البيانات الببليوغرافية (شناسنامه الكتاب)
العنوان ورقم التسجیل: ، ، 1948م –
العنوان الكامل للمؤلف: الإمام الحق؛ الزهراء (عليها السلام): إمام العشق؛ الحسين (عليه السلام): إشارات في فضائل السيدة الزهراء (عليها السلام) وسيد الشهداء (عليه السلام) / تأليف .
مكان النشر: إسلامشهر، إيران
الناشر:
تاريخ النشر: 2014م (الطبعة الأولى)، 2022م (الطبعة الثالثة)
عدد الصفحات: 88 صفحة؛ القياس: 19 × 9.5 سم
الطبعة: الثالثة
عدد النسخ المطبوعة: 5000 نسخة
السعر: 150,000 ريال إيراني
رقم الإيداع الدولي (ردمك): 978-600-7347-23-2
فهرسة فيبا: تم
ملاحظات: يحتوي على قائمة مراجع في الهوامش
الموضوعات:
- الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، الإمام الثالث، 4-61 هـ – الفضائل
- السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، قبل الهجرة – 11 هـ – الفضائل
تصنيف ديوي العشري: 297.953
تصنيف مكتبة الكونغرس: BP41.4 / ن8أ8 1393 هـ.ش / 1401 هـ.ش
رقم الكتاب الوطني الإيراني: 3503097
الكاتب: آية الله العظمى السيد ( الشريف)
الناشر: دار نشر
مركز التوزيع: قم، شارع أمين، الزقاق 24، الفرع الأول على اليسار، رقم 76
رقم الهاتف: 025-32159078
الموقع الإلكتروني:
حقوق النشر: جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
المقدمة
مسألة الولاية من أعقد المسائل التي لم يُكتب فيها حتى الآن منهج منطقي مدوّن لفهمها، ولم تُوضَّح قواعدها وأصولها كما ينبغي. فبعضهم يتحدث عن الولاية بأسلوب فيه مبالغة شديدة مبنيّة على العاطفة الخالصة، بلا أي دليل أو منطق، في حين أن البعض الآخر، فراراً من الغلو، يقعون في التفريط.
الولاية هي باطن النبوة والإمامة، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، اللذان يُرى ظهورهما في عالم الناسوت، ما هما إلا تجلٍ لهذا الباطن.
عند التحدث عن الولاية، يجب أن نكون حذرين للغاية، فلا ننجرّ إلى ما تحبّه أنفسنا أو تميل إليه أهواؤنا، بل يجب أن يكون البحث ملتزماً ومنهجياً، قائمًا على منطق خاص مستنبط من الروايات والإشارات الدقيقة، للدخول في هذا المضيق الذي هو أضيق من الشعرة وأعمق من الفضاء اللامتناهي.
قول الإمام علي (عليه السلام): “أنا عبد من عبيد محمد”[1] ليس مجاملة ولا سياسة، بل هو عين الصفاء والحقيقة. وكذلك حينما يُسأل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عن أحبّ الناس إليه: الزهراء (عليها السلام) أم علي (عليه السلام)، فيجيب: “فاطمة ألذّ، وعلي أعزّ”[2].
هذه الرواية تحمل ثقلًا كبيرًا في باب الولاية. وكذلك الرواية التي يقول فيها أمير المؤمنين (عليه السلام): “أنا النقطة التي تحت الباء”[3]، فإن الخط ما هو إلا امتداد للنقطة، والنقطة حين تُمدّ تصبح خطًا، ومن هنا يقول الإمام: أنا النقطة، لا الباء نفسها، لأن الباء منفصلة وظاهريّة، أما النقطة فلا تُقاس بالزوايا أو الأضلاع، فهي بلا بعد، ولها نسبة عرضية إلى الحقّ.
تفاوت درجات الأنبياء تابعة لمراتب ولايتهم. فرغم أن النبي إبراهيم (عليه السلام) كان شيخ الأنبياء ومقام النبوة أعلى من الإمامة، فإن درجته أدنى من أمير المؤمنين (عليه السلام) من حيث شدة ولايته. كما أن الإمامة نفسها درجات ومراتب.
ومن آثار ولاية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه كان في جميع العوالم وله أمم متعددة. وفقًا لأصل الخلق النوري، لا يمكن أن يكون النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في عالم ما دون أن يكون له أمة فيه.
الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) كانا صديقين صادقين لبعضهما، وكانت لهما صداقات خالصة ونقية. من الروايات التاريخية ما يدل على قرب أمير المؤمنين (عليه السلام) الشديد من النبي، حتى أن عائشة كانت تتضايق من ذلك. ورد في “اليقين” للسيد ابن طاووس أن النبي وعائشة كانا جالسين، فجلس الإمام علي (عليه السلام) بينهما، فقالت عائشة معترضة: “اجلس على فخذي”[4].
ينبغي التنبه إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) واجها الكثير من الموانع، حتى أن النبي يقول عن نفسه: “ما أوذي نبي مثل ما أوذيت”[5]. فلو لم يُؤذَ، وكانت شخصيته الطيبة ومحبته للحرية ظاهرة بلا عوائق، فماذا كان ليكون؟
من أخلص الأصدقاء للنبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام) كان المقداد، الذي ذاب في ولايتهما. كتب عنه أنه كان ينظر إلى فم النبي والإمام دائمًا، حتى فضّل في ذلك على سلمان الفارسي. حين كان الإمام يُجبر على مبايعة الظالمين، كان المقداد يبايع أيضًا دون تردد، بعكس سلمان الذي تأخر وكان قلقًا[6].
كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) حبّ وعشق للنبي (صلى الله عليه وآله) لا يُدركه العقل البشري.
ومن أعدى أعداء النبي أبو لهب، الذي أغضب حتى الله تعالى، فنزل فيه قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾[7]. كان يحمل حقدًا وبغضًا كبيرًا للنبي. رغم ذلك، دعاه النبي إلى وليمة، ولكن حين بدأ النبي بالبسملة، صاح أبو لهب: “يا قوم! انهضوا قبل أن يسحركم!”، فأفسد عليه المجلس. كان أبو لهب عم النبي وشخصًا ذا نفوذ، لذا تبعه كثيرون[8].
جريانُ مباهَلةٍ يُعدُّ دليلًا على صدق الرسالة، ليظهرَ زيفَ الذين كانوا في بيت النبي ﷺ، ولهذا جاءت هذه الآية ضمن آياتٍ تتحدَّث عن نساءِ رسول الله ﷺ، فهي خطابٌ موجَّهٌ إليهنَّ في الواقع. إنها مثالٌ حيٌّ على صدق ربوبية الله تعالى، تجلَّى أمام الجميع.
وقد وردت الأحاديث المأثورة حول هذا الموضوع، وخاصة في فضائل السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، بكثرة في كتب أهل السنة، مما يدلُّ إجماعًا على مكانتها وحظِّها من عظيم احترام النبي ﷺ، بحيث لم يترك أي مقامٍ لها في منزلةٍ دون مقامٍ لم يمنحه لأمير المؤمنين عليه السلام. فلما كان النبي ﷺ مسافرًا، كانت فاطمة عليها السلام آخر من يودعه؛ وعند رجوعه، كانت أوّل من يلقاه. تلك المعاملة المُحِبَّة أثارت حَسَد عائشة رضي الله عنها، فقد شكَتْ وقالت لماذا يُقبِّلها النبي ﷺ ويُحَلِّق لسانها بالمدح، قائلاً إنَّ فمَها كالعسل! فأخذها النبي ﷺ في حضنه وضمَّ صدرها، فهي قال: “لأني أشمُّ من فاطمة رائحة الجنة.”
وهكذا، كانت السيدة فاطمة عليها السلام موضع شغل قلبه ﷺ كما ورد عن أحاديث أهل السنة.
إن مقام ‘أحدية الولاء’ لفاطمة عليها السلام، بحسب عرف الصوفية، هو مقامٌ لا يُضاهى، فهي المتهى والمحبَّة المطلقة. ذلك أنّ كل ألقاب النبوة والإمامة تقصُر أمام عظمة وجودها المبارك، فهي مفتاحُ الغيب ومستودعه، ولا تُلَقَّب بأسماء، لأن جمالها وقامتها تنحني أمامها كل ألقاب. لذا كان النبي ﷺ مبهورًا بها، وقد وردَ أنها أوّل من يدخل الجنة يوم القيامة، وتسبق النبي ﷺ. أما في مباهلة يوم الدُعوة، فقد كانت خلفه ضمن أحجارِ الحجاب، لكن في مشهد القيامة تأمر الناس أن يكتموا أبصارهم وتنحنوا حينما تدخل صديقتهم الطاهرة عليها السلام.
في حادثة المباهلة، كانت الزهراء عليها السلام تسير بكبرياء وسط النبي ﷺ وأمير المؤمنين عليه السلام، دلالةً على كونها حلقة الوصل بين النبوة والولاية، فهي بمقام ‘أحدية الولاية’. يا لروعة الشيعة الذين يمثِّلون هذا الولاء لها، وحُسن حال الذين عشقوها في قلوبهم.
وقد ذُكر أن بعض النساء الجسيمات لا يرين الحيض، أو يكنَّ عابراته لفترة قصيرة، كما يكون إنجابهن أسرع من تسعة أشهر فيستكمل حملهن في ستة. فاطمة عليها السلام لم تحضّ، وظلت عذراء، كما أن إنجابها للحسن والحسين عليهما السلام كان بعد ستة أشهر فقط، فهذا دليل على كمال رحمها واستعدادها لإتمام الحمل. وقد تناولنا هذا الموضوع تفصيليًا في كتاب “المرأة”.
فاطمة عليها السلام كانت زهرة الوجود وموضع شرفِ الحق، ولو نُزعت كل الخيرات من أمير المؤمنين عليه السلام، وبقيت هذه الملكةُ في قلبه، فهذا يكفيه في كل محنِه وآلامه.
لكن إذا حاول أحد أن يُقلل من هذا المنزلة العظيمة، فلن يدع شيئًا من القرآن أو الأحاديث إلا وشكَّك فيه بلا علم، ما لم يُدَّرِك منطق النظر ويكون مدرسًا ماهرًا في معرفة الحقائق. إذْ إن الطرح المتهافت كالذي سادَ زمن الشاه، حين تناولوا “الشهيد الخالد”، قد طغى على مسائل أُخرى أكثر أولوية، مثل فتوى تطهيرِ الإمام الذي لم يَتوقَّف إطلاقًا عن التغلغل في الشأن العام.
اليوم يجب أن تُوجَّه الجهود إلى كيفية مواجهة مشاريع إسرائيل ومن خلفها أمريكا، وأدواء جماعات النفوذ، لا جرّ الناس إلى نقاشاتٍ هامشية. فمهمة الحوزات اليوم يجب أن تركز على تصميم برامج للنهوض بالاقتصاد الوطني، ورفد الطبقات المهمَّشة، وأن تكون صوت الفقراء، لا أن تضيع وقتها في جدل عقيم.
وقد سجل التاريخ كيف أن حملات الحقد على الزهراء عليها السلام زادت بعد نبيِّ الرحمة ﷺ، بل وامتدَّت إلى علي عليه السلام بسبب بغضهم لها. كانت عائشة تحمل لهما غلًّا لسببٍ واحد: أنها كانت ترى في فاطمة نورًا يخطف قلب النبي ﷺ؛ بينما كانت هي عاجزة عن الإنجاب، تطمح لأن يُسند الخلافة لولدها. وعندما بدا أن الخلافة من نصيب أئمة فاطمة عليها السلام، نسجت مؤامرتها، وألّمت أبا بكر وعمر على سرقة الخلافة، وأشعلوا بيت فاطمة عليها السلام وألقى الحبال على رقبة علي عليه السلام. ولولا أن الخليفة الأول بكى أمامه، لما بايع علي عليه السلام رغم قيده.
أُسند له حبال قوية، وسُحب إلى المسجد، وبالرغم من الذي أصابه، لم يذعن. بل كان بكى علي عليه السلام قبل ذلك وهو يقول: «أنا صاحب الميثاق». حينئذ وضع عمر يده على يدِ علي عليه السلام، فباء بالخلافة، لا عليًّا عليه السلام. تلك هي موجة الفتن والمشاغبات التي بدأت بعد النبي ﷺ وكان أكثرها عداوة القنفذ، الذي خشا عليًّا رغم ما كان عليه من طغيان.
كان بيت فاطمة عليها السلام من أكثر البيوت قداسة عند النبي ﷺ، إذ كان يقرع الباب وينادي بالسَّلام، ويقول: “لملتكِ، فاطمة، لا أم لها، فاحترموها”، ويمنع الأطفال من اللعب العنيف معها حتى لا تتعرّق وتُصاب بالبرد. ثم دخل رجل من دون ذِكر، وضربها بسيفه، وأخرج روحه ودموعه يرفع بها صوته: “يا فضة! يا والدي! يا فضة! قد مات محسنُها.” إنما سنوات المرارة تفيض شجناً على البيت الذي أضاء منه نورٌ تجاوز الزمان.
الإشكال حول لفظ الجمع في آية المباهلة (آية 61 من آل عمران)
ورد في بعض الكتب الطاعنة في هذه الحادثة ما يعيد التساؤل بشأن لفظ الجمع في الآية:
… فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ…
قد يتوقد السؤال: لو كنت تقصد الحسن والحسين عليهما السلام وزوجته فقط، لما لم تُستخدم المثنى في “أبناؤنا”، وهكذا في “نساءنا” و”أنفسنا”.
والجواب كما يلي: إن هذه الآية جاءت بعد فشل الحوار العلمي. قال لها: إذا رغبتم في المنازلة فعليكم المبارَهة. واللفظ العمومي – “أبناؤنا” و”نساءنا” و”أنفسنا” – جمعاً يشمل المثال ويعم المعنى، حتى لو كان العدد فردياً أو مثنى. فكون لفظ “الكلية” لا يمنع دلالة الآية على الأعيان المذكورة.
وقد شهدت نصرانية أن العبارة العبارة العملية المباشرة، يستحيل مواجهتها إذا وقف شخصيات عظيمة تفيض إيمانًا ونورًا كما في فاطمة عليها السلام والحسن الحسين وأمير المؤمنين، وفضلوا عن الجدل ومن ثم قبلوا الجزية، فقد أيقنوا أنهم سيهلكون لو أكملوا، وهذا كان حيًّا في كتب المناظرة المسيحيّة.
أثر آية المباهلة
- أولًا: إنها دعوة للتعرّض لحقيقة باطنية، لا تقاس بالحجج العقلية فقط. الباطن متصرف فيه أولياؤه الذين يكشفون عنه عمليًا.
- ثانيًا: التنظيم العملي لهذه المباهلة يدل أن “أصحاب الكساء” فقط هم الذين كانوا أهل النبي ﷺ وأهل قلبه الصادق، حتى إن المشركين افتتنوا بهم وانسحبوا.
فالمباهلة – فضلاً عن إثبات الحق للإسلام ولأهل الكتاب – كانت تأكيدًا لأهل بيت النبي ﷺ بأنهم الأصل الحق، وأنهم الحقيقة الكامنة.
وأخيرًا، يبقى سؤال: لماذا لم يذهب النبي ﷺ وحده في المباهلة، وهو المعصوم والراعى الأكبر للإسلام؟
والجواب هو: لأن النبي ﷺ أراد إظهار أهل بيته – كفاطمة وعلي والحسن والحسين – كجزءٍ لا يتجزأ من عليه السلام، وجعلهم ظهوره وبيانه. فلم تكن المباهلة للتحدّي فحسب، بل لبيان مقام أهل بيته وكيف أن الحق جَمْعٌ لا يختزل في شخصٍ دونهم.
مباهلة النبي: دلالة الحق على الباطل
إنّ حادثة المباهلة تُعَدُّ وثيقة ناطقة بالحقيقة، تُظهِر زَيفَ من كان في بيت النبي الأكرم ﷺ، ولهذا وَردَت هذه الآية الكريمة ضمن سياق آيات تتحدث عن نساء النبي ﷺ، فهي موجّهة إليهنّ أيضاً. إنّ آية المباهلة تُجَسِّدُ مصداقاً عينياً لصدق الربوبية الإلهية التي ظهرت للناس كافة.
فضائل الزهراء عليها السلام في كتب أهل السنة
قد وردت روايات كثيرة في كتب أهل السنة حول فضائل السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وكلّها تُجمِع على مكانتها العظيمة ومقدار احترام النبي ﷺ لها، وهو احترام لم يُظهِره حتى تجاه أمير المؤمنين عليه السلام. كان النبي ﷺ إذا أراد السفر، يودّعها آخر الناس، وإذا عاد، زارها أولاً. كانت مواقفه العاطفية معها تُثير غَيرة عائشة، التي اعترضت مراراً على شدة مَحبّته لفاطمة، لدرجة أنّه كان يشبّه ريقها بالعسل، ويشمّ صدرها قائلاً: “إني أشمّ من فاطمة رائحة الجنة”.
فاطمة الزهراء: مقام الأحدية
السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام لا نِدَّ لها، وهي في التعبير العرفاني تمثل “أحدية الولاية”، وهو مقام لا يَليق إلا بها، ولا يبلغه أحد سواها. فهي ليست ذات ألقاب، بل كل الألقاب – من النبوة إلى الإمامة – تَقصُر عن إدراك قُدسيتها. فاطمة مفتاح الغيب، وجمالها يفوق كل وصف، لذلك كان النبي ﷺ مأخوذاً بها. وتشير الروايات إلى أنها أول من يدخل الجنة يوم القيامة، بل حتى في بعض روايات أهل السنة، تتقدّم النبي في دخول الجنة.
أحدية الولاية: موقع الزهراء بين النبوة والولاية
في حادثة المباهلة، سارت الزهراء خلف النبي ﷺ وأمام أمير المؤمنين عليه السلام، فهي بين مقامَي النبوة والولاية، لأنها تمثل الأحدية الولائية. فهنيئاً للشيعة الذين تولّوها، وهنيئاً لمن أحبّوها من أعماق قلوبهم.
البعد العلمي والطبي
هناك من النساء مَن لا يرين الحيض بسبب قوتهن الجسدية، كما أنّ النساء الكاملات قد يُتِمن الحمل في ستة أشهر دون نقصان. فالسيدة الزهراء عليها السلام لم تكن تحيض، وظلت عذراء رغم ولادتها، وهي ميزة ليست حصرية بها، بل توجد نساء أخريات بهذه الصفات، ويمكن تفسيرها علميًا. كما أنّها أنجبت الحسنين عليهما السلام في ستة أشهر، ما يدلّ على كمال رحمها.
القيمة الروحية لفاطمة عند علي عليه السلام
كانت فاطمة الزهراء عليها السلام زهرة الوجود، ونِعمة الله الكبرى على أمير المؤمنين عليه السلام. ولو فَقَدَ كلَّ شيء، لَكَفَاهُ أنّ الله رزقه فاطمة، ملكةَ الحبِّ والعشق الإلهي، لتكون جبرَ كلّ مصيبته.
ردٌّ على الشبهات الهامشية
إنّ من يُجادل بغير علم قد يشكّك في كل شيء، حتى في القرآن والروايات. ولا يحقّ لأحدٍ أن يتناول هذه القضايا إلا من كان متمكناً في أدوات الفهم، كما أوضحنا في كتاب “الكوثر: نقطة الوجود”.
كما أنّ إثارة الشبهات في مثل هذه المسائل يُذكّر بما حدث زمن النظام الطاغوتي عندما تم طرح قضية “الشهيد الجاوي”، لصرف الأنظار عن جرائم الطاغوت وساواك. واليوم، علينا أن نركّز على مواجهة الصهيونية العالمية، لا أن نُشغل أنفسنا بمواضيع جانبية.
عداوة عائشة لفاطمة وعلي
إنّ العداوة التي أظهرتها عائشة للإمام علي عليه السلام كانت بسبب حقدها على الزهراء عليها السلام، إذ كانت ترى فيها مَن سرقت قلب النبي ﷺ، بينما هي عاقر لا نسل لها. وكانت تتمنّى أن يكون لها ولد يخلف النبي، فلما رأت أن أبناء فاطمة هم الأئمة، حقدت عليها، وحرضت أبا بكر وعمر على غصب الخلافة، وأشعلت نار الفتنة على بيتها.
العدوان على بيت الزهراء
ذلك البيت الذي كان رسول الله ﷺ يقرع بابه ويسلّم على أهله ويقول: “فاطمة أمها ماتت، فاحترموها”، انتهكوه؛ فدخلوا عليه، وضربوها بسوطٍ على ذراعها، وأسقطوا جنينها “محسن”، وهي تنادي: “يا أبتاه…”.
الرد العلمي على شبهة صيغة الجمع في آية المباهلة
ورد في بعض الكتب اعتراض على استخدام صيغة الجمع في آية المباهلة:
فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ… (آل عمران: 61)
فقالوا: لو كان المقصود بالحاضرين هم الحسن والحسين، وفاطمة، وعلي فقط، لكان الأحرى استخدام المثنى لا الجمع.
الرد العلمي هو أن الخطاب جاء بصيغة عامة ليفيد الشمول في جميع الأزمنة، لا خصوص الحاضر آنذاك، وهذا من أساليب البيان في القرآن. فلو أراد الله أن يُقيد الآية بهؤلاء الأربعة فقط، لفعل، لكنه أراد البيان العام ليُعمم على مواقف أخرى مشابهة.
والأحاديث المتواترة من الفريقين تؤكّد أن الذين خرجوا في المباهلة هم: النبي ﷺ، علي، فاطمة، الحسن، والحسين، فقط، ما يدل على خصوصيتهم ومقامهم.
أهمية المباهلة في التصرف الباطني
آية المباهلة تُظهِر أمرين عظيمين:
- أنّ المباهلة ليست جدلاً كلاميًا، بل دعوة إلى التصرف في الباطن، وهذا لا يقدر عليه إلا أولياء الله.
- الترتيب في الآية يكشف عن المقام العظيم لأهل الكساء، وأنّهم الحقيقة الكاملة في الدين، وهم وحدهم مَن يمكنهم أن يُجسّدوا الباطن الإلهي في الوجود.
ولهذا لم يخرج النبي ﷺ وحده، بل اصطحب علياً وفاطمة والحسنين، ليُظهِر أنّ حقيقة الدين لا تكتمل إلا بهم، وهم الذين تُمثّل بهم الآيةُ مصداقَ الصدق والحق.
في هذا السياق، لا بد من التذكير أولًا أن «المباهلة» أو «نَبْتَهِل» لا تعني الدعاء أو اللعن، بل تعني الابتهال في الباطن وكشف الحجب بين المتخاصمين. تشبه «المباهلة» المصارعة في الساحة؛ عندما يتعذّر على الخصمين الحسم، يلجآن إلى اتخاذ «الابتهال» وسيلة للبت في الخصومة، و«نَبْتَهِل» جمع الفعل.
لقد لم يذهب النبي الأعظم ﷺ بمفرده إلى المواجهة بهذا الأسلوب، بل أُمر بأن يكون معهنّ من أهله وأبنائه ونفسه، وكل ذلك لتحقُّق الدليل في ظاهر الأمر وباطنه، وليُبَيِّنَ اللهُ للناس عدالة الإسلام الحقيقي، لا مجرد صوره الظاهرية.
وقد كان في هذه الحادثة ضرب عصفورين بحجر واحد: الأولى، سحب البساط من المسيحية الناصرية على المستوى الباطني، والثانية، إثبات أن الإسلام الحقيقي إنما هو في ولاية أهل البيت وهم أصحاب الكساء، وليس في أي مظهر شكلي آخر. فآية المباهلة هي في حقيقتها آية ولاية، تُعرّف الإسلام الحقيقي في كليّته.
وما زلنا اليوم نواجه مشكلتين: إن لم يُراعِ أهل الكتاب وأهل السنة قيم التفاهم والنقاش الصادق والصفاء من أجل تحقق الوحدة الكاملة، فلا بد من اتخاذ سبيل «المباهلة» ليدلّلوا على موقف الحق:
(نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، كما جاء في الآية المباركة. ومباهلة من لا يستطيع عليها، سواء كان مسلمًا أم غير مسلم، إنما اسلامه ظاهري:
فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ.
أما الكاذبون فهم الذين يدّعون الخلافة، لكن لا يدعونها في باطنهم ولا يملكون دليلًا داخليًا عليها.
مقتبس أدبيّ وخطابيّ
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتقين، والنار للكافرين، والصلاة والسلام على سيّدنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، و لعنة الله على أعدائهم.
قائلاً سبحانه في كتابه الحكيم:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي).
يا نفس مطمئنّة، عودي إلى ربكِ راضية مرضيّة، وادخلي بين عبادي وادخلي جنتي.
أسأل الله أن يُفيض على أتباع ومحبّي الإمام الحسين عليه السلام بالصفاء والمحبّة، وأن تُشجّعوا بدعائكم:
اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد.
منتهى الخطاب أن الإمام الحسين عليه السلام هو نبيّ المحبّة والصفاء؛ في ساحة الكربلاء جاهد بنفسه ورفاقه، فكانوا أصدق من كلّ من كانوا قبله—برباطهم القلبي وصلاتهم الصادقة، حتى تحوّلت أيام عاشوراء لدورة خالد للتضحية والإيمان.
واختلفت طاقات أهل الباطن من غيره ممن لم يثبتوا. حينما وصلوا إلى المحنة، لم يصمدوا، لكن الإمام الحسين عليه السلام بقي مختارًا ورفاقه الكرام، من أصغرهم أمير المؤمنين إلى طفله عليّ الأكبر وأخاه العبّاس والحسين الأصغر وأصحاب الصفاء، جميعهم لم يتزعزعوا. ومثالهم الشهير:
“ارتدّ الناس بعد النبي إلّا ثلاثة نفر”،
أطلقه بعضهم حول إمامة عليّ عليه السلام – لكن الحسين عليه السلام في محنته جلب الأبرار الصادقين.
في عاشوراء، علّيّ بن أبي طالب عليه السلام، محمد القاسم، العبّاس بن علي، وغيرهم كان لهم صفاء نادر يشقُّ طريقاً إلى الأزل. ترافقوا ليسدّوا نواقصَ الزمان، فكان المحبّون في كربلاء هم مدرسة الكمال والاطمئنان.
والذي يبرز هنا أن سيرة الإمام الحسين عليه السلام تنقل شجرة الإميلات للقلب: المحبّة، الصفاء، الإخلاص، الشجاعة، التضحية، وهي التي نريد حفظها ونقلها للأجيال، مصوّبة نحو نصرة الإسلام والمستضعفين في العالم.
فكونوا من الحسينيين بحقّ، بوفاء، بمحبة، بخلق، بكرم، بهدوء، صفاء ونقاء، لتعكسوا صورة الحسين عليه السلام في أفعالنا، في علاقاتنا، في مجتمعاتنا.
اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد، ودمتم على المحبّة والوفاء الحسيني.
إنّ الصفاء الذي كان عليه أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن صفاءً عاديّاً يُقاس بالمقاييس الظاهريّة، بل كان إشراقًا روحيًا يُرى في العيون، ويُلمَس في الكلمات، ويُشمّ من عبق الدعاء والمناجاة. كان الحسين عليه السلام إذا نظر إلى أعينهم، رأى فيها نور اليقين، وإذا نظروا إلى وجهه الشريف، رأوا فيه مرآة الإخلاص، وإذا ساروا معه، كانت خطواتهم تسير نحو الجنة، وكانوا يسمعون صدى مناجاة بعضهم بعضًا، فيحسّون بلذّة لم تُكتب حتى للملائكة.
لقد بلغ الحب والصفاء بينهم مبلغًا عجيبًا، حتى أنّ بعضهم كان ينتظر الشهادة بشوق ولهفة، كما ينتظر العاشق لقاء محبوبه. إنّ حلاوة الصفاء تلك كانت تمحو رهبة الموت من القلوب، وتُغرقهم في بحار العشق الإلهي الحسيني. وهذا هو السرّ في قوله تعالى:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي).
ففي هذه الآية، لم يتحدث الحقّ تعالى عن عمل ظاهر أو عبادة حسيّة، بل عن صفة النفس. النفس التي بلغت الاطمئنان لا بوصفها العملي، بل بوصفها الوجودي، نفسٌ راضية مرضية، في سكونها وسلامها مع ربّها، تمامًا كقوله تعالى:
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)،
وهو المقام الذي لا يبلغه إلّا أولياء الله الذين ارتقوا في درجات المعرفة والصفاء حتى أصبحوا أًا تهتدي بها قلوب الناس، ويُحفظ بهم تاريخ الإيمان والتقوى.
وها نحن نقف على باب كربلاء، على باب الحسين عليه السلام، ونخاطبه بقلوبنا قبل ألسنتنا:
السلام عليك يا أبا عبد الله…
يا أبا عبد الله، إن كنت قد قُتلت غريبًا مظلومًا، وإن كانت المصائب قد أحاطت بك من كل جانب، فإنّنا نسألك بنظراتك العاشقة التي ألقيتها على أصحابك، أن تنظر إلينا بواحدة منها. لقد كنتَ تنظر إلى عليٍّ الأكبر، وترى طوله وشبابه، وتنظر إلى قمر بني هاشم العبّاس، وترى بأسه وشهامته؛ ولكنك كنت تعلم أن الغد يحمل لهم فراقًا أبديًا في ميدان الشهادة.
اللهمّ إنّا نسألك وندعوك، بحقّ الحسين عليه السلام، وبحقّ النظرات العاشقة، وبحقّ قلوب أوليائه، يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلّب القلوب، ثبّت قلوبنا على دينك، واجعلنا من المخلصين الصادقين في محبّة الحسين عليه السلام.
اجعلنا يا ربّ من جنود الإمام المهدي عليه السلام، وامنح مرضانا الشفاء، وارزقنا صفاءً وإخلاصًا في محبّة أهل بيت نبيّك صلواتك عليهم أجمعين. اللهم عجّل فرج مولانا صاحب العصر والزمان، وانصر الإسلام والمسلمين، وادفع الشرّ عن هذه الأمة، وردّ كيد أعدائها في نحورهم، ووفّقنا لكلّ خير، اللهمّ آمين.
إشارة: النفس المطمئنّة
ما أحوجنا، في هذه الليالي المباركة، إلى أن نغذّي أنفسنا من صفاء أهل البيت عليهم السلام، وأن نتعلّم من كربلاء كيف نُطهّر أنفسنا من التعلّق الظاهري ونوجّهها نحو باطن الوجود. فالإنسان له وجهان: وجهٌ اجتماعي يُعرف فيه بالاسم والنسب والمهنة والمتعلّقات الدنيوية؛ وهذا وجهٌ زائل لا يدوم.
أما الوجه الآخر، فهو حقيقة الإنسان وباطنه، حيث تقيم فيه الصفاء، الصدق، الإيمان، الطهارة، أو النفاق، الحسد، والحقد. من اشتغل بظاهره فقط، خلا باطنه، ومن عمر باطنه، زهد في زخارف الدنيا. لا يمكن الجمع بينهما.
فالإنسان الذي يقضي عمره من أجل شهادة جامعيّة، أو منصب دنيوي، أو بيت وسيارة وثروة، ولا يسعى لتزكية نفسه، فهو ميت يمشي بين الأحياء، صورة إنسان بلا حقيقة، عباءة جوفاء لا روح فيها.
أما أولياء الله، فحقيقتهم الاطمئنان، وأسماؤهم خالدة، وصفاؤهم خالد، ووجهتهم الله، لا غير. وقد وصفهم الله:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ…).
وهذه الآية، كما قال العارفون، نزلت بحقّ الحسين عليه السلام، سيّد المطمئنين، وأستاذ المضحّين، ونبيّ العشق.
على النقيض من ذلك، فإنَّ الشخص الذي قضى خمسين عامًا يتهيأ لمتاع الدنيا وزينتها، لا يرضى عند لحظة الموت أن يترك ذلك، ولا يقبل بموته، وربما يحتدم خلافه مع الله عز وجل. إن هؤلاء لا يخاصمون ملك الموت، بل الله تعالى نفسه. ملك الموت بعد سبعين عامًا من الحياة، يظهر فجأة أمام الإنسان الذي لم يكن مستعدًا ليمنحه ألف تومان، ويطلب منه أن يترك كل ممتلكاته ويهدر جهده الذي بذله طوال السبعين عامًا. في تلك اللحظة – أعاذنا الله – يقول: «لا يوجد ظلم أعظم من الله الذي يريد أخذ كل ما جمعتُه». هكذا، لا يذهب هذا الإنسان إلى ربه برضا، بل ينطلق إلى البرزخ وهو في خلاف مع الله تعالى.
أما أولياء الله فهم الذين يرجعون إلى الله بقلب مطمئن ورضا كامل، ويظهر أثر الربانية على وجوههم المباركة. كمثال، كان للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) سبعة وجوه إلهية، أما الإمام الحسين (عليه السلام) فكان وجهه يحمل سبعة خطوط أزلية تظهر النفس المطمئنة. هذا الوجه، كلما اقترب من عصر عاشوراء، أصبح أكثر وضوحًا ونقاءً وجمالًا، وكانت الثقة فيه بحيث لم يستطع العدو حتى النظر إلى جسده الممزق، فكان يبتعد رأسه خوفًا منه. لم يكن مظلومه ضعيفًا.
صلابة السيد أبو الفضل العباس (عليه السلام) كانت كذلك؛ فالعمود الحديدي الذي أصابه لم يكن من الأمام حيث كان وجهه، بل من الخلف، وإلا لما تجرأ أحد على النظر إلى وجهه، وكان كل من يمسك عمودًا يسقطه من يده عند رؤية هذا الوجه. كان له وجه جميل وصلب، حتى لقب بـ «قمر بني هاشم»؛ ليس لجمال الوجه أو لون البشرة، بل لطوله وقامته المهيبة التي تتيح له الجلوس على خيول العرب الطويلة. جماله لم يكن في الجلد بل في ذلك الثبات والقامة التي كانت تبرز عظمته، حتى إن من يراه على صهوة جواده لا يتجرأ على الذهاب إلى الميدان.
الإمام الحسين (عليه السلام) شهم لا يريد بث الرعب في قلب العدو، ولهذا لم يسمح للعباس (عليه السلام) بالخوض في الميدان، لأن الجيش لم يكن قادرًا على مواجهته. لذا، سمع في قلبه النداء السماوي: «شاء أن يراك قتيلاً». لو سمح له الإمام (عليه السلام)، لما بقي شيء من الميدان، ولما بلغ وقت شهادة الحسين (عليه السلام) الذي كان مستعدًا لها، لذا قال لعباس: «اذهب وأحضر الماء». وبالمثل، الإمام الحسين (عليه السلام) لم يذهب إلى القتال، فقد ذهب الشهداء جميعًا، إلا هو وأخوه عباس. هذان العظيمان ذهبا ليستسلما لله برضا وصفاء تام وإيمان كامل.
أما من لا يشمّ رائحة الفروسية ويهتم فقط بطعامه وشرابه ويغمره الأنانية، فهو نفس أمارة بالسوء لا تحتمل إلا الشر، ولا يمكنه الجلوس مع الصالحين حتى ساعة. ثم يتطور إلى نفس لوامة تلتزم بالحق ولو على حساب أخيه، ثم نفس مطمئنة خاصة بأولياء الله الذين لا يخافون عدوًا ولا موتًا، ولا يعبأون بالقلة أو الكثرة، يرون الحق ويغمرون في حبه، حب طاهر بلا طمع ويقين كامل بالحق. هؤلاء لا شك ولا شرط لهم في معشوقهم، فالشك والشرط لا يليقان بالحب.
يقول الله تعالى في محكم كتابه:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي).
أي: «ادخلي جنتي». هذه الآية وحدها في القرآن الكريم تتحدث عن جنة الله، بينما في مواضع أخرى يذكر الجنة على شكل أنهار وحور عين وخيام. هنا يُقال: «إلى جنتي». سورة الإمام الحسين (عليه السلام) تبدأ بالفجر وتنتهي بجنتي، وكل كلمة فيها تدل على الإمام الحسين (عليه السلام). هؤلاء توجهوا إلى الله الخالد، تاركين زائل الدنيا، وقدّم الإمام الحسين كل شيء لله، ولم يأخذ معه حتى كفنًا.
نسأل الله أن يحيطنا بصحبة ذلك الإمام، وأن نكون ممن باركوا واستقاموا على درب الحق، وأن يوفقنا الله جميعًا للخلاص.
الشباب الذين، بمساعدة الله، يمتلكون الطاقة والقوة، عليهم أن ينتبهوا أين يرفعون أيديهم وأين يخفضونها. ويجب أن يراعوا أن يومًا ما سيفقدون شبابهم. أمام الضعفاء والمظلومين، ينبغي أن يكونوا متواضعين وودودين، وإذا أساء إليهم أحد، فليصفحوا عنه. ويجب أن يكون منهج وسلوك كل شاب مستندًا إلى سير أئمة المعصومين عليهم السلام، لكي يُعرفوا باسمهم الشريف.
خلاصة النقاش كانت أن هناك في يوم القيامة ثلاثة أصناف من الناس:
- الأول هم الذين لهم إمام حق، وأعمالهم صالحة، ويُعطون صحائف أعمالهم بيدهم اليمنى.
- والثاني هم من يدّعون ذلك، ولكن ليس لهم عمل.
- والثالث لا يدّعون ولا يعملون، فيبعثون كالعميان التائهين.
الحمد لله، نحن من المجموعة الأولى التي تقف دائمًا بثبات على محور الإمامة لأهل البيت عليهم السلام، وثقافة أهل البيت الصحيحة. لا مكان لنا إلا عند باب أهل البيت عليهم السلام. روى أحد الأفاضل:
“كنت في حالة ضيق وهمّ شديد، وقفت أمام حرم الإمام الرضا عليه السلام وقلت: يا سيدي، لن أدخل الحرم ولن أزور، جئت فقط لأخبرك أنني غير راضٍ عن هذا الحال، فارحم حالي. ثم غادرت، لكني نظرت إلى القبة في الطريق وقلت: ليس لي مكان أذهب إليه سوى هذا البيت، فعدت مرة أخرى وقلت: يا سيدي، إن شئت أجب حاجتي، وإن شئت فلا، لكن ليس لي مكان آخر ألجأ إليه.”
نحن أيضًا في هذه الأربعين الحسيني تحت خيمة الإمام الحسين عليه السلام، نعرض عليه أننا لا نجد مكانًا غيره، وأنه هو أملنا الوحيد. وإن كان في أعمالنا خطأ، فليساعدنا ويعيننا على تصحيحه. لم نكن في كربلاء، لكننا نعرفه ونسير على خطاه. لا نسمع عن كربلاء إلا الأخبار. ظلم يزيد أولاد الإمام الحسين عليه السلام إلى حدّ أنه تعب هو نفسه من خبثه وقال لزوجاته: “خذن الأولاد بعيدًا.” كان الأولاد في دمشق وفي بيت العدو نحو شهر، وخلال هذه الفترة، وحتى في أول أربعين، لم يذهب أولاد الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، وليس لدينا دليل على دخولهم كربلاء في الأربعين.
الشخص الوحيد الذي حضر إلى كربلاء في الأربعين هو جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو من رواة الشيعة الموثوقين. ذهب إلى كربلاء بقصد زيارة الحسين الغريب عليه السلام، توضأ قرب نهر الفرات، ولبس إحرام الزيارة. كان أعمى، فأخذ عطيّة يده وقاده إلى قبر الإمام الحسين عليه السلام. وضع جابر يده على القبر المبارك وقال: “السلام عليك يا أبا عبد الله” ثم فقد وعيه. وبعد أن استعاد وعيه، نادى الحسين عليه السلام ولم يسمع جوابًا، فصاح: “حبيبي لا يجيب حبيبه؟!” ثم قال: “حسيني الذي لا يملك لا عروقًا ولا رأسًا ولا جسدًا، كيف يجيبني؟!” السلام عليك يا أبا عبد الله. اللهم صل على محمد وآل محمد.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.