صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

محبوبُ العشق

نشر في آذر 13, 1404 في

محبوبُ العشق

(قدّس سرّه)

حضرة آية الله العظمى

المرجع: ، ، 1327 هـ.

العنوان والمؤلف: محبوب العشق / .

بيانات النشر: إسلام‌شهر: ، الطبعة الثانية: 1401 هـ.

الخصائص الخارجية: 222 صفحة.

الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-7347-05-8

حالة الفهرسة: فيبا.

ملاحظة: قائمة المراجع في الحواشي.

الموضوع: الحب والعبادة الإلهية (الإسلام).

تصنيف الكونجرس: 1401 3 م 77 ن/ 2 / 226 BP

تصنيف ديوي: 466 / 297

رقم الفهرسة الوطنية: 3380834

الناشر:

مكان الطباعة: نقش گستر

الطبعة: الثانية

تاريخ الطباعة: 1401 هـ.

العدد المطبوعة: 3000 نسخة

السعر: ريال

العنوان: طهران ـ إسلام‌شهر ـ نسيم‌شهر ـ وجيه‌آباد، شارع جواهرزاده الاثني عشر، رقم 36

الرمز البريدي: 3769138575

هاتف مركز التوزيع: 025-32159078

الموقع الإلكتروني:

المقدمة

الكتاب الحاضر عبارة عن مجموعة من الفصول السبعة التي تتحدث عن «العشق» و«الولاية» وقد سبق وأن كانت تمهيدًا ومقدمات لبعض مجموعات الشعر في «كليات ديوان نكو»، التي جمعت في ثلاثين مجلدًا بأنواع شعرية مختلفة، منها الغزل، القصيدة، المثنوي، الرباعي والدوبيتي.

الخاصية المشتركة في كل هذه المقدمات هي حديثها عن «العشق والوحدة»، والتأكيد على أن ذات الحق تعالى هي العشق، والعشق هو ذات الحق، وأن الحق تعالى على أساس العشق له مقام وظهور وجلاء وهو ذروة الوحدة. بناء على ذلك، كل مظاهر الوجود محبوب ومعشوق إلهي، كما أن الحق تعالى هو المعشوق لكل كائن وظاهرة. كل العوالم هي عوالم عشق ولطف ووحدة، حتى الغضب منها لطف؛ عشق طاهر لا هدف له سوى العشق ذاته، لأن الله تعالى لا يضاف إليه صفات زائدة عن الذات. النتيجة الأساسية لهذا أن الله سبحانه وتعالى يتجلى فقط بسبب العشق الطاهر، ويُقال بشكل مجازي إنه يخلق.

العشق الطاهر يحقق «قرب المحبوب»، قرب ومعرفة بلا غاية. في قرب المحبوب تُنجز الأفعال بلا طمع، أفعال لا ذات لها ولا غاية ولا مقصد. حركة الأولياء المحبوبين قائمة فقط على العشق، كما أن سالكي الطريق المحب يقدرون فقط بالعشق أن يفقدوا الذات ويموتوا ثم يبقوا بالحق.

كما قيل، الله هو حقيقة العشق وكل مظاهره فاتنة. إله الثقافة الشيعية هو «محب»، «عاشق»، و«بسيط». إله يصفه قول الله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[1].

الثقافة التي تركز على العشق الحقيقي والطاهر لله تعالى هي التي تثمر ميل الإنسان إلى الله وتمنحه لذة العبادة. الله المتجلي والمحّب والمعشوق الذي يفيض لطفه على كل الموجودات ولم يترك شيئًا دون عناية. في العالم الدنيوي، حتى الاستهلاك والاحتكاك يكونان لطفًا مشتركًا، والقليل من الناس هم من يختارون الشقاء بإرادتهم.

خلق الله عباده بالعشق، والجنة هي نتيجة أعمالهم، لدرجة أن الجنة تمتلئ من عباده حتى لا يبقى فيها شوق، بينما النار جائعة دائمًا: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)[2].

يجب أن نرى لطف ومودة وعشق الله في قلب كل الموجودات، فهذه المودة الإلهية التي تغمر كل العوالم وكل الظواهر هي عطايا الله المنزلّة. القلوب مليئة بالعشق الإلهي، ولكن المظاهر غافلة عن بعضها، حتى عن حالتها الذاتية، ولا تعرف «العشق» حق معرفته. ومن لا يعرف العشق لا يدرك عميق المقولة التي تقول: «الله خلق العالم بالعشق – عشق طاهر بلا جبر أو طمع»، ويعجز عن فهمها.

الأنبياء والأولياء الإلهيون ذاقوا عشق الحق تعالى، ولهذا كانوا دائمًا في طلب الحق، رغم أن الله يصيبهم بالابتلاءات، لأنهم يرون في تلك البلاء لطف وصفاء وعشق، وأن العافية بلا عشق وصفاء لا قيمة لها!

من يقترب من الله بالعشق يوفقه الله لمناجاته، ويتملكه حال الدعاء والخصوصية والحديث العاشق مع الله. العاشق يصل إلى مقام الحديث مع الله أي مقام الغزل، والغزل لغة غير واضحة للعامة لأنه لغة خاصة بين العاشق والمعشوق. لغة الغزل هي لغة العشق، لذا فهي لا تعبّر بل يتم إدراك معانيها في داخل العاشق نفسه، والمعشوق فقط من يدرك إشاراتها. العاشق يعبر عن عشقه بدموع العين وآهات الصدر ونار القلب، ويبدع أشعارًا عرفانية تعبر عن لذة اللقاء أو ألم الفراق، وهو يذهب من الله إلى الله ويلتمس منه الملجأ.

الذي يعيش بالعشق لا يكون مضطرًا أو محتاجًا أبداً. ومن نقصه في العشق يُسلب توفيقه وينحدر إلى نقص يجب اللجوء فيه إلى الله. من يمتلك عشقًا طاهرًا يستقبل كل خطر ويجاهد في سبيل الحق ويضع نفسه في نار المحبة. هؤلاء هم الذين يظهر الله لهم بذاته، ويعبر عشقهم ومودتهم عن ظهور الذات الإلهية التي تُظهر نفسها لهم باستمرار، فيراهم بلا يد يقبضون وبلا يد يُعطون.

حمد الله الحق

كلام العشق

يجب أن يُسمى الشعر بسحر الكلام، والشاعر مبتكر معجزة يستطيع بالكلمات خلق العجب وجذب الخلق. الشعر هو الكيمياء وأفضل لغة للعارفين المشتاقين التي بها يمكنهم التعبير عن الحبيب ورؤية جماله بالكلمات، أو إخفاء وجهه الجميل أو وصفه بطرق تقيهم نقد المتعصبين، مع أنهم في عشق الحق غارقون لا يهمهم أي نقد.

كما يمكن للغزل أن يتابع فكرة واحدة في جميع أبياته، يمكن تخصيص شطر أو بيت لمسألة معينة، وهذا الأمر يوضح الفرق بين الغزل والقصيدة إلى جانب قصر الغزل وطول القصيدة؛ إذ يجب أن تتحدث جميع أبيات القصيدة عن موضوع واحد ويكون الكلام متصلاً لا متقطعاً. كما ينبغي للغزل أن يعبر عن كلمات لطيفة وجميلة لا خشنة وقاسية. وقد وردت خصائص الغزل في كتب الأدب وتم التحدث عنها كثيراً.

ديوان الحب والمعرفة

مجموعة الغزليات من كليات ديوان نكو تعبر جميعها عن الحب والوحدة. فالحب هو وصف وجد الوجود للذات الإلهية التي تتضمن تمييز الذات وخصوصية الصفات، ويكشف تفرد الهوية والهوية الوحيدة للشخص الإلهي سبحانه وتعالى.

أما المعرفة، فهي لقاء الله والإدراك المباشر له بعيداً عن كل فكرة أو مفهوم. المعرفة هي رؤية «الحق بالحق» أو «الحق بالمخلوق» أو «المخلوق بالحق» التي تدفع الشخص إلى التجلي. المعرفة هي إدراك الحق بكل مظاهر وتجليات. فالحق يظهر في وجه كل ذرة: «أنت الذي تعرفت إليّ في كل شيء فرأيتك ظاهراً في كل شيء، وأنت الظاهر لكل شيء»؛ أنت الذي تظهر لنفسي في كل صور، وأراك جلياً في كل حدث، وأنت ظاهر لكل شيء، بل أنت لنفسك أيضاً ظاهر.

من رأى الله وبلغ توحيده، يدير ظهره لكل دناءة وقبح، يترك غيره ويتبع طريق الفناء والبقاء حتى لا يميز بين شيء ويهرع بحب إلى دار الحق، وينصرف عن الكلام، وإذا تكلم كان كلامه كله اشتعالاً ولهيباً، ويصب هذا الحماس والصفاء في تعابير جميلة وكلمات عرفانية سامية تأسر العقل والملائكة.

هذا النوع من التوحيد والحب والمعرفة ينبع كلياً من حضور وشهود الله، ويقدّر وضع الكلمات والعلوم النظرية فقط في سياق مبادئه. من تجاوز هذه المبادئ ووصل إلى الحق يجب أن يُعتبر نبعاً صافياً من المعرفة والحقيقة، أما غيرهم فمجرد ناقلين للكلمات والمعاني الذهنية. أصحاب هذا التوحيد نادرون جداً، ومن بينهم قلة قليلة تصل إلى هذه المقاصد السامية، والواصلون الحقيقيون يرون أنفسهم كأس العالم ومرآة الجمال والجلال الإلهي. هؤلاء لا يدخلون في مجال غير الحق، ولا يعترفون لغيره إلا كظهور للحق، ويرون الوجود كله متناغماً مع وحدة الله.

هذا المنهج هو أسمى وأعقد وأقرب وأشد جدية في سبيل معرفة ذات الله سبحانه وتعالى.

هم لا يُقارنون أبداً بالعقول الجافة الفلسفية، إذ إن العقلاني يتحدث عن العقل والمعقولات الثانوية، بينما الصوفي يتحدث عن الوجود والحقائق الإلهية، يبوح بحريق قلبه ويكشف سره. يكتب ولكن قلمه يتحطم. يدور في نفسه ولكن في ربه. يبني مدرسة ولكن يُربي موحدين. أستاذه هو الإدراك، ومعلمه هو صاحب الذكر والوصول؛ كما لا ينبغي مقارنة هؤلاء وربهم بآلهة الظاهر، ولا اعتبار عقولهم وكلماتهم معايير لقياس معرفة الصوفيين.

رفيق العارف

الله تعالى هو العارف الحقيقي المطلق، والمطلق في الحب والمعرفة، هو الوجود المطلق واللطف المطلق الموجود، هو ما هو عليه بلا نقصان أو عجز، وكل ظهور هو وجه الوصل الذي يتجلى فيه، والطلب في كل وجه هو وصل، والوصل ليس إلا قرب الوجود.

العالم عين الوصل والوصل محض، هو الحق المطلق اللامقيد. وجه الوصل هو التحديد الأول والثاني للحق والخلق في ذاته. المظاهر هي وصلات محددة وهي عين الوصل المطلق، والهجر والفقدان صفات غيره المقدسة.

ما يصيب كل إنسان هو ما يصيبه، وهذا الذي أصابه هو الوصل وظهور ذاته. نقد القلب الذي سكبه الحق في الماء والتراب ليعود القلب نابضاً ويقيم خيمته في قلب التراب. المطلق هو اللطف والوجود، والمظاهر الربوبية تجد وصفها المطلق في وعاء الوصل المطلق للحق مع التحديد.

في دواوين شعر العارفين يمكن رؤية أثر الوصل، وهو المرتبة الوسطى للتوحيد، لكن أعلى منها هو التوحيد الجمعي، أسمى مراحل العبادة والمخصصة لقلة من الناس الذين هم أقلية من حيث العدد وأسمى من حيث المقام الإنساني. هذا هو حقيقة التوحيد التي ترافقها وجوه الآيات القرآنية وأفكار الأئمة المعصومين. توحيد ليس وهمًا بل تحقيق واقعي، رفيق مخلص وأمين ومخلص.

عندما ينصرف العارفون إلى الزهد والتقوى، يعجز الزهد عنهم، وعندما يصلون إلى الدنيا يتحررون، وعندما يصلون إلى الآخرة، يصبح الفراق دمًا في الروح والفكر. حين يتحدثون عن الحياة والاقتصاد، يكونون ماديين، وحين ينطقون بالقانون لا يحتاجون إلى غيره. رغم كلامهم للجميع لا يحرمون الخاصة، ورغم سيرهم الطبيعي لا يقعون في العادة أو التعلق.

حين يكشفون عن وجه المعرفة، يسود الصمت، وحين يدخلون الميدان، تسودهم الشجاعة. العارفون الوهميون يمتلكون معرفة صورية لكنهم يغفلون عن وجوه أخرى؛ أما هؤلاء العارفون فقد وجدوا الكل في المعرفة، والمعرفة في الكل، بحيث أن كل عارف يُقتل بسيف معرفتهم. بعض العارفين رغم معرفتهم فقدوا الجانب الخلقي وألهب شوقهم عقولهم وجعلهم سُكارى كأس الرفيق، لأن وعاء استعدادهم صغير جداً ويسرع امتلاؤه. هؤلاء بإسرافهم يظهرون سكرهم للعالم ويصرخون «أنا الله» و «ليس في جبتي إلا الله» و «ليس في الدار غيره ديار»، وهذا بسبب ضيق قدرهم لا عيبهم. أما المعصومون، رغم ضعف معرفتنا لهم وجلال وجودهم، قد كسروا حدود المعرفة، وشربوا كأس الوجود واحتفظوا بالباقي في الصدر، ولم يظهروا سكرهم ولم ينطقوا بكلام غير لائق ولم يفقدوا جانبهم الخلقي، بل لم يذوقوا حتى ندى كأس الوجود. وعاء وجودهم كبير جداً ووعاء قلوبهم واسع فلم يتركوا جانبهم الخلقي في حضور الحق، ولا جانبهم الحق في وسط الخلق، حتى في ميدان الجهاد ضد الشرك والكفر، كانت مناجاتهم وصلواتهم. في المسجد للعبادة والقرب كان لهم جهاد وشهادة، وفي المجتمع كانوا دعاة وفي الخلوة كانوا زاهدين، مؤيدين للمظلومين ومزعجين للظالمين. لم يخرّبوا دنيا أحد، ولم يبنوا لأنفسهم دنيا، وإن لم يعتبروا الدنيا شيئاً. يجتهدون لا لأنفسهم، ويتعبون ليس من أجل بطن، ويتألمون ليس للجسد. آلامهم آلام الفقراء، وأناتهم أنات الكسيرين. رغم تفكيرهم في كل أبعاد الوجود ومرورهم بكل مراحل المعرفة، واحتساء كأس الوجود دفعة واحدة، لم يظهروا أي سكر.

هؤلاء المعصومون رغم كثرة الكلام وعمق الفكر لم ينطقوا بعبارات مثل «أنا الله» و «ليس في جبتي إلا الله» و «ليس في الدار غيره ديار»، ولم يقلوا كلمة بها لون الذات، بل يناجون في أعماق الحزن والسكينة:

«لا يمكن الفرار من حكمتك»،

«أنا عبدك الضعيف»،

«لأي الأمور إليك أشكو»،

«ومالك رقي»،

«يا من بيده ناصيتي»،

«فمن أجهل مني؟»،

«يا إلهي، من أغفل مني عن حظه ومن أبعد مني من استصلاح نفسه … اللهم وهذه رقبتي قد أرقّتها الذنوب، وأنا أفقر الفقراء إليك، وقد نزل بي يا رب ما قد تكادني ثقله وألم بي ما قد بهظني حمله».

في صفوف المعصومين ـ من الأنبياء والأئمة ـ وللسيدة فاطمة الزهراء، وخاصة الخمسة الطاهرين وأصحاب الكساء، مكانة خاصة ومرتبة متميزة وهم من المراتب «الإطلاقية» و«التنزيليّة الأولى». هم من العطاء الأزلي والنور الخاص الذي تظهر منه جميع الأ في جميع العوالم. هؤلاء هم وجود التنزيلي الأول للحق، ويحملون جميع أسماء وصفات الحق تنزيلياً، وعصمتهم منحة أزلية مطلقة. هذا الوصف لا يحتوي على أي مخالفة، واعتبار هذا كلام غلو هو خطأ علمي.

عندما نعتبر المعصومين وتنزيلاً من الحق وبعيدين عن الذات الواجبة والذات الواجبة التنزيليّة، ونعتبر وجودهم ظهوره، لا معنى للغلو أو الاعتقاد بالوجوب فيهم، وإذا نسبنا لهم جميع أسماء وصفات الله، فهو حق، وليس غلو أو كفر أو إفراط، إلا لمن هو بعيد عن المعايير وذو فكر سطحي.

وجود هؤلاء هو أسماء وصفات الحق التنزيليّة، وهم خلفاء جميع أسماء وصفات الحق في جميع أطر التكوين والتشريع، ويحملون جميع الصفات دون استقلالية أو وجوب ذاتي. لديهم جميع أسماء وصفات الحق بقدم الظهور الأزل، ويحملون الظهور المطلق بكل أسماء وصفاته، دون وجوب ذاتي وهوية غير معطاة.

وبهذا، مع أنهم معصومون ويحملون مرتبة الإطلاق والتنزيل الأولى، إلا أنهم مرتبطون بالحق وفي مقام الوجوب التنزيلي، والفرق بينهم وبين المخلوقات الأخرى هو كمال الإدراك وكمال المعرفة والفعالية الوصلية. ومن هذه النقطة نقول: ما ورد في أشعار الكاتب في مدح المعصومين، رغم ما تحمله من عناوين سامية، فهو كله مطابق للحقيقة ولا يمكن اعتباره غلوًا إلا لمن لا يدرك هذا المعنى.

لذلك، «الأزلية والإطلاق الظاهري في الصفات» لا تعني الغلو والكفر، بل تثبت الفعل الأزل، لا الانفصال أو التحرر أو الاستغناء عن الحق. وقد ذكرنا بعض هذه المراتب في مقدمة «ديوان الولاية» نثراً، ونظمناه في متن الديوان، وسنتحدث عنه في الفصل الخامس من هذا الكتاب.

نقائص الشعر الصوفي

في التصوف الإسلامي، بعد محي الدين بن عربي، تبع العديد من العارفين الذين كانوا يمتلكون حساً شعرياً أفكار وكتب ابن عربي، ونتيجة لذلك وصلت مشاكل نظامه التصوفي إلى شعرهم، وهذا يجعل نقد الشعر الصوفي ضرورة، كما هو الحال مع نقد مؤلفات كبار العارفين كابن عربي.

التقليد في التصوف جعل مفاهيم الشعر الصوفي تكراراً لمواقف ابن عربي، بحيث قراءة «فصوص الحكم» تكشف عن مفاهيم الشعر الصوفي والكتب ذات الصلة بعده. ونتيجة اعتمادهم على أفكار ابن عربي، كرروا أحياناً مفاهيم خاطئة في كتاباتهم وشعرهم. بناء عليه، يحتاج التصوف الإسلامي كما غيره من العلوم الإسلامية إلى تنقية وتنظيف. ومن الخطوات المهمة في هذا المسار وجود قاموس وموسوعة تصوفية أصيلة لهذا العلم. هذا التنقية تقضي على سيطرة التصوف السطحي عند أهل السنة، وتحمي هذا العلم الإسلامي من الانحراف نحو التصوف الكاذب، وتمنع الخلط بين الأخلاق الإسلامية والتصوف أو المديتيشن واليوغا كبديل للتصوف والروحانية الشيعية! وهو أمر للأسف وقع في العديد من المواقع والمدونات سواء بقصد أو بدون قصد، مما أدى إلى خلط مزعج ومقيت.

للوصول إلى الهدف السامي والرفيع في تنقية الصوفية الإسلامية من الشوائب، وبعد تحليل الموضوعات ودراسة الأدلة والبحث في استعادة الأسس، يجب أن يُعِدَّ نصٌّ متكامل يستند إلى التوحيد الخالص بنفس النظرة السامية للصوفية، في سبيل إعادة التعرف على مسائل وتنظيم مراتب الصوفية الشيعية، حتى يُبعد السالكين على طريق السير والسلوك عن كلّ نوع من الانعزال الاجتماعي والتحريض على العداء.
وينبغي للصوفية الإسلامية أن تعود إلى ساحة الحياة وصفحة النفس والروح، بعيداً عن كلّ شوائب ومفاهيم مغلوطة. فالصوفية الإسلامية يجب أن تتشكل بشكل كامل على أساس التجارب القربانية والحضورية، صوفية براهينية خالية من الشوائب، وبعيدة عن كل كشف خيالي، لتستعيد الصوفية، هذه الكنوز الغنية بالمباحث المعرفية السامية، أساسها السليم. ويجب أن يُعلم أن ذلك أمر بالغ الأهمية والصعوبة، ولا يتحقق إلا على يد ذوي القلوب المشتعلة والملتزمين المتوحدين.

ليكن أتباعاً مختارون وسهارى بلغوا المقام، الذين يطهرون الصوفية الولائية الشيعية، والطريقة المعرفية العلمية والعملية لأصحاب العصمة الطاهرة، من كل ما يُسمى بالشهوات والهوى، ويُمهّدون الطريق للسائرين عليها.

لقد سعينا دوماً إلى تأسيس هذا البحث التوحيدي المهم، مع تقديم الثقافة العميقة للولاية الشيعية، في كتاباتنا النثرية أو الشعرية، لإعطائها عمقاً يعالج القصور في الصوفية ببنيتها العلمية والمعرفية، ومضمونها الغني بقرب المحبوب.

ومن الجدير بالذكر، للأسف، أن الصوفية الشيعية ونصوصها الدراسية تحمل صورة الصوفية السنية، رغم أن العارفين الشيعة لم يلتزموا أبداً بأسلوب أو نظام غير العصمة والولاية. إلا أن المصطلحات الصوفية الشيعية لم تتبلور بعد لتأخذ البنية الصلبة لثقافة الإمامة والعصمة. من المؤسف جداً أن أناساً يحملون محتوىً غنياً بالعصمة والطهارة والولاية، يقتاتون من موائد الآخرين، ولم يخصصوا جهداً لتطهير هذا الجانب والسعي لإزالة هذا النقص.

من المناسب في كل الاتجاهات، خاصة في مجال الصوفية، أن يبذل المخلصون المتألمون والواصلون، الذين احتسوا كأس المحبة والوحدة والخلوت، ويعتبرون العمل رياضة للروح وخدمة الخلق زيارةً للحبيب، جهداً واسعاً لإعداد نص كامل متوافق مع الثقافة الشيعية، المستند إلى أدلة صحيحة وأسس صلبة للعصمة والولاية، لكي تستقر المعارف الصوفية في مساراتها الصحيحة.
وقد بذلنا جهداً في هذا المجال في مجموعة «كليات ديوان نكو»، لا سيما في القسم الغزلي وكتبنا النثرية.

ما يميز «كليات ديوان نكو» هو وحدة الحقيقة والوصول إلى مقام ذات الله تعالى، والعشق له في كل مكان. هذه المجموعات تصور صورة جديدة للذات الإلهية ووحدته الشخصية، وتحقيق الوصول إلى ذات الخالق الفريدة، ورؤية ذات الله المباركة، الذي يُروى عنه بالنظر ويُخبر عنه بالعشق. ذلك العشق الذي هو أصل ونهاية كل وجود وفعل وحافظ لكل كائن حي، ذلك العشق الذي يسبب أشد درجات الاشتياق لشخصه.

لدي صدْرٌ ملآنٌ بالألم والبلاء
والنفسُ فداءُ للحبِّ والطهرِ والصفاء

النارُ الغاضبةُ قد خرجت من قلبي
وحلَّ محلها حبٌّ ووفاء

لا تسألني عن صبغةِ هذا الحبّ الفطري
فالقلوبُ رضيت بلطف الحبيبِ وعذابه

في حضنكَ غفوتُ بسلامٍ
وقَدَرُك قد ختم على جوهريَ بالوفاء

قد سلَّمت قلبي إليكَ، فصار أسيرًا
ومن نغمةِ عشقك جاء صوتي

هذه القصة ليست لليوم فقط
بل نقشٌ أزلي، لا وجود له بدون الأبد

شغفي حقيقةٌ قديمةٌ لا تعرف مكانًا ولا زمانًا
بل تزداد تمزقًا في قلبي إلى ما لا نهاية

قد جعلتُ من قلبي النقي
ورقةً مشقوقةً على مدى الأبد

لدي حبيبٌ من حورِ الجنان، فاتنةُ الوجهِ والقوام
رأيتها بعيني لا بعين الخيال

لم تكن لها فقط ساقٌ ومشيةٌ
بل نظرتُ إليها من علوِّ قامت الحبيب بنظرة رضا

وسجدتُ لها مرارًا وتكرارًا:
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)

رأيتها دون أن يُطلب مني ذلك
ولم يحول ناظري إلى جبل الطور

بل كان القلبُ مرآتي التي أنظرُ فيها
دون تمزقٍ أو إغماءٍ

فوجودي قد ضاع قبل هذه الفوضى:
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ …)

حينها:
ظهرت قامتُ الحبيب في قلبي بلا تمثلٍ
وبان في نظري كأنها ذرَّةٌ تُحركُ السماء

قلتُ: أريد أن أفنى يا قمري في مشهدك على الطور
قال لي: اترك الفناء، واستعد للبقاء

مزق الحقُّ الحجبَ من ذاتِه الظاهرة
فتجلّت الوجودانِ بعظمةٍ وبهاء

سهامُ رموشك يا قمرُ ترمي قلبي
وتكشف لي عن الغيبِ ورمز الأسرار

أقولها صريحًا بلا خوفٍ: أراكَ كلَّ لحظة
بلا حجابٍ ولا قناعٍ ولا وهمٍ ولا صوت

قلت: رأيتُ أخيرًا، قال لي: أنظر مرةً أخرى
قلت: في المرآة عند الباب، قال: يا من تعرف

عينُ الحقِّ لا ترى إلا الزهور
ويدي لا تشعر إلا بزنابقِ العشق

من وادي الذرات لا أشم إلا النقاء
خيالي عن وجه الحق مليء بالذكرى

كل لحنٍ أسمعه هو من همة الحبيب
وعلى مائدتي لا يجلس إلا لطفه

أعرف عقدة الشيطان والبغض
لم أرَ سيف قهر من أحدٍ

لا أعرف أشواكَ الغدرِ
وأعرف فقط وحدانية الحق

لذتي في الوصل
وصبحي لا يغيب
وصوت سحري يدوم بلا زوال

لهيبُ روحي عشقٌ للحق
نورٌ أحمر كالشفَق

قلبي ملطخٌ بسهام قوس حاجب الحبيب
هو جمالُ الوجود كله:

«هو» في كل مكان، والحق ظاهر
سقط حسنًا من قدميه، يا مولاي مدد

همة قلبي سر أزلي
فقيدي واحد وهو «علي»
ولم أشرب حبًا إلا حب علي
ولم أذكر سواه بالمدح قط

ولا وحب علي
له بريق من الحق
حبّه في قلوب العاشقين ظاهر

نهجه حقٌ وكلامه حق
لا تسمع سوى سلام عليّ

نهجه كله حقٌ والحق كله هو
منه الحب والنعمة

هو الذي يعزف على وتر قلبي
ويجعل نغمة لقاءه موسيقى الروح

هو زرع قضيته على شفتي
وقامته تستند على جانبي

وأنا عاشق لا يعرف خوفًا
أدق على طبول الفضيحة
وأقبل السيف على حلقي

تعال أمسِك يدي
وضَع شفتك السكرى على شفتي
منك حرٌ ومني حُمى
لا أعرف من هو النشوة!

أين لنا خوفٌ من عشقنا المشتعل؟
تعال نلون سجادتنا بدم المحبة المفضوحة

بدم يقطر من كبدي
وبآه ينطلق من شرار روحي

هل يستطيع القلب الهروب؟
إلى أي مكان؟

جمال الحور ليس إلا مدح جمالك
غنج الفراشات ليس إلا نار خمر كأسك

تشابك القلوب ليس إلا خريف شعرك
سكون بحري لا يهدأ إلا بك

عالمك مهد لمن لم يجدك
لكني لي مَدينُ الخمر والسحر والسرور

حب وكرم ورفيق وخمر وكأس
كلها أفكار قلبي نحوك

عجائبي معك
وحيرتي قامت معي
ورأيتُ هاهوتًا بلا صخب

وهو ملاذ المدهوشين به

أنا أنت وأنت أنا
أنا الروح وأنت الجسد
أنا أنا أم أنت؟
أنت آدم وأنت حواء

قلبي يشرب السيوف موجًا بعد موج
ويقطع وديان البلاء

وجراح الهجر ترسم خطوطًا دموية
هو أسير تلك الغارة التي لا ترحم

ولكنه لا يملك خداعًا ولا رياءً

إذا كان الفناء سيطر
فللبقاء أيضًا لون

سوق الحب مزدهر
وعيناه مسحورة برؤية الحبيب

لقيته وتركت عطاياه
مغناطيس الحب سلَّم أسراري للحبيب

لا أقول «أنا» ولا «نحن»

سرّي هو هواك
وذكري هو «هو»

الشيطان قد أزاح ملابسه وصار صامتًا

أعطيت كل كياني في سبيل الحب
فأنا عاشق لا أقول للوجود: كن بعيدًا عن المعاناة

كلّي أمل في وصالك
يا قمري الحبيب
كن لي رفيقًا في أي مكان وفي كل وقت

وجودي قد فني
ولكن بفضل لطفك قد بقي

وجهك أمام وجهي
أنت في ذاتنا
أنت عين اللقاء

بفضل لقاءك
بعدت عن الدنيا والدين

في حضنك يا عزيزي
أين لي غيرك؟

غَرِقَ غُرُورِي أَيَّتُهَا الْمَهْ، فِي قُرْبِ غُرْبَةِ الْقَلْبِ
أَيَّتُهَا الْمُؤْنِسَةُ لِقَلْبِي، أَيَّتُهَا الْمَلَكُ الْكَامِلُ

يَا بَحْرَ لُطْفِكَ يَا صَدِيقُ، لَمْ تَرَ السَّاحِلَ نَفْسَهُ
حَتَّى غَرِقْتُ فِي ذَلِكَ الْوُجُودِ، وَقَلْبِي تَاهَ عَنْ السَّاحِلِ

اضْطَرَبَتْ نَفْسِي مِنْ جَلالِ وُجُودِكَ
وَصَارَتْ حَيْرَةُ بَلَايَ أَنَا، مَعَ أَنَّ الْقَلْبَ صَارَ نَفْسًا

وَمَعَ ذَلِكَ يَظَلُّ الْكَلَامُ عَنْ الْحَبِيبِ، ذَاكَ الْمُتَوَحِّدُ الْمُخْتَفِي فِي سِرِّ الْوُجُودِ:

يَا خَلْوَةَ سِرِّ وُجُودِي، أَظْهِرِي وَجْهَكِ
لَعَلَّ الْحُزْنَ يَزُولُ مِنْ قَلْبِي

اخْتَرْتُ سِرَّكَ وَخَفَايَا مِنْ شَفَتَيَّ
فَكَسَرَ الْبَاطِلُ الْأَزَلِيُّ شَفَتَيَّ عَنِ الْعَمَى وَالْقَلْبِ عَنِ النَّفَسِ

إِنْ أَحْيَتْ وَجُوهَ الْقُلُوبِ الْمُضْطَرِبَةِ
فَإِنِّي أُقْتَلُ مِنْ وَجْهِكِ الْجَمِيلِ دَائِمًا

وَأَمَّا الْحُبُّ، فَإِنَّهُ لا يُسْمَعُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ اللُّغَةِ:

حَبُّ الْأَزَلِ ظَلَّلَ عَلَى رَأْسِ الْعَالَمِ
فَصَارَ الْعَالَمُ كُلُّهُ بَرْقًا مِنْ وَجْهِ آدَمَ

كُلُّ ذَرَّةٍ تَرَى فِي مَرْآةِ عَيْنِكَ
هِيَ رَمْزٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَهِّ، لِلِقَاءِ الْعَالَمِ أَيْضًا

وَهُنَاكَ غَزَلٌ عَرَفِيٌّ آخَرُ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ:

يَا دَلِيبَةَ الْوُجُوهِ، لُطْفُكِ أَفْصَحَنِي
ظَهَرَ الْفَيْضُ الْأَزَلِيُّ فِي مِئَةِ وَجْهٍ مُبْرِزٍ

أَنَا تَجَلِّي الْجَمَالِ عَلَى بَابِ الْوُجُودِ
الذُّرَرُ فِي قَلْبِي عَرَضَتْنِي أَيْضًا

الْحَرَقُ وَالأَلَمُ وَالْمَحَنُ وَالْهَجْرُ وَالْفَتَنَةُ
مِنْ قَلْبِي الْحَزِينِ لا تَنْقَصْ، فَلَا تَقْرَأْ نُقْطَةً

لَا يَخْفُضُ صُفْرَةُ الْوَجْدِ مِنْ وُجُودِهَا
عَجَبًا مِنْ وَجَعِ الْمَحَبَّةِ الَّذِي صَارَ سِرًّا مَكْتُومًا

قد آن الأوان الذي فيه عشق الأصنام هو ديني،
وحزن هذا الأمر هو سرور قلبي الحزين.

رؤية وجهك تحتاج إلى عين تبصر بالأرواح،
فأين ذلك المقام الذي يكون فيه نظر العين العالمية؟

حتى علمني حبك فن الكلام،
وأصبح خلق الناس ورد لسان مدحي وثنائي.

يا الله ارزقني دولت الفقر،
فهذا الكرم سبب هيبتي وقوتي.

وهو وحده يعشق الأصنام وينظر إلى وجه الجميلة،
ويتباهى بحسن سمعته دون محبة أو وفاء،
بينما العارف محبوب لا يعرف سوى الحب والهيام والصداقة مع الجميع؛
كما قُلنا في هذه القصيدة:

الحب والهيام والصفاء مع الجميع ديني،
وألم الضعفاء في قلبي الحزين.

من يرى وجهك خفيًا وجليًا،
فهي عيني المرحة والكأس التي ترى العالم.

حبيبي في كل الأرض والسماء،
هو المصباح الذي منه شعاع الدب الأكبر.

كل زوايا وجودي هي آيات حب،
وهذه هي مادة مدحي وثنائي.

تجاوزت الفقر وأصبحت عاشقك،
فحبك هو هيبتي وقوتي.

في أول غزل من ديوان حافظ،
رغم أنه يتمنى شرب كأس حب متشبهًا،
إلا أن حبه عميق،
وروحه ليست مخمورة حتى تخاف من مصاعب الطريق،
ولا تغضب من دموع الحبيبة ذات الشعر الأسود،
ولا يتعب من رؤية الحبيب في كل مكان،
لأنه فقط “شوق اللقاء” لديه و”سكر” نظرة الحبيب،
وليس عشقًا مخمورًا، كما يقول:

أيها الساقي، أدِر كأسًا وناوله،
فقد بدا الحب سهلاً في البداية، ولكن المشكلات وقعت.

من رائحة المسك التي ينثرها الصبا من تلك الخصل،
كم نزل الدم في القلوب من سواد شعرها.

في منزل الحبيب، كيف يكون الأمن والراحة،
والجرس ينادي دائماً أن تحزم الرحال.

هو يعطي آذان القلب لصوت الناس، ويرتدي رداء الوعظ،
كي لا يرفع يده عن الولي، لأنه وحده عالم الطريق.
هو لا يغوص في دوامة القلب بلا محبوب،
فالبحر ليس خاليًا من الظلمة والموج.
لا يستقبل الفضيحة، رغم خوفه من فقدان سمعته ومكانته.
العالم بالنسبة له عبء تعلق، لا وجه شهود للحبيب في أي مكان.
كما يقول:

إذا أردت الحضور فلا تكن غائبًا عنه يا حافظ،
ما دمت تلقى من تحب، اترك الدنيا وأهملها.

على العكس من تلك القصيدة التي تعبر عن نسيم اليقظة ولا تحتوي على معنى الوصول،
قصائد العشاق المنكسرين تعرض عارفًا قد عبر كل المراحل في لحظة،
ولا يشتكي من جرح قلبه الذي تمزق بسيف الحب،
بل بالحزن والجراح هو حي ومسرف ولا يعرف مشكلات،
كما بينا في استقبال ونقد أول قصيدة لحافظ:

أنا الرند الذي يعلم كل خبايا القلوب،
كيف سرت بخفة في مراحل كثيرة مرة واحدة.

كانت الريح والمسكة رائحة خصلة شعري،
والعالم ظهر منِّي، فما تقول عن المشكلات؟

جميع المحبين حولنا في حيرة وهوس،
حتى صار القلب صدرًا يحوي كل النعم.

المحبون في مجلس الإله شباب ولديهم صدور واسعة،
لا يصل إليهم أي عاشق مخمور.
الحبيب لهم بلا حجاب، ومأوى لهم في منزل الأمان،
لا يرون أحلام الفضيحة، ولا أسير شهرة ولا يضعون حياتهم في خطر.
شرابهم دائم وحياتهم أبدية،
وعارفون بكل الأمور الكبيرة، لا تغفل عنهم المشاكل،
والطبيعة تحت سيطرتهم،
ولا تحدث لهم مفاجآت.
قلوبهم مثل البحر لها راحة دائمة لا تتزعزع،
ومعاشهم لا ينفصل عن الحب،
هذه الوحدة العاشقة تجعلهم يعيشون في دفء صفاء لا يعرف إلا الخير واللذة،
كما يقولون:

تركت الخمار وسجادة الصلاة وشربت مع الحبيب،
بعيدًا عن أعين السالكين، ومنعزلًا عن الغافلين.

في عرفان المحبوبين، المحبة هي عمود خيمة المعرفة، ومن لا يملك حباً عميقاً، لا يعرف الولي في كل مكان ولا يراه. إن الحب لهم هو الجواب على كل سؤال، وكل فعل من المحبوب يزيدهم سروراً وسعادة. هم لا يعرفون سوى الجلوس والقيام معه، ولا يطلبون من الجميل إلا جماله الفريد:

يا نسيم الصبا قل للحبيب الراقد في الخمر
أنه قد سلّم نفسه إلى دار المحبة

إن لحن الحق في العالم جميل وفريد، فأين لطائر السكّر أن يجد مجالاً!

جمالك الناعم قد أزال عن قلبي غربة الهم،
ورأت عين الحظ قلبي العاشق يتغنى

الصفاء والمودة والمحبّة أصبحت سلاح الفطنة،
فإن أردت الصيد فهاك طائر العقلاء

الجمال الجميل يمنح القلب بهجة أخرى،
فقد أعطت العين القلب سرّ الوجه

إذا جلست مع الحبيب، فارفع قلبك عن غيره،
فالذكر عن غير مستحق لأهل المعنى

جمالك هو كل الحسن، وجلالك هو الحسن،
لا فرق بين القهر واللطف لدى الجميل

لا عجب من أغنية الزهرة من شدة الحب،
فحتى ذرة ترقص فرحاً للمسيح

وصلت إلى حسن وجودك، يا قمري!
لا أدخل إلى قلبي غيرك ولا أخاف شيئاً

فإن لم يكن هناك من ينظر إليك خيراً،
ولا غيرك يملأ القلب سواك يا جميل

هذا ويُلاحظ أن حافظ رغم رغبته في الانقطاع عن المصلحة واتباع طريق العشق والهلاك، إلا أنه لا يستطيع أن يسلك طريقاً ينكر فيها ذاته أو يتجاهل قيمته الذاتية؛ إذ هو رغم ادعائه الهلاك لا يفصل قلبه عن ذاته، ويشعر بالأسى والقلق، ويتمنى أن يُسقى كأساً كأساً من الخمر النقية لتحقيق سكينة روحه.

وفي عرفان المحبوب، لا يرى العاشق إلا حضور الحبيب، متحرراً من الذات ومن كل ما سواه. لا يعرف قلباً غير قلبه، ولا خويّة غير الخويّة الإلهية، ويرى الحق فقط، ووجه الحبيب المزدان بالجمال هو كل الطريق، وهو كالقمر ونوره الصاحب المألوف الذي لا يحمل عداءً، وهو السيف المهيب لسطوة الشمس في كل مكان، وهو السيف الذي لا يخافه العاشق بل هو المفتون بقبله الحاد والملتهب.

في نقد هذا البيت:

“جلوة وجهك إذا أصابت كل القامة والطول
الحق ظاهر، فمتى رُئي وجوده كالأوهام؟”

يعبّر الشاعر عن وجهة نظره في الجبر والاختيار قائلاً:

“منذ وضعت وجهي على هذا العرش
ارتكازي على مسند الشمس هو قاعدتي
إن كانت الذنوب ليست من اختيارنا يا حافظ
فكن في طريق الأدب وقل إن الذنب لي”

لكن التكيُّز الحقيقي للعارف المحقق ليس على مسند الشمس، بل هو مقام بلا اسم ولا رسم، لا يمكن التعبير عنه بالكلام، كما أن حديث الجبر والاختيار في نظرنا، مع مراعاة الطابع المشاعي للعالم الظاهر، يُفسَّر بهذا الشكل، إلا إذا دخل موضوع العشق في المعادلة، حينها لا يكون سوى جذب المحبوب، الذي يتجاوز الجبر والاختيار:

“غرضي من وجهك كان وحدة المشاهدة
السواد في نقطة عينيك هو شاهدي الحق
قد كُسر سيف الأجل، وخيمتي تلاشت مع الريح
الوصول إلى ذاتك وحياتك هو طريقي”

لا ترَ الاختيار والأدب منّا يا صديقي
ظهور حبك هو دائماً ذنبي
عندي الأمل في ذاتك التي هي عين العشق
الفرار من الغيرة التي هي بئر لي

بين قوس حاجبيك هي عيني وقلبي
ونقطة حاجبيك هي محرابي للسجود
فررت من الريبة والنفاق والتقوى أيضاً
خارج عن كل ازدواجية هو خط نظري

منجزت من كل وجه، ما هو القبيح والجميل؟
الحضور ورؤية الحق هي ملجئي جميعاً

يذكر حافظ في ديوانه الكثير من الأمور المتعلقة بالمبدأ والمعاد، وبداية ونهاية الخلق، ومكانة الإنسان في نظام الكون، وسر القدر، والعقل، والعشق، والعلم، والزهد، والنقد، والمدح، التي كلها بحاجة إلى تنقية ونقد.

إن “نقد صافي” كان هدفه الأساسي الكشف عن أضرار نظام المعرفة عند حافظ، ومواجهة هذه الأمور بلغة الشعر والترحيب بهدف النقد والتصحيح.

في هذا السياق، لكي يتعرف القارئ على بعض الفروق الجوهرية والعميقة بين التصوف التشبيهي والتحقيقي، أوردت نماذج أخرى من هذا الصراع، وأجّلت الحديث التفصيلي إلى مقام آخر.

البيتُ متَّفقُ القافيةِ، وكلُّ بيتٍ له قافيةٌ مستقلة؛ ولهذا يُقال له أيضًا “الشعر المزدوج”. هذا القالب الشعري من ابتكارات الشعر الفارسي. الوزن في جميع أبيات المثنوي موحد. مضمون المثنوي، سواء كان مثل الشاهنامه ملحميًا، أو مثل ليلى والمجنون عاشقانيًا، أو مثل منطق الطير للعطار والمثنوي للمولانا عرفانيًا، أو مثل مثنويات بوستان سعدي أخلاقيًا.

مقام النورانية

قصائدنا من حيث المضمون، إضافة إلى التوحيد والعرفان الشهودي — الذي ذكرناه أيضًا في قوالب شعرية أخرى — تتحدث عن نورانية أهل البيت عليهم السلام. النورانية هي حقيقة “الولاية”. نحن تحدثنا في مجلدين من ديوان “كليات ديوان نكو” تحت عنوان خاص “بلا وولاية” عن هذه الحقيقة النورانية. وبسبب أهمية هذا الموضوع، جمعنا كل الأشعار المتعلقة بالولاية في مجلدين، وهذا الجمع، رغم تكراره، لا يمل منه القارئ.

في ذلك الديوان، قلنا إن الولاية هي الحقيقة الواسعة التي تشمل كل شؤون ذات الحق، وتجليات التعيّن في الحضور العلمي، والظواهر الخلقية، وتحمل كل أسماء وصفات الله تعالى:

مؤمنٌ كنت أم مشركًا، أيها الخاشعون، أنا عليٌّ!
ساقيُ أنا، ساقي العريان الذي جاء من الجنان

هو تجلّي أسماء الحق، وأنت ذات لا مثيل لها
ولو لم أقل عين ذاتي، فأنت مختفٍ في الأسماء

“هو علي” و”حق علي”، “هو حق علي” بلا ليس ولا!
كن عونًا بلا عدد، يا مولى أمير المؤمنين!

مقام نورانية أهل البيت عليهم السلام يظهر في كل تعيّن وظاهرة، من تعيّن حضرة الألوهية حتى ناسوت، ويتدفق دومًا في الوجود؛ بحيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “معرفتي بالنورانية معرفة الله عز وجل، ومعرفة الله عز وجل معرفتي بالنورانية، وهو الدين الخالص”.

الولاية هي الخلافة الإلهية، وحقيقة محمدية تُظهر محاسن حقيقة الوجود. الاسم الأعظم الإلهي، وهو أصل الخلافة، مرتبط بروح الحقيقة المحمدية في التعيّن، وهذا الاسم يظهر بكامل تجلياته في تلك الحقيقة، وله مصاحبة تجلّية مظهريّة مع الحقيقة المحمدية. وهذه الحقيقة هي واسطة ظهور الأسماء في مرتبة الأعيان الثابتة، وكشف التفصيل في مقام الوحدة، حيث تتجلى لجميع شؤون ومراتب العالم. كما أن الولاية هي باطن الحقيقة المحمدية، والنبوة هي ظاهرها. الولاية تعيّن الحقيقة وتدفق الفعليّة الإلهية، والنبوة هي نتيجة الفتح القريب وتجلي كمالات القلب، والولاية هي الفتح المبين والعبور من تلك الكمالات، والألوهية هي العبور من الظواهر المقيدة إلى الفتح المطلق. كما أن الألوهية تختص بالذات، والولاية تختص بالظهور، وتقدم منازل الولايات على منازل النهايات والتوحيد، وارتباط الأولياء والأنبياء بالولاية بوصلهم بحضرة الألوهية يبيّن ذلك أيضًا.

أسمى مقام للولاية يسمى “ختم الولاية”. عين الثابت لحضرة الختمية المراتب وأوصياءهم الكرام واحدة؛ وإن كانت عين الثابت في وحدتها تتجلى في أعيان متعددة، دون خلل في ذاتها أو لوازمها. لذلك، يمكن أن يُطلق لقب “خاتم الولاية” على كل واحد من أولياء الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام. في هذا المقام الختمي، النفس الحيدرية عليه السلام هي النفس الختمية، وحضرة المولى عليه السلام هو نفس مقام الختمية. أصحاب هذا المقام هم الخمسة الطيبون والتسعة الثانية، وخاتمهم أمير المؤمنين عليه السلام، وخاتم ختم الولاية الحيدرية هو القائم من آل محمد (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وحدة الجمع في حقيقة أهل البيت عليهم السلام هي ظهور شامل، وأسمى ساحة الولاية لهم، وكل شخص حسب استعداده وقابليته يستفيد من تجلياتهم. بناءً على ذلك، الاختلاف في دعاء التوسل يعود إلى اختلاف القدرات والاستعدادات، لا إلى الفاعلية والتجلّي لكل واحد من حضرات أهل البيت عليهم السلام، الذين في الكمال النهائي هم أصحاب مقام التمكين والدعوة. والمقام الختمي الختم الحيدري يمتد لقرون حتى تصل الولاية إلى كمالها الخاص في تعيّن الناسوت، ولهذا نرى من يَعِد بالظهور يوم الجمعة أو الأربعاء جاهلين بمراحل الولاية.

الأربعة عشر المعصومين في مقام ليس بينهم وبين الرب حجاب أو واسطة، وهم مطلعون على النفخ في الصور، والصراط، والميزان، والحساب، والمواقف، وهم فوق الناس يوم القيامة، وهم ذات القيامة التي يظهر بها يوم القيامة. هؤلاء هم المخلصون الذين اتحدت لهم الدنيا والآخرة، وعملهم وثوابهم واحد، ولا يملك الشيطان أن يرجو مثل هؤلاء العباد:

(فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)
و(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).

ذكر من “هو حق”، مولاي مدد:
الحق في كل بحر وصحراء عليٌّ،
حين يعطي الله نعمة المحبة والقهر،
في كل ناصر أينما كان عليٌّ،
قائد القلب في كل ملك،
هو الذي هو عليٌّ بالحق ظاهر،
أسد الوجود، ملك الرجال، رجل الحق،
الذي كان بالحق دائمًا ثابتًا، عليٌّ.

المحبوبون

كثيرًا ما تحدثنا في أعمالنا عن مصطلح “المحبوبين”. المحبوبون يعيشون بالحب ويعيشون من أجله، وحبّ الله تعالى يغمر وجودهم كله. في كل طريق يدخلونه، يمنحهم الحب القوة والسلطان، وهذا الحب ينبع من داخلهم؛ ولهذا نهضوا بسهولة من دنياهم ووجودهم. ليس لديهم طلب أو مطالبة من الحق، يعملون ويحبون عملهم، ولا يطلبون أجرًا أو مكافأة، لا في الدنيا ولا في الآخرة. حتى الحق لا يطلبونه بغاية، ولا يطمعون في أنفسهم أو المخلوقات أو الحق.

في ظلمات الليل، حين يجلسون مع الحق في خلوتهم، لا يطلبون شيئًا، بل الحب هو الذي أيقظهم وأرغمهم على كل فعل. المحبوبون وجدوا العبادة حقيقة وجودية، وليست مجرد عمل من أجل أجر، لأنهم يطلبون الحق من أجل عبادتهم وليسوا عبيدًا للطلب، ولا يرون أنفسهم عبيدًا لأنفسهم. المحبوبون قد ضحّوا بكل شيء لله، فلم يبق لهم شيء يعطونه لغيره، ولا يرون غيره إطلاقًا.

حتى الأمل والرغبة في العالم الآخر قد تناسوه، فلا هوى في وجودهم، وإن كانوا يتنفسون فهو تعيّن ظهور الحق الذي يتنفسونه. يرون كل إمكانيات حياتهم ملكًا للحق، وإن أخذ منهم الحق شيئًا، يأخذ، وإن أحدث موجة في العالم، يثيرها. يسيرون في طريق لا يقدر أحد أن يمشيه، ويدخلون واديًا خطيرًا تفوح منه رائحة الدماء، وجميع سالكي هذا الطريق مختارون من الحق.

لقد أغلقت قلبي على ذاتك الطاهرة،
ورغم هذا التعيّن ألمٍ حارق،
حريق عالمي يا عزيزي،
اشعل نارًا في صدر محروم،
دمع وألم وحزن أنت في القلب،
قلبي يبكي بدلاً عن عيني،
عشرتي أصبحت سرور “هو”،
أنا أصبحت راقصًا على “هو حق”.

لا يليق بالمحبوبين طلب الأجر، وإذا كان هناك أجر فهو من باب الإحسان. لو وُضع كل العالم في يد، والقمر والشمس في يد أخرى، لما أعطوا الأمر اهتمامًا. هم من أتباع الدنيا أدناهم قربًا إليهم. حتى طلاب الآخرة لا يصلون إليهم، لأن الباحثين عن الآخرة يريدون مكافأة، وهم لا يطلبون أجرًا، ولا يرغبون في لذات الدنيا.

المحبوبون يطلبون الجنة للآخرين، دون أن يرغبوا لأنفسهم بها، وإذا أصبحت الجنة ذريعة لابتعادهم عن الحق أو انشغالهم بالأجر، فلا تعجبهم. يقبلون الجنة لأنها من الحق، وإذا أراد الحق أن يعطيهم الأجر بالجنة، يشعرون بالهبوط، ويعتبرون الجنة ذريعة وينشغلون بالحق. سواء في الجنة أو على الأرض، في المناجاة مع الله يقولون: إذا أرسلتنا إلى النار فسنعبدك، وإذا أدخلتنا الجنة فسنظل منشغلين بك. لا علاقة لنا بالعذاب أو الراحة، فقط نطلبك أنت.

هكذا لا يمكن شراء المحبوبين، وهم أحرّ الناس، لا يمكن معاملتهم بالدنيا أو الآخرة، ولا حتى بالحق؛ لأن كل ما يأخذونه من الحق يعودونه إليه، وكل ما لديهم للحق. لا يمتلكون جلدًا أو لحمًا أو عظمًا أو دمًا ليهديه لأحد، وكل ما لديهم للحق، والحق لا يتعامل معهم.

على ٧ كان الذي يمنح العدو مجالاً لسعد،
وكان الفتوة والرجولة في وجه ذلك الرعنا.

على ٧ كان وحده كل آيات الحق،
على ٧ كان كل ما خفي وكل ما ظهر.

كل ما كان وما ليس، الرطب واليابس منه،
كل القدر منه، والقدر منه قائم.

أبدان المحبوبين دائمة الشباب بالعلم والطاعة والعبودية،
في وجوههم زهرة الشباب مختبئة، والحب الكائن متفتح،
رائحة نضارتهم تعم كل مكان، وجباههم العريضة غير مجعدة وجاهزة للخشوع أمام الحق ولعبادة الله تعالى،
كل لحظة من لحظات أجسادهم من لحم وعظم وشعر ودم تتجدد،
ينفخ الله تعالى فيها حياة جديدة،
لذا يزدادون حيوية وتغيرًا في أجسادهم وأرواحهم، وتغمرهم نضارة وجودية.

الدواء لآلامي هو “هو”، فلا تطلب غير حضوره،
قلبي وروحي في تواصل دائم معه، لا انفصال بيننا أبداً!

قلبي نزف من هجران المحبوب، وألم شديد آتيني،
ورغم أن قلبي ملئ بالمصائب، فأنا مستغرق في هذا الحزن والنداء.

أنا عاشق متعب، لم أنجُ إلا لك وحدك،
أنا متعلق بك وحدك، زد تعلقك بي!

يا عزيزي، أحرق قلبي هذا، وانثر مائي وترابي على الريح،
واجعلني في هلاكك، فقد ذهبت نفسي في هجرانك.

المحبون لا يبالون بالجوع أو العطش، والله يمنحهم حياة جديدة بكل تجدد،
فكل تحديد جديد لهم هو جديد، والله قد وضع في كل نفس لهم تحديدًا خاصًا،
فهم يعيشون في الدنيا والآخرة بشغف للتجديد،
وفي عالمهم الصغير الذي هو عالم عظيم، إلى جانب زوجاتهم وأولادهم،
الطعام يجلب لهم حلاوة الحياة، ويمنحهم نضارة دائمًا،
ويرافقون قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)،
لا يمكنهم أن يدركوا الحق إلا بالتجديد الدائم،
ويعبدونه في الحال، حقًّا يرونه بقلوبهم،
عبادة ذات تحديدات وأوجه لا حصر لها.

الكون كله ملئ بالحب والنقاء،
فكل لطفه هو لذة،
انظر إلى الحق، وقُل الحق، فالحق هو سر القوة،
انظر إلى القامة والوجه والشعر،
واطرح عن نفسك كل ما هو عادة،
اغتنم لطف الحق، ليغتنم لطفك،
فالله هو الذي يريحك بحلاوة لطفه.

أولياء الله والمحبون الحقيقيون يبدأون من الوجود،
وفي لحظة واحدة يرتقون إلى أعلى الوجود وسمو الله تعالى،
يرون الجنة والنار بأقدامهم على الأرض الدنيوية،
ولا يطلبون شيئًا من أحد،
يسلمون كل ما يملكون من دنيا وآخرة، من الجن والملائكة وكل شيء لله تعالى ليطهّروا أنفسهم،
لكنهم يدركون هذا الفعل وينالون فيض الحق وينقلونه للعالم.

تجلّي الذات والصفات ووجه الأسماء هو على ٧،
مظهرٌ ومُظهرٌ للإنسان، هو على ٧.

اللطف والقهر والوصل والفصل والنار ونور الأكوان،
هو هو الرحمن، على ٧، يغفر للجميع.

هو الكل وهو بلا كل، فوق المكان واللا مكان،
أنا له، وله أنا، عاشقٌ حيران، على ٧.

آدم وشيث النبي، داود وإبراهيم وهود،
يونس ويعقوب وموسى، عيسى عمران، على ٧.

كل ما في العالم لنا جاء من عنايته،
ازدهار العالم منه، وهو على ٧.

أولياء الله المخلصون هم المرشدون الحقيقيون للناس إلى الله،
هم أدرى بالطرق الدائمة والثابتة من الطرق المتغيرة،
لذا معرفة الأمور المتغيرة والدنيا المتقلبة لا تهمهم،
دائمًا يسعون لرؤية الحق، وعندما ينزلون من الكل إلى الجزء،
يفكرون في الجزئيات كأنهم وجدوا الكل،
قال أمير المؤمنين ٧:
“أنا بأطُرُق السماء أعلم بأطُرُق الأرض.”

التفوق في معرفة طرق السماء باللسان البشري،
والكل والجزء متساويان عندهم.

على ٧ كان وجه الوجود، على ٧ كان نص الحق،
على ٧ كان الشاطئ كله، وعلى ٧ كان البحر.

على ٧ جمال الحقيقة، على ٧ كمال الحب،
على ٧ كان كل طهارة، وهيبة كل رعنا.

على ٧ كان قلبي وإيماني وحبي وعرفي،
على ٧ كان الطريق والهدف، ووصفه أدنى.

على ٧ كان ملك الملوك، فاتح العالم كالحقيقة،
في مجلس الحب والنقاء صار على ٧ مجنونًا بالحق.

في هذه القصائد عرّجنا على حال المحبوبين والمخلصين،
وكشفنا رموزهم وأسرارهم بهذه القصيدة،
فما قُبل منها كان حسنًا، وما اعتُبر فيها كان على قدر.

يعاني العاشق الكثير من الألم في طريق السلوك، حيث يفتقد المرء القدرة على التحمل بسهولة. هذا الطريق الذي فيه التعلق بغير الله هو قسوة على القلب، كما أن الانقطاع عن غيره هو الوصول إلى حضور القلب. المحرم والرفيق الوحيد للقلب هو النفس والألم. القلب يحترق، والمحترق منه يستمر في الاحتراق، ويتواصل هذا الاحتراق حتى يغلب على النار ويطفئها:

حتى أصبحتُ على ذاتي واعيًا، احترقت
وعين القلب ألقيت على العالمين الاثنين

احترقت حتى بنيتُ نفسي
وأدمجتُ الحب والطبيعة معًا

خطوتُ فوق كل ما كان
حتى وصلت إلى قمة ملك الوجود

يقع القلب في التضحية والتجاوز إلى حدّ يتجاوز فيه نفسه ويصبح بلا قلب. هذا القلب يصبح أحيانًا مرآةً لحلة الحق تعالى، فينجب قلوبًا طاهرة ورفيعة مثل قلوب أولياء الله، والحديث عنهم يحتاج إلى نفس، وإلا كان من الجهل.

يحترق فؤاد هذا القلب، ولو لم يكن فيه نفس. ويرى بعينه، دون أن يكون له نظر. الفؤاد المحترق لا يصدر نفسًا، بل يدخن، ومن يدخن لا يكون له فؤاد ينبض؛ بل هذا هو القلب المحترق الذي يفنى. أنا جئتُ ببعض من هذه الانكسارات والاحتراقات والتبخيرات والتنهدات والنيران التي في ذاتي في هذه الأشعار، بيتًا بيتًا، حكاية حزن ووجع يشبه القصص المأساوية.

لقد دارتُ كثيرًا حولك، فمتى رأيتُ سكونًا بسبب حبك؟
كلما دورت حولك بلا توقف، لم تجد نفسي راحة يا راحة الروح!

أتى الحريق ليتعلّم الحق، وأوقدتُ الحب في القلب والروح.
احترقت من الرأس إلى أخمص القدم، رعب وحزن وألم ينساب في نفسي.

حتى قطعتُ ثيابي القديمة، وأعدتُ خياطة بعضها، مرات أجنحة ومرات صدر يحترق.
أنا بالسقم وأنت بالأنغام تسعد، أنا أسير وأنت بأناقة تسرّ.

كرر ذكر وصال حتى يأتي يوم أترك الملل،
ولكن مرّت كل هذه الأفكار، وأصبحت العشق عملي وحقيقتي.

أصبح اللهب فراشة وطارت، والشمع بدأ حفلة الروح فقط.

هذا النص يحكي قصة الحب والقلب، ويقول إن الوجود لا يكون إلا بالحب، والله تعالى هو الحب الكامل. الحب هو الذي يقيم الوجود، والشغف والحركة والاجتهاد في كل شيء من صناعة الحب، والحب هو الذي يحرك الكون ويمنع الجمود والكسل.

إذا تحركت ذرة، فذلك هو رقصها، ترقص في كل حركة شعرة بشعرة.
حياة العالم كلها هي حركتها، وهذه الحركة هي “الحق” الكامل “هو”.
كان “هو الحق” و”الحق هو هو” تمامًا، نَفَسَ الوجود كله مقامًا.

مقامه هو سراية هذا القلب، الذي هو فارغ من ضجة الماء والطين.
قلبي مع الحق كصوت واحد، تجلّى الحق في قلبي فصار بقاءً.

لا أتحرك إلا مع ظهوره، ولا أدور إلا مع حضوره.
أنا سكران قديم في لحظة الوعي، أحيانًا قلبي ساكن وأحيانًا في صخب.

نكو عاشق، ووجهه إلى “هو”، لأن أساس الوجود منه شعرة بشعرة.

الله هو العاشق الأول والأخير للوجود، بدون بداية أو نهاية. هو عاشق اللعب بالحب، ويذبح الجميع بالحب، والجميع يموتون حبًّا ويشربون كأس العشق. وهذه اللعبة تستمر حتى يصل العاشق إلى مرحلة الاستغناء عن المحبوب، حيث يصبح العبد مثل ربه يغني نشيد الاستغناء، وينشد في نقطة نهاية الوجود التي لا نهاية لها:

أين يكون الكلام عنه سهلاً؟
إن لم يكن جوهره متحدثًا في الميدان؟!

غاية معرفتي في التصوف هي ذات “هو”،
وكل ذرة فيها ذاتُه شعرة بشعرة.

إذا تحدثت مع أحد عن هذه الذات،
فلن يبق لي مجال أكثر أو أقل.

سأغلق شفتاي عن الكلام الآن،
حتى يحين الوقت لأبوح بسر قلبي.

من يصل إلى الله يرى أن الله عاشق، ومن يحب الله يرافقه في كل مكان، والله يحفظ العبد ويصونه. العاشق لا مفر له من الحب، ولا مهرب من الحب؛ لأن الجميع في الحب وقعوا في المصيدة بلا استثناء.

إذا وقع القلب في حبّه صار فناً ولم يعد إلا في الدار،
فجأة لم أعد موجودًا في جسدي! انفصلت عن كل من كان مثلي.

رأيت كل شيء نورًا، إلا نور “هو” لم يكن ممكنًا غيره.

رأيت حبيبي ولم يبق لي استقرار،
فأظهر هو خمرًا لي مئة نور ونار.

رأيت جمال الوجود كله،
كان يسجد لذاته.

سجودًا ليس بوصفه،
وليس كعادة التمجيد.

رأيت الخفاء بعين العيان،
فوجدت الله طاهرًا وشابًا.

كان جماله وجه كل جمال،
وصاله وصال قلب كل كمال.

من يصل للحب يولد فيه الولاية، والولاية هي ثمرة الحب. تتحقق الولاية حينما يتحول وجود العاشق إلى نار الحب ويذوب فيها.

إمامة الدين والإيمان كلها روحي،
من آدم إلى خاتم، من علي إلى الحسن والحسين، إلى المهدي المنجلي.

زهرة العصمة التي كانت فاطمة،
وهو نور عليا في المثال.

أدور في طرق وحريم الحرم الطاهر،
يا الله، من اللو إلى اللاك!

أنا غلام أئمة الحق،
وعقيدتي هذا الكلام الوحيد.

ربطت قلبي بالمهدى وفاطمة،
وسقيت نفسي بمحبتهما.

لدي أمل في الفرج من لطفه،
الذي يجعل العالم حسنًا وجميلاً.

القلب الذي يستطيع أن يحب هو قلب مكسور، والقصائد تنبع من القلب المتكسر والمجروح. صاحب القلب يرضى بكسر قلبه، ويضع رأسه في سكين الحب. جراح الحب تجرحه وتخيطه، وتقطع وتخيط، وتستمر حتى يبقى الحب.

من يصل إلى عمق الحب، تزول عنه الخصومة مع الحق، تمامًا كما أن الله الذي يعشق عباده لا يخاصمهم.

أنا عاشق، من كل العالم فارغ في سبيل الحق.
حبي ليس إلا لحب الصديق، وجهًا لوجه، قلبًا لقلب.

وجودي هو الحب، والحب هو ذلك السيد،
قلبي وروحي أصبحا من نقاء حبه.

أنا تجلٍّ من وجود الحبيب،
أنا في كل لحظة من وجوده.

أنا ناي الله، والله أنا،
فكر يا روحي!

نفسي هي شعاع من روحه،
وصخب القلب كله من “هو”.

جوهر “الحق” هو فعل مع وجودي،
من أنا؟ “الحق” كان واضحًا لي.

لا يوجد في ردائي إلا ذات “هو”،
ردائي صار ذاتًا ومرآة لـ “هو”.

هو ذات البقاء في البقاء،
ومن أكون؟ أنا كل لحظة فنا في الفناء.

حينما كان فناي كله من “هو”،
صار البقاء عين البقاء فيه.

إذا طلب أحد الحق، يأخذ الله منه الدنيا والمحبّة والرغبات، ويتغير هويته، ويتحرك بإيقاع الحق، ويعيش بحب السير وراء الحق. يكون حاضرًا أن يعطي الدنيا والآخرة، ويرافق الحق. يأخذ الحق الدنيا والآخرة منه، ويصبح العبد والله عاشقين لبعضهما.

هذا هو عشق أولياء الله، الذين لا اعتراض لهم على الحق.
يجب أن نعلم أن كل مبتلي بالحب يحب، لكن صدق الحب يختلف من شخص لآخر.

ميزة أولياء الله هي الصدق والنقاء في الحب.
كل أمر من الله يقبلونه بقلوبهم ويعملون به.

أكمل محبة هي أن تزول البغضاء من القلب،
وتعم المحبة الله، النفس، والخلق.

يرى السالك ذاته وغير ذاته تجلّي الحق.
طريق الحب هو الطريق الحقيقي للسلوك،
يرشد الإنسان عبر ثلاث مراحل: ترك الطمع في الناس، في النفس، وفي الله،
ليصل إلى مقر الوصول.

أساس الدين هو الحب،
لا شيء في الدنيا هو حقيقة الإنسان سوى المحبة.

هذه المثنوى بُنيت على هذه الحقيقة:

تسامح مع خلق الله،
فهو فعل الحق في أعيننا.

أحب كل الوجود،
إن أحببت فقد أحببت الحق.

إذا جرحتك الشوك وسفك دمك،
اشترِ ودّه، فالله في كل مكان.

أحب حتى من يخاصمك،
هذا فكرِي.

أحب كل من يأتيك،
كان غريبًا أو من أقاربك.

لماذا تبحث عن الحقيقة من غيرها؟
المحبة هي نبتة الطهارة والخير.

المحبة هي منزل الحق والحق،
المحبة هي أصل الشرع والطريقة.

الشرع هو الحب نفسه،
في الطريق المحبة هي أصل الدين.

حبيبك في كل مكان،
فامنح العشق للحياة المضطربة.

كل الكون هو معشوق الروح،
فماذا تقول؟ من أذن بذلك من الله؟

خذ من هذه المحبوبة مثلاً،
فالعالم صار وجه المعشوقة الأزلية.

حقيقة الولاية

الولاية في معناها العميق هي تجلّي وظهور الذات الإلهية في عالم الوجود، مصحوبًا بمحبةٍ عميقة، وهي البناء الأساسي للتصوف عند المحبين.

كلمة «الولا» تدل على القرب والمناصبة لله سبحانه وتعالى، وتتجلّى في أربعة أوجه من الولاية: النبي، الرسول، الإمام، وخليفة الحق، مع اختلاف مراتبهم ومنازلهم. والولاية حقيقة باطنية، وأبرز نماذجها هي الوجوه المحبوبة والمحبوبة المعصومة أو غير المعصومة.

كل مظاهر الوجود وظواهره تحمل درجة من درجات الولاية، والمقام الكامل للولاية هو مقام العصمة، الذي يخص أولياء الله الكاملين.

ديوان «البلا والولاية» جزء من «كليات ديوان نكو»، يضم أشعارًا حول أهل البيت عليهم السلام، لتجسيد المعاني والصفاء وبيان نقاء الطينة وطهارة النبع وسعادة الآخرة للشاعر.

الولاية هويّة تتجاوز كل تحديدات مراتبها، ويشار إليها في هذا الديوان أحيانًا بـ «ذات هو» وأحيانًا بـ «هو»:

ليس للجبة وجودٌ، بل هي ذات «هو» بالكامل
جبيتي ذاتها ومرآة «هو»

حين فناءي كان كله من «هو»
عين البقاء في بقائه هي

عطر كل زهرة تجلٍ من «هو»
وجمال الحق به أبهى وأجلى

وحدة «هو» هي الوحدة المطلقة
في الحقيقة، وجه الله الواحد الواحد

كل ما هو موجود، هو «هو»
وكل ما تشربه، من آناء «هو»

أنا عاشق، مخمور، مجنون
غيره لا أرى سوى وهم وخيال

عشقي مملوء بنور الله
وعشقي مولى علي المرتضى

عشق فاطمة هو ديني وإيماني
وشوق الروح من حب الحبيب

الولاية هي سر الأنبياء والرسل وأهل البيت عليهم السلام، وهي رمز عشقهم وصدق محبتهم، وتعبير عن روح الإسلام الحقيقية والشريعة النبوية والمعنوية الشيعية.

وليّ الله هو من تجسّد فيه تجلّي الذات الإلهية بلا تحديد أو تسمية، فهو متجاوز للأسماء والصفات، ولكنها ليست منفصلة عنه بل هي تعبير عنه.

أصحاب هذا المقام هم أربعة عشر معصومًا عليهم السلام، الذين هم مركز الولاية وروحها وروح الأنبياء، ومظهر حكمة الله وعدله وجماله وجلاله.

الولاية التي لديهم تفيض بمعرفة دقيقة لكل الظواهر الكونية، وهم أصل كل العلوم الإلهية والعلوم المعنوية، يعلمون أسرار الحروف والأحداث ويعرفون كل ما في الوجود بلا حدود.

هم ليسوا آلهة، بل مظاهر كاملة للذات الإلهية، بلا غلو، وهم وسطاء بين الحق والخلق، يمنحون كل ذي استعداد نصيبه من المعرفة والفضيلة بحسب عدل إلهي.

الولاية في أهل البيت عليهم السلام تحوّل الكبرياء إلى تواضع وتهدم أسباب الضلال، وتفتح أبواب المعرفة الحقة لكل مؤمن.

هم الذين ينيرون درب السالكين إلى الله، وهم سر كل حقيقة وكمال، وهم الذين يحملون مفاتيح الغيب بيد الله، ويظهرون أسماء الله الحسنى في ملكوت السماوات.

من على القول السديد، أنت تسمع الله
أنا من الحق أتكلم، وأنت من المرتضى تروِ

هو عليٌ، وهو الوالي والرضا
هو الكريم، هو الوفي، هو المرتضى

الأكرم والأعظم، اللطيف والجذاب
ذاتٌ واحدة في قلبِ العارفين مقرها

شيثُ وإبراهيم وجميع الأنبياء
روحُ موسى ومسيحٌ، وهو الشفاء

معجزات الأنبياء أسرارُه
كلُّ ما كان وما هو آتٍ من صنعه

كلُّ نباتٍ ينبتُ من الأرض
صار من حبه لطيفاً وجميلاً

عائلة الولاية مطلقة وسعي الله
لديهم نفحات روحانية تُمحي وتُحيي،
هم “نَفَسُ الرحمن” الحق، منبعُ كلِّ ظهورات الكون،
هم جوهر كلِّ ظاهرة، يُعطون كلَّ ذي شأنٍ نصيبه،
سرُّهم منتشرٌ في كلِّ ظهور، ومجالُ الظواهر رغم اختلافها واحد.

كلُّ سُبلِ الخير تعودُ إلى بحر رحمتهم الذي يُفضي إلى الظهور،
فهؤلاء لهم حججٌ على كلِّ صورة، ظاهرةٌ على الجبينِ والحاشية،
اتساعُ الألوهية وأركانُ ظواهر السماوات مبنيٌّ على ولايةِ هؤلاء،
وكلُّ قوةٍ في الوجود تظهرُ بمعونتهم من ألواحِ العرش.

هم يوم القيامة للظواهر، وولايتهم فوضى المحشر،
ويجمعُ الظواهر في أدنى مراتبهم، فتتحدُّ الوجوه.

هم الكتاب الناطق الذي بهدي الظواهر ينطلق،
وكلُّ سالكٍ إليهم ينكشف له ظلام النفس ويزدادُ إدراكُ قدره،
يُبصر مقامات نفسه ويعرفُ زاد الآخرة،
هم تجلِّيات الحقيقة المطلقة التي تنظرُ بالعقل إلى الكل والجزء متساويين،
وهم المثل الأعلى الإلهي، وكلُّ المثل منه يتلقّى إشراقاً.

مثل إلهي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
لا يُشبَّهون بأي شيء،
لم يدخلهم أيُّ تشبيه، ولا قيدهم أيُّ رسم، وهم سكرُ الحقيقة وتبلورُ التوحيد.

طاعتهم محكمةٌ بعلمِ القضاء والقدر، وهم أوائلُ الظواهر رتبةً،
محبتُهم من الحق تجلٍّ في نفوس الناس،
وهدى كلامهم حقٌّ، فلا تسمع إلا سلامَ عليٍّ عليه السلام.

محبتهم كلها حق، ومنهم الحب والنعم،
من عرفهم، صاح نداءً من قلبه:
“غيرَ شاهِ ولايةٍ لا أقبلُ مولى”

عليٌّ عليه السلام قد صار قضى وقدراً،
ديننا ومذهبنا وحياتنا منه،
نذكرُ عليّاً، وذكر الحق عملنا،
فهو سيدُ سلسلتنا وحده.

قل خيراً عن عليّ، ذاك الولي الذي هو “ليس إلا هو”
الوجود الكامل وجمالُ الكمالِ ذلك الوجهُ الجميل.

هم تجلياتُ العرش الإلهي، الذي بنيرانه يوجّه خلقَ الظواهرِ نحو ربوبيةِ الحق،
وأبواب ملكوتِ الجنةِ تُفتح بقوّة ولايتهم،
الملائكة تتواضع أمام عظمتهم،
وقلوب العالمين تنير من نورِ حقيقة وجودهم،
وكلُّ أمر يُنجز لهم.

هم عرشُ بيت الله الذي يحجُّ إليه أهل اللّاهوت وأهل الناسوت،
كوثر الدين زلالٌ من زمزمهم،
ويعرف الضالون نور جلالهم،
يا أسد الله، يا حيدرٌ كرار، عليٌّ عليه السلام،
أنت المعراج والطور والسيناء،
صاحب ذو الفقار يا صاعقُ الظلام،
الدين أخذ منك رونقه وسيادته،
لا أقول لك “الله” يا مولاي، لكنك صوت الحق العظيم.

أسماؤهم الحسنى كلماتٌ تُزيلُ الذنوب وتفتحُ أبواب التوبة،
ومن توسل إليهم، فقد دعا اللهَ بأسمائه الحسنى كلها،
فهم مقام الجمع الأعظم، ومظهرُ الاسم الأعظم،
في محفل الفرق، يحملون مراتب كل الأسماء.

هم الذين يقرّرون الحظوظَ والمصيرَ،
والآخرةَ والسعادةَ بيدهم،
هم الذين ينيرون أرواحَ العاشقين،
وأصل كل خلقٍ وهمّها الواسع،
يطيعون بإدارتهم ولاةَ الأمر،
وجلالُهم يُؤدّي إلى جهنم،
وجبال الأرض مبنية على عظمتهم،
والمياه تجري ببركتهم،
وكلُّ مَن يحمل ولايةً، يُبارك بنورهم.

هم كسرى الملكوت،
المشرق المطلق الذي يسطعُ بنور وحدانية الحقيقة،
وكلُّ ظهورٍ هو في ظلّ توسعهم،
وهم من يقودون السفينةَ الوحيدةَ في أمواج الناسوت المضطربة.

أصحاب الولاية هم من يخلقون المعرفة من قلوب الصالحين،
ويحيون الحياة في كل الظواهر،
ويعلمون أي شأنٍ يتجلّى في أي اسم،
ويعرفون مصير كل فعلٍ في الكون.

الأربع عشرة نوراً من الله:
سرّ الحياة وروح العبودية،
يمحون عن الإنسان كل خيال ووهم،
ولا يرتبطون إلا بولاية الله،
هم الحجاج الذين يلمسون الحجر الأسود بقلوبهم،
وولايةُ هؤلاء هي قوةُ المجاهدين في مواجهة الأنا.

هم الذين يُحيون الموتى بندائهم،
ويربطون كل حضرة بحضرة أخرى،
ويخلطون الحقيقة المحمدية بالحقيقة كلها.

كواكب أسماء الله الحسنى تزيّن سماء وسطهم،
ومجالهم الحقيقي هو مجلسُ شهود الأسماء والذات،
أصحاب الولاية يحركون الأرض والجبال،
ويجعلون أنهار الكشف والجمال تنساب من عندهم،
يدهم على ذو الفقار،
روحهم أعلى من مقام الذات،
يُحيّون الجلال،
والأحياء يحدّقون في وجوههم بنظرة أبدية.

هم حراسُ المدينة الإلهية،
يُفتحون الأقفال بنظراتهم،
ويرفعون الفراشاتِ السماوية،
ويمنحون الأذن بالدخول إلى جهنم الجمال،
ومن عندهم ماء الحياة يُروى العطاشى،
ويزرعون ثمار المعرفة في خراب البشر،
ويأخذونهم إلى جبال الصمدية.

من شعاع رؤيتهم يجري نهرٌ من النور،
بنداء التوحيد تُستيقظُ العقول،
وينتقل الجميع في محشر النفس الرحيم إلى البقاء الأبدي.

هم أسرار الله الخفية،
خزائن الخير في عالم الناسوت،
ومقرّ الحقائق المحمدية،
وقد امتلأوا بالروح القدس.

كل نفسٍ تأتي من علي عليه السلام،
ومن نَفَسِه الحياةُ تشرق في قلبي وروحي.

روحي من روحه تنبع،
وجودي برهانٌ على وجوده.

طينتُ الطهارة من رضا الحق،
وجاءت تجلياتها من روح المرتضى.

فضيلتي تأتي من جانبه،
وفخري دائم على الناس والروح.

هو عليّ الظاهر والباطن،
فقل مع كل نداء: يا مولاي عليّ!

البَرْهانُ الْعَجِيبُ لِلْحُبِّ هُوَ أَنَّهُ يَمْحُو كُلَّ مَا هُوَ سَرِيعٌ، عَنِيفٌ، شِرِّيرٌ، حَسُودٌ، مَكَّارٌ، مُهْتَزِئٌ، قَلِقٌ، مُحْتَاجٌ، مُشَاجِرٌ، مُشْتَعِلٌ، مُخْنُوقٌ، مُضْطَرِبٌ، مُؤْذٍ، ظَالِمٌ، قَاسٍ، بَاطِنُ الْقَلْبِ، كَسْلَانٌ، عَدِيمُ الشَّجَاعَةِ، خَائِفٌ، سَخِيفٌ، غَاضِبٌ، حَاسِدٌ، هَاوٍ، فَقِيرٌ، جَبَانٌ، حَاسِدٌ، مَكْبُوتٌ، مُتَأَلِّمٌ، وَحْشِيٌّ، جَرِئٌ، عَدِيمُ الْخَجَلِ، مَسْبُوكٌ، مُتَكَبِّرٌ، مُسْتَبِدٌّ، مُتَعَدٍّ، فَاسِدٌ، عَاصٍ، كَاذِبٌ، مُنَافِقٌ، مُرَائِي، عَنِيدٌ، عُنْفٌ، مُزْعِجٌ، مُهْتَزٌّ، قَتَّالٌ، مَكَّارٌ، فِتْنَةٌ، إِكْرَاهٌ، غُرُورٌ، جَفَافٌ، حُزْنٌ، يَأْسٌ، بُؤْسٌ، شَقَاوَةٌ، حِقْدٌ، انْتِقَامٌ، جَرِيمَةٌ، تَلَفٌ، مَرَارَةٌ، وَكُلُّ شَهْوَةٍ تُزَالُ مِنَ النَّفْسِ بِكُلِّ تَمَامِهَا.

وأَخْطَرُ أَذَى النَّفْسِ الَّتِي لَمْ تَتَطَهَّرْ بِالْحُبِّ هِيَ أَنَّهَا تَفْقِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى كَبْتِ نَفْسِهَا وَالْبُعْدِ عَنِ السُّوءَ وَالضَّلَالَةِ. وَصَاحِبُ هذِهِ النَّفْسِ مُسْتَعِدٌّ لِكُلِّ جَرِيمَةٍ فِي سَبِيلِ انْتِقَامِ مَا فِيهَا مِنْ أَلَمٍ، وَيُهْدِمُ كُلَّ حُرْمَةٍ وَيَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ وَيُهِينُ كُلَّ شَخْصٍ، وَيُرْسِلُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْغِيْبَةِ وَالتَّهَمَةِ، وَيَكْسِرُ كُلَّ قَلْبٍ.

فَإِنْ لَمْ تُكَبَّتْ بِالرَّحْمَةِ وَظَلَّتْ نَاقِدَةً، فَالنَّفْسُ تَأْخُذُ كُلَّ ضَلَالَةٍ وَتُوَقِّعُ هَلَاكَهَا بِيَدَيْهَا، وَتُلاَزِمُهَا الْهَوَانُ وَالْقَلَقُ وَالْهَوَاسُ. وَمِنْ أَخْطَرِ أَذَى نَقْصِ الرَّحْمَةِ وَنَجَاسَةِ الْقَلْبِ عَدَمُ الْوَاقِعِيَّةِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ النَّفْسُ إِلَى الْيَأْسِ وَالشُّكُوكِ.

النَّفْسُ الَّتِي لَمْ تَتَلَقَّ الرَّحْمَةَ وَالْحُبَّ لَا تَفْهَمُ «لُطْفَ الْحَيَاةِ» وَ«رِقَّةَ الْوُجُودِ». الْعَاشِقُ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْحُبَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَرَى الْحُبَّ فِي النَّارِ وَالْعَصَافِيرِ وَالْشُّموعِ، وَيَعْرِفُ حُبَّ الْمَلَائِكَةِ وَطُهْرَ الْمَلَكُوتِ.

هذِهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْعِشْقُ هِيَ أَحْلَى ثَمَرَةٍ لِخَلِيقَةِ اللّهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ اللّهُ ثَمَرَةً أَحْلَى مِنَ الْمَحَبَّةِ. فَالْإِنْسَانُ لَمْ يَذُقْ ثَمَرَةً أَحْلَى مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةُ إِلَى اللهِ طَعْمٌ خَاصٌّ وَمَاءُ الْحَيَاةِ وَبَقَاءُ الْإِنْسَانِ.

مَنْ شَرِبَ مِنَ الْحُبِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُقْدَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مَحْطَّ إِذْلَالٍ، وَهُوَ كَالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ الَّتِي تَسْتَمِرُّ فِي الرَّيِّ دُونَ أَنْ تُغْلِقَ عَلَيْهَا الطِّينُ.

وَفِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْحُبَّ هُوَ الْوُصُولُ إِلَى ذَاتِ الْحَقِيقَةِ وَالإِدْرَاكُ الْحَقِيقِيُّ لِلصِّفَاتِ وَالأَسْرَارِ الْكَوْنِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَسْعَ إِلَى هَذَا الْوُصُولِ فَهُوَ بِعِيدٌ عَنِ الْحُبِّ الْحَقِيقِيِّ.

دم العشق

العشق الذاتي له نار ودم. هذا العشق كأنه محرقة تشتعل بالدم. يعذب المحبوبون بالحب، ومن هنا جاء القول: «ما منا إلا مسموم أو مقتول»[119]. من لم يُسمم ولم يُقتل، فليس محبوب الذات. لعبة العشق هي حين تسقط آخر قطرة دم للشهيد، وهذه هي لعبة الحب. العشق في كربلاء نبي الحب ـ الإمام الحسين 7 ـ وكربلاء هي مرفأ العشاق المشتاقين.

يجب على جميع الأنبياء أن يتعلموا الحب في مدرسته. الحب في فاطمة المرضية 3 التي تبكي فراق النبي الأكرم 9 وتئن، حتى أن أهل المدينة، خاصة أعداؤها، لا يحتملون دموعها، فتتجه إلى بيت الأحزان. بكاؤها 3 يدل على شدة الفراق.

هؤلاء هم أولياء الله الذين يعشقون ويحملون ألم الفراق وحرق الحق تعالى. الفراق والشكوى والدمع والألم هي لعبة الحب التي يخسر فيها العاشق. الحب هو فقدان الذات الكامل. الحب هو لعبة خسارة كاملة بلا ربح. كربلاء هي أفضل مثال على الحب، وهي وجه مسبق الإعداد كان جميع الأنبياء يعلمون به وينبئون عنه. كربلاء أرض الحب، ومرتع حب الله تعالى. نهاية الحب دم، وهذا الدم هو عين المحبة. ولهذا فإن الدم دافئ وأحمر، واللون الأحمر رمز الجلال. الدم هو الذي يحقق الشهادة، والشهيد له جَبروت الحق، الجبروت الذي يقوي الناسوت؛ حتى إن دمًا خرج من كل حجر في شهادة الإمام الحسين 7. فهم هذه الحقيقة ثقيل، وسيدركها المسلمون حقًا حين يحققون حضارتهم العلمية العظيمة بعد عقود من الزمن، وعبر تحليلات دقيقة ونفسية لأحداث كربلاء، ليبلغوا معرفة حقائقها. إذا صارت الجامعات مهد معرفة الربوبية، فآخر دروسها سيكون مقتل كربلاء. حينها يمكن الحديث عن كربلاء الإمام الحسين 7، لا اليوم حين قبل المسلمون الانحطاط.

رباعيات الحب

رباعيات «كليات ديوان شيدايی نكو» تسعى إلى التعبير عن «العشق الذاتي والجماعي». الرباعية التي هي قالب شعري مشترك بين الفارسية والعربية والتركية، تتميز بإيقاع موزون وتقارب وزن البحر، وهي قصيرة وجميلة وفعالة في التعبير عن المعاني الرفيعة، خاصة الحب.

في هذا العمل، استُخدمت الرباعية لتقديم هذا المعنى، مثل الرباعيات التالية:

قلب الحر أقول عن حبِّه،
شعري البسيط كله عن عشقهِ.
الحب لي طريقة وسبيل،
حلاوة هذا الخمر من عشقهِ.

… (ثم تستمر الرباعيات على نفس النحو)

هذه الرباعيات تعبر عن مشاعر العاشق المفتون، الذي هو ديوان مواله الكامل. المفتون الذي صار غريبًا، منفصلًا عن كل قيد. هي أحاديث عشق من شرارات الخمر الأحمر، وحكايات جنون يغماي من نظرات تلك التي لا تخاف.

حرية الحب

الدوبيتة هي نوع شعري حر، يناسب كل موضوع، من العامي إلى الحكيم، وله قافية تشبه الرباعية لكن وزنًا أطول.

القلب والحب

وأنا أكتب هذا المقدمة، يتذكر قلبي طفولته، يتوق لاسترجاع روحه المتجسدة، لكنه لا يجد رفيقه الذي يبوح له بأسرار قلبه. ذلك الرفيق ذاك اليوم لم يعد، وفي وحدتي وغربتي اليوم، لا أجد إلا الحق وهو رفيقي.

يجب أن أتحدث عن القلب، ذلك القلب الذي أحيانًا يعطل قلبي عن الحياة، لكنه أيضًا يمنحني حياة أبدية.

الحب النقي بلا طمع

الحب النقي هو موضوع أشعار هذا الديوان. حب بلا طمع، ونفي الطمع هو طريق العارفين المحبوبين. هذا الطريق يمر بثلاث محطات: قطع الطمع من غير، ثم من الذات، ثم من الله. كلها في كلمة واحدة: «الحب النقي».

المحب الحقيقي لا يطالب ولا يشتكي، حبّه بلا شروط، يرتبط بالله ليس خوفًا من العقاب أو طلبًا للنعيم، بل لأن الله رفيقه الحقيقي.

مراحل الحب

(النص الأصلي لم يتضمن الفقرة الأخيرة من «مراتب عشق»، لذلك يمكن إضافتها عند الطلب.)

البحث في مسيرة الوصول إلى الحب النقي يتطلب أن يمر الإنسان بثلاث مراحل متتالية من الانكسار والتخلي، وهي: قطع الطمع من الغير، وقطع الطمع من الذات، وقطع الطمع من الحق تعالى، ويجب أن تكون هذه المراحل دائرة متتابعة.

فلكي يشعر الإنسان بحقيقة الحب النقي، ينبغي أن يمر بثلاثة انكسارات داخلية وروحية: أولاً، عليه أن يرتفع فوق الغير، ويتجاوز الطبيعة والنفس والعقل، ثم يترك الطمع من الذات ويودع القلب، وأخيراً يترك الروح ويتخلى عن الطمع من الحق تعالى.

العاشق الحقيقي هو الذي بلغ مقام القلب، فهو في هذا المقام يشتري ناز المعشوق مهما كانت التكاليف، وإلا لن يتلألأ قلبه ولن ينمو روحه.

الإنسان يمتلك ثلاث مراتب عامة: النفس، القلب، والروح. النفس تدرك المحسوسات والمخيلات وتبدأ نشاطها من مرحلة الجنين، وهي أدنى وأبسط حركة في الإنسان. في هذه المرتبة، لا يتعدى وجود الإنسان حدود الحظوظ النفسية، ويستمتع بأعماله الحلال وعباداته.

إن الإنسانية في هذه المرحلة محدودة بالماديات والنفسانيات، ويكتفون بالعلم والعمل للحظ النفس فقط، وأقصى غاياتهم تحقيق اللذات الدنيوية المتنوعة. ومع ذلك، النفس لها درجات متفاوتة، فمنهم من يستمتع بحظوظ بسيطة ومنهم من يملك قوة نفسية أكبر، وهذه الحالة متاحة للجميع. حتى إن المتخصصين في العلوم الإسلامية في هذه المرحلة لا يتجاوزون مرتبة النفس، ولا يرقى وجودهم إلى ما هو أعمق من حب الأسرة والأصدقاء وحياة دنيوية ضيقة.

أما القلب فهو المرآة الواسعة التي تظهر فيها المحبة والحب، والتعبيرات اليومية كـ”أحبك” أو “أعزك” هي في الغالب تعبيرات سطحية تنتمي إلى هذه المرتبة.

من يمتلك القلب يتعرض لتقلبات وانقلابات، وتتغير حالته بين الذروة والانخفاض، وتكون إدراكاته ومعرفته مختلفة عمن هم في مراتب النفس، فهو يصبح قادراً على التفكير والفهم والاستنباط، ويصل إلى ملكة قدسية.

أما الروح فهي المرتبة العليا التي تصل بالإنسان إلى الحب الكامل، وهي التي يمكن أن تشرع المحرك الروحي في داخل الإنسان، وهي المرتبة التي يتوج فيها الإنسان بالفوز في سباق الحياة بنعمة الله، ويحصل فيها على الرؤية الإلهية، التي لا تتحقق إلا بإذن الله وبالثقة الراسخة به.

الخطوة الأولى في هذا المسير الروحي هي استكمال قصة الإله، أي أن يتحول الإنسان من حالة الخوف والرهبة إلى حالة الحب والتوكل على الله.

العاشق الحقيقي هو من يبحث عن الله خارج نفسه وفي فضاء أوسع من حدود النفس، ويؤمن أن الله شخصية خارجية وداخلية يمكن رؤيتها وتجربتها، والله هو الوجود الذي أظهر كل شيء.

الأولياء الحقيقيون هم العشاق الذين يحبون كل شيء بحب الله، ويصلون إلى مشاهدة الله، ويحبونه أكثر من أنفسهم.

قطع الطمع من الغير يبدأ بوعي الإنسان لكونه محبوساً في رغباته، ويبدأ في مواجهة صعوبات التحرر من قفص الطمع النفسي، ويبدأ رحلة الصبر والمثابرة حتى ينفتح له باب الحرية.

المعرفة في مرتبة النفس هي معرفة تشبه، أي معرفة نظرية لا تصل إلى جوهر الحقيقة، ويكون المتشبهون في هذه المرحلة كما الجبال السهلة، لكن القمة صعبة المراس، قد تؤدي إلى السقوط.

تحرير النفس من الطمع يكون بالتدريب والرياضة الروحية، كالملاكمة التي تضرب النفس حتى تستسلم، وهذا التدريب يحتاج إلى ولي محبوب يُدرب المريد بحزم، فتتولد عنده شخصية جديدة بالحب والصبر.

الولي الحقيقي كأنه صانع حديد يذيب المواد الخامة ليخرج الجوهر النقي، ويعمل عملية جراحية روحية دقيقة باستخدام “حب” كمسكن للألم، حتى يستطيع الإنسان أن ينفصل عن تعلقاته الدنيوية بصمت وهدوء.

هذا الوصف التفصيلي يوضح كيف أن الوصول إلى الحب النقي يتطلب رحلة طويلة من التدرج والتخلي والتجربة والتمرين تحت إشراف ولي محبوب، حتى يصل الإنسان إلى المقام الروحي الأعلى الذي يراه فيه الله ويحب الله فيه بصدق.

أين هو الحبُّ الذي هو أقوى بكثير من الدواء المسكر والمخدر، والذي يُزيل الهموم عن الفاعل؟ بهذا الكيمياء يمكن فصل الناسوت عن القلب. إن جراحة القلب ليست كجراحة الكلية أو القلب التي تُشفى خلال ساعات وأيام قليلة، بل هي عملية تمتد لسنوات. بعضها يحتاج لسنتين، وأربعة، وسبع سنوات، وبعضهم مهما جُرّح لا يُشفى؛ لأن العمر يبطئ الحركة، ولا يتحمل الإنسان الجراحة بعد ذلك. الحبُّ يحتاج إلى وفرة ليُنبت زهرةً يانعةً، لكنّ الخريف الذي هو ذاته، يجفف جميع الزهور! فهل في هذه القصة الحزينة المشتري هو الله أم غيره؟

كيف يمتزج أمير المؤمنين عليه السلام، بهذه العظمة، ويقطع نفسه ويئنّ، ويدعو في وصيته قائلاً: «اللَّهُمَّ خُذْنِي مِنْهُمْ وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنِّي وَاخْذِهِمْ مِنِّي وَأَصِبْنِي مِنْهُمْ خَيْرًا»؟ كيف يضغط الله تعالى في الناسوت على هؤلاء العظماء ويُضعف طاقتهم حتى يرضوا بالموت المبكر ويطلبوه؟

إن الله تعالى يضحّي بالجميع ويفصل الناسوت عن قلوبهم وأجسادهم وأعضائهم، ويختار الطاهر منهم لنفسه. فصل الناسوت وعمل جراحة القلب أمرٌ صعب، ولكن الله تعالى ماهر في صنعته. في هذا الطريق، هناك من يرضى بسيف جراحة الله، وهناك من يصبح هو السيف نفسه. هؤلاء الأخيرون هم العشّاق المتيمون، وإلا فإن فصل الناسوت، الذي هو جزء جسد ونفوس الإنسان، ليس بالأمر الهيّن. العاشق صاحب ذوالفقار حيدري، أمير المؤمنين عليه السلام، يُحاصر زوجته حتى لا يُسأل عنها. الناسوت يضغط على كل شيء، على الجبل وعلى أمير المؤمنين عليه السلام.

التربية المبنية على المحبة والرحمة من ولي محبوب تُحدث بركاناً في صفات الإنسان الذاتية، فتنبثق صفاته الجيدة والسيئة، وما في جوهر المحب يبقى ظاهرًا. الوصول إلى هذا الأمر بلا طريق المحبة مستحيل، لأن الأمور الذاتية كالكنز المدفون تحت التراب النفسي، كآثار الأبوين والوراثة والبيئة والزمن والمكان والسن، تُخفيه. كلما تقدم الإنسان في السن، زادت الرياضة والمشقة والاحتراق التي ينبغي عليه تحملها. الاقتراب من تربية أهل المحبة والرحمة في الكبر خطير جداً، إذ لا يُحتمل الألم الذي ينزلونه على الإنسان.

من كان فيه الكثير من الشوائب وراكمها في باطنه، وإذا أراد الدخول إلى باب الرحمة والمحبة، كلما زُيد عليه من الضربات ازداد مقاومةً، فتصير المشقات منهكة ومرهقة. لذلك لا يُمكن الاقتراب من هذا الطريق بلا شيخ مجرب، لأن المصائب والمشقات والآلام تسرق راحة الإنسان وتضعف أعصابه.

عندما تُصدم النفس بضربات قوية، تستفيق وتُصاب بالشك والتردد، وتخاف من المستقبل المجهول. هذه التربية دقيقه جداً ويتطلب الأستاذ المجرب مجهوداً كبيراً في تدريبه ليبعد عن الطالب كل ما هو غير حق. في البداية يكون ذلك بالقسر، ثم بالميل والإيثار، حتى يصير النفس مولعاً بالحق ومنفصلاً عن غيره، ويبلغ الحب والعشق. القسر خاص بالمبتدئين فقط. «غير الحق» يشمل حتى الخير، لذلك يجب إبعاد النفس حتى عن الكمالات، ومحاسبة درجة المحبة عند الطالب لتحديد مستواه. النفس في مراحل مختلفة تُحيل الخداع نفسه، وهو موضوع مستقل يحتاج لبحث.

النفس التي تتعرض للضربات النفسية المحددة من الولي المحبوب تدريجياً تمتنع عن اتخاذ القرارات، فتصل إلى الانقطاع التام عن غير، حتى لو قيدوها بالسلاسل، لا تسعى وراء حلال الدنيا. أما النفس التي تغضب بسهولة أو تغتاب وتتهم، فهي حيوانية شرسة، تريد إيذاء الآخرين بأقل تحريك. النفس إذا انقطعت عن غير، لا ترى شيئاً، وتقطع علاقاتها، فتتحرر وتتجرد، ولا تُلهى بصوت النقود أو المال أو الحسد. عقدة الحقارة تُزال بضربات الرياضة القاسية، وحينئذ يكون بغض النفس لأعداء الله من باب التكليف لا البغضاء الشخصية، ولا يهدد الناس بل يتعامل مع الجميع بالمودة والإيثار. هذه بداية منزل قطع الطمع من النفس.

مُقوّمُ الحُبِّ هوَ الصفاء، وَمَن لَم يَكن صافياً، فلا يَمتلكُ الحُبَّ. حَتّى مَن يُحِبُّ مِهْناً مُعيّنةً ثُمَّ يَختارُ مِهنةً أُخرى، يكونُ بذلك قد أَضرَّ بحُبِّه، لأنَّه دَائماً يَلعَبُ دَورَ المَحبوبِ في مِهنةٍ أُخرى، فيخلطُ الأمورَ ويَظهِرُ شيئاً ليس بحقيقته.

لا يَستطيعُ أَحدٌ أن يَنالَ الحُبَّ إلا إذا كان صادِقاً. باختصارٍ، المعصيةُ هي عَدَمُ كَوْنِ الإنسانِ على طبيعتهِ، وَالتَّزويرُ في ذاتهِ. الحُبُّ هو وجودُ قلبٍ صافٍ. لا يَوجَدُ أَكثرُ مِن العُشَّاقِ صَفا. العاشقُ يَمتلِكُ قَلْباً صافياً وَرُوحاً أَصفى، لا تَكْنَهُ فيهِ حِقْدٌ ولا ضَغينةٌ ولا حسرةٌ.

يَصيرُ القلبُ، بصِدقِهِ وقُرْبِهِ الذي يَنالهُ تَدريجياً، غَنيّاً وكامِلاً، ويَنتفي منهُ الطَّمَعُ في غيرِ اللهِ جذرياً. فالطمعُ في غيرِ اللهِ ناتجٌ عن الحَسرةِ، والنّقص، والفقرِ. عندما يَكونُ القلبُ مملوءاً وشاملاً، لا يحتاجُ إلى غيرِه فلا يَظهرُ فيهِ الطَّمعُ.

مَن لا يَشعرُ بالحَسرةِ والفقرِ في قلبهِ يَستطيعُ أن يُعينَ الخَلْقَ ويَكونَ مرادَهم ومُرشدَهم إذا كانَ مَكْتوباً لهُ مِنَ الحقِّ تعالى.

مَن يَتمتّعُ بالشجاعةِ والقُدرةِ على هذا الفِعلِ هو مَن يَستطيعُ أن يَكونَ ناصِراً للخلقِ. الشجاعةُ صِفةٌ مِن صِفاتِ القَلْبِ، ولا يَكتسبُها إلا مَن يَمتلِكُ قلباً.

هذه الشجاعةُ تُمكّنهُ من وضعِ نفسِهِ في بيداءِ قَطعَت فيه الأقدامُ، ونارٍ تُحرّقهُ حتى تَبلُغَ إلى نُقطةِ الغليان، وغابةٍ مخيفةٍ فيها الذئابُ والصغارُ.

اجتيازُ البلايا يُنتجُ المحبةَ. لا وجودَ للعاطفةِ والحُبِّ في قلبِ صاحبِ القلبِ إلا إذا مَرَّ بالبلايا، وإلا فإنّ محبّتهُ تكونُ عاديةً.

العقلُ والعبادةُ الحُبِّيَّةُ

مَن يَكونُ في مَرتبةِ القلبِ لا يكونُ عاقلاً عاديّاً، ولا حِسابياً مَادياً، بل يكونُ عقلهُ مُنوّراً بنورِ القلبِ، ويَتبعُ القلبَ المُضحيَّ المُرشدَ في الأفقِ البعيدِ، ويتخلّى عن حساباتهِ النفسانيةِ الضيّقةِ.

هذا العقلُ هو الذي يَمتلِكُ فَطنةً ويدرِكُ أخباراً خاصّةً ويَسمعُ ما لا يَسمعُهُ الآخرون. يَكتسبُ وقاراً ويَنتفي منه الخوفُ تماماً، ويَصلُ إلى التوازنِ النفسي.

ثم يكونُ كالرياضيِّ الذي أعدّ جسمَهُ وأحسَّ بالدفءِ الذي يُمكّنهُ من أداءِ مهاراتهِ.

حرارةُ البلايا تُعيدُ صاحبَ القلبِ إلى وعيه وتجعلهُ أقوى وتُعطيهِ الهمّة. عند هذه النقطةِ تظهرُ المحبّةُ والحرارةُ: مقامٌ لا يخافُ فيه صاحبُ القلبِ من الانكسار، وينفذُ كلَّ الأوامرِ والنواهي وهو يحبّها، فتَصبِحُ عبادتهُ حبّيةً، وليس تكليفيةً.

يحبُّ السيرَ في الطريقِ ولا يعتبرُ العملَ فيه واجباً بحتاً، بل يجدُ لذّةً فيه.

ما يهمّ هنا هو الدفء الداخلي الذي يولّدهُ هذا الحبُّ. مَن يُحبُّ لا يعملُ من أجلِ الأجرِ، ولا يصلي رغبةً في الجنةِ، بل لأنه يُنعمُ عليهِ اللهُ بالقدرةِ على العملِ والعبادةِ.

في مثلِ هذا الإنسانِ لا يُوجدُ رياءٌ، فالرياءُ يُمحى بحُرارةِ المحبةِ التي تَحترقُ في قلبِ السالكِ.

أولياءُ اللهِ همُ بحارٌ من المحبةِ المتدفقةِ، حتى إنّهم يَقبَلونَ المرَّ بحُلاوةٍ ويَتحمَّلونَ الألمَ بإخلاصٍ.

من يُحرَّرُ بحَرارَةِ المحبّةِ لا يَشعرُ بالألمِ، وحُبُّهُ للهِ وللوجودِ لا يُفهَمُ من قِبلِ العاديين، بل يُفسَّر أحياناً عن جهلٍ إلى عداوةٍ أو سوءِ نيةٍ.

نفي الطمع من الله تعالى

بعد تخلق القلب وتقدمه بالحبّ والحرارة، يُتهيأُ للروحِ أن تولدَ ويَظهر مقامُ الولاية، وينفي الطمعَ من اللهِ تعالى، فيشرقُ نورٌ لا يَدخُلُ شكٌّ أو ريبٌ فيه، ويصلُ إلى يقينٍ تامٍّ لا يبقى له شيءٌ مظلمٌ أو مشكوكٌ فيه.

إن أُخذَ الإنسانُ بالقلبِ إلى مقامِ الولايةِ دونَ أن يكونَ له روحٌ، يُصبحُ جسدُهُ فارغاً، ولا يبقى من رماده شيءٌ، وإنما يحترقُ كلياً.

يجب أن نعلم أنَّ الهيكلَ القلبيَّ وحدهُ لا يَكفي لبلوغِ الولاية، فهو كالسيارةِ مقارنةً بالطائرةِ، إذ يحتاجُ إلى طاقةٍ خفيفةٍ تحملُهُ في الفضاء، وهذه الطاقةُ هي الروح.

اللهُ يُلقي بلاياه على أولياءهِ الكاملينَ، فيحطّمُ مظهرَهم ولا يكسرهم، ويخرجُ ذاتَهم من داخلهم، كأنّهُ يُخرجُ عظامَهُم وهم واقفون.

هذا ما يجعلُهم في حيرةٍ بين «أنا» و «هو»، ثم يُنفخُ فيهم نسيمُ الرحمان ليُدركوا أن الذي فيهم ليس «أنا»، بل هو، ورائحتهُ لا تشمّ رائحةَ الخلق.

بدء ثقَلِ بابِ الولاية هو في هذه المرحلة، التي تُدعى بابَ البلاء، حيث يَبدأ البلاء الحقيقيُّ.

يَشعرُ الوَلِيُّ بالوحدةِ والغربةِ، ويرى الجميعَ حقّاً، لكنهم يرونه «أنا».

هذه المرحلة هي مرحلةُ أودِيَّةِ الذاتِ، حيث يَتألَّمُ الأولياءُ ويَتألَّمون.

الوليُّ لا يستطيعُ الانعزالَ عن خلقِ الله، بل يَتولى أمرَهم، لكن الناسَ لا يطيعونه، ولا يُعيرونه اهتماماً.

يرى أنه يَسيرُ على الطريقِ الحق، ولكن الآخرينَ لا يَتبعونه، ورغم أنه يَدعوهم بالمحبة، فإنهم غارقونَ في حساباتِ العقلِ الناقصِ ومكائدِهم المألوفة.

هذا الجهلُ والغفلةُ التي تُعمِّمُ الناسَ تُعيقُ الأولياءَ وتُضعِفُهم.

في مقامِ الروحِ، يَتولى الوليُّ أمرَ الخلقِ ولا يستطيعُ تركَهم.

مَن يَكونُ في أودِيَّةِ الذاتِ ينفي الطمعَ من الله تعالى، ويقول:

«مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ، وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ، فَعَبَدْتُكَ.»

مَن يَمتلِكُ الشجاعةَ لقولِ هذا الكلامِ، فَإنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ لا يُعدُّ شيئاً لهُ.

هذه الشجاعةُ هي مَن يَمتلِكُها كما فعلَ أميرُ المؤمنين في حضرةِ الله، وهو يُخاطِبُهُ بكافٍ: لقد شربتُ كأسَ البلاءِ كلها دفعةً واحدةً، ولهذا أجرؤ على اللقاءِ مع الحقِّ والتحدثِ إليه.

يَكونُ الوَلِيُّ في غربته، لا يراهُ أحدٌ، مع أنه يَرى أحوالَ الناسِ ويُميزُ خيرهم وشرهم، ولكنهم لا يسمعونَ له.

هو يريدُ أن يكونَ مع الله، لكنه لا يَبلُغُ ذلك، ولهذا يشعرُ بالغربة.

هو وحيدٌ في الدنيا والآخرة، وحتى أهل الجنة لا يُدركون حالهُ لأنهم مشغولون بالحور والقصور والجنان التي تجري من تحتها الأنهار.

هذه الغربةُ ظاهرةٌ، والوليُّ لا يَكتمها، بل يَخرجُ إلى الناسِ لمساعدتهم، ولكنهم لا يصدقونه، فيبقى غريباً ووحيداً ومنعزلاً.

يبعدُ عن الخلق وعن الله، لأنَّه لا يجد في كل شيء مكاناً يحتضنه، ويَفقد ذاته، فيتوه بين «أنا» و «هو»، فهو في طريق تجاوز الصفات والذات.

يصبحُ غريباً، وقلبه لا يَطمئنُّ، ويَشعر باليتمِ والعزلة والفقر، ولا يجد راحةً ولا ملجأ.

لا يريدُ «أنا» لأنها نسيمٌ زائل، ولا يبحثُ عن غيرٍ، ولا يجد الله أيضاً.

عندما يُلامسُهُ نسيمُ الرحمان، يجد نفسهُ في قاعِ فراغٍ كاملٍ، ولا يجد شيئاً يتمسكُ به.

هذا هو معنى «الغرق»، حيث تُغرقه أمواجُ البحرِ العاتية، ولا يدري الإنسانُ معنى الغرقِ إلا إذا غرقَ فعلاً، وخُلاصُ الغريقِ جاء في آخر لحظةٍ.

الغرقُ هو أقصى درجات الغربة.

السالكُ في الغربةِ ظاهرٌ، أما الغريقُ فيختفي ويَختبئ.

هذه المرحلة تُسمى «الغرق»، لا «الارتباك» أو «التيه»، لأن السالك لا يكون فيها ضائعاً، بل يدرك تماماً أنه ليس هو والخلق والله ذاتاً حقيقية.

السالكُ في الغرقِ يُذيبُ قلبه ويُحطّم وجوده.

عندما يدخلُ في الغيبةِ، يَفقد تشتتَهُ وارتباكه، ويرى أن لا شيء موجودٌ حقاً، ولا يستطيع أن يُمسك بأي شيء.

بعد الغرق، يدخلُ في الغيبة، حيث يختفي ويَغيب.

الغرقُ هو البحرُ الذي يَغرقه، والغيبَةُ لا ماءَ فيها ولا رطوبة.

في الغرق، لا يرى أحداً، لكن في الغيبة، يُضيء الحقُّ له ويُظهر ذاتَه.

مَن يَكون في الغيبةِ يعيش أقصى درجات الوحدة، كأنه يَحتسي وحدته وحدها.

يحتاجُ إلى قلبٍ واسعٍ جداً، حتى تَحتوي فيه البحارُ، ويَكون العرشُ الإلهيُّ في ركنٍ من قلبه.

تمكّنُ الولي

بلايا أودية الذات والغربة والغرق والغيبة تُؤهّلُ الوليَّ لله ليَمتلِكَ التمكنَ، ويَبلُغ المحبةَ والوصولَ إلى الله تعالى، ويَحصُل على الولايةِ الكاملة.

حينئذٍ يُسمّى «وليّ الله».

الوليُّ يدخل في الحقائقِ، وتَظهرُ له الحقائقُ، ويَسيرُ في طريقِ الكمالِ والمحبّةِ، ويُعلّمُ خلقَ الله، ويُرشدُهم، ويَحتويهم.

سالك به باب توحيد كه مى‌رسد مى‌خواهد به تعبير ما به كُنده‌ى حق بنشيند و حق او را به كنده نشانده است و مى‌گويد مى‌خواهم خاكت كنم به اين صورت كه به او اتصال مى‌دهد و دوباره به او انفصال مى‌دهد و دوباره اتصال مى‌دهد و انفصال مى‌دهد و فانى مى‌كند و باقى مى‌نمايد تا آن كه سالك، خود را از ياد ببرد و چيزى جز خداوند براى او باقى نماند و خرابِ خراب حق شود و گمِ گم خلق گردد و به طور كلى بريزد و طمع از دست دهد و فانى شود؛ يعنى موحد گردد و به وحدت رسد؛ وگرنه اگر با دوبينى و با حفظ خويشتن خويش به خداوند وصول يابد، طمعى دارد كه حتى مى‌خواهد مقام خداوندى را بقاپد و خدا را پايين و خود را بالا كشد؛ چراكه چنين شخصى طمع كمال دارد و خداوند كل كمال است.

الترجمة بالعربية الفصيحة الأكاديمية:

عندما يبلغ السالك باب التوحيد، يرغب، حسب تعبيرنا، في الجلوس على جذع الحق، وقد جعل الحق ذلك الجذع موضعه، ويقول: “أريد أن أدفنك”، وذلك بأن يوصله ثم يقطعه عنه، ثم يعيده للوصل، ويقطعه، حتى يفنيه ويبقيه، إلى أن ينسى السالك نفسه، فلا يبقى له شيء سوى الله، فيصبح خرابَ خراب الحق، وضائعَ ضياع الخلق، وينهار تماماً، ويفقد الطمع، ويُفنى، أي يتوحّد ويصل إلى الوحدة الحقيقية. وإلا، إذا وصل إلى الله بعينين، محافظاً على نفسه، فلديه طمعٌ يريد به أن يغتصب مقام الربوبية، ويخفض الله ويرفع نفسه، لأن هذا الإنسان يطمع في الكمال، والله هو كمال الكمال.

تبارك اليوم الذي كان القلب فيه غارقاً في الله!
وكان نداء القلب نداء الرفيق والألفة.

فابتعد القلب عن الغريب، وصار رفيق الحق!
جالساً، متفرّغاً من كل العالمين.

إن إسقاط المعاني الصوفية ـ التي تتسم باتساعها ـ في قالب ترنيمة، مع محدودياته، أمر عسير؛
لكن هذه اللغة العاطفية تُمكّن معرفية القائل من أن تكون أكثر حرية من النثر، وخالية من السخريات الخبيثة،
وتكشف عن أسرار رقيقة قد لا يتحمّلها الظاهريون مع التعبير المباشر وغير العاطفي،
حتى لو كانوا من أفضل أهل العالم؛ لأن كأسهم الصغيرة لا تحتمل محيط البحر، فيتهيّجون سريعاً ويتصدعون.

لم أرَ أهل معنى في العالم،
ورغم أن أحسن أهل الدنيا ليسوا قليلاً!

لكن الفرق بين الاثنين هو:
أحدهما كاليَمّ، والآخر كالرَّطوبة.

ولكن قصة عشق هذا القلب ليست حديثة،
بل نقش حيويته ونضارته أزليّ.

يا الله، لقد ربطت قلبي بك كلياً،
فإنّ المرافقَة معك هي الأفضل.

تجاوزتُ صخبَ الدهر،
فمن البداية إلى النهاية كان قلبي أسيرك.

قلبٌ لا يبتغي من قلوب ذرّات الكون سوى الصفاء:

إن كان معروفاً بلون وشكل الزهرة،
فقلبي مألوف بلونها وشكلها.

لقد وُلد قلبي معبداً للزهور،
حتى صار الوجه مكرّساً للزهرة.

متى ترى عينيّ غيرك؟
وأين يحلّ غم الدنيا في قلبي؟

أنا أسيرك، ولعلّ في يومٍ ما،
ينثر قلبي من حبك ابتسامة وردية.

الحديث عن القلب والعشق ينتهي بهذا البيتين الأخيرين،
وهي آخر ترنيمة في الديوان الجميل،
وختام الكتاب يتميّز باختيار حسن،
حيث تبلور أسمى درجات الشعرية والخيال في الشطر الرابع،
معبّراً عن الانفصال عن التعلّق بجمال حسّي متناغم مع المعنى والمضمون:

حرّرني من عالميْن، ويا لي من حال!
قلبي بأكمله انزلق عن موضعه.

لا أدري ما الذي حدث في القلب بأنين،
فانفصل القلب عن العالم كقطع الناي.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V