نظام السُلطة
بيانات الكتاب:
المرجع: ، ، ١٩٤٨م –
العنوان والمؤلف: نظام السُلطة / .
مكان النشر: إسلامشهر: ، ٢٠١٤م.
عدد الصفحات: ٧٢ صفحة.
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-600-7347-56-0
حالة الفهرسة: فيپا
ملاحظة: الطبعة الثانية.
ملاحظة: هذا الكتاب بعنوان “نظام السُلطة” حصل على فيپا من قبل منشورات ظهور شفق في عام ٢٠٠٦م.
عنوان آخر: نظام السُلطة.
الموضوع: استعمار أمريكا
الموضوع: الولايات المتحدة الأمريكية – السياسة والحكم – القرن الواحد والعشرون.
تصنيف مكتبة الكونغرس: JV527/ن8ن6 2014
تصنيف ديوي: 325/373
رقم التصنيف الوطني للكتاب: 3672794
المقدمة
إنَّ تقديم الخطط والحلول اللازمة لمواجهة نظام السُلطة والاستعمار العالمي الذي تجسده الولايات المتحدة الأمريكية بالكامل قد شغل أذهان المفكرين الحرّين في العالم.
اليوم، تعتبر أمريكا بنفسها، وفقاً لعقيدتها في النظام العالمي الجديد، الحاكم المطلق والزعيم الوحيد غير المنازع للعالم، وهي مستعدة لدفع أثمان باهظة لتحقيق هذه المكانة والمحافظة عليها.
لقد جذب كارثة 11 سبتمبر اهتمام المحللين السياسيين، حيث قدّمت أمريكا، التي عرّفت نفسها كضحية للإرهاب، ذريعة لمحاربة جميع العمليات الإرهابية عالمياً، فشغّلت آلتها العسكرية في أفغانستان والعراق، وهي الآن تهدد دولاً مثل كوريا وسوريا وإيران بشن هجوم عسكري. يُقدّم هذا الكتاب تحليلاً لهذا المسار ويقترح الحلول اللازمة لمواجهة نظام السُلطة، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية.
يتألف هذا الكتاب من سبع مقالات تُبرز وجوه نظام السُلطة المتعددة، وتُظهر كيف يتم فرض السيطرة الاقتصادية والثقافية من قبل المستعمرين، وكذلك الهجوم الثقافي والاقتصادي والعسكري، مع التأكيد على ضرورة تنقية الساحة من التشويهات في مجال الهجوم الثقافي. كما يتناول المقال الرابع والخامس خصائص المجتمع المفتوح والمغلَق، والمخاطر التي تواجه المجتمعات المفتوحة، مع اعتبار الصدق والحاجة مقياساً لتحديد المجتمعات المفتوحة والمغلقة. أما المقال السادس فيبحث جذور حكم الجبروت ويصوّر مستقبل العالم الحالي، والمقال الأخير يقدم خططاً لإعمار وإعادة بناء العتبات المقدسة في العراق.
الحرب المقدسة الأمريكية
رداً على بيان بعض العلماء الأمريكيين حول الحرب المقدسة، يُطرح بيان عام لتوضيح مضمون البيان الأصلي، وأغراضه المختلفة، ونقده بإيجاز.
لقد فشل حكام أمريكا في العصر الراهن، رغم إمكاناتهم الكبيرة واستثماراتهم الضخمة، معتمدين على طبقات من السلام وحقوق الإنسان والديمقراطية، في الحفاظ على مناطق نفوذهم الاستغلالي، وهم يرون أن الحرب هي الورقة الوحيدة التي تضمن لهم الحفاظ على موقعهم المستقبلي.
(ويمكنني إكمال الترجمة لباقي النص حسب رغبتك)
الحرب المقدسة الأمريكية (تكملة)
لقد سعت الولايات المتحدة لتأسيس مبادئ وأسس علمية وقواعد جديدة للديمقراطية من أجل تبرير ما يسمّى بـ”الحرب الإنسانية الأمريكية”، كما فعلت من قبل في قضايا السلام وحقوق الإنسان.
كان قادة أمريكا يستفيدون في الماضي من حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بفضل تفوقهم المادي الكبير، غير أن هذا الحق فقد فاعليته في الوقت الحاضر، إذ لم تعد لديهم القدرة على حماية مصالحهم عبر هذا السلاح.
في السابق، كانت أمريكا تتحدث عن حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وكانت الدول تطيعها بلا قيد أو شرط، لكن العالم اليوم لا يقبل هذا الأمر بعد الآن. إن الشعوب تستيقظ، والدول لا تستطيع أن تتصرف وفقاً لمصالحها الخاصة على حساب الجميع. لذلك، نرى في الأمم المتحدة دولة فقيرة أو صغيرة ذات عدد سكان قليل تواجه أمريكا بكل هذه العظمة وتعارضها. وعندما تتكرر هذه الاعتراضات وتزداد، لا يبقى لأمريكا أيّ كبرياء أو هيبة. اليوم، على أرض الولايات المتحدة وفي مقر الأمم المتحدة التي تستضيف جميع الدول، تزداد المعارضة لأمريكا أكثر من أي مكان آخر في العالم. وفي هذا السياق، يصبح استخدام حق النقض ضد المعارضة، إلى جانب اعتراض الدول الأخرى التي تملك هذا الحق، سبباً في تزعزع مكانتها أكثر فأكثر.
تسعى أمريكا لتأمين مصالحها طويلة الأمد من خلال استثمارات ضخمة في العالم، خصوصاً في آسيا والعالم الثالث، لإصلاح وضعها الحالي السلبي ولعب دور أكبر في مستقبل العالم.
سيناريو 11 سبتمبر
لبداية مثل هذا السيناريو الواسع، كان لابد من وجود مادة تفجيرية قوية ومدمرة، وقد جرى ذلك بمساعدة جورج بوش الابن، الذي يعد إحدى أوراق الصهيونية والحكومة الإسرائيلية الحالية، ومع قوى سرية مُعدة مسبقاً، حيث تم تصميم انفجارات 11 سبتمبر. تم ترويج هذه الحادثة عبر مظلومية مفبركة ونسبتها إلى أعداء خارجيين بمساعدة سياسية من دول أخرى، ليُطلق هذا السيناريو، رغم أن جميع جوانب هذا المخطط تم اكتشافها بسرعة من قبل الشعوب في أنحاء العالم. وكانت مظلومية أمريكا تعتمد على الاعتقاد بأن التفجيرات قد نفذها أجانب ضد أمريكا، لكن اتضح أن حكومة الولايات المتحدة وإسرائيل هما من وضعا هذا الانفجار الظالم.
كما نرى، لم تُقدّم الولايات المتحدة أي دليل قوي على صحة ادعائها بأن تنظيم القاعدة هو من نفذ التفجيرات، وإن أقر بعض أفراد هذا التنظيم المزيف بذلك لا يعني صحة الادعاء، لأنّ أسامة بن لادن وملا عمر وهذه التنظيمات كلها من صنع السياسة وممولة بالدولار الأمريكي، ولم تنمو أو تزدهر إلا في إطار الشبكة الاستخباراتية الأمريكية، ولم تُعرف إلا من خلالها.
تطبيق السياسة
على الرغم من أن أمريكا رأت نفسها مجبرة على هذا المسار، فقد انتشر خوف غريب بين الحكومة والشعب الأمريكي، حتى أصبح الأمريكيون يبحثون عن مناطق آمنة لأنفسهم، وقد تكون هناك حكومة ظل داخل البلاد.
تسعى حكومة إسرائيل وأمريكا، عبر تضخيم هذه الحادثة القاتمة والمظلومية الزائفة، إلى الحصول على مبرر علمي وأخلاقي للحروب العدوانية التي تقوم بها، وبالرغم من عدم وجود تهديد عسكري جدي ضدها في العالم، فهي تبالغ في الأمر لإقناع شعبها وشعوب العالم بمبررات الحرب.
حماة الحرب الأمريكيون
لقد نشأت لدى حماة الحرب الأمريكيين أفكار عنصرية وعقدة تفوق بسبب إمكاناتهم الاقتصادية والعسكرية الهائلة، حتى أصبحوا يعتقدون بأنهم أرقى من الآخرين، واستخدموا الانفجارات المفبركة وإزهاق أرواح الأبرياء كذريعة قوية لمواصلة حروبهم العبثية والممتدة. في الوقت نفسه، تُزهق أرواح كثيرة يومياً على يد أمريكا وإسرائيل وأتباعهم في العالم، دون أن تبدي حكومة الولايات المتحدة أي اهتمام حقيقي أو تعطيها أهمية في وسائل الإعلام.
كل يوم يضحّي العديد من الأفراد بسياسات أمريكا العسكرية والاقتصادية الشريرة، ومع ذلك تكاد لا تجد هذه الجرائم انعكاساً في إعلامهم.
خطة مواجهة أمريكا
يجب على النظام الإسلامي أن يولي اهتماماً خاصاً لمجالات نموه في العالم في مواجهة هذه القوة العظمى الخادعة والدموية، وذلك حيال سياساتها الكبرى. وتتجلى هذه المجالات فيما يلي:
- الثورة الإسلامية في إيران، التي تمثل نواة الثورة في العالم والعدو الأساسي لأمريكا، ينبغي أن تنشط وتوطد علاقاتها في المجالات العلمية والتقنية الأساسية، والعقائدية، والفكرية، والثقافية، والسياسية داخل البلاد، وأن تهيئ أرضية للنمو الاقتصادي الكامل، وتوسع علاقاتها مع جميع دول العالم الإسلامي، ودول عدم الانحياز، وأخيراً مع أوروبا والشعوب والحكومات الحرة في العالم، وإن كان ذلك بشكل تدريجي وبخطوات محسوبة.
- العمل على عرض الأفكار والعقائد العلمية والروحية، والرؤية الاجتماعية والسياسية للشيعة في كل مستويات التواصل العالمي، سواء كان ذلك على المستوى الفردي أو الجماهيري أو من خلال المجموعات العلمية والبرلمانية والدول.
- استثمار جميع وسائل الدعاية العلمية والعقائدية عبر الأشكال التعبيرية والفنية المختلفة، مثل الأفلام، والكتابات، والرسم، والموسيقى، وغيرها من أدوات الفن الجذابة، وبما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، عبر القنوات الفضائية، والإنترنت، وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة على نطاق واسع.
- متابعة خطط جديدة وتعليم مجالات الاقتصاد الصناعي داخلياً، وتمكين الدخول إلى التجمعات الاقتصادية والصناعية الكبرى في العالم بحرية واختيار.
تنظيم النظام التنفيذي للدولة
تحقيق هذه المجالات يعتمد على التعليم وإصلاح النظام التنفيذي الصحيح والمنظم للدولة، والحوزات العلمية، والجامعات. كما يجب أن يتضمن ذلك برامج لنشاطات جديدة وتنقية الثقافة على مستوى الدولة والحوزات والجامعات. بالإضافة إلى ذلك، يجب على النظام الإسلامي السعي بجدية لمحاربة الفقر، وتعزيز العواطف والعقائد الدينية لدى الناس، وإعادة بناء اقتصاد المجتمع، وتحقيق أكبر استفادة ممكنة للشعب، وخصوصاً معالجة مشاكل الشباب.
الابتعاد عن العديد من النفقات الحكومية غير الضرورية، وإصلاح سوء استخدام المسؤولين، وتجنب الترويج للإسراف والطغيان في البلاد، يشكل أفضل أدوات تنفيذ هذه المهام.
يجب مواجهة السياسات العدوانية والحركات الجنونية لدولة أمريكا بخطط حكيمة وتصرفات ذكية، ولا ينبغي إهمال جميع أدوات المواجهة، بما فيها الوسائل العسكرية المفاجئة ضد أمريكا، ويجب الاستعداد الكامل لمواجهة أي عدائية محتملة.
نظام الهيمنة والاستعمار
في عالم اليوم، يقوم الاقتصاد على استغلال الشعوب. كل فرد أو مجموعة تملك موارد وثروة وقوة أكبر، يمكنها السيطرة على نبض المجتمع، وتجعل الناس يعملون وفق رغباتها ومعاييرها وسياساتها، بحيث يقبل الناس ذلك برغبة وحماس، لأن حياتهم واستمرار وجودهم يعتمد بشكل كامل على الطاعة المطلقة لقوانين تلك المجموعة القوية.
وإذا حاول الناس مخالفة هذه القوانين أو اتباع طرق أخرى، يصبح العيش صعباً أو مستحيلاً، ويضطرون إلى التوافق مع السياسات القائمة للحفاظ على حياتهم.
لذا، فإن غالبية الموارد والمال والثروة في العالم اليوم بيد قلة معينة، التي تحقق أكبر الأرباح بأقل جهد، في حين يصبح الآخرون خدمًا وعبيدًا وحراسًا لأموالهم. ويُصمم الوضع بحيث يرضى الجميع بحياتهم الحالية، لأنهم يدركون أن التمرد أو الرفض سيحرمهم من الحياة نفسها.
اليوم، يستخدم المصرفيون وأصحاب رؤوس الأموال تعاونهم لتحويل الناس إلى وضعية اعتماد كاملة على القروض والديون، بحيث لا يستطيع أحد إدارة حياته اليومية دون اقتراض ودفع أقساط. وتشتري البنوك المنازل أو المصانع بالقروض، مع مشاركة شكليّة، ولكنها تتابع مصالحها فقط، في حين يكون المدين سعيداً لأنه يمتلك بيتاً أو محل عمل، لكنه يبقى في دائرة الدين والقرض المستمرة.
بهذا الشكل، تحكم رأس المال وتسيطر على القوى العاملة والشعوب، ويخضع الجميع لهذه السيطرة، سواء على المستوى الفردي أو الحكومي، حيث تستخدم القوى الكبرى رأس المال والسياسة والعسكرية والاقتصادية للسيطرة على قدرات الآخرين.
يمكن تشبيه وضع العالم اليوم بالمقامرين والمحتالين، حيث يوجد زعيم قوي وذو نفوذ يدير اللعبة، وله أتباع يراقبون المقامرين ليمنعوا التهرب من دفع الخسائر، ويجبرونهم على الاستسلام. وهكذا، يكون المحتال هو الرابح الدائم، أما المقامران فلا ينالا سوى الخسارة في النهاية.
مثال آخر يوضح الوضع هو النساء العاملات في البغاء، اللاتي يلزمهن الانتماء إلى جماعات قوية تحمي مصالحهن، ويُجبرن على تسليم جزء كبير من أموالهن إلى رؤسائهن، الذين يحتفظون بجزء كبير دون عناء، بينما تحصل النساء على ما يكفيهن للبقاء، وهن راضيات لأنهن بدون تلك الحماية لا يستطيعن تأمين لقمة عيشهن.
هذا هو واقع عالمنا اليوم، حيث يخلق أصحاب رؤوس الأموال الظروف التي تجعل الجميع يرضى بأن يكونوا حراساً لأموالهم، كما تفعل البنوك التي تقدم القروض وتعيد أرباحها مضاعفة، فيما يصبح الناس أكثر ضعفاً وفقرًا.
السلطة في العالم تقوم على المال والثروة والقوة، ومن يملكها يفرض إرادته على الآخرين، ويجعلهم خدمًا طائعين، لا خيار لهم سوى الخضوع.
هذا الواقع يتجلى في المصاعب التي تواجه المقامرين والمدمنين، الذين قد يضطرون إلى اللجوء إلى السرقة أو الفساد أو بيع النفس، حتى يصل البعض إلى الهلاك الكامل، وما يعانونه من بؤس لا يعلمه إلا القليل.
كما أن الفتيات اللواتي يسقطن في براثن هذه الجماعات المظلمة يتحولن إلى ضحايا مستغلين، ويتم استغلالهن وإذلالهن حتى يصبحن غير صالحات للعمل، ويُتركن لتجول الشوارع كالمشردات، والكثير منهن يمتن في ظروف مأساوية.
بعضهن يتحولن إلى رؤساء جدد يستغلون فتيات أخريات، مع وجود تسلسل هرمي لا يعلم أحد نهايته.
كم من المقامرين والعاملات في البغاء يعيشون هذه الحياة القاسية والمأساوية، التي هي أسوأ من الموت، بأسعار باهظة، ولا يعرف العالم حقيقة ما يمرون به من عذاب.
لقد تحققت نتائج مميتة. في العصر الحاضر، يحكم العديد من كبار الرأسماليين العالم عبر هذا الطريق ومن خلال هؤلاء البائسين، حيث تعد بضاعتهم في السوق هي هذه المآسي البائسة. بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، ازدهر هذا السوق مجددًا، فقام العالم الاستكباري الغربي بتفريغ عقدته على القيصر، وبجانب استغلال فتيات روسيا الشابات الجميلات، ذلّلهن في أسوأ الظروف وأقسى الحالات.
هذا هو نظام الاستغلال العاري والاقتصاد الاستكباري والبنك المركزي لعالم رأس المال اليوم، وويل لمن يعيشون تحت ظل هذا النظام وفي مثل هذه الأجواء. يزداد أرباح الرأسماليين يومًا بعد يوم، وتتوسع البنوك، بينما يزداد الناس تعبا وإرهاقا.
يا لجهل أولئك الذين يصورون الاقتصاد الإسلامي على هذا النحو، أو يرغبون في إدارة المجتمع الإسلامي بهذه الصورة، وويل لحال المسلمين الذين يحاولون أن يحققوا حياتهم الدينية تحت ظل مثل هذه البرامج.
لذلك، طالما أن الوضع الراهن مسيطر على العالم، فلن يستطيع الضعفاء والفقراء وأصحاب الدخل المحدود أن يأملوا في حياة هادئة ومطمئنة بلا هموم، ولن يكونوا سادة أنفسهم، بل لا بد لهم من أولياء وسادة ليتمكنوا من العيش.
إن العالم يحتاج إلى فكر نقي وصافي وكامل ليغير هذه المعادلة الظالمة في عالم القوة والمال، بحيث تُعاد المعادلة لصالح الضعفاء والمحرومين، وهذا الفكر لا وجود له إلا في مدرسة الإسلام الحي. ويجب على أصحاب الفكر والمؤمنين الحق والشياع المهذبين في قلب النظام الإسلامي والثورة أن يخطوا خطوة كبيرة بثبات ووعي وسلامة، حتى لا تُرهق اليأس والقنوط والتعب والمآسي أمة المسلمين.
ولا يمكن أن يتحقق هذا الفكر والحركة إلا بجذْر الاستكبار بجميع ألوانه وأشكاله وأحجامه. ولكن يجب أن يعلم الجميع أن هذا العمل ممكن، ومستقبل العالم بيد أهل الإيمان والحق من الشيعة، وإذا أمكن أو لم يمكن تحقيق ذلك بوسائل البشر، فلا شك أن صاحب الشريعة الأصلية، الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، سيحكم هذه القوانين الحياتية على العالم، لأنه لا أحد غيره يستطيع أن يحول عالم الظلم والاعتداء والنهب إلى عالم متوازن ومتساوٍ لا وجود فيه للفقر والمساكين، ولا يُجبر فيه أحد على أن يكون أجيراً أو خادماً لآخر.
وفي كل منصب ومكانة، وفي كل سن، يستطيع الإنسان أن يعيش حرًا بلا قيد أو شرط استعمار، حياة هادئة مطمئنة بلا هموم.
نأمل ذلك اليوم المبارك الذي لا يبقى فيه أثرٌ للظلم والاستعمار والاستبداد من قِبل الطغاة في هذا العالم.
غفلة عظيمة
يريد الغرب، الولايات المتحدة وأوروبا في النهاية، وإذا استطاعوا الصين وروسيا والشيوعيين، أن يسيطروا على الأطر الفكرية والثقافية والوعي الديني والتقليدي في آسيا والعرب والمسلمين من خلال إمكانياتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلى جانب دوافع شهوانية مرتبطة بالجنس والعري. فهم، إذا تمكنوا، يريدون أن يحولوا الدين إلى لعبة، ويشوهوا الروحانية، ويفرضوا بأدوات القوة والمال وحتى الخداع الأفكار والسلوكيات الإلحادية والمنحرفة على المتدينين.
تسعى القوى العسكرية، الكارتلات الاقتصادية، وفي النهاية العلماء الماديين إلى فرض نفسها على المجتمعات المتخلفة بواسطة الإيديولوجيات الزائفة والمزخرفة.
وما يثير الأسف أن دول العالم الإسلامي مثل بلدنا ــ في مواجهة الهجوم الثقافي والاقتصادي، وإذا اقتضى الأمر العسكري ــ لا تملك القدرة على المواجهة، ولا تفكر حتى في استعادة القوة اللازمة لذلك.
بلدنا، رغم امتلاكه لرافعتين علميتين هامتين، وهما الحوزة العلمية والجامعة، إلا أنه يظهر أدنى تحرك لمواجهة الغزو الثقافي والاقتصادي.
الحوزات العلمية من زمن بعيد منشغلة بأعمال تقليدية وقديمة، وتفتقر إلى الابتكار والتجديد والقدرة على التعامل مع هذه القضايا، ولا تزال كما كانت في القرون السابقة، منغلقة على أسلافها، ومغلقة الأبواب أمام أي تجديد، بل تبطله.
أما الأكاديميون، فهم يكتفون بقراءة وحفظ الكتب والأقوال المحاطة بالأيديولوجيات والمذاهب، يذكرون ما تقول هذه أو تلك المذهب، وما يقول هذا الشخص أو ذاك، ولا يقدمون تحليلاً أو تجديدًا، بل يدور فكرهم داخل نطاق عدد محدود من الكتب الغربية الميتة والحيّة، مع غياب تام للقدرة على تحسين أو تقديم الثقافة الوطنية والدينية الخاصة بهم.
في حين يفرض الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، أفكارهم وثقافتهم وقواعد حياتهم القديمة علينا من خلال الطبقات العلمية والابتكار والحضارة، فيلوثون أفكارنا وأفعالنا، دون أن نتمكن من تعريفهم على فكر الإسلام الجديد أو جذبهم إليه.
المجتمع التوحيدي هو ذلك الذي تتحقق فيه السلطة في ظل العدل العام وتجليات التوحيد، حيث يُراعى صلاح الدين والمجتمع من قبل قادة المجتمع، ويكون القادة شخصيات صالحة.
أما المجتمع الطاغوتي والموشح بالشرك، فهو الذي يبتعد عن مظاهر التوحيد، وتركز فيه المصالح على أفراد أو جماعات خاصة، دون مراعاة مصالح الدين والمجتمع، ويمكن استنتاج بقية الخصائص من هذه العناوين المحدودة.
ولا يمكن اعتبار العناوين المفتوحة والمغلقة، أو المجتمع التوحيدي والطاغوتي، مطلقة، إذ أن هذه التسميات، وإن كانت مهمة، إلا أنها تتعلق بغلبة النسبية في المعايير.
(50)
ومن خلال استعراض سريع لعالم اليوم، يتضح أن عالمنا المعاصر من الشرق إلى الغرب، ومن الدول النامية إلى المتقدمة، جميعها مجتمعات مغلقة. جميع الأقوياء اليوم يستغلون شعوبهم أولاً، ومن ثم إن أمكن الآخرين. وكلٌ منهم بطرقه يخلق مشكلات للحريات الفردية والعامة، ويستولي على عقول الناس عبر الدعاية المتنوعة، ويستخدم كافة الإمكانيات لتحقيق مصالحه.
الأمل
لن يبقى الوضع الحالي للعالم إلى الأبد، فسيأتي يوم يقف فيه البشر في وجه كل ظلم، ويفتحون الأبواب المغلقة، ويتولى الحُكام الحقيقيون قيادة الناس. ذلك اليوم، وإن لم يكن قريباً، سيكون يوم الأمل والعيد للبشرية.
(51)
في ذلك المجتمع وبذلك الفكر الإلهي، تكون الثقافة في خدمة صلاح الناس، وتُعتبر الصدق والمعنوية من المبادئ الأساسية، ويجد الحُكم أصحابه الحقيقيين، ويتجه المجتمع طبيعياً نحو التوحيد والخير.
هذا النوع من الحكم، الذي يقوم على الوعي والصدق وصلاح الناس، لا يختص إلا بأنبياء الله وأوليائه المعصومين عليهم السلام وأتباعهم الصادقين، ولا يكون للآخرين فيه نصيب.
فقط حكم أولياء الله الصادقين هو الذي يتبع التوحيد وصلاح الناس، ويبتعد عن الذهب والقوة والخداع، ويتحكم بقلوب الأخيار، ويقف بوجه الطغيان والظلم، ويبقى بعيداً عن كل طغيان وظلم.
(52)
يمكن تصنيف جميع الحكومات البشرية إلى فئتين: حكومات إلهية توحيدية، وحكومات طاغوتية شيطانية.
وقد ذُكرت هاتان الفئتان في القرآن الكريم كحزب الله وحزب الشيطان. والحكومات الطاغوتية، رغم كثرتها، لا تتمتع بجودة خاصة، وهي معرضة للزوال المستمر. أما حكومات القادة التوحيديين فتتميز بنوعية موحدة، ويتبعون لغة ومنطق ومنهج واحد، رغم كل الصعوبات التي تحملوها لتحقيق هذا الهدف.
(53)
ورغم الصراع الدائم بين هذين الطريقين، فإن حقانية أولياء التوحيد لطالما أزهرت الحياة، وكانت ثمار جهودهم المباركة دعماً للاتجاهات الإيجابية للبشرية.
الركيزة الأساسية
انتصار أو هزيمة الحركات الإلهية في مراحل مختلفة يرتبط بمدى وعي الناس وتقدمهم، فهم الذين لهم الدور الأساسي في تحقيق الدين والحق.
وبنمو ووعي شعوبهم وظهور الأفكار التوحيدية، يمكن إنهاء كل الظلم العام في المجتمع الإنساني، وحفظ البشرية من كل انحراف ونقص.
رغم أن الجهل والخوف العام كانا دائماً الأداة الرئيسية في بروز الشر والحكومات الطاغوتية، فإن يوم ينجلي فيه البشر عن جهلهم وخوفهم ويضعون حداً لكل ظلم آتٍ لا محالة.
(54)
وهذا اليوم، رغم أنه قد لا يكون قريباً، فهو أمر محتم عقلياً وواقع لا محيد عنه.
خصائص المجتمع السليم والغير سليم
ما يُحرك المجتمعات البشرية عادةً هو الحاجة لا الصدق. إذ حيث لا توجد حاجة، لا يكون للصدق التزام كبير، حتى وإن كان مطلوبًا حقاً. وحيثما توجد الحاجة، فإنها تحقق الالتزام، ومن هنا تأخذ شكلاً يتناسب مع واقعها، وهذا النوع من المجتمعات يجب اعتباره مجتمعًا غير سليم وغير مرغوب، ولا يمكن إطلاق اسم المجتمع السليم عليه.
(57)
المجتمع السليم
جميع الأنبياء والرسل أُرسلوا لتحقيق حركة طبيعية وعوامل نمو واستمرار المجتمعات البشرية على أساس الصدق، ليصبح الصدق عامل النمو والاستمرار في المجتمع البشري، فيتحقق بذلك حياة جديدة وعيشًا سليمًا وعالمًا متحضرًا ونقيًا أمام الإنسان.
ولكن في الواقع، كانت الشرور والنقائص والقبح والخلل هي الأساس، ووضعت الاحتياجات فوق كل شيء، ولم يُقبل غيرها إلا نسبيًا، رغم أن كل مجتمع نسبياً قد أقر بالصِّدق وطبقه إلى حد ما.
(58)
لقد جاء الأنبياء لتأسيس المجتمعات البشرية على قاعدة الصدق، ولتربية النفس الخبيثة على أساس الحاجة.
الصدق، مع كونه محبوبًا ومرغوبًا من الجميع، لا يُمارس فعليًا من قبل كل الأفراد، والقبائح، رغم عدم رغبة الإنسان الحقيقية بها، إلا أن الجميع يستفيد منها بشكل أو بآخر.
لذلك، يجب أن يُؤخذ معيار صحة أو فساد المجتمعات البشرية على هذا الأساس، أي الصدق والحاجة، وأن يُتعامل مع كلٍّ منها بما يتناسب معه. وهذا هو معنى الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام: «إن كان غالب أهل المجتمع صالحين فاجعل الأساس التفاؤل، وإن كانوا غير ذلك فاجعل الأساس التشاؤم».
(59)
مستقبل وضع العالم الحالي
يمكن رسم وتحليل مستقبل العالم الحالي كما يلي:
اليوم، الإنسان مثل أقرانه في الماضي، محاصر بصراعات كثيرة ومستديمة، مما يسبب اليأس العلمي والروحي للتيارات الاجتماعية العميقة والصادقة، لأن الطغاة يحيطون بالعالم كله، وينتجون الغذاء الفكري والاعتقادي لجميع المجتمعات البشرية بمختلف مذاهبها وأديانها.
(61)
من الواضح أنه مع هذا القسر، لا يحصل الإنسان، وهو كائن مفكر، على مجال للتفكير الطبيعي، ليعبّر بحرية عن مصيره، ويُدرس نفسه من منظور إنساني وطبيعي.
لذلك، فإن حكم الطغاة هو نتيجة مباشرة للتعصب والجهل لدى الناس، وهذا الأخير بدوره ناشئ عن استغلال الأشرار للبشر من قِبل أقرانهم المحتالين.
لإزالة هذين السببين، يجب التوصل إلى تفكير جوهري، وليس من داخل الأفكار المسمومة وغير الصحية، ليُعرف الإنسان ويُفهم سبب هزيمة البشرية عبر تاريخ حياتها، ويتبين أن طبيعة الفكر البشري تطلب الحرية والحركة، وأن العقبات الخارجية أو القسرية هي التي أوقعت الإنسان في الهزيمة والانحطاط، وجعلت أيامه أكثر ظلمة من الليالي.
(62)
يقال: إن البشر يتجهون نحو السعادة والارتقاء، ويخطون يومًا بعد يوم خطوات في هذا الاتجاه، ومع ازدياد معرفتهم بواقع العالم، يسيرون بثبات نحو مستقبل مشرق.
فيما يخص هذا القول، يجب التنبيه إلى وجود مغالطة؛ فالنمو، وإن كان تطورًا وخيرًا أبدياً، لا يعني بالضرورة أن كل نوع من النمو والمعرفة يحقق تطور الإنسان بشكل أفضل.
لذلك، المقدم الأول صحيح لكنه غير كافٍ، أي أن كل معرفة لا تؤدي بالضرورة إلى الارتقاء.
(63)
أما المقدم الثاني، فهو أن نمو ومعرفة الإنسان، رغم أنهما شرط لازم للسعادة، ليسا سببًا كافيًا تمامًا لها، فالمعرفة تُفضي إلى السعادة فقط إذا كانت في المسار الطبيعي والجريان الحقيقي، وإلا فإنها قد تكون سببًا في الفشل والانحطاط.
فلو قيل: الإنسان قد تطور كثيرًا؛
(64)
رحلة إلى العتبات العالیات
منذ زمن بعيد، كان الشوق والحنين لزيارة العتبات العالیات يعصف بقلبي، وبعد أن زرت تلك المشاهد المشرفة واستشعرت أ القرب الإلهي، وجدت نفسي حزينًا ومهمومًا لما رأيت من حالتها، إذ أدركت أن تلك الأ السامية قد عاشت حياةً ملؤها الظلم من الطغاة السابقين في العالم، وفي الأزمنة اللاحقة تعرضت لكثير من المساكين الذين جعلوا من تلك الحضرات موضعًا لكسبهم وعملهم.
لقد انتشرت الخراب والدمار، والفقر والتسول، والقذارة والتخلف في تلك المناطق بشكل كبير. الحروب والجرائم الطويلة التي ارتكبها نظام صدام البعثي قد أبادت حياة أهل تلك الأراضي المظلومة، ولم يبق سوى الخراب.
الحوزة العلمية التي تجاوز عمرها ألف عام
لقد دُمرت حوزة النجف العلمية التي تجاوز عمرها ألف عام، ولم تكن كربلاء قد أنشأت حوزة علمية حقيقية على الإطلاق. من كل هذا العظمة والعزة لم يبق سوى وادي السلام، الذي لا يشم منه حتى عبق السلامة والنقاء. تلك المساحة التي تبلغ نحو خمسة وعشرين كيلومترًا مربعًا مغطاة بموتى على طبقات متعددة، ولا توجد في العالم نظيرتها من حيث الآثار التاريخية، ولعلي كنت أتمنى لو لم نكن نمتلكها أيضًا.
لقد رأيت هناك ارتجاعًا متعفنًا، ولو أتيحت لي الفرصة لكنت أزلت ذلك الوادي المليء بالموتى، وحولته إلى وادي سلام مزروع بالعشب، وأقمت أجمل الأبنية على قبور بعض الأولياء لإعادة الصفاء والنقاء لوادي السلام.
كعبة أهل الولاية
إن حرم أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يُعتبر كعبة أهل الولاية، قد تحول إلى مركز لتجمع الموتى من كل حدب وصوب، ولا تخلو لحظة من وجود جثث حوله. هذا الحرم الشريف، بسبب تصرفات المسؤولين الظاهرين بوجوه مخيفة وكأنهم من أهل النار، قد أخذ شكلًا مزريًا بحيث يصاب الغريب بالاشمئزاز عند دخوله.
لو كان بوسعي، لمنعت دخول الموتى إلى ذلك المكان، حتى يكون حرم الولاية مكانًا للطواف فقط من قلوب الأحياء، لا من جثث الموتى، الذين يُطاف بهم دون مراعاة للنظافة أو الأدب، وقد جعل بعض الأشخاص هذا الحرم النوراني موضعًا لكسب الأموال.
كم كان من الجميل لو أعيد بناء تلك المدن المحيطة بالحرم الشريف بالكامل، مع غرس أفكار جديدة وحديثة فيها.
هذا القول مع أنه من الأقوال المقبولة، إلا أن نطقه ليس بالأمر السهل. فقد كنت أرى الرجعية في إيران بعيني، ولكن عندما ذهبت إلى العتبات المقدسة، لمست بيدي رجعية متعفنة، ومع ذلك، في داخلي بحر من الكلام أود أن أعبر عنه، لكن لا تتوفر الفرصة، ويكفي أن نقول إنه يجب علينا أن نجتهد من أجل التحرر من هذه الرجعية المتعفنة.
إن التحرر من هذه الرجعية المتعفنة يستوجب جهداً فكرياً وثقافياً عميقاً، يتطلب مراجعة شاملة لمعتقداتنا وقيمنا، بالإضافة إلى تجديد منهجيات التعليم والتربية في الحوزات العلمية والجامعات. كما ينبغي علينا أن نعمل على إصلاح الأجهزة الإدارية والتنفيذية للدولة، بحيث تصبح قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة بكفاءة وفعالية.
وفي هذا السياق، لا بد من تعزيز الثقافة العلمية والتقنية بين الشباب، والاهتمام بتنمية الاقتصاد الوطني عبر تبني استراتيجيات تنموية مستدامة، تفتح آفاقاً للتعاون والتكامل مع العالم الإسلامي والدول غير المنحازة، وكذلك مع أوروبا والدول الحرة، خطوة بخطوة وبحذر.
إن المحافظة على القيم الروحية والفكرية والاجتماعية للشيعة عبر نشرها على المستويات المحلية والعالمية، يعد من الركائز الأساسية التي يجب أن نوليها اهتماماً خاصاً، بحيث يتم استخدام كل الوسائل الإعلامية والفنية الحديثة، كالفضائيات والإنترنت، لنشر هذه الرسالة بأسلوب يتسم بالشرعية الإسلامية والجاذبية الفنية.
وعلاوة على ذلك، يجب علينا تبني خطط حديثة لتعليم مجالات الاقتصاد الصناعي داخل البلاد، وتعزيز القدرات الوطنية لتمكيننا من الدخول الفاعل في المنظومات الاقتصادية والصناعية العالمية بحرية وإرادة مستقلة.
أما تنظيم العمل التنفيذي في الدولة، فهو ركن أساسي لتحقيق هذه الأهداف، إذ لا يمكن لأي تطوير أن يتحقق دون وجود نظام إداري فعّال ومنظم يشمل المؤسسات الحكومية، الحوزات العلمية، والجامعات، مع وضع برامج إصلاحية لتجديد الثقافة الوطنية والابتعاد عن كل ما يشوهها.
كما ينبغي للنظام الإسلامي أن يولي اهتماماً بالغاً لمحاربة الفقر وتنمية المشاعر الدينية والروحية بين الناس، وإعادة بناء الاقتصاد المجتمعي بحيث يعود بالنفع على عامة الشعب، مع التركيز بشكل خاص على حل مشكلات الشباب ومعاناتهم.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.