البطاقة التعريفية
العنوان: تذكار العلماء الدينيين: تذكار المبادئ الاثني عشر للنظام اللازم للعلماء والرُّوَحانيين
المؤلف: (مواليد 1948م)
مكان النشر: إسلامشهر، منشورات صباح فردا، 2012م
عدد الصفحات: 106 صفحة
رقم الكتاب المعياري الدولي: 978-600-6435-85-5
الموضوع: الروحانية – الأخلاق المهنية – الجوانب القرآنية
التصنيف في مكتبة الكونغرس: BP104 / ر93 ن8 1391
التصنيف العشري: 297/159
رقم الفهرسة الوطنية: 2997083
محتويات الكتاب
المقدمة … 7
المبادئ الاثني عشر للروحانية
المهاجرون في سبيل الله … 17
رسالة المجتهدين الدينيين … 18
ميثاق العلماء الرحيمين … 23
نظام الأستاذية … 38
طلبة العلوم الدينية بين المشقة والراحة … 46
تنظيم النظام المالي والعلمي والسلوكي للطلاب … 58
العلم الإنتاجي والعلم الجماد … 87
قوة العلوم التجريبية … 91
الابتعاد عن العلوم الوهمية … 94
الحفاظ على روح البساطة والنقاء … 96
النظام المنظم في الدعوة … 99
كن ثمرة الفن … 101
المقدمة
يمضي أكثر من ألف سنة على فترة الغيبة الكبرى. هذا هو عصر نهاية الزمان. ألف سنة حُرم الناس من بركة حضور المعصوم عليه السلام العلني والعام. ألف سنة لم يسمع أحدٌ خطبة هادية أو مرشدة. سحابة الغيبة الكثيفة قد غطت كل مكان، وأعداء الحق والروحانية يحملون في أيديهم قوى مادية وأدوات إعلامية، مثل سينما الجنس والعنف، ليغرقوا الجميع في الماديات. علوم هذا الزمن الأخيرة أصبحت شراً وحجاباً عظيماً يعقد القلوب ويقفلها بإحكام. قلّ من يجد عالماً يحمل القرآن الكريم في يده، ويظهر وجهه صفاءً ملكوتياً يذكر الناظر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نهاية الزمان قد تبدلت وجوهها؛ أحدها يختنق من تراكم رأس المال، والآخر يموت من البرد بعد فقدان مأوى.
تنتشر الأخبار المزعجة، كالحوادث، والموت، والكوارث الطبيعية، بشكل متسارع عبر الإنترنت والقنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى، ويعاني الناس من التوتر والضغط النفسي. لم يعد بإمكان العقل المعاصر أن يتأمل صفحة واحدة من القرآن أو يصلي صلاةً خالية من الشك. نعيش في عصر اتصال تتدخل فيه الأخبار السلبية يومياً في نفسية الإنسان، كما لو كان حاضراً في مسرح الجريمة نفسه، وهو ينهك كل يوم قليلاً من روحه. في مثل هذا الجو المتداخل، كيف يمكن للطالب الديني أن ينهل علماً نافعاً لا يخلق الشر ولا ينتج البؤس؟
يجب أن يعيش الطالب في هذا العصر حياةً يباركه الله بها كما يجب: “إلهي إفعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله”. في عصر الغيبة حيث تتشابك الآفات، وينساب مدّ نفايات الكافرين في مجاري بلدان المؤمنين، كيف يحيا الإنسان بلا أذى، دون أن يتنجس، محمياً من آثار سوء الآخرين؟ الروحانيون هم خلفاء الأنبياء في عصر الغيبة. في أي نظام تعليمي وتربوي يمكن أن ينشأوا ليصبحوا أهلاً لهذا الدور الجلل؟
كان الأنبياء الهداة علماء سماويين يمتلكون علماً لدنياً، أما الروحانيون فلا بد لهم من الدراسة والبحث حتى يكتسبوا القدرة على الاجتهاد والاستنباط. كان الأنبياء أصحاب قلوب صافية خالية من الحقد، وكان موسى عليه السلام تلميذاً لشعيب عليه السلام، ثم للخضر عليه السلام. لا بد أن نعرف الأنبياء والعلماء المعاصرين الذين بعضهم أفضل من أنبياء بني إسرائيل، لكي نفهم لماذا هم كذلك.
مع أن الأئمة الأربعة عشر عليهم السلام فوق الزمان وحاضرون في كل حين، إلا أنه من غير الواضح إن التقى مثل موسى وشعيب عليهم السلام بالعلماء المعاصرين، هل كان الأوائل أفضل؟ علماً أن الأنبياء كانوا معصومين ويتمتعون بالعلم اللدني، والعلماء المعاصرون بحاجة إلى الاجتهاد والتجديد ليكونوا فاعلين.
…
(19)
لغة هذه الآية تتصف بالحصر: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»، حيث تحصر مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في التبشير والتنذير فقط. وهذا يعني أن العالم الديني إذا أراد أن يحمل رسالة دينية، فلا ينبغي له أن يتقلد مقاماً آخر غير هذا. لم يعذب الله أمةً بيد نبيها قط، ولم يكن لهم دور مباشر في العذاب، بل كان العذاب ينزل بواسطة وكلاء وملائكة الله، وكان النبيون دائماً يقتصر دورهم على التبشير والتنذير. ولا يُذكر في التاريخ أن أحداً قد قُتل على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأن مقام القيادة والولاية في النظام الإسلامي مقام رحمة وعطف. يجب أن يُنظر إلى القيادة الدينية في هندسة النظام الإسلامي كمأوى للناس، حيث يلجأون إليه في أشد الأوقات وحالات اليأس من كل شيء. للعلماء الشيعة والخبراء الدينيين دور محوري ووحيد في تحقيق هذا الهدف. عليهم أن يبتعدوا عن الأعمال التنفيذية والأمنية والاستخباراتية، ويحافظوا على مكانة القيادة الدينية وإدارة المجتمع،
(20)
ويهيئوا الظروف لكي يلجأ الناس إليهم في أزماتهم، لا أن يتعرضوا للحكم بالعقاب أو التأديب بيد العلماء. ليس ضرورياً أن يكون القاضي في النظام الإسلامي روحانياً، فكيف إذا كان مجتهداً! يكفي أن يتولى القضاء في النظام الإسلامي خبراء في الفقه الإسلامي، ممن لديهم دراية بعلم الاجتماع وعلم النفس، ويباشرون النظر في القضايا وتنفيذ الحدود والتعزيرات، على أن يكون فقط فقيه مجتهد مؤهل هو المسؤول عن إدارة القضاء وقيادته. يجب أن يعلّم العالم والمجتهد علم القضاء لغيره ويكون مربياً للقضاة، لا قاضياً للفصل في الدعاوى. ويجب اختيار منفذي الأحكام من المؤمنين، لا من رجال الدين. فإذا كان القاضي مجتهداً وحكم بناءً على فتواه، فإنه يعطل النظام القضائي، وإذا كان من أهل العلم يحكم، فذلك يقتل القدرة على تأهيل العلماء والروحانيين، لأن الناس يرونه منفذ العقاب لا عالماً هادياً يمكن اللجوء إليه. ولا يختلف الأمر في المناصب الأمنية والاستخباراتية، فإن تولي العلماء هذه المناصب يفقدهم ثقة الناس، فالعمل في هذه المناصب لا يقدم إلا مساعدة بسيطة للنظام الإسلامي، ولا تقارن بخسائرها الطويلة الأمد.
يجب أن تكون لدى القيادة والروحانيتهم معلومات شاملة ودقيقة عن المجتمع وبيئتهم، لكن من دون تدخّل في الأمور التنفيذية. يجب أن تؤمن الأجهزة القضائية والأمنية المعلومات اللازمة عبر أفراد مسلمين متدينين من المجتمع، مع الحفاظ على قداسة ونقاء الروحانيين كمأوى للناس. في بداية الثورة، أصر بعض السادة علي أن أتولى مسؤولية أحد الأجهزة المهمة، وكنت أراها ضرورة كبيرة. فقلت لهم: حتى لو أمرني السيد الخميني، أعتبر الامتناع فرضاً ومحرماً علي. علينا دائماً أن نتحلى بالوعي والعقلانية ولا نتصرف بعواطفنا.
(22)
محتوى العلوم الدينية يتراجع مع خروج العلماء، وهذا يسبب أضراراً كبيرة.
هذه الرؤية تستند إلى نصوص الكتاب والسنة الإلهية، التي لم يكن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم هو المباشر في تدوين الوحي، بل كان أميناً موثوقاً يشرف عليه فقط.
(23)
ذكر «3» ميثاق العلماء الرحمنين:
«وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا…» (الفرقان: 63-76).
- عباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض بتواضع ورفق، وعندما يخاطبهم الجاهلون يردون بالسلام واللطف. وهم الذين يسهرون الليل سجودًا وقيامًا لربهم، ويتضرعون إلى الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم، التي هي موضع سوء ومقام شديد. وهم الذين ينفقون أموالهم باعتدال، لا إسراف ولا بخلاً، بين ذلك قوام. وهم الذين لا يشركون بالله إلهًا آخر، ولا يقتلون النفس التي حرّمها الله إلا بحق، ولا يرتكبون الزنا، ومن يفعل ذلك يلق عقابًا مضاعفًا في الآخرة. إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا، فإن الله يبدل سيئاتهم حسنات، وهو الغفور الرحيم.
(24)
- هذه الآيات تشكل ميثاقًا أخلاقيًا وروحيًا للعلماء الربانيين، الذين يجب على طلاب العلوم الدينية أن يتمسكوا به. العالم الشيعي ذو القداسة والروحانية هو الذي يظهر تواضعًا في سيرته، ولا يخافه أحد رغم هيبته الروحية وجلاله السماوي. لديه رحمة عميقة تجعل الجميع ينظرون إليه بعين الأبوة، بل ويأوي إليه الخطاة.
- لباس العلماء الديني يحمل قداسة ملكوتية، يدعو الجميع بتواضع للالتحاق به. على أهل العلم أن يحترموا لباسهم، فقد وهب الله للشيعة به احترامًا متينًا يمتد لألف عام، جماله ووقاره لا يوجد في أي لباس آخر. على علماء الشيعة أن يقتدوا بأسلوب الإمام علي عليه السلام، الذي كان يعامل الجميع بمحبة، حتى كان يركب على ظهر صبي، ويظهر لطفه مع الضعفاء. يجب أن يكونوا لينين لا صارمين ليقربوا الناس إليهم، فهم يمتلكون روحانية كبيرة ولباسهم مليء بالنقاء والسمو.
(25)
- يجب أن يكون ظاهر وباطن العالم الديني ناعمًا، فلا يخيف الناس، بل يفتح لهم أبواب الدفء واللجوء. عليه أن يكون كالله الذي يلجأ إليه الجميع، كما في الدعاء: «اللهم إني أفّر إليك منك»، أي أن الإنسان يفر من الله الحكيم القاهر إلى رحمته ورقته وكرمه، فهو الملجأ الحقيقي.
- الإنسان القاسي والعنيف يسير بثبات لكنه يرعب الآخرين. الأنبياء كانوا لينين في الأخلاق والمشي، كانوا يرتدون النعل وليس الأحذية العالية التي تدل على الاستكبار والاستبداد.
- صفة أخرى لعباد الرحمن هي أنهم لا يغضبون عند الإساءة، بل يردون بلين وحسن خلق: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا». مهما قال الجاهلون لهم، يردون بالخير واللطف.
(26)
- كما يؤمنون بجهنم، فلا إيمان لجهنم إلا بعباد الرحمن.
- الفكرة: «فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» في الآية 70 تشير إلى أن الفلاسفة الذين اعتقدوا بأصالة الوجود على حساب الجوهر، قد أخطأوا، لأن الحقيقة يجب أن تكون موجودة، وليس مجرد أصالة، والماهية لا مكان لها. تبديل السيئة إلى حسنة هو انقلاب ماهوي، والذي ينكره الفلاسفة.
- وجود الحقيقة له معنى، لا أصالة وجود فقط، والماهية ليست ذات أهمية. فكل شيء يمكن أن يتحول إلى شيء آخر بحسب الشروط، وليس هناك حدود صارمة في عالم الوجود.
(27)
- قول الله «وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» يعني أن رغم تحول سيئات العباد إلى حسنات، يبقى لهم نقص في القيامة يعوضه الله برحمته وغفرانه. فلا يبخل الله في رحمته ولا يضاهيه أحد في عطائه. يجب أن نمدح الله ونعلن: عاش الله! ولا نعتمد على غيره، فهو وحده الذي يغفر الذنوب ويتجاوز عنها، وهذا العفو لا نجده في الأنبياء. إن شاء الله يعفو عنا ويغفر لنا ويتجاوز.
(28)
- طوبى لأولياء الله الذين يحبون الله من الأزل إلى الأبد، لو كان الله مأكولاً لما تركوا منه شيئًا. لا يعطون خالقهم الحبيب لأحد سواه.
- الله يشتري أعمال عباده يوم القيامة بثمن عظيم:
«فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (سجدة: 17).
(29)
- في هذه الآية أهمية كلمة «بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، فالعمل أقل مرتبة من الفعل ولا يتطلب فاعلاً ذكيًا. الله يشتري في الآخرة كل عمل صالح، بينما أهل الدنيا يبيعون متاعهم بثمن زهيد. أهل الآخرة فقط يتعاملون مع الله.
- الله يشتري الأعمال بثمن باهظ، واسم يوم القيامة «يوم التغابن» لأنه فيه يشترى كل شيء حتى الزائد من الأعمال، بينما الذين باعوا في الدنيا خسروا كثيرًا. لذا يجب على الإنسان ألا يبيع نفسه في الدنيا، بل يودع كل شيء عند الله الثمين.
(30)
- مع بداية الحرب، أُغلق محل صائغ ذهب صالح التاجر وذهب للجبهة. قيل له: ماذا عن عملك؟ قال: ربحتي هنا، أغلقت المحل وأعمل لوجه الله، فذهبتي الذهبية تزداد قيمتها يومًا بعد يوم، وفي النهاية…
- (31)
- لقد نلتُ فضل الجبهات وأيضًا تجارت الدنيا.
- بائعو الخضار يبيعون ثمارهم الطازجة بأسعار مرتفعة ولا يقبلون بأرباح أقل، أما الفواكه الذابلة فيبيعونها لأي سعر يطلبه الزبون؛ لأنهم يعلمون أنه إذا لم تُبع، ستُرمى.
- كما أن الدول تحولت إلى إعادة تدوير المواد، بل تشتري حتى النفايات. تقوم بطحن العظام وتستخدمها في الصناعات الغذائية. في الوقت الحاضر، بيع المخلفات يدرّ ربحًا أكثر من أي شيء آخر، خصوصًا مع الاحتكار الموجود في هذا السوق، لأن الأشخاص المتكبرين لا ينخرطون في هذا العمل. والقيامة مثل ذلك، فكل عمل صالح يصدر من المؤمن، حتى وإن كان عن جهل، يُشترى منه بثمن غالٍ، كما قال تعالى:
- {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يَطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 71).
- حتى يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطيع الله ورسوله فقد نال فوزًا عظيمًا.
- (32)
- يقول الله تعالى: إننا نصحح جميع أفعالكم ونغفر ذنوبكم، لذلك يُقبل الجميع ويبلغون {فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} إذا كانوا مؤمنين وملتزمين بطاعة الله ورسوله.
- تصف الآية 72 من سورة الأحزاب عباد الرحمن بأنهم لا يشهدون بالباطل، ولا يلاحقون السيئات، بل يعفون عنها: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}. هؤلاء عباد الرحمن هم أولياء كرام، لا يرون عوجًا في عباد الله بل يتجاوزون عنه برحمة كريمة، وإن بدا لهم ذلك ظاهريًا. بل إن بعض العارفين الضعفاء والمرضى يرون عيب المريد في أوقات الغروب، مع أن الليل في العوالم العليا وقت يذهل فيه العقل، ومن يدور في بيوت الناس في الليل فهو جاهل ضعيف يحتاج إلى رعاية نفسية واهتمام.
- أولياء الله يرفعون رؤوسهم إلى السماء في الليل ولا يرون سوى الأعلى، لا يرون الأسفل ولا حتى أنفسهم، ولا يتكلمون عن رؤاهم إلا للضرورة.
- (33)
- ليس من الضروري أن يكون عباد الرحمن بلا طلب دنيوي، بل يقولون: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}؛ يا الله، ارزقنا زوجات وأولادًا يكونون فرحة للعيون، نقيين صافين. ثم يستمرون في الدعاء: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}؛ اجعلنا قدوة للمتقين! هؤلاء عباد الرحمن لديهم أفق واسع ونظرة روحية عالية، ويطلبون من الله أن يكونوا قدوة وليست لهم رغبة في السيطرة الدنيوية، وإنما يريدون القرب من الله، فلا يكون بينهم وبينه حجاب أو وسيط.
- وجود علماء متزهدين من أهل الله في الأمة يجعل الناس متقيدين بالقانون والدين، ويمنع الفوضى. كما أن الحوزات العلمية تستند إلى وجود هؤلاء الأولياء والعلماء الكبار، وإذا خلت منهم وهاجروا إلى مراكز علمية أخرى، كطهران، فإن طلبة الحوزات يفقدون أسوة العلم والمعرفة ويصبحون سطحيين.
- (34)
- إن آثار العلماء الربانيين الذين عاشوا تحت هذه السماء لا يمكن إنكارها، وإن عظمة هؤلاء العلماء تتعرض في أحيان كثيرة لتشويه شخصية من قبل الأشخاص المتطفلين والدنيويين، الذين يبعدونهم ويجعلونهم معزولين، وهذا الانعزال يخلق فجوة في الإسلام لا يمكن ملؤها.
- إذا تعرض عالم ديني لتشويه أو فقد قوته الاجتماعية أو منع من نشر العلم، فإن هذا يُحدث خللاً كبيرًا في الدين لا يعوض.
- (35)
- يجب على الحوزات العلمية أن تقدر وجود العلماء الكبار، ومن هؤلاء الفقيه العظيم آية الله بروجردي ، الذي رغم محاولات التشويه، ظل راسخًا في منصب المرجعية.
- يذكر أن بعض الذين عارضوه قد تم استدعاؤهم لسماع رأيهم وتصحيح أخطائهم، لكنهم استمروا في التجريح، ومع ذلك أظهر بروجردي تسامحًا وحكمة عالية.
- (36)
- كانت الحوزات تقدر علمه كثيرًا حتى صار المرجع الواحد للشيعة في زمانه. وعندما كان سيد بروجردي يدخل مدينة قم، ألقى السيد فلسفي منبرًا مخاطبًا العلماء المتنافسين بالآية: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ}.
- (37)
- رفض بروجردي بعض أعمال الفدائيين، ما جعل البعض يحاولون تشويه صورته، لكنه بفضل الله لم يُفلحوا.
- في موقف آخر، عندما جاءه أحد المسؤولين ليشكو عالمًا يتلقى راتبًا ويُدخن النارجيلة، أجابه بروجردي بأن يزيد راتبه ضعفًا، معالجًا بذلك المشكلة بحكمة.
- (38)
- ثم يناقش النص آيات من سورة المائدة التي تتحدث عن التوراة والأنبياء الذين حكموا بها، وكذلك عن عيسى عليه السلام والإنجيل الذي جاء مصدقًا للتوراة ومرشدًا للمتقين.
- (39)
- يوضح النص أن النظام التعليمي الحقيقي في الحوزات يجب أن يكون قائمًا على الأستاذ وليس الكتاب، فالأستاذ هو الذي يشكل شخصية الطالب، لا مجرد قراءة الكتب.
- (40)
- ويدعو إلى أن يعتمد النظام الحوزوي على الأستاذية منذ البداية، مع تقسيم دقيق لمراحل التعليم وفقًا لمهارات وأساليب المدرسين، وليس فقط بحفظ الكتب واجتياز الامتحانات.
- (41-44)
- يشبه النص طلبة الحوزات القدامى الذين كانوا يتلقون العلم من أستاذ واحد محب ورحيم كأطفال في حضن الأم، بطلاب الحوزات الحديثة الذين يغيرون أساتذتهم كثيرًا، فيصبحون مثل أطفال دور الأيتام الذين رغم توفر كل الإمكانيات، يشعرون بفراغ داخلي لعدم وجود الحنان والارتباط العاطفي بالأستاذ الواحد.
- في الماضي، كان الطلاب يعتمدون في جميع شؤونهم على أستاذٍ عالِم رباني، كان يُؤخذ كلامه ويُتبع بدقة، رغم أن ذلك لم يكن يرفع من راتبهم؛ أما اليوم، فإن هذه الملاحظات والملخصات باللغة الفارسية هي التي تجذب غالبية الطلبة، وهي بالطبع فعالة وعملية بحيث تزيد من راتب الأستاذ وتُثري سجله العلمي، لكنها تجعل الذاكرة محشوة بالمعارف ليومٍ واحد فقط ـ يوم الامتحان ـ وتأخذ من الطالب كلّ محبة وعشق وصفاء وروحانية طلبته، فتُحرّره كأنه طائر يغني أنشودة الموت ونهاية وجوده من ذلك الكتاب المكتوب بأيدي قدّيسين الأمس، والذي هو الأثر الوحيد الباقي من تلك الديار الروحية.
- ذكر “الطلبة الحرجين وغير الخاشعين”
- قال تعالى:
“كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ” [الأعراف: 2] - هذا كتابٌ أنزل إليك، فلا ينبغي أن يكون في صدرك منه حرج، لكي تُنذر به وتكون ذكراً للمؤمنين.
- البيان:
صحيح أن هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم تقول هذا، لكن يجب أن يُعلم أن الكتاب في حد ذاته أمرٌ ثقيل لا يحمل إلا التعب والمشقة، ولا يزول ثقل الكتاب إلا بالتفرغ والاستراحة الصحية؛ وإلا فإنه يجلب الإرهاق وضيق الصدر، ولا يستطيع القلب المثقل والذي لا يملك تفسيراً أن يؤدي دور الإنذار. - إن تحصيل العلم والدعوة الدينية ينجح فقط إذا كان الطالب والمبلغ لا يعانيان من ضيق نفس أو حرج، وكانا في حالة تفرغ.
- أحد المبادئ الأساسية في حياة الطالب الديني هو “الكتاب”. فالطالب رغم وجوب قراءة أفضل الكتب، ولا يمكنه القراءة بشكل مفرط، ويجب أن يستفيد كثيراً من الأستاذ، لكنه لا يمكنه الاستغناء عن الكتاب، والاهتمام به عملٌ شاق، رغم أن متابعة الأستاذ قد تكون أحياناً صعبة.
- في الوقت الحاضر، مع المشاق والصعوبات التي تواجه الحياة الدراسية والبحث العلمي في الحوزات الدينية، وخصوصاً في تأمين المعيشة للطلاب، يُصاب كثير من الطلبة بمشكلات نفسية وروحية، بحيث يحتاج علاجهم إلى فترة طويلة وربما إلى الإقامة في المستشفى، ولا يستطيع العلاج السريع إلا قلة منهم. فلا ينبغي أن يغضب أحد من هذا الكلام أو يعتبره تقليلاً من الاحترام.
- إن الروحانية على الرغم من قدسيتها، تعاني منذ أكثر من ألف سنة من اضطهاد الخلفاء العرب السنة والملوك الفرس، وقد تسببت هجماتهم في أضرار وحسرات كثيرة على جسدها. ومن واجب علماء الروحانيات في هذه الحوزات أن يفكروا في علاج هذه الأمراض، وأن يعرفوا أولاً نقائصهم ومشاكلهم ليتمكنوا من إصلاحها، بحيث يُنتجوا طلاباً طبيعين ومتوازنين وخاليين من الأنانية والطمع والتكبر، ليصبحوا قدّيسي العصر الحاضر، في وقت تُمسك فيه أيدي إعلاميات الغرب المضادة للدين بأعناق الشباب المؤمن.
- يجب أن يكون الطالب الذي يُقبل في الحوزة رباني النفس، وقد تم علاج أمراضه الروحية والنفسية ليصل إلى الحالة الطبيعية، وبعد ذلك يُسلم إلى أستاذٍ إلهي ليتعلم العلم، وعندها فقط يصبح خريج الحوزة عالماً مؤثراً وفعّالاً، قادراً على إدارة محافظة أو منطقة واسعة بحيث لا تحتاج إلى وجود عالم آخر، أما وجود مبلّغين لا علم لهم ولا أخلاق ولا روحانية، فلن يُثمر إلا في دفع الشباب والجماهير إلى معاداة الدين.
- ويجب أن يكون الطالب المقبول ذي عقلٍ قوي. العقل القوي والمُنشط يُعدّ من علامات حسن الهيئة وتناسب الجسم. العقل القادر على التحليل والتنظيم المنطقي يصدر أوامره بشكل صحيح في فترة التكوين الجنيني، ويؤدي إلى توزيع الدم بصورة متناسبة من القلب، ما يؤدي إلى تناسق الجسم. ليس من الضروري أن يكون الجسم سميناً، بل يجب أن يكون متناسباً، فكل عضو يُعطي الجمال بحجمه المحدد. بناءً على ذلك، يجب أن يكون من شروط القبول في الحوزة امتلاك جسم موزون ومتناسق. كما أنه لا يجوز أن يكون للعالم عيب خلقي في العضو، كما لا يجوز أن يكون للرسول عيب، وإن كان بإمكان من يعاني من عيب في العضو أن يتعلم العلوم الدينية وينمي فكره، فإنه لا يستطيع تولي المنصب الديني وارتداء الزي الرسمي، لأن هذا المنصب من حق الأنبياء فقط، الذين يجب أن يتمتعوا بصحة كاملة. ومن يعاني من أمراض مزمنة لا يستطيع الاستمرار في الدراسة، ووجوده في الحوزة يعد تبديداً للموارد.
- يجب أن يدخل الحوزة فقط من هم على دراية بأهدافها النهائية، ويخضعون لاختبارات نفسية متعددة لتحديد ما إذا كانت مواهبهم واهتماماتهم متوافقة مع هذه الأهداف، ويجب أن يتحول نظام القبول إلى نظام دقيق علمياً، بحيث نختار من بين ملايين الناس القليل المناسب، ولا يمكن لنظام القبول الحالي أن يواكب المعايير العلمية المطلوبة.
- نحتاج في الحوزة إلى طلاب ذوي طبائع نقية، وهذا الاختيار ينبع من العلماء الربانيين، لا من المعلمين الذين لا يمكنهم سوى التدريس. هذه المشكلة موجودة أيضاً في المؤسسات الحكومية، حيث تتم الانتخابات والاختيارات بصورة عامة وليست متخصصة وعلمية.
- وكما ذكرنا من قبل، فإن هذه الآية الكريمة توضح نتيجتين لإنزال الكتاب: «لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكرَی لِلْمُؤْمِنِینَ». يجب التنبيه إلى أن عبارة «لِتُنْذِرَ بِهِ» سبقت «وَذِكرَی»، وذلك لأن من لا يتنبه للتحذير ولا يتقي الله لا يمكنه أن يأخذ العبرة، وبلا مبالاة يصل إلى الهلاك.
- هذه الآية تبين الدور الفعّال للعلماء الربانيين في المجتمع، فهم الذين يستطيعون أن يلبسوا القرآن لباساً اجتماعياً وينظموا حياة المجتمع من خلاله. لا تستطيع الحملات الدعائية الدينية في السينما ووسائل الإعلام العامة، حتى لو كانت إسلامية بالكامل، أن تحقق الأثر الذي يحققه وجود وعمل العالم الرباني.
- العالم الرباني هو الذي يحمل حقيقة الروحانية والعلم معاً، وهو الذي حتى لو جلس أمام الكاميرا لا يتظاهر أو يتصنع، بل له القدرة على اختراق القلوب بصدق وتأثير، وجسده متناسب مع نور المعرفة والإيمان والتقوى الذي يشع منه. يمتلك أجود تعبيرات الوجه وأدق حركات الجسد، وأقوى الكلمات التي توصل المعنى إلى المتلقي، بحيث لا يمكن لأحدث الكاميرات وأمهر صانعي المشاهد واللاعبين المحترفين أن يحاكون تأثيره.
- أما العالم الذي ليس ربانيًا، والذي يتخذ مواقف التمثيل السينمائي، فيصبح مجرد شخصية عابرة، لا يترك أثراً في الدعوة، سوى ضحك سطحي مؤقت على حساب الدين.
- في المقابل، يتميز مبشرو الكنائس بأدوار تمثيلية، حيث يقدمون نساءً جميلات ذات شعر مموج إلى مجالس الوعظ، تغني وترقص وتتظاهر لجذب الجماهير، من أجل أن تقرأ بعض آيات الإنجيل وتنشر المسيحية. أما العالم الرباني فلا يحتاج إلى هذه الحيل الدعائية، فحديثه وحده أشدّ من السيف وأرقّ من الشعرة، وهو مؤثر في كل مكان يجلس فيه.
- الأنبياء الذين كانوا ربانيين، عندما تحدثوا، كان كأن الوحي ينزل عليهم، فكان الناس يخشونهم ويرتعدون ويذرفون الدموع. كانوا مؤثرين حتى على غير المؤمنين، يجعلون قلوبهم تلين للإيمان. لكن إذا لم يكن العالم ربانيًا، فإنه عاجز حتى عن إيقاظ المؤمن، مهما اتقن مهارات التمثيل والظهور.
- العلماء الربانيون يعيشون حياة عادية ودعوة بسيطة، فلا يلفتهم الناس بعاداتهم الغريبة أو مظهرهم السينمائي. وإذا كان عالم الدين يعيش حياة غير طبيعية ويثير الناس ويتخذ مظهر الممثل، فهو ليس نبي عصر الغيبة، بل من طائفة الشياطين الذين أخذوا لباس النبوة ليغفلوا الناس ويجرّوهم إلى الذل والضلال.
- يجب على الحوزات العلمية أن تميز بين الدعوة السينمائية والدعوة الربانية، ولا ينبغي للحوزويين أن يقلدوا مخرجي السينما الذين سيكونون بمثابة مهزلة في النهاية. يجب أن تترك السينما لأهلها، والدين لأهله، أي الربانيين. العالم الرباني قد لا يكون واعظًا رسميًا، لكنه بكلامه يحرك القلوب جميعاً، ويهدد أقوى الناس بجملة واحدة.
- كان حاج شيخ عباس قمي عالمًا ربانيًا، كان يقرأ آيات القرآن الكريم من المصحف مباشرة. وعلى الرغم من حفظه الجيد، إلا أنه كان يتحرى حرمة القرآن، وكان لا يقرأ من الذاكرة فقط.
- يروي ابنه أنه في مجلس خطبة حيث كان الهواء قوياً، كان يزعزع الخيمة، وكان يقول إن أي كلام له لا يجعل الخيمة تقف، لكن إذا طلب والده حاج شيخ عباس ذلك، توقفت فوراً. الشيخ عباس لم يكن مجتهداً لكنه كان طيب القلب ونقي السريرة. وكان يلقي الخطب في فيضية، وكان أساتذة كبار مثل حاج شيخ عبد الكريم الحائري يحضرون خطبه، رغم كونهم مجتهدين.
- ذات ليلة حلم الشيخ عباس بأنه يأكل لحمًا ميتًا، فاستيقظ مذعوراً وذهب إلى حاج شيخ عبد الكريم ليشرح له الحلم. وبعد تفكير عميق، لم يستطع أحد منهم إيجاد تفسير سلبي، لأنه لم يكن يجد أي ذنب في نفسه. ففكر حاج شيخ عباس أن السبب قد يكون أنه كان يقرأ الأحاديث من الذاكرة، وربما أخطأ في تسلسل السند أو الجملة. فقرر بعدها أن يقرأ كل الأحاديث من كتبها الأصلية. وكان حريصًا على ألا يقع في المعصية إلى حد أن هذا الاحتمال الوحيد خطر في باله.
- إن كتاب مفاتيح الجنان الذي كتبه لا يزال حيًا حتى اليوم، ويوجد في كل البيوت والمساجد الشيعية إلى جانب القرآن الكريم. وعلى الرغم من أن علماء آخرين مثل العلامة مجلسي والمرحوم الكفعمي قد كتبوا كتب أدعية، إلا أن كتاب حاج شيخ عباس نَسَخَهم جميعًا.
- (٥٦)
إذا قال ابنُ الشيخ عباس إنّ والدي يملكُ قوّةَ التسخيرِ والولاية، فإنّه صادقٌ في قوله. فالعالِمُ الربّانيّ له ولايةٌ على الظواهرِ الكونيّة، بحيثُ تُعَدّ كلمتُه بمثابةِ كلمةِ الله تعالى. ومن ثمّ جاء في الآيةِ التالية: - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾
(الأعراف: ٣) - أي: اتّبعوا ما أُنزِلَ إليكم من ربّكم، ولا تتّبعوا من دونه أولياء. ما أقلَّ ما تتذكّرون!
- والآيةُ السابقةُ كانتْ خطابًا للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، في حين أنّ هذه الآيةَ توجّهُ الخطابَ إلى المؤمنين، وتحثّهم على اتّباعِ ما أُنزِل من ربّهم، أي ما يُبلّغُهم النبيّ صلّى الله عليه وآله، فهو في الحقيقة قولُ الله نفسُه، وهذا هو جوهرُ الولاية. فإنّ الله تعالى وليٌّ على النبيّ، بحيثُ تُعدّ أقوالُه أقوالَ الله تعالى، فهو قريبٌ من ربّه تعالى قربًا خاصًّا. وهكذا العالمُ الربّانيّ، إذا بلغَ درجةَ الولاية، فإنّ أقوالَه وأفعالَه تُنسبُ إلى الولاية الإلهيّة، لا إلى شخصه. وأولئك وحدَهم الذين لهم ولاية، لا غيرهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، مع العلمِ أنّ طبيعةَ الإنسانِ تميلُ إلى الناسوت، ولا يتّعظُ إلّا قليلًا، كما قال سبحانه: ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾.
- والنتيجةُ التي يمكنُ استنباطُها من هاتين الآيتين، أنّ كلَّ عالمٍ لا يملكُ نفسًا سليمًا، وضيقَ الصدر، وليس له قدرةُ الإنذار، أي ليس ربّانيًّا، فإنّ كلامَه لا يُؤثّر، ولا يُسمَعُ له صوتٌ بين الناس.
- (٥٧)
وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
(هود: ٢٩) - أي: يا قومي، أنا لا أطلب منكم مالًا في هذه الرسالة، فأجري وثوابي عند الله وحده، ولا أطرد الذين آمنوا، فإنّهم يلقون ربّهم، ولكنّي أرى أنكم قومٌ تجهلون.
- ويمكنُ القولُ إنّ الحوزات العلمية تقترب من التقدّم الحقيقي حينَ تنفصل عن «الخبز» و«الثواب» و«اللامنظّمَة»، وتتّجه نحو «العلم» و«التقوى». فلا بُدّ من تأمينِ الباحثين في الحوزات، دون أن تكون نظرتُهم معلقةً على أحدٍ أو جهة. كما كان الأنبياء معصومين من الحاجة إلى الآخرين مادياً، فقد كانوا مستقلين ماديًّا، ومُزودين بعلمٍ موهوبٍ لا يحتاج إلى بحث أو تحصيل. أمّا العالِم فهو أشدُّ تعبًا من الأنبياء، إذ عليه التحصيلُ والبحثُ عمرًا طويلًا ليبلغَ الاجتهاد. ولا يجوزُ أن يكون البحثُ والتدريسُ رهينًا بالحاجة إلى الرزق أو الرواتب، كما لا ينبغي أن يُعدّ الفقرُ فضيلةً في حياةِ التلميذ الدينيّ.
- وقد قال الإمام علي عليه السلام إنّ العلم أفضلُ من المال؛ لأنّ العلم يقي الإنسانَ ويحصّنه، أمّا المال فلابدّ من حمايته بصعوبة، ومن هنا يمكنُ استنتاجُ أنّ المراد بالمال في هذا السياق هو المالُ الزائد عن الكفاية والاحتياج، فالمال الذي يغطي الحاجات يحفظ الإنسان، وأمّا المالُ الفائضُ فهو يحتاجُ إلى حفظ، وقد يكون سببًا في المرض.
- والواقع أنَّ حياة الطلبة الدينية اليوم ليست فقيرةً فحسب، بل هي تحت خط الفقر بشكلٍ كبير.
- (٥٨)
ويجب أنْ يصل طلاب العلوم الدينية إلى قوّةٍ ماليّةٍ تمكنهم من تلبية حاجات الفقراء والمحتاجين، وإلّا فإنّهم يفقدون مكانةَ القيادة، لأنّ القيادة هي حقيقةٌ تتطلّب القوة، ولا تتّفق مع الضعف. وقد كان ذو القرنين، أحد القادة الأقوياء، لا يطلب المال من الناس ليبني عمرانًا أو سدودًا، إذ قال: - «قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟ قَالَ مَا مَكَّنَّي فِي الْأَرْضِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا»
(الكهف: 94-95) - فهم يطلبون المساعدة البشريّة فقط، ولم يطلب المال، لأنّ قوة الله هي خير من مال الناس. ويشير هذا إلى أن عصر ذو القرنين كان عصر تقدم علمي متقدّم، حيث كانت السدود تُبنى بواسطة المعادن المذابة مثل الحديد والنحاس.
- وعلى العموم، يجب أن يكون لدى الحوزات نظام مالي قوي يسمح لها بالاعتماد على نفسها، بحيث لا تكون بحاجة إلى دعم الحكومات، بل تكون قادرةً على تلبية حاجات الناس أيضًا، وتمكين دعاة الدين من تغطية تكاليف نشر الدعوة دون أن يطلبوا أجرًا من الناس.
- والقرآن الكريم يذكر من أسباب رفض الأنبياء طلب أجر في الدعوة:
- «أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»
(الملک: 21) - أي: هل تطلب من الناس أجرًا؟ إن أجر ربك أفضل، وهو خيرُ الرازقين.
- وإن امتداد يد العلماء إلى الناس لطلب المال يُضعف ثقتهم، والعالم الذي يعتمد على الناس في رزقه يشبه المتسول، ولن تُؤخذ أقواله بجدية. إن كلام من يطلب المال على دعوته يكون لغوًا، خاصةً إذا كان لوجه الدين، فذلك فيه خذلان للنفس وللأمة.
- (٦٣)
إنَّ الله تعالى يأمر أنبياءه وأولياءه ألا يأخذوا أجرًا من الناس لقاء رسالاتهم ودعوتهم، لأنَّ الأجر من الناس يُفسد القلوب ويُضعف التأثير، كما أنّ الدعوة ليست مهنة تجارية بل رسالة إلهية سامية. من يأخذ أجرًا أو يعتمد على أموال الناس يُصبح أشبه بالمحتاج أو المتسول، وهذا يتنافى مع كرامة الإنسان وقيمة الرسالة. - وقد قال تعالى:
- «أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ»
- أي: أليس من الأفضل أن يكون الرزق من الله، الذي هو أفضل الرازقين، وليس من البشر الذين قد يُثقلون كاهل الداعية ويضعفون مكانته؟
- (٦٤)
ولا يجب أن يُفهَم هذا الأمر على أنّ الفقر أمرٌ محمود، بل الفقر للعالِم هو من العوائق التي تُضعف كلمته وتُقلل من تأثيره. فالعالم الذي لا يستطيع توفير حاجاته المادية ويعتمد على صدقات الناس، لا يمكنه أن يكون قائدًا روحيًا فعّالًا، وإن كان يُحترم شكليًا، فذلك احترامٌ ظاهريٌّ لا يُنتج تبعية حقيقية. - إن الحوزات العلمية لا بد أن تتطوّر حتى تكون منتجة للعلم والثروة معًا، وبخاصة من خلال العلوم التطبيقية التي لا تخضع للتقليد الديني فقط، وإنما تعتمد على المهارات العلمية والتقنية الحديثة.
- (٦٥)
وقد ورد في القرآن الكريم أمرٌ صريحٌ باتباع العلماء والدعاة الذين لا يطلبون أجرًا من الناس: - «اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ»
(سورة يوسف: 21) - فالمؤمن الحق هو الذي يدعو دون انتظار مكافأة مادية، وعبادته لله هي السبب الأساس في جهوده، لا الرغبة في المكاسب الشخصية أو المالية.
- (٦٦)
ومن هنا، يظهر جليًا أن نظام الحوزة يجب أن يُنظَّم ماليًا بحيث يضمن استقلالية العلماء والطلاب، ويمنع ربط دعمهم المالي بأداء الامتحانات أو التبليغ، لأنّ ذلك يُشكّل ضغطًا على الطالب ويُفضي إلى الفقر والاستضعاف، وهو أمر مرفوض في المنهج الشرعي. - إنّ التقدم العلمي والروحي لا يزدهر في بيئة تشجع على التبعية الاقتصادية، بل في بيئة تعزز الاستقلالية والكرامة المادية والعلمية.
- (٦٧)
كما أنه من الضروري أن يُراعى حال الطلاب المحاربين أو المتضررين نفسياً، فلا يُعاملوا بخشونة أو بتجرد من الرحمة أثناء الامتحانات، لأن ذلك ينعكس سلبًا على روحية العلم والدعوة، كما ذُكر في تجربة شخصية مع طالب جُرح في الجبهة. - (68)
- إذا كان الطالب طالب علم، فلديه العلم أم لا؛ كما أنه إذا كان موظفًا متقاعدًا وارتكب مخالفة فدخل السجن، فلا يجب قطع راتب تقاعده، لأن هذه الحقوق أيضًا من حقوقه كمواطن، وتعود إلى زوجته، ولا ينبغي لها أن تعاقب بسبب جريمة زوجها، إذ أن هذا الجاني ينام على سرير في السجن، بينما زوجته لا تجد لقمة تسد بها رمق أطفالها! والأجر الشهري للطالب وضع اقتصادي مماثل، فإذا لم يحقق نموًا علميًّا في إطار النظام التربوي، فلا ينبغي قطع أجر عائلته كعقوبة؛ بل يجب سحب الألقاب العلمية منه.
- ولا يجوز أن يُجرى امتحان لقطع هذا الأجر، لأنّه حقٌّ لزوجة الطالب وأولاده الذين كرّس وقتهم للعلم.
- وأما الذين يجريون الامتحانات، فبأي معيار يعملون على هذا الأساس؟ يجب عليهم أولًا أن يُمتحنوا هم أنفسهم؛ ليتبيّن أحقيتهم في الحكم بردّ الدرس أو قبوله، ثم يأتي دور الطلاب. ينبغي بدءًا، بأن يُمتحن المشاهير؛ ليُنجلي ما إذا كانوا حقًّا من أهل المعرفة، أو أنهم مجرد إعلام؟! وقد يكون الطالب قد تعلم من شيخه خطأً ثم جاء به في الامتحان فُرُدّ. نظام الحوزة العلمية اليوم يفتقر إلى القدرة على امتحان الهرم الأعلى، ويُضعِف الطلاب الضعفاء من خلال امتحانات مرتبطة بالأجر الشهري ـ وهو الذي يُقسم على أقساط، فلا يُدرى ما يصل إلى زوجته أو أولاده، إلا إذا كان غير راغب فعلاً في الطلبة.
- وأما امتحان العلماء الكبار، فيتطلّب طرحًا منهجيًّا وتقنيًّا عميقًا، وقد تحدثت عن ذلك في كتاب مستقل، حتى لا يبقى هذا التساؤل غير المحترم: كيف لشخص عاجز عن أمور حياته، محتاج إلى من يقيمه، أن يرتفع فجأة إلى امتلاك نفوذ يتيح له الضغط على مئات الطلبة؟
- بعضهم يخفض قيمة الأجر الشهري بحجة “عدم التأثير على النشاط الدعوي”. هذا التقدير الضيق دليل ضعف روحيّ، يخشى من قوّة نفس الطالب، مُظنًّا أنه إنبدوَّ فأخل بدعوته.
- (69)
- وتعدد دفاتر تقسيط أجر الطالب، أو يعبّر عن ضعف البرنامج التربوي للحوزات، أو عن ضعف توزيع الموارد فيها. فالدخل الحوزوي ليس بالقليل كي لا يتمكّن من توفير حياة كريمة للطلاب. حياة أئمة أهل البيت عليهم السلام كانت قائمة على الرخاء المالي، وهو ما ينبغي أن ينسخه الطالب ضمن إطار الاعتدال والعفاف؛ فلا تُصرف دفعة لغير المحتاج، إلا إذا تبين بأن الطالب طالب “لوذ” فيربية، وأُلزم حينئذ بإجراءات تأديبية.
- التوازن في حياة الطالب العالِم أمر جوهري. فكما للشّخص الاعتدال في تحريم الأكاذيب، له أبعاد عديدة، كذلك على الطالب أن يتحلّى بأن لا يتجه نحو الفقر المدقع أو الثراء المستعرض. فهذا الأخير، بامتلاك سيارة فارهة أبعد من قدرته الاستثمارية أو مالية المجتمع، يرصده كل رقاب؛ تعسفًا أو تفريطًا.
- وقد عرضنا نظامنا الاقتصادي الإسلامي في كتاب مستقل، وطرحنا قضايا الزكاة والخمس والوقف، وكذلك آليات الدعم المالي للعلماء. وفيه نبّها على أن الإمكان المالي العادل لا يعني الاكتناز، بل الاستثمار والتوزيع في مسار ميزاته الإسلامية. فالادخار بحسب هذا المنظور لا يتماشى مع روح الاقتصاد الإسلامي، الذي يؤيد قرض الحسنة بدلًا من الاحتفاظ الثري المؤثر.
- (70)
- ومن أجل إنعاش الحوزات، لا بد من إزالة “الدافع” من مرتبة أجر العامل. لا ينبغي للناظر أن يقول: “أنا أدرس لثواب”، فهذا دأب ضعيف، يقارب معنى التسويف. فالذين يكدّون في المصانع والصحراء، يواصلون العمل بجدّ، رغم أن مردودهم دنيوي. هذا بذاته، ممارسة إنسانية – وليسوا مشتَرين بمقابل معنوي وسطي.
- وإذا أصبح الطالب على الطريق، فلا يجوز انقطاعه؛ بل يجب أن يعمل ليلًا ونهارًا.
- والناظر الذي يُكوِّن ذاته من “غير الله”، لا يفاضل في ذلك: “إن أجري إلا على الله”، إذ هو ماضٍ لله وحده، دون أجر دنيوي ظاهر.
- (71)
- وأما القسم الثالث الذي يجب أن يُنتزع من الحوزات، فهو “اللامبالاة بالنظام”. فقد بيّنت آية “وما أنا بطارد الذين آمنوا” أن الرسول ﷺ كان منضبطًا في دعوته. ويجب علينا أن نعمل مثل غيرنا؛ فهل جربتم الخروج إلى الشارع في الساعة الثالثة فجرًا؟ تجد الخباز والجزّار وأهل النظافة يعملون، بينما كثير من طلبة العلم لا يعلمون حتى الزمن ولا الوقت.
- إن القعود والبطالة يجب أن يتم رفعهما من كاهل الطالب، ويُلزَم بالحضور المنضبط للدروس، مع اتّباع قواعد واضحة في طلب العلم.
- (72)
- وعلى الحوزات أن تُدخِل فيها عاملين: العلم والتقوى. فلا تنفع الحواضر بدون العلم؛ لأنّ من دون معارف، لن يكون فيها إلا “هؤلاء هم قوم تجهلون”.
- فكم هم ممن يتحدثون في الدين ويؤسسون لاءات الشبكات الأخلاقية، وهم ليسوا على حظٍّ من العلم الصحيح، ولا في معرفة كيف يُعرض الدين! وكأنهم على السفرة التي تُسكب فيها الطعام، الواحد يتناول بحجمه سواء كان صغيرًا أو كبيرًا. فاختزال الدين لهم، إنتاج وهم من العلم.
- (73)
- العلم الشرعي للعلماء لم يكن عمّا ينبغي؛ بعضهم أدّوا ما ينبغي من الورع، لكنهم افتقروا إلى الفهم، ولا ينبغي أن نجعل هذا معيار الاختيار. فإن كان الدين هو خيْر الناس، فالمطلوب المعرفة، وهو ما ينطق به العقل والتفكّر.
- فليس العبادات العميَقة وحدها؛ بل التعبّد مع الحكمة. وقالوا: “تفكر ساعة خير من عبادة سبعين ألف سنة” – شريطة أن يترافق بالورع، لا المتغطرس.
- (74)
- والأساس أن تتوسّع الحوزات في التعلم إلى كل الفنون والعلوم، بالاستنارة بأنظمة العلوم العقلية والنقلية، والتربية مع مرتكزات من الماضي. وفي الماضي، كان العارف جامع المعقول والمنقول، العلم والعقل والفن.
- (75)
- ولا يكفي أن يكتفي الطالب بالعلوم الدينية الظاهرة، بل عليه معرفة الحرف والفنون الحديثة؛ لا محاججًا، بل ليُطمئن أن خصومه في أي مجال يحاورونه ويتحاور معهم.
- ويُنصح بأن يتجول الطالب ثلاث أو أربع سنوات في عالم الواقع؛ كي يأخذ تصوّرًا ملموسًا عن ميادين الإفساد والبنان والعلم جدًّا. هذا يشتمل حتى قائمي المجازر ورياضة الجريمة والفضائح الخ. وهذا ما يمكّنه من فهم مشاهد حياته وتحديد أنصاره ومخاطبيه بوعي حقيقي.
- (76)
- فمن عرف فقط “يعرف الطيب ولا يعرف الخبيث”، فلا يحقق دور التوجيه. كأنّه طبيب لا يعرف المرض – فلا دواء فيه! أم أننا نريد أن نجعل المريض للحاكم بلا العِلم؟! 🙃
- وقد ألفت كتابًا بعنوان “الأضرار الاجتماعية”، وتناول أنواع الخمور ووصفها، مما أعقّب عليه تجاهُل تدخل الرقابة، رغم أنها أجّرت حذف بعض النصوص منه. لكن لنا موقف: فإن عرِف الخمار أنواع الشراب، سيعلم أنّه ليس بسُكر؛ لأنه فرضت مسائل من دراه بعلم.
- (77)
- وكذلك ألفنا سبعة مجلدات من “فقه الغناء والموسيقى”، وهي أعمق دراسة فقهية في عصر الغيبة. وإن قرأها ألمع الموسيقيين، لمع إلمامنا بأنواع مقاماته.
- وكتَبت في قمار؛ تفصيلًا معدّل شرعية البطاقات والمسابقات والمراهنات. لو قرأها المقامرون، عرفوا أنها تُؤلّف من تجربة الواقع – وليس من ضلالات الكاتب.
- (78)
- لكي تنتعش الحوزات، ينبغي تدريس طلبة لثلاث سنوات التوجيه النفسي، وفضح الجرائم والآفات الاجتماعية. وهذا يفرض أن تكون إجراءات القبول صارمة، وليست بغاية عددية، لأنه دون ذلك: 70 ٪ من الطلاب غير صالحين للارتقاء إلى مقام الأنبياء.
- علينا اختيار النخب الفهيمة، والتدريب الصارم، حتى تبلغ الاجتهاد خلال عقد. وفي تجربة شخصية، أن قبلت طالبًا واحدًا فهيمًا؛ فلن يرحل، بل يقوى، ولوَ أُقطع وأُشلّ، يبقى.
- (79)
- وينبغي أن يكون الطالب “مطلعًا على فنون” و”من الناس” أيضًا، ليكون معجزة حياة تعمل للمجتمع، ويسعد به الجمهور، فلا يترك بصمته على الدين إلا بالإحسان الصادق.
- قال أحدهم، من البادية يسأل النبي ﷺ: “أ من أمبر أمصيام في أمسفر؟” – فأجابه بلغة له – تأمل: نعم للبشر العاديين.. بل ينبغي أن يفهمهم.
- من لا يعرف التكنولوجيا لن يفهم الناس، وحتى يصيَر منهم. وهذه التربية ينبغي أن تكون منذ الصغر – فتحوّل الطالب شابًا واسع الادراك. ومن يجهلها، يطير عن فهم الحياة ومعيشة الناس.
- إن استمرّ هذا، فلينهض من دروس الطب والهندسة والريادة وينصرف؛ لينتفع ويترك الأمة.
- (80)
- وإذا بقي، يجب تربية طالبٍ يرى الخير والشر، ويعرف التجربة – ولا يكون “زهق” بتكنولوجيا الإمساك. هذا يتطلب أن تُعرف مدارس الحوزات على الرياضة، لا أن تحظر.
- (81)
- أمّا ما بعد العلم، فهو “التقوى والعبادة الحقيقية”. فالدين لا يُختزل بكتابة المقالات، بل بالتوازن بين العلم والعمل.
- وها هي الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يَمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّنَا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (الأعراف: 170)، تؤكد أن المعرفة بلا تقوى بلا فائدة.
- الروحانية ضلالة، وكذلك الأمر عكسها أيضاً. يجب على الإنسان أن يجمع بين العلم والتربية الروحية؛ ولهذا السبب جاء التمسك بـ «الكتاب» مقروناً بـ «الصلاة» والروحانية.
- لا بدّ من اللجوء إلى الله والحذر من أن يقضي الإنسان ساعات كثيرة في الدراسة والتعلم خلال النهار والليل، لكنه لا يولي دقائق قليلة انتباهاً لله أو يغفل عن القرآن الكريم.
- العلم إذا كان بلا عبادة وخشوع، لا يجلب الطهارة، بل يجعل القلب قاسياً مغلقاً متكبراً. العلم مع التقوى والخشية هو الذي يثمر ثمرته الصحيحة، ويبعد ماء المعرفة عن الفساد والركود والموحل، ويبقي الباطن دائماً نقيّاً صافياً. العلم الذي يثمر ثمرة صحيحة، ويُطهّر من زهر الكبرياء بخضوع العبادة والدعاء، ينال البركة والنورانية، وترافقه العناية الإلهية. أما العلم في قلب لا يتحرك فيه شيء، فهو أقسى من الحجر! ووجود مثل هذا العلم مضرّ فقط، يزيد من صلابة القلب وفساد الكبرياء.
- العلم والاجتهاد مجرداً من التقوى والإيمان الصحيح يتحقق حتى للكافر. يمكن اختيار الكافرين في أكاديمية، وتعليمهم شرح اللمعة والكفاية، وتعريفهم كيفية رد الفروع على الأصول. مثل هذا الاجتهاد هو فنّ يمكن للكافر أن يمتلكه؛ لكنه لا قيمة له، لأن شرط قدسيته غير متوفر. القدسية في الاجتهاد تعني عدالة وطهارة المجتهد الذي في استنباط أحكام الدين لا يخشى أحداً ولا يتعدى على الدين بحساب مصالحه الخاصة.
- العلم والاجتهاد للطالب يجب أن يكونا كالحليب للطفل لا كالدّم للعلّاقة. إذا كان تحصيل العلم للطالب كالحليب الذي يمد الطفل بالقوة الروحية والعمق، فهو مفيد؛ أما إذا جعله قاسياً ظالماً سطحياً جامداً، فهو كدمّ العلّاقة التي تمتص الدم فتنتفخ وتتحول إلى مستنقع حتى تموت.
- التحصيل العلّاقي هو مجرد اكتساب المعلومات وحفظها، أما تحصيل العلم النقي فهو التعمق والاغتراف. من يملك معلومات كثيرة لكنه سطحي وقليل العمق، ففهمه وإدراكه منخفضان. العلم ليس مجرد معلومات، بل هو كالينبوع؛ أما المعلومات فهي كالبركة التي قد تبدو أوسع من الينبوع، لكن أقل تلوثاً يغير لونها وطعمها ورائحتها ويجعلها نجسة. الينبوع مهما كان ضيقاً، لا يتلوث أبداً، بل يطرد الأوساخ ويقدم ماءً صافياً نقياً ينعش وجود الشاربين. الجنّ يملكون معلومات كثيرة، لكن علمهم قليل وضحل. وإذا كانوا من الجنّ الطيبين، فهم يحبون الإنسان بسبب علمه ويطوفون حوله، يتنشقون رائحته ويتغذون منه. أما أولياء الله فهم يملكون الكثير من العلم والمعلومات، لكن لم تتوفر لهم الظروف لإظهار علمهم، فهذه الدنيا هي السلطة الظاهرة التي تمنع أصحاب الباطن من التفوق.
- ذكرنا أصول الطلبة الخمسة. يجب على الطالب، بالإضافة إلى التحصيل والبحث، أن يمتلك القدرة على التدريس والكتابة. اكتساب العلم ليس كامتصاص دمّ العلّاقة الذي يأخذه فقط، بل يجب تحصيل العلم ونشره معاً. إذا لم ينقل الطالب العلم الذي يكتسبه إلى أستاذه أو المجتمع أو الآخرين، فإن ذلك العلم يدمره ويخنقه. العلم الذي يُخزن دون فائدة، ما نفعه؟ ما قيمة مصنع مغلق؟ الذين يحتفظون بالعلم لأنفسهم يشبهون العلّاقة التي تمتص الدم فتنتفخ وتموت. الذين لا يتفانون في العلم، حتى لو قرأوا كتب الإيثار وعرفوا آياته، لا يتبرعون بوقت أو جهد، ولا ينفقون من وقتهم للآخرين، حتى لأولئك الأساتذة الذين ربّوهم ويحتاجهم المجتمع. العلم بلا عمل ليس علماً، بل خراباً وضلالة وشقاءً.
- العلم ليس مجرد حفظ المعلومات كما ذكرت. المشكلة في طريقة تحصيل الطلبة اليوم أنهم يدرسون تجزيئياً، يرسخون الفروض واحدة تلو الأخرى في الذاكرة، دون الربط بينها أو التوصل إلى تحليل شامل. تصديقاتهم بسيطة وليست مركبة. ناقشنا ذلك في كتب «الحجرات المعنوية» و«صورة الطلبة» و«علم اجتماع العلماء الدينيين».
- على الطالب أن يحترم المبادئ الخمسة التي ذكرناها. عند تحقيقها، يبدأ تدفق الكتاب والسنة في الحوزات وتصبح المعرفة العلمية فعالة. حالياً، مهما تأمل في النصوص الدينية، لا يمكن استخراج شيء منها، لأنها تتطلب أدوات وبيئة خاصة، وهذا غير متوفر الآن. إذا سادت هذه المبادئ، يمكن للحوزات أن تسير العالم بعلمها.
- ذكرنا سابقاً (تذکار ٧) عن العلم المنتج والمعلومة الجامدة:
- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾
(سورة طه: ٨٩) - البيان:
تشير الآية الكريمة إلى عجل سامري، الذي كان يصدر أصواتاً ويضلّ بها قومه، ولكن هذه الأصوات لم تكن نابعة منه بإرادته، بل كانت مبرمجة أو موضوعة فيه. تقول الآية: ألا يرون أن هذا العجل لا يتكلم من عنده ولا يرد عليهم، فهو مجرد صوت مزروع فيه يخدعهم، ولا يملك لهم نفعاً ولا ضرراً. - نستفيد من هذه الآية للتفريق بين «المعلومات» و«العلم». فالمعلومات مثل صوت العجل، لا إرادة فيها، هي مجرد حفظ بيانات الآخرين وتكرارها؛ والحديث عنها يكون إخباريًا، خلافًا للعلم الذي يجب أن يكون مع إرادة ونشوء داخلي ينبثق من الفرد ويصدر عنه بشكل إبداعي. من يركز على ذاكرته فقط ويخزن نصوص العلم دون إنتاج أو تحليل، يشبه العجل الذي يكرر صوتاً مبرمجاً فيه. أما العالم فهو من ينتج علمه بإرادة واختيار، وعقله نشط وفاعل وليس مجرد متلقٍ سلبي كالعجل.
- الأفكار المعتمدة على الحفظ فقط لا تملك قدرة التبادل الفكري والحوار، ولا يمكنها الخروج عن البيانات المخزنة. الصوت ذو القيمة هو الصوت الإرادي والمستقل، والذي يسمى في الحوزات «الاجتهاد»، لا الصوت التابع. يمتلك القدرة على إنتاج العلم من وصل إلى الاجتهاد والتحليل والاستنباط.
- استخدام المفاهيم المسترجعة من الذاكرة دون إعادة إنتاجها بإرادة الإنسان هو مجرد معلومات وليس علماً. كمن يحفظ آلاف الأبيات الشعرية لكنه لا يستطيع نظم بيتٍ واحد، فلا يُعتبر شاعراً.
- من يملك المعلومات فقط ليس عالماً بل حافظاً. العلم أمر ينشأ بإرادة وإبداع، هو نشوء داخلي لا مجرد تكرار خارجي. نقل أقوال الآخرين لا يصنع علماً حقيقياً. يجب أن تُسجل نظريات كل عالم باسمه، ليُعرف من له قدرة الاجتهاد والنظر، ومن كان مجرد مقلد. بهذه الطريقة تحفظ الحقوق وينكشف من لا يملك سوى التقليد، وإن كان في التقليد نفسه محتالاً.
- لذلك نجيز تقليد المجتهد صاحب الشروط، حتى لو كان التقليد ابتدائياً، لأن النظرية لا تموت، بل صاحبها يختفي تحت التراب.
- البحث العلمي هو لمن أجرى البحث، ولا يجوز للناقلين فقط نسبته لأنفسهم، فهذا اعتداء على حقوق المؤلفين. ليس الجميع منتجين، كما ليس الجميع بائعين. قليل من العلماء يصلون للاجتهاد وينتجون المعرفة، وكثيرون يبيعون ما أنتجوه بلا ادعاء إنتاج.
- الفارق بين المبشر والباحث في هذا: الباحث يملك قدرة الإنتاج، والمبشر ينقل ما أنتج.
- تذکار ٨: قوة المعارف التجريبية
- ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾
(سورة هود: ٣٧) - البيان:
تأمر الآية النبي نوح بصنع السفينة تحت مراقبة الله ووحيه، وعدم الجدال بشأن الظالمين لأنهم موعودون بالغرق. - هذا يدل على أن الحوزات العلمية يمكن أن تكون ورثة للأنبياء إذا امتلكت قدرات صناعية وتجريبية كصناعة الحديد عند داود، وتسخير الجن كما لسليمان، وصناعة السفن الكبرى كنبي الله نوح.
- رحم الله الشيخ بهائي الذي صنع حماماً يدفأ بلهب قليل فقط. يجب أن يستطيع العلماء الدينيون تجربة العلوم التجريبية المرتبطة أحياناً بالعلوم الغريبة في الحوزات العلمية، ولا يقتصروا على الفقه والأصول الجافة المنفصلة عن العلوم الأخرى.
- صنع السفينة حدث طبيعي قام به نوح، وليس معجزة، وعبارة «بأعيننا» تعني أن الله مراقب للعمل ولا يتدخل خارقاً، ولفعل «يصنع» صيغة المضارع للدلالة على التدرج في العمل، مما أثار استهزاء الكفار.
- على الحوزات أن تفهم المعاني القرآنية التي تتضمن العلوم التجريبية. مثلاً، قول الله تعالى:
- ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾
(سورة المؤمنون: ١٧) - «طُرُق» تعني طرقاً متعددة وليست مقاصد، فالسماء ليست مكاناً ثابتاً بل طرقاً متحركة لا تنتهي.
- هل يمكن أن يكون العرش، اللوح، القلم أو غيرها موطناً ثابتاً؟ لا، فالسماء طريق لا منزل.
- يجب أن تستعيد الحوزات العلمية مكانة أسلافها في العلوم التجريبية وتشتغل في بحوث مثل هذه الأمور.
- الذكر التاسع: اجتناب من العلوم الظنية
- ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾[يونس: 36]
- البيان: معظم العلوم التي يتبعها البشر قائمة على الظنِّ والتخمين، والعلم الحقيقي هو عند الله تعالى وحده، وهو الذي يهب العلم لمن يشاء من عباده. الظنُّ والتخمين لا يشبعان النفوس ولا يمنحانها طمأنينة، ولهذا فإن العلماء الذين يعتمدون على ظنونهم لا يشعرون بالارتواء من علومهم، ويعتبرون أنفسهم بحاجة إلى معرفة يقينية مطمئنة.
- العلوم الظنية لا تولّد معرفة حقيقية، ولا تؤدي إلى التوحيد، ولا تصل إلى الحق، إذ إن الغنى الإلهي الحقيقي يكمن في اليقين والاطمئنان. العلماء الذين يتشبثون بعلوم ظنية ينفد صبرهم في آخر عمرهم، فيلجأون إلى الفلسفة أو الأدب أو التصوف بحثاً عن تجديد الروح، بينما العارف لا يملُّ من معرفته التي كانت معه منذ صباه أو طفولته، ولا ينوء برغبة جديدة في القلب.
- الذكر العاشر: الحفاظ على روح البساطة والصفاء
- ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾[المائدة: 64]
- البيان: الآية الكريمة تتحدث عن الكافرين والظالمين الذين ارتكبوا الذنوب عن جهل، لكن إن لم يعمل العالم بما يعلم، فإنه يسخر من الحق ويستهزئ به.
- فالخطيب أو الراوي الذي لا يستطيع البكاء على مصيبة الحسين عليه السلام يُعتبر قد جفت قلبه، وكذلك العالم الذي لا يحضر مجالس علمية أخرى أو لا يتأثر بها يُظهر قسوة قلب. وربما يغفل أن الله قد ينزل له علماً من خلال تلك المجالس.
- الآية تنبه إلى أن من يمتلك علماً لكنه لا يتواضع أو يستقبل الموعظة من الآخرين، فإنه يشارك صفات الكافرين. لذلك، حتى العلماء في أوج علمهم يجب أن يحتفظوا بحالة العوام، وأن لا تسمح لهم المعرفة بأن يفقدوا صفاء قلوبهم وبساطتهم.
- الذكر الحادي عشر: النظام المنظم في الدعوة
- ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾[يس: 14]
- البيان: أرسل الله سبحانه وتعالى رسلين إلى قوم، فأنكروهما وكذبوهما، فدعمهما برسول ثالث. هذا دليل على تنظيم العمل الدعوي وترتيبه، حيث لا يترك المبلغ وحده في وجه الرفض.
- ينبغي أن يكون في كل منطقة عدة مراجع وعلماء مؤهلين يعملون معاً وليس ضد بعضهم البعض، بحيث يغطي كلٌ منهم دائرة معينة، ويساعد الآخرون في أداء الرسالة. عدم وجود دعم متبادل بين العلماء يؤدي إلى ضعف الدعوة.
- الذكر الثاني عشر: كن فناناً
- ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[لقمان: 11]
- البيان: الله تعالى يتحدَّى من يدعون الألوهية غيره أن يأتوا بخلق يضاهي خلقه. وهذا دليل على عظمة الله وقدرته.
- ويجب على من يدعي العلم أو المرجعية أن يظهر قوته وعظمته العلمية والروحية، كما كان الأنبياء عليهم السلام يظهرون المعجزات. فالقدرة والكرامة من شروط الوصاية على الناس، فلا يجوز اتباع من ليس له تفوق علمي أو روحي.
- العلماء يجب أن يكونوا عادلين ومجتهدين وأصحاب بصيرة، وأن يملكوا القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. الأصل في الإنسان هو الحرية وعدم الطاعة إلا لمن له حجة شرعية واضحة، وإلا فهي نوع من الرقّ.
- (104)
- الاشتباه يستلزم القضاء. الاستماع إلى الخطباء الذين ليسوا مجتهدين في أحد العلوم الإسلامية ولا ينقلون كلام المجتهد العادل الخبير لا يُلزم شرعاً بالاتباع، وهو نفسه سيكون مسؤولاً عنه يوم القيامة.
- في زمن الغيبة، لا يكون للرأي القابل للاعتبار إلا للمجتهد العادل المتمتّع بالشروط، وهذا هو السبيل إلى سعادة المجتمع. فإذا استمع الإنسان إلى أي غير خبير، فإنه يفقد شخصيته ويصبح بلا هوية؛ فغير المجتهدين الذين يصرحون بآراء دينية من دون قدرة على الإثبات، هم في مرتبة: «بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ».
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.