صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

النسخة العرفانية

نشر في آذر 13, 1404 في

النسخة العرفانية

الهوية الببليوغرافية:

المؤلف: ، ، ١٩٤٨ م –
العنوان واسم المؤلف:

النسخة العرفانية

/ .
مكان النشر: طهران: دار نشر ، ٢٠١٤.
الوصف المادي: ٧٢ صفحة.
رقم الكتاب المعياري الدولي (شابك): 978-600-7347-92-8
حالة الفهرسة: فيبا
ملاحظة: الطبعة السابقة: ظهور شفق، ٢٠٠٧ (٣٦ صفحة).
ملاحظة: الطبعة الثانية.
الموضوع: التصوف
تصنيف الكونغرس: BP286 / ن8ن5 2014
تصنيف ديوي: 297/83
رقم التسجيل الوطني: 3684111

المقدمة

الحمد والثناء لله عز وجل ولأوليائه المعصومين عليهم السلام، الذين تمثل هويتهم عطاءً إلهياً.

تشهد الأفكار والإدراك والحدس البشري أن جميع الظواهر، وخاصة الإنسان، هي تجلٍ وظهور من عالم النزول والصعود في الوجود.

حينما ينظر الناظر البصير بنظرة صافية إلى وجه الوجود، يراه تجلياً لظهور الحق سبحانه وتعالى. ومع أن جميع البشر وأصحاب الملل والنحل متشابكون في شبكة الفكر والاعتقاد، ومرتبطون إما بالكفر أو الإيمان، فإن الحكمة والمعقول الخاص والقرب الولائي عند الشيعة وحدها

(7)

تزهر أزهار الشوق والعشق والتصوف الحقيقي في القلب، وتحرر الإنسان من قيد الغير والنظرة الثنائية، من دون أن ينتقد الفكر أو الاعتقاد بغير حق.

السلوك السليم والوصول الحقيقي إلى الحق مرتبطان بالتفكير والعمل وفق التصوف القرآني، وذكر الحق العذب لا يُسمع إلا من أفواه العارفين الصادقين، وعند سماعه من هذه الألسنة، يظهر في باطن الإنسان ذوق جديد من الملكوت: «ما عرفناك حق معرفتك».

الحديث عن التصوف، كأنه حديث عن باطن النفس، شيق وممتع، ولكنه لا يفتح قلوب المتألمين والمشتاقين المنسيين. وصف حقيقة التصوف وأساسه وغاياته لا يظهر إلا في همم العارفين المتقنين، وعلى ألسنة الشخصيات الدالة على الفقر والزهد، والأوجه المضيئة للمعرفة والتصوف.

معرفة التصوف ووجود العارف لا يتحققان من خلال التعبير أو التسمية فقط، بل يتطلبان رؤية وحضور السالك المتألم والعارف المبتلى. فالطريقون الحقيقيون هم فقط الذين يستطيعون كشف سر الباطن وراز الحق. ما بعد اجتياز مراحل الصعود هو الفكر النظري والسلوك العملي للتصوف الشيعي العالي، وهو أعلى ما توصل إليه الإنسان وأعلى قمم معرفة ربوبية الحق، التي تتجلى في وجوه العشق والمعرفة والصفاء والولاية.

العارف يتتبع «الحقيقة» من بين جميع الوقائع، دون أن ينشغل بـ «الماهية» أو «المفهوم» أو عنوان «العدم».

الباب: حقيقة التصوف وأصوله

يُسكب الحقّ كاملًا في قلب العارف، وهو بلا وعي ولا حدود ولا اسم ولا صفة، فيجد في كلّ ذلك صورة واضحة وجليّة من وجه الحقّ الذي لا يتحدد. العارف، سواء بسعيه أو بدون سعي، ينتزع روحه من ذاته، فلا يرى سوى الحقّ وحده دارًا وملجأً وصديقًا ومعشوقًا.

أساس التصوف هو الحقّ، والعارف، بلا وصف ولا تشبيه، يفتح له الطريق إلى ما هو فوق العقل والمفهوم والتصوّر. ذهن العارف هو العالم الخارجي، وثباته هو حضور الحقّ وحده.

التصوف يصنع العارف، والعارف ينقّي القلب، وهذان الاثنان بلا قالب يعبران عن الحقّ بصفته الحقيقة.

موضوع التصوف

ما يمتلكه العارف هو ما وجده، وموضوع التصوف هو الحقّ، وغايته هي الحقّ أيضًا؛ دون أن يبتعد عن ظاهرة أو تجلٍ، أو ينكر المظاهر والظهورات. العارف يرى الحقّ مطلقًا في كلّ صورة، ويعرفه بكلّ وجوهه، ويعشقه. همّة العارف هي ربوبية الحقّ، ورؤيته هي عبوديته. لا يطلب العارف سوى الحقّ، ويلاحق حضور جوهر الوجود بلا وسوسة خيال أو وهم.

التصوف والفلسفة

العارف لا يقع في شباك الكلمات كالظاهريين، ولا ينشغل كالفيلسوف الخالي من رؤية بالتعليل والاستدلال وحده.

العارف يرى كمال الفلسفة في التصوف، والتصوف ثمرة العقل، والعقل حقيقة الشرع، والشرع صورة واضحة للدين، والقرآن والسنة هما أساس الدين. ويفهم الفكر الذهني كوسوسة، والتفكير الحقيقي كوجه تجلّي الربوبية. ذهنه هو الخارج، ويعتبر الخارج خاليًا من تعدد المصاديق، ويجد كل الظواهر العلمية والوجودية تجليات لربوبيته.

قلّ من يسلك هذا الطريق الحقيقي، وقليلون هم الذين يخلصون في حبّ ذلك الصاحب: “واحدٌ بعد واحدٍ، وداخلٌ بعد داخل”، رغم كثرة المدّعين.

الحقيقة والادعاء

ليس بالقول أو الصخب أو الكبرياء يتحقق السير والبلوغ، ولا بالادعاء. القول موقف ضعيف، والسير عمل، والبلوغ استقرار، والوجود فراغ ذهني. الأول فخّ، والثاني بذرة، والثالث ثمرة، والرابع بلا كلمات أو عناوين. من بلغ الطريق فنا، ومن يتظاهر بالسلوك والتصوف فهو عاطل وباطل.

عبر تاريخ التصوف والسلوك، الذي يوازي عمر الإنسان، كان دائمًا المدّعون والجاهلون يتحدون أهل الحق وأصحاب الله، رغم أنهم كالطبقات على سطح موج سرعان ما تنقضي، وهم سراب يخدع العطشى الجهلة.

العارفون المخلصون ومحبو الله كانوا دائمًا زينة التاريخ الإنساني بالمعرفة والصفاء والشوق والحب، بلا طلب الشهرة أو المظاهر.

همّة المفكر والمعتقد، من كان، هي طلب الكمال، وكماله هو كمال الأنا. والعارف يطلب هدم ذاته.

الجميع يطلب كمال نفسه وشهواته، والعارف يطلب الحق فقط.

من كان يطلب شيئًا، العارف وحده يطلب أن يفقد ما يملك، ويُقدّم يده بلا تعجرف أو تفاخر لصاحبه.

الناس تطلب بناء نفسها، والعارف يطلب هدم ذاته وبناء الحق.

الناس تطلب إثبات ذاتها، والعارف يطلب نفْيَها.

الجميع يقول: “أنا”، والعارف يرى: “هو”.

الجميع لهم طلب، والعارف مدين.

الجميع يريدون استيفاء طلبهم من الحق، والعارف يريد نفي ذاته لرؤية الحق.

الجميع يدّعون الغنى، والعارف فقير معدم.

من يفتخر بغناه، العارف يفخر بفقره وزواله.

غير العارف يرى في الغنى كمالًا وبهاء، والعارف يرى فيه شركًا وفسادًا.

التصوف ونفي الطمع

غير المحقق الصادق والعارف المخلص لا يبرأ من الشرك. الطمع شرك، والحرص حتى على الكمال نقص، وهو لا حد له، هو سرقة دائمة للكمال، حتى لو كان الكمال هو الحقّ ذاته، ولو كان ممكنًا امتلاكه، لما خاف منه.

العارف المرهق، الفقير المخلص، المتيّم الغير طامع بقطرة من ملك الله، هو الذي بالحب وحده يسعى إلى صحبة الحبيب وحضوره.

رغم اختلاف أهل النظر، يجتمعون على أنهم كلهم طلاب، ولكل منهم طلبه، والعارف وحده يطلب ترك الطلب، وهمته الفقر، وهدفه الفناء ليبقى المحبوب فقط.

كلّ واحد له ميول وشهوة، من شهوة، شهرة، علم، كمال، دنيا، وأفضلهم في النهاية يطلبون الآخرة.

العارف لا يطلب إلا النفي، هو أهل الحق، القلب من غيره منفصل، بلا رغبة في المصائد أو الفخاخ أو القصور.

أهل الحجاب منشغلون بحسنهم وكمالهم، ويبنون بها صورتهم، والعارف بلا وجود يُظهر مقام إطلاق الحق.

أهل الظاهر كلما تقدموا يزدادون ذاتية وحجابًا، والعارف كلما تقدم قلل من ذاته، ويطلب أن يفرغ قالب ذاته في الدنيا وقبل الموت.

مَن یرِدُ ملاقاةَ الحَقِّ وَیَداهُ مَلآنِتانِ فَلم یَبلُغِ الحَقَّ حَقَّ الوُصولِ. أمّا المُؤمِنُ السَّالِکُ فَلابُدَّ أَن یَکونَ خالِیَ الیدَینِ مِن کُلِّ مَألُوفٍ وَتَعلُّقٍ، لِیَدخُلَ فی حُضورِ الحَقِّ بِکَمالِ الوُضوحِ وَالنُّقائِ.

مَن یَطلُبُ الحَقَّ بِالأَعمالِ فَإنَّما یَبلُغُ بَعضَ الحُدودِ وَالقُیُودِ، وَأمّا العارِفُ الحَقِیقیُّ فَیَلقاهُ بِلا شَیءٍ یُرتَکَزُ عَلَیهِ.

یَجدُ العارِفُ الحَقَّ مُطْلَقاً لا مَحصوراً، وَهو یَسعى إلی تَحقِیقِ رُؤیةِ الوُجوهِ المُطْلَقةِ.

مَن یَطلُبُ الکَمَالَ فَلایَرجُو إِلاَّ الکَمَالَ. فَما هُوَ الکَمَالُ؟ هَل هُوَ الدُّنیا؟ أَم الآخِرَةُ؟ أَم الحُورُ وَالقُصُورُ؟ أَم هُوَ الحَقُّ نَفسُهُ؟ کُلُّ ما کانَ فَالحَقُّ وَسِیلَةُ تَحقیقِ ذلِکَ وَلیسَ هُوَ ذلِکَ نَفسَهُ.

العَارِفُ المُؤمِنُ هُوَ الَّذی یُدمِّرُ کلَّ ما یُغَیِّبُهُ عَن الحَقِّ، وَلا یَجْعَلُ الحَقَّ وَسِیلَةً لِتَحقیقِ شَهَواتِهِ وَأَهْوائِهِ، وَسیرُهُ هُوَ سَیرٌ إلی الفَناءِ وَالنِّهایةِ هُوَ الحَقُّ، وَمَوضُوعُ سَیرِهِ عینُ غایتِهِ بِالعَزمِ وَالإِصرارِ.

أهلُ الحِجابِ کُلَّما تَقَدَّمُوا ازدادَ الحِجابُ وَبَعُدُوا عَن الحَقِّ. هؤُلاءِ لا یَسکُنُهُمُ الاکتِفاءُ لَحَظَةً وَیُریدُونَ اللهَ لِتَحقیقِ أَمنیاتِهِم وَشَهَواتِهِم، وَیَجْعَلُونَ الحَقَّ وَسِیلَةً لا غایتَ.

هذا هُوَ أَقصى مَدارِکِ الأنانیةِ، وَالمُؤمِنُ العارِفُ یَسعَی إلی نَفی ذلِکَ وَإِزَالَةِ الأَنانیةِ.

قُربُ العارِفِ هُوَ بُعدُهُ عَن نَفسِهِ، وَیَجِدُ وَصالَ المَحبُوبِ عَن طَریقِ نَفی النَّفسِ.

هذا نِداءٌ مَلَکوتیٌّ مِن صاحِبِ المَلَکوتِ یَسْمَعُهُ فی سَیرِهِ الصَّاعدِ یَرْتَجِفُ بِهِ قَلْبُهُ: «وَجدتُکَ أَهْلًا لِلعِبادَةِ» بی‌مَا یَظْهَرُ لَهُ النُّورُ وَالنّارُ.

القُربُ مِن الحَقِّ وَالحُبُّ لِلَّذی یُحِبُّ هُوَ مَجالٌ لِلبَقاءِ فِی الحُبِّ الأَبَدیِّ، وَیُبْصِرُ ما لَم یُبْصَر، وَیَبلُغُ ما یَجبُ الوُصولُ إِلَیهِ.

الحُبُّ هُوَ مَا یُوقِدُ النَّارَ فِی مَحرَقَةِ القَلْبِ وَیُحرِّکُ عِصْمَتَهُ إلی الشَّوقِ وَمِنَ الشَّوقِ یَنبُعُ الحُبُّ، وَمِنَ الحُبِّ یَنشَأُ الحُبُّ حتی یُنادِیَ المَعصومُ: «إنَّی أُدْخِلْتُ النّارَ فَعَلِمتُ أنِّی أُحِبُّکَ».

إذا صَنَعتَ مِنَّی نُوراً فَإنَّی إنْ وُضِعتُ فی النارِ، فَسَأَصرُخُ مِن صُلبِ القَلْبِ وَنَفْسِ الجَوانِحِ: «إنَّی أُحِبُّکَ».

سَأُکرِّرُ «إنَّی أُحِبُّکَ» حتَّی أُثارَ نَارَها وَأُحرِّکَ أَهْلَ النّارِ وَأَجْعَلَ ذِکرَهُم «إنَّی أُحِبُّکَ».

مَنصُورٌ صاحِبُ القَبَّةِ صَرَخَ قائِلاً: «لا یوجَدُ فی جُبَّتی إِلا اللهُ»، فَماذا رَأی وَماذا تَحمَّلَ حَتَّی دَفَعَ خَسارَةَ جُبَّتِهِ؟

هوَ وَقَعَ فی نَفیِ الذَّاتِ لِیُخَلِّصَ دَرَنَ جُبَّةِ الإثباتِ وَیَرْفَعَها عَن رَأْسِهِ. كانَ قَلْبُهُ خالِیاً مِن البَقاءِ وَنَظَّفَ زِنارَةَ الحُبِّ عَن مَحبوبِهِ وَأَبعَدَهَا عَن المَکانِ وَالزَّمانِ.

القَبَّةُ فی المَصطلَحِ العِرْفیِّ هِیَ النَّمودُ أَو القَبَّةُ الذّاتِ. وَقِصَّةُ «وَأَدْخَلَنی جَنَّتی» تُعَبِّرُ عَن ذلِکَ، فَکُلُّ مَا کَانَ أَو لَم یَکُنْ، فَالعارِفُ یَسعَی إلی نَفی کُلِّ مَا هُوَ مُعارِضٌ لِلحَقِّ وَجُبَّةُ الإثباتِ هِیَ مَظهَرُ الشِّرْکِ.

مِمّا تَطَلَّعنا إِلَیهِ یَتَّضِحُ فَارقٌ جَوهَریٌّ بَیْنَ طَریقَةِ الأَخلاقِ الظَّاهِرِ وَالسَّلوکِ العِرْفیِّ. فَالأَخلاقُ تَسعَی لِزیانَةِ النَّفسِ، وَالعارِفُ یَسعَی لِنافی النَّفسِ. هُمْ یُثْبِتونَ، وَهُوَ یُنزِعُ وَیُبَرِّئُ.

العالَمُ الأَخلاقیُّ مَحجوبٌ وَیُزَیِّنُ نَفْسَهُ، وَالعارِفُ یَرتَجی صَفَاءَ النَّفسِ وَحُضورَ جَمالِ الحَقِّ.

وَسِرُّ العِبودِیَّةِ وَالبُنْدِگِیَّةِ هُوَ نَفی النَّفسِ وَرُؤیةُ الرَّبُّوبِیَّةِ وَالفَناءُ فی النَّفْسِ.

لِذلِکَ، فَالعِرفانُ یَتَشَبَّهُ بِبَحرٍ عَمِیقٍ وَعَاصِفٍ، وَالسَّالِکُ یَجلسُ فِی شُکُونِ الأمواجِ المُتَلَطِّمَةِ.

لِذلِکَ، لا یَسعَی إلیهِ إِلا أَهْلُ الفَقرِ وَالفَناءِ وَصاحِبُ الأَلَمِ وَالنَّارِ وَالحَزنِ وَالبَلا.

العارفونُ المُتعبونَ

هُمُ الکَسَرَةُ المُفتَدیةُ وَالأحبابُ المُتَألِّمونَ، الذينَ قَدَرَتْ عليهم الأيامُ وقَدِرَت على قُلوبِهم الصَّبرُ، ورغمَ أنَّ الذِّكرَ عن الحكماءِ المُتَّزِنينَ والعارفينَ المُتعبينَ لا يُجْرِي على لِسانِ كلِّ أحدٍ، ولا يَكفيهِم الكلامُ أن يُبَيِّئَوا أبعادَ حالتِهم وتفصيلَ حالِهم المتجدِّدَةِ.

هؤلاءِ هُمُ الزَّهادُ المُحِبُّونَ، الخَلَفُ الصَّالحُ، السَّالِكونَ المتواضِعونَ، المُتَّبعونَ الحَقَّ، الَّذينَ تَحمَّلوا الألَمَ والثَّقَلَ، وهم كنوزٌ دائمةٌ لا تُفتَنى.

هُمُ الباحثونَ العميقونَ، المُتألِّمونَ المُحبّونَ غير المُؤذيينَ، المرايا التي تعكسُ مَلكوتَ السَّمواتِ، الأنهارُ المُتدفِّقةُ الهادئةُ، أصحابُ الأذهانِ الواسعةِ والأفكارِ الرَّصينةِ، الحكماءُ الكاملونَ، العارفونَ المُنْتَهُونَ، والهائونَ المتعطِّشونَ.

أسرارٌ من حُضرةِ المُتقدِّسِ، تجمُّعاتٌ من الحُزنِ واللوعةِ والفراقِ، عاشقونَ صِرْخوا وجاءوا مشتاقينَ، سُهُرٌ لياليهم مشتعلةٌ بألمِ القلبِ، بلا هوى ولا وعي، عشاقٌ لا يَسْتريحونَ، مجانينَ مُبتلونَ، أسرى في خصلاتِ الوجدِ.

فقراءُ معروفونَ، غرباءُ محمودونَ، قلوبُهم طاهرةٌ من الغرورِ والعداءِ، كُتّابٌ صادقونَ، مُؤمنونَ بالحقِّ والصدقِ، ومحبُّونَ لأهلِ الكمالِ، أهلُ العترةِ والطَّهارةِ، أصحابُ النبوةِ والولايةِ عليهم السلامُ مُسْتَلْهَمُونَ.

وجودُهم حافزٌ وشوقُهم مُظهرٌ، وهُمّسُهم: «ياربُّ، يا ربُّ».

وجعُ قلوبِهم يُسألُ من طيَّةِ الآهاتِ المُنحنيةِ، وحزنُ الفراقِ يُؤخذُ من أعمقِ القلبِ يومَ القيامةِ.

لا يُبذِّرونَ نعمةَ الحقِّ ولو قليلاً، ويُجسِّدونَ تماماً ما أرسله أصحابُ المعصومين عليهم السلام، مُترجِمينَ جوهرَ كلماتهم، بعيداً عن النقصِ والتشويشِ.

هُم أصحابُ الفِطنةِ والدقّةِ في القولِ والأسلوبِ، يتناولونَ كُلَّ كلمةٍ وجملةٍ بحرصٍ بالغٍ، ولا يَسعَونَ إلى إلقاءِ اللومِ على أُصولِهم بل على الظواهرِ، من دون أن يُتلفَ شَعرٌ أو يُجرحَ.

هُم مُنعمونَ برِزقٍ كثيرٍ من الحقِّ، وتجسيدُ ذلكَ صعبٌ، فالنزاهةُ والطهارةُ للنفسِ خُلاصةُ وجودِهم، وعلامةٌ ثابتةٌ من قَدرِ اللهِ.

مَحبَّةُ أهلِ الكمالِ هِيَ هِبةٌ إلهيةٌ، وجوهرةٌ نادرةٌ مُنحت لهم، وفي محبَّتهم وأدبِهم واحترامِهم لدِيارِ وأهلِ الكمالِ دَخَلُوا قُلوبَهم دون حِسابٍ ولا مَلاكٍ.

هُم عاشقونَ مَهووسونَ، وشُدَّاءُ، وآثارُ خُطاهم تُبوسُ ولا تُكتفى بالبُسْمةِ على أيديهم.

هُم يَشمُّونَ رائحةَ الحقِّ ويرتدونَ خرقَةَ الرَّبِّ على وجوهِهم، يسيرونَ من دَيارٍ إلى ديارٍ، يبحثونَ عن الرفيقِ الأليفِ في السفرِ والسَّيرِ.

السَّالِكُ المُشتاقُ حَبِّي صادقٌ، ومَهْرِي خالصٌ، وعِلاقَةُ حُبٍّ عَظِيمَةٌ مع أوْلِياءِ الكَمَلِ وصاحِبِي الوَلاياتِ عليهم السلام، وهو مَثَلٌ كامِلٌ لِقَولِ «أحبَّ الصالحين» مع أنهُ من أَصْلِ الصَّالحين.

هُم لا يَضيِّعونَ لحظةً من حياتِهِم إلا إذا تَركَهم الجسدُ الأرضيُّ.

من الطفولةِ إلى النهايةِ، ليلاً ونهاراً، في الشتاءِ والصيفِ، في الدراسةِ والإجازةِ، هم كادِحونَ مُجتهدونَ يسعون وراء أهلِ الكمالِ ويَنهلونَ مِن مَعارفِهِم وفضائلِهِم، لا يَكلُّونَ ولا يَملُّونَ، كأن طعامُهم هو الكمالُ، وقرارُهم العملُ، ووقارُهم الاجتهادُ.

يَتَبعُونَ طَريقَ الوُصولِ بِكلِّ شوقٍ وَهَمَّةٍ، ويَرضونَ بالذلِّ أمامَ أهلِ الكمالِ بسرورٍ ولذَّةٍ.

يَنتَفونَ توفيقاتٍ جَمةً من أَربابِ المعرفةِ والأساتذةِ العظامِ والمشهورينَ، وكلُّ واحدٍ منهم مِرآةٌ صافيةٌ تَعبِّرُ عن العشقِ والنقاءِ والعلمِ والمعرفةِ.

قلّ من یَدّعی فضل الوُصول الكامل والمُلتقى التام مع الحبيب في هذا الزمان المنتشر، إلا من حاز ثلاث خصائص عامة واضحة:

أولاً: أن يكون ذا استعداد واسع وعقلٍ فسيحٍ وذهنٍ متحررٍ من الجمود والتصلب الفكري.

ثانياً: أن يكون مجتهداً ومثابراً، يبذل جهده الكامل منذ الصغر وحتى نهاية حياته العلمية والدنيوية، متجنباً التشتت والانشغال بالأمور الجانبية.

ثالثاً: أن ينال توفيق الله، فيحطّ الله رحمته ومحبته على قلبه، ويمنحه نعمة العناية الإلهية.

أصحاب هذه الصفات الثلاث يجمعون علوم المعارف الروحية كاملةً، ويكونون حاملين لمقامات الكمال.

هم ينهلون من بحر المعرفة الإلهية بعمقٍ واتساع، ويشقون طريقهم عبر صعوبات ومحن السلوك الروحي، حتى يصلوا إلى لقاء الحق بجماله وصفائه.

فهم يعيشون حياة السكينة والصفاء والانسجام مع الحق، ويحملون على عواتقهم رسالة العبودية الحقة، التي لا تكتفي بالتقيد الظاهري بل تنطلق إلى فنائهم الذاتي والذوبان في الحقيقة.

هؤلاء هم الذين فهموا سرّ العبادة الحقة، وعرفوا أن الحق المطلق لا يُدرك إلا بتخلي النفس عن كل ما سوى الله، وأن الوصول إلى الحق لا يكون بوساطة أهواء النفس ولا بأوهام الكمال المادّي.

بل إن حقيقة القرب من الحق هي البعد عن الذات، ونفي النفس، وإرادة الفناء الكامل في محبوبهم.

بهذا التصور، يختلف سبيل العارف جوهرياً عن سبيل الأخلاقيين الذين يسعون لتزيين أنفسهم وإثبات وجودها، بينما العارف يبتغي نفياً كاملاً لذاته في سبيل الوصول إلى النور الإلهي.

وبهذا يكون عرفانهم هو بحر عميق، تَعتَرِف فيه النفس مواقف الضعف والهوان والتسليم، والذين لا يتحملون متاعبه إلا أهل الفقر الروحي والاحتياج الحقيقي، وأصحاب الألم والشوق الدائم.

ظاهرون وهم بكل علم يمتلكونه، تَبعِد عنهم العديد من الآفات، ويبلغون مرحلةً يكونون فيها كأدباء كاملين يستفيدون استفادةً تامة من ترنّم الشعور، الشعر والفن، وفي العلوم النقلية يكونون قادرين كأهل الظاهر، وذوي فهم واسع ومدى عميق يُخبر عن اتساع أذهانهم وعمق معارفهم العلمية. وفي العلوم العقلية يمتلكون منطقاً وحكمةً صورية، وشعراً وإشراقاً، وحتى الموسيقى، وهي علومٌ يتطلب اكتسابها جهوداً شاقة ومضنية، وفي هذه الطريق يجب عليهم تحمل رياضات كثيرة.

ولكن في النهاية، ما يقولونه لا يعدو عن كونه تكراراً لحديث: «يار، يار، ليس في الدار غيره ديار»، وهو همس دائم في خلوتهم وجلوتهم.

على السالك في العلوم النظرية، والسلوك العملي، والمعارف الحقيقية، والتصوف، والربوبيات أن يقضي عمراً طويلاً لينشغل بذكر صفات الحبيب.

(26)

كل ما يجدونه من فضائل وإنجازات كأنه زادٌ للسير في طريق دار الحبيب، وهم كخلفٍ صالح يتابعون الفقر والفناء بصبر ودون ادعاء، وبحماس وشوقٍ عظيمين.

رغم كل فضائلهم وكمالهم وجهودهم، لا يبنون حجاباً على أنفسهم، ولا يطلبون مدحاً أو توقعاً من الآخرين.

السالك المشتاق لا يدّعي الإرشاد أو التوجيه، ولا يتظاهر بلحاف أو لقب، ولا يسعى إلى اسم أو مقام، ولا يتحمّل زينةً باطلةً على نفسه، ولا يتجاهل انحرافات الكاذبين.

دون توقع أو تظاهر، ودون منّة أو ادعاء، يظهر كفقير متواضع ومرتاح عند الناس والمجتمع، وبدون أن يروج لنفسه يدافع عن الحق وأوليائه الكرام عليهم السلام، ويُكرّمهم حق التقدير.

قد يكون هناك من يدّعي معرفة بعض الحقائق، لكنه عند مواجهة الأفكار المخالفة يتصرف بتعقيد، أو إهمال، أو تقية، أو حسب ما يراه مناسباً لمصلحته الشخصية، ويتخلّى بسهولة عن نصرة الحق.

(27)

أما الذي يضع نفسه في مواجهة الأعداء ويؤازر الحق بصراحة وجرأة فهو الذي لا يخضع لمصالح أو أسباب أخرى.

قد يكون هناك من لديهم درجات من العلم والكمال، لكنهم يدافعون عن الحق بأسلوب معقّد أو يختارون الصمت، في حين أن العارفين والسالكين في طريق الحق لم يتعلموا أبداً مثل هذه الطرق، بل يتحدثون بجرأة ووضوح تام، دون إهمال أو تقية أو مراوغة عن الحق وحقوقه، ولا يحتملون الاستتار.

يضعون أنفسهم كدروع، ويصرخون بصرخة «الحق» رغم كل الجهل والتصلب والعداء للحق، ويدعمون التصوف والعارف بدون أنانية أو حب ذات، ويتحدثون عن وحدة الوجود لله دون تعيين، دون خوف من مدعي الانحراف أو مضطهدي التكفير، ودون هاجس من أعداء الحي والأذى.

يحملون أعباءهم في دار الحبيب، وهم يصدحون «الحق هو».

(28)

رغم أنهم قادرون أن يعيشوا كالعديد من المتنفعين من فضائل المعرفة على هامش الدنيا، ويتخذوا من علمائها رداءً أو يتزينوا بأثواب الدنيا الزائفة، ويشغلوا أنفسهم والآخرين بأوهام وهمية، ويغطوا الجهل بالظاهر والباطن بلباس الرياء والنفاق والمكر والأنانية، إلا أنهم يختارون الزهد والتقوى، وينأون بأنفسهم عن كل هذا الزيف والمظاهر الكاذبة، ويعيشون حياةً زاهدةً تقيةً، دون أن يميلوا إلى الدنيا ومغرياتها، ويعيشون كخلف صالح وأولياء كاملين بفقرهم وفنائهم، ويخسرون وجودهم المؤقت في لعبة الحب، ويُكرمون زهدهم وتركهم للملذات.

بعض العلماء المشهورين يتصفون بالهوى ويشغلون القلم والبيان بما يخطر على بالهم من دون جهد أو بحث، دون علم أو رغبة في المعرفة الحقيقية، والعلم الحقيقي هو ما يكون له صاحبٌ مجتهدٌ وموثق.

(29)

الكثير من الشوائب في الفكر والرأي البشري في جميع فروع العلم والدين، وخصوصاً في التصوف، ناتجة عن طمع السذج وضعف الفكر.

العلم يجب أن يبنى على اكتساب النظريات بالضرورة والبداهة، لكنه يتضخم بأقاويل مثل: «ظاهر الأمر»، «واضح»، و«الجميع يقول»، فيصبح اسماً للعلم، بينما هناك فئة تسعى بكل جهد وقوة إلى البحث والتدقيق والإثبات، وقد زُين التاريخ المعرفي بهؤلاء.

العارفون الحقيقيون من هذه الفئة، وهم يتسمون بالدقة والبحث عند دخولهم أي فرع من العلوم التصوفية، ويسعون إلى تثبيت الأسس العلمية التي تستحق أن تُجرى حولها بحوث تفصيلية حتى يتضح موقع كل باحث.

علاقة العارفين بالخلق

بعضهم بالرغم من علمهم ووعيه يرفع رأسه عن الناس، ويعتني بنفسه، بينما العلماء الورعون الممتلئون بالفضل والكمال كأنبياء معصومين وأولياء كاملين يسعون إلى هداية الناس وتعليمهم الحق.

(30)

خطأ أن ينفصل العلماء والمثقفون عن المجتمع ويهتموا فقط بأبحاثهم، ويتركوا التوجيه والتعليم لمن هم أقل كفاءة وضعفاً.

من الأفضل أن يجتهد العلماء والأكاديميون الشرفاء في القيادة والإرشاد الجماعي، وأن تُعد خطط مناسبة لذلك.

الإرشاد والتبليغ خاصة للفئات العلمية والشباب مسؤولية العلماء والفقهاء الحقيقيين، ويجب أن يُبعد عن يد الضعفاء وغير المؤهلين، وعدم إغراق الناس في الجهل والشكوك، كما كان العلماء السابقون بعد البحث والدراسة يهتمون بهداية الناس وتعليمهم، ولم يمنعهم علمهم واجتهادهم من ذلك.

ليس كل من يدرس أو يتعلم يصل إلى مرتبة التدريس، بل كثيرون يظلون في مستويات أدنى.

(31)

فقط قلة قليلة من العلماء تنال موقعاً علمياً راقياً، كما أن بعض أصحاب الفضائل العلمية لا يملكون قدرة الإلقاء أو الصبر على التدريس، ويكتفون بالسير في طريقهم العلمي دون تعليم الآخرين.

لكن هؤلاء لا يملكون صبر ودقة وصلابة المدرسين الحقيقيين.

مرتبة التدريس تحتاج فضائل وجهود وصبر، وهي لا تتوفر إلا عند فئة خاصة ممن نالوا توفيق الله.

من أعظم نعم الله على السالك الكامل، الوصول إلى مرتبة التدريس الكامل. هؤلاء العارفون في جميع مستويات العلوم، من بداية الدراسة حتى البحث، يمارسون التدريس بصورة منتظمة، ولا يضيعون وقتهم في التسكع، بل يكرسون عمرهم للحبيب ويحملون همّه.

في فترة الغيبة، يقضي السالكون عمرهم في تعليم العلوم والفنون المختلفة، خاصة في المجالات التي تقل فيها الكفاءات، وهم بأسلوبهم المودع والرصين يصبحون من أنجح أساتذة الحوزات العلمية، خصوصاً في العلوم الروحية والربوبية.

(32)

الكتابة والتأليف والتأليف الأدبي كالشعر من مواهب الله القليلة التي لا ينالها كثيرون.

قد يكون الإنسان بارعاً في الخطابة والإرشاد لكنه لا يمتلك موهبة الكتابة، والعكس صحيح.

البيان الحي في التدريس والإرشاد، والكتابة العلمية في مختلف المجالات، من نعم الله التي نادرًا ما يتحلى بها الإنسان.

من فضل الله العظيم على السالك الكامل، إلى جانب البيان الحي والإرشاد، التأليف المفيد الذي يفتح الطريق لفئات المجتمع.

على العلماء أن يؤلفوا وينتجوا أعمالاً علمية دقيقة من دراسات مستقلة إلى تعليقات وتصحيحات، في كافة المجالات العلمية، خصوصاً القرآن الكريم، نهج البلاغة، صحيفه سجادية، الحكمة والتصوف.

ما ذُكر هو تعبير عن المحبة والتقدير لأهل الحق، لتمييز الطريق وبيان أهل الحق من غيرهم.

(33)

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V