صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

البحث في حكم الفلسفة

نشر في آذر 13, 1404 في

البحث في حكم الفلسفة

هذا النص يعالج في كلٍّ من حكمته أهم النقاشات التمهيدية الفلسفية. ومن بين هذه المناقشات: أنواع الحكمة، ماهية الفلسفة، الفرق بين العلم والفلسفة، معارضو الفلسفة الإسلامية، الآفات الداخلية للفلسفة الإسلامية، التقليد الفلسفي، فلسفة الشرق والغرب، وفلسفة صدر المتألهين.

المعلومات التعريفية

المؤلف: (مواليد 1327 هـ ش).

العنوان: حكم الفلسفة / تأليف .

الناشر: إسلام شهر، ، 1392 هـ ش.

المواصفات: 91 صفحة؛ 20.5 × 11.5 سم.

السلسلة: مجموعة الأعمال، رقم 138.

رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN): 978-600-6435-81-7.

التصنيف الموضوعي: الفلسفة الإسلامية، الفلسفة.

التصنيف في مكتبة الكونغرس: BBR14 / ن8 ح8 1392.

تصنيف ديوي العشري: 189/1.

رقم الفهرسة الوطنية: 2995639.

المقدمة

في مجتمعنا، تُجرى نقاشات كثيرة حول الفلسفة والحكمة؛ كما يُتحدث عن الرياضيات والهندسة والموسيقى وفن الطهي، إلا أن هذين الموضوعين يختلفان اختلافاً جوهرياً في المبادئ والغايات. فالذي يناقش الطهي قد جرب عدة أطباق من حيث الطعم والرائحة والملمس، ووصل إلى نتيجة يُقدمها. أما في الهندسة، فتبدأ النقاشات من المبادئ، ولا يُناقش من الخارج أو الغاية ما إذا كانت الهندسة جيدة أم سيئة، وإذا ما دار نقاش فذلك في مقدمة الكتاب فقط حول غاية العلوم الهندسية.

لكن للأسف، في العلوم الفلسفية يكثر الحديث عن الغايات وينسى المبادئ، فلا يجد المتعلمون في الفلسفة نقاشات حول المبادئ. إضافة إلى ذلك، كثير من من يدّعون الفلسفة لم يقرأوا أهم الكتب الفلسفية أو قرأوها قراءة سطحية ثم يحكمون على محتواها.

يبدأ النص الحالي بمعالجة أهم المناقشات التمهيدية الفلسفية في كلٍّ من حكمته، مثل أنواع الحكمة، ماهية الفلسفة، الفرق بين العلم والفلسفة، معارضو الفلسفة الإسلامية، آفاتها الداخلية، التقليد الفلسفي، فلسفة الشرق والغرب، فلسفة صدر المتألهين، بداية المعرفة، الشك، اليقين، الحق المطلق والنسبية، الجوهر والوصول إلى الحقيقة.

ويشمل أيضاً موضوعات مثل إثبات الوجوب، القضاء والقدر، الجبر والاختيار، فلسفة الانحرافات، النظام الأحسن، إدراك حقيقة الوجود، الفاعل الطبيعي والعلمي، واتحاد العاقل والمعقول.

وفي النهاية: الحمد لله رب العالمين.

الحكمة (1): تماثل الحكيم مع الوجود

لقد قُدمت عدة تعريفات للحكمة، ومن بينها أعمّ وأشمل تعريف هو:
“صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم الحسي بقدرة بشرية”؛
أي أن الإنسان إذا ما صار في العلم ونمو المعارف وقوة الفكر كأنه ينسجم ويتماهى مع كل أجزاء وذرات العالم، ويصبح عالماً كالعالم الخارجي بلا حدود أو قيود خارجية، يصبح حكيمًا.

من النقاط الجوهرية في هذا التعريف هو “الصيرورة” أو التحول. فالتماهى مع الحكمة يجب أن يكون فعليًا ومتحققًا في الواقع، لا مجرد قدرة أو استعداد عقلاني يبقى نظريًا فقط. إذ يجب أن تكون جميع معارف الإنسان واقعية، خالية من الجهل المركب، حتى يُوصف بالحكيم.

القيد “بقدرة بشرية” يوضح المستوى العلمي للأشخاص، مشيرًا إلى أن المعارف والأفكار نسبية ومحدودة.

هناك فرق بين الحكماء الذين اكتسبوا الحكمة بالصيرورة، وبين أولئك الذين اختارهم الله مباشرة مثل الأئمة والأنبياء والأولياء الخاصين.

الحكيم قد يمتلك معرفة كاملة في بعض جوانب الوجود، وقد يكون عادياً أو ناقصاً أو جاهلاً في جوانب أخرى، بسبب حدود القدرة البشرية. وقد يكون لديه بصيرة كاملة ودرجات عظيمة من الحكمة، لكنه لا يخلو من بعض القيود. بينما النبي أو الإمام المعصوم ليس مقيدًا بهذه الحدود، ويمكنه امتلاك كل المعرفة التي يحتاجها، مع اختلاف درجاتهم في الفهم والوصول إلى الحقائق.

يستنتج من هذا التعريف أن الحكيم هو من تكون معتقداته ومعتقداته فعلية، حقيقية وعقلانية، ولا يظل محصوراً في دروس ومناقشات ومجرد ذهنية.

أما من يطلق على نفسه حكيمًا لمجرد قراءته بعض الكتب، فهو كالتمثيل أو المسرحية التي تبدو حقيقية لكنها تفتقر للجوهر، وحكمته نظرية لا حقيقة لها.

الحكمة (2): أنواع الحكمة وجمع المعارف

قال خواجه طوسي في أحد كتبه:
“الأساس في جمع العلوم في لغة أسلافنا العلمية هو ‘الحكمة’، والتي تعني ‘الابتعاد عن الجهل’ وحقيقة تتجاوز العلم والمعرفة فقط.”

الحكمة تعني الإدراك الكامل والوعي التام بكل الأمور كما هي، والسعي للعمل بها بحسب قدرة الإنسان، لكي يحقق النفس البشرية كمالها المنشود.

العلم هو تصور الحقائق الموجودة وتصديق الأحكام والنتائج بحسب قدرة وقوة الإنسان، كما هي في الواقع والجوهر.

العمل هو الممارسة المستمرة للحركات والصناعات، لإخراج القدرات الكامنة لدى الإنسان إلى الفعل والاكتمال.

تقسم الحكمة بشكل عام إلى قسمين: “علمي” و”عملي”، وهذا التقسيم يتعلق بوجود الأشياء بالنسبة للإنسان: أشياء وجودها مستقل عن إرادة الإنسان، وأشياء وجودها مرتبط بتصرف الإنسان.

وبالتالي، العلم أيضاً ينقسم إلى قسمين: الأول “الحكمة النظرية”، والثاني “الحكمة العملية”. كل إنسان يرتب علاقته العقلية والروحية مع هذه الأمور جميعها يصبح “حكيماً كاملاً”، وكلما ابتعد عن هذا المعنى وقع في مشاكل علمية وعملية.

الحكمة النظرية

تنقسم إلى قسمين:

  1. العلم بما لا يشترط مخالطته للمادة في وجوده.
  2. العلم بما يشترط مخالطته للمادة في وجوده، وينقسم هذا إلى:
    • ما لا يشترط مخالطته للمادة في الإدراك والتصور.
    • ما يشترط مخالطته للمادة في الإدراك.

بالتالي، الحكمة النظرية ثلاثة فروع رئيسية:

  • العلم بما وراء الطبيعة أو الأمور العامة والفلسفية، والتي لا يشترط مخالطتها للمادة في التصور أو الواقع الخارجي.
  • العلم الرياضي، الذي لا يشترط مخالطته للمادة في التصور، رغم وجود المادة في المصاديق.
  • العلم الطبيعي، الذي لا يتحقق علميًا وواقعيًا إلا بمخالطة المادة في التصور والمصاديق.

كل من هذه الفروع يشمل عدة فروع فرعية، بعضها أساسي وبعضها ثانوي.

بعض الفروع الفرعية:

  • معرفة الله تعالى ومقربيه الفعليين الذين خلقهم بإرادته، وتجليات الحق الحسية، مثل عوالم العقول المجردة والنفوس الملكوتية وأفعالها وأحكامها، وهذا يُسمى علم الإله وأفعال الله تعالى.
  • معرفة الأمور العامة وأحوال الموجودات لأنها موجودة، مثل الوحدة والكثرة والوجوب والإمكان والحدوث والقدم، وهذا ما يسمى “الفلسفة الأولى” والأمور العامة الفلسفية، التي لها فروع متعددة كمعرفة النبوة والإمامة والولاية وإثبات المعاد وأحواله.

أصول العلوم الرياضية

أربعة أنواع:

  1. الهندسة: معرفة القياسات والأحكام التابعة لها.
  2. الحساب وعلم الأعداد: معرفة العدد وخصائصه الكمية.
  3. علم الفلك والهندسة السماوية: معرفة اختلاف أوضاع الأجرام السماوية بعضها ببعض وبالأجرام الأرضية، وحركاتها وأبعادها.
  4. معرفة التآليف وحالاتها، ويسمى علم التأليف.
  5. البحث عن الحقائق الحالية وتحقيق هذه الأمور على نحو موضوعي يتجاوز أسس هذا العلم.
  6. مبادئ العلم الطبيعي ثمانية أصناف:
  7. أ ـ معرفة مبادئ المتغيرات؛ مثل: الزمن، المكان، الحركة، السكون، النهاية، اللانهاية وما شابه ذلك، ويسمّى ذلك «الأسماء الطبيعية».
  8. ب ـ معرفة الأجسام البسيطة والمركبة وأحكام البسيطات العليا والسفلى، ويسمّى ذلك «الأسماء» و«العالم».
  9. ج ـ معرفة الأركان والعناصر وتبدّل الصور على المادة المشتركة، ويسمّى ذلك «علم الكون والفساد».
  10. د ـ معرفة الأسباب والعوامل لحدوث الحوادث الجوية والأرضية؛ كالرعد، البرق، الصاعقة، المطر، الثلج والزلازل، ويسمّى ذلك «آثار العلي».
  11. هـ ـ معرفة المركبات وكيفية تركيبها، ويسمّى ذلك «علم المعادن».
  12. و ـ معرفة الأجسام النباتية والنامية وأنفسها وقواها، ويسمّى ذلك «علم النبات».
  13. ز ـ معرفة أحوال الأجسام المتحركة بالحركة الإرادية ومبادئ الحركات وأحكام الأنفس والقوى، ويسمّى ذلك «علم الحيوان».
  14. ح ـ معرفة أحوال النفس الناطقة البشرية وكيفية تدبيرها وتصرفها في البدن وخارجه، ويسمّى ذلك «علم النفس».
  15. فروع العلم الطبيعي كثيرة؛ مثل الطب، أحكام النجوم والزراعة وغيرها من الفروع الأرضية وغير ذلك، التي يمكن أن تمتد إلى مجالات واسعة.
  16. علم المنطق ـ الذي يُقال إنه أُسّس في البداية بواسطة «أرسطو» ـ يختص بمعرفة «كيفية الاستدلال» ويسمّى «علم التعليم» وهو بمثابة الأداة والوسيلة لاكتساب العلوم الأخرى. ورغم أن المنطق علم آلي ومقدم، فإنه ذو شأن عظيم، لأنه يهيئ صحة ودقة العلوم الحقيقية.
  17. ما سبق كان خلاصة لمبادئ وفروع وأقسام الحكمة النظرية على طريقة الأجداد واعتقادهم.
  18. الحكمة العملية هي معرفة مصالح الحركات الإرادية والأفعال الصناعية للنوع البشري بطريقة تؤدي إلى نظام صحيح في أحوال المعيشة والمعاد، وتكون سببًا في بلوغ الكمال المنشود.
  19. الحكمة العملية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
  20. أ ـ ما يتعلق بالفرد؛
  21. ب ـ ما يتعلق بالمجتمعات الصغيرة؛
  22. ج ـ ما يتعلق بالجماعات الكبيرة.
  23. القسم الأول يسمّى «تهذيب الأخلاق الفردية»، والثاني «تدبير المنزل»، والثالث «سياسة المدن».
  24. رغم أن الحكمة العملية تُطرح على أساس الفرد والمنزل والمجتمع، إلا أنه يمكن اعتبار أساسها قسمين فقط: الفرد والمجتمع. فالمنزل هو المجتمع الصغير وخصائصه لا تُحدث تعدداً. الفرد، رغم تعدده، يشكل المجتمع، فأساس المجتمع من تعدد الأفراد لا من جوهرهم.
  25. إذاً المجتمع شيء والفرد شيء آخر، ولكل منهما أحكامه الخاصة. ومع أن المجتمع في النهاية يعود إلى الأفراد، فإن الفرد ليس المجتمع، كما أن المجتمع يتألف من مجموعات مختلفة. قد يوجد مجموعة من الأفراد لكنها لا تشكل مجتمعًا لأن المجتمع يتطلب التركيب، التكوين والاتصال.
  26. أما مبادئ مصالح الأعمال ومحاسن الأفعال الإنسانية فهي إما «طبيعية» أو «وضعية». في الطبيعية لا يمكن التغيير، أما في الوضعية، إذا كان السبب جماعة، فتسمى «آداب وعادات»، وإذا كانت موجهة لكبار مثل الأنبياء عليهم السلام، فتسمى «نواميس».
  27. النواميس ثلاثة أقسام:
  28. الأول ـ ما يتعلق بالنفوس فرديًا مثل العبادات والأحكام والمسائل الشخصية.
  29. الثاني ـ ما يتعلق بأهل المنازل بالمشاركة مثل الزواج والمعاملات.
  30. الثالث ـ ما يتعلق بالمجتمع مثل الحدود والسياسات.
  31. النوع الأخير يُسمى «علم الفقه»، ورغم أن الفقه أساسه وضعّي ويتأثر بتغير الزمن والفترات، إلا أنه لا يخرج تفصيلاً عن الحكمة؛ لأن نظر الحكيم لا يقتصر على نشر قضايا العقل الثابتة فقط، بل يشمل جميع مجاري الأمور، رغم أن هذا الجانب لم يُقبل في السابق، وهذا بيان يُتبع هنا فقط.
  32. تاريخ العلوم النظرية والعملية كما نظر إليه السابقون كان هكذا: فالحكيم هو من يملك جميع العلوم، وإذا نقص في أي منها، يكون ناقصًا بطبيعته، وتوسع العلوم البشرية رغم حقيقة وجوده، يقتصر على جوانب وجزئيات تجريبية.
  33. هذا هو أسلوب وأساليب الأجداد في عرض وتطوير الحكمة، الكمال، المعرفة، والوصول إلى حقائق العالم، الذي له تنظيمات خاصة يُشار إليها إجمالاً:
  34. أ ـ كانوا يعتبرون العلم والحكمة كليات يمكن للفرد أن يتابعها كلها بنفسه.
  35. ب ـ العالم والحكيم هو من لديه معرفة كاملة بكل هذه الأمور، وأي نقص يجعله ناقص العلم ولا يليق به لقب الحكيم. فإذا كان شخص ناقصًا في الرقص أو الموسيقى أو الحقيقة أو الرياضيات أو أي قسم من أقسام الحكمة، لا يُعتبر حكيمًا كاملاً.
  36. هذا الأسلوب لم يقتصر على الحكمة والعلماء فحسب، بل اتبع في جميع الفنون والعلوم. مثلاً، البنّاء يجب أن يعرف كل أنواع البناء، ولا يقول إن بناء عرش الله ليس من عمله. وكذلك الخياط يجب أن يستطيع خياطة كل شيء من الحذاء إلى القبعة. أما الفقيه فيجب أن يعرف جميع الفروع ليكون مجتهدًا مطلقًا، والشخص الماهر لا يستحق لقب الاجتهاد بدون أدلة. كما يقول المثل «جامع المنقول والمعقول هو العالم»، وإذا نقص في أحدهما لا يُسمى عالماً.
  37. رغم أن أجدادنا تحملوا مشقات شاقة في طلب العلم، والكثير من تقدمات العلم والثقافة اليوم مرهونة بجهودهم، إلا أن تعاملهم مع العلوم والمعارف تضمن مشاكل كبيرة ونواقص، منها:
  38. أ ـ العلم والحكمة ومباحث الوجود جُمعت بشكل سطحي ومقتصر على المفاهيم والعناوين، مما يتناسب مع قدرة الفرد.
  39. ب ـ العلماء والعظماء فشلوا في طلب الكمالات المادية والمعارف الحقيقية والعلوم التجريبية، حتى أن اليوم تُعقد اللقاءات العلمية بدون مشاركتهم.
  40. ج ـ التقسيمات المحصورة للحكمة ناقصة ولا تحتوي على استقراء كامل، فالحكماء لم يعرفوا كل العلوم وكانوا على معرفة تامة ببعض العلوم الحقيقية والاعتبارية، ومعرفة ناقصة بغيرها، وبعض العلوم التخصصية لم يطلعوا عليها، وحتى الآن لم تصل العلوم إلى بعضها. ومع ذلك، فقد نُسي كثير من العلوم في العصر الحديث.
  41. على الحقول العلمية في العالم الإسلامي أن تتبع عدة أمور للخروج من عزلة وانحطاط الجماعات الدينية:
  42. أ ـ يجب دراسة مخزون الأجداد نقدًا وتحقيقًا وتجهيزه للأرشفة، مع توسعة الأبحاث في ما هو صحيح.
  43. ب ـ يجب إثراء العلوم الإنسانية والتجريبية بمواكبة الأوساط العلمية العالمية، وبالاعتماد على القرآن الكريم ـ الكتاب السماوي الصحيح الوحيد ـ والسنة النبوية في جميع المجالات العلمية بأساليب تخصصية.
  44. ج ـ يجب أن تكون الأبحاث جماعية وليست فردية، وتُدار جميع الأعمال في مجالات متنوعة من المحلية إلى العالمية بالتواصل العام.
  45. د ـ بعد الإعداد العام ومعرفة الاحتياجات الأساسية، يجب أن تُدار الأعمال العلمية والدينية في العالم الإسلامي بأسلوب تخصصي، مع تجنب التشتت الفردي في فروع متعددة، لأنه يُعتبر نقصًا.
  46. هذه الأمور يجب متابعتها ليخطو المسلمون خطوات في الاستقلال العلمي والثقافي والبحث الديني والروحي، ويتجنبوا النواقص والعيوب بقدر المستطاع.
  47. حكمة «3» ما هي الفلسفة؟
  48. هذا السؤال: «ما هي الفلسفة؟» كيف هو؟ هل هو سؤال ماهوي أم وجودي أو مجرد سؤال لغوي؟ هل توجد ماهية ووجود في الفلسفة؟ أم هي مجرد فكرة ذهنية؟ هل لهذا السؤال جواب محدد؟ هل تجيب عليه الفلسفة أم علوم أخرى؟ أم لا جواب له؟
  49. بعبارة أخرى، الفلسفة التي تتحدث عن وجود الأشياء، هل الوجود هو جوهر الفلسفة؟ وهل الوجود موجود أصلاً؟ ومن يتحدث عن جوهر الفلسفة ومن يجب أن يتحمل مسؤولية ذلك؟
  50. إذا كانت هذه المسؤولية تقع على الفلسفة، فيمكن القول إنها تثبت موضوعها بنفسها، أي تثبت ذاتها. وإذا كانت تقع على غيرها، فالفلسفة لن تكون أعظم العلوم، بل ستكون مجرد رد.
  51. في الإجابة، يمكن طرح السؤال بثلاثة أشكال: أولاً: سؤال لغوي، ثانيًا: سؤال ماهوي، ثالثًا: سؤال وجودي. كل منها …
    (النص يتوقف هنا)
  52. الآخر مختلف.
  53. أحيانًا يُطرح السؤال بصورة أدبية: ما هي الفلسفة؟ في هذه الحالة، تكون الإجابة مفهومية وموجهة لغويًا، حيث يُعنى بالكلمة فقط وتُؤخذ التفسيرات الفلسفية بمعناها الأدبي.
  54. أما النوع الثاني من السؤال فهو ذو توجه جوهري. ورغم أن إجابة هذا السؤال تأخذ صورة فلسفية، إلا أنها تعود لتأخذ توجها أدبيًا أيضًا؛ لأن حقيقة الفلسفة لا تُحتوى في الجوهر، والجوهر نفسه يتضمن وجهًا مفهوميًا.
  55. إذا كان السؤال ذا توجه وجودي، أي سؤال عن تحقق ووجود الفلسفة، فهذا السؤال يكون فلسفيًا.
  56. وفي الإجابة عليه يمكن القول: إذا كان تعريف الوجود بديهيًا، فإن تعريف الفلسفة أيضًا بديهي، ويوازي السؤال عن “الفلسفة” السؤال عن “وجودها”؛ لأن حقيقة الوجود في كل الأشياء أمر مسلم به، وتحقيق الأشياء فرع عن هذه الحقيقة.
  57. لذا فإن السؤال عن حقيقة بديهية يتبعها جواب بديهي، ويجب القول إن جواب هذا السؤال متوافق معه.
  58. هل الفلسفة موجودة؟ نعم، الفلسفة موجودة والفرق بينها فقط نحوي. في الحقيقة، هذا السؤال لا يحمل جوابًا خارجيًا، وإجابته تكمن في ذاته. ولهذا السبب، لا يحتاج الفلاسفة الشرقيون إلى نقاش حول هذا السؤال للبحث في أصله؛ هل هناك حقيقة أم لا؟ هل هي ذهنية أم خارجية؟ هل نصل إلى الخارج أم لا؟ هل الإدراك ممكن أم مستحيل؟ كل هذه الأسئلة نوع من الإنكار أو الإثبات، العجز أو القدرة.
  59. لذا فإن هذا النقاش عند العلماء الشرقيين هو نقاش توضيحي، ويمكن القول إنه لا يحتاج إلى بيان، والفلسفة لا تبتعد عن علومها، ورغم أنها تناقش موضوعات العلوم الأخرى، فهي لا تحتاج أن تُطارد أجوبتها.
  60. نفس النقاش عند الفلاسفة الغربيين يتخذ شكلًا آخر، حيث لا يُقال إن فلسفة أخرى تبرز أو أن الفلسفة يجب أن تتشكل بشكل مختلف، بل يُقال إن النقاش يتخذ شكلاً علميًا وليس نقاشًا فلسفيًا. عندما يأخذ النقاش طابعًا علميًا، فإنه يعود إلى خصوصيات الأشياء وليس إلى أصل وجودها.
  61. لذا يمكن القول إن هذا السائد في الغرب هو مغالطة معقدة بين الخصوصيات وأصل الهوية، وليس أمرًا جديدًا.
  62. الحكمة “4”: الفرق بين العلم والفلسفة
  63. الفرق بين العلم والفلسفة أن الفلسفة تثبت موضوع علوم أخرى، والعلوم الأخرى تقوم بشرح وبحث وتوسيع المسائل التي يعتمد موضوع العلم عليها.
  64. العلم يحتاج إلى الفلسفة لإثبات موضوعه، والفلسفة تحتاج إلى العلوم في تصور موضوعاتها. على هذا الأساس، يمكن القول: الفلسفة في أصلها وجذورها لا تحتاج إلى العلوم، لأن ماهية الفلسفة تتشكل من التصديقات، والحاجة التصورية لتحقق التصديق لا علاقة لها بالفلسفة.
  65. لذا ليس من الصحيح أن تُنتزع الفلسفة من العلوم الأخرى أو تكون نتيجة لها؛ لأن تصور كل شيء يتطلب تصور مسبق واحتفاظ به في الذهن، دون فرق بين الفلسفة والعلم أو أي شيء عادي.
  66. عمل العلم هو الإحصاء والتجريب، وموضوعه الأمور الخارجية الدقيقة والتفصيلية، وهذا البحث عن الأشياء الخارجية يكون لتحديد خصائصها بشكل تقديري ليتم تغيير طرقه ونتائجه في الوقت المناسب.
  67. الفلسفة بعيدة عن كل هذه الخصائص ولها فروق واضحة عن العلوم الإسلامية. الفلسفة لا تقدم نتائج تصديقية، ولا تقديراتها وفرضياتها مفيدة عمليًا.
  68. الفلسفة تنظر إلى ماهية الأشياء بشكل شامل، ولا تهتم بالأمور الخارجية التفصيلية، بل تستكشف الأشياء في شكلها العام، وموضوعها هو هذا الشكل العام — كل ما هو موجود — ويتم بحثه في مكانته الخاصة.
  69. من هذا البيان، يتضح تعريف كل من العلم والفلسفة، ويتبين أي نقاش هو فلسفي وأي نقاش علمي، ويتميز الفيلسوف عن العلماء الآخرين بوضوح.
  70. الفيلسوف يطلب اليقين، والظن والتخمين لا يفيدان عنده، ولا يريد خصائص الأشياء التفصيلية، بل يريد الوجه العام والماهية الأصلية والأساسية للأشياء، ولا تعينه الإحصاءات والأرقام، بل يجب عليه استرداد الأسس والجذور فقط.
  71. من هذا البيان يمكن فهم سيطرة الفلسفة على العلوم الأخرى، لأن الأمور التفصيلية والتقديرات هي وجوه متغيرة للأشياء، والعلوم تسير دائمًا في حركة دائمة، والفلسفة هي التي يجب أن تراقب وجود العلوم في جميع أدوارها، وتبحث في ميزات العلوم وأساليب تطور المعرفة وأجزاء الوجود في المعارف المختلفة.
  72. احتياج الفلسفة للحواس وغيرها من علوم هو احتياج شكلي فقط، ولتحديد حدود التصور، بينما قاعدة القياس الفلسفي الكبرى هي تصديق فكري، وهذا التصديق يتطلب مبادئ تصديقية تعتمد على غيرها، وليس من الناحية الفلسفية والأصول اليقينية.
  73. الفلسفة لا تناقش العدم، وإذا لم يجد شيئًا يصدر حكم بالنفي، مع أن كل الزوائد والتقليد في الأمور غير الحقيقية يجب أن توضع في خانة العدم.
  74. يمكن القول إن بعض الزوائد والعادات في الفلسفة قد تشكلت على أساس وجودي بسبب عدم وجود أساس علمي أو تقديس موسمي أدى إلى ذلك. الفيلسوف لا يجب أن يكون مقيدًا بأي من هذين الأمرين، بل يجب أن يطهّر نفسه من الزوائد والتقديسات الموسمية ويخرجها من دائرة الحقائق ليتمكن من تقييمها بشكل صحيح.
  75. عمل الفلسفة هو بالبرهان، وعلوم أخرى تعمل بالاستقراء. هدف الفلسفة هو التصديق، وهدف العلوم الأخرى هو التقدير والتقييم النسبي والمتنوع.
  76. الفلسفة تسعى إلى الحقيقة لا إلى الواقع النسبي، في حين تسعى العلوم فقط إلى الواقع النسبي وتضع ضياع حقيقتها في ذلك.
  77. الفلسفة لها غاية واحدة ونهائية، والعلوم ترى كل خطوة عملية غاية في ذاتها. رغم أن هاتين الغايتين تبدوان غير محدودة، إلا أن لا نهائية الفلسفة مختلفة عن لا نهائية العلم. لا نهائية الفلسفة لها وحدة بسيطة، أما لا نهائية العلوم فهي متشابكة بالكثرة.
  78. رغم أن نتائج العلوم واضحة، إلا أنها غير راسخة وتنهار في كل لحظة. نتائج الفلسفة، رغم بعدها عن المادة والحس، لها صلابة خاصة.
  79. الفرق بين هذين النوعين من النتائج أن النتائج الفلسفية قد تأخذ صورة كاذبة دون وجود تصديق حقيقي، بينما هذا نادر في العلوم، لأن نتائج العلوم ليست مجرد تجريد وتبعد قليلاً عن الحواس، ولا يمكنها أن تولد وهمًا كبيرًا. ومن المقبول أن تكون نتائجها الكاذبة محدودة مثل نتائجها الحقيقية.
  80. رغم وجود كثير من الزوائد في الفلسفة والعلوم، إلا أن طبيعة هذه الزوائد مختلفة. الزوائد العلمية عابرة وسريعة الزوال، أما الزوائد الفلسفية فهي أكثر دوامًا، وقد تأسر تاريخًا بأكمله أو تلوث دينًا ومذهبًا، في حين أن العلوم الأخرى لا تمتلك هذه القوة أو الدور المهم.
  81. صحيح أن المتطلبات السابقة للعلوم والفلسفة أو المتطلبات الإثباتية للفلسفة والعلوم الأخرى في تحقيق نتائج مطلقة أو نسبية متعددة ومتنوعة، إلا أنها تصل إلى التصديق الفلسفي أو الاعتقاد العلمي عندما تزول تباينات وتشظيات متطلباتها السابقة وتتكامل في هيكل واحد.
  82. في الحقيقة، لا أحد من المتطلبات السابقة للعلوم أو الخطابات الفلسفية هو متطلب تصديقي يحمل اعتقادات علمية مباشرة، بل المتطلبات السابقة هي هيكل موحد يتحول بعد التحقيق إلى صورة اعتقاد وتصديق.
  83. رغم أن هذين الوجهين حقيقة واحدة، إلا أنهما في الاختيار العلمي والفكري للفرد لهما حالتان خاصتان وحيويتان، تدلان على مكانتين، واحدة هشة والأخرى راسخة.
  84. في هذا السياق يجب تذكير ببعض النقاط المختصرة:
  85. أولًا: يجب أن يكون الفرق بين العلم والفلسفة واضحًا، ولا يجب خلط كلام وتعاليم هذين الفرعين الفكريين.
  86. ثانيًا: يظهر الفرق بين العلم والفلسفة بوضوح عندما يتم التعرف على الفلسفة والعلم جيدًا وتقديم تعريف دقيق لكل منهما.
  87. ثالثًا: يجب أن تتضح سيطرة الفلسفة وفضلها على العلوم، مع مراعاة أن احتياج تصور الفلسفة للعلوم الأخرى ليس احتياجًا جوهريًا.
  88. النقطة الأخيرة: الفلسفة تتحدث فقط عن الوجود، وبحثها في إطار الوجود، لأن العدم لا يحتاج إلى بحث، ومن ثم لا يدخل العدم في نطاق عمل الفيلسوف، إذ لا تناقش الفلسفة عدم الأشياء، بل تناقش فقط وجودها، وإذا لم توجد تصدر حكم النفي.
  89. الحكمة “5”: معارضو الفلسفة الإسلامية
  90. في خصائص الفلسفة الإسلامية يمكن القول: إنها فكر عقلي لا يتعارض مع التصريحات الدينية، ولا تعرف حدودًا زمنية ماضية أو مستقبلية، ولا تهتم بمن بدأ النقاش، من أين جاء، أو من يرضى أو يسخط عنه.
  91. ضد هذا الفكر، قام وجهان معروفان بالمعارضة، وهددا هذا الفكر بشدة:
  92. أحدهما أصحاب الأفكار القديمة والتوجهات الرجعية، الذين يرفضون وينكرون هذا الفكر، ويدعون أنه لا أساس له دينيًا وغريب عنه.
  93. والثاني هو التجديد العلمي الذي يقول إن الفلسفة لا ينبغي أن تكون حكرًا على الشريعة والكلام الديني، بل يجب تحرير الفكر من قيود الدين.
  94. الفئة الأولى هم قدماء الفكر في الحوزات، والفئة الثانية هم غرباء وجهلاء بالدين. الفئة الثانية لا تعتبر هذا الفكر فلسفة، والفئة الأولى تراه فكرًا كفريًا، دون أن تأخذ الفئتان بعين الاعتبار المقطع الخاص بالفلسفة الإسلامية أو يعطياها أهمية.
  95. الفلسفة الإسلامية برد واضح على الفئة الأولى تقول: بداية الكلام من أي مكان أو شخص ليست مهمة، المهم هو مدى استقلالية فكرنا في ذلك النقاش، وبردًا على هجوم الفئة الثانية تقول: التفكير الحر يمكن أن يتوافق تمامًا مع التعاليم الدينية الصحيحة والنقية.
  96. من الجدير بالذكر أن أصل الفلسفة هو التفكير الصحيح لاكتشاف الحقيقة، ولا فرق فيها بين كافر ومسلم أو شرق وغرب. تقسيم الفلسفة إلى إسلامية أو مسيحية أو شرقية أو غربية هو بسبب الحدود والفلاسفة، وليس لذاتها التي لا تقبل اللواحق.

الحكمة السادسة: نزاع الفقيه والحكيم

كان النزاع والصراع دائماً قائمين بين الفقهاء القشريين والحكماء والمتصوفين. كما أن الفلاسفة لم يتوافقوا مع العارفين. ولكن في الخارج الأمر يختلف: فالفقيه يفهم المشكلات، والحكيم يحتمل ويؤمن، والعارف يوجب ويشاهد، وأهل الدنيا منشغلون بالمال والمنافع.

الفقيه بدون حكمة والحكيم بدون فقه هما ضالان في الطريق، ولكي ينجوا عليهما أن يخضعا لسيدٍ عالمٍ وذو سرّ.

الحكمة السابعة: أضرار الفلسفة الإسلامية الداخلية

تعاني الفلسفة الإسلامية من نقائص داخلية وخارجية. ومن أضرارها الداخلية: الخطابات المغلقة أو العقيمة ووباء التقليد الأعمى.

كثير من تعاليم الفكر الإسلامي تُدرس بضيق أفق، وخارج بعض الأقوال لا يوجد هدف محدد أو منفعة واضحة. وإذا اجتمعت هذه النقائص مع تقليد أعمى – وهو ظاهر في هيكل التعاليم – فإن ذلك يؤدي إلى اضطرابات جذرية عديدة.

لو ما عُدِّلت النواقص الداخلية والخارجية للفكر الإسلامي، يمكن للفلسفة الإسلامية أن تخطو خطوات واسعة نحو المنتديات العلمية العالمية والأفكار الحرة، وتُظهر رؤاها السامية للعالم بأسره. أقل ما ينتج عن ذلك هو تقييم موضوعي من الفلاسفة والمفكرين الحرّين في العالم للدين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للفكر الفلسفي الإسلامي أن يصلح الانقسامات الذهنية في الأفكار المرهقة للعالم.

يمكن اعتبار الفلسفة الإسلامية بعد تنقيتها من اضطراباتها الداخلية والخارجية كفلسفة مفتاح لكل نقص فكري ومصدر لخدمة المجتمع الإنساني.

لذا، يمكن اعتبار هذه المبادئ الثلاثة أساسية وجذرية لمستقبل المجتمع الإسلامي والمسلمين جميعاً، ويجب العمل على ازدهارها مع الفكر الديني:

  1. الدين هو ذاته السياسة، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر.
  2. الدين لا ينفصل عن العلم والفكر، والأفكار السامية والتطورات العلمية تعبر عن مراجعات دينية.
  3. الفلسفة الإسلامية قادرة على تولي قيادة المجتمعات الإسلامية وغيرها بقوة، إذا ما قضت على اضطراباتها الداخلية والخارجية.

يجب العمل لإبراز هذه المبادئ الثلاثة وتجلّيها في حياة الناس. يجب أن يُدرك أن أي حكم ديني أو فكر مذهبي لا يحقق هذه المبادئ لا يمتلك مكانة علمية وشعبية واسعة. لا يمكن تحقيق أعمال كبيرة في العلم المعاصر عبر خطابات دينية جامدة وخالية من التحليل والابتكار.

يمكن للفكر الإسلامي، عبر تقديم تجديدات في التعاليم الدينية والأفكار الإسلامية السامية، أن يبرز في أفق واسع ويمسك بنبض الأفكار العامة، ويكون رائداً في الاستفادة الواضحة من الكنوز الدينية والعلمية.

يجب السير بحيث يُدرج الدين ضمن العلوم الإنسانية، وليتجاوز دوره التوجيهات السلوكية والفكرية إلى البحث العلمي والتطبيقات الفكرية، ويُنتقى كل تعاليم دينية وتراثية وكل أمر شرعي إلى مجاله العلمي والفلسفي الخاص، ويُبحَث في كل منها بالأدوات الخاصة المطلوبة، وهو ما يعزز ليس فقط التطبيقات العملية، بل أيضاً الأبعاد المعرفية والسلوكية والتمسّك بالدين.

الحكمة الثامنة: التقليد الفلسفي

الحكمة لا تُنال بالتقليد، والمقلد ليس بحكيم. التقليد الفلسفي هو تنمية للكسل واللامبالاة، والحكيم هو من يجتهد ويتميز بالذكاء.

منهج الفلاسفة لدينا، الذين درسوا المنطق، يعاني من ازدواجية خاصة: فهم شديد الدقة في المنطق، ويتمسّكون بشروط البرهان وحصر النتائج، لكن حين يشرعون في الفلسفة، ينسون تلك القواعد ويغرقون في التقليد الأعمى والبساطة، كأن المنطق لم يكن موجوداً من قبل.

في المنطق يتحدثون عن شروط النتائج والمقدمات كأن أفكارهم خالية من العيوب، وكل أفكارهم صحيحة وموثقة. لكن في الفلسفة، يسهل عليهم تبني آرائهم وقبول النتائج ببساطة.

في بعض الأقوال الفلسفية، تهيمن طريقة وأساليب القدماء بشكل يجعل الفلسفة مجرد تقليد علمي، مع كثرة المبادئ الموضوعية التي تُعتبر بحد ذاتها دليلاً لا يجوز التشكيك فيه.

هذا الأسلوب أدى إلى وجود أقوال وأفكار فلسفية هي في حقيقتها قصص وأكاذيب، تشبه التقاليد أكثر منها عقائد وأدلة.

يمكن تقديم أمثلة عديدة لتوضيح هذا، لكن كفاية هذه التعميمات، حيث يمكن لأي عالم أو فيلسوف استحضار أمثلة دون حاجة لمزيد.

الحكمة التاسعة: فلسفة الشرق والغرب

الفلسفة هي منهج للتفكير، لا تعرف الشرق أو الغرب، ولكن تُسمى فلسفة شرقية أو غربية، إسلامية أو مسيحية، تبعاً لمكان نشأتها. أما الفلسفة التي نشأت في الغرب فقد شهدت انحرافات وعيوباً كثيرة. وهذه الاضطرابات نابعة من الثقافة الغربية. ويمكن القول إنه لا يوجد في الغرب فيلسوف حقيقي.

في الغرب، يتجه العلماء في تخصصات أخرى بعد التقاعد أو في سن الشيخوخة إلى الفلسفة، ويُطلق عليهم لقب فلاسفة، دون أن يكونوا قد تعلموا متطلبات الفلسفة ومنهج التفكير الفلسفي في شبابهم.

هذه الإشكالية تجعلهم، رغم امتلاكهم لكفاءة علمية كبيرة – وبعضهم بالفعل قوي في مجالات معينة – يعانون من خلل منطقي وفلسفي في خطابهم الفلسفي، ويفشلون في إدراك نقائصهم الفلسفية، مما يوقعهم في حيرة فلسفية عميقة، ولا يجدون إجابات ملائمة.

أما الفلسفة بمعناها الشرقي والإسلامي، فهي تخصص فكري دقيق، يبدأ طالبه بدراسة المتطلبات الأساسية، ويغذي شغف الباحثين بالتفكير، ويمنحهم القدرة على التعامل مع تعقيدات الفكر.

ومع ذلك، فإن نقد فلسفة الغرب لا يعني خلو فلسفة الشرق من مشكلات؛ فهي تعاني من اضطرابات خاصة بها، أبرزها التشبث بالزخارف القديمة والقدسية. وعلى الفيلسوف أن يفكر بحرية ولا يقيد نفسه بالتقليد الأعمى أو الأفكار الدائرة المفرغة.

الحكمة العاشرة: فلسفة الصدرائي

صدر المتألهين الشيرازي قام بأعظم ثورة فكرية وثقافية في الفلسفة الإلهية في عصره. في زمن لم يكن هناك لغة للتعبير عن التصوف، وانتشر فيه المشايخ المزيفون، وكان الخطاب بيد أصحاب السلطة، وبدأ الفلسفة المشائية تفقد بريقها، شرع الصدرائي في عمل عظيم كشف فيه عن مظاهر ما وراء المادة والروحانيات في الفلسفة.

رغم وجود مفكرين آخرين سعوا لتحقيق ذلك، فإن نجاحه كان فريداً في هذا المجال.

ورغم مكانته البارزة بين الفلاسفة اليوم واعتراف العلماء الشيعة به، إلا أن سلوك ومنهج ذلك العظيم لم يُدرس بشكل واضح بعد. لم يتضح حتى الآن أن منهجه كان إزالة الزخارف من الفلسفة، ومواجهته بكل الفكر التنظيمي غير السليم، رغم أنه تعرض لعزل وإقصاء في عصره.

لذا، يجب أن تسعى الدراسات الحديثة إلى توضيح فكره وسلوكه، ليظهر جلياً أنه أحدث ثورة جبرية في عصره على الفكر والسلوك الصحيح وإزالة الشوائب.

وكل من تركه وحيده وعزله، كانوا أتباع الأهواء والنفس، الذين عرقلوا نهجه…

كانوا يرون أفكاره سببًا للضرر والخسارة في عالمهم، ولم يستطيعوا رؤية ألعابه النارية في داخل بيتهم الشيطاني.

والآن، وهو يمتلك أفكارًا جذرية وسعى إلى إظهار الفلسفة الإلهية على نحو صحيح، يجب ألا نغفل أمرين: أولاً، تعريف المنهج العلمي لذلك العالم الجليل الذي نُسي، وثانيًا، أنه في عصرنا الحاضر لا يمكن السير وفق فكره الفلسفي، ويجب السعي لإظهار وتجديد فلسفة إلهية جديدة، خصوصًا في مجال الغاية والمعاد الأخروي والفلسفة العملية التي تتضمن نواقص واضحة في فلسفته.

الحكمة 11: بداية المعرفة

للفهم يجب أولًا معرفة الموجودات الطبيعية، ثم الموجودات الإرادية من الحيوان إلى الإنسان، ومن غير الناضج إلى الناضج من الحيوان والإنسان، ثم التعرف على مراحل الدرجات والكمال مع النواقص والعيوب، لتكون هذه المعارف مقدمة للنمو والتطور الفردي.

معرفة خصائص الموجودات الطبيعية والحيوانية هي أفضل وسيلة لمعرفة تفوق الإنسان، ومع ذلك يجب التنبيه إلى أن التعرف على هذه الموجودات ومعرفة هويتها وخصائصها ليست بالأمر السهل وتحتاج إلى دقة وتأمل عميق. وللأسف، لم يُبذل جهد كافٍ في دراسة القوى الحيوانية وخاصة التمييز بينها وبين القوى البشرية.

الحكمة 12: الشك، الريبة واليقين بالواقع

الإنسان ما دام في فكر بسيط أو يتبع التقليد الأعمى، قلّما يواجه الشك والتردد. ولكن بمجرد أن يبدأ بالتفكير، تحاصره الريبة والشك. ذلك المفكر يكون أحيانًا في ذروة اليقين والدقة والسعي للفهم، وأحيانًا أخرى في حالة شك وحيرة وأوهام وإنكار.

ما يسبب الشك في الإنسان المفكر هو نفس التفكير نفسه؛ لأن من لا يفكر لا يشك، وإن لم يكن كل من يفكر بالضرورة يشك.

فالشك واليقين يمكن أن يكونا مظهرًا لطبيعة فكر الإنسان، ويقودان النفس البشرية إلى أعلى القمم أو أدنى الهاويات.

أول من وقعوا في فخ الشك كانوا منكري الحقيقة، وعندما لم يجدوا سبيلًا، أنكروا الواقع. ثم قالوا: نؤمن بالفكر فقط، لكنهم وجدوا أن فكرهم هو أيضًا مثبت، فأنكروا معرفة شيء وأصبحوا يشكون في كل شيء، حتى قالوا إنهم يشكون في الشك ذاته.

أُثر ذلك عن ضعف وجودي، وسوء تفكير، وعقد نفسية أو مكائد سياسية، وأدى إلى إنكار الواقع رغم تمسكهم بأنكارهم.

الشكّاء عندما فكروا دون ترتيب منطقي وصلوا إلى الحيرة والشك لأن اكتشاف الحقيقة ليس بالأمر السهل، خاصة إذا تم اتباع طرق غير صحيحة.

يجب أن يُعلم أن الذين لا يفكرون ويعيشون في التقليد والتعصب لا يمرون بالشك، وأما المفكرون الذين لا يطيقون معاناة الشكّ يبقون في حالة الحيرة دون بلوغ اليقين.

وبناءً عليه: بعضهم لا يفكر، وبعضهم يبقى في الشك، وقلة منهم يخرجون من الشك إلى اليقين، وهؤلاء هم الذين يستحقون لقب الفلاسفة الحقيقيين.

الحكمة 13: عجز الفهم

كثير من الذين يعرفون الحقائق لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا ملموسًا، لأن فهم القلة لا يكفي لإحداث أثر واسع.

الحكمة 14: التقيد الإنساني

الأشياء والظواهر تكون في إطار «التقيد» و«الحيثية»، ولا شيء فيها مطلق. فهم هذا التقيد أساس النجاة في عالم المادة.

لا يمكن أن يُطلب من أحد أن يحبك بشكل مطلق، فهذا أمر محال.

الحكمة 15: حقيقة المطلق والنسبية

هل النسبية صحيحة، أم يجب أن يُنظر إلى كل شيء على أنه مطلق؟ أهل النسبية ينكرون المطلق ويقولون إنه خيال الأذهان الجامدة، وأن كل شيء نسبي.

أما أهل الدين، فيؤمنون بوجود مطلق حقيقي وهو الله تعالى، وأن كل الموجودات نسبية من هذا المصدر المطلق.

إنكار المطلق إنكار للنسبية نفسها، وبدون مطلق لا وجود للنسبيات، وأي انكار للحقيقة يؤدي إلى أن كل كلام جائز ولا فرق بين عقيدة وأخرى.

وجود المطلق والكمال المطلق والحق والباطل موجودون بالنفي والإثبات. ولكن هذا القول لا يعني أن كل من يتبع دينًا أو يؤمن بالكمال المطلق يكون مطلقًا؛ بل الغاية والكمال مطلقان، والطريق والمسلك والسالک أمر نسبي، إلا أن الخلاف بين الطريق والغاية مشكلة للجميع.

النسبة الموضوعية أنكرها أهل النسبية فيما يخص الغاية الأخلاقية، كما أن المطلق الغائي أدى إلى ادعاء المطلقية من قبل أهل الإطلاق، مع أن التحصيل والانتفاع في الطريق نسبي.

أن يكون الحق تعالى مطلقًا والكمال مطلقًا لا يعني أن كل من يتبع الحق أو يؤمن بالكمال المطلق يكون مطلقًا، ولا أن كل من يتبع دينًا أو قرآنًا أو معصومًا معصومٌ. التوحيد مقام مطلق،

ولكن هذا لا يعني أن فهم كل موحدٍ صحيح. إن الإمام علي عليه السلام حقٌ، ولكن ليس معناه أن فهم كل أتباعه حق.

لا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين؛ أن “علي عليه السلام حق” قولٌ، وأن “كل فهم لأتباع الإمام علي عليه السلام حق” قولٌ آخر، وليس للقول الثاني حكم عام، في حين أن الأول حكمه مطلق، لأن الإمام علي عليه السلام هو الحق، وكل ما يقابله باطل. أما القول الثاني فحكمه نسبي، وقد يكون من أتباع الحق من يخطئ في فهمه. بناء عليه، قد يكون التابع للحق باطلًا نسبيًا.

لذلك فالحق المطلق والقطع بالحق أمران منفصلان؛ “المقطوع به” واحد، والمطلق في ظرف الحق، ولكن قطع كل إنسان به مختلف، وقد يكون كل واحد قد وجد الحق بقدر معين وبنوع معين.

عندما يقال: “غير الإمام علي عليه السلام باطل”، لا يعني أن كل من ليس تابعًا له باطل بنفس الدرجة، ولا أن كل تابع له كامل الحق، فقد يكون تابع الإمام علي عليه السلام في الأصل أو في الفهم مخطئًا، رغم أن تابع غيره لا يكون حقًا.

لذا، أن كل ما قاله الإمام علي عليه السلام صحيح لا يعني أن كل ما نقوله أو نفهمه من أقواله حق. عصمة الإمام علي عليه السلام لا تعني عصمة فهمنا، ولا ينبغي أن نتمسك بتعصب بأن كل ما قاله هو حق، وأن فهمي هو الدين الحقيقي.

إذًا لدينا غاية مطلقة، ولكن في الأفراد تحكم النسبية. أهل النسبية ينكرون الإطلاق في الغاية، ونحن ننكر الإطلاق في الأفراد. صفات الأفراد نسبية، لذلك لا ينبغي أن نعتبر فهمنا كاملاً حتى وإن كنا نسعى للحق المطلق.

يجب على أهل الحق أن لا يتعصبوا لنفسهم أو يدعوا العصمة، وألا يغلقوا آذانهم عن آراء الآخرين، بل ينبغي أن يتحلوا بالسعة والرحابة، وأن لا يظنوا كل مخالفة حق مخالفة للحق، ولا يستخدموا العنف تجاه المخالفين.

منطق الحق لا يعني صحة كل منطق، كما أن أرسطو وابن سينا من أعظم المنطقيين ولهم أخطاء كبيرة.

الأولياء المعصومون مختلفون عن غيرهم، وحتى أولياء غير معصومين يجب أن يتحلوا بالحذر، وآذان صاغية وقلوب واسعة.

مثال على ذلك هو تعامل عبد العظيم الحسني مع المعصومين، فهو مع كماله العلمي والعملي، حين يلتقي بالمعصوم يقدم عرضه للحق لا لهدف آخر، ويريد أن يقيم قيامته في الدنيا، ويعرض نسبيته على المطلق.

هو لا يرى نفسه كاملاً، بل يسعى للوصول إلى الحق كاملاً، لأن أهل الحق مختلفون في درجاتهم، ولا ينبغي لأي سالك حق أن يدعي الكمال، بل يجب الاجتهاد المستمر.

لذا حفظ كتب الضلالة حرام، لأنها تخالف الحق المطلق، ولكن ليس كل ما هو مباح حلال في كل الحالات، وقد نلزم بالحرمة في كثير من الحلال الظاهري.

خطأ أهل النسبية إنكار المطلق، وخطأ أهل الإطلاق إنكار نسبية الأفراد في العمل، وإن لم يؤمنوا بها نظريًا. قلة قليلة تتخلى عن تعصبها تجاه غير المعصومين وتهتم فقط بما ورد عن المعصومين.

في الشريعة، الإساءة إلى المعصومين أو القرآن لها حكم خاص، ولا ينطبق على غير المعصومين.

مع أن حفظ كتب الضلالة حرام، يجب أن نتحلى بالاحترام والأدب والأخلاق، ولا نتصدى بسرعة لنفي الأفكار، فقد استُخدمت أداة التكفير والتفسيق ظلماً لإخماد الفكر.

هذه الظاهرة التاريخية تقلصت في الزمن الحاضر، والآن يستخدم البعض التفسيق أكثر من التكفير، ونأمل أن تزول هذه الأداة ويصبح حق البحث والتفكير مصونًا من الاستغلال.

الحكمة السادسة عشر: النفس الأمر والوصول إلى الحقيقة

الحقائق لها وجه مسلم وحقيقي، وهو ما يسميه الفلاسفة “النفس الأمر”. كل الأمور، الأشياء، الصفات والمعاني لها حدود واضحة ووجوه خاصة بها. النسبيات كلها جوانب ذهنية للحقائق والأشياء، مثل ستائر تغطي المستقبل الذي يشكل العقل صورته في الفكر.

لا يستطيع أي مذهب بشري أن يدعي الإحاطة التامة بالخطوط الخاصة بـ”الإيجابيات” و”السلبيات”، ولا إلا الأديان السماوية والأولياء المعصومين عليهم السلام قادرون، بنصرة إلهية مباشرة، على بيان وجوه الحقائق بوضوح.

تبقى الأديان السماوية ناجحة في هذا الدور طالما أن النبي المعصوم عليه السلام والدين حاضر في المجتمع حضورًا فعليًا، وإلا فإن الأولياء والمتوليين الذين ليسوا معصومين ـ ولا أحد غير الأئمة المعصومين في هذا المقام ـ لا يستطيعون القيام بهذا الدور كاملاً، ويجب أن يتحدثوا نسبيًا عن معارف دينهم، وفي كثير من الأحيان يكون الصمت هو الأنسب.

ما يناله الأنبياء والأولياء المعصومون عليهم السلام من الحق تعالى، هم مكلفون ببيانه والعمل به، والآخرون يستفيدون مما يستخرجونه بناءً على جهدهم وقدرتهم على الفهم، وهم مكلفون بذلك. بناءً عليه، من غير المناسب إلا الطاعة والانقياد أمام الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام.

الأولياء المعصومون عليهم السلام يجب أن يعالجوا الأمور بمساعدة المعونات الغيبية، أما غيرهم في غيابهم، فيجب أن يتحملوا المسؤولية تجاه بعضهم البعض، ويستمعوا لبعضهم ويتعاونوا لتسيير الأمور.

الوضع بين الأفراد والجماعات في مواجهة الأولياء المعصومين مختلف عن الوضع في مواجهة الآخرين الذين يحملون ألقابًا مثل المربي أو المرشد، فالفرد أو الجماعة الذين يقفون أمام المعصوم عليه السلام ليسوا كالذين يقفون أمام غير المعصوم، حتى وإن كان ذلك الشخص نائبًا أو وصيًا دينيًا خاصًا من المعصوم، بشرط أن يكون له علاقة خاصة معه، إذ أن العلاقة الخاصة تجعله بمثابة المعصوم، والمخالفة له مخالفة للمعصوم.

لكن إذا لم تكن هناك علاقة خاصة، كما هو الحال مع نواب الإمام زمان عليه السلام في الغيبة، فإن ما يقوله هؤلاء من آراء هو فهمهم الشخصي، ولا يحمل القطع كما أن مخالفتهم ليست مخالفة للمعصوم مباشرة.

بالتالي، وجود المعصوم في المجتمع يختلف عن غيابه من الناحية الظاهرة، ولكل حالة أحكامها، ولا ينبغي أن يُعامل المعصوم كأي فرد عادي، كما لا يجوز في زمن الغيبة أن يُقارن الناس بالمعصوم أو تُعتبر مخالفتهم مخالفة للمعصوم إلا في الأمور العامة التي يترتب عليها ذلك الحكم.

بالطبع، مسألة النفس الأمر والحقائق لها أبعاد معقدة أخرى، وهي هل يمكن للإنسان الوصول إلى الحقيقة أم أنه محصور في أقفاص فهمه فقط؟

في هذا الصدد، يطرح البعض مسألة “النسبية” و”الحقية” للإنسان، ويقولون إن “المطلقية” نوع من الذهنية وليس واقعًا، لكن هذا القول غير قوي، لأن النسبية تؤدي إلى إنكار المطلق، حيث الحقيقة لا تكون إلا في مقام الكمال الكامل، وهو “المطلق”، وكل الكمالات مجتمعة في تحقيق هذا الأمر، والنسبية تنكر هذا.

وفي مقابل هذا، يورد العلماء الإلهيون أن الحقيقة المطلقة موجودة، وأن الإنسان يستطيع بلوغ هذه الحقيقة، ويمكن للإنسان بواسطة “المنطق” و..

الحكمة السابعة عشر: إثبات الواجِب

إثبات وجود الواجِب يتمّ عبر وحدانية الصُنع وإمكانية غيره، وهو ما يُعرف بـ«برهان إنّي». أما إثباته من خلال «وجوب الفيض» فهو أمر «لِمّي». وإذا أمكن إثبات «برهان لِمّي»، فإننا نصل من خلال وحدة العالم الآخر إلى وحدة الوجود، والحياة، والوعي الفطري الإرادي، ومن ثم لا يمكن وجود مثيل أو نَظير له، فلا يكون هناك عوالم مختلفة.

الحكمة الثامنة عشر: الحتمية في إثبات الحق

الوثنيون وأماكن عبادتهم كلها تدلّ على الإيمان وإثبات الحق، ولا ينكر أحد الكفار الحقيقة. كما أن العديد من المعابد والمساجد، رغم قدسيتها، قد تُستخدم من قِبل أهلها كدلائل على إنكار الحقيقة. يتحدثون عن الله تعالى والحقّ بكلمات تهزّ القلب، وكأنّ المتكلم مؤمن، لكن كلامه يوحي بأنه رئيس الكفرة ولا يؤمن بأي شيء أو أحد!

الحكمة التاسعة عشر: مقابلة الواجب والممكن

لا توجد مقابلة حقيقية بين الواجب والممكن، رغم أن هذا هو معنى «المقابلة الشمولية». فالله تعالى ليس مقابلاً لأحد، ولا يوجد أحد مقابل للحق، لأنّه لا وجود لغير. المقابلة الوحيدة هي بين «السلب والإيجاب» و«الوجود والعدم».

لكن هذا الكلام مجامل للفلسفة السائدة، أما نحن فقلنا لا يوجد ممكن، ولا واجب، ولا عدم، وإنما نتكلم عن «حقيقة الوجود»، وهي نظرية تختلف عن «أصالة الوجود» ولا ترتكز على ماهية كمقابل أو فرع.

الله تعالى متفرد في وجوده، وهو كل الوجود، والعبد متفرد في عدمه، وهو ميزة مطلقة. الله تعالى لا يمكن أن يمنح العبد «الإيجاب الذاتي» للوجود، كما أن العبد لا يستطيع أن ينسب نقص الإمكان لله تعالى. العبد ضيف على عطايا الله تعالى، والله ضيف على نقص العبد. العبد يتكلم من أنانيته تجاه أنانية الله تعالى، والله يخص نفسه بصفات إمكانه نسبة للعبد.

الله تعالى إمكان، والعبد واجب ذاتي ليس له. لا يمكن لله أن يمنح العبد واجب ذاتي، ولا يمكن للعبد أن يمنح الله إمكاناً. الله في ملك الوجود، والعبد في ملك الظهور السلطاني. هو غني عن الإمكان، والعبد غني عن الوجوب؛ لأن إمكان هذا للآخر غير متاح، لا لله استعداد الإمكان، ولا للعبد استعداد الوجوب.

الله في الوجوب، والعبد في الظهور السلطاني، وهذه مقابلة جديدة ترتفع بين الوجود والعدم، ولا يمكن اعتبارها علاقة نقيض بينهما.

الله واحد في الوجوب، والعبد واحد في الظهور، لا يوجد موجود مثل الله، ولا ظهور مثل العبد. الله هو مضيف الوجود، ونحن ضيوفه. العبد مضيف الظهور، والله مضيف الوجود. الله هو الحق، ونحن العباد؛ الله يربّي ونحن نعبد، سواء أردنا أم لم نرد.

ورغم أن طلبنا أو عدم طلبنا لطف من الله تعالى، ونحن فيه لا نملك نصيباً إلا بما يريده الله.

الحكمة العشرون: القضاء والقدر

يُعدُّ بحث القضاء والقدر من المواضيع المهمة والمعقدة. فالقضاء والقدر يمثلان عالمين ومرتبتين من مراتب الوجود تؤثران في تحقيق الحياة وجودة عمر الإنسان. ويجب القول إن القضاء والقدر، وهما الحكمة وخصائص حياة الأفراد، حقيقة موجودة، ولكنهما لا يلغيان تكليف الإنسان أو إرادته، بل إن نوعية تعامل الإنسان واختياره تؤثر في جوانب كثيرة من حياته.

الحكمة الحادية والعشرون: الجبر والاختيار

من المواضيع الفلسفية المهمة موضوع الجبر والاختيار عند الإنسان. الإنسان ليس مجبورًا بالمعنى المطلق، لكنه ليس قادرًا على تحقيق كل فعل، لأن الإنسان يتشكل ويتطور تحت تأثيرات متعددة، ونموه يعتمد على تأثيرات الآخرين.

هناك ثلاثة موضوعات مترابطة: «الطينة» و«القضاء والقدر» و«الجبر والاختيار»، وهذه ترتبط مباشرة بفعل الله وقدرة الموجودات، ويجب التدقيق في جميع هذه الجوانب ليُبيّن كيف أن الله تعالى هو الحاكم على الوجود، والوجود نفسه هو تجلٍّ لحقه تعالى، وفي نفس الوقت الإنسان له نوع من الحاكميّة ضمن دائرة وجوده.

الحكمة الثانية والعشرون: فلسفة الانحرافات

في نظام الأحسن للوجود، لكل شيء أسباب وأسباب مادية وأغراض وحكمة، ولا ينبغي السخرية من أي أمر، بل يجب النظر إليه بدقة وعبرة. فإذا سُئلنا عن حكمة ظهور العصيان والمعصية والخطأ والزلة في العالم المادي، ولماذا يجب أن توجد الانحرافات والنواقص بكثرة في نظام الأحسن، فيجب أن نجيب: لو لم يكن الإنسان يعاني من النقص والانحراف، لما رآى نفسه ناقصًا أو محدودًا، فكان سيغتر بنفسه ويتكبر بحيث لا يذل أمام أحد، ويظن نفسه سيد نفسه، فيصبح من دون عبودية لله تعالى.

لو حدث ذلك، لظهر آلهة كثيرة بين الناس، وكل شخص يعتقد نفسه مستحقًا للعبادة والإلهية، وهذا الأمر سيكون أسوأ من وجود النقص والمعصية، لأنه يؤدي إلى هلاك الإنسان وفساده أكثر.

مع وجود النقص والإمكان، يدعي الإنسان الألوهية، وقد ظهر في تاريخ البشر كثير من الذين ادعوا الألوهية من جنس البشر، ورفعوا شعارات «أنا الحق» و«ليس في جبتي إلا الله»، وقالوا «سبحان ما أعظم شأني»، وقالوا: «أنا ربكم الأعلی» معارضةً لقوله تعالى: «إني أنا الله رب العالمين».

ولو كان لدى الإنسان قوة أكبر لكان قد آمن هؤلاء الآلهة المزيفة بألوهيتهم، وأدى ذلك إلى عبادة غير الله تعالى.

الحكمة الثالثة والعشرون: نظام الأحسن وفهم حقيقة الوجود

إدراك «الإمكان الأَشرف» وتحقيق «نظام الأحسن» والسير العلمي والعملي في مستويات الظواهر، من أعلى مراتب فهم حقائق الوجود.

العالم كله خير، والشرور فيه هي عين الحسن. ليس الحسن في أن يكون الجميع سعداء فقط، بل نظام الأحسن هو أن يكون مع الشقاء الأحسن. وكل ما يحدث هو غاية لكل إنسان، ودنيا وآخرة متوافقة.

الشرور خير أيضًا، تمامًا كما أن بعض الأمور الخيرية قد تكون شرًا للبعض مع أنها خير. كل الخير والشر مظاهر لأسماء الله الحسنى والجلال، وكل ما هو موجود هو تجلٍّ لحقه تعالى، ولا يوجد عدم في الأمر.

كما أن أسماء الله وصفاته كلها وجود، كذلك مظاهره كلها وجود، دون مشاكل في الحكمة أو الفاعلية. خلق العالم هو مصلحة محضة، والفاعل هو الله تعالى. الأمور الخيرية مظاهر صفات الجمال، والشرور مظاهر صفات الجلال، ولا وجود للعدم، ولا حاجة إلى فاعل سوى الله تعالى.

إن قيل إن الشر لا وجود له خارج العقل، فهذا مخالف للحدس والمنطق، وإن قيل إن الشر موجود وله سبب، فإما أن يكون السبب الله تعالى أو غيره. وإن كان الله السبب، فهذا مستحيل لأنه لا يمكن أن يعطي شيئًا وهو نفسه ناقص. وإن كان غير الله، فهذا يؤدي إلى تعدد الآلهة وهو محال. إذًا هذه المسألة تحتاج إلى تأمل واسع وشرح مفصل.

الذين يرون أن الشر عدمي وقعوا في نفس الخطأ الذي يعتبر الله «واحدًا مجردًا»، بينما نحن نعتقد أن جميع أسماء الله وصفاته موجودة، والشرور مظاهر لصفات الجلال، ولا يوجد عدم.

وجود الشر لا يستلزم وجود إبليس خارجي، لأنه هو ذاته تجلٍ لاسم «المضل».

القول إن الشر من صنع الله تعالى هو القول بصراحة أن الله لا يخلق إلا الخير، ولكن الخير كالمطر الذي ينبت الزهر في البستان والزرع في الأرض القاحلة، وعندما يصل إلى التحديدات يتحول إلى شر، وهذا القول بأن الشر له وضع جوهري هو قول لا أساس له.

نحن نقول إن الخير والشر كليهما وجودي، ومظاهر لأسماء الله وصفاته، وليس لهما ماهية مستقلة، والماهية هي مفهوم فقط، والوجود الحقيقي هو لله تعالى وبظواهره.

الحكمة الرابعة والعشرون: الفاعل الطبيعي والعلمي

الفاعل ينقسم إلى نوعين: فاعل طبيعي وفاعل علمي. الفاعل الطبيعي كحركة الماء والأرض والسماء والشمس.

الفاعل العلمي هو الذي يكون العلم الإرادي مؤثرًا فيه، مثل أفعال الإنسان. مع العلم أن كل الموجودات لها علمها، لكن الحديث هنا عن العلم الإرادي.

الفاعلون الطبيعيون كالماء والنار يتحركون وفق غاياتهم، مثل اشتعال النار الذي هو الغاية والنتيجة، ولا يمكن أن يكون هذا باطلاً، لأن الله تعالى يقول: «ربنا ما خلقت هذا باطلاً».

أما الإنسان كفاعل علمي، مع تجاهل الفاعل الطبيعي الذي فيه علم، أو الفاعل الحقيقي وهو الله: «ولا مؤثر في الوجود إلا الله» – فالموضوع هو الفاعل العلمي والإرادي، الذي يؤدي إلى الحركة والتغيير للوصول، ولكن فقط لكي لا يُضيع حق الموجودات.

نحن نظن أن الحيوانات لا تفهم، لكن هذا خطأ، فالحيوانات تفهم الكثير وتشارك الإنسان في ذلك، بل أحيانًا تتفوق عليه. ونحن نثبت بآيات القرآن والبرهان أن فرقًا بسيطًا في المستوى يجعل الإنسان حيوانًا والحيوان إنسانًا.

هذه المسألة واسعة، ونحن نكتفي بمثال للفاعل العلمي: الفاعل العلمي هو الذي يكون العلم حاضراً في إرادته وفعلِه، فإذا أراد الشخص شرب الماء، فالفاعل العلمي هو العطش أو الدافع الذي يحركه إلى الفعل، وعندما يكون الفعل مبنيًا على العلم، قد يتم أو لا يتم، على عكس النار التي لا يمكن أن تكون حارة في يوم وباردة في يوم آخر.

البحث حول «الحكمة الخامسة والعشرون: اتحاد العاقل والمعقول»

يُعتبر اتحاد العاقل والمعقول من المواضيع الفلسفية العويصة والمعقدة. إن الإشكال والنقد الذي يُثار في هذا الباب ينبعان من سوء فهم مفهوم المعقول وخلطه بالشيء الخارجي. فالمعقول شيء، والشيء الخارجي شيء آخر مختلف عنه. ومن ناحية اللغة، يختلف الوجود عن الظهور أو المعقول، ومن حيث المعنى هناك درجات وتفاوتات واضحة.

الشيء الخارجي، باعتباره شيئًا خارج الذهن، لا يمكن أن يتداخل داخل ذاكرتنا أو عقلنا. فالشيء الخارجي يظل كما هو، بينما عندما يسقط الضوء عليه ويُرى، فإن ذلك الضوء والصورة المنعكسة ليست هي الشيء ذاته، بل هي تمثيل له. الصورة التي تقع على الشبكية لا تُعد الشيء الخارجي، بل تمثل حالة عصبية داخل العين، وهذه الحالة تُنقل إلى الدماغ، حيث تتكون الصورة المعقولة، وهي ما ندركه ونتفاعل معه.

إذا قلنا إن الصورة والعاقل داخل الدماغ متحدان، فليس هذا بغريب، لأن الصورة تمثل فعل وانفعالات العاقل، وليست الشيء الخارجي ذاته، وبالتالي فالاتحاد قائم بين الفعل والفاعل، لا بين الفاعل والشيء الخارجي.

لتقريب هذا المفهوم، يمكن النظر إلى مثال بسيط: عندما ينظر الإنسان إلى تفاحة ويحملها بيده، فإن التفاحة تبقى شيئًا خارجيًا مستقلاً، ولا يوجد اتحاد بين الإنسان والتفاحة. ولكن عندما يأكل الإنسان التفاحة وتدخل مكوناتها إلى دمائه وأجزائه بعد عمليات الهضم والامتصاص، فإنها تتحد مع الجسم، فلا تعود تفاحة بل تصبح جزءًا من الجسم نفسه، وتتغير ماهيتها، وهنا يحدث اتحاد حقيقي بين ما كان تفاحة وجسم الإنسان.

وينطبق هذا على اتحاد العاقل والمعقول؛ فهما متّحدان ووجهان لذات الشيء، لكن تصور المعقول هو ما يسبب الإشكال، إذ أن المعقول، من الناحية اللغوية والطبيعية، لا يمكن أن يكون موجودًا بذاته بدون العاقل.

وعلى سبيل المثال، الغذاء الذي نأكله يتحلل في الجهاز الهضمي إلى مواد تُمتص، وتُفرز الفضلات، ومن ثم يُنقل الغذاء المفيد إلى الكبد والدم، والدم يمد الخلايا بالغذاء. الخلايا تتغذى، تنمو، تموت، وتُطرح فضلاتها من الجسم. فما هو موقع اللحم بين هذه العمليات؟ هل اللحم هو الغذاء؟ هل الدم هو اللحم؟ هل الخلية هي اللحم؟ وكيف يمكن للخلية اللحمية أن تصبح غذاءً لخلية العظم، وخلية العظم تصبح غذاءً لخلية نخاع العظم والمخ؟

هذه العملية الحيوية المعقدة توضح كيف أن أجزاء الجسم تتحد وتتغير في طبيعة الحال، وما هو موجود الآن كمعقول داخل الذهن، ما هو إلا مجموعة من العمليات العصبية والفعلية التي تمثل انعكاسًا وتفاعلًا مع الشيء الخارجي.

حتى الآن، وبعد كل التطورات العلمية، يبقى الفهم الفلسفي القديم أكثر عمقًا وشمولًا، إذ يربط بين الفيزياء، والرياضيات، والفلسفة، والهندسة، والعلوم الطبيعية في خطاب واحد، ويكشف عن نقص في بعض تعليمات العلوم الحديثة.

الاتحاد بين العاقل والمعقول يعني أن المعقول لا يكون شيئًا إلا إذا كان تحت سيطرة العاقل، والعاقل هو الإنسان، وبالتالي المعقول هو سيطرة العاقل على الشيء، وهو ما يعكس الفهم الحقيقي للمعقول.

بالتالي، المشكلة الأساسية في نقاش الاتحاد تكمن في تصور المعقول، والذين ينكرون هذا الاتحاد لا يفهمون المعقول بصورة صحيحة.

للتوضيح، عند النظر إلى شيء ما كالتفاحة، هناك فرق بين التفاحة الخارجية، وصورة التفاحة في العين، والتمثيل العصبي في الدماغ، فالمعقول هو هذا التمثيل العصبي وليس الشيء الخارجي.

نختتم بالتذكير أن اتحاد العاقل والمعقول هو اتحاد بين صورة الشيء المنعكسة على الشبكية والعقل المدرك لها، وهو اتحاد الفاعل والمفعول به من جهة، وليس اتحاد الشيء الخارجي بذاته.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V