الغرف الروحية
بيان قيم فترة الطلبة ومنهج تحصيل العلم المحوري الديني
بطاقة التعريف
المؤلف: (1327 هـ ش)
العنوان: الغرف الروحية: بيان قيم فترة الطلبة ومنهج تحصيل العلم المحوري الديني /
مكان النشر: إسلام شهر: ، 1391 هـ ش
الصفات الخارجية: 120 صفحة؛ 14.5×21 سم
السلسلة: مجموعة الآثار؛ 151
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-600-6435-83-1
حالة الفهرسة: فاپا
ملاحظات: على ظهر الغلاف باللغة الإنجليزية: Spiritual Seminary Rooms
الموضوعات: ، ، 1327 هـ ش – وعظ، طلاب، طلاب – أسلوب الحياة
تصنيف الكونغرس: BP7 / ن8ح3 1391
تصنيف ديوي: 297/07
رقم التصنيف الوطني: 2997074
المقدمة
الموضوع الأساسي لهذا الكتاب هو تفسير الآيات الكريمة:
«وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ» (المؤمنون: 29)،
وَ
«وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ، إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى، فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ إِنِّي أَنَا ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَاةَ لِذِكْرِي» (طه: 9-14).
تبيّن هذه الآيات الكريمة منهج السلوك في فترة الطلبة وأهميتها وقيمتها. نحن نعتبر دخول “وادي طوى” غاية وهدف طلب العلم؛ لأن الطالب من خلال دخوله هذا الوادي يتميز عن غيره من أهل المعارف الأخرى، ويدخل بيت الإمام الصادق عليه السلام، ويشعر بيد مولاه؛ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) على رأسه.
“وادي طوى” مقام عظيم وشاق حتى للنبي موسى عليه السلام الذي واجه فيه صعوبة، فلابد من ثبات وصلابة للوصول إلى مقام الملكة القدسية والوحي الإلهي: «وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ». إنّ طلاب العلم هم المختارون من الله في هذا العصر، وهذه الآية تصف حالهم وصفاً دقيقاً.
في هذا الكتاب، نتحدث عن ما له الأولوية والقيمة الأعلى لعالم الدين، ونفضّل تحصيل العلم على كل شيء، ونعطي الصفة الرئيسية للحوزات العلمية في إنتاج العلم الديني، لا في مجرد نشر الأعمال التعبدية. الطالب الذي لا يتفوّق في العلم الديني ـ كما بيّنّا ذلك في كتاب “علم الاجتماع لعلماء الدين” ـ أو على الأقل لا يكتسب صفة العلم، فإن اشتغاله بالطلبة من ناحية تحميل التكاليف على الحوزات العلمية غير مبرر.
المقصود بالعلم الذي يجب على الطالب تحصيله ليس حفظ المعلومات والمقدمات فقط، بل عليه أن يصل إلى إنتاج العلم؛ وهو علم يختلف عن المعرفة المنطقية فقط، لأن العلم الحقيقي هو اكتشاف وابتكار وإبداع. ما نأخذه من إخبار هو مجرد معلومات محفوظة، ولكن الإبداع هو الذي يولّد العلم.
للوصول إلى هذا المستوى، يجب أن يكون القلب عميقاً، وأن يسيطر العقل على النفس. هذا هو الطالب الذي يستطيع بفضل التصورات الصحيحة، دون تدخل الخيال، أن يصل إلى تصديقات علمية صحيحة وصادقة. فقط بهذه الطريقة تنجح الحوزات في وضع هندسة ثقافة الشيعة في كل المجالات وتطوير قواعد علمية جديدة.
المحور الأول في تحصيل الطالب هو أن يتعلم التفكير والإبداع، لأن التفكير هو محرك الطالب، والجهد في تنظيم الأفكار الدينية يجب أن يشكل وجوده كله.
علينا أن نركّز على إنتاج الفكر قبل الانشغال بالتبليغ، لأن العلم هو مجموعة تصديقات صادقة وموثوقة صاغها الفرد بنفسه، ويتميز بالجدة والابتكار، أما حفظ المعلومات فهو مفيد على مستوى التعليم فقط.
بالطبع، تحقيق هذا يتطلب رياضة نفسية؛ حيث يجب على الطالب أن يعتبر نفسه مهاجراً نحو الله، متخلياً عن كل ما سوى الله. بعد ذلك يأتي دور الاستماع الجيد من العلماء المجتهدين الذين هم بمثابة لسان صدق لمذهب الشيعة، وحينها فقط يكون الطالب مؤهلاً للعبودية ويبدأ في المضي نحو الكمال.
هذه الآيات الكريمة تشرح نظام الطلبة وروحه ومراحله بوضوح، والحمد لله رب العالمين.
من يقرأ صرف «مير المير»
يكسر سبعة أقفال وسبعة سلاسل
(16)
بالنسبة لطالب العلم في العصر الحديث، هذا الشعر لا يحمل نفس الأهمية، لأن الذين كانوا يقرؤون هذه الأشعار كانوا قد تعلموا القراءة والكتابة في المدارس التقليدية (المکتب) ثم انتقلوا إلى الحوزات العلمية، وكان عليهم أن يواجهوا صعوبة في قراءة الكتب الحوزوية. أما الآن، فالكتب الحوزوية ليست بالصعوبة نفسها للطلاب المعاصرين الذين يدخلون الحوزة حاملي شهادة الثانوية العامة أو أعلى، فهم يمتلكون العديد من الأساسيات التي تساعدهم على فهم هذه الكتب. ومع ذلك، هناك علم لم يعد موجودًا في الحوزات ولا في المدارس ولا الجامعات، وهو علم الاشتقاق ومعرفة جذور الكلمات، وهو علم مهم لكنه مهمل. لأن هذا العلم غير متوفر على مستوى الحوزات والمؤسسات العلمية، فإن علومنا، وخاصة علم التفسير، تواجه أضرارًا جدية في مجال الدلالة والمعنى، فالكثير من المفسرين لا يعرفون معاني الكلمات القرآنية بشكل دقيق.
بسبب غياب هذا العلم في ثقافة تعليمنا، أصبح سوء الفهم لمعاني الكلمات مشكلة عامة وشائعة، ولا يقتصر على تخصص معين، حيث يستخدم الكثيرون الكلمات دون فهم واضح لمعانيها، ويستعملونها بشكل عام، مثلاً: يعتبرون كلمة “بشر” مرادفة لـ”إنسان” و”إنسان” مرادفة لـ”آدمي”. كان في إحدى المرات دعوتنا في طهران إلى مجلس تعيين العمامة، وكان أحد العلماء يعطي عيديّة (هدية مالية)، وقلت لهم لدي سؤال لمن يجيب عليه أُعطيه جائزة، سألتهم: ما معنى «البلوغ» وما هو متعلقها؟ أي: إلى ماذا يصل من يبلغ؟ أجاب أحدهم: بلوغ يعني الشخص الذي وصل إلى خطاب الله ويجب عليه الصلاة. فقلت لهم: حتى المعصوم يستطيع الصلاة رغم عدم بلوغه. ثم أوضحت لهم أن متعلق البلوغ هو النطفة، ومن يبلغ هو من يمتلك القدرة على إنزال النطفة، وهذا الشخص هو المكلف شرعًا. نحن نترجم كلمتي «سيف» و«صارم» إلى «سيف»، في حين أننا لا نملك مرادفات حقيقية بين الكلمات، ويجب أن يكون هناك فرق جوهري بينهما، فالمشرع لا يضع أكثر من كلمة لنفس المعنى، خاصة ونحن نعاني من قلة المفردات. كل كلمة لها خصائص تميزها عن الأخرى، ومن أجل فهم المعنى يجب علينا اكتشاف الخصائص الدلالية. ونظراً لأن الحصول على هذه الخصائص يتطلب مجهودًا علميًا، اكتفى المعجمون وعلماء اللغة لدينا بذكر استعمال الكلمات في اللغة الشعبية حيث تُستخدم الكلمات بشكل مترادف وعام، ولم يقوموا بتحقيق علمي في مادة الاشتقاق ومعرفة الجذور.
كل هذه العلوم المذكورة هي من الأساسيات، وإذا كانت هذه الأساسيات – التي تشبه قواعد البناء – ضعيفة، فلا فائدة من بناء جدران عالية وقوية، بل قد يؤدي ذلك إلى انهيارها. بمعنى آخر، من لم يتقن دراسة «السيوطی» جيدًا، حتى وإن كان أستاذًا في «المكاسب» لن يستفيد ولن يستطيع تحليل الموضوعات. كما ذكرت، هذه الأساسيات ليست علماً بحد ذاتها، ولكن لا يمكن الوصول إلى العلم دونها، ومن يفتقر إليها لن يستفيد من العلم شيئًا.
بعض الأشخاص يستفيدون فقط من المحفوظات التي ليست قابلة للتطبيق ولا تملك القدرة على الإبداع أو التعامل العملي، ونحن لا نعتبر هذه محفوظات علماً. فلا يمد الملائكة أجنحتها تحت أقدام شخص يحفظ العلوم ولا يملك القدرة على الابتكار. خلاصة ما طرحناه في هذه الجلسة هو أن الوصول إلى العلم يحتاج إلى وجود أساسيات، والعلم لا يتكون بدونها. وهذه هي الأساسيات وليست العلم ذاته. وسنتحدث في جلسات لاحقة عن ماهية العلم، ونوضح أن النظام العلمي في الحوزات يختلف عن النظام العلمي في الجامعات، ولا ينبغي أن يُحقن نظام الجامعة في الحوزة أو يُقلدها، لأن النظام الجامعي قائم على الكتاب، بينما النظام المناسب للحوزات قائم على الأستاذ، وليس نظام الكتاب أو الطالب أو نظام مركب كما يدعي بعضهم.
في النظام الجامعي، يمكن للطالب أن يحصل على درجة قبول بقراءة ملخص خلال ليلة، أما في النظام الأستاذي الحوزوي، فإن الأستاذ يكون على علم بكل جوانب الطالب العلمية ويقوم بتربيته لسنوات، ويصلح نقاط ضعفه برفق. كما يُقال: لا تذهب بلا شيخ إلى الخربات. هناك من يغني دون أن يعرف في أي مقام يغني، وهناك من هو موسيقي ويعرف جميع المقامات، الأول لا يمكن أن يصبح أستاذًا في الغناء، أما الثاني فحتى وإن لم يكن صوته جيدًا، يمكنه تعليم المقامات جيدًا.
الكثير من أساتذة الحوزة اليوم أصبحوا معتمدين على الملخصات ومحفوظات الطلاب، لا على قدرتهم على الإبداع والابتكار. إذا استطعتم تقوية أساسياتكم، فسيكون السير في الطريق سهلاً وميسراً. قدروا هذه الأيام التي تشغلون فيها أنفسكم بالأساسيات جيداً، فبعدها ستنشغلون بأعمال أخرى ولن تجدوا الفرصة للعودة لتعلم هذه الدروس كما تتعلمونها الآن. في نظام الطلبة، الدروس الرئيسية هي هذه الأساسيات، والدروس الأخرى مثل برج يُبنى على أساس هذه القواعد.
نسأل آقا الإمام الزمان (عجل الله فرجه الشريف) أن يمد يد العطف والمودة على رؤوسنا جميعاً، ويسدد خطانا في تعليم هذه الأساسيات. اللهم صل على محمد وآل محمد.
(20)
(27)
يجب التنبيه إلى أن الشيعة قد بدأوا منذ فترة قصيرة في النهوض والتنظيم، وإن شاء الله سيظهرون قريبًا وسيستلمون ثقافتهم بأنفسهم. حتى الآن، أغلب الكتب التي تُدرس في المرحلة التمهيدية للحوزة هي كتب أُلِّفت من قِبَل أهل السنة وبدعم من الدول السنية. لا ينبغي لنا أن نركّز على حفظ الكمّيات فقط؛ لأنك تستطيع أن تحتفظ بقرص مضغوط إلى جانبك وتستدعي أي معلومة تريدها، بل إن القدرة على التحليل والنقد والتصديق هي التي تميز الإنسان عن الكمبيوتر، وإلا فإن ذاكرتهما – التي هي موضع التصورات – مشتركة. فمن كان لديه تصورات كثيرة لكنه لا يمتلك قدرة على التحليل والإنتاج والإنشاء والحكم الذاتي، فلا يُعتبر عالِمًا. فلا تقلق ممّا أقوله بهذا الصدد.
إننا لا نوصي بحفظ القرآن الكريم، لأن ذلك يتنافى مع الثقافة الشيعية التي هي ثقافة التفكير. فمن الجيد أن يكون المرء ملمًّا بآيات القرآن، لكن الحفظ الذي يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين ليس مناسبًا للطالب الحوزوي، وخاصة أن تثبيت الحفظ في الذاكرة قد يُضعف الإبداع الفكري والقدرة على الابتكار، أي إن الحفظ يؤثر سلبًا على ذات النقطة التي تُشكّل عالمًا.
في الماضي، بعض المعلمين الذين لم يكن لديهم صبر على التدريس كانوا يجعلون الطلاب منشغلين بكتابة التمارين لتضييع الوقت. فلا تجعلونا منشغلين بالمحفوظات، فالحفظ لا يعود بالنفع على أحد، بل أنتم وحدكم من تضغطون على ذاكرتكم. الحفظ ثقافة أهل السنة، لأنهم لا يملكون الاجتهاد ولا الحاجة إلى الابتكار، أما الاجتهاد الشيعي فهو ما يدفع الشيعة إلى التفكير والإنتاج، وهذه هي ثقافة الشيعة التي تكرّم الفكر والعقل.
ذات يوم زرتُ مركزًا علميًا لأهل السنة، وكنت على معرفة شخصية بعلمائهم، وأحيانًا نتناقش معهم. في إحدى مدارسهم رأيت أطفالًا في السادسة أو السابعة من العمر مُجبرين على حفظ القرآن. قلت لهم: هل يرضي الله أن تُجبروا هؤلاء الأطفال على الحفظ وهم كالنحل يحفظون القرآن؟ هذا العمل مرفوض من وجهة نظري، لأن الطفل في هذه السن يجب أن يكون ذهنه مُنفتحًا ومتجددًا، أما هذه العملية فتعمي ذهنه حتى لا يستطيع أن يفهم حتى كلمة واحدة بشكل صحيح ولا يمكن أن يثار لديه الشك أو التساؤل.
نحن نرى قلة الإبداع والإنتاج في البلدان السنية بسبب سيطرة ثقافة الحفظ والتعلم عن ظهر قلب، وهذا لا يتوافق مع الثقافة الشيعية التي هي مدرسة الإبداع والابتكار. لذلك، الاهتمام بحفظ القرآن بطريقة مفرطة ليس مناسبًا للطالب الحوزوي، وإنما المطلوب منه فهم آيات القرآن ومعارفه، وامتلاك الفهم والاستنتاج منها، لا الحفظ. وللحصول على الإلمام بمحتوى السور والآيات، يكفي الدراسة، لا الحفظ.
لم يحقق المسلمون إنجازًا عظيمًا في مجال القرآن، فالكليات القرآنية لا تتجاوز مرحلة ما قبل المدرسة، وليست جامعات يمكنها تقديم علوم القرآن. والمقررات التي تُدرس قديمة ومأخوذة من قرون مضت.
(28)
مما قلناه: يجب على الطالب أن يبدأ بالمبادئ الأساسية، ويخصص لها ساعات يومية للتفكير، ليرى هل يمكن أن يُنتقد رأي السكاكي أو ابن مالك أو ابن هشام ويُطرح رأي أفضل؟ لأن هؤلاء لو كانوا على قيد الحياة الآن، لاحتاجوا إلى دعمنا لكي يجعلوا مؤلفاتهم مناسبة لحاضر الحوزات.
هدفكم أيها الشباب النشيط هو أكثر من مجرد الحصول على درجة، بل يجب أن تفكروا في رسم هندسة الثقافة الشيعية في كل المجالات، وأن تبتكروا قواعد علمية جديدة، وأن تكتبوا بلسان العصر. يجب أن تثقوا بأنفسكم وتؤمنوا بقدراتكم، حينها تدركون أن العلوم الحوزوية لا تزال في بداياتها، وأن أمامها طريق طويل للنمو والتطور، من الأدب إلى الفلسفة والتصوف إلى الحقوق، كلها تحتاج إلى بحوث ودراسات عميقة، ولم يسبق لأحد أن قدم «غایت ما فی الباب» أو النظرية النهائية.
كما قال بوذر جمهر: الجميع يعلم كل شيء، والناس لم يولدوا بعد. أول سؤال يطرحه الإنسان بعد معرفته لذاته هو: من هو الله؟ إذا سُئلت عن هذا السؤال، ما جوابك؟ لم تستطع الحوزات حتى الآن أن تقدم جوابًا لا يُعاب عليه. في كتب الحوزة جاء: الله هو الكل المطلق الذي يختص بالفرد، لكن في نقاشاتنا الفلسفية والروحانية، جئنا بأن الله شخصية حقيقية يمكن زيارتها ومشاهدتها.
(29)
نعود إلى موضوعنا عن العلم ومن هو العالم. قلنا: العلم هو القدرة على إنتاج العلم، أو بعبارة الفقهاء: قوة الاجتهاد والاكتشاف. العلم نور يُمكن الإنسان من الوصول إلى معرفة جديدة أو ابتكار نتيجة جديدة.
أضرب مثلًا: إذا كان لديك حوض بلوري به ماء عذب، وأضفت إليه قليلًا من الحبر، فإن الماء سيتغير لونه، وإذا دخل إليه بعض الأوساخ، يصبح ملوثًا. هذه هي المعرفة، فهي ضعيفة أمام الشك والتساؤل. أما العلم، فهو كالجبال والصحاري، مهما رميت عليه من الشكوك والأوساخ، لا يُمكن أن يلوث.
للأسف، توجيه الحوزة الحالية هو نحو تراكم المعلومات، على خلاف العلماء السابقين الذين رغم معاناتهم، كانت لديهم قوة الاجتهاد حية.
(30)
حفظ هذه الثورة بقيادتكم الحكيمة يتطلب قدرتكم على الابتكار والخلق، وأن تكونوا قادرين على الرد على شبهات ومشكلات المجتمع الديني بأفكار جديدة، وأن تكونوا كالينابيع المتدفقة، لا كالبرك الراكدة.
الجميع ينصح بالعمل والدراسة، لكننا نقول: خصص وقتًا للظلام والانعزال، وعندما تكون وحيدًا في الظلام لا تفكر حتى. كثرة القراءة غير مفيدة، فهي تُبطئ الذهن وتُكسله، والرياضة الذهنية تكون في خلوتها. خصص وقتًا لتجديد ذهنك وروحك، كي يفتح ويُنشط قلبك وعقلك. رحمه الله، المرحوم الأديب النيسابوري، كان يقول إن هذه العلوم التي تُجمع من هنا وهناك، كخبز المتسولين. اجعل معرفتك تنبع من داخلك، واذهب ليلاً إلى الانعزال والظلام وكن وحدك، لا تدرس ولا تعبد، ولا تفكر.
(31)
المشكلة الحالية في الحوزات، بجانب التركيز على المعلومات، هي كثرة الأعمال، ما يقلل جودة العمل ويضعف القدرة على الابتكار، فيصبح الطالب مجرد ناقل لحفظ معلومات الآخرين، يغرق في آراء الناس.
التحرر من الذات والأفكار في العزلة والظلام صعب ويتطلب تدريبًا. العقل كالعصفور الطائر، يصعب السيطرة عليه في البداية، لكن بالإصرار يمكن السيطرة على كل المدخلات والمخرجات الذهنية.
من لا يسيطر على ذهنه يشك كثيرًا، وخاصة في الصلاة، وهذا ضعف يحتاج إلى علاج عاجل. يجب أن تُؤدى الصلاة بشكل تلقائي، لا أن تشغل نفسك بعدد الركعات أو الأذكار، فهذا رياضيات الصلاة وليس الصلاة نفسها، ويُبعدك عن جوهر العبادة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
(32)
المطالب العامة للناس في الشكوك، لكن الطالب يجب أن يسيطر على نفسه بحيث لا يشك حتى لو حلم بأنه يصلي. النفس لا تهدأ إلا إذا تخلصت من الانشغالات في الخلوة والظلام.
الطالب يحتاج إلى قلب واسع ومتسع، لأن القلب الضيق يسبب الغرور ويشغل المعلومات دون خشوع أو انسجام مع الآخرين. يجب فتح باب أو نافذة في القلب تتيح التحكم في مدخلاته ومخرجاته، وألا يسمح لأي أحد بالدخول دون إذن.
(33)
حتى تصل إلى المعرفة الحقيقية، يجب أن تكون تصوراتك سليمة، والعلم هو النور الذي يولد في القلب، ويمنح القدرة على الابتكار والاكتشاف. الحفظ وحده ليس علمًا.
(34)
الشخص الذي يتحكم بعقله ونفسه يستطيع الوصول إلى التصديقات العلمية الصحيحة، وبالتالي لن يشك في صلاته ولن تكون له مشاكل مع الأحكام.
(35)
الطريق للوصول إلى هذا المستوى يبدأ بعدم إهمال المبادئ، والحصول على تصورات صحيحة تؤدي إلى تصديقات صادقة، مثل أن الله جزء حقيقي، والله تعالى شخص يُخاطب في الصلاة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ».
(36)
نسأل الله أن ينصركم ويوفقكم ويحفظ جميع الحوزات العلمية، وصلّى الله على محمد وآل محمد.
سيناء 3: تجاوز المعضلات في الحياة الطلّابية الدينية
قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29).
لقد بيّنا فيما سبق أنّ أساس كلّ علم هو التصديقات، وأوضحنا أنّ الأمور التصوّرية لا تُعدّ علماً. كما ذكرنا أنّ ما يُدرّس في الحوزات العلمية ما هو إلا تصديقات السلف، وهي لا تُعتبر علماً بالنسبة إلينا؛ إذ إنّ تصديقاتهم بالأمس أصبحت تصوّراتنا اليوم، تماماً كما أنّ تصديقاتنا اليوم ـ إن كانت ذات قيمة باقية ـ ستكون تصوّرات لمن يأتي بعدنا. وكما قيل:
وهوَ بِسَبقٍ حائزٌ تفصيلًا
مستوجبٌ ثناءً جميلًا (شرح ابن عقيل، ص 12).
ومع أنّ العلماء السابقين والأخيار من خلفهم بذلوا جهوداً جبّارة في زمانهم، إلا أنّ إنجازاتهم تنتمي إلى عصرهم، ولا تمثّل لنا اليوم إلا تصوّرات قد يكون كثير منها غير دقيق. ومن هنا، فإنّ العلم لا يُورث، وإنما الإرث هو التصوّرات التي نستطيع من خلالها أن نُنتج علماً جديداً. وإنّ إنتاج العلم الديني لا يصدر إلا من نفسٍ قدسيّة حرّة الفكر، فاعلة لقوّة الاجتهاد.
ولذلك لا يجوز القول إنّ المرحوم الشيخ الأنصاري قدّس سره قد بلغ الغاية القصوى في أبواب الفقه، لأنّه، كسائر البشر، ابنُ عصره، ولا يتجاوز الزمان إلا المعصومون عليهم السلام. ومن هنا، لا يصحّ أن نتّخذ موقفاً انفعاليًّا تجاه علم القدماء، وإن كنّا نكنّ لهم الاحترام ونخشع لعظمتهم. بل يجب أن نؤمن بأنّهم لم يتركوا لنا سوى تصوّرات، وأنّنا لن نكون علماء إلّا إذا استطعنا إنتاج العلم بأنفسنا.
صحيحٌ أنّنا ممتنّون للعلماء السابقين، إذ أوصلوا إلينا هذه التصديقات عبر جهدٍ مضنٍ، لكنها رغم عظمتها لا تعدو كونها مبادئ للبحث العلمي، ولا تُعتبر علماً إلا إذا تحوّلت في أنفسنا ـ عبر الاجتهاد والتحليل والنقد ـ إلى معرفة حقيقيّة تحمل لغة وثقافة العصر الحاضر. إذ إنّ لغة وثقافة القدماء لم تعد مألوفة لمجتمعنا، كما أنّ تبليغ معطياتهم محاط برائحة التكرار والقدم.
ورغم امتلاك العلماء اليوم الوسائل الإعلامية، فإنّ مردودها الدعوي ضعيف جداً، خلافاً لبعض المسلسلات والخطباء الشعبيّين الذين يجذبون جمهوراً بالملايين. فما زال بعض وعّاظنا يستخدمون أساليب وعبارات تعود إلى القرن السادس الهجري، وكأنّها ليست بعربية ولا أعجمية، وهذا يدلّ على أن خطابنا الديني لم يتحرّر بعد من أسلوبه القديم.
نقوم على المنابر بقراءة النصوص القرآنية والروائية دون أن نكلّف أنفسنا بإعادة صياغتها بلغة جديدة تُلامس وجدان الناس، فغابت الإبداعيّة وندر التجديد، وإذا صدر كتاب حديث في هذا المجال فهو غالباً من غير أهل الحوزة، ممّن ليست لديهم خبرة علمية رصينة، فتكون كتاباتهم جميلة في ظاهرها، خالية من العمق العلمي، وسهلة النقد.
قلنا في موضع آخر إنّ بعد الثورة الإسلامية، بلغ ضعف الخطاب الديني ذروته في خطب صلاة الجمعة، إذ اتّسمت لغتها بالبدائية ومحتواها بالتدنّي، حتى أنّ بعضها لا يستحقّ النقد العلمي، مع أنّ التبليغ هو شأن الأنبياء، ومن اختصّوا به ينبغي أن يكونوا مؤهّلين له، بخلاف الأنبياء الذين كانوا يستندون إلى الوحي.
وأما غيرهم، فلا بدّ لهم من البحث والاجتهاد لإنتاج علم، ثمّ يمكنهم التبليغ، وإلّا فإنّ مجرّد تقليد المعارف وتكرارها يفضي إلى أخطاء لا مفرّ منها. فالمبلّغ الذي لا يمتلك الاجتهاد لا يعي مراتب الأحكام، التي تختلف باختلاف الموضوعات والمخاطَبين، وهو عاجز عن فهم هذه الفوارق، مما يؤدي إلى خلط في الأحكام وإعطاء فتاوى لا تنطبق على المخاطب، ويظلّ يدور في فلك الأحكام الكلّية دون القدرة على التوجيه الخاص، فيصبح تبليغه عقيماً ومشوّهاً.
لذا فإنّ التبليغ الفردي والمحاضرات المباشرة لم تُثمر النتائج المرجوّة، لأنّنا بحاجة إلى إنتاج علم خاص بالتبليغ وتنظيم بنيته وهيكليّته.
وعليكم من الآن أن تسعوا لاكتساب قوّة الكتابة، فهي من أرقى وأسلم وأعمق وسائل التبليغ، وتعتمد عليها أشكال عدّة من الإعلام ككتابة السيناريو والرواية والمقالة وسواها. ولكي تكون كاتباً مقتدراً، عليك أن تحمل دفتراً خاصاً، تُدوّن فيه كلّ تعبير جميل تسمعه أو تقرأه أو يخطر على بالك، ثمّ تستخدمه لاحقاً في كتاباتك.
اكتب باستمرار، وكما قال أحد الكبار: “اكتب، فإن لم تستطع كتابة شيء، فاكتب شتيمة حتى لا تُضيّع وقتك ووصيتي لك!”.
إنّ من أبرز مشاكلنا كطلبة علم هو ضعف التعبير الشفهي والتحريري، فنحن لا نستطيع أن نتكلّم بلغة الناس ولا أدبهم، لذلك نجد مكاننا في القرى أكثر من الجامعات والمراكز العلمية، ويبدو فكرنا قرويًّا لا يستهوي المتعلّمين، وهكذا أصبح المادحون الروحيّون في طليعة المشهد الديني العاطفي، مع أنّهم لا ينتجون علماً، بل يؤثّرون تأثيراً مؤقّتاً بقراءة أبيات شعر بصوت جميل، ثمّ ينطفئ الأثر بعد حين.
الفقرة 41
ينبغي أيضاً أن يطبّق المسؤولون بعض الصرامة على الطلّاب ليصمدوا في وجه الضعف ويكتسبوا الثبات اللازم. إن التمايل نحو السهولة واطلب راحة مضرّ بطالب العلم كونه سمًّا قاتلًا يُنتج أوجاعَ نفسيّة متعدّدة. وفي حقبة التكوين التربوي، تتجلّى تلك الشدائد كركيزة لتحقيق الثبات والإتقان. فمديرو المدارس يضحيون بطريقة من الإيثار: لا يرضون الطلاب بل يُتعبون أنفسهم من أجل النتائج المرجوّة. يجب أن يرى الطالب، من خلال تجربة التكوين المتشدّدة، نفسه مُعِدّاً لمستقبل المجتمع، ويقرأ الكتب الحوزوية بنظرة نقدية، ساعياً إلى إبداع رؤية جديدة تتجاوز ما قدّمه السابقون، مبتدئًا من التفصيل صاعداً حتى يلمّ بجوانب العلم كلّها، كما قيل:
**أَتَزْعُمُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ
وَفِيكَ انطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ **
—أليس فيك من الخلق ما يعادل العالم الأكبر؟
وبما أنّك قادر على استثمار موهبة غير محدودة، فإنّا لا نقدّر ابتكارك على ابتكارات أمثال ابن مالك أو أرسطو—وحتى لو اعتُبرا من كبار العقول، فإن ابتكارك هو بالفعل تكريم لجهود أولئك العظماء، وتكملة لحركتهم العلمية، ونقد لبيانات السابقين، وهروب من دائرة التقليد في العلم التي تثبط طاقات البيوت العلمية وتقطع دافع الكفاح عند الطلّاب. فالطلّاب يشعرون بأنّ ما يقومون به حفظ تقليدي للألفاظ لا يخدُم حاضرهم ولا يرتكز على معرفة حقيقية، بل اقتصر على أعمال محفوظة لم يقل لها أحد صوابٌ أو خطأٌ قط، حتى في دروس الخارج يحدث ذلك أيضاً.
لا بدّ أن يضع النظام الدراسي للطالب هدفًا لجعله مجتَهِدًا خلال عقدٍ من الزمن، وأن يخرج من حالة التقليد والعواطف ليبلغ مستوى علمي نقدي. فقد كان يُقال سابقًا: من يحسن دروس السطوح لا يحتاج لحضور درس الخارج، وإن لم يحسنها، فسيظل درس الخارج عنده محفوفًا بالتلقّي الحفظي والنقل عن هذا وذاك. إن محور التعليم في الحوزات يجب أن يكون في إنتاج الخطاب والإنشاء، لأنّه هو الذي يحوّل الحوزة إلى فضاء علميّ ويتحرّرها من أدران المعلومات والمحفوظات. وعلى الأساتذة والنظام العلمي أن يركزوا على تمكين الطالب من القدرة على الإنشاء والتوليد العلمي. فمشاكل المجتمع العلمي لن تُحلّ عبر غرق الطالب في حفظ المعلومات فقط، بل ستزداد سوءًا، خصوصًا وعند ظهور منصات دائمة على الإنترنت، حيث سيصبح لدى الناس سهولة الوصول إلى العديد من المعلومات، في حين الطالب يفتقر إلى القدرة على الحفظ والتذكّر. إنّ ما يُميّز الطالب هو قدرته على التفسير والتحليل والنقد، وقدرته على الإنشاء والإبداع، وهذا ما يريده الناس منه، لا مجرد نقل محفوظات، ولا يستطيع الحوزة منافسة الفضاء الرقمي.
وبالتالي، يجب أن يكون للمدارس ومؤسسات الحوزة برامجٌ تمكّن الطالب من إنتاج العلم وبناء مهارة الإنشاء، وأن يرتكز نظام الامتحانات على ذلك، لا على حفظ المعلومات فقط. وهذه البرامج تتطلب نظامًا يرتكز على الأستاذ، فالأستاذ قادر على كشف طاقات الطالب الإبداعية، وتمكينه من الاجتهاد والاستنباط، حينها يُدرك الطالب نعمته ويُولع بفكره، فيبقى دافعه حيًّا. فالنظام الحافظ المعتمد حاليًّا لا يولّد العلم، فالطالب هو الذي يستطيع عبر القوة الإبداعية أن يكون مهندسًا للإنسان والمجتمع، ويواكب فكر الأمة.
إنه لمن الضروري أن تسعوا كطلّاب لتحويل طاقاتكم إلى أدوات بناء عقلي وفكري في المجتمع، لا تكتفوا بتعزيز البنيان المادي (كالمدارس والمساجد والمستشفيات)، فهذا الأمر يمكن لأي اقتصادي تمويله. بل إنّ مهامكم الكبرى هي هندسة ثقافة الشيعة، وبناء حضارة نظام إسلامي، وإنشاء الإطار الفكري للأمة. وعلينا أن نخلق الدافع الذاتي ولدى الناس أيضا، لأنّ بناء المساجد والمدارس هو للمموّلين، أما الحضارة والثقافة والفكر فهي مسؤولية العالم الديني.
صلابة التجربة والتضحيات المالية للأباء
لقد هاجرتُم في شبابكم، تركتمَ ذويكم وأهلكم — في الغربة البعيدة. أنتم غرباء وأيتام آل النبي (صلى الله عليه وآله)، لا سند لكم وسط الأعداد. كان الأجدر بالحوزة أن تتبنّاكم مادّيًا ومعنويًا: مساعدتكم في الزواج، والخدمات المالية، لأن لا أحدٌ يقبل طالبًا للزواج دون ضمان أو دعم. وهذا يزيد على جراحكم الاجتماعية، في حين أنّ ذلك يعود إلى قصور في نظام الحوزة.
فبدل أن تُنشَرِكَ المعرفة والوعظ مجانًا، نحن بحاجة إلى ثقافةٍ يشار إليها بالطلبة كرموز حية تشكل الثقافة بدلاً من مكتبات ميتة، لأن ما نمتلكه الآن هو معلومات محفوظة، لا يُشتَرَك بها، ولا اقتُبِسَت، واعتمادنا عليها يُضعِف موقعنا الاجتماعي.
(50)
ينبغي للطالب أن يتعلّم الجوانب التطبيقية للعلم، وأن يطّلع على المواضع الخمسة عشر المحرّمة فيه. فإنّ تحصيلًا علميًّا لا يكون ذا طابع عمليّ، كمن قرأ وحفظ جميع لوائح وقوانين السير والمرور، ثمّ لم يستطع أن يُميّز بين الفرامل ودواسة الوقود. فتعلم هذه الجوانب العملية هو من شأن الطالب الحوزوي، والمجتمع ينتظر منّا هذا النوع من التعلم. غير أنّ ذلك لا يتحقق إلّا إذا لم تقتصر العلاقة بين الأستاذ والطالب على مجرّد التعليم، بل كانت بينهما مصاحبة ومخالطة، ولم تنتهِ الدروس بعيون وآذان مغمضة، ولم يكن كتاب «اللمعة» مربوطًا بـ«اللُّقمة»، و«الكفاية» مقرونة بـ«الكِرَايَة»، والخارج مرتبطًا بـ«الخَارِش» (أي الحِكّة)، حتى يصبح كثير من الطلاب يقضون صباحهم تحت شمس مدرسة الفيضية أو في ظلّ أشجارها، فيجعلون النهار صباحًا والمساء ليلًا.
ينبغي للطالب أن يكون مولعًا بالعلم، وأن تكون الأدبيات والمنطق والفقه والأصول سهلة المأخذ عليه وموافقة لذوقه، وأن يجد فيها متعة وبهجة.
ومن المشكلات الأخرى في نظام التعليم الحوزوي، أنّه ليس مبنيًّا على التخصص. فالطالب يسعى إلى الإلمام بكل علم، ويريد أن يصبح «جامع المعقول والمنقول». وبعض العلماء يجيبون عن كل سؤال يُطرح عليهم، سواء كان عن قشر السمك أو عن الكحول الأبيض، أو عن نظرية وحدة الوجود، وهم لا يعتادون أن يُحيلوا الأمور إلى أهل الاختصاص. ومن يُجيب عن كل سؤال يُطرح عليه، فمشكلته في عقله.
فلنترك الآن الكلام عن المشكلات التي لا نهاية لها، وقد قلنا: يجب علينا، ونحن في هذه المرحلة من دراسة المبادئ والمقدمات، أن نحدث في أنفسنا ثغرة، ونوسّعها يومًا بعد يوم. وهذا ما يجب عليكم أن تقوموا به، وأمّا ما يجب على الحوزة فهو أن توفّر مظلّة دعم لكم، بحيث يعلم الطالب الشابّ أنّ جهده محلّ تقدير، وأنّ إنتاجه العلمي لن يُهمَل أو يُهدر. فبهذه الطريقة، تنشأ في نفسه محبّة للعلم وشغف بالمعرفة، ويشتغل بالدراسة حبًّا ورغبة، لا تكليفًا وإكراهًا.
وأما إذا لم تُحدث هذه الثغرة في قلب الطالب منذ الآن، فإنه في الغد، حين يتولّى منصبًا أو مسؤولية، فلن يكون له دور إلّا في بناء المساجد والمدارس أو الجسور والمستشفيات، ولن يستطيع أن يُعمّر الثقافة والحضارة.
فأصالة الحوزة وكيانها إنما هو في صناعة الإنسان، وفي الفكر، وفي إنتاج العلم، لا في تشييد الأبنية وإنشاء المؤسسات.
(51)
إنّ مجتمعنا يشهد نشاطًا ملحوظًا في العلوم التجريبية، وهو مجتمع علمي حيّ، نشيط ومتجدد، ولكنّ الحوزات العلمية ليست كذلك في علومها، ولا يوجد فيها إلا بصيص من نور العلم. ففي المجتمع، أدّت قضية الطاقة النووية إلى نهضة شبابية في البلاد، وجعلتهم يسعون إلى العمل والنشاط المضاعف، ولكن الحوزات العلمية كأنّها خارجة عن نطاق الزمن.
الجامعات تشجّع الزواج الجامعي، أما الحوزات فتعجز عن إقامة مثل هذه المبادرات لطلبتها. وإن حصلت هذه المبادرات، فإنّ المجتمع يوجّه إليهم النقد قائلًا: «ما الذي فعلوه ليستحقوا ذلك؟»، في حين أنّ الطلاب الجامعيين لا يُنتقدون، بل يُشجَّعون، لأنّ الناس يشهدون إنجازاتهم وثمار علمهم، حتى أنّ ترتيب إيران العلمي في بعض مجالات العلوم التجريبية انتقل من خانة الثلاثة أرقام إلى الأرقام الأحادية.
(52)
أمّا نحن، ففي العلوم الإسلامية والإنسانية، فإنّنا لا نمتلك إنتاجًا حقيقيًا، ولم يشهد ترتيبُ بلدِنا في هذه العلوم أيَّ نموّ يُذكر، مع أنّ نظامنا نظام إنسانيّ في الأساس، ويدّعي نشر الثقافة الإنسانية وتصديرها.
وفي هذا البلد، فإنّ الشباب الذين يمتلكون ذكاءً واستعدادًا عاليًا، يتّجهون نحو التخصصات التجريبية، وأما الأكثرية من الذين لم يُوفَّقوا في هذه المجالات ـ ممن ليست لديهم درجات عالية من الذكاء ـ فإنّهم يُحوِّلون وجهتهم إلى العلوم الإنسانية، وقد تمّ الخلط بين هذه العلوم وبين مخزن النفايات!
وللأسف، فإنّ للعلوم الإنسانية في بلادنا مأساةً حزينة، حيث تُدرَّس فيها «تاريخ العلم» بدلًا من العلم نفسه. فنحن لا نملك علم النفس الحقيقي، ولا الاقتصاد، ولا علم الاجتماع.
وفي المسائل التصوّرية، وتحليل الذهن، وبيانات الدماغ، فإنّنا ما زلنا نعود إلى آراء ابن سينا والفارابي، دون أن نقوم بإعادة إنتاج تلك الآراء، أو نقدها، أو تطويرها بما يتناسب مع زماننا.
والمؤسف أنّ حوزاتنا ما زالت تدرّس ملازم الشهيد المطهري (رحمه الله) في المنطق والأصول، وهذا لا يليق بالحوزة التي تدّعي أنّها ذات جذور عميقة وحداثة في العلوم.
وبهذه الصورة، فإنّ الحوزات لا تساهم في إنتاج العلوم الإنسانية، وهذه المشكلة نابعة من الخلل في النظام التربوي السائد فيها، والذي لم يتمكن من إحداث تلك «الثغرة» المطلوبة في شخصية الطالب في بداية مسيرته.
(53)
نحن غير قادرين على تنمية القدرة الإنشائية والإبداعية لدى الطلاب، ونشغلهم بالقضايا الإخباريّة والحفظية، حتى يصيبهم التعب وفقدان الدافعية، وبعد مدة، حين ينزلون إلى المجتمع، فإنّ أقصى ما يقوم به كبارهم هو بناء مسجد أو مدرسة، فينصرفون إلى أعمال البناء.
وهذه مشكلة النظام القائم على الدرجات والامتحانات، حيث يعجز عن نفخ روح الحبّ والتعلّق بالدراسة في قلوب الطلبة، ولا يستطيع أن يخلق فيهم تلك «الثغرة» في وقت مبكّر من حياتهم العلمية.
الطالب الذي تتكوّن فيه هذه الثغرة، لا يمكن منعه بأي وسيلة عن التفكير والإبداع، ولا يمكن فصله عن العلم والدراسة، كما نرى أنّ مراجع التقليد عندنا، حتى في كبرهم وشيخوختهم، لا يستطيعون ترك التدريس، بخلاف بعض الأساتذة، الذين بمجرد انتهاء الدرس، لا يعودون إلى كتبهم أبدًا، وينفصلون عن الدرس بسهولة، ولا يحملون أي محبة أو شغف نحوه، ومحتوى ما يُعلّمونه للطلبة قديم وبالٍ، تفوح منه رائحة العتق والتقادم، ويُلقونه في حلق تلاميذهم دون تجديد.
في مرحلة دراسة المبادئ، علينا أن نؤسّس لهذا الأساس، ونُنشئ في أنفسنا هذه الثغرة، مع عزيمةٍ قوية، حتى لا تؤثر علينا أيّ تهديدات أو مغريات خارجية، ويصبح العلم وإنتاجه إدمانًا لدينا، ويغدو التفكير جزءًا من طبيعتنا، فلا يتعطّل عقلنا مع تعطل الدروس، ولا يتوقّف نشاطه.
(54)
علينا أن نُبعد التكتّم والغموض من حياتنا، وأن نُعلن درجاتنا لبعضنا البعض، دون أن نعتبر ذلك غرورًا أو انهزامًا، بل يجب أن نراه نوعًا من إظهار الذات وعرض الكفاءة.
حتى لا نلجأ بعد عشرين عامًا إلى بناء المدارس والمساجد، بل تكون هذه المراكز العلمية، داخل البلاد وخارجها، هي التي تتوجه إلينا، لا أن نُرسل إلى القرى ـ بناءً على توصية من مكتب التبليغ ـ في إطار مشروعٍ مشؤومٍ يُسمّى «الهجرة»!
نحن لن ننجح في التبليغ، ما لم نُحدث أولًا هذه الثغرة في داخلنا.
(55)
إذا كنتم قلقين بشأن مستقبلكم، فعليكم أن تهتموا بيومكم هذا، وتعملوا على تطوير قدراتكم في صناعة الإنسان، وتزيدوا من طاقاتكم العلمية، أعني العلم الإنشائي، لا الإخباري الحفظي.
اغتنموا موقعكم العلمي الحالي، واستفيدوا من كل دقيقة من وقتكم.
لتكن بينكم منافسة في العلم، وحدّدوا الأفراد البارزين علميًا من بينكم، واجعلوهم قدوة يُحتذى بها من قبل الجميع.
فإنّ هذه القدوات تُثير في الآخرين دافعًا وهمّةً للوصول إلى مستواهم العلمي، ولا ينبغي أن يكون الامتحان نهاية العلم، بحيث إذا قيل لأحدكم بعد ستة أشهر: يجب أن تُعيد الامتحان، أصابته الرهبة والاضطراب.
يجب أن يكون العلم منسوجًا مع أعماق الإنسان، حتى يستطيع أن يستدعيه بعد مرور عشرات السنين.
فالعلم لا يعني شهادة الدكتوراه أو لقب «آية الله»، بل يعني الاستعداد لتقديم الدرس وخوض الامتحان في أي لحظة.
رحم الله المرحوم آقا رضا الهمداني، أحد فقهاء وأصوليي زماننا، فعندما سُئل عن مسألة ولم يتذكّر الجواب، أعلن أنّه لم يَعُد جائزًا تقليده، لأنّ النسيان قد أصابه!
يجب على كل طلاب العلم أن يعتبروا أنفسهم من أسرة واحدة، وألّا يروا في إعلان الدرجات ما يعيب أحدًا.
فإنّ معالجة النقص والقصور، إن كانت صحيحة، فإنّها سبب لنموّ الإنسان.
السرّيّة المستمرة تُورث الكسل، وتُسبب انقباضًا في الروح.
وكما أنّ الرياضات تُقام فيها مسابقات تؤدي إلى تنشيطها، فكذلك ينبغي أن تُقام المنافسات في طلب العلم داخل الحوزات، ويجب على كل طالب ـ معذرة لهذا التعبير ـ أن يُقيّم نفسه، ليعرف إلى أيّ مدى هو أقوى أو أضعف من زميله ذي العمامة.
ويجب أن يقوم بهذه المقارنة من أجل الله تعالى.
(56)
دون أن يكون في قلبه رياءٌ أو كِبْر، حتى تظلّ فيه روحُ العزيمة والعمل حيّةً وفعّالة، ويتمكّن عبر هذه المقارنة أن يُرقّي نفسَه باستمرار، ويستقرَّ في ذلك المنزل المبارك الذي بلغه: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾.
ولا شك أنّ هنالك من اللصوص الروحيين ما يهدّد هذا المسار، وأخطرهم حبّ الدنيا والتعلّق بها. فالشخص الذي يحمل لقب “دكتور” أو “موسيو” قد يُسخّر علمه لمصالحه الدنيوية ويجعل من المعرفة وسيلةً لتحصيل الرزق، ويتّخذها غايةً لنفسه ودنياه؛
أمّا العالم الديني، فهدفه فهمُ الدين ونشرُه، بل إنّ العلوم كالفقه، والأصول، والعرفان، والفلسفة، ليست غاياتٍ بحدّ ذاتها، وإنّما وسائل.
نحن لا نسعى لأن نكون “جامعي المعقول والمنقول” لنقف في النهاية عاجزين عن الإجابة على سؤال “ثم ماذا؟”.
إنّ التوقّف عند هذه المراتب يُعدّ حجابًا أعظم، ومن جعل العلم هدفًا نهائيًا وقع في شَرَكِ الاستكبار والتكبّر.
فمن كانت غايته العلم، رأى مخالفيه أشرارًا ملعونين، وابتعد عن منطق الحسين عليه السلام الذي قال: «ما رأيتُ إلّا جميلًا»، وتوقّع من الجميع أن يقفوا احترامًا له ويقبّلوا يده.
مثلُ هذا العلم يسلب من صاحبه التواضع ويوقعه في الغرور.
وقد رأيتُ يومًا أحد العلماء الكبار ـ بل من كبار الكبار ـ كان يذهب إلى الدرس كل صباح ولا يسلّم على أحد، وكان الجميع يسلّمون عليه. وفي يوم من الأيام، اقتربتُ منه ولم أُلقِ عليه السلام، بل قلتُ له بصوتٍ عالٍ: “سلّم!”، فسلّم مباشرة، وكأنّ هذه الكلمة كانت كعملية جراحية بالنسبة له، ومنذ ذلك اليوم، صار يُسلّم على الناس.
(57)
كان عدمُه للسلام كالدُمّل المتقيّح، وهذه الكلمة كانت المشرط الذي أخرجه. ومن ثمّ كنّا نحن من يُبادر بالسلام عليه.
فالعلوم لا ينبغي أن تكون غايةً في حدّ ذاتها، وميزةُ طالب العلوم الدينية الجوهرية عن طلبة باقي التخصصات تكمن هنا.
فالعلومُ عند الآخرين هي الغاية، أما نحن فليست كذلك.
وكلّ ما قلناه كان من باب “المبادي”، كمثل الوضوء للصلاة.
لكن، ما الذي يجب فعله بعد تحصيل هذه المبادي؟ هذا ما سنبحثه في الجلسات القادمة إن شاء الله.
وقد قلنا سابقًا إنّ العلم أمر دنيوي، تمامًا كالصلاة، التي يُشير الحديث الشريف إليها كذلك، إذ يقول النبيّ صلى الله عليه وآله: «أُحِبُّ من دنياكم ثلاثًا: الطيب، والنساء، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة».
فالصلاة، رغم عظمتها، هي وسيلة للمعرفة، ويجب أن ننظر إليها نظرةً آلية لا أصالية.
فما الذي ينبغي لنا أن نتعلم العلم من أجله؟ ما الغاية من تحصيل هذه المبادي؟
أنتم تتحمّلون الغربة، والوحشة، واليُتم، والبعد عن الأهل، وكلّ مساء تشعرون بالكآبة من وحدتكم، تفتقدون أمّكم وأباكم وأختكم وأخاكم، وقد ابتعدتم عن جمع الأصدقاء والأنس بهم… لأجل ماذا؟
هل كلّ هذه الآلام والحرمانات هي لأجل تحصيل العلم؟
فإن كان كذلك، أليس من الظلم أن نتحمّل كلّ هذه الغربة والحرقة والحسرة، ثمّ لا نجد ثمرة حقيقية؟
هذا هو المحور الذي سنتناوله في الجلسة القادمة إن شاء الله.
اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد.
(58)
سينا 4: قدرة الإلهام ومتانته
يقول الله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
(طه: 10-14)
تحدثنا سابقًا عن مبادي الطلب والضرورة القصوى لاكتساب العلم والبصيرة، واعتبرنا الدخول إلى “المنزل المبارك” لتحصيل العلم الديني مرتبةً متوسطة من الكمال: ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾.
هذا “المنزل المبارك” هو أول كمال يناله الطالب حين يوفّقه الله تعالى ويُدخله في أرض الطهر.
وقلنا في الجلسة الماضية: إنّ العلم ومتعلقاته هي بمنزلة الطهارة للطالب، ويجب أن يُنظر إليها كوسيلة لا غاية.
(59)
وحتى لو أدرك الإنسان كل قوانين الطبيعة والخلق، فإنّه في هذا المسار لا يزال مبتدئًا.
لكنّ ما يُميز العالم الديني حقًا عن سائر المتخصصين، وما يجعل اختصاصه فريدًا، هو الإلهام، الذي يمكن أن يُسمّى ـ على نحو من التسامح ـ «الوحي»، أي القدرة على الاتصال بعالم الغيب.
لقد تحدّثنا عن “الوحي” في دروسنا، واعتبرناه مرتبةً وسطى من مراتب الكمال.
إذن، فالكمال المتوسط لطالب العلم هو نيلُ القدرة على الإلهام، ويُعتبر تحصيله العلمي والمعرفي هو المدخل والمقدّمة لهذه المرتبة.
وأيّ قفز مباشر إلى مرتبة الإلهام دون المرور بهذه المبادي، غير ممكن في العادة، فإن شعر أحدهم بالإلهام دون سلوك الطريق العلمي الصحيح، فهو ناقص، غير مكتمل، مهما بدا له من نورانية.
كثيرٌ من الذين يُعرفون بالعرفان دون تحصيل علميّ متين، يعانون من هذا النقص، ولا ينبغي اتخاذهم قدوةً في الطريق العرفاني؛ فإنّ هذا النقص لا يُمحى من وجوههم، والارتقاء الذي يشعرون به غالبًا لا يمتّ للحقيقة بصلة، بل هو انغماس في الخيال، وإن كانت كلماتهم عذبةً للناس، فإنّ ذلك بسبب قوّة تخيّلهم لا صدق مضامينهم.
إذًا، فطلب العلم واكتساب المعرفة هو أول مراحل الكمال، والمرتبة التالية هي نيلُ الإلهام والوحي، الذي هو من خصائص الأنبياء وأولياء الله.
(60)
الآيةُ الكريمة التي تليتها عليكم تُشير إلى هذه المرتبة: ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.
فموسى عليه السلام، بعد عمرٍ من التعب والمجاهدة، وبعد أن ذاق مرارة الغربة والهجر وابتعد عن وطنه وهاجر إلى مدين، وبعد كل ما واجهه من صعاب، بلغ مقام الوحي.
وتُشير الآية إلى بعض مشكلاته، منها أنّ الخطاب جاءه بصيغة المجهول: ﴿نُودِيَ﴾، حيث لم يعرف هوية المنادي، وذلك بسبب ضيق قدرته، حيث لم يكن بمقدوره أن يرى المتكلّم مباشرة دون أن يُغشى عليه.
وفي الآية السابقة، تحدّثنا عن “المنزل”، أما هنا، فيُقال له: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
فالذي يكون في “المنزل” يحتاج إلى التلاؤم مع نفسه، ولا يمكنه أن يحمّلها ضغطًا مضاعفًا.
وطالب العلم، حين يجلس في حجرته بين الكتب والأوراق، لا يستطيع أن يُحمّل نفسه فوق طاقتها.
ولهذا، لا نوصي الطالب بالإكثار من صلاة الليل أو الأدعية الطويلة أو السجود الممتد.
وكثرة التوسّل بزيارة عاشوراء أو زيارات المشاهد المشرفة أو الصيام المستمرّ، لا تناسب الطالب في هذه المرحلة، بل ينبغي أن يأخذ برنامجه العبادي من أستاذٍ خبير ومتمرّس.
وإلّا، فإنّه يكون كمن يتناول دواءً دون وصفة، مما قد يُحدث نتائج عكسية وخطيرة.
يُفترض بالمُدَرِّس أن يُراعي التوازن في الذات، لأن الإسراف في الضغط على الإنسان لشقّ طريقٍ عميق في وجوده قد يُعطِّل قدرته على الدراسة، ويفقده الرغبة والنشاط في التعلم. فالكائن البشري بطبيعته في حراك مستمر، يغدو ويتحرك بسرعة، لذا على الطالب أن يحافظ دوماً على توازن تقدّمه، متجنباً التطرّف والإفراط، لأنه إن ابتدع خطواتٍ متسرّعة أو جهولية، فقد ينتج عنها مشكلات وابتلاءات. ولهذا ينبغي على الطالب أن يمشي على خطى سابقيه من العلماء، وأن يستشير أهل الخبرة والاعتماد ممن ساروا في هذا الطريق بسَلام وأمان.
فعندما يبالغ الطالب في تنمية مشاعره، فإن قدرته على التعليم والتعلم تتضاءل، وإذا تجاوزه في ممارسة المناجاة، فإن والده في الحفظ يقل وينكمش. فليس طلبُ العلم كصادمٍ، بل هو عملية منظمة لها قواعد وقوانين، كما هو شأن الطب الذي يَستلزم وصفة دقيقة. وكذلك في اللقاء والنقاش، لا يُسمَح بالإفراط أو التفريط، وإذا تسللَت التداعيات العاطفية أو الشعاراتية أو المبادرات الزائدة من إيمانية أو زيارات أو مناجاة، فإنها لا ينبغي أن تعيق وجود فكر منطقي واعٍ أو عقلٍ رياضي مبدع عند الطالب.
يدخل الطالب وادي “طوى”، لكن لا بدّ له أولاً من السير بمشورةٍ عقلانية تتناسب مع جسده ونفسه. وهذا بالضبط ما عاشه موسى عليه السلام، إذ إن الله تعالى رَاعى حاله في تلك اللحظة المصيرية التي نادى فيها موسى من الحريق، فوجه إليه النهي بطريقة مبطّنة، حتى لا يُشعره بصدمَةٍ قوية أو عبءٍ غير محتمل. إذ كانت نزولًا تدريجيًا إلى مقام “طوى”.
وإنه لمن المَرَّةِ الأولى في نفوسٍ تصل إلى هذه المكانة، أن تُقال لهم: “خُذْ نَعْلَيْكَ”. فحتى موسى—عليه السلام—عندما نودي عليه في “طوى”، لم يَخلع نعليه بعد، فكان لا بدّ من هذه التوجيهات ليعرف آداب المقام ومتطلّباته. وإن أعمق الرسائل هنا، أن حتى أنبياء الله عند تلقّي الوحي يتوجسون ويتحرّون التأكد قبل الإذعان، ولكن ليس لمحدوديّة الذكاء أو التشكيك، بل استفتاءً للمنهجية والعقلانية في الاستقبال.
ومن ثم، ينبغي أن يُترك الطلبة مرتبطين بأوضاعهم الاعتيادية في اللباس والمظهر، فلا تُشدّدوا عليهم في اللحظات الأولى بعد دخولهم إلى الحوزة، بل اجعلوها فرصتهم للاعتدال والموائمة، حتى لا يقبلوا على لباس العلم بسوءٍ أو حسرَةٍ. فالطالب عليه أن يكون أنيقَ المظهر والزي، دون مبالغة، كما عليه أن يكون منظّمًا في صلاته وتقواه وطريقة دراسته.
إنه حين يدخل طالب العلوم الدينية وادي “طوى”، فهو لا يدخل فحسب مكاناً فلسطينياً، بل مستودعاً روحياً يربطه بالأئمة عليهم السلام، خاصة حين يسكن في قم وينهل من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام. عندها لا يعد قنطاراً من العلماء اللغويين أو الفلاسفة العاكفين، بل إنّه من طراز آخر، على وقع السلطان الروحي والوصي الحكيم أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم). فإنه إن دخل وادي “طوى”، استصحب روحًا صلبة وثابتة، حتى ينال مقام الوحي والإلهام: “وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى”.
أنت يا طالبُ، مُخَيَّرٌ من الله لكي تكون من أهل ملمّة الوحي والإرشاد، وليس كل من شاء أن يَدخل هذا الباب وفّق له. يأتيك الإلهام بعد أن تهيأت وتخلّصت من تعب النفس وقسوتها وهَمّها.
ثم يأتي الآمر الربوبي المتعالى ليرفع الصوت الربوبي: “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي”. وهذه المرحلة تُناقش العبودية الخالصة والانفراد باللّه الواحد المستحق للعبادة التي تُقام لذِكره وليس لغيره. والمهم–كما في كل باب–أن تُقطِر العبادة صلاةً وقيامًا، وليست رياضة المبالغة أو الكثرة في التلبية أو التزلف، بل الاعتدال المطابق للنفس والجسد، والبقاء في “بيت العلم” الذي يُطهّر كيانه من الكثرات، ويُصبح مستودعًا للوحي والسكينة، لا مساكن الطغيان والفراغ النفسي.
وفقك الله وحفظك وتفضّل بقبول صلاتك، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
You said:
ادامه بده
ChatGPT said:
بكل سرور، أُكمل لك الترجمة الأكاديمية الرسمية لباقي النص:
ومن هذا المقام ينبغي أن يكون لحُجرة الطالب خصوصية تختلف عن سائر منازل الناس. فالحُجرة التي هي مَقرّ تلقي العلم والروح لا ينبغي أن تتحول إلى مركز للترفيه أو التلهّي بالكثرة. لا مانع من وجود وسائل كالتلفاز أو الإنترنت أو الجرائد، ولكن ينبغي أن تُحصر في أماكن عامة مشتركة، وألا تُدخل إلى الحُجرة التي يُفترض أن تكون طاهرة من الكثرات وصافية لورود النداءات الإلهية. فإنّ “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ” لا يُسمع في الحُجر التي تضجّ بأصوات الدنيا، بل يُسمع في الزوايا التي لا تضمّ إلا المصحف والمحراب والدموع الساكبة على وسادة الفكر والعبادة.
لقد سُميت قم بـ”وادي طوى”، إذ إنّ لها من القداسة والارتباط بالأئمة الطاهرين ما يجعلها دارًا للأ والمعرفة الربانية، وقد كانت كذلك منذ القرون الأولى للهجرة، حينما كانت سائر البلاد تحت سيطرة أهل السنة، وكان أهل قم يحتفظون بعلمهم وفقههم المستقل، حتى أن بعض المعصومين عليهم السلام قد عاتبوا القمّيين على إرسال الحقوق الشرعية إليهم مباشرة، بدلاً من تسليمها إلى علماء قم.
وهذا يُشير إلى مكانة العلم والعلماء في هذه المدينة المباركة، ويجعل من الدخول في طلب العلم فيها بمثابة دخول إلى بيت أهل البيت عليهم السلام. ومَن كان له شرف الدخول إلى “دار الإمام الصادق عليه السلام” فلا يُقاس بعالم آخر، لأنّه تجاوز مرحلة المبادئ ووصل إلى الكمال المتوسط، ولربما ينال درجات أعلى إن استقام وثبت في وادي طوى.
ثم إن الطالب الذي لا ينتبه لهذه الأمور، ويغفل عن قيمة ما هو فيه، قد يبتلى بالقسوة في القلب؛ والقسوة، كما هو معلوم، من أعظم الآفات التي تقتل الإيمان وتفسد الصفاء. كما أن الغفلة المستمرة قد تُصبح في حدّ ذاتها من الكبائر، تماماً كما تُعدّ كثرة الإصرار على الصغائر من الكبائر. وإذا قسا القلب، فلن تُجدي فيه موعظة، ولن يؤثّر فيه توجيه، كما لن تبقى له رغبة في الخير، ولا لياقة للسماع ولا استعداد للتلقي.
وهنا يأتي الخطاب الإلهي مرة أخرى ليزيل الغفلة ويُثبت الوعي: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا﴾، ليحصر الربوبية في ذاته العليّة وحده، فلا يُترك مجالٌ لمتفرعن أن يقول كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. هذا التوحيد لا يُدرَك ولا يُذَاق إلا في حُجر العلم الخالصة التي يخلو فيها العبد من كل كثرة، ويصفو فيها القلب لسماع نداء السماء، ويشعر فيها بسَوزٍ داخلي، ذلك الحزن اللطيف الذي يلازم المشتاقين، ويُلهمهم الثبات واليقين.
ثم يوجه الخطاب الإلهي إلى إقامة الصلاة ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، فالصلاة لا تُؤدى فقط للعبادة بل لحفظ الذكر؛ لأنّ العبودية تحتاج إلى سبب يُبقيها، كما أن الخلق له عِلّة مُحدثة، فالبقاء له عِلّة مُبقِية، وإذا لم يُصَن هذا المقام فإنّ المرء سيتراجع، ويُشبه من يأكل أفضل الأطعمة ولكنّ معدته لا تحتفظ بشيء، فيفقدها سريعًا دون فائدة تُذكر.
فينبغي على الطالب أن يطلب من الله أن يُبقي عليه النعمة، ويحفظ له ما أعطاه، فإنّ الله هو المعطي وهو الوارث. هو الذي يهب وهو الذي يسلب، ولكنّه يسلب ليصون، لا ليحرم. يأخذ الشيء لحفظه، لا لأخذه لنفسه، فهو غنيّ عن كل شيء.
ولا ينبغي أن نُطيل الكلام فنبتعد عن لبّ الموضوع، فإنّ ما نحتاجه هو الانتباه والتركيز، وأن يحذر الطالب من الكثرة والانشغال، لأن الغفلة إن استحكمت ستؤدي إلى ضياع العلم والعمر معًا، كما أن تكدّس الدروس وتنوعها بلا نظام قد يُفضي إلى السقوط، كما يحصل في المراحل الدراسية الأخرى، حين يُفاجَأ الطالب بكثرة المواد فيتشتّت ولا يستطيع التنظيم أو الاستيعاب.
ولهذا كان منهج العلماء السابقين صارمًا، فلا يُسمَح للطالب أن ينتقل من علم إلى آخر إلا بعد أن يُتقن ما بيده. فلا يُدرّس المنطق بجانب النحو، ولا يُبدأ بالفقه قبل إنهاء الأدب. وكان العالِم يطلب من غيره ما لا يُجيده، حتى لو كان فقيهًا أو عارفًا أو فيلسوفًا. فبعضهم كان يُفتي، وبعضهم كان يُعطي الذِّكر، وآخر يُعلِّم المنطق.
وقد قلنا إنّ وادي طوى يحتاج إلى ثبات وصبر، فمن دخله بلا عزيمة ضلّ، ومن قام فيه بلا عبادة سقط، فلا بد من حفظ مقام العبودية ورعايته في كل لحظة.
وما أريد أن أختم به هو التذكير بأدبٍ عظيمٍ من الآداب الإسلامية التي كادت تندثر بسبب طغيان وسائل الإعلام والإنترنت، ألا وهو: قيام الليل.
قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فالأصل في الليل أن يكون لليقظة، لا للنوم، والاستثناء فيه هو النوم. أما النوم، فيجب أن يكون قبل منتصف الليل، لأنّ ما بعده يُعدّ نهاراً شرعياً. فمَن لا ينام قبل الثانية عشرة ليلاً يُعرّض نفسه لضعفٍ نفسي واضطراب عصبي ومشكلات في الحفظ والتركيز.
وكان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إذا فرغ من صلاة العشاء، مضى إلى النوم، فينام نوماً مباركاً يقوّي جسده وروحه، ثم يقوم في الليل في عدة نوبات، يتوضأ، يُصلي، ويُقيم مناجاته بين الله ونفسه، فيُحيي الليل بإحدى عشرة ركعة، لا دفعة واحدة، بل بتوزيع منسق بين النوم والعبادة.
وعلينا نحن أن نقتدي به، فنكون معتدلين في عبادتنا، لا مُفرطين، نأكل وننام باعتدال، ونُصلي ونطلب الدنيا والآخرة بتوازن، فإنّ الاعتدال طريق الأنبياء والعارفين.
وأخيراً، فإنّ من علامات فلاح الحاكم في الإسلام أن يكون يقظاً في الليل، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث إنّ أكثر الانقلابات تحصل حين ينام الحكّام بعد منتصف الليل. فالنبي صلى الله عليه وآله كان يربط بين العبادة والسياسة، ولكن هذا المستوى من الدمج لا يليق بالمبتدئين في الحوزة، بل هو من اختصاص العلماء الراسخين.
الطلبة ومقام “طوى” الروحي
أنت قد تجاوزتَ مرحلة “السطح”، لأن لكل شيء زمانًا وموسمًا. وما هو مطلوب منك الآن في المقام الأول هو التفرّغ والعزلة بغية الوصول إلى “الاستجماع”. لقد قمنا بشرح كيفية الاستجماع وشروط تحقّقه في مؤلّف من خمسة مجلدات بعنوان “علم الاستخارة”.
الاستجماع لا يتحقّق ما لم يكن الإنسان متفرغًا غير متعدّد المهام، منشغلًا بعلمٍ واحد، ولا يسمح لكل فكرة أو كلام أن يدخل إلى ذهنه، فلا ينبغي أن يكون من يسمع كلّ قول ويقبله دون تمحيص. ينبغي لنا أن نؤمن أننا طلاب علوم دينية ولسنا طلابًا جامعيين أو باحثين أكاديميين، وهذه الحوزة العلمية ليست جامعة.
في الجامعة يمكن أن توضع الحجارة دون طهارة، أما هنا، فكل حجر ولبنة توضع بنظرة خاصة من إمام الزمان (عجّل الله فرجه الشريف). كان العلماء السابقون يعظّمون هذا المقام، فإذا دخلوا قم، خلعوا أحذيتهم كما في وادي طوى، واستأذنوا للدخول إلى الحرم الشريف للسيدة المعصومة (ع)، وعند مغادرتهم للمدينة كانوا يودّعونها كأنهم يفارقون وطنهم، يناجون سلطان من في أرض قم أن لا يصيبهم سوء أو أن يُحرموا من الرجوع.
الطالب له صاحب ومولًى، ويجب أن يراعي حاله ومقامه، فلا يسير متبخترًا، ولا يجرّ حذاءه، ولا يضع سترته بإهمال على كتفيه، فإن مولاه يراقبه، وإن صرف نظره عنه فلا يبقى منه شيء.
العلم انكشاف، والطالب مرآة الأنبياء
في لقاءاتنا السابقة، أشرنا إلى أن العلم انكشافٌ، وأن الطالب يجب أن ينظر نظرة ناقدة ولكن محترِمة إلى العلماء السابقين. كما ينبغي له أن يقارن نفسه بالأنبياء فقط. جاء في الحديث: “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل”، رغم أن العلماء غير معصومين بخلاف الأنبياء، ولهذا نُقل الحديث الآخر بشكل أوسع: “علماء أمتي ورثة الأنبياء”.
لكنّنا نقبل بالحديث الأول أيضًا، لأن نور الولاية الذي يُلقيه الله في قلوب أوليائه من هذه الأمة، يجعلهم أرفع من بعض أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا محصورين بمكان وزمان، أما العلماء الربانيون في عصرنا فقد ينيرون العالم كله، ويؤدّون عملًا يفوق المحسوس.
رغم أن زماننا هو زمان الغفلة واللقمة الملوّثة، فإن من يصل إلى مقام “طوى” كموسى (ع) لا يمكن مقارنته بأحد، بل تكون كل مقارنة مع الفارق. يجب أن تكون الحوزة واديًا من طوى، وتظهر فيها الجمال والنظافة من كل زاوية. كم أتمنى أن أستطيع الجلوس ساعة في مدرسة خالية، أتنفس فيها صفاء هذا الفضاء القدسي.
الاحترام والقداسة في العلاقة الطلابية
في وادي طوى لم يُطلب من موسى (ع) أن يُقرّب حذاء غيره، ولكن ما أروع أن تقوم بجمع أحذية زملائك، تنظّفها، وترتّبها. قد يمتدّ أثر هذه الحركة البسيطة لمئة عام، فتجلب الخير له ولأولاده، لأن طلبة العلم هم أيتام آل النبي (ص)، وأبسط إحسان إليهم يكون سببًا للسعادة.
مديرو المدارس الحوزوية يبذلون أامارهم من أجل تربية أبناء الإمام الصادق (ع)، وهذه تضحية تحتاج إلى صفاء عظيم. صافحوا زملاءكم بحرارة، عانقوهم، احترموهم كأنكم تلتقون بوليٍّ من أولياء الله. لا تمرّوا بجانب بعضكم بسلام فاتر، فهذا المكان ليس مقهى، بل هو طوى. لا حاجة لوضع القوانين، فالمحبة كافية لفرض الاحترام. ولكن من يفرح لأن غيره نظّف حذاءه، فإن قلبه قاسٍ ومريض ويحتاج إلى علاج.
يجب أن نفرح بتقبيل يد العالِم، فهذا من صفاء النفس. يجب أن ندرك حرمة العمامة والعباءة والنعلين؛ هذه رموز يمكن التوسّل بها إلى الله.
لسنا طلاب علم فقط، بل طلاب مقام
لم نأتِ إلى الحوزة لنطلب العلم فقط، بل لنتقرّب إلى مقام الوحي والإلهام، ولو بدرجاته التمهيدية. علينا أن نجلس مع أنفسنا ونفكر: أين نحن من تلك المراتب؟
حتى نبي مثل موسى (ع) كان يحتاج إلى تنبيه من الله مرارًا، فخاطبه الله بقوله: “فاستمع لما يوحى”، وهذا الاستماع يحصل في مرتبة فقدان الذات. لكنه ليس كالوحي الخاص بالنبي محمد (ص) الذي يتنزل عليه القرآن، فهو وحي من نوع آخر.
ولنعد إلى الموضوع الأساس: لا يصحّ أن نقيس الطالب بأي شيء، فهذا القياس مع الفارق. لا ينبغي أن نرى أنفسنا أقل من أهل الدنيا. كما قال الشاعر:
“واللهِ، أنا غريبٌ في المدينة لا أعرف أحدًا
واللهِ، لا أبدّل فقر هذه المدرسة بعرش مملكة”
بل لعلّي كنت لأقول: “لا أبدّل فقر هذه المدرسة بأي إله من دون الله.”
الحوزة في زمن الغَيبة: وحدة، فقر، مقاومة
نحن نعيش زمن الغيبة، زمن الغربة وقلّة أنصار الحق، حيث يخيّم يتمُ المعنوي على طلبة العلم. نعم، وبفضل الثورة الإسلامية، اكتسبت الحوزات شيئًا من التنظيم، وتمّت العناية بالطلاب، ولكن أسلافنا عانوا كثيرًا ليُسلمونا هذا التراث.
كانوا يصلون للمقامات بسرعة، لأن البلاء يجلب الولاية، أما الراحة فتجلب الغفلة. أما ولائم الإفطار الدسمة في أيامنا، فهي لا تُنتج غير التخمة. علينا أن نضبط أنفسنا، فطاقتنا محدودة، وأبسط منصب أو انضمام لمؤسسة يكشف عن ضيق أوعيتنا.
لا تُفرّغ الحوزة من نخبتها!
قال لي أحد المسؤولين: “يا حاج، أريد طلابًا ممتازين للعمل في دائرتي.” فقلت له: “استقطاب الطلبة الممتازين حرام، وظلم للحوزة، ولن يرضى عنك إمام الزمان (عج). يجب أن تأخذ من لم يعد يستطيع متابعة الدرس. أما اقتناص النخبة فهو ظلم للإمام وللدين.”
في الماضي، كان شيخ أنصاري واحد يكفي لإدارة التشيّع، لأن الناس كانوا أميّين. أما اليوم، فالجامعيون كثيرون، والطلاب العلماء يجب أن يقودوا هؤلاء، ما يتطلب أن نكون أقوى بعشرات المرات من الشيخ الأنصاري أو الملا صدرا أو ابن سينا، في العلم، والإيمان، والأخلاق، والأسلوب.
طالب اليوم يجب أن يبلغ مقام طوى كي يتمكن من الإرشاد والقيادة، فالنّاس لن يقبلوا بمن هو دون مستواهم، وسيشعر بالنقص أمامهم. أما إذا بلغ الطالب مقام طوى، فحتى أساتذة الجامعات يرون أنفسهم صغارًا أمامه، لأن علمه المتصل بالوحي يتجاوز علمهم المحدود.
وهنا تتحقق وحدة الحوزة والجامعة، فحين ترى الجامعة هذا العلم، تتوجّه إلى الحوزة وتفتح أبوابها. أما الحفظ والمعلومات السطحية، فلا تُقنع الجامعيين، بل يرون أنفسهم فوق الحوزويين، ويطالبونهم بتعلّم أبسط قواعد اللغة لكي يُحسنوا التحدّث!
في كتابٍ مبينٍ لم نجدها. في الآية المُشار إليها، تناولت قضايا فلسفة الأخلاق، والأخلاق الفلسفية، وموضوعات نفسية، وسنقوم بشرح جزء منها.
قالنا إن هذه الآيات لا تبيّن الكمال النهائي، بل تُوضّح الكمال المتوسط، والوحي التنزلي الذي خصّ مقام ختم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم به أعلى من هذا المقام، وإن كان هو أيضاً ليس الكمال النهائي.
في هذه الآيات، تُبنى تحصيل الكمالات الإنسانية على ثلاثة أركان. الركن الأول هو: «فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ»، الذي يعني أنّه يجب في البداية التخلّي عن جميع الميول والارتباطات الدنيوية. طالب العلم حين يصل إلى هذا المقام، لا ينبغي أن يكون له شهوة للبيت الفخم أو السيارة الفارهة. لا ينبغي أن تهزه منافسة اكتساب المال في المجتمع. إذا رأى مراكز الترفيه، لا ينبغي أن يهتز قلبه أو يميل إلى أن يتمنى أن يمتلك مثل هذه الإمكانيات ليستفيد من هذه التسلية والترفيه. عندما يعيش غربته في قم، لا ينبغي أن تجعله ذكريات لقاءات الأهل والأصدقاء وقت الإفطار أو عيد النوروز يشعر بالألم أو تحوّل حلاوة تلك الذكريات إلى مرارة في قلبه الآن. يجب عليه أن يخلع نعليه ويتحرر من كل شيء، فلا تعلق له يشوبه. لا ينبغي له أن تغلبه أهواء الشباب ورغباته.
يجب أن يكون الطالب واعياً، لا بسيطاً، ويترك الدنيا وهو عاقل. عليه أن يعرف اللذات ويذوق حلاوتها، فلا يكون أعمى وأصم عن معرفتها فتقوده نفسه إلى التهلكة. يجب أن يكون عارفاً بالعالم لكنه لا يرتبط إلا بالصراط المستقيم وحده. فمن لا يعرف الصراط لا يعرف مستقيمه. يجب أن يكون ذكياً وحذراً في ما يخص الدنيا، ومع ذلك لا يربط قلبه بها. الذكريات والأهواء تعيق رسم الركن الأول للكمال الإنساني، ويجب إزالتها بوعي.
رياضة الطالب هي أن يعتبر نفسه مهاجراً نحو الله، ويترك كل ما سوى الله وراءه، وإلا فإن ألعاب العقل تأخذه وتمنعه من التقدم والكمال، وتجذبه إلى كل مكان. أولاً يذهب عقله إلى مآدب الأهل، ثم يشتهي قيادة سيارة معينة، فيترك درسه ومجالسته. إن لم تزول هذه الارتباطات من القلب، قد تظهر متفرعة في الثمانين من العمر، ولا يستطيع حينها قطعها. كما قال تعالى: «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ» (البقرة: 95).
الجذور الضعيفة للشهوات في الشباب، إذا لم تُقتلع تدريجياً، تتحول إلى شجرة عظيمة مع مرور الزمن، ولا طاقة للإنسان على قطعها بعد ذلك. ولهذا يجب أن يكون الطالب مواظباً على ذاته، لا منتظراً أن تضبطه المدرسة بالقوة. فالمدرسة يمكن أن توجه وتنظم، لكنها لا تملك أن تُجبر. التنظيم أساس، والحرية والصدق يجب أن تُحفظ في المدارس العلمية، وفي هذه الحرية يجب تطهير النفس من تعلقات الدنيا، وإلا فإن العوائق الصغيرة إذا كبرت لا يمكن استئصالها إلا بالجراحة، وهذا يصعب مع الحفاظ على صحة النفس.
يجب أن يحاسب الطالب تعلقاته ورغباته، ويكتشفها في نفسه ويسيطر عليها. معرفة العشرات من الارتباطات أفضل من جهل العشرة، لأن الجهل بها خطير ويكسر الظهر. يجب التعرف على الأهواء والرغبات وما يثقل القلب منها.
بعد إزالة الارتباطات، يأتي دور الاستماع. قال تعالى: «فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى». من ترك تعلقاته، لا يملك علماً بعد، ولا يعرف الطريق من الضلالة، فيجب أن يرتقي بقدرة السمع. عليه أن يصبر على سماع الآخرين، ولا يغضب بسرعة. الاستماع في ظرف استعداد، وهو مختلف عن سماع المحض. ازدياد الأسس يدل على ازدياد المعاني. الطالب في البداية يخلو من التعلق ويخفف روحه، لكنه قد يفتقر إلى قوة الاستماع، حينئذٍ يفقد الركن الثاني للكمال، ولا يفيد التخلي وحده، بل يجب معه الاستماع ليحدث التجلي.
الاستماع له ثلاث مراتب: أولاً استماع إلى الله: «فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى»، حيث يجب أن يكون الله واضحاً في القلب والاهتمام بتعاليمه. ثم استماع إلى أولياء المعصومين عليهم السلام، فهم الأوصياء الذين لا يستطيع الطالب الاعتماد على الكتاب والسنة من دونهم. الطالب بلا مربٍ، أو لا يلتفت إلى المربي، يظل ضائعاً في الدنيا والآخرة، فالكتاب والسنة وحدهما لا تكفيان. يجب أن يكون الطالب متواضعاً أمام المربي ولا يفضل رأيه على خبرة المربي. المربي مختلف عن المعلم، لأن دروسك مع عدة أساتذة بدون مشورة منهم تكون معلمًا، لكن لا يمكن أن تحل محل المربي، وإلا تصبح نفسك مشوهة كصفحة ملطخة.
الاستماع إلى الله وإلى المربي يعين الطالب على النضوج، وعدم الاستماع يقود إلى الفوضى والتمرد على النظام. لا يمكن الاستعاضة عن المربي بشريط أو تسجيل، لأن النفس والحضور الفعلي لهما أثر لا يمكن تعويضه.
على الحوزة أن توفر في كل مدرسة مركزاً للاستشارة بقيادة علماء ربانيين يقدمون المشورة للطلاب ويهدونهم نحو الله، لا نحو غيره، وإلا وقعوا كما وقع النصارى في تقديس بعض الأقانيم ثلاثية، فتعبد عبد الله بدلاً من الله، ما يجرّ المعبود والعبد إلى النار. لكن المعبود الحقيقى هو الذي في القلب. الإمام عيسى عليه السلام معبود عرضي لا يذهب إلى النار بل إلى الجنة. لا ينبغي أن نجعل أحداً بديلاً عن الله حتى لا نغفل عن حلاوة معرفته. كما يجب على المربي أن يحافظ على موقفه كمفسر للوحي، فلا يقول من عنده برغبة شخصية، وينبغي أن يكون الطاعة له بوعي.
بعد رفع الارتباطات، وامتلاك مربٍ، والجلوس أمامه، وقوة الاستماع، يأتي الركن الثالث من مثلث الكمال: «فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي». عندها يكون الإنسان عبد الله، لا عبد غيره، ويُطلب منه ألا يحمل طاعة غير الله.
هنا تتكامل الحكمة العملية مع الحكمة النظرية، ويستطيع العبد أن يتوجه إلى عبودية واعية، حينئذ يحتفل بمصلاه، فلا تضيف العبادة غروراً، ولا تغرقه في جهل مركب، وتصبح العبادة برداء تواضع وانعتاق. من يصلي ويزداد غروراً لا ينبغي أن يمارس النوافل والمناجاة، لأنها تفسده. العبد الذي تلبسه عبودية الله يسمى «عبده ورسوله»، فعبوديته أفضل من رسالته، وهي سبب ظهورها.
الخريطة الكاملة لكمال الطالب هي:
- تخلية النفس من الأهواء والارتباطات الدنيوية.
- امتلاك قدرة الاستماع وخاصة إلى الأمور الوحيّة.
- معرفة الله بصفاء، ليست معرفة تقليدية أو جاهلة.
- التعرف على الولاية والتوجيه الرباني.
- وبعد ذلك، التوجه إلى الناس إذا استدعى الأمر.
العبادة تتحقق إذا استبعد الإنسان شهواته، وتمكن من الاستماع إلى الله وأوليائه ومربيه الرباني، فتكون العبادة حاصلة للكمال، وتقيه من الآفات.
أما الطالب الذي يركز على الدراسة فقط، ويتبع هواه، ولا يحترم آداب التربية، يُعرض للضياع، كما قال شيخ بهاء: حامل الحطب إذا حمل على ظهره حزمة ثقيلة تتعبه وتقع به.
…علم نیز مضر است. باید میان تحصیل علوم و تقویت معنویت تعادل وجود داشته باشد تا دانش بهگونهای توأم با ایمان و اخلاص رشد کند. طلبهای که تنها به انباشت اطلاعات بسنده کند و دل را از خدا خالی نگه دارد، همچون باغی است که آبیاری نشده و محصولی نخواهد داد.
علم بدون ایمان و معرفت، بر شاخهای پوسیده و بیثمر است. به همین دلیل حوزههای علمیه موظفاند طلبه را در دو بعد علم و عرفان رشد دهند، تا محصول نهایی، عالمی متقی و عارفی مجتهد باشد که با نور الهی زندگی و آموزش دهد.
در پایان این بحث تأکید میکنم که اگر طلبگی را صرفا برای کسب درجه، مقام و شهرت بخواهیم، از مسیر اصلی منحرف شدهایم. باید همیشه در طلب، تقوا و اخلاص را پیشرو داشته باشیم و یادمان باشد که مقصد نهایی، قرب الهی و کسب رضایت پروردگار است، نه مدارج علمی صرفاً دنیوی.
والسلام علیکم و رحمه الله و برکاته.
والله تعالى إذا شاء أن يهب العبد نوراً في قلبه وفتحاً في فكره لا يمنعه شيء، وإن غفل عن ذكره واشتغل بما سوى الله انقطع عنه النور، وضل الطريق. فطلب العلم بلا يقين ولا تقوى كركبٍ تسير في صحراء بلا بوصلة، تتيه ولا تعرف أين وجهتها.
إن من ميزات الحوزة العلمية أنها ليست مجرد مؤسسات تعليمية تسعى لنقل المعارف، بل هي مدارس الروح والقلب، حيث يلتقي العلم بالعبادة، وتُزكّى النفوس وتنقّى الأرواح، فيخرج منها عالم رباني يخشى الله ويتقيه، ويخدم الناس بكل إخلاص.
لقد كان أجدادنا العظام، كالسيد الشهيد الثاني قد رحمه الله، لا يقتصرون في الاجتهاد على حفظ المقدمات والمبادئ، بل كانوا يؤكدون على ضرورة تحصيل «الملكة القدسية»، وهي حالة روحية تهيئ المجتهد ليكون موصولاً بالحق، فلا يكون اجتهاده مجرّد بحث عقلي بحت، بل اجتهاد ينبثق من نورٍ إلهي وهمة ربانية.
أما إذا صار العلم مجرد معرفة نظرية بلا روح، فالنتيجة فتور الروحانية وفقدان الهدف الأسمى، ويصبح العالم مجرد مدرس جامعي لا روح فيه، لا يسعى إلى تحصيل القرب الإلهي ولا ينال مقام «العالم الرباني».
وفي الختام، أذكركم بأن كثرة العلم وحدها لا تكفي، بل يجب أن يصاحبها تدين وورع وتخلق بالأخلاق الحميدة، فإننا نرى كثيراً من الطلاب يقضون سنوات طويلة في الدراسة، ولكنهم يخسرون قوة التفكير والروحانية، ويصبحون كالحجاج الذين تكررت زيارتهم ولكن لم تستزدهم إلا بعداً عن روح الدين.
نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بنقاء القلوب وصفاء السرائر، وأن يوفقنا لأن نكون من الذين يعرفون قدر الوقت واللحظة، وأن نكون من الأوفياء لأمانة الدين، وأن يرزقنا النصح والإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا من أنصار وصحبة صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
والله ولي التوفيق.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].
في المباحث السابقة، بينّا أن الدخول إلى وادي الطوي بجميع خصائصه وصفاته، يمثل مرتبة متوسطة في سلم الكمال.
ينبغي علينا أوّلاً أن نعرف المراتب التي يمكن للطالب تحصيلها في هذا المضمار، وندرك إلى أي حد يمكن للطالب أن يرتقي في هذا النادي العلمي والديني، وفي هذا الميدان العملي والرياضي، هل يستطيع أن يبلغ مرتبة من المختارين، كالمصطفين والمرضيين والمجتبين، ويجسد صفات الربوبية الإلهية في ذاته؟ أم لا؟
في وادي الطوي، يمكن تحقيق الرؤية، وسماع النداء الغيبي، ورؤية الأشخاص، والاجتماع مع الملائكة، ومقابلة الموتى، وهذه الأمور ليست بالشيء الصعب.
أتذكر أنني ذات يوم سألت المرحوم آية الله الإلهي القمشه اي، رحمه الله، لماذا يُكره أكل البصل ليلة الجمعة؟ فأجابني قائلاً: “الملائكة تتنقل في هذه الليلة، ولا تأتي إلى من أكل بصلًا.” قلت له: “يجب أن يكونوا هم في حاجة إلينا، لا نحن في حاجة إليهم، فلماذا نمتنع عن أكل البصل؟” ثم أضفت أن احتمال ذلك يعود إلى أن الزوجين يُستحب أن يكونا معًا ليلة الجمعة، وربما يكون كراهة أكل البصل له علاقة بهذا، وليس لأن الملائكة تتحسس من البصل.
على أي حال، كما ذكرنا سابقًا، فإن المهم للطالب هو رؤية الله، رؤية الذي أذل أولياء الله وجعلهم راكعين وساجدين له، “سبوح قدوس”، المهم رؤية الله لا مجرد سماعه.
في المرتبة المتوسطة، كنا نسمع الله ونعرفه، ولكن في هذه المرتبة نتحدث عن رؤية الله تعالى.
هذا ما توضحه الآيات التي قرأناها سابقًا.
في سورة الأعراف، بعد أن احتجز الله موسى عليه السلام على جبل الطور لمدة أربعين يومًا، طلب موسى رؤية الله تعالى، وطلب أن يرى جماله وجلاله.
نحن نعتبر حجراتكم كجبل الطور، يمكنكم فيها الاعتكاف والتزود بالعلم والتقوى، ومدارسكم كمقامات مقدسة، وحضوركم في هذا الوادي فصلٌ من الفرح ينبغي تقديره قبل أن تتركوه.
رياضاتكم وجهاداتكم في هذه الفترة كالسارق الذي يكسر القفل، وعندما سئل عما يفعل، قال: “أعزف على الكمان.” فالذي يعزف على الكمان هو هذا العمل الصالح والرياضة الروحية.
أعلموا قيمة هذه الأيام، فإن خرجتم من هذه الحجرات لن تعود البركات كما كانت، وسوف تحل بدائل التكنولوجيا والملهيات مكان ذكر الله، إلا إذا لجأتم إلى مكانكم المتواضع ومكان طلبتكم.
هذه الوحدة والانفراد بوحدانية الله ثمينة جدًّا، فهي تتيح لكم التحرر من كل شيء بسهولة.
أما موسى، فقد جهز نفسه وأخذ استعداده الروحي لأربعين يومًا في الميقات الإلهي، كما قال تعالى:﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾.
فموسى كان كليم الله، وكان الحوار بينه وبين الله طويلاً، متبادلًا، حتى إنه طلب رؤية الله سبحانه.
ولكن الله تعالى أجابه: “لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني”، فعندما تجلّى الله للجبل، تحطم الجبل وأصبح كالدَّك، وسقط موسى صعقًا.
هنا، نرى أن موسى عليه السلام رغم منزلته العظيمة، لم يتحمل رؤية الجلال الإلهي، وهذا يدل على أن هذه الرؤية ليست سهلة.
وعندما استعاد وعيه، قال: “سبحانك، تبت إليك وأنا أول المؤمنين.”
وهذه القصة تمثل رحلة الطالب في طلب العلم والمعرفة والتقوى، والاقتداء بموسى عليه السلام في اجتهاده، واعترافه بحدود طاقته البشرية.
هذه القصة تعلّمنا درسًا عميقًا في مسار الروحانية، أن الإنسان مهما بلغ من القرب والعلو في السلم الروحي، يبقى محدودًا أمام عظمة الله وجلاله، والرؤية الحقيقية لله لا تُدركها العقول البشرية ولا تتحملها النفوس الضعيفة.
ولذلك، فإن صبر التلميذ وتواضعه قبل الله، وإدراكه لحاجته الدائمة إلى رحمة الله، هو الأساس في هذه الرحلة الطويلة.
إنّ موسى عليه السلام قد أُعطي منازل ومعارف كثيرة، لكنه لم يطلب شيئًا أعظم من رؤية الله نفسه، فكانت هذه من أكبر طلباته وأسمى آماله.
ولكن الله تعالى بيّن له أن الرؤية لا تكون كما يتخيل، بل لها شروط وأحكام خاصة، وأنها لا يمكن أن تكون ببساطة، بل تحتاج إلى استقامة الروح، وقوة النفس، وتحمل الانكسار الذي قد يرافقها.
في الواقع، جبريل وميكائيل وملائكة الله جميعهم لا يستطيعون رؤية الله تعالى، ولا يتحملون نور وجهه، ولكنهم ينظرون إليه بنوع من الإدراك الروحي الذي يتناسب مع صفاتهم.
أما الإنسان، فإن كان مستعدًا بصدق، وخلص من كل شوائب النفس، ونظف قلبه، فإن الله يكرمه برؤية بعض من أه، وبذل حكمته.
ولكن يجب التنويه هنا إلى أن رؤية الله ليست رؤية العين الجسدية، بل هي رؤية روحية داخلية.
وهذا ما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو ما جعله العلماء والمصنفون في علم التصوف محورًا للتأمل والتفكير.
أيها الأحبة، تذكروا أن رحلتكم في هذا المسار ليست مجرد تعلم نظري، بل هي تجربة عميقة تحتاج إلى حضور القلب، وإخلاص النية، وعمل دؤوب.
وفي كل يوم، عليكم أن تجهزوا أنفسكم بالذكر، والتوبة، والقيام بالواجبات، لتكونوا من أهل النظر واليقين.
وختامًا، أقول لكم: لا تيأسوا من رحمة الله، فرب العالمين واسع الغفران، والذين يخلصون في طلبهم يكرمهم الله بنعم لا تحصى.
فابقوا على العهد، وواصلوا المسير، حتى تبلغوا ما تبتغون، وتكونوا من أولياء الله الصالحين.
ومما يجب التنبيه عليه، أن التعلّم وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون التعلّم مقروناً بالعمل الصالح والتقوى والورع، فالعلم بلا عمل كالزرع بلا ريّ، لا ينبت ولا يعطي ثمراً.
وكما قال العلماء: «العلم نور، والعمل ظفر»، فلا بد من أن يترافق النور بالظفر لينير درب السالكين.
وإلا فإن مجرد التكديس المعرفي، واحتكار العلوم دون إخلاص، قد يؤدي إلى الغرور والكبرياء، والابتعاد عن معاني الإيمان والورع.
وهذا ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «العلماء ورثة الأنبياء»، فالمسؤولية كبيرة، والحكمة تحتم على العلماء أن يكونوا قدوة في الأخلاق والعبادة، لا أن يكونوا مجرد ناقلين للمعلومات.
كما يجب على الطالب أن يحافظ على طهارة قلبه وروحه، ويبتعد عن الشوائب التي تعكر صفاء النفس، مثل الحسد، والكبر، والغل، وكل ما يمنع من اتصال القلب بالله.
والطهارة الحقيقية هي التي تأتي من الاستقامة على طاعة الله، والامتثال لأوامره، والابتعاد عن نواهيه.
وفي هذا السبيل، لا غنى عن مربٍّ حكيم يرشد الطالب ويهديه، ويدعمه في خطواته الروحية، فالمعلم الصالح هو الذي يزرع في الطالب روح المحبة، والخشية، والخضوع لله تعالى.
وختامًا، على الطالب أن يعي أن طلب العلم لا نهاية له، وأنه طريق مستمر يحتاج إلى تجديد النية، والسعي الدؤوب، والاعتراف بالنقص، والتواضع أمام عظمة الله وعلمه.
فليكن علمك عبادتك، وعبادتك نوراً يضيء قلبك، وقلبك سبيلًا لك نحو القرب الإلهي.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
والحمد لله رب العالمين.
العلم أيضاً قد يكون مضرّاً. إن هدف الحوزات العلمية ليس اكتساب العلم فقط، بل الوصول إلى المعرفة، وهي الإدراك التفصيلي للأمور، بخلاف العلم الذي يصف كل شيء بصورة مفهومية وعامة. في حوزتنا، نسعى لنيل التوفيق لرؤية الله تعالى؛ كما كان هدف نبي الله موسى عليه السلام، الذي كان نبياً عظيماً، ولم يكن ادعاءً أن رؤيته لله كان هدفه؛ رغم أنه لم يوفق في ذلك. لقد صار كليماً لله، ولأنه شعر بالقرب من الله وأصبحت مكالمته مع الله حبّية، نادى قائلاً: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ». علينا نحن أيضاً أن نبلغ علاقة حبّية بالله تعالى، وألا نختزل غاية الروحانية والعلم في الحوزة بالدروس الخارجية في الفقه والأصول أو الفلسفة والتصوف فقط.
للأسف، كثرة الأمور تشغل بعض الطلبة، الذين من الأفضل أن نسمّيهم بالأُخوند الدنيوي، عن جوهر المسألة. لا ينبغي أن يكون علمنا وعبادتنا في الحوزات بعد خمسين سنة دون نتيجة، بحيث يرى أولادنا فينا عبث العلم والعبادة ولا يستفيدون منه. إن من يشتغل بالعلم والعبادة ولا ينال منها ثمرة روحانية يزيد من قساوة قلبه، ويكتسب خلقاً حادّاً وعصبيّاً. يجب أن يكون العلم والعبادة مثل ينبوع يغسلنا كل يوم، لا مثل مستنقع راكد يسبب العفن والرائحة الكريهة التي تؤذي الأنوف وتدعو إلى الشكوى. وعندما نكبر، يبدأ وجودنا في التفتح كزهرة الدنيا.
تمضي حياتك في الحوزة لتضع هامشاً على كتاب “العروة الوثقى”، فماذا يحدث بعد ذلك؟ أتذكر حين دعوت إلى بيت رجل كبير وورع من أصدقائنا، فإذا به جالس خلف الرَّحل يكتب شيئاً. سألته ماذا تفعل؟ قال: أضع هامشاً على هذا الكتاب. لكن طريقة قوله بدت كأنه يبلع الماء في حلقه. ضحكت، فسألني: لماذا تضحك؟ قلت: لا شيء، تذكرت موقفاً من أيام الطفولة، حيث كان الأهل يعطون الأطفال عشرة شواكل ليشتروا بها الشوكولاتة، وكان بعض الأطفال يشترون شوكولاتة طويلة ويلسّونها، ثم يقول أحدهم للآخر: انظر، لدي شوكولاتة. ذكرني هذا بك يا حجّ آقا، فأنت في شيخوختك تذكرني بذلك الطفل. شعر بالحزن والخيبة، وأدرك أن الهامش لا نفع له، وأن وضع الهامش كالمصارعة مع الأموات والقتال مع من لا يتحركون ولا يدافعون.
لا يجب أن يقتصر الأمر في الحوزة على هذه الخطوات، بل ينبغي إيجاد “الحب” و”الله”. الفرق بيننا وبين الآخرين في هذين الكلمتين، نريد أن نحب الله حبّاً عاشقاً، أن نراه ونجلس معه في حوار. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما كنت أعبد رباً لم أره»، لا أعبد رباً لا أراه ولا ألتزم به ولا أهوى. من يرى الله لا يتركه أبداً. كان الإمام السجاد عليه السلام يرى الله، وكان يسجد على التربة ويقول: «لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً، لا إله إلا الله عبودية ورقّة»، ويذكر الله كطفل يحب من يحبه، لا مرة ولا مرتين بل عدة مرات.
هذه قصة الحب والاشتياق الحقيقي. لا ينبغي لنا أن نبقى سنوات طويلة في الحوزة ثم نضيع أنفسنا بحيث لا نجد مكاناً لنا، وعندما يحين وقت الموت يجدنا ملك الموت وقد انكسرت شوكتنا في الدنيا. أما الإمام السجاد فقد عرف نفسه فقال: «أنا أقلّ الأقلين»؛ أنا منكسرة ومتواضعة بطبعي.
لذا لا ينبغي أن نكتفي بالدروس فقط، فالدروس هي مجرد بداية، ويجب أن نتجاوزها سريعاً لنصل إلى الإلهام والوحي. كذلك لا يجب أن تطول فترة الدراسة، فلا يُعقل أن يمضي الإنسان عقوداً طويلة وهو يكتفي بمشاهدة الأستاذ، بل يجب أن يتحرر من التعلق بالمعلم بسرعة. بالطبع، المعلم يختلف عن المرشد، فالإنسان يحتاج إلى مرشد روحي حتى يصل إلى اليقين ورؤية الحق سبحانه وتعالى.
الهدف الأسمى لعملنا هو الله وليس الدنيا أو نشر الدين فحسب. فقد كرّم الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بأن جعله كليماً له، ومنحه الكتاب ليرشد الناس بدراسته إلى الله. يقول تعالى:
{قَالَ يا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَكْتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا، سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145-146].
والتبليغ هو من ضرورات لباس روحانية العمل، لكنه ليس الغاية القصوى. وذكرت في مواضع أخرى أن أفضل أنواع التبليغ في عصرنا هو التبليغ المكتوب بأشكاله المختلفة، إذ إن التبليغ الشفهي وجهًا لوجه في هذا العصر لا يحقق أثرًا كبيرًا إلا إذا تم توثيق النقاشات كتابيًا، وإلا ستذهب بعد الجلسة من الذاكرة.
تشير هذه الآيات إلى أن موسى عليه السلام كان يبدأ بتزكية نفسه أولاً، ثم يبدأ بتبليغ عقائده. كذلك، لا ينبغي أن يكون التبليغ وسيلة لكسب الدخل أو لتلبية الاحتياجات المادية، حيث يلجأ إليه البعض لذلك. إن التبليغ في الأصل من شأن أولياء الله ومن يجيزهم، وهو من مهام العلماء العاملين ذوي الخبرة. للأسف، عندما يزداد ثقل العلماء وتجاربهم، يبتعدون عن التبليغ ويتركونه للطلبة الجدد، وحتى الذين يعملون مع وسائل الإعلام الجماهيرية ليسوا من العلماء المتبحرين أو المجتهدين من الدرجة الأولى، إنما هم في الغالب خطباء ومتحدثون.
يجب ألا ننسى الهدف الأسمى للحوزة، وهو الاتصال بالله ورؤيته، والوصول إلى الكمال واليقين والمعرفة الحقة. لا ينبغي أن تمضي خمسون سنة وأنت فقط تتصفح الكتب بين الصفحات البيضاء والسوداء، فهذا مجرد معرفة سطحية، لا علمًا حقيقيًا. الاقتصار على ذلك مع قطع الصلة بالله يؤدي إلى سواد القلب. يجب أن ندرس ونتأمل ونسعى لرؤية الله، فلا نريد أن يرفضنا الله، بل نطلب القرب، السماع، الرؤية، والتدريب على ذلك، حتى نصل إلى مرحلة لا نرى إلا الله، ونرى الظواهر الكونية بعين الوجود.
لا ينبغي أن يكون الطالب كعامل في المقبرة، يمارس عمله دون أن يسمع عن الأموات والأرواح. لا نريد أن نكون ممن «سمعوا الله ولم يروه»، لأنهم لا يملكون ناديًا أو مدربًا، ولا ذِكرًا، ولا خلوتًا صادقة. يجب أن نصل إلى حيث «رأينا ما سمعه الخلق» وأن «كل وجه في نظر المعنى هو جماله». لا بد أن نرى الله بهذه العين.
العارفون الربانيون من الشيعة قد رأوا الله مرات كثيرة. ونحن نملك شرف رؤية وليّ كريم كالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الذي حتى الأنبياء عانوا في رؤيته. لا ينبغي أن نغفل عن طلب العلم والدراسة في الحوزة، ولكن النتيجة يجب أن تكون رؤية الله، والقرب منه، والحب، بحيث لا يكون في القلب إلا الله، ولا يشغل العقل هوىً أو رذيلة. يجب أن نقدر المقدمات ونعتبر الأمور المتوسطة كذلك، وأن نعرف قيمة الهدف الأسمى.
العلم له مكانته، فالجاهل كالأعمى، ولكن يجب أن نعيش مع الله. قال تعالى:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
يجب أن يمتلك الإنسان الجرأة ليقول في حضرة الله: صلاتي وعبادتي وحياتي ومواتي لله رب العالمين. هذه هي الروح التي يجب أن نحملها في قلوبنا، فطوبى لمن يسير على هذا الطريق.
اليوم هو اليوم الأخير، ونحن في عصر النهاية، وغالبًا ما نشعر حين نستشعر الأجواء أن شهر رمضان قد حل، فبعض الناس يصومون وبعضهم لا، وعيد الفطر يأتي ويصوم بعض آخرون. هذا الزمان هو زمن المكائد، بل حتى الأيام نفسها تخدعنا؛ فيبدأ هلال الشهر في اليوم الأول ثم ينتهي في اليوم الثاني أو الثالث.
قالوا:
“بِغَيْرِ رِياضَةٍ لا يُمْكِنُ أَنْ تَشْهَرَ فِي الآفاقِ
وَكَمَا إِذَا ضَاقَ القَمَرُ صَارَ بَارِزًا وَمَشْهُورًا”
هذا زمنٌ لا يُنزل الله فيه رحمته بل عقابه، حيث كثرت الزلازل والكوارث، وفي هذا الزمن، تكون حجرات المنسوبين إلى الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي أماكن الأمان، حيث لا توجد فيها تلفزيونات أو هواتف محمولة أو نساء أو أطفال.
يجب أن نقدر هذا الزمن ونفهم قيمته.
يُقال إن بعض الطلبة الأعزاء لديهم أسئلة، وأنا في خدمتكم للرد عليها.
السؤال الأول:
المسألة المهمة هي أن أساتذتنا المحترمين يؤكدون على ضرورة التحصيل العلمي والبحث والمناقشة المكثفة، لكنهم لا يشرحون لنا كيفية ذلك. الرجاء التكرم ببيان طريقة الدراسة والتحصيل والمناقشة.
أنا هنا في هذه الجلسة الخاصة أتكلم بصراحة وشفافية، وليس لنا مجال للتقية. أؤمن أن زمن التقية قد انتهى، سواء في داخل البلد أو خارجه. مثلاً، لا يمكن للحاج الشيعي القادم من إيران أن يخفي هويته في مكة والمدينة، لأن كل شيء معروف عن رقمه وحركته.
ما يسمى بالخطوط الحمراء لم يعد مقبولاً بالنسبة لنا. لا توجد خطوط حمراء أو محظورات في الدين، بل هناك ثقافة علمية وعادلة تسمح بطرح كل الآراء مع مراعاة الظروف الزمانية والمكانية، لكن لا يمكن اعتباره رقابة أو قيدًا.
في مجتمعنا العلمي، حتى الطريقة التي تُصاغ بها الفتاوى توضح من هو المجتهد الشجاع ومن هو المعتدل، ومن هو البخيل ومن هو السخي. لا يوجد سبب للسرية أو التستر.
لدينا نظام في بلدنا، فلا أحد يمكنه شغل منصب رسمي أو عمل ما بدون شهادة وتأهيل. وهناك رقابة على مهن الأطباء مثلاً. لكن في الحوزات العلمية، لم يتشكل بعد نظام علمي منظم، ولا يزال الأسلوب يعتمد على نمط الأسياد والتبعية، وهو نظام لم يخضع للتجربة الكاملة ولا يخلو من الأخطاء، ولا تزال الفوضى قائمة في مجال النتائج العلمية، أي بين المجتهدين الذين يختلفون في آراءهم دون وجود جهة تقيم أو تنقد هذه الآراء بشكل علمي.
لتنظيم الحوزة، يجب أولاً تحديد طبيعة الهدف منها، وهو ما تحدثنا عنه سابقًا. ويجب التمييز بين العلم والادعاء، ويجب اعتبار النظرية علمية إذا كان صاحبها قادرًا على إثباتها واجتيازها للاختبار.
الاختبار يجب أن يكون للعلم وليس للحصول على الراتب أو الدعم المالي.
يجب أن يكون النظام العلمي الحوزوي قائمًا على المنافسة الشريفة، وأن يكون قادرًا على اكتشاف العقول النيرة بين طلاب الحوزة، وأن يعمل بدون تأثيرات سياسية، وأن يكرم العلماء المجتهدين الذين يملكون خبرة وقدرة على الاجتهاد، لا على المناصب أو العلاقات.
البند (113)
يجب أن تُحتضن تحت مظلة الدعم والرعاية. في الوقت الراهن، ليس فقط أن التمييز بين العباقرة لدينا غير سهل، بل حتى التعرف عليهم لا يتم بسهولة، ولا يُميزون عن غير العباقرة، بل ربما يتفوق الطلبة العاديون والمألوفون الذين يحملون أخلاق العلماء على العباقرة العلميين في الحوزة. وهذا في حين أن الحوزات ينبغي أن تكون مصممة النظام العالمي الجديد، وهذا النظام لا يُنسب إلى أمريكا، بل إلى الحوزات؛ لأنها تمتلك القوة الثقافية والدعم الروحي الذي يُعد خلاصاً للبشرية اليوم. كما أن الشيوعية وروسيا أصبحت دولة ميتة وتقليدية، ولا يُنظر إليها كدولة رائدة في العلم. الفكر والثقافة ليست في المسيحية ولا في أوروبا وأمريكا، ولم ينبثق منها في الآونة الأخيرة فيلسوف أو عارف بارز. الإسلام لدى أهل السنة يحمل فكرًا سطحيًا ولا يستطيع جذب الشباب. كتب علماء الأزهر رجعية وتقليدية، ولا يقبل حتى الشباب الثوري في مصر بما تقدمه هذه الجامعة، لأنهم لا يرون فيها أي ديناميكية للفكر والتأمل. من جهة أخرى، يضغط علينا الأعداء بكافة الوسائل لا سيما الاقتصادية، ويسعون إلى تصوير مديري الأجهزة الحكومية كأنهم لصوص محترمون، واللصوصية أصبحت منهجية نظامية، ولكن مع كل هذه المشكلات، ما يبعث على الأمل هو
(114)
أن الفكر والثقافة الشيعية متجددة وديناميكية، وهذه الحيوية تُمكن من كشف الفاسدين ومعاقبتهم على المدى البعيد، ليس في هذه الحكومة أو تلك، ولكن بشكل عام. ونقطة الانطلاق لجميع الإصلاحات هي رجال الدين والحوزات العلمية، ومن خلال إصلاح الحوزويين ونظام التعليم الحوزوي تتحقق الأهداف السامية. أقصد أنكم تدرسون في نظام مريض، ومن هنا فإن جهادكم هو الجهاد الأكبر.
لقد ذكرنا بعض مشاكل النظام العلمي الحالي في الحوزة في جلسات سابقة، وقلنا إن أول مشكلة هي عدم معرفة معنى العلم بشكل صحيح، وأن هذا النظام مقتبس من أنظمة الجامعات. وهذا مثل طفل في السادسة من عمره يتقن فن الخطابة لكنه لا يمتلك الفكر، بل تلقى الإيقاع واستخدم محفوظات جاهزة. الحوزة لا تستطيع أن تخلق نظامًا مثل الجامعة. الشهادات التي تُمنح الآن، تبعًا للجامعات، هي أبشع أنواع الشهادات؛ لأنها تطلب كتابة أطروحة وفي كتابة الأطروحة يهمهم قائمة المراجع، بينما نحن نقول العلم هو الذي يحتوي على إبداع وتأليف، لا مجرد نقل أخبار عن علماء ماتوا. يجب على الطالب أن يكون لديه تأليف من ذاته ويتكلم عن ذاته، ويجب أن يكون ذلك قياسيًا يُمكن تقديم دليل عليه. لا يمكن توجيه وإرشاد العالم اليوم دون تقديم دليل. لكن المهم أنه رغم كل هذه المشاكل، أنتم خلاصة الثورة، وتملكون قدرة أكثر من السابقين على التغلب على هذه الصعوبات وقد شرحت آليات ذلك وأهدافه الكبرى في جلسات سابقة.
السؤال 2: ماذا علينا أن نفعل للوصول إلى مراحل عليا، وخاصة “الفقاهة”؟
الجواب: أنتم تدرسون في النظام الحوزوي القائم. يجب أن يدخل الحوزة فقط من هم على دراية بهدفها وغرضها، ويخضعوا لاختبارات نفسية متعددة لتقييم مدى توافق هدفهم مع مواهبهم وميولهم، ويُصبح نظام القبول في الحوزة نظامًا انتقائيًا دقيقًا جدًا. علينا أن نراقب الملايين ونختار القلة القليلة فقط، فالقبولات الجماعية ليست مناسبة للنظام العلمي المطلوب. نحن بحاجة لأصحاب المواهب الصالحة والنقية. لكن النظام الحالي يقبل أي أحد، والفلاتر غير دقيقة وعلمية. بعض المواهب قابلة للنمو والتقوية والتغيير، ويجب مراعاة ذلك في القبول. نحن بحاجة في الحوزة لأشخاص طاهرين النفوس. هذا الاختيار يأتي من العلماء الربانيين وليس من المعلمين الذين لا يستطيعون سوى التدريس فقط. هذه المشكلة موجودة أيضًا في الأجهزة الحكومية، فالنيابة والتمثيل البرلماني يعتمد على الدعاية والانتخاب والقبول الجماهيري، وليس على القبول العلمي والاختياري الدقيق، بحيث لو قررت السلطة الإسلامية أن النيابة تليق بشخص معين ورفض ذلك، يجب أن يكون لديها القدرة على عزله، لأنه هو الأقدر.
كمثال، في الحوزة إذا كان “الكفاية” يحاضر فيها أستاذ واحد ماهر ولكنه لا يريد الاستمرار في التدريس، يجب أن يكون للحوزة القدرة على التعامل مع مثل هذا الأستاذ الذي يعرف المشكلات والتعقيدات، لأنه لم يحترم التناسب. رحمه الله السيد گلپایگانی قال: بعض الطلبة يجب أن يذهبوا إلى الدعوة، وكان أحد الطلبة آنذاك لم يفعل ذلك، وعندما نُصح قال: لما كنت أحمل المجرفة في شيخ آباد لم تسألوا عني، ولماذا تأتون إليّ الآن؟ علينا أن نتعلم العمل المنهجي والنظامي، ولا يمكن للحلول الفردية أن تنفع. هذا نظام علمي يمكنه أن يرافق الأفكار والعقول، ويوحدها ويُنمّي مواهبها.
السؤال 3: كم ساعة يجب على الطالب أن ينام وكم ساعة يجب أن يدرس؟
أقول: على الطالب مراعاة أربعة أمور بشكل كامل: أولًا النظافة؛ ثانيًا الصحة؛ ثالثًا التغذية؛ ورابعًا الرياضة.
النظافة أهم من كل شيء. لا يجب أن يكون حاله سيئًا كما لو كان في بيت الموتى يفسد حال العمال. يجب أن يعتني بصحته، ويتناول طعامًا متوازنًا، لا أن يكون مفرطًا في الراحة ولا يأكل خبزًا متعفنًا. في الشتاء لا يجب أن يبقى في هواء مدفأة الغاز المملوء بثاني أكسيد الكربون الذي يقصر العمر ويجعل الجسم هشة، بل يجب أن يستنشق هواء الخارج، خصوصًا من فناء المدرسة الذي يحمل صفاءً وروحانية. استنشاق هواء ميت مثل أكل ميت. لا يجب أن يذهب للصالات الرياضية أو يمارس رفع الأثقال، بل يكفي التمرين الخفيف في ركن الحجرة. من لا يمكنه ممارسة الرياضة 10-20 دقيقة يوميًا يعاني من مشاكل نفسية. هذه الأربعة معايير هي معايير الإنسان السليم، ولا فرق بين الطالب وغير الطالب. لا يجب أن تعيق الدراسة هذه الأمور. إذا لم تمارس الرياضة ولا تعتني بنفسك، سيضطر جسمك للنوم الطويل لاحقًا لاستعادة الصحة. النوم يتوازن مع هذه الأمور ويُفرض على الجسم حسب الحاجة. طبعًا النوم قابل للتعديل بالتمرين.
السؤال 4: تحدثتم عن الفرق بين الطالب والآخوند، هل يمكنكم التوضيح أكثر؟
أنا أعتبر الطلبة أيتام آل النبي (صلى الله عليه وآله). الطلبة هم الذين لم ينسوا هدف طلب العلم، والآخوند هم أذكياء ماكرون يسعون وراء الدنيا بأي وسيلة، وخُلُق الفتوة والشباب لديهم مات. الطالب هو من يتمثل العلم والعمل، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، وهم أهل الخير والبركة، حتى أن مسح حذائهم يجلب البركة، وهم مثال “كونوا لنا زينة”. هؤلاء هم أيتام آل النبي الذين لا أحد يدعمهم سواء كانوا مبتدئين أو مجتهدين. أفضل مثال على الفيض الإلهي هو أن يخدم الإنسان هؤلاء الأيتام، لأن اختيارهم ليس بيدهم.
السؤال 5: ألا تعتقدون أن العيش في المدارس الحالية نوع من طلب العافية والرفاهية؟
طلب العافية للطالب سم قاتل. العيش في هذه المدارس مع كثرة النعم خطر للغفلة وقساوة القلب. صحيح أن المدرسة توفر لكم طعامًا ممتازًا لكن لا يجب أن تستهلكوه دفعة واحدة. يجب أن تعتني المدارس بالطلاب، ولكن الطلبة يجب أن يحترسوا ويستفيدوا منها بحذر. القسوة خلال فترة الدراسة سواء من الطالب نفسه أو من إدارة المدرسة أطيب من الدلال، ومن لم يمر بالصعوبات لن يبلغ العظمة ولن يصبح قويًا ومستقيمًا. الإمكانيات الحالية توفيق لتوفير الوقت. أعتذر وأتمنى أن تغفروا لي.
اللهم اجعل خاتمتنا خيرًا، واجعلنا من أنصار ومحبّي وشيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). اجعلنا من جنود وأصحاب الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف). يا الله، احفظ ثورتنا وبلادنا وتشيعنا في ظل الإمام المهدي. نوّر العلماء والمجتهدين وامدّدهم بالنصر. بارك في شهداء الثورة والمجاهدين فهم أسباب هذا النظام. اللهم امنحنا الصفاء والسرور والصدق. اجعلنا من نور الدين في الدنيا والآخرة. ووفقنا لما أنعمت به علينا وأوصلتنا إلى هذه المرتبة العالية. اجعل دعاء واهتمام صاحب العصر (عجل الله فرجه الشريف) معنا. وعجّل في فرجه.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد.
(121)
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.