قاعدة العسر والحرج وإدارة الضغط
فضيلة السيد آية الله العظمى (قدّس سرّه الطاهر)
البيانات المرجعية:
- المؤلف:
- العنوان: قاعدة العسر والحرج وإدارة الضغط
- الناشر: طباعة ، إسلام شهر
- سنة النشر: 1399 هـ ش (2019 م)
- عدد الصفحات: 138 صفحة
- رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN): 978-600-6435-63-3
- حالة الفهرسة: فيپا
- الملاحظات: الكتاب تحليل لقواعد نفي العسر والحرج، وقاعدة نفي ما لا يطاق، وإدارة الضغط السياسي
- الموضوع: الفقه، القواعد الفقهية
- التصنيف حسب تصنيف الكونغرس: 9017HQ 1208 / ز 8 ن 1399
- التصنيف حسب ديوي: 305 / 4
- رقم الفهرس الوطني: 2945286
مقدمة
لقد أكّدنا مرارًا أنّ الفقه ينبغي أن يكون مدارَه على القرآن الكريم، إذ إنّه المصدر الأهم في المسائل الفقهية، والقرآن وحده القادر على إيضاح الأحكام المتعلقة بالمواضيع المستجدّة، لا سيّما القضايا الاجتماعية الحديثة، ويقود الفقيه إلى مناهج موثوقة بعيدًا عن الشكوك والأسئلة العالقة. لكنّ هذا يتطلب أن يُستخلص الفقه القرآني وباقي المعارف على أساس قواعد فقهية منظّمة، حيث تتقن القواعد الفقهية للقرآن ترتيبها وتنسيقها في كل بابٍ فقهِيّ.
كلما ازدادت ثراء هذه القواعد ووضوحها، تعزّز نمو الفقه القرآني، ويُدرك بدقة مبادئه وأصوله، إذ تلعب هذه القواعد دور فهرس الفقه القرآني، وتُبيّن بنيته ومضمونه ومنهجيته القرآنية، كما تحدّد مكانة كل موضوع وقاعدة سواء كانت أصليّة أو فرعيّة.
من المواضيع الفقهية المهمة التي برزت مع تأسيس النظام الإسلامي وتشكّل بنية اجتماعية معقّدة، «العسر والحرج» وكذلك «عدم القدرة على تحمل التكليفات». توضيح هذه القواعد علميًا في الدين يفتح الحلول للكثير من مشكلات المجتمع، خصوصًا في ظل سياسة الضغوط القصوى أو الذكية المفروضة من قِبل الأعداء والفرضيات كالتحريم والقيود، ما يمكن أن يكون مفتاحًا لإدارة وضبط هذه الضغوط.
من الضروري التمييز بين صعوبة العمل وشدّته، وهي صفة للفعل، وبين وصف الفعل بأنه «لا يُطاق» أو «العسر والحرج» التي تتعلق بقدرة الفاعل على تحمّل الأمر. لا تكليف خالٍ من المشقة، ولكن موضوع هذه الدراسة ليس المشقة بحد ذاتها، لأنّ المشقة جزء لا يتجزأ من الفعل، ولا يُمكن التنصل من التكليف لمجرد الصعوبة. المشقة طبيعة من طبيعة الحياة الدنيا، لكنّ الدين ينفي التكليف بـ«ما لا يُطاق» و«العسر والحرج» التي تُعطّل حياة الناس، خاصة في المجتمعات الحديثة والنظامية.
على مر التاريخ، تعرّض الفقه الشيعي للعسر والحرج بسبب قسوة الظلم والاستبداد السياسي، وعاش في ظل ظروف قمعية أدت إلى تقييد الاستنباطات الفقهية وفرضت التقيّة والانسحاب الاجتماعي. هذا الواقع حدّ من غنى المسائل الاجتماعية في الفقه، وحصره في الأمور الفردية التعبدية، ما أدى إلى ضعف في التفاعل الاجتماعي والسياسي.
الفقه الشيعي يزعم امتلاكه الحكم لكل موضوع، لذا يعتبر «معرفة الموضوع» و«معيار الحكم» من أعمدة الفقه. عدم الدراية العلمية الدقيقة بالموضوع ومعيار الحكم قاد إلى انتشار الكثير من الشوائب الفقهية، خصوصًا مع التغيرات الثقافية والاجتماعية العميقة التي مرت بها المجتمعات الإسلامية.
لذلك، الفقه يجب أن يكون علمًا حقيقيًا، بعيدًا عن التعصبات والمغالطات، لأن الفقه المنحرف يولّد مشكلات اجتماعية. الفقه الصحيح يدعم زيادة الوعي الديني والمعرفي في المجتمع، ولا يغذّي الحظر غير المبرر، كما حدث مع بعض الفقهاء الظاهرين الذين حرّموا وسائل التواصل الحديثة مثل التلفاز والفيديو والإنترنت بسبب مواقف سياسية أو خوف وقلق.
نؤكد في هذا الكتاب على أن قاعدة نفي العسر والحرج تطبق إذا لم يكن المجتمع مستعدًا لقبول حكم معين، وذلك للحفاظ على أصل الدين وبقاء النظام الإسلامي، ويستلزم ذلك مراقبة الفقيه للواقع المجتمعي ليقرر ما الحكم المناسب للتنفيذ. أي إهمال في هذا المجال يقع ذمّة الفقيه ويفقده حق الإجابة في الآخرة.
نظام الإسلام في إدارة شؤون الدين في المجتمع ينبغي أن يبدأ من المقبولات وأن يطبق القوانين والأحكام تدريجيًا، بصبر وحكمة، حتى يضمن بقاء الدين وأصوله، وهو أمر لا يخص فقط الحاكمين، بل يلتزم به الفقيه العادل الذي لا يخشى المعارضة ويعمل لمصلحة المجتمع.
مفهوم الفقه:
يُعرّف الفقه عند غالبية الفقهاء بأنه “العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية”، وهذا تعريف السيد صاحب المعالم الذي يرى الفقه مساويًا للفهم في اللغة، لكن الفقه في البحوث العلمية لا يقتصر على مجرد معرفة الأحكام الفرعية، بل هو علم بفهم غرض المتكلم، أي إدراك قصد الشارع ومقصد الشريعة من النصوص.
عند الإمام المصدرا (رحمه الله)، الفقه هو العلم بغرض المخاطب، وليس فقط فهم معاني الكلمات، بل فهم غاية التشريع، ومن يحقق هذا يُسمى فقيهًا.
القرآن يبيّن هذا المعنى في آيات عديدة مثل قوله تعالى:
(لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) [الأنبياء: 2]،
فالفقه هنا لا يعني مجرد العلم باللغة أو المعنى الظاهري، بل إدراك المقصد الحقيقي من الكلام.
الفقهاء وعلم الدين من وجهة نظر الروايات
ـ عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«الكمال كل الكمال: التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة.»[23]
فجميع الكمالات تختصر في ثلاثة أمور: التفكير الحيوي والنشط في الدين، الصبر والتحمل تجاه المصائب، والقناعة والاعتدال في المعيشة والنفقات.
وهذه الرواية تُعدّ دائرة التفقه في الدين واسعة وشاملة، ولا تقتصر على الأحكام الفرعية فحسب.
ـ عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ورد في الحديث:
«أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فله العوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم… فقد ضلوا وأضلوا وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي وأصحابه.»[24]
وقد نقل شيخ الأنصاري هذه الرواية كاملة في كتابه «الرسائل» لما لها من أهمية بالغة، وليس كما يفعل البعض باقتصارهم على الجزء الأول فقط. وهو يؤكد أن هذه الرواية تنضح بروح العصمة، وأنها صحيحة عن الإمام المعصوم عليه السلام. الحديث يثبت وجود فقهاء مستحقين ويستثني فقهاء آخرين. ومكانة هذا الحديث عالية جداً، إذ إن وصولها إلى غير أهلها وادعاء الفقه من قبل غير الأكفاء يُلحق أضراراً بضعفاء الشيعة أشد من أضرار جيش يزيد. إذ أن من لا أهلية لهم يدنسون الدين بالزوائد والشوائب ويوقعون المجتمع في مشكلات جسيمة وفساد كبير.
الفقه وأساسه الثلاثي
لقد أكدنا في كتاباتنا ودروسنا أن الفقه الشيعي يجب أن يُبنى على ثلاث ركائز: موضوعية المعرفة، معرفة الملاك، ومعرفة الحكم.
ينبغي أن يكون الفقه مبنياً على دراسة تجريبية منهجية للموضوعات والملاك، وذلك لكي يتمكن الفقيه من التوصل إلى الحكم الشرعي الصحيح. فلا ينبغي له أن يدرس الحكم دون التعرف على الموضوع والملاك، لأن ذلك يؤدي إلى مغالطة في استنباط الحكم وعدم الوصول إلى جوهره.
عدم معرفة الفقيه بالموضوع، لا سيما في القضايا الجديدة، تبعده عن الحكم الشرعي الصحيح، وتُدخل شوائب على الدين. موضوعية المعرفة هي ركن أساسي من أركان الفقه، وتقع على عاتق الفقيه نفسه.
بعد ذلك، يجب على الفقيه أن يتعرف على الملاك، أي الهدف والغرض من الشارع في إصدار الحكم. فعلى سبيل المثال، يقول الله تعالى في شأن حكم القصاص:
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[25]،
أي أن في القصاص حياة للبشر. هذه الرؤية تتطلب البحث العلمي الدقيق، ولا تكتفي فقط بالنقل من النصوص.
ولا يعني هذا أن الفقيه يجب أن يكتشف كل شيء بنفسه، بل إن العلم يجب أن يكون جماعياً ومنظماً، عبر مؤسسات بحثية متقدمة وتعاون شبكي.
قاعدة نفي العسر والحرج
قاعدة نفي العسر والحرج من القواعد الفقهية العقلية الثابتة، والتي لا نزاع عليها. كثير من الآيات والأحاديث تدل عليها، وتؤكد أنه لا عسر ولا حرج في الإسلام، وأن تنفيذ الحكم الذي يسبب مشقة لا يتحقق عزمه.
الحكم الشرعي لا يمكن أن يفرض مشقة على المكلف. فإذا وُجد حرج، يُرفع الحكم وليس مجرد تخفيفه أو رخصة.
هذه القاعدة عامة في كل الأحكام، سواء عبادية أو معاملات أو السياسة والنظام الإسلامي.
العسر: يعني الصعوبة الدائمة، والحرج: يعني الضيق والتضييق الشديد، وهو أعلى درجة من العسر.
هذه القاعدة تطبق في كل من حياة الفرد ونظام المجتمع، فلا فرق بينهما في تحريم العسر والحرج.
الدليل العقلي على القاعدة
يقول الفقيه نراقي في كتابه «عوائد الأيام»:
«الدليل على نفي العسر والحرج هو العقل، إذ لا يعقل تحميل المكلف ما لا يطاق.»[28]
العقل السليم يرفض تحميل الإنسان تكاليف تفوق طاقته، لأنها تزعزع حياته وراحته النفسية، وتجعل الالتزام بالدين مستحيلاً، ولا يمكن أن يُعتبر ذلك تمرداً أو عصياناً.
ذكر هذه الأمثلة لتوضيح مفهوم «الحرج» والتنبيه إلى معناه من خلال ذكر الأمثلة.
- عن فضل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رجل جنب يغتسل وينضح من الماء في الإناء، فقال: لا بأس، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[44].
سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل الجنبي الذي يغتسل وينضح بعض الماء في الإناء، هل يجوز له أن يكمل الغسل بالماء الموجود في الإناء؟ فأجاب الإمام عليه السلام: لا حرج، ولم يجعل الله عليكم في الدين مشقة. - عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن جنب يدخل إصبعه في الركوة أو الطور، فقال: إن كانت يده نجسة فليُهرق الماء، وإن لم يصبها قذر فليغتسل منه، وهذا مما قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[46].
سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن جنب يدخل يده في الماء، هل يبطل غسله؟ فأجاب: إذا كانت يده نجسة فليُفرغ الماء، وإن لم تكن فليكمل الغسل بهذا الماء، فقد جعل الله الدين يسرًا. - عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: نحن نسافر فنجد البرك التي تكون بجانب القرى، وفيها عذرة ونجاسات من بول الأطفال والدواب وروثها، فقال: إن وجدت شيئًا في قلبك، فاصرفه بيدك ثم توضأ، فالدين ليس بضيق، والله تعالى يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[48].
وقد ذكر الإمام عليه السلام أن موضوع هذه الرواية هو الماء الذي بلغ حدّ النصاب من العكر، ولكن الرواية التالية تناقش الماء القليل. - عن محمد بن قيس الميسر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل جنب وصل إلى ماء قليل في الطريق يريد الغسل منه وليس معه إناء ويداه نجستان، فقال: يضع يديه ويتوضأ ثم يغتسل، والله تعالى يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[50].
- عن البزنطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يشتري جبة من السوق لا يعلم هل هي من ذكية أم غير ذكية، هل يصلي فيها؟ قال: نعم، لا بأس عليكم، وكان يقول: إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، والدين أوسع من ذلك.
- عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: والله لا أدخلكم إلا في ما يسعكم.
- عن حمزة بن طيار عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل بعد ذكر قضاء الصلاة إذا نام عنها وقضاء الصيام للمريض بعد الشفاء، قال: كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحدًا في ضيق، قال: وما أمروا إلا دون سعتهم، وكل شيء أمر الناس به فهم يسعون له، وكل شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم.
- روى في قرب الإسناد بإسناده إلى الصادق عن أبيه عن آبائه: قال: لا غلظ على مسلم في شيء.
- عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون.
- عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: أصلحك الله، إني أقول إن الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون، ولم يكلفهم إلا ما يطيقون، فقال: هذا دين الله الذي أنا وآبائي عليه.
- ما رواه في الحقائق عن الصادق عليه السلام أنه قال: والله ما كلف العباد إلا دون ما يطيقون. والحديث والروايات بهذا المعنى كثيرة جدًا.
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعثت بالحنيفة السمحة السهلة.
- المروي في الكافي وتوحيد الصدوق والخصال وغيره بطرق متعددة مع اختلاف في الألفاظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا عليه…
وقد بيّن أن «الرفع» يعني إزالة السبب المعرقل، وليس كـ «الدفع» وهو الرد على ما وقع. فالرفع هو تجنب التشريع لما لا قدرة على تحمله، وهذا من حكمة الدين في التيسير، وعدم فرض أعباء فوق طاقة الناس.
وعليه، فالتكليف لا يعني أن يتم فرض الأمر ثم يُترك لمن يصطدم بعقبات لا تُطاق، بل في التصميم التشريعي، يُستبعد ما هو فوق القدرة مسبقًا. والتعبير «رفع عن أمتي» يدل على ختم الدين وعدم وجود بديل له، خلافًا لما ذكر في قوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ).
هذا الحديث يحظى باهتمام الفقهاء والأصوليين في كتبهم. والتعبير «وما أمروا إلا دون سعته» و «دون ما يطيقون» يعني أن التكليف حتى لا يكون مساويًا للقدرة فقط، بل أقل منها، فلا يكون هنالك حرج أو ضغط على المكلفين، وكل ما هو فوق القدرة لا يقع عليهم ولا يُفعل.
وهذا لا ينفي فقط الأعباء الثقيلة والحرج، بل ينفي حتى الأعباء التي تساوي القدرة، لأن الإنسان لا يستعمل غالبًا كامل طاقته، والله فرض عليهم أقل من طاقتهم. - الإحسان والانتقام الإلهي
- لقد ذكرنا أن أفعالنا وأعمالنا لها آثار لا تُفقد ولو بمقدار طرفة عين. وإنّما الإحسان الإلهي في بعض الأحيان يقتضي أن لا تُسجَّل ذنوب العبد عند الملائكة الكاتبين، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث. بل إن الإحسان الإلهي يقتضي أحيانًا ألا يعلم به حتى الملائكة المسجلون للأعمال، فلا يرونه، وبذلك يُمنح العبد المردود فرصةً ثانية للاشتراك في الامتحان مرة أخرى. الإحسان الإلهي حق مقرون بالتدارك والتعويض. فإذا لم يغطِ الإحسان ذنوب العبد، علم الآخرون بذلك في الحال أو لاحقًا، لأن العبد في المدة التي أُعطي فيها فرصةً للتدارك لم يعوض ذنبه، فتصير الحكمة الإلهية هي التي تمنع الإحسان، ويأخذ اسم الإحسان موقعه ويسلّم مقاليد الأمور إلى اسم الحكمة والعدل. ولا بد أن يلجأ الإنسان إلى الله، ألا يكون بدل إحسانه حكمته وعدله، أو أحيانًا مكره، مما لا يترك مجالًا للإحسان واللطف مع العبد، بل يعاقبه بشدة.
- يتعامل الله مع بعض عباده الذين يقترفون الذنوب بحلم وصبر، بمعنى أنه لا يوقع عليهم العقاب أو الجزاء كعملية جراحية مع عواقب وخيمة، وإنما يرضى بعلاجهم المؤقت بالتوبة والاستغفار الذي يقدمونه. ولكن إذا لم يشأ الله أن يتعامل بالحلم، تدخل حكمته وعدله وتملك الأمر، وحينئذ يُقابل العبد المخطئ الذي أرتكب الجريمة ولم يعوّضها بشدة، وتُضرب عليه ضربات شديدة، وتحيطه سيوف البلايا، فتدمره أسماء الله القابضة والقاطعة والباطشة، فتقضي على حياته بالكامل. وباختصار، لا ينبغي الغفلة عن قوة وأهوال أسماء الله الغاضبة.
- في بعض الأحيان، تؤدي الجناية إلى أخطر الأضرار والآفات، إذ يجعل الله من العبد الفاعل لهذين الاسمين: «مضلّ» و«منتقم»، دون أدنى تجاوز أو تساهل. فإذا أراد الله أن ينتقم، لا يقدر أحد أن يصدّه، وقد يدفع العبد إلى الهلاك الكامل. فلا مفر لمن أرتكب الجناية من هذين الاسمين إلا أن يدفع الثمن. لذا يجب التوكل على الله كي لا يبتعد الإنسان عن رغبة ورحمة ربه، فإن الله تعالى الذي يفيض بهذه اللطف، إذا ظهر في هيئة «المنتقم» لا يقدر أحد على تحمّل ذلك، فتكون لحظة عظيمة وشديدة، طريقه شاق، وكأن السيف يُوضع على عنق الإنسان ويأخذ كل ما يملك من أموال وملابس بلا استثناء. هذه هي نهاية المعصية.
- من كان في البداية في ظل اسم «الهادي» في النعمة، يقع بسبب المعصية في قبضة اسم «المنتقم» ويجب عليه أن يدفع الثمن. ولهذا يقولون: «الابتعاد عن الذنب أسهل كثيرًا من التوبة عنه». هذا الاسم «المنتقم» يفرض على من أكل من صيام يوم واحد كفارة ستين يومًا، يجب أن تكون متصلة دون انقطاع، لأن المنتقم يواجه العبد المخطئ بجلاله العظيم، إذ أن الخطأ كسر حرمة الله، ويريد أن يحطم نفس العاصي!
- تتدخل أسماء الله أيضًا في التشريع، فـ«المنتقم» في كل مكان هو حافظ حرمة الحق، يكسر العاصي ويدمره تدميرًا كاملًا. لذا من الأفضل ألا يلوث الإنسان نفسه بالمعصية، ولا يقرب نفسه من ميدان هذا الاسم. هذا الاسم «المنتقم» يأمر في لحظة الذنب الكبير وفي موضع العقاب والنقمة بأن يُطرد الإنسان من قمة الجبل إلى الأسفل، فتتكسر جميع أعضائه وتتناثر إلى أجزاء صغيرة! هذا هو الشريعة، وليس الأمر مزاحًا، بل يجب أن يُدرك أن الله منتقم. وعندما يريد الله إظهار جلاله، تمنع الحكمة الرحمة، فتختفي الرحمة ويظهر النقمة.
- يعاقب الله عباده الذين يصرون على الذنب ويعصون ويتجبرون، ولا يخلو نظام التربية الإلهي من العقاب، رغم أن العقاب دائمًا الخيار الأخير الذي يجب أن يُلجأ إليه. لا يمكن لنظام تربية المجتمع أن يخلو من الحدود والقصاص والديات، ويُستثنى منها الإعدام. صحيح أن هذا الحكم في الأنظمة غير الإلهية كان ذريعة للظلم والاستبداد، ولكن في النظام الإلهي يُنفذ بشروط صارمة وكخيار أخير، وهو سبب في نمو واستقرار النظام الاجتماعي، ويحقق الأمن النفسي لأفراد المجتمع ويردع المجرمين.
- الله سبحانه خلق نظام الخلق بجمال وكمال، وقال في نفسه: «تباركت»، ولكن إذا تمرد الإنسان وأعرض عن طاعته، يُهلكه برق الصاعقة والرعد حتى يعلم من يشاقه ويعصي أن له عاقبة وخيمة.
- تصنيف الأحكام والقوانين الإسلامية
- إذا كانت السيادة الدينية تحظى بالقبول ولا تُمارس بالقوة والاستبداد، ومع ذلك لا تستطيع المجتمع أن يتقبل جميع الأحكام الدينية، فإن السبيل المعقول والشرعي لتطبيق الأحكام الدينية والقوانين المستندة إليها هو إجراء تصنيف وترتيب علمي وطبيعي للأحكام. فبعض الأحكام تتسم بوضوح انتمائها الديني وبتوثيقها، ولها قبول عام وقبول شعبي، ويرحب بها عند التطبيق، فتكون هذه الأحكام في الدرجة الأولى للتنفيذ. وبالنظر لاحتمالية دينية كل حكم ونسبة قبوله ومصداقيته، تُصنف الأحكام الدينية ويتم ترتيبها أو وضع تسلسل لها حسب الحاجة.
- ينتهج النظام الإسلامي عبر البحث العلمي والثقافة الوسائل والشروط الخاصة بتنفيذ كل حكم، حتى لا يكون التنفيذ قسرياً أو مبنياً على القوة، ولا يؤدي إلى استنزاف النظام. النظام الإسلامي لا يستطيع تثبيت نفسه والاستقرار إلا باتباع سياسة تؤسس على التعاون العام والتفاعل الشامل بين الجميع، لكي يكون نظاماً شعبياً وغير ملوث بالاستبداد والديكتاتورية، محافظاً على مظهر الجمهورية والإسلامية في آنٍ واحد. لذلك يجب أن يُبنى الحفاظ على النظام على ركن الوعي والتحقيق العلمي الموثق والواضح، وبالأخص على معرفة كافية بدينية الأحكام ومكانتها وأهميتها ودرجة قبولها الاجتماعي، وكذلك على القوة المبنية على القبول الشعبي. كما يجب تقدير التنوع في الأحكام الذي يعتمد على مرتبة الأشخاص المختلفين واختلاف موضوع الحكم، والامتناع عن ترك الحكم كلياً أو تحميل حكم خاص بموضوع يرافقه مشقة أو ضرر آخر، لكي يتمكن النظام من إظهار صورة الفقه الإسلامي؛ فقه خالٍ من الشوائب ومتحرر من الاختلاط.
- دون تحقيق هذا الأمر، تتفاقم المشاكل الاجتماعية والأساسية في البلاد، وتفضي المشقة والضيق إلى إضعاف النظام وتعطيله.
- الآية الأولى
- أول آية تتحدث عن الخمر هي الآية 67 من سورة النحل، حيث تبين فقط استياء الله من تناولها. فقد ذكر قبل ذلك الطيبات من الطبيعة في الأرض والسماء، ونزول الماء، والشراب الطاهر والحليب الطيب. قال تعالى:
- ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾[النحل: 67]. - فأنزل الله من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها، وهذا لآية لقوم يسمعون. وفي الأنعام عبرة لكم من ما في بطونها من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين.
- ثم أشار الله تعالى في الآية ذاتها إلى أن من ثمرات النخل والعنب يتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً، مؤكداً أن في ذلك لآية لقوم يعقلون:
- ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[النحل: 67].
- وقد نزلت هذه الآية في زمن كان استهلاك الخمر من التمر والعنب شائعاً، فخطابها موجّه إلى هؤلاء المستهلكين، وتؤكد لهم أنهم يتخذون شراباً مسكراً ورزقاً حسناً، وتبين أن هذا الأمر آية للمتفكرين الذين يعلمون أن وصف “رزق حسن” مع وجود “سكر” هو تحذير ضمني من حرمته.
- الآية الثانية
- أما الآية الثانية فهي الآية 219 من سورة البقرة، التي تذكر منافع وأضرار الخمر، وتصنفه من الكبائر، حيث تقول:
- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾[البقرة: 219].
- فهي تؤكد وجود منافع للخمر لكنها تصنفه ككبيرة من الذنوب، مع إبراز أن إثمها أكبر من نفعها، دون إصدار حكم تحريمي مباشر، أو تهديد صريح، بل تركز على واقع الحال للحفاظ على نزاهة علمية.
- الآية الثالثة
- الآية الثالثة هي الآية 43 من سورة النساء، التي تحذر من الصلاة في حالة السُكر:
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾[النساء: 43].
- تخاطب الآية المؤمنين فقط وتحذرهم بلطف من الاقتراب إلى الصلاة وهم في حالة سكر، دون أن تذكر تحريم الخمر صراحة، وتبين أن السبب هو عدم إدراك ما يقولونه أثناء الصلاة في هذه الحالة.
- الآية الرابعة
- أما الآية الرابعة فهي الآية 90 من سورة المائدة، التي تدعو إلى اجتناب الخمر والقمار باعتبارهما رجساً من عمل الشيطان:
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[المائدة: 90].
- وتوضح أن الشيطان يريد أن يوقع بين الناس العداوة والبغضاء بالخمر والقمار، فتطلب منهم الآية اجتناب هذه الأمور لبلوغ الفلاح.
- هذه الآية لا تبيّن حكم حرمة الخمر، ولا تنهى عنه نهيًا مباشرًا واضحًا، ولا تَهدّد، ولا تُلْقِي اللومَ على شارب الخمر، ولا تذكر آثاره السلبية، بل تُشير إلى واقع الخمر قائلةً:
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، ولا تخفي ذلك، وتحافظ على الصدق والحياد العلمي في هذا الموضوع، وهو أمر يُقرّه العلم الذي يزداد تطورًا يومًا بعد يوم. - ومن منافع الخمر اليوم، قدرتها على الوقاية من الإدمان على المخدرات بين المدمنين. فقد أدى تطبيق الحظر الصارم على الخمر إلى دفع المجتمع نحو تعاطي المواد الأفيونية بدلًا منه، وقد اتسع نطاق الإدمان بشكل خطير وشمل كثيرين من النساء والرجال والشباب والشيوخ.
- ونظرًا لأن الخمر طبيعته حارة ومنشّطة للحرارة، فإن المدمنين عليه عادة لا يتجهون إلى استهلاك الأفيونات مثل الترياق، وكذلك الأمر مع مدمني الترياق الذين أقل احتمالًا لأن يروّجوا للخمر، لأن طبيعة الترياق باردة وجافة، وهو يسبب الإمساك.
- في المناطق الباردة، يُستهلك الخمر أكثر بسبب طبيعته الحارة، فهو يقي من تخثر الدم والجلطات غير العادية التي قد تصيب سكان هذه المناطق، ويمنحهم الطاقة والحرارة اللازمة لأداء أعمالهم. وهذه بعض منافع الخمر، بالإضافة إلى أن صناعة الخمر توفر عائدات اقتصادية وأرباحًا كبيرة.
- الآية الثالثة
- تقول الآية 43 من سورة النساء عن الخمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. - يا أيها الذين آمنوا، لا تقتربوا من الصلاة وأنتم في حالة سكر حتى تعلموا ما تقولون، ولا في حالة جنابة إلا إذا كنتم عابري سبيل إلى الاغتسال، وإن كنتم مرضى أو في سفر أو جاء أحدكم من قضاء حاجته أو لمس النساء ولم تجدوا ماءً فتمموا بالتراب الطيب مسح وجوهكم وأيديكم، إن الله كان عفوًا غفورًا.
- في مستهل هذه الآية المباركة يخاطب الله المؤمنين فقط بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، متجنبًا النقاش مع غيرهم، ثم يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، بمعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم في حالة سكر.
الله تعالى لا يتحدث هنا عن تحريم الخمر أو النهي عن الشرب، بل يوجّه المؤمنين إلى الصلاة، ويضع شرطًا هو عدم الاقتراب من الصلاة في حالة السكر، وذلك لتفادي دخول الصلاة في حالة لا يُدرون فيها ما يقولون. - إن بدء الخطاب بالصلاة وعدم ذكر السكر في البداية يهدف إلى تقليل الاحتقان الاجتماعي وعدم دفع الناس للانفصال عن الدين، بل يدعوهم بلين وحكمة، وهو خطاب موجّه فقط لمن يرغبون في الصلاة وهم سكارى.
- كما يضيف قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ليبيّن أن السبب في النهي هو عدم الوعي أثناء الصلاة، وليس النهي عن السكر بحد ذاته، وهو أسلوب علمي للتعامل مع السلوك غير المرغوب فيه دون تصعيده، لأن النهي المباشر قد يزيد عناد الشخص.
- هذه الآية تجمع بين موضوعات متعددة: السكر، الجنابة، الغسل، التيمم، المرض، السفر، لتجنب التركيز على الخمر فقط، مما يحد من ردود الفعل الحادة. وختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ بلسان رحيم وأمل يعزز التسامح والغفران.
- هذا الأسلوب اللين والرحيم خلق ثقافة علمية وعملية تجعل المسلمين يبتعدون عن الخمر طوعًا، كطريقة حكيمة لوقاية الطفل من السقوط دون عنف أو صراخ، بل بدعوة هادئة وودودة.
- الآية الرابعة
- الآية 90 من سورة المائدة تقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. - يا أيها الذين آمنوا، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟
- الآية تخاطب المؤمنين فقط، ولا تدخل في جدال مع غيرهم. ولم تُصرّح بتحريم الخمر، بل أمرت بالاجتناب منه، وهو أمر يحمل دلالة غير قطعية، فقد يكون توجيهيًا وليس إلزاميًا. وكلمة ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تدل على أنه ليس تحريمًا صارمًا بل دعوة للاجتناب لتحقيق النجاح والفلاح.
- الأحكام الإسلامية لا تُقيّد الإنسان بالقيود التي تعيقه أو تثقله، بل على العكس، فإنها تطمح إلى حياة سليمة مصحوبة بالراحة النفسية والطمأنينة والأمن الروحي. الإسلام ليس أمراً عسيراً مخيفاً أو مهيباً، ولا ينبغي أن يُؤخذ من تعاملات المتعصبين والمتصلبين بديلاً عن دين الله الرحيم والرحمن. كما ورد في الحديث: «هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي»، الذي يدل على أننا لا نواجه سوى الله والأئمة المعصومين، ودينهم ومنهجهم، وهو نظام ديني يبعد عن كل ما فيه عسر أو حرج أو ما يسبب الضيق والملل والنفور، ويعتمد على التيسير واليسر والمرونة في إدارة الحياة الفردية والاجتماعية، باعتبارها القاعدة الأساسية التي تسود كل الواجبات الشرعية. وكل ما يجلب الصعوبة، والضعف، والتراجع، والاستعباد لا يرضاه الدين الإلهي. وهذه هي أخلاق الله الكريم، التي تتطلب ذلك. فتعبير «الله أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون» يشير إلى كرم الله الذي يُؤدي إلى رعايته لعباده وتفضله عليهم؛ لأن الكريم لا يضع الآخرين في محن أو أعباء فوق طاقتهم، بل يبتعد عن ذلك.
- وقد ورد في هذه العبارات تعبير «ما لا يطيقون». وكما سبق وذكرنا، ما يُرفع هو العسر والحرج والتكليف الخارج عن قدرة الإنسان، وليس مجرد كون التكليف مشقّاً. فالدنيا والناسوت معقدة بالمشقة، وكل حركة فيها صعبة نسبياً، والمشقة نسبية لازمة لكل الواجبات، أما الواجبات الدينية فلا تحوي عسرًا أو حرجًا أو استعبادًا، بل مشقتها ليست بحجم الثقل والعبء، كما قال القرآن الكريم عن الصلاة: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ)[62]. الصلاة ثقيلة وعظيمة، لكن هذا لا يبيح ترك هذا الواجب. العبارات مثل «ما لا يطيقون» تشير إلى القدرة والاستطاعة على الفعل، والقدرة والاستطاعة صفات للفعل، أما المشقة فهي صفة للنفس الفاعلة. فلا ينبغي الخلط بين هاتين الصفتين.
- قال الله تعالى في الآية الخامسة من سورة الأعراف (7:33-34):
- ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33-34].
- التفسير الأكاديمي للنص:
- يا أيها النبي! قل: من الذي حرم زينة الله التي أخرجها لعباده، والرزق الطيب؟ قل: هذه النعم مخصصة للمؤمنين في الحياة الدنيا خالصة، ويوم القيامة ستكون خاصتهم كذلك. هكذا نفصل الآيات لقوم يعلمون.
- قل: إنما حرم ربي الفواحش، سواء كانت ظاهرة منها أو باطنة، وكذلك الإثم والظلم بغير حق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
- يبدأ الله تعالى في هذه الآيات بتشجيع عباده على الاستفادة من النعم الطيبة التي أذنها لهم، ثم يذكر المحرمات التي يجب اجتنابها، ومنها الإثم الذي يشمل كل فعل محرم كالشرب مثلاً، كما أن القرآن في سورة البقرة (219) وصف الخمر بأنها “إثم كبير”، مما يؤكد حرمتها واعتبارها من الكبائر.
- هذه الآيات تبين طريقة حكيمة في التشريع والتربية، حيث يشجع في البداية على الاستفادة من الحلال، ثم يبين ما يجب اجتنابه، مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
- لو أن المجتمعات الإسلامية تبنت هذا النظام الثقافي والتربوي في العقود الماضية، لكان ذلك خيراً لهم في مواجهة الانحرافات الاجتماعية كالإدمان على المخدرات وشرب الخمور والجرائم المتعددة.
- القرآن الكريم أظهر حكم تحريم الخمر تدريجياً، بدءاً من وصفها بأنها سكر، ومن ثم حرمتها في الصلاة، ثم اعتبرها إثمًا كبيرًا ونجاسة من عمل الشيطان، وأخيرًا أدرجها ضمن تحريم المعاصي، فنجح هذا النهج التدريجي في ترسيخ التحريم في المجتمع الإسلامي، حتى صار أقل المسلمين يتجرأ على مخالفة هذا الحكم.
- يؤكد هذا النموذج على أهمية تصنيف الأحكام الدينية وتنفيذها تدريجياً بطريقة تربوية حكيمة، بعيداً عن الوعيد والفرض القسري، بحيث يستجيب الناس لها بإرادتهم وقناعتهم.
- ويجب أن تُدرس الأحكام من المبادئ العامة إلى الفروع، ثم تدرج حسب الأهمية وقبول المجتمع، وتأجيل بعض القوانين الخاصة حتى يحين وقت مناسب لتنفيذها تدريجياً وفقاً لمقاصد الشريعة.
- كما أن المجتمعات الدينية الناشئة والمترابطة بفقر اقتصادي قد ترفض تنفيذ العقوبات الشديدة مثل القصاص والتعزير التي تشمل الجلد والقتل، مما يؤدي إلى ردود فعل سلبية تجاه النظام، ولذلك ينبغي تأجيل مثل هذه الأحكام لحين تهيئة الظروف المناسبة.
- تفكيك الرقّ والعبودية
- يُعدّ من التقاليد السائدة بين العرب وسائر الأمم والمجتمعات، إضفاء الشرعية على الرقّ والعبودية. كانت العبودية تقليداً مكروهاً رائجاً قبل الإسلام، وقد دخل الإسلام هذا التقليد، غير أن ردود فعل شيوخ وقادة العرب كانت سلبية تجاهه، حيث كان جزء كبير من اقتصادهم وأنشطتهم المدرة للدخل، وكذلك تنظيم شؤونهم، يعتمد على نظام الرقّ، وكان العبيد جزءًا من أموال وأملاك وأثريات مالكيهم، ولم يُعتبروا بشرًا لهم حقوق إنسانية، بل كانوا يُعاملون كسلع تجارية. وقد كان بعض الأنظمة الفلسفية في اليونان القديمة تصنفهم حتى على أساس خلقي أو دموي أو حتى جيني على غرار الحيوانات.
- لذلك، لم يتمكن الإسلام من تحريم الرقّ بشكل مباشر وفوري، كما فعل في مسألة تحريم الخمر، ولم يحث المجتمع على التخلي عن ممتلكاتهم من العبيد دفعة واحدة. إضافة إلى ذلك، كان النظام الاقتصادي في المجتمع البدوي في صدر الإسلام قائمًا على الرقّ، ومنع الرقّ فجأة كان سيؤدي إلى أزمة اقتصادية حادة وتوقف عجلة النشاطات الاقتصادية، وربما إفلاس بعض الأفراد. كما أن السماح بالرقّ وضع المسلمين في موقع أقوى اقتصاديًا وعسكريًا مقابل أعدائهم، الذين كانوا يحولون الأسرى إلى عبيد دون إمكانية العودة.
- ولو أردنا التشبيه بالمجتمع الحديث، فإن العبيد كانوا بمثابة العملة الصعبة المتداولة بين الدول، والتي تلعب دورًا رئيسيًا في الاقتصاد. غير أن الأسرى الذين يصبحون عبيدًا في فترة انتقالية، كانوا يتحولون في نهاية المطاف إلى أحرار، حيث استمرار بقائهم عبيدًا يضيف أعباءً مالية كبيرة للنظام الذي يعتمد في معيشة أتباعه على الرقّ. لذا فإن منع الرقّ بشكل مفاجئ كان سيمنح غير المسلمين تفوقًا اقتصاديًا، وهذا كان سببًا رئيسًا في استمرار هذه الممارسة في المجتمع الإسلامي الناشئ.
- كما ذكرنا، كانت تجارة العبيد وامتلاكهم وممارسة حقوقهم على عبيد الأسرى في الحروب أمرًا جائزًا قبل الإسلام، وقد أضحى هذا التقليد العبء الذي واجه الإسلام، خاصة وأن الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة لم تكن تملك القدرة على معارضته بشكل مباشر. لقد نظم الإسلام الرقّ وفق نظام فقهي خاص، حيث خصص كتبًا في الفقه عن الرقيق ضمن أبواب الأموال، مع التركيز على نظام الكفارات ووجوب التحرير الاختياري للعبيد، وقد كان هذا هو الأسلوب الذي تطهر به الإسلام من هذا التقليد المكروه.
- وقد بيّن الإسلام بهذا الأسلوب التربوي التدريجي، الذي لم يثير حساسيات، أنه يجب أن يكون جميع البشر أحرارًا بالفطرة، وأن حرية الإنسان حق مقدّم على الدين، ولا يجوز أن يكون أحد عبدًا لآخر. وقد شرحنا هذا التفصيل في كتابنا «الحقوق الوليدة».
- كما أوضحنا في الكتاب نفسه كيف سعَى الإسلام ببرامج عملية طويلة الأمد ومتحملة، بدون المساس بالقيمة المادية للعبيد أو الإضرار بالاقتصاد الإسلامي، إلى القضاء التدريجي على الرقّ. فكان لكل أسير يُأسر من غير المسلمين في كل حرب مصيره أن يكون عبدًا دون رجعة، وهذا أضاف مزيدًا من القوة الاقتصادية للمسلمين. فالإسلام عن طريق الكفارات المالية التي تتطلب تحرير العبيد أسقط نظام الرقّ والعبودية بشكل تدريجي.
- بناءً على هذا المنهج الديني، يمكن القول إنه مع القضاء على الرقّ في نظام الكفارات أو النظام الجزائي، يمكن استبدال هذه التقاليد الخاطئة، خاصة التي لها قيمة مادية، بأخرى أكثر إنسانية عبر برامج تدريجية وهادئة، تضمن استئصال هذه الظواهر السيئة.
- ومع ذلك، يجب أن ننتبه إلى أن بيع الإنسان وأعضائه، حتى أعضاؤهم بعد الوفاة، وبيع الشرف والكرامة أصبح تجارة ربحية منظمة ومنهجية في العصر الحديث. هذه التجارة، التي يقودها مافيا خطف البشر، حتى الأطفال والنساء وخاصة الجميلات، إضافة إلى سرقة العباقرة والعلماء، ليست مقبولة قانونياً أو شرعياً، لأن الجميع متفق على كونها تجاوزًا جائرًا وانتهاكًا صارخًا.
- لكن اليوم، لا توجد خطة ناعمة ومنهجية للقضاء عليها. الأنظمة الرأسمالية تستفيد من تجارة البشر وبيع الشرف وتروّج لها من خلال برامج مدروسة، مستهدفة النساء تحديدًا، عبر حملات تحرير وتعرية تدريجية، ومناهضة الحجاب والالتزام الديني بزعم الحرية والتمكين النسائي، وهو جزء من سياسة العلمانية المستمرة. المسلسلات التلفزيونية والقنوات الفضائية تعرض شخصيات نسائية سكولارية، تروج للفeminism والدفاع عن حقوق المرأة، مستهدفة إضعاف التديّن وانهيار الأسرة.
- بالطبع، يجب الدفاع عن حقوق المرأة، لكن ذلك يجب أن يكون بطريقة علمية، خالية من التعصبات والتشويهات، ويستلزم نظامًا إداريًا مبنيًا على دراسات علمية وتطبيق تدريجي للقوانين الصحيحة لتجنب الآثار السلبية والجمود.
- إن الابتعاد عن المسارات العلمية في النقاشات الفقهية والدينية، فتح المجال لترويج العلمانية تحت غطاء الصداقة والسلام والانسجام مع كل الأديان بعيدًا عن الحقائق الدينية وبدون تعصب، مما يمهد لفراغ فكري وعدميّة متلونة بمظهر جذاب.
- بمراعاة هذين المبدأين، أي التوجه العلمي في الأبحاث الفقهية والدينية، والتنفيذ التدريجي اللين للقوانين المستندة إليها، سيظهر المجتمع الديني بمظهر رحيم وعلمي وقوي، وستكون إيران نموذجًا للدولة الصالحة والواعية والعلمية على الساحة الدولية.
- في إطار الاجتهاد الفقهي، يمكن عبر ترتيب وتنظيم القواعد التشريعية، وباستخدام الاجتهاد العلمي المتدرج، إيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية، بدل تنفيذ الأحكام الدينية بحزم صارم يُفضي غالبًا للفشل ويثير السخط ويستوجب استخدام القوة.
- إن إدارة النظام الإسلامي تحتاج إلى تخصص ومعرفة متعمقة لتطبيق القوانين تدريجيًا وبشكل مرن، مع الحفاظ على التراتبية في الأحكام، لتتمكن الدولة الناشئة من حماية دماء الشهداء وحصاد تضحياتهم، وتحقيق الازدهار والاستقرار.
- وبالنسبة لهيكل الإدارة الاجتماعية، فإن القيادة والولاية الفقهية هي الأصل المحوري الذي بيناه في كتاب «قانون الولاية»، والذي أشرنا فيه إلى أهمية وجود فقيه جامع للشروط، يمتلك اجتهادًا وورعًا وعدالة، ويحظى بقبول عام وتفاهم مع المجتمع، مع تطبيق مبدأ العسر والحرج.
- أما بالنسبة لتاريخ الفقه وترتيب القواعد، فقد أشرنا في كتاب «فهرست قواعد رائجة الفقه» إلى الجهود المبذولة من العلماء الشيعة لتدوين وترتيب القواعد، رغم ظروف القمع والاضطهاد التي أثرت سلبًا على الحركة العلمية، وأدت إلى ركود فقه العصر، الذي لم يعد قادرًا على تلبية حاجات المجتمع الحديث.
- ولذلك، فإن استمرارية الاجتهاد الشيعي الحيّ، والتنقيب المستمر في الأحكام، والتصنيف العلمي المنهجي للقواعد، هو السبيل الوحيد لتطوير الفقه بما يتوافق مع واقع المجتمع والدولة الإسلامية اليوم.
- وعليه، فإن الفقه القديم لم يكن له موقع قيادة أو رؤية شاملة للنظام والمجتمع، وكان مقصورًا على مجتمع بدوي ومستبد، وليس من اختصاصه النظر في النظام الحديث أو الحياة المدنية، ولا يمكن التقليد منه في القضايا المعاصرة. وهذا ما حاولنا تداركه في مؤلفاتنا التي قدمنا فيها فقهًا مؤسسًا على الحوكمة الإسلامية، ومحدثًا في القضايا الجديدة، مع تصنيف وتجزئة وترتيب الأحكام وفق هيكل نظامي متكامل.
- [1] – المباحث المشرقيه، ج 1، ص 367.
- [2] – كهف / 93.
- [3] – اسراء / 44. آسمانهاى هفتگانه و زمين و هر كس كه در آنهاست، او را تسبيحمىگويند و هيچچيز نيست مگر اينكه در حال ستايش، تسبيح او مىگويد، ولى شمامقصودِ تسبيح آنها را درنمىيابيد. بهراستى كه او همواره بردبار وآمرزنده است.
- [4] – هود/ 91. گفتند: اى شعيب مقصود بسيارى از آنچه را كه مىگويى نمىفهميم، وبهواقع تو را در ميان خود ضعيف مىبينيم و اگر عشيرهى تو نبود، بهقطع سنگسارتمىكرديم و تو بر ما پيروز نيستى.
- [5] – طه / 27 ـ 28. و از زبانم گره بگشاى، تا مقصود سخنم را بفهمند.
- [6] – نساء / 78. اين قوم را چه شده است كه نمىخواهند غرض سخنى را دريابند.
- [7] – انعام / 65.
- [8] – انعام / 98.
- [9] – اعراف / 179.
- [10] – انفال / 65.
- [11] – توبه / 81. و گفتند در اين گرما بيرون نرويد. بگو، اگر دريابند آتش جهنم سوزانتراست.
- [12] – اسراء / 46.
- [13] – حشر / 13.
- [14] – منافقون / 3. اين بدان سبب است كه آنان ايمان آورده، سپس به انكار پرداختهاند ودر نتيجه بر دلهايشان مهر زده شده است و ديگر نمىفهمند.
- [15] – منافقون / 7.
- [16] – انعام / 25. و برخى از آنان به تو گوش فرا مىدهند، ولى ما بر دلهايشان پردههاافكندهايم تا آن را نفهمند.
- [17] – توبه / 122. پس چرا از هر فرقهاى از آنان، دستهاى كوچ نمىكنند تا گروهى بمانند ودر دين آگاهى پيدا كنند.
- [18] – كهف/ 93.
- [19] – توبه/ 127.
- [20] – كهف/ 57.
- [21] – توبه/ 87.
- [22] – فتح/ 15.
- [23] . تحفالعقول، ص 292. بحارالا، ج 78، ص 173.
- [24] – امام حسن عسكرى 7 بعد از تقبيح تقليد عوامِ يهود از عالمان فاسقشان، چنينفرمودند: چنانچه مسلمانان نيز از چنين فقيهانى تقليد كنند، همانند يهوديانى هستند كهخداوند آنان را به سبب تقليد از فقيهان فاسق خود سرزنش نموده است. اما هر فقيهى كهخويشتندار و حافظ دين خود، مخالف هواى نفس و مطيع امر مولايش باشد، پس برمردمانان است كه از او تقليد كنند و البته بايد توجه داشت كه تنها برخى از فقيهان شيعهداراى چنين خصوصياتى مىباشند، نه همهى آنان….و ضرر اين فقيهان فاسق براىضعيفان شيعى ما بيش از ضرر لشكر يزيد براى امام حسين و ياران او خواهد بود. تفسيرالامام العسكرى، صص 301 ـ 302، وسايل الشيعة، ج 27، ص 131.
- [25] – بقره / 179.
- [26] – آلعمران / 64.
- [27] – احمد بن محمد مهدى بن ابوذر نراقى كاشانى، معروف به فاضل نراقى.
- [28] – عوائد الايّام، ملا احمد نراقى، ج 1، ص 58.
- [29] – حج / 78.
- [30] – مائده / 6.
- [31] – بقره / 185.
- [32] – بقره / 286.
- [33] – حج/ 78.
- [34] – بقره / 185.
- [35] . بقره / 286.
- [36] – عوائد الايام/ ملااحمد نراقى/ ج 1 / ص 58.
- [37] – حج / 78.
- [38] – ملك / 3.
- [39] – حج / 78.
- [40] – اى كسانى كه ايمان آوردهايد! در حال مستى به نماز نزديك نشويد تا زمانى كهبدانيد چه مىگوييد و (نيز) در حال جنابت (وارد نماز نشويد) مگر اينكه راهگذر باشيدتا غسل كنيد و اگر بيماريد يا در سفريد يا يكى از شما از قضاى حاجت آمد يا با زنانآميزش كردهايد و آب نيافتهايد، پس بر خاكى پاك تيمم كنيد و صورت و دستهايتان رامسح نماييد كه خدا بخشنده و آمرزنده است. نساء / 43.
- [41] – مائده / 6.
- [42] – عوائد الايام/ ج 1 / ص 58.
- [43] – نساء / 43.
- [44] – حج/ 78.
- [45] – عوائد الايام/ ج 1 / ص 58.
- [46] – حج/ 78.
- [47] – عوائد الايام/ ج 1 / ص 58.
- [48] – حج/ 78.
- [49] – عوائد الايام/ ج 1 / ص 58.
- [50] – حج / 78.
- [51] – عوائد الايّام/ ج 1 / صص 59 ـ 58.
- [52] – عوائد الايام / ج 1 / ص 59.
- [53] – عوائد الايام/ ج 1/ ص 59.
- [54] – عوائد الايام، ج 1، ص 59.
- [55] – عوائد الايام/ ج 1/ ص 59.
- [56] – عوائد الايام/ ج 1/ ص 59.
- [57] – عوائد الايام/ ج 1/ ص 59.
- [58] – عوائد الايام، ج 1، ص 59.
- [59] – وسائل الشيعه، ج 8، ص 116.
- [60] – عوائد الايام/ ج 1/ ص 59.
- [61] – ملك / 3.
- [62] – بقره / 45.
- [63] – توبه / 12.
- [64] – آلعمران / 64.
- [65] – بقره / 280.
- [66] – بقره / 286.
- [67] – توبه / 29.
- [68] – بقره / 256.
- [69] – زخرف / 54.
- [70] – نحل / 66 ـ 65.
- [71] – نحل / 67.
- [72] – بقره / 219.
- [73] – نساء / 43.
- [74] – مائده / 91 ـ 90.
- [75] – اعراف / 33 ـ 32.
- [76] -اعراف / 31.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.