواز نوح النساء على المؤمنين:
“ولا بأس بالنواح على أهل الدين بالحق، ولا بأس بالأجر على ذلك، والتنزّه عن التكسّب به أولى.”

الشيخ المفيد لا يبيح غناء النساء بأي حال، باستثناء نوح النساء إذا كان بحق وللمؤمنين. وهو يرى أن جواز نوح النساء مرتبط بعدم كون النوح باطلاً.

الشيخ الطوسي
(شيخ الطائفة، أبو جعفر محمد بن حسن الطوسي، 385-460 هـ)

جواز الغناء بشرط عدم الباطل:
جمع بين الروايات المتناقضة قائلاً:
“الوجه في هذه الأخبار الرخصة في من لا تتكلم بالأباطيل، ولا تلعب بالملاهي من العيدان وأشباهها، ولا بالقصب وغيره، بل يكون ممن تزف العروس وتتكلم عندها بإنشاد الشعر والقول البعيد من الفحش والأباطيل. أما من عدا هؤلاء ممن يتغنين بسائر الملاهي فلا يجوز على حال.”

بمعنى أن الغناء جائز لمن لا يتكلم بالكلام الباطل، ولا تستخدم الآلات المحرمة، ويكون في مجالس العرس بنوع من الإنشاد الشعري النظيف.

التحليل والملاحظات:

  1. الشيخ الطوسي لم يجعل الباطل سبباً للجواز بل جعل الغناء جائزاً في الأصل، ويحرّم ما يتضمن الباطل.
  2. آلات اللهو الموسيقية محرّمة مطلقاً ولا يجوز استخدامها.
  3. استخدام الشعر غير الفاحش جائز.
  4. الغناء المختلط بالمعصية محرّم بغض النظر عن نوع المجلس.
  5. ليس كل باطل محرّم، بل ما يصدّ عن ذكر الله هو المحرم.
  6. الدين متوافق مع الفطرة، والغناء والموسيقى قد يكونان مسببين للغفلة أو وسيلة لتقوية الولاية ونشرها.

الخلاصة:

الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير، ولكن موضوعات الأحكام تتغير وفق مقتضيات الزمن والمكان. فحلال محمد (صلى الله عليه وآله) يبقى حلالاً، وحرامه يظل حراماً ما دام موضوعه لم يتغير.

أما الروايات التي جاءت في مذمة بعض الأقوام أو الأماكن فهي ناظرةٌ إلى الأقوام والأماكن التي صدرت منها هذه الروايات، وإذا ما اعترف هؤلاء يومًا بولاية أهل البيت عليهم السلام، فلا تُنسب إليهم هذه الروايات، ولا يعني ذلك أن أهل الكوفة أو بعض قبائل الترك والأكراد مذمومون دائمًا، بل حدث في زمنٍ ما حادثٌ أدى إلى سوء تصرفهم، وابتعادهم عن وليّ الأمر، ومن ثمّ نُكِّهوهم على ذلك. ومن يُلقي الاتهامات بناءً على هذه الروايات، فقد أوقع نفسه في الإثم. وذم هذه الأقوام يعود إلى تاريخ أجدادنا الإيرانيين الذين كانوا يومًا ما مجوسًا أو وثنيين أو سنة، ولكن اليوم هم جميعًا مؤمنون وشيعة، والتغيرات التاريخية أدّت إلى ذلك، وحالياً ما دام شعبنا مؤمنًا وشيعياً فلا يجوز الحكم عليهم بجُرمٍ يعود إلى أجيالٍ سابقة كأن يكونوا مجوسًا أو متبعين لعقائد باطلة.

وفيما يتعلق بالموسيقى، فقد أباح بعض العلماء استخدام الدف أو الطبل، مستندين إلى ظروفٍ طارئة مثل الحرب والدفاع.

ومن الجدير بالذكر أنه في القرون الأولى من الغيبة، كان الفقهاء يبحثون موضوع الغناء والموسيقى بشكل محدود، ولا يتعمقون كثيرًا في دراستهما، رغم أن الفقه الشيعي في تلك الحقبة كان في طور تأسيس أُسسِه، وكان كثير من الفقهاء ينسخون التعاليم الأولية التي تلقوها من شيوخهم. ومع الأسف، فقد جعلت الثقة العلمية بالفقيه مثل الشيخ الطوسي بعضهم يتبعون نقلاً أعمىً دون بحثٍ وتحقيق.

تحريم صناعة وآلات اللهو وتجارة ذلك

“ومنها عمل جميع أنواع الملاهي والتجارة فيها والتكسّب بها، مثل العيدان والطنابير وغيرهما من أنواع الأباطيل، محرّم محظور.”

فمن المكاسب المحرمة صناعة أنواع آلات اللهو وبيعها وكسب المال منها مثل العود، الطبول، وغيرها من الأمور الباطلة، وهذه محرمة وممنوعة.

ولكن يجب التنبيه إلى أن هذا الفتوى كانت في زمن سيطرة الطواغيت والسلاطين الظالمين على المجتمع، ولا علاقة لها بزمن حكم الإسلام ودولة أهل البيت عليهم السلام، ولا تشمل الناس المؤمنين المتقيدين بالحلال والحرام. ففي تلك الظروف كان صنع التماثيل والشطرنج والقمار محرماً؛ لأن دولة الكفر والباطل كانت تستخدم ذلك في نشر الفساد، وإذا عاد الزمن لما كان عليه، فإن الحكم هو ما قاله الشيخ الطوسي، ولا أحد يدعي أن حكم الله قد تغير، بل موضوع هذه الأحكام تغيّر بظهور الثورة الإسلامية وتأسيس الدولة الإسلامية، لذلك هناك أحكام جديدة تناسب الموضوع الجديد.

العبارات التي قالها الشيخ الطوسي:

“وعمل الأصنام والصلبان والتماثيل المجسّمة والصور والشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار حتى لعب الصبيان بالجوز والتجارة فيها والتصرّف والتكسب بها حرام محظور.”

صناعة التماثيل والفنون التشكيلية كالرسوم والتصوير جائز في البلدان التي زالت فيها الشركيات، ويستطيع الرسامون والمصورون رسم الصور.

جواز غناء النساء في الأعراس

“ولا بأس بأجر المغنية في الأعراس إذا لم يغنين بالباطل ولا يدخلن على الرجال ولا يدخل الرجال عليهن.”

أجر المغنيات في الأعراس جائز بشرط ألا يغنين بأغانٍ باطلة وألا يكون الاختلاط بين الرجال والنساء.

فسق الغناء

ذكر الشيخ الطوسي تفصيلات أكثر في كتابه “المبسوط” عن الغناء وعلاقته بصفة الشهادة، ونلخص كلامه:

الغناء هو الصوت الممدود، وهو عند الشيعة محرّم، ومن يغني فهو فاسق وشهادته مردودة، وبعضهم يرونه مكروهاً. أما أجر النساء المغنيات فلا حرج فيه، لأنهن قد يُستفدن في غير الغناء من التسلية والخدمة.

وبعض من يبيح الغناء يستدل بحديث عائشة عن وجود جاريتين تغنيان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديث عمر وعثمان رضي الله عنهم، لكنها أخبار آحاد لا يؤخذ بها عند الشيعة، ولا يُعتبر اتباعها واجبًا.

حكم الشيخ في استعمال الغناء

  • إذا اتخذ الغناء مهنة وشهر به، فسقطت شهادته.
  • إذا اتخذ الرجل غلاماً أو جارية مغنيين وجعلهم مجالس له، فهذا سفاهة وترد شهادته.
  • إذا دخل بيت الغناء وذهب إليه المغنون للسمع، فلو كان ذلك سرًا لا ترد شهادته، وإن كان ظاهرًا وقليلًا لم ترد أيضاً، وإن كثر ردّت شهادته.

الأصوات عندهم ثلاثة أقسام: مكروه، محرّم، ومباح. الغناء مع الآلات كالمغنّي والقصب مكروه ومحرّم عندنا، ويُردّ شهادتهما.

جواز استخدام آلات الموسيقى في مناسبات محددة

“وأمّا المباح، فالدفّ عند النكاح والختان…”

استخدام الدف جائز في العرس والختان استنادًا إلى أحاديث ابن مسعود، وإن كان مكروهاً إلا أن شهادته لا ترد. أما في غير ذلك فهو حرام.

الحداء

الحداء وهو شعر تحث به العرب الإبل على السير جائز، وهو من الأصوات الممدودة، ويستند إلى أحاديث صحيحة من الصحابة.

حكم الشعر المباح

“أما الكلام في الشعر فهو مباح أيضا ما لم يكن فيه هجو، ولا فحش، ولا تشبيب بامرأة لا يعرفها، ولا كثرة الكذب على كراهية…”

أي أن الشعر جائز إذا خلى من الهجاء والفحش والتشبيب الذي يُسيء إلى امرأة مجهولة، وكذالك الكذب الكثير.

  • ابن إدريس؛
    (أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي ـ توفي 598 هـ ق)
  • ادعاء الإجماع على جواز أجر النساء الغانيات
  • كانت أفكار الفقيه الكبير شيخ الطوسي السائدة في مجال الفقه الشيعي قرابة قرن من الزمن، ولم يعارضها تلاميذه ولا الفقهاء الذين جاءوا بعده على الإطلاق فيما يتعلق بالإجماعات الادعائية التي وردت عنده. حتى ظهر فقيه يمتلك الجرأة على معارضة هذه الإجماعات الادعائية للشيخ، ووضع مبدأ الانفتاح والحرية في البحث العلمي كقاعدة أولى، وهو ابن إدريس الحلّي. فقد تناول قضية الغناء والموسيقى بداية بكلمات مماثلة لما ورد عن شيخ الطوسي في كتابه «المبسوط»، مما جعله يقع في تكرار النصوص الفقهية، كما هو الحال في كثير من كتب الفقه المعاصرة. لكنه في كتابه «سرائر» يكتب:
    «الغناء صوت ممدود، والمال مقصور، فإذا ثبت ذلك، فالغناء عندنا حرام، وفاعله فاسق، وتشهد شهادته مردودة، أما ثمن المغنيات فلا حرام فيه إجماعًا لأنه يصلح لغير الغناء.»
  • ابن إدريس لا يعارض شيخ الطوسي في هذا الشأن.
  • تحريم آلات اللهو الموسيقية
  • ابن إدريس، موافقًا لشيخ الطوسي في موضوع المكاسب، يعتبر آلات الموسيقى من آلات اللهو المحرمة:
    «باب أصناف المكاسب: المكاسب ثلاثة أقسام: المحظور على الدوام، والمكروه، والمباح على الدوام. أما المحظور على الدوام فهو كل ما حرّم من الأطعمة والمشروبات… وآلات اللهو كلها بأنواعها، من الطبول، والدفوف، والزمر، وما شابهها، والقضيب، والسير، والرقص، وكل ما يبهج من الأصوات والأغاني وما يماثل ذلك، والخبال بأنواعه وطرق صنعه.»
  • الأشياء التي يحصل منها الإنسان على رزقه تُقسم إلى ثلاثة أنواع: ما هو محظور دائمًا، وما هو مكروه، وما هو مباح دائمًا. ومن المحظورات في كل حال الطعام والشراب التي سنذكرها، وكذلك آلات اللهو مهما تنوعت، مثل الطبول، والدفوف، والآلات النفخية، والرقص، وكل صوت مبهج، وكل ما يسبب الطرب. كل هذه المكاسب محرمة.
  • رغم حرية الفكر التي اتسم بها ابن إدريس وسمعته في ذلك، فإنه لم يجد في زمنه أي حالة تسمح باستخدام هذه الآلات بطريقة جائزة.
  • تحريم الأصوات الطربية
  • يقول ابن إدريس بحرمة كل صوت يُحدث طربًا، سواء كان صوت بلبل يغرد، أو صوت مياه متدفقة يُدخل السرور على السامع، فاستماع مثل هذه الأصوات ممنوع شرعًا، مع أنَّ معيارنا نحن لم نجعل الطرب سببًا في الحرمة.
  • رأي ابن إدريس في أجر النساء الغانيات
  • يرى ابن إدريس أن أجر النساء الغانيات وتعليم الغناء حرام:
    «وأجر المغنيات وتعليم الغناء حرام، وأجر النوائح على الباطل حرام، ما قلناه، ولا بأس بذل ذلك على أهل الدين إذا كان كلامهم حقًا.»
    ويضيف: «وأجر المغنيات في الأعراس، إذا لم يكن في الغناء باطل، كما ورد في الروايات، والأظهر أن الغناء محرّم مهما كان المغني.»
  • حرمة عزاء كربلاء
  • يحكم ابن إدريس بحرمة الغناء ولا يرى أي جواز له، لأنه يرى أن الغناء وآلاته كانت بيد الأراذل والمفسدين، بالإضافة إلى أن مأساة كربلاء كانت جرحًا عميقًا في قلوب الشيعة. وهذا الأمر كان أصعب على رموز التقوى والولاية مثل شيخ الطوسي وابن إدريس، لأنهم أدركوا حقيقة الولاء والمعاناة التي جرت على أصحاب الولاية، أكثر مما يفهمه المعاصرون.
    وعلى عكس بعض الذين يدعون الوحدة بين الشيعة والسنة ويرون اختلافات صدر الإسلام مجرد نزاع عائلي انتهى، فهم يجهلون حقيقة الولاية والرمزية العميقة لعاشوراء.
    كما يشير إلى أن العلماء في الماضي كانوا أكثر شعورًا بغربة أولياء الله، بينما اليوم يغيب هذا الحس في كثير من المجالس والموالد، التي تفتقر إلى الحزن الحقيقي على مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام).
  • نقد الآراء لدى المرحوم المقدس
  • سبق أن ذكرنا أن سبب عدم تحديد معنى الغناء في الروايات يعود إلى وضوح وضوح مصداق الغناء، وليس إلى جهل بماهية الغناء. عندما نهى الإمام الصادق عليه السلام عن الغناء، كان الجميع يعلمون ما المقصود بالغناء ومن يُقال له مغني؛ لكن مع مرور الزمن، بقي معنى الغناء غير معروف، ولذلك عند الشك في أي مصداق هل هو غناء حرام أم لا، يُرجّح أصالة الحلّ فيه. كما يجب لاستجلاء معنى الغناء ومصاديق الغناء الحرام العودة إلى البحث في المصادر التاريخية لفهم سياق صدور الروايات.
  • وكذلك، بحسب رأي المرحوم المحقق الأربيلي، الذي يرى أن الغناء هو مد الصوت دون تدخل قيد الطرب في حقيقته، فحتى الأذان بصوت حسن وأسلوب معتاد يجب أن يُعتبر محرّمًا، لأن الصوت يُمد فيه.
  • يقول السيد المقدس إن الغناء المباح هو الغناء الذي لا يتضمن التَرجيع، ويُوضح تفسير معنى الترجيع بأنه عدم تدوير الصوت في الحلق، مع أنه ليس الترجیع وحده هو تدوير الصوت في الحلق، فمثلًا المد في عبارة «ولا الضالين» قد يصدر من تدوير الحلق، ويشمل الترجيع. الترجيع في الحجاز مستقيم، وفي الأربع قفلات مكسور، وتعريف السيد المقدس يشمل ترجیع «ولا الضالين» بينما يغفل أو لا يعرف الترجيع العربي. نتيجة هذا الطرح هي تحريم أصغر صوت يُسمع، وبعبارة أخرى يُفضّل الابتعاد عن كل صوت لتفادي الغناء.
  • مع ذلك، كما دُرس سابقًا، لم يرد دليل فقهي يثبت تحريم الترجيع لمجرد كونه ترجیعًا، وإنما أُحرِم الأطراب والترجيع لأنهما من عناصر تكوين الغناء. السيد المقدس لا يفرق بين الطرب، الأطراب، والتطريب من حيث المعنى، فهو يصف الأطراب والتطريب وصفًا صوتيًا دون النظر إلى الفاعل أو المفعول، ويرى أن المد والترجيع صوت يسبب الطرب، ولا فرق لديه بين أن يُدخل الطرب الإنسان أو يُدخل الطرب إليه، بينما الواقع غير ذلك؛ فالطرب وصف الفعل، والأطراب وصف الفاعل.
  • هذا الفقيه البارز يتجاهل بعض الخلافات الجزئية في تحريم الغناء وأجر المغنين، ويترك معرفة موضوع الغناء للعرف، لأنه يرى أن لفظًا ما ورد في الشريعة دون تفسير، فلذا ما اعتبره العرف غناء هو الغناء. يمكن تشبيه هذا بقتل شخص ولا يُعرف القاتل، ثم يُقبض على كل من كان حاضرًا! في حين لا يجوز أن يكون الفقيه تابعًا للعرف، بل العرف هو الذي يجب أن يتبع الفقيه. بالطبع، مراجعة الفقيه للعرف الخاص والخبير أمر عقلائي، لكن مقصد السيد المقدس هو العرف العام.
  • البحث النقدي لآراء المرحوم المقدس
  • قبل ذلك قلنا إن السبب في عدم تحديد معنى الغناء في الروايات هو وضوح المثال على الغناء وليس الجهل بماهية الغناء. فعندما نَهى الإمام الصادق عليه السلام عن الغناء، كان الجميع يعلمون ما المراد بالغناء ومن يُطلق عليه المغني؛ لكن مع مرور الزمن أصبح المعنى غير معروف، ومن ثم عند الشك في أي مثال هل هو غناء حرام أم لا، يُفترض أصلاً الحلُّ، وللحصول على معنى الغناء والغناء الحرام يجب الرجوع إلى دراسة المصادر التاريخية وفهم سياق صدور الروايات.
  • وكذلك، وفقاً لرأي المرحوم المحقق الأردبيلي الذي يرى أن الغناء هو مد الصوت بدون تدخل شرط الطرب في حقيقته، فإنه يجب أن يكون الأذان بطريقة الصوت الحسن محرماً أيضاً، لأن الصوت في الأذان يُمد.
  • يقول السيد المقدس إن الغناء المباح هو الذي لا يحتوي على “الترجيع”، ويحدد في تفسير معنى الترجيع بأنه عدم تدوير الصوت في الحلق؛ مع أن الترجيع لا يُخلق فقط بتدوير الصوت في الحلق، فمثلاً المد في (ولا الضالين) يمكن أن يكون ترجيعاً ويوجد فيه تدوير الصوت. الترجيعات الحجازية تكون مستقيمة، والچارگاه تكون مكسورة، وتعريف المقدس يشمل الترجيع في (ولا الضالين)، لكنه يغفل عن الترجيع العربي أو لا يعرفه. والنتيجة من هذا الطرح أن أدنى صوت يكون حراماً، وبعبارة أخرى، يفضل تجنب كل أنواع الأصوات للهروب من الغناء والامتناع عنه.
  • طبعاً، كما تم بحثه سابقاً، لا يوجد عند أي فقيه دليل على تحريم الترجيع لمجرد كونه ترجيعاً، وإنما تحريم الأطراب والترجيع بسبب كونهما جزءاً من تركيب الغناء. المقدس لا يفرق بين الطرب والأطراب والتطريب في المعنى، فهو يصف الأطراب والتطريب كصفات للصوت فقط دون اعتبار الفاعل والمفعول، ويرى أن المد والترجيع صوت يسبب الطرب، ولا فرق لديه بين من يدخل الطرب إلى القلب أو الذي يدخل إليه الطرب؛ مع أن الطرب وصف فعل، والأطراب والتطريب وصف فاعل، فمعناه أن الطرب هو الخفة، والأطراب يعني إدخال الخفة.
  • هذا الفقيه الكبير يتجاهل بعض الخلافات الجزئية في تحريم الغناء وأجور المغنين، ويعتمد على عرف في تحديد موضوع الغناء، حيث يقول: إذا ورد لفظ في الشريعة والشارع لم يوضح معناه، فكل ما اعتبره الناس غناءً فهو غناء. يمكن إعطاء مثال لهذا بأنه إذا قُتل شخص ولا يُعرف القاتل، فيُقبض على كل من كان هناك باعتباره القاتل! مع أن الفقيه لا يجوز له تقليد العرف بل العرف هو الذي يجب أن يقلد الفقيه. طبعاً الرجوع إلى العرف الخاص والخبراء أمر عقلائي، لكن المقصود من المقدس هو العرف العام.
  • كُبر الذنب في الغناء
  • يأخذ السيد المقدس وعد العذاب على الغناء دليلاً على كبر الذنب، وهذا صحيح، لكن القضية هي تحديد ماهية الغناء الذي وُعد بالعذاب؟ لذا يجب توضيح موضوع هذه الروايات. قلنا إن الغناء المحرم يقيناً هو الغناء الذي يخدم الباطل، مثل غناء الأمويين والعباسيين وغناء الأشرار في بيوت اللهو حيث كان الفساد والباطل منتشرين ويهدفون إلى إبعاد الناس عن الدين والولاية الإلهية، وتعزيز جبهة الباطل بمعناها العام. هذا النوع من الغناء يخدم الباطل وهو مختلف عن الغناء في زمن الحكم الديني الذي يتحدث فيه الله، والرسول الكريم والأئمة الطاهرين عن الدين والقرآن والكعبة وأهل الإيمان والجهاد ومكافحة الظلم. لكن المقدس قبل تحديد الغناء وتبيين موضوعه يعرض حكم الغناء وكبر ذنبه.
  • الرواية تلعن المغنيات اللواتي كن فاجرات وراقصات عاريات يدعين خلفاء الجور وجبهة الباطل ويجب عدم الخلط بين حكم هذا النوع من الغناء وحكم الأصل في الغناء. تحريم الغناء وكون المغنية ملعونة لا يدل على العلة، لأن العلة هي ما يكون حصرية ولم يُعرف لماذا حُرم صوت هذه المرأة هل بسبب عريها أو صوتها أو شرب الخمر أو نشر الفجور؛ وبالرغم من معرفتنا أن المعصية تحرم الشيء، إلا أننا لا نعرف هل الغناء بحد ذاته معصية أم لا؟ في الموسيقى وكل موضوع، لا يجب الخلط بين مقام الإثبات ومقام الإثبات والواقع الخارجي وما هو موجود مع مقام التشريع وما يجب أن يكون.
  • أدلّة حرمة الغناء من وجهة نظر المرحوم المحقق:
  • «وما تقدم في استحباب غسل التوبة، وعموم الروايات الدالة على تحريم بيع المغنية وتحريم أجرتها وسماعها، مثل رواية إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات أن نبيعهن ونحمل الثمن إلى أبي الحسن عليه السلام، قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم وحملت الثمن إليه، فقلت له: إن مولى لك يقال له إسحاق بن عمر قد أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات وحملت الثمن إليك وقد بعتهن وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم، فقال لا حاجة لي فيه إن هذا سحت وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت. ورواية سعيد بن محمد الطاطري عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهن حرام وتعليمهن كفر واستماعهن نفاق. ورواية نضر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المغنية ملعونة وملعون من أكل كسبها وغيرها»[37].
  • عدم وجود رواية صحيحة صريحة على تحريم الغناء
  • يزعم السيد المقدس الأردبيلي في عباراته أنه لم يعثر على رواية صحيحة صريحة تدل على تحريم الغناء، وأنه يكتفي بالشيوع مع كثرة الأخبار والإجماع على تحريم الغناء، والتخصيص يحتاج إلى دليل. ويمكن القول إن الأخبار ليست حجّة وإنما الإجماع والشيوع مع القيدين، ولا حجّة على غيرهما، والأصل دليل قوي والاحتياط واضح»[38].
  • فهو يقول: لم أعثر على رواية صحيحة صريحة تدل على تحريم الغناء، وربما يكون الشيوع بين الفقهاء كافياً، بالإضافة إلى كثرة الأخبار التي تؤيد ذلك، بل هناك إجماع على تحريم الغناء، واستثناء بعض أنواع الغناء يحتاج إلى دليل. وربما يمكن القول إن الروايات التي وصلت إلى تحريم الغناء ليست حجّة شرعية بحد ذاتها، وإنما إجماع وشيوع هو الذي يجعل الغناء حراماً، وهذا الغناء هو الذي يحتوي على ترجيع وطرب، ولا يوجد دليل على تحريم غيره، ومن ثم يجب العودة إلى الأصل في الإباحة، مع وجوب الاحتياط بتجنب الغناء والاستماع إليه مطلقاً.
  • نقد ادعاء الإجماع
  • الخطأ في رأي المقدس هو أنه يفترض وجود إجماع على تحريم الغناء حتى لو كان الإجماع قديماً وموثوقاً، لكنه لأن المعنى غير محدد، فالإجماع يتجاهل ذلك، ومن ثم لا يمكن تخصيص الاستثناءات والجواز. التخصيص يكون حين يثبت أمر كلي أولاً مثل (البيع) ثم يُطلق عليه عموماً. مثل قول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ)، فالبيع جنس، و”أل” هنا جنس أيضاً، وهي تدل على العموم. ومسألة الغناء التي هي أمر عقلي مثل آية البيع، تقول إن كل بيع جائز ثم يُخصص بالحظر على الربا. فإذا لم يخصص الربا لما حرمه الله لما عرفنا حرمة الربا، وكان كل بيع حلالاً. والبيع أمر اجتماعي وعام، فلو لم يكن التخصيص للحظر لكان قول (أحل الله البيع) لغواً. والجميع يعلم أن البيع جائز، ولكن الشرع أتى بالآية تمهيداً لحظر الربا. هكذا الغناء، هناك إجماع على تحريمه لكن هذا الإجماع مهمَل لأنه غير محدد المعنى، ولذلك لا يثبت إطلاق الغناء ليخصص منه الاستثناء. ووجود هذا الإجماع نفسه غير ثابت، ولو فرض وجوده فهو غير معتمد لكثرة الأدلة المضادة التي تم بحثها. المقدس لا يعرف رواية صحيحة على تحريم الغناء لكنه يرى من الأفضل ترك الغناء لكنه لم يحدد ماهية الغناء التي يجب تركها ولا يبين الدليل.
  • عدم تحريم ذات الغناء
  • ثم يستعرض المقدس بعض الاستثناءات مثل جواز الغناء في سوق الإبل، وجواز الغناء في الأعراس بشرط عدم التحدث بالكذب والباطل وعدم دخول الرجال عليها، ويشير إلى رأي شيخ الطوسي في ذلك. لكنه يعتبر أغلب الروايات في باب الجواز ضعيفة عدا رواية أبي بصير:
  • «وقد استثني الحداء بالمد وهو سوق الإبل بالغناء لها. وعلى تقدير صحة استثنائه يمكن اختصاصه بكونه للإبل فقط كما هو مقتضى الدليل، ويمكن التعدي أيضاً إلى البغال والحمير. وقد استثني الغناء في الأعراس بالشرط الذي ذكرناه، وهو أنه إذا كانت بدون مفسدة فهو جائز، وهذا الغناء غير المحرم هو غناء غير اللهو والتمثيل، وهذا غير ثابت عندنا بالخبر الصحيح»[39].
  • المقدس يذكر في بحثه أن الغناء الذي هو صوت حسن بدون ترجيع أو أطراب ليس محرماً، ومع أن الغناء نوعان، نوع يحرّك الطرب والنوع الآخر لا، ويبين أن الغناء الذي لا يحرّك الطرب هو جائز. مع ذلك، فهو لا يعطي مثالاً دقيقاً أو حكمًا نهائياً على هذه الحالات.
  • دليل المرحوم مقدّس في إثبات جواز الاستثناء: استحباب البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وفضل ذلك، وأن الغناء يمكن أن يكون معينًا ومساعدًا للبكاء. الغناء في مقام دشتي أو شوشتر أو الحجاز ذو طابع حزين للغاية، ومن الروايات أن الإمام السجاد (عليه السلام) قد قرأ أشعارًا أمام ابن زياد حتى ارتجف هو وشمر من البكاء، ويجب النظر في ذلك: بأي مقام وبأي نغمة كانت هذه القراءة؟
  • ويؤكد صاحبنا أن عمل المتشرعة والمسلمين دلالة أخرى على هذا الأمر، ويختار لبيان الدليل نظرَ العرف. وقد نقلنا سابقًا عن الشيخ الطوسي أنه إذا كان الغناء حرامًا، فإنه يحرم في جميع الحالات إلا ما خصه الشرع.
  • معيار تحريم الغناء هو الإثارة الطربية
  • يذهب المرحوم مقدّس أردبيلي في استكمال الدليل إلى أن سبب تحريم الغناء هو إثارة الطرب، حيث يقول:
  • «ويؤيده أن التحريم ظاهرًا للطرب، ولهذا قيد بالمطرب، وليس في المراثي طرب، بل لا يوجد إلا الحزن، وأكثر هذا يجري في استثناء مطلق المراثي، كأنه ترك للظاهر. وبالجملة: عدم ظهور دليل التحريم، والأصل، وأدلة جواز النياحة مطلقًا بحيث يشمل الغناء، بل الظاهر أنها لا تكون إلا معه ـ يفيد الجواز، والله أعلم.»
  • من الأمور الأخرى التي تؤيد صحة استثناء المراثي على الإمام الحسين (عليه السلام) أن تحريم الغناء بسبب الطرب، والمراثي لا تثير أي نوع من الطرب، بل هي حزن خالص، وأكثر ما قيل في مطلق المراثي هو صحيح، وإن كان لم يُذكر لتبيان ما هو واضح.
  • وبوجه عام، عدم وجود دليل ظاهر على التحريم، والأصل الإباحة، والأدلة التي تدل على جواز النياحة مطلقًا التي تشمل الغناء أيضًا، بل أن النياحة لا تتم إلا بالغناء، كلها تثبت جواز الغناء في مجالس المآتم على سيد الشهداء (عليه السلام). والله أعلم بالحكم.
  • المرحوم مقدّس يرى أن الحزن لا يصاحبه طرب، وهذه ادعاء تدل على عدم فهمه الجيد للطرب. الطرب أو حالة الخفة والسرور التي تصيب النفس قد تظهر أيضًا مع المقامات الحزينة للموسيقى. مقام دشتي مقام حزن ومقام شور مخصص للحزن، ومع ذلك كلا المقامين طربيان. من يغني دشتي أو زابل يثير في المستمع طربًا حزينًا يجعل الدموع تسيل. الطرب مقسم إلى حزني وسرور، فإذا أسفل القلب يكون حزناً، وإذا رفعه يكون سرورًا، وللأسف لم ينتبه إلى علاقة الطرب والحزن.
  • أيضًا ما يتعلق بنوح النساء، الذي يقول المرحوم مقدّس إنه لا ينفصل عن الغناء، لم يكن دائمًا كذلك، بل كانت النساء تبكي وتتمتم وتمزق شعرها وتضرب وجوههن، لكن هل كان هناك غناء؟ هذا يحتاج إلى بحث، والمرحوم مقدّس يستند إلى أن النوح بدون غناء مستحيل، فيُحتج بالروايات على ذلك.
  • نية الحزن في الغناء المرثي
  • «ولكن لابد من نية التفجع والندبة عليه (عليه السلام) في الغناء بمرثيته لا غير، وهو ظاهر. ثم أن الظاهر أن المنع من بيع المغنية للتغني مع العلم، ويمكن المنع مع الظن الغالب المتاخم للعلم كذلك، لا مطلقًا، فإن لها منافع غير الغناء، ويؤيده جواز بيع العنب لمن يعمل خمراً كما تقدم، والاجتناب مطلقًا أولى وأحوط. قوله: “ومعونة الظالمين بالحرام” متعلق بالمعونة، أي: يحرم.»
  • ولكن في النوح يجب أن تكون النية للبكاء والندب على الإمام الحسين (عليه السلام)، وإن كان الاحتياط ترك الغناء مطلقًا، سواء في مرثي الإمام الحسن (عليه السلام) أو غيره.
  • المرحوم مقدّس بعد قيد «الحزن» يضيف «نية الحزن» ويقول في الغناء المرثي إذا لم يكن الحزن موجودًا، فيجب على الأقل وجود نية الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام). فإذا لم يرد المغني أن ينوِي الحزن، هل يكون عمله حرامًا؟
  • المرحوم مقدّس، نظرًا لقداسته واحتياطاته، يستخدم كثيرًا عبارات مثل “قيل”، “يمكن”، “لعل”، بينما المفروض أن الفقيه كالجراح لا يترك مجالًا لـ”لو” و”لكن” إلا في حالات خاصة جدًّا، وعليه أن يبيّن حكم الشريعة ويصل إلى يقين.
  • ومع ذلك مقامه العلمي والمعنوي لا يخفى على أحد، لكنه كان في زمن لم تكن الإمكانات العلمية والتاريخية متوفرة على نحو كامل. بدأ بحثه في الغناء بـ”قيل”، بينما يجب على الفقيه أن يبدأ بـ”التحقيق”.
  • روايات جواز الغناء في القرآن الكريم
  • يورد السيد سبزواري بعد ذلك روايات تتعلق بجواز الغناء في القرآن الكريم، ومن بينها اثنتان كما يلي:
  • «وعن سماعة عن شيخ من أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام قال: جئنا نريد الدخول عليه، فلمّا صرنا في الدهليز سمعنا قراءة بالسريانية بصوت حسن يقرأ ويبكي حتى أبكى بعضنا.
  • وعن موسى النميري قال: جئت إلى باب أبي جعفر عليه السلام لأستأذن عليه فسمعنا صوتاً حزيناً يقرأ بالعبرانية فبكينا حين سمعنا الصوت فظننّا أنه بعث إلى رجل من أهل الكتاب ليستقرئه، فأذن لنا فدخلنا عليه فلم نر عنده أحداً، فقلنا: أصلحك الله سمعنا صوتاً بالعبرانية فظننّا أنك بعثت إلى رجل من أهل الكتاب ليستقرئه، قال: لا، ولكن ذكرت مناجاة إيليا لربّه فبكيت».
  • ويقول الفقيه سبزواري إن تأويل هذه الروايات حول جواز الغناء بطريقة تجمعها مع الروايات التي تحرم الغناء يؤدي إلى تكلف وإرهاق غير مجدٍ. ويتوجه الباحث المحقق في هذا الكلام إلى علماء مثل السيد المرتضى الذين فسروا حديث «من لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا» تأويلاً، وخصصوا الغناء بقراءة القرآن:
  • «والتأويل في هذه الأخبار عدا الأخير بحيث يجتمع مع القول بتحريم الغناء في القرآن يحتاج إلى تكلف ظاهر. والشيخ أبو علي الطبرسي قال في كتابه “مجمع البيان”: الفن السابع هو تحسين اللفظ وتزيين الصوت في قراءة القرآن. ونقل روايات عن طريق العامة حتى نقل رواية عبد الرحمن بن السائب قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص فأتيته مسلمًا عليه فقال: مرحبًا يا ابن أخي! بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن. قلت: نعم والحمد لله. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فأبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا. قال: وأولى التفسير أن المراد التزيين والتحزين بالصوت. انتهى.
  • وهذا يدل على أن تحسين الصوت بالقرآن والتغني به مستحب عنده، وأن خلاف ذلك لم يكن معروفًا بين القدماء، وكلام السيد المرتضى في “الغرر والدرر” لا يخلو من إشارة واضحة لذلك».
  • ويضيف أن كلام العلامة الطبرسي في تفسيره الذي يقول فيه إن معظم العلماء أرجأوا الغناء في الحديث «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» دليل على استحباب تحسين الصوت في قراءة القرآن بالغناء، وأنه لا شهرة لرأي مخالف في هذا الشأن. ويؤيد رأيه بروايات هذا الباب.
  • القراءة الحزينة للإمام الكاظم عليه السلام
  • يورد الباحث المحقق نقلاً تاريخياً جديداً لجواز الغناء، وهو ما لم نبحثه في المجلد الثالث من هذا البحث، جاء فيه:
  • «عن فحص قال: ما رأيت أحدًا أشد خوفًا على نفسه من موسى بن جعفر عليه السلام، ولا أرجأ للناس منه، وكانت قراءته حزنًا، فإذا قرأ كأنّه يخاطب إنسانًا».
  • فحص يقول: لم أرَ أحدًا أشد خوفًا على نفسه من الإمام الكاظم، ولا أكثر رجاءً من الناس منه، وكانت قراءته حزينة، وكأنّه يخاطب شخصًا.
  • النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا الحديث هي لزوم الجمع التام عند قراءة القرآن، بحيث يجمع الإنسان نفسه وكل كيانه في موضع واحد، كأنّه يخاطب إنسانًا حين يتلو القرآن. بالرغم من أن الراوي قال «كأن»، إلا أن مقام الإمام هو مقام يقين وتأكيد.
  • القرآن الكريم هو شخص في ذاته، وسيظهر كذلك يوم القيامة، لأنه نزل بحزن من عند محبوبه، ومن ثمّ تم التأكيد في الروايات على القراءة الحزينة للقرآن.
  • حرمة الغناء اللّهوِي
  • «حينئذ نقول: يمكن الجمع بين هذه الأخبار والأخبار الكثيرة الدالة على تحريم الغناء بوجهين: أحدهما تخصيص تلك الأخبار بما عدا القرآن، وحمل ما يدل على ذم التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعها الفساق في غنائهم. ويؤيده حديث عبد الله بن سنان المذكور، فإن في صدر الخبر الأمر بقراءة القرآن بألحان العرب، واللحن هو الغناء، ثم المنع من القراءة بألحان أهل الفسق، ثم قوله: سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء.
  • وثانيهما أن يقال: المذكور في تلك الأخبار الغناء، والمفرد المعرّف باللام لا يدل على العموم لغة، وعمومه يستنبط من عدم وجود قرينة على إرادة الخاص، وإرادة بعض الأفراد من غير تعيين ينافي غرض الإفادة وسياق البيان والحكمة، فلابد من حمله على الاستغراق والعموم، وهذا ليس كذلك؛ لأن الغناء الشائع في ذلك الزمان هو الغناء على سبيل اللهو من الجواري المغنيات وغيرهن في مجالس الفجور والخمور، والعمل بالملاهي، والكلام الباطل، وإسماعهن الرجال وغيرها، فحمله على تلك الأفراد الشائعة في ذلك الزمان غير بعيد.
  • ويؤيده ما رواه الحميري في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس ما لم يعص به».
  • يقترح المحقق سبزواري في وجه الجمع بين أخبار جواز الغناء في القرآن وروايات التحريم طريقين: الأول تخصيص التحريم بغير القرآن، والثاني حمل الذم على الغناء باللهو، وهو ما يجعل الغناء في قراءة القرآن جائزًا. ويُرجع اللحن في الروايات إلى الغناء نفسه.
  • يرى سبزواري أن الروايات المتعلقة بالغناء ليست متضادة، بل كل مجموعة تخص موضوعًا مختلفًا يتغير معه الحكم.
  • هو يميز حرمة الغناء باللهو الصوتي، ولا يعتبر الصوت الذي لا لهو فيه غناءً محرّمًا. وهذا الرأي قابل للنقد؛ لأن الغناء ليس حرامًا لذاته، بل العوارض التي تصاحبه هي التي تخلق الحرمة، كما أن اللهو هو السبب في تحريم الصوت، وليس الغناء بذاته.
  • كما قالنا في المجلد الثاني من هذا البحث، أن اللهو له نطاق واسع، فقط بعض أنواعه محرمة.
  • عمومية الغناء
  • الطريق الثاني الذي يقترحه هو أن كلمة «الغناء» لفظ معرف لا يدل على العموم لغويًا، والعموم يُستنبط من عدم وجود قرينة على خصوص، فلا بد من حمله على العموم مع وجود قرائن، وهذا غير متوفر هنا.
  • نقد رأي المحقق
  • هذا الرأي غير صحيح، لأن الغناء الشائع في ذلك الوقت كان غناء اللهو للجواري، وما سواها في مجالس الفسق والخمر والباطل. فلا يمكن حمل اللفظ المفرد على عموم واسع جداً دون تخصيص.
  • رواية أبو بصير التي لها سند صحيح تشير إلى أن السبب في تحريم غناء النساء هو دخول الرجال إلى مجالسهن، والغناء ذاته ليس محرماً لذاته.
  • مثال توضيحي: كلمة «العلماء» تعني العموم لكن إذا جاء معها تخصيص يصبح القصد معينًا، وكذلك في «الغناء» لا يجوز العموم إلا بقرينة.
  • نقد تقسيم الغناء إلى لهوي وغير لهوي
  • هل الغناء نوعان: محرم ولهوي وحلال، أم هو نوع واحد يُلَوَّث بسلوكيات خاطئة؟ كما أن الجلوس في مجلس الخمر صار محرماً بسبب وجود الخمر، وليس المجلس بحد ذاته.
  • الغناء هو صوت حسن، وهو ليس حرامًا بذاته، حتى لو كان ممتعًا ومشوقًا، لأن الطرب والترجيع لم يُنه عنهما، وإنما التحريم يرتبط بالمعاصي المصاحبة له.
  • دلائل جواز الغناء
  • يستشهد المحقق بروايات تدعم وجهة نظره، لكنه يظهر تردده في مسألة أخرى.
  • الروايات التي تحرم الغناء تتعارض مع كثرة الروايات المتواترة التي تؤكد فضل تلاوة القرآن والدعاء والأذكار بصوت حسن.
  • هذا التعارض يدل على تحريم الغناء على سبيل اللهو فقط، وليس تحريم الغناء ذاته.
  • إذا ثبت الإجماع على تحريم غير ذلك، يُتبع، وإلا يبقى الأصل في الإباحة، والاحتياط واضح.
  • المحقق سبزواري يذهب إلى إثبات جواز الغناء مع استبعاد المظاهر الفاسدة.
  • جواز الحداخواني
  • أجمع الفقهاء على استثناء «الحدا» (سوق الإبل بالغناء)، ولم يوجد حجة على ذلك سوى عدم شمول أدلة المنع له.
  • اختلفوا في فعل المرأة الغناء في الأعراس إذا لم تصحب ذلك بمخالفات، فأباحه جماعة، وكراهه آخرون، وحرّمه بعضهم استناد

الأحاديث.

هذا الموضوع له سعة كبيرة.

خلاصة الفصل

  • الغناء في قراءة القرآن جائز بإجماع أقوال العلماء، طالما لم يكن غناءً لهويًا بذيئًا.
  • روايات تحريم الغناء هي لمنع اللهو والفسق.
  • الغناء الصوتي الجميل لا يضر إذا كان خاليًا من المعاصي.
  • يوصي المحقق بأن يُراعى الواسطة في النظر، وأن يُتأمل في تفصيلات كل حالة.
  • تأثير روح المرحوم ميرفندرسكي على الباحث السّبزواري
  • كان المرحوم السّبزواري يتمتّع بروح شجاعة، إذ تربّى تحت إشراف أستاذ مثل ميرفندرسكي. فقد كان السيد ميرفندرسكي أشجع العلماء في عصره، وكان شاه عباس يخشى منه وحده بين العلماء، ولم يكن لميرداماد أو شيخ بها مكانته وهيبته. كان ميرفندرسكي يميل إلى الدعابة، وإذا أتيحه الموقف، كان يكشف عورة السلطان. ومع ذلك، لم يتم تصوير دور السيد ميرفندرسكي بشكل كامل في الفيلم الذي عرض حياة ملا صدرا، إذ كان مختلفاً تماماً عما نعرفه عنه. كان المرحوم ميرفندرسكي رجلاً جامعاً، شجاعاً ومحارباً، لم يكن يأبه للحكومة القائمة، وكان يتجول بحرية في أزقة وشوارع المدينة وفي المقاهي، مؤمناً بأنه يجب أن يكون بين الناس وألا يغفل عنهم. وكان ينتقد العلماء في زمانه الذين يبتعدون عن الناس ويقول لهم: لا تحاصروا أنفسكم داخل بيوتكم، بل اخرجوا إلى الناس. والآن، باعتباره تلميذ هذا الأستاذ، لا يمكن أن يكون المرحوم السّبزواري قد تأثر به بلا تأثير.
  • جمع الرسالة التحليلية
  • كان المرحوم السّبزواري يتمتع بمكانة أستاذية وإمامة جمعة، وكان ذا نفوذ وقوة، لكنه حينما لاحظ الاضطراب والاختلاف الناجم عن كتابة رسالته، تراجع بحكمة وتصرف بذكاء لحفظ أمة الإسلام، حتى أنه جمع كل نسخ كتابه، لأن حكم الشيعة كان في سنواته الأولى في إيران، وأي هفوة قد تسبب أضراراً لا تُعوض. وهذا ما يفسر سبب سلب الحرية من الفقهاء الشيعة، وهو أمر لم يكن موجوداً بنفس الدرجة في زمن الأئمة المعصومين. ولا يمكن مقارنة زمنهم بزمن المرحوم السّبزواري الذي عاشت فيه الشيعة في ظل سلطة ملكية قوية.
  • نتيجة هذا الجمود الفكري
  • تتجلى في ضرب العديد من أُسُس الدين، بحيث إذا لم يتم تصحيحها، يصبح الدين صعباً ومعقداً بحيث ينفر الناس منه، ومع مرور الزمن وتقدم العلوم وتهجم الثقافات المعادية للدين، يلجأ الناس إلى التقليد فقط واتباع ما يظنون صحته من أنفسهم. الآن، بعض الفقهاء المعاصرين يتمسكون بحرمة الغناء والموسيقى بشكل مطلق، في حين أن الناس يستمتعون بأنواع الموسيقى المختلفة دون اعتبار لهذه الفتاوى. هذا السلوك ليس دينياً ولا منهجاً دينياً ولا طريقة للدعوة إلى الدين، لأن مثل هذا الدين لا يمكن للعلماء أداؤه، فكيف بالناس عامة؟
  • التقية والإكراه في رسالة التحريم
  • تاريخ علم الفقه والاستبداد في المجتمعات التي عاش فيها الفقهاء الشيعة أجبرهم على التقية وإخفاء آرائهم، والصمت أحياناً، وحتى تغييرها. فمن يقرأ رسالة التحريم للمرحوم السّبزواري يجد مؤشرات تدل على أنه لم يعبر عن رأيه الحقيقي، وأن اعترافاته كانت تحت الإكراه. لذلك، لا يجب أخذ قوله بأنه يعبر عن رأيه الحقيقي على محمل الجد. وتاريخ الشيعة مليء بهذه الأمثلة، وخاصة في الكلمات التي قيلت لمصالحة بين الشيعة والسنة.
  • من الجدير بالذكر أن الذين نشروا الرسالة لم ينتبهوا إلى هذه النقطة وأخذوها كمراد حقيقي للكاتب. وعندما كتب الباحث السّبزواري رسالة التحريم، استعاد دعم الفقهاء، كما كانوا دائماً يدعمون بعضهم البعض.
  • دلائل التقية في حكم تحريم الغناء
  • بدأ المرحوم السّبزواري رسالته بالاستشهاد بآيات قرآنية وأحاديث تفسيرية، لكنه أشار إلى أنه لا يقصد الاستدلال بها، وإنما يستخدمها كتأييد لتحريم الغناء. وكان أكثر أدلته الروايات المتواترة عن أهل السنة والشيعة التي اكتفى بنقلها دون إضافة رأيه.
  • كان في كلامه تحفظ كبير، حيث كان يكتفي بذكر أقوال المفسرين والرواة، ولا يعطي رأياً خاصاً به. ولعل هذا يرجع إلى خوفه أو تقيه.
  • في تفسير الآية التي استشهد بها، قال إن المشركين كانوا يغنون لتشتيت الناس عن سماع القرآن، واستشهد بكلام كبار المفسرين وأمثال ابن عباس.
  • كما نقل بعض الروايات التي كانت سندها ضعيفاً أو موضع شك، مؤكداً أنه لا يقصد الدليل الكامل من كل رواية، وإنما يجمعها لأجل إظهار غرضه، وهو التحريم، مع تلميح إلى وجود ضعف في بعض هذه الروايات.
  • وفي النهاية، لم يقدم استدلالاً جديداً، بل اكتفى بنقل الأقوال مع تعليقاته الخاصة التي توحي بأنه يعبر عن رأي تحت طائلة التقية.
  • نقد الروايات الدالة على الجواز
  • على العكس، فقد درس بدقة روايات جواز الغناء واتهمها بالضعف سنداً ومعنى، مع شرح تفصيلي. وربما كان هدفه التشكيك فيها لإرضاء الفقهاء المعاصرين له وبحسب سياق التقية.
  • كما أن انتقاده لروايات الجواز كان تفصيلياً، بينما روايات التحريم ذكرها باختصار شديد.
  • ويبدو من ذلك أنه كان يرى أن هذه الروايات الجوازية أكثر قوة من حيث الدلالة، وأنه بحاجة إلى تقديم تبريرات معقدة لنقدها.
  • خلاصة القول
  • لم يصدر عن المرحوم السّبزواري فتوى صريحة بتحريم الغناء، بل اكتفى بنقل الروايات التي وردت في هذا الباب، مع الإشارة إلى بعض أوجه الضعف فيها، مما يدل على أن قوله كان خاضعاً لمبدأ التقية.
  • ن يَعتبرُ أنّ الغناء هو الحزن المطلق المصحوب باللذّة — كما هو رأي السيد المرتضى — يمكنه أن يقول إنّ بعض الصفات والخصائص خارجة عن الغناء وتُحسّن الصوت، وهذه الأحاديث في الواقع تتحدث عن ذلك وتمدحه، لا عن الغناء.
  • للأسف، كان يهدف إلى نفي أدلة الإباحة بطريقة تُغلق باب البحث، لا إلى التعمّق في التحقيق. ونتيجة مثل هذا التعامل مع النصوص الدينية هي القول بأنّه من المستحبّ بدلاً من التصفيق في حفلات الأعراس، أن يُرسل الصلاة والسلام، في حين أنّ هذا القول يؤدي إلى جمود المجتمع، ويفضي إلى مللٍ ودَنوٍّ وبعض النفور من الدين.
  • تقديم الدين يجب أن يكون كصوت المؤذن، ينبغي أن يكون جميلاً ليجذب الجميع، لا أن يكون مزعجاً يثير النفور.
  • علاقة جمال الصوت بالغناء
  • يقول المرحوم السّبزواري:
  • قد يكون المراد من حسن الصوت ليس مدح الغناء، بل مدح صفات مثل جودة الكلام؛ وهذا الوصف خاص بالبُلغاء والخطباء، لا للقراء أو الرواة.
  • ومع ذلك، يشير إلى أنّ هذا القول ليس رأيه الشخصي، بل ما قد يستفيده من التأمل. وأكدنا أن ليس من الضروري الجمع بين الروايات، وأدلة التحريم لا تحرم الغناء لذاته، وكذلك جواز الغناء لا يحتاج إلى أدلة وسند.
  • وفي الحديث المشهور عن قراءة الإمام عليه السلام، ورد أنَّ الصوت الجميل قد يُستفاد منه حالات تحذير وتذكير وتفجع وحزن تؤثر تأثيراً واضحاً في النفوس، لكنه يرى ضعف سند هذا الحديث بسبب راوٍ مثل سهل بن زياد المعروف بضعفه.
  • وفي الحديث أيضاً، يُذكر أنّ الإمام السجاد عليه السلام كان ذا صوت حسن، يقف السقاة عند بابه يستمعون إلى تلاوته.
  • ويُشير السّبزواري إلى أن جمال الصوت قد ينبع من نغمة الصوت وقوته، بالإضافة إلى مهارة ضبط الصوت وأدائه، فعبارة “كان أحسن الناس صوتاً” تدل على ذلك.
  • وحجم تجمع السقاة عند بابه يدل على جذب الدين والمؤمنين والكفار على حد سواء.
  • أما الحديث عن شراء جارية لها صوت، فقال الإمام عليه السلام: “ما عليك لو اشتريتها، فذكرتك الجنة”، وهذا يدلّ على أنّ الصوت الحسن إذا كان خالياً من الانحراف يذكّر بالجنة ولا حرج في الاستمتاع به ضمن الضوابط.
  • ويشير السّبزواري إلى أنّ الحديث مرسل وضعيف، وقد يُؤوّل المراد من “لها صوت” إلى صوت القراءة لا إلى الغناء، وقد يُفسر كذلك على التقية في زمن بني أمية والعباس.
  • الجمود العلمي والاجتماعي
  • ينتقد السّبزواري تلك التقييدات الصارمة التي تؤدي إلى إغلاق المجال الثقافي والاجتماعي، مما يضرّ بالمجتمع ويخلق عقداً نفسية وحسرة لدى الأفراد.
  • البَيتَاتُ الَّتِي تَسْكُنُها الأَشْخاصُ فِي المَنَازِلِ الصَّغِيرَةِ وَالفُرُوشِ الشَّقَقِيَّةِ، وَالَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا أَنْ يُنَبِّهُوا النِّسَاءَ وَالأَوْلادَ بِخَفْضِ أَصْوَاتِهِمْ، يَجِبُ أَنْ يَطْلُبُوا الْمَغْفِرَةَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِمْ، لِأَنَّ سَمَاعَ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ الأَحْرَامِ لا يُعْتَبَرُ مَانِعًا، وَصَوْتُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى التَّسْتِيرِ، وَكَذَلِكَ الْجِيرَةُ تُعَدُّ مِنْ دَرَجَاتِ الْحِرْمَةِ وَالْمَنْعِ. وَأَمَّا الَّذِينَ يُضْطَرُّونَ لِلْعَيْشِ بِهُدُوءٍ وَصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ فِي الْمَنْزِلِ، فَلا بُدَّ أَنْ يَذْهَبُوا عَلَى الْأَقَلِّ مَرَّةً فِي الأُسْبُوعِ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَيَصْرُخُوا مَا اسْتَطَاعُوا لِيُفَرِّغُوا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ كَبْتٍ.
  • وَالْحُبُّ فِي الصَّوْتِ وَالْغِنَاءِ أَمْرٌ فِطْرِيٌّ، وَأَنَّ الشَّخْصَ الْحَسَنَ الصُّوتِ وَالْمَنْظَرِ الَّذِي يَحِلُّ نَظَرُهُ إِلَيْهِ يُذَكِّرُ الإِنْسَانَ بِالْجَنَّةِ وَنِعَمِهَا، هُوَ أَمْرٌ مَقْبُولٌ وَمَفْهُومٌ وَلا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ مَذْكُورَةً فِي الرِّوَايَاتِ، فَالعَقْلُ يُدْرِكُهَا. وَالْمُطْلِقُ إِذَا غَنَّى هَذَا الشَّخْصُ، يُلَيِّنُ الْقَلْبَ وَيُرِقُّهُ. وَفِي الْوُقُتِ الْحَالِيِّ تُعَالَجُ الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ فِي الدُّوَلِ الْغَرْبِيَّةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَيُوَضَّعُ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ الْمُرَاعُونَ مِنَ النِّسَاءِ الْجَمِيلَاتِ وَذَوَاتِ الأَصْوَاتِ اللَّطِيفَةِ. وَرَغْمَ أَنَّهُمْ لا يَرْعَوْنَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، إِلَّا أَنَّ الْبُحُوثَ الْعِلْمِيَّةَ تُثْبِتُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ اللَّطِيفَةَ وَالْمَهذَبَةَ وَالسَّعَادَةَ وَالْفَرَحَ تُسَرِّعُ فِي الْشِّفَاءِ. وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ مَنْظُورِ الْعَقْلِ، وَلَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى دَعْمٍ رِوَائِيٍّ، وَالنَّقْدُ الَّذِي وَجَّهَهُ الْمَرْحُومُ السَّبْزَوَارِيُّ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ مَعْرُوفًا وَلا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
  • وَالْيَوْمَ يُفَضِّلُ مُلَّاكُ الْمَحَالِّ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُونَ مِنَ النِّسَاءِ، لِأَنَّ الْمُدِيرَ يَعْلَمُ أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ صَبْرًا وَصَوْتُهُنَّ أَلْطَفُ فِي جَذْبِ الْعُمَلاءِ، وَيَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ كَمُدِيرِ الْمُجْتَمَعِ أَنْ يُحَدِّدَ حُدُودَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَيُبَيِّنَ مَا هُوَ حَرَامٌ وَيَمْنَعَ الْحُرِّيَّةَ فِي الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ.
  • نَقْدُ الْمُحَقِّقِ عَلَى الرِّوَايَاتِ فِي جَوَازِ الْغِنَاءِ
  • وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَاقْرَءُوهُ بِالْحُزْنِ»، وَفِي ذَلِكَ قَالَ الْمُرْحُومُ السَّبْزَوَارِيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْغِنَاءِ، فَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْقِرَاءَةُ بِحُزْنٍ وَوَجَعٍ.
  • وَصَوْتُ الْغِنَاءِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  • وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ (ص): «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنِّي»، فَهِيَ رِوَايَةٌ عَامِيَّةٌ لَا تُعْتَبَرُ حُجَّةً، وَلَدَى الْعَامَّةِ تَفَاسِيرُ كَثِيرَةٌ لَا تُحَمِّلُهَا عَلَى الْغِنَاءِ، وَتَحْمِيلُهَا عَلَى الْغِنَاءِ لَيْسَ بِدُونِ بُعْدٍ.
  • وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَهْيٌ عَنْ تَقْلِيدِ الْيَهُودِ فِي تِلَاوَةِ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ بِاللَّحْنِ وَالْوَجْدَةِ وَالْمُغَنَّيَاتِ، وَالْمَعْنَى «فَلَيْسَ مِنِّي» أَيْ لَيْسَ هَذَا النَّهْجُ وَالطَّرِيقُ.
  • وَقَدْ قَالَ الْمَرْحُومُ السَّبْزَوَارِيُّ إِنَّ الرِّوَايَةَ ضَعِيفَةٌ بِسَبَبِ وَرُودِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي سِلْسِلَةِ السَّنَدِ.
  • وَفِي نَقْدِ الْمَعْنَى وَالشَّرْحِ لِلْكَلِمَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ فِي الْغِنَاءِ وَالطَّرَبِ وَالتَّرْجِيعِ وَاللَّحْنِ وَالتَّغْرِيدِ وَالْتَّرَنُّمِ، أَشَارَ الْمُرْحُومُ السَّبْزَوَارِيُّ إِلَى أَنَّ الْفَقِيهَ يَجِبُ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى حَلَالِهَا أَوْ حَرَامِهَا.
  • وَفِي الْخِتَامِ، فَإِنَّ الْمُرْجِعَ فِي مَسْأَلَةِ جَوَازِ الْغِنَاءِ هُوَ الْمَنْظُورُ الإِلَهِيُّ وَالْفِقْهِيُّ وَالْعَقْلِيُّ وَالْحَسِّيُّ الَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ الْوَاقِعِ الْحَيَوِيِّ، وَيَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْغِنَاءِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَأَنْ يَضَعَ حُدُودًا لِلْغِنَاءِ يَحْمِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْمَعَاصِي وَيُحَافِظَ عَلَى حُرْمَةِ الصَّوْتِ وَالْكَلِمَةِ.
  • هَلْ تُرِيدُ أَن أُلَخِّصَ لَكَ النَّقَاطَ الرَّئِيسِيَّةَ؟
  • بعضی از اهل سنت، “تغنی” را به زیبا کردن صوت معنا کرده‌اند و این عمل بر اساس اعتقادی است که بر اساس آن، غالباً شوق و تحسین با هم جمع می‌شوند.
  • بررسی گفته‌های لغت‌شناسان نشان می‌دهد که آنها واژگان را با هم مخلوط کرده و معنی مجموعی از آن‌ها را ارائه داده‌اند، در حالی که «ترجیع» به چرخاندن و آزاد کردن صوت و «ترنیم» به زمزمه کردن اشاره دارد و تفاوت زیادی میان چرخاندن صوت و زمزمه آن وجود دارد.
  • هذا ما يتعلّق بتفسير الغناء. وحكي عن بعض أصحابنا أنّه رجع في تفسير الغناء إلى العرف، فما سمّي غناء فهو حرام وإن لم يطرب. وجعل ذلك الشهيد الثاني أولى، وذكر بعض أصحابنا المتأخّرين أنّه لا خلاف في تحريم ما اجتمع فيه القيدان، وإنّما الخلاف في ما لم يتحقّق فيه القيدان وسمّي غناءً عرفاً، ويشعر بذلك كلام الشهيد الثاني في شرح الشرائع حيث قال ـ بعد نقل التفسير المذكور للغناء عن جماعة من الأصحاب ـ «وردّه بعضهم إلى العرف، فما سمّي فيه غناء يحرم وإن لم يطرب» ـ واستحسنه ـ ثمّ قال: «ولا فرق في ذلك بين كونه في شعر أو قرآن وغيرهما وقال في الروضة: هو مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمّى في العرف غناءً وإن لم يطرب؛ سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما».
  • المرحوم سبزوارى في هذه العبارات يتناول نظرة تاريخية لفقه ويستعرض ما قد نقله الفقهاء عن بعضهم في هذا الشأن.
  • أوّلًا، يذكر رأي الشهيد الثاني الذي يعيد تعريف الغناء إلى العرف، فيقول إن كل ما يسمى غناءً في العرف حرام حتى وإن لم يكن مصحوبًا بالشوق أو الطرب. كما أشار إلى أن الخلاف يقع فقط في تلك الحالات التي يطلق عليها الناس الغناء دون أن تحتوي على الوصفين، الطرب والترجيع. نحن قد نقدنا هذه الفكرة في تناولنا لرأي الشهيد الثاني في الكتاب الأول وناقشنا تعريف الطرب باعتباره صفة نفسية.
  • النقطة الثانية التي يجب ملاحظتها هي أن الصوت والمحتوى مدموجان معًا، والمحتوى يتكون من الصوت والصوت ذاته. في الكلام، يظهر الصوت أولًا ثم يتم إضافة معانٍ له مما يخلق الكلمة.
  • الصوت والصدى يتداخلان مع المحتوى، الزمان، المكان، وخصوصيات أخرى مثل كيفية القراءة، نوع الحالة النفسية، ومراتب النفس، ما يجعل الصوت إما مستحبًا أو غير مستحب. الصوت الذي يسبب الطرب، سواء كان مفرحًا أو حزينًا، يحتوي على خصائص لا تقتصر فقط على الصوت نفسه. على سبيل المثال، إذا غنى المغني في مجلس عزاء، فإن الطريقة التي يتم بها أداء الصوت تؤثر في السامعين، وإذا تم أداء نفس النغمة في مجلس فرح، قد يصبح هذا غير ملائم.
  • الطرب أمر مميز عن الترجيع. الترجيع هو تكرار الصوت والطرب هو تأثير ذلك التكرار على النفس.
  • الترجيع هو ضرب من تكرار الصوت، أما الطرب فهو تأثير ذلك التكرار على النفس. عندما نقول إن صوتًا ما يثير الطرب، فهذا يعني أن الصوت يحمل الاستعداد للطرب لكنه لا يتسبب فيه إلا إذا كان مصحوبًا بعوامل أخرى. الصوت الذي يولد الطرب يؤثر في نفس المغني وكذلك السامع. قد يشعر الشخص بالسرور عند سماع آخر يغني، وفي بعض الحالات، قد يكون الإنسان سعيدًا بصوته هو. كل هذا يعتمد على تأثيرات الصوت وخصائصه.
  • في النهاية، الطرب ليس أمرًا سيئًا في ذاته. الصوت الجيد يثير الشوق أو السرور بشكل طبيعي، كما يحدث مع رؤية خط جميل أو وجه جميل، أو أي جمال آخر.
  • الصوت الجيد لا يمكن أن يكون غير مرغوب فيه بشكل عام؛ إذا لم يشعر الإنسان بالسعادة تجاه الجمال، فإن ذلك قد يدل على مرض نفسي. بالطبع، في بعض الحالات مثل الصيام، قد يتجنب الشخص الاستمتاع بما يحب، لكنه لا يزال ذلك يمثل حالة خاصة مرتبطة بالظرف.
  • الطرب هو مجرد اقتضاء طبيعي، مثله مثل السكين أو المسدس، يعتمد على يد من يستخدمه.
  • في الزمن الحالي، الطرب يمكن أن يكون إما حلالًا أو حرامًا، حسب السياق الذي يتم استخدامه فيه. إذا كان الطرب يتم في بيئة فاسدة، فإنه قد يكون محفزًا للمعاصي، لكنه في ذاته ليس محرمًا.
  • المرحوم سبزوارى يذكر هذه الأفكار بنحو تقليدي ويستخدم هذه العبارات بدافع من الظن والشبهات.
  • فيما يتعلق بالغناء، نجد أن سبزوارى يشير إلى أن الحكم في الغناء يعتمد على الشك، وبالتالي لا يمكن إعطاء حكم قاطع على هذه المسألة. يعتقد أنه في غياب دليل قوي أو يقين، ينبغي أن نعود إلى الأصل في إباحة الأمور.
  • الحجة على تحريم الغناء في الفقه السني
  • تطرق سبزوارى أيضًا إلى حجج بعض أهل السنة لإباحة الغناء، ومنها قصة عائشة وبعض الأدلة الضعيفة. يقول غزالي أن الغناء هو صوت طيب، موزون، وملهم للقلب، لكن ذلك لا يعني أنه حرام. استشهد أيضًا بأصوات الطيور التي تعتبر موزونة وجميلة ولكنها ليست محرمة.
  • غزالي في هذا السياق يدافع عن موقفه ويقول إنه لا يمكن تحريمه لمجرد كونه طيبًا أو موزونًا.
  • لكن من منظورنا، يجب أن نحدد ما إذا كان الأمر يتفق مع الشريعة أم لا، لأن العقل وحده لا يمكنه أن يتخذ هذا الحكم.
  • القياس والاستحسان
  • يلخص الغزالي الأدلة التي تبيح سماع الغناء على النحو التالي:
  • “قد دل النص والقياس جميعًا على إباحته. أما القياس: فهو أن الغناء يحتوي على معاني يجب أن تُبحث بدايةً في أفراده، ثم في مجموعه. فإنه يتضمن سماع الصوت الجميل المتوازن، المليء بالمعنى، والمحرك للقلب. الوصف الأعمّ له هو الصوت الجميل. والصوت الجميل يُقسم إلى موزون وغير موزون، والموزون بدوره يُقسم إلى مفهوم مثل الأشعار وغير مفهوم مثل أصوات الجمادات والحيوانات. أما سماع الصوت الجميل من حيث كونه جميلًا، فلا ينبغي أن يكون محرمًا، بل هو حلال بالنص والقياس. أما القياس فهو أن هذا يتعلق بالتمتع بحاسة السمع لإدراك ما هو خاص بها، وللإنسان عقل وخمس حواس، ولكل حاسة إدراك، وفي مدركاتها ما يستلذّ، كاستمتاع العين برؤية المناظر الجميلة مثل الخضرة والماء الجاري والوجه الجميل، وهكذا الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة مثل صوت البلابل والمزامير، ومستكرهة مثل نهيق الحمير وغيرها. فما يظهر من القياس لهذه الحاسة ولذتها بالنسبة لبقية الحواس ولذاتها.”
  • أما النص: فيدل على إباحة سماع الصوت الجميل من منطلق امتنان الله على عباده، كما قال: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)، وقد قيل إن ذلك هو الصوت الجميل. وفي الحديث: “ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الصوت”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لله أشدّ أذنًا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته.”
  • إذن النص والقياس يشيران معًا إلى جواز الغناء. أما القياس فإنه يوضح أن الغناء يتضمن جوانب متعددة تتطلب البحث في أفراده أولًا، ثم في مجموعها. بمعنى أن الصوت الجميل يمكن أن يكون حلالًا إذا كان في السياق الصحيح، أما إذا كان في سياق محرم أو يتضمن أشياء باطلة أو مؤذية، فقد يتغير حكمه.
  • نقد القياس والاستحسان
  • الغزالي يخلص إلى أن الجمال والطيب لا يمكن أن يكونا محرمين بحكم شرعي؛ لأن الجمال والطيبة هي أمور فطرية في الدين الإسلامي، ولا يتم تحريمهما إلا في سياقات محددة تكون ضارة أو محظورة.
  • ومع ذلك، لا يجوز تحريمه إلا إذا كان هناك دليل صريح على ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية. القياس الذي يعتمده الغزالي لا يُعتبر حجة شرعية في ذاته، بل هو مجرد استحسان عقلي لا يثبت حكمًا شرعيًا. بمعنى آخر، إذا لم يكن هناك دليل قاطع على تحريمه، فإن الغناء والموسيقى يمكن أن يُعتبران حلالين.
  • موسيقى العلاج (موسيقى العلاج النفسي)
  • في سياق آخر، يُذكر رأي أحد المختصين في “موسيقى العلاج” مثل ما ذكره فرصت الدولة الشيرازي في كتابه “بحور الألحان”. حيث يشير إلى أنه ليس كل استخدام للموسيقى يُعتبر محرمًا، بل يجب أن يتم فحص نية استخدامها والظروف المحيطة بها. ويمضي في توضيح أن بعض الأشخاص قد لا يكونون متأثرين بالموسيقى بشكل سلبي، بل بالعكس، قد تساعدهم على تهدئة أنفسهم أو رفع مستوى روحانيتهم.
  • الشيخ فيض الكاشاني ورأيه في الغناء والموسيقى
  • الفيض الكاشاني كان من الفقهاء الذين لم يوافقوا غالبية الفقهاء في مسألة الغناء والموسيقى. ورغم أنه لم يكن خبيرًا في الموسيقى، إلا أنه درسها بشكل فلسفي مع كبار علماء الفلسفة. يرى أن الغناء والموسيقى يمكن أن يكونا حلالًا إذا كانا يشجعان على الذكر والتفكر في نعمة الله والآخرة. وبالمقابل، يعتبر أن بعض أشكال الغناء التي تروج للأباطيل أو تستخدم آلات اللهو يمكن أن تكون محظورة.
  • النقد والتحليل:
  • الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” أكد أن سماع الغناء قد يكون حلالًا أو مكروهًا أو حتى مستحبًا وفقًا للنية والسياق. وكما ذكر في هذا الكتاب، يمكن التمييز بين أنواع الغناء: فمنه ما يتضمن كلمات وألحانًا تنشّط الروح وتزيد من قرب الإنسان من الله، ومنه ما يذهب إلى الهزل والباطل.
  • الخلاصة:
  • بالنظر إلى الآيات والروايات التي تناولت هذه المسألة، نجد أن الغناء يمكن أن يكون مشروعًا في حالات معينة بشرط أن يكون في سياق إيجابي، يبعث على التذكر بالله ويحث على العمل الصالح، بينما يكون محرمًا أو مكروهًا إذا كان يتضمن الفحش أو يروج للأباطيل.
  • الترجمة:
  • النوم بمفرده يختلف حكمه تبعاً للأفراد، فإذا كان لهذا الأمر مفسدة، فلا ينبغي للإنسان أن ينام بمفرده. أما إذا كانت المصلحة قائمة وكان ذلك بناءً على توجيه من المربي أو كان الشخص صاحب معرفة وقادر على تقييم مصلحته، فيجدر به النوم بمفرده لكي ينال بركات الغيب.
  • الموسيقى قد تكون ضرورية لعلاج بعض الأمراض، لكنها لا يجب أن توصف للجميع. الأمر مشابه لما يحدث مع الأذكار؛ فبعضها عام وبعضها خاص. على سبيل المثال، ذكر “الصلاة على النبي” هو ذكر عام يمكن لكل الناس التوجه به، بينما ذكر “سبحان الله” هو ذكر خاص، ولا يجوز استخدامه إلا بتوجيه من المربي صاحب المعرفة.
  • يقول الشيخ الفيض: “ولا يبعد أن يختلف الحكم”، أي أن حكم الغناء والموسيقى قد يختلف بحسب الشخص ومرتبته. في هذه الحالة، ما هو مناسب للناس العاديين قد لا يكون ملائمًا لأصحاب المروءة. ونحن نؤكد أن الأحكام تتغير باختلاف الأشخاص، ويجب أن تُعطى الفتاوى وفقًا للأفراد وكأنها زيارات طبية، حيث يُراعى كل شخص على حدة.
  • عند دراسة آراء الشيخ الفيض، يتضح أنه تأثر بالفلسفة في آرائه، وهو يعبر عن هذه التأثيرات في هذه الكلمات.
  • الشيخ الفيض، رغم كونه عالماً أخلاقياً كاملاً ومتكاملاً، وهو في الفقه والحديث من العلماء البارزين، إلا أنه في العلوم العقلية يتبع الشيخ صدر المتألهين. من المعروف أن الشيخ الفيض كان أحد تلامذة الصدر وقد تعرض للانتقادات الشديدة بسبب آرائه في الغناء والموسيقى. وما زاد من هذه الانتقادات هو أنه كان متأثرًا بالفلسفة والعرفان، حيث كان زوجًا لابنة الشيخ صدر المتألهين وأحد أتباعه، في حين أن الشيخ الأنصاري، الذي كان من كبار الفقهاء، كان له نفس الرأي حول الغناء ولم يتعرض لهجوم مماثل لأنه لم يكن من أهل الفلسفة.
  • إن الشيخ الأنصاري كان يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط العلمية والفقهية، وكان معروفًا بحرصه على الالتزام بالأحكام الشرعية التقليدية. ومع ذلك، فإن موقفه من الغناء كان مشابهًا لموقف الشيخ الفيض، رغم أن الشيخ الأنصاري لم يُعرف بتأثره بالفلسفة والعرفان. هذا يبرز التفاوت الكبير في استقبال آراء العلماء: ففي حين أن الشيخ الفيض، لارتباطه بالفلسفة والعرفان، كان يتعرض لانتقادات حادة، كان الشيخ الأنصاري، بسبب مكانته الفقهية والعلمية، يُعامل بشكل مختلف، بالرغم من كونه يوافق الشيخ الفيض في هذا المجال.
  • الشيخ الفيض كان يرفض فكرة أن الغناء بشكل مطلق حرام، ويعتبر أن هذا الحكم يعتمد على نوعية وتأثير الموسيقى والغناء على الفرد. وقد لاحظ أن البعض يمكن أن يستفيد من الغناء في علاج بعض الأمراض النفسية أو الجسدية، بينما قد يكون له تأثير سلبي على آخرين. في هذا السياق، يعتبر الفيض أن مسألة الغناء ليست قضية ثابتة أو حتمية، بل هي مسألة تتعلق بالظروف الفردية واحتياجات الشخص.
  • من جهة أخرى، كان الشيخ الأنصاري يشدد على أهمية الالتزام بالقواعد الشرعية دون التهاون، وكان يعتقد أن الغناء يثير الفتن والمشاكل الأخلاقية. وقد دعم هذا الرأي استنادًا إلى العديد من الأدلة الشرعية والحديثية التي تبين أن الغناء له آثار سلبية على الروح الإنسانية ويقود إلى التفريط في العبادة.
  • ومع ذلك، كان يُنظر إلى الشيخ الفيض على أنه أكثر مرونة في آرائه مقارنة بالمدرسة التقليدية، حيث كان يتبنى نظرة أكثر شخصية تجاه التوجيهات الفقهية. ونتيجة لذلك، تعرض لانتقادات من بعض العلماء التقليديين، بينما لقي تأييدًا من البعض الآخر الذين كانوا يؤيدون مرونة الفقه وتكيفه مع الظروف الفردية.
  • إن هذه الاختلافات في الآراء تعكس طبيعة الفقه الشيعي المعاصر، حيث يبرز تعدد الآراء وتنوع النظرات بين العلماء. وهذا التعدد ليس فقط في مجال الغناء والموسيقى، بل يشمل أيضًا العديد من القضايا الفقهية والأخلاقية التي تشهد تطورًا وتغييرًا بناءً على التغيرات الاجتماعية والفكرية في العالم الإسلامي.
  • لا يتحدث المحقق العاملي عن ماهية الغناء الحرام. ويقول: من قال إن حسن الصوت والنغمة والتغريد هو غناء؟ بناءً على هذا القول، يعتبر التمديد والتشديد والترجيع وتحسين الصوت من الأمور الجائزة دون أي إشكال، وبالتالي لا يبقى شيء من الغناء ليُعتبر حرامًا. تصويره للغناء يشبه تصوير الأسد الذي لا يملك لا ذيلًا ولا لحية ولا فمًا، ولم يرَه أحد.

جواز العلة وحرمة المعلول في الغناء لهوى النفس

  • الغناء في تعريف الفقهاء هو “مدّ الصوت مع الترجيع المطرب”، والمحقق العاملي يُحوّل جميع هذه القيود إلى معنى آخر ويجعلها مباحة.
  • ويقول: “الحديث يوصي بقراءة القرآن الكريم بنغمة غنائية”، في حين أنه قد قال في وقت سابق أنه لا يجب قراءة القرآن بنغمة غنائية. ولتفسير هذا التناقض، يقول إن الصوت الطربّي هو الغناء وله إشكال، أو كل شيء يعُرف في العرف على أنه غناء فهو مشكوك فيه، أي غناء الذين يلهون ويرتكبون الفواحش.
  • ولكن ينبغي تذكير المحقق العاملي أن القراءة الطربية ليست من فعل الفسقة والمفسدين، بل هي التمديد والترجيع الصوتي الذي يستخدمونه، وبالتالي كيف يمكن أن يقول إن التمديد والترجيع الصوتي لا إشكال فيه بينما يعتبر الطرب الذي ينتج عن ذلك محرمًا؟ مع أن وجود الطرب الطربي أمر طبيعي وقهري. هو يحرم الطرب والمعلول (التأثير الناتج عن الصوت) ويغفل العلة التي تسببه.

تقسيم الترجيع إلى غنائي وغير غنائي

  • المحقق العاملي يعتقد أن الترجيع ينقسم إلى نوعين: غنائي وغير غنائي. الترجيع الغنائي هو الذي يتبع لذة النفس، أما الترجيع غير الغنائي فلا يتسبب في ذلك. المهم هو ألا يؤدي الصوت إلى تحفيز النفس. وفي هذا السياق، السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا استمتع شخصٌ بقراءة غير غنائية، فهل يكون ذلك محرمًا؟ لماذا ينبغي أن يكون التحفيز النفسي محرمًا؟

الترجيع في الأذان

  • نقطة أخرى في كلام المحقق العاملي تستحق التأمل وهي تفسيره للترجيع في الأذان. لقد قلنا إنه كما يجب قراءة القرآن الكريم بلهجة عربية، يجب أيضًا أن يتم الالتزام بهذه النقطة في الأذان، ويجب تجنب استخدام الأساليب الخاصة بالفارسية أو اللغات الأخرى. وفي هذا السياق، قلنا إنه رغم أن الشيخ المؤذن زاده يقرأ الأذان بطريقة جميلة، فإن أذانه يُعتبر غناءً. ولو تم بث أذانه في البلدان العربية، فلن يُعطى له تقييمًا عالياً، بل سيُعتبر خارجًا عن كونه أذانًا. لكن الأذان الحجازي، حتى لو لم يُعتبر من قبل البعض أن صاحبه هو شخص صالح، إلا أنه بعد أم كلثوم يعتبر سلطان الصوت العربي. كما أنهم يقبلون أذانه المشهور “ربنا” لأنه على لهجة حجازية.
  • وفقًا لما يقوله المحقق العاملي، إذا قرأ شخصٌ القرآن أو الأذان بنغمة غنائية، فلا إشكال في ذلك. ومع ذلك، بناءً على تفسيرنا وتحليلنا، فإن مثل هذا القراءة تحمل إشكالًا.

الجهل بالموسيقى وخلط الموضوعات

  • تحليل آراء المحقق العاملي يُظهر أنه ليس موسيقيًا أو عالمًا بالصوت، بل هو من الأشخاص الذين يطلقون مثل هذه الآراء. هو يعتقد أن الترجيع إذا لم يتسبب في طرب أو غناء، فلا يوجد فيه إشكال. لكن لا يمكن أن يكون هناك ترجيع غنائي دون أن يكون غناءً. حتى لو عرفنا الغناء بأنه “مدّ الصوت مع الترجيع”.
  • ويقول: كيف يمكن أن يكون قراءة القرآن الكريم طربية؟ في حين أن تفسيرنا هو أن قراءة القرآن قد تكون طربية. كما أن حادثة عائشة عندما كانت طفلة وقرأت سورة “والتين والزيتون” مع الرقص تُثبت هذا. فقد كان الفصحاء العرب في حالة دهشة ظنوا أن هذا الغزل الذي كانت تقوله الفتاة، وفيما بعد صفعَت عائشة من أساء إلى النبي، إلا أن المشركين نظروا إليها كطفلة فتركوا السيوف.

حكم الموسيقى والفتوى بالتوسع في جوازها

  • الشيخ علي يصرح بأن العديد من أشكال الغناء جائزة، وبالتالي لا يوجد هناك فئة محددة للغناء المحرم. ولكنه في هذه الرسالة ينتقد مرارًا المحقق السرواري على كتابة رسالته التحليلية. حيث يبدو كمن يقول: “لا تذكر اسمي بل اذكر نفسك”. والمحقق العاملي، على الرغم من أنه يكتب رسالته التحريمية في الغناء، يبدو أنه يتجاهل العديد من الأبعاد الأخرى، ولا يترك شيئًا محرمًا سوى ذلك الغناء الذي يرضي النفس ويكون خاصًا بالفساق وأهل اللهو.

الخلاصة

  • الشيخ علي في سياق تفسيره للغناء يقول أن اللحن يمكن أن يكون له معانٍ متعددة، بعضها لا يشير إلى الغناء الخاص. وفقًا له، لا يوجد معنى لتحريم غناء غير العرب في حين أنه يُأمر بغناء العرب. هناك معاني عديدة للحن، ويمكن أن يكون بعض منها تحسينًا للقراءة أو الشعر، ولكن لا يجب أن يُحمل اللحن على غناء خاص.
  • ويؤكد أنه يجب أن يتم تحسين الصوت في القراءة، ولا سيما عند تلاوة القرآن، لأن تحسين الصوت له تأثير على القلوب والمشاعر.
  • بالنسبة لقراءة الروضة، المدح، الفخر، الغزل، الهجاء وما شابهها، يجب أن تقرأ هذه الأمور بصوت جميل بحيث لا ينفر السامع منها، بل تترك في نفسه تأثيرًا طيبًا. ومن الإنصاف الاعتراف بأن المحقق العاملي يعرض هذه المسائل بشكل علمي رصين، وفي حين أن المرحوم سبزواري كان فيلسوفًا، فإنَّه في رسالته التحريمية، التي كتبها بتضجر، لم يعرض النقاش بشكل جميل كما فعله المحقق العاملي. ولكن للأسف، نية المرحوم العاملي مشوبة ببعض الإشكالات. باختصار، يعتقد المحقق العاملي أن المدّ والشّد والترجيع في القراءة لا إشكال فيه، وأن الطرب السَّرُورِي جائز، كما أنَّ الطرب الحُزني والسُّرُوري لا يشكل أي مشكلة. ولكن يجب أن يُسأل: كم نوع من الطرب يوجد الذي يقبل معاني متعددة وأحوال مختلفة؟ ما معنى الطرب إلا السرور والبهجة؟
  • علاوة على ذلك، ما الفرق بين الطرب الناتج عن سماع القرآن الكريم والطرب الناتج عن غيره؟ لماذا يعتبر الأول غير مشكوك فيه بينما الثاني مشكوك فيه؟ يعتقد المحقق العاملي، كما يعتقد المرحوم سبزواري، بحِلِّية الغناء، على الرغم من أننا لم نصل إلى رسالة المرحوم سبزواري التحليلية، لكن من كلامه يمكن أن نستنتج أنه لا يعترض على الغناء والموسيقى، بل هو مع المرحوم سبزواري الذي وقع في مشكلة ويريد أن يضيف ردًا على الردود التي كتبت عليه، وإلا فإنَّ القليل من الفقهاء يتحدثون عن حلِّية الغناء بينما هدفهم كتابة رسالة تحريمية.
  • المحقق العاملي يتحدث بحرية عن حلِّية السرور، النغمة، اللحن، المد والترجيع، ويعتبر أن الغناء والموسيقى ليسا إلا هذه الأمور، بل وحتى النتيجة والثمار الناتجة عنها – مثل الطرب – ليست مشكلة، وما يعارضه هو غناء أهل الفسق والفجور، أما غناء الآخرين فلا إشكال فيه. ربما كان الشيخ علي يعتقد أن كتابة الرسالة التحليلية للمحقق سبزواري، وكذلك التساهل من الدراويش والصوفيين الذين يتربعون على عرش السلطة، يعرض الدين للخطر ويجب محاربتهم بأي وسيلة. ومع ذلك، يجب القول أن مثل هذا الدفاع عن الدين ليس مذهبًا دينيًّا، لأنَّ الدين بكل عظمته، رجولته، وسموه، لا يمارس الجور تجاه أحد.
  • المرحوم سبزواري في رسالته يتحدث عن حلِّية الغناء، ولم يكن لديه سبب ليُهاجم هذا العالم الكبير والمجتهد المتعدد المعقول والمنقول. بالطبع، مثل هذه الأخلاق الاستبدادية قد تسببت بها الخلفاء الطغاة من العرب والسلاطين الفرس، لكن يجب أن نطلب من الله أن ينعم علينا جميعًا بمعرفة وصفاء تام، وأن يبعدنا عن أي شكل من أشكال الاستبداد والقهر. ومع ذلك، يجب الحفاظ على الغيرة الدينية في مكانها، ولا يجب أن توجه ضد إخواننا المؤمنين، فضلاً عن العلماء والمثقفين مثل المحقق سبزواري.
  • المحقق العاملي يعدّد أنواع الطرب الموسيقي المختلفة من الحزن والضحك إلى البكاء والنوم، ويقول إن جميعها هي غناء؛ ولكن النغمة قد تجلب الحزن أو النوم، أو قد يؤدي الحزن الشديد إلى البكاء، كما أنَّ السرور الشديد قد يؤدي إلى الضحك، ومع ذلك لا يظهر البكاء أو الضحك مباشرة من النغمة.

حرمة غناء أهل الفسق:

  • المحقق العاملي يحدد أنَّ الغناء هو غناء أهل الفسق والفجور، ويقول: “إذا فهم هذا فليس هذا غناءً، لأن الغناء إذا كان يعني الغناء وفقًا للعرف كما هو التحقيق، فإن قراءة القرآن بصوت حسن أو تحسينه، أو الحزن والبكاء والتباكي، ليست غناءً وفقًا للعرف، ما لم يكن بصوت أهل الفسق مع الترجيع المعروف في الغناء ونحوه”.
  • المحقق العاملي يؤكد أنَّ الغناء الذي يمكن أن ينشأ من صوت حسن وتلاوة حزينة لا يعتبر غناءً إذا كان لا يشبه لحن أهل الفسق والترجيع المعروف في الغناء. ويوضح أنَّه حتى لو كانت تلاوة القرآن الكريم جميلة لدرجة أنها تجعل الناس في حالة طرب، فإنها لا تعد غناءً، بل لا تشكل مشكلة طالما أن ذلك لا يصاحبه لحن أو صوت يشبه غناء أهل الفسق.

انتقاد المحقق العاملي لمفهوم الغناء:

  • المحقق العاملي يوسع دائرة حلِّية الغناء، فيعتقد أنَّ الغناء الذي لا يصحبه فسق يعتبر حلالًا. ومع ذلك، يختلف هذا عن رأينا الذي قسّم الغناء بناءً على الأشخاص والأحكام التكليفية. يراه في المقابل يحل جميع أشكال الغناء ما عدا غناء أهل الفسق. لكن بالنسبة لنا، فقد اعتبرنا الغناء حلالًا فقط إذا كان مقصورًا على معايير معينة، وتحديدًا إذا كان من دون فسق أو فساد في ممارسته.
  • المحقق العاملي يرى أنَّ تلاوة القرآن الكريم بطريقة جميلة لا تجعل الشخص يغني في حين أن ذلك قد يسبب حالة طرب أو سرور. وعلى الرغم من أنَّ الغناء يمكن أن يثير مشاعر متعددة مثل الحزن والفرح والشوق، إلا أنَّ هذه المشاعر ليست محظورة طالما أنها لا ترتبط بغناء أهل الفسق.

خاتمة:

  • من خلال ما ذكرناه في هذه الرسالة، يمكن استنتاج أنَّ التحريم متعلِّق بذات الغناء، كما تدل عليه الأحاديث المتواترة. ومع ذلك، كيف يمكن لبعض الأشخاص مثل المرحوم سبزواري أن يعتبروا غناءً محرمًا إذا كان مصحوبًا بآلات لهو أو في مجالس شراب، في حين أنَّ الغناء ذاته محرم على الرغم من عدم وجود دليل من الأحاديث على مثل هذا التقييد؟ ينبغي أن يُقال للمحقق العاملي: لماذا تعتقد أنَّ الغناء محرم؟

التفسير والتحليل الفقهي حول موضوع الغناء والموسيقى

إنَّ موضوع الغناء والموسيقى قد أثير على مر العصور في الأوساط الفقهية والدينية، حيث اختلفت آراء العلماء حول حرمته وجوازه. في هذا السياق، عرض الشيخ علي عاملي رأياً يتسم بالتحليل الدقيق لما يتعلق بالغناء، حيث قال إنَّ اللحن، المد، الترجيع، التحسين، التزيين، النغمة، وحتى الطرب قد لا يكون فيها حرج، لكن المشكلة تكمن في الغناء الذي يصحبه الفسق والفجور من قبل المغنين، والمجالس التي تترافق فيها الخمور وعري النساء، بالإضافة إلى الفحش الذي يكتنف بيوت الغناء. وبالتالي، في رأيه، يظل الغناء المحرم هو ذلك الذي يصدر عن أهل الفسق.

وأشار إلى أن العلماء لا يقبلون شهادة من يشتغل بالغناء، وقالوا إن شهادته مردودة، ولا يُمكن إلغاء هذه القاعدة بحجة الغناء الذي لا يُرتبط بأفعال الفسق.

وتابع الشيخ علي عاملي في كلامه قائلاً: “إنَّ العلماء قد استندوا إلى الإجماع في هذا المجال، لكن تمسكهم بالإجماع في مسألة لها الكثير من الأدلة النقلية ليس بالأمر الجائز”. وأضاف: “انظر إلى أهل الخلاف الذين تمسكوا بدينهم، كيف يفرون من الغناء إلى شيء موافق للغة وغير واقع في المحرم، وإلى عكس هؤلاء من أهل الإيمان الذين يبيحون الغناء لمجرد الشهوة أو لأغراض أخرى.”

وفي تفسيره للأحاديث الواردة في هذا المجال، بيّن الشيخ علي أنه يمكن حمل الأحاديث التي تتحدث عن الترجيع والحزن والتحسين على أنها تشير إلى الترجيع الذي لا يتضمن غناء، كما ورد في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الترجيع في قراءة القرآن. وقال: “إن الترجيع يمكن أن يتم بطرق لا تتعلق بالغناء، كما هو الحال في تلاوة القرآن”.

وتطرق الشيخ علي عاملي إلى بعض الحكايات التي تذكر عن علماء كبار مثل الشهيد الثاني، قائلاً إن هذه الحكايات لم تكن أساساً صائبة، ومن ثم رفض هذا النوع من المبالغات أو التصورات الخرافية.

أما فيما يتعلق بالرأي الفقهي، فقد أشار الشيخ علي إلى أنَّ اللحن المدّي والترجيع الجميل في قراءة القرآن لا يُعتبر غناء محرمًا طالما أنَّه لا يرتبط بالفسق أو الفحش، وهو ما يشير إلى أنَّ الغناء المحرم هو الغناء الذي يُصدره أهل الفسق.

أما بالنسبة للرأي الذي يعتبر الغناء حراماً بشكل مطلق، فقد انتقد الشيخ علي هذا الرأي، موضحًا أنه لا يجب تحميل النصوص الدينية تفسيرات خاطئة لأغراض سياسية أو شخصية. وأشار إلى أن بعض العلماء الذين حملوا على الغناء بناءً على مواقف سياسية أو اجتماعية قد أساءوا إلى القضية برمتها.

وفي ختام حديثه، دعا الشيخ علي إلى ضرورة تفادي تحويل هذه القضايا العلمية إلى مسائل سياسية، مشدداً على أهمية التفريق بين المسائل الدينية المحضة والخلافات التي قد تثار لأسباب أخرى غير فقهية.

الرد على رأي الشيخ حر العاملي في تحريم الغناء

وفي إطار الموضوع ذاته، جاء رد الشيخ حر العاملي في رسالته التي تعنى بالغناء، حيث عارض في تحليله ما ورد في بعض الأحاديث التي تجيز رفع الصوت أثناء قراءة القرآن. وقال إنَّ الاستدلال بهذه الأحاديث ضعيف لأسباب عدة، منها معارضتها لآيات قرآنية واضحة وأحاديث صحيحة، فضلاً عن عدم توافقها مع إجماع الشيعة والأئمة المعصومين. وذكر أيضًا أنَّ الحديث الذي استُدل به من قبل بعض العلماء يعتبر ضعيفًا على أساس سندي، وأنَّه يتوافق مع مذهب العامة، لذا يجب حمله على التقيّة.

وأشار الشيخ حر العاملي إلى أنَّ أكثر الأدلة الفقهية تدل على تحريم الغناء في صورته الحالية، وأنه لا يمكن قبول هذه الأحاديث على ظاهرها.

الخلاصة

إنَّ النزاع حول مسألة الغناء والموسيقى في التراث الفقهي الشيعي يعكس التباين في فهم النصوص الدينية وتفسيرها. بينما يرى بعض العلماء أنَّ الغناء في حد ذاته ليس حرامًا، إذا لم يرتبط بالفسق والفجور، يعتبر آخرون أنَّ الغناء محرم مطلقًا بناءً على الأحاديث الواردة في هذا الشأن. ومع ذلك، يجب التفريق بين الاختلافات الفقهية التي قد تكون نتيجة لتحليل علمي وبين تلك التي تنشأ بسبب النزاعات السياسية أو الاجتماعية.

المراجع:

  • الشيخ علي العاملي، تحليلات فقهية حول الغناء.
  • الشيخ حر العاملي، رد على غناء القرآن.
  • 2. معارضة الحديث مع سنة أهل البيت (ع):
    إن هذا الحديث يتعارض مع ما وصل إلينا من أحاديث صحيحة ومتواترة عن أهل البيت (ع).
  • 3. ضعف سند الرواية:
    سند هذه الرواية ضعيف، حيث قال الإمام الكاظم (ع) لعلي بن حمزة، أحد الأشخاص المذكورين في السند: “أنت وأتباعك مثل الحمير”. كما أن علي بن أبي حمزة متهم بالكذب الشديد.
  • 4. مخالفة هذه الرواية لإجماع الشيعة بل لإجماع الأئمة (ع):
    لإثبات حرمة شيء لا يحتاج إلى إجماع أهل البيت (ع)، بل إذا صرح أحد الأئمة (ع) بتحريمه، فإن ذلك يكفي.
    ما أشار إليه الشيخ حر من إجماع الأئمة (ع) هو مجموع الروايات التي وصلتنا في هذا الشأن، وقد جمعها في “وسائل الشيعة”. ونحن قد قدمنا تحليلاً لها في هذا الكتاب.
  • الاعتماد على أنواع الإجماع اللطفي والكشفي وغيرهما قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة، لأن التوصل إلى اليقين في دراسة الأدلة الدينية أمر صعب للغاية، فما بالك بالقطع بالوجود الحتمي لإجماع أهل البيت (ع) والفقيهين في هذه المسألة. الفقهاء الذين يتفقون في هذه القضية ينبغي أن نقول عنهم: “اتفقوا على أن لا يتفقوا”.
  • الشيخ الأنصاري في رسائله أثبت بطلان أنواع الإجماع بين العلماء والفقيهين. على الرغم من أن إجماع القدماء يعتبر موثقاً إذا كان له دليل.
  • 5. تناقض الحديث مع أهل السنة:
    توافق هذا الحديث مع رأي العامّة من الأسباب الأخرى التي تضعف هذه الرواية. ويعتقد الشيخ حر أنَّه في حالة الشك يجب أن نختار الرأي المخالف للعامّة، وإلا فإن الحكم لا يكون صحيحًا.
  • 6. احتمال تأويل الحديث:
    من المحتمل أن يكون هناك تأويل لهذا الحديث، وبالتالي فإن دلالته ضعيفة.
  • على الرغم من صحة هذا القول، إلا أنه لا يعم جميع الحالات. لأننا لا نتبنى منهج التنافر أو العناد مع أهل السنة، حيث توجد الكثير من المشتركات بيننا وبينهم في العقائد والمفاهيم الفرعية!
  • 7. مخالفة الحديث للاحتياط:
    يقول الشيخ حر: “قراءة القرآن الكريم مع الترجيع مخالفة للاحتياط!”، بينما لا يتطلب إثبات التحريم إلا تقديم دليل مستقل، لأن الحكم الاحتياطي في حالة الشك في أصل الحكم الشرعي لا يمكن اعتباره حكمًا واجب التنفيذ.
  • 8. مخالفة الحديث للقاعدة الأصلية:
    هذا الحديث يتناقض مع الأصل القائل بأنَّ الغناء محرم بشكل مطلق، دون أي تخصيص أو تقييد.
  • 9. ضعف الحديث بسبب مخالفته للقواعد الفقهية المعروفة:
    يتناقض هذا الحديث مع القاعدة المتفق عليها في وجوب حمل اللفظ على معناه الحقيقي، لأن اللفظ العام في هذا الحديث يُستخدم في معنى خاص، ويجب تفسير جميع أحاديث الغناء بالمعنى المجازي.
  • 10. مخالفة الحديث للضروريات المذهبية:
    يتعارض هذا الحديث مع الضرورة المذهبية، لأن حرمة الغناء هي ضرورة في مذهب الشيعة.
  • 11. مخالفة الحديث لدليل خاص:
    هذه الرواية ضعيفة لأنها تتناقض مع الأدلة الخاصة التي تنفيها.
  • 12. التوسّع في الإكثار من الأدلة:
    الشيخ حر كان يهدف إلى زيادة عدد الأدلة التي تُضعف هذه الرواية، ربما لجعلها تصل إلى اثني عشر دليلاً.

نتيجة الرسالة:

  • ويختتم الشيخ حر دراسته بتأكيد أنه بعد النظر في جميع الأدلة المتاحة، يتبين أن الغناء محرم في جميع الحالات، ويجب ترك العمل بهذا الحديث والعمل بالأحاديث المعارضة له، لأن كل واحدة من هذه الأدلة كافية لإثبات ذلك.
  • وَورد في الرسالة قوله:
    “إذا تبيّن هذا فقد تبين أن أكثر وجوه الترجيح في الأحاديث المختلفة أو كلها موجودة هنا في الأحاديث المعارضة لهذا الحديث، فيلزم ترك العمل بظاهره، ويجب العمل بمعارضه؛ فإن كل واحد من الوجوه المذكورة كاف بالنص عليه في محله، فكيف إذا اجتمع الجميع”.
  • الشيخ حر يُفضّل رفض هذا الحديث استنادًا إلى الأدلّة المعارضة له، ويستند إلى مرجحات تؤيد تحريمه، مثل مخالفة الضرورة المذهبية والإجماع الضروري.
  • خطاب الفارسي في هذه الرسالة هو سمة مميزة لها. بغض النظر عن أن العلماء مثل المرحوم ميرلوحي وغيرهم من الفقهاء هم أسلافنا الطاهرين في العلم، وأن تراب قبورهم هو الكحل والدواء لأعيننا، ينبغي أن نلاحظ أن الحوزات العلمية والعلماء الدينيين يجب أن يكونوا قادرين على الكتابة بالعربية الفصيحة والخطابة بلغتنا الفارسية، لكن للأسف، فإن الحوزات الحالية لا تعطي الاهتمام الكافي لدراسة الأدب الفارسي، وهذه الآفة تشكل تحديًا حتى للثورة الإسلامية، حيث أن العديد من خطب صلاة الجمعة والخطب الأخرى لا تُقرأ ببلاغة وفصاحة، ولا يتم التعبير بها بلغة العصر التي يفهمها الناس، إذ أن الكثير من المفردات المستخدمة من قبل الخطباء مأخوذة من الثقافة العربية أو اللغات المحلية، مما يجعل من الصعب على الجمهور فهم المقصود منها.
  • من وجهة نظرنا، فإن الطالب الذي يدخل الحوزة اليوم يجب أن يتعلم الأدب الفارسي بالقدر الكافي، ويتقن فن الكتابة والتحرير، ليتمكن في المستقبل من التفاعل مع المعارف الدينية والدفاع عن تعاليم مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
  • في هذا السياق، نختار بعض العبارات من رسالته. فقد اتبع في هذه الرسالة أسلوب الشيخ حر العاملي في الرد والنقد.
  • إيضاح حرمة الغناء في قراءة القرآن الكريم
  • “اعلم، عزيزنا، أن المسائل الدينية تنقسم إلى قسمين:
  • الأول هو المسائل التي لا يُعلم فيها موقف مذهب الشيعة بشأنها، مثل صلاة الجمعة، حيث إن حرمتها أو وجوبها في زمن غيبة صاحب الزمان (عليه السلام) غير واضحة بالنسبة للمذهب الشيعي. وتُسمى هذه المسائل بـ”المسائل الخلافية”. فإذا قال شخص إن صلاة الجمعة في غيبة المعصوم حرام، وقال آخر إنها واجبة على وجه العموم، لا يجب على أي منهما أن يكتب كتابًا أو رسالة لإقناع الآخر بمقالته. ومع ذلك، أحيانًا نجد بعض العلماء في مثل هذه المسائل ينقلون اعتقادهم ويذكرون دليله.
  • أما القسم الثاني من المسائل الدينية فهو تلك التي ثبت وظهر موقف مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ومذهب العلماء الشيعة فيها، مثل: الغناء في القرآن الكريم، حيث أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وعلماء الشيعة هو أن الغناء في القرآن محرم. وفي هذا المجال توجد العديد من الشواهد.
  • بدعة حكم جواز الغناء
  • فإذا قال أحدهم إن الغناء في القرآن جائز أو سنة، فهو سيكون قد خالف مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وبالتالي يجب على كل مسلم، خاصة العلماء، أن يبذلوا جهدًا لإزالة هذا القول حتى لا يُضيع دين رسول الله (صلى الله عليه وآله). كما يقول البعض الآن أن الغناء في القرآن سنة، قد يقول آخر إن أخذ مال الغير في مكان معين جائز، أو أن الزنا في وقت معين سنة، وهكذا في جميع المحرمات.
  • ضرورة الإعلان عن حكم الحق في مواجهة البدع
  • إذا لم يسعَ العلماء لإزالة البدع، فإن الدين قد يبدأ في التلاشي تدريجيًا. ومن هنا قال النبي (صلى الله عليه وآله): “إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله”، بمعنى: إذا ظهرت البدع في أمتي، فعلى العالم أن يُظهر علمه. وإذا لم يُظهر عالم علمه ولم يُخبر الناس، فإن عليه لعنة الله.
  • الطريف في هذا الزمان هو أن بعض الناس لا يُبالون بمكافحة البدع، وإذا اكتشف أحدهم بدعة ما، فإنه يُتهم بالتشنيع عليه. وهذا يظهر بوضوح، إذ أن الشخص الذي يؤلف كتابًا، سيتعرض لهجوم من أولئك الذين لا تتفق أفكارهم مع ما فيه. ومع ذلك، كما وصف المؤمنين في كلام الله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)، أي: المؤمنون يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون من لوم اللائمين.
  • لذلك، من أراد أن يكون في زمرة المؤمنين يجب أن لا يتردد في قول كلمة الحق في الأمور الدينية، ولا ينبغي للإنصاف أن يبتلي شخص نفسه باللوم من البعض لإرشادك، وعليك أن تسعى للبحث عن الطريق الصحيح بعيدًا عن اللوم.
  • عدم حاجة حرمة الغناء إلى فقه واجتهاد
  • اعلم أنه إذا وردت بعض الأدلة الإقناعية في هذه الرسالة، فإن الهدف منها هو أن ينتفع بها الجميع. والسبب في كتابة هذه الرسالة بالفارسية هو أن نفعها سيكون عامًا. ومن الواضح أن الأدلة والمؤيدات التي ذُكرت، تُثبت حرمة الغناء، والتي تكون ثابتة بالأولوية من خلال الآيات والأحاديث، وبالرغم من ذلك، فإن ذكر بعض الأدلة يأتي من باب التبرع، إذ أن حرمة الغناء لا تحتاج إلى دليل كما ذكرنا سابقًا. ومع ذلك، هناك منع عام للجواز أو الاستحباب الذي يميل إليه البعض.
  • ترتيب الرسالة
  • كما تم ذكره، فإن الآيات القرآنية تدل على حرمة الغناء، وكذلك الأحاديث الكثيرة وآراء فقهاء الشيعة. لذلك، تقديم الآيات مقدم على الأحاديث، والأحاديث مقدم على أقوال فقهاء الشيعة. ولكن نظرًا لأن بعض الناس قد لا يعرفون معنى الغناء، فإن توضيح معنى الغناء يكون مقدمًا. وبناءً عليه، يوضح بعض العلماء معنى الغناء من خلال لغة الشرح ليصبح مفهومًا للجميع، حتى إذا لم يفهم البعض بعض المصطلحات اللغوية، سيتم توضيحها بطريقة قريبة لفهمهم، إن شاء الله.”
  • حرمة الغناء من وجهة نظر القرآن الكريم
  • الآية الأولى:
  • قال تعالى في سورة النجم:
    ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾ (النجم: 59-62)
  • قال شيخ الطبرسي – رحمه الله – في تفسيره تحت هذه الآية:
    «وقيل يدخل فيه الغناء» أي أن بعض المفسرين اعتبروا الغناء داخلًا في المذمة التي أشار إليها الله تعالى في هذه الآية.
    وقال الزمخشري في تفسيره الكشاف: «قال بعضهم لجاريته: اسمدي لنا» أي غني لنا. فالمقصود من كلمة «سامدون» توضيح معناها في اللغة، وبناء عليه يكون معنى الآية كناية عن نهى الله تعالى من الغناء، حيث يستفهم الله عن تعجب الناس من هذا الحديث وهم يضحكون ولا يبكون، في حين أنهم يغنون.
    ومن هنا يتضح أن الاستفهام في الآية للتنبيه على النهي، فيُفهم منها حرمة الغناء سواء في القرآن أو الشعر أو الذكر، والظاهر أنها حرمة مطلقة.
  • وقد يقال لمن يدعي أن قول الزمخشري – وهو من علماء السنة – غير ملزم للشيعة: إن قول علماء اللغة من السنة حجّة، خصوصًا أن الزمخشري متمكن في اللغة العربية ولا يحتاج لشاهد. ولا يَعدّ أحد من أهل العقل قول أهل السنة في النحو والصرف واللغة بلا اعتبار، بل يستشهد العلماء بأقوالهم كثيرًا، حتى أنهم يستدلون أحيانًا بأقوال غير المسلمين في علوم البيان والمعاني.
  • ولكن إذا كان هناك خلاف بين علم الأدب ونصوص شرعية، فإن النصوص الشرعية هي التي تُرجح، كما ثبت في بعض المواضع من كتاب سيبويه، وفي آيات أخرى واضحة، مثل آيات الوضوء.
  • الآية الثانية:
  • قال الله تعالى في سورة الفرقان:
    ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ (الفرقان: 72)
  • أي المؤمنون الذين لا يحضرون مجالس الغناء ولا يشهدونها، وإذا مروا بمكان يغنى فيه، يتجاوزونه بكرامة، أي بلا التفات أو انتباه.
  • وقد روى بعض المفسرين عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في شأن الغناء، وأكد شيخ الطبرسي – رحمه الله – أنه يدخل في «اللغو»، أي الغناء وغيره، وليس خاصًا بالغناء فقط.
  • وهذا يدل على حرمة الغناء مطلقًا، خاصة مع الآيات الأخرى والأحاديث التي تدل على ذلك.
  • الآية الثالثة:
  • قال تعالى في سورة الحج:
    ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ (الحج: 30)
  • أي اجتنبوا النجاسات من عبادة الأصنام، واجتنبوا القول الزور.
    ويُفهم من قوله «قول الزور» اجتناب الغناء، لأن الغناء من الكلام الذي فيه كذب وزور في بعض معانيه، ويشمل تعلمه وتعليمه وسماعه.
  • وهذا دليل قوي على حرمة الغناء، بل يظهر أن الله تعالى قد قرب حرمة الغناء من حرمة عبادة الأصنام، مما يدل على شدة تحريمه.
  • الآية الرابعة:
  • قال تعالى في سورة لقمان:
    ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (لقمان: 6)
  • أي من الناس من يشتري اللهو، وهو الغناء، ليصرف الناس عن سبيل الله. ويؤكد الله تعالى أنه لهم عذاب مهين.
  • وهذا يدل على أن الغناء وسيلة للضلال، وأن الاستماع إليه أو الانشغال به يلهي عن ذكر الله والطاعة.
  • الخلاصة:
  • إن الآيات السابقة تدل على حرمة الغناء دون قيد، سواء كان ذلك في القرآن أو خارج القرآن، وفي كل أشكاله، وبدون استثناء. وهذا ما أكده كثير من المفسرين والفقهاء.
  • وقد ناقش بعض العلماء التفاسير والنصوص، وأشاروا إلى أن الغناء المحرم هو ذلك الذي يثير الشهوات أو يلهي عن الله، أما الغناء الذي يحث على الخير والذكر ويثير العاطفة الإيمانية فهو جائز بل مستحب.
  • وقد اختلف الفقهاء في تحديد مفهوم الغناء من حيث تعريفه واشتراطاته، ولكنه اتفقوا على تحريم الغناء الذي يصحبه لهو وفساد وشهوة، وأما الأصوات الحسنة التي لا توصل إلى هذه المحاذير فهي مباحة.

حرمة الغناء

(التعريف) السابع: الغناء هو الغناء الذي يُبعد عن الله سبحانه وتعالى، وأي غناء يقرب من الله يُعد في غالب الأحيان صوتًا حسنًا، كما ورد في الأحاديث. وهذا المعنى يُستفاد من تفسير بعض العلماء المتقدمين. وكذلك من كلام بعض المتأخرين مثل الفاضل الكاشي في “مفاتيح الشرائع”، حيث قال: «الغناء ترنم أهل الفسق». وكذلك قال الفاضل الرباني مولانا محمد باقر الخراساني في كتابه “الكفاية” والفاضل القمي في “جمال الصالحين”.

وقد بيّن بعض العلماء أفضل الطرق في هذا الشأن، حيث قالوا: إن كل صوت حسن يقترن مع آلات اللهو أو صوت امرأة يُسمع من الرجل أو أي صوت يشجع على الشهوة ويحرّك النفس البهيمية، أو يتضمن كلامًا كذبًا أو عديم الفائدة؛ يُسمى غناء وهو حرام.

أما كل صوت حسن يتناقض مع ذلك، ففي غالب الأحاديث يُسمى صوتًا حسنًا وليس غناء، ويُعتبر مباحًا؛ بل في القرآن الكريم وذكره مستحب. وكل من يتأمل في الأحاديث والآيات ويمنح نفسه الإنصاف ويبتعد عن العناد والتعصب، سيتحقق من صحة هذه الحقيقة. كما أن الآية “لهو الحديث” وكلام الزور وكلام اللغو، وغيرها من الأحاديث التي فسّرها المعصومون بأنها غناء، وكذلك الحديث الذي سُئل فيه عن جواز الغناء في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي الأفراح، فأجاب المعصوم بأنه جائز ما دام لا يرتبط بمعصية، كما سيأتي في الحديث التالي، وهو دليل قاطع على أن الغناء في هذه الحالات حرام، وفي المقابل لا يُعتبر غناء ما لم يتضمن معصية، وإذا قيل إنه غناء فليس حرامًا.

عدم اعتبار كلام الفقهاء

ويعتقد المؤلف أن الغناء محرم، حتى وإن كان في القرآن الكريم أو في مراثي، لكن ما يقرأه القراء والذاكرون ليس غناءً بالمعنى الاصطلاحي، حيث أنه في العرف لا يُسمى غناءً كما تم الإشارة إليه سابقًا. ومن المعروف أن العارفين بالعقائد الشرعية يعلمون أن الحجة على حرمة الغناء وشرعية الصوت الحسن تأتي من كلام المعصومين وأحاديثهم، ولا تأتي من كلام الفقهاء، حيث قالوا إن قول الميت كالميت، فإذا اعتمدنا على قولهم يجب أن نأخذ بكلام الميت، وهو ما لا يجوز. ولذلك، الحجة تأتي من الآيات والأحاديث، أما ذكر قول الفقهاء فهو مجرد تفسير وبيان إن كان متوافقًا مع الآيات والأحاديث، ولا يعتبر حجة بحد ذاته.

العرف كمعيار لتشخيص الغناء

اعلم -وفقك الله- أنه قد تبين سابقًا أنه لا خلاف في حرمة الغناء بشكل عام، لكن الاختلاف في حرمة جميع أنواع الغناء. فبعض العلماء يرون أن جميع أنواع الغناء حرام، حتى في القرآن الكريم، بينما يرى آخرون أنه مستحب بناءً على الأحاديث المتواترة التي سترد تفصيلاتها لاحقًا. وهناك أيضًا من يرى جواز الترجيع والتحرير في الصوت، ويؤكدون أن الصوت الحسن مع الترجيع والتحرير لا يمكن أن يكون غناءً. ويذهب البعض إلى أن اللحن يعد غناءً، كما ذكر ابن الأثير وآخرون، وكذلك تصريح بعض العلماء بناءً على تتبع استعملات هذه الألفاظ.

لكن الحق هو أن ما يُسمى غناء في العرف هو الحرام، وليس الغناء بناءً على التعريفات المختلفة لأهل اللغة، فقد تبين أن هناك تباينًا كبيرًا في تفسير الغناء من قبل أهل اللغة، مما يجعل من المستحيل تحديد معنى دقيق يبعث الاطمئنان. ولذلك، يجب الرجوع إلى العرف العام. كما قال بعض العلماء، ما كان لهوًا أو زورًا أو لغوًا أو كان مقرونًا بالمعصية، فإن الغناء في هذه الحالات يُعتبر حرامًا.

الغناء العربي واللهو

أظهرت رواية عبد الله بن سنان -كما تم ذكره في الفصل الأول- دلالة على أن قراءة القرآن بصوت غنائي جائزة. فقد قال: «اقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها»، وفسّروا اللحن بالغناء، كما فعل ابن الأثير وآخرون. ومن هنا يتضح أن الغناء يمكن أن يكون من قسمين: الأول حلال وهو اللحن العربي، والثاني حرام وهو غناء أهل الفسق.

وإذا لم يُسمّ الغناء في القسم الأول غناءً بل صوتًا حسنًا، فلا حرج في الاصطلاح، بل هو تأييد لرأي جماعة من العلماء الذين يرون أن قراءة القرآن بالطريقة التي يقرأها المحسنون جائزة.

الاهتمام بالمقارنات مع الغناء

ومن الأدلة الأخرى على جواز الغناء في بعض الحالات أنه إذا لم يكن مقرونًا بمعصية، فإن الغناء يكون جائزًا في بعض الصور التي تذكر الجنة أو بداية الحياة. كما يظهر في بعض الأحاديث التي تشير إلى جواز الغناء خارج القرآن والدعاء والذكر والشعر الحكمي، إلا إذا كان الغناء يتضمن معصية.

شواهد جواز الغناء واستخدام الآلات الموسيقية

ومن هذه الأحاديث يتضح أن الصوت الحسن بكل أنواعه من التحرير والترجيع جائز، ما دام لا يتضمن معصية. ولا يجب أن يُقال إن الصوت الحسن مع الترجيع والتحرير دائمًا ما يكون مقرونًا بالمعصية، لأن الصوت الحزين يمكن أن يتم بدون ترجيع وتحريك للنفوس فيكون بذلك غناءً، كما أشار إليه كثير من العلماء.

البحث في تحريم الغناء في الفقه الشيعي واختلاف الآراء حوله عميق ومعقد. في النص الذي قدمته، توجد العديد من النقاط حول التفاسير المختلفة من الفقهاء والمجتهدين. بعض الموضوعات الرئيسية هي كما يلي:

1. الاختلاف في تعريف و تفسير “الغناء”

  • يرى بعض الفقهاء أن الغناء هو مجرد الصوت الذي يكون جذابًا أو مُطربًا، ويُعد حرامًا في جميع الأحوال.
  • من جهة أخرى، يعتبره البعض محرمًا فقط عندما يكون مصحوبًا بآلات اللهو أو يؤدي إلى تحريك الشهوة. أما الصوت الجميل بدون هذه الخصائص فيعتبر “صوتًا حسنًا” ولا إشكال في سماعه.
  • على الجانب الآخر، يرى بعض الفقهاء أن كل ما يطلق عليه “غناء” في العرف حرام، بغض النظر عما إذا كان مصحوبًا بالمعصية أم لا.

2. الآراء المتناقضة حول جواز الغناء

  • في بعض المصادر مثل “الحدائق الناضرة” و”الكفاية”، يتم التأكيد بوضوح على أنه حتى وإن كان الغناء غير مصحوب بالمعصية، فإن الحكم بالتحريمه يعد من المسائل المسلمة.
  • بالنسبة لبعض الفقهاء، يُفصل الحكم بين الغناء الذي يكون مصحوبًا بالمجون أو الخلاعة، وبين الغناء الذي يحتوي على معاني دينية أو أخلاقية أو تربوية.

3. التمسك بالعرف في تحديد الغناء الحرام

  • هناك رأي آخر يولي اهتمامًا كبيرًا بالعرف الاجتماعي في تحديد ما يعد غناءً حرامًا. وفقًا لهذا الرأي، الغناء الذي يراه الناس في مجتمعاتهم حرامًا، يُعتبر كذلك في الشريعة الإسلامية، حتى وإن لم يصاحبه طرب أو تحرك للشهوة.
  • قضية لحن الصوت والغناء في الفقه الشيعي واختلاف الآراء حولها
  • من المعروف أن “اللحن” قد ورد بمعنى الغناء، لكنّه ليس محصورًا في هذا المعنى، بل هو لفظ مشترك ويأتي أيضًا بمعنى “اللغة” في لسان العرب. وقد ذكر صاحب “مجمع البحرين” هذا المعنى، أي أن “اللحن” قد يعني أيضًا اللغة العربية.
  • سبق وأن تحدثنا عن كيفية استخدام آلات اللهو في تلاوة القرآن الكريم، ولكن المحقق البحراني قد لا يكون على دراية كافية بهذا المعنى. بعد نقده لهذا الموضوع، اقترح الجمع التالي:
  • الأحاديث التي تقول “اقرأوا القرآن بألحان العرب” تعني أنه يجب تلاوة القرآن بصوت جميل، بينما الأحاديث التي تنهى عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسق تحظر الغناء في تلاوة القرآن الكريم، وبالتالي فإن الصوت الحسن هو أمر أقل من الغناء، وبالتالي يُعدّ أعمّ وأشمل مما هو مذكور.
  • شيخ الأنصاري نقد هذا الرأي بالتفصيل، ونحن نُحيل إلى نقده لرأي الشيخ الأعظم حول هذا الموضوع.
  • المحقق البحراني يزعم أن الغناء هو الغناء، ولا فرق بين غناء أهل الزهد وأهل الفسق، بينما نرى أن غناء هذين الفئتين مختلف. فالغناء الذي يُؤدى في بيوت الغناء، والمراقص، والحانات، هو غناء من نوع معين، بينما الغناء الذي يُؤدى في مجالس العزاء والتطبير له نوع آخر. وهذا هو رأي المحقق سبزواري الذي يؤكد عليه.
  • أما من كلام المحقق البحراني، فلا يمكن استنتاج الفرق بين الصوت الجميل والغناء. بينما رأي المحقق سبزواري هو أن الغناء الملهوي محرم، بينما الغناء غير الملهوي جائز. أما صاحب “الحدائق الناضرة” فيقول: إذا كان الصوت غناءً، فهو حرام، وإذا كان مجرد صوت حسن، فهو حلال. لكنّه لا يُبيّن الفرق بين الغناء والصوت الحسن ويعتبره أمرًا بديهيًا، وهو ما لا يمكن التسليم به.
  • تحريم ثمن الجواري المغنيات
  • أما الرواية الثانية، فهي تدل على أن شراء المغنية إنما يكون لأجل التجارة والربح، وهذا أمر لا إشكال فيه، كما صرح به الأصحاب. وما هو محرم هو شراء وبيع المغنية من أجل الغناء فقط.
  • وقد نُقل في “المسالك” عن جماعة من الأصحاب، منهم العلامة في “التذكرة” تحريم الغناء مطلقًا، ونُقل في “المختلف” عن أبي الصلاح، وهو المنقول عن ابن إدريس أيضًا استنادًا إلى الأخبار المطلقة في تحريمه.
  • ومن تلك الاستثناءات التي يتحدث عنها البعض، وعلى تقدير القول المشهور: غناء المرأة التي تزفّ العرائس، بشرط أن لا يدخل عليها الرجال، ولا يسمع صوتها الأجانب من الرجال، ولا تتكلم بالباطل، ولا تستخدم آلات اللهو.
  • لكن ما يظنه بعضهم استدلالًا على جواز الغناء، وأن تحريمه إنما يتعلق بجوانب أخرى مثل دخول الرجال، هو أمر غير دقيق، لأن التعليل في النصوص يتعلق بالمورد فقط، بمعنى أن المغنية التي تزف العرائس يجوز لها الغناء إذا لم يكن هناك اختلاط مع الرجال.
  • جمع الروايات في باب بيع الجواري المغنيات
  • أما الروايات التي تدل على أن ثمن الجواري المغنيات سحت، فإن الروايات التي تصرح بجواز شراء وبيعهن في مقام التجارة وشراء الجواري لا إشكال فيها. لكنّ الروايات التي تحرم شراء وبيعهن من أجل الغناء لا تجيز ذلك.
  • لا توجد أي رواية تشير إلى أن الجواري المغنيات يمكنهن أن يُباعن كجواري فحسب. فالجمع بين هذه الروايات قد يكون تبرعيًا وليس تحقيقيًا.
  • الاستثناءات في الغناء المحرم
  • بعض الفقهاء يعتبرون الغناء محرمًا مطلقًا، لكنهم يستثنون بعض الحالات: مثل غناء المرأة في الأعراس، بشرط أن لا يدخل عليها الرجال، وأن لا يسمع صوتها الأجانب من الرجال، وألا تتكلم بالكلام الباطل أو تستخدم آلات اللهو.
  • لكن يمكن القول لهؤلاء الفقهاء أن ما هو محرم ذاتًا مثل الغناء كغناء هو محرم في جميع الأحوال ولا يمكن استثناؤه أو تحليله في بعض الحالات. فكما أن الظلم محرم في جميع الأماكن والأزمان، لا يمكن أن نقول أن الغناء حلال في بعض الحالات.
  • ختامًا،
  • ما ورد من نقدات للمحقق البحراني على السيد فيض الكاشاني والمحقق سبزوارى لم يكن ذا نفع علمي. يبدو أن المحقق البحراني لم يكن على دراية كافية بمسألة الغناء والموسيقى أكثر مما جاء في كتب اللغة.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V