صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المواثيق الإلهية

نشر في آذر 13, 1404 في

المواثيق الإلهية

()

العلامة آية الله العظمى

العنوان:

المواثيق الإلهية

المؤلف:

المواصفات:

الناشر: طباعة ، طهران، 1402 هـ ش.

عدد الصفحات: 297 صفحة

الرقم الدولي: 978-600-397-082-3

مؤلفو الكتاب: آية الله العظمى ()

مقدمة الكتاب

في هذا الكتاب، قد قمت بمراجعة علمية للتصورات الفانتازية المهمة، مع تسليط الضوء على العديد من المواضيع العلمية التي تدور حولها نقاشات والتي لا تُعتبر عقليّة أو علمية. الإسلام ينمو في العلاقات بين الناس، لا في العلاقات النمطية أو الروتينية أو الورقية. كانت العلاقة الطبيعية بين الناس والعلماء قبل الثورة علاقة شعبية حيث كان يفهمون بعضهم البعض بصراحة، مما ساعد على نمو الإسلام والعلم الديني. في هذا الكتاب، أبحث عن تلك العلاقة التي نشأت بيني وبين الحق تعالى وبين الناس، وأتحدى التقاليد البالية والجهل، خاصة في مجال علم الدين، وأقود محاربتي ضد هذه الأمور، محتفظًا بالعهد في كل هبة من أجل إحياء هذا العهد.

صحيح أن الإنسان وفقًا لوعيه يستطيع أن يسعى نحو الخير، ولكن وعي الإنسان أكبر من قدرته. ليس من الضروري أن يصل إلى الخير بمجرد أن يكون لديه المعرفة به. الوصول إلى الخير يتبع الظروف والبيئة المناسبة. أحيانًا قد يكون الخير نفسه سببًا للشر، مثلما يمكن أن يكون الشر نفسه سببًا للخير. قد يسحب الصلاة شخصًا نحو الرياء، بينما يقود ذنب شخص آخر نحو التواضع والندم.

لكن هذا لا يعني أنه يجب للإنسان أن يختار الذنب طواعية. في هذا العالم، هناك أسباب وأدوات لا حصر لها لم تُعرف بعد من قبل البشر. لذا، يجب أن نتبع الطريق الطبيعي للمعرفة، معلقين الخير والشر بيد الله سبحانه وتعالى ليقرر كما يشاء. في كل حال، شعار عملي في كل سلوك، في كل نقاش أو نزاع هو:

«عاش الله تعالى».

حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي

هنا، أود أن أتناول نظرية الفقه الإسلامي حول الإنسان وحقوقه، مع الإشارة إلى الاختلافات بين المبادئ القانونية الغربية التي تجسدت في إعلان حقوق الإنسان والمبادئ القانونية الإسلامية.

للإسلام ثلاثة هياكل علمية اجتماعية:

  1. الهيكل العقدي
  2. المبادئ الأخلاقية والإنسانية
  3. الأحكام القانونية

يتعامل الفقه مع الجزء الثالث، الذي يشمل مسائل وأحكام الفرد، والمجتمع، والأسرة، والشؤون الاجتماعية. هذه الهياكل الثلاثة مستمدة من تعاليم القرآن الكريم وسنة الأئمة المعصومين، وتستند إلى المنطق البشري والأخلاقي. يطالب الفقه الإسلامي بإدارة صحيحة للفرد والمجتمع، حيث يجب على المسلم أن يكون عارفًا بدينه قادرًا على العيش بشكل سليم.

الفقه الإسلامي يسعى إلى توفير حياة صحية للمسلمين، والتي إذا تحققت، ستحقق السعادة الأخروية. لذلك، يعتمد الفقه الإسلامي ليس فقط على الدين بل أيضًا على المعايير العقلية.

أحد المبادئ الأساسية في الفقه الإسلامي هو حرية الإنسان وحقه في الاختيار، حيث جعل الله تعالى الإرادة والاختيار جزءًا من طبيعة الإنسان. إذا لم يكن الإنسان لديه حرية أو علم، لا يمكن أن يكون إنسانًا كاملاً.

في الغرب، بعد أن تعرض الإنسان لعديد من المظالم، تم استخراج مجموعة من المبادئ الأساسية التي تم تسميتها «حقوق الإنسان»، على الرغم من أنها لم تكن مستندة إلى أي مبدأ ديني أو فلسفي علمي. هذه الحقوق كتبها أفراد ذوو دوافع دينية وسياسية.

الإسلام يعترف بحقوق الإنسان، لكن لا يقبل كل ما ورد في حقوق الإنسان إذا كان غير علمي أو مغايرًا لما جاء به الشرع. إن حقوق الإنسان ليست مدعومة بوحي، بل هي مستندة إلى مصادر بشرية وعقلية.

الاختلافات بين حقوق الإنسان وحقوق الإسلام

بعد التجربة الإنسانية الطويلة، وصلنا إلى فهم أن حقوق الإنسان ليست دائمًا قابلة للتطبيق في الإسلام، لأن حقوق الإنسان لا تأخذ بعين الاعتبار الوحي الإلهي كمصدر أساسي. على سبيل المثال، إذا تعارضت بعض أحكام الإسلام مع حقوق الإنسان، فإن الإسلام يتفوق، ولا يمكن للمسلمين تجاهل أحكام دينهم.

إسلامنا دين توصيفي وليس أمرًا قسريًا. كما قال القرآن الكريم: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).

المساواة والعدالة في الفقه الإسلامي

الإسلام يميز بين الحقوق الفردية والمساواة المطلقة. في الإسلام، يتفق الناس على بعض الحقوق الأساسية مثل الحق في الحياة والغذاء والحرية، لكن لا يمكن تحقيق المساواة المطلقة بين الناس في جميع الحالات.

لذلك، لا يمكن فرض مساواة بين الرجال والنساء أو فرض وظائف غير مناسبة لأحدهم. في المجتمع يجب أن تكون هناك مراعاة لاختلاف القدرات والمهارات، ولا ينبغي أن نعتبر التساوي بين البشر أمرًا مطلقًا.

الخاتمة

الإسلام يعترف بحرية الإنسان ولكن ضمن إطار ضوابط دينية وأخلاقية. إذا حدث تعارض بين قوانين الدين وحقوق الإنسان، يجب أن يتم الحوار والتفاهم بين الأديان. في النهاية، الإسلام لا يتبنى الاستبداد أو القسوة، بل يسعى إلى الحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه بشكل عادل ومنطقي.

**الإسلام يؤمن بالعدالة والقسط. هناك فرق بين العدالة والقسط، لكن لا يوجد طبقات. ومن هنا، فإن المساواة خاطئة وكذلك تكوين الطبقات في المجتمع. الطبقات هي نتاج الاستكبار البشري، ومؤدية إلى إنشاء مجتمع فاسد من ثنائية فقير وغني مع فجوة كبيرة بينهما. في الإسلام، وفقًا لمقتضى العدالة، هناك تفاوت ولكن ليس مساواة؛ كما أن الطبقات غير موجودة. قد لا تكون المساواة ملموسة بالنسبة للإنسان المعاصر، ولكن الطبقات في العصر الحالي قد أضرت بالبشر. فهناك من يعيش في عالم من الإمكانيات إلى جانب آخر لا يمتلك أي إمكانيات. يمكن للفرد الضعيف أن يعمل، ولكن الأقوياء لم يسمحوا له بالتحرك وعرقلوا تقدمه. لذلك، يقول الإسلام: العدالة نعم، التفاوت والمرتبة نعم، ولكن المجتمع الطبقي أبداً.

إن الدين يأمر بدفع الضرائب وكذلك الخمس والزكاة؛ وذلك لمنع تكوّن الطبقات. إذا لم يتم دفع هذه الضرائب، فإن فئة تصبح أقوى يوماً بعد يوم، بينما تزداد ضعفاً فئة أخرى بجانبهم. لمنع هذا، يجب أن يدفع الأفراد الضرائب على أساس دخلهم، سواء كانت ضرائب دينية أو ضرائب مواطنة. من لا يستطيع كسب المال لا يدفع الضرائب، بل يستفيد من الإعانات. أساس الفقه هو العدالة الاجتماعية، وبعبارة أخرى، هو المحبة العامة. المساواة والطبقات كلاهما استكبار.

اليوم، في الغرب، هناك حملات واسعة ضد حقوق الإنسان وأحكام الإسلام. ولكن أصل الإسلام هو الحقيقة، بينما تفسيرات العلماء للدين هي شيء آخر. تفسيرات العلماء للدين ليست محصنة ضد الخطأ ولا يمكن اعتبار أقوالهم جزءًا من الدين ذاته؛ حتى في تنفيذ الحدود والقصاصات والديات، فإن مزاج وتوجه العلماء لهما تأثير! لذا، إذا كانت هناك مشكلة، فهي في الدين والإيمان لدى مدعي الدين، لا في الإسلام. فهم الدين ليس بالأمر السهل. عندما تتعدد القراءات وتصبح قراءة واحدة هي السائدة، وتُقمع الأصوات والاجتهادات الأخرى، يفقد الناس الفهم الصحيح للدين.

من بين المشاكل التي واجهتها الفقه والحكومة في هذه السنوات، والتي كانت سببًا في الانتقادات الغربية، هو طريقة تنفيذ الحدود الشرعية بشكل خاطئ. كان ينبغي على الفقه أن يُدرج تنفيذ الحدود وفقًا لدرجات ومراتب، ثم يُنفذ الأحكام التي تكون لديها إمكانية تنفيذية. لكن المسؤولين والحكام أرادوا تطبيق الدين بشكل مباشر، متجاهلين قبول العامة والشرعية الاجتماعية للحكم. أولئك الذين يقولون يجب تعليق تنفيذ الحدود أو الذين يعتقدون أنه يجب تنفيذ جميع القوانين دفعة واحدة على خطأ؛ لأنه من ناحية، يجب أن يكون للأحكام ضمانات تنفيذية ولا يمكن تعليق تنفيذ الحدود، ومن ناحية أخرى، يجب تنفيذ الحدود التي تتوفر لها الظروف الاجتماعية والتنفيذية.

على سبيل المثال، إذا كان هناك شخص فقير وعاطل عن العمل، لا يمكن تنفيذ حد السرقة عليه. يجب أن نرى أي من الأحكام الإسلامية يمكن تنفيذها، لكي لا يواجه المجتمع مشاكل في تنفيذ الأحكام، أما الأحكام التي لا تحظى بقبول شعبي أو لا يمكن تنفيذها، يجب تأجيلها حتى تتوافر الظروف. إن لم يكن للحكومة القدرة على القضاء على الفقر، فهي لا تستطيع تنفيذ حد السرقة. إذا كان شخصٌ شبعانًا ثم سرق، يمكن تنفيذ الحد عليه. في مجتمع لا يمكن فيه للشباب الحصول على القدرة المالية للزواج حتى سن الثلاثين، لا يمكن تنفيذ حد الزنا. هذا الإغفال للظروف هو ما جعل تنفيذ الحدود يُعتبر عملًا عنيفًا في المجتمع. تنفيذ الحدود دون مراعاة الظروف هو ظلم. يجب أن يكون تنفيذ الأحكام ضمن عملية عادلة.

إذا اعترض أحد على شابٍ ارتكب فاحشة، فإن هذا الشاب يحق له أن يسأل: لماذا لم يتم تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة له؟ في الواقع، المسؤولون عن الأمور هم الذين يتحملون المسؤولية، لأنهم لم يوفروا الحد الأدنى من الإمكانيات لتسهيل حياة الشباب. لذا يجب التمييز بين “النقص” و”التمرد”.

يجب تصنيف جميع القوانين حسب درجتها، ومن ثم تنفيذ أي قانون تتوافر له الظروف الاجتماعية اللازمة. دائمًا ما أذكر هذا المثال: في بعض الأحيان، يعمل الوالدان ليلًا ونهارًا، بكدٍّ واجتهاد، لكسب المال ويصرفونه على أولادهم. ثم يقولون لأبنائهم: “لقد تعبنا وتعبنا، وفرّغنا لك الحد الأدنى من الإمكانيات، لماذا لم تدرس؟” هذا القول معقول، ويحق للوالدين أن يتوقعوا ذلك من أبنائهم. لكن على النقيض، إذا كان الأب مهملًا في تربية ابنه، وكان يهتم فقط بمتعته الخاصة، ولم يهتم بتوفير احتياجات ابنه، لا يحق له أن يلومه لماذا لم يدرس. في المجتمع، لا يجوز تنفيذ الحدود قبل تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة. تنفيذ الحدود في مثل هذه الظروف ليس معقولًا ولا إنسانيًا ولا دي

الزواج من الأقارب أو السادة

الشريعة أكثر اهتماماً بفضائل الزوجين الروحية، مثل القدرة على أن يكون الزوجان أباً وأماً صالحين لأبنائهما، وكذلك ما إذا كانا متساويين ومتوافقين مع بعضهما البعض، أكثر من اهتمامها بالقرابة العائلية أو الغربة. لذا، لا يُشترط أن يكون الزوجان من نفس العائلة، بل إذا كان الزوجان على توافق وكان أحدهما من الأقارب أو من الغرباء، فيعتبر الزواج في كلتا الحالتين أمراً مباركاً.

أما الأحاديث التي تدور حول ضرورة زواج السادة مع السادة، فهي لا تشمل غير السادة ولا تتعارض مع البحث التجريبي، إذ أن هذه الأحاديث لا تُطرح كقانون أو توجيه لغير السادة. ربما قد يتزوج شخصان من السادة دون أن يكونا من نفس العائلة، لذلك هذه الأحاديث لا تدعو إلى الزواج من الأقارب، بل تشير إلى أن السادة لا ينبغي لهم الزواج من غير السادة.

أما الأحاديث التي قد تفسر على أنها تدعو إلى الزواج من الأقارب، فلا يمكن الاعتماد عليها من الناحية الشرعية لوجود مشاكل في سنده. لذلك، لا يمكن استخراج حكم شرعي من هذه الأحاديث، إذ أن الشريعة لا تقدم حكماً بهذا الشأن يتنافى مع البحوث التجريبية إذا كانت مُرشدَة بالعقل.

من جهة أخرى، الأحاديث التي تُوصي بالزواج من غير الأقارب هي عامة وإرشادية ولا يمكن الاستناد إليها كحجج شرعية.

من الحديث الذي يقول: “من تزوج لله عزَّ وجلَّ…”، لا يستفاد منه استحباب الزواج من الأقارب، بل يذكر أن الشخص الذي يتزوج لأجل الله ولصلة الرحم يسعى لتعزيز الروابط العائلية وليس لتحسين العلاقات الأسرية في حالة وجودها بالفعل.

وأيضاً، لا يُعد الزواج بين الأقارب سبباً لزيادة استقرار الأسرة بشكل حتمي، فقد يؤدي في بعض الحالات إلى تعقيد الأمور الأسرية والنزاعات. صحيح أن الزواج من الأقارب قد يتيح معرفة أكبر عن الطرف الآخر، لكن هذا يمكن تحقيقه عبر البحث والتشاور مع الأشخاص المختصين حتى إذا كان الطرف الآخر غير قريب.

إعطاء الماء أثناء الذبح والأنس بالحيوان

عند ذبح الحيوان، يُوصى بإعطائه الماء. ليس من أجل تلبية حاجة الحيوان في تلك اللحظة، ولكن الحكمة في ذلك تكمن في أن الجزار يبني علاقة ودية مع الحيوان ليظهر له أنه ليس عدواً بل يرغب في أن يتمم العملية برحمة ورفق به، بهدف تأمين طعام للمؤمنين.

الحجاب والستر في المرأة

بين الحجاب والستر فرق جوهري. من يفرض الحجاب كواجب، يثقل على المجتمع بواجبات أكبر. ما جاء به الإسلام هو ثقافة “الستر” وليس الحجاب. الإسلام فرض الستر على النساء، وهو يختلف عن الحجاب من حيث المعنى. الحجاب يشير إلى ستر يفصل بين الأمور، بينما الستر لا يتطلب الفصل.

إذا قلنا “يجب على النساء الحجاب”، فهذا يختلف عن القول “يجب على النساء الستر”. القرآن الكريم والفقه الإسلامي استخدموا مصطلح “الستر” بدلاً من الحجاب عند الحديث عن النساء.

استشارة النساء

المرأة في عصرنا ليست موضوعاً جديداً. إذا كانت المرأة ذات عقل ودرية في شؤون الحياة، فلا ينبغي أن تُستبعد من المشورة. بل في بعض الأحيان، النساء يمتلكن من الحكمة والدراية أكثر من بعض الرجال. لا يؤثر الجنس على المعرفة أو الحكمة، إلا إذا كانت المرأة تعاني من الخوف أو الضعف بسبب التمييز الاجتماعي.

تعدد الزوجات

لقد تم تناول مسألة تعدد الزوجات في كتاب “المرأة والحرية”. يجب أن نعلم أن الزوج الذي يسعى للزواج من امرأة أخرى قد يكون بسبب نقص في العلاقة مع الزوجة الأولى. يجب على الزوجة أن تكون محبوبة ومتنوعة في مظهرها، وأن تحافظ على صحة علاقتها مع زوجها.

ميراث المرأة

المرأة لا ترث الأرض، والميراث الذي تحصل عليه أقل مقارنة بالرجال، حتى لا تعتمد المرأة على ميراثها بعد وفاة زوجها أو والدها، بل يجب عليها أن تستمر في حياتها وتبحث عن سعادتها بشكل مستقل. هذا المبدأ له أساس عقلاني، حيث أن الرجل عليه مسؤولية النفقة والمهور، بينما الميراث مرتبط بموت صاحب المال.

طلب الزواج من المرأة

كما ذكرنا في كتاب “الأسرة”، يمكن للمرأة أن تطلب الزواج من الرجل. لماذا يجب على المرأة أن تنتظر من يختارها؟ يمكن للمرأة أن تجد الرجل الذي تحبه وتطلب منه الزواج.

الرغبة الجنسية والعلاج النفسي

الرغبة الجنسية والالتزام من علامات صحة الحياة الزوجية. من لا يشعر بالرغبة الجنسية بحاجة إلى فحص من متخصص في مسائل الجنس.

مسائل الحياة مثل الميل الجنسي التي لها جذور نفسية يتم دراستها من خلال علم النفس. الدين لا يتعارض مع علم النفس أو العلاج النفسي إذا كان يسير في الطريق العلمي الصحيح، وليس له أي مخالفة معه. القرآن الكريم هو كتاب حديث في علم النفس، أي أن علم النفس موجود ضمن نصوص الإسلام. لا يمكن القول بوجود الإسلام أنه لا حاجة للعلاج النفسي، لأن المعلومات الواردة في الإسلام يتم اكتشافها بواسطة العلم. إذا كان هناك في منطقة ما صائغ، لا يمكن القول أنه لا ينبغي أن يكون هناك صائغ آخر بجانبه. في بعض الأحيان يعمل مئة صائغ جنبًا إلى جنب، ووجود أي منهم لا يتعارض مع الآخر. لا يوجد أي شيء علمي يتعارض مع الدين. بالنسبة للعلم، لا يُطرح موضوع الحلال والحرام، وإنما الموضوع يتعلق بكيفية استخدامه، وهذا هو ما يحدد ما إذا كان حلالًا أو حرامًا. لا توجد مشكلة في استخدام العلاج بالتنويم المغناطيسي، أو الطاقة العلاجية، أو طرد الأرواح، أو السحر طالما أنها لا تشمل الكذب أو الغش أو الاحتيال. في العصر الحالي، يختلق الكثير من مدعي هذه العلوم الخرافية لأنهم يهدفون إلى الاحتيال، وهذا هو ما يجعلها محرمّة.

فهم الأجيال الحالية

من الأخطاء التي كانت سائدة في الماضي أن الأجيال القديمة كانت تعتقد أنها أذكى من الأجيال اللاحقة. في الماضي، كان بعض الآباء والأمهات يحتقرون أبناءهم، معتقدين أنهم أذكى منهم لأنهم كانوا قد مروا بتجارب أكثر. لكن هذا التصور ليس صحيحًا، فقد يكون شخص قد مر بتجارب أكثر لكنه لم يحقق شيئًا ذا قيمة. هذا كان تبسيطًا من قبل الأجيال السابقة ولا يشير إلى قاعدة عامة بأن الأكبر سنًا أكثر فهماً. المجتمع اليوم أكثر وعيًا، والأجيال الحالية أكثر تطورًا من الأجيال السابقة. تراكم المشاكل في هذه الأجيال قد أسهم في زيادة الوعي والذكاء لديهم. لهذا السبب، يجب على الآباء والأمهات أن يتعاونوا مع أبنائهم ويتشاوروا معهم، حتى لا يقعوا في فخ التبسيط. الأجيال الحالية تحتوي على اضطرابات مستمرة جعلتهم أكثر ذكاء ووعيًا. ولكن يجب أن نكون حذرين من أن هذا الذكاء لا يؤدي إلى الضلال. كما قال حافظ الشيرازي: “الطائر الذكي إذا وقع في الفخ يتحمل”، فالوقت سيأتي لتصحيح الأوضاع.

العلماء اليوم

بعض الناس يظنون أن الفلاسفة والعلماء في الماضي كانوا أكثر قوة وفهمًا، بينما اليوم لا نجد منهم شيئًا. لكن العديد من العلوم التي تدرس اليوم في الجامعات هي أدق من المعرفة التي قدمها فلاسفة الماضي. الطلاب في الوقت الحالي أذكى من العلماء القدماء، لأنهم يعيشون بعد مئات السنين من مثل هؤلاء العلماء وهم يقفون على أكتافهم. العلوم اليوم تتقدم بشكل ملحوظ ولا يمكن مقارنتها بما كان عليه الوضع في الماضي. وكذلك العلم الذي سيظهر في المستقبل لا يمكن مقارنته بعلمنا الحالي. المجتمع اليوم متقدم كثيرًا عن الماضي، وأبناء اليوم أذكى حتى من العلماء القدامى، بل يمكن للآباء أن يستشيروا أبنائهم ليعرفوا الطريق الصحيح.

الثرثرة في النظام التعليمي

من أكبر مشاكل النظام التعليمي، خاصة في المرحلة الثانوية، هو تعدد المواد ووجود دروس كثيرة ومربكة، مما يؤدي إلى عدم التمكن من فهم أي مادة بشكل جيد. الطلاب يركزون فقط على الحفظ بدلاً من الفهم. يجب أن يتم تعلم المواد بشكل تدريجي وضمن حدود ضيقة. تعدد المواد يؤدي إلى تشويش الذهن ويؤثر سلبًا على القدرة على التذكر والفهم. يجب أن يتم تقليص كثرة المواد لكي يمكن للطلاب أن يطوروا مهاراتهم العلمية وتفكيرهم النقدي. النظم التعليمية التي تعتمد على الحفظ و”المعلومات المستوردة” تؤدي إلى تدمير الإبداع وتسلط ثقافة غريبة على الأذهان.

الشجاعة والابتعاد عن الأنانية

الشجعان يحترمون زوجاتهم وأبناءهم. فهم لا يتجاهلون هذا الاحترام من أجل الآخرين. الرجل الشجاع لا يبدأ بالأكل حتى يرى أن زوجته وأولاده قد بدأوا. لا يقبل دعوة الطعام من الآخرين دون حضور عائلته. الرجل الشجاع لا يتخلى عن أسرته من أجل المال أو النفوذ أو المناصب. العلاقات الإسلامية تحتفظ بالاحترام لكل فرد في الأسرة، ويجب احترام حرمة الأسرة أكثر من أي شيء آخر.

تأثير المال الحرام على الروح

من أهم العوامل التي تضر بنقاء الروح وتدمّر الروح الشجاعة هو التلوث بالمال الحرام، مثل أخذ مال الآخرين بدون رضاهم أو المال الذي لم يتم دفع حقه الشرعي (كالزكاة والخمس). من لا يدفع حقوق الفقراء، لا يطهر ماله ولا يجعل حياته نقية. المال الملوث يحرم الفرد من الصفاء الداخلي ويؤدي إلى قصر العمر وفساد الروح. كما أن المال الحرام يؤثر سلبًا على العلاقات الزوجية ويؤدي إلى ضعف الرغبة الجنسية والتعاسة الزوجية.

علاج الوسواس

لعلاج الوسواس، يجب أن تبدأ أولاً بممارسة الرياضة، مثل التمارين العامة التي يمكن القيام بها في المنزل حتى يتعرق الجسم. كما ينبغي تجنب الاستحمام بالماء الساخن والاعتماد على الماء الفاتر. هذان الأمران لهما تأثير جيد في تقليل الوسواس.

علاج الاكتئاب

لعلاج الاكتئاب، يجب أولًا تحديد أسبابه وجذوره، وهذا يتطلب استشارة مع أخصائي نفسي لتحديد المشكلة جذريًا، لأن العلاجات السطحية لا تكون فعّالة. بعد معرفة السبب الرئيسي، ينصح بممارسة الرياضة والسباحة في المسابح، خاصة بالنسبة للنساء.

التغلب على الغضب

لتجاوز الغضب، يجب أولاً تحديد سبب الغضب. قد يكون بسبب ضغط العمل أو مشاكل في المعدة. في هذه الحالة يجب تخفيف العمل والتوجه نحو الراحة. الغضب أحيانًا يكون ناتجًا عن مشاكل جسدية. في هذه الحالة، يحتاج الفرد إلى الاستجمام، الراحة، الرياضة، أو حتى الرقص. الاستحمام بالماء أو السباحة أيضًا يساعد على التهدئة.

الذكاء في العلاقات

فيما يخص علاقات الفتيات والشبان، من المهم أن تكون الفتاة ذكية وتتعامل بحذر، خاصة في العلاقات غير العلنية، حيث يمكن أن تضر هذه العلاقات. يجب على الفتاة أن تكون حذرة ولا تعطي ثقة كاملة بناءً على كلمات عاطفية. نفس الشيء ينطبق على الشباب. يجب أن تكون العلاقات بين الفتيان والفتيات منظمة ومبنية على الوعي الكامل.

أئمة الجماعة وكسل الشباب في الصلاة

لماذا لا يشارك الشباب المتعلمون في صلاة الجماعة؟ هل من الممكن أن نقول إن الأئمة غير متعلمين أو غير عصريين؟ من غير المنطقي أن نعتقد أن جميع الأشخاص في فئة معينة جهلاء. كما أن التعميم غير صحيح، فقد يكون هناك علماء سيئون كما يوجد في أي مجال آخر.

الصلاة للشباب

تشجيع الأطفال والشباب يجب أن يكون على الصلاة بشكل أساسي، وليس على صحة الصلاة أو الالتزام بها بشكل متشدد. إذا كان الطفل يصلي حتى وإن كانت صلاته غير مكتملة، يجب على الوالدين أن يتعاملوا مع الموضوع بلطف وعدم الإصرار بشكل مفرط.

إقامة صلاة النفل الفردية في المساجد

بعض المساجد في البلاد تقيم صلاة النفل والسنّة الجماعية، رغم أنّها تُصلَّى بنية الفرد. وفي الحرم الشريف للإمام الرضا عليه السلام، تُؤدى صلاة النفل بعد صلاة الجماعة. وهذه سنة حسنة تستحق أن تُنشر وتُعمم في جميع الأماكن. ففي مثل هذا السياق، لا يُترَك أداء النفل بحجة الرياء. كما أنه ليس من المستحسن أداء الصلاة بشكل سريع. وفي الحديث: “المؤمن في المسجد كالسّمك في الماء والمنافق في المسجد كالطير في القفص”، أي أن المؤمن في المسجد مثل السمك في الماء، لا يريد الخروج منه، مثلما أن حياة السمك تتوقف على الماء، فإن المؤمن يجد حياته في المسجد، حيث يؤدي صلاته ويستمتع بقراءة القرآن الكريم. أما المنافق، فهو كالعصفور في القفص، الذي يطمح للهروب منه في كل لحظة. فمن يفرّ من المسجد ويريد مغادرته بأسرع وقت، يعدّ من مصاديق قوله تعالى: “لَا تَتَّبِعُوا سَبِيلَ الشَّيْطَانِ”. لذا، يعتبر من يوفق لأداء النفل ويعنى به شخصًا سعيدًا.

التركيز في الصلاة

التركيز في الصلاة يتطلب أولاً الحلال في الرزق. فالمال الحرام يُؤدي إلى الاضطراب وضعف الإرادة، ويشوش التركيز. للحصول على رزق حلال، يجب أن يكون الإنسان قانعًا بما لديه، ليحظى بحياة طيبة، ويحد من ضغوط العمل والتوقعات المتنوعة. يجب على الرجل أن يجلب رزقه الحلال إلى المنزل، حتى لو كان قليلًا. لكن عندما تطلب النساء مطالب مختلفة ومتنوعة من الرجل، فإنه يثور ويجلب الحرام إلى نفسه وأسرته. وعندئذ، لا يمكنه أداء الصلاة بخشوع وتركيز. وبالتالي، يشترط أولًا الرزق الحلال، ثم تجنب الإفراط في الأعمال غير الضرورية. وعندما يُؤذن ويُقام للصلاة قبل الصلاة، يشعر المؤمن بالسكينة والتركيز، وعند تكبيرة الإحرام، يُسلّم كل شيء لله، قائلًا: “اللهم، أنت تدبرني، أنا أصلي وأنت من يفعل ما تشاء”.

الوسواس واتهام الناس بالنفاق والرياء

بعض الأشخاص لديهم وسواس في اتهام الآخرين. امرأة تستيقظ من الصباح، وتبدأ في إعداد الطعام وتنظيف المنزل والعناية بالأطفال والقيام بمهام منزلية، أو رجل يسعى للحصول على لقمة عيشه في الطريق، فما هو النفاق أو الرياء في ذلك؟ إن هذا الاتهام هو نوع من الوسواس الذهني والتوهم. الناس جميعهم طيبون.

اليقين في صحة المسار، هو أول شروط السير والسلوك

من أهم الأمور في السلوك الناجح هو الوصول إلى معرفة صحيحة وتحديد المسار الصحيح. يقول الله تعالى في الآية 22 من سورة الملك: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”، حيث يبيّن القرآن أن التأكد من صحة الطريق هو الأساس في السلوك. فبدون اليقين في صحة المسار، يكون بذل الطاقة والجهد في السير السريع ضارًا، بل يكون أضرّ من التوقف في المكان.

يجب على الإنسان أن يسير برأس مرفوع وعينين مفتوحتين، أن يرى ويفهم الطريق، وألا يكون كالبهائم التي تسير برؤوس منخفضة دون إدراك للمسار. في هذه الآية، يستعرض الله تعالى سؤالًا عامًا: هل الأفضل أن يسير الإنسان رأسًا منخفضًا في الطريق، أم أن يسير مستقيمًا وهو على دراية بطريقه؟ بالطبع، أفضل أن يكون الإنسان مستقيمًا ويعرف وجهته.

النجاح في السلوك

أكبر عائق في السير والسلوك نحو القرب الإلهي هو التورط في كثرة الأشياء والشواغل. السلوك يحتاج إلى خلوة. الحياة المليئة بالضوضاء والأضواء الصناعية تؤثر سلبًا على الأعصاب والعقل وتقلص عمر الإنسان. كما أن قلة النوم والسهر حتى بعد منتصف الليل، تُضعف قدرة الإنسان على التأثير الروحي. ولذلك، يجب الابتعاد عن كثرة الشواغل والأعمال المبالغ فيها. السلوك يتطلب خلوة وهدوء، ويجب أن تتم العبادات بعيدًا عن ضوء المصابيح حيثما أمكن.

الاستناد إلى الشخصيات العرفانية

من بين مدرسي العرفان، سألني أحدهم عن طرق التحقيق في العرفان. أخبرته أن العرفان يجب أن يبدأ من جذوره الرئيسية، وأساس العرفان الحالي هو محي الدين ابن عربي. وعليه، يمكننا بعد ذلك دراسة العرفان في المئة سنة الأخيرة بشكل خاص. العرفان في الوقت الحاضر يرتكز على تدريس كتاب “شرح فصوص الحكم” لأبن عربي. ومع ذلك، يوجد بعض الانتقادات على كتبه لوجود ميول كلامية تنتمي إلى أهل السنة.

الاختلاف بين الدكتور شريعتي والشهيد مطهري

كنت أعرف الدكتور شريعتي والشهيد مطهري منذ سنوات طويلة قبل الثورة، وكان لي معهم العديد من اللقاءات. الدكتور شريعتي كان عالمًا متدينًا وملتزمًا بصلاة الجماعة. يمكن القول إن كتاباته كانت مليئة بالأفكار المهمة رغم بعض الأخطاء التي قد توجد في أعماله. بالمقابل، الشهيد مطهري كان صاحب منهج فكري خاص، وكان له حضور كبير في الحوزة العلمية. بالرغم من بعض الاختلافات في تفكير كل منهم، كانت أهدافهم واحدة في توعية المجتمع والدعوة للإصلاح.

دور الشخصيات في الثورة الإسلامية:

إن كل من السيدين – أيهما كانا – قد لعبا دورًا في الثورة بقدر ما، كل على حدة. كان للسيد الخميني دور كبير على قدره، ولكن الأحجام مختلفة. ومع ذلك، إذا ادعى أحد أن المرحوم شريعتي كان جاسوسًا، أو وهابيًا، أو أمريكيًا، فإن هذه اتهامات زائفة وعارية عن الصحة. كان شخصًا حارًا وعاطفيًا، وبعض ما قاله كان خارج نطاق تخصصه وقد أخطأ فيه. لو كان حيًا اليوم، لربما قام بمراجعة وتصحيح كتبه. لا ينبغي لنا أن نركز الآن على هذه الأخطاء. لقد استطاع أن يجمع عددًا من الشباب الجامعيين في فترة حساسة ويدفعهم نحو العمل الثوري. أما باقي الأفراد، سواء في الحوزات أو في الجامعات، فقد فعلوا كذلك. كل منهم قدم شيئًا وكان له أخطاء أيضًا. لا أحد بلا مشاكل، حتى الأنبياء ارتكبوا بعض الأخطاء الصغيرة. موسى عليه السلام قتل شخصًا أثناء دفاعه عن المظلوم، لكن الله غفر له. الكل يخطئ، لكن الله يغفر لمن كان صادقًا وصافي القلب. إن النزاع بين شريعتي ومطهري لا يفيد في شيء اليوم. اليوم، الشريعتي والمطهري هما شباب اليوم، وزمنهما قد انتهى. هؤلاء الشباب هم الذين ينبغي عليهم المساعدة في نمو وتقدم البلاد.

عمر القادة في المجتمع:

يجب أن يكون القادة والمفكرون في المجتمع في مرحلة العمر المتوسط. لا ينبغي أن يكون القائد خامًا أو صغيرًا جدًا، كما لا ينبغي أن يكون في مرحلة متقدمة من الشيخوخة. حتى وإن كان القائد عبقريًا مثل أينشتاين، إذا كان في سن العشرينات، فإنه لا يملك الخبرة الكافية لقيادة دولة. قد يكون لديه المعرفة، ولكن يفتقر إلى الخبرة. في بعض الأحيان، عند القيادة بسرعة 200 كم/ساعة مع أبنائي في السيارة، أخبرهم ألا يفعلوا ذلك، لأني قضيت خمسين عامًا في القيادة، وعملت في صغري في مسابقات السيارات، أما هم فلا يمتلكون نفس الخبرة. الشاب يفتقر إلى الخبرة، والقيادة لا تتحقق فقط بالمعرفة بالقوانين والإدارة أو امتلاك كل العلوم. كما أن القائد أو المسؤول الديني لا ينبغي أن يكون عجوزًا للغاية رغم امتلاكه لكافة العلوم الأولية والنهائية. سن القيادة يجب أن يكون متكاملًا. إيران بلد شاب، ولكن للأسف، القادة الدينيون والمسؤولون السياسيون في المناصب العليا جميعهم كبار في السن ولم يعد لديهم القدرة على تحمل المسؤولية.

الفرق بين «الحكومة الإسلامية» و «الجمهورية الإسلامية»:

في كتاب «أحكام الرقص، الكف، الصفير والصفقة»، كنت قد تطرقت إلى الفرق بين «الحكومة الإسلامية» و «الجمهورية الإسلامية»، وقد تم حذف هذه الجزء في الطبعة النهائية للكتاب. كنت قد أشرت إلى أن البعض يعتقد أن الحكومة الإسلامية هي حكماً خاصًا بالمعصوم، حيث يمكن للنبي أو الإمام المعصوم التدخل بشكل مباشر في جميع شؤون ومسائل المسؤولين والموظفين. أما في «الجمهورية الإسلامية»، فإن القيادة والولي الفقيه يمكنه التدخل بشكل مباشر في شؤونه الخاصة، ولكن في الأمور الأخرى يقتصر تدخله على التدبير ضمن الإطار القانوني المحدد. هذا الفهم يتناقض مع جوهر الحكومة الإسلامية. ومع ذلك، لا تعتبر الجمهورية الإسلامية أمرًا جديدًا؛ فهي تحمل نفس روح الحكومة الإسلامية، والفارق الوحيد هو تدخل الناس في هيكل الحكومة الدينية، وهو ما يتجسد تمامًا في الجمهورية الإسلامية. من هنا، يعتبر الولي الفقيه هو صاحب الولاية الذي يمكنه تنفيذ الحكم وتطبيقه. الاختلاف بين حكومتي المعصوم وغير المعصوم هو أن الولي الفقيه لا يكون في وضع يسمح له بالقيام بكل الأعمال بنفسه، بل يعين القضاة ويمنحهم السلطة.

الدين الشهير والمقاومة ضد الرجعية:

في كتاب «الرسالة الدينية»، تحدثت عن دينٍ حلو المذاق، متجدد، وخالٍ من الشوائب، وهو الدين الذي لا يتناسب مع ذوق وطبيعة أولئك الذين يحملون أفكارًا رجعية. هذا الجزء تم حذفه أيضًا في الطبعة النهائية للكتاب. قلت لهؤلاء العلماء: «إذا كانت هذه أفكاركم، فلا مانع من أن تُطبع كتبي باسمكم، ولكن لا تمنعوا وصولها إلى الناس». هؤلاء الأشخاص هم من يعارضون نشر الكتابات التي تخرج عن المفاهيم التقليدية لأسباب شخصية. الواقع أن البيئة الفكرية في الحوزة مليئة بالفساد، حيث يتم تفضيل أولئك الذين ليس لديهم إنتاج علمي ولكنهم ذوي أصوات عالية، بينما يتم تهميش أولئك الذين لديهم أفكار وأعمال أصيلة.

تحول الحوزات العلمية:

الحوزات بحاجة إلى تحول، ولكن هذا التحول لا يتحقق إلا من خلال شخص يعرف معنى التحول وله تخصص في هذا المجال. من الضروري أن يتم هذا التحول بشكل علمي ومدروس، لا أن يكون مجرد محاكاة للماضي. هذا التحول يجب أن يعنى بالتحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع ويجب أن يسعى لتحسين فعالية الحوزات في مواجهة التحديات المعاصرة. لكن في الوضع الراهن، الحوزات تواجه العديد من العقبات، ولا يُسمح لكثير من المفكرين بتوجيه النقد أو نشر أعمالهم.

زوال النظام الملكي وصمود حكومة العلماء:

إننا بشكل قاطع نؤكد أن الحكم الفردي في النظام الملكي لا يناسب العصر الحالي. فالنظام الملكي غالبًا ما يؤدي إلى الاستبداد والديكتاتورية. قد يكون الحكام في هذه الأنظمة عادةً يفتقرون إلى الحكمة والمعرفة اللازمة لحكم المجتمع. انتهت حقبة الحكام الملكيين، والنظام الذي يتطلع إليه المجتمع يجب أن يعتمد على العلماء الذين يمتلكون جذورًا في المجتمع والشعب. الحكومة التي تهتم بتطوير المعرفة والفكر يجب أن تظل صامدة.

الحكومة الشعبية والحكم الديموقراطي:

الديمقراطية، والحكومة الشعبية، والرجوع إلى العقل الجماعي هي الخيار الأفضل لإدارة المجتمع في زمن لا يتوفر فيه الوصول إلى العصمة أو العقل الكامل. في النظام الجمهوري، يحصل الشعب على الطاقة والقدرة التي تمنع الاستبداد، وتصبح إرادة الناس هي الحاكمة، حيث يمكنهم مراقبة الحكومة وتقييم عمل المسؤولين.

الاحتياط في معرفة مصاديق و موضوعات الأحكام

رحم الله المرحوم آخوند معصوم علي همداني. في إحدى المرات قبل الثورة، قلت له: “حاج آقا، هذا الواجب الكفائي لا يقتصر فقط على تكفين ودفن الموتى وتنظيف المساجد، أليست دور السينما وورش صناعة الهيروين من مصاديق الواجب الكفائي؟” فأجاب: “كلامك جيد وجميل، ولكن هذا لا ينفع في الفقه، هو مناسب للمنابر. الفقيه يجب أن يُصدر فتوى.” وقد خالفت رأيه في تلك اللحظة. ولكنني قدمت له مصاديق أخرى للواجب الكفائي تتعلق بالفقه.

في مناسبة أخرى، كان هناك رجل مسؤول في الدولة، كان قد اختفى أثناء الحرب ولم يكن له أي أثر لمدة خمس سنوات. لم يكن اسمه ضمن قوائم الصليب الأحمر لاعتباره أسيرًا. كانت زوجته ترغب في الزواج مرة أخرى، ولكن لم يوافق أحد على منحها إذنًا للزواج. فقلت لها: “أنا أسمح لك بالزواج، لكنني لا أكتب لك إذنًا، لأنني لا أعرف الشخص المعني، لكنني أفتي لكِ بأنكِ تستطيعين الزواج شرعًا.” وعندما سألوا في مكتب السيد گلپايگاني، أجابوا بعدم السماح بذلك. ذات يوم، التقيت بأحد المسؤولين في مكتب السيد گلپايگاني في الشارع، فتحدثت معه عن هذه القضية وسألته لماذا يُصدرون مثل هذه الفتاوى؟ فقال: “صحيح أن رفض الزواج يثير الشفقة والرحمة، لكن لا يمكن إصدار فتوى في هذا الشأن. زوجها قد ذهب ولم يعد.” فقلت له: “إذا كانت هذه هي ابنتك أو عروسك، كنت ستفهم المعنى الحقيقي لعبارة “ذهب ولم يعد”. الآن، هل تدرك معنى الخمس سنوات من العيش بلا زوج؟” بعد ذلك، توجهت تلك المرأة إلى مكتب آیة الله الخميني، الذي أصدر قرارًا رسميًا من خلال مؤسسة الشهداء يُجيز للزوجات من مفقودي الأثر الزواج مجددًا. قالت: “حاج آقا، لقد كنت سببًا في الخير بأن آیة الله الخميني أباح للجميع، وليس فقط لي.” فالمكتب الذي كان يدير مكتب السيد گلپايگاني لم يكن يوافق على اعتبار الرجل غائبًا وبالتالي لم يكن يستطيع تطبيق الحكم. قال أحد طلاب الحوزة المسؤول في مؤسسة الشهداء: “عندما أصدرتم الفتوى بهذا الوضوح، خففتم من خوفنا، لكن عندما كان السيد گلپايگاني يرفض مثل هذه الفتاوى، كنا نشعر بمزيد من القلق، ولكن بعد فتوى الإمام الخميني، أصبحنا أكثر حسمًا وثقة.”

الاحتكار في النظام المصرفي

إذا كان البنك غير قادر على توظيف الأموال والمدخرات بشكل مناسب وتوزيع الثروة بشكل عادل، بل بدلاً من ذلك يكتنزها، فإن ذلك يعد مصداقًا للاحتكار. هذه الحالة هي مثال حديث على تغيير الموضوع في مفهوم الاحتكار، حيث يكون المال مخزنًا بشكل سري ويتم إخراجه من الدورة الاقتصادية بشكل غير قانوني.

المعيار في تحديد الأحكام

إذا لم يكن المعيار والسبب منصوصًا عليه في الشريعة، فلا يمكن أن يكون مصدرًا تشريعيًا. في مجال فهم وتوضيح الحكم، يعزز هذا المعيار المعرفة البشرية ويساهم في قبول الحكم عن وعي. بصفة عامة، الشريعة هي سبب الحكم ذاته. الشريعة، بعيدًا عن الفهم البشري أو دقته، هي المسبب والمصدر للحكم. أما المعيار غير المنصوص عليه، فلا يرتبط بالدين، بل هو نتيجة لفهم الإنسان.

وحدة الأديان

جميع الأديان والأنبياء الإلهيين يتفقون في أصل التوحيد، ولكن الاختلاف يكمن في كيفية التعبير عن هذا المعنى وآلية شرحه. لذلك، الدين واحد في جوهره. هذا المبدأ الفكري والعملي مشترك بين جميع الأنبياء الإلهيين. وحدة الشريعة والمحتوى لا تتناقض مع خصوصية كل شريعة. الفساد الذي يعم أتباع الشرائع هو الذي يؤدي إلى اندثار هذه الشرائع وتغيرات كثيرة فيها. أصل الدين هو في تعدده ووحدة شخصيته، وليس في كونه شجرة واحدة أو سلسلة مستمرة. على سبيل المثال، لا يُعتبر كل من السيد عيسى أو موسى جزءًا من أصل الإسلام، ولكن إبراهيم عليه السلام نظرًا لتميّزه في هذا المبدأ الأساسي من التوحيد، يعتبر من أصول الإسلام وكذلك الأديان الأخرى، وهو مشترك بين جميعها. أما الأديان التي تعرضت للتحريفات البشرية الكثيرة، فهي لا تتماشى مع الدين النقي. هذه الأديان اليوم ليست أجزاء من بناء واحد، بل هي مبانٍ مختلفة.

حقيقة الوحي

لقد منح الله سبحانه وتعالى الأنبياء هداية عامة، التي بموجبها يجري المعجزات. المعجزة هي نوع من الوحي. المعجزات لا تعد تبليغًا أو تشريعًا، بل هي قوة باطنية. الوحي هو تلك القوة الباطنية التي لا تقتسم بين التشريع والتبليغ، بل هي حقيقة ومحتوى مدمج يشمل المعجزات العلمية والشريعة، بالإضافة إلى المعجزات الفعلية والتبليغية للدين.

النبوّة والرسالة تمثل محتوى قوى وحقيقة باطنية منحها الله للأنبياء، وعندما تُتاح لهم الفرصة للحكم، يُمكن تطبيقها. الشريعة التي يتبعها الأنبياء مختلفة ولكن شخصياتهم واحدة. الوحي، عندما ينزل إلى عالمنا، يتحول إلى علم.

الخلود في الأحكام الدينية

الإسلام هو دين قطعي، ولا يعتمد على الفروض أو التوقعات، بل هو دين ذو هوية واحدة ثابتة لا تتغير. على سبيل المثال، من المستحيل أن يُبعث الإسلام في مكان آخر غير الجزيرة العربية. لو كان الإسلام قد نزل في مكان آخر، لما كان دين الإسلام. بالطبع، التسليم لله الذي تشترك فيه جميع الأديان يختلف عن شريعة الإسلام. بصفة عامة، كل دين يملك شريعة خاصة به، كما أن هناك تمايزًا في محتوى الشرائع. لكن، توحيد الإسلام في جوهره في التسليم لله، هو النقطة المشتركة بين جميع الأديان التوحيدية.

قدرة وضرورة تنفيذ الدين

من يعرف ويحمل القدرة على تنفيذ الأحكام الدينية يجب عليه أن يُنفذها. لا فرق في هذا بين النبي، الإمام أو أي مسلم عادي. على سبيل المثال، في حالة تأسيس حكومة، لا يشترط أن يكون هذا العمل من واجب النبي أو الإمام فقط، بل يُمكن للمسلم العادي أيضًا تنفيذ هذا الواجب في حالة توافر القدرة والفرصة.

العلماء والقيادة

أن يكون القائد أعلم ليس شرطًا أساسيًا للقيادة، بل يكفي أن يكون لديه القدرة على استنباط الأحكام الشرعية، حتى وإن لم يكن فقيهًا مجتهدًا.

فصل الدين عن السياسة

على الرغم من أن الدين ليس منفصلًا عن السياسة، إلا أنه في فترة غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يكون الحكم والحاكم أمرًا منفصلًا عن العلوم الدينية والعلماء.

حكم الحكومة في إعلان عيد الفطر

إعلان عيد الفطر هو أمر حكومي ويخص القيادة النظامية، ولا يمكن للمراجع التقليد التدخل فيه. هذا الحكم يتعلق برفع الحيرة عن الأمة في حالات صعوبة رؤية الهلال. في مثل هذه الحالات، يجب أن يكون حكم الحاكم نافذًا حتى لو اكتشف لاحقًا أنه لم يتوافق مع الواقع.

حاكميت راستى‌ها

إن حكم اليمينيين لن يحقق نجاحًا كبيرًا، حتى وإن كان لديهم أقوال جميلة وشعارات شعبية، فبعد فترة من الزمن، ستُكشف حقيقتهم ويبدأون في فقدان دعم الناس.
عند مقارنة مواقف المجموعتين الرئيسيتين في السياسة — اليمين واليسار — نلاحظ أنه إذا كانت السلطة بيد اليساريين أو الإصلاحيين، فإنهم سيقومون بتطبيق قوانين قد تؤدي إلى تعزيز العلاقة مع الغرب، متبعين طريقًا خاطئًا ستكون إصلاح آثاره بحاجة إلى عشرات السنوات. أما إذا فاز اليمينيون، فهم يتحدثون جيدًا ولكنهم يفتقرون إلى التنفيذ الجيد. ضيق الأفق ورغبتهم في الاحتكار سيتسببان في أضرار جدية، خاصةً للنخبة والمستثمرين في البلاد.

تدريس سطحي وصخب العلماء

للأسف، إذا أراد أحد العلماء التدريس، فإن تدريسهم في الحوزة يقتصر على جمع المال وكسب الدخل. يحاول العلماء من خلال الصخب والجلبة الاستيلاء على منصب التدريس، ويحسبون ساعات عملهم شهريًا ليعرفوا مقدار المال الذي يحصلون عليه. لا يفكرون في أن جهلهم يضيع وقت الطلاب، الذين أنفاسهم ثمينة ويحاسبون عليها، لأن هذه الأنفاس ليست ملكًا للطلاب، بل هي ملك لصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

تدريس طلبة العلم

لقد تحدثت عن تدريس العلماء الذين يسعون للكسب، أما الآن سأذكر مثالاً من تدريس طلبة العلم. رحم الله الشيخ عبدالكريم حائري. في يومٍ من الأيام، قام السيد أحمد بإشارة إلى خطأ أثناء درسه. وكان السيد أحمد من أبرز تلاميذ الشيخ. فقال الشيخ في تلك اللحظة: “هذه الإشكالية جديدة ولم تخطر ببالي من قبل، لذا سنوقف الدرس اليوم لأدرس المسألة وأجيب عليها غدًا.” هذه هي الثقافة الإسلامية الحقيقية.

تنقية النصوص القديمة في العرفان

لقد قمت بشرح وانتقاد النصوص القديمة والعتيقة في العرفان، التي لا تزال تدرس في الحوزات العلمية. هذه النصوص التي تعتمد على علم الكلام لأهل السنة تعتبر من المصادر الملوثة في العرفان. قمت بشرح وتنقيح هذه النصوص ووضحت الإشكاليات التي قد تواجهها، منطلقًا من البحث والتحقيق. الهدف من هذا العمل هو تطوير العرفان في سياق معرفي سليم ومنقح.

لباس رجال الدين الشيعة

العمامة التي يضعها علماء الدين على رؤوسهم هي قطعة من القماش التي لا تحتوي على أي عقد أو خياطة. إذا تم رميها في الهواء، فإنها تنفصل وتستقر حسب رغبتها. بعد العمامة، يأتي العباء الذي لا يتم ربطه إلا بواسطة زر واحد، وهو الزر الذي كان غير موجود في الماضي. هذا الزر ليس دليلاً على التقييد، بل يعكس حرية الروح. أما الحذاء، فهو خفيف ولا يحتوي على كعب. هذا اللباس بسيط ومختلف تمامًا عن لباس الجنود، الذين يرتدون الأحذية الثقيلة والأزياء المليئة بالأزرار.

إدارة الدين من قبل علماء قدسيين

لا توجد إدارة أفضل من إدارة الدين على يد العلماء القدسيين، فهم الذين يعرفون القرآن الكريم والأحاديث النبوية والفلسفة والعرفان، بالإضافة إلى فهمهم العميق في علم النفس البشري. يمتلكون عقولًا صافية وقلوبًا نقية، وقادرين على التفكير بإبداع وتصميم حلول رائعة.

عالم الحيوانات

في كتاب “الآداب السلوكية”، كانت هناك فصول تمت إزالتها حول عالم الحيوانات وسلوكها. هذه الفصول كانت موجهة لأولئك الذين لم يكونوا على دراية بالحيوانات أو الأنثروبولوجيا. وتناول الكتاب فكرة أن كل مخلوق في هذا الكون، سواء كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، له مكانته في النظام الكوني وله دور في الحفاظ على توازن الحياة. الحيونات لا تعتبر عديمة الفائدة، بل لها وظائف خاصة تقوم بها.

التحليل النفسي للحمير

من أجل فهم بعض البشر بشكل أفضل، يجب على الإنسان أن يتفحص سلوك الحيوانات. على سبيل المثال، الحمار هو حيوان مفكر، إذ إذا قضى الإنسان بعض الوقت معه في الإسطبل، فإنه سيرى الحمار يتأمل بتمعن في الإنسان، وكأن هذا الحيوان يفكر في الإنسان كما يفكر العلماء في موضوعات مختلفة.

الكلب وأهمية قوته في السلوك الإيماني

الكلب، وفقًا للعرفان، يعد تجسيدًا للحق الإلهي، وهذا يظهر بوضوح في القرآن الكريم في آية أصحاب الكهف. عندما يتدرب الكلب، يصبح قويًا في حراسة الماشية، والصيد، والبحث، والعديد من المهام الأخرى. وكلما ازداد قوته، كلما كان تجسيدًا أكبر للقوة الإلهية، حتى يصبح من المناسب لمس الكلب بماء الطهارة. هذا يعني أن بعض الكائنات، مثل الكلب، إذا تمت تربية قوتها بشكل صحيح، تصبح مظهرًا من مظاهر القوة الإلهية.

التجارة بالدين وبيع النفس

يمكن القول أن أولئك الذين يبيعون أنفسهم أفضل من أولئك الذين يبيعون الدين أو العلم. فبينما كلها أعمال غير صائبة، بيع الدين وبيع العلم أسوأ بكثير من بيع النفس.

الاستعباد بواسطة الرياء والخداع

إن الشخص الذي يقضي حياته في محاولة لأسْر الناس من خلال الرياء والخداع، كما تفعل امرأة فاسقة تستغل جهل الآخرين، هو في نفس مستوى الخداع الذي تقوم به تلك المرأة. بوسَ اليد في هذا السياق ليس عملًا عظيمًا، لكنه يظهر مدى الكذب والنفاق الذي يمكن أن يحدث، وهذا يستحق التنبيه.

فقيرزدايى در دنياى امروز

يعيش العالم المعاصر في شكل مختلف عن ما كان عليه في الماضي، حيث يبدو أنه قد تم القضاء على الفقر، ولكن في الواقع، ما تم القضاء عليه هو الفقراء أنفسهم وليس الفقر بحد ذاته. إن الأشخاص الذين لا يملكون العلم، القوة، أو المال لا يمكنهم العيش في هذا العالم الذي أصبح فيه المال هو المعيار الأساسي لكل شيء، حتى بالنسبة للناس أنفسهم الذين أصبحوا يتعاملون مع بعضهم البعض بناءً على المال. اليوم، يعيش في هذا العالم فقط أولئك الذين يمتلكون القدرات، سواء في تخصص معين أو في المال. وإذا لم يكن لديك أي من هذه الأمور، فإن الجمال يتجه نحو التجارة بالجسد، والذكاء قد يتحول إلى خداع أو نصب، بينما يتوجه أصحاب المهارات الخاصة إلى التسول، لأن دخل المتسولين ليس أقل من النصابين. أما إذا كان الشخص لا ينتمي إلى أي من هذه الفئات، فإن النظام الاجتماعي القائم يعزله ويجعله في دائرة الفقراء الذين لا يحق لهم العيش في هذا المجتمع الحديث. هذا هو الواقع الذي نشهده اليوم، وهو لا يتصل بالأحكام الشرعية. إذا كان الشخص تحت خط الفقر أو يعيش في هوامش المجتمع وليس لديه القدرة على الانتماء لأي من هذه الفئات، فإنه يُدفع إلى الهامش حيث يموت كما تموت الحيوانات. والحيوانات عندما تشعر باقتراب الموت، تهرب إلى الأماكن التي تكون فيها بعيدة عن الأنظار. نفس الأمر ينطبق على هؤلاء الأشخاص، إذا لم ينسحبوا إلى هامش المجتمع بأنفسهم، فإن المجتمع سيسحقهم تحت قدميه.

إن المجتمع الذي يحتوي على ملايين من الفتيات العازبات الشابات ولا يملك أي خطة أو استراتيجية لمساعدتهن في تلبية رغباتهن الجنسية، لا يستطيع السيطرة على هذه الفتيات، وبالتالي فإنهن سيتحكمّن في الأمور بأنفسهن من خلال علاقات غير رسمية. هذه المشكلات جميعها هي نتيجة لوجود البشر الذين تسود عليهم الأهواء والنزوات، ولا علاقة لها بالدين. فالذين يدّعون التديّن هم الذين يقفون ضد الحياة الطبيعية ويعوقون تطور المجتمعات، حيث أن جهلهم وتعنتهم يؤديان إلى هذه الفوضى.

الدين يقدم نظامًا للحياة الصحية ولا يضغط على أتباعه بالضغوط والتقييدات التي تؤدي إلى العيش في فقر وضيق. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: “إذا كان الإنسان عاجزًا عن السير في الطريق المستقيم، فهو أعجز عن السير في الطريق المنحرف، لأن السير في الطريق المستقيم أسهل.” الحياة الدينية هي حياة سهلة ولكن من يعترضون سبيلها هم المتشددون الذين لا يريدون أن يصل الدين إلى الناس.

حرمة الفساد المطلق والغالب

الفساد المطلق مثل القتل الظالم، شرب الخمر، اللواط والزنا. إذا كان هناك شيء يعد فسادًا مطلقًا، فإن تعلمه أو استخدامه أو أخذ الأجر مقابل ذلك يكون محرمًا.

من المهم أن نعرف أن الفساد المطلق لا يعتمد على العقل والمنطق. الفلسفة هي التي تبيّن هذه الحقيقة، فقد أثبتنا في دروس الفلسفة أن هناك خيرًا مطلقًا فقط ولا يوجد شيء آخر في العالم يمكن تصنيفه كمطلق.

في الأحاديث التي تتحدث عن الفساد المطلق، فإن المقصود بالـ “مطلق” ليس المعنى الفلسفي، بل يشار به إلى الفساد الغالب أو الضرر الذي يتفوق على المنفعة.

على سبيل المثال، الخمر له بعض الفوائد والآثار المفيدة، وقد ذكر “كتاب الطب” نحو ثمانين فائدة لها. يقول القرآن الكريم في شأن الخمر: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: 219).

وقد اقترحنا في أماكن أخرى أن المسلمين يجب عليهم إنتاج نوع من الخمر الذي يكون مفيدًا فقط دون أن يكون مسكرًا أو ضارًا، وهو ما نسميه “الخمر الطهور”. يمكن الحصول على هذا النوع من الخمر في الدنيا وليس مقتصرًا على الجنة، لكننا نغفل عن الأساليب والأدوات التي يمكن من خلالها صنعه، ونحن فقط نركز على تحريمه. الخمر الطهور لا يسبب السكر، وهو يشبه السكريات الطبية التي تم إزالة آثارها الضارة منها. إذا تمكنا من صنع الخمر الطهور، فإن العالم سيقبل عليه بدلاً من الخمر المسكر، لأنه ليس فقط غير مسكر، بل يمنح الشباب ويقي من آثار السُكر.

إذا تعاون العلماء والدارسون الدينيون مع الأطباء والصيادلة وعلماء النفس، فيمكنهم تطوير وصفة لهذا النوع من الخمر ويقدموه للعالم. وهذا يختلف عن “ماء الشعير” الذي له خصائص مشابهة للخمر المسكر.

جراحة المعرفة وإنتاج العلم

العلم يشبه الجراحة. لا أعتقد في النقاشات حول إنتاج العلم والتحولات في المجالات الدينية التي يتحدثون عنها كثيرًا، لأنني أرى أن العلماء الحاليين في هذه المجالات لا يملكون الكفاءة اللازمة لتحقيق نتائج فعالة في هذا المجال. هؤلاء ليسوا أطباء أو جراحين، ولا يعرفون التحديات أو المفاهيم الأساسية أو الأضرار التي قد تصاحب هذا التحول.

لهذا السبب، فإن مؤسسات مثل الحوزات العلمية تتراجع ولا تؤثر بشكل كبير في المجتمع، لكن إغلاق الجامعات قد يؤدي إلى خلل في النظام العلمي للدولة، لأن الجامعات تقوم بدور فاعل في المجتمع. لكي تجد الحوزات دورًا مؤثرًا في المجتمع، يجب عليها تطوير كوادر علمية فعالة.

التجارة الإلكترونية والشركات الهرمية

“التجارة الإلكترونية والشركات الهرمية” هو عنوان الحوار الذي أجريته مع أحد المهتمين بالعمل في الشركات الهرمية. كان يرغب في تأسيس عمل مشابه لأحد الشركات الهرمية الأجنبية. كان هذا الحوار في 25 / 3 / 1386 هجريًا، وهو وقت كانت فيه هذه الشركات في ذروة نشاطها.

لكن في عام 1384 هجريًا، فرضت الحكومة حظرًا على هذه الشركات واعتبرتها جريمة. تمت مناقشة هذا الموضوع في كتاب “التفاعل الرقمي والناعم”، وتم حذف أجزاء منه بواسطة وزارة الثقافة والإرشاد.

الشركة مسجلة في جمهورية إيران الإسلامية و في السلطة القضائية. مع ذلك، لا تختص السلطة القضائية بتسجيل الشركات، ولكن لدينا قسم مخصص لتسجيل الشركات واسمنا مدرج في موقعهم الإلكتروني.

س: كيف هي هيكلية الأسهم والأرباح في شركتكم؟ وما هو النظام الذي يعمل عليه من يدخل في شركتكم؟

  • الهيكل الهرمي في نظامنا مشابه لما في شركات “غولدكوست” والنظام الرباعي. النظام الهرمي للمبيعات يعمل كالتالي: يقوم العميل بشراء منتج بقيمة 8000 تومان، وعليه يتم تحويل 15000 تومان إلى حسابه كمبلغ شراء يمكنه من شراء منتجات من متجرنا الإلكتروني. هذه المنتجات هي سلعة فعلية، بينما خدماتنا تشمل حزم، رسائل قصيرة، أو بطاقات دراسية. بغض النظر عن كون العميل لم يعرّف أحدًا على الشركة بعد، فهو يحصل على خدمات وفقًا للشراء الذي قام به.

نظامنا يتضمن خطة ربحية اختيارية يستطيع العميل الانضمام إليها إن أراد. باستثناء الخطة الربحية، تقتصر خدماتنا على الشراء والبيع الإلكتروني للمنتجات.

هناك نوعان من الاشتراك: الأول مقابل 81 ألف تومان، وهذا يشمل خدمات محدودة مثل استشارات بمقدار أقل، بينما الثاني مقابل 243 ألف تومان، ويشمل خدمات أكثر، مع زيادة وقت الاستشارات. نحن نوفر تفصيلًا دقيقًا عن الفروقات بين الخدمات والسلع لنضمن أن العميل على دراية تامة بما يحصل عليه.

أما بالنسبة للربحية، في حالة اشتراك العميل في النظام مقابل 243 ألف تومان، فإنه يحصل على مكافأة قدرها 39 ألف تومان لكل شخص يقوم بتعريفه على الشركة. النظام يعتمد على التوازن، وهو أمر معترف به كصعب في هذه الأنظمة.

إذا انضم شخص مع ثلاثة آخرين، فإنه دفع 972 ألف تومان، وعليه يتم تزويده بـ 15 ألف تومان كرصيد للشراء، مما يعني أن قيمة مشترياته تزيد أربع مرات، بالإضافة إلى تخفيضات أخرى، وبالتالي يعود له مبلغ 100 ألف تومان.

السؤال الثاني: هل يحصل الأشخاص الذين ينضمون إلى شركتكم على تدريب كافٍ حول كيفية العمل؟

  • لدينا نظام تدريبي في البداية. نحن نقدم لهم كتبًا تعليمية ومواد تعليمية حتى يتفهموا تمامًا كيفية عمل النظام، ويعلموا أنه إذا لم يبذلوا جهدًا، فلن يصلوا إلى الأرباح المتوقعة ولن يكون لهم أي مطالبات ضد الشركة في المستقبل. بعد اجتيازهم لاختبار، يتم منحهم إذنًا لبدء النشاط وتعريف الآخرين بالشركة.

السؤال الثالث: هل توجد ضمانات مالية للشركة؟

  • نحن لا نقدم ضمانات مالية للأشخاص عند دخولهم، لكن العملاء الذين ينضمون يحصلون على خدمات مقابل المبالغ التي دفعوها، مثل مكتب إلكتروني وخدمات أخرى. إذا لم يحصل العميل على الخدمات المتفق عليها، يمكنه تقديم شكوى إلى القضاء.

الاعتبار الأساسي في الشركة هو السمعة الشخصية. أي أن أول من ينضم يعتمد على سمعة الشخص الذي يعرفه، ومن ثم يتم تبادل السمعة بين الأفراد في النظام الهرمي. أما بالنسبة للموقع الإلكتروني أو السيرفرات، فهي قوية للغاية وقادرة على دعم مئات الآلاف من العملاء في وقت واحد.

نحن لا نعد العملاء بأي ضمانات مالية، بل نقدم لهم خدمات مقابل أموالهم. العميل الذي ينضم يعرف أنه يحصل على خدمات محددة من خلال اشتراكه ولا يمكنه مطالبة الشركة بأي ضمانات مالية إضافية.

السؤال الرابع: هل يمكن ضمان حقوق العميل؟

  • الشركة تضمن تقديم الخدمات المتفق عليها فقط، أما بالنسبة للأموال التي يدفعها العميل، فهي تُستخدم لشراء خدمات ومنتجات. الشركة تقدم فواتير رسمية وتسجيلات قانونية تتيح للعميل تقديم شكوى في حال عدم تقديم الخدمة المتفق عليها.

الملاحظة:

نظام الشركة يشبه أنظمة التسويق الشبكي أو “الـ MLM”، حيث تعمل الشركات بهذه الطريقة على جذب العملاء من خلال بيع المنتجات والخدمات، وفي نفس الوقت يكسب العملاء دخلًا من خلال تعريف آخرين على النظام.

في حالة اختفاء الشركة أو فشلها، فإن العملاء ينضمون على مسؤوليتهم الخاصة مع العلم أنهم يعتمدون على الثقة في الشركة، وليس هناك ضمان مالي محدد. ولكن إذا كانت العملية واضحة أمام العملاء، وتم توجيههم بشكل كافٍ حول مخاطر النظام، فإن عملهم لا يُعتبر مخالفًا من الناحية الشرعية.

عملك مثل شخص يتاجر ويعتمد على الطرف الآخر دون أن يحصل على شيك. الشريعة لا توصي إلا بتوثيق المعاملات والحصول على دليل، وهذا أمر إرشادي. الشخص الذي يثق في الطرف الآخر دون أن يحصل على دليل لا يرتكب فعلًا محرمًا، ومعاملته ليست باطلة، لكن إذا لم يقبل الطرف الآخر ذلك، فإنه سيواجه خسائر وأضرارًا.

شركتكم تعطي لكل مشترك رمزًا بسيطًا، وهذا الرمز خاص به ولا يُستخدم من قبل الآخرين. باستخدام هذا الرمز، لا يمكنه تقديم شكوى ضد أي شخص آخر. هذا الرمز ليس قابلًا للتعميم بحيث يمكن للمتضرر من أي مشكلة أن يلاحق الشخص المسؤول أو ممثلي الشركة. هذا العمل يشبه الشركات المضاربية حيث يودع الناس أموالهم بناءً على ثقة بشخص معين، لكن الشخص الرئيسي يقوم بالاختلاس. حينها، لا يمكن للمستثمرين الرجوع إلى الوكيل لاسترداد أموالهم لأنه سيكون في نفس وضعهم.

إن عملكم يشبه الأعمال التجارية التي تقوم على الثقة. كما كان الحال مع التجار القدماء الذين كانوا يعتمدون على بعضهم البعض دون أن يطلبوا شيكات أو أوراق رسمية. كانوا يعتمدون على دفاتر يكتبون فيها ديونهم ومستحقاتهم، وكانوا دقيقين جدًا. لكن اليوم، لم يعد هناك مكان للثقة، لأن المخالفات أصبحت ظاهرة واضحة ولم يعد يمكن الوثوق بأي شخص. أمير المؤمنين عليه السلام يقول: “في الأماكن التي يغلب فيها الصلاح، يمكن أن تثق بالناس، ولكن إذا غلب الفساد، فلا تثق بأحد”.

نعم، عملكم يعتبر تجارة ولكنه لا يعد قمارًا، كما شرحناه في كتاب القمار. أولئك الذين يعارضون هذا العمل لم يتصوروا موضوعه بشكل صحيح. الدولة قد توصي بمنعه من باب الحفاظ على النظام، خاصة وأن هذه الأنواع من الأنشطة قد تؤدي إلى أزمات بسبب الثقة الكبيرة التي تمنح، ما قد يؤدي إلى اختلاسات واحتيال قد يصيب آلاف الأسر. لذا، من الناحية الوقائية، يمكن للدولة أن تمنعها رغم أنها ليست محظورة شرعًا.

التجارة بأنواعها تختلف، وقد وضحت حدود الحلال والحرام فيها. على سبيل المثال، يمكن للوكيل أن يتقاضى أجرًا مقابل تقديم خدمة معينة كمعرفة أو إشارة حول عقار للعميل. التجارة عقلية وصحيحة ما دامت لا تتعدى حدود الحرام ولم يثبت تحريمها. بالطبع، الدولة قد تمنعها من منطلق أولوياتها.

أخيرًا، الموقع الذي تديرونه لا يزال نشطًا ولم يتم حظره، مثل مواقع الشركات الهرمية التي كانت موجودة في الماضي. هذا لا يعني أن الحكومة تؤيده. كما أنكم لم تذكروا في تسجيل شركتكم النشاط الهرمي الذي تقومون به، وهو ما قد يعرضكم لمتابعة قانونية في المستقبل.

الدولة تتعامل مع الأمور وفقًا للأولويات، وليس بناءً على كل حالة بشكل منفصل. على سبيل المثال، قد يكون هناك انتشار للفساد في بعض المجتمعات، مثل فساد بعض النساء، ولكن الدولة قد لا ترى من الضروري أن تكون تلك القضية في صدارة أولوياتها في الوقت الراهن، في حين أنها قد تعطي الأولوية لمكافحة المجرمين أو الفئات الأكثر تهديدًا للمجتمع. إذا كان هناك تهديد سياسي أو اجتماعي جديد، قد تتغير الأولويات فجأة وتتغير الإجراءات القانونية بشكل سريع.

الحكومة لا يمكنها أن تحظر كل شيء في بداية الأمر، بل تتخذ قرارات بناءً على الوضع الراهن، ووفقًا لما يراه النظام أكثر إلحاحًا. كما أن الحكومة لا تتعامل مع الأنشطة التجارية المريبة بناءً على الثقة فقط، بل تعتمد على الضوابط الرقابية والمعايير القانونية لتجنب وقوع الأضرار التي قد تؤدي إلى اختلاسات أو فساد. لذلك، يمكن أن تقرر الحكومة منع أنشطة معينة إذا كان لديها شكوك بشأن نتائجها السلبية المحتملة.

بالنسبة للنشاطات التجارية التي تقوم على الثقة، مثل الذي تقوم به شركتكم، فلا بد من التأكيد على ضرورة وجود ضمانات إضافية لمنع حدوث أضرار أو استغلال غير قانوني. من المهم توفير آليات شفافة مثل التعليم والتدريب على الأخلاقيات التجارية، وكذلك التأكد من أن العاملين في النظام التجاري يتحلون بالنزاهة والصدق. إذ يمكن أن تكون هذه الأنشطة مشروعة إذا تمت بعناية وحذر، ولم يتجاوز النشاط الحدود الشرعية والأخلاقية. ومع ذلك، تظل هناك تحديات في تطبيق ذلك على نطاق واسع بسبب سرعة التواصل عبر الإنترنت، مما يزيد من المخاطر المحتملة.

التجارة عبر الإنترنت، مثلها مثل الوساطة أو الدلالة، يمكن أن تتم بشكل قانوني إذا كانت تتوافق مع الضوابط الشرعية. في الماضي، كان الوسطاء في الأسواق التقليدية يتعاملون ببطء، وكانت المخاطر أقل بسبب قلة الحركة التجارية. ولكن اليوم، وبسبب سرعة الإنترنت، فإن الأنشطة التجارية أصبحت أسرع، مما يضاعف المخاطر. لذا، على الأفراد والأنظمة أن يكونوا أكثر وعيًا في تعاملاتهم التجارية لتقليل المخاطر المرتبطة بها.

حياة الإنسان اليوم تعتمد بشكل كبير على قدراته الفردية، وكل شخص في المجتمع يجب أن يكون قادرًا على التكيف والتطور للحفاظ على مكانه. من لا يواكب هذا التغيير ويفشل في التكيف مع هذه التحولات، سيبقى في وضعية متأخرة في الحياة وقد يواجه صعوبات كبيرة.

إن هذا النشاط التجاري الإلكتروني لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية طالما لا يؤدي إلى أضرار اجتماعية أو فردية. ومع ذلك، تظل هناك ضرورة في الحذر واتباع القوانين والضوابط المحلية. كما أن الحكومات، عندما تكتشف أن مثل هذه الأنشطة تسبب أضرارًا اجتماعية، يمكن أن تتخذ قرارًا بمنعها. وفي حالة وجود انتهاكات قانونية أو مخالفات واضحة، يمكن أن تُتخذ إجراءات صارمة ضد المخالفين.

من المناسب هنا أن نذكر خصائص المنافقين لتتضح أكثر معالم هذا الفريق. المنافقون من الناحية النفسية أفراد جبناء ضعفاء، ليس لديهم استقلال ولا استبداد ولا قدرة على السيطرة في حالة الضعف، لأن الاستبداد يتطلب قوة لا يملكها المنافق في حالة الضعف. المنافق يعاني من تذبذب في روحه وفكره وأقواله، فهم (صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [16] حيث يبقون في دوامة من التفكير والعمل، يسيرون مع كل ريح تهب، فإذا ساد الحق والنور، انضموا إليه، وإذا غلب الباطل والظلام، اختبأوا وانتظروا الموت خوفًا.

المشكلات والصعوبات التي يواجهها المنافقون هي نتيجة لضعف الإرادة وقلة الفهم، حيث يعجزون عن التحرك ويتجهون إلى الزوايا في مواجهة الظلمات، لا يملكون القدرة على التقدم. كما جاء في القرآن الكريم في بداية سورة البقرة: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) [17]. وهذه الآية الشريفة تصف هذه الحالة: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [18].

يجب أن نلاحظ أن المنافق يختلف عن الظالم في عدة أمور، وإن كان في بعض الأحيان يتلاقى مع الظالمين، إلا أن هناك الكثير من الفروق بينهما.

حكومة النفاق في البداية قد تجذب العديد من الناس وتوحدهم حولها، لكن سرعان ما تبدأ هذه الحكومة في شن هجوم على نفسها من الداخل، مما يؤدي إلى ضعف استمراريتها. وهذا يحدث عندما تظاهر الحكومة بالإيمان وتكون تحركاتها في الظاهر دينية، فيعتقد الناس أنها حكومة صالحة، في حين أن واقعها خلاف ذلك. يصعب على الناس العاديين كشف هذا النفاق في البداية، مما يجعل الأمور معقدة ويزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والخداع.

من حيث المواجهة مع حكومة النفاق، هناك ثلاث طرق يمكن اتباعها:

  1. التظاهر بالنفاق: هذه الطريقة تتضمن التظاهر بالانضمام إلى جبهة النفاق والقتال ضد الأعداء الظاهرين، ولكنها تؤدي إلى تقوية صفوف المنافقين، وهذا ليس حلاً فعّالًا.
  2. القتال المباشر مع المنافقين: قد يتعرض المجاهدون لضرر كبير في هذه الطريقة، حيث يمكن للمنافقين باستخدام تلاعبهم وازدواجيتهم أن يتغلغلوا ويبددوا أي جهود مقاومة.
  3. المواجهة الحذرة والذكية: الطريقة الأمثل هي تجنب الظهور مع المنافقين، والوقوف إلى جانب أهل الحق في الخفاء. في الحالات الضرورية، يمكن للإنسان أن يشارك في المعركة بشكل مؤقت، ولكن يجب أن يكون هذا الانخراط في إطار الضرورة فقط، ويجب أن يظهر بوضوح أن هذا التعاون كان تحت الضغط وبشكل غير طوعي.

إذن، كما كان يفعل الأئمة المعصومون عليهم السلام في زمن حكومات الظلم، يتجنبون مواجهة حكومات النفاق بشكل علني، لكنهم كانوا في الوقت نفسه يقاومون الفساد والظلم بشكل جاد عند الضرورة. تقتضي الحكمة أن لا نكون جزءًا من صفوف المنافقين، ولكن يجب أن نتعامل معهم بحذر شديد.

إن المنافقين في حكوماتهم غالبًا ما يستغلون الفقراء والمستضعفين، حيث أن هذه الفئات تكون أكثر استعدادًا لقبول الحق والتعاون مع أولياء الله. لذلك، الفقراء والشباب والأطفال غالبًا ما يكونون في مقدمة الصفوف في دعم قضايا الحق.

وفي ختام الحديث، ينبغي أن نفرق بين أسلوب الحكام الذين يحاولون الحفاظ على الموازنة بين القوى المختلفة في المجتمع، وبين المنافقين الذين يعملون على إظهار وجهين مختلفين؛ الأول للعلن والثاني في الخفاء، مما يجعلهم أكثر قدرة على التلاعب بالآخرين.

إدارة الحج الدولية

يجب أن يكون هناك سعي جاد لإدارة وتنظيم الحج في مكة من خلال نظام دولي يشرف عليه الدول الإسلامية جمعاء، بدلاً من أن يكون تحت سيطرة حكومة المملكة العربية السعودية وعدد من الأفراد العاديين وأفراد الأسرة الحاكمة. إن نجاح الأمة الإسلامية يبدأ من اللحظة التي يتم فيها إدارة الحج من قبل المسلمين في جميع أنحاء العالم بشكل جماعي، وليس تحت سيطرة دولة معينة. إن الشخص الذي يمكنه أن يتولى شؤون الحج الإبراهيمي يجب أن يمتلك شخصية مشابهة لشخصية إبراهيم عليه السلام. يجب أن يكون المسؤولون عن اتخاذ القرارات المؤثرة في الحج دائمًا من أصحاب العقول المفكرة أو أن يكونوا مصحوبين بعقول مفكرة.

لا ينبغي القول إن إقصاء الحكومة السعودية عن تنظيم الحج أمر مستحيل، لأن هذا قد يؤدي إلى تعطيل مناسك الحج. ولكن إذا أراد شخص القيام بذلك دون سياسة طويلة المدى، فيمكنه قول ما يريد. مع ذلك، يجب أن تصمم مثل هذه السياسات في إطار خطط كبيرة طويلة الأمد ضمن السياسة الخارجية، وأن تتم خطوة بخطوة. مكة هي المكان الذي يلتقي فيه المسلمون من مئتي دولة، وبالتالي لا يمكن القول إن صاحب المنزل هو من يقرر، لأن صاحب المنزل هو أحد تلك المئتي دولة. مكة ليست ملكًا لشخص واحد، ومع ذلك، هذا هو القول الأخير، ويجب عدم قوله في بداية الحديث.

بناءً على المعنى الحقيقي للحج الذي يعني التوجه نحو هدف معين، وهو مقام جماعي، يجب أن ندرك أن مشاكل الأمة الإسلامية سيتم حلها في مكة وليس في إيران، والمسلمون يجب أن يكونوا واعين لذلك ويتحركوا من أجل كرامتهم. إذا تم فهم الحج بهذا المعنى، فإن أي تكلفة تنفق عليه ستكون ذات قيمة. أما إذا كان مجرد شعور وسياحة، فإن تكاليفه لا تعود بالنفع، وفي هذه الحالة فإن حكومة السعودية هي من تجني الفائدة المالية والدعائية. في هذا السياق، ومع وجود العديد من الفقراء والفئات الضعيفة، يجب أن يتم تحديد فرضية الحج فقط عبر التسجيل لدفع تكاليفه للفقراء. وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فيجب الاكتفاء بأدنى التكاليف، لأن الأمر يكون فقط شكليًا وعاطفيًا، وسيفقد تأثيره بعد فترة.

يجب أن يكون وضع السياسات الخاصة بالحج في مكة أكثر أهمية من السياسات الثقافية الكبرى التي يتم تنفيذها على مستوى الدولة، لأننا دولة واحدة، ولكن الحج هو فرصة للتواصل مع مئتي دولة في العالم، حيث يتم تشكيل إدارة الحج بمشاركة هذه الدول. عندما كنت في الحج وكنت أرى مسلمين من دول مختلفة، لم أكن أراهم أشخاصًا متحضرين؛ بل كانوا في الغالب قليلين الثقافة ومتأخرين وغير لطيفين. (مقتطف من كتاب: “حج إبراهيمى أو تنظيمي”، صفحات 37-39)

حصريّة تأثير الحج على العواطف والميول النفسية

في السنة التي ذهبت فيها للحج، كنت أرتدي ملابس عربية، وليس ملابس دينية. وفي جدة، كان هناك رجل مسن من قم كان يوجه كلمات قاسية وغير لائقة إلى رجل الدين الذي كان يقود قافلتنا. بعض أهل قم، مقارنة مع الناس من مدن أخرى، يتسمون بالجرأة تجاه العلماء، وذلك بسبب تربيتهم، حيث يمكن أن تحرقهم أو تجعلهم ينمون. كان يقول لي: “قالوا لي إن حجك باطل وامرأتك محرمة عليك، فما الذي يفعله هذا رجل الدين لدينا، ولماذا يأخذ المال؟” فأجبته: “يا أبي، لقد كنت في قم طوال ستين عامًا ولديك إمكانية الوصول إلى العديد من العلماء الدينيين، ولم تفكر في صلاتك، ولكنك الآن في الحج تتوقع من شخص يشرف على مئة حاج في وقت محدود أن يصحح صلاتك.” وكان يشعر بالحزن لأن امرأته أصبحت محرمة عليه، ولأن الخروف الذي ذبحه، وكذلك الهدايا التي أخذها لأسرته في قم لتوزيعها على الضيوف، قد ضاعت. ومع ذلك، لم يهتم بمسألة أن حجّه قد بطل. هذا يظهر أن تأثير الحج على المرحلة الأولى من الحجاج، والتي تتعلق بالعواطف والميول النفسية، هو الأكثر تأثيرًا، ولا ينشط المراحل الأخرى. لذلك، يجب أن يتم التركيز في السياسات الخاصة بالحج على تنشيط المراحل الأخرى مثل العقل والقلب. (مقتطف من كتاب: “حج إبراهيمى أو تنظيمي”، صفحات 36-37)

الذبيحة في الحج

المؤمن في الحج يذبح خروفًا لله تعالى، ويهدر الدم في سبيل الحق سبحانه، ليتعلم أن الدم لا ينبغي أن يخيفه. من لا يستطيع أن يسكب الدم من أجل الله، لا يمكنه أن يؤدي الحج. يمكنه أن يصلي أو يصوم، ولكن الحج شيء أعظم من هذه الأعمال.

الاستبداد المتأصل

روح الاستبداد والديكتاتورية والعنف موجودة في جميع طبقات المجتمع، بما في ذلك فئة العلماء. هذا يعود إلى أنه بعد انتصار الثورة عام 1979، أصبح بعض العلماء والمتولين يتخذون قرارات ويصدرون أوامر، ليس في مواجهة الطغاة والظالمين، ولكن ضد الناس الضعفاء والفئات المحرومة. العالم، إذا كان من أهل التوصيف وليس التوجيه، وإذا كان يتصف بالزهد في ملابسه ولا يمارس التزوير والسلطة، فإن الناس يحترمونه ويثقون به، لأنه يظهر في صف الحق. هؤلاء الناس الذين يثقون به يتبعونه بإشارة بسيطة ويضحون من أجله. (مقتطف من كتاب: “الحرية الفكرية للعلماء واستبداد الطاغوت”، صفحة 90)

لعبة الشطرنج

منذ فترة، كان أحد القادة، وهو من قدامى المحاربين في البلاد، يقول: “في هذا البلد لا يوجد لنا عمل، ولهذا فقد وضعونا للعب الشطرنج.” فقلت له: “لا بأس في ذلك، لأن البطالة بالنسبة لك أكثر خطورة، وإذا كنت عاطلًا، فإنك ستواجه مصاعب مثل الحياة اليومية أو الإدمان. لكن إذا نظم النظام هذه اللعبة لك وجعلها تشغلك لعدة سنوات، فإن ذلك يستحق الثناء، ولكن كان من الأفضل أن يستخدم النظام هؤلاء الأشخاص في أعمال فكرية وعلمية ومعرفية.”

أفضلية المعرفة على العصمة

لقد ذكرنا في بحث ولاية الفقيه أنه يمكن لشخص غير معصوم، بسبب علمه الواسع ومعرفته العميقة، أن يكون أعلى وأقرب في المنزلة من شخص معصوم ولكن معرفته محدودة. وبالتالي، يمكن له أن يمتلك الولاية على صاحب العصمة. (مقتطف من كتاب: “آفاق العلماء الدينيين”، صفحة 58)

اعتزاز العلماء باسم المدينة

من الأمور التي تشوه صورة رجال الدين، إضافة اسم المدينة إلى أسمائهم. هذه تعتبر من مصاديق الآية الكريمة: “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ”. كان المشركون يتفاخرون بقبورهم، ومن يصر على إضافة اسم مدينته إلى اسمه، يتفاخر أيضًا بمدينة نفسه. (مقتطف من كتاب: “صفحات من حياة رجال الدين”، صفحة 129)

الانتقادات على نقد شريعتي

عندما ذهبت إلى سوريا، جلست لعدة أيام على قبر شريعتي، أراقب إذا كان أحد يزور قبره أم لا. وفي تلك الأيام، لاحظت أن الزيارات تشير إلى أن فكرته لا تزال حية. المشكلة مع هؤلاء الأشخاص هي أنهم ينتقدون العلماء، ولكن نقدهم يضر بالنظام والإسلام بشكل خاص. فالأفضل أن يكون النقد من قبل شخص قوي في المعرفة وقادر على فهم حاضر ومستقبل المدرسة الدينية. هذا النوع من النقد يكون بناءً، بينما نقد من انفصل عن هذه المدرسة لا يحمل إلا تدميرًا. (مقتطف من كتاب: “صفحات من حياة رجال الدين”، صفحة 69)

الشيطان الرجيم

كما ورد في التاريخ، فإن الشيطان الرجيم يظهر بشكل العلماء. عندما جاء سلمان الفارسي إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال له: “يا علي، سارع إلى المسجد لأن الناس قد بايعوا أبا بكر.” فسأله الإمام: “هل كان الشخص الذي بادر بالبيعة ذو لحية طويلة؟” فقال سلمان: “نعم.” فأجاب الإمام: “هذا كان الشيطان.” يوضح هذا أنه ليس كل من يظهر بمظهر العلماء هو شخص صادق. (مقتطف من كتاب: “صفحات من حياة رجال الدين”، صفحة 67)

عجائب القرآن الكريم

يقول القرآن الكريم في حديث عن الجن: “إِنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا”. وهذا يدل على أن الجن أنفسهم، الذين هم من عجائب الكون، اندهشوا من كلام الله. وهذا يدل على عظمة القرآن الكريم وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي العلم الكامل به. (مقتطف من كتاب: “القرآن الكريم”، صفحات 75-76)

تحريف الكتب السماوية السابقة

القرآن الكريم هو ناسخ لجميع الكتب السماوية السابقة، حيث قام الله بتحريف تلك الكتب ليكون القرآن هو الكتاب النهائي. (مقتطف من كتاب: “القرآن الكريم”، صفحة 92)

كيفية تنقل المرأة المسلمة في بيئة مختلطة واستخدام الحجاب في نفس الوقت:

لا يمكن اعتبار الحجاب التقليدي (مثل الشادر) أداة مناسبة للغطاء الإسلامي في بعض الحالات؛ فلا يجوز القول بأن الشادر هو الحجاب الإسلامي الكامل أو أنه طرح شرعي لحفظ العفة، لأن الشريعة لم تقدم هذا التصميم. الفرد أو الفكر الذي قدم هذا التصميم للمجتمع قبل أو بعد الإسلام لم يكن يمتلك رؤية دقيقة ومتعمقة في هذا الشأن. رغم أن الشادر يمكن أن يوفر بيئة آمنة للعفة، إلا أنه يتضمن مشكلات يجب معالجتها عبر تصميم مناسب يحافظ على حجاب المرأة بشكل مريح وسهل.

من الممكن تعديل الشادر ليبقى ثابتًا على رأس المرأة دون الحاجة إلى تثبيته بواسطة اليدين، ما يسمح لها باستخدام يديها بحرية في الأماكن العامة والمختلطة دون أن يتعرض حجابها للخطر. من أجل تحقيق هذا الهدف، ينبغي على المصممين أو النساء تقديم نماذج مناسبة لحل المشكلات المتعلقة بالشادر التقليدي، مما يتيح لمن يرغبون في الحفاظ على حجابهم تجنب اللجوء إلى التبريرات غير المقنعة مثل صعوبة ارتداء الشادر.

إذا تم تصميم حجاب سليم ومريح، فسيكون من غير المتوقع أن ترفض النساء المسلمات هذا الخيار. ومع ذلك، عندما يرغب النساء في المشاركة في المجتمع بشكل نشط (وهذا أصبح ضرورة في العصر الحالي)، قد يواجهن صعوبة في استخدام الشادر التقليدي بسبب التصميم الحالي، مما قد يدفعهن إلى ترك العمل أو التوجه نحو ارتداء الحجاب بطريقة غير صحيحة أو حتى التخلي عن الحجاب تمامًا، وهذا يؤدي إلى مشاكل اجتماعية.

على المسؤولين أن يستثمروا في هذا المجال ويعززوا استخدام هذا النوع من الحجاب ليصبح جزءًا من الثقافة المجتمعية، ولا ينبغي تأجيل هذا الموضوع.

مسؤوليات المرأة

الشادر الحالي (على الرغم من مزاياه) يشغل يدي المرأة ويجعلها غير قادرة على ممارسة الكثير من الأنشطة. في الواقع، كان الشادر في الأصل مخصصًا للنساء اللاتي لا يمارسن الأنشطة الاجتماعية أو اللاتي يكنَّ في البيوت. المرأة تحتاج إلى يديها لأداء المهام اليومية في المجتمع. من المستحيل أن ترتدي المرأة نفس الزي في جميع الأوقات والمناسبات؛ فالملابس تختلف في العمل، والمناسبات، والمنزل، وأثناء ممارسة الرياضة أو في الفصول المختلفة من السنة.

العفة والحرية أمران مهمان ويجب أن يجتمعا في الحياة اليومية. من الواجب أيضًا أن نراعي أن صوت المرأة في حال لم يكن له أبعاد جنسية غير مشروعة، يُعتبر مسموحًا. المرأة لها مسؤوليات محددة. الشريعة والحكومة لا ينبغي أن تفرض على المرأة مسؤوليات تفوق قدرتها وتحملها. كما أن القانون أحيانًا يفرض مسؤوليات قد تعيق النساء عن أداء واجباتهن الأساسية. في المجتمع، هناك نقص في الوعي والعدالة، وهو ما يؤدي إلى مشاكل اجتماعية.

فلسفة الحجاب

لقد كتب الشهيد مطهري كتابًا بعنوان “فلسفة الحجاب”. على الرغم من أنه لا يوجد حكم إسلامي يفرض الحجاب كواجب شرعي بشكل محدد، فإن الإسلام يفرض الحجاب من خلال تغطية الجسد وليس عبر حجاب تقليدي محدد. وفقًا للثقافة الدينية، كان من الأفضل أن يكون عنوان الكتاب “فلسفة التغطية” بدلاً من “فلسفة الحجاب”، لأن الحجاب ليس هو التغطية في جوهره.

في كتاب “المرأة: المظلومة دائمًا في التاريخ”، أشرنا إلى أن الشادر التقليدي ليس حجابًا مناسبًا لأنه غير ثابت ويحتاج إلى الإمساك به باليدين. هذه الأنواع من الحجاب كانت مخصصة للنساء اللاتي لا يمارسن أي نشاط اجتماعي. فالله سبحانه وتعالى قد منح المرأة يدين لتقوم بأعمالها اليومية. وبدلاً من أن يكون الشادر عائقًا، يجب التفكير في حلول تجعل المرأة قادرة على أداء واجباتها في المجتمع.

سن بلوغ الفتيات

في معظم مناطق بلادنا، لا تصل الفتيات إلى سن البلوغ في التاسعة، والسن يختلف باختلاف المناطق. في المناطق الباردة، يختلف السن عن المناطق الحارة. لا ينبغي تحميل الفتيات التكاليف أو الأعباء الثقيلة في سن مبكرة، ويجب أن يتم تعليمهن تدريجيًا لتجنب حدوث النفور أو التجنب للدين في المستقبل.

ولاية الرجال على النساء والمؤمنين

القرآن الكريم يثبت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين، حيث قال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]. بناءً على هذا النص، كان النبي صلى الله عليه وسلم له الحق في زواج النساء من غير طلاقهن، ولكن في التاريخ لم نجد أي حالة من هذا القبيل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو في حياة الأئمة المعصومين.

الأمن النسائي من خلال نشر ثقافة العفة

إذا لم تكن العفة جزءًا أساسيًا من الثقافة المجتمعية، فإن النساء لن يكون لديهن الأمان الكافي. على سبيل المثال، في حال استخدام الرجال كمُدرّبين للسيدات في قيادة السيارات، يجب على المرأة أن يكون لها محرم معها، لأنه بدون ذلك قد تتعرض للاعتداء أو التحرش.

الزواج السهل

من بين التحديات التي يواجهها العلماء في مجال الزواج، هو تعقيد إجراءات عقد النكاح. في الماضي، كان يُستخدم صيغة عقد النكاح من قبل العلماء لمساعدة الذين لم يعرفوا كيفية عقد الزواج. في العصر الحالي، يمكن للفتيان والفتيات عقد نكاحهم بأنفسهم عبر وسائل تقنية، مثل الأفلام أو الرسوم المتحركة التي تشرح كيفية عقد النكاح، وهذا يسهل من عملية الزواج.

الزواج بالمعاطاة

الكلمات وُضِعت للأرواح والمعاني، وهذه المعاني متعارفة في عقول الناس. وبالتالي، يختلف الزواج بين كل قوم وآخر وفقاً للغتهم والمصطلحات المستخدمة فيها. إذا كان بالإمكان كتابة عقد الزواج في الفكر ثم تطبيقه في المجتمع، فإن الكثير من المشاكل التي تبدو معقدة يمكن حلها. في بعض الأحيان، يتم تطبيق صيغة عقد الزواج بصيغ متنوعة، ويعتقد الشباب أن تنفيذ صيغة الزواج أمر معقد. إليك بعض الأمثلة:

“أنكحتُ موكّلك حميدًا موكّلتي فاطمة على المهر المعلوم”.

“أنكحتُ من موكّلك حميدٍ موكّلتي فاطمة على المهر المعلوم”.

“أنكحتُ لموكّلك حميدٍ موكّلتي فاطمة على المهر المعلوم”.

“زوّجتُ موكّلتي فاطمة لموكّلك حميدًا على المهر المعلوم”.

“زوّجت موكّلتي فاطمة من موكّلك حميدٍ على المهر المعلوم”.

“متّعت موكّلتي فاطمة من موكّلك حميدٍ على المهر المعلوم”.

“حبّبتُ موكّلتي فاطمة من موكّلك حميدٍ على المهر المعلوم”.

إضافة إلى هذه الأمثلة، يمكننا إضافة كلمات مثل “ملكتُ”، “حللتُ”، “رضيتُ”، “لبستُ”، “سلّمتُ”، وغيرها من المصطلحات الشائعة.

لقد ذكرنا في مكان آخر أن المعاطاة يمكن أن تكون جزءاً من عقد الزواج، وقد تم توضيح كيفية تطبيق هذا الموضوع في المناقشات الفقهية. عقد الزواج بالمعاطاة، بشروطه الأخرى مثل تحديد المهر، ليس فيه مشكلة. في عقد الزواج بالمعاطاة، إذا تمكن الشاب من كسب رضا الفتاة للزواج منها، يمكنه تقبيل حجابها أو لمس يدها أو حتى التحديق إليها بعين محبة، ومن خلال هذا الفعل مع النية الصادقة من الطرفين، يتحقق الزواج. بمعنى آخر، كما يُقال في الطلاق الرجعي بأن الرجوع قد يكون قولياً أو فعلياً، هذا الكلام ينطبق أيضًا على النكاح ولكن مع بعض القيود. ومع ذلك، النية الصادقة هي الأساس.

أتذكر عندما سألت آية الله العظمى الأراكي، الذي كنت أدرس الفقه في حضرته، عن السبب في اعتقادهم بوجوب الصيغة اللفظية في النكاح. قال لي في النهاية إنهم يعتمدون على إجماع العلماء في هذا الشأن. إلا أن الإجماع لا يمكن أن يكون حجة في هذا المجال، لأن الإجماع المتقدم قد لا يكون مبنيًا على دليل معتبر، ويجب مناقشة هذا الموضوع في علم الأصول.

أضاف الفقيد قصة في هذا الصدد وقال: في يومٍ من الأيام جاء شخص إلى الشيخ الأنصاري وطلب منه قراءة عقد نكاح. فقال له الشيخ: “سأقرأ صيغة العقد في العصر، وفي المساء ستكونان حلالًا على بعضكما البعض.” في اليوم التالي، عاد الشخص إلى الشيخ وسأله: “هل قرأت صيغة العقد؟”، فأجاب الشيخ الذي كان قد نسي الأمر: “كما قلت أمس، ستكونان حلالًا على بعضكما البعض اعتبارًا من العصر”.

بالطبع، النقاش الأوسع حول المعاطاة يوجد في كتاب “مكاسب” للشيخ الأنصاري، وقد ناقش ذلك بشكل دقيق في بحث المعاملات وخاصة في موضوع البيع.

المحبة والتأديب في تربية الطفل

الحلم، والرحمة، والصبر، والمحبة في التعامل مع الطفل، بالإضافة إلى التأديب، تعتبر مثل المستشفى الذي يحتوي على دواء تقويتي وآلة جراحية في آن واحد. إذا افتقر المستشفى إلى أحد هذين العنصرين، فإنه يصبح ناقصًا ولا يفيد العديد من المرضى. في التربية، الوضع مشابه. إذا تم إزالة الرحمة والرفق من التربية، فإن التربية تصبح ناقصة. كما أن التربية تصبح غير متوازنة إذا أزيل التأديب الجسدي والغضب. كلا العنصرين، الرحمة والتأديب، ضروريان في التربية، لكن يجب على المربي تحديد الوقت المناسب لاستخدام كل منهما في مكانه الصحيح. إن التربية بدون هذا التوازن لا تكون فعّالة.

مشكلة كبيرة في النظام التعليمي الحالي هي غياب استخدام التأديب والضرب في المكان الصحيح. لماذا لا يجب أن نستخدم التأديب في الأماكن التي يتطلب فيها الأمر؟ لماذا يجب أن نترك أداة التأديب الجراحية هذه والتي يمكن أن تساهم في تصحيح الأخطاء؟! في حال كان التأديب يُستخدم بشكل غير صحيح من بعض الوالدين، فلا ينبغي لنا أن نحرم المجتمع من فائدته. لماذا يجب أن نغفل عن هذا الأداة التي يمكن أن تكون مفيدة في يد الوالدين؟ في بعض الأحيان، عندما لا يستجيب الطفل أو لا يقوم بما يُطلب منه، يلتجئ بعض الوالدين إلى الضرب. لكن السؤال هنا، كم عدد هؤلاء الوالدين؟ وماذا عن نسبة المجتمع الذي يتصرف هكذا؟ هل يجب علينا إلغاء التأديب بالكامل لمجرد أن البعض يستغله بشكل خاطئ؟

في المجتمع الحديث، غالبًا ما يكون الأطفال الذين لم يتعرضوا لأي نوع من العقاب في حالة ضعف، لأنهم لم يواجهوا التحديات أو الصعوبات في حياتهم. وعندما يواجهون مشكلة اجتماعية، يمكن أن ينحرفوا ويخربوا.

فساد تغطية الوجه

تغطية الوجه أو النقاب، مثل استخدام النظارات الشمسية لمن يبحثون عن النظر إلى الآخرين بشكل خفي، تساهم في نشر الفساد. لا يوجد دليل شرعي على وجوب هذا النوع من التغطية أو استحبابه. الإسلام لا يؤيد هذا النوع من التغطية. إذا كان الغرض هو حماية الرجال من النظر إلى النساء، فإن الله لا يفرض على النساء أن يكنّ محجبات بالكامل. الحقيقة أن تغطية الوجه تزيد من تحفيز الشباب للنظر، ويجعلون أنفسهم أكثر شغفًا لمشاهدتها.

المرأة التي ترتدي النقاب وتتميّز عن النساء الأخريات تزيد من إثارة الفضول، وإذا لم يتم تصوير وجهها، فالجسم يمكن أن يُتذكر بسهولة. المشكلة الأخرى تكمن في أن المرأة تحت النقاب قد تصبح أكثر حرية في النظر إلى الرجال. بمعنى آخر، النقاب يجعلها حرة في تصرفاتها، وتكون قادرة على النظر إلى غير المحارم بشكل خفي.

الطلاق كحرية

من المشاكل في المجتمع أن معاني الكلمات الدينية لا تُفهم بشكل صحيح، ويتم تفسيرها بطريقة مبسطة وغامضة. أحد هذه الكلمات هو “الطلاق”. للأسف، الطلاق، الذي يعني الحرية والتحرر، يتم تفسيره على أنه كراهية وصراع. العلاقة بين الزوج والزوجة عندما ينفصلان لا ينبغي أن تتحول إلى عداء. في بدايات الإسلام، لم يكن الأمر هكذا. على سبيل المثال، كان الرجل يقول لزوجته “أنا لا أستطيع العيش معك بشكل جيد، ولكنني أعلم أنني سأكون سعيدًا مع أختك”، فيقوم بتطليق زوجته ويتزوج أختها. هل يوجد مثل هذا السلوك اليوم في المجتمع؟ للأسف، بسبب أن الثقافة الدينية في مجتمعنا غير مدروسة بشكل جيد، أصبح الطلاق يُنظر إليه على أنه شيء مكروه.

أغاني النساء

لقد بحثت في كتاب “فقه الغناء والموسيقى” وفي عمل مستقل عن “غناء النساء”. في هذين الكتابين، قلت أنه لا يوجد دليل شرعي على تحريم غناء النساء بشكل فردي أو جماعي. بعض العلماء الذين يقولون إن صوت المرأة هو عورة ليس لديهم دليل ديني على ذلك، بل هو مجرد رأي شخصي. إذا كان صحيحًا أن صوت المرأة عورة، لكان الله قد جعل صوتها مختفيًا تمامًا.

احترام الزوج

المرأة تعيش على كسب قوت زوجها وتحترم أولادها. كما أن الأقارب يقدرونها من خلال احترامهم لزوجها، لكنها غالبًا ما تكون غافلة عن هذا الأمر.
قلما تجد امرأة تدرك وتفهم أن والدها، ووالدتها، وأختها، وأخيها، وأصدقاؤها وأقاربها، إذا كانوا يتصرفون بلطف معها، فإنما ذلك بسبب وجود زوجها، ومنزل زوجها، وما يضفيه هذا من نورٍ على حياتها. أما إذا توفي زوجها أو انفصل عنها، فإن كل هؤلاء الأشخاص يفقدون قيمتهم في نظرها، ويغيب عنهم النور الذي كان ينعكس عليها من خلاله. هؤلاء الأشخاص يحصلون على قيمتهم بالنسبة لها من خلال وجود الزوج، وعند غيابه يصبحون بلا معنى. يمكن القول بأن جميع شؤون حياة المرأة تعتمد بشكل أساسي على استقرار الحياة الزوجية.

إن نور المرأة ينبثق من وجود زوجها، وغيبته تجعل جميع مفاهيم الحياة بالنسبة لها تتغير بشكل جذري. كما أن شخصية المرأة، ووجودها الأنثوي، يتوقفان على استمرارية هذه العلاقة. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن للمرأة أن تكون وفية باستمرار، حتى وإن كانت تدير شؤون حياتها مؤقتًا وتساعد الرجل في بعض المشاكل.

الاعتياد على الزوج

ذهب بعض تلاميذ أحد العلماء الكبار إلى منزله، ففتحت لهم امرأة الباب، ثم تعاملت معهم بعنف وأهانتهم. رجع التلاميذ، ثم شاهدوا العالم مبتسمًا، وكأنّه كان يعلم ما حدث لهم. وعندما التقى بهم، قالوا له: “كيف يمكن أن يكون هذا خادمك؟ لقد أهانتنا عند الباب”. فأجاب: “هي زوجتي”. فقالوا له: “لماذا لا تطلقها؟” فأجاب: “إذا طلقّتها، فإنّها قد تدمّر مدينة بأكملها، لذلك أتحملها كي لا يضطر رجل آخر لتحملها، وإذا تزوجت برجل آخر، فقد يُظلم هو أيضًا، وأنا أتحمل هذا العبء لأجل أن لا يتعرض رجل آخر لهذا الوضع”. ثم أضاف: “لقد اعتدت عليها، وإذا غابت، أستشعر كأنني فقدت شيئًا. إنّ شدتها في التعامل أصبحت جزءًا من حياتي اليومية، وإذا غابت، لن أستطيع أن أعيش بسلام كما كنت سابقًا”.

الرجولة والمروءة

يُطلق على الرجل “رجل” من يتحمل الصعاب في سبيل الآخرين، خاصة أن يختار الراحة والسكينة لعائلته، ويجعل راحته على حساب نفسه. الرجل الذي يتحمل مشكلاته بنفسه، ويجنب الآخرين همومه، هو من يتمتع بلقب “رجل”. في العرف، يُلبس الرجل الذي يظهر مشاكله للآخرين الملابس البيضاء، وهو الذي يفتقر للقدرة على التحمل. لا ينبغي أن يكشف الرجل عن مشاكله للمرأة، حيث إن ذلك يُقلل من هيبته ومقامه في نظرها. فالمرأة تتوقع من الرجل أن يكون قادرًا على تحمل الصعاب، وإذا رأت عجزه عن ذلك، قد تبتعد عنه، وإذا كانت امرأة صالحة، قد تلجأ إلى والدها أو أخيها، أما إذا كانت غير ذلك، فسرعان ما ستنحرف.

الشكوك غير المبررة في الزوجة

كانت امرأة صادقة، لكن زوجها كان دائم الشك بها وكان يراقبها باستمرار. فقالت له: “إذا كنت تشك فيّ، حاول أن تكتشف إذا كنت سأتخذ سلوكًا سيئًا”. ثم رتبت موعدًا مع رجل آخر وقالت له: “في يومٍ معين، يمكنك دخول الحمام من خلال الجدار، وسأكون هناك”. في ذلك اليوم، كان الزوج في المنزل، وبدأت المرأة بعجن العجين ويدها مغطاة به. دخل الرجل الآخر إلى الحمام، وطلبت المرأة من زوجها مساعدتها في نزع سروالها بسبب العجين على يديها. وعندما نزع الزوج السروال، دخلت المرأة الحمام وظهرت أمام الرجل. ثم قالت لزوجها: “لقد نزعت سروالي بيدك، وكان بإمكانك أن تكون سببًا لارتكاب خطأ أكبر، ولكنك تحملت ذلك”. حينها، أدرك الزوج موقفه وقرر التوقف عن الشك بها.

تعقيد حب المرأة للرجل

في بعض الأحيان، قد تجعل المرأة عدّة رجال مشوشين، فتأخذهم إلى أقصى الحدود ثم تتركهم عطشى. ليس كل رجل يُعتبر محبوبًا من جميع النساء. وفي بعض الأحيان قد تُحب المرأة رجلًا ما، مثلما يحدث مع الرجال. النساء يملكن سمات معقدة، ومن الصعب الحكم عليهن بسهولة.

تقلبات الحياة الزوجية

الكثير من الحياة الزوجية تكون متقلبة، وتتطلب الصبر والجلد للاستمرار. في هذه الأنواع من العلاقات، يسعى كل من الزوج والزوجة إلى إيذاء الآخر، رغم أنهما قد يبدوان راضيين في بعض الجوانب. ومع ذلك، هناك أفراد يتمتعون بنجاح نسبي في علاقاتهم ويشعرون بالرضا عن حياتهم رغم كل التحديات.

محدودية التوقعات من النساء

لا ينبغي أن يكون هناك قسوة أو توقعات مفرطة من النساء. يجب معاملتهن بحذر ورفق، والحفاظ على مظهر قوي ومتماسك في التعامل معهن. رغم أن النساء هن أقرب الناس إلينا، ينبغي أن يُعاملن كأبعد الأشخاص عنّا في بعض الأمور، وهذه الحقيقة يجب أن تكون خفية، ولكن ما يظهر علنًا يجب أن يكون مع مراعاة مصلحة المرأة، مما يحميها من تأثيرات سلبية.

الانحراف التام للثورات

إن تسلط أهل الباطل على أهل الحق في كل ثورة يحدث بعد وفاة المؤسس والقائد الأساسي لها. ومن خلال الرواية الحالية التي يُنسب فيها هذا التسلسل إلى الحق، يمكننا استنباط قاعدة عامة لا استثناء لها، كما قال: “فَسَلَّطَ اللَّـهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كَرْهًا”. هذه قاعدة وقانون من قوانين العالم الطبيعي والناسوت، ولا يمكن التملص منها. (محجوز من كتاب: ولاية مستصعب، ص 77)

ترقيع الحذاء

أود أن أقدم تحليلاً حول ترقيع الحذاء بواسطة أمير المؤمنين عليه السلام من خلال حالته. لقد أنزلني الناسوت إلى هذا الحد بحيث أصبحوا يعادلون قيمتي مع ترقيع الحذاء. عندما كنت أقوم بترقيع حذائي، سألت أحدهم: ما قيمة هذا الحذاء؟ فأجاب قائلاً: لا قيمة له. فقلت: والله، إن الحكومة عندي أقل قيمة من ثمن هذا الحذاء. وعندما يكون الحذاء بلا قيمة، فإن ترقيعاته تكون بلا قيمة أكثر. بهذه الطريقة، أصبح الناسوت يقلل من قيمتي حتى جعلني أشغل نفسي بترقيع الحذاء، مما دفعني إلى هذا العمل الذي لم يكن له قيمة في هذا العالم. الناسوت يسقط الجميع في الأرض، حتى إذا كان صاحب ذو الفقار، فلا يجد عملاً سوى ترقيع الحذاء. لم يقبل الناس حكومتي ولم يكن لديّ تلاميذ ليدونوا كلامي، فلم يبق لي سوى ترقيع الحذاء، الذي لا قيمة له.

التوافق مع أمير المؤمنين

قليل من الناس كان يستطيع التوافق مع أمير المؤمنين عليه السلام والعيش معه بسلام. وكان ذلك بسبب حدة ونقاء وشدة ولايته، حيث كان كل باطل أو شيء مختلط بسرعة يواجهه ويقاومه. (محجوز من: ولاية مستصعب، ص 59)

إجابة طلب الحق تعالى

رغم أن الله تعالى كان يأمر أمير المؤمنين عليه السلام بقطع رؤوس المتمردين، وكان يقول له: “اقتل”، إلا أن الله عزَّ وجلَّ لديه أيضًا حب ورحمة، وهذه الرحمة لم تسمح لأحد أن يُسحق، حتى لو كان ذلك بحق. الناسوت كان يعاقبني في صورةٍ عنيفة، فدفعتني إلى البئر لكي أتعلم الدرس. تلك كانت العقوبة التي اختارها الحق تعالى لي. (محجوز من: ولاية مستصعب، ص 41)

تسجيل النقاط

لم أكتب أبدًا دروس أحد؛ لأن ذهني كان قادرًا على حفظ وتسجيل كل تفاصيل الدرس. ذات يوم، كانت دروس المرحوم آية الله الهي قمشاهي تحتوي على نقاط مهمة، فقلت لنفسي أن أكتبها، لكن هو أمسكني بيدي وقال: لا تكتب، أنا سأكتبها بنفسي، فقط انظر إليّ. (مُحذَف من كتاب: سير سرخ)

رؤية ما وراء الظواهر

كان بجانب منزلنا مسجدٌ كنت أذهب إليه في الليل منذ طفولتي للعبادة. بالطبع، لم أكن أبحث عن شيء معين – لا علمًا ولا دنيا ولا شيء آخر – بل كان الله تعالى هو الذي ألهاني بهذه الأمور منذ طفولتي، وأتاح لي الطريق والأدوات اللازمة.

عندما كنت صغيرًا، كنت أخجل من العبادة في المنزل، وعندما كنت أذهب إلى المسجد، لم يكن لديّ مثل هذه المشاعر. كنت آخذ مفتاح المسجد لأداء صلاة المغرب والعشاء، وبعد الصلاة كان عليّ أن أضع المفتاح عند بقال يدعى عيّار عبدالله، وكان من أهل المسجد. كان شخصًا جيدًا ومؤمنًا، ولكنني كنت أخبئ المفتاح في جيبي وأذهب إلى المسجد في الليل وأبيت هناك. كان المسجد في ذلك الوقت خاليًا من الكهرباء، وكان نوره يأتي من مصابيح الزيت. الليل في المسجد كان مظلمًا. لأنني نشأت في الظلام وكتمانه، فقد تعلمت العيش في الظلام، وأستطيع الآن إنجاز مهامي في الظلام بسرعة، حتى دون استخدام عينيّ. كنت حريصًا على أن لا يُسمع أي صوت من المسجد، حيث كان أهل المنطقة يلاحظون ذلك. كنت أؤدي وضوئي وأقوم بكل شيء في المسجد، ثم أغلق الباب وأعود إلى البيت دون أن يلاحظ أحد، حتى والديّ لم يكونا يعرفان ماذا كنت أفعل.

نمو بطاقة الهوية

عندما كنت صغيرًا، كنت أفكر في كيفية نمو بطاقات الهوية عامًا بعد عام، وكيف تعكس العمر والسنة.

الموسيقى وضعف الإرادة

من العوامل التي تضعف الإرادة الإفراط في الاستماع إلى الغناء والموسيقى. المجتمع الذي يستخدم الموسيقى بشكل مفرط يعرض عفته للخطر، ومن الصعب على أفراده أن يحافظوا على أنفسهم أمام الشهوات.

الموسيقى تثير النفس وتمنحها لذة، لكنها لا تتناسب مع القلب والفكر. في مسائل نفسية معينة، يمكن استخدام الموسيقى كعلاج، حيث يمكن أن تساعد في تهدئة أولئك الذين يعانون من الاضطرابات النفسية. لكن من المهم أن نعلم أن الإفراط في الموسيقى يمكن أن يؤدي إلى ضعف الإرادة، مما يجعل الشخص عاجزًا عن التحكم في نفسه.

الفرق بين العلم والمعرفة الإنسانية والإدراك الحيواني

يجب عدم الخلط بين العلم والمعرفة. العلوم التي تتناول وصف الأشياء ليست من نوع المعرفة التي تعنى بفهم جوهر الأشياء وحقيقتها. المعرفة يمكن أن تكون ثابتة أو متغيرة، بينما العلم يتعلق بوصف الأمور الملموسة. الإنسان قد يدرك جوعه، ولكن هذا إدراك حسي وليس معرفيًا، تمامًا كما يدرك الحيوان جوعه. الفرق بين الإنسان والحيوان هو أن الإنسان يدرك معرفته عن نفسه، بينما لا يدرك الحيوان معرفته.

الحركات المنسقة في الصلاة

الصلاة هي نوع من الحركات المنسقة والمضبوطة. صلاة الجماعة هي المثال الأمثل على هذه الحركات التي تتم بهدوء ولا تتسم بالسرعة. العديد من الرياضات أيضًا تحتوي على حركات منسقة، فهل تصبح الصلاة أو الرياضة محظورة لمجرد أن فيها حركات منسقة؟ وهل الرقص في حد ذاته ممنوع، حتى لو لم يكن مرتبطًا بحرام؟

الشهادة بالسم القاتل

لقد تناول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام السم القاتل تحت ضغط وتهديد المأمون، لأن المأمون كان سيفعله بمهانة، ولكن بذلك الاحترام نال الشهادة.

الحكومة الدينية

الدين له حكومته الخاصة بمحتوى حصري. النبوة والرسالة تتضمن حكمًا، لكن حكم الأنبياء الإلهيين يختلف عن حكم الملوك، لأن الأنبياء يحملون رسالة وهداية إلهية وليست قوة سياسية. ومع ذلك، فإنهم يستطيعون أن يكونوا حكامًا، لكن الحكم ليس غاية بالنسبة لهم، بل وسيلة لهداية الناس وتوجيههم. كما أن العلماء والفقهاء يجب أن يحترموا حكمة الدين، وليس أن يتم تحريفها لخدمة الأهداف الشخصية.

المرونة كالماء

لم يكن للأئمة المعصومين عليهم السلام قوة اجتماعية أو شعبية. كانت أساليب حياتهم الاجتماعية متوازنة ومرنة، كما هو الحال مع الماء الذي يتدفق برفق عند مواجهته للعقبات. لو كانوا قد تصرفوا كالحجارة أو الصخور الصلبة والخشنة، لكان أعداؤهم قد كسروا حركتهم وأدى ذلك إلى انقراض الإمامة. وقد تجلى ذلك في أعمالهم الثقافية والعلمية، حيث كان أسلوبهم في التعامل مع الأعداء يتمثل في الليونة والمرونة.

لم يكن الأئمة عليهم السلام أهلًا للقتال والصراع العنيف أو الثورات الكبيرة. فعلى الرغم من سعيهم نحو إقامة حكم ديني، إلا أن استجابة غالبية الناس لم تكن كافية لدعم هذا المسعى، مما أدى إلى عدم نجاحهم في تأسيس الحكومة الدينية.

كُرامات الأولياء الإلهيين

ذات يوم، كنت جالسًا في صحن مرقد الإمام الرضا عليه السلام مع مجموعة من الأشخاص. فجأة، حدث ازدحام وقالوا إن هناك كرامة قد حدثت، وأن شخصًا قد شفي من مرضه. قام العديد من الناس بالقيام، لكنني بقيت في مكاني. سألني بعض الحاضرين: “هل حدثت كرامة؟” فقلت لهم: “أنا لا أقبل الكلام بسهولة هكذا. من ناحية إثبات الواقع، فإن معجزات وكرامات الأولياء الإلهيين صحيحة، وكل من لا يقبلها أو يشك فيها فهو إنسان فاسد الطبع، وبحسب تعبيرنا هو زنديق. ولكن في مجال إثبات الأحداث والواقع، كثيرًا ما تحدث أمور قد تكون صحيحة أو قد تكون مجرد تمثيليات. من الناحية الثبوتية، أؤمن بأن الأولياء الإلهيين يمتلكون الولاية والقوة، حتى أنهم يحيون الموتى. لكن في المصاديق الخارجية، ليس من واجبي أن أصدق أو أتحقق من الأمر. في الواقع، قد يكون الحادث صحيحًا أو قد يكون كذبًا. أنا لست مهتمًا بالتحقيق في صحة هذا الأمر، ليس لدي الوقت لذلك.”

أصالة الإباحة

الإسلام في مجالات الحكم والسياسة، الاقتصاد، الإدارة، علم الاجتماع، وغير ذلك من المواضيع، لا يمكن القول إنه يمتلك رؤية حد أدنى أو حد أقصى. الأحكام الدينية تتفاوت بين الحد الأدنى والحد الأقصى وتحتاج إلى اجتهاد واكتشاف حسب الموضوع. لا يمكن إنشاء تشريعات جديدة بناءً على التفسير الضيق للقوانين البشرية.

في التعامل مع الأمور، الأصل في كل شيء هو الإباحة والبراءة، وليس الحظر أو الاحتياط. لذا، في مقام العلم والوعي، يجب أن نعرف الأحكام الدينية على أساس الأدلة والحقائق، وليس لمجرد الشكل أو الكمية. حيثما أتى الحكم الشرعي في الإسلام، يجب اتباعه، وإذا لم يوجد حكم في الشريعة، فيتم العمل بناءً على العرف والعقل والحقائق العلمية بما لا يتعارض مع الدين.

المشروبات المباحة

ابن سينا كان يستخدم عصائر الفواكه والمشروبات الصحية في ممارسته الطبية بشكل كبير. كان بعض الأشخاص الجاهلين يعتقدون أن هذه المشروبات هي خمر، ويشهرون في وجهه تهمًا زائفة. من المعروف أن من يسعى لاستخدام عقله بشكل فعّال لا يمكنه إشباع معدته بالطعام الثقيل مثل الخبز واليخنة، لأن هذا سيؤدي إلى تعب شديد في الجهاز الهضمي مما يؤثر سلبًا على قدرة العقل على العمل. الطعام الثقيل يعطل النشاط العقلي بشكل كبير، ولهذا السبب كان يفضل الأطعمة التي تسهم في تعزيز القدرة الذهنية.

القائد الحكيم، القدسي، والحر

الفرق بين الحكومة الإلهية والحكومات الشعبية يكمن في أن الحكومة الشعبية ليست مستندة إلى أساس حقيقي أو أمر موضوعي، بل هي اعتبارية. أما الحكومة الإلهية، فهي قائمة على أصل كوني من أعلى إلى أسفل، وهي حكمة وتنظيم فاضل يفوق غيره.

للأسف، تعرضت فكرة الحكومة الإلهية للتشويه نتيجة الحكومات التي ادعت الدين وهي في الواقع كانت مجرد دكتاتوريات استبدادية، ما أدى إلى تدمير الصورة الحقيقية لهذا النظام. موضوع الحكومة الدينية في سياق هذه الفوضى لا يمكن تحليله أو توضيحه بشكل دقيق.

الدين يحدد شروطًا خاصة لحاكمه لكي لا ينزلق إلى الاستبداد والديكتاتورية. إذا توفرت هذه الشروط في الحاكم، يمكن للحكومة الدينية أن تكون بعيدة عن الاستبداد، ولكن إذا لم يتم التزام بها، فإنها تتحول إلى ديكتاتورية.

من بين الشروط الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الحاكم هي أن مستوى معرفته يجب أن يتناسب مع مستوى وعي المجتمع. لا يمكن للحاكم أن يكون أقل علمًا من شعبه، لأن ذلك يؤدي إلى خلل في توازن القيادة. الحاكم يجب أن يكون عالمًا حكيمًا يملك المعرفة الكافية لقيادة الناس بشكل عادل.

الخاتمة

إن فكرة الحكومة الدينية تتطلب زعيمًا يحمل العلم والمعرفة، ولا يمكن لأي شخص عادي أن يكون في هذا المجال بدون القدرة على تفعيل تلك القوى والقدرات الروحية. فقط القائد الذي يرتبط بمصدر القوى الكونية من خلال علمه وقدسيته يمكنه أن يقود الأمة بشكل صحيح ويحقق العدالة.

القبول العقلي

في علم النفس، كل من الفرد والمجتمع يمتلكان ذاكرة وعقلًا. في يومٍ ما كنت ضيفًا في منزل، وكان صاحب المنزل يربي كلبًا ألمانيًا في الحديقة. قمت ببلّ يدي بمناديل ورقية مبللة وألقيتها أمام الكلب، فقام الكلب بأكلها. ذاكرته تقبلها لأنها كانت رطبة ولذيذة. يشير هذا إلى أن القبول العام أو الفردي لشيء ما يحتاج إلى اللين واللطف. تعمل الأجهزة الإعلامية على الترويج لشيء ما وتدخل ذلك في الذاكرة، وتقبله الذاكرة إذا كان لذيذًا وملائمًا. وإذا رآه في مكان آخر، سيقوم باختياره. إذا كانت الدعوة إلى الدين جافة وغير لطيفة وغير قابلة للتقبل، فإن العقل والذاكرة لا يقبلانها فحسب، بل قد ينفران منها أو حتى يعارضانها. بدون قبول العقل والذاكرة والفكر، لا يستطيع أي كائن حي اتخاذ أي خطوة أو اختيار. حتى النباتات تحتوي على مثل هذا الجهاز. الدين بطبيعته أمر حيّ وروحي، ولكن مدّعي فهم الدين ومعرفته، وكذلك اجتهاد الفقهاء خلال فترات طويلة من التاريخ، قد آلوا به إلى الجهل والسوء، وأبعدوا المجتمع عن الدين. لقد فسد الدين في أيديهم وأدى إلى الانحراف والضيق والتسلط. وكان هذا هو السبب في أن العقلية المجتمعية، التي كانت في الماضي تميل إلى البساطة، قد ابتعدت عن الدين الذي هو علم ووعي ومتقدم، وأصبح الدين مظلمًا وصعب الفهم. لا يمكن القول أن هناك من كان يفهم الدين بشكل صحيح في تلك الفترة، خاصة أن الدين أصبح في أيدي أبناء الجبهة والحرب، الذين عادوا من الجبهات يحملون أدوات الحروب وعواطف سطحية ومظاهر دينية محضة، فحالوا دون تقديم علماء الدين الحقيقيين دينًا نقيًا وصحيحًا، وجعلوا الأمر يقتصر على هدمه.

حجية الفتوى

من الممكن أن يكون للمجتهد فتوى تختلف عن فتاوى مجتهدين آخرين، ولكن لا تتعارض مع الإسلام أو تخالفه. في الفتوى الدينية، لا يمكن لأي مجتهد أن يفرض رأيه على مجتهد آخر، ولا يشترط أن يتفق رأي المجتهد مع رأي المشهورين أو فتاوى الآخرين. لا يمكن اعتبار فتوى من الماضي، التي قد تحمل سابقة زمنية، أعلى من غيرها، فكل الفتاوى من حيث الحجية الظاهرة لها نفس القيمة. كل مجتهد يستند إلى دليل في رأيه. خاصة إذا كان الموضوع جديدًا ولم يتم التوضيح فيه بشكل صريح في الإسلام، ويحتاج إلى استخراج واستنباط دقيق، فإن فتوى المجتهد الذي بذل أقصى جهده في هذا الموضوع لا تعتبر مخالفة للإسلام، مادامت تتوافق مع منهج الاجتهاد والبحث الدقيق في الإسلام.

ضرورة التدريس للمفكرين

من المشاكل التي تعاني منها الحوزات العلمية أن بعض الأشخاص الذين يدّعون التفكير والنظرية لم يحصلوا على فرصة للتدريس، وبالتالي لم يكتسبوا المهارة والنظام الكافي لتطوير أفكارهم. التدريس يعطي النظام والانسجام للنظرية، ويساعد على تنميتها وتحقيق الدقة والنمو.

الحكومة النسابوتية

في عالم النسابوت، ترتكز الحكومة على القوة الظاهرة في مرحلة الإثبات. فكل من يكتسب القوة في هذا المجال، فسيقوم بتأسيس حكومته بالطبع، ويحول مرحلة ثبوت القوة إلى تصورات فكرية خاصة به. هذه القاعدة في عالم النسابوت لا تحتاج إلى دليل لإثبات مشروعية القوة. وكذلك، الحكومة الدينية ليست استثناء من هذه القاعدة؛ فإذا وصل المؤمن إلى السلطة، فسيقوم بإقامة الدين بقدر استطاعته وبما يوافق فكره وعقيدته، وبالطريقة التي تتناسب مع الشروط التي وضعها الإسلام لثبوت السلطة. إذا كان هناك قبول عام لهذه الحكومة من قبل المجتمع، فستتمكن من الاستمرار وتحقيق الولاية الدينية.

الفقه السطحي ومشقة التكليف

الفقه الظاهري غالبًا ما يرتكز على التكليف والمشقة، لكن دين الإسلام ليس فقهًا جافًا. إن دين الإسلام يدور حول الوعي والتفقه والتقدير الواقعي للاقتصاد والمعيشة، كما هو موضح في شكل وصفي، وليس في شكل تقليدي أو فرضي. الإلزام بالقوة والإجبار لا يتماشى مع الدين الإسلامي، فالكل سيحاسب على أعماله أمام الله. على الرغم من ذلك، لا يمكن لأي شخص أن يكون غير مبالٍ تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، ولا يجوز له تخريبه أو تجاهل التزاماته الاجتماعية. إن الحقوق والواجبات تنبع من المعرفة والوعي، فكلما كان الوعي عميقًا، كانت الحقوق والواجبات مبنية على فهم حقيقي وشامل. وغياب المعرفة يؤدي إلى الظلم، وحينما يعم الظلم في المجتمع، فإنه يؤدي إلى الفناء والهلاك.

انتساب المشاكل إلى مدّعي فهم الدين

الفقه الظاهري يهتم بالشكل والظاهر أكثر من المضمون والمعنى، مما يؤدي إلى فقدان محتوى الدين. هذا النقص يؤدي إلى فهم خاطئ للدين ويحول الدين إلى مستنقع من الأخطاء. إن الفقه الظاهري لا يستطيع التفاعل بشكل صحيح مع السياسة أو التواصل الفعال مع الآخرين، بل قد يعاني صاحبه من العزلة عن المجتمع. كما أن مدّعي هذا الفقه قد يكونون مصابين بمشاكل أخلاقية مثل الحسد والتكبر. إن هذا النوع من الفقه قد يقود إلى تدمير الدين، ويجعل العديد من جوانب الدين تبتعد عن الناس. هذا التفريق بين الدين والسياسة في الفقه يؤدي إلى نتائج سلبية.

التأكيد على مفهوم العلم والتخصص

إذا تم تأسيس قاعدة معلوماتية شاملة وموحدة، فسيتم تصنيف المجالات العلمية من المعلومات والمعرفة. من يمتلك المعرفة قد يخطئ، بينما من يمتلك العلم الحقيقي والتخصص يتسم دقته في اتخاذ القرارات والتوجيهات. إن الاعتماد على المعلومات فقط يمكن أن يؤدي إلى محادثات غير مترابطة وغير منطقية، بينما العلم الفعلي ينطوي على استنتاجات دقيقة ومبنية على الفهم العميق.

إثبات الحدود الإلهية

الحدود الإلهية مثل حد الزنا واللواط هي حقوق إلهية ولا تتعارض مع حقوق الإنسان المعاصرة ولا مع العقل البشري. لكن تنفيذ هذه الحدود يحتاج إلى التحقق من جميع الشروط اللازمة بعناية، وهو أمر صعب ونادر. الإسلام قد شرع هذه الحدود، ولكن الهدف منها ليس بالضرورة تطبيقها بشكل قسري، بل هي بمثابة وسيلة للضغط والتوجيه، حتى لا يتم تطبيقها إلا في حالات خاصة وضرورية.

الوراثة والكمال

على مرّ التاريخ، كان الحكم يُنتقل بطريقة وراثية من شخص إلى آخر. كان الملوك يورثون السلطة لأبنائهم وأقاربهم. وكان معيار هذا النوع من الملك والسلطة هو الامتياز الوراثي فقط، دون النظر إلى الصفات الشخصية أو الكمالات. في بعض الفترات، كان بعض الأشخاص يصلون إلى الملك في مرحلة جنينية، وكان الوصي عليهم يدير شؤونهم حتى بلوغهم ورشدهم. الحكم الوراثي يُعدُّ أسوأ أنواع الحكم، إذ يُعتبر من جوهر الاستبداد والديكتاتورية، حيث لا يُنظر في هذا النوع من الحكم إلى أيّ كمال أو امتياز سوى النسب الدموي، وكان الناس يُجبرون على قبول هذا الملك. لكن، في المقابل، كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يوصي بتقدير السادة، لا يعتمد على الوراثة المجردة، بل على القبول والكمال والمحبة التي يحملها المسلمون تجاهه، ويرون في السادة استحقاقًا بناءً على كمالاتهم وحقهم المرتبط بتلك النبوة. من لا يُحسن الولاية المعنوية والتقوى والقوة الروحية والعصمة، ويملك الرفق والرحمة نحو الناس من عند الله، من الغريب أن يُقال إنه غير مؤهل للحكم، فالقوة الظاهرة في هذا المقام لا توازي القوة الباطنية. سبب حكمه ليس التوكيل أو الوكالة، بل هو العلم المستمد من الله والعمل القوي والمخلص ضمن إطار الولاية المعنوية. أما في مقام الإثبات، فالشخص الذي يملك السلطة، بغض النظر عن ماهيتها، هو الحاكم. وبناءً على ذلك، فإن الديمقراطية وانتقال السلطة من الناس إلى الناس يُعتبر أقرب للصواب والخير للناس، مقارنة بالأنظمة الأخرى، خصوصًا تلك التي تابعة للأديان، والتي تؤدي في الواقع إلى الاستبداد والظلم تحت ستار ديني.

نسبية الحرية

النسبية سارية في كل أرجاء العالم المادي. في هذا العالم، لا توجد حرية مطلقة. في الإسلام، الله تعالى هو المالك الحقيقي للإنسان، ولذلك هو يتدخل حتى في شؤون الإنسان الشخصية والفردية، ولا يتركه تمامًا في اختياراته. الحرية في هذا العالم نسبية، إذ إن القيود والقواعد والضوابط والعادات والقوانين البشرية، بالإضافة إلى الأهواء والطموحات والنزعات الذاتية أو المتنازعة، وكذلك القوى الحاكمة، والطبيعة نفسها مع عدلها، جميعها تحد من الحرية، بل يمكن أن تُحجمها تحت مظلة العدالة. كما أن الحرية يجب ألا تتعدى على حقوق الآخرين، ولذا فإنها محدودة بقيود عدم التجاوز على الآخر. حتى في الجنة، التي هي أقرب إلى الحرية الكاملة، لا توجد حرية مطلقة، فقد ذكر الله تعالى في قوله: “وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ” [الجن: 164]. في الجنة، لا ينظر أحد إلى الآخر بإيذاء أو تجاوز، لأن الجميع يشعرون بالاكتفاء التام.

الحرية هي حركة نحو التحرر بشكل متناسب ومتناسق وطبيعي تدريجيًا من هذه القيود، وتتطلب جهدًا ونضالًا في إطار القوانين الطبيعية. ذلك لتجنب الصدامات غير القابلة للحد أو التآكل والفساد. الحرية هي الخروج من القيود ضمن سياق مناسب واحتفاظ بالتماسك والاتساق في مختلف الأمور. الإسلام أيضًا يقدم أحكامًا ملزمة للحفاظ على التوازن وعدم خروج الإنسان عن الإطار المناسب له. العقلاء والعرف الاجتماعي أيضًا يُطالبون بحفظ التناسب وعدم منح حرية مطلقة، حيث الحرية يجب أن تكون مشتركة، نسبية، وتعتمد على المعايير التي تضمن الاستقرار والعدالة.

الحرية هي حق لجميع الكائنات، ولكنها ليست كرامة الإنسان نفسها. الإنسان في هذا العالم المادي يمتلك حرية نسبية وفقًا لظروفه وإمكاناته وموقعه، حيث يستطيع أن يعبر عن آرائه وأفكاره، ويشعر بالأمان. إعاقة الحرية الطبيعية وخلق عوائق غير مبررة في مسار التطور الطبيعي لأي كائن يُعد ظلمًا وانتهاكًا لحقوق الآخرين. إذن، الحرية تعني القدرة على الخروج التدريجي ضمن سياق مناسب لتطوير الإمكانيات والطموحات دون وجود موانع غير طبيعية في هذا المسار المشروع والطبيعي.

العبودیه

ورد في نهج البلاغة: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا»[29]. هذه الرواية تتحدث عن عبودية غير الله، أما الله فلا عبد له، وهو الوجود والذات الحقيقية لهذا الظهور. كما أن ولاية أولياء الله تعالى هي ولاية تسخيرية وتولي من أجل التصرف، وليست ملكية حقيقية فهي لله وحده السبب والوارث.

الأمر والنهي من قبل من يحكم بإذن الله وله ولاية إلهية ليس عبودية للآخرين ولا تكبرًا، بل في المجتمع الولائي تتطلب مثل هذه الطاعة ملازمة للعبودية لله تعالى. إذا كانت الحكومة إلهية، فإن ما يأمر به الحاكم هو من جهة ألوهيته، والطاعة للحكومة الدينية السليمة هي عبودية الله، وليست عبودية لغير الله أو لهوى النفس والظلم والاستكبار والطغيان. الناس في الحكومة الدينية عبيد لله الذي قال: «أوامر ونواهي الحاكم صاحب الشروط مطاع ومن باب طاعة الله». ولا ينبغي للحاكم الإلهي أن يتوهم أنه جعل الناس عبيده ويتكبر، لأن حكمه هو بحكم الله، وفي الحكومة الدينية لا ينبغي أن يخرج شيء عن حكم الله.

اخْسَئُوا فِيهَا

في القرآن الكريم جاء:

{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[30]

يقولون:

«ربنا، قد غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين. ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فنحن ظالمون». فيقول الله: «اخسئوا فيها ولا تكلمون».

تعبير (اخسئوا فيها) يُفهم عرفيًا على أنه «اذهبوا واغربوا» أو «اصمتوا». لأن حتى في جهنم ترتفع الشعور والإدراك بحيث يدرك فيها المذنبون أنهم مخطئون، ويعلمون أن الله لم يقصر بحقهم، ولم يكن لهم عذر في ارتكاب الذنوب. لقد اكتملت عليهم الحجة.

التجاوز والأذى

التجاوز والأذى ليسا مترادفين بالضرورة، فقد يكون شيء ما تجاوزًا دون أن يكون أذىً.

الشعور والإدراك

قد يكون هناك شعور وعاطفة دون إدراك أو معرفة. فقد يكون شخص يعاني من السادية وإيذاء الآخرين يشعر بعاطفة تجاه قطة أو زهرة، لكنه لا يعرف حقيقة وجود تلك الزهرة أو جوهرها، بل يعبر عن شعوره فقط. أما الذي يمتلك المعرفة فإنه لا يفرق بين الظواهر، فكل الناس وكل الحالات سواء كانت محبة أو بغضًا، ارتفاعًا أو هبوطًا، هي عنده متساوية.

الحياة والحركة الوجودية

السكون لا وجود له في الوجود أو ظواهره، فالوجود وتظاهراته مرتبطان بالحركة الوجودية: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[31]. حيثما توجد حركة، توجد حياة ووعي وسجود وعبادة وحرية. لا يوجد شيء غير حي. الحياة موجودة بقدر وجود الظهور، والعدم أو الموت مفاهيم عرفية وليست فلسفية، والموت العرفي هو مرتبة من مراتب الحياة.

نقاش الحرية

الحرية تحتاج إلى الأمن، فالأمن هو مضمون وموضوع الحرية. الذي يقول «أنا حر» يعني أن لديه أمانًا ولا يمنع أو يحد من حقوقه أحد. الباحث النظري يحتاج إلى الحرية والأمن لطرح أفكاره. إذا قيد الباحث في مجال مغلق بين الأرض والسماء، فإن كلامه يكون مضطربًا ومعلقًا. العلم والمعرفة يحتاجان إلى الحرية والاستقرار والأمن. الحرية تتحدد حسب المنطقة، وكل منطقة تعرف حريتها وفقًا لبيئتها. في بعض المجالات، لا توجد حرية تتيح الاجتهاد العلمي أو التعبير عن فقه الله بحرية. في كتاب «عهود خروشان» قلنا إن الأقوياء في المعرفة ورجال العلم هنا محاصرون من قوى متعددة الرؤوس والمافيا. إذا كانت المجتمع حرًا، يصبح متعدد الأصوات، والموافقون والمعارضون يتجادلون في ساحة النقاش، وفي الميدان العملي ينتصر التوافق والتخصص، وهذه الخلافات الفكرية المنظمة ليست حربًا بل جهود لفهم صحيح والتمتع بالحرية والشعور بالأمن الكامل.

الوطن والشعب والدين

في شعار «الوطن، الشعب، الدين» تقدم المنطقة الجغرافية للوطن على الناس والدين. لا يستطيع الوطن أن يحد الدين لكنه قد يعددّه. الجغرافيا تؤثر في الأخلاق والدين والبناء التربوي. لو أسلمت روسيا، سيكون إسلامها مختلفًا عن إسلام فرنسا، ولو أسلمت الأخيرة أيضًا، وإلا يتحول الأمر إلى استبداد ديني. التوحيد حتى في الدين والمذهب غير ممكن، ولا يمكن جعل الجميع واحدًا ومتساويًا. هذا الشعار يمثل أسمى هياكل الحرية فلسفيًا وعلميًا وقابلًا للتطبيق في كل مناطق الأرض. في هذا الشعار لم يُستخدم مصطلح «الجمهورية» الذي يقتضي تجمعًا بشريًا على هدف معين وقد يفضي إلى الاستبداد، بل يتحدث عن الشعب الحقيقي الذي يشمل المسلمين والكفار وكل من يحمل وثيقة وطنية. الوطن والشعب هو الإطار لاستقرار الدين، وليس الدين بدون وطن وشعب فعال. هذا الشعار صالح لكل البلدان والأديان.

المساواة في الزواج

الاختلاف الطبقي والعبودية بين الطبقات في كل شكل مرفوض في الإسلام، وهو ملغي إلى الأبد. العبودية قبيحة بسبب الاستعباد وليس طبيعية أو فطرية، وقبحها نسبي وليس مطلقًا. صحيح أن طبيعة الأفراد تختلف، ولكن هذا لا يعني حقوقًا مختلفة ومتنوعة، فلكل واحد حسب قدراته واجتهاده. لكن التفاوت الطبقي الناتج عن الظلم غير مقبول. في الماضي، كان بعض النبلاء لا يتزوجون من الفقراء لأنهم ليسوا في مستوى كفء، وكانت البنات الفقيرات في خدمة النبلاء. التفاوت الطبقي مستمر بأشكال مختلفة. في العهد السابق، كان الضباط يأخذون الجنود خدمًا، كما حدث مع أحدهم الذي كان يخدم ابنة ضابط متكبرة. الزواج ذو التفاوت الطبقي يقمع الرغبة الجنسية ويجعل الأسرة غير متساوية، مكونًا طبقات من المتكبرين والمستعبدين. اليوم، النبلاء يظهرون في الحياة الفاخرة. لا يمكن للناس أن لا يتغيروا مع تغير الظروف إلا من كان ذو خلق وكمال. المجتمع يتغير بالوعي والإرادة ويمكنه التحرر من العبودية والاستغلال والتحقير.

مزاج الجنوب والشمال

مزاج سكان الجنوب يختلف عن الشمال حسب المنطقة والبيئة. الجنوب الإيراني منطقة حارة وجافة، والشمال رطب. سكان الجنوب بسبب البيئة الجافة والحرارة والماء الذي يستهلكونه أكثر صلابة ومتانة، ويشيخون ببطء، بينما الشماليون أكثر نعومة وجمالًا لكن جمالهم لا يدوم ويشيخون أسرع.

العقول الزمنية

الإنسان والعقول زمنية، أما الأئمة المعصومون، فرغم كونهم فوق الزمن، فقد تحدثوا بقدر عقول وفهم وأوضاع زمنية معينة، وحسب فهم الناس وعاداتهم وقوانينهم في ذلك الوقت. هذا يحد من بعض الأحكام الدينية. مكافحة الخمر والعبودية في الجزيرة العربية من هذه الأمثلة. الاجتهاد العلمي يتيح التعامل مع مثل هذه القضايا وفق العقل المقدس، ويستنبط الشريعة متناسبة مع الزمان الحاضر. الاجتهاد الشيعي هو الحل. المجتهد لا يعتمد على ظاهر كل نص أو سند فقط، بل يعمل بما يقصده الشارع من خلال منهج منهجي. الظواهر الدينية تتضح في الاجتهاد فقط. الأئمة والوحي فوق الزمن، لكن الكلام والنص ظاهران زمنيان. الفقه والاجتهاد مسؤولان عن هذه القضايا، خاصة أن الأحكام الدينية تعتمد على العقل والفلسفة ومتوافقة مع قواعد الوجود والطبيعة، والتي يمكن كشفها بالعلم والتجربة. كثير من الأحكام ليست تعبدية بحتة بل إرشادية، خاصة في إدارة المجتمع. النظر الشعبي والعقل موافق لها، وإذا خالفتها الشريعة أو رفضتها صراحة أو في سياسة طويلة الأمد، يتم التعامل معها وفق مصلحة الأمة. العقل محدود، ولا يدرك بعض الأحكام بسبب نقص العلم والتقنية. التغيير في الموضوعات بيد البشر، فمثلاً ما يمنع السجود عليه في مكان قد يجوز في آخر. هذا تغيير في الموضوع، لا في الحكم الشرعي الذي هو أبدي.

ChatGPT said:

البنود الحمراء للحرب

في الحرب والدفاع، يُزال كل ما يؤدي إلى نقطة ضعف، ولا توجد خطوط حمراء للدفاع عن الوجود والكيان تتناسب مع طبيعة وبيئة الدولة المعادية تضمن البقاء وتحديد مصير الحرب، وإلا فلن يتردد العدو في تدميرك إذا تفوق في ذلك. من أجل البقاء يجب اتباع استراتيجيات وتكتيكات مختلفة ومناسبة، والقبول بوحشية الحرب، لأن كل كائن حي يحتاج إلى البقاء ويكافح للبقاء على قيد الحياة في هذا العالم، وفي الصراع الدنيوي، لا يمكن البقاء دون ارتكاب حرب لا بد منها، حتى وإن كانت قبيحة. في الحرب، كما في مجالات دنيوية أخرى، القيم والمعايير نسبية، ولا وجود لقيمة أو خلل مطلق. لذلك، ليس كل ما هو قبيح محرم. جواز اغتيال قادة الكفر أو قتل المؤمنين في دروع بشرية يستخدمها العدو كوسيلة دفاع، هو مثال على دفاع قوي في حالة الضرورة، فما بالك بتدمير الدولة المعادية بكل الوسائل الممكنة التي لا تأخذ في الحسبان أي قيمة، حيث يمكن خرق كل القيم. في العالم الدنيوي، لا توجد مصيبة أعظم من الوقوع في حرب ظالمة. كل المصائب تنبع من الحرب، ولكن إذا حدثت الحرب، فإن العقلاء جميعاً يتفقون على ضرورة الدفاع عن النفس، وإلا ستقود الحرب إلى الدمار الكامل. مثال على الدفاع المشروع في الحرب هو تطهير الطريق باستخدام من يسيرون على الألغام.

أما لماذا لم يقم الإمام مسلم بقتل عبيدالله في بيت هاني، فلا توجد معلومات دقيقة عن خصوصيات وتفاصيل تلك الواقعة لمعرفة سبب عدم استصدار حكم القتل من قبله، ولعله رأى أن قتل عبيدالله لم يكن يحقق هدف إحياء الدين وهدف سيد الشهداء ورؤية الكمال الإسلامي والمذهب العلمي المعرفي للشيعة.

( )

النسبية في نظام الاجتهاد الشيعي

الإسلام ليس مجرد منظومة فلسفية، بل هو نظام ومذهب معرفي قائم على الحقيقة. والتبيين في الإسلام يجب أن يكون معرفياً وليس فلسفياً جافاً أو مجرد مفاهيم. الإسلام يقبل الحقائق الخارجية ويُكرم التناسبات الحقيقية بمقاييس الشرف والكمال، ويُحارب الحقائق الزائفة مثل الظلم. المعرفة الحقيقية هي الوعي بالحقائق حسب هويتها وجوهرها، وإذا كان الإدراك سليماً وذا دلالة ذهنية موضوعية فهو علم، وإلا فهو جهل أو ظن أو اعتقاد خاطئ. المعرفة هي في ذات الفاعل المعرفي الملكوتي المقدس، والحقيقة في الخارج، والعلم والجهل في الذهن وليس في الذات. المعرفة صحيحة إذا توحد عالم النفس مع العالم الخارجي، والعلم صحيح إذا عبر الذهن عن واقع خارجي. الحقيقة الخارجية وحق الوجود والحقائق كلها لها مراتب، والمعرفة الذاتية والعلم الذهني لهما درجات نسبية حسب قرب النفس إلى الله أو قوة الحكمة وضعفها، ويجب ألا تختلط المعرفة الخالصة كالوحي مع العلم الملوث بالجهل والخطأ. المطلق غير مدرك، إلا في مرتبة بلا اسم أو تحديد لا يُوجد إلا في حالات نادرة جداً. لذلك، لا ينبغي خلط المعرفة والحقيقة والعلم والمعلوم.

الوجود في كماله يحمل كمالات ذاتية وخير مطلق، لكن في العالم الدنيوي المعرفة نسبية، ولا توجد معرفة مطلقة، والحسن والقبح ليسا ذاتيين، والمصالح والمفاسد نسبية. الإنسان لا يستطيع أن يقدس الدنيوية، والدنيا دائماً خطأ نسبي. لا يمكن إيجاد حق خالص بلا اختلاطه بالباطل، وإن اختلفت درجات الخطأ. كل الظواهر لها مكانة وجودية وفق كمالها وعلمها، وكلما كان الوجود والتجلي أقوى زاد كمال العبادة والتسبيح. لكل درجة من الحقيقة صفة ومعيار، ولكل مرتبة من المعرفة أيضاً، والانتقال بين المراتب يصاحبه تغيير في الأحكام الفقهية. مثال: الإنسان في السفر يُباح له قصر الصلاة، والمرأة في الحيض يجب أن تترك الصلاة وإلا تكون معصية. هذه نسبية في الأحكام، حتى الصدق والكذب نسبيان. الدين والوحي والعلماء والعقلاء يحاولون التعبير عن الحقائق، لكن في كثير من الأحيان لا يستطيعون إبراز دقتها الكاملة، لأن عالم الدنيا عالم نسبية وصراع، ولا يملك أحد فهماً مطلقاً. يجب تجنب الشرور والإخلاص للخير، لكن لا يمكن الابتعاد عن كل شر أو الإتيان بكل خير. العالم نسبي، وحتى الصفات النبيلة كالشجاعة والصدق نسبية ولا تطبق بصورة مطلقة. يجب مراعاة الحكمة والعدالة والخير والرحمة النسبية للحفاظ على التراتب في الدنيا. مثلًا، اللباس في الحمام مختلف عن اللباس في الشارع، ولباس الحزن يختلف عن لباس الفرح، واللباس يتغير باختلاف المناطق والأزمان. الخيانة في الأمانة حرام، لكن إذا أعطى عامل انتحاري قنبلة لشخص، يجب تسليمها فورًا لجهة إزالة الألغام وإلا تكون خيانة. أكل لحم الكلب حرام، لكن إذا تعلقت الحياة به وجب أكله. إذا كان موظف استخباراتي في وسط الأعداء يريد الصلاة، لكنه إذا لم يشرب الخمر أو لا يصلي، سيكشف أمره، فيجب عليه شرب الخمر وعدم الصلاة، وإلا يكون معصياً. هذه هي سيطرة النسبية على الأزمان والأمكنة. أحياناً يكون العلم بالحكم واجبًا لكن التنفيذ غير ممكن. مثل الإعدام الذي يمكن تعليقه لأسباب سياسية واجتماعية. أحياناً الهدف يبرر الوسيلة، لكن الاجتهاد يحتاج دراسة معمقة لاستخلاص الحكم الشرعي. العلماء المخولون قادرون على اتخاذ القرارات في مثل هذه القضايا، وقد يحيلون بعض القرارات إلى استفتاءات شعبية.

باختلاف المراتب تختلف الموضوعات، وباختلاف الموضوعات يجب إيجاد الحكم المناسب. في الدنيا، كل القوانين نسبية، وتُطبق بحسب الظروف والمواقف. النظام النسبى له قواعده ونظامه، ولا يسمح للفوضى أو الأهواء أو مصالح شخصية بالتسلط. من الجدير بالذكر أن الأحكام الشرعية ثابتة: الحرام حرام، والحلال حلال، لكن موضوعات الأحكام تختلف وتتغير. في بعض الحالات لا يجب التصريح بالحكم الشرعي، بل يجب العمل به سرا، مع إنكار وطمس كامل لمنع كشف الأمر. في التاريخ، مثال ذلك قتل المفسد في الأرض مثل كسروي، الذي لم يُكشف عنه المجرمون الرئيسيون.

( )

ثبوتية الله تعالى

الله تعالى ليس مسألة إثبات، بل مسألة ثبوت فطري وتصور. معرفة الله ليست تصديقية تحتاج لإثبات وجوده. المشكلة في الإدراك التصوري والمبادئ الإدراكية، لا في وجود الله ذاته. إذا تصور الله بصورة صحيحة يقبل وجوده بلا شك. لكي يصبح المرء مسلماً، يجب تصحيح مبادئ تصور الله وتقديم تصور صحيح عن الله للمجتمع والناس.

( )

عدم تكفل أعمال الله والأولياء

في المنطق، الأمور الجزئية ليست مكتسبة أو كاسبَة. نحن لا نتكفل بتفسير أفعال الله والأئمة المعصومين لأن فهم تفاصيل أفعالهم غير ممكن. لا يمكن نقد أو تحليل أعمالهم. خصوصًا في أصحاب الولاية الإلهية الذين يجب أن يدفعوا المخاطر ليبقى الولاية ثابتة، وأفعالهم إذا كانت محبوبة بذاتها فهي ربوبية ولا يمكن المجادلة فيها، ويطبق عليهم قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ). الأئمة المعصومون كانوا يزيلون الذرائع من أيدي المعاندين، ولم يثيروا الفوضى والاضطراب لضمان تحقيق أهداف الدين الكبرى.

( )

قيمة العقيدة في مقام الثبوت

الحيوان يمتلك الفكر والكلام والعلم والوعي أيضاً. قيمة وكرامة الإنسان في عقيدته الصحيحة وإيمانه الحق. الكافر بلا عقيدة وإيمان فاقد القيمة وطاهر. الفكر ضروري لحياة صحية وتسخير الظواهر، أما العقيدة فتضمن السعادة والنجاة الأبدية. العقيدة تمنح الإنسان قداسات في الوجود لا يمكن إنكارها. الإنسان هو عقيدته، وبدون عقيدة ليس إنساناً. العقائد أسمى من البشر ومقدمة عليهم، فحقيقة الإنسان واحترامه وشخصيته وهويته من خلال عقيدته. لكن أتباع الأديان في مقام الإثبات ارتكبوا ظلمًا وجنايات باسم الدين، فاعتبر الناس الدين أداة استبداد وظلم، وأنكروه كليًا. لكن هذا خلط بين مقام الإثبات ومقام الثبوت. معيار الإنسان في عقيدته الإلهية وحقه. العقيدة هي بيت الإنسان الذي يعيش فيه بسعادة. يمكن للإنسان أن يعيش بدون زواج، لكن لا يمكن أن يعيش بدون مسكن. لا يمكن تحويل الحيوان إلى إنسان بالعقيدة لأنه لا يملكها.

في مقام الإثبات، العقائد مشوبة بالشوائب فلا يمكن اكتشاف العقيدة الصحيحة بسهولة، وتستعمل أداة لبقاء القوى. إذا كانت العقيدة صحيحة وغير مسيسة، يمكنها الوقاية من الانحراف. العقل هو الأداة الحسية في المقام النظري وليس العملي، والهدف من العقيدة ليس مجرد إثبات الوجود بل تحقيق الأهداف الكبرى للإنسان. العقيدة الصحيحة هي التي تحقق الغاية الإلهية في الإنسان، وتُعطيه سبب وجوده.

( )

حكمة الغيب

لا يتكلم الناس عادة عن الغيب لأنه أمر أكبر من الإدراك، ولا يستطيعون الوصول إلى الحكمة الكاملة فيه. الغيب مضمونه الكشف والإبطال والبراءة، وإلا لا وجود له، وهو مرتبط بالعبادة والإمامة والولاية. الغيب لا يعرف إلا من خلال الإمامة الحقة، وعبادة الله وحده.

( )

الغيبيات ليست خرافات

في النصوص، يرد ذكر الغيبيات كالأحاديث والرسائل السماوية، وهي حقائق غيبية لا تتعارض مع العقل، بل تُفسر وتُكمل العقل. بعض الأمور الغيبية معروفة بسبب دلائل عقلية أو من خلال العصمة (كما في الأئمة المعصومين). عدم الإيمان بها هو جهل أو إنكار للحقائق المقدسة.

في زمن الغيبة وعصرنا هذا، تتحقق الحريات الفردية والاجتماعية في النظام الإسلامي بحسب قبول الناس للأحكام الدينية ومشاركة الجماهير الإسلامية في كافة أنحاء العالم. وإلا فإن الأمر يؤدي إلى الاستبداد وسخط الناس واندلاع الصراعات العامة. وإن ظل نظام ما لفترة قصيرة بواسطة الاستبداد والظلم نتيجة لتأييد الجماهير الضعيفة والجاهلة، واستمراره بالعسكرة والسلطوية، فلن يدوم على المدى البعيد، وسينهار حتماً.

ينبغي أن يكون الدين مديراً للمجتمع لا رئيساً له. فالإدارة ليست حكمًا ولا زعامة مطلقة. المدير ليس مطلق الصلاحية، بل يأخذ في الاعتبار النسبية في إدارته، فينوّع في اللباس كما في التعبير عن الرأي، ويحدّد الخطوط الحمراء بشكل ضيق ومحدد ليقلل من الصراعات ويكبح التجاوزات، ويحث الجميع على المحافظة على التوازن. ففي كل مكان في العالم ثمة أذواق مختلفة يعيش الناس بحسبها، وكل مكان له أنصار ومتابعون. على عكس الأنظمة المطلقة التي تفرض بقائها بالاستبداد، فهي لا تؤمن بأن استمرارها يعتمد على رضا الناس.

سبب بقاء مثل هذه الأنظمة واستمراريتها ليس الشعب، ولو كان الشعب سبب نشأتها. هذه الأنظمة تظن أنها مأمورة من الله لتضرب الناس وتحافظ على نفسها. وتبقى طالما تملك القوة، فتُوقع الناس في مصائبها على أساس التقرب إلى الله، وتتصرف كيفما شاءت، إلا إذا ضعفت، حينها تهرب تحت وطأة احتجاجات الشعب، ويُقال لها “كل ما حدث فهو خير”، مدعيةً أنها قامت بواجبها الديني وأمرت بذلك من الله. وفي النهاية، ومع كل هذا الظلم، تطلب الثواب والأجر من الله في الآخرة.

الحكم المطلق لا يمثل سوى إثبات فارغ لا يحتكم إلى نموذج أو قدوة، أي ليس لديه دين يطابقه، بل هو من ذات الملكية المقدسة التي تتصرف حسب نزوات وأهواء الحاكم.

على كل حال، إذا استطاع المؤمن أن يؤسس حكومة تطبق واحداً بالمئة فقط من الإسلام، بينما تسقط تسعة وتسعون بالمئة من أحكام الدين، فعليه أن يعتز بهذا الواحد بالمئة ويقيم الحكومة الإسلامية في هذا الإطار. في زمن الغيبة لا توجد حكومة مطلقة وجيدة مطلقاً، ولا قانون خاص ومطلق للدين في كل مكان. القانون هو قوة الحاكم وقدرته على البقاء وقبول الناس له.

يجب أولاً أن نعرف كم النسبة التي يريدها الناس من الإسلام في حياتهم. يجب أن تحكم بطريقة تجعل الناس يرون مصالحهم محفوظة في هذا الدين. في زمن الغيبة، لا يمكن للحكم الديني المطلق أن يستمر. الإسلام دين عقلاني ينسجم مع أذواق واهتمامات واختيارات الناس القائمة على الحق، لضمان بقائه. وإلا فإن الاستبداد بأي شكل، ولو كان دينياً، يثير كراهية عامة ويزيل الأمن من الناس ويفقد الحكم قوته.

بالطبع، يجب أن تُقيد وتُقاطَع الطوائف الضالة والمنحرفة، وخاصة المبشرين والطوائف المرتبطة بالدول الأجنبية، طالما هم أقلية بلا قوة. يجب ألا تُعطى لهم شرعية أو وظائف حكومية، وينبغي طردهم من المجتمع حتى ينقرضوا تدريجياً. ولن تُمنح لهم صفة رسمية. أقول هذا بشكل قاطع: أي دولة تدّعي تمثيل أكثر من تسعين في المئة من المسلمين لن تسمح لبقاء الطوائف المنحرفة، وسيُجبرون على الهجرة، إلا في حالات نادرة حيث لا يملكون أجهزة تنظيمية ولا يعارضون النظام، والنظام بدوره ضعيف ويضطر للتسامح.

الأقليات الدينية الرسمية التي قد يقر الناس ببقائها تعيش حياة مدنية شرط ألا تُحدث اضطرابات للنظام. إذا تسببت في صراعات أو مطالب حقوق، سواء كانت ضالة أو لا، تُقمع بشدة لأنها تمثل فساداً في الأرض وتهدد استمرارية الأجيال. الحكومات لا تتساهل مع أحد. وفي هذه الحالة، يكون القانون الذي ينص على وجوب التعامل مع غير المسلمين بأخلاق حسنة وعدل إسلامي قائماً بشرط ألا يتآمروا على الإسلام والنظام، مما يعطي النظام صلاحية القضاء عليهم حال اتهامهم بالتآمر.

هذه الأقليات تحظى بالأمن طالما تخضع ولا تثير نزاعات، وهذا هو إثبات وجود حكومات دينية. الإسلام في ظرف القوة يرى نفسه دين الحق ولا يحتمل الباطل.

في المجتمعات السلطوية أو الاستبدادية، الحاكم مقدم على الجميع، وهو صاحب القول الفصل. ولا يمكن الإجابة على سؤال كيف تبنى أو تدار المجتمع، لأن البناء والإدارة بيد الحاكم فقط. الحاكم يقرر كيف تُدار الحياة وكيف يعيش الناس. الفاعل مقدم على الفعل، والحاكم قائم بذاته، لا يُسأل عن كيفية العيش، لأنه سبق وقررها.

النبوة لا تعطّل، والرسل الذين لم يُذكر قصصهم في الكتاب مقدسون ومهمون في زمن الغيبة الكبرى، وإن لم يكن لهم تشريع جديد بل يتبعون شريعة خاتم الأنبياء. النبوة التشريعية تنفيها الرواية “لا نبي بعدي”، لكنها لا تنفي النبوة النبوئية التي ترافقها الإلهامات والمعونات الإلهية، التي لا تنقطع أبداً. هؤلاء الأنبياء يعيشون في عزلة ولا يقبلهم العالم الذي يسيطر عليه أُولياء الدنيا، وهم يرشدون النفوس المستعدة ويساعدونها على الوصول إلى المقاصد.

التفاضل بين الأنبياء: هناك أنبياء جمال، وأنبياء جلال، وأنبياء كمال. مثلاً يحيى وعيسى عليهما السلام من الأنبياء الجماليين، والعيسى أرفع مرتبة منهم. موسى عليه السلام من الأنبياء الجلاليين، وأمته أكثر خشونة وسلطة. التفاضل موجود بين الأنبياء وأممهم.

مراتب الكمال: يبدأ الإنسان بالطبيعة ثم يصل إلى وهم ثم إلى عقل وفكر وعلم، وأقلهم يصل إلى القلب، والقلب هو موطن الروح والسر. الحقيقة بالوصول إلى القلب ومعانقة الشوق والاحتراق، وهي الغاية التي تُعرف بالخلوص والاستقامة.

سياسة القوة والخداع: في الماضي كانت القوة هي حكم السيف، أما اليوم فالحكم بالتمويه والخداع والتزييف السياسي. لا حاكم اليوم يصدق ولا يسير بصدق، فالعالم مليء بالمظاهر الزائفة والتزييف.

المادة والوصول إلى الوحدة: الإنسان مزاحم بالحواس والحجب المادية التي تنكر الوحدة الحقيقية مع الحق.

تجاهل النقد وعدم تقبله: من أكبر أساليب إدارة الرأي العام كبت النقد والتقليل من شأنه، والتركيز على المديح والتشجيع فقط.

الانحطاط والركود في المجتمع

تتبنى المؤسسات الثقافية المعتمدة على الميزانيات الحكومية هذه الحيلة، حيث تقدم مشاريع بهدف جذب المزيد من الميزانيات، وتسعى جاهدة لإظهار برامجها على أنها ضرورية ومناسبة، حتى وإن لم تكن هي نفسها مؤمنة بها. وهذا في حين يجب أن يكون الترويج قوياً ليدحض خطط المنافسين ويبعدهم عن الساحة؛ لأنهم يعلمون أنه إذا لم يستثمروا الميزانية، فسيتولى آخرون تخصيصها لمؤسساتهم بحجج وعناوين مختلفة.

هذه السياسة القائلة: «من الأفضل لنا أن نحصل على الميزانية بدلاً من أن تسقط في يد آخرين ذوي سمعة»، تؤدي إلى الركود والسقوط والانحطاط لكل ما هو قائم، وإذا ما حكمت هذه السياسة ميادين العلم والصناعة والطب والرياضيات، وحتى بين القادة والشعوب، فإن الركود سيحل ويعيق الازدهار والتقدم.

على سبيل المثال، في مجال العلم، يقوم بعض الساعين وراء الفرص بإعداد خطط لجمع الميزانيات المتاحة بحجج متعددة، ويمنعون أولئك الذين هم أهل للتدقيق والبحث من الحصول عليها، ويستولون على الميزانيات منهم. ففي بلادنا اليوم، توجد العديد من المؤسسات العلمية، وتعقد العديد من المؤتمرات والندوات والحوارات التي إن لم تسبب مشكلة للشعب فهي لم تحل مشكلة، إذ تأخذ أموال الناس وأموال الخزينة العامة، وتوزع كتبًا وكتيبات غير فعالة تدّعى علمية، وإذا قرأها طالب أو باحث، لا تحل مشكلته العلمية، بل تُبعده عن كتب العلماء والباحثين، مما يضيع وقته.

ضياع يوم واحد في هذه المؤتمرات يعني فقدان يوم من العلم والابتعاد عن الكتب العلمية والعارفين، وهذا يسبب خسارة علمية للمجتمع ويعيق الترقي العلمي.

الاستفادة الدينية لمزاعم الدين

إذا كان من الممكن أن نصدق أن أصحاب الدين والثقافة يستفيدون استفادة كافية من دينهم وثقافتهم، فسيُفتح طريق نحو الحقيقة. مع أن هذا نوع من التفاؤل المفرط ولا يمكن الوثوق به كثيراً، لأن المزاعم في هذا المجال كثيرة.

والعديد من معتقدات الأفراد، كما معتقدات الكثير من أهل الرأي، تفتقر إلى أساس قوي وسليم.

التعلق بمراكز السلطة كوسيلة للترقي

العالم الصوفي الذي يتعلّق بشيء، هو في الحقيقة يتعلق بنفسه. فالفعل والفاعل متحدان. مع كل مولود جديد، تزداد التعليقات في العالم. كل الكائنات تسعى إلى أن تتعلق بما هو أعلى منها لتتسلق به.

الناس في جميع المجالات لديهم من هم أعلى منهم يمكنهم العون والارتقاء بهم. في الاقتصاد، الأطفال يتسلقون بالاعتماد على دعم والديهم، وفي العلم، التلاميذ المتميزون يتعلّقون بأساتذتهم ليتعلموا، بحيث قد ينشغل الأستاذ بمساعدتهم. وهذا يحدث أيضاً في السياسة، حيث يجب التواجد مع القادة السابقين للحصول على السلطة.

الابتعاد عن الاستكبار وعدم اعتبار الناس عبيداً

في عهد الشاه، كان الضباط يعاملون الجنود كمساعدين شخصيين لهم، ويجعلونهم يقومون بالأعمال الخاصة مثل التسوق والتنظيف. وإذا رفض الجندي، يتعرض للمشاكل.

يجب أن نعلم أن الناس مستعدون للتضحية من أجل دين الله حتى بأعراضهم، لكنهم لا يقبلون أن يكونوا عبيداً لأحد. ثاروا ضد الشاه لأنه جعلهم عبيداً، و لم تؤثر حتى القتل فيهم.

لكن بعد الثورة، ما زال بعض المسؤولين يحملون نفس الثقافة، حيث لكل إدارة خادم يقدم لهم الشاي، ويستخدمون الجنود كسائقين أو لأعمال منزلية، وهذا خطر كبير، خاصة إذا كان رجال الدين في مثل هذه المواقف، حيث يصبح الجندي لديه عقدة نفسية بسبب هذه المعاملة.

المنافقون الطماعون

في فترات مختلفة من مجلس النواب، كان هناك نواب يسبون بعضهم علانية. يمكن القول إن إيران في يد منافقين طماعين يتبعون كل ما يخدم مصالحهم، سواء كان ذلك من عالم كفر أو رجل دين أو حتى ملحد.

الإصلاح والموت الجماعي

وفقاً لبعض الأخبار، سيموت حوالي سبعين بالمئة من البشر في الحروب والكوارث الطبيعية، لكي يظهر قوم علمي وصحيح في الأرض. هذا الموت الجماعي لا يخطر على بال أي مصلح، وسبب فشل أهل الحق في المجتمعات الحالية هو هذا.

كل الضغوط تقع على الضعفاء، وكل الثروات في أيدي المحتكرين والاحتكارات الاقتصادية، واللصوص في السجون، والمحترمون في مناصب السلطة، واللصوص يعتبرون الاحتكار تجارة والتجارة الفاسدة جهل.

إخماد الانتفاضة

الفلسطينيون ظاهرياً لا يختلفون عن الإسرائيليين، فكلاهما يظهر بشكل مظهر أنيق وراقي. إذا استبدلوا الفتيات بدون حجاب بالفتيات بحجاب، فهل يحل ذلك مشكلة؟ وإذا شنت إسرائيل حرباً في إحدى دول الشرق الأوسط، هل لن تخمد الانتفاضة والمقاومة؟

التناسب مع الجنس

الواجب العادل للفتاة هو الطهي والخياطة، وحتى لو كانت طبيبة أو حاصلة على دكتوراه، يجب أن تعرف على الأقل إعداد بعض الأطعمة، لأن الأصل في المرأة أن تستطيع إعداد الطعام.

قد تكون امرأة ملاكمة، وهذا فضل، لكنها يجب أن تستطيع تغيير ملابس طفلها. حتى المرأة العاقر، هذا فضل لها.

التعامل القلبي

التعامل الدبلوماسي صعب وقاسٍ، لكن التعامل القلبي يختلف، فهو سهل وخالي من التصنع.

لباس الشهوة والدبلوماسية غير لباس الراحة للإنسان، ومن الأفضل أن يكون اللباس والكلام والسلوك تابعين للقلب الصافي، لأن المجتمع لا يقبل الراحة والصحة الزائفة.

التحديات القانونية في العصر الجديد

عند كتابة كتاب “القوانين الحديثة”، جُمع فهرس للموضوعات المثيرة للنقاش في الحقوق والقوانين في إيران ودول أخرى، والتي تتعارض مع وجهات النظر الدينية. تمت الإجابة على كثير منها في هذا الكتاب، لكن للأسف لم يستمر البحث بسبب العرقلة من البعض، فاقتصر الناتج على محتوى “القوانين الحديثة” وبعض الفصول المذكورة في هذا الكتاب. والعديد من هذه المواضيع واردة في كتبنا الأخرى. تشمل هذه المواضيع:

  • مقدمة وفلسفة الحقوق
  • الأنظمة القانونية المعاصرة في العالم
  • معرفة الحق والعدل
  • موضوع الملكية
  • الحقوق المعنوية
  • التابعون للحقوق

الحقوق المدنية والعائلية

  • فلسفة الوقف
  • الشرطية في الإسلام
  • استئجار الإنسان
  • الميراث والاختلاف بين الرجل والمرأة في الإرث
  • حقوق المرأة
  • الفرق في سن البلوغ بين المرأة والرجل
  • تعدد الزوجات
  • عدم وجود حق الطلاق للمرأة
  • رئاسة الرجل على الأسرة
  • تبعية نفقة المرأة للرجل
  • مهور النساء
  • اختلاف شهادة المرأة والرجل
  • حالات شهادة المرأة
  • عدم انعقاد العديد من العقود بواسطة المرأة بدون إذن الزوج

الحقوق الجزائية والعقوبات

  • عقوبة الإعدام
  • عقوبة الرجم والحدود
  • عقوبة الجلد والتعزيرات
  • عقوبة قطع اليد
  • الردة وعقوبتها
  • القصاص
  • حد السكر
  • وجهات نظر المذاهب الجزائية حول أنواع العقوبات
  • تأثير العقوبات والنظريات الإسلامية
  • جرائم الأطفال
  • سن البلوغ والالتزام الشرعي للفتاة الطفلة

الحقوق الأساسية والعامة

  • أنواع الحكومات والنظرية الإسلامية
  • الديمقراطية والإسلام
  • الحكومة الإسلامية أو حكومة المسلمين
  • شرعية الحكومات
  • السيادة
  • حقوق الأمة
  • حرية الفكر والعقيدة
  • حرية الدين
  • حرية الصحافة والنشر والإعلام
  • حرية الاجتماعات وحرية التعبير
  • الحرية المدنية والسياسية
  • النظام القضائي والحمايات القضائية
  • حق المشاركة في الانتخابات والاجتماعات للنساء
  • تقلد المناصب القيادية أو رئاسة الجمهورية من قبل النساء
  • الفروق بين النساء
  • القاضي المأذون

الحقوق الدولية

  • الأمة الإسلامية أم الدولة الإسلامية
  • نظام الجنسية في الإسلام
  • نظرية الإسلام حول المذهب الثنائية (الثنائية) والوحدانية (الوحدانية) في الحقوق الداخلية والدولية
  • اعتراف الدول الأخرى من منظور الإسلام
  • العلاقات الدولية مع الدول الأخرى ونظرية الإسلام
  • التجارة الدولية والإسلام
  • حقوق الدبلوماسية والإسلام
  • النزاعات المسلحة والحرب في الإسلام
  • أنواع الأسلحة واستخدامها من منظور الإسلام
  • الرق في الإسلام
  • المهديّة وحروب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
  • نوع الحكم في زمن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
  • النظام والسلام العالمي (حالياً وفي زمن المهدي)
  • التعايش العالمي (حالياً وفي زمن المهدي)
  • الاتفاقيات الدولية في الإسلام
  • الوضع الدولي من منظور الإسلام
  • المنظمات الدولية والإسلام (خصوصاً سيطرة المنظمات الدولية على العالم في المستقبل القريب)
  • محكمة العدل الدولية (لاهاي) والقضاء الدولي والإسلام
  • الجرائم الدولية والنظريات الإسلامية
  • اللجوء في الإسلام والدعم السياسي والدبلوماسي
  • حقوق الإنسان والإسلام وأُسسها
  • المسؤولية الدولية والإسلام
  • الثورات والتمردات في دول أخرى ونظرية الإسلام
  • التحكيم الدولي ورأي الإسلام

الروايات كدليل

الروايات تعدّ دليلاً للعقول العادية التي لا تستطيع أن تغوص بنفسها في هذا البحر العميق.

ألوان الغفلة

كما أن الغفلة متعددة الأنواع والأشكال، يمكن أن تكون أحد أنواع الغفلات الكبرى والعقبات والحوائل، حتى الكمالات الظاهرية والعلوم والفنون الاصطلاحية، سواء كانت فقه، أصول، أدب، منطق، حكمة، عرفان أو أخلاق، كلها لها مقدمات.

السوائل والأغذية الصحية

من مشكلات المجتمع وخاصة العلماء أنهم لا يستخدمون السوائل الصحية، ويكتفون بتناول الخبز واللحم والأغذية الغنية بالألياف التي تثقل المعدة والكبد وبقية الأعضاء. بدلاً من ذلك، يمكن استخدام العصائر أو الأغذية السائلة لتفادي تراكم الفضلات ومشاكل الإخراج. الأطباء مثل ابن سينا كانوا يتبعون هذا النمط للحفاظ على طاقتهم وحيويتهم.

من الضروري أن يكون للعالم الديني جسد متناسق ليكون زينة لنا لا أن يكون سبباً للشين، ليكون جندياً متألّقاً بأيمان وأخلاق دينية في خدمة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

النظافة والملبس

الذي يرتدي لباس العلم لا يجوز له أن يقول “أنا نفسي وأتصرف كما أشاء”، لأنه معترف به من خلال لباسه الذي يشبه لباس النبي صلى الله عليه وسلم، لذا يجب أن يعتني بنظافته. الإهمال في المظهر أو النظافة يخالف مقام العلم والدين. اللباس يجب أن يكون مرتباً وذا ألوان فاتحة، وتجنب الألوان الداكنة والخطوط على الجبة أو القميص، واستخدام الأحذية المريحة مثل النعلين. هذه الأمور تعكس مكانة المؤمن والعالم ويجب الابتعاد عن الفوضى والظهور غير اللائق.

زيادة على الأعضاء الظاهرة في الإنسان، هناك أعضـاء باطنة ونورانية. العقل أحد هذه الأعضاء والمجالات في الإنسان، وله مراتب متعددة. يمكن أن يتجاوز الإنسان مرتبة العقل الصوري والمنطقي إلى مراتب العقل النوراني والباطني. الحديث الشريف «العقل ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان» يشير إلى هذا المعنى. كما تشير الآية الكريمة: (كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[39]، وكذلك العديد من المواضع الأخرى التي ورد فيها (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[40] في سور مختلفة إلى مرتبة العقل النوراني والباطني.

كذلك، الآية الكريمة (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)[41] تشير إلى العقل النوراني والباطني. وفقًا لهذه الآية الكريمة، إذا فُعّل العقل النوراني، فإن الربّ والربوبيّة يمكن رؤيتهما ومشاهدتهما. لا يمكن الوصول إلى المراتب العليا بمجرد العقل الصوري دون دعم ومعونة العقل النوراني. العقل في مراتب الدنيا يخدم النفس، ويُفيد في تحسين وتنظيم الأمور الدنيوية، ولكن للسير في المراتب العليا يلزم مرتبة أعلى من العقل. هناك أحاديث مختلفة تتحدث عن مراتب العقل المتعددة. الحديث «تواضع للحق تكن أعقل الناس» يُراد به العقل النوراني، وكذلك الحديث «العاقل إذا نظر بشيء عرف الحق منه» يشير إلى العقل النوراني الذي به يمكن رؤية الحقائق ومعرفتها.

إن أراد الإنسان الوصول إلى المعارف والحقائق، فلا يمكنه ذلك بالعقل الصوري فقط. بعض الناس يعتقدون أن الفلسفة القائمة والعقل في هذه المرتبة الدنيا يمكن أن توصله إلى الحقائق، وهذا خطأ؛ لأن هذا النوع من العقل عاجز عن إدراك الحقائق. الفلسفة تسعى إلى الإثبات والنقاش المفهومي، أما المعرفة والفهم فهما موضوعان خاصان لا يتحققان إلا بالعین والرؤية.

التوافق والمداراة

التوافق والمداراة مع الناس والابتعاد عن العنف شرط من شروط العقل والحكمة، وإذا وصل الإنسان إلى التسامح فذلك ركن مهم في السلوك إلى جانب الصلاة (العبادة الحكيمة) والإنفاق (الحاجة).

الحديث «أعقل الناس أشد مداراة للناس» يجعل المداراة شرطًا للعقل. الأئمة المعصومون تعاملوا مع جميع الناس، حتى مع أسوأهم وأعدائهم، بالمداراة الاجتماعية للحفاظ على كيان الإسلام. الحرب والسيف كانت أيضًا تهذيبًا للبشر وإحياءً للاتجاه الروحي والمعنوي لديهم. لذا، في جميع أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية وحتى في مجال الحرب، توجد إمكانات للمداراة، والتي لها آدابها الخاصة. بالطبع، لا يعني ذلك أن أهل المداراة لا يجب أن يدافعوا عن أنفسهم وكيانهم، فالدفاع أمر عقلي أيضًا. من كان أهلاً للمداراة يكون كذلك في كل شؤون الحياة، سواء في الحرب أو السلم، بعكس من لا يتمتع بها، الذي قد يحارب من أجل بقاء حكمه بدافع النفس، في حين أن القهار يجب أن يكون لله.

السرية

الحذر في كشف الأسرار في باب المعرفة وضرورة الكتمان شرط من شروط العقل. الحديث «أعقل الناس المحسن الخائف» يعتبر الحذر شرطًا للعقل. إذا كشف الإنسان سره فقد يتضرر. مع ذلك، يمكن الجمع بين هذا الأمر وحسن الظن بالآخرين، حيث يعني حسن الظن عدم الشك بهم بل رؤية حقيقتهم، وليس من الضروري إفشاء الأسرار لهم. حسن الظن بالمؤمن يعني عدم وصفه بالسوء أو المعصية بناءً على ظاهره، لكنه لا يعني مشاركة كل الأسرار. لكل إنسان واجب في حفظ أسراره كأمانة. الإنسان إذا احتفظ بالأمانة، رغم وجود أشخاص صالحين حوله، لا يعطيها لهم. موضوع الحذر في كشف الأسرار مهم جدًا في المسائل المعرفية، لأن إفشائها قد يسبب مشاكل كثيرة للفرد.

منع التطفل على الأحوال الشخصية

التجسس على الأحوال الشخصية والفضول في النظر إلى باطن الإنسان ممنوع في باب المعرفة. بحسب الحديث «العاقل إذا نظر بعينه شيئًا عرف الحق منه»، السير الفردي الذي له القدرة على الصعود لا يجب أن يكون أفقيًا وأرضيًا، وإذا كان لا بد من رؤية شيء، فلا يجب أن يكون في رؤية باطن الناس، بل يجب أن يكون النظر صعوديًا إلى الحقائق العليا. حسب قول أمير المؤمنين: «ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله قبله ومعه وبعده» فإن رؤية تجليات الله في الموجودات نظرة صعودية، ومن ينظر إلى باطن الناس ينزل بنظره إلى الأرض ويجعله أرضيًا.

النفس المادية والمجردة

مراتب النفس الدنيا مادية وليس لها تجرد. النفس الإنسانية قد تكون في مرتبة مجردة أو أدنى منها. المعرفة الحقيقية تحتاج نفسًا مجردة. لا يمكن للنفس المادية أن تأكل العلوم والمعارف المتداخلة والأحوال المختلفة، وإلا فإن توازنها يضيع. إذا وصل النفس إلى مرتبة عالية يمكنه أن يحافظ على توازنه ويختار ما يقتات عليه. معظم النفوس في الناس غير متربية وفي مراتب دنيا مادية.

الوصول إلى الأنبياء الباطنيين

طريق النبوة التكوينية والإخبار بالحقائق الربوبية مفتوح وقابل للوصول. نعم، النبوة التشريعية انتهت بخاتم الأنبياء. الأولياء أحيانًا لهم القدرة على الإخبار من الحق، لكن ليس لهم حق النبوة أو التشريع. الإنسان الكامل طريقه مفتوح حتى يصل إلى مقام النبوة التكوينية، أما النبوة التشريعية فهي مختومة بالخاتم.

إصلاح المجتمع بدفع رؤساء الفتنة

الجهاد الأولي جائز إذا توفرت الشروط وثبت النصر. في الآية (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ)[42]، الفقرة (لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) معناها عام، وهو قتل أئمة الكفر حتى لا تحدث الفتنة. المعنى الأسمى هو استئصال رؤوس الفساد الذين هم ظالمون وظلمهم ظاهر، عندها لا يكون المجاهدون ظالمين. وإذا كان الجهاد يشمل المجتمع كله فسيكون هناك ظلم كثير. الآية تأمر بقتل أئمة الكفر فقط في ظل شروط دفع الفتنة حتى لا يصبح المجاهد ظالمًا.

معادلة الظلم بالكفر

الظلم الواعي والمستمر يساوي الكفر. الكفر والظلم قابلان للتحول إلى بعضهما. من ينكر الله يرتكب ظلمًا، ومن يظلم يصل إلى الإنكار. من العجيب أن الفقه السائد يعتبر من أنكر لفظ الله كافرًا، لكن من يمارس ظلمًا مستمرًا لا يُعتبر كافرًا. في الفقه المعرفي، من يصر على الظلم هو خارج عن الإسلام، حتى وإن صلى. بعد واقعة عاشوراء لم يتحرك الأئمة عمليًا خوفًا من الوقوع في الظلم. كانوا يحذرون من التحرك قبل أن تتوفر الشروط لتجنب ظلم أكبر. في زمننا الحالي يحتاج المجتمع إلى فقيه أيديولوجي خبير يحدد متى يكون الابتعاد عن الظلم ممكنًا أو لا، لأن معرفة أنواع الظلم تحتاج إلى فهم فقهي عميق.

القسط؛ محتوى المجتمع السليم

المجتمع الإسلامي السليم يختلف عن المجتمع الرأسمالي والاشتراكي في محتواه. الرأسمالية تهدف إلى الربح والتكاثر، والاشتراكية إلى توزيع الموارد بالتساوي، أما المجتمع الإسلامي فيهدف إلى إقامة القسط. القسط هو غياب الظلم في تفاصيله وجزئياته، وهو عدل مجزأ ومصادق عليه يحتاج إلى الانكسار والانقياد. لتحقيق القسط يجب أن يكون هناك انكسار في الحقوق الفردية والاجتماعية. يجب أن يتخلق الإنسان بالقسط ليظهر ذلك في المجتمع. لا وجود للقسط دون وجود مجالات خالية من الظلم. حتى في الملائكة والأنبياء يوجد ظلم طفيف، والله تعالى وحده منزّه عن كل ظلم. بالمعرفة والحد من الظلم يمكن تحقيق قسط نسبي في المجتمع.

التوبة عن الردة

جميع أنواع الردة قابلة للتوبة. إذا ارتد شخص ليس بلا رجعة، والتوبة مقبولة وتمنع قتله. القرآن يقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ)[43]، وتشمل الآية الظلم للنفس والاجتماع.

المشتاقون الشغوفون الذين لا يليق بهم فقط تقبيل أياديهم المباركة، بل يجب أن يكون تراب أقدامهم سراب عيوننا؛ لأنهم يشمون رائحة الحق ويلبسون خرق ربهم على أعينهم، وهم في سفر دائم من دار إلى دار في طلب الرفيق المألوف. حب أهل الكمال، وهو موهبة إلهية وجوهرة نادرة، قد وُهب لهم، وفي باب المحبة والود والأدب والاحترام للدار والرفيق وأهل الكمال قد وقعوا في الحب حتى فقدوا صوابهم. السالك هو مشتاق يحمل حبًا صادقًا، ومودة خالصة، وميلاً كثيرًا تجاه أولياء الكمال وأصحاب الولاية، وهو في هذا المجال رغم كونه من نسل الأخيار والصالحين، نموذج كامل لتجسيد قوله تعالى: «أحبّ الصالحين». لا يضيع لحظة من عمره الثمين في الفراغ إلا إذا لم يكن جسده المادي معه. من الطفولة حتى النهاية، ليلاً ونهاراً، في الشتاء والصيف، في الدراسة والراحة، هو دائم السعي والجهد، ويلاحق أهل الكمال ويتعلم المعارف والفضائل بجدٍّ واجتهاد، ولا يسمح لنفسه بالكسل أو الضعف في طلب العلم أو التدريس أو البحث، حتى يظن المرء أن غذاءه هو الكمال وموضعه هو العمل ووقاره هو الجهد. يطلب طريق الوصول بشغفٍ وهمة كاملة، ويجعل الانتفاع والتواضع أمام أهل الكمال حلاوة ونعمة عليه. ينال توفيقات كثيرة بفهم مجلس أساتذة بارعين وذوي شهرة وأوجه واضحة ومُعبرة من الكمال والمعرفة. كل واحد منهم وجه جميل ومرآة صافية من الحب والصفاء والعلم والمعرفة والبحث. قلما يجد أحد، سوى أولياء الله، توفيق الحضور المستمر لذات الحق تعالى ويستفيد من متحقیق الملئ بالود والنعم.

نسبة السلوك العرفاني والزهد والعبادة

في كتاب «مقامات العارفين» أشرت إلى أن السلوك العرفاني يتطلب وجود المعرفة، وهو ليس فقط سلوك العبادات وترك الدنيا. لذلك، ليس كل عابد وزاهد عارف، ولكن كل عارف بطبيعته عابد وزاهد. في الحقيقة، يجب القول إن العارف فوق الزاهد والعابد. شهر رمضان شهر السجود. السجود لغير الله غير جائز، وفي سجود الملائكة لآدم كان لهم اتجاه القبلة لكي يؤدوا عبادة الحق. في السجود يشعر الإنسان بانكساره، وإن لم ينكسر فلا يكون قد دخل في العرفان. عالم السجود وعالم العبادة العرفانية عالم تسليم وفناء. مع ذلك، يجب التفريق بين السقوط والريشة؛ الريشة هي تنقية من الشوائب، والسقوط هو نزول من المراتب الإنسانية. من المهم أن يتحلى الإنسان بالزهد والعبادة، وإلا يكون «حمالة الحطب» أي حامل حطب نار جهنم لنفسه. كل هذه المناقشات تهدف إلى تحريك الإنسان وتحفيزه، مع العلم أن قول هذه الأمور سهل ولكن تحقيقها صعب. يجب الحرص على أن هذه المفاهيم الكبيرة لا تكون عائقًا في الهضم والتقبل، بل أن يستفيد الإنسان منها عمليًا. معرفة أشياء لا تنفع ولا يُراد بها التطبيق لا معنى لها. لماذا يريد الإنسان أن يكون «حمالة الحطب»؟ إذا عرف الإنسان هذه الأمور فقط بدون عمل، فما فائدة ذلك؟ من الأفضل أن يجد الإنسان خلوتة ويتبع القرآن الكريم والنافلات بطريقة منتظمة لعله ينال عناية خاصة ويتحقق له الباطن، ويشعر بالخجل أمام الله ويعلن عجزه.**

الفرق بين العرفان والأخلاق

في كتاب «العارف والكمال» بينت الفرق الجوهري بين منهج الأخلاق الشكلية والسلوك العرفاني. الأخلاقيون يسعون إلى تزيين النفس، والعارف يسعى إلى نفي النفس. هم في سعي لإثبات النفس، والعارف في سعي لنفيها. العالم الأخلاقي محجوب ويزين نفسه، والعارف يطلب الوصول إلى الصفاء وحضور جمال الحق، ويعتبر سر العبودية والتبعية في النفي ورؤية الربوبية والفناء الذاتي. الأخلاقي يحقق لنفسه نفسًا مقابلة للحق، وهو موضوع الأخلاق، أما العارف فالحق تعالى هو موضوع سيره وحركته، ومنهجه هو ترك نفسه لإحياء وظهور الحق تعالى. الأخلاقي يسعى لرعاية النفس، والعارف للسلوك في تركها. موضوع الأخلاق هو النفس وأساسه التنقية والتحلية، وغايتها اكتساب الكمال، بينما موضوع العرفان هو الحق تعالى وأساسه الترك، وغايتها الحق. لذلك، موضوع وغاية العرفان واحدة وتتعلق بالحقيقة وهي ترك غير الحق. همّة العارف تحقيق هذا الترك لأن أساس عمله هو نفي غير الحق، وهو في فكره خلاص نفسه من هذه القيود، وهذا هو سر العبودية والربوبية. قال الإمام الصادق عليه السلام: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية». العارف في تفكيره يبحث عن الوصول إلى الباطن، وهو مسكنه الثابت والأبدي، أما عالم الأخلاق فهو يطلب رضوان الله ويأخذ الحق وسيطًا، أما العارف فيجعل نفسه وسيطًا ويصبح مريدًا للحق بترك نفسه، ويتحقق ذلك بالنفي وظهور جميع آثار وجود الحق بشكل ثابت ومتحرك. الغاية العليا للأخلاق هي اكتساب الكمال وخلق الصفات المحمودة للنفس، بينما العارف يهرب من ذلك ويرى فيه الطمع والأنانية، لأن المتخلق في فكره مع نفسه، والعارف في تفكيره مع الحق. العرفان يريد الخراب، والأخلاق تريد بناء النفس. بتطبيق تعاليم الأخلاق، يمكن تزيين النفس، والعرفان يهرب من ذلك ولا يراه في شأنه. الوصول إلى العرفان لا يكون إلا باكتساب الكمال، والأخلاق هي مقدمة لهذا، ولكن هذا ينتهي في بداية العرفان، والعارف يضع طريقه في العدم. على هذا الأساس، الأخلاق متاحة للجميع، والعرفان متاح لقلة قليلة، لأنه بعيد عن الفكر والحساب الظاهري، والجمهور يتبع حساب نفسه وزيادته. منهج الأخلاق منفصل عن العرفان، لكل منهما طريقته ومقامه وغاية تناسبه. العرفان بحر عميق وعنيف، لا يحصل عليه بسهولة، لأنه ترك النفس ونفي الكمال وطلب الحق له مقدمات من الفناء والتلاشي والاضمحلال. أما الإنسان حتى يعرف نفسه فهو في حزن وأسر الجسد وملوث بالذات، ولا يفرغ من هذه الحمل الثقيل إلا عندما لا يبقى له بقاء ولا ثبات، وبدون إرادته يرى نفسه في سبيل الحق ويبقى لحق الله ولا أثر له لنفسه.**

العارفون المحبوبون

العارفون عمومًا ينقسمون إلى قسمين: العارف الدلباخِت المنظِر، والعارف الدلسوخت المجروح. أحدهما يصل عبر المنظر، والآخر يتخلى عن الرأس والقدم. أحدهما في الحريق والآخر في التناغم، كل منهما مختلف عن الآخر. أحدهم يُدرك ويرحل من نور الإشراق: «اللهمّ حقّقني بحقائق أهل القرب واسلک بي مسلک أهل الجذب»، والآخر هو عبد محب لله يحصد التوكل والشهود بدموع القلب. العارفون المحبوبون، وهم نادرون وغالون، لا يحتاجون إلى زهد شديد، وأعمالهم تنبع من الشوق والحب، مع أن لديهم عطايا وابتلاءات، فالبلاء لهم عطاء والعطاء بلاء.

(راجع: مقامات العارفين، ص 223)

ما هو مهم في علوم الباطن هو التمييز بين أولياء محبوبين وسالكين محبين. المحبون هم من ينطلقون من الأسفل نحو الله، والمحبوبون من الأعلى إلى الأسفل، وذِكرهم يبدأ بقول: «اللهمّ عرّفني نفسك فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك». هؤلاء رافقوا أهل الولاية والرؤية، ورأوا النبي الأكرم والأئمة المعصومين والله، ولهم حال وروح مختلفة، وعلاقات خاصة مع المخلوقات. علمهم لدني، وقد ورد في الروايات أنهم «مبشرات» و«متوسمان» بذلك الاسم. لهم أستاذ أبدي ولا يهتمون بمن هو أستاذهم في الدنيا، لأنهم ليسوا مرتبطين بالمدرسة أو أهل الظاهر، ولا يحتاجون إلى معلم دنيوي في الأمور الروحية، وبعضهم لم يكن له مدرس في أمور معرفية. بعض الكائنات تساندهم وتحميهم كما في القرآن الكريم عن النبي الأكرم. الله له عباد كهؤلاء. لقد بينا الفروق والخصائص في دروس وكتب عديدة منها «معرفت محبوبی و سلوك محبی» و«عرفان محبوبی و سالكان محب». ما ذكرناه في هذا المجال أكثر مما جاء في آلاف سنوات في كتبنا ومجالاتنا. الآية الكريمة «وعلم آدم الأسماء كلها» تعرف المحبوبين بأن الله هو معلمهم، وجبريل أو النبي ليسوا وسطاء علمهم الباطني. مدرسة المحبوبين هي مدرسة الله، ومتعلّموها دومًا متفوقون في مدرسة الدنيا. يجب التنبه أن بين العباقرة والمحبوبين فرق، فالعباقرة أضعف منهم. أمير المؤمنين، من أرفع المحبوبين بل فوقهم، قال: «إني بطرق السماء أعرف من طرق الأرض» وعندما كان يتحدث مع العلماء العظام، قال: «إني بطرق الأرض أعرف من طرق السماء». المحبوبون يطلعون على كل عوالمها ولا يغيب عنهم شيء. (حضور دلبران، ص 53-55)

مباحث ومصادر فلسفة الدين

كنت أرغب في تدريس فلسفة الدين والإلهيات وعلوم الكلام والفلسفة الإسلامية، لكنها لم تكن مادة تدرس بصورة منتظمة في الجامعة. معظم ما تعلمته كان بشكل غير رسمي من خلال القراءة والبحث، خاصة في قسم الفلسفة بجامعة طهران، وبعضها في مكتبة الإمام الخميني. الفلسفة الإسلامية والأخلاق والفقه والفلسفة الغربية هي مجالاتي الأساسية، مع اهتمام خاص بعلم الكلام والفلسفة الدينية. يقال إن الفلسفة الدينية علم يبحث عن الإجابات عن الأسئلة النهائية للوجود، ومواضيع مثل وجود الله، معرفة الله، صفات الله، الإلهيات، معجزة النبوة، أسباب الشر، أزلية العالم، الخلود، وأصل المعرفة. كلها ضمن هذا المجال. فلسفة الدين تحاول أن تكون حجة عقلية ومفهومة عن الدين، وتجمع بين العقل والروحانيات. هي مفتاح لفهم الدين بعمق. هذا الكتاب هو أحد نتائج ذلك الاهتمام، حيث حاولت تقديم شرح مبسط وموضح لمباحث فلسفة الدين بما يخدم طلبة العلم والباحثين.

المجلد الثاني من كتاب «الحقوق المستجدة» يتضمن مناقشات في الحقوق الأساسية، مثل موضوع «الحرية»، و«حق تقرير المصير»، و«الحصانة»، و«الحكومة». هذا الكتاب يقدم تعريفاً جديداً لمفهوم «الحرية»، ويُبيّن ذلك من خلال نقد الآراء المنافسة. من بين المواضيع المهمة التي يعالجها هذا الكتاب، نقد النظرة السطحية الغربية تجاه العقائد والمعتقدات الدينية، وبيان الاختلافات والتناقضات النظرية بين «العدالة الاجتماعية» و«الولاية الشيعية». كما يتناول هذا الكتاب دراسة أنواع الحكومات، ويبين بدقة مزايا وعيوب هيكل الحكومة الديمقراطية. وفي مناقشة العلاقة بين «الجمهورية» و«الإسلام» يقدّم نقداً دقيقاً للآراء المطروحة. كذلك، يشرح الهيكل الحالي لحكومة «الجمهورية الإسلامية» ونظرية «ولاية الفقيه» مع تجديدات متعددة.

وقد ألخصت وخلصت المناقشات الفقهية والقانونية الخاصة بهندسة نظام الجمهورية الإسلامية في ستة مجلدات مترابطة، تحمل عناوين: «مقدمات القيادة»، «الإدارة العليا»، «الاقتصاد السليم والقضاء على الفقر»، «الأسرة»، «القضاء والعقاب»، و«النظام الداخلي لعلماء الشيعة»، مع عرض الخطوط التنفيذية لها. وأشير إلى كيفية التحول في هذه المجالات بهدف تحسين كفاءة الحوزات العلمية، وذلك في خمسة عشر مجلداً آخر مثل «البدايات»، «النهايات»، «الأسس المعرفية لعلم الدين الحديث» و«مظهر الطالبية».

من العلوم الضرورية لاستنباط الأحكام الدينية وإدارة المجتمع، علم «علم الاجتماع»، خصوصاً إذا كان هذا العلم لا ينحصر في نظرة جزئية أو خاصة بالمجتمع الغربي، بل تكون مبادئه وقواعده وطرق اختباره مكيّفة على بيئة المجتمع الإيراني، ويُقدّم علم الاجتماع بمنهج فلسفي عميق وبحث عن الجذور، قائم على منطق قوي.

يحتاج عالم الاجتماع، كي يتعرف على هوية المجتمع ويجد في تعريفاته العنصر المكوّن للمجموعات البشرية، ويقدم وصفات مناسبة، إلى «علم النفس الجمعي».

أما الفقيه الذي يمتلك القدرة العلمية والعلم اللازم في علم الاجتماع وعلم النفس، فيصنف الأحكام حسب المجموعات الاجتماعية المختلفة، وليس من الصحيح أن يُصدر حكماً فقهيّاً واحداً لجميع فئات المجتمع في موضوع واحد. هذا الاهتمام يفسر العديد من الشوائب في الفتاوى الموجودة. وقد بيّنت هذا النظرية بكامل أبعادها وقدّمت مقترحات لتطوير المستوى العلمي والثقافي للعلماء وإصلاح الحوزات في كتاب «علم اجتماع علماء الدين»، الذي يمكن اعتباره عملاً مميزاً في هذا المجال.

هذا الكتاب يتضمن ضرورة الفلسفة لفهم المجتمع ونقد التعريفات السطحية والتاريخية والعلاقاتية والمؤسسية والفكرية، ويقدم تعريفاً جديداً للمجتمع وعلم الاجتماع وعالم الاجتماع. الجزء الثاني منه يناقش هوية المجتمع وخاصة الصفات المؤثرة في هوية المجتمع الإيراني وينقد بعض الآراء لإعداد الأرضية لدراسات علم اجتماع العلماء.

أيضاً، كتاب «الحقوق المستجدة» يتضمن بعض مناقشات علم الاجتماع.

) صياغة المناقشات الفقهية والتاريخية حول الموسيقى، وكذلك مبادئ الموسيقى العلاجية وفلسفة الموسيقى في كتاب «فقه الغناء والموسيقى» المكون من سبعة مجلدات، حيث تم دراسة آراء جميع الفقهاء في عصر الغيبة فيما يتعلق بالغناء والموسيقى، ونقد الشوائب المطروحة في هذا المجال الثقافي المثير للجدل. كما يحتوي الكتاب على «منطق الموسيقى» الذي يتناول علم النفس وفينومينولوجيا الصوت والمغالطات الفقهية في هذا المجال. وكتاب «غناء النساء» مسؤول عن هندسة وتصميم فضاء صحي لـ«غناء النساء» والاحتفالات الموسيقية المصاحبة مثل «الرقص»، حيث لم يفرق بين حقيقة صوت المرأة والرجل ورقصهما، وتحدث عن دور انقلاب سقيفة بني ساعدة في ظلم الموسيقى ومجتمع النساء.

) صياغة التصوف الولائي ومحبة الشيعة، وإعادة تنقية الثقافة الصوفية السائدة في الحوزات من بيانات كلام أهل السنة، مع شرح وإعادة نظر في المصادر الأصلية للتصوف مثل شرح «مصباح الأنيس» لفناري، وشرح «فصوص الحكم» للقيسر، و«تمهيد القواعد» لابن تركة، وشرح «منازل السائرين» للكاشاني. هذه الكتب تحتوي على شروح كاملة، وقد نشر شرح «منازل السائرين» بعنوان «السير الأحمر» وشرح «تمهيد القواعد» باسم «العقلانية في التصوف الشيعي».

) إعادة تنقية وشرح ونقد الفلسفة الصدرائية السائدة التي لم يُنشر منها شيء حتى الآن. هذا الشرح النقدي رفض كثيراً من المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة بصبر وتحمل خاص، وقدم معرفة بديلة في جميع فصول هذه الفلسفة.

) صياغة كتاب «المرأة» ودراسة كافة الجوانب النفسية والفلسفية والفقهية لشخصية المرأة وفصولها المرتبطة، مع نقد ومرجعة كتاب «حقوق المرأة في الإسلام» لمؤلفه الشهيد مطهري، تحت عنوان «المرأة والحرية»، ونقد كتاب «المرأة في مرآة الجمال والجلال» بعنوان «المرأة وصلابة الإنسان». كما شمل تصميم ثقافة الحشمة والاحتشام والعلاقات بين الرجل والمرأة في المجتمع على أساس علم النفس وعلم الاجتماع الدقيق للمجتمع الإيراني، وبعض هذه المناقشات موجودة في كتاب «الأسرة».

كذلك، اعتبر كتاب «علم الحياة» الأم «المحور الأهم في الأسرة»، ومنحها دور المدير الداخلي ومرشدة الزوج والأبناء في هندسة الحياة الصحية، محدداً زوايا مسار الكمال الروحي للمرأة بجانب زوجيتها ورعاية الأبناء.

وقد تناول علم نفس طبائع النساء وسلوكياتهن بناءً على طبقاتهن الداخلية في كتاب «المرأة؛ فردوس الجمال والتربية».

هندسة حضور النساء اجتماعياً، وهندسة الحشمة والاحتشام، وصياغة الحريات الدينية في التعامل مع النساء القدوات، بالإضافة إلى كيفية الغناء الصحي للنساء، تمت مناقشتها في كتاب «غناء النساء». هذا الكتاب يشرح فينومينولوجيا المرأة والرجل، ودور القائمين على حفظ العفة العامة، وأساليب تخفيف الحساسية فيما يتعلق بالجنس، ونقد سياسة الفصل الجنسي، وطرق تمكين المجتمع النسائي، وضرورة الفرح والبهجة المشروعة لمجتمع النساء.

) صياغة التصوف العملي وبرنامج منهجي للسير والسلوك بعنوان «علم السلوك الروحي».

) صياغة علم الذكر وتأسيس «العلاج بالذكر» في ثلاثة مجلدات بعنوان «علم الذكر»، والتي نُشرت.

) هندسة أسلوب الحياة العلمية الإسلامية في كتاب «علم الحياة».

) صياغة علم الأسماء الحسنى المهجور بعنوان «الأسماء والصفات الإلهية»، والذي يقدم المفهوم والمعنى والآثار والخواص والأحكام المتعلقة بالأسماء الإلهية بطريقة علمية.

) تقديم أدب قائم على ثقافة القرآن الكريم، خاصة علم الاشتقاق، والذي يختلف بوضوح عن أدب أهل السنة السائد، وبعض مواده نُشرت في كتاب «فراهيخت الأدب وعلوم الاشتقاق».

) صياغة منهج تفسيري للانقطاع الروحي مع كل آية كريمة، وتقديم تفسير مبتكر باسم «تفسير الهدى»، مع نقد أساليب التفسير وبعض البيانات في تفاسير مهمة مثل «الميزان» و«التسنيم»، ونُشر منه حتى الآن أربعة مجلدات.

) صياغة منطق فهم استخارة القرآن الكريم في خمسة مجلدات بعنوان «علم الاستخارة»، والتي أزالت الخرافات من هذا المجال العلمي الباطني والولائي.

) صياغة علم نفس الحيوانات والنباتات، وخواص وأثار المواد الغذائية، وأنواع الأحجار والمعادن والظواهر الطبيعية المهمة بناءً على البصيرة والحكم الخاصة بكل ظاهرة.

) صياغة علم نفس طبائع البشر وسلوكياتهم المرتبطة بطبقاتهم الداخلية.

) صياغة منطق فهم العلوم وتقديم نظام مشترك بين جميع العلوم التجريبية والإنسانية، وبيان أن التخصص في علم معين يمهد الطريق للبشرية للوصول إلى جميع العلوم.

) صياغة علم «تفضيل الأنبياء» الذي يقارن كمالات وقدرات الأنبياء والأولياء الإلهيين، ويزيل الخرافات من شخصياتهم الإنسانية الإلهية، مع القرآن الكريم كمحور رئيسي لهذا الكتاب.

) هندسة دقيقة وشاملة للاقتصاد السليم بهدف القضاء على الفقر بعنوان «الاقتصاد السليم والقضاء على الفقر»، وهو اقتصاد يستند إلى حقائق الدين والعلم والثقافة الإيرانية، وليس خليطاً من الرأسمالية والاشتراكية.

) هندسة نظام القضاء والعقاب الذي يختلف عن النظام الجاري حالياً، ويستند إلى أسباب فقهية.

) نقد الثقافة الغربية وبيان سياساتها الكبرى والأساسية مع تقديم حلول للتفاعل معها، بالإضافة إلى التنبؤ بالمستقبل واستراتيجياتهم.

) توضيح طرق السيطرة على الظواهر الغيبية مثل الجن والملائكة، وطرق التقرب إلى الظواهر الماورائية، مع إزالة الخرافات والتنبيه على المعتقدات غير المعقولة في هذا المجال.

) صياغة الصحة والطب التقليدي والتغذية السليمة مع تقديم نقد للطب السائد، وخاصة القسم الجراحي منه، وصياغة رسائل تخصصية تهدف إلى بيان الأحكام الشرعية بما يتوافق مع حقائق العلوم الحديثة، مثل «الأحكام الطبية». وقد اقترحت بعض المراكز العلمية اعتماد كتاب «الأحكام الطبية» كمقرر دراسي في جامعات تابعة لوزارة الصحة. هذا الكتاب هو أوسع كتاب فقهي في موضوعات ومسائل الطب الحديثة، ويفتح طرقاً جديدة للأبحاث العلمية والعلاجات الخاصة للأطباء. كُتب هذا الكتاب بلغة سهلة، واضحة، وجميلة، خالية من التعقيد، دون الابتعاد عن اللغة المعيارية. هذه الرسالة تتبع نظرة فقهية ترفض النظرية السائدة في أوساط الفقهاء، مع التأكيد على أن الفقيه هو المختص بتحديد موضوع الحكم الشرعي.

هذه الرسالة هي حكم فتوى صريح، ولا تحتوي على عبارات مثل «حسب الأرجح»، «للاحتياط»، «محل تأمل» أو «محل اعتراض». في بعض المسائل، يظهر الابتكار بمعنى الدقة في اكتشاف الحكم الشرعي. مجرد الاطلاع على هذه الرسالة يوضح الفرق الواضح وقوتها وتفوقها على الرسائل الفقهية الموجودة.

أيضاً، في كتاب «علم الذكر» قمنا بصياغة «العلاج بالذكر» بشكل منهجي وعلى قواعد علمية. «العلاج بالذكر» هو علم معقد وواسع جداً، وقضاياه أصعب وأكثر تعقيداً من بيانات الطب الحديث، ومع كل ذكر صحيح مع الحفاظ على شروطه يمكن إحداث تأثير في عالم التصرف، لكن التوفيق والنصرة الإلهية ضروريان لتوضيح علم النفس والطب ومستشفى الأذكار وصيدلية القرآن الكريم.

على كل حال، أعتقد أن هذه الأعمال المبتكرة تمتلك قدرة نظرية مناسبة مع واقع المجتمع اليوم في مجال الدراسات الدينية، معتمدة على الاجتهاد والعقلانية والروحانية، وقد أسست مدرسة جديدة في العلوم الإنسانية والإسلامية التي تواجه مشكلة إنتاج العلم الصحيح، وهي مدرسة متوافقة مع الفطرة البشرية ومنبثقة من جوهر الدين.

عدد هذه الأعمال حتى الآن تجاوز مئتين وعشرين عنواناً، وجميعها منشورة. وللأسف، تواجه هذه الأعمال مقاطعة من قبل ما يُشبه المافيا، بحيث لم تقترح أي جهة حكومية أو مؤسسة شراء هذه الأعمال حتى الآن.

هذه المؤلفات تحتوي على ابتكارات علمية موثقة وكثيرة في مجال العلوم الإنسانية، ومكتوبة بلغة معيارية، ولديها القدرة على سد فجوة النظريات في هذا المجال، خصوصاً في الدراسات الدينية. معطيات هذه الكتب تعتمد على العقلانية والروحانية والشريعة، ويمكن أن تعيد هندسة الثقافة الشيعية في عصرنا هذا بدور جديد. هذه الإنتاجات موثقة، وتزيل الشوائب وتحل المشاكل العلمية بطرق مبتكرة وجديدة؛ وهي مشاكل كانت سبباً في ركود وكساد المجتمعات الإسلامية. هذه الأعمال قادرة على إحداث تحول جذري في الحوزات العلمية والمراكز الجامعية.

( )

من خلال دراسة هذا التفسير، يُدرك جليًّا لماذا تُعتبر آية (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أهمّ آية في القرآن الكريم، والتي توجد في بداية كل سورة.

أما مؤلفاتي القرآنية الأخرى فهي كما يلي:

  • «علم الاستخارة بالقرآن الكريم» الذي نُشر في خمسة مجلدات، حيث تمّت هندسة ومنهجية فهم الاستخارة بالقرآن الكريم.
  • «آية آية نور» الذي يتناول دراسة علمية لأكثر من ثلاثمائة آية من أهم آيات القرآن الكريم، ويعد دورة شاملة في المعارف القرآنية. ويمتاز هذا الكتاب باستخلاصات جديدة وعلمية لكثير من الآيات القرآنية المهمة.
  • «شهرآيين السياسة» الذي يقدّم أهم المبادئ الأساسية في السياسة وإدارة البلاد مستندًا إلى آيات القرآن الكريم.
  • «يادنامه روحانيت» الذي يعرض متطلبات طلبة العلوم الدينية والنظام التعليمي والتربوي في الحوزات العلمية مستندًا إلى آيات القرآن الكريم.
  • «سرود محبان» الذي يشرح بعضًا من أهم آيات الذكر في القرآن الكريم ويبيّن آثارها ونتائجها.
  • كتاب «فرهيخت الأدبيات وعلوم الاشتقاق» الذي يتناول الأدب المبني على ثقافة القرآن الكريم، ويوضح الفروقات الواضحة بينه وبين الأدب السائد عند أهل السنة.
  • كتاب «علم الذكر» الذي جمع وصنّف علم الذكر وعلّمه بصورة علمية عبر ثلاثة مجلدات مستندًا إلى آيات القرآن الكريم.
  • كما تناولت في كتابي «فقه الغناء والموسيقى» المسائل الفقهية والتاريخية المتعلقة بالموسيقى، إلى جانب أطروحات الموسيقى العلاجية وفلسفة الموسيقى، في سبعة مجلدات. ويشتمل هذا الكتاب على دراسة آراء جميع الفقهاء في عصر الغيبة حول الغناء والموسيقى، بالإضافة إلى تحليل نفسيّات الصوت والسمع والمغالطات الفقهية المرتبطة بها، معتمدًا على أدلة قرآنية كثيرة.
  • كما نُشر كتاب «القمار» الذي يعالج الفقه المرتبط بالقمار، والترفيه، والمسابقات، ويستند أيضًا إلى آيات قرآنية.

تقييد سرعة الإنترنت

يُطرح هنا سؤالٌ مهم: مع أنّ الكثير من الباحثين والعلماء يستخدمون الإنترنت لأبحاثهم العلمية، فإنّ بطء السرعة يؤدي إلى ضياع الوقت، بينما تمتلك وزارة الاتصالات إمكانية زيادة السرعة لمنع هذا الهدر، لكنها تقيدها خوفًا من سوء الاستخدام من قبل البعض. فهل هذا التقييد جائز من وجهة نظر حضرتكم؟ وإذا كان مقصودًا، فهل لا يُعدّ ضمانًا مسؤولية؟
يجب القول إنّ إعاقة الاتصالات أو تقييد خدماتها لا يتناسب مع الإسلام ولا يعكس صورة طيبة لشعب إيران. هذا الأمر يسبب النفور وفقدان الحافز لدى الناس، خاصة العلماء والباحثين. لذا، من الأفضل اعتماد ثقافة استخدام الإنترنت بشكل مناسب وتوعوي، مع مراعاة مسؤولية المعنيين تجاه تبعات أفعالهم.

تكريم العلماء الحقيقيين

نظرًا لدور العلماء الحقيقيين في توجيه الثقافة والحياة العلمية والاجتماعية والسياسية للبلاد، فإنّ إقامة احتفالات لتكريم جهودهم ومجاهدتهم الخالصة، يُعيد للحياة عطر الإيمان ويحيي ذكريات الناس تجاه العلماء في فضاء المدن. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «العلماء باقون ما بقي الدهر»، فبقاء العلماء الحقيقيين مرتبط بآثارهم العلمية وذكر الناس الطيب لهم.
وصية «اذكروا موتاكم بخير» تؤكد أهمية إحياء ذكرى المتوفين وعمل المؤمنين، بشرط تجنب الإسراف والتبذير في أوقات الركود الاقتصادي، والامتناع عن إقامة لافتات باهظة ومبالغ فيها.

صلة جفاف الأرض بالجفاف المناخي

صحيح أن جميع المناخات سواء الجافة أو الرطبة قد تعاني من الجفاف، لكن منطق الغيوم هو أن تسقط أمطارًا أقل فوق الأراضي الجافة، حيث تقل قدرتها على التهيئة السحابية.
في إحدى المحاضرات، انتقدت نظام الفتوى والدروس في الحوزات العلمية، مؤكّدًا ضرورة تدريس العلوم الحديثة مثل علم الاجتماع وعلم النفس المستندين إلى تعاليم القرآن الكريم وسنة المعصومين، لأن الفتوى يجب أن تراعي المجتمع والناس، ويتطلب فهم المجتمع معرفة متعمقة بعلم الاجتماع وعلم النفس.
استندت إلى الحديث الشريف «العلماء ورثة الأنبياء» لأوضح أن العالم الحقيقي يجب أن يهتم بمشاكل الناس ويدعمهم، ويخدم البلاد بالعلم المستمد من الاستنباط وبمساعدة القوى المقدسة.

قلت في الدرس: لا ينبغي افتراض أن مشاكل الناس تُحل بمجرد تكرار الأحكام المتعلقة بالغسلات والمستحات فقط، بل إن المشكلة الكبرى في المجتمع اليوم هي غياب الفتوى في المسائل الحيوية والأساسية للبلاد، مثل الزراعة والجفاف.
لا يمكن مواجهة الجفاف بمساعدات سطحية كإرسال صهاريج مياه أو تحويل المياه من مكان إلى آخر مثل سد كوچري إلى قم، بل يجب معالجة القضية بشكل علمي شامل عبر الحفاظ على رطوبة طبقات الأرض السطحية، خصوصًا بالتوسع في المساحات الخضراء والزراعة الشجرية. الأرض الرطبة تجذب الغيوم، مما يزيد احتمالية هطول الأمطار.
لذلك، لمكافحة الجفاف وزيادة الأمطار، يجب الحفاظ على رطوبة سطح الأرض عبر الزراعة الحديثة الواسعة بدلاً من الزراعة التقليدية بالري الغمر الذي يسبب هدر المياه وتلف الموارد. وإلا ستزداد حالات الجفاف عامًا بعد عام، ويزداد ارتفاع درجات الحرارة، مع زيادة الأمراض المرتبطة بالحرارة.
لا تمطر الغيوم فوق الأرض الجافة، فتجف البحيرات تباعًا، ويبقى فيها الملح فقط كما حدث لبحيرة أرومية وبحيرة قم. نقص الأمطار والجفاف ناتجان عن سياسات زراعية خاطئة، خاصة توسع الزراعة التقليدية وسياسات البناء العشوائي وتدمير المساحات الخضراء. يمكن المحافظة على رطوبة الأرض صناعيًا عبر الري المستهدف والمساحات الخضراء، لأن الشعب الإيراني محافظ على دينه وكرامته.
يمكن للفقه أن يخدم الناس في هذه القضايا، وخصوصًا الفقه الشيعي الذي يمتاز بعالميته وقدرته على التكيف مع المجتمعات الحديثة، بشرط أن يكون فقهًا علميًا مستندًا إلى الشرع وليس مجرد أهواء أو خرافات.

من الأخطاء الفادحة الترويج للزراعة التقليدية التي تحتاج كمية كبيرة من المياه للري الغمر، وهو هدر للمياه التي تتبخر أو تهدر في الطريق، وهذا مع توسع الزراعة التقليدية والبناء العشوائي وتدمير المساحات الخضراء يُعد من أهم أسباب الجفاف في إيران.
للهطول المنتظم للنّدى نظام طبيعي يمكن دراسته وفهمه علميًا، ويمكن التحكم به لإنتاج المطر في الأراضي الجافة. كما أن السياسات الإدارية الخاطئة يمكن أن تؤدي إلى حدوث الجفاف.

الإنسان المتدين؛ أفضل الشعائر

الإنسان المتدين هو رأس كل الشعائر. الإنسان هو أشرف المخلوقات الإلهية، والدين وضع له كبرنامج حياة للحفاظ على كرامته وعظمته وكماله.
وبذلك، يحقق الإنسان بهدي الدين كماله المطلوب، ولا يمكن أن يتعارض الدين الصحيح الخالي من التحريف مع الإنسان المتدين.
الإنسان الكامل والمعصوم هو أسمى نموذج للإنسان وضعه الدين في مكان القداسة والرمزية الكبرى، والناس العاديون المتدينون هم عبيد محترمون منسوبون إليه، وقد جعل الله الدنيا بكل ما فيها في خدمتهم.
لذا، من لا يقدّر مكانة الإنسان ويهين أو يحقر الإنسان باسم الدين، أو يؤذي الناس باسم تعظيم الشعائر، فذلك يدل على فهم خاطئ للدين.
الدين يكرّم المؤمنين أكثر من تكريم الكعبة، كما قال: «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة». هذا يعني أنه في حال تعارض الحفاظ على حرمة الكعبة مع حرمة المؤمن، يجب تقديم حرمة المؤمن.
ولكن اليوم، هناك سياسات توضح أن بناء بعض الأبنية أغلى قيمة من قيمة المؤمنين الفقراء، مع أن الشعائر يمكن إقامتها عند انفتاح اقتصادي، ولكن جروح وآلام الناس الفقراء التي تحدث في محيط هذه الأبنية لا يمكن إعادتها.
بالطبع، مثل المصليات والسقايات هي شعائر دينية تربينا عليها، ولكن الحفاظ على كرامة المؤمنين هو شعار أعلى وأهم.
هذه السياسات الخاطئة تظهر بشكل خاص في بناء مبانٍ فخمة للمراكز العلمية والبحثية، خاصة في العلوم الإنسانية والإسلامية حيث يتحول العلم إلى مجرد مهارة، ويتم تجاهل حاجات الطلبة والباحثين.
بدلًا من بناء مبانٍ فخمة تحت اسم الدين أو العلم، يجب دعم الطلبة ماديًا ومنحهم منحًا علمية لكي يكرسوا جهودهم لخدمة البلاد والدين. وهذا هدف قابل للتحقيق في ظل الثروات الموجودة في إيران.

الصراعات الطائفية، سياسة استعمار مستمرة

الصراعات الطائفية تمثل الوقوع في فخ المؤامرات الاستعمارية. الصراع والعنف الطائفي، مهما تنوعت أشكاله، سواء أكان قتلًا شخصيًا أو تشويهًا لشخصية، أو كان في صورة حرب مفتوحة أو خطاب بارد، هو في الحقيقة الوقوع في شبكة واسعة للاستعمار ومؤامرات الكارتلات العالمية. اليوم، يجب أن تكون المناطق حاملة راية الحوار والمناظرة العلمية والاحترام المتبادل، وفي النهاية، إذا لم يكن للكلام أثر، يجب الالتفات إلى قول الله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

في تعاملنا مع الفرق والمذاهب الأخرى، نعتمد سياسة الحوار العلمي والمحترم، لا الصراع والعنف. وإذا لم يقنع أي طرف في نهاية النقاش، وجب أن نظل محايدين ونرفع شعار (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، لأن الصراع في الأمور العقائدية والثقافية، والابتعاد عن سياسة الحوار، لا يؤدي إلا إلى الفشل وعزلة الفرد ومعتقده. طبيعة العالم الدنيوي (الناسوت) لا يمكن أن تتحقق فيه السلامة والنقاء بالعنف، بل الحوار العلمي والمناظرات التخصصية هي التي توضح الطريق، لا النزاعات في ميادين القتال أو في المناظرات التلفزيونية أو الفضائية.

سورة آل عمران سورة مدنية أنزلت في المدينة، وهي سورة تحمل أحكامًا وضعت للمجتمعات الحديثة التي تملك سلطة، لا للبيئات البدائية والمغلقة. عنوان السورة “آل عمران” يشير إلى السيدة مريم والسيد المسيح، لا إلى النبي موسى وقوم اليهود. اليهود كانوا في فترة عزلة وكساد حتى جاء السيد المسيح فأعاد لهم الظهور والنشاط، وهذا يعني أن اليهود وحدهم، دون دعم المسيحيين، كانوا سينقرضون، بينما المسيحيون هم الذين يحفظون وجود اليهود. اليوم، الغرب المسيحي هو الذي يدعم اليهود الصهاينة وإسرائيل، وإلا لكانوا هُزموا على يد الشعوب الشرقية. بالنظر إلى هذا الدعم المستمر، يمكن الاستنتاج أن اليهود أمة باقية، وهذا البقاء يعود إلى قدرتهم على الحوار مع المسيحيين.

السياسة الدائمة للاستعمار الغربي هي خلق صراعات طائفية ومذهبية، ولسوء الحظ، في الثلاثين سنة الماضية حقق الاستعمار أكبر نجاحاته في هذا المجال من خلال إنشاء شبكات فضائية خاصة لإثارة النزاع بين الشيعة والسنة، مما يعكس سياسة إثارة الخلافات المستمرة وسياسة مذهب ضد مذهب وتحفيز الجانب الحيواني للصراع بدلاً من الجانب الإنساني للخطاب والفكر، حيث يتشاجر الإخوة في الدين لفظيًا ويسفكون دماء بعضهم البعض، بينما الاستعمار يضحك عليهم.

يجب أن ننتقد من يظنون أن العنف والاقتتال مع معتقدات الآخرين يمكن أن يحقق أهدافهم الدينية، فالقرآن الكريم يحترم المسيحيين كأتباع السيد المسيح، وعلينا أن نستطيع الحوار معهم بوجه لوجه بطريقة محترمة وعلمية. أما من لا يستطيع الحوار، ويصرخ ويعاند ويريد كل شيء وفق أهوائه، فهو شخص عنيف تملك العنف طبيعته، وبعيد عن المنطق والعلم. ومن لا يمتلك منطقًا وعلمًا، ولا يقبل الحوار الذي يقوم على العلم والحق، يتجاهل حرية الإنسان الطبيعية لتحقيق رغباته الخاصة. فالحرية حق طبيعي لكل البشر، ليست سياسة أو خدعة. وإذا تجاهلت الحرية الطبيعية في مجتمع ما وحكم الاستبداد، يتحول المجتمع من حرية إلى انفلات يؤدي إلى الظلم والصراعات والفساد. هناك فرق بين الحرية والانفلات؛ فالحرية لها إطار وحدود، أما الانفلات فلا قواعد له.

الحرية والسلطة في المنظور الديني والاجتماعي

الحرية في الفكر الديني والإنساني تعني حق الفرد في اختيار معتقده وسلوكه ضمن حدود القانون والأخلاق، وليست تعني الفوضى أو تجاوز الحقوق. عندما تُحترم حرية الآخر، فإن المجتمع يتحول إلى فضاء خصب للحوار والتعايش السلمي، ويزدهر فيه الفكر والثقافة. في المقابل، الاستبداد أو فرض الرأي بالقوة يؤدي إلى كبت الطاقات وتفشي الكراهية والصراعات.

إن السلطة التي لا تُبنى على مبادئ العدالة والحرية لا تكون إلا أداة للظلم والقمع. لذلك، في المجتمعات الحديثة، يجب أن تقوم السلطة على أساس المشاركة والشفافية، وعلى احترام حقوق الإنسان وحرياته. وهذا لا يتناقض مع الثوابت الدينية، بل هو ما تقتضيه روح الدين الحقيقية التي تدعو إلى العدل والرحمة.

دور الإعلام والفضاء الثقافي في تشكيل الوعي

الإعلام هو السلاح الفعّال في بناء الوعي أو تفكيك المجتمع. لذلك، يجب أن يكون الإعلام مسؤولاً وواعياً بدوره في تعزيز قيم الحوار والتسامح، والابتعاد عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.

الفضاء الثقافي يجب أن يشجع على البحث العلمي والفكر النقدي، ويعزز الحوار بين الأديان والثقافات، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعات متقدمة قادرة على مواجهة تحديات العصر.

عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن يهودياً يُقال له “سبحت” جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد، جئتُ أسألك عن ربك، فإن أجبتني عمّا أسألك عنه وإلا رجعت. قال: سل عمّا شئت. قال: أين ربك؟ قال: هو في كل مكان وليس هو في شيء من المكان المحدود. قال: وكيف هو؟ قال: كيف أصف إلهي بالكيف، والكيف مخلوق، والله لا يوصف بخلقه. قال: فمن أين يُعلم أنك نبي؟ قال: فما بقي حوله حجر ولا غير ذلك إلا تكلم بلسان عربي مبين: يا سبحت إنه رسول الله. قال سبحت: ما رأيتُ كالْيوم أمرًا أبين من هذا. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

وأما هل الله شيء أم لا، فقد وردت تعبيرات مختلفة في ذلك، وذلك لاختلاف طول المقام، ونورد الروايات التالية لتظهر أهمية وعظمة هذا البحث وصعوبته، وأن البحث في رؤية الحق تعالى، الذي يأتي بعد إدراكه، ليس سهلاً، كما ورد في الرواية التالية:

بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن التوحيد، فقلت: أتوهّم شيئاً؟ فقال: نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل وخلاف ما يُتصور في الأوهام، إنما يتوهم شيء غير معقول ولا محدود.

وفي نفس المعنى ورد أيضاً:

محمد بن أبي عبد الله عن محمد بن إسماعيل عن الحسين بن الحسن عن بكر بن صالح عن الحسين بن سعيد قال: سُئل أبو جعفر الثاني: يجوز أن يُقال لله إنه شيء؟ قال: نعم، يُخرجه من الحدين؛ حد التعطيل وحد التشبيه.

حسين بن سعيد يقول: سألته (أبا جعفر) الثاني (عليه السلام): هل يُناسب أن يُقال إن الله شيء؟ فقال: نعم، ذلك الاعتراف يُخرج عن حد التعطيل (الإنكار) وحد التشبيه (التشبيه بالمخلوق).

وعن بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن علي بن عطية عن خيثمة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء.

وسأل منكر الحق تعالى: ما حقيقة ذلك الإله الواحد؟ فقال الإمام الصادق (عليه السلام): الله شيء، لكنه ليس مثل المخلوقات:

(الله) شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولِي إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يُحس ولا يُجس ولا يُدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا ينقصه الدهور، ولا تغيّره الأزمنة.

هذه الروايات يجب أن تُعتبر من الروايات الفلسفية، وبها يمكن الحجّة على من يعارض الفلسفة، وتدل على ارتفاع فكر المناقش، إذ يقول:

“لا حاجة لنا إلى تفسيرها لثباتها ووجودها”. قال السائل: فقد حددته إذ أثبت وجوده؟ قال أبو عبد الله: لم أحدده، ولكن أثبته، إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة. قال السائل: فله إنيّة ومايّة؟ قال: نعم، لا يثبت الشيء إلا بإنيّة ومايّة. قال السائل: فله كيفية؟ قال: لا، لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة، ولكن لابد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لابد من إثبات ذات بلا كيفية، لا يستحقها غيره، ولا يشارك فيها، ولا يُحاط بها، ولا يعلمها غيره.

قال السائل: فهل يُعاني الأشياء بنفسه؟ قال أبو عبد الله: هو أجل من أن يُعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة، لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا يأتيه الأشياء إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو تعالى نافذ الإرادة والمشيئة، فعال لما يشاء.

فإذا ثبت الوجود (لله)، فإنك بذلك قد قيدته. فقال (عليه السلام): لم أقيده، بل أثبته، فلا توجد بين الوجود والعدم منزلة. ثم تتابعت الأحاديث التي تبين أن الله شيء، لكنه غير محدود ولا معقول بالكيف، وغير متشبه بالمخلوقات.

وختاماً:

عن الفضل بن السكن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان”.

وهذه الرواية تؤكد أن الله يمكن معرفته والاطلاع عليه، ولا أن الله غير معرف أو خارج عن حدود المعرفة، بل معرفة الله معرفة وجودية وحقيقية، لا مجرد معرفة عقلية نظرية.

إن أمر الله تعالى عجيبٌ غريبٌ، إذ إنه يظهر لنفسه من عباده ومن المخلوقات التي لديه، أي إن العبد الذي يمتلك أعضاء وأعضاء جسدٍ، يظهر الله له من هذه الأعضاء والأجزاء، ولكن كيف يكون ذلك وكيفيته لا يمكن إدراكه إلا بالدعاء السابق:
“يَا مَن لا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَلا كَيْفَ هُوَ وَلا أَيْنَ هُوَ وَلا حَيْثُ هُوَ إِلَّا هُوَ”.

وقد ورد في كتاب “الأصول الكافية” بابٌ بعنوان “النهى عن الكلام في الكيفية”، لأن العبد الضعيف عند التفكر في ذلك يقع في الحيرة والارتباك:

قال محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):
“تكلّموا في خلق الله ولا تتكلّموا في الله، فإن الكلام في الله لا يزيد صاحبه إلا حيرةً”.

فإن الإمام الصادق (عليه السلام) أمر بالتحدث في خلق الله وعدم التحدث في ذات الله تعالى، لأن الكلام في ذات الله يزيد المتكلم حيرةً وارتباكًا.

وفي رواية أخرى عن الكليني عن حرّيز:
“تكلّموا في كل شيء ولا تتكلّموا في ذات الله”.

هذه الرواية تدل على النهي عن التفكير في الله سبحانه وتعالى، لأن ذلك يؤدي إلى الحيرة والارتباك، ويجنب العبد الأذى.

ولكن إذا أراد الإنسان أن يتفكر في الله تعالى ولم يصبه حيرة أو ارتباك وتحمل نتائج ذلك، فلا حرج عليه.

وقد وردت روايات أخرى تنبه على هذا التحذير:

قال سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى):
قال: إذا انتهى الكلام إلى الله عز وجل فأمسكوا.

وقال محمد بن مسلم: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
“يا محمد إن الناس لا يزل بهم المنطق حتى يتكلموا في الله، فإذا سمعتم ذلك فقولوا: لا إله إلا الله الواحد الذي ليس كمثله شيء”.

وهذه الرواية تُعتبر وصفة لتوحيد المعرفة، وتُظهر مرتبة محمد بن مسلم، فهي تشبه قوله تعالى:
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).

فهذا الآية تُبين مقام النبي موسى (عليه السلام) وخطابه إليه، وليست بمعنى أن الله تعالى لا يمكن رؤيته، وإنما موسى (عليه السلام) ليس من ذوي القابلية والشهود لظهور الله.

فموسى (عليه السلام) لا يقدر على مرافقة سيدنا الخضر (عليه السلام) الذي هو من أولياء الله، فكيف يمكنه أن يرى الله تعالى بنفسه؟

وإذ لا يستطيع موسى (عليه السلام) مرافقة الخضر، وهو نبيٌ مشتاقٌ وليس واصلًا، فكيف يستطيع إدراك ذات الله؟

وقد ذُكر في الروايات عن بكاء شعيب (عليه السلام) شوقًا إلى الله حتى عمِيّ، دلالة على هذا الفرق في المقامات.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام):
“إيّاكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم النظر إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه”.

فالوحدة بين الخالق والمخلوق تقتضي أن من لا يستطيع رؤية الله، عليه أن يتأمل في عظمة مخلوقاته، فإن عظمة الله تتجلّى في شؤونه وخلقه.

وقال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في جواب رسالة سُئل فيها: كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه؟

فكتب:
“يا أبا يوسف، جَلَّ سَيِّدي ومَوْلَي ومُنْعِمي علىّ وعلى آبائي أن يُرَى، وهل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربه؟
إن الله تعالى أراه رسوله في قلبه من نور عظمته ما أحب”.

فهذا يعني أن رؤية الله ليست برؤية حسيّة بل رؤية من نور العظمة في القلب، وهذه حقيقة لا يمكن وصفها، وهي أمر من أسرار الإله.

وقد ورد في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
“لما أُسري بي إلى السماء بلغ بي جبريل مكانًا لم يطأه قط، فكشف لي فرأيت الله عز وجل من نور عظمته ما أحب”.

وهذا يدل على أن الله يُظهر لنبيه من نور عظمته ما يشاء، وهو أمر خاص لا يُفصح عنه.

وأخيرًا، يجب أن نعلم أن جميع العوالم مليئة بنور الله، ولا يوجد شيء في الوجود إلا وله ظهور من الله، حتى الكفار ينالون جزءًا من هذا النور بحسب ظهورهم.

وكلٌّ يرى الله بطريقته ويرتبط به حسب مقامه، من الجماد إلى الأحياء، من العباد العاديين إلى الملائكة، حتى جبريل الذي يسأل عن مقام الإحسان.

والذي يبلغ مقام الختم يرى من نور الله عظمةً لا توصف، ويُظهر الله له من نوره ما يحب.

الحقائق لا يمكن البحث عنها في علم الكلام، فإنَّ مدى هذا العلم لا يكفي لفهم تلك الحقائق، بل ينبغي السعي إليها في علم التصوف العالي. ولا ينبغي أن يقع المرء في خلط العلوم، ولا يجوز للعلماء في تخصصٍ معين أن ينتقدوا علماء في تخصصات أخرى ليست من اختصاصهم. باب المعرفة والرؤية يحتاج إلى التقرب، وكلُّ شخصٍ بحسب قربه يعرف الله تعالى. فمنهم من بُعدُه قصير، ومنهم من له فكرٌ عميق، ومنهم من هو رقيق الفكر، ومنهم من يمتلك قلباً ليعرف الله تعالى بالله نفسه ويتوصل إليه. هذه المعرفة لا تتحقق إلا بالنقاء والقرب والوصول.

  • عن عدةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء حِبرٌ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ قال: فقال: ويلك لم أكن لأعبد رباً لم أره. قال: وكيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.

هذه الرواية التي تحتوي على عبارة «ويلك» تدل على وجود إيقاعٍ لغوي يهدف إلى إحداث صدمة في السائل. أمير المؤمنين (عليه السلام) هنا يؤكد صراحة: لم أعبد رباً لم أره، وهذا التعبير لا يعني رؤية واحدة أو اثنتين، بل يعني رؤية دائمة مستمرة وضرورية.

  • ثم سأل السائل مجدداً: كيف رأيته؟ فلم يعطِه جواباً مباشراً بل رد عليه بنهيٍ جديد، وقال: لا تُدركه العيون، بل تراه القلوب، فصرف ذهن السائل إلى ما وراء السؤال لأنه لم يكن المستمع قادرًا على سماع الجواب الحقيقي الصعب. هذا الجواب يشبه ما قاله الله تعالى في جواب سؤال ماهية الروح: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي)، وأيضاً في سؤال الأهلة: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس). السائل يعلم أن القلوب تستطيع رؤية الله لكن يريد معرفة كيف يراه أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يجب.
  • عن صفوان، عن عاصم بن حميد، قال: ذكرت أبا عبد الله (عليه السلام) فيما يروون من الرؤية، فقال: الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءًا من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءًا من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من الشمس، ليس دونها حجاب.

هذه الرواية تعني أنه كما لا يمكن للعين أن تنظر إلى الشمس مهما كانت صغيرة مقارنةً بنور الكرسي والعرش ونور الحجاب والستر، لا يمكن للعين أن ترى الله. لكنها لا تعني أن الله غير مرئي، بل تعني أن بصر الإنسان غير قادر على ذلك. وإذا توفرت أداة أكثر قدرة، يمكن رؤية الله تعالى. وقد رآه بعض الأشخاص بقليلٍ من هذا وأكد أمير المؤمنين (عليه السلام): «لم أكن لأعبد رباً لم أره».

وبعض من أدلة لقاء الله:

  • «وتلقِّنني بها عند فراق الدنيا حجتي وأنظر بها إلى وجهك الكريم يوم القيامة وعلىَّ منك نور وكرامة يا فاعل الخير والنعماء.»
  • «وأسألك اللهم حقائق الإيمان والصدق في المواطن كلها والعفو والمعافاة واليقين والكرامة في الدنيا والآخرة والشكر والنظر إلى وجهك الكريم.»
  • «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم آمين يا رب العالمين.»
  • «اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك.»

وقد بيّنّا هذا الباب في آخر مجلد من كتاب “سير سرخ” وأوضحنا أصوله المفترضة، ونكتفي هنا باعتباره أصلًا مسلّمًا وضروريًا في طريق السلوك العملي.

مشاهد من “صحنه”

كانت مشيئه الله أن أزور مدينة “صحنه”، إحدى المناطق التاريخية العريقة في محافظة كرمانشاه شرق إيران، بين معبد آناهیتا ونقش بيستون. تحدها من الشمال سنقر وكليائي، ومن الجنوب هرسين ولرستان، ومن الشرق كنگاور، ومن الغرب كامياران وكرمانشاه. تضم صحنه مركزين: صحنه وميانه راهان. سكانها يتكلمون الكردية بلهجات كرمانشاهية ولكية. 73% منهم من الشيعة، و27% من أهل الحق.

تمتاز المنطقة بالمرابع الخضراء والأنهار والمناظر الطبيعية، وجذبها التاريخي والديني.

زرتها عام 1360 هـ ش في رحلة دعوية قصيرة، وأحظيت بذكريات طيبة مع أهلها من الشيعة وأهل الحق، الذين يعيشون بمحبةٍ وولاءٍ للإمام علي (عليه السلام).

الملجأ الإلهي لأم أبيها

فاطمة الزهراء (عليها السلام)، الصديقة الطاهرة، هي ابنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملازمة له في الشدائد، كانت ملجأه في محنته، وهو الغريب في بيته ومظلوم من أعدائه. لما كانت تؤذيه زوجات النبي في بيته، كان يلتجئ إلى فاطمة (عليها السلام)، وبعد وفاته تحملت أم الفضل ما لا يوصف من الآلام والشدائد، حيث ضربت على بطنها وأصيبت بكدمات. فكيف كان حالها مع أعدائه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

الملكية الخاصة لفدك

فدك ليست من أموال الحكومة أو الدولة، ولا من الأموال العامة. لقد خصّ الإسلام القيادة بامتيازات وصلاحيات خاصة، ولها سبب نفسي واضح: أولاً، لا ينبغي أن يكون القائد محتاجاً أو لديه عقد نفسية، وثانياً، يجب ألا يُجبر القائد على الاعتماد على الآخرين لتأمين نفقاته، ولهذا فتح الله تعالى يد المعصوم ليأخذ جزءًا من الغنائم الحربية بيده، كما خص النبي محمد صلى الله عليه وسلم بامتيازات خاصة في الزواج، وهذا ما يعترف به أهل السنة أيضاً. هذه الإمكانيات الخاصة التي منحها الله للقيادة هي لتلبية حاجات القائد، حتى يتمكن من الانشغال بقضايا المجتمع والحكم، دون أن يقع في عقد النفس أو الرياء.

فدك من جملة هذه النعم التي وهبها النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، وهو مثال على القدرة والصلاحية في تحويل الإمكانات القيادية. يستطيع القائد أن يمنح ما يخصه للآخرين، مقابل أن يأخذ ما يخص الآخرين ويقسمه حسب المصالح، وفي بعض الحالات التي لا تقبل القسمة، يحولها إلى شيء آخر. ومن هذه الأمثلة التحويلية فدك، إذ كانت ملكًا شخصيًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من اختصاص الحاكم الشرعي. فقد بدل النبي صلى الله عليه وسلم أمواله بما استولى عليه من غنائم، ومن ثم وهبها لابنته.

من يعتبرون تنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن فدك تصرفًا من ولي الأمر الشرعي في أموال الدولة، هم غير مطلعين على التاريخ. فولي الأمر الشرعي يتولى إدارة الأموال العامة وليس ملكيتها. المال الذي في يد الحاكم يشبه ميزانية الدولة، فلا يصبح الحاكم مالكًا لها، بل له سلطة التصرف فيها فقط. الأموال الحكومية لا تُورَّث تحت أي ظرف. الحاكم يمكنه فقط أن يتصدق بأمواله الخاصة أو يورثها. ولي الأمر الشرعي لا يملك سلطة التصرف في الميزانية العامة، ولا يجوز له أن يأخذ مال الناس لنفسه. ملكية الإمام من نوع الإدارة والتصرف، ولا يمكن أن يورثها لأبنائه. ما يُقال بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث، يقصد به المال العام والدولي، لا المال الشخصي. الخلاف بيننا وبين أهل السنة يكمن في هذه النقطة؛ فهم يرون أن النبي لا يورث أي مال، ونحن نقول: نعم، الأموال العامة التي تحت تصرف النبي لا تورث، لكن النبي يمكنه توريث ماله الشخصي.

في نقاش فدك، لا ينبغي أن ننظر إليه من زاوية النزاع والانتصار، كما يفعل بعض العلماء، لأن هذا المنهج يبقي النقاش غامضًا. فليس رأي أهل السنة صحيحًا الذي حرّم حتى حقوق النبي من حق المسلم العادي، حيث قالوا إن النبي لا يورث مالًا، ولا هو رأي بعض علماء الشيعة الذين يرون أن كل الخليقة، بما في ذلك الأرض كلها، ملك خاص للإمام المعصوم، متجاهلين أن المقصود من الملكية هو التصرف الإداري وليس الملكية الشخصية. كما أن المجتهد لا يمكنه التصرف في الخمس أو ميزانية بيت المال لمصلحته الخاصة، إلا إذا كان مستحقًا لذلك مثل غيره.

تنفيذ العدالة العلوية

بعضهم يتساءل: هل تمكن أمير المؤمنين عليه السلام من إقامة العدالة؟ للرد على هذا السؤال يجب التفريق بين “عدم القدرة” و”عدم الإمكان”. “لا يمكن” تختلف عن “لا يجوز”. أن يقول أحدهم “لا أستطيع” يعني أن الأمر ممكن وقد يستطيع غيره، لكن “لا يجوز” تعني أن الظروف المحيطة لا تسمح بتحقيق ذلك، فلا أحد يستطيع في تلك الظروف. كان بإمكان أمير المؤمنين عليه السلام إقامة الحق والعدل، لكن المجتمع كان متخلفًا ومنحطًا جدًا بحيث لم يكن بالإمكان تطبيق الحق فيه. من الناحية الفلسفية، الفاعل كامل لكن البيئة ناقصة. أمير المؤمنين عليه السلام هو المظهر الكامل للعدل، وأي خلل كان بسبب البيئة وليس بسبب عدم قدرته. وعندما يقال إن عدالة الإمام المنتظر تتحقق في عصر ظهوره، فهذا لا يعني أنه أقوى من أمير المؤمنين، بل لأن المجتمع في زمنه متقدم ومتمدن ويتبع ولي الأمر. إذًا المشكلة ليست في المعصوم بل في المجتمع.

الوضع اليوم أفضل بكثير من زمن أمير المؤمنين عليه السلام، فقد مرت أكثر من ألف ومئة سنة ونما الناس وأصبحوا أكثر وعياً. المجتمع في زمنه كان يعاني من نواقص كثيرة حالت دون تطبيق كامل للحق.

ضرورة انتشار الإسلام بالحرب

يقال إن الإسلام انتشر بالسيف. ظهر الإسلام في جاهلية لا تفهم منطق الحوار، بل لغة القوة والعنف كانت هي الحاكمة. إذا أمسك أحدهم رقبة آخر، هل يعاملونه بلطف؟ لا، بل يضطر الآخر للقتال للدفاع عن نفسه. من لا يقاتل يدل على عدم وجود قوة، إذ لا أحد يحتمل الظلم والصلف. قد يكون السلام ممكنًا مرة أو مرتين، لكن لو كان هناك جار يظلم يوميًا، هل يمكن السكوت؟ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك قادة يتعارض قولهم مع مصالحهم، فسببوا مشكلات للنبي وأتباعه. ظل النبي ساكتًا إلى أن حاز القوة والسلطة، ثم استخدم السيف – اللغة الوحيدة التي يفهمها خصومه – وهزمهم حتى لا يكون هناك عائق أمام الحق.

كل زمان له ظروفه، ولا يمكن مقارنة مجتمع النبي اليوم بالمجتمع الحالي. اليوم القانون يطبق إذا اعتدى أحد على آخر، ولهذا فإن السيوف مغلولة. أما في الماضي، كان القانون يتحدد بقوة القبيلة أو الفرد الأقوى.

بعض الأديان لم تلجأ إلى العنف لأن لم تكن تملك القوة، وإلا لرأينا أمثلة كثيرة مثل اضطهاد البوذيين للمسلمين في ميانمار، أو الحروب الصليبية التي شنتها المسيحية بعد أن أصبحت قوة.

النبي صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام رحمتان للعالمين ولم يسعيا للحرب أو العنف، بل كانت الحروب مفروضة عليهم من أعدائهم.

رسالة عاشوراء للأجيال اليوم

سُئلت عن رسالة نهضة عاشوراء للأجيال المعاصرة، وعن المبادئ التي يمكن أن يستلهمها المجتمع منها. أرى أن أهم عوامل نجاح واستمرار فكر وحركة الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء هي “صحة المبدأ، صحة المسير، وصحة الهدف”. ما دام أنصار عاشوراء يتحركون بهذه الصفات، فهم سيبقون أحياءً، صامدين ومنتصرين.

كما أكدت على ضرورة التعليم العلمي لعاشوراء ومعارفها في المدارس والجامعات، واستنباط العلوم الإنسانية منها، نظرًا للحاجة إلى تحول المجتمع من التقليدي إلى العلمي.

على المرء أن يعرف أن الأئمة المعصومين هم الطريق والمرشد إلى الله، والهدف هو الحق سبحانه وتعالى. الأئمة المعصومون هم سفينة النجاة ومصباح الهداية، وهم وسيلة، وليسوا الهدف ذاته. الهدف هو الله ووحدانيته.

أما الإمام الحسين عليه السلام، فهو “حسين مني وأنا من حسين”، وهي نفس العلاقة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم مع فاطمة عليها السلام. الإمام الحسين ليس فقط ابن النبي، بل هو من صميم وجوده، فبقاء النبي ودين الإسلام مرتبط بشهادة الإمام الحسين عليه السلام. لولا وجوده، كان الإسلام سيُحتوي ويُحوَّل إلى دين مزيف كما حدث مع اليهودية والمسيحية.

معرفة الإمام الحسين عليه السلام لفهم الالگو والاقتداء

لفهم عاشوراء والاقتداء بها، يجب أولاً التعرف الجيد على الإمام الحسين عليه السلام، ليكون قدوة يحتذى بها. ثلاث خصائص بارزة في وجوده المطهر: أولًا، الإيمان والاعتقاد؛ ثانيًا، المعرفة؛ ثالثًا، العصمة والطهارة. آيات المحبة والمباهلة والتطهير تشهد على ذلك.

الإمام الحسين عليه السلام يمتلك جميع شروط الصحة والسعادة، بداية من صحة الأصل، فهو من الطيبين، ومن أفضل الأباء والأمهات، وله هدف سامٍ وهو إقامة الحق وإزالة الباطل. إضافة إلى ذلك، سار في الطريق الصحيح مع العصمة، فلا يمكن أن يكون المبدأ والهدف صحيحًا والمسير خاطئًا.

التوفيق الذي حظي به الإمام الحسين عليه السلام هو أن محيطه كان منصفًا ومخلصًا، في حين أن باقي الأنبياء والأئمة عليهم السلام كان بعض من حولهم من المنافقين. الإمام الحسين عليه السلام كان قد أوصل الله قلوب أنصاره للنقاء، وهو ما ميزه حتى عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال إن الناس ارتدوا بعده إلا ثلاثة.

خصائص أتباع الإمام الحسين (عليه السلام)

إذا أردنا أن نكون حسينيين، فلا بد أن نتحرك وفق نموذج الإمام الحسين (عليه السلام) على أساس معرفة صحيحة. كون الإنسان حسينيًا ليس في المظهر والشكل، بل في المحتوى؛ ليس في القوالب الجاهزة، بل في الحقيقة. إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) يحمل الإيمان والمعرفة، فلابد أن يكون جميع محبي عاشوراء وأتباع الحسين يمتلكون إيمانًا نسبيًا ومعرفة بالتوحيد والولاية. ينبغي على أتباع عاشوراء أن يتحلوا بأسمى درجات الخير والمحبة تجاه المجتمع. الحسيني هو من يكون مثل إمامه في الإحسان، والشجاعة، والكرم، ويدافع عن المظلومين، ويقف بوجه الظالمين، ويتعاطف ويتعاون مع المظلومين. أما من لم تتوفر فيه هذه الصفات ويدعي الانتماء إلى الحسين، فحسينيته شكلية فقط، كما كان الحال في زمن الإمام الحسين (عليه السلام) في الكوفة، حيث كان كثيرون يبحثون عن منافع شخصية لا خدمة للناس، ولما لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم مع الإمام الحسين، تركوه.

العاشورائي الحقيقي هو من يرافق مولاه سيد الشهداء (عليه السلام) في الظاهر والباطن، فلا يكتفي بالمظاهر ولا يهملها، وإلا كان ناقصًا في كلتا الحالتين. الحسيني هو من يكون في شعاره وعمله، في ظاهره وواقعه، حسينيًا. كما أنه يقتدي في هدفه بالإمام الحسين (عليه السلام)، فلا يكون هدفه شخصيًا أو ماديًا، بل يسعى لإزالة الباطل وإقامة الحق، ويهتف بحياة الحق أينما كان، حتى لو أدى ذلك إلى فقدانه نفسه. يهدف إلى نشر الدين وتحقيق سلامة المجتمع وسعادته.

من يتحلى بالحسينية يتمتع بصحة «المنهج»؛ منهج واعٍ، علمي، وعادل. صحة المنهج أهم من كل شيء، فقد يكون للإنسان بداية صحيحة لكنه لا يعرف الهدف، حينها يكون لديه بداية شكلية وليس معرفة حقيقية. أما من كانت بدايته (المعرفة والإيمان بالله) صحيحة، فيعرف هدفه أيضًا. ويجب عليه أن يختار المسار الصحيح لتحقيق هذا الهدف، وإلا فإن استخدامه لأساليب متطرفة وراديكالية سيدخل المجتمع في توتر وصراع. من لا يملك صحة في المنهج لا يعرف لا البداية ولا الهدف، وكذلك الأشخاص الخاملون والمتواطئون.

صحة المنهج هي نتيجة معرفة البداية والوصول إلى الهدف. من كان يملك بداية صحيحة بدعم العلم والإيمان والوعي، سيصل إلى الهدف بنفس المعرفة والإيمان. التوازن في المنهج قد يتطلب أحيانًا القتال والجهاد، وأحيانًا قد يكون الجهاد مضراً، وذلك حسب الظروف الزمانية والمكانية. معرفة المسار الصحيح ليست ثابتة، بل تختلف من فرد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، ومن دولة إلى دولة، ولا يمكن تصورها بثبات واحد.

لذا، فإن معرفة المسار اليوم مهمة جدًا لكل فرد حسيني وحتى لكل نظام حكم حسيني. يجب أن نعرف متطلبات العصر: هل يقتضي اليوم اتباع طريق السلم أم طريق الشهادة؟ هل يتطلب العلم والمعرفة؟ فمعرفة المسار هي ثمرة معرفة الهدف. إذا عرفنا الهدف جيدًا من خلال صحة البداية، فإن المسار سيكون سليمًا وينتج نتائج إيجابية. لمعرفة المسار يجب أخذ الظروف بعين الاعتبار، تمامًا كما يراقب الطبيب حالة المريض يوميًا، يجب اختبار المسار يومًا بيوم وبلحظة بلحظة لمعرفة كيف نسير اليوم وكيف ننظم القافلة لتقليل النقص والمشاكل.

يجب على العاشورائيين أن يكونوا كطوارئ؛ كيف يتصرف الطوارئ مع مريض حاد؟ في وحدة العناية المركزة ماذا يفعلون؟ أولاً، يجب أن يكون لديهم تخصص ومعرفة. ثانيًا، يجب أن يكون تخصصهم ومعرفتهم حديثة ومُجددة. ثالثًا، يجب أن يكونوا حاضرون دائمًا. اليوم، يجب أن تتحرك الأنظمة والمجتمعات الحسينية والولائية بتخصص وإيمان ومعرفة. علينا أن نحدد هدفنا: هل هدفنا الدين أم الدنيا؟ وإذا كان الدين هو الهدف، فعلينا أن نسير في الطريق الصحيح والسليم. من كان عاشورائيًا وولائيًا يسير في طريقه بوعي ومعرفة في كل لحظة.

الاهتمام الشامل بالمظهر والمضمون

للأسف، استغلال الحوزويين والمجتمع لسيد الشهداء (عليه السلام) وعاشوراء محصور في الشكل والمظهر فقط، كأنهم يكتفون بعشرة أيام من المحرم باللطم والجلد وإعداد الطعام والتبرعات، واجتماعات تتكرر فيها نفس الكلمات القديمة، وهذا ليس تقليدًا حقيقيًا لواقعة عاشوراء ولا يعطي نتائج مجتمعية حقيقية. كالنار التي تشتعل ثم تطفئ بالماء. لا ينبغي لأتباع عاشوراء أن يكتفوا بالعشرة أيام أو بالمناسبات والطعام، ولا يجب تعويد الناس على روحانية شكلية تقتصر على حضور مجالس الطعام. هذه الأعمال الشكلية لا تعطي نتائج حقيقية. حتى في ملعب كرة قدم، الجمهور المتابع هدفه واضح ومحدد أكثر من الحاضرين لمجلس العزاء، حيث لا يتابعون أي مجلس بل يذهبون لأي مكان يقدم الطعام بلا تمييز. حماس الحاضرين في مباريات كرة القدم أشد وأقوى من حماس الحاضرين في مجالس العزاء.

بالطبع، لا بد من مراعاة الشكل في مجالس عاشوراء، كاللطم والعزاء والذكر والدموع والطعام، لكنها يجب أن تكون هادفة، على الأقل بحجم حماس مباراة كرة قدم أو الألعاب الأولمبية. فالعالم اليوم يعطي أهمية عظيمة للأولمبياد، بينما يملك الشيعة موضوعًا وحماسة تفوق ذلك بكثير، لكنه اكتفى بالشكل فقط. وأحيانًا تكون نماذج إحياء عاشوراء غير حديثة ولا هادفة، كما النار التي تشتعل لعشرة أيام ثم تنطفئ، وتنتظر العام القادم.

نقطة أخرى، يجب تجنب الإفراط والتفريط. من يقول إن زمن مجالس العزاء والبكاء قد انتهى، مخطئ، وكذلك من يظن أن مجرد دمعة وسماع لطم وضيافة العزاء تكفي للحصول على الجنة، كلاهما منحرف. الحسينية تعني السير مع هدف الإمام الحسين (عليه السلام). إذا استطاع المجتمع المسايرة مع بداية ومسار وغاية الإمام الحسين، سينال النمو والسعادة، وإلا فمراسم عاشوراء تصبح مجرد عادة وروتين يومي. هدف عاشوراء هو الحركة والتجديد للدين والمجتمع، وللأسف اليوم لا يحقق ذلك خاصة في مجال الفقه، فتصبح هذه المراسم شكلية كالصلاة اليومية التي تتحول إلى عادة بلا حياة.

الاستفادة الواعية من عاشوراء

لكي ترسخ عاشوراء في حياة الجميع وتبعدها عن الانحراف، يجب تعليم الأبناء من البداية تعاليم عاشوراء الصحيحة. هذه التعليمات يجب أن تقدم كوحدات دراسية من المرحلة التمهيدية حتى الجامعة، لا تعليمًا شكليًا فقط، بل يتضمن المحتوى أبعادًا عرفانية وتاريخية واجتماعية ونفسية وفلسفية وفقهية وأخلاقية وأدبية وفكرية وموضوع الاجتهاد وتجديد الدين والمجتمع، لا مجرد إعادة سرد كلمات قديمة تعود لمئات السنين. اليوم لا مكان للكلام القديم في المدارس والجامعات. يجب تقديم وحدات دراسية تعكس أفكارًا حديثة متجذرة في أساسات عاشوراء، ليصبح أبناؤنا يتابعون النهضة الحسينية من خلال فهم عميق ووعي.

عندما أقول يجب تقديم عاشوراء كوحدات دراسية أكاديمية، قد يظن البعض أنني أقصد تحويل الجامعات إلى حسينية أو تحويل الحكاية الحسينية إلى رواية شفهية كالشاهنامة، لكن هدفي هو تقديم عاشوراء كموضوع علمي. فثورة كربلاء تقدم أفضل المواضيع والمشكلات للمراكز العلمية والبحثية. ألم يدرّسوا في الجامعات علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والتاريخ والقانون؟ يمكن لنهضة عاشوراء أن تكون موضوعًا وبيانات لجميع هذه العلوم. إذا كتب أنصار غاندي ونهرو عشرات الكتب لتعريف هذين الشخصيتين للعالم اليوم، وإذا كتبت آلاف الكتب والمقالات لتعريف هايدغر، فلماذا لا تُكتب كتب علمية في الجامعات والحوزات لتعريف العالم بالإمام الحسين (عليه السلام) وكشف أبعاد هذا النمط الحياتي؟

بالنسبة للإمام الحسين (عليه السلام)، لم تُكتب إلا بعض المقتل على طريقة غير علمية، مليئة بالأكاذيب والحكايات الملفقة التي لا سند لها. إذا بحثنا بين الكتب التي كتبت عن الإمام الحسين (عليه السلام)، فلن نجد الكثير من الكتب العلمية الجادة التي تناولت عاشوراء بحثًا وتحقيقًا. هناك بعض الكتب التي تناولت الموضوع من جوانب نفسية واجتماعية وفلسفية وقانونية وفقهية، وهي كتب محترمة وعلمية.

في الفقه، وُجهت قرابة مئة اعتراض فقهي من قبل فقهاء الظاهر على قيام الإمام الحسين (عليه السلام)، منهم أنه لا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه كما يقول القرآن الكريم: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). أو أنَّه لا يجوز أن يُصلي المرء وهو يخاف الموت ويدير ظهره للعدو… لا تتوافق هذه التصرفات مع الفقه الظاهري السائد. وكأن الإمام الحسين له فقه خاص مختلف عن فقه هؤلاء الفقهاء الذين لم يفهموا فقه عاشوراء ووقعوا في الخطأ.

وسائل الإعلام والمطبوعات يجب أن تضع خطة لتقديم «عاشوراء العلمية» للناس وخاصة للمعنيين بالثقافة، وأن تبين ضرورة تقديم هذا الفكر في وحدات دراسية، بحيث يُعامل كمواد الفيزياء والكيمياء والرياضيات بجدية وعلمية. هذا أمر مهم ومهمل في الوقت ذاته. حتى الآن، لم نستطع أن نثبت علميًا لأبنائنا مظلومية الإمام الحسين (عليه السلام) وأن هذه المظلومية كانت سببًا في هزيمة أعدائه. تم التركيز فقط على البكاء والضجة والموالد الحزينة، ففُقدت معارف عاشوراء وسط هذا الجو العاطفي. فمن يستطيع إثبات مظلومية الإمام علميًا وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية؟ للأسف، بعد الثورة الإسلامية عام 1979، لم يُبذل جهد مناسب لتعميق المعرفة بالولاية، وكانت الشعارات والأشعار والمشاعر هي السائدة، وكل شيء كان شكليًا وعاطفيًا.

البحث في حركة سيد الشهداء يجب أن يكون من مختلف الأبعاد الاجتماعية، الفلسفية، النفسية، المنطقية، القانونية والأخلاقية، وذلك لفهم الأسباب التي أدت إلى قيام هذه الحركة، وما هي نتائجها؟ وما هي خصائص أولئك الذين أطلقوا هذه الحركة؟ ومن هم أعداء الإمام الحسين، وما هي صفاتهم؟ وما هي الخصائص التي كانت لدى هؤلاء التي دفعتهم لمواجهة الإمام؟ وهل ما زالت هذه الصفات موجودة اليوم في بعض فئات المجتمع؟ وإذا كانت موجودة، فما نسبتها وشيوعها؟ من هم مثل حرملة وشمر وابن زياد، وماذا فعلوا؟ وهل يمكن اليوم أن نجد مثل هؤلاء في المجتمع؟ إذا كان حرملة قد أصاب حلق طفل بسهم، فاليوم هناك من قتل آلاف الأطفال والنساء والرجال من الصغار والكبار، مثل صدام. شمر قاتل شجاعًا من أشجع الناس، ولم يحارب الضعفاء ولم يزرع القنابل في طرقات الناس، ولم يقتل مئات الأبرياء فجأة بانفجار انتحاري. بالطبع يجب الرد على هذه النقاط بطريقة علمية، لا بالسباب أو الإهانات العاطفية والتعصبية! ولكن، ما العمل حينما تكون الثقافة السائدة تقليدية وغير علمية ولا تمتلك خصائص الثقافة الحقيقية؟ المجتمع التقليدي يعيش على عادات وتقاليد قديمة، وهذه العادات أحيانًا تكون جيدة وأحيانًا سيئة. أما المجتمع الذي يجعل الإمام الحسين قدوته، فهو مجتمع دائم التجدد، متطور، ومتنامي. إذا كان المجتمع والحوامل الثقافية متخلفة، فهذا يعني أنهم لم يستفيدوا كثيرًا من الصفات الأخلاقية للإمام الحسين، وأصبح المجتمع مجرد مجتمع عاطفي مبني على الحماس والشعور فقط. حتى العلماء الدينيون أصبحوا عاطفيين. وعلى النقيض، إذا كان الأكاديميون غير مبالين، فإن الثقافة الاجتماعية تتحول إلى ثقافة تقليدية، رتيبة، وقديمة. مجالس الرثاء تتحول إلى تكرار الكلام القديم، حتى الشباب يشاركون في الشعائر لأجل الجانب العاطفي فقط، لا للاستماع إلى الكلمات المكررة التي سمعوها مرات عديدة. بالطبع، المشاركة في هذه المجالس بنظرة نسبية صحيحة ومرغوبة وحتى ضرورية، لكن إذا تحولت المشاركة إلى عادة روتينية، فإن ذلك خطير؛ لأن العادة فقط تخلو من المعرفة وبدون تركيز ووعي، وهذا يؤدي إلى التخلف.

يمكن الاقتداء بسيد الشهداء أو قيام عاشوراء فقط إذا كانت هناك معرفة وفهم أولا، ثم تحويل هذه المعرفة إلى فن، خصوصًا إلى مجموعات جذابة تُظهر المحتوى العظيم للعالم. من مضامين عاشوراء شهادة الحق، في ساحات القتال أثبتت الشهادة كمبدأ تأثيره عظيم في الانتصارات. عاشوراء في أي ظرف يمكن أن تكون مصدر حركة للحق وأحرار العالم. طبعا الظروف تختلف، واليوم ليس بالضرورة أن تكون الشهادة الهدف الوحيد للمجتمع، لأن الجميع خلقوا للحياة. لكن الشهادة تعني التضحية، ويجب أن نقتدي بتضحية الإمام الحسين ورفاقه ونجسدها في المجتمع. التضحية في المجتمع نادرة، كما أن الصدقة ومساعدة المحتاجين تقل، في مقابل زيادة البخل والحسد والعداوة والظلم. يجب أن نجسد فكرة التضحية بقدر تجسيدنا لفكرة الشهادة، وإلا زادت البخل وقَلّت الصدقة. التضحية والعفو نادراً ما تُرى، فمن نادر ما يقدر أن يصمت أمام من أساء إليه ولا يرد عليه. أحيانًا يؤدي حادث بسيط إلى نزاع وقتال، وأحيانًا يُقتل إنسان لأجله. لو كان المجتمع مضحيًا، لما حدثت هذه الأمور. يجب العمل على مبادئ عاشوراء. ولو كان هناك تقدم في بعض المجالات، فهو تقدم غير متوازن، مثلاً في الطاقة النووية والتسلح استثمروا وتقدموا، لكن في الزراعة لا تقدم ملموس، مع أن إيران لديها أفضل الأراضي. لو كان هناك نفس القوة في الزراعة كما هو في التسلح، لما أثرت العقوبات سلبًا لهذه الدرجة. في إيران إمكانيات الزراعة والبستنة كثيرة تكفي لإطعام عدة دول. في الفقه قلنا إن النظام الزراعي التقليدي يجب أن يتحول إلى نظام زراعي حديث وصناعي، فالزراعة التقليدية غير مجدية اقتصادياً ويجب إلغاؤها، بمعنى أن الزراعة بهذه الصورة حرام. إذا كان هناك فقيه ماهر، سيعلن حرامية الزراعة التقليدية. في الزراعة التقليدية تُستهلك المياه بطريقة غير علمية وبلا حدود، بينما في الزراعة الحديثة يكون الري هادفًا وبدون هدر. تصنيف الزراعة كأولوية يجب أن يكون في أعلى قائمة الدولة، وكل الأراضي الزراعية يجب أن تكون تحت زراعة صناعية. التقدم في التسلح دون تقدم في الزراعة يشبه أن يكون هناك تقدم في الشهادة دون تقدم في التضحية.

كما يجب أن يُقتدى بأدب الإمام الحسين في المجتمع. قصة الإمام مع الرجل العجوز الذي كان يتوضأ خطأ، يمكن أن تحمل رسالة للمجتمع اليوم. الإمام الحسين أظهر احترامه لكبر سن الرجل وحاول تصحيح خطأه بطريقة لا تجرح مشاعره ولا تجعله يشعر بالإهانة. لكن كم من الناس في المجتمع اليوم يفتقرون للاحترام المتبادل؟ كيف يمكن لهؤلاء أن يكونوا عاشورائيين؟ التلوث الصوتي أو إهانة الآخر بالصوت والبوق أثناء القيادة ضد شخص يقود بشكل صحيح، أسوأ من التلوث الأخلاقي، لأنه يسبب أمراضًا نفسية في المجتمع. للأسف، حين يكون المجتمع غير مثقف، يحدث هذا. هذا المجتمع لم يستفد من الإمام الحسين.

( )

الواجبات في المجتمع القرآني ومجتمع المداحين والذاكرين:

“صاحب البصيرة” هو من يمتلك رؤية تسمح له بفهم حقيقة الأمور كما هي، دون خطأ، ويصبح قادراً على توقع بداية ونهاية كل حركة.

ويقال “أهل القرآن” و”المجتمع القرآني” لمن يمتلك أولاً معرفة قرآنية وبصيرة، وبكلمة واحدة وعي؛ بمعنى أن اختيارات الفرد والمجتمع تكون وفقًا لمعايير ثقافة القرآن الكريم وتعاليمه، ووعي محتواه.

مدخل تحقيق الفرد والمجتمع القرآني هو المعرفة النظرية والوعي بهذا الكتاب السماوي الصحيح، والإحاطة بالمبادئ العلمية الموجودة فيه. الجهل ينفر الفرد والمجتمع عن القرآن. من يتواصل مع القرآن ويُعرف بأهله لا يمكن أن يكون بلا معرفة وبصيرة، ومن يملك البصيرة لا يمكن أن يخطئ في اختياراته، بل يحضر بحب وإخلاص في ميدان المسؤولية. من الناحية الفلسفية، كل فعل مرتبط بالفكر، وقيمة أي عمل تعتمد على فكرته، كما ورد في فضيلة أعمال أمير المؤمنين  عليه السلام في الرواية: ضربته في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين (الجن والإنس). تفوق كل أعمال أمير المؤمنين – التي وردت كمثال عام – مرده إلى معرفته ويقينه بالحقيقة. في كل الأمور، الأصل هو المعرفة والبصيرة، ويجب الانتباه إلى المادة والمحتوى الذي يحفز العمل هل هو مبني على رؤية صحيحة وواعية أم لا.

القرآن في الأمر بالعمل يقدم أولاً طريق العلم والمعرفة، ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

أيها المؤمنون، هل أرشدكم إلى تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون.

القرآن يعتبر الإيمان عقدًا قلبيًا على المعرفة، والعمل فرع على العلم. للأسف، لأن العلماء الظاهريين يروجون للعمل فقط، فإن المجتمع لم يتابع المعرفة والبصيرة، وبما أن الأفراد ينظرون إلى العلماء والنخبة العلمية، فإن هؤلاء لم يلحظوا المعرفة جيدًا، حتى أنهم لم يعودوا يميزون بين الحلال والحرام بشكل واضح. القرآن كرر بصوت عالٍ: (فَاعْلَمُوا)، ومثلاً: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). بدون معرفة، لن تؤثر سنوات العبادة وحتى الحضور في المجالس القرآنية في شخصية الفرد تأثيرًا كبيرًا.

المعرفة كانت لأمير المؤمنين عليه السلام، قال: “لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً”.

المجتمع القرآني، لأنه فقد التفسير الحقيقي والتأويل للقرآن، وتركز على القراءة والتلاوة والحفظ، لم يستطع أن يكون نوريًا وبصيرًا كما يجب. وإلا فإن من له بصيرة ومعرفة وحكمة، يفعل كل شيء في مكانه، ويعرف الخير للجميع، ويكون محبًا للجميع، ويهتم بخيرهم في أوقات الأزمات والتحولات، ويُحبّه الناس ويقتدون به.

من كان متصالحًا مع القرآن، ينظف نفسه من أسباب الحرمان. صحبة القرآن تعطيه صفاءً يهيئه للتفكير والوعي والمعرفة والبصيرة، ويمنحه قدرة خاصة على التمييز والرؤية المستقبلية. يفتح له طريق الغيب نسبيًا، ويستلهم من الله، فيعرف الحق ويدافع عنه، ويكشف الأقنعة التي يرتديها المنافقون والظاهرون، لأنه يمتلك نور البصيرة. من يملك البصيرة لا يدعم من يسيء للدين الحق، ولا يعرض نفسه للخداع في التحولات السياسية، وبنور بصيرته من القرآن يستطيع تمييز أصحاب الزيف من أصحاب النور الحقيقي. من يملك هذه النعمة القرآنية لا يترك واجبه ولا يتجاهل الحق الذي يعيشه. إذا لم يظهر هذا بوضوح في المجتمع القرآني، فهذا يعني أن مصطلح “المجتمع القرآني” لا ينطبق على ذلك المجتمع.

القرآن كثيرًا ما يدعو إلى التفكر، ويقدر التفكير في كل اختيار. المجتمع القرآني الناجح هو الذي يتعامل مع القرآن بالتفكير والوعي، بعيدًا عن الجهل.

أما إذا تحدثنا عن مجتمع آخر غير المجتمع القرآني، فهو مجتمع المداحين والذاكرين. عمل المداحين في الأساس تحفيزي ثم معرفي، خلافًا للمجتمع القرآني الذي يجب أن يكون معرفيًا متقدمًا على التحفيز. بالطبع كلا الفريقين لديهما الجانبان المعرفي والتحفيزي. في الجانب التحفيزي قد يكون البكاء والعبرات صادقة أو عرضية، لكن في الجانب المعرفي يجب أن يكون الشخص قادرًا على التمييز بين الحقيقة والباطل، وهذا أصعب بكثير من إثارة المشاعر. أضرار المداحين هذه الأيام ليست قليلة، وهذا الفن أصبح أداة لتبرير أشياء شيطانية في بعض الجوانب، لكن هذه الأضرار أقل في المجتمع القرآني، رغم أن هذا الأخير لا يملك حيوية في مجال المعارف القرآنية، وينشغل بالصوت والنغمة والحفظ والتلاوة بدلاً من البحث العلمي والتفسير الحديث والتجديد الفكري.

اليوم نجد في بعض المجالس نجد إشارات توحي أن بعض الحاضرين لا يفهمون حديث الإمام أو القرآن، ويغلب عليهم الجانب الشعوري الذي قد يؤدي إلى الخمول أو التخلف.

لذلك، الأصل في المجتمع الناجح هو مجتمع يتعامل مع القرآن بفهم علمي ونظري وعملي، ويحقق بصيرة حقيقية.

في مقابلةٍ أجرتها وكالة الأنباء القرآنية في شهر شباط (فبراير) عام 2013م، بمناسبة انعقاد المؤتمر الخاص بالمجتمع القرآني والبصيرة في نيسان (أبريل) 2013م، ذكرتُ أن القرآن الكريم يُعلي من شأن الفكر على العمل، فلا تتحقق الأعمال الفردية أو التنظيمية إلا بظهور فكرٍ متماسكٍ. ولا يزال المجتمع القرآني حتى الآن يفتقر إلى الفكر القرآني الصحيح، والمسار الذي يسير فيه لا يتوافق مع المنهج القرآني المطلوب. ومن ثمّ فإن تنظيم هذا المجتمع يتطلب إعادة تعريف الأُسس المعرفية لـ«معرفة القرآن». فهذا المجتمع لم يتعرف على القرآن الكريم كما هو بحق وبما يستحق، ويتم تصميم السياسات القرآنية من قِبل أفرادٍ لا يمتلكون فهماً سليماً للقرآن، ولذلك لا يستطيعون خلق الحراك المطلوب بين المهتمين بالأنشطة القرآنية، إلا إذا تَولى العلميون الحقيقيون توجيههم وإدارتهم ودعمهم.

ويجب التنويه أن المجتمع القرآني لا يظهر إلا بوجود الناس الفهماء والغيورين، وأن صفة كونهم «شعباً» يجب أن تكون الميزة الأساسية لهذا التجمع، فلا يجوز أن يخضع المجتمع القرآني لنفوذ الحكومات. كون هذا المجتمع شعبياً يجعل أفراده في وسط الناس بعيدين عن الظهور العلني. وقد اعتبرت وكالة الأنباء القرآنية (إيكا) في مجموعتها من الأسئلة «تنمية البصيرة الاجتماعية» كعملٍ أساسي، وكانت تبحث دوماً عن طرق تنفيذية لتحقيق هذا الهدف. وهذا في وقتٍ لا يزال الفكر القرآني القوي غير مهندس بشكل صحيح في المجتمع القرآني، فالمجتمع كطفلٍ في طور المشي، ولا يمكن توقّع دخوله في المناقشات السياسية والاجتماعية في هذا الوقت المبكر. حتى لا يتعرف المجتمع القرآني على مشاكله وآلامه لا يستطيع التحرك بنشاط وحيوية في المجتمع.

ومن بين أهم هذه الآفات التي تحجب أي نموّ لهذا المجتمع المبارك:

أ. الغربة عن القرآن الكريم:

{يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]

لو كان المجتمع قرآنيّاً بحق، لكان يجب أن يتفوق على باقي الفئات الاجتماعية، لا أن يكون هو ذاته مغترباً. فالقرآن الكريم للمسلمين إمامٌ واضحٌ وقائدٌ، والمجتمع الذي يمتلك القرآن لا يمكن أن لا يكون رائداً.

ب. غياب المدينة البحثية للقرآن الكريم:

يجب إنشاء مدينة مخصصة للقرآن الكريم، وإسكان الباحثين والعلماء البارزين من مختلف التخصصات فيها، وتوفير الإمكانيات لهم لتيسير الأبحاث العلمية حول القرآن الكريم. ويجب أن يكون هؤلاء الباحثون حقاً من العلماء المخلصين، لا من الذين يرتبطون بالمؤسسات فقط طلباً للرزق أو المناصب، فيجلسون بلا إنتاج حقيقي.

فالقرآن الكريم يغطي العلوم الإنسانية والتجريبية، لكنه يحتاج إلى بحوث موسعة لا تقتصر على ختمات التلاوة أو الحفظ فقط.

للأسف، اليوم القرآن لا يلعب دوراً علمياً أو اجتماعياً أو سياسياً، بل يجب أن يدخل إلى عقول وقلوب الناس، فيصبح الإمام المبين والقائد المجتمعي، وليس فقط موضوع تلاوة أو خلفية إعلامية أو مشهد في فيلم. فالقرآن الكريم شفاء ورحمة للمؤمنين، وخسارة للظالمين، وهو كتاب الحقائق لكل العلوم حتى غير المرئية منها.

إن وضع العلوم القرآنية في بلادنا مزرٍ، كما أن علومنا الإنسانية مستوردة وغير مستندة إلى القرآن، بل تستند إلى فكرٍ إنساني ماديّ، مع تجاهل البعد الروحي، وهذا ما يهدد المجتمعات الإسلامية.

ج. منهج التآلف مع آيات القرآن الكريم:

منهج «الانس بالقرآن» هو الطريق إلى حضرة هذا الكتاب المقدس وكشف معارفه الظاهرة والباطنة، وهو طريق خاص بالمقربين من الله والأولياء الصالحين، حيث لا يتأتّى إلا بالتوفيق الإلهي، والصفاء الداخلي، والاستمرارية في التواصل الروحي مع الوحي.

هذا المنهج ليس متاحاً للجميع بنفس الدرجة، فحتى العلماء والدعاة يجدون صعوبة في الوصول إليه. هو علاقة روحية عميقة لا تتحقق بالعلم الظاهري وحده، بل يتطلب عناية إلهية وقرباً ربوبياً.

من يحقق هذا التآلف، يدرك معاني القرآن بصورة فريدة، ويعيش حياة روحية مستمدة من الوحي، ويشهد ظهورات الآيات الحية في الكون.

هؤلاء الذين يتآلفون مع القرآن يتحدثون إليه وينطقون به، ويجدونه رفيقهم في يقظتهم وأحلامهم، ويطلعون على حقائق الوجود بدقة ووضوح، بعيداً عن الظن والتخمين.

إن أولئك الذين ينظرون إلى القرآن الكريم بعين التآلف، ويصبحون رفاق هذه الحقيقة الحقيقية، يقبلهم القرآن الكريم، ويجدون الحقائق كما هي لا كما يتخيلون، وحياتهم تتغذى من الوحي والوحيانيّة. إنهم يلحظون ظهورات الآيات الإلهية بشكل فعلي دائم ومستمر على العالم أجمع، ومن ينضم إلى هذا التدفق يصبح قد وصل ووصل إلى القمة.

أولئك الذين يتقرّبون بالانس إلى محضر القرآن الكريم، ويضعون أيديهم على منابع الوحي الحقيقية، يرون الوجود والكون والإنسان بصورة ملموسة وواقعية، ويشاهدون نزولات الآيات وتجلياتها الحاضرة والمستقبلية على حد سواء، حيث يظهر الوقت والزمان في مرآة رؤيتهم بشكل واضح وثابت. ويستطيعون أن يدركوا حقائق الوجود من القرآن الكريم دون ظنون أو تخمينات.

هؤلاء هم الذين يرون آيات الله في حركة وتجلي، ويشهدون الأوجه المتعددة لها بنظرة ثاقبة ثابتة، ويطلعون على درر وبواطن القرآن الكريم من آفاق قريبة وبعيدة بدقة متناهية.

القرآن الكريم يختص بالحديث معهم، وهم بدورهم يخاطبونه، حيث يصبح القرآن رفيقهم الدائم في يقظتهم ومنامهم، فينشئون علاقة تآلفية مستمرة مع كتاب الله العزيز.

إن فهم القرآن الكريم لا يتم إلا بالتعاون مع أستاذ متمرس ومرشد متمكن، والذي نسميه «المحبوب». ولا يمكن إدراك هذا الكتاب السماوي العظيم إلا بمساعدة أولياء محبوبين، فهم يوضحون الآيات المتعلقة بكل فرد بما هو رزقه وطعامه، ويهديان إلى كيفية التواصل مع النص القرآني. بعد ذلك، ينطلق كل فرد أو جماعة في عملها الخاص، مع التنسيق الدائم مع هذا الأستاذ الخبير.

على سبيل المثال، علم الحيوان يحتوي على آيات كثيرة في القرآن الكريم، ولا يمكن استخراجها إلا بواسطة أستاذ مختص، ثم توجيهها إلى فرق عمل متخصصة. يجب التفريق بين الحيوانات ذات الإدراك الكامل، والحيوانات ذات الإدراك المتوسط، والحيوانات ذات الإدراك المحدود. كما يجب تفسير سبب مشي بعض الحيوانات على قدمين، وبعضها على أربع، وبعضها على بطنها. وعلم الطيور يمثل بابًا مستقلًا يحتاج إلى أستاذ كامل، إذ لكل طائر ارتفاع طيران معين مرتبط بحكمة وسبب، ومع أن علم الطيور محدود، إلا أن معرفة أسباب ارتفاع الطيران تتطلب أستاذًا كاملاً لا يخطئ في تفسير الآيات.

حينئذ يمكن اعتبار القرآن الكريم كتابًا علميًا والعمل عليه، ولكن للأسف يبقى هذا الكتاب العلمي مهجورًا ومغلقًا.

رفع هذه المهجورية للقرآن الكريم يحتاج إلى إيجاد عالم رباني وصل إلى القرآن الكريم بوصفه محبوبًا، وهذا النوع من العلماء نادر الوجود في كل قرن، وهم من فهموا عظمة القرآن عن قرب، وهم أصحاب رأي موهوب في مختلف العلوم.

العلماء القدامى، الكثير منهم لم يكونوا محبوبين، عرفوا العلوم الأولى والآخرة من خلال التفاعل مع أساتذة محبوبين، وعلموا الفلك، الطب، الرياضيات، الحكمة، علم الاجتماع، شؤون الأسرة، علم الملامح، وجميع العلوم. وجود مثل هؤلاء العلماء ليس فقط ممكنًا عقليًا، بل يمكن أن يحدث، وإن قل وجودهم، أو غابت أدوارهم أحيانًا.

في بداية العمل، قد يعلن كثيرون عن أنفسهم كأساتذة، لكن معظمهم يتراجعون مع الوقت، وفي النهاية يبقى عدد محدود منهم على صحة وسلامة العمل، وقليل منهم يجد المجال للظهور في المجتمع. يجب على المجتمع أن يكرم هؤلاء القلة وأن يسعى لتوفير بيئة مناسبة لظهورهم. كما يجب على المسؤولين ومشرفي الثقافة الدينية البحث عن هؤلاء العلماء والبحث عنهم من بيت إلى بيت، حتى يعثروا على من تتوفر فيه الشروط، ويتعلموا منه منهج البحث والتحقيق في القرآن الكريم.

إذا ما تم تنظيم بحوث موجهة بواسطة علماء ربانيين على القرآن الكريم، سينشأ جهاد عظيم في مجال المعرفة، قادر على جذب العلماء من أنحاء العالم. العالم اليوم عطشان للعلم، يعاني من المجهولات، ويجب أن نفهم العلماء أن إجاباتها في القرآن الكريم، الذي يمكن أن يحقق نقلة نوعية في معرفتهم. للأسف، يكثر الادعاء ولا يريد العلماء إضاعة وقتهم في ادعاءات باطلة. وأولئك الذين يملكون القدرة على استخراج علوم القرآن، إن لم يمتلكوا الإمكانيات لإثبات أنفسهم، فلن يتكلموا خوفًا من عدم الدعم.

لو تمكن العالم من تحديد هؤلاء العلماء، واتجه العلماء نحوهم باعتبارهم قادرين على حل مشكلاتهم العلمية، فسيصبح هذا العالم سببًا في تحولات عظيمة في المجتمع القرآني وفي المجتمع الولائي في إيران وعلى مستوى العالم. الأستاذ المحبوب هو الذي يستطيع أن يحول الحروب إلى سلام، والأسلحة إلى أقلام، ويثبت الحق وينفي الباطل. حينها يصبح العالم جامعة، وكتابه العلمي القرآن الكريم، قادرًا على الإجابة عن كل منكر أو طالب علم بطريقة منطقية ومدعمة، فيعرف المخالفون أن إنكارهم نابع من العناد، فيتوقفون أو يختارون مخالفة العلم بما يضر أنفسهم فقط.

(هـ) عدم جدوى الترويج لحفظ القرآن الكريم وحده

حفظ القرآن الكريم ليس ضرورة مطلقة، بل يكون ضرورة جزئية كهيكل اجتماعي وسياسي وللتفوق في مسابقات دولية. حفظ القرآن بمعنى حفظ الوثيقة، والوثيقة بلا محتوى لا جدوى منها، والحركة والسير يكونان بالمحتوى.

رغم أن حفظ القرآن له أجر وفضل، ولا يناسب إلا بعض الأشخاص، إلا أنه لا يحل المشاكل الثقافية والفكرية والاقتصادية للمجتمع. الحفظ مفيد فقط في مواجهة من يستثمرون في مجال الرياضة أو جمع الكتب العلمية القيمة، وليس لتطوير العلوم الغامضة التي يحتويها القرآن الكريم. الحفظ والقراءة تستخدم للتسجيل والتصحيح والنطق، ولكن القرآن الكريم يحتاج إلى نشر وتوسيع المحتوى لأنه كتاب يحل احتياجات الناس الفكرية والمادية.

الحمد لله أصبح تلاوة القرآن الكريم شائعًا، وانتشرت المجالس القرآنية، لكن للأسف من السلبيات اليوم الإكثار من حفظ القرآن. نحن لا نؤيد الترويج للحفظ بهذا الشكل، خصوصًا بين العلماء الذين يقضون وقتًا كثيرًا في ذلك. الآن يمكن الوصول إلى القرآن كاملاً عبر الهاتف المحمول مع الصوت والصورة، ولا حاجة لإرهاق النفس.

الأهم هو الفهم والبصيرة في القرآن، وهذا تخصص الشيعة، لأن أهل السنة لا يملكون قدرة الفهم لذلك يستثمرون في الحفظ.

كان الحفظ ضروريًا في صدر الإسلام بسبب قلة الإمكانيات الكتابية، وخشية فقد القرآن بسبب القتال، لكن اليوم بفضل الله القرآن متوفر عالميًا ويتصدر قائمة الكتب من حيث النسخ المنشورة.

إن لم يكن هناك فهم، فإن الحفظ لا ينفع. عبر التاريخ، كان أهل السنة يهتمون بالحفظ فقط، والشيعة اليوم يسيرون في نفس الطريق. نأمل أن يتغير هذا التوجه ويصبح الاهتمام بالفهم والبصيرة هو المعيار، ويُعطى جوائز على الفهم وليس الحفظ فقط. الدوافع المادية قد تفتح الطريق نحو الروحانية والمعارف القرآنية. كيف يُصرف ملايين على كرة القدم ولا يُعطى أي دعم للقرآن سوى الحفظ فقط؟

إذا دُرب البعض للحفظ من أجل الضرورات، فلا بأس، لكن ذلك جهد كبير، فالاطلاع على آيات الله أمر مهم ولا يحتاج للحفظ التام.

في الختام، ملاحظات حول المجتمع القرآني:

المجتمع القرآني له مستويان:

  1. المجتمع الذي يهتم بالمظاهر الشكلية فقط: مثل القراء، الحافظين، الكتّاب، والمدرسين الذين يركزون على الفنون وليس العلوم.
  2. المجتمع العلمي: العلماء، المفسرون، المتخصصون الذين يهتمون بالمحتوى والمعنى ويعملون على استخراج العلوم الربانية، التوحيدية، والمعرفية.

الأول لا يمكنه تقديم فكر مستقل بل يتبع الثاني. الثاني هو الذي يستطيع تولي الإدارة والتوجيه في المجتمع القرآني، ويعرف كيفية تعليم المهتمين فنون القرآن وفق الوحي.

لكن هذا لم يحدث بعد، ومجالس القرآن يديرها عادة القراء والمدرسون والحافظون، الذين لم يستطيعوا تأسيس مجتمع مؤثر اجتماعياً وهدفياً يعتمد على التوجيه العلمي.

المجتمع القرآني يحتاج إلى قاعدة فكرية ومهارات نشر فكرية، وهذا يحتاج إلى إدارة علمية من قبل الحوزات العلمية، وليس من المؤسسات الأخرى التي تفتقر إلى التخصص اللازم.

المجتمع القرآني مثل مجتمع المداحين، لا يستطيعان أن يكونا مستقلين، ويجب أن يكونا تحت إشراف الحوزات العلمية التي تمتلك المعرفة والتحديث العلمي.

قيمة المجتمع القرآني العلمية تعتمد على أساتذته ومدربيه، فإذا لم يواكبوا التطورات ولم يمتلكوا تخصصات كافية في محتوى القرآن، فلن يحظوا باحترام المجتمع العلمي الإيراني.

الحوزات العلمية يجب أن تتولى إدارة المجتمع القرآني، وتضع برامج تعليمية، وتمنح شهادات علمية، كما يجب تربية الطلاب على الصحة الدينية والالتزام لأنها مستندة على القرآن.

إذا حافظ المجتمع على الصحة، والعدالة، والطهارة، والانسجام مع القرآن، فقد حفظ حرمة هذا الكتاب الإلهي.

يجب أن يتربى المجتمع القرآني على ترك الهوى واتباع القرآن في كل أمر، لا أن يجعل من نفسه هو القائد على القرآن، ولا يستغل القرآن لتحقيق أغراض شخصية.

المجتمع القرآني يجب أن يخدم القرآن ويحرص على عدم خيانته، وألا يوضع تحت سيطرة جماعات مشكوك في صحتها.

يجب أن يكون هذا المجتمع ذا هدف واضح يرتبط بقيم القرآن، لا يمكن أن يكون غير مبالٍ أو يسير بما يخالف تعاليمه.

لكي يتحقق ذلك، يحتاج المجتمع لتدريب وإدارة فكرية وعلمية من جهة عليا، وهي الحوزات العلمية، وإلا، كل الجهود ستكون محدودة الشكل، زائلة، ومجرد فنون لا علم.

تكبـيت غزل حقّ تعالى

في جميع آيات القرآن الكريم، تتكرر شهادة وحدانية الله تعالى، وهو الذي لا شبيه له ولا ند له، كما قال تعالى:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [سورة محمد: 19]
وهذه الشهادة هي أساس كل إيمان، هي النداء الأبدي الذي يعبر عن حقيقة الوجود: “لا إله إلا هو”. وهذا النطق يعلو فوق كل الأسماء والصفات، إذ هو الوجود المستقل الذي لا يقارن.

لهذا، فإن شعار «زنده باد حقّ تعالى» هو خلاصتي في التعبير، كما أن «يك شهر آباد بس است» تعني أن وحدة الله تكفي لسعادة الإنسان وازدهاره. وهذه الرؤية تستقر في بداية كل كتبي، بسم الله الرحمن الرحيم:
“باسم آنكه نيست مانندش” — أي باسم الله الذي لا يشبهه شيء.

انبساط خاطر (تبسّم النفس)

روى لي صديقي بعض النكات الطريفة التي تهدف إلى تخفيف النفس ورفع تعب القلب. أشاركك بعضها هنا، مع التنبيه إلى ضرورة احترام الجميع وعدم الإساءة لأي قوم أو شعب.

  1. جاء رجل يشكو إلى الله:
    “يا الله، في كل مكان أذهب إليه أرى الأتراك، لقد سئمت منهم! ماذا أفعل؟”
    فسمع صوتًا من السماء يقول:
    “يا جبريل، تعال وانظر ماذا يقول هذا!”
  2. جاء فقير إلى باب رجل غني، وقال:
    “يا أخي، السلام عليك! أرجو أن تفتح لي الباب لكي أدخل ونقسم ما ورثناه من أموال أبينا بالعدل.”
    فأجابه الغني:
    “أنا لم يكن لي أخ، ولا أبوي كان له زوجة أخرى، من أنت؟”
    قال الفقير:
    “نحن إخوة، أبونا آدم وأمنا حواء!”
    فأزاح الرجل الغني الطريق، وأدخله إلى بيته، وفرش له المائدة، وأعطاه قطعة خبز صغيرة وقال:
    “هذه حقك، وهي أقل مما تستحق، لكن إذا علم إخواننا وأخواتنا الآخرين بحقك، فلن تحصل حتى على هذه القطعة.”
    فقال الفقير:
    “كيف يكون حقي قطعة خبز فقط؟”
    فرد الغني:
    “اصمت وكل بهدوء.”
  1. [1] ـ انسان / 3 .
  1. [2] – شيخصدوق، امالى، ص 531 . بحارالا، طبع كمپانى، ج 17، ص 101.
  1. [3] -اصول كافى، ج 1،ص 44.
  1. [4] ـ  براى نمونه نگاه كنيد به العروة الوثقى، ج 2، ص 317.
  1. [5] . اعراف / 46.
  1. [6] . ص / 32.
  1. [7] . فصّلت / 5 .
  1. [8] . اسراء / 45.
  1. [9] . مريم / 17.
  1. [10] . مطفّفين / 15.
  1. [11] ـ انعام / 56 .
  1. [12] ـ مائده / 3.
  1. [13] . كهف / 18.
  1. [14] . «من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه». نهج البلاغه،خطبهى 216 .
  1. [15] . بقره / 219.
  1. [16] . بقره / 18.
  1. [17] . بقره / 20.
  1. [18] . بقره / 19.
  1. [19] ـ تكاثر / 1 ـ 2.
  1. [20] . جن / 1.
  1. [21] . حشر / 21.
  1. [22] . احزاب / 6.
  1. [23] . بحارالا، ج 39، ص 56، چ دوم، 1403 ق، مؤسسةالوفاء بيروت.
  1. [24] ـ حجر / 11.
  1. [25] ـ رحمان / 33.
  1. [26] ـ ص / 26.
  1. [27] ـ مائده / 44.
  1. [28] – صافات / 64.
  1. [29] ـ نهجالبلاغه، نامهى 31.
  1. [30] ـ مؤمنون / 106 ـ 108.
  1. [31] ـ رحمان / 29.
  1. [32] ـ اسراء / 72 .
  1. [33] ـ انبياء / 23.
  1. [34] . نساء / 164.
  1. [35] ـ مريم / 33.
  1. [36] . مريم / 15.
  1. [37] ـ مطففين / 34.
  1. [38] . وسائل الشيعه، ج 12، ص 8.
  1. [39] ـ بقره / 73.
  1. [40] ـ آلعمران / 65.
  1. [41] ـ شعراء / 28.
  1. [42] ـ بقره / 193.
  1. [43] . نساء / 168 – 169.
  1. [44] ـ اعراف / 23.
  1. [45] ـ انعام / 45.
  1. [46] ـ بقره / 251.
  1. [47] ـ مرتبهى وجود علمى قبل از خلقشدن در علم حقتعالاست.
  1. [48] ـ مصباح الشريعه، باب ثانى.
  1. [49] ـ فرازى از دعاى شريف عرفه.
  1. [50] ـ بقره / 31.
  1. [51] – شيخ صدوق، الخصال، ص 27.
  1. [52] ـ كافرون / 6.
  1. [53] . شيخ طوسى، مصباح المتهجد، ص 847 . فرازى از دعاى كميل.
  1. [54] . ابن شهرآشوب، مناقب آل ابى طالب، ج 3، ص 21.
  1. [55] . حسين بن سعيد، كتاب المومن، ص 38. و نيز: الكافى، ج 2، ص 166.
  1. [56] . بحارالأ، ج 22، ص 70 .
  1. [57] ـ اعراف / 172.
  1. [58] . شيخ صدوق، التوحيد، ص 117 .
  1. [59] . كفعمى، المصباح، ص 260.
  1. [60] . المصباح، ص 261.
  1. [61] . الكافى، ج 1، ص 94.
  1. [62] . الكافى، ج 1، ص 82 .
  1. [63] . الكافى، ج 1، ص 82.
  1. [64] . الكافى، ج 1، ص 82.
  1. [65] . الكافى، ج 1، ص 81.
  1. [66] . شيخ صدوق، التوحيد، ص 246 ـ 247.
  1. [67] . الكافى، ج 1، ص 85.
  1. [68] . الكافى، ج 1، ص 86.
  1. [69] . الكافى، ج 1، ص 92.
  1. [70] . نجم / 42.
  1. [71] . الكافى، ج 1، ص 92.
  1. [72] . پيشين.
  1. [73] . اعراف / 143.
  1. [74] . كهف / 67.
  1. [75] . الكافى، ج 1، ص 93.
  1. [76] . الكافى، ج 1، ص 95.
  1. [77] . الكافى، ج 1، ص 98.
  1. [78] . كافى، ج 1، صص 97 ـ 98.
  1. [79] . اسراء / 85 .
  1. [80] . بقره / 189.
  1. [81] . الكافى، ج 1، ص 98.
  1. [82] . مصباح المتهجد، ص 497.
  1. [83] . سيد بن طاووس، إقبال الأعمال، ج 2، ص 146 ـ 147.
  1. [84] . إقبال الأعمال، ج 3، ص 137 .
  1. [85] . مصباح المتهجد، ص 270.
  1. [86] . مناقب آل ابى طالب، ج 3، ص 45.
  1. [87] ـ انفال / 60.
  1. [88] ـ بحارالا، ج 34، ص 274.
  1. [89] ـ بقره / 194.
  1. [90] . صف / 10 ـ 11.
  1. [91] . انفال / 40.
  1. [92] . ابن شهرآشوب، مناقب آل ابى طالب، ج 1، ص 317.
  1. [93] . فرقان / 30.
  1. [94] . اسراء / 82.
  1. [95] . اسراء / 89.
  1. [96] . فرقان / 30.
  1. [97] ـ آلعمران / 18.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V