الاستراتيجيات الكبرى للنظام الإسلامي:
تشخيص الأضرار وحلول مشاكل الثورة الإسلامية الماضية والمقبلة
معلومات التعريف:
المؤلف: (مواليد 1948)
العنوان: الاستراتيجيات الكبرى للنظام الإسلامي: تشخيص الأضرار وحلول مشاكل الثورة الإسلامية الماضية والمقبلة / تأليف
مكان النشر: إسلام شهر – ، 2014
المحتوى: 110 صفحة؛ حجم 21×14.5 سم
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-600-6435-76-3
ملاحظات: قائمة المراجع ضمن الحواشي السفلية
الطبعة: 1
التصنيف: الثورة الإسلامية، إيران، التاريخ، الرسائل والخطب، المقابلات
فهرس المحتويات:
- مقدمة
- الاستراتيجية الأولى: الثواب المضاعف للمجاهدين في لقاء الأحرار
- الاستراتيجية الثانية: مدخلات ومخرجات ونتائج الثورة الإسلامية
- الاستراتيجية الثالثة: ثواب طهارة الروح
- الاستراتيجية الرابعة: الالتزام والتخصص
- الاستراتيجية الخامسة: أسباب ظهور وسقوط الحضارات من منظور الإسلام
- الاستراتيجية السادسة: الحرب والسلام في نظر الإسلام
- الاستراتيجية السابعة: عوامل انتصار المسلمين في معركة خيبر
- الاستراتيجية الثامنة: أسلوب الدفاع الإسلامي في غزوة الخندق
- الاستراتيجية التاسعة: سجل الثورة الإسلامية
المقدمة:
يحتوي هذا الكتاب على تسع استراتيجيات تناقش أهم القضايا المتعلقة بالثورة الإسلامية. تتناول الاستراتيجية الأولى الثواب المضاعف للمجاهدين الذين تحملوا العديد من الصعاب في سبيل أهداف الثورة الإسلامية. وتقوم الاستراتيجية الثانية بتحليل المدخلات والمخرجات والنتائج المتعلقة بالثورة الإسلامية، بينما تتحدث الاستراتيجية الثالثة عن ثواب طهارة الروح لأولئك الذين حافظوا على روحهم الثورية خلال فترة البناء والإصلاح وما بعدها، دون أن ينسوا أو يحيدوا عن أهداف الثورة الأصلية.
ويتطرق الكتاب أيضاً إلى موضوع «الالتزام والتخصص» وأهميته في أساليب الحكم، كما يحتوي على مقابلات أجريت مع الكاتب حول أسباب ظهور وسقوط الحضارات وفقاً للنظرة الإسلامية، ومفهوم الحرب والسلام، وعوامل نصر المسلمين في معركة خيبر. هذه المقابلات أُجريت بمناسبة مؤتمر «الدفاع السلبي» عام 2009 لكنها لم تُبث في القنوات الرسمية، لذا تم تحريرها ونشرها هنا. أما الاستراتيجية الأخيرة فتعنى بتقييم سجل الثورة الإسلامية.
وفي الختام: الحمد لله رب العالمين.
حدث معصيةٌ، فَلا بدَّ من الصبر على التحكم بالنفس والسيطرة عليها حتى لا تُلوث بالذنب. ولنا صبرٌ رابعٌ وهو الصبر على المعصية الأخرى. إنَّ العدو الغادر، بكل قوته، يسعى لاستعباد الإنسان وإجباره على ارتكاب أنواع المعاصي. وفي مثل هذه الظروف، يكون الصبر ضروريًا، وهذا الصبر ثقيلٌ جدًا ويتطلب تحملًا عاليًا. إنكم أمام هذه المعاصي لا تملكون أي حرية أو اختيار. في زمن الأسر كنتم ممثلين لدولةٍ ما، تحت المراقبة الدقيقة، وكان الجميع يراكم، ولكنكم بمقاومتكم وتمسككم بقيم الثورة الإسلامية أجهدتم وأضعفتم هؤلاء الأعداء. كلما زاد ضغطهم، ازددتم صلابةً، وهذا أمر عظيم وله أجرٌ عظيمٌ، لأن الله تعالى يقول: «بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، أي إن الله سبحانه وتعالى يرى جميع أعمالكم، ويختار أفضلها، ويجازيكم على أساسه. والأسرة والزوجة شركاء في هذا الأجر. صحيحٌ أن الصبر مرٌّ، ولكن ثماره حلوة. هذه الآية مخصصة لأهل الصبر، لا لأهل العلم، أو الإيمان، أو الإحسان، ولا حتى للشهداء، بل لكم أنتم الذين كنتم تُمزقون قطعة قطعة في قبضة العدو الغادر، ونصبرتم واحتملتم فهزمتوهم. والله تعالى يختار أفضل أعمالكم في حياتكم ويقيس جميع أعمالكم على أساسها، فتتضاعف قيمة أعمالكم.
يمكن تفسير هذه الآية بشكل آخر كما سأذكر الآن، ولكن قبل ذلك، صلوا على النبي: اللهم صلّ على محمد وآل محمد.
يقول الله تعالى في هذه الآية: «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». إذا دققتم النظر، سترون أن الله تعالى يتحدث عن جمع الصابرين ويشمل حكم المكافأة جميعهم، إذ يقول: «الَّذِينَ صَبَرُوا»، أي الله ينظر إلى أعمال جميع الصابرين، ويختار أفضل عمل منهم ويجازي به الجميع. فإذا كنتم ثلاثمئة من الأحرار، يرى الله أعمالكم جميعًا ويختار أفضلها ويجازيكم جميعًا بها.
ومن الأفضل أن ننظر إلى الآية نظرة كلية، فالتعبير «الَّذِينَ صَبَرُوا» لا يقتصر على صبر الزمان فقط، بل يشمل كل الصابرين في سبيل الله، وأفضلهم أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما النبي محمد صلى الله عليه وآله، والإمام علي عليه السلام. وتُحسب أعمالكم على أساس أفضل أعمالهم، فلو كانت ضربة واحدة من سيوفهم أفضل من عبادة الجن والإنس جميعًا. يجب أن تفتخر عائلاتكم بكم وتقدر وجودكم. كذلك زوجاتكم تحملن ألم الفقد وهنّ شركاؤكم في الثواب. في الثورة الإسلامية أنتم الرابحون، بينما خسر الآخرون كثيرًا، خصوصًا من جعل الثورة وسيلة لتحقيق مصالح دنيوية، فكل ما عندهم سينفد، أما ما عند الله فباقٍ.
هذه كلمات موجزة، فأنتم كنتم أمس الفائزين في حصون رهيبة لا يُرى منها السماء، وبصبركم نجحتم، واليوم قد تعيشون في هواء الحرية، لكنه ملوث بالدنيا الفانية، وإن انشغلتم بالترف والتبذير بمال غير طاهر، فستخسرون ما بذلتموه، ويزول ما لديكم. الدنيا تزول ويبقى ما عند الله.
والنقطة الثانية تتعلق بالعلم. أنتم الأحرار من روحانية الشيعة، في لباس العلم والتقوى، وبفضل صبركم وعلو همتكم، عليكم أن تكونوا منارات العلم وقادة نهضة الشيعة والثورة. لا يجوز أن يحتل مكانكم من لا يشعر بألم هذا الطريق، فالذي يُمهد طريق الدراسة هو الألم، وعليكم تعليم طلاب الحوزات درس الصبر والتحمل، والمثابرة، والقدرة على تجاوز المحن، لأن العجز عن تحمل الألم سبب تخلفنا اليوم.
عليكم أن تكتبوا ما مررتم به، ليعرف غير المعذبين اليوم من صاروا حكامًا بعض ما عانيتموه من غربات، وحدات، وصبر. عليكم تعليم علم الصبر والمقاومة، كيف يصبح الإنسان صبورًا، وتحويل الصبر إلى علم.
نسأل الله أن ينمّي فينا القدرة على التحمل، ويجعلكم من منارات العلم والمعرفة، وأن يجعلنا من أنصار الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف). صلوا على محمد وآل محمد.
العمل، الدراسة، والزواج يحظون باهتمام كبير.
لكي ندخل في أي عمل، يجب أن يكون أول خطوة الصدق:
قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ
يا الله، أدخلني في كل عمل أقدمه بنقاء وصدق.
يجب أن يكون بدء كل عمل بنقاء وكفاءة. ولكن في المرحلة الثانية، وهي الخروج، يجب أن نخرج بخطوة صادقة:
وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
يا الله، أخرجني من هذا العمل بصدق وكفاءة.
وفي المرحلة النهائية، يقول تعالى:
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا
يا الله، اجعل هذا العمل ناجحًا ومحققًا للنصر حتى يُتمم أمره.
هذا هو مخطط القرآن الكريم لبدء وإنجاز وختام كل عمل.
على سبيل المثال، الطالب يجب أن يدرس بصدق في بداية العام الدراسي، حتى يستخدم معرفته فيما بعد لصالح المجتمع والناس، ولا يسعى للفساد أو الغش، ليكون ختام عمله هكذا:
وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا
أي: يا الله، النصر والعاقبة الطيبة من عندك.
أما العمل العظيم الذي قام به هذا الشعب العظيم، والذي هو مثال لهذه الآية الكريمة، فهو “الثورة الإسلامية” وتأسيس “الحكومة الإسلامية” في أرض إيران. هذا العمل هو ميدان المعركة الحقيقي، ومنه يمكن أن يُظهر للناس طريقة الشيعة ومنهج الإمام علي عليه السلام وأبنائه عليهم السلام. ونحن نرى في وجوهكم الصامدة والمتينة هذا الخروج الصادق. أنتم أيها الشعب الآذري قوم جبارون وشجعان، أنقياء، يحملون مسؤولية عزّة البلاد وتشيعها. وجوهكم منورة بنور الإيمان كما كانت أيام الثورة الأولى.
نسأل الله أن تكونوا أيضًا في الخروج خيرًا.
في صدر الإسلام وفي زمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، دخل الكثيرون الإسلام بصدق، ولكن خروجهم كان سيئًا، فصاروا من الرافضين والمنشقين عن الحركة النبوية. وأما الذين استشهدوا فهم من الفائزين والناجين.
أما شهداء الثورة الإسلامية، الذين نالوا شهادةً، فقد استفادوا من نصيب يمتد لعدة قرون كما قدّر الله في زمن الثورة والحرب المقدسة لفلذات أكباد الثورة، ووصفهم هذه الآيات الكريمة:
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ.
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إنَّ اللَّهَ عنده أجرٌ عظيم.
وأما الذين بقوا، فقد حافظ بعضهم على طريقهم بالكفاح والجهد، ولكن فريقًا آخر خرج خروجًا سيئًا، فصاروا من الرافضين للثورة، ولم يجلب لهم الدنيا والاختلافات سوى الخيبة. كثير من أبناء الثورة كانوا يخطون خطوات صادقة على الأرض، ويتنقلون بمهارة وسرعة بين الجبهات، ولكن عندما وصلوا إلى أماكن النفوذ، ضعفوا وطمعوا، فعمى بصيرتهم.
المهم هو أن يكون خروجنا بصدق. ويقال إن من أفضل الأدعية:
اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَاقِبَةَ أَمْرِي خَيْرًا.
الدنيا والمال والعلم والزوجة والولد كلها أشياء ستُترك في النهاية. الحمد لله أن أيديكم مليئة اليوم. وأرى في وجوهكم حركة ونشاط وصفاء، وهي صورة للخروج بصدق.
هذا الجهد هو الذي جعل الغرب بقوته كلها يركع أمامكم. وهذا النصر لم يكن إلا ببركة دماء شهداء الثورة ودعاء مولانا الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف). ثورتنا هي زهرة آلاف السنين من مظلومية الأئمة الشيعة عليهم السلام وآلام كربلاء.
نسأل الله بحق مولانا الإمام المهدي أن يجعلنا من أنصاره وينصر الإسلام والمسلمين. وأن يجمع أرواح الشهداء الطاهرة مع أرواح الأنبياء والأولياء، ببركة الصلاة على محمد وآل محمد:
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.
(39)
يجب أن يجد علم الباطن وعلم الظاهر مجالات تخصصية خاصة بهما، ويجب علينا أن نضع لهما نظامًا معينًا. في مجتمعنا، موضوع التخصص ضعيف جدًا، باستثناء بعض المؤسسات. هذا الرجل يقول: «أنا طبيب»، وذلك يقول: «أنا معلم». اليوم لا يدخل أحد إلى الصف دون شهادة، لكن في مجتمعنا ليس من الضروري أن يتوقف أحد عن عمل بدون شهادة. قول الإمام الجواد عليه السلام في مجال القيادة ينطبق على مجالات أخرى أيضًا، ولذلك قال في كلامه: «وفی الأمّة من هو أعلم منک»؛ أي بينما أنا موجود لماذا تعطي رأيًا؟ هذا ينطبق على جميع المجالات الاجتماعية، فعندما نتحدث عن الالتزام في المجتمع الإسلامي، فإن الالتزام ذاته يدفعنا إلى التخصص، فالمجتمع يكون ملتزمًا عندما يكون متخصصًا، والتخصص هو أساس الالتزام.
راديو الثقافة: شكرًا جزيلاً لجنابكم على هذه الكلمات المفيدة.
(40)
الاستراتيجية الخامسة
أسباب ظهور وسقوط الحضارات من وجهة نظر الإسلام
مقدمة: في شهر خرداد من عام 1388 هـ ش، عُقد مؤتمر بعنوان الدفاع السلبي، وأجرت الشبكة الأولى للإذاعة التلفزيونية أربعة مقابلات مع الكاتب بمناسبة المؤتمر، وهذه المقابلات لم تُبث على القناة الوطنية.
بسم الله الرحمن الرحيم، وبهِ نستعين، إنه خير الناصر والمعين.
السؤال المطروح هو: ما هي أسباب ظهور وسقوط الحضارات من وجهة نظر الإسلام؟ بطبيعة الحال، هذا الموضوع اجتماعي وواقعي خارجي، وقد نوقش كثيرًا في العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع، حيث تم بحث أسباب صعود وسقوط الحضارات وأنواعها بين الشعوب والأمم في المراكز العلمية العالمية وفي كتب علم الاجتماع.
(41)
لكن المقصود في هذا السؤال هو معرفة رأي الإسلام، أي الرؤية الإلهية، وخاصةً القرآن الكريم.
في البداية يجب أن نعلم أن الحضارات هي ظهور للثقافات والطبائع والكيانات وسلوكيات المجتمع وتاريخه، وموضوعها هم الشعوب والأمم. عندما نقول إن حضارة ما ظهرت أو سقطت في قوم أو أمة أو منطقة معينة، فإن موضوع السقوط والظهور هو الشعوب والأمم، ويجب أولاً أن نذكر قوميات وشعوب تلك الحضارة. بعض الشعوب والأمم قد تكون دينية الطابع، وبعضها لا، وقد توجد حضارات عظيمة لدى شعوب غير دينية، لكن أغلب الحضارات نشأت في حضن أمم ذات دين، حيث نمت وتطورت. والقرآن الكريم يذكر أن الكفار والمشركين لديهم ديانة خاصة بهم. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَکمْ دِینُکمْ وَلِی دِینِ». على أي حال، موضوع الحضارات هو الشعوب، سواء كانت دينية أو غير دينية، وهي التي تظهر الحضارة أو تسقط.
(42)
في هذا السياق، نوضح رأي الدين الحنيف الإسلام بوضوح وبدعم من آيات القرآن الكريم فيما يخص الشعوب والأمم المتحضرة. لقد بحث القرآن الكريم في تعريف الشعوب والأمم المختلفة. وإذا نظرنا نظرة إحصائية إلى القرآن الكريم، سنجد أنه تحدث أكثر من أي كتاب اجتماعي عن الشعوب والأمم، ودرسها من حيث الكم والنوع، والطبائع والسلوكيات، وعكس بذلك صورة شاملة. وهذا ما يجعل القرآن الكريم كتابًا اجتماعيًا وجماهيريًا بامتياز. ذكر القرآن كلمة «قوم» ومشتقاتها في 383 موضعًا، وهو رقم مرتفع جدًا لا يوجد مثله في أي جامعة أو كتاب اجتماعي كبير معروف. كما اهتم القرآن الكريم بجودة الشعوب، وذكر خصائص وصفات العديد من الشعوب، وبيّن كيف كانت حياة الناس في كل حضارة. ومن المصطلحات الاجتماعية الأخرى التي وردت في القرآن كلمة «ناس» التي جاءت 240 مرة، مما يضيف بعدًا آخر للبحث الاجتماعي في القرآن الكريم. هذا الاهتمام الدقيق جعل القرآن كتابًا خالدًا وصالحًا لكل العصور والأزمان.
(43)
إذا اقتصرنا على دراسة هذه الكلمات فقط (623 مرة) لاستخلاص رأي القرآن الكريم في أسباب ظهور الحضارات وسقوطها، فإن النقطة الأهم هي أن ظهور الحضارة يعتمد على وعي الناس وإيمانهم، فالحضارة تظهر عندما يصل الناس إلى مستوى عالٍ من المعرفة والوعي والإيمان. كما أن حضارة الإسلام نشأت بسبب ارتفاع معرفتهم وإيمانهم.
والقاعدة الأساسية في ظهور الحضارات هي أن كلما كان وعي الناس وإيمانهم قويًا وثابتًا، نشأت حضارة، وكلما ضعفت هذه العوامل، سقطت الحضارة. وظهور الحضارة مرتبط بأمرين: إثباتي وسلبي.
في الجانب الإثباتي، يبيّن الإسلام أن ظهور الحضارة يقوم على العلم، والوعي، والحكمة، والإيمان. وفي الجانب السلبي، حينما يكون الناس مؤمنين وواعين، يقل الظلم والعدوان بينهم، فالقرآن تحدث عن الظلم 291 مرة، وهذا يشمل المسلمين وغير المسلمين.
والقرآن لا يحبذ «الضعفاء» لكنه لا يمجد «المظلوم» إلا في حالة واحدة في سورة الإسراء، حيث أعطى الحق في القصاص لولي المظلوم.
الظلم هو السبب الرئيسي في سقوط الحضارات، والعدل هو الذي يحافظ عليها ويجعلها نشطة وحية.
القرآن لا يُظهر المظلوم بمظهر البطولة، ويكتفي بذكره مرة واحدة فقط.
خلاصة القول، الوعي والمعرفة مع الابتعاد عن الظلم هما الأساس في بناء الحضارة.
(44)
المجتمع الإسلامي يمكنه بناء حضارة في أي عصر إذا زاد وعي أفراده وثبت إيمانهم، وأزال الظلم والفساد، فلا يجب أن يكتسب الظالم مكانة في المجتمع.
من يمارس الظلم لا يجب أن يكون له موقع اجتماعي قوي.
عندها فقط يصل المجتمع إلى خيراته وكمالاته ويصبح باني حضارة عظيمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في عصرنا الحاضر، كثيرٌ من المشاكل تنشأ بسبب المكائد والمناورات. والقوة كذلك، لا ينبغي أن تتحول إلى عنفٍ ظالمٍ وجَبَابِرِيٍّ واستبدادٍ قاسٍ. القوة المذكورة في الآيات ليست بمعنى العنف أو العداوة أو الحدة والتشدد، بل هي بمعنى الاتزان والاستمرارية في العمل، والثبات في العقيدة والمثابرة. لذلك قال تعالى: «خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ»؛ أي ما أعطيناه لك – وهو من الله – وهو الخير والكمال. الإسلام يدعو إلى القوة من أجل إرساء السلام، والقوة ليست تعني الغطرسة أو الطغيان أو العنف أو الاعتداء أو الظلم. في زماننا الحالي، القوى العظمى مصحوبة بالعنف والعداوة والتعدي، ولا توحي أبداً بالاتزان في السلوك. الإسلام يوصي بقوة تتميز بالاتزان والاستمرارية والدعم الروحي والمعرفي، وتغرس السلام والسعادة والقرب من الله، وإلا فإن كل ما عدا ذلك هو مجرد عنف وطغيان يهيئان أسباب الحروب بدلاً من أن يحققا السلام. إذن، ما يُمهّد للسلام في الإسلام هو «المعرفة» و«القوة»؛ فالمعرفة تختلف عن المكائد، والقوة تختلف عن العنف والظلم.
النموذج الكامل للقوة في الإسلام هو أمير المؤمنين عليه السلام، الذي بلغ في معرفته مقاماً قال فيه: «إني بطُرُق السماء أعرف»؛ وفي قوته نادى: «لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار». كان عليه السلام في تعامله مع الفقراء وكأنّه ماء في ألسنتهم، وفي ساحة القتال ثابتاً في وجه أعداء الدين. هذه هي المعرفة والقوة المسطورة في الإسلام. أما إذا كانت المكائد والاعتداء، فهي لا تؤدي إلى السلام بل تُفضي إلى الحرب.
باختصار، من وجهة نظر الإسلام، الحرب ضرورة ولكن يجب أن تُقيَّد وتُحكَّم، ويتحقق ذلك من خلال التوعية والإدراك الجماهيري، والتركيز على المعرفة والروحانية، والحصول على القوة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإستراتيجية السابعة
عوامل نصر المسلمين في معركة خيبر
بسم الله الرحمن الرحيم، وبِهِ نستعين، إنه خير ناصر ومعين.
موضوع الحديث هو موقع خيبر وحصونها القوية والمحصنة، وكيفية خطة النبي محمد صلى الله عليه وآله للاختراق والدخول إلى تحصينات اليهود في ذلك الزمان. تقع وادي وخيبر بالقرب من المدينة المنورة، وكانت منطقة خضراء خصبة مليئة بالبساتين والنعم الإلهية. كان اليهود، بناءً على أخبار واستخبارات عن الإسلام، يعلمون بظهور الإسلام والنبي في المدينة المنورة، لذا بنوا قبل ذلك وقتاً حصوناً متينة جداً قرب المدينة في موقع استراتيجي، وجلبوا أهم قادتهم العسكريين ذوي الخبرة.
كانت هذه الحصون متداخلة بعضها مع بعض، ولكل منها اسم خاص وقائد مستقل. كان نظام الدخول والخروج خاصاً بها. ومن أسماء هذه الحصون: «نائم»، «قموس»، «كتيبة»، «نشاء»، «شط»، «تين»، و«سلالم». بنيت هذه الحصون بحيث تسيطر على كامل المنطقة المحيطة. جهّز اليهود هذه التحصينات بصبر وحزم وقوة، حتى ظنوا أنفسهم في أمان تام. كانوا على علم أوسع من قريش والمشركين الآخرين تجاه الإسلام، وكان نظام حياتهم متقدماً ومعقداً وحصيناً. كانوا يشعرون بالأمان في منطقتهم بشكل كامل.
والعجيب أن الإسلام في بدايات نموه، رغم عدم استقراره الكامل، استطاع اختراق هذه الحصون. فما هي الإستراتيجية التي اتبعها النبي محمد صلى الله عليه وآله لتفكيك وتدمير حصون خيبر؟
من دراسة تاريخ صدر الإسلام يتضح أن عاملين رئيسيين كانا سبب نصر المسلمين على خيبر: الأول هو الإدارة الفعالة للنبي صلى الله عليه وآله، والثاني هو التضحية والإصرار والإيمان القوي للمسلمين وصمودهم في وجه الصعاب.
إدارة النبي صلى الله عليه وآله كانت حاسمة، فعندما وصل الجيش الإسلامي إلى خيبر، لاحظ أن منطقة خيبر متحالفة مع قبيلة قطفان، وكذلك بعض المشركين الآخرين الذين كانوا أقل عدداً من اليهود. فاختار النبي موضع نزول بين خيبر وقطفان، فحطم اتحادهم ومنع تزويد اليهود من قبل قطفان.
في هذه المعركة، كان اختيار المكان الاستراتيجي حاسماً، حيث وضع المسلمون معسكرهم في نقطة تحت إشراف اليهود من داخل الحصون، فاقتُرح عليه من قبل الصحابي طباب بن منزل تغيير موقع القيادة إلى خلف النخيل لإبعادها عن إشراف الحصون. والنبي رضي بذلك، مما يعكس حكمته وثقته في أصحابه.
ولكن العامل الثاني الذي ذُكر هو تضحيات المسلمين، إيمانهم القوي، وإصرارهم الذي مكنهم من اقتحام الحصون والسيطرة عليها. يجدر بالذكر أن اليهود كانوا يملكون أفضل المحاربين وأقواهم، وكان من أشهرهم «مرحّب» الذي لم يكن أحد يجرؤ على مواجهته. لكن المسلمين لم يترددوا في القتال دفاعًا عن دينهم، وكانوا مستعدين للشهادة والفداء في سبيل الله.
في المعركة، أصاب بعض المسلمين شعور باليأس، فقام النبي محمد صلى الله عليه وآله بتشجيعهم قائلاً: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحب الله ورسوله كراراً غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه». بهذه الكلمات، أيقظ النبي في نفوس المسلمين الأمل والتفاؤل، وأزال روح الهزيمة والخذلان، وأكد لهم أن النصر حليفهم.
وعلى غير المتوقع، في صباح الغد، توجه النبي صلى الله عليه وآله للسؤال عن علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي لم يكن حاضراً في المعركة بسبب عارض صحي في عينه. كانت الأنظار متجهة إلى أشجع المحاربين، لكن الإمام علي عليه السلام استطاع فتح الحصون بفضل قوته الروحية وإيمانه العميق بالله، حيث قال: «ما فتحتها بقوة بشرية، ولكن فتحتها بقوة إلهية ونفس مطمئنة بلقاء ربها راضية».
كانت قوة الإيمان والروحانية هي التي حطمت الحصون المتينة، لا القوة البدنية وحدها.
(65)
لقد أدركوا جيدًا أن الحفاظ على معنويات جنودهم وإضعاف المسلمين يتطلبان شن حرب نفسية ودعائية ضدهم، فكانوا في هجوماتهم الشعريّة ينعتون المسلمين بالجبناء والضعفاء الذين يفرون خوفًا ويختبئون خلف الخنادق. ولو لم يكن لدى المسلمين حكمة وإيمان قويان، لكانوا قد تأثروا بهذه التحريضات، لكنهم كانوا يراقبون كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باهتمام ليروا ما سيأمرهم به.
ومع فشل الحرب النفسية، كانت دعاية الكفار سببًا في إرباكهم وضللهم، إذ لم يكن لديهم مؤن كافية وأصبح مسار الحرب مرهقًا لهم، مما أدى إلى تدهور أعصابهم. لقد كانت رصاصاتهم تصطدم بالحجارة، ولم يكن لديهم الحكمة للقيام بأي تحرك، وقيادة أبي سفيان وصلت إلى حالة من الارتباك واليأس. وكانت خططه للاتصال والتنسيق مع اليهود والمنافقين في المدينة تُحبط بسبب حكمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووعي أصحابه وطاعتهم له، مما زاد من هيبة وقوة أنصار النبي، وأظهر ضعف الكفار.
وكان بعض المشركين يتجرؤون أحيانًا على تجاوز الخندق والقتال، ومنهم نوفل المخزومي الذي قُتل على يد الإمام علي عليه السلام. حينما التقى بنظرات الإمام، فقد زمام نفسه. كان نوفل من أبطال جيش أبي سفيان ومكانته مهمة لديهم إلى درجة أن أبي سفيان عرض مئة ناقة على الإمام علي عليه السلام كي لا يشوه جثته ويُعيدها سليمة، رغم أن تشويه القتلى في الحرب محرّم، إلا أن أبي سفيان لم يصدق أن الإسلام يعامل القتلى بهذه الإنسانية ويعيد الجثث دون مقابل.
وكان عمر بن عبدود أيضًا من أبطال جيش أبي سفيان، وهو محارب شجاع لا يقهر، ألحّ في القتال حتى أصاب الإمام علي عليه السلام بجراح. كان طويلاً وأقوى جسديًا من الإمام علي عليه السلام.
في بداية المواجهة، دعا الإمام عمرًا إلى التوحيد، لكنه أجابه بعناد وكبرياء قائلاً له: «لا تحدثني عن الإسلام، واستعد فقط للقتال معي».
يمكن مقارنة الخندق بالحصون في خيبر، حيث لم يكن خندق المسلمين أقل من الحصون هناك، لكن نجاح المسلمين في الحالتين كان بسبب حكمة وقوة القيادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإيمان المسلمين العميق به، على عكس اليهود والكفار الذين افتقدوا الحكمة والتصميم والابتكار في مقاومة الخندق والهجوم عليه.
وهكذا عجز الكفار واليهود أمام خندق المسلمين، بينما استطاع المسلمون في وقت قصير فتح حصون خيبر.
وفي النهاية، بعدما رأى الكفار أن لا فائدة من هذه الحملة العسكرية، وأن الأشهر الحرم على الأبواب مما يؤجل القتال، فضلاً عن نقص المؤن والإمدادات، اضطروا للانسحاب بعد أسبوعين من التيه والارتباك والعودة إلى مكة.
في الحرب، صحيح أن العوامل المادية مهمة، لكن الخندق كان أفضل مثال على الدفاع الطبيعي في الإسلام، وكان الإيمان والحكمة والقدرة القتالية للمسلمين يعوضون نقص المعدات ويضاعفون قوتهم.
من حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطريقة تعامله مع التحديات، وكذلك الأئمة المعصومين عليهم السلام، يمكننا دراسة متعمقة علمية دقيقة لنستفيد من قدرتهم على التخطيط وحل الأزمات الداخلية والخارجية، وبعون صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف نحفظ ثورتنا وإسلامنا بنجاح من مخاطر الأحداث.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(80)
يجب التنبيه إلى أن عالم الناسوت يُدار بناءً على القدرات، وكل دولة تمتلك قدرة أكبر تصبح هي الحاكمة. والدول الأخرى، نظرًا لحاجتها، لا تستطيع أن تدّعي الاستقلال أمام الدولة المهيمنة. لقد كانت روسيا في سياستها الخارجية دائمًا تابعة للولايات المتحدة، وفي الحقيقة هي عبد لها. روسيا دولة جائعة لا يمكنها أن تتبع سياسة مستقلة تجاه أمريكا. أمريكا دولة تمتلك القوة العسكرية ورأس المال، وتتحكم بالدول الأخرى بالقوة والغطرسة، فالهيمنة عندها تقوم على القوة. لذلك لا يمكن الوثوق بروسيا كصديق وفي في السياسة الخارجية.
أما بالنسبة لأمريكا، فيجب على الجمهورية الإسلامية أن تجعل من التحدي المستمر لسياسات أمريكا الخارجية مبدأً دائمًا في سياستها. على سبيل المثال، أحيانًا تستلزم السياسة دعم أحد أعداء الإسلام ليُهزم العدو الأكبر، وهو مثال قوله تعالى: «اللهم اشغل الظالمين بالظالمين». ففي الحرب بين أمريكا والعراق، كان من الممكن إعلان الحياد رسميًا، لكن سرًّا قُدمت لصدام أنواع من الصواريخ وحزم المعلومات وتصميم العمليات ليستخدمها ضد أمريكا. المهم أن تقع أمريكا في تحديات مستمرة حتى لا يكون طريق سيطرتها ممهّدًا. قد تكون هذه التحديات صغيرة، لكن حتى أن تتوقف أمريكا ليوم واحد فهذا يُعد انتصارًا لنا. ولا يجب أن نتحدث عن فرج، بل يجب أن نتحدث عن كَرَج (أي: من واقع الحال). علينا أن ندعم كل من يستطيع أن يخلق تحديًا لأمريكا. كل ذئب يتصارع مع أمريكا محبوب لدينا، لأن أمريكا الآن هي التي تلحق أعظم الضرر بعالم الإسلام، وهي ألد أعداء الدين. في السابق كانوا يقولون: إذا جاء ابن الضبع وأكل الدجاج فذلك بسبب ضعف الكلب لدينا. نحن بحاجة إلى كلاب كهذه لنحمي أنفسنا من خطر ابن الضبع. وإذا سقط هذا الشيطان الأكبر بأيدي أي كان، فذلك لصالح الدين.
(81)
في هذه الحرب، كانت إيران والعراق وإسرائيل هم من أظهروا أن لديهم جهازًا استخباراتيًا قويًا، بينما كانت أجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية تجهل كثيرًا عن هذه المنطقة. وكانت تحليلات بعض القادة العسكريين آنذاك التي كانت تُبث في التلفاز تحليلات خاطئة تهدف إلى خداع أجهزة المخابرات الأمريكية وتقوية العراق، وهذه المساعدات جميعها تتماشى مع القول: «من أصبح لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».
في عملية خلق التحديات لأمريكا لا بد من عدم تجاهل مبدأ خوف الأمريكيين من الموت. الأمريكيون يخافون الموت كثيرًا. إذا ارتفع عدد القتلى بين الجنود الأمريكيين في منطقة ما، فإن الضغط النفسي والقلق يتضاعف ويصبح أزمة تسيطر على الجنود. هم من طلبة العيش المريح، الذين يحبون الترف، متكبرون ومغرورون، وإذا تجاوزت خسائرهم آلاف الأشخاص فإنهم يشعرون وكأن تمثالًا عظيمًا قد تحطم. من جهة أخرى، إذا استطاع أحد ما جعل عدة مراكز حساسة في أمريكا غير آمنة، فإنه في الحقيقة قد هزّ اقتصاد هذا البلد، وهذا هو أعظم ضرب يمكن توجيهه له. من يطلب العيش المريح يستسلم بسرعة أمام المحن، ولأن الأمريكيين من هذا النوع، فإن أقل تهديد يجعلهم يسقطون على ركبهم.
(82)
الحرب التي بدأها الأمريكيون في هذه المنطقة ستنعكس عليهم سلبًا على المدى الطويل، ولن يكونوا هم المنتصرين في هذه المعركة. هذا النمر العجوز تصرف بطيش حين خرج من عرينه. صحيح أن الدول التي تتصارع معه فقيرة، ولكن الفقير يكتفي بخبز بسيط بينما المستهتر لا يشبع حتى لو أُعطي ديك رومي. تكاليف الحرب على أمريكا باهظة جدًا، كما أن انعدام الأمن الاقتصادي يدفع رؤوس الأموال إلى الهروب من أمريكا والاستثمار في بلدان ذات استقرار ونمو اقتصادي مضمون.
صحيح أن الصهاينة والإسرائيليين لهم تأثير ونفوذ في مراكز اتخاذ القرار الأمريكي، لكن الأمريكيين أنفسهم لديهم مثل هذه السياسات. لأن من يملك القوة يصبح أقل حكمة ويميل إلى الجنون، وهذا ما تجلى في حادثة الحادي عشر من سبتمبر. هذا الحادث وخلق حالة عدم الأمن بين الناس في الولايات المتحدة لا يمكن أن تقوم به إلا جهة تشعر بأمن كامل. من الطبيعي أن إيران لا يمكن أن تتدخل في هذه القضايا، لكن مخططي وداعمي هذه الأعمال قد يكونون أشخاصًا مثل صدام وبن لادن ودولًا مثل اليابان والكيان الصهيوني وبعض الدول الأوروبية. أما الصين وروسيا، فبسبب هشاشتهما، فإنهما…
(٨٠)
يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن العالم الدنيوي يُدار بناءً على القدرات، وكل دولة تمتلك قدرة أكبر تصبح هي الحاكمة. ولا يمكن للدول الأخرى، نظرًا لاحتياجها، أن تدّعي الاستقلال أمام الدولة المسيطرة. لقد كانت روسيا في سياستها الخارجية دائمًا تابعة للولايات المتحدة، وهي في الحقيقة وكيل لها. روسيا بلد جائع لا يستطيع أن يتبع سياسة مستقلة تجاه أمريكا. أما أمريكا، فهي دولة تمتلك القوة العسكرية ورأس المال، وتحكم على الدول الأخرى بالقوة والغطرسة، وهذه القوة هي التي توضح فلسفة سيطرتها. ومن هنا، لا يمكن الوثوق بروسيا كصديق وفي في السياسة الخارجية.
أما بالنسبة لأمريكا، فيجب أن تعتمد الجمهورية الإسلامية مبدأً دائماً في سياستها، وهو التحدي المستمر للسياسات الخارجية الأمريكية. فعلى سبيل المثال، قد تقتضي السياسة أحيانًا، للحفاظ على الدين، دعم أحد أعداء الإسلام ليقضي على العدو الأكبر، وهو تطبيق لمبدأ: «اللهم اشغل الظالمين بالظالمين». كمثال، في الحرب بين أمريكا والعراق، كان بالإمكان إعلان الحياد رسميًا، ولكن سرًا تم تزويد صدام بأنواع الصواريخ والبيانات والمعلومات وتصميم العمليات لاستخدامها ضد أمريكا. المهم هو أن تقع أمريكا في أنواع التحديات التي تجعل طريق هيمنتها غير ممهّد. قد تكون هذه التحديات صغيرة بالنسبة لها، ولكن حتى توقفها ليوم واحد في مكان ما يعتبر انتصارًا لنا. ويجب ألا نتحدث عن الفرج، بل عن الواقع الحالي. علينا دعم كل من يستطيع خلق تحدٍ لأمريكا. كل ذئب يتصادم مع أمريكا محبوب لدينا، لأن أمريكا في هذه الفترة تلحق أكبر الأضرار بدنيا الإسلام، وأشد أعداء الدين هي أمريكا. في الماضي، كانوا يقولون: إذا جاء ابن آوى وأكل الدجاج، فذلك بسبب ضعف كلبنا. ويجب أن نمتلك مثل هؤلاء الكلاب لنحمي أنفسنا من خطر ابن الآوى. وإذا سقط هذا الشيطان الكبير بأي يد، فذلك في صالح الدين.
علاوةً على قسوة بعض المسؤولين، فإنّ الضرر الآخر الذي يسبب استياء الناس وانفصالهم عن جسد النظام، هو تسلل الفساد في بعض الأجهزة الإدارية والتنفيذية، وعدم وُدّ وخدمة المسؤولين لتلك الأجهزة. أقدم مثلاً من مدينة قم؛ فبعض شوارع قم تخضع لتنفيذ مشروع الصرف الصحي، إلا أن القنوات التي تُنشأ لا تلائم المباني التي يكون بها الطابق السفلي منخفضًا قليلاً عن المستوى الطبيعي، وفي بعض المناطق، مع تدفق السيول في فصل الشتاء، تخترق مياه الفيضانات عبر قنوات الصرف إلى الطوابق السفلية للمساكن. مع ذلك، يُفرض على الفقراء في هذه المدينة ثمناً باهظاً ولكن بالتقسيط، لتنفيذ هذا المشروع غير المدروس فنيًا.
ومن مشكلات مدينة قم أيضاً هو الجو الجاف والحار. كما أن مدينة الأهواز تتمتع بجو حار ورطب، ويتم احتساب فواتير الكهرباء فيها على أساس أنها منطقة استوائية. أما في قم، بالرغم من الجو الحار والجاف وتشغيل العديد من المكيفات، فإن السكان المساكين، بسبب تصاعد تعرفة الكهرباء، يدفعون مبالغ باهظة، رغم أن درجات الحرارة تصل أحياناً إلى أكثر من خمسين درجة مئوية. وبعضهم يقول إنه حتى وإن بلغت درجة الحرارة خمسين، فلا يتم الإعلان عنها حتى لا تتحمل شركة الكهرباء التزامات.
بالطبع، في هذه المدينة يوجد أشخاص يجلسون في طوابقهم السفلية ويتكلمون ضد الثورة، ويظنون أن كونهم في الطوابق السفلية يجعل كلامهم مقبولًا. هؤلاء يجب أن يدركوا أن الإنسان تُسجل في سجل أعماله أدق الكلمات التي ينطق بها، وسيحاسب عليها يوم القيامة. يقول القرآن الكريم:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ مِثْلَكُمۡ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾[الأنعام: 38].
وهذه الآية تصف طيران الطيور بأجنحتها، وهو أمر بديهي، لكنها تحمل إشارة إلى السبب وبيان جديد.
على كل حال، يجب على المسؤولين الكبار في البلاد أن يكون لديهم مركز متصل بجميع مراكز الشرطة، والدوريات، والنيابات، والمستشفيات، ومرافق الرعاية النفسية، باستخدام أحدث تقنيات الاتصال، للتعرف بشكل يومي على مشاكل المجتمع، وتزويد مراكز البحث واتخاذ القرار بالإحصائيات. وبما أن إيران تمتلك إمكانات وثروات كثيرة غير مستثمرة بشكل أمثل، يمكن باستخدام هذه الموارد حل مشاكل الناس.
شعبنا شعب عاطفي، حميمي المشاعر، لا سيما في المناطق الجنوبية والجبلية، حيث تكون العواطف أكثر حدة. هذه المناطق الجبلية والجافة التي لا تحتوي على رطوبة، لا يمكن أبداً أن تتخلى عن تقاليدها، ولا عن معتقداتها، خصوصًا إذا كانوا مسلمين وشيعة تفيض نفوسهم بولاء للولاية.
لهذا السبب، كان الشعب الإيراني خلال الثلاثين سنة الماضية يساند المسؤولين الكبار، وحينما شعر بتهديد خطير للثورة الإسلامية، خرج إلى الميدان، وصدّ ذلك الخطر بتضحيات صادقة. الشعب في اختبار الثورة الإسلامية حصل على شهادة نجاح بدرجات عالية، لكن شهادة المسؤولين تحتاج إلى مراجعة دقيقة.
هل المسؤولون في النظام مستعدون لأن يحولوا أحد أعيادهم الوطنية أو الإسلامية إلى عزاء وطني، ليشاركوا الفقراء والمتألمين؟ على سبيل المثال، عيد شعبان، أكبر عيد للمسلمين الشيعة، هل من العيب أن نلبس في منتصف شعبان بالسواد، تكريمًا لغربة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)؟ لنُظهر للعالم أننا في هذا العام لم نفرح، بل حدادنا على شعب يعيش في بؤس وفقر وظلم. عندما يتعرض المسلمون في أفغانستان والعراق للظلم والاعتداء من الكفار، يتحمّل كل مسلم واجبًا، ولو على الأقل عدم الاحتفال هذا العام، حتى نشعر بمعاناة الفقراء والمظلومين في هذين البلدين، وكذلك في وطننا.
لماذا نحتفل في أعيادنا ونحن نحطم الأرقام القياسية في الإسراف، بينما آلاف الفقراء يعيشون بيننا؟ كأن من يديرون هذا البلد يغلقون أعينهم، لأن هذه الأمور ليست من قِبل الناس العاديين، بل من قِبل المستهترين الذين ينهبون أموال الشعب ويصرفونها على لهوهم باسم احتفالات شعبان. هذا يعكس التربية السيئة لبعض المسؤولين.
أقول إن من لم يُربَّ بشكل صحيح ويرمي نصف الخيار الأخضر الذي يأكله، إذا تولى مسؤولية حكومة فسيرتكب نفس الإسراف في المال العام. ونحن نشاهد مسؤولين يهدرون أموالًا يمكن بها توفير الاحتياجات السنوية لكل الشعب الإيراني، وليس فقط خضروات.
على كل حال، إنّ التغيير في النظام السياسي أو الاقتصادي في إيران يحتاج إلى الانتباه إلى بعض المبادئ، منها أننا نعيش في عصر الغيبة وعصر آخر الزمان، ويجب أن نعمل بناءً على حقائق هذه المرحلة، لا على الأوهام أو الأحلام؛ وهي فترة قد تمتد لآلاف السنين. في هذا العصر، لا يمكن إنجاز أي عمل بدون موارد مادية. الأعمال الفردية لا تجدي نفعًا، ولا حتى أبطال الأساطير يستطيعون وحدهم أن ينجزوا شيئًا مهمًا. التعاون، والتبادل، والجماعة هي التي تحقق التقدم، ويجب أن تُسند كل ثورة إلى الناس الذين هم القادرون عليها، لا إلى مسؤول لا يضاهي الفكر والقدرة التنفيذية للناس الثوريين.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.