صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

صحيفة العشق

نشر في آذر 13, 1404 في

مقتطفٌ موجزٌ من دعاء مكارم الأخلاق لسيّد العُشّاق

الإمام السجاد عليه السلام

صحيفة العشق

(قدّس سرّه)

سماحة آية الله السيّد

البيانات الببليوغرافية:

  • العنوان الموحّد: دعاء مكارم الأخلاق. فارسي – عربي. مختارات. شرح.
  • المؤلف: (مواليد 1327 هـ.ش) – المحقّق والمفسّر.
  • عنوان العمل: صحيفة العشق: مقتطفٌ موجزٌ من دعاء مكارم الأخلاق لسيّد العُشّاق الإمام السجاد عليه السلام / .
  • مكان النشر: إسلام‌شهر، دار نشر ، الطبعة الثانية، 1393 هـ.ش.
  • بيانات النسخة: 514 صفحة.
  • رقم الإيداع الدولي للطبعة الثانية: ‎978-600-6435-35-0
  • الملاحظات: طبعة ثانية؛ الطبعة الأولى نُشرت بعنوان “ظهور الشفق”، سنة 1384 هـ.ش.
  • فهرس المراجع: ص 519.
  • العنوان الآخر: مقتطفٌ من دعاء مكارم الأخلاق لسيّد العُشّاق الإمام السجاد عليه السلام.
  • الموضوعات:
    • دعاء مكارم الأخلاق – نقد وتفسير.
    • الأخلاق الإسلامية.
  • الكيانات المضافة: الإمام علي بن الحسين (ع)، الإمام الرابع، 38 – 94 هـ. ق. – الصحيفة السجادية – شرح مختارات من مكارم الأخلاق.
  • تصنيف الكونغرس: ‎BP 270 / م70422 ن8 1393
  • تصنيف ديوي: ‎297 / 774
  • رقم الفهرسة الوطنية: 2850232
  • الناشر: دار
  • عدد النسخ المطبوعة: 3000
  • السعر: 108000 تومان
  • العنوان: طهران – إسلام‌شهر – نسيم‌شهر – وجيه‌آباد – شارع جواهرزاده، الرقم 36
  • الرمز البريدي: 3769138575
  • هاتف مركز التوزيع: 025-32159078
  • الموقع الإلكتروني:
  • جميع الحقوق محفوظة للمؤلف.

المقدّمة

منذ نشأة الإنسان، رافقته المبادئ الأخلاقية، حيث كانت دائماً حاضرة في تساؤلاته عن ما ينبغي فعله وما لا ينبغي، سواء أكان مادّياً، دهرياً، وثنياً، أو من أتباع الأديان كالزرادشتية، اليهودية، المسيحية، أو الإسلام.

تشير الروايات التاريخية إلى أنّ الإنسان عاش في ضوء التعاليم الأخلاقية، سواء كانت نابعة من الدين أو من مصادر دنيوية. وهذا ما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا يُقسَّم علم الأخلاق إلى أخلاق دينية وأخلاق علمانية أو إلحادية؟ وما هو المصدر الأساسي للمفاهيم والقيم الأخلاقية؟ هل تستقى من النصوص الدينية وحدها، أم أن العقل قادر على تمييزها أيضاً؟ أم أنّ هناك حاجة إلى مصدرٍ يتجاوز العقل؟

تهدف هذه المقدّمة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة بإيجاز، مع التركيز على ثلاثة منابع رئيسية لاشتقاق القيم الأخلاقية، وهي: علم الكلام، الفلسفة، والعرفان.

سوف نستعرض لاحقاً المراتب الأربع للأخلاق العرفانية، وأنواع الأخلاق الفلسفية والعرفانية، ونبيّن معايير تقييم كلّ مدرسة أخلاقية. ثم نجيب عن سؤال: ما هو العرفان؟ ومن هو العارف؟ وننتقل بعدها إلى تحليل دقيق لمفهوم “مكارم الأخلاق” ونُجيب عن بعض القضايا المطروحة في فلسفة الأخلاق.

تُعدّ هذه المقدّمة أقرب طريق وأسهل سبيل للوصول إلى حضرة الحق، وتبيّن كيفية السير والسلوك، وتعتبر “صحيفة العشق” – أي الصحيفة السجادية – أعظم مؤلَّفٍ في الأخلاق العرفانية، وتعرض شيئاً من خصائصه، ثم تدخل في شرح مختصر لدعاء “مكارم الأخلاق”.

ما ورد في هذا الكتاب، هو مختاراتٌ من دروس ألقاها المؤلف في الحوزة العلمية في قم، بقي منها ملاحظاتٌ خُطّت يدوياً، وتمّ اعتمادها فقط في إعداد هذا العمل.

تعريف الأخلاق

“الأخلاق” اصطلاحاً هي الهيئة الراسخة في النفس التي يصدر عنها الفعل بلا روية أو تفكر. وهي علم يتعلّق بسلوك الإنسان وتصرفاته، ويشكّل ردّ فعلٍ تجاه الأزمات الاجتماعية والنزاعات، ويستند إلى قواعد سلوكية تُعتبر قانونية ومقبولة ومُبرّرة اجتماعياً، وتتضمّن مفاهيم مثل “يجب”، “لا يجوز”، “حسن”، و”قبيح”.

لأن الأخلاق ترتبط بسلوك الإنسان من منظور مادي، فإنها تُعدّ من العلوم الطبيعية، ويمكن أن تُستنبط مبادئها من مصادر غير دينية، ولهذا أمكن لعلم الأخلاق أن يجد له مكانة في كلّ المدارس الفكرية، سواء كانت دينية أو غير دينية.

مصادر القيم الأخلاقية

القيم الأخلاقية يمكن اشتقاقها من ثلاثة مجالات فكرية رئيسية:

  1. المجال الكلامي
  2. المجال الفلسفي
  3. المجال العرفاني

كلّ مجال يُقدّم تفسيراً خاصاً لمفاهيم “الخير” و”الشر”، ويضع معايير لتقييم الأفعال، وهو ما سنعرضه تاليًا.

أولاً: الأخلاق الكلامية

يرى المتكلّمون أنّ الأخلاق تعني التخلّق بالفضائل والتحلّي بالصفات الكمالية. وهذه الكمالات تُعتبر نسبية، وتستند إلى منافع دنيوية أو أخروية، ولكنها لا تتجاوز لذّة الآخرة. ومن رموز هذا الاتجاه: كتاب جامع السعادات للمولى مهدي النراقي، ومعراج السعادة للمولى أحمد النراقي.

ثانياً: الأخلاق الفلسفية

يرى الفيلسوف الأخلاقي أنّ السلوك الأخلاقي يتحقق بالتكامل بين “الحكمة النظرية” و”الحكمة العملية”، ومن لا يملك سوى واحدة منهما، يكون إمّا زاهداً بلا وعي، أو منظّراً دون أثر عملي.

من أعلام هذا الاتجاه: ابن مسكويه، صاحب كتاب طهارة الأعراق.

ثالثاً: الأخلاق العرفانية

تهدف الأخلاق العرفانية إلى تحرير الإنسان من “الأنا” و”الأنانية”، حتى تظهر فيه أخلاق الحق، ويعتقد العارف أن لا شيء منه، وأنّ كل كمال من الله تعالى.

مراتب الأخلاق العرفانية أربعة:

  1. التخلية والتجلية: تطهير النفس من الصفات الذميمة وتحليتها بالصفات الربانية – البداية في السير من الخلق إلى الحق.
  2. التحلية والفناء في الصفات الإلهية: دخول النفس في دائرة صفات الله – السير من الحق إلى الحق.
  3. الفناء عن الفناء، والفناء في الذات: الوصول إلى الحق الثابت، ونهاية الفناء – السير في الحق.
  4. السير في الخلق بالحق: العودة إلى الخلق بإرادة الحق لهدايتهم – السير من الحق إلى الخلق.

العارف يبدأ بإفراغ النفس من كلّ رذيلة، بل وحتى من كمالات موهومة. يشبّه المؤلف النفس بالحيوان الذي تعوّد النجاسة، فلا يُطهر حتى يُمنع عن النجاسات، وكذلك النفس لا تُطهّر إلا بالاستبراء الكامل من الصفات الذميمة.

الختام

لا بدّ للعارف من كسر مرآة النفس حتى يملأها نور الحق. عليه أن يُفرغ نفسه من ذاته، حتى تُملأ بالله. إنّ احتلال “الغير” لقلب الإنسان أمرٌ مرفوض كما هو الحال في احتلال الأرض. فليكن القلب لله وحده.

كن مرآةً تطلب جمال معشوقك،
ونظّف دارك قبل أن تستقبل الضيف.

1. العلم المكتسب والأخلاق المستورَدة

العلم المكتسب، سواء كان نظريًا أو عمليًا، يحتاج إلى تطهير النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل؛ فاعلم أن العلم بحد ذاته لا يكفي إذا لم يتخلله تهذيبٌ حقيقي للنفس. كما أن التزود بالمظاهر العلمية والأخلاقية الزائفة يُثقل الإنسان دون أن ينبع من جوهره، كمن يحمل شوكًا فوق شوك حتى تثقل كاهله. قال الإمام الصادق ﷻ:

«ليس الإيمان بالتجَلِّي ولا بالتمنّي، ولكن الإيمان ما خَلُص في القلوب وصدّقته الأعمال»

فالإيمان ليس بالمظاهر أو الأماني، بل هو الاعتقاد النقي المصدّق بالأفعال.

2. مشكلة الإيمان الظاهري عند الموت

عند انتقال الإنسان بعد سبعين عامًا من الحياة إلى القبر، فإن إيمانه الظاهري قد يفشل في موقف الحساب. فكما يسأل الطفل الضعيف في الظلام: “من ربّك؟”، قد يجد الإنسان نفسه عاجزًا أمام ملك الموت، رغم أنّه أقام شعائر عبادته طوال العمر. فإذا لم يكن العلم والإيمان والأخلاق قد رسخت في جوهره، فقد تنساب عن قلبه تحت الضغط، لأن كل شيء كان “مُستورَدًا” وغير متأصّل.

3. أنواع الأخلاق: الفلسفية والصوفية

خلال الألف عام الماضية، انقسمت الحكمة والفلسفة الصوفية إلى فروع عدة، جزء منها ارتبط بالحكمة (“مشيقية” و”إشراقية”) والجزء الآخر ارتبط بالطرق الصوفية (“درّويشية” و”عرفانية”). ولا يخفى أن لكل فرع إيجابياته وسلبياته، فالمشائيون وقعوا في مسائل ذات مغزى ثنوي، بينما انحرفت بعض التوجهات الصوفية إلى الغلو أو السياسية.

4. المعايير المنهجية للتحكيم

أصوب أدوات التمييز بين الحق والباطل هي الأدلة الحقيقية:

  1. الدليل النصي: نصوص شرعية ثابتة.
  2. الدليل العقلي: العقل السليم الذي يوافق النص.
  3. الدليل التجريبي أو الكشف: رؤية صافية يدعمها النص والعقل.

عند توافق الثلاثة يكون القول صحيحًا، وإذا لم يكن هنالك نص محكم فعلى العقل أن يعلّق القول أو يفسّره تأويلاً سليمًا.

5. أخطاء محافل التصوف والظاهرية

في كثير من الزوايا، يُتحدَث عن كرامة المريد بدون دليل شرعي، ما يفتح الباب لادّعاءات متضاربة. أما أهل الظاهر فقد رفضوا التجارب الباطنية مجرَد رفض دون دراسة. الصوفية الراشدة هي التي:

  • تحرص على النصوص الشرعية الصحيحة.
  • تتبع العقل السليم.
  • تُقيم الكشف الروحي المتوافق.

6. المسجد والزُّوايا: التكامل لا التفرقة

في الإسلام، المسجد بيت الله ومنهجيته شرع سامٍ. أما الزُّوايا فقد ابتعدت عن المسجد وسببت تفرقة. على المرشد أن يكون مجتهدًا وواعظًا بمستوى المعصوم: يجمع بين ظاهر الشريعة وباطن النفس. إذ يقول الشاعر:

CopyEdit

زاهدٌ وصوفٍ وكلّهم طفلٌ في الطريق

وإذا كان رجلٌ، فلا غير العالم الربّاني

فالعارف الكامل هو من جمع بين ظاهر العبادة وباطن العرفان.

7. الغاية في السلوك الأخلاقي

تتباين غايات البشر حسب مستوى السؤال:

  • بعضهم يسأل “ماذا أأكل؟ ماذا أرتدي؟” فتقتصر غايتهم على الملذات.
  • والبعض يسأل “ما غايتي في نظام الخلق؟”، فتكون غايتهم وجودية وروحية. لذا يجب توجيه النفس إلى الكمال الرباني أو الجلال الإلهي.

قال الله:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ… وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾

لذلك لا مناص من هداية الأنبياء والأولياء للنفس، وسواه تهوي إلى الشهوات والعذاب.

الخُلاصة

  • لا يكفي أن يكون الإنسان مستورِدًا لعلمٍ أو تدينٍ ظاهري؛ بل يجب أن يتغلغل هذا العلم إلى جوهر النفس.
  • الحكمة العرفانية ينبغي أن تستند إلى الأدلة الشرعية والعقلية والكشوف الحقيقية.
  • التفرقة بين المسجد والزوايا، أو بين معرفة الظاهر وباطن النفس، تُضعف التكامل الروحي.
  • المطلوب هو السعي نحو الإنسان الكامل، الذي يربط بين النص، العقل، والتجربة الباطنية، ويستهدف الوصول إلى القرب الإلهي.

ليس المقصود من السؤال حول الغاية سؤالًا إسلاميًا أو دينيًا فحسب، بل هو سؤال شامل يمكن للمؤمن والكافر معًا أن يشارك في الإجابة عليه. حتمًا ستختلف الإجابات، وقد تفضي في أحيانٍ إلى آثار أخلاقية وعملية متفاوتة، وقد تكون آثاره عظيمة أو مؤقتة؛ كما يُقال أحيانًا: لا غاية لنا سوى أننا جئنا لنرحل.

ارتقاء النفس وتحقيق الكمال

للوصول إلى الفضائل والصفات الأخلاقية الإلهية، يحتاج الإنسان إلى سؤال عن غايته والعثور على إجابة سامية تساعده في صُعود درجات الكمال، إذ من ينوي أن يصبح كذا وكذا يكون بذلك قد قيّد غايته، لأن التشبّه واجب متى ما كان حقيقةً، والمحدودية هي تشبّه. على كل إنسان أن يكون ذاته، وأن تكون غايته بذات قوامه. وينبغي للإنسان أن يتحرر من الفضائل الجزئية، فإن الجزئيّ يُقلّل من الإنسان. من يقول:

“ما جئتُ هنا لأعود إلى ذاتي،

بل من جاء بي سيأخذني حيث شاء”

هو يضع نفسه في قيود إجابة مُرضية، فيُعلل: قائلٌ سيأخذني ـ أراد أم أبى ـ فلا رضى لي ولا سخط. ويمكن سؤاله: من هو الفاعل الفعل؟ من أين أتى بك؟ وإلى أين سيعُود بك؟ إذ يقول الشعـر:

“أعَدني بما أتى، وأرجعني إلى موطني”

وهذا لا يُشبه قوله تعالى ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، إذ حين النزول كلنا آتون من عند الحق، لكن حين الصعود لا يعود الجميع إلى مكان واحد، بل كلٌّ يرتجع إلى مظاهر اسمه العظيم تناسباً معه؛ ولهذا قال ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ عن النزول، لكن لم يقل ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ عن الصعود، بل قال الضمير الغائب ﴿إِلَيْهِ﴾ ليدل على الفرق بين النزول والرجوع.

تدور كل مشكلات الإنسان حول إيجاد الإجابة الصحيحة لهذا السؤال، ولكي تتسربّ هذه المشكلات تُستقصى الإجابات عبر الأسئلة الأساسية. فإن الإنسان لم يُجِب إجابة صحيحة في ميدان الكمالات الأخلاقية، فقد قابل الفشل. وعلى أساس ذلك، تصوغ المدارس الأخلاقية المختلفة غايات الإنسان: فالمتصوّف يرى أن الغاية هي “الحق”، والحكيم يؤسس غايته على:

«صيرورة الإنسان عالمًا عقليًا مماثلًا للعالم العيني»،

والقرآن يقرّ الغاية بأنها العبادة حيث يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

والعابد … والمتكلم يحدد غايتهما بالبلوغ إلى جنّات النعيم والحُور والقصور،

والكافر يقول إنّ الغاية في هذا العالم وحده ولذّاته المادّية، حيث يقول: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا…﴾، ويجيب الحق عليه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، ثم يقول: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ… إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

وكيف لمن لا يؤمن بالبقاء أن يذهب إلى التفكير؟ إذا كان التفكير حقيقيًا، فهو يتقبّل التجريد، وإذا لا، فالتفكير عنده كذلك لا وجود له. الكافر لا يصل إجابة صحيحة أبدًا، لأنه لا يقوم على علم، بل على الظن، بينما الإجابة الحقيقة تأتي بالعلم واليقين، ولا تُبقي أي سؤال.

وتكون الإجابة الكاملة من نوعين: «حصول» و«وصول»، والأخير هو المهم لأنه يُمكّن سير الإنسان الروحي. لا بُدّ للإنسان من إجابة كلية نهائية وإلّا تغيّر إلى جزئيّة مرتبطة بحدّ ذاته، فتصير غايته كجزئيتها وهجوماتها.

الحكمة النظرية والعملية وتفرّق الغايات

السؤال: ما غاية الإنسان؟ ما القدرات الكامنة فيه؟ وبما أن لكل أحد غايته، كانت الإجابات متفرقة، مما أدى إلى نشوء مدارس أخلاقية متنوعة. ينبغي الإجابة عن الغاية جزأين: الحكمة النظرية (ما هو الخير المتمثل؟) والحكمة العملية (كيف نصل إليه؟). فالأولى تدرك الحدوث والتصوّر، والثانية توجه إلى تحقيقه. لذا نقول: «أول العلم معرفة الجبار» تدلًا على الحكمة النظرية، و«آخر العلم تفويض الأمر إليه» تعبير عن الحكمة العملية.

في المنظور الكلامي: غاية الحكمة النظرية هي إثبات الصانع، وغاية الحكمة العملية هي التخلق الأخلاقي الإنساني. في الفلسفة: نظرًا لتعدد مناهج إثبات الوجوب والماهية… الباحث الفلسفي، حين يبلغ الحكمة، يعلن عن وحدة وجودية مطلقة “وحدانية مطلقة”، بينما الصوفية تُثبت الوحدة الشخصيّة، “وحدانية شخصانية”، وهي أقرب إلى الباطن الحقيقي. وأفاقهما تجاه الحكمة النظرية مختلفة، والحكمة العملية لكل منهما تهدف إلى اتحاد عقلي أو نفي الغيرية.

الحق والوحدة الشخصانية

الغاية التصوّفية النظرية: إثبات الوحدة الشخصانية للوجود، وهذا صعب على أهل الظاهر. فعند قزويني وغيره يُقال: اتركها للعاقل. والمتصوّف يسعى إلى بلوغ الحقيقة الوجودية والتخلق بأخلاق الله، والوصول إلى حقيقة الوجود الفردية، فتكون حدوده الأخلاقية معلومة. ومن لا يحتوي ذاته على هذا الاشتياق، عليه أن يوقف مسار التصوف، أو يجد لنفسه مسلكًا.

إذا رأى العارف نفسَه تجلّيًا مطلقًا، يصل حينها إلى “حقيقة الوجود” و”شخص الحقيقة”، فيشاهدهُ في هيبته. من عرّف بمادّةٍ ما كالقضيب، ليس قابلًا لاستنطاق التجلّي، والعارف يَجرِح ذاته ليحمل صدقًا الروح الإلهية كي يصير تجلّيًا.

العارف الكامل وصل إلى العلم النظرية والعملية، وجَمع بينهما، واكتشف أنّ ما في الوجود سوى الحق تعالى، فالحق هو الوجود، والظواهر هي شُؤون الحق فقط. فيُقال له ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ…﴾، فإذا ما أصبحت الطمأنينة فيه، يُقال لها “ارجعي إلى ربّك…” حيث تفقد آخر ما تبقّى من هوّيتها، فتمدّد في “العبودية الصافية” والذي هو جنّة لقاء الحقيق.

وعندما تتّحد الحكمة النظرية والعملية، تذوب في الاشتياق وتشتعل نار الشوق، فتغدو مسكونًا حتى ترتفع ذاته وتنطبع هيبة الحق عليه، كما وقع مع الأبطال يوم كربلاء.

ما هو التصوف الحقيقي؟ ومن هو العارف؟

التصوّف الحقيقي ليس ما يجدّه البعض من انفتاح وهمي أو كرامات وهمية، كمقام مرتاضي الهند، الذين لا يحتاجون حتى للطهارة. ولا هو سوقي، بل هو الوصول للحقيقة. يقول الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: «عميت عينٌ لا تراك»؛ وهذا لا يقال لفظًا، بل في الوصول الحقّ. والصادق في واقعته يكون ثابتًا مهما بلغت الرياح اليائسة. يحب أن يقول: «إن الله شاء أن يراك قتيلاً»، ولا يخاف الموت، كما كانوا مخلصين في اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

التصوف هو الوقوف عند الحق، والإدراك والتعبد لله، ويُقاس صدقه باتباع المعصومين عليهم السلام، مثل الإمام الصادق عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام هو ميزان الحق بحد ذاته.

العارف لا يظلم أحدًا: لا نفسه، ولا الناس، ولا ربه.

علاقة الحكمتين:

“لا توجد حكمة عملية بدون معرفة نظرية، ولا قيمة لأي عمل دون إدراكٍ لمعناه.”

“قال الإمام الباقر عليه السلام: «لا يُقبلُ عملٌ إلّا بمعرفةٍ، ولا معرفةَ إلّا بعملٍ، ومَنْ عرف دَلَّلَتْهُ معرفتهُ على العملِ.»”

فإذا كانت الحكمة النظرية تقتضي الاعتماد على “تكوين الذات”، فإنما تُعدُّ صورةً من “الأخلاق الكلامية”، أي تنظيفٌ شكليٌّ للظاهر. أما إذا وجّهت الإنسان إلى “اكتشاف الحقيقة الإلهية”، فإنّك وصلتَ إلى “الأخلاق العرفانية”. بين هذين النمطين فرقٌ جوهري:

  • في الأولى، يظلُّ الإنسان مراقبًا نفسه، وحارسًا ذاتَه حتى لا يغفل دقيقةً؛ فإنْ غفل، فقد فَقَدَ محاسبته.
  • في الثانية، يغيبُ “الذات” في السير نحو الإله، ويُنجَز مفهوم “الفناء”، ثمّ ينهلُ من “البقاء” في حضرة الحق.

ينتقلُ العارف في طريقه من حالة “الفناء” نحو حالة “البقاء”، من خلال التجاوب الإلهي:

  • في الفناء يتمخّض عن حال (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
  • في البقاء يشرع بالدعوة باستخدام الحكمة والموعظة الحسنة (وغيرها من الآيات) — إذ هو في ظلّ خطاب (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ…).

العارف في حق اليقين يرى ما وراء الجنّة والنّار، ويبلغ رضوان الحق وجنة اللقاء، متجلّياً في قوله:

“مِن عرف نفسه فقد عرف ربه.”

يُميّز الإمام السجاد عليه السلام في دعاء “خمسة عشر” بين:

  • منْ يفدِي ذاته لنفسه، فيكون من “العبادة خوفًا من النار أو طمعًا بالجنّة”،
  • لكنه هو ذاته التي تقيم في الحق قائلًا: “يا نعيمي وجنَّتي…”

وقوله تعالى في سورة الأنعام: (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ) يستعرض عبوديةً تخلقها المبادئ، بينما دعاء السجاد يعبّر عن أن جميع نعمته وأبعاده معبّرةٌ عن الشخص الحق ذاته.

مكارم الأخلاق

تعريف المكارم:

هي أرفع صفات الأخلاق، وليست مجرد أوصاف عادية، بل فضائل سامية تتفرّد بها روح المثاليين. وترد في الأحاديث النبوية والروايات التالية:

  1. عن الإمام الصادق عليه السلام:

“المكارم عشرة…” مثل: الصّدق، أمانة، صلة رحم، إكرام الضيف، حياء…

وهي فضائل تتشتّت إن لم يُتحلَّ بها الفرد بذاته.

  1. عن الإمام الصادق أيضًا:

“اعمَلوا أنفسَكم… إن كنتم فيها فاحمدوا الله…”

وهي: اليقين، القناعة، الصبر، الشكر، الحلم، حسن الخلق، السخاء، غيرَة، شجاعة، مروءة… ويُضاف أحيانًا: الصدق وأداء الأمانة.

  1. مرّة أخرى:تشمل الورع، القناعة، الصبر، الشكر، الحلم، الحياء، السخاء، الشجاعة، غيرَة، البرّ، الصّدق، الأمانة.
  2. عن النبي ﷺ:

“خيرُ رجالِكم…” مثل: العفّ، الطهارة، الكفّيْن السخيّين، صلة الرحم، ولا يلجئ أهله لسواه.

الخلاصة

  • الحكمتان مترابطتان: المثال الحقيقي يتمثّل في المعرفة التي تُدعّم العمل، والعمل الذي يلامس أهداف المعرفة.
  • توجدُ مستوياتٌ في الأخلاق: الكلاميةُ (لذات النفس)، والفلسفية، والفلسفية-العرفانية، ثم العرفانية النقيّة (طلب الحقيقة الإلهية وبلوغ الفناء ثم البقاء في الحق).
  • المكارم الأخلاقية ليست مشروعًا نظريًّا، بل غايةً عملية ونفسية وروحية، تراوح بين الإيمان العملي والفضائل الخلقية، وتكلل بالعيش في نور الحق.

الخلق الكريم هو الخُلُق الرفيع، مثل العدم الطمع والصدق في اليأس من الخلق، والتي تتطلب الصبر والقناعة والشكر، وهذه الصفات طبيعية لدى الأفراد، فالجميع يمتلكها بدرجات متفاوتة، لكن التحقق من اليقين ليس سهلاً ولا هو من شأن كل أحد، بل هو في مقدور أولياء الله فقط، والعدم الطمع والصدق في اليأس من الخلق من المكارم الأخلاقية التي لا يمتلكها إلا أولياء الله الكاملون.

الأنبياء عليهم السلام، رغم امتلاكهم لهذه الصفات، إلا أن خاتم الأنبياء قد تَمَكَّن من جميعها وأتمها، ولم يكن الأنبياء العظام يسعون إلى تحقيقها كاملة بين أممهم، بينما مقام الخاتم يقول: إنني بُعِثْت لأحقق هذه المكارم في أمتي. فالمكارم الأخلاقية هي تمام الكمال وكمال تمام الصفات الأخلاقية التي يسعى إليها مقام الخاتم وأولياء الله الكاملون.

منازل الوصول

طريق السلوك والوصول قد حُدِّدَ بألف أو مئة أو سبع منازل، بينما في طريقة الكاتب لا يزيد عددها عن ثلاثة منازل. ومع ذلك، مهما كان العدد فهو عظيم الأهمية، ومعظم الناس ما زالوا في بداية الطريق. يجب أن تُدرس المسائل الأخلاقية بدقة وفنية ضمن إطار فلسفة الأخلاق، التي تعنى بتحليل وتقييم المسائل الأخلاقية من منطلق فلسفي ونفسي. وعلى هذا الأساس، تكون الأدلة والمستندات في بحث الأخلاق تقنية ومنهجية، مع أن المهم في الأخلاق هو السلوك الفعلي.

بعد أن يكتسب الإنسان معرفة علمية بالأدلة الأخلاقية، ويعرف منازل الطريق، يدرك من هو الإنسان وكيف ينبغي أن يكون. وهذه المرحلة هي أصعب مراحل السلوك الثلاثة، وتتطلب وجود مربٍّ وأستاذ.

معيار الأفعال والأخلاق هو العصمة

عندما يأمر الأئمة عليهم السلام بأن تُنسبوا إلى أسمائهم أو أن تُصلّوا كما يصلّون، فإن ذلك يعود إلى صعوبة معرفة المعنى الحقيقي للأسماء ونوع الدعاء والغاية منه، فليس للإنسان إدراك تام بحاجته الروحية. إذ ورد في الروايات أن تكرار تسمية الأولاد باسم «محمد» سبعة أيام يعود إلى ترسيخ خصوصية القداسة في الاسم، لأن الأسماء تنزل بمشيئة الله، فلا بد من فهم معانيها والتخلق بأخلاق أهلها، إذ هم «نحن الأسماء الحسنى» كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).

فالتمثّل بأخلاق وصفات المعصومين هو تحقق في الأخلاق الإلهية والوصول إلى الحق.

الأخلاق وكرامة الإنسان

«الأخلاق» جمع خلق، و«مكارم الأخلاق» إضافة صفة إلى موصوف تعني المكارم والشيم النبيلة.

هناك ثلاث نظريات رئيسية في موضوع الأخلاق:

  1. الخلق ثابت في الإنسان ولا يتغير.
  2. الأخلاق عرضية، والإنسان خالٍ من خلق، ويتشكل الخلق بسبب أسباب مختلفة.
  3. الأخلاق اقتضائية، وفي غياب الموانع يمكن أن تتجلى ككمال فعلي.

وجهة نظر الكاتب هي الثالثة. ولذلك، مع أن بعض الأقوال توحي بأن الخلق ثابت أو لا يتغير، إلا أن هذا الاقتضاء يجعل التغيير ممكنًا، إذ يمكن للإنسان أن يصبح سعيدًا أو شقيًا، وأن يغير طبيعته وأفعاله، والأمر متوقف على إرادته واختياره.

(يمكنني متابعة ترجمة بقية النص إذا كنت ترغب.)

والأخلاق والكرامة الإنسانية

«الأخلاق» جمع خُلُق، و«مكارم الأخلاق» صيغة مبالغة تُضاف إلى «خلق» للدلالة على الشيم النبيلة. والأخلاق في نظر علماء الأخلاق هي الصفات النفسية التي تحدد سلوك الإنسان، وتتعلق بميول ورغبات الفرد واتجاهاته نحو الخير والشر.

ويمكن تقسيم النظريات في الأخلاق إلى ثلاث:

  1. الأخلاق ثابتة في الإنسان ولا تتغير مع الزمن.
  2. الأخلاق عرضية تتشكل بفعل المؤثرات الخارجية وتغير الظروف.
  3. الأخلاق اقتضائية، بمعنى أن الإنسان قادر على التحلي بالخلق الحسن في حال غياب الموانع والعقبات.

وجهة نظر الكاتب تميل إلى النظرية الثالثة، إذ يرى أن الإنسان يمكنه تغيير طبيعته وأفعاله باتخاذ القرار والتدريب، وهذا يدعم مفهوم الكرامة الإنسانية التي تعني القدرة على الارتقاء بالذات والتجرد عن الرذائل.

أبعاد أخلاقية

الأخلاق ليست مجرد صفات شخصية، بل تشمل أبعادًا اجتماعية وروحية؛ فهي تعكس العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الإنسان وربه. ولذلك، فإن تحقيق مكارم الأخلاق لا يقتصر على الفرد فقط، بل ينعكس إيجابًا على المجتمع ككل، ويؤدي إلى بناء مجتمع صالح وعادل.

أهمية التربية الأخلاقية

لأن الأخلاق تتطلب تطورًا نفسيًا وروحيًا، فإن التربية الأخلاقية ضرورية لإرشاد الأفراد إلى السلوك القويم. والتربية الناجحة تكون بمثابة التوجيه والإشراف المستمر، عبر المعلمين والمربين الذين يمتلكون خبرة معرفية وروحية، ويمكنهم توجيه المتربين نحو أعلى مراتب الأخلاق.

الخلاصة

الأخلاق والمكارم ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي من أساسيات الكرامة الإنسانية والوصول إلى السعادة الحقيقية. والفرد المؤمن الحقيقي هو الذي يسعى لتحقيق هذه القيم الرفيعة في نفسه وفي مجتمعه، ويدرك أن الطريق إليها قد يكون صعبًا، لكنه ممكن بالإرادة والصبر والتوجيه.

المكرمة الأخلاقية هي خلقٌ نبيل، مثل البراءة من الطمع وصدق اليأس من الناس، إذ إن ذلك يتطلب الصبر والقناعة والشكر، وهي صفاتٌ طبيعيةٌ للأفراد، يمتلكها معظم الناس بدرجات متفاوتة. ولكن اليقين بها ليس بالأمر السهل ولا من متاح لكل أحد، بل هي من خصائص أولياء الله الكرام. البراءة من الطمع، والتي تُسمى في الروايات “صدق اليأس”، من المكرمات الأخلاقية التي لا ينالها إلا أكمل أولياء الله.

الأنبياء الإلهيون، رغم أنهم كانوا يتحلون بهذه الصفات، إلا أن سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم كان أتمّها وأكملها، ولم يهدف الأنبياء العظام إلى تحقيقها كافةً بين أممهم، بينما مقام النبي الخاتم يؤكد أنه بُعث لتحقيق هذه الصفات في أمته. والمكرمات الأخلاقية هي كمال الكمال وكمال الكل من الصفات الأخلاقية التي يسعى إليها مقام الختم وأكمل الأولياء.

المكرمة الأخلاقية:

إنها خلقٌ نبيل مثل البراءة من الطمع وصدق اليأس من الناس، إذ إن ذلك يتطلب الصبر والقناعة والشكر، وهي صفاتٌ طبيعيةٌ للأفراد، يمتلكها معظم الناس بدرجات متفاوتة. ولكن اليقين بها ليس بالأمر السهل ولا من متاح لكل أحد، بل هي من خصائص أولياء الله الكرام. البراءة من الطمع، والتي تُسمى في الروايات “صدق اليأس”، من المكرمات الأخلاقية التي لا ينالها إلا أكمل أولياء الله.

الأنبياء الإلهيون، رغم أنهم كانوا يتحلون بهذه الصفات، إلا أن سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم كان أتمّها وأكملها، ولم يهدف الأنبياء العظام إلى تحقيقها كافةً بين أممهم، بينما مقام النبي الخاتم يؤكد أنه بُعث لتحقيق هذه الصفات في أمته. والمكرمات الأخلاقية هي كمال الكمال وكمال الكل من الصفات الأخلاقية التي يسعى إليها مقام الختم وأكمل الأولياء.

إنَّ من القيم الأخلاقية العظيمة التي يحث عليها الإسلام هي الصبر على الابتلاءات والرضا بالقضاء والقدر، فالصبر من مكارم الأخلاق التي تُعلي من شأن الإنسان وترفع مكانته عند الله تعالى. والرضا بالقضاء يُظهر عظمة الإيمان وعمق الاعتقاد بحكمة الله وعدله، فهو يجعل المؤمن لا يجزع من المصائب ولا يستسلم لليأس، بل يثابر على العمل الصالح ويتطلع إلى الثواب العظيم في الآخرة.

كما أن الشكر لله على النعم، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، هو من علامات الإيمان الحقيقي وسبب في زيادة النعم واستمرارها، إذ قال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْزُقْكُمْ﴾. والشكر يُسهم في بناء شخصية الإنسان ويُنمّي روحه ويجعله في حالة دائمة من التوازن النفسي والروحي.

إن التخلق بهذه القيم والأخلاق النبيلة هو الغاية التي ينبغي أن يسعى إليها كل مسلم، لأنها السبيل إلى رضا الله وارتقاء النفس إلى أعلى مراتب الكمال، كما هي طريق الوصول إلى رضا البشر ونيل محبتهم وثقتهم.

ومن الجدير بالذكر أن التزام الفرد بهذه القيم لا يقتصر فقط على الجانب الروحي، بل يتعداه إلى التأثير الإيجابي على المجتمع بأكمله، إذ إن تعزيز الصبر والشكر والرضا يُسهم في بناء مجتمع متماسك ومتسامح، قادر على مواجهة التحديات والصعوبات بثبات وحكمة. كما أن ذلك يعزز من روح التعاون والمحبة بين أفراده، ويحد من مظاهر العنف والانقسام.

وبناءً على ذلك، فإن التربية الإسلامية تسعى إلى غرس هذه المبادئ في نفوس الناشئة، من خلال التعليم المباشر والقدوة الحسنة والمناخ الأسري والاجتماعي المناسب، حتى تتشكل شخصية متزنة متكاملة تتسم بالأخلاق الفاضلة والعقل الناضج.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن تحقيق هذه القيم يتطلب جهداً مستمراً ووعياً عميقاً، فضلاً عن الاعتماد على الله تعالى والتوجه إليه بالدعاء والاستعانة به، لأن ذلك هو السبيل لتحقيق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

الإيمان واليقين

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بِإيماني أَكْمَلَ الإيمانِ، وَاجْعَلْ يَقيني أَفْضَلَ اليقينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلي إِلَى أَحْسَنِ الأَعْمَالِ. اللَّهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي، وَصَحِّحْ بِمَا عِنْدَكَ يَقيني، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي.

اللّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَارْفَعْ مَرْتَبَةَ إيماني إِلَى أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الإيمانِ، وَاجْعَلْ دَرَجَةَ يَقيني فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ اليقينِ، وَاهْدِنِي فِي نِيَّتِي إِلَى أَفْضَلِ النِّيَّاتِ وَفِي عَمَلِي إِلَى أَجْوَدِ الأَعْمَالِ. اللّهُمَّ، بِكَرَمِكَ وَلُطْفِكَ، مَلْأْ نِيَّتِي بِالنَّقَاوَةِ وَالْوَفْرِ مِنَ الدَّافِعَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَصَحِّحْ قَلْبِي بِاليَقينِ الَّذِي عِنْدَكَ، وَأَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ فِي بَاطِنِي.

النية والعمل

إنَّ النية الصادقة هي أساس كل عمل صالح، فلا قيمة للعمل من دون نية خالصة لله تعالى. قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». لذلك، يجب على الإنسان أن يراقب نيته ويُصلحها دائمًا، وأن يجعل هدفه من العمل هو مرضاة الله وحده، لا رياءً أو سمعةً.

كما أن العمل الصالح يتطلب جدية ومثابرة، إذ لا يكفي مجرد النية فقط، بل يجب أن يُتبعها بالعمل المتقن، والحرص على أداء الواجبات الدينية والأخلاقية بإخلاص. فالأعمال التي تصدر من نية صحيحة ومخلصة تكون سببًا في تقوية الإيمان وتعزيز اليقين بالله.

المقطع الثالث:

اليقين وأثره في حياة المسلم

اليقين هو أعلى درجات الإيمان، وهو ثبات القلب وعقله على صدق الإيمان بالله تعالى، والاطمئنان التام بوجوده وقدرته ورحمته. ويعتبر اليقين سلاح المؤمن في مواجهة تحديات الحياة، ومصدر قوته في الصبر والثبات.

ينمو اليقين من خلال معرفة الله وصفاته، والتأمل في آياته في الكون والكتاب، والتجربة الشخصية للإنسان مع حكمة الله في تدبير الأمور. كما يساعد على إزالة الشكوك والوساوس التي قد تعتري الإنسان، ويقوده إلى السلام الداخلي والطمأنينة.

التقوى وأهميتها في بناء الشخصية الإسلامية

التقوى هي خشية الله والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهي الزاد الحقيقي للمؤمن في هذه الحياة وفي الآخرة. فهي التي تزرع في النفس السكينة والخشية، وتجعل الإنسان حريصًا على طاعة ربه في السر والعلن.

وللتقوى أثر بالغ في بناء شخصية المسلم، إذ تعزز من قوته النفسية والأخلاقية، وتجعله متواضعًا متسامحًا، قادرًا على مواجهة التحديات بثبات وحكمة. ويقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).

الدعوة إلى الله وأثرها في المجتمع

تُعدُّ الدعوة إلى الله من أعظم الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهي رسالة الرحمة والهداية التي تهدف إلى إصلاح النفس والمجتمع. ويتوجب على المسلم أن يكون قدوة حسنة في سلوكه وأقواله، وأن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.

إن الدعوة ليست مجرد كلام، بل هي عمل متكامل يشمل بالأخص الصبر والمثابرة والاحترام للآخرين، وتجنب الإكراه والإجبار، لأن الهداية بيد الله وحده. وقد قال النبي ﷺ: «بلغوا عني ولو آية»، مما يدل على أهمية استمرارية نشر الدعوة بكل الوسائل الممكنة.

أهمية العلم في تقدم الفرد والمجتمع

العلم هو أساس الحضارة وركيزة التطور، به ينال الإنسان المعرفة التي تفتح له آفاقًا واسعة للفهم والتفكير. فالعلم يُرقي بالفرد ويرتقي بالمجتمع، ويُساهم في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي والثقافي.

وفي الإسلام، حثت النصوص الشرعية على طلب العلم باعتباره فريضة على كل مسلم ومسلمة، حيث قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وهذا يؤكد أهمية العلم ليس فقط في المجالات الدينية، بل في كل مجالات الحياة لتحقيق الكفاية والإبداع.

المقطع السابع:

التكافل الاجتماعي ودوره في بناء المجتمع الإسلامي

يُعتبر التكافل الاجتماعي من أهم القيم الإسلامية التي تضمن تماسك المجتمع ووحدته، فهو يعكس روح المحبة والتعاون بين أفراده. ويتجلى ذلك في العناية بالفقراء والمحتاجين، ومساعدة اليتامى والأرامل، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.

وقد أوصى الإسلام بضرورة الإنفاق في سبيل الله ونصرة المظلومين، ورفع الظلم عن الضعفاء، لما في ذلك من أثر في حفظ أمن المجتمع واستقراره.

حضرت إبراهيم عليه السلام والصلاة والسلام

فيما يتعلق بكيفية ذكر الصلاة في بعض الروايات، جاء في نصوص منها:

«اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد»[100]، أي إن الصلاة هنا تطلب من الله أن يرسل الصلاة على محمد وآله كما أرسلها على إبراهيم وآله. ويمكن استنباط سبب هذه الصلاة من الرواية التالية:

عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري عليه السلام يقول: «إنما اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلاً لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم»[101].

يذكر عبد العظيم الحسني عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أن الله عز وجل اختار إبراهيم عليه السلام خليلاً له بسبب كثرة صلاته على محمد وآل محمد عليهم السلام.

توضح هذه الرواية التفاعل المتبادل للصلاة، حيث إن إبراهيم وآله كانوا كثيري الصلاة على محمد وآله، فبالمقابل أرسل الله تعالى الصلاة عليهم، وبفضل هذه الصلاة تحققت لقرب إبراهيم مقام الخلة والصداقة الإلهية. ومن ثم، نطلب من الله أن يوفقنا لننال بمثل صلوات إبراهيم عليه السلام، مقام القرب والخلّة ببركة الصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام.

كما نستنتج من هذه الرواية أن المقصود بقول الإمام زين العابدين عليه السلام في ختام ذكر الصلاة في دعائه:

«اللهم صل على محمد وآله، كأفضل ما صليت على أحد من خلقك قبله»[102]، هو النبي إبراهيم عليه السلام.

تنوع الصلوات

كما ذُكر في المقدمة، تحتوي صحيفة السجادية على العديد من أنواع الصلوات، وفي هذا المقام يُشار إلى 99 نوعًا منها، مع أن الاستخدامات تتجاوز ذلك بكثير.

وقد ورد ذكر الصلاة في دعاء مكارم بـ 19 مرة، وفي الصحيفة حوالي 177 مرة، بصيغ وأوصاف مختلفة، منها:

  • صلاة الأكثر:«اللهم فصّل على محمد وآله أكثر ما صليت على أحد من خلقك»[103].
  • صلاة الأنمى:«وصّل عليه صلاة نامية لا تكون صلاة أنمى منها»[104].
  • صلاة الأزكى:«رب صل على محمد وآله صلاة زكية لا تكون صلاة أزكى منها»[105].
  • صلاة الأفضل:«اللهم وصل على محمد وآله، كأفضل ما صليت على أحد من خلقك قبله وأنت مصلي على أحد بعده»[106].
  • صلاة الشافعة يوم القيامة:«وصل على محمد وآله صلاة تشفع لنا يوم القيامة»[117].
  • صلاة عند ذكر الأبرار:«اللهم صل على محمد وآله إذا ذُكر الأبرار»[119].
  • صلاة دائمة:«صل على محمد وآله صلاة دائمة»[123].
  • صلاة نامية، لا انقطاع لأبدها، لا منتها لأمدها، لا يحصى عددها… وغيرها الكثير من الصلوات ذات الأوصاف الرفيعة والعميقة.

كما تبرز هذه الصلوات شموليتها وامتدادها الدائم في كل زمان ومكان، ومن كل حال وظرف، بحيث تعبر عن مدى تعلق القلوب بهذه الصلاة وعلو مكانتها في حياة المؤمن.

صلوات بأنواعها:

  • صلاة على النبي صلى الله عليه وآله كما صليت على ملائكتك المقربين:اللهم صل على محمد نبيّنا وآله كما صليت على ملائكتك المقربين.[140]
  • صلاة على الأنبياء المرسلين:وصلِّ عليه وآله كما صليت على أنبيائك المرسلين.[141]
  • صلاة على عبادك الصالحين:وصلِ عليه وآله كما صليت على عبادك الصالحين وأكثر يا رب العالمين.[142]
  • صلاة تبلغ بركتها:صلاة تبلغها بركتها.[143]
  • صلاة نافعّة:وينالنا نفعها.[144]
  • صلاة مستجابة الدعاء:ويستجاب لها دعاؤنا.[145]
  • صلاة مرضية لا فوقها صلاة:وصلِ عليه صلاة راضية لا تكون صلاة فوقها.[146]
  • صلاة مرضية:وصلِ عليه وعلى آله صلاة مرضية لك ولمَن دونك.[147]
  • صلاة ترضي محمد وآل محمد وتزيد على رضاهم:ربّ صل على محمد وآله صلاة ترضيهم وتزيد على رضاهم.[148]
  • صلاة ترضي الله وتزيد على رضاه:وصل عليه صلاة ترضيك وتزيد على رضاك.[149]
  • صلاة لا يرضى الله إلا بها:وصل عليه صلاة لا ترضى له إلا بها.[150]
  • صلاة لا يستحقها إلا محمد وآل محمد:ولا ترى غيره لها أهلاً.[151]
  • صلاة تتجاوز الرضوان:ربّ صل على محمد وآله صلاة تجاوَز رضوانك.[152]
  • صلاة متصلة ببقائك:وتتصل اتصالها ببقائك.[153]
  • صلاة لا تنفد كما لا تنفد كلماتك:ولا ينفد كما لا ينفد كلماتك.[154]
  • صلاة منتظمة:ربّ صل على محمد وآله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأهل طاعتك.[155]
  • صلاة شاملة:وتشمل على صلوات عبادك من جنك وإنسك وأهل إجابتك.[156]
  • صلاة اجتماعية:تجتمع على صلاة كل من ذرأت وبرأت من أصناف خلقك.[157]
  • صلاة محيطة:ربّ صل عليه وآله صلاة تحيط بكل صلاة سالفة ومستأنفة.[158]
  • صلاة منشئة:وتنشئ معها.[159]
  • صلاة مضاعفة:صلوات تضاعف معها تلك الصلوات عندها.[160]
  • صلاة تزايدية:وتزيدها على كرور الأيام زيادة في تضعيف لا يعدها غيرك.[161]
  • صلاة مخصوصة لأطهار أهل البيت:ربّ صل على أطايب أهل بيته.[162]
  • صلاة جليلة:ربّ صل على محمد وآله صلاة تجزل لها بها من نحلك وكرامتك.[163]
  • صلاة تكميلية:وتكمل لهم الأشياء من عطاياك ونوافلِك.[164]
  • صلاة توفيقية:وتوفر عليهم الحظ من عوائدك وفوائدك.[165]
  • صلاة تزن عرشك وما دون العرش:ربّ صل عليهم زنة عرشك وما دونَه.[166]
  • صلاة تملأ السماوات وما فوقها:ومَلأ سماواتك وما فوقهن.[167]
  • صلاة بعدد الأرض وما تحتها وبينها:وعدد أرضك وما تحتهن وبينهن.[168]
  • صلاة مقرّبة:صلاة تقربهم منك زلفى.[169]
  • صلاة ترضي الحق ومحمد وآل محمد:وتكون لك ولهم رضي.[170]
  • صلاة متصلة بنظائرها أبداً:ومتصلة بنظائرهن أبداً.[171]
  • صلاة لا يستطيع أحد إحصاءها إلا أنت:أسألك اللهم أن تصلي على محمد وعلى آل محمد صلاة لا يقوى على إحصائها إلا أنت.[172]
  • الصلاة الإبراهيمية:اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت وباركت وحيّيت على أصفيائك إبراهيم وآل إبراهيم.[173]
  • صلاة على التابعين:اللهم وصلِّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين وعلى أزواجهم وذرياتهم وعلى من أطاعك منهم.[174]
  • صلاة عصمتيّة:صلاة تعصمهم بها من معصيتك.[175]
  • صلاة توسّعة في جناتك:وتفسح لهم في رياض جنتك.[176]
  • صلاة مانعة من كيد الشيطان:وتمنعهم بها من كيد الشيطان.[177]
  • صلاة معونة:وتعينهم بها على ما استعنتك عليه من البر.[178]
  • صلاة وقائية:وتقيهم طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير.[179]
  • صلاة بعثتيّة:وتبعثهم بها على اعتقاد حسن الرجاء لك.[180]
  • صلاة طمع:والطمع فيما عندك.[181]
  • صلاة تركيّة:ترك التهمة فيما تحويه أيدي العباد لتردعهم إلى الرغبة إليك والرهبة منك.[182]
  • صلاة تزهد:وتزهدهم في سعة العاجل.[183]
  • صلاة تحبيب:وتحبب إليهم العمل للأجل.[184]
  • صلاة استعداد:والاستعداد لما بعد الموت.[185]
  • صلاة تهوين:وتهون عليهم كل كرب يحل بهم يوم خروج الأنفس من أبدانها.[186]
  • صلاة معافاة من المحذورات:وتعافيهم مما تقع به الفتنة من محذوراتها.[187]
  • صلاة معافاة من كبّة النار:وكبّة النار.[188]
  • صلاة معافاة من الخلود في النار:وطول الخلود فيها.[189]
  • صلاة أمن:وتصيرهم إلى أمن من مقيل المتقين.[190]
  • صلاة على أولياء وأصدقاء محمد وآل محمد:اللهم وصل على أوليائهم.[191]
  • صلوات مباركة:الصلوات المباركات.[192]
  • صلوات زكية:الزكيات.[193]
  • صلوات ناميات:الناميات.[194]
  • صلوات الصبح:الغاديات.[195]
  • صلوات المساء:الرائحات.[196]
  • صلاة على ملك اليوم:فصلّ عليهم يوم يأتي كل نفس معها سائق وشهيد.[197]
  • صلاة زيادة الكرامة والطهارة:وصلّ عليهم صلاة تزيدهم كرامة على كرامتهم وطهارة على طهارتهم.[198]
  • صلاة على الملائكة:اللهم وإذا صليت على ملائكتك ورسلك.[199]
  • صلاة إبلاغية:وبلّغتهم صلواتنا عليهم.[200]
  • صلاة الله علينا بفتح الكلام:فصلّ علينا بما فتحت لنا من حسن القول فيهم.[201]

الكمال في الإيمان واليقين:

بلغ بإيماني أكمل الإيمان واجعل يقيني أفضل اليقين؛

اللهم أعطني أكمل الإيمان وأفضل اليقين.

الإيمان درجات ومنازل؛ فقد قال الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة»[202]، أي أن للإيمان عشرة مراتب، كما يصعد الإنسان من درجة إلى أخرى في السلم.

وكما أن للإيمان مراتب، فإن لليقين كذلك منازل: علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين. ومن عبارة «أكمل الإيمان» و«أفضل اليقين» وهي صيغة تفضيل، نفهم أن هذه الخلقيات وجودية، وكلما ارتقى الإنسان درجات الإيمان واليقين، كان أسمى وأعلى منزلة.

ومثلما أن الظواهر والكائنات تتفاوت في شدتها وضعفها، فلا يمكن حصر ظهورات الإيمان واليقين في حدود ضيقة. لذلك، حين يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)[203]؛ أي «يا أهل الإيمان، آمنوا» أو (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[204]؛ «وقل رب زدني علمًا»، لا يحدد المقدار.

أما الباء في «بإيماني» فهي زائدة للتوكيد والزينة. والبلوغ يعني الوصول، فـ «بلّغ بإيماني» أي: اجعل إيماني يبلغ أكمل درجاته.

في الروايات والأخبار عن أهل البيت عليهم السلام، عُرّف الإيمان بأنه معرفه قلبية وإقرار باللسان وعمل بالأركان. أما الإقرار والعمل، فهما طريق الكشف عن الإيمان، لا الإيمان ذاته. فالإيمان حقيقة مجردة، أمر نفسي وقلبي، بسيط لا مركب، وإن كان ذا مراتب متعاقبة، وكل مرتبة لها آثارها وخصوصياتها.

«أكمل الإيمان» هو حقيقة الإيمان ونهاية مراتب الإيمان وبداية مراتب اليقين. في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام:

«إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً»[206]، أي أكملهم إيماناً هو أطيبهم خلقاً.

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وآله:

«أفضلكم إيماناً أحسنكم أخلاقاً»[207]؛ أفضلكم إيماناً هو أحسنكم أخلاقاً.

وقال الإمام السجاد عليه السلام:

«وأقربكم من الله أوسعكم أخلاقاً»[208].

النَّتِيجَةُ مِنْ الرَّوَايَاتِ فِي مَجَالِ الإِيمَانِ وَ الْأَخْلَاقِ

مِنْ خِلَالِ النَّظَرِ إِلَى نَوْعِ هَذِهِ الرَّوَايَاتِ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَخْلِصَ أَنَّهُ كُلَّمَا تَزَادَ الإِيمَانُ وَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَزَادَ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ فِي النَّفْسِ، فَالأَخْلَاقُ الْفَاضِلَةُ هِيَ أَكْرَمُ مَا يَنْالُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَجَلَّى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَسْتَجِيرُ بِهِ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ هُوَ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى أَفْضَلِ وَ أَكْمَلِ دَرَجَاتِ الإِيمَانِ وَ الْقُرْبِ، لِيَنْلِيَ بِهَا أَحْسَنَ الْمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي سَيُشِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

علاقة الإيمان بالحب

في الروايات الولائية، عُرِّفَ الإيمان بالحبِّ والبغض؛ كما قال الإمام الباقر عليه السلام: «الإيمان حب وبغض»، أي أن الإيمان يتمثّل في المحبة والكره. وورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: «أيّ عرى الإيمان أوثق؟» فقال البعض: الصلاة، وآخرون: الزكاة، وصوم، وحج، وجهاد. فقال النبي: «لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والتوالي أولياء الله والتبرّي من أعداء الله».

وقد قال الإمام الباقر عليه السلام: «حبنا إيمان وبغضنا كفر».

وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن كمال الإيمان يرتبط بحبّ ومحبّة واتباع أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: «من أحبك بلسانه فقد كمل ثلث إيمانه، ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كمل ثلثا الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصر بيده فقد استكمل الإيمان».

علامات الكمال في الحب والإيمان

يظهر أن الوصول إلى كمال الإيمان والحب يكون عندما يُمحى من قلب العبد غير ميل ولا هوا سوى ميله وهواه لمولاة المتقين وسيد المؤمنين عليه السلام. والشاهد على ذلك أن الشيعة الحقيقيين هم الذين خُلِقُوا مِنْ شُعَاعِ أَنْوَارِ أَهْلِ الْوِلَايَةِ، ويجب أن يكونوا في سلوكهم وأفعالهم مشابهين لسيدهم، فهو الهادي والمثل الأعلى.

لذا، من يدّعي حب علي عليه السلام فيجب أن يُقاس بحجم تمثيله العملي لأخلاقه واتباعه الكامل له، وإلا كان ادعاءه إما كذباً أو دلالة على نقصان إيمانه.

قال الإمام الباقر عليه السلام: «ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه».

الطاعة للمعصوم هي طاعة الله، وكلما ازداد اتّباع الإنسان للمعصوم ازداد إيمانه كمالاً.

اليقين والارتقاء الروحي

اليقين الأعظم هو «حق اليقين» وهو أعلى من «عين اليقين». قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أحسن اليقين التقوى»، وقد بلغ بعض الصحابة كحارثة بن مالك هذا المقام من اليقين بحيث بدت عليهم علامات التقوى العميقة.

ولا يتحقق هذا اليقين بمجرّد العلوم الظاهرية بل لا بد من الاجتهاد والتقوى والتبتل في سبيل الله.

الأشخاص الذين وصلوا إلى «حق اليقين» هم على درجات، فبعضهم يرى الجنة والنار ويتأثر، وبعضهم كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام علي عليه السلام يرى أكثر بكثير ولا يتغير.

الطالب الروحي لا ينبغي له أن يركن إلى مقام ثابت بل يجب أن يواصل سيره ولا يتوقف، كما أن المؤمن كالماء الجاري في النهر الذي إذا توقف فسد.

العلاقة بين النية والعمل

لا عمل إلا بالنية، كما قال الإمام السجاد عليه السلام. وقد عطف في قوله «بعملي إلى أحسن الأعمال» على النية، فأوضح أن هناك نية وعمل، ولكل منهما درجات، فالنية الحسنة والعمل الحسن هما نية وعمل الطائعين، والنية السيئة والعمل السيئ هما نية وعمل الكافرين.

النية الخالصة هي قصد القربى لله، والعمل الخالص هو تجلِّي هذه النية في الفعل. فكلما ازداد قرب العبد من الله، ازداد إخلاص نيّته وعمَله.

قال الإمام السجاد عليه السلام: «أحبّكم إلى الله أحسنكم عملاً».

الخاتمة

إن السائر على طريق الحق لا ينبغي أن يقف عند مرتبة ما، بل يجب أن يسعى دائمًا إلى الكمال، مستعينًا بالله، متخلقًا بأخلاق المعصومين، متقربًا إلى الله بالحب الخالص واليقين الحق.

والعمل الصالح هو ثمرة النية الصالحة، ولا يكفي مجرد العلم النظري أو التأمل بدون عمل وتجربة. فالإيمان الحقيقي يكتمل بمعرفة الحقائق وتجربتها، ويظهر أثره في النفس والسلوك.

إنَّ مقام العبودية والنيّة الخالصة لله تعالى من أسمى المقامات الروحية التي يبلغها الإنسان في سلوكِه إلى الحق. فقد ورد في كلام الحق تبارك وتعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام إشارة إلى هذه المرتبة، حيث لا يتحقق الإنسان في أفضل نيّته وأقرب أحواله إلى الحق إلّا حين يبلغ مرتبة المعرفة اليقينية والفناء عن الذات، ويصل إلى كمال الإخلاص، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وكمال الإخلاص له نفْي الصفات عنه»، أي كمال الأحكام يكون بنفي الصفات الزائدة عن الذات الإلهية، فالمقصود هو نفي التعيّن والذاتية.

فالذي يظهر عليه التظاهر والرياء لم يزل يعاني من مشكلات النفْي عن التعيّن، ولا يزال أسيرًا لذاته، فلا يمكن أن تكون نيته وعمله حسنين، ناهيك عن أن يكونا في أفضل صورة.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحدٌ إلا الله عز وجل»، أي إن العمل الخالص هو الذي لا يكون القصد منه مدح الناس، بل رضى الله وحده. وفي رواية أخرى قال عليه السلام: «لا يصير العبد عبدًا خالصًا لله عز وجل حتى يصير المديح والذم عنده سواء»، فلا يؤثر مدح الناس ولا ذمهم في حاله.

وقال عليه السلام في بيان نوراني آخر: «حسن النيّة بالطاعة»، فالنيّة الحسنة تتجلّى في الطاعة الخالصة لله.

ومن أدعية الإمام عليه السلام: «اللهم وفّر بلطفك نيّتي»، أي اجعل نيّتي مملوءة بلطفك وكريمك، خالية من المنايات الدنيوية.

النيّة هي المحرك الداخلي الذي يحرك الإنسان في الفكر، والعمل، والسلوك، وهو في حالة تحول مستمر، فقد تهوي بالبعض إلى الهاوية، وتثير اضطرابًا في آخرين، وتسمو بالواصلين إلى ذرى الكمال.

ويختلف النية عن القصد بأن القصد هو مجرد الإرادة للقيام بفعل، بينما النية تتضمن بالإضافة إلى الإرادة، تحديد هدف وغاية العمل.

كذلك يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام أن العبد المعبد بدون علم وفهم، يشبه الحمار الذي يدور في طاحونة ولا يرتحل إلى مكان.

وذكر عليه السلام تقسيم العباد إلى ثلاثة أصناف: عبيد يعبدون الله خوفًا، فأولئك عباد الرّق، وآخرون يعبدون الله طلبًا للأجر والثواب، فهم عباد التجار، وأخيرون يعبدون الله حبًا له، وهؤلاء هم الأحرار وهم أفضل العبادات.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا لجنّتك، بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك»، وهو تعبير عن أسمى مراتب العبودية التي تتجاوز الخوف والطمع إلى وجدان حقائق الربوبية.

وتُعدُّ النيّة ركنًا من أركان الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها، وهي شرطٌ محيط بكل أفعال الصلاة، بخلاف الطهارة التي هي شرطٌ واجب لكن ليست ركنًا.

ويجب أن تكون النيّة في الصلاة «قربةً إلى الله» أي توجه القلب نحو الله تعالى، وهذا هو الهدف الأسمى للعبادة.

وحذّر أمير المؤمنين عليه السلام من الركود وعدم التجدّد في النيّة، فقال: «من اعتدل يومه فهو مغبون»، أي من لا يتجدّد ولا يرتقي يومًا بعد يوم.

واختتمت الآيات القرآنية بإنذار شديد تجاه من يضلل في صلاته ويُظهر الرياء: «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون»، إذ أن التقصير في الصلاة أبلغ ذمًا من كثير من الذنوب.

يُصلّي بجانب آلاف المعاصي والفجور. وكان خوارج نهروان يقرؤون القرآن، ومع ذلك كانوا نموذجًا واضحًا لـ “رُبَّ تالِ القُرآنِ وَ القُرآنُ يَلْعَنُه”؛ أي: كم من الذين يقرؤون القرآن ومع ذلك يلعنهم القرآن.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الأحاديث التالية:

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام:«كم من صائم ليس له من صيامه إلا العطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر. حبّذا نوم الأكْياس وإفطارهم.»أي: كم من صائم لا يحصل من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم لا ينال من قيامه إلا المشقة والتعب، فليكن نوم الأغنياء وإفطارهم أفضل.
  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«من لم تنتهِ صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدْه الله إلا بعدًا.»أي: من لم تمنعه صلاته من الفحشاء والمنكر، فإن صلاته لا تزيده عند الله إلا بعدًا وحرمانًا.
  • وقال أيضًا:«لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه.»أي: الصلاة التي لا يكون فيها القلب حاضرًا مع البدن، لا يعتدّ الله بها.
  • وقال:«كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب.»أي: كثير من الذين يقومون للصلاة لا ينالون منها إلا التعب والشقاء.
  • وقال:«من صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا غُفر له ما تقدم من ذنبه.»أي: من صلّى ركعتين خالياً من هموم الدنيا وخواطرها، غُفر له ما تقدم من ذنوبه.

وفي هذا المضمار، هناك أدلة كثيرة من الآيات والأحاديث، وإن أُوردت جميعها لأصبحت “مثنوى، سبعون من ورق”، ولكن كما يُقال: “في البيت إن كان أحد، كلمة واحدة تكفي”.

آثار القرب الإلهي

يصل الإنسان في ظلّ العبوديّة إلى مرتبة القرب من الفروض والنوافل. فقد روى المرحوم الكليني رحمه الله في حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«ما تقرّب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما فرضت عليه، وإنه ليتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها.»

في هذا البيان الشريف، يشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولًا إلى قرب الفروض، ثم قرب النوافل. الفرق بين قرب الفروض وقرب النوافل هو أن في قرب الفروض يكون العبد وسيلة للحق، وأمّا في قرب النوافل فيكون الحق وسيلة للعبد؛ ولهذا فإن قرب الفروض أرفع من قرب النوافل، لأن قرب الفروض يخلو من شبهة الأنانية، ويكون العبد بكمال وجوده وحقيقته في يد المولى.

نتيجة للعبودية والقرب من الحق تظهر آثار الربوبية والتأديب الإلهي في الإنسان، فتظهر فيه أخلاق الله وصفاته الحقّة، كما ورد في الحديث القدسي:

«عبدي أطعني أجعلك مثلي؛ أنا حيّ لا أموت، أجعلك حيًّا لا تموت؛ أنا غنيّ لا أفتقر، أجعلك غنيًّا لا تفتقر؛ أنا مهما أشاء يكون، أجعلك مهما تشاء يكون.»

قرب العبد من ربه كقرب الحديد من النار، كلما اقترب أكثر، ظهرت فيه خصائص النار، إلى أن يصير الأحمر المتقد الذي يظهر كل صفات النار من حرارة ونور واحتراق. كذلك العبد بفضل قربه من الحق، يكتسب هذه الحالات.

قال تعالى:

(وأشرقت الأرض بنور ربها).

وفي زيارة الجامعة الكبرى للإمام عليهم السلام:

(وأشرقت الأرض بنوركم) أي بنور أهل البيت عليهم السلام.

ينعكس قرب العبد إلى الحق في ظهور أسماء الله وصفاته فيه، حتى يصبح مظهرًا لها، ويصل إلى مقام القرب من الفروض حيث تصبح جميع جوارحه وأعضاؤه أدوات للحق، ويصل إلى مقام الفناء والعبودية الكاملة، وهو جوهر الربوبية كما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام.

القرب من الحق: نتيجة الحب والعشق

القرب من الحق فرع عن الحب والعشق والأنس به، وهذه هي الفروع المشتقة من المعرفة والوجدان بالله. للوصول إلى القرب، يجب أن تنقشع الحجب بين العبد والحق، فتظهر معرفة الحق، وهي مرتبطة بمعرفة الذات؛ لأن معرفة الله لا تتحقق إلا بمعرفة الإنسان لنفسه.

قال أمير الشعراء حافظ:

“ما بين العاشق والمعشوق لا حجاب… أنت الحجاب نفسك، فقم وانصرف.”

فمن دون رفع الحجب، لا تظهر ملامح المعشوق، ولا يتحقق الإدراك والمعرفة.

معرفة الذات أقرب وأسهل طريق لمعرفة الله

معرفة الذات أقرب الطرق وأسهلها لمعرفة الله، لأن الله في القلب أقرب من الوريد. الإنسان هو أتم تجلٍ للحق، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

“من عرف نفسه فقد عرف ربه.”

وقال الإمام الباقر عليه السلام:

“ولا معرفة كمعرفتك بنفسك.”

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

“أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه.”

لذلك، القرب من الحق يتوقف على القرب من الذات، والذي لا يتحقق إلا بحضور أنس وعشق وحب، وهذا لا يأتي إلا بنور المعرفة بعد إزالة الحجب.

آثار الحب والعشق للحق

قال الإمام الصادق عليه السلام في “مصباح الشريعة”:

“حب الله إذا أضاء على سر عبد، أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله.”

وقال أيضًا:

“حب الله نار لا تمر على شيء إلا احترقه.”

وقال أيضًا:

“أصل الحب التبرؤ عن سواه.”

الختام

المعرفة، والمحبة، والقرب هي الركائز الأساسية لإحياء الدوافع الإلهية في نفس السالكين إلى الله. فمن عرف الله أحبّه، ومن أحبّه وصل إلى مقام الفناء في الحق والعبودية الكاملة.

البَلاءُ والابتلاءُ

في ختام الرواية ورد أنّ المؤمنين الذين يبلغون هذه الدرجة من اليقين، يُبتلون بالبلاء، وهذا من علامات صحة اليقين، والأهمّ من ذلك أنهم يُلقي أنفسهم برضا تام في حضن البلاء والابتلاء دون أن يُذقوا أيّ خوف. ومن هنا، كما ورد في نهاية الرواية السابقة، فإنّ ذلك الشاب (أو الحارثة) بعد أن يُبيّن علامات صحة يقينه في حضور رسول الله ﷺ، يتضرّع إليه ليُدعو له بأن يناله فضل الشهادة في ركاب رسول الله ﷺ، لأنه كما قيل:

مَن كان أقرب في هذا المجلس

زادته كؤوس البلاء والابتلاء

ومن كان ظمآنًا لسيف الحبيب

رُوي بماء الشوك الحادّ والمعاناة

قال رسول الله ﷺ: «فَمَن صَحَّ إيمانهُ وحسُنَ عملهُ اشتدَّ بلاؤهُ»؛

“من كان إيمانه صحيحًا وعمله حسنًا، اشتدّ بلاؤه”.

وقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: «المؤمن كمكافئتي الميزان؛ كلما زاد إيمانه زاد بلاؤه»؛

“المؤمن ككفتي الميزان، كلما زاد إيمانه زاد ابتلاؤه”.

ومن يصل إلى هذه الدرجة من الإيمان واليقين، كلما تساقط عليه مطر البلاء ورصاص الهموم، ازداد صلابة وإصرارًا على إيمانه.

قال الإمام الهادي عليه السلام: «ومن كان على بينة من ربه هانت عليه مصائب الدنيا ولو قُرِض ونُشر»؛

“من عرف ربه معرفة واضحة وثابتة، تصبح مصائب الدنيا سهلة عليه، حتى لو تم تمزيق جسده ونثره”.

وقال الإمام الصادق عليه السلام: «لا تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمةً والرخاء مصيبةً»؛

“لن تكونوا مؤمنين حقًا حتى تحسبوا الشدائد نعمة واليسر مصيبة”.

وقال الإمام السجاد عليه السلام: «الرّضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين»؛

“الرضا بالقضاء غير المرغوب فيه أعلى مراتب اليقين”.

ومن علامات صحة اليقين أن يكون للإنسان بصرٌ يرى الحقّ، ويرجّح رضا الله على رضا الخلق في كل حال، ويرضى بقَدره المكتوب.

قال الإمام الصادق عليه السلام: «من صحة يقين المرء المسلم ألا يرضى الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كرَهة كاره، ولو فرّ أحدكم من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت. ثم قال: إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»؛

أي من علامات صحة اليقين أن لا يسخط الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يُعطِهم إياه الله، لأن الرزق لا يأتي بحرص الإنسان ولا يُردّ بكرَه الناس، ولو فرّ الإنسان من رزقه كما يفرّ من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت. والله جعل في اليقين والرضا راحة الروح ونشوتها، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.

ويجدر بالإنسان أن يَعي هذه الحقيقة التي مفادها: “إن الله جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم في الحزن والشك والسخط”. الإنسان ما لم يبلغ درجة اليقين والرضا، لا يرى طعم الراحة والطمأنينة الحقيقية.

وهذا ما تحتاج إليه بشدة حضارتنا المعاصرة، ومع الأسف، لم تُفسَّر هذه الحقائق علميًا بين المسلمين، وأدى الفقر الإيماني إلى عدم السعي لفهم هذه الحقائق، وبدلًا من البحث عن الراحة والطمأنينة في فهمها، يلجؤون إلى الأدوية السامة المنومة المسماة “مهدئات”، ويسلّمون صحتهم لعوامل لا واعية، ويُدفعون ثمن بعدهم عن الأخلاق الإيمانية، التي تتولّى صحيفه سجاديه بيانها.

وبناءً على المعايير التي تحدّد صحة يقين المؤمن، يستطيع السالك إلى الله أن يستفيد من الصحيفة في إعادة بناء إيمانه ويقينه، وأن يعرف مدى صحة معتقداته، كما يمكنه أن يحصل على معيار جيد لمعرفة الكذّابين الذين يدّعون السلوك والمعرفة بحق الأولياء الإلهيين. فالذين لا يتحملون أعباء البلاء والابتلاء، والذين يجرّون الدين على مزاج الدنياوي الزائل، لا يمكن أن يدّعوا صحة اليقين، لأن الانفصال الحقيقي عن ما سوى الله يتحقق فقط في ميدان البلاء والتضحية بالنفس وقبول الشهادة.

وقال الإمام الباقر عليه السلام: «يا جابر، من دخل قلبه حقيقة الإيمان الخالص، انشغل عن زخارف الدنيا وزينتها»؛

من دخل قلبه الإيمان الخالص الصافي، ابتعد عن زينة الدنيا ومفاتنها.

ولمعرفة هؤلاء المدعين، هناك معيار ظاهر وباطن آخر يجب دراسته.

صفاء الباطن

«واصلح بقدرتك ما فسد مني»؛

“اللهم أصلح باطن نفسي من كل فساد وفساد”.

وليس المراد هنا طلب التوبة فقط، بل الدعاء للوصول إلى مقام الفناء، وهو الذي يتحقق بترك الذات.

لا فساد في الإنسان أعظم من الشعور بالذاتية وحب النفس، ومن هذا المنبع تنبع كل صراعات البشر، حتى إذا ما فنى وجود الإنسان في الحق، لم يجد سوى الحق ذاته.

وأعلى من مقام الفناء مقام البقاء بعد الفناء، أي أن لا أكون أنا، بل يكون الحق.

كما يقول مولوي:

لا يمكن بعبادة أن تصبح الله،

لكن يمكن أن تصبح موسى كليم الله.

فلسفة تقول: لا يمكن للإنسان أن يرغب بالمجهول المطلق، ولكن كيف لا يطلب؟ العبادة هي مقام الفناء، وفيها يظهر الله ويظهر الحق بأسمائه وصفاته.

الإمامون عليهم السلام هم مظاهر الأسماء الحسنى للحق، ونحن نستطيع بالطلب والمساعدة منهم وبالعمل بتعاليمهم أن نبلغ مقام الفناء والبقاء بعده، ومظاهر أسماء وصفات الله.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «إن الله كريم حليم رحيم، دلنا على أخلاقه وأمرنا أن نتحلى بها».

تحديد ذات الحق لا يكون بالرحمن أو الرحيم أو غيرهما من الأسماء، بل وجود الوحدة الإلهية هو في كل أسماء الله وصفاته.

نحن نتصل بالله من خلال أسمائه، لأن ذات الحق لا يُمكن إدراكها بالاسم أو العلامة.

فاطلب يا الله تصحيح يقيني، وأصلح بقدرتك ما فسد مني، وبلغني مقام الفناء، وهو مقام الحق اليقين، ثم مقام “أفضل اليقين وأرفع النية”، وهو حقيقة الحق اليقين، مقام البقاء بعد الفناء، ومظهر الأسماء والصفات.

انظر كيف يعامل المحبوب العاشق، وإلى أي مقام يرتقي به، كما قال سعدي رحمه الله:

يبلغ الإنسان مقامًا لا يرى فيه إلا الله،

فانظر إلى مقام الإنسان العظيم.

فكن واعيًا أين أنت وأين يجب أن تكون، وخذ وقتًا للتأمل والصلاة في البراري والجبال، وادع الله: “اللهم إني أريد اليقين”.

الذهاب إلى المقابر في الليل أعظم جامعة للتعلم، انظر إلى الموتى، فالوفاة عبرة كافية.

تعلم من التابوت والموتى والمقابر.

الظلمة، الصحراء، المقابر، الأموات، البرزخ، كلها سبع مدن للحب سلكها أهل اليقين، بينما كثيرون ما زالوا في أول زقاق.

تعالى إنقاذ ابنه، فكان الرد الإلهي: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[297]، حيث قال الله له: “يا نوح، إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألني ما ليس لك به علم.”

وعندما يكون للعبد السالك علم، فقد يطلب الكمال قبل الوقت المقدر له، وهو ما يُسمى بـ “السؤال الاستعجالي.”

وفي بعض الأحيان، يكون لدى العبد السالك علمٌ بعطاء الله، ويعلم أن بعض العطايا مشروطة بالسؤال، لكنه يجهل ما إذا كان هذا العطاء من العطايا المشروطة بالسؤال أم لا، فيتردد ويطرح السؤال، وهو ما يُسمى بـ “السؤال الاحتمالي.”

وقد يمتد علم السالك ليشمل معرفة أعلى مراتب العلم، بحيث يعلم أي الأسئلة مشروطة وأيها غير مشروطة. هؤلاء السالكون ينقسمون إلى قسمين: أحدهما يعرف سؤالاً قريباً من الفعل والظهور والتطبيق، بمعنى أن العبد السالك يدرك في نفسه أن هناك عناية إلهية تأتيه الآن ويجب أن يطلبها. ويُسمى هؤلاء بـ “السائلين اللفظيين الحالّيين.” أما الآخرون، فيعرفون السؤال البعيد ويعلمون أن عناية الله ستأتيهم بعد ثلاثين أو خمسين سنة، ويشعرون بالسؤال الآن، ويُسمى هذا بـ “السؤال اللفظي الاستعدادي.”

أما إدراك الوقت والزمن الذي تصاحب فيه العناية الإلهية فيكون صعباً، ورغم ذلك، فإن الإدراكات الاستعدادية تعتبر خفية أحياناً. ولا يمكن أن يكون هذا السؤال إلا إذا كان العبد في مقام الاستعداد والسلوك. وإن كان أحدهم يشعر بأن قلبه يسأل، عليه أن يعلم أن النداء الإلهي يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[299]؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها”[300].

وأحياناً يكون العبد السالك عالماً بـ “ما كان وما يكون وما هو كائن”، وفي هذه الحالة يكون عنده علم حضوري كامل في جميع مراتب علم الله ويعلم بالتفصيل كيفية السؤال، ومتى وأين يكون، وكذلك شروط استجابة السؤال. وهذا يسمى “السؤال الامتثالي”، حيث يسأل العبد امتثالاً لأمر الله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). وأفضل مثال على هذا هم الأولياء الكمل والأئمة المعصومون عليهم الصلاة والسلام.

في هذا السياق، تُعتبر أسئلة الأئمة المعصومين في جميع أمور الدنيا والآخرة مرتبطة باتساع امتثالهم، حيث هم عبيد كاملون لله تعالى. ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: “لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتُك أهلاً للعبادة.” هؤلاء هم الذين قطعوا الطمع عن أنفسهم وعن غيرهم وعن الله، وتفرغوا لعبادة الله وحده.

ثم يأتي الحديث عن “السؤال الحالّي” الذي لا يتضمن لفظاً، حيث يكون مثل احتياج اليد التي ترفع إلى الله دون أن تنطق بكلمات، ولكن القلب يعبر عن حاجته من خلال حاله.

أما السؤال الاستعدادي فيتجاوز مجرد الكلمات ليشمل جميع الظواهر في الكون كما قال الله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[301]، بمعنى أن كل شيء في السماء والأرض يسأل الله ويطلب منه.

عبودية الإنسان: الغاية من خلقه

“وَاسْتَعْمِلْنِي…؛ ما لم تسألني عنه، فلا تشغلني به.” هذا البيان يشبه أن يُنظم المعلم أسئلة امتحان نهائي في فصل دراسي بحيث لا يستطيع الطلاب الإجابة إلا في ساعة واحدة، وعليه أن لا يضيع وقتاً في الإجابة على أسئلة غير واردة. إذا غفل الطالب عن الوقت، فسيمر الوقت سريعاً دون أن ينتهز الفرصة بشكل صحيح. وإن غفلنا عن هدفنا في الحياة، فإننا مثل الطالب الذي يضيع وقته في أمور لا تمس الهدف الأساس.

وكما قال الإمام السجاد عليه السلام: “وَاعْمَلْ لِمَا خُلِقْتَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً.” بمعنى أننا ينبغي أن نركز على الهدف الذي خلقنا من أجله وهو عبادة الله.

العبادة: غاية في “ما خلقتني له”

عبادة الله ليست محصورة في الصلاة أو الزكاة، بل هي كل عمل يُقصد به وجه الله تعالى. ولذلك، المؤمن يرى في كل فعل من أفعاله عبادة إذا كان مخلصاً لله.

الرزق: رزق معنوي ومادي

“وَأَغْنِني وَأُوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ…”، يُشير إلى طلب الرزق، ويجب أن نميز بين الرزق المادي الذي يحتاجه الجسد، وبين الرزق المعنوي الذي يحتاجه الروح، مثلما قال الله تعالى عن الشهداء: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[309].

التحقيق الإلهي أفضل من العمل الصالح الذي يؤدي إلى العُجب والغرور.

أحيانًا، العبادة قد تُفضي إلى التفرعن والغرور، مما يوقع العابد في حالة من العجب تجعله لا يرى في نفسه أي نقص. لا يرى عيوبه ولا يجرؤ الآخرون على انتقاده؛ ولذلك، قد يبتلي الله سبحانه وتعالى عباده المخلصين بتجارب واختبارات، ويعرضهم لمواقف يتعرضون فيها للذنوب والانحرافات، لكي يتعرفوا على أنفسهم بشكل أعمق، ويقارنوا مدى التزامهم بأوامر الله. وذلك ليدركوا أنه لو لم تكن عناية الله ورعايته لهم، لما وصلوا إلى التوفيق والهداية، بل لسقطوا في المعاصي والعصيان.

وبالتالي، فإن العبادة لا تفضي إلى العجب والغرور. وإذا وفق الله العبد لصلاة الليل، فإنه في اليوم التالي لا ينظر إلى الآخرين باحتقار، ولا يظن نفسه أفضل منهم. قال الإمام الباقر عليه السلام: “وَسُدَّ سَبيلَ العُجْبِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ”.

انتقال الخير

“وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ”

بعد أن يصل العبد السالك إلى مرحلة من التحرر والصفاء، يجب أن يصبح من أهل الخير. في هذا المقطع، يقول الإمام عليه السلام: “اللهم اجعل من أجل تحرري خيرًا”، لأن العلم والتقدم في الكمالات دون أن يكون له تأثير عملي على الآخرين لا يعود على الإنسان بثمرة حقيقية. الخير هنا يعني “كل معروف”، فقد يكون أحيانًا إنقاذ شخص من خطر، وأحيانًا تعليم شخص ما، وقد يكون الإرشاد إلى الدنيا أو الآخرة.

للأسف، “كل معروف” ليس بيدنا جميعًا، فبعض الناس قد يكونون بعيدين عن دائرة الخير التي يمكننا تقديمها لهم. ولكن السالك يجب أن يسعى ليكون مثل العالِم الحقيقي، الذي ينتشر خيره بين جميع الناس من جميع الطبقات والفئات.

الخير بلا منّة

“وَلا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ”

إن طبيعة الإنسان تميل إلى أن يفسد الخير الذي يقدمه بنية المنّة أو التفاخر. لذلك، يجب أن يكون السالك حذرًا، وألا يتوقع مقابلًا لما يقدمه للآخرين. يقول الإمام عليه السلام في هذا المقطع: “اللهم اجعلني مثل نفسك، لا أضع الخير في مكانه ثم أفسده بالمنّة”. وهكذا، فإن عمل الخير يجب أن يكون خالصًا لله تعالى دون أن تلوثه الأهداف الشخصية أو الرغبة في مقابل.

مكارم الأخلاق

“وَهَبْ لِي مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ”

اللهم، أعطني مكارم الأخلاق التي هي قمة الفضائل الإنسانية. قال أمير المؤمنين عليه السلام: “وَعَلَيْكُم بِمَكارِمِ الأَخْلَاقِ فَإِنَّها رَفْعَةٌ”. فالمكارم الأخلاقية تعني القيم العليا التي ينبغي على الإنسان أن يتحلى بها، وهي تجسيد لقيم عظيمة مثل الصبر والكرم والعدل.

الأخلاق الكريمة هي القمم التي يجب أن يطمح إليها السالك، مثلما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثالًا كاملاً في هذه الأخلاق. قال الله تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ”.

العلاقة بين جهود الإنسان وعطايا الله

بعض الفضائل الأخلاقية هي هبة من الله، مثل العقل. قال عليه السلام: “العقل هبة من الله، أما الأدب فهو ثمرة جهد الإنسان”. لهذا نرى في مدارس العلم أن الجميع لا يصل إلى نفس المستوى من الكمالات العلمية والعملية، لأن بعض الفضائل لا يمكن اكتسابها إلا من خلال عطايا الله سبحانه وتعالى.

بعض مكارم الأخلاق

قال الإمام الباقر عليه السلام: “ثَلاثَةٌ مِنْ مَكارِمِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ: أَنْ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكِ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكِ وَتَحْلِمَ إِذَا جُهِلَ عَلَيْكِ”.

خلاصة الكمال

قال الإمام الصادق عليه السلام: “الكمال كله في التفقه في الدين، والصبر على الشدائد، والقناعة في المعيشة”.

خاتمة

يُختتم هذا الكلام بالإشارة إلى أن التواضع، الصبر، والكرم هي الصفات الأساسية التي يجب أن يتحلى بها السالك لكي يصل إلى مقام القرب الإلهي، حيث تكون كل أعماله وأخلاقه متجهة نحو الله، ليحقق بذلك الكمال الروحي في الدنيا والآخرة.

الذين استشهدوا في سبيل الحق، فلا تظنوا أنهم أموات، بل هم أحياء يرزقون عند الله. ومن ثم، فإن الرزق لا يقتصر على الرزق المادي فقط، بل يشمل أيضاً الكمالات المعنوية التي تمثل غذاءً روحياً واحتياجاً ضرورياً لاستمرارية الحياة الروحية للإنسان في الدنيا والآخرة. فبما أن الإنسان يتكون من مادّة وروح، فإنه عندما يسأل الله تعالى عن الرزق، يجب أن يكون سؤاله شاملاً للرزق المادي والمعنوي معاً. كما في قول الإمام السجاد عليه السلام في هذا المقطع من الدعاء، حيث لا يذكر نوعاً معيناً من الرزق، بل يذكره بصورة عامة في قوله: “وَ أَوسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ” ليشمل كافة مراتب الرزق. من الواضح أن الرزق في كل مرتبة من مراتب الوجود الإنساني، يتناسب مع تلك المرتبة. فالرزق الجسدي للإنسان يشمل الطعام، والشراب، وسائر احتياجاته الدنيوية، بينما الرزق الروحي للقلب يشمل ذكر الله، والقرب منه، والوصول إلى الكمالات الإلهية.

كما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في بيانه الملكوتي، فإن الاستمرار في ذكر الله هو غذاء الروح و**”مفتاح صلاحها”**، فذكر الله المستمر هو غذاء الروح وكليد الرشاد.

الرزق المعنوي بلا حدود

ومن النقاط التي يجب مراعاتها، هي أن الإنسان في طلبه للرزق المعنوي لا يوجد له أي حد، فإذ أن الكائن البشري، من حيث الروح والباطن، مجرّدٌ ويستطيع أن يرتقي ويتقدم روحياً بلا حدود. لذا فإن الرزق المعنوي له هو الآخر يمكن أن يكون غير محدود، ويتواصل حتى يصل إلى مقام “أو أدنى” كما قال الله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)، فتجسد هذه اللامحدودية في الرزق المعنوي في مراتب الاقتراب من الله تعالى.

الرزق والحكمة الإلهية

الله تعالى في كل رزق، سواء كان ماديّاً أو معنوياً، يضع مقياساً معيناً ويعطي كل شخص وفقاً لاستعداداته، وقدرته على الاستفادة من هذه النعم. كما تقول الآية الكريمة: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا). الله تعالى هو الواسع في رزقه، فهو يجود بلا حدود، ولكن في نفس الوقت هو حكيم لا يعطي رزقه إلا وفقاً للحكمة الإلهية. ولذلك، رغم أن الله سبحانه وتعالى هو “الرزاق” بلا حدود، إلا أنه في عطاءاته المادية يراعي الحكمة، فيمنح رزقاً بمقدار الحاجة لتجنب الفساد والتمادي.

وسعة الرزق المادي والمعنوي

عندما يقول الإمام السجاد عليه السلام “أَوسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ”، فإن معنى “أوسع” في الرزق المادي هو أن يوسع الرزق ليكفي احتياجات الإنسان دون الحاجة إلى زيادة على مقدار الكفاية، ما عدا في حالة ما إذا كانت الزيادة تخدم المجتمع أو مساعدة الفقراء، مما يجعل الزيادة مستحبة. أما في الرزق المعنوي، فإن “أوسع” تعني أن الإنسان يطلب المزيد من الاقتراب إلى الله عز وجل وتوسيع معارفه الروحية والروحية التي لا نهاية لها.

الحرص والطموح في الرزق المعنوي

فيما يتعلق بالرزق المعنوي، لا يجب على الإنسان أن يقتصر على القليل، بل يجب أن يطلب من الله التوسع المستمر في رزقه الروحي. يجب على المؤمن السالك أن يسعى دوماً لتحقيق المزيد من القرب إلى الله، متطلعاً إلى العلو في مراتب الكمالات الروحية، ولا ينبغي له أن يكتفي بالقليل.

الحسد والغبطة

إذا تساءلنا عن التفاوت بين الحسد والغبطة في الطلب الروحي، يمكن أن نقول إن الغبطة بالنسبة لكمالات الآخرين أمر لا يتنافى مع الكمال الروحي، لكن الحسد في ذاته يعد خصلة مذمومة في الإسلام. في طلب الكمالات، يجب أن نوجه نظرنا إلى الله تعالى باعتباره “كامل الكمال”، ومصدر كل الكمالات، وأن نعتبر السير على نهج الأنبياء والأولياء المعصومين سبيلًا إلى تحقيق الرشاد.

الاهتمام بالحق

«وَلا تَفْتِنِّى بِالنَّظَرِ»؛ اللهم، لا تجعلني أسيرًا للنظرة المحرمة؛ فإنه إذا انشغلت عيناي في السعي وراء الرزق الحلال بالتطلع إلى غيرك و النظر إلى ما في أيدي الناس، فقد أغفل عن ذكرك مع أنني عبدك و ليس هناك من يرزقني سوى يدك الكريمة، فإن كل ما في الوجود هو من عندك ولأجلك، وكل من يملك شيئًا فهو من فضلك. أنت الذي أتممت حقوق الجميع بكل عدل و وفقًا لقدراتهم و قربهم منك، كما جاء في قوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ).

سر القدر

يُحمل هذا المقطع من الدعاء معنى دقيقًا آخر: اللهم، ارزقني سرَّ القدر؛ حتى أتمكن من فهم الحكمة وراء توزيع الكمالات على الناس، لماذا أعطيت هذا الشخص درجة من الكمال وهذه الأخرى درجة أقل؟ اللهم، ارزقني سرَّ القدر حتى لا أكون بحاجة للنظر إلى الآخرين. إذا عرفنا سرَّ القدر، سنفهم الحكمة في منح الله كل شخص ما يستحقه. في هذه الحالة، ستظل أسئلتنا تلتقي مع العدل والحكمة الإلهية. وإذا لم نفهم سرَّ القدر، سنظل نتساءل: لماذا فعل الله ذلك؟ لكن إذا اكتشفنا الحكمة والمصلحة في كل شيء، فإن كل الإشكاليات حول هذه المسائل ستختفي. كما يمكننا إعطاء تفسير مناسب عن بناء أجزاء منزلنا المختلفة، كذلك يمكننا تقديم تفسير عن كل ما يبدو غريبًا في تقدير الله. لذلك، من يعرف سرَّ القدر لا يتساءل:

«إذا امتدت يدي إلى السماء، فسأسأل عن هذا وكيفية حدوث ذلك»، بل يقول:

«العالم كالحُسن والخط، وكل شيء في مكانه صحيح».

العزة، الكبر، والتكبر

«أَعِزَّنِي»؛ اللهم، اجعلني قادرًا على التمتع بعزة لا تظلم الآخرين ولا تخضع لظلمهم، لا أذلُّ أحدًا ولا أكون ذليلًا.

العزة هي لله ولأوليائه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، كما أن الله ليس جبارًا ولا ذليلًا، بل هو القوي الذي لا يُغلب: «يَا مَنْ هُوَ غَالِبٌ بِلا مَغْلُوبٍ، يَا مَنْ هُوَ قَاهِرٌ بِلا مَقْهُورٍ».

الكبر

«وَلا تَبتَلِني بِالكِبْرِ…»؛ الكبر هو حب الذات، أما التكبر فهو إظهار ذلك الكبرياء الذي في باطن الإنسان. من يتكبر لا بد أن يكون لديه كبرياء، لكن من يملك الكبرياء قد لا يظهره. الكبر يؤدي إلى التسلط، كمن يصلي ويقول: “لا صلاة مثل صلاتي”، بينما التكبر يجعل الإنسان يعلن عن كبريائه. في كل حال، الكبر أسوأ من التكبر؛ لأن التكبر يظهر نفسه بينما قد يختفي الكبر وراء أفعال خفية. في الروايات، يُعبّر عن المتكبر على أنه من يقاوم الحق ويجادله، كما قال الإمام الباقر عليه السلام: «وَاللَّهِ، أَلْمُتَكَبِّرُ يُنَازِعُ اللَّهَ رِدَاءَهُ».

وفي رواية أخرى، قال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: «مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ». كما قال الإمام عليه السلام لهشام: «إِيَّاكَ وَالكِبَرَ عَلَى أَوْلِيَائِي وَالِاسْتِطَالَةَ بِعِلْمِكَ فَيَمْقُتُكَ اللَّهُ، فَلا تَنْفَعُكَ بَعْدُ مَقْتَتُهُ دُنْيَاكَ وَلا آخِرَتُكَ».

وفي رواية أخرى، قال الإمام عليه السلام: «إِيَّاكَ وَالكِبَرَ فَإِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرِهِ، الكِبْرُ رِدَاءُ اللَّهِ، فَمَن نَازَعَهُ رِدَاءَهُ أَكَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».

العبودية

«وَعَبِّدْنِي لَكَ»؛ اللهم، اجعلني عبدًا لك. أن أكون عبدًا لك هو أن أكون بعيدًا عن الذل والكبر. ولكن في بعض الأحيان، قد يسبب العجب في العبادة. إذا رأى الإنسان الآخرين أقل منه، قد يقع في فخ العجب، ولذلك قال الإمام عليه السلام: اللهم، لا تجعلني أحتقر الآخرين وأعجب بنفسي بعد أن أكون قد تحررت من كل شيء إلا منك.

العجب

«وَلا تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ…»؛ أكبر شيء يمكن أن يكسر العجب هو المعصية. إذا لم يظهر النقص بوضوح، فقد يصل الإنسان إلى حالة من العجب كما قال فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى».

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِندَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ».

غضب الله والموت

اللهم صل على محمد وآله، وتمتعني بهداية صالحة لا أستبدل بها، وطريقة حق لا أزيغ عنها، ونيّة رشد لا شك فيها، وعمّرني ما كان عمري في طاعتك؛ فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إلي أو يُستحكم غضبك علي.

الهداية الإلهية

“اللهم صل على محمد وآله وتمتعني بهداية صالحة لا أستبدل بها”

في سياق الهداية، نقسمها إلى نوعين: الأول هو “إرشاد الطريق” والثاني هو “إيصال إلى المطلوب”.

عندما يسأل شخص عن الطريق في الشارع، يمكننا إرشاده بعدة طرق. أحيانًا نقول له فقط العنوان: “اذهب من هذا الشارع وسوف تصل إلى مقصدك”، أو يمكننا أن نرافقه ونسير معه خطوة بخطوة حتى يصل إلى هدفه.

الأول هو إرشاد الطريق، أما الثاني فهو إيصال إلى المطلوب. من الواضح أن الهداية التي تؤدي إلى الوصول الفعلي إلى الهدف هي أفضل وأشمل. في القرآن الكريم، الله تعالى يشير إلى كلا النوعين من الهداية. في قوله: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” (الإنسان: 3)، فإن الهداية هنا تشير إلى عرض الطريق. أما في القصص القرآني، مثل قصة إبراهيم مع والده آزر في قوله تعالى: “يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا” (مريم: 43)، فإن الهداية هنا هي إيصال إلى الهدف، حيث يقود إبراهيم والده إلى الطريق الصحيح.

الهداية الإيصالية والمطلوبية

الهداية الإيصالية هي الهداية التي لا يمكن أن تتحول أو تتغير، وهي تلك التي يحصل عليها الشخص عندما يفضله الله برعاية خاصة لا عودة عنها. إذا وهب الله تعالى عبده هدايةً من هذا النوع، فسيبقى في ثبات ويقين في طريقه ولن يكون هنالك انحراف أو تراجع. لكن هناك كثير من السالكين الذين يظنون أنهم قد وصلوا إلى هذه الهداية، ولكن في فترة من الزمن يواجهون اختبارًا شديدًا ويميلون نحو الانحراف، كما حدث مع المسلمين في غزوة أحد عندما انتشر شائعة “إن محمدًا قد قُتل” ففر معظم الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الهداية والموت

إن من يصل إلى مقامٍ من الهداية الإيصالية ويظل ثابتًا في قلبه ويقينه لا يتأثر بالأحداث ولا الشكوك، فهو من أولئك الذين قد نالوا الهداية غير القابلة للتبديل، وهو في أمان من التراجع. أما الذي يتأثر بالتقلبات أو يغير قلبه، فهو في حاجة إلى مزيد من الهداية من الله تعالى.

الطريق الحق

“وطريقة حق لا أزيغ عنها”:

هذه العبارة تشير إلى أن السالك يطلب من الله أن يرشد قلبه إلى طريق الحق الذي لا يجوز له الانحراف عنه، فإن انحرف، فإما أن الطريق لم يكن طريق الحق من البداية، أو أنه قد انحرف عن الطريق الصحيح.

إخلاص النية

في هذه الفقرة، يُعبّر الإمام السجاد عليه السلام عن طلبه للهداية من خلال “نية رشيد لا شك فيها”.

لذلك، فإن الشخص الذي يسير في طريقه إلى الله تعالى يجب أن يكون على نية خالصة وعزم ثابت. فقد يمر السالك بلحظات شك وتردد، وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى العودة أو التراجع عن الطريق. يجب أن يكون الهدف والمقصد عند السالك واضحًا وصافيًا، لأن العبادة بدون نية خالصة لا تكتمل. الشك والارتباك في النية يُضعف من القوة الروحية، ويجعل الشخص معرضًا للتراجع في طريقه.

الانتقال من الخلق إلى الخالق

الإنسان الذي يريد أن ينجح في طريقه الروحي يجب عليه أن يقطع علاقته بكل ما هو دنيوي، وأن يتخلص من كل روابطه التي قد تشتته عن هدفه النهائي. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “لن تتصل بالخالق حتى تنقطع عن الخلق”. الفكرة هنا هي أن التعلق بالدنيا والخلق يعوق الطريق إلى الله. إذ لا يمكن للسالك أن يصل إلى الله إلا إذا تخلص من جميع التعلقات الدنيوية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “موتوا قبل أن تموتوا”.

الخاتمة

إن السالك في طريقه إلى الله يجب أن يتذكر دائمًا أنه لا نهاية له في هذا الطريق. يجب عليه أن يسعى دومًا للمزيد من الهداية، ويطلب من الله أن يزيده هداية، لأن الهداية في تقدم دائم كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: “وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى” (مريم: 76).

طلب الموت

«وَ عَمِّرْني مَا كانَ عُمري بِذِلَّةٍ فِي طَاعَتِكَ، فَإِذَا كَانَ عُمري مَرْتَعًا لِلشَّيْطَانِ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ»

أي أن يطول عمري في طاعتك وخدمتك، ولكن إذا كان عمرى يتحول إلى مجال للشيطان في غوايته، فلتأخذني إليك قبل أن أتمادى في معصيتك.

هل طلب الموت جائز؟

يقول الإمام (ع): “إذا كان العمر يمر في ارتكاب الكبائر، فإن طلب الموت يكون من أعظم الواجبات”. لذا، يجب أن يكون الظاهر والباطن متسقين، وفي حال غياب هذا التوازن، يكون الموت خيرًا للإنسان من الحياة، لأنه في صالحه في النهاية.

«فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُكَ إِلَيَّ أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ»

الإمام (ع) يناجي الله قائلاً: “يا إلهي، خذ روحي قبل أن تسبقني غضبتك أو أن يحلّ بي نقمتك بسبب ذنوبي.”

هذا المقام عالي جدًا ولا يدركه كل شخص، حيث أن التوجه نحو الموت أمر صعب للغاية، خاصة إذا كان هذا التوجه مجرد احتمال بسبب ارتكاب المعاصي. فالإنسان يعتاد على الحياة ويسعى لتجنب الموت في جميع الأوقات. ولكن بعض الأشخاص، الذين يصلون إلى أعلى درجات الإيمان، لا يجدون أنفسهم إلا في حب الله، ويؤثرون البقاء في محبته حتى وإن كان الثمن هو الموت.

الفَرَاز الخامس: حُرْمَة الناس

اللهم لا تدع لي خصلة تُعاب مني إلا أصلحتها، ولا عائبة أُؤَنَّبُ بها إلا حسَّنتها، ولا أُكرمة فيَّ ناقصة إلا أتممتها.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وبدِّلْني من بغضة أهل الشنان بالمحبة، ومن حسد أهل البغي بالمودة، ومن ظنة أهل الصلاح بالثقة، ومن عداوة الأدنين بالولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام بالبر، ومن خذلان الأقربين بالنصرة، ومن حب المدارين بتصحيح المودة، ومن ردّ الملازمين بكرم العشرة، ومن مرارة خوف الظالمين بحلاوة الأمانة.

العلاقات الاجتماعية

في هذا المقطع، يشير الإمام (ع) إلى كيفية التعامل مع الآخرين. هناك نوعان من الناس في علاقاتهم:

  • النوع الأول: الذين يعتقدون أن الآخرين هم المقياس، وهو ما يؤدي بهم إلى الرياء في أعمالهم.
  • النوع الثاني: الذين يتجنبون الناس تمامًا، وهذا أيضًا أمر خاطئ، كما يفعل البعض الذين يتظاهرون بأفعال غير صحيحة بغرض إظهار التفوق الروحي أو الديني.

عرفان وعلاقات اجتماعية

العرفان يجب أن يكون عرفانًا بدون إفراط أو تفريط، والمعصومون هم المثال الوحيد في هذا المجال. يوضح الإمام (ع) في دعائه كيف ينبغي للإنسان أن يعامل الآخرين، حيث يطلب من الله أن يُصلح في داخله كل صفة مكروهة ويحولها إلى فضائل.

تحويل البغض إلى محبة

الإمام (ع) في هذا الدعاء يطلب من الله أن يحول بغض الأعداء إلى محبة وصداقة، مثلما حدث مع معاوية الذي رغم عدائه للإمام علي (ع) إلا أنه اعترف في النهاية بعظمة شخصيته.

تحويل العداوة إلى ولاية

«وَمَنْ عَداوَةِ الأَدْنَيْنِ الوِلايَةَ»، الإمام يطلب أن يحول الله عداوة المقربين والأهل إلى محبة وولاية، وهذا يعكس أهمية العلاقة الطيبة مع الناس، خاصة الأقارب.

الفراز السادس:

الاقتدار على الظالمين

اللهم صل على محمد وآله، واجعل لي يدًا على من ظلمني، ولسانًا على من خاصمني، وظفرًا بمن عاداني، وهب لي مكرًا على من كادني، وقدرةً على من اضطهدني، وتكذيبًا لمن قصبني، وسلامةً ممن توعدني، ووفقني لطاعة من سددني، ومتابعة من أرشدني.

الترجمة:

اللهم صل على محمد وآل محمد، وامنحني القوة والقدرة على معاقبة من ظلمني، وامنحني لسانًا قويًا لمجابهة من خاصمني، وفوزًا على من عاداني، وامنحني حكمة للتعامل مع من كاد لي، وقوة في مواجهة من اضطهدني. اكذب من يتهمني، ونجني من كل من يهددني، ووفقني لطاعة من أرشدني، وأتبع نصيحة من أيدني.

الطريقة في التعامل مع الظالمين:

«اللهم صل على محمد وآله، واجعل لي يدًا على من ظلمني»

في مواجهة الظلم والظالمين توجد طريقتان:

أولًا: الطريقة الأخلاقية: في الإرشادات الأخلاقية، عندما يُذكر الظلم والسوء، يُقال: دعونا نبتعد عن الظلم لنكون أشخاصًا طيبين، بحيث لا نسبب أي أذى للآخرين. فقد قال هابيل لقابيل: “إذا اعتديت علي وقتلتني، فلن أرفع يدي عليك ولن أقتلك”. وقد ذهب المسيحيون إلى ما هو أبعد من ذلك، فقالوا: “إذا ضربتني على أحد وجهي، فخذ الآخر أيضًا”. هذا النوع من التعامل لا يعتبر سلوكًا معصومًا بشكل مطلق.

ثانيًا: الطريقة المعصومة: الطريقة المعصومة تتجلى في قول الإمام السجاد عليه السلام: “واجعل لي يدًا على من ظلمني…”؛ فالله سبحانه وتعالى يمنح القوة للمؤمن ليتمكن من الرد على الظلم وفقًا للعدالة. وهذا هو مذهب الشيعة والعصمة.

التوضيح أنَّ في الفقه هناك مفاهيم تختلف من حيث الأولوية والجوهر؛ مثل الظلم الذي يُعد قبيحًا في جميع الحالات، بينما الكذب ليس قبيحًا دائمًا، لكنه قد يُعتبر قبيحًا في بعض الظروف. وعلى الرغم من أنَّ الظلم في جميع الحالات يعد قبيحًا، إلا أنه قد يُصبح ضروريًا في بعض الحالات، كالدفاع عن الحق والعدالة في المجتمع.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)؛ أي أنَّ المؤمنين يجب أن يقاتلوا من يقاتلونهم، ولكن دون تجاوز للحدود والعدالة، إذ أنَّ الله لا يحب المعتدين.

العفو والتسامح:

في بعض الروايات الأخلاقية، يُذكر أن العفو والتسامح في مواجهة الظلم أمر مهم. ويُستفاد من هذه الروايات أنَّ العفو والتسامح قد يكون سمة من سمات المعصومين، وخاصة في التعامل مع القضايا الشخصية. أما في مواجهة الاعتداءات الكبرى، مثل تعرض المجتمع أو الأمة للخطر، فإن المعصومين كانوا يقاومون الظالمين بكل قوة.

الإمام علي عليه السلام يقول: “اشدد على الظالم، وخذ على يديه”. كما وصف الإمام الباقر عليه السلام الظلم إلى ثلاث أنواع: “أمَّا الظلم الذي لا يغفره الله فهو الشرك بالله، وأما الظلم الذي يغفره الله فهو ظلم الإنسان نفسه، وأما الظلم الذي لا يغفره الله فالمعاملات بين العباد”.

القتال مع الظالمين:

القتال مع الظالمين ليس بمعنى ظلمهم أو الرد عليهم بالظلم. فقد يكون رد الفعل في بعض الحالات ضرورة لتجنب الظلم وحماية الحقوق. ففي بعض الحالات مثل “تَتَرُّس”، حيث يستخدم العدو المؤمنين كدروع بشرية، يمكن أن يكون قتل المؤمنين ضروريًا لتحقيق العدالة، وهذا لا يُعد ظلمًا بل هو عدالة بحماية الأمة.

الظلم والعدالة:

الظلم يُعتبر القبح التام في جميع الحالات، لكن في بعض الأحيان لا يُعد ظلمًا مطلقًا، بل يكون رد الفعل ضرورة في سياق العدالة. في سياق مقابلة الظلم، مثل القتال ضد الأعداء أو حماية المجتمع، يمكن أن يكون ذلك واجبًا في بعض الحالات حتى ولو تضمن تكاليف بشرية، وذلك لضمان بقاء الدين والمجتمع.

إذا قال شخص مثلاً: “أنا لا أكون قاضيًا تحت أي ظرف من الظروف لأن هناك دمًا في الأمر”، فهذا ليس قولًا صحيحًا؛ وكذلك إذا قال شخص آخر: “لا يجب إراقة الدماء حتى من أجل بقاء الدين”، فذلك قول غير دقيق. في هذا السياق، يجب أن نقول لأولئك الذين يصرحون بهذه الأقوال: “إذا كنتم لا تقدمون المساعدة، على الأقل لا تؤذيوا بالكلام الساكت”. ليس صحيحًا القول: “كل من يهاجم الحكام هو شخص غير سليم”، كما أن قول البعض: “انظروا كيف أن الحكام سيئون!” ليس صحيحًا أيضًا. ليس صحيحًا أن يقول الشخص الذي يدعم الحكام: “أنا لا أشارك في إراقة الدماء”، ولا قول أولئك الذين يسعون وراء الدم. بناءً على ذلك، لا يمكننا القول أن الحكام يمتلكون الدين فقط لأنهم ليسوا من أهل السرقة والفجور، أو أنهم أشخاص صالحون، ولكنهم في بعض الأحيان يخطئون ويقولون أشياء بسبب الجهل.

صحيح أن ضرر بعض الحكام الظاهر قد يكون أشد من ضرر بعض الكافرين، ولكن لا يمكننا القول إن الحكام لا دين لهم. في كثير من الأحيان، وصلنا الدين منهم.

من خلال ما تم ذكره في هذا الجزء من الدعاء، يمكننا أن نستنتج أن الظلم هو دائمًا السبب الرئيس في قبح الأفعال، وحتى في حالة العداء مع الأعداء، لا ينبغي أن يُمارس الظلم، لكن إذا كان الظلم في أوجهه الشديدة كالاعتداء على الدين أو العرض أو البلد أو المصلحة الأساسية للأفراد أو المجتمع، فيجب على المؤمنين أن يكون لهم الحق في الرد بالمثل. مع ذلك، يجب ألا يتجاوزوا الحدود ويتعدوا على العدالة، لأنه إذا حدث ذلك، يصبح المظلوم نفسه ظالمًا. إذا كان الظلم في مستوياته الأدنى جزئيًا وشخصيًا، وكان من الممكن العفو عنه، فيجب أن نتعامل مع هذه الأمور بالعفو والمسامحة، لأن ذلك قد يكون الطريق إلى هداية أنفسنا والمجتمع. كما قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 6].

نتيجةً لذلك، إذا لم يكن هناك سبيل آخر لدفع الظلم سوى الوقوف أمامه، فيجب على المؤمن أن يثبت، ولكن دون أن يتجاوز حدود العدالة، وإذا فعل خلاف ذلك، فسيصبح مثل الظالم نفسه.

مكر الله تعالى

في الفقرة الرابعة، يقول الإمام: “وَهَبْ لِي مَكْرًا عَلَى مَنْ كَادَنِي”. هذا الفهم قد يكون صعبًا؛ لأن الخداع والنفاق في الإسلام محرم، كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): “وَلَا تَعْمَلْ بِالْخَدِيعَةِ فَإِنَّها خُلُقُ اللِّئَامِ”، أي لا تعمل بالحيلة لأن ذلك من صفات الأشرار. من جهة أخرى، نجد أن الإمام يطلب من الله أن يوفقه في المكيدة ضد من يريد به السوء.

الهدف من طلب المكيدة في هذا السياق هو تحفيز المؤمنين على السعي لاكتساب القوة والقدرة من أجل التصدي للظلم. لا يجب أن يكون نقص القوة العسكرية أو التسليح عذرًا للسكوت أو قبول الظلم. بل ينبغي على المؤمن أن يسعى لتوفير أسباب القوة والقدرة، والاعتماد على الله تعالى لتحقيق النصر. كما أمرنا الله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ” [الأنفال: 60].

الرد على الباطل والافتراء

الفقرة التالية تقول: “وَتَكْذِيبًا لِمَنْ قَصَبَنِي”، وهو طلب من الإمام أن يُعينه الله على تكذيب أولئك الذين يوجهون إليه الافتراءات والأكاذيب.

تكذيب الباطل يتطلب القوة العقلية والعلمية لمواجهة من يزعمون الباطل. والله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يرد على الذين يكذبونه بنفس الطريقة: “إِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِئٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ” [يونس: 41].

السلامة من الأذى

أما قوله: “وَسَلاَمَةً مِمَّنْ تُوَعِّدَنِي”، فدعاء الإمام يطلب من الله تعالى أن يحفظه من الأذى والتهديدات التي يواجهها من خصومه.

الحاجة إلى مرشد رباني

في آخر الفقرات، يُظهر الإمام ضرورة الاستفادة من الإرشاد الرباني في مسار السلوك. إن المؤمن يحتاج إلى مرشد يتبعه، لأن الطريق إلى الله لا يُمْكِن أن يقطع بدون التوجيه الصحيح. كما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): “مَنْ أَطَاعَ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَاتَّخَذَ إِلَاهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ”.

إن طلب الإرشاد من العارفين بالله ضروري للوصول إلى الحق، والمخلص هو الذي يتبع مرشدًا مدربًا علميًا وعمليًا، متخلقًا بأخلاق الله تعالى.

مقدمة:

قال حافظ:

“قد يكون إبليس آدم في شكله، فلا ينبغي للمؤمن أن يضع يده في كل يد”.

وفي هذا المعنى، يمكن أن نرى أن إبليس قد يلبس لباسًا غير لباسه الحقيقي ليضل البشر، فالحذر واجب.

أو كما قال حافظ:

“ليس كل صوفي طاهرًا وغير مغشوش، فقد يكون في ردائه ما يستحق النار”.

هكذا يجب على الإنسان السالك أن يكون حذرًا في كل شؤون حياته، سواء في الأمور الروحية أو الاجتماعية أو السياسية، وأن يلتزم بالقيم التي حددها أهل بيت العصمة (ع).

الطاعة والاتباع

لقد أشار الإمام السجاد (ع) في دعائه إلى أهمية طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر الذين يمثلون تجسيدًا كاملاً للأمر الإلهي. في دعائه قال:

«وَفِّقْني لِطاعَةِ مَنْ سَدَّدني وَمُتابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَني»

وفي هذا يتضح أن الدين لا يقبل الطاعة المطلقة إلا لله ولرسوله، وأنه ينبغي للإنسان أن يتبع من هو أهل للطاعة ويكون مظهرًا للأمر الإلهي في حياته.

المعيار الصحيح للطاعة

المعيار في اتباع الآخرين هو أن يكون الشخص تابعًا لله ويعتمد على الإرشاد الإلهي، كما قال الإمام الهادي (ع):

“ومن أطاع الله يُطاع”. وبالتالي، يجب أن يكون أولوا الأمر الذين يتبعهم المؤمنون هم أولئك الذين يجسدون هذه الصفات في حياتهم.

السالك والمُرشد

السالك المؤمن يجب أن يلتزم بالمعيار الذي حدده الإمام السجاد (ع) في جميع شؤونه، سواء كانت روحية أو اجتماعية أو سياسية. وإذا التزم بهذا المعيار، فإنه لن يقع في مصائد الشيطان وأتباعه.

قصة موسى والخضر (ع)

قصة موسى (ع) مع الخضر (ع) هي نموذج رائع على العلاقة بين المعلم والتلميذ، وكيف أن التلميذ ينبغي أن يلتزم بما يوجهه له المعلم الروحي من أجل الوصول إلى الحقائق العميقة.

كما قال الخضر (ع) لموسى (ع) في تفسير أفعاله:

“وما فعلته من أمري، بل كان بإذن الله”.

هذا يوضح أن المعلم الحقيقي ينبغي أن يكون قائمًا على الإرشاد الإلهي، ولا يعمل إلا وفقًا للمصلحة العليا التي يرشد إليها الله.

الفراز السابع: التعامل مع العدو

في هذا الفراز من الدعاء، يطلب الإمام السجاد (ع) من الله أن يعينه في التعامل مع أولئك الذين يسيئون إليه، حيث قال:

«اللهم صلِّ على محمد وآله، وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزى من هجَرني بالبر، وأثيب من حَرَّمَني بالبذل…».

وفي هذا السياق، يتعلم السالك كيف يجب أن يكون تعامله مع الناس الذين يعاملونه بالعداوة أو الجفاء. ينبغي أن يرد الإساءة بالإحسان، وهو ما يمكن أن يفضي إلى تأثر الآخرين وتغيير قلوبهم.

التعامل مع الأعداء

يتناول الدعاء هنا طرقًا مختلفة للتعامل مع الأعداء. إذا كان العدو في حالة حرب، يجب الرد بالمثل:

«فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»،

ولكن إذا كان العدو ليس في حالة حرب، يجب أن يرد بالمحبة والإحسان حتى ينقلب قلبه إلى الإيمان.

المقابلة بالمثل والمقابلة بالضد

التعامل مع الآخرين يتضمن نوعين رئيسيين:

  1. المقابلة بالمثل: وهي رد الفعل المباشر على الأفعال السيئة التي تحدث من الشخص الآخر.
  2. المقابلة بالضد: وهي الرد على الأفعال السيئة بإحسان، ويعد هذا الأسلوب أرفع وأكثر نبلًا، لأنه يتجاوز ردة الفعل ويؤثر في الشخص الآخر بشكل أعمق.

الأسباب التي تجعل المقابلة بالضد أفضل:

  1. تُلين القلوب.
  2. تخلق تأثيرًا أكبر من رد الفعل السلبي.
  3. تجعل الشخص الآخر يشعر بالامتنان والتأثر بالرحمة.
  4. تساهم في تطهير النفس وتحقيق الكمال الروحي.

الغش والنصح

الغش هو من الصفات المذمومة في الإنسان، وقد ذكر ذلك في الأحاديث الشريفة:

  • قال رسول الله (ص): «ليس منا من غش مسلمًا أو ضره أو كرهه».
  • وقال أمير المؤمنين (ع): «خير الإخوان أنصحهم لك، وشرهم أغشهم».

النصح هو تقديم المشورة الحسنة التي تهدف إلى إصلاح الإنسان، وهو من أرفع الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن.

ختامًا

التعامل مع الناس، سواء كانوا أعداء أو أصدقاء، يتطلب الحكمة، والقدرة على مقابلة الأفعال السيئة بالإحسان والرحمة. وهذا يتماشى مع الطريقة التي علمها الإمام السجاد (ع) في دعائه. إذا طبق السالك هذه المبادئ في حياته اليومية، فإنه سيكون في طريقه إلى الكمال الروحي.

الفراز الثامن: خصائص الأتقياء

ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه عن آثار الغش في الآخرة: «وَمَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَحَقَّرَهُ وَنَاوَاهُ جَعَلَ اللَّهُ النَّارَ مَأْوَاهُ؛ من غش أخاه المسلم واحتقره وعاداه، جعل الله النار مأواه»[408].

ـ في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام)، يعتبر عدم الغش والنقاء من حقوق الرفيق ويقول: «وَأَمَّا حَقُّ الْخَلِيطِ فَأَنْ لَا تُغَرَّهُ وَلَا تَغُشَّهُ وَلَا تَكْذِبَهُ وَلَا تُغْفِلَهُ؛ أما حق الرفيق فهو ألا تغره ولا تغشه ولا تكذبه ولا تغفل عنه»[409].

ـ في نفس الرسالة، يتحدث عن الحقوق المتبادلة بين الناصح والمنصوح فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ الْمُسْتَنْصِحِ فَإِنَّ حَقَّهُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي تَرَى لَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ؛ أما حق المستنصح فهو أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى أنه يتحمله»[410].

ـ ويقول أيضًا: «وَأَمَّا حَقُّ النَّاصِحِ فَأَنْ تَلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ، ثُمَّ تَشْرَئِبَّ لَهُ قَلْبُكَ، وَتُفَتِّحَ لَهُ سَمْعَكَ حَتَّى تَفْهَمَ عَنْهُ نَصِيحَتَه؛ أما حق الناصح فهو أن تلين له جناحك، ثم تشرئب له قلبك، وتفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته»[411].

ـ وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ وَسَاعِدْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ كن مخلصًا في نصيحتك لأخيك وكن مساعدًا له في جميع الأحوال»[412].

ـ وقال أيضًا: «وَلَا وَاعِظَ أَبْلَغُ مِنَ النُّصْح؛ لا يوجد واعظ أبلغ من النصح»[413].

ـ وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في تحذير شديد: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ فَمَلْعُونٌ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَمَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ أَخَاهُ؛ المؤمن هو أخو المؤمن لأمه وأبيه، فملعون من غش أخاه وملعون من لم ينصح أخاه»[414].

  • وأضاف الإمام علي (عليه السلام): «مَرَارَةُ النُّصْحِ أَنْفَعُ مِنْ حَلَاوَةِ الْغِشِّ؛ مرارة النصيحة أنفع من حلاوة الغش»[415].

السيئة مع السيئات

«وَأُجْزِئَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ؛ اللهم، امنحني القوة لكي أُكافئ من هجَرني بالبر».

الـ “هجر” في اللغة تعني الهذيان والطرد، وهنا يناسب المعنى الطرد والرفض، حيث المقام مقام جزاء وعقاب، بينما “البر” يشير إلى الفعل الطيب. الهجر يُعتبر سلوكًا قبيحًا.

في سياق هذا الدعاء، يتحدث السالك عن صفاء القلب والكمال الروحي الذي يبلغه الشخص في سيره نحو الله، حيث يرى الحق في كل شيء. يتمكن السالك من مشاهدة الله في ملامح أصدقائه وأعدائه، فلا يكره أحدًا من المخلوقات حتى لو كانوا أعداءه، إذ يرى فيهم ظهورًا للحق تعالى.

المعاملة بالمثل مع المغتاب

«وَأُخَالِفَ مَنْ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ؛ اللهم، امنحني القوة لكي أُحسن ذكر من اغتابني».

الإمام الباقر (عليه السلام) يشرح معني الغيبة قائلاً: «مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّـهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ فَمِثْلُ الْحَدَّةِ وَالْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَهُ»[418].

التعامل مع المغتاب

في تفسير الغيبة، قال الإمام الباقر (عليه السلام): “مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّـهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ فَمِثْلُ الْحَدَّةِ وَالْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَهُ وَإِنَّ الْبُهْتَانَ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا لَيْسَ فِيهِ”؛ [418] أي أن الغيبة تكون عندما تذكر في أخيك ما ستره الله عليه، أما الأمور الظاهرة مثل الحدة أو العجلة في سلوكه فلا حرج في ذكرها، ولكن البهتان هو أن تقول في أخيك شيئًا ليس فيه.

عواقب الغيبة

في الروايات التي وردت عن المعصومين (عليهم السلام)، ذُكرت العواقب السيئة لهذه السلوكيات، وفي هذا السياق قال الإمام الحسين (عليه السلام) لمن كان يغتاب الآخرين: «يَا هَذَا كُفَّ عَنِ الْغِيبَةِ فَإِنَّهَا إِدَامُ كِلَابِ النَّارِ»؛ [420] أي “أيها الرجل، امسك عن الغيبة؛ لأنها طعام كلاب النار”.

المعاملة بالعكس مع المغتاب

في هذا الفراز من الدعاء، يشير الإمام السجاد (عليه السلام) إلى سمو الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها السالك: اللهم، إذا سمعت أن شخصًا اغتابني، فلا أتعامل معه بنفس الطريقة، ولا أستغيب كما فعل، بل أتحدث عنه بالخير وأذكر محاسنه. هذا هو الأفق الأخلاقي الرفيع الذي ينبغي على السالك أن يتحلى به، وهو أن يقابل الإساءة بالحسنى، متبعًا قول الإمام الصادق (عليه السلام): «وَاذْكُرْ أَخَاكَ إِذَا غَابَ عَنْكَ بِأَحْسَنِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَذْكُرَكَ بِهِ إِذَا غِبْتَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْعَمَلُ»؛ [421] أي “إذا غاب أخوك عنك، اذكره بأحسن ما تحب أن يذكرك به إذا غبت عنّه، فإن هذا هو العمل الصالح”.

الشكر والاعتراف بالجميل

«وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ وَأُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ؛ اللهم، امنحني القدرة على شكر من أحسن إليَّ، وأن أغض عن السيئات التي يفعله الآخرون ضدي».

إن طبع الإنسان الطبيعي هو أن يكون شاكرًا للخير الذي يُقدم له، وإذا تصرف خلافًا لهذه الطبيعة الفطرية، فإنه يُنتقد من قبل العقلاء. قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «اللَّوْمُ أَنْ لَا تَشْكُرَ النِّعْمَةَ؛ أي أن اللوم هو أن لا تشكر النعمة»؛ [422] وبالتالي، فإن من لا يشكر الله ولا يشكر الناس هو في حالة سلبية وغير لائقة، بل يعتبر هذا شخصًا بعيدًا عن الفطرة السليمة. والشخص الذي يشكر الناس من دون شكر الله، يُعد ملحدًا، أما الذي يشكر الله دون شكر الناس، فإنه يعد ضالًا.

شكر الله على شكر الآخرين

وقد نقل عن عمار الدهني قوله: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَيُحِبُّ كُلَّ عَبْدٍ شَكُورٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَشَكَرْتَ فُلَانًا؟ فَيَقُولُ: بَلْ شَكَرْتُكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: لَمْ تَشْكُرْنِي إِذَا لَمْ تَشْكُرْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْكَرُكُمْ لِلَّهِ أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ؛ [423] أي “الله يحب كل قلب حزين وكل عبد شكور، ويقول الله تعالى لأحد عباده يوم القيامة: هل شكرت فلانًا؟ فيجيب: بل شكرتك يا ربي، فيقول الله: لم تشكرني إذا لم تشكر عبدي، ثم يضيف: أكثر من يشكرني هو الذي يشكر الناس أيضًا”.

الخلاصة:

في هذا الجزء من الدعاء، يُظهر الإمام زين العابدين (عليه السلام) رؤيته العميقة والمبنية على القيم الأخلاقية الإسلامية التي يجب على السالك التمسك بها في سيره نحو الله. من خلال هذه الدعاء، يُعلم المؤمن كيف يجب أن يعامل الآخرين بحسن الخلق، حتى في الأوقات التي يتم فيها تعامله بطريقة سيئة من قبل الآخرين. تُشجع هذه الأخلاق على التعامل بالطيبة مع الجميع، بغض النظر عن المعاملة السيئة، وتحث على أن يكون الشكر للآخرين جزءًا لا يتجزأ من الشكر لله.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ حُلَّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَ أَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَ كَظْمِ الْغَيْظِ، وَ إِطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وَ ضَمِّ أَهْلِ الْفِرْقَةِ، وَ إِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَ إِفْشَاءِ الْمَعْرِفَةِ، وَ سِتْرِ الْعَائِبَةِ، وَ لِينِ الْعَرِيكَةِ وَ خَفْضِ الْجَنَاحِ، وَ حُسْنِ السِّيَرَةِ، وَ سُكُونِ الرِّيحِ، وَ طِيبِ الْمُخَالَقَةِ، وَ السَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَتَّسِمُ بِالْخُصَالِ الصَّالِحَةِ وَ زِينَةِ الْمُتَّقِينَ، لِيَكُونَ لِي قُدْرَةٌ عَلَى إِحْدَاثِ التَّغْيِيرِ الإِيجَابِيِّ فِي الْمُجْتَمَعِ بِسَعَادَةِ النَّفْسِ وَ فَرَجِ الْمُتَحَدِّينَ وَ تَصْحِيرِ قُلُوبِ الْمُتَنَازِعِينَ. وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَحْفَظُونَ سَخَائِهِمْ وَ يَرْوُونَ خُصُومَتَهُمْ وَ يَصْلِحُونَ بَيْنَ النَّاسِ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي سَبِيلِ نَشْرِ الْحَقِّ وَ الْعَدْلِ فِي مُجْتَمَعِي، وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُؤَثِّرُونَ فِي النَّاسِ فِي جَانِبِ الْمَعْرِفَةِ وَ حُسْنِ التَّعَامُلِ وَ رَأْفَتِهِمْ بِالْأُخْرَى، لِيَكُونُوا أَهْلُهَا وَ أَنْتَ أَفْضَلُ الرَّاجِعِينَ فِي فِعْلِ الْمَعَارِفِ وَ نَشْرِهَا.

اللّهُمَّ وَاجْعَلْنِي فِي هَذَا الدُّنْيَا مِمَّنْ يَسْتَمِرُّ فِي تَطْوِيرِ نَفْسِهِ وَ تَحْقِيقِ فَضَائِلِهَا وَ تَرْبِيَتِهَا عَلَى مَدَى حَيَاتِهِ وَ تَجْنِيبِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ وَ تَحْفِيرِهَا عَلَى النَّجَاحِ فِي حَيَاتِهِ فِي دُنْيَا وَ آخِرَتِ

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَسْتَمِرُّ فِي سَعْيِهِ لِتَحْقِيقِ أَحْلَىٰ مَا يَكُونُ فِي عَادَاتِهِ وَ سُلوكِهِ، وَ اجْعَلْنِي مِنْ مَن يَجْتَذِبُونَ نَفْسَهُمْ إِلَى الرَّحْمَةِ وَ اللُّطْفِ فِي تَفْهُمِ النَّاسِ وَ تَوَافُقِهِمْ مَعَ التَّحَوُّلاتِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ وَ التَّنْمِيَاتِ الإِنسَانِيَّةِ. وَ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ الصَّبْرَ فِي وَاقِعِهِمْ وَ يَرَاعُونَ حَقَّ النَّاسِ فِي جَمِيعِ أَمْوَاتِهِمْ وَ أَحْيَائِهِمْ.

اللّهُمَّ فَكَنَّا مِنْهُمْ فِي مَنْ يَجْعَلُونَ التَّنْمِيَةَ الشَّخْصِيَّةَ فِي فَاعِلَةٍ لِتَرْبِيَتِهِمْ وَ تَطْوِيرِ فِكْرِهِمْ وَ عَمَلِهِمْ فِي سَبِيلِ الرُّقِيِّ وَ النُّهُوضِ فِي مَجَالِ النَّجَاحِ. وَ اجْعَلْنَا مِنْ أُو۟لَـٰٓئِكَ الَّذِينَ لَا يَفْتَرِقُونَ عَنْ سَعَادَتِهِمْ وَ يَرْتَقُونَ فِي قَائِمَةِ النَّجَاحِ وَ السَّعَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَ فِي سَطْحِ الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَجِدُونَ النَّجَاحَ فِي جَمِيعِ عَمَلَاتِهِمْ وَ فِي جَمِيعِ جَوَارِحِهِمْ، وَ يَحْصُلُونَ عَلَى خَيْرِ الْمُحَافَظَاتِ وَ التَّطَوُّرَاتِ، وَ يَرْتَقُونَ فِي مَرَاتِبِ النَّجَاحِ وَ سَعَادَةِ النَّفْسِ وَ سُرُورِهَا.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يُحَارِبُونَ الْمُشْكِلَاتِ وَ يَحَلُّونَ قُضَيَّتَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَ صَبْرِهِمْ، وَ يَجْنَبُونَ الْمَرَارَةَ وَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ تَجَارِبِهِمْ لِيَصِلُوا إِلَى أَفْضَلِ النَّتَائِجِ وَ أَعْلَىٰ رَجَاءٍ فِي دُنْيَاهُمْ وَ آخِرَتِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسِي نَعِيمَ الْفَرَجِ وَ فَرَحَ الْقَلْبِ وَ سُرُورَ النَّفْسِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِمْ وَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ، وَ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يُحَقِّقُونَ الْمُرَادَ وَ يَجْنُونَ فَائِدَتَ الإِحْسَانِ وَ فَضْلِهِ فِي كُلِّ أَعْمَالِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْيُونَ فِي سَعَادَةٍ دَائِمَةٍ وَ رَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ، وَ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ يَشْعُرُونَ بِالْتَّحَقُّقِ فِي الْعَمَلِ وَ يَحْتَسُونَ ثَمَرَاتِ سَعَادَتِهِمْ فِي قَلْبٍ رَاضٍ وَ نَفْسٍ مَرْضِيَّةٍ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ النَّجَاحَ فِي جَمِيعِ مَجَالَاتِهِمْ وَ يَصِلُونَ إِلَى أَعْلَىٰ مُرَاتِبِ التَّمَيُّزِ وَ الْمُبَارَكِ فِي حَيَاتِهِمْ، وَ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ سُرُورَ الرَّحْمَةِ وَ الرَّضا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، وَ يَسْتَمْتِعُونَ بِسَعَادَةٍ تَشْمَلُ كُلَّ جَوَارِحِهِمْ وَ قُلُوبِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَسْتَمْتِعُونَ بِقُدْرَةٍ عَلَى تَحْمُلِ التَّحَدِّيَاتِ وَ الصُّعُوبَاتِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ فِي دَرْبِ حَيَاتِهِمْ، وَ يَحْتَسُونَ فَائِدَتَ الْمُثَابَرَةِ وَ التَّفَانِي فِي تَحْقِيقِ أَحْلَىٰ أَمَلٍ وَ أَعْلَىٰ مَطَامِحِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ مَتَاعَ السَّعَادَةِ وَ الطُّمَأْنِينَةِ وَ يَجْنُونَ ثَمَرَاتِ تَفَوُّقِهِمْ فِي جَمِيعِ مَجَالَاتِهِمْ، وَ يَحْتَسُونَ فِي كُلِّ قُدَمٍ يَخْطُونَهَا طَرِيقَ النَّجَاحِ وَ الرَّفَعَةِ وَ التَّمَيُّزِ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ جَمِيعِ تَجَارِبِهِمْ وَ يَجْنُونَ مِنْهَا فَائِدَةً تَسْتَمِرُّ فِي تَحْقِيقِ أَمَالِهِمْ وَ تَطْوِيرِ مَعَارِفِهِمْ وَ مَهَارَاتِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَفْهَمُونَ قِيَمَ الْحَيَاةِ وَ يَحْتَسُونَ كُلَّ دَرَجَةٍ فِي طَرِيقِ النَّجَاحِ وَ التَّمَيُّزِ وَ يَجْنُونَ مِنْهَا فَائِدَةً تَتَجَذَّرُ فِي تَفْكِيرِهِمْ وَ سُلوكِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَسْتَمِرُّونَ فِي رِحْلَةِ التَّحَقُّقِ بِأَعْلَىٰ مُرَاتِبِ النَّجَاحِ وَ الرِّفْعَةِ وَ يَحْتَسُونَ جَزَاءَ جُهُودِهِمْ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ وَ تَجْرِبَةٍ يَخُوضُونَهَا.

اللّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الَّذِينَ يَجِدُونَ فِي صَبْرِهِمْ رَاحَةً وَ سَعَادَةً، وَ فِي إِيمَانِهِمْ قُدْرَةً عَلَى تَحَمُّلِ ضَغُوطِ الزَّمَانِ وَ تَحْقِيقِ أَعْلَىٰ أَمَالِهِمْ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ لَذَّاتِ النَّجَاحِ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ وَ يَحْتَسُونَ أَيَّامَ سَعَادَتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ وَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي دُنْيَا وَ آخِرَةٍ.

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي مَنْ يَحْتَسُونَ نَجَاحَ أَحْلَىٰ فَصْلٍ فِي حَيَاتِهِمْ وَ يَحْتَسُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى تَحَقُّقِ أَحْلَىٰ أَمَانِيهمْ وَ رُؤَىٰهمْ.

الدين في مجال السياسة والمجتمع

يرى أولئك الذين يرفعون هذا الشعار أنَّ الدين لا علاقة له بالسياسة والمجتمع، ولا يعلمون أنَّ الإسلام لا يعرف أبدًا طريقًا مسدودًا، وأنَّه بما يمتلكه من أحكام عالية ومبادئ وفروع شاملة، فهو يحيط بكافة الأزمنة والأمكنة بإشراف كامل. وإنَّ عصمة أهل البيت عليهم السلام هي التي تتولى تطبيق هذه الأحكام والشرائع، وأنَّها تضمن حركة المجتمع نحو السلام والسعادة. وفي عصر الغيبة، تُسند هذه الأمانة إلى العلماء الربانيين الذين هم النواب العامون عن هؤلاء الأئمة، كما تدل على ذلك الأدلة العقلية والنصوص الروائية، والتي تم الاستناد إليها في بحث ولاية الفقيه.

من بين هذه الأدلة حديث الإمام الحسين عليه السلام في تحف العقول حيث قال: «أنَّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه». فمن الواضح أنَّ «أيدى» تعني القدرة والسلطة، وهذا يقتضي تأسيس دولة وحكومة ونظام قائم على القيم الدينية. ومن النقاط الهامة في هذا الحديث، أنَّ أولئك الذين يتمتعون بالكفاءة لإدارة وتنفيذ الأحكام الإلهية هم العلماء الربانيون، الذين كما وصفهم الإمام السجاد عليه السلام، يجب أن يكونوا مزودين بلباس الصالحين والورعين. لذلك، يجب على المسلمين، وخاصة الشيعة، أن لا ينخدعوا بهذه الشعارات التي يطلقها أولئك الذين يمثلون القوى الاستعمارية أو التبعية الثقافية.

إخماد الغضب

يُشير الإمام السجاد عليه السلام في هذه الفقرة إلى إحدى الكرامات الأخلاقية والصفات الخاصة بالصالحين والمتقين، وهي القدرة على إخماد الغضب. فقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم في عدة آيات، ومنها قوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 133-134].

إنَّ سرَّ كون الله تعالى وإمام السجاد عليه السلام قد اعتبرا “كظم الغيظ” من صفات المتقين، هو أنَّ حقيقة التقوى في المؤمنين الواصلين تتجسد في السيطرة على القوى النفسية، وخاصة القوة الشهوانية. ذلك أنَّ قوة التقوى في المؤمنين هي بمثابة أداةٍ ووسيلةٍ قادرة على ردعهم عن الانسياق وراء الغضب والشهوة، وبالتالي عدم الخروج عن حدود العدالة.

الوحدة والائتلاف الإسلامي

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103].

إنَّ هدف الإمام السجاد عليه السلام في هذه الفقرة من الدعاء هو السعي لتحقيق الوحدة والائتلاف بين مختلف الطوائف والفرق الإسلامية. ويجب على الشيعة في هذا العصر أن يعوا هذه الرسالة، خاصة في وقتنا الحاضر الذي يكون فيه الاتحاد والتماسك بين المسلمين ضرورة حتمية لمواجهة الأعداء المشتركين. الوحدة هنا لا تعني التخلي عن المعتقدات الشيعية، بل تعني التأكيد على المشتركات بين المسلمين، في إطار مواجهة التهديدات المشتركة.

إصلاح ذات البين

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10].

ويعني إصلاح ذات البين تحسين العلاقات بين الأفراد سواءً كانت هذه العلاقات نسبية أو سببية أو دينية. وهذا هو السبب في أن الإمام السجاد عليه السلام يدعو إلى ضرورة إصلاح ما بين المؤمنين، حيث يُظهر هذا المفهوم أهمية التضامن الاجتماعي والتعاون بين أفراد المجتمع، والتي تعد جزءًا أساسيًا من أركان الحياة الإسلامية.

التوجه نحو المعرفة

تُعتبر “إفشاء المعروف” في الإسلام من السلوكيات الرفيعة التي يجب على المسلمين أن يلتزموا بها. ويشير هذا إلى نشر الفضائل والمعروف بين الناس وتعزيز القيم الأخلاقية والإنسانية التي تساهم في بناء المجتمع المستقيم.

إنَّ النهوض بالمعروف وحسن الأخلاق لا يتحقق إلا في إطار نظام إسلامي حاكم، يتمحور حول تطبيق المبادئ الدينية في جميع ميادين الحياة.

التعامل مع الحقيقة:

في هذا المقطع، يشير الإمام السجاد (عليه السلام) إلى الصفات التي يجب أن يتحلى بها الفرد الذي يسير في طريق الله والحق، داعياً الله أن يزينه بصفات تجعله معروفاً ليس فقط في تعامله مع الآخرين، بل أيضاً في تعامله مع نفسه والمجتمع كإنسان يسعى وراء الحقيقة والعدل. في هذا السياق، يجب أن يظهر الالتزام بالحق والحقيقة كصفة بارزة في جميع مراحل حياة الإنسان.

الصفات الرئيسية التي تم الإشارة إليها في هذا المقطع:

  1. ستر عيوب الآخرين:إحدى الصفات الكبرى والبارزة في الأخلاق الإنسانية هي ستر عيوب الآخرين. يريد الإمام السجاد (عليه السلام) أن يُزين حياته بستر عيوب الآخرين وعدم كشفها أو التعدي على حرمتهم. وهذا يعد من الأخلاق التي يوصي بها الإسلام بشدة، لما فيه من الحفاظ على كرامة الإنسان وتجنب نشر الفضائح.
  2. للين في التعامل:من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن هو الرفق واللين في التعامل مع الآخرين، بما يعكس صورة من التواضع والرحمة. كما يقول الإمام علي (عليه السلام): “نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلِد وَ هُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ”، أي أن المؤمن رغم صلابته وثباته في الحق، إلا أنه يبقى في تعامله مع الآخرين متواضعاً وليناً. هذا الرفق يساهم في تحقيق العدالة والرحمة في المجتمع.
  3. التواضع:التواضع أو “خفض الجناح” كما عبر عنه الإمام السجاد (عليه السلام)، هو من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، ولا سيما الحاكم أو المسؤول الذي يسعى لتحقيق العدالة في المجتمع. التواضع هو الصورة الأكثر صدقاً من الإنسان الذي يسعى إلى العدل والمساواة، ويحرص على رفع مستوى الآخرين عوضاً عن إظهار العظمة والكبر.
  4. حسن السيرة:يعد حسن السيرة من أسمى الفضائل التي يجب أن يتحلى بها الإنسان في تعاملاته اليومية. فالسيرة الطيبة أو الأخلاق الحسنة تجعل المؤمن محبوباً بين الناس، وتساهم في نشر قيم العدالة والصدق في المجتمع. كما يعبر الإمام السجاد (عليه السلام) عن أهمية أن يتحلى المؤمن بحسن السيرة في جميع تعاملاته، ليكون قدوة لغيره في المجتمع.
  5. الهدوء والطمأنينة:“سكون الريح” هو تعبير جميل يستخدمه الإمام السجاد (عليه السلام) للدلالة على الطمأنينة والهدوء الداخلي الذي يجب أن يتحلى به المؤمن. في عالم مليء بالاضطراب والضغوط، يجب على المؤمن أن يبقى ثابتاً وهادئاً في مواجهة التحديات، وهذا هو سر النجاح الداخلي والخارجي.
  6. حسن المخالقة:حسن المخالقة أو المعاملة الطيبة مع الآخرين تعتبر من الركائز الأساسية في بناء العلاقات الإنسانية والاجتماعية السليمة. يتوجب على المؤمن أن يتسم بحسن المخالقة في كل الظروف، مما يؤدي إلى تعزيز التواصل الفعال والمثمر في المجتمع.
  7. التفوق في الفضائل:يشير الإمام السجاد (عليه السلام) إلى أهمية التنافس في الفضائل. الحياة الدنيا ميدان للسباق نحو الأعمال الصالحة، حيث يتسابق المؤمنون في مجالات الخير والتقوى. كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): “أَلا وَ إِنَّ السُبْقَةً الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةُ النَّارُ”، حيث أن السباق الحقيقي في الحياة هو السباق نحو الجنة وليس نحو الدنيا.
  8. الإيثار:الإيثار يعني تفضيل الآخرين على النفس في المسائل الخيرية. يعتبر الإمام السجاد (عليه السلام) الإيثار من الصفات الجليلة التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن. ويشمل ذلك تفضيل الآخرين في المواقف التي تتطلب تضحيات، مما يعكس روح التعاون والتراحم بين أفراد المجتمع.
  9. الابتعاد عن عيوب الآخرين:“تَرْكِ التَّعْيير” هو تجنب إلقاء اللوم على الآخرين أو تحميلهم المسؤولية بشكل غير مبرر. يجب على المؤمن أن يتجنب التشهير أو التسبب في الإحراج للآخرين، فذلك يعكس نقصاً في الأخلاق ويناقض مبادئ الإسلام.
  10. الامتناع عن مساعدة غير المستحقين:من الصفات التي يذكرها الإمام السجاد (عليه السلام) هي الامتناع عن مساعدة أو دعم الأشخاص الذين لا يستحقون ذلك. ينبغي أن يكون الدعم والمساعدة مبنيين على الاستحقاق، وهو ما يعكس العدالة ويمنع تفشي الظلم في المجتمع.
  11. القول بالحق، حتى وإن كان مؤلماً:يؤكد الإمام السجاد (عليه السلام) على ضرورة قول الحق حتى في الأوقات التي قد يسبب فيها ذلك ضرراً للمتحدث. على الرغم من أن قول الحق قد يواجه الصعوبات أو العواقب السلبية، يجب على المؤمن أن يبقى صادقاً مع نفسه ومع الآخرين، لأنه جزء من الأمانة والمسؤولية.

الخاتمة:

تعتبر هذه الصفات التي ذكرها الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الدعاء خلاصة للأخلاق الرفيعة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في حياته اليومية وفي تعاملاته مع الآخرين. يتطلب تحقيق العدالة في المجتمع الإسلامي أن يتمسك الأفراد بهذه الفضائل الأساسية، وأن يسعى كل فرد في المجتمع ليكون قدوة حسنة في إظهاره لهذه القيم السامية.

الفصل التاسع:

الصحبة مع الحق

اللهم صلِّ على محمد وآله، واجعل أوسع رزقك لي في شيخوختي، وأعظم قوتك فيَّ حين أتعَب، ولا تبتلني بالكسل عن عبادتك، ولا بالعمى عن سبيلك، ولا بالتعرض لما يناقض محبتك، ولا بمصاحبة من فارقك، ولا بالابتعاد عن من اجتمع إليك. اللهم اجعلني أستعين بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتني بالاستعانة بغيرك في حالات الضرورة، ولا بالخضوع لسؤال غيرك في حال الفقر، ولا بالتضرع إلى من دونك عند الخوف، فإن ذلك يستحق منك الخذلان والمنع والإعراض. يا أرحم الراحمين.

الاستفادة من الإمكانات في الظروف العادية والطارئة

من الأمور الهامة جداً التي يجب أن يعيرها الإنسان اهتمامه هي كيفية استفادته من الإمكانات والقدرات التي يمتلكها في مواجهة الظروف العادية والطبيعية أو غير العادية والطارئة. في الظروف المختلفة، قد لا يتمكن الإنسان من الاستفادة من هذه الإمكانات بشكل متساوٍ، وبالتالي لن تكون ردود أفعاله تجاه هذه الظروف متوافقة أو متناسقة. فعلى سبيل المثال، في مواجهة الظروف العادية كالحصول على الطعام والنوم الطبيعي، أو في مواجهة البرد القارس في الشتاء، أو الحر الشديد في الصيف، أو النوم في منتصف الليل – وهي حالات عادية – يكون رد فعل الإنسان في هذه الحالات عادياً، حيث يستطيع الاستفادة من غرائزه وميوله الطبيعية بأفضل شكل لتحقيق أهدافه الدنيوية والروحية. ولكن عندما يواجه حوادث غير عادية كالأعاصير، الزلازل، أو الفيضانات، فإن ردود أفعاله لا تكون كما هو الحال في الظروف العادية.

على هذا الأساس، يجب على الإنسان ألا يكون غير مبالٍ تجاه هذه الأحداث، بل ينبغي له أن يخطط وينبغي له أن يتوقع الأحداث الطارئة. وقد يكون حادث غير عادي، مثل الزلزال أو الفيضانات، له تأثير سلبي على القدرة على الاستفادة من الإمكانات المادية والروحية، مما يحرم الإنسان من الوصول إلى أهدافه.

في هذه اللحظات، يطلب الإمام من الله في دعائه أن يزداد رزقه ويوسع له رزقه في شيخوخته، قائلاً: “واجعل أوسع رزقك عليَّ إذا كبرت”، وهذا طلب من الإمام له في مواجهة الظروف غير العادية.

التأمين الاجتماعي

لسوء الحظ، فإن السياسات الاقتصادية الخاطئة في العالم المعاصر، وخصوصاً في الدول النامية، تخصّص أقل حقوق ومزايا مادية للموظف أو العامل في مرحلة التقاعد. في حين أن الإنسان في سنوات الشيخوخة التي تمثل فترة التقاعد والعجز يكون في ظروف غير عادية ويحتاج إلى دعم مادي أكبر، مقارنة بفترة شبابه التي تكون فيها الظروف الطبيعية والموارد المالية أسهل. كما أن الإنسان في فترة الشيخوخة غالباً لا يتعرض للمشاكل الجنسية، إلا أن هذا النوع من المشاكل يظهر بشكل أكبر في فترة الشباب التي تندرج ضمن الظروف الاستثنائية.

تُظهر هذه التحديات الاقتصادية ضرورة توفير نظام تأميني يضمن حقوق الأفراد في جميع المراحل العمرية، مما يتطلب تفكيرًا من المفكرين والمثقفين في المجتمع للعمل على معالجة هذه القضايا وفقًا للمبادئ الثقافية الأصلية في المجتمع.

التفكير في القدرة على التكيف مع الأزمات

يجب على السالك في مسيرته الروحية أن يكون قادرًا على تحديد إمكانياته ونقاط ضعفه وتحديد احتياجاته، حتى في مواجهة الأزمات غير العادية. إنه من المهم أن يبقى السالك في تواصل دائم مع الله وأن يستعين به في أي ظروف غير اعتيادية، حتى لا يضل ويبتعد عن طريق العبادة، وأن يكون في حالة استعداد دائم لمواجهة أي ظرف غير عادي.

الاستجابة للطوارئ والأزمات

إن الإنسان في مواجهة الأزمات الكبرى، مثل الكوارث الطبيعية، أو الأزمات الاقتصادية، أو الأزمات الاجتماعية، يكون في وضع غير عادي ويحتاج إلى استعدادات خاصة للاستجابة لتلك الأحداث. في هذه الحالات، تظهر ضرورة التأهب والتخطيط المسبق حتى يتمكن الفرد من التعامل مع الأزمات بمرونة وكفاءة. أما من يتأثر بهذه الأزمات، فقد يُصاب بالارتباك أو التردد، بل وقد ينسى أهمية التوكل على الله والاستعانة به في اللحظات الصعبة. ولهذا السبب، يتوسل الإمام في الدعاء، قائلاً: “اللهم اجعلني أستعين بك عند الضرورة”. وهذه العبارة تؤكد أهمية الاعتماد على الله في حالات الشدة والضيق، إذ إن الله وحده هو القادر على توفير العون والرعاية في أوقات الأزمات.

التحلي بالصبر والرضا في مواجهة الشدائد

من الأسس الجوهرية التي يُرشد بها الإنسان في الإسلام هو التحلي بالصبر والرضا في مواجهة الشدائد والمصائب. إذ لا شك أن المصائب جزء من حياة الإنسان، ولكن كيفية التعامل معها تختلف باختلاف التوجهات الفكرية والروحية. ففي الإسلام، يُعتبر الصبر من أهم الفضائل التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، وهو ليس فقط الصبر على المصائب، بل يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر على المعاصي، وكذلك الصبر على ما يصيب الإنسان من بلاء.

ولذلك، يطلب الإمام في دعائه ألا يقع في حالة من الارتباك أو اليأس عند مواجهته للشدائد، بل أن يكون قلبه متوكلًا على الله، ويسعى لاستجماع قواه في تلك اللحظات الصعبة: “ولا تفتني بالكسل عن عبادتك”، أي لا تجعلني أضعف أمام الكسل والخمول الذي قد يصيبني نتيجة للشدائد، بل قوِّ عزيمتي على العبادة والطاعة.

التوازن بين الروحانية والاحتياجات المادية

إن العلاقة بين احتياجات الإنسان المادية واحتياجاته الروحية هي علاقة معقدة وتستدعي الكثير من التفكير العميق. فالإنسان يحتاج إلى تلبية احتياجاته الجسدية، مثل الطعام والشراب والمأوى، ولكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن ينسى احتياجاته الروحية التي تعزز من توازنه النفسي والإيماني. ومن هنا، يصبح من الضروري أن يسعى الإنسان إلى تحقيق التوازن بين الجوانب المادية والروحية في حياته.

ويظهر هذا التوازن في الدعاء الذي يذكره الإمام، حيث يسعى لتحقيق ما هو نافع للروح والجسد على حد سواء. طلبه أن يُعطيه الله الرزق الواسع في شيخوخته يعكس هذا التوازن، إذ أنه لا يطلب ذلك من أجل التمتع المادي فقط، بل كي يتمكن من الإحسان إلى الآخرين وتحقيق أهدافه الروحية أيضًا.

التحقق من الصلة بالله في الأوقات العصيبة

إن أحد أبرز التوجيهات التي يُقدّمها هذا الدعاء هو ضرورة المحافظة على الصلة الوثيقة بالله في الأوقات الصعبة. في الظروف العادية، قد ينشغل الإنسان بتلبية احتياجاته اليومية والروحية، ولكن في الأوقات الطارئة والحرجة، تظهر الحاجة الملحة إلى العودة إلى الله. فالمصائب تكون فرصة للإنسان للرجوع إلى الله وإعادة ترتيب أولوياته. يطلب الإمام من الله أن لا يُبتلى بتعرضه لما يناقض حب الله، ولا أن يكون عونًا لأناس يبتعدون عن الله، بل أن يظل قريبًا من الله في كل حالة، قائلاً: “ولا بالابتعاد عن من اجتمع إليك”.

الاستعداد للأوقات العصيبة

عندما يعيش الإنسان في ظل أوقات شاقة أو ضغوط نفسية وفكرية، فإنه يحتاج إلى أداة فعّالة تُساعده على التكيف مع هذه الظروف. في هذا السياق، تأتي النصائح في الدعاء على شكل خطة روحية عملية للإنسان، حيث يُدعى لتجنب الانغماس في الأزمات أو في الاستعانة بمصادر غير موثوقة. بدلاً من ذلك، يجب أن يتوجه إلى الله تعالى ويثق في أن الله قادر على إزالة الهموم والتخفيف من الأعباء، ما يمنحه القوة للاستمرار في مسيرته.

التوكل على الله والاستعانة به

إن التوكل على الله يشمل الإيمان الكامل بأن الله هو المتحكم في كل شيء، ويجب على الإنسان أن يسلم نفسه لمشيئة الله ويثق بأن الله سيحقق له الخير حتى في أحلك الظروف. ويعتبر الإمام في دعائه الاستعانة بالله خطوة أساسية للنجاة من المآزق، وهي جزء من الإيمان بأن الله هو الوحيد الذي يملك القدرة على إنقاذ الإنسان من الشدائد.

وهكذا، تُمثل هذه الدعوات انعكاسًا عميقًا لفهم الإنسان لواقعه، ومدى ارتباطه الوثيق بالله في مختلف الأحوال، سواء في الظروف العادية أو الطارئة، وتوجيهاته التي تهدف إلى أن يبقى الإنسان ثابتًا في إيمانه ورابطًا أمله بالله.

الاتصال بالله وتجنب العلاقات السلبية

«وَ لَا مُجَامَعَةَ مَنْ تَفَرَّقَ عَنكَ وَ لَا مُفارَقَةَ مَنْ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ؛ اللهم، لا تجعلني أُرتبط بمن ابتعد عنك، ولا أفترق عن من اقترب منك.» هذا أيضًا يُعد من أفضل المقاييس لقياس صحة أو خطأ روابط السالك مع الآخرين؛ إذ يمكن للعلاقات أن تؤثر بشكل كبير على سرعة أو بطء سيره. من هنا، نجد في الأقوال المأثورة: «الرَّفِيقُ، ثُمَّ الطَّرِيقَ؛ فابدأ برفيق الطريق، ثم انطلق في السير.» وكذلك قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: «سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ؛ اسْتَفْهِمْ عن رفيق الطريق قبل أن تبدأ المسير.»

سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وآله عن كيفية اختيار الصحبة، فأجاب قائلاً: «سَائِلُوا مَنْ يُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيَتُهُ وَ يَزِيدُ فِي عَمَلِكُمْ مَنْطِقُهُ وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الآخِرَةِ؛ صحبوا من يذكركم بالله، ويزيد عملكم بكلامه، ويحثكم على الآخرة ولا يشغلكم عن الدنيا.» وقال سيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام: «إِيَّاكُمْ وَ صُحْبَةَ العَاصِينَ؛ ابتعدوا عن صحبة أهل المعاصي.»

قد نجد بعض من يدعي السلوك والوصول إلى الحق، لكن أفعالهم وسلوكهم يتعارضان مع المبادئ الأخلاقية للشريعة. هؤلاء لا يضلون أنفسهم فحسب، بل يضلون الآخرين أيضًا. ولذلك، يجب على السالك المؤمن أن يكون حذرًا وأن يطلب من الله دائمًا أن لا يجعله يقع في شرك الذين يضلون طريق المحبة، وأن يبتعد عن أولئك الذين قد يعيقون مسيرته الروحية.

وقد جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذا السياق قوله: «وَالصِّقْ بِأَهْلِ الوَرَعِ وَ الصِّدْقِ وَ ذَوِي العُقُولِ وَ الإحْسَانِ؛ التصق بأهل الورع والصدق والعقول الراجحة والإحسان.»

تأثير الصحبة على السلوك الروحي

إن آثار الصحبة السيئة قوية إلى درجة أن الله تعالى قد حذر رسول الله صلى الله عليه وآله منها في قوله: “وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِنْ يُنْسِيكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (الأنعام، 6: 68). إذا رأيت من يُسهب في حديث ينكر آياتنا، فأعرض عنهم حتى يتحدثوا في غير ذلك، وإذا نساك الشيطان فبعد أن تذكر تبتعد عن الجلوس مع أولئك الذين ظلموا أنفسهم.

وفي تفسير آخر، قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: “مجالسة أهل اللهو تُنسي القرآن وتُحضِر الشيطان”، مما يُبين كيف أن مجالسة أهل الغفلة والهوى تُفقد الشخص تذكر القرآن وتُقربه من وسوسات الشيطان.

الابتلاء والتمسك بالله في الأوقات الصعبة

اللهم اجعلني أصول بك عند الضرورة؛ اللهم، اجعلني أرجع إليك في وقت الشدة والضيق. لا بد للسالكين في طريقهم الروحي أن يمروا بفترات من الابتلاء، حيث أن هذه الفترات تُعد من المحطات اللازمة لتحقيق النضج الروحي. إذا لم يتعطف الله تعالى عليهم برحمة ونعمة، فقد يغفلون عن الطريق ويبتعدون عن الهدف.

يجب على السالك أن يكون يقظًا ويحتفظ بما وصل إليه من مكاسب روحية، وأن لا يطلب العون من غير الله. وعليه أن يلجأ إلى الله بالتوسل، والتضرع، والدعاء، لكي يمر بأوقات الابتلاء والامتحان بسلام، ويُحافظ على سيره في طريق الحب والوصال الإلهي.

وقد قيل في الشعر:

دَلا بسوز كه سوز تو كارها بكند

دعای نیمه‌شبی دفع صد بلا بكند

عتاب یار پری‌چهره عاشقانه بكش

که یک کرشمه تلافی صد جفا بكند

هذا يعكس أهمية السعي بالالتجاء إلى الله عند الصعاب، حيث أن الدعاء والرجاء في الله يمكن أن يفتح للمرء أبوابًا من الرحمة والنجاة.

الدعاء في أوقات الراحة والتضرع قبل البلاء

من أبرز ما يُستفاد من الأدعية التي ذكرها سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام في دعواته، هو أنه يجب على السالك أن لا يطغى عليه الشعور بالاطمئنان عندما يكون في حالة الراحة، بل عليه أن يتوجه بالدعاء إلى الله في أوقات السكون والطمأنينة قبل أن يأتيه البلاء. هذا لأن الدعاء في وقت الرخاء يُستجيب له في وقت الشدة.

وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في هذا الصدد قوله: “الدعاء في الرخاء يُستخرج الحوائج في البلاء”؛ أي أن الدعاء في الأوقات السهلة يفتح أبواب المساعدة في الأوقات الصعبة.

وأضاف الإمام الصادق عليه السلام: “من سرَّه أن يُستجاب له في الشدة، فليكثر الدعاء في الرخاء”؛ بمعنى أنه إذا أراد المؤمن أن يَستجيب الله لدعائه في الأوقات الصعبة، يجب عليه أن يكون دائم الدعاء في الأوقات الهادئة والمريحة.

وقال أيضًا: “من خاف البلاء، فليتقدم بالدعاء ليُرفع عنه، فلن يصيبه البلاء أبدًا.”

الطلب من الله وحده

في قوله: “وأَسْأَلُكَ عِندَ الحاجةِ”، يُعَبِّر السالك عن تضرعه لله وطلبه العون فقط من الله في أوقات الحاجة، لأن الحاجة تمثل لحظة من الضعف والخضوع، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله: “طلب الحوائج من الناس مذلةٌ للحياة، ومهلكةٌ للحياء، وهُوانٌ للوقار، وهو الفقرُ الظاهر.”

من هنا، يجب على السالك أن يرفع حاجته إلى الله وحده، معترفًا بفقره وضعفه أمام الله، ليحصل على الاستغناء عن البشر.

كما ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قوله: “لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحدٌ أحدًا، ولو يعلم المسؤول ما في المنع ما منع أحدٌ أحدًا.” هذه العبارة تبين لنا مدى أهمية الاستقلال الروحي في طلب الحاجة من الله فقط، كما تحذر من أن الطلب من الناس قد يكون سببًا في تقليل القيم النفسية والمعنوية للإنسان.

التضرع إلى الله في أوقات الحاجة

السالك يجب عليه أن يُظهر تضرعه في جميع حالاته، خصوصًا عندما يواجه حالات الضعف والفقر. كما ينبغي أن يتوجه قلبه إلى الله معترفًا بخضوعه، فلا يطلب المساعدة من أي أحد سواه. وفي القرآن الكريم نجد قوله تعالى: “واذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ” (الأعراف، 7: 205). وهذا يُؤكد أهمية التضرع والخوف من الله بشكل مستمر في كل الأوقات، دون التفاخر أو الجهر بالكلمات.

  1. في الرواية الأولى يُقال: “وقوله: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) قال: الدعاءُ بِإصبعٍ واحدةٍ تُشير بها”. في كلام الله عز وجل “وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا” فسر بأنه التبتل هو الدعاء بإصبع واحدة تشير بها.
  2. في الرواية الثالثة، قال الراوي: قال الإمام 7: “والتبتل هو تحريك السبابة اليسرى ترفعها في السماء رسلاً وتضعها”. التبتل هو تحريك السبابة اليسرى التي ترفعها بهدوء نحو السماء ثم تُنزلها.
  3. في الرواية الخامسة، يُقال: “وأما التبتل فإيماءٌ بإصبعك السبابة”. التبتل هو الإشارة بإصبع السبابة، وفي رواية أخرى يُقال: “والتبتل هو الإشارة بالإصبع”. التبتل يعني الإشارة بالإصبع.
  4. دعاء الابتهال:
  5. في الرواية الأولى يُقال: “والإبتهال رفع اليدين وتمدهما وذلك عند الدمع ثم ادع”. الابتهال هو رفع اليدين ومدهما، وذلك عندما يفيض الدمع، ثم الدعاء.
  6. في الرواية الثالثة، قال الراوي: قال الإمام: “وهكذا الإبتهال – مد يده تجاه وجهه إلى القبلة – ولا يبتهل حتى تجري الدموع”. الابتهال هو هكذا: مد يده حتى يوازي وجهه إلى القبلة، ولا يكون الابتهال إلا بعد أن تجري الدموع.
  7. في الرواية الرابعة، قال الإمام: “والإبتهال حين ترى أسباب البكاء”. الابتهال هو عندما ترى أسباب البكاء قد أُعدت.
  8. في الرواية الخامسة يُقال: “وأما الإبتهال فرفع يديك بحيث تتجاوز بهما رأسك”. الابتهال هو رفع اليدين بحيث تتجاوزا الرأس.
  9. في الرواية السادسة يُقال: “والإبتهال أن تمد يديك جميعًا”. الابتهال هو مد اليدين معًا.
  10. دعاء التضرع:
  11. في الرواية الأولى يُقال: “والتضرع أن تشير بأصبعين وتحرّكهما”. التضرع هو أن تشير بأصبعين وتحركهما.
  12. في رواية محمد بن مسلم، قال: سَأَلْتُ الإمام الباقر 7 عن تفسير قوله تعالى: “فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ” فقال: “الاستكانة هي الخضوع، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما”. الاستكانة هي التواضع، والتضرع هو رفع اليدين والدعاء بهما.
  13. في الرواية الثالثة قال الراوي: قال الإمام الصادق: “وهكذا التضرع، وحرك أصابعه يمينًا وشمالًا”. التضرع هو أن تحرك أصابعك يمينًا ويسارًا.
  14. في الرواية الرابعة قال الإمام: “والتضرع هو تحريك السبابة اليمنى يمينًا وشمالًا”. التضرع هو تحريك السبابة اليمنى يمينًا وشمالًا.
  15. في الرواية الخامسة يُقال: “ودعاء التضرع هو أن تحرك أصبعك السبابة مما يلاقي وجهك وهو دعاء الخيفة”. دعاء التضرع هو أن تحرك أصبع السبابة أمام وجهك، وهو دعاء الخوف.
  16. في الرواية السابعة يُقال: “والتضرع هو تحريك الإصبع”. التضرع هو تحريك الإصبع.

“ولا تفتني بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت” – أي: لا تجعلني في حالة اضطرار أن أستعين بغيرك.

السالك والارتقاء إلى مرتبة من المعرفة

يجب على السالك أن يصل إلى درجة من المعرفة الحاضرة والمشهودة بحيث يرفع جميع الحُجب عن غيره، فلا يرى في الوجود غير الله، بل يرى كل شيء تجليات لظهوره.

عدم التعلق بالآخرين في السراء والضراء

“ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت”. في حالة الفقر، يجب أن يتجنب المؤمن التذلل والسؤال من الآخرين. وقد قال الإمام الحسن العسكري 7: “ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تُذله”.

عدم التعلق بالمال

قال الإمام علي 7: “ومن تواضع لغني طلبًا لما عنده ذهب ثلثا دينه”. من يذل نفسه لأجل مال غني قد فقد جزءًا كبيرًا من دينه.

التضرع والتوحيد

التضرع والخوف من غير الله لا يتناسب مع التوحيد. فالمؤمن الموحد يرى الحق في جميع شؤون الحياة، ولا يخاف إلا من الله ولا يطلب المساعدة من غيره.

“التوحيد في الخوف والأمل لا يكون إلا لله وحده”.

  1. في الحديث الأول، قال: “وَقَوْلُهُ: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) قَالَ: الدُّعَاءُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ تُشِيرُ بِهَا،” في كلام الله عز وجل “وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا”، قال: التبتُّل هو الدعاء بإصبع واحدة تُشير بها.
  2. في الحديث الثالث، يروي الراوي عن الإمام (عليه السلام) أنه قال: “وَالتَّبَتُّلُ تَحَرُّكُ السَّبَّابَةِ الْيُسْرَى تَرْفَعُهَا فِي السَّمَاءِ رُسُلًا وَتَضَعُهَا؛ التبتل هو تحريك إصبع السبابة اليسرى برفق إلى السماء ورفعها ثم وضعها.”
  3. في الحديث الخامس، جاء فيه: “وَأَمَّا التَّبَتُّلُ فَإِيمَاءٌ بِإِصْبِعِكَ السَّبَّابَةِ؛ التبتل هو الإشارة بإصبع السبابة.”
  4. الدعاء بالتضرع:
  5. في الحديث الأول، قال: “وَالإِبْتِهَالُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَتَمُدُّهُما وَذَٰلِكَ عِندَ الدَّمْعَةِ ثُمَّ ادْعُ؛ الإبتهال هو رفع اليدين وتمديدهما وذلك عند انهمار الدموع، ثم الدعاء.”
  6. في الحديث الثالث، قال الراوي: قال الإمام (عليه السلام): “وَهَكَذَا الإِبْتِهَالُ — مَدَّ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ — وَلَا يَبْتَهِلْ حَتَّى تَجْرِي الدَّمْعَةَ؛ هكذا يكون الإبتهال، حيث تمد يدك نحو وجهك وتوجهها إلى القبلة ولا تبدأ الإبتهال حتى تجرِي الدموع.”
  7. في الحديث الرابع، قال: “وَالإِبْتِهَالُ حِينَ تَرَى أَسْبَابَ الْبُكاءِ؛ الإبتهال هو عند رؤية أسباب البكاء.”
  8. في الحديث الخامس، جاء فيه: “وَأَمَّا الإِبْتِهَالُ فَرْعُ يَدَيْكَ فَتَجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَكَ؛ الإبتهال هو رفع اليدين بحيث تتجاوزا رأسك.”
  9. في الحديث السادس، قال: “وَالإِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا؛ الإبتهال هو مد اليدين معًا.”
  10. دعاء التضرع:
  11. في الحديث الأول، قال: “وَالتَّضَرُّعُ أَنْ تُشِيرَ بِأَصْبَعَيْكَ وَتُحَرِّكُهُما؛ التضرع هو الإشارة بإصبعين وتحريكه.”
  12. في حديث محمد بن مسلم، قال: سألته عن تفسير قول الله عز وجل: “فَمَا اسْتَكْانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ” فقال: “الإستكانة هي الخضوع، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما.”
  13. في الحديث الثالث، قال الراوي: قال الإمام الصادق (عليه السلام): “وَهَكَذَا التَّضَرُّعُ وَحَرَّكَ أَصَابِعَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا؛ التضرع هكذا هو، حيث تحرك أصابعك يمينًا وشمالًا.”
  14. في الحديث الرابع، قال الإمام (عليه السلام): “وَالتَّضَرُّعُ تَحَرُّكُ السَّبَّابَةِ الْيُمنى يَمِينًا وَشِمَالًا؛ التضرع هو تحريك إصبع السبابة اليمنى يمينًا وشمالًا.”
  15. في الحديث الخامس، قال: “وَدُعَاءُ التَّضَرُّعِ أَنْ تُحَرِّكَ أَصْبَعَكَ السَّبَّابَةِ مِمَّا يَلاَئِمُ وَجْهَك وَهُوَ دُعَاءُ الْخِيفَةِ؛ دعاء التضرع هو تحريك إصبع السبابة أمام وجهك، وهو دعاء الخوف.”
  16. في الحديث السابع، قال: “وَالتَّضَرُّعُ تَحْرِيكُ الأَصْبُعِ؛ التضرع هو تحريك الإصبع.”
  17. في دعاء آخر، قال: “وَلَا تَفْتَنَّي بِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِكَ إِذَا اضْطُرِرْتَ؛ يارب، لا تجعلني أطلب العون من غيرك في حالة الضرورة.”

2. العبادة والتضرع عند السالك:

يجب على السالك أن يصل إلى مرتبة من المعرفة الحضور والاتصال، بحيث لا يرى في الوجود غير الله سبحانه وتعالى. لا يرى سواه في الكون، بل كل ما يراه هو تجلي الله وظهوره. آثار هذا التصور تظهر في الفكر والعمل، وخاصة في أوقات الشدة. في هذه اللحظات العصيبة، لا يمد السالك يده لغير الله مهما كانت الظروف.

3. عدم التوسل بالغير:

في قوله تعالى “وَلا بِالْخُضُوعِ لِسُؤَالِ غَيْرِكَ إِذَا افْتَقَرْتَ؛” تعني أنه في وقت الفقر أو الحاجة، يجب ألا يلجأ الإنسان إلى خضوعٍ أو طلب من الآخرين. وقال الإمام حسن العسكري: “ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله.” أما الإمام علي (عليه السلام) فقال: “من تواضع لغني طلبًا لما عنده ذهب ثلثا دينه.”

4. التوسل بالله فقط:

وفي حديث آخر قال الإمام الصادق (عليه السلام): “شيعتنا من لا يهرّون هرير الكلب ولا يطمعون طمع الغراب ولا يسألون لغيرنا حتى وإن ماتوا جوعًا.” هذا يشير إلى أن المؤمنين الحقيقيين هم من لا يطلبون شيئًا من غير الله، حتى لو كان ذلك في أصعب الظروف.

5. طلب العون في حالة الخوف:

وفي وقت الخوف أو الرهبة، ينبغي للإنسان ألا يطلب العون من غير الله. التضرع إلى غير الله في مثل هذه الظروف يتناقض مع التوحيد. لأن المؤمن الحق لا يخاف إلا الله سبحانه وتعالى.

6. التضرع والتوحيد:

التضرع والخوف من غير الله لا يتماشى مع التوحيد. المسلم الموحد لا يخاف ولا يرتعب من أحد سوى الله. وهذا الإيمان بالتوحيد يجب أن يكون أساسًا في كل تصرفاتنا وأفعالنا.

7. الدعاء والعطاء بغير منّ:

قال الإمام الباقر (عليه السلام): “إن الله كره الحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة وأحب ذلك لنفسه.” مما يدل على أن الله يحب أن يتوجه الناس إليه مباشرة دون الاستعانة بأحد آخر.

الفصل العاشر: الهروب من الشيطان

اللهم اجعل ما يلقى الشيطان في روحي من التمني والتظنّي والحسد ذكرًا لعظمتك، وتفكرًا في قدرتك، وتدبيرًا على عدوك، وما يجري على لساني من لفظة فحش أو هجاء أو شتم عرض أو شهادة باطل أو اغتياب مؤمن غائب أو سب حاضر وما أشبه ذلك نطقًا بالحمد لك، وغرقًا في الثناء عليك، وذهابًا في تمجيدك، وشكرًا لنعمك، واعترافًا بإحسانك، وإحصاءً لمنتك.

الترجمة:

اللهم، حول تدخلات الشيطان في أفكاري مثل الأمنيات والتخيلات والسوء إلى تذكّر بعظمة شأنك، وتأمل في قدرتك، وتدبير ضد أعدائك. اللهم، حول الكلمات القبيحة التي تخرج من لساني مثل الشتائم والتشهير بالآخرين، والشهادات الكاذبة والغيبة، إلى كلمات تملأ ثنائي وتمجيدي لك، وتمتلئ بالشكر لنعمك واعترافًا بإحسانك.

سر التضرع عند المعصومين:

الشيء الهام في لغة الأئمة – خاصة الإمام السجاد (ع) والإمام علي (ع) – هو أنهم ينسبون أكبر الجرائم والذنوب إلى أنفسهم، رغم أنهم معصومون، وطبعا كلامهم حق. الإمام علي بن حسين (ع) في كتابه الكبير “صحيفة السجادية” – الذي يعتبر زبور آل محمد وأخي القرآن – يظهر كيف يعبّر عن عبوديته وخضوعه في مقام الله تعالى. إذا كان شخص ارتكب أكبر الذنوب ويريد أن يعبّر عن ضعفه وتوبته أمام الله، فلن يستطيع أن يأتي بكلمات أعمق من تلك التي تخرج من ألسنتهم.

في حديث عن طاووس اليماني عن الإمام السجاد (ع):

كان طاووس يروي أنه رأى في الليل شخصًا ممسكًا بستار الكعبة وهو يقول:

“ألا أيها المأمول في كل حاجتي

شكوت إليك الضر فاسمع شكايتي”

“ألا يا رجائي أنت كاشف كربتي

فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي”

ويكمل الإمام السجاد في دعائه: “يا ربي، هل يوجد على الأرض عبدٌ أعظم جرمًا مني؟”

إعلان الدين ديلمي من طاووس اليماني:

المعصومون (ع) في الأدعية يظهرون أنفسهم بأكبر ذنوب على الرغم من أنهم معصومون، ولا يعنى هذا أنهم يعبرون عن معاصي الآخرين. بل هم في مقام العبودية لا يظهرون إلا ضعفهم الحقيقي أمام الله.

الحديث عن التوبة:

التوبة من الذنوب تأتي على ثلاث مراحل: توبة من الأفعال المحرمة، توبة من التوقعات والشهوات، وتوبة من العوائق التي تمنع قرب الله.

مقام العبودية عند المعصومين:

المعصومون يذكرون في أدعيتهم كيف يشعرون بالعجز أمام الله رغم أنهم في أرقى مقام، لأنهم يعرفون أن الكمال في فناء الذات أمام الله تعالى، وهذا لا يعني أنهم ليسوا معصومين أو أنهم يعبرون عن ذنوبهم.

حقيقة التضرع في دعائهم:

هذه الأدعية والتضرعات ليست مجازية، بل هي تعبير حقيقي عن مشاعرهم تجاه الله تعالى في عجزهم أمامه، فهم في أعظم درجات الفناء.

بين شهري القمر وشهر الارض

الفرق بين شهري القمر وشهر الارض

كما بين السماء والأرض، كما قال المعصومون: “لا يُقاس بنا أحد.” وأيضا ذكر الإمام السابع في حديث آخر هذه الفكرة من خلال العمل والسجود، حيث قال الراوي: “رأيت علي بن حسين سجد جبهته على الأرض ودعا بدعاء السجدة قائلاً: “لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلا الله عبودية وذلا، سجدت لك يا ربي تعبدا وذلا، لا متكبرًا ولا مستنكفًا، بل أنا عبد ضعيف خائف مستجير.” الراوي يقول: “عددت هذا الذكر ألف مرة، وعندما انتهى الإمام من سجوده، كان لحيته مباركة قد امتلأت بالدموع، وكان الأرض من حوله مبللة بالدموع”.

تحويل المعاصي إلى حسنات

بعد المقدمة التي ذكرتها، يُطرح السؤال: إذا كان الإمام السابع يقصد في هذه الدعاء من “واجعل ما يلقيه الشيطان…” أن يتحول ذنوبي إلى حسنات، فهذا أمر مستحيل؛ لأن تحويل “ما صدر” غير ممكن. فالتغير الجذري في الذات والماهية مستحيل، وبالتالي لا معنى لتحويل الذنب إذا صدر. ومن جهة أخرى، بما أن الإمام معصوم، فلا يجوز أن يُنسب إليه المعاصي التي تذكر في هذا الدعاء، كما لا يمكن أن تُنسب إليه الأفعال والواقع الفاسد في هذا السياق.

لكن يجب أن نعلم أن هذه الذنوب في مرتبة استعداد الوجود، لأن العصمة ليست منع الإنسان من ارتكاب الذنب، بل هي بقاء المعصوم بعيدًا عن الفعل نفسه. الإمام يقول: “اللهم حول ما في استعدادنا من إلقاءات شيطانية وذنوب إلى فعالية حسنات وإلقاءات رحمانية في مقام الربوبية”. استعداد الذنب ليس وقتيًا، بينما فعليته تمتد عبر الزمن.

التحولات في إلقاءات الشيطان والرحمان

إلقاءات الشيطان والرحمان التي تحدث في قلب السالك إما رحمانية أو شيطانية. وقد أشار الإمام إلى ثلاث أنواع من إلقاءات الشيطان: التمني، الظن، والحسد. وقد تم الإشارة إلى هذه الأنواع من خلال “الرَّوع” الذي هو أدنى مراتب القلب.

التمني

التمني يعني الرغبة في شيء بعيد المنال. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في القرآن الكريم وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (سورة الحج: 52).

الظن

كما ورد في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (سورة الحجرات: 12). في هذا السياق، يُعَتَبر الظن السوء عن الله أحد أوسع أنواع الشيطانية، وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام): “فإن البخل والجور والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله”.

الحسد

الحسد هو أحد أهم إلقاءات الشيطان التي تضر بالروح وتبعد السالك عن الله. كما قال الإمام علي (عليه السلام): “إياك والحسد، فإن الكفر أصله الحسد”. وقد ورد في صحيفه الإمام السجاد (عليه السلام): “اللهم صل على محمد وآله، وارزقني سلامة الصدر من الحسد”.

ذكر الله

الإمام السجاد يطلب من الله أن يحول التمني والظن السيئ والحسد إلى إلقاءات رحمانية، مثل الذكر والتمعن في عظمة الله وقدرته، ويحث السالك على التفكر في خلق الله للوصول إلى أرقى مراحل الكمال الروحي.

ChatGPT said:

در پاسخ به هذا السؤال، العديد من الأجوبة قد أُعطيت. بعضٌ من أهل الظاهر يستندون إلى هذه الأحاديث لتحظر على الناس الخوض في المسائل الفلسفية والمعرفة الإلهية وقراءة الكتب التي تتناول العرفان النظري، وبالتالي يغلقون باب فهم الحقائق الدينية والإلهية أمام أهلها. في الرد عليهم، نقول: إن النهي الوارد في الحديث ليس نهيًا مولويًا أو تكليفيًا يتبع حرمة ومعصية التفكير في ذات الله، بل هو مجرد نهي إرشادي، خاصة بالنسبة للضعفاء من الناس، الذين يشكلون أغلب عباده، كي لا يقعوا في عبء فهم ما هو فوق حدود عقلهم، فلا يُثقل كاهلهم بتأملات قد تؤدي بهم إلى الحيرة والضياع. أما إذا كان هناك قوم من أصحاب البصيرة والرؤية الذين يمتلكون القدرة على التفكير المتبصر ويرغبون في الدخول في هذا المجال، فيسعى كل واحد منهم حسب طاقته إلى معرفة الذات الإلهية وأسمائه وصفاته، فمثل هذا النهي، على الرغم من كونه إرشاديًا، لا ينطبق عليهم، بل وفقًا لبعض الأحاديث يصبح فرضًا عليهم أن يخوضوا في هذا المجال بأقصى قدراتهم العقلية، ليعلموا ويدربوا النفوس القابلة لذلك. كما جاء في حديث الإمام الصادق عليه السلام: “أفضل العبادة الدوام على التفكر في الله وفي قدرته”. في نفس السياق، يقول الإمام السجاد عليه السلام: “وتفكر في قدرتك”.

طبعًا، من المستحيل إدراك جوهر الذات، كما ذكر الإمام في حديثه حول التوحيد، إذ قال: “إن الله عز وجل يعلم أنه سيكون في آخر الزمان أقوام متعمقون، فنزل الله تعالى (قل هو الله أحد)”، وفي دعاء “خمسة عشر” ذكر: “إلهي… وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك”. ما لا تدركه العقول هو جمال الله في مرتبة الجوهر واللامحدودية، لكن في مرتبة التعيين والظهور، فإنه ليس فقط قابلًا للإدراك بل قابلًا للوصول أيضًا، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: “ما برح لله عز وجل في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والقلوب”.

وفي الروايات والأخبار الواردة عن آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، نجد العديد من الأحاديث المتعلقة بمعرفة الله تعالى، من بينها قول الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: “من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله زهد في الدنيا”.

فيما يتعلق بأسمائه الحسنى، ذكرنا سابقًا أن “الله” هو أكمل وأجمع الأسماء الإلهية. فهو لا يتكون من “أل” و “إله” بل هو اسم بسيط يتجلى في ذاته.

إجابة السؤال المطروح يمكن أن تكون أيضًا أفضل إذا نظرنا إلى ثلاث طرق من الإدراك التي يمكن للإنسان أن يفتحها لنفسه: الأول إدراكات نفسية، والتي تشمل الحواس الخمس، الثاني إدراكات عقلية والتي يتولاها العقل، والثالث إدراكات قلبية وروحية، التي تمثل الإدراك الحقيقي للحقائق الإلهية.

وبناءً على ذلك، الروايات التي تنهى عن التفكر في ذات الله هي في الحقيقة تشير إلى أن الفكر في الأسماء والصفات الإلهية أسمى وأسمى من أن يصل إليه العقل البشري، وأن هذا الإدراك يمكن أن يكون فقط بواسطة “القلب” و “البصيرة الإلهية”.

ولا يوجد في القرآن الكريم أي دعوة للتفكر في ذات الله تعالى، بل يشير القرآن إلى التفكر في آياته ونعمه، كما في قوله: “أو لم يتفكروا في أنفسهم”، “ويتفكرون في خلق السماوات والأرض”، و “انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون”.

أمّا في دعاء “خمسة عشر” من الصحيفة السجادية، فيذكر الإمام السجاد عليه السلام العديد من الفقرات التي تحث على حمد الله وشكره وتجنب السلوكيات التي تسيء إلى الذات الإلهية وأسمائه وصفاته.

وفيما يتعلق بالذم واللّعن، نجد في الروايات أن الله عز وجل يكره الفحش والسب. فالحمد والشكر يظهران كطرق من طرق الاعتراف بنعم الله، والفرق بينهما يكمن في أن الشكر يمكن أن يكون على نعمة من الله أو من المخلوق، بينما الحمد هو خاص بالله وحده.

  1. لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يَدُومُ بِدَوَامِكَ.
  2. وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا خَالِدًا بِنِعْمَتِكَ.
  3. وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُوَازِي صُنْعَكَ.
  4. وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يَزِيدُ عَلَى رِضَاكَ.
  5. وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا مَعَ حَمْدِ كُلِّ حَامِدٍ.
  6. وَشُكْرًا يَقْصُرُ عَنْهُ شُكْرُ كُلِّ شَاكِرٍ.
  7. حَمْدًا لَا يَنْبَغِي إِلَّا لَكَ.
  8. وَلَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَّا إِلَيْكَ.
  9. حَمْدًا يُسْتَدَامُ بِهِ الأوَّلُ.
  10. وَيَسْتَدْعِي بِهِ دَوَامَ الآخِرِ.
  11. وَحَمْدٌ لَا يُحْصِي غَايَتَهُ إِلَّا أَنْتَ.
  12. وَلَا يَحْتَسِي ثَوَابَهُ إِلَّا أَنْتَ.
  13. حَمْدٌ لَا يُدْرَكُ مَدَاهُ سِوَاكَ.
  14. حَمْدٌ يَفُوقُ جَمِيعَ أَشْكَالِ الْحَمْدِ.
  15. وَيُتَمَجَّدُ فِيهِ كُلُّ حَمْدٍ وَشُكْرٍ.
  16. فَأَنتَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ لِمَدْحِ أَحَدٍ.
  17. وَأَنْتَ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ لِشُكْرٍ أَحَدٍ.
  18. فَحَمْدُكَ لَا يَحْتَاجُ لِشَيْءٍ غَيْرَكَ.
  19. وَشُكْرُكَ لَا يَحْتَاجُ لِشَيْءٍ سِوَاكَ.
  20. إِنَّ حَمْدَكَ فِي سَمَاءِ الْمَعَارِجِ يَحْلُو.
  21. الفراز الحادی عشر: نفي الظلم والاضطهاد
  22. اللهم صل على محمد وآله، ولا أظلمَنَّ وأنت قادر على دفع الظلم عني، ولا أظلمَنَّ وأنت القادر على قبض روحي، ولا أضلَّنَّ وقد أمكنتني هدايتك، ولا أفقرَنَّ ومن عندك وسعتي، ولا أطغينَّ ومن عندك غنائي.
  23. اللهم، صل على محمد وآله، واجعلني بعيدًا عن الظلم والاضطهاد، لأنك قادر على دفع الظلم عني. اللهم، أنت القادر على حجب الظلم عني، فوفقني لكي لا أكون ظالمًا أبدًا. اللهم، إن هدايتي بيدك وأنت قادر على توجيهي، فوفقني لكي لا أضل. اللهم، رزقي وسعتك، فحفظني من الفقر والضيق.
  24. الظلم، المظلوم، والعدالة الاجتماعية
  25. هنا يجب الإشارة إلى نقطتين مهمتين: أولاً، أن قبح الظلم ليس أمرًا اقتضائيًا، بل هو أمر ذاتي، مثل العدالة التي هي ذاتية أيضًا. ثانيًا، عندما نناقش موضوع الظلم، فإننا نبحث فيه من حيث الحكمة العملية وليس النظرية. ورغم أن الظلم في جانب النظري هو أيضًا ظلم، إلا أن الله تعالى يذكر في القرآن الكريم: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (الآية 22، سورة لقمان)، أي أن الشرك ظلم عظيم. هذه الآية تشير إلى الظلم على مستوى الفكر والاعتقاد، مما يعني أن الظلم لا يقتصر على الجانب العملي، بل يشمل أيضًا الجانب العقائدي.
  26. الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، بعكس العدالة التي هي وضع الشيء في موضعه الصحيح. لذلك، كل ما يُنتهك فيه الحق، يعد ظلمًا، كما يذكر الله تعالى في قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) (الآية 45، سورة المائدة). هنا، تشير الآية إلى الظلم عندما يحكم الشخص بما يخالف الحق.
  27. الضلال والفقر
  28. “وَلَا أَضِلَّنَّ وَقَدْ أَمْكَنَتْنِي هِدَايَتُكَ”
  29. في هذا السياق، الإمام (عليه السلام) لم يقل: “لا تضلني”، بل قال “لا أضلَّنَّ”، لأن من يُضلُّ هو في الأصل قد أضل غيره. ولهذا، فإن الإمام لا يتحدث عن إضلال الآخرين بقدر ما يتحدث عن الحفاظ على هدايته.
  30. “وَلَا أَفْتَقِرَنَّ وَمِنْ عِندِكَ وُسْعِي”
  31. مفهوم الفقر في النصوص الإسلامية ليس مجرد افتقار مادي، بل يعبر عن فقر روحي وعقائدي. فالفقر في الدين أمر يراه الإسلام من أسوأ أنواع الفقر، كما ورد في الحديث: “الفقر الموت الأكبر”. في هذا الدعاء، الإمام يطلب من الله أن يحفظه من الفقر الروحي، أي من فقر الإيمان والتوحيد.
  32. الاستغناء والطغيان
  33. “وَلَا أَطْغَيَنَّ وَمِنْ عِندِكَ وُجْدِي”
  34. الطغيان هو أن يظن الإنسان أنه مستقل عن الله ويخالف حدود الله، ما يؤدي إلى الطغيان والفساد. كما في القرآن الكريم: (كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَءَاهُ اسْتَغْنَىٰ) (الآية 6، سورة العلق). هنا، إذا شعر الإنسان أنه غني، فقد يطغى ويظن أنه غير بحاجة إلى الله.
  35. خاتمة
  36. الإنسان يجب أن يكون واعيًا لحقيقة وجوده وحقيقة ارتباطه بالله تعالى. إذا عرف الإنسان نفسه على أنه مخلوق متكامل، يعتمد في كل شيء على الله، فإنه لن يطغى أو يتكبر. أما عندما يظن الإنسان أنه مستقل أو غني عن الله، فإنه سيغرق في الطغيان. لذلك، العلم بحقيقة النفس هو الذي يحفظ الإنسان من الطغيان ويعطيه الفهم الصحيح لدوره في هذا الكون.
  37. الفَرازُ الثّانی عشر:
  38. اللهم إني إلى مغفرتك قدمت، وإلى عفوك قصدت، وإلى تجاوزك اشتقت، وبفضلِك وثقت، وليس عندي ما يوجب لي مغفرتك، ولا في عملي ما أستحق به عفوك، وما لي بعد أن حكمت على نفسي إلا فضلُك. فصلي على محمد وآله، وتفضل عليَّ. اللهم أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى. اللهم أسالك بالطريقة المثلى، واجعلني على ملَّتك أعيش وأموت.
  39. الترجمة:
  40. اللهم إني قد توجهت نحو مغفرتك، ونيَّتي كانت السعي إلى عفوك، وتوجه قلبي إلى تجاوزك، وأعتمدت على فضلك. وليس عندي من الأعمال ما يوجب لي مغفرتك، ولا في أفعالي ما يجعلني مستحقًا لعفوك، ولا ما ينجيني إلا فضلُك ورحمتك. فصلي على محمد وآله الطاهرين، وتفضل عليَّ برحمتك وكرمك. اللهم اجعل لسانَِي ناطقًا بالهدى، وألهم قلبي التقوى، ووفقني إلى الأعمال التي تكون أزكى وأطهر. اللهم وفقني لأداء ما يرضيك، واغفر لي وأعني على الاستقامة في دينك. أسألك اللهم أن توجِّهني إلى الطريق المثلى، وأن تقيني شرَّ الشيطان وتزيدني قربًا إليك حتى أعيش على دينك وأموت عليه.
  41. الفَرازُ الثّانی عشر:
  42. اللهم إني إلى مغفرتك قدمت، وإلى عفوك قصدت، وإلى تجاوزك اشتقت، وبفضلِك وثقت، وليس عندي ما يوجب لي مغفرتك، ولا في عملي ما أستحق به عفوك، وما لي بعد أن حكمت على نفسي إلا فضلُك. فصلي على محمد وآله، وتفضل عليَّ. اللهم أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى. اللهم أسالك بالطريقة المثلى، واجعلني على ملَّتك أعيش وأموت.
  43. الترجمة إلى العربية الفصيحة الأكاديمية:
  44. اللهم إني توجهت إلى مغفرتك، وأردت عفوك، وتاقت نفسي إلى تجاوزك، واتكلت على فضلك. ليس لديَّ ما يجعلني مستحقًا لمغفرتك، ولا يوجد في عملي ما يستحق العفو منك. بعد أن قضيتُ حكمًا على نفسي، ليس لي سواك، يا الله، إلا فضلُك ورحمتُك. اللهم صلِّ على محمد وآله، وتفضَّل عليَّ بفضلك. اللهم اجعل لساني ناطقًا بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للعمل بما هو أزكى، ووفِّقني للقيام بما يرضيك. اللهم أسالك أن تجعلني على الطريقة المثلى في الدين، واجعلني أعيش وأموت على ملَّتك.
  45. التفسير الأكاديمي:
  46. تُعبر هذه الألفاظ عن التوجه التام نحو الله سبحانه وتعالى، مع الاعتراف بالضعف البشري وطلب المغفرة والعفو الإلهي. يشير الدعاء إلى الضعف الكامل للعبد أمام الله، حيث لا يمتلك الإنسان ما يجعله مستحقًا للرحمة الإلهية، بل يعتمد على فضل الله ورحمته. في هذا السياق، يسأل الدعاء الله أن يكون لسانه دائمًا ناطقًا بالهدى، وأن يُلهمه سبل التقوى والصلاح، ويجعله موفقًا في أعماله لتكون أكثر نقاءً وأزكى في نظر الله.
  47. المعصوم عليه السلام و تساؤلاته المتعلقة بالرحمة والمغفرة الإلهية
  48. إن المعصوم عليه السلام، بحكم كونه مُنزَّهًا عن المعاصي والآثام، يحمل أعباء أكبر من غيره في ما يتعلق بالمغفرة والرحمة الإلهية. كما يُقال: “من يملك أكثر، يتعرض للأسئلة أكثر”، فكلما كانت منزلة الشخص أسمى، كانت الأسئلة الموجهة إليه أكثر.
  49. عندما يقول المعصوم عليه السلام: «أَوَّلَ الْعِلْمِ مَعْرِفَة الْجَبّارِ، وَ آخِرُ الْعِلْمِ تَفْوِيدُ الأَمْرِ إِلَيْهِ»؛[571] فإنما يشير إلى أن الله وحده القادر على التحكم في هذا النظام، وأن الإنسان في سلطته واختياره قد يُخطئ ويتسبب في فساد في النظام الإلهي، لكن في النهاية لا شيء يتم إلا بمشيئة الله، حيث هو القادر على تحقيق العدل والمغفرة في الدنيا والآخرة.
  50. إن نظام الله الكامل، في الواقع، لا يمكن تصوره إلا من خلال مغفرة الله تعالى؛ فكل إنسان، حتى المعصوم عليه السلام، يحتاج إلى المغفرة، لأن النظام الإلهي يتمحور حول الحسن والجمال الإلهي. وبالتالي، لا يمكننا مقارنة الكمالات الذاتية مع أي شيء آخر سوى الله تعالى.
  51. أما غير المعصوم، فعليه أن يظهر عصمته ويمثل النظام الإلهي بأقصى ما يستطيع، وفي حالة ارتكاب الخطأ عليه أن يتوب ويستغفر الله، كما جاء في قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: 41).
  52. العفو والمغفرة الإلهية
  53. “اللهم إلى مغفرتك وفدتُ،” وهذا يشير إلى سعي الإنسان نحو مغفرة الله، مشيرًا إلى حقيقة أنه لا يوجد أي عمل بشري أو صلاح يمكن أن يستحق المغفرة من الله بدون فضل الله ورحمته الواسعة.
  54. إن المغفرة التي يطلبها المعصوم عليه السلام هي فِعْلٌ تَجَلَّى في طهارته وعصمته، وهو في واقع الأمر تجلٍّ للرحمة الإلهية التي تشمل كل شيء. وطلب المعصوم العفو عن نفسه وتوجهه نحو الرحمة الإلهية يعكس موقفه الكامل من العجز عن تحقيق كماله الخاص؛ فلا شيء إلا فضل الله.
  55. الاعتماد على الله
  56. “وبفضلِك وثقتُ”، وهذا العبارة تتناقض مع مفاهيم “الثقة بالنفس” التي نشأت في علم النفس الغربي. بينما يشير علم النفس الحديث إلى أهمية تعزيز الثقة بالنفس لتحقيق الاستقرار النفسي، فإن مفهوم “الثقة بالله” في الفكر الديني الإسلامي يعكس توجيه الإنسان نحو الإيمان العميق بأن كل شيء من الله، وأن أي قوة أو قدرة مستقلة عن الله هي وهم.
  57. كما قال الإمام علي عليه السلام: “وَ بِاللَّهِ الثِّقَةُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ”، ليبيّن أن الثقة الحقيقية ليست في الإنسان، بل في الله تعالى.
  58. الحياة وفق رضا الله
  59. “واستعملني بما هو أرضى”، يظهر هذا الطلب من الإمام عليه السلام سعيه نحو رضا الله الكامل، وهو مقام يستدعي التنازل عن جميع الرغبات الشخصية والانصهار في إرادة الله. في هذا المقام، يتحقق الوصول إلى أعلى درجات السعادة الروحية، حيث تتوحد إرادة العبد مع إرادة الله.
  60. الهداية والتوجيه الإلهي
  61. “اللهم وأنطقني بالهدى”، تطلب هذه الدعوة من المعصوم عليه السلام توجيه الله وإلهامه فيما يتعلق بالكلمات والقرارات التي تكون في طريق الهداية الإلهية. فالمعصوم في هذا المقام لا يتحدث إلا ما يرضي الله ويقود إلى الهداية، كما جاء في القرآن: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى” (النجم: 3).
  62. مقام العصمة والرحمة الإلهية
  63. إن الإمام عليه السلام في هذا السياق يطلب توجيهًا نحو الوصول إلى مقام العصمة، وهي حالة تتجاوز جميع الحواجز الذاتية وتصل بالإنسان إلى حال من الطهارة التامة التي لا يتطرق إليها أي نقص أو خطأ.
  64. في هذا السياق، طلب الإمام عليه السلام “وفِّقني للتي هي أزكى”، يعبّر عن طلبه العميق للوصول إلى أعلى درجات الطهارة التي تمنحه القدرة على توجيه الناس نحو الصراط المستقيم.
  65. الاستغفار والمغفرة
  66. وفي ختام هذا الدعاء، نرى الإمام عليه السلام يُقر بأن كل شيء بيد الله، ويطلب العفو والمغفرة من الله على أساس الرحمة الإلهية، موضحًا أن الإنسان لا يستحق شيئًا من غير فضل الله.
  67. معرفة الحق؛ معيار معرفة أهل الحق
  68. اللهم أسالكَ بالطريقة المثلى، فإهدني إلى طريقٍ يَكونُ نموذجًا يُحتذى به، ودليلاً يُتبع.
  69. ما هو مقياس “الطريقة المثلى”؟ هل يمكن لأي شخصٍ أن يقول: “طريقتنا هي الطريقة المثلى”؟ إن الفراعنة قالوا للسحرة: “قَالُوا۟ إِنْ هَذَٰنِ لَسَٰحِرَانِ يُرِيدَٰنِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى” (الآية 63، سورة طه)، أي أن موسى وهارون أرادا بسحرهما إخراجهم من أرضهم وإفساد طريقتهم المثلى.
  70. في الطرائق الصوفية، يقول الجميع: “طريقتنا هي الصواب”. ولكن لا يمكن القول أن “الجميع على حق”، ولا يمكن أيضًا القول “أن لا أحد على حق”. لهذا، يجب أن نعرف الحق لنعرف أهله، ونعرف الباطل لنعرف أهله. أفضل معيار لتمييز الحق من الباطل هو أهل العصمة؛ لأنهم يمثلون الحقائق النورانية، وهم كما جاء في الآية الكريمة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الآية 33، سورة الأحزاب)، طاهرون من كل رجس ونجاسة، وبالتالي فإن الطريقة المثلى والصراط المستقيم هما طريقهم.
  71. ضرورة الإيمان بالمعتقدات الصحيحة
  72. “وَجْعَلْنِي عَلَىٰ مِلَّتِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا”اللهم، اجعلني في حياتي ومماتي على ملتك، لكي أُبعَثَ يوم القيامة على دينك.
  73. المِلَّة تعني الدين والمعتقد الصحيح الذي يتوافق مع الحقيقة، وهو السبيل إلى سعادة الإنسان في حياته وبعد موته. إن صحة المعتقدات أمر بالغ الأهمية، فقد ورد عن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في وصيتها التي كتبت قبيل شهادتها، أنها تؤكد على عدة مبادئ أساسية: توحيد الله، وعبودية محمد (صلى الله عليه وسلم) ورسالته، الإيمان بالجنة والنار، وقيام الساعة، وضرورة الاعتراف بالولاية. في وصيتها، تؤكد على ضرورة الولاء لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي يمثل الحاكم الشرعي على المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه وسلم).
  74. تُظهر هذه الوصية التزام فاطمة (عليها السلام) بالمعتقدات الصحيحة في كل جوانب الحياة، وتوضح أهمية الإيمان باليوم الآخر.
  75. التأكيد على أهمية المعتقدات الصحيحة
  76. تُظهر روايات وأقوال أهل البيت (عليهم السلام) أهمية التمسك بالمعتقدات الصحيحة، مثلما ورد عن الإمام عبد العظيم الحسني، الذي عرض معتقداته على ثلاثة من الأئمة المعصومين، وجاءت تأكيداتهم على صحة ما يقول. الحق في المعتقدات الدينية هو العصمة، ويجب على كل شيعي أن يعرض معتقداته على مقام العصمة حتى لا يواجه مشكلات في الحياة والموت.
  77. الفراز الثالث عشر: من الفرش إلى العرش
  78. اللهم صل على محمد وآله، وتمتعني بالاقتصاد، واجعلني من أهل السداد، ومن أدلة الرشاد، ومن صالح عبادك، وارزقني فوز المعاد، وسلامة المرصاد.
  79. في هذا الفراز، يبين الإمام (عليه السلام) صفات الإنسان الكامل. الاقتصاد هو الاعتدال في الأمور المادية والمعنوية، والاعتدال بين المتناقضات في الاعتقاد والأخلاق والسلوك. كل شيء له حد وسط، حتى الإيمان ومراتبه، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا).
  80. الاقتصاد لا يعني التنازل عن الرغبات المشروعة، بل هو التحلي بالتوازن والاعتدال. فالإمام (عليه السلام) في هذه الدعوة يطلب من الله أن يمنحه القدرة على تحقيق التوازن في الحياة.
  81. الاقتصاد والاعتدال
  82. يُعتبر الاقتصاد منهجًا وسطًا بين الإفراط والتفريط في مختلف جوانب الحياة. فالتوسط في العمل، والتعامل مع المال، والمشاعر، والدنيا عمومًا، هو سبيل إلى حياة مليئة بالبركة. كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): “من اقتصد في معيشة الله رزقه الله”، مشيرًا إلى أن التوسط في الحياة يفتح أبواب الرزق والخير.
  83. التوازن بين المال والمصالح الحياتية، وفي جميع الأمور، هو الأساس في الحياة الدينية.
  84. الخاتمة
  85. من خلال هذا الفراز، نلاحظ أن الإمام (عليه السلام) يركز على أهمية التوسط والاعتدال في الحياة. الاقتصاد ليس مجرد تدبير مادي، بل هو نهج في التفاعل مع الدنيا والآخرة. يعبر هذا الفراز عن سعي الإنسان إلى تحقيق التوازن في حياته بحيث لا يكون مفرطًا ولا مقصرًا، مما يعكس فلسفة أهل البيت في العيش بشكل معتدل وواعي.
  86. يجب على الإنسان أن يتعلم هذه الصفات من الحق تعالى.
  87. ومن أدلة الرشاد: أن يكون دليلاً ومرشدًا إلى الطريق الصحيح؛ أي أن يكون هاديًا، لا سارقًا. دليل الصراط المستقيم من إخلاص وعبودية الله تعالى هو من علامات الإيمان الكامل. على العكس من الناس العاديين الذين يعطون نصائحهم أو مالهم في سبيل الخير أو الشر؛ بحيث تجد بعضهم يطلبون المال مقابل إرشادهم، وحتى عند إعطائهم العناوين أو النصائح البسيطة مثل إرشاد الآخرين إلى مكان أو حتى دورات المياه، ينتظرون مكافأة مالية. من يَكُونُ رَاهِبَ طَرِيقٍ حَقِيقِيًّا هُوَ مَن يَتَجَاهَلُ كُلَّ مَا لَهُ مِنْ مَصَالِحَ، فَيَتَعَامَلُ مع الآخرين على أن يكون مَرْشِدًا لَهُم.
  88. إذا قال أحدهم: “اللهم اجعلني من أصحاب العزة، واجعلني أعيش حياتي بكرامة”، ثم خاف من العار؛ فهذا لا يستطيع أن يضحّي بشيء من أجل تبليغ دين الله، مثل الإمام الحسين عليه السلام الذي ضحى بأسرته في سبيل دين الله. إن شخصية الإنسان الكامل هي تلك التي لا تَشْتَكِي مِنْ نَفْسِهَا واهتماماتها، بل هي تتطلع إلى هداية الآخرين. هذا هو الصراط الذي يقودهم إلى النور.

مقام الصالحين:

  1. “وَمِنْ صَارِحِي عِبَادِكَ”، اللهم اجعلني من عبادك الصالحين.
  2. من هم عباد الله الصالحين؟ إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، نجد أن “الصالحين” هم أولئك الذين وصلوا إلى مقام الصلاح من خلال الإيمان والعمل الصالح، كما نقرأ في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ). يمكن للإنسان أن يصل إلى هذا المقام إذا اجتمع الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان والعمل الصالح هما جناحا السائر إلى الله، وإذا غاب أحدهما، يصبح السعي إلى هذا المقام مستحيلًا. ولهذا نجد أن القرآن الكريم يكرر مصطلح “الصالحين” ويذكرهم في العديد من الآيات مع النبيين، مثل قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).
  3. إن “الصالحين” في القرآن هم أولئك الذين خضعوا للعبودية لله وأصبحوا مثالًا للتقوى والإصلاح، ويتميزون بأنهم قد اجتازوا كل موانع الفساد والنزوات النفسية.

مراتب عباد الله الصالحين:

  1. عباد الله الصالحين، بحسب مراتبهم في العبادة والتقوى، هم متفاوتون. كل إنسان من هؤلاء العبيد الصالحين يحمل في قلبه ظهورًا لاسم من أسماء الله تعالى، وهذا يظهر في سلوكه وعبادته. على سبيل المثال، الشخص الذي يُدعى “عبدالله” يختلف في مرتبة عبادته عن الشخص الذي يُدعى “عبدالرزاق”، لأن “الله” هو اسم جامع لجميع الأسماء والصفات، ولهذا فهو يتضمن مراتب لا تُقاس مع غيره من الأسماء.
  2. وقد ورد في القرآن الكريم أن النبي إبراهيم عليه السلام طلب أن يُريه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). أما النبي موسى عليه السلام فقد طلب رؤية الله تعالى في قوله: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)، لكن الله سبحانه وتعالى أخبره: (لَنْ تَرَانِي).

فوز المعاد:

  1. “وَآرْزُقْنِي فَوْزَ الْمَعَادِ”، اللهم ارزقني فوز الآخرة.
  2. فوز المعاد هو القرب من الحق سبحانه وتعالى، ويعني الوصول إلى مقام الشهود ورؤية الحقيقة. لكن ليس كل شخص يستطيع أن يتحمل هذا الطلب، كما نرى في حالة النبي موسى عليه السلام الذي طلب رؤية الله ولكن الله تعالى قال له: (لَنْ تَرَانِي).
  3. إذاً، فوز المعاد هو أقصى درجات الكمال البشري، وهو لا يتحقق إلا من خلال التصفية من كل شوائب النفس والذات، والارتقاء إلى مقام القرب الإلهي.

الصحة الفردية والاجتماعية:

  1. “وَسَلامَةَ الْمَرْصَادِ”، مرصاد هي كمين الله، كما ورد في القرآن الكريم: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).
  2. المرصاد هنا هو التحدي أو العقبة التي يجب على الإنسان أن يتغلب عليها لكي يصل إلى السلام الداخلي والخارجي، بما في ذلك صحة المجتمعات. إن الصحة، سواء كانت نفسية أو جسدية، أساسية لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.
  3. إلى أن لا يكون من جانب المعشوق جذب، فإنَّ محاولة العاشق البائسة لن تصل إلى مكانٍ
  4. إذا كنت لا تملك القدرة على السير إلى معشوقك، فلا ينبغي أن تقول: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)،[615] لأنَّ قولك “أنا ذاهب” قد يجعلك تقع في مصيدته. بدلاً من ذلك، يجب أن تقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[616] لكي يأتي هو بنفسه، كما قال سبحانه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).[617]
  5. اليقين في هذه الآية هو من أسماء الله الحسنى، وبالتالي، قوله: “إِيَّاكَ نَعْبُدُ” يعني: “اللهم، أنتَ محبوبٌ في فعلك الظاهري وأنا عبدٌ لأفعالك، وأنا أيضًا عاشقٌ لظهورك، فاجذبني بك على شاطئ رحمتك وسلامك، وارشدني إلى مرادك قبل أن تبتليني بالابتلاءات”.
  6. (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)[618]. إنَّ من يرغب في زيارة الإمام المهدي عليه السلام، يجب أن يكون أولًا محبًا له ليجد قلبه مُطهَّرًا من أي شوائب غيره، ويغادر كمين الهوى، ويصل إلى حالة السلام والاتصال مع الإمام.
  7. حبُّ الدنيا
  8. “اللهم خذ لنفسك من نفسي ما يخلصها وأبقِ لي ما يصلحها، فإن نفسي هالكةٌ إلا أن تعصمها.” هذا الدعاء يعكس رغبة في أن يفصل الإنسان نفسه عن كل ما يعكر صفاء روحه ويخلصها من كل تعلق دنيوي. كما جاء في دعاء سيد الساجدين عليه السلام في “مناجات الزاهدين”: “اللهم، أغرس في قلوبنا شجرة حبك، وأتمم لنا أ مغفرتك.” يتعين على السالك أن يخلص نفسه ويطهرها من شوائب العالم ليصل إلى الحق.
  9. المنازل والمقامات في السلوك
  10. في لغة العرفاء، “المنازل” و”المقامات” ليسا نفس الشيء. فالمنزل هو المحطة المؤقتة على الطريق، والمقام هو الهدف النهائي الذي لا يوجد بعده طريق. عندما يصل العارف إلى مقام “الصفوة” فإنه لا يراعي التمايز بين كثرة أو وحدة، بل يرى الحق والخلق في كل شيء.
  11. العارف الذي وصل إلى هذا المقام هو من لا يرى الزمن والمكان إلا كنورٍ ساطع. إنَّ المقامات تترتب في سياق السلوك الإلهي. أما من وصل إلى مقام “صفوة الصفاء”، فإنه يدرك الحق كما هو ويعيش مع الله في توحيد تام.
  12. الذين وصلوا إلى مقام الصفوة
  13. أهل الصفوة هم أولئك المؤمنون الذين اصطفاهم الله وخلصتهم أرواحهم من كل ما سوى الحق، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: “إنَّ الله يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، ولكن الإيمان لا يُعطى إلا لأهل صفوته.” هؤلاء هم الذين تطهَّروا من تعلقاتهم الدنيوية وازدادوا قربًا من الله.
  14. الوصول إلى الحق
  15. وفي النهاية، عندما يصل العارف إلى مقام “الصفوة” الذي يتحقق فيه التوحيد الذاتي والفناء في الذات الإلهية، فإنه لا يحتاج إلى الزمن ولا إلى الماضي أو المستقبل، بل يعيش في اللحظة التي يرى فيها الحق بذاته.
  16. Ask ChatGPT

التوحيد الفعلي

فيما يتعلق بالتوحيد الفعلي، يُقابل هذا الشرك والكفر الفعلي بأنواعه المختلفة، وهي على النحو التالي:

  1. الشرك والكفر العمدي: الذي يكون عن علم وقصد، ويُسمى الشرك الجلي أو الاعتقادي.
  2. الشرك والكفر الخفي: الذي يحدث دون قصد أو دون علم، ويُعتبر نوعاً من الشرك الخفي.

الإنسان الذي يقع في الشرك الفعلي يصل إلى مرتبة من الفسق الفعلي. كما أن الرياء، الذي يُعد نوعاً من الشرك الخفي، قد يكون في بعض الأحيان دون وعي، وفي أحيان أخرى عن قصد. ومن خلال هذا الفصل من الدعاء، يجب على كل مؤمن سالك أن يطلب من الله أن يخلصه من هذا النوع من الشرك الخفي؛ وإلا فإنه سيغلق عليه طريق الوصول إلى المعرفة الحقيقية.

من يصل إلى مرتبة التوحيد الفعلي، يرى أن الوجود كله هو “يد الله”. وإذا لم يُرَ يد الله في كل ذرة، فهذا يُعد كفراً. وإذا كان يُرى يد غير يد الله، دون إدراك أنها يد الله، فهذا يُعد شركاً. “اليد” في هذا السياق تشير إلى “أيدي الله”، لأنها تمثل جميع صفات الله. كل شيء في هذا العالم، سواء كان حجراً أو طيناً أو إنساناً أو سماءً، يُعد مظهراً لصفات الله.

إذا نظرنا إلى هذه الظواهر من هذا المنظور، نجد أن كل شيء في هذا الكون، مهما كان شكله أو وظيفته، هو أداة لتنفيذ أمر الله، سواء كان مظهراً للجمال أو الجلال أو المجد. مثلاً، قد يكون الحجر مظهراً للقوة، في حين أن القطن قد يكون مظهراً للرحمة. كلما كانت التجلّيات الإلهية أكثر وضوحاً في الكائنات، زادت قدرة الإنسان على رؤية يد الله في جميع هذه الظواهر.

الإنسان الذي يصل إلى هذه المرتبة يدرك أن كل شيء في هذا الكون – من الأحداث الطبيعية وحتى أفعال البشر – هو وسيلة لتحقيق الإرادة الإلهية. قد تأتي هذه الوسائل على شكل مساعدات أو عقوبات. فالتوحيد الفعلي يعني أن كل شيء يحدث في هذا الكون هو تطبيق لأمر الله.

الحزن والهم

في الحديث التالي: “اللهم أنت عدتي إذا حزنت”، يتحدث الدعاء عن الحزن، الذي هو حالة نفسية تحدث بشكل طبيعي في ظروف معينة. الحزن يمكن أن يختلف باختلاف الأشخاص والظروف التي يمرون بها، ولهذا نجد أن الأشخاص من درجات وجودية مختلفة يعبرون عن الحزن بطرق مختلفة.

الحزن لدى أهل الدنيا: يكون مرتبطاً بالشوق إلى اللذات الدنيوية والمتع التي لا تدوم، كما قال الإمام الصادق: “الرغبة في الدنيا تورث الهم والحزن”.

الحزن لدى أهل الآخرة: يكون مرتبطاً بالشوق إلى النعيم الأبدي في الجنة. أما بالنسبة لأهل الله، فإن الحزن لديهم ناتج عن شدة الحب والعشق لوصال الله، وهو حزن يسبب لهم ألماً عميقاً كما حدث مع النبي يعقوب الذي فقد ابنه يوسف، حيث يُقال: “إنما أشكو بثي وحزني إلى الله” (يوسف: 86).

شكوى الأنبياء والأولياء

قد يتساءل البعض: كيف يمكن للأنبياء والأولياء الذين كانوا من أهل الصبر والرضا أن يشتكوا؟ الإجابة على ذلك هي أن الشكوى التي وردت عنهم في الأدعية والروايات ليست شكوى من الله أو اعتراض عليه، بل هي شكوى إلى الله بدون جزع أو اعتراض، وتُعتبر نوعاً من العبودية الخالصة لله.

كما قال الإمام الصادق: “إذا ضاق المسلم فلا يشكُوَنَّ رَبَّهُ، ولكن ليشكو إليه”. وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يُظهر شكواه إلى الله فقط دون أن يعترض على قضائه وقدره، بل يجب عليه أن يتحلى بالصبر ويعلم أن كل ما يحدث هو جزء من إرادة الله.

الانتقال إلى الذات الإلهية

فيما يتعلق بالجزء الذي يُذكر فيه: “وأنت منتجعي إن حرمت”، فإن هذا يدل على أن الإنسان في حال حرمانه أو فقدانه للشيء الذي يحتاجه، يتجه إلى الله ليكون له المأوى والمصدر الوحيد للراحة والاطمئنان. فالرغبات البشرية لا يمكن أن تكتمل إلا بالاتصال بالذات الإلهية التي لا حدود لها.

الإنسان يسعى لملء نقصه سواء في الجانب المادي أو المعنوي، وفي النهاية لا يمكن أن يُسَدد هذا النقص إلا باللجوء إلى الله. وهذا ما يعبر عنه الإمام زين العابدين في دعاءه، حينما يوجه خطابه إلى الله بأنه هو وحده الذي يمكنه أن يرفع عنه الحزن والحرمان.

آثار و لوازم سلطنت و توانمندی خداوند و جلال کبریائی‌اش:

«وَ أَظْهَرَ ذَٰلِكَ مِنْ أَثَارِ سُلْطَانِهِ وَ قُدْرَتِهِ وَ جَلَالِ عِزَّتِهِ وَ مَا حَيَّرَ الْعُقُولَ وَ أَذْهَلَ الْأَفْهَامَ وَ أَعْجَزَ الْمَعَارِفَ فِي تَفْهُمِ صِفَاتِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ».

الله تعالی از طریق قدرت و سلطنت خود، آثار جلال و عظمت خویش را آشکار ساخت. آن‌چه که عقل‌ها و تفکرات را حیران کرده و از شناخت عمق صفات او بازمی‌دارد، همان جلوه‌ای است که در جلال کبریائی‌اش به وضوح مشاهده می‌شود.

نمود توحید افعالی در بلاها:

«وَبِكَ آسْتِغَاثَتِي إِنْ كَرِبْتُ»، یعنی «اگر در سختی و رنج باشم، تنها به تو پناه می‌برم».

سالك در مرتبه توحید افعالی، مؤثری جز خداوند نمی‌بیند، به گونه‌ای که ظهور این حقیقت در لحظات درد و رنج و ابتلائات بیشتر از هر زمان دیگری واضح می‌شود. حضرت ابراهیم خلیل‌الرحمن در دوران بیماری، به یاد توحید افعالی می‌افتد و می‌فرماید: «وَ إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ»، یعنی «اوست که مرا در هنگام بیماری شفا می‌دهد».

حضرت سجاد (علیه السلام) نیز در همین راستا می‌فرمایند: «بِكَ»، بدین معنا که در همه حالات و گرفتاری‌ها تنها به خداوند پناه می‌برند و هیچ‌چیز جز دست قدرت خداوند در تمام مراتب وجودی خود نمی‌بینند.

جبران فناى بنده:

«وَعِندَكَ مِمَّا فَاتَ خَلْفٌ»، یعنی «و جبران آن‌چه که از من فوت شود، نزد توست».

گرچه سالک در مسیر رسیدن به حقیقت، از تمامی تعلقات و تعینات خلقی خود می‌گذرد، اما هر آن‌چه از دست داده است، در ظرف تعینات الهی و ربانی به دست می‌آورد. در واقع، سالک هیچ چیزی از دست نمی‌دهد که بخواهد دوباره به دست آورد، چون اگر خدا را داشته باشد، دیگر چیزی ندارد که بخواهد.

پیش‌گیری و اصلاح:

«وَلِمَا فَسَدَ صَلاحٌ»، یعنی «اصلاح آن‌چه که از من تباه شده است، نزد توست».

در این فراز، سالک از خداوند درخواست می‌کند تا اصلاح نماید آن‌چه که از او سر زده و به نقص تبدیل شده است. در این زمینه، توحید افعالی هیچ‌گونه منافاتی با استفاده از اسباب و علل طبیعی ندارد. زیرا در نظر سالک، تمامی افعال و حرکات، ظهور فعل خداوند است و در تمامی مراتب وجودی‌اش، وحدت ذات، صفات و افعال دارد.

پیش‌گیری از بلایا و عافیت:

«فَامْنُنْ عَلَيَّ قَبْلَ الْبَلاءِ بِالْعَافِيَة»، یعنی «پس بر من منت نه و مرا پیش از رسیدن بلا و گرفتاری به عافیت و سلامتی رسان».

امام سجاد (علیه السلام) در این دعا از خداوند می‌خواهند که پیش از آن که بلا به او برسد، از آن‌ها جلوگیری کند و به او سلامت و عافیت بخشد. این دعوت برای پیش‌گیری از سختی‌ها و دردهاست و نشان‌دهنده اشتیاق سالک به هدایت و نزدیکی به خداوند می‌باشد.

دوری از ضلالت و هدایت:

«وَقَبْلَ الضَّلَالِ بِالرَّشَادِ»، یعنی «خداوندا، پیش از آن که گمراه شوم، هدایتم فرما».

ضلالت، یعنی دوری از حقیقت و گم شدن در مسیر، که برای اولیاء الله حتی یک لحظه تحمل آن دشوار است. امام علی (علیه السلام) در دعاهای شریف خود از خداوند خواسته‌اند که آن‌ها را از گمراهی و ضلالت دور نگه دارد. هدایت الهی، همان نزدیک شدن به حقیقت و رسیدن به درگاه خداوند است.

تحمل زحمت بندگان:

«وَاكْفِني مَؤُونَةَ مَعَرَّةِ الْعِبَادِ»، یعنی «و از زحمت تحمل بار بندگان مرا کفایت فرما».

در این بخش، سالک از خداوند می‌خواهد که از بار مشکلات و رنج‌هایی که از ناحیه دیگران به او تحمیل می‌شود، او را رهایی بخشد. این دعا به درخواست برای آسودگی و راحتی از زحمت‌های بیرونی اشاره دارد که ناشی از رفتار و برخورد دیگران است.

آسايش معاد:

«وَهَبْ لِي أَمْنَ يَوْمِ الْمَعَادِ»، یعنی «و مرا در روز قیامت از آسایش و امنیت برخوردار کن».

امنیت و آرامش در روز معاد، تنها به وسیله ایمنی انسان از شر نفس خود و ایمنی دیگران از شر نفس او در این دنیا ممکن است. کسی که هنوز از شر نفس اماره در امان نباشد، در روز معاد به آرامش نخواهد رسید. تنها کسانی که به توحید و ولایت علی (علیه السلام) و عصمت اهل بیت (علیهم السلام) متصل هستند، از امنیت در روز قیامت برخوردار خواهند بود.

هدایت و ارشاد الهی:

«وَمَنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ»، یعنی «و مرا به هدایت نیکو و نورانی خودت راهنمایی فرما».

زمانی که بنده به هدایت و ارشاد الهی دست یابد، آینه تمام‌نمایی از جمال و جلال خداوند می‌شود و حقیقت حق را با تمام اسماء و صفاتش تجلی می‌دهد. این مرحله از رسیدن به حقیقت، تنها با فنا و از دست دادن تمام تعلقات و موانع وجودی حاصل می‌شود.

الفراز الخامس عشر:

الوحدانية والكمال الجماعي

اللهم صل على محمد وآله، وادفع عني بلطفك، واغذني بنعمتك، وأصلحني بكرمك، وداوني بصنعك، وأظلني في ذراك، وجللني برضاك، ووفقني إذا اشتكلت عليّ الأمور لأهداها، وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها، وإذا تناقضت الملل لأرضاها.

ترجمته:

اللهم صل وسلم على محمد وآله، وادفع عني بكل لطفك، واغذني بنعمتك، وأصلح حالي بكرمك، وداوني بصنعك، وأظلني في ظل رحمتك، وكسني بثوب رضاك، ووفقني عندما تتعقد الأمور عليّ لتوجيهها، وعندما تتشابه الأعمال لأميز أنقى وأطهرها، وعندما تتناقض المذاهب لتوصولني إلى ما يرضيك أكثر.

التفسير:

1. التوحيد الفعلي، الوصفي والذاتي:

في المباحث السابقة، تم الحديث عن التوحيد الذاتي والتوحيد الفعلي. التوحيد الفعلي هو المعنى والمفهوم الحقيقي لـ “لا حول ولا قوة إلا بالله”. الشخص الذي يصل إلى التوحيد الفعلي ينفي حول وقوة من نفسه وكل حركاته وسكناته الجزئية. بالطبع، الوصول إلى هذه المرتبة ليس سهلاً، إلا أن نفي الحول والقوة العامة أصعب وأكثر عوائق.

أحد أكبر موانع سلوك أهل الطريق إلى التوحيد، وخاصة التوحيد الفعلي، هو الشرك الخفي، وينبغي تطهير النفس من هذا الشرك لكي يصل الإنسان إلى تلك المرتبة.

في هذا الجزء من الدعاء، يشير الإمام عليه السلام إلى مرتبة أخرى من التوحيد، وهي التوحيد الوصفي، حيث قال: “وادفع عني بلطفك”. وهذا يدل على أن الإنسان لا يملك القدرة على الأمر، بل هو بفضل الله ولطفه.

2. التوحيد الوصفي:

اللطف من صفات الله الذاتية، وأمير المؤمنين عليه السلام يطلب أن يُنقِّيه الله من كل نقص بفضل لطفه. ويعبر هذا عن اعتراف بوجود النقص البشري الذي لا يمكن إصلاحه إلا بتدخل اللطف الإلهي.

3. المقامات الروحية:

كذلك يطلب الإمام عليه السلام أن يُغذّى بنعم الله، أي أن يطعم من تجليات الله الجمالية. وتفسير النعمة هنا هو ظرف ظهور جمال الله وكرمه.

4. الكرم والصنع الإلهي:

وطلبه “وأصلحني بكرمك” يشير إلى الحاجة إلى تصحيح النفس وإزالة النقص بفضل الله وكرمه. وكذلك، طلبه “وداوني بصنعك” يعكس أن كل شيء في هذا الكون هو صنعة الله، ولا يمكن الشفاء من أي داء إلا بعمله وصنعه.

5. الرضا والظلال الإلهية:

“وأظلني في ذراك” تعني أن الإمام عليه السلام يطلب أن يظل في ظل رحمة الله، وهو طلب قريب من مقام القرب الإلهي في نوافل العبادة. وأيضاً “وجلّلني برضاك” تعني أن الإنسان يُلبس بلباس رضا الله ويفوز بالسلام الداخلي والطمأنينة في الدنيا والآخرة.

6. التوفيق والهداية:

فيما يتعلق بعبارة “ووفقني إذا اشتكلت عليّ الأمور لأهداها”، الإمام عليه السلام يطلب التوفيق الإلهي لتوجيهه عند تعقد الأمور. وفي حالة تشابه الأعمال، يطلب أن يُوفق لأفضلها وأطهرها.

7. طلب الفهم في حال تناقض المذاهب:

وأخيراً، طلب الإمام عليه السلام أن يُهَديه الله إذا تناقضت الآراء والمذاهب، وأن يرشده إلى الطريق الذي يرضي الله أكثر من غيره.

الفقر والكفاية

اللهم صلِّ على محمد وآله، وتوجني بالكفاية، وسمني بحسن الولاية، وهب لي صدق الهداية، ولا تفتني بالسعة، وامنحني حسن الدعة، ولا تجعل عيشى كدًّا كدًّا، ولا ترد دعائي عليَّ ردًّا، فأعنِّى لا أجعل لك ضدًّا، ولا أدعو معك ندًّا.

  • اللهم، صلِّ على محمد وآل محمد، ووفقني للكفاية، وامنحني حسن الولاية، وارزقني صدق الهداية، ولا تجعل رزقي واسعًا فتبتليني. ولا تحرمني راحة البال والطمأنينة، ولا تجعل حياتي شاقة ومليئة بالمتاعب. ولا تردَّ دعائي، فأنا عبدك الذي لا يُشرك بك ولا يدعو معك أحدًا.

القناعة والكفاية في حياة السالك

الأمور التي وردت في هذا الجزء من الدعاء تشير إلى مدى استفادة السالك من الأمور المادية وحدود ذلك. في الجملة الأولى، يقول الإمام (عليه السلام): “توجني بالكفاية”؛ أي: “اللهم، ضع فوق رأسي تاج الكفاية”. التاج هنا يمثل الرمزية العليا للمقام المعنوي للإنسان، حيث يختلف التاج بحسب المقام المادي أو المعنوي. كما ورد في الحديث: “العمامة تيجان الملائكة”؛ أي: العمامة هي تاج الملائكة، فهي تُظهر المكانة المعنوية العالية للإنسان.

عندما يقول الإمام: “توجني بالكفاية”، فهذا يعني أن يرزقني الله بالكفاية التي تصل بي إلى حالة لا أحتاج فيها إلى المزيد من الأمور المادية. الكفاية والقناعة هما كمالان؛ فالقناعة تعني أن الإنسان يرغب في شيء لكنه يقتنع بالقليل منه، أما الكفاية فهي أن الإنسان لا يحتاج إلى شيء إضافي.

القناعة تعني أن الإنسان يريد شيئًا ولكنه لا يطلب أكثر مما يحتاج. ومن جهة أخرى، الكفاية تعني أنه لا يطلب شيئًا إضافيًا لأنه لا يحتاج إلى شيء أكثر. لهذا، لا ينبغي للإنسان أن يخرج عن حدود العفاف والكفاف في شؤونه المادية.

كما يقول الإمام علي (عليه السلام): “من اقتصر على بُلْغة الكفاف تبَخَّلَ الراحة وتبوَّأَ خفض الدعة”، أي: من يقتصر على ما يكفيه في حياته اليومية يعيش حياة هادئة ومريحة. القناعة تخلق راحة نفسية؛ لأنها تعلم الإنسان أن ما لديه هو كافٍ.

حرص الإنسان على المزيد

أما في حالة الحرص على جمع المال أو امتلاك المزيد، يقول الإمام (عليه السلام) إن الإنسان الذي يسعى وراء المبالغة في جمع المال أو الحصول على ممتلكات أكثر من حاجته، فإن هذه السعي قد يكون مصدرًا للتعب والقلق. القناعة تكمن في رضاء الإنسان بما قسمه الله له.

مفهوم “الكفاية” في العلم

مفهوم الكفاية لا يقتصر على الأمور المادية فقط، بل يشمل العلم أيضًا. إذا كان الإنسان يطلب العلم فقط من أجل الشهرة أو الجاه، فإنه لا يسعى لتحقيق الهدف النبيل من العلم. إذا كان طالب العلم يدرس من أجل استجابة لدعوته، فهذا هو التوجه الصحيح.

العلم يجب أن يكون من أجل تأدية الواجبات، وليس من أجل تحقيق منفعة دنيوية. وإذا كان طالب العلم يطمح إلى تحقيق مكانة اجتماعية أو شخصية، فهذا لا يختلف عن سعيه وراء الدنيا.

الولاية والتهيئة الروحية

وفي الدعاء، يأتي أيضًا طلب “حسن الولاية”. الولاية هنا تعني النماء الروحي والقدرة على التربية الإيمانية. كما أن التربية البدنية تحتاج إلى مدرب ذو خبرة لتحقيق التوازن، كذلك تحتاج التربية الروحية إلى مرشد أو معلم ذو بصيرة.

الشخص الذي يسعى لتربية نفسه في النواحي الروحية يحتاج إلى أن يجد المرشد الذي يحقق التوازن والاعتدال في توجيهاته، وبالتالي يحقق النمو الكامل في الروح.

الصدق في الهداية

أما قول الإمام (عليه السلام): “وهب لي صدق الهداية”، فهو طلب الهداية الصادقة من الله، وهي الهداية التي تقود الإنسان إلى النقاء التام، وهي هداية تتجاوز المجرد التوجيه الفكري إلى إضاءة القلب. في الإسلام، الهداية ليست نسبية كما في بعض الفلسفات الغربية التي تقرر أن كل شخص لديه طريقه الخاص الذي هو “صحيح” بالنسبة له. الهداية في الإسلام هي هداية تتوافق مع الحق الإلهي. كما ورد في القرآن: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” (الإسراء: 9)، حيث يكون الهدف هو الهداية إلى أقوم السبل وأفضل الطرق.

النقد على النسبية الفكرية

فيما يتعلق بالنسبية الفكرية التي تعتبر أن كل عقيدة تُعتبر صحيحة بالنسبة لأصحابها، فهذا مخالف للتوحيد في الإسلام. الإسلام ينظر إلى الحق على أنه واحد ومحدد، وهو ما يظهر في تعاليم أهل البيت عليهم السلام. الدين ليس مجرد أمر نسبي، بل هو حقيقة ثابتة.

الفقرة السابعة عشرة: الرزق والرزّاق

في هذه الفقرة، يشير الإمام السجاد (عليه السلام) إلى مسألة الرزق، وهي من أهم المفاهيم في حياة الإنسان. في دعائه، يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يمنحه رزقًا متوازنًا ومناسبًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، بل بما يتناسب مع حاله، وبطريقة لا تُنسيه ذكر الله تعالى.

إن الرزق لا يتعلق فقط بالجوانب المادية لحياة الإنسان، بل له أيضًا تأثير في البعد الروحي. فقد قال بعض الحكماء إن توسع الرزق يعني توسع القلب والفهم الأعمق لحقيقة العالم. لذلك، فإن الرزق الذي هو بيد الله تعالى يجب أن يُمنح للإنسان بطريقة تقوده نحو التكامل والقرب الإلهي.

الرزق ينقسم إلى نوعين: الرزق المادي الذي يتعلق بحاجات الإنسان اليومية، والرزق المعنوي الذي يشمل العلم والحكمة والمعرفة. حيث إن الأول يتعلق بتلبية احتياجات الجسد، بينما الآخر يتعلق بتغذية الروح وتحقيق الغايات العليا للإنسان في الدنيا والآخرة.

وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون الطلب من الله تعالى متوجهًا نحو الرزق الذي يؤدي إلى السعادة الحقيقية ويضمن الاستقامة في الحياة الروحية. كما يُعلمنا الإمام السجاد (عليه السلام) أنه ينبغي للإنسان أن يسعى ليكون رزقه في اعتدال، بحيث لا يكون مصدرًا للغفلة عن الله، ولا سببًا للشقاء والهم.

كما يؤكد الإمام (عليه السلام) على ضرورة الابتعاد عن الفتنة التي قد تنشأ من كِبر الرزق أو ضيق العيش، حيث يقول: «وَلا تَفتِنّي بالسعة وأمنحني حسن الدعة ولا تجعل عيشي كدًّا كدًّا». هذا يشير إلى أهمية الاعتدال في الرزق، فالرزق الوفير قد يجرّ إلى الغفلة، بينما الضيق المفرط يسبب الضيق النفسي والجسدي. فالإنسان في حاجة إلى حياة متزنة تمكّنه من أداء واجباته الدينية والدنيوية دون انحراف أو ضعف.

كما تذكر الروايات أن من يعيش في رخاء دائم قد لا يرفع رأسه بالمعنى الروحي، بل قد يكون كالبهائم لا يدرك قيمة النعمة، وأما من يعاني الشدائد فهو معرض للاختبار الإلهي، وهذا اختبار للثبات على الحق.

ويُذكر أن التوازن في الحياة ضروري، فليس من الحكمة أن يعيش الإنسان في فقر مدقع أو في غنى فاحش، وإنما يجب أن يكون رزقه متوسطًا يحقق له راحة البال والطمأنينة. الإمام علي (عليه السلام) قال: «ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة وتبوء خفض الدعة»، وهو دعوة للاكتفاء بما يكفي للحياة اليومية من دون إسراف أو تقصير.

وفي هذا الإطار، يؤكد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على قيمة الدعة، قائلاً: «عليك بالدعة»، وهي تعني اللين والراحة وعدم الشدة في المعيشة والمعاملة.

أما في موضوع التوحيد والعزة، فيقول: «لا أجعل لك ضدًا ولا أدعو معك ندًا»، حيث إن التوحيد الحقيقي هو سبب العزة والكرامة، فلا يكون الإنسان خاضعًا أو مذلولًا. فالمؤمن الحق يكون كالجبل الراسخ لا تزعزعه الصعاب، بل تزيده ثباتًا وقوة.

فالعزة الحقيقية هي في الله، كما جاء في قوله تعالى: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين». من اتكل على الله، لم يُهزم، ومن تغيب الله من حياته ذل وخسر.

وبذلك يتبين أن العلم والكتب وحدها ليست كافية ما لم تكن مقرونة بالحق والصدق. فالعلم بلا عمل وصدق لا يُعتبر. والتقوى والرجوع إلى الله هما الملجأ الحقيقي.

وفي النهاية، يحث الإمام (عليه السلام) على تقوى الله حق تقاته، والاستعداد ليوم الحساب، وعدم الموت إلا والمسلم في سبيل الله.

الفصل السابع عشر: الرزق والعيش

في هذا الفصل، يُبرز النص أهمية رزق الإنسان في حياته، مع التأكيد على أن الرزق ليس مجرد كميات من المال أو الأموال التي يحصل عليها الفرد، بل هو نعمة إلهية تحتاج إلى الحكمة في التعامل معها. في الدعاء المذكور: «وَلا تَفتِنّي بالسعة وأمنحني حسن الدعة ولا تجعل عيشي كدًّا كدًّا»، يُطلب من الله تعالى أن يمنح الإنسان رزقًا لا يؤدي إلى الفتنة والغرور، بل يكون سببًا في الراحة النفسية والطمأنينة، بعيدًا عن الضيق والكدح الشديد.

كما يشير النص إلى تفاوت أحوال الناس في حياتهم من حيث اليسر والشدة، فبعض الناس يعيشون في رفاهية وغنى قد تُعرضهم للغفلة عن الله، وبعضهم الآخر يكابدون حياة صعبة جداً، قد تصل إلى مستوى «أكل الخبز الممزوج بالدم»، وهذا تعبير عن شدة المحنة والابتلاء. ولكن من الناحية الروحية، كلا الحالتين تحمل امتحاناً من الله تعالى، فلا يغتر الإنسان بالنعمة، ولا ييأس من البلاء.

ويُفصل النص في بيان أن الحياة المتوازنة هي الأفضل، حيث لا يجب أن يكون الإنسان غارقًا في الشدائد ولا مفرطًا في الراحة، بل يعيش حياة كافية تحقق له الأمان والراحة، وهو ما يصفه الإمام علي (عليه السلام) بقوله: «ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجل الراحة وتبوء خفض الدعة»، بمعنى أن من اكتفى بالقليل من الرزق المناسب، بلغ راحة البال والطمأنينة.

فيما يتعلق بالتوحيد، يُوضح النص أن التوحيد الحقيقي هو مصدر العزة والكرامة للمؤمن، فلا يذل الإنسان من كان الله معه. «لا أجعل لك ضدًا ولا أدعو معك ندًا» تعني أن من توحّد قلبه حقًا، لا يكون له من يقاومه أو يظلمه بقوة، لأن الله هو القوة الحقيقية. والمؤمن الراسخ في إيمانه كالجبل الصامد، لا تهزمه التجارب ولا تضعفه المحن.

العلم والمعرفة لها مكانتها، لكنها بلا حق لا فائدة منها. ولذلك، يجب أن يقترن العلم بالعمل والصدق، وأن يكون الإنسان خاضعًا لله ومتوكلًا عليه، لأن الملجأ الحقيقي هو الله وحده.

ويختم النص بالتأكيد على ضرورة تقوى الله «حق تقاته»، وأن يموت الإنسان على الإسلام، مستعدًا للحساب، متوكلًا على الله في كل أموره.

الدعاء المتعلق بالرزق والمصادر الاقتصادية:

اللهم صل على محمد وآله، وامنَعني من الإسراف، و حصن رزقي من التلف، ووفِّر ملكتي بالبركة فيه، واصبب لي سبيل الهداية إلى البر فيما أنفق منه.

اللهم صل على محمد وآله، و اكفني مؤونة الاكتساب، وارزقني من غير احتساب فلا أشتغل عن عبادتك بالطلب ولا أتحمل إصر تبعات المكسب.

اللهم فاطلبني بقدرتك ما أطلب، واجرني بعزتك مما أرهب.

الشرح والتفسير:

هذا الدعاء، الذي ورد في كتب الأئمة الأطهار، يتناول جوانب عديدة من الرزق والبركة، ويعكس رؤية إسلامية شاملة تجاه الرزق والإسراف وكيفية التعامل مع المال والموارد بشكل عام.

  1. الطلب من الله بتحصين الرزق:

في الفقرة الأولى من الدعاء، يسأل المؤمن الله أن يقيه من الإسراف ويحصن رزقه من التلف. الإسراف في الرزق يعني صرف الأموال بشكل مفرط وغير مفيد، وهو ما قد يؤدي إلى إهدار الموارد الشخصية والاجتماعية. يتحلى الدعاء بطلب الحماية من هذا التصرف الضار.

  1. البركة في الرزق:

طلب “وفّر ملكتي بالبركة فيه” يشير إلى أن المال والممتلكات، إذا كانت مصحوبة بالبركة، فإنها تصبح أكثر فائدة ونفعًا للشخص وللآخرين. البركة تعني الزيادة في النفع والتوسعة في الرزق بحيث لا يشعر الشخص بقلته مهما كانت الظروف.

  1. الهداية في الإنفاق:

من بين الطلبات العميقة في هذا الدعاء هو طلب الهداية من الله في سبيل البر فيما ينفقه الإنسان. فالمؤمن يسعى إلى أن تكون جميع إنفاقاته على المال في الطريق الصحيح، بما يتوافق مع إرادة الله ورغبته في مساعدة الآخرين وتحقيق الخير.

  1. الاكتساب من دون عناء:

في الفقرة الثانية، يُطلب من الله أن يُسهل على الإنسان الحصول على الرزق من دون عناء مفرط أو قلق. هذا لا يعني أن الشخص لا ينبغي أن يسعى للحصول على رزقه، بل أن تكون العناية الإلهية وراء ذلك السعي، بحيث لا يُشغل عن عبادته أو اهتماماته الروحية.

  1. الطلب من الله بتوفير الرزق بغير احتساب:

في هذه الفقرة، يُطلب من الله أن يُرزق المؤمن من مصادر غير متوقعة، مما يتيح له الفرصة للاستغناء عن القلق الدائم بشأن المال.

  1. الارتباط الروحي بالرزق:

الدعاء أيضًا يعكس عمق العلاقة بين المؤمن وماله، حيث يُطلب من الله أن يسد الحاجة بشكل يوفر للإنسان الراحة الروحية من خلال الرزق الطيب والمال الحلال. وهذا يمنح الشخص طمأنينة في عمله وعبادته.

مفاهيم أساسية في الدعاء:

  1. القدر والتقدير الإلهي:

في الإسلام، يُعتقد أن الكثير من الأمور في الحياة خاضعة لمشيئة الله وقدره. الرزق، العمر، والأقدار المقررة قد تكون من بين هذه القدرات الإلهية التي لا يمكن للإنسان أن يغيرها بشكل كامل، ولكن يستطيع أن يسعى لتحقيق الأهداف من خلال التوفيق الإلهي.

  1. الإسراف وأثره السلبي:

الإسراف في الأموال يمكن أن يؤدي إلى التفريط في النعم وزيادة المشكلات الاجتماعية. ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ما رأيت مالاً موفوراً إلا وفي جانبيه مالاً يضيع.” ومن هنا فإن النفق في غير محله يؤدي إلى فقدان النعمة ويزيد من التفاوت الاجتماعي.

  1. الرزق الطيب في الإسلام:

لا يُعتبر الرزق مجرد المال، بل يجب أن يكون حلالاً وطريق الحصول عليه نظيفًا. في الإسلام، يُشدد على أن الإنسان لا ينبغي أن يطلب الرزق على حساب عبادته أو تفريطه في الحقوق والواجبات الدينية. فالرزق الحلال يصبح أكثر بركة عندما يُنفق في مواضع الخير.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَاحفَظْ وَجْهِي بِاليَسارِ، وَلا تَبْتَذِلْ جَاهِي بِالأَقْتارِ، فَأَسْتَرْزِقَ أَهْلَ رِزْقِكَ، وَلا أَسْتَعْطِيَ شِرَارَ خَلْقِكَ، فَأَفْتَنَ بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُبْتَلَى بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ دُونِهِمْ وَلِيُّ الْأَعْطَاءِ وَالْمَنْعِ.

يا الله، صلِّ على محمد وآله، واحفظ كرامتي عبر الفتح والرزق الذي تمنحه لي، ولا تُهين عزتي وكرامتي بالفقر والاحتياج حتى لا أضطر لطلب الرزق من أهل رزقك، ولا ألتجئ إلى شرار خلقك طلبًا للعطاء، فلا أفتن بمدح من وهبني، ولا أتعرض للذم من منعني، وأنت وحدك وليُّ العطاء والمنع.

الفقر والغنى

في هذا المقطع من دعاء مكارم الأخلاق، يوضح الإمام (عليه السلام) موقف الدين من الفقر والغنى، مشيرًا إلى الانحرافات التي وقعت بين المسلمين إما في المبالغة أو التفريط في هذا الجانب. حين يقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، فإن المعنى أن المؤمن لا ينبغي أن يُهان بوصف إيماني. وإن أصاب المؤمن مشقة أو ابتلاء، فهي لامتحانه أو تطهيره من الذنوب، وهي سبب للارتقاء الروحي، فالمصائب سبب للنمو والكمال، والذل ليس أمام الناس بل أمام الحق سبحانه.

ويقول الإمام: “اللهم، في كل حال أسألك أن أكون غنيًا لا محتاجًا، فلا أكون ذليلًا أو مذلولا بسبب الفقر والحاجة أمام الناس”. وهذه العبارة مذكورة أيضًا في نهج البلاغة.

والغنى ليس مجرد تملك المال، بل الغنى هو عدم الحاجة إلى شيء: «مَنْ لا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ». هذا تعبير من المعصوم: يا الله، لا تجعلني محتاجًا لا إلى الأخيار حتى لا أراهم بمنَّة، ولا إلى الأشرار حتى لا أتعرض لمنعهم. هذا هو الموقف الذي يجسد الوقار والعزة والطمأنينة الاجتماعية.

وقد سبق وأن دعا الإمام بأن لا يُطرح في دوامة تباعد عن الله وحرمان منه، والآن يطلب أن يهيئ له وسائل الطمأنينة ليشتغل بالله وحده. هذا هو موقف الدين: ألا يكون الإنسان محتاجًا لأحد، لا صديقًا ولا عدوًا، حتى لا يذل.

وقد تبرز في هذا السياق انحرافات غريبة: إحداها التصوف الدرويشاني، والثانية الزهد المفرط، وكلاهما ضلال. فالعارف حقًا هو من يجمع بين معرفة الوجود والالتزام بشؤون الإيمان والشرع، أما من عرف الوجود ولم يحفظ شعائر الدين فهو درويش، والباطنية بدون ظواهر الشرع ضلال لا يقره نبي أو إمام.

على العكس، هناك من يظهر التدين ظاهريًا لكنه يفسد باطنه، وهذا أيضًا مخالف لمنهج الدين. وإذا وقع في الرياء أو الخداع في العبادة فهو باطل، وفي القيامة يُنعت بالفاجر والكافر. الذي يسيء إلى الظاهر من أجل الباطن، يفسد حق الله في ظاهره، والظاهر هو جزء من الحق. ومن يهمل الباطن أيضًا يضيع حقيقته.

الظاهرية في العبادة عمل تجاري، وإذا كشف أمرهم يتخلون عن الظاهر أيضًا. أما التصوف الذي يتجاوز الشرع فهو انحراف، لأن العارفين الحقيقيين هم الأئمة المعصومون.

ومن لا يصلي الليل في المجلس خشية الرياء، أو لا يسبح، أو لا يلبس الخاتم بحجة الرياء، فقد انحرف. كذلك لا يجوز إهمال الباطن والاهتمام بالظاهر فقط، والانخداع بالأعمال وسقوط في العجب والرياء. الجمع بين الظاهر والباطن هو أعظم رياضة روحية.

من رأى بعينه الروحية الملائكة وهم دائمًا في سجود وتسبيح، يدرك أن عبادته ليست هدية ليتعجب منها، فيبقى متواضعًا، قائلاً: “يا الله، أنا مخلوقك، إن أعطيتني وقفت، وإن منعتني رُجعت إليك. لا أنقطع منك لا بالظاهر ولا بالباطن، فكل شيء منك. إذا جاء البلاء شكرتك، وإذا جاء العافية شكرتك، فأنا عبدك عند بابك، لا أغادره في أي حال”.

هذا هو التصوف القرآني، المحمدي، العلوي، حتى يتوجب على مثل “محی الدین” أن يركع أمامه.

المقطع التاسع عشر: السعادة والشقاء

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَارْزُقْنِي صِحَّةً فِي عِبَادَةٍ، وَفَرَاغًا فِي زُهَادَةٍ، وَعِلْمًا فِي اسْتِعْمَالٍ، وَوَرَعًا فِي إِجْمَالٍ.

يا الله، صلِّ على محمد وآله، وارزقني صحة في العبادة، وفراغًا ذهنياً في الزهد، وعلمًا في التطبيق، وتقوى معتدلة في الاعتدال.

السعادة والشقاء

في مناقشة السعادة والشقاء، ورد أنه إذا وُفرت لشخص بعض المشاق، فإن ذلك يُشكّل له سببًا مكتسبًا للشقاء، وإذا كان لديه سبب فطري للشقاء، فإن شقاؤه يزداد ويبلغ ذروته. وأحيانًا، إذا وُفرت له بعض الملائمات، ينشأ له سبب مكتسب للسعادة، وإن كان لديه سبب فطري للسعادة، ترتفع سعادته إلى ذروتها. وأحيانًا يحدث العكس، بمعنى أنه إذا كان لشخص سبب فطري للشقاء، ولكن وُفرت له ملائمات وحياة وبيئة هادئة، فإن شقاؤه يقلّ، وكذلك إذا كان لشخص سبب فطري للسعادة، ولكن وُفرت له ملائمات وحياة هادئة، فإن سعادته تقلّ، وبالطبع العكس أيضًا صحيح.

ورد في حديث قدسي:

“إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسد ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك.”

بعض عبادي لا يُصلح حالهم إلا الفقر، فإن أغنيتهم فسيدخلون في الفساد، وبعضهم لا يصلح إلا بالغنى، فإن أفقرته فسد.

لهذا قال الحق تعالى في القرآن الكريم:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾

فلو أن الله وسّع الرزق لعباده على نحو غير مقدّر، لساد الفساد والتمرد في الأرض، ولكنه يوزع الرزق بحكمة وعلم حسب ما يشاء، وهو عالم بأحوال عباده وبصير بهم.

“وَارْزُقْنِي صِحَّةً فِي عِبَادَةٍ”؛

يا رب، اجعل لي رزقًا صحةً في العبادة.

في الفقرة السابقة كانت الدعاء بأن يبعد الله عني المشاق، وفي هذه الفقرة يطلب الإمام (عليه السلام) 7 ملائمات. وقد عدّد الإمام علي (عليه السلام) هذه الملائمات السبعة: الصحة في العبادة، الفراغ في الزهد، العلم النافع، والورع بإجمال.

حين يقول الإمام (عليه السلام) “الصحة في العبادة”، فهو لا يعني فقط صحة العبادة من الناحية الفقهية الظاهرة، بل يقصد العبادة التي تُقام بكل كمالها.

أولًا يجب أن نعرف ما هي العبادة، ثم نحدد معنى الصحة في العبادة.

العبادة بالمعنى العام هي التذلل والخضوع والتواضع والانكسار أمام الحق تعالى. هذه هي مقصود الإمام السجاد (عليه السلام) من صحة العبادة.

الإنسان قد يتواضع أمام الغني، لكنه يعامل الفقير بجسارة، أو يعامل شخصًا سيئًا بتواضع، ولكنه يعامل العالم أو العامل أو الخادم بجسارة، فهذا لا يمتلك صحة في عبادته.

العبادة عامة وخاصة

العبادة بالمعنى العام تشمل الدعاء والصلاة.

العبادة العامة تعني أن يكون الإنسان في موقف من التذلل أمام كل مظاهر الحق، لأنّها مظاهر للحق تعالى. الصحة في العبادة تعني هذا التذلل الكامل، حتى يطمئن القلب ويرتاح الروح.

الرياء والخضوع أمام غير الحق لا يتناسبان مع العبادة. العبادة ليست فقط الصلاة، ومن يعتقد أن العبادة تقتصر على الصلاة فقط فهو منحرف.

ومن يقول:

“العبادة ليست إلا خدمة الخلق، ليست بالتسبيح أو السجادة أو الزي الديني”

فهو لا يمتلك التذلل أمام الخلق، لأن التواضع أمام الخلق هو تجلٍ للحق، وإذا لم يتذلل أمام الحق، فلن يستطيع التواضع أمام الخلق، ولن يخدمهم حقًا.

ومع ذلك، أكمل وأتم صورة العبادة الخاصة هي الصلاة والصيام والزكاة.

الصلاة والصيام هما العبادة الخاصة، والعمل والدراسة إذا أُخذت في إطار الحق تصبح عبادة عامة.

للأسف، نحن الطلاب فقدنا جودة العبادة، بل حتى الكمّ منها، لأننا غارقون في الدروس والمناقشات، مع أن المعصوم (عليه السلام) يقول:

“إن رُدّت ردّ ما سواها، وإن قُبِلت قُبِلَ ما سواها”

أي إن قُبلت الصلاة تُقبل سائر الأعمال، وإن رُفضت الصلاة تُرفض سائر الأعمال، فقبول الصلاة هو علامة قبول غيرها، ويجب أن تكون الصلاة كاملة الأركان، سواء في الكم أو في الكيف.

بالتالي، لا بد من إعطاء الصلاة أهمية أكبر من ناحية الكيفية والكمية، فالصلاة بلا خشوع وشوق ليست صلاة حقيقية.

الإمام السجاد (عليه السلام) صار زين العابدين وسيد الساجدين لأنه كان يؤدي الصلاة والسجود بإتقان كامل، وكان يصبر على تكرار التسبيحات أثناء السجود.

على الإنسان أن يؤدي كل عمل بعزيمة كاملة واهتمام تام، وهذا هو العبادة الحقيقية، سواء في الصلاة أو خارجها.

(إنما يخشى الله من عباده العلماء).

العلماء الحقيقيون هم الذين يخشون الله، لكن يجب ألا يكون الإنسان فقط مظهرًا للتذلل بل يجب أن يحترم المعروفين ويحذر من المتكبرين، فقد قال المعصوم (عليه السلام):

“تكبروا مع المتكبرين” بمعنى عاملهم بالتكبر وعدم المبالاة.

الزهد الفارغ

“وفراغًا في زهادة”

وهذا يكمل معنى الفقرة الأولى.

حتى يكون الزهد فارغًا، لا يتحقق صحة العبادة. الزهد الفارغ لا يعني ترك الدنيا، بل عدم التعلق بها، حتى لو كان الإنسان يملك الدنيا.

كما قال المعصوم (عليه السلام):

“هذا النواة مئة شجرة نخلة”

وأيضًا قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):

“ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه.”

الزهد الفارغ يعني امتلاك الدنيا مع القدرة على التخلي عنها في القلب، وإذا لم تكن هناك قدرة على التخلي، فالتعلق يكون طلبًا للدنيا.

إذا لم يكن هناك اهتمام بالدنيا على الإطلاق، فهذا انحراف أيضًا، لأن الدنيا مظاهر للحق.

قال تعالى:

﴿كُنْ فِي النَّاسِ وَلا تَكُنْ مَعَهُمْ﴾

أي كن في وسط الناس لكن لا تكن منهم؛ أي امتلك الدنيا مع القدرة على الانفصال عنها.

ولا تحزن على ما فاتك ولا تفرح بما أعطاك الله، فهو لا يحب المتكبرين.

لذا، قد لا يمتلك بعض الناس الدنيا ولكنه ليس زاهدًا، وقد يمتلكها وهو زاهد، رغم صعوبة الزهد مع الامتلاك.

للمبتدئين، “الامتلاك” خطر كبير، لذلك يجب أن يسعوا لأن يمتلكوا القليل حتى تتوفر لهم فرص النمو الروحي.

إذا لم يكن للإنسان زهد فارغ، فصلاته ليست صلاة صحيحة.

على المصلي أن لا يشغل نفسه بأي أمر حين يقوم للصلاة، وعندما يقول “الله أكبر” يجب أن يترك كل شيء وراءه.

“وعلمًا في استعمال”

العلم النافع هو العلم الذي يُطبّق في العمل.

العالم بلا عمل كالناقل للحصا على ظهره، إذا زاد حمله أسقطه.

من تعلم كل العلوم لكنه لا يستطيع أداء صلاة نصف ساعة ليس بعالم حقيقي.

من أصبح فقيهًا ليصبح شخصية لكنه ضاع فقهه ليس بعلم.

العلم يجب أن يكون من أجل العمل.

أحيانًا يكون العلم نفسه هو العمل، كالمعرفة، والروح، والمحبة، والصفات الإنسانية كلها.

يجب علينا دائمًا أن نبحث عن ما ينقصنا لنتعلمه، مثل من يستعد للسفر ويبحث عما يحتاج إليه.

الورع والحياة السليمة

“وورعًا في إجمال”

الورع هو ترك ما لا ينبغي وما لا يليق بنا.

“في إجمال” أي ترك مقبول، لا مبالاة ولا تهور، ليس كالذين يدرسون الطب والهيئة والحساب لكن لا يعرفون القرآن ولا لغاته.

هؤلاء تركوا باب المعرفة وهو القرآن، وتركوا ما لا ينبغي تركه.

بعض الناس أقاموا حياة واسعة لا تنفعهم، جمعوا حولهم الناس ولكنهم لا يستطيعون خدمة المجتمع أو ترك أثر.

أستاذنا المرحوم كان هادئًا ولكنه كان مليئًا بالورع والطمأنينة والسكينة.

الورع ليس فقط في العلم والعمل بل في كل مجالات الحياة.

على السالك في الدنيا أن يكون تاركًا للدنيا بشكل كامل، لا يطلب الرزق الحلال فقط، بل يطلب قدر الحاجة.

الإمام الحسن (عليه السلام) يقول:

“الإجمال في الطلب من العفة”، أي الحذر في طلب الرزق علامة على العفة.

النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:

“إن الروح الأمين نفث في روحي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاجملوا في الطلب، ولا يحملنكم تأخير شيء من الرزق أن تطلبوا ما عند الله إلا بمعاصيه، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته.”

أي أن الروح الأمين (جبريل) أوحى إلى النبي أنه لا يموت عبد حتى يكمل رزقه، فلذا اطلب الرزق بوقار ولا تلجأ إلى الحرام، فالرزق الحلال لا يأتي إلا من الطريق الحلال.

وأيضًا قال:

“من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغنى من قلبه وجمع له أمره ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، ومن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له.”

على الإنسان أن يفكر في حياته، فيجد أنه لا يحتاج لكثير من الأشياء، ولا يليق به بعض الأمور، وأنه قد ترك الأمور التي كان يحتاجها.

لذلك الإمام (عليه السلام) في هذه الفقرات الأربعة ركّز على الجودة: الصحة، الفراغ، الاستعمال، والإجمال.

حتى لو كان الإنسان غنيًا أو صحيحًا أو عالمًا أو صاحب منصب، إذا لم يكن له عمل، ولم يعطف على الفقراء والمرضى والمظلومين، فكل ذلك سبب للغفلة.

ربما لا يكون جهله أحيانًا أفضل له، لأن الهداية قد تكون في الفقر الذي يبعد الإنسان عن المعصية، وهو أفضل من الغنى الذي قد يدفعه إلى المعصية.

مع ذلك، أحيانًا يكون الغنى سببًا للنمو والهداية، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام):

“نعم العون على تقوى الله الغنى.”

وقال أيضًا:

“سلوا الله الغنى في الدنيا والآخرة.”

ولكن هذه العزلة لا تكون دائمًا بالامتلاك بل أكثر بالرغبة في القليل.

اللهمَّ اختم بعفوك أجلى، وحقق في رجاء رحمتك أملى، وسهّل إلى بلوغ رضاك سُبلي، وحسّن في جميع أحوالي عملي

بارك الله فيك، اختم لي حياتي بعفوك ومغفرتك، وحقق أمالي المتعلقة برجاء رحمتك، ويسّر لي السبل المؤدية إلى رضاك، واجعل عملي في كل أحوالي حسنًا وجميلاً.

عاقبةٌ حسنة

يختصر الإمام عليه السلام في هذا المقطع جوهر الحقائق المتعلقة بالماضي: الأبدية والخلود للإنسان، الرجاء والأمل لديه، رضا الخالق، وحسن العمل في كل الأحوال. في قوله: «اللهم اختم بعفوك أجلى» يوضح السبب الغائي والفاعل للحركة الإنسانية، وهو حقيقتها، حيث يدعو الله أن يختم له عمره بخير. قد تُدفع أهوال الابتلاءات، ولكن حين يأتي لحظة الموت، قد لا يستطيع الإنسان التلفظ بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله». الإنسان الذي لا يسيطر عليه السعادة في ذاته، يُبطل كل ما فعله حتى في اللحظة الأخيرة. فمن المستحيل أن يردد شخص كلمة التوحيد طيلة تسعين سنة، ثم يفشل في نطقها عند النهاية. على العكس، من كان التوحيد مسيطرًا على جوهره، يتوب في اللحظة الأخيرة ويلفظ كلمة التوحيد، رغم انحرافاته، لأن السبب الدافع لحركته لم يكن حقًا. الغاية هي سبب الفاعل في الحركة، والفاعل بلا غاية لا يتحرك. لذلك، من لم يكن دافعه في الحياة هو التوحيد الحقيقي، لا يمكنه التلفظ به في النهاية، لأن غايته كانت غير ذلك.

التجارب كثيرة في هذا الشأن. السبب الأخير دائمًا هو سبب التحقيق النهائي للنتيجة. إذا قال الإنسان «لا إله إلا الله» من قلبه، يكون ذلك السبب الحقيقي. إن أردت أن تكون مجتهدًا أو عارفًا، أو أن تحيا بصحة وعلم، فلماذا لا تريد الآخرة؟ الله يمنح كل ما تريد، لكنه لا يمنح الآخرة لأنك لم تطلبها: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ»[677].

يجب أن يكون الفعل متساوي القيمة مع الغاية. كيف تساوي اللحظة الأخيرة سبعين أو ثمانين سنة؟ كل هذه السنين لا تقارن بتلك اللحظة. السبب هو أن في العدالة الإلهية لا شيء يضاهي تلك اللحظة، لأنها نقطة ظهور الأبدية. حتى أفضل العبادات لا تثمر الأبدية. هوية الإنسان أبدية، وكل ما هو في الآخرة موجود في الدنيا، إلا الأبدية التي هي من خصائص الآخرة فقط، ولفتح أبواب الأبدية يلزم التلفظ بتوحيد القلب واللسان.

لذلك، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «لدوا للموت وابنوا للخراب»[678] أي إنما خُلِق الإنسان ليحتضر ويموت، وإن تعلقه بالدنيا هو تعلق بالعدم. قال تعالى: «وأكثرهم لا يعقلون»[679] لأن أكثر الناس لا يربطون قلوبهم بالأبد، بل بأمد محدود. كلما تعلق الإنسان بالأبد كان أعقل.

قالوا: «الدنيا سجن المؤمن»[680] لأن المؤمن لا يجد في الدنيا سوى ما هو غير أبدي، فالدنيا بمثابة السجن له. العقل هدية من الله: «العقل ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان»[682]. العقل هو الوسيلة لعبادة الله ونيل الجنة، ولا يوجد في أهل الدنيا عقل حقيقي. لهذا يقولون: «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون»[683].

الأمل

«وحقق في رجاء رحمتك أملي»: أي اللهم اجعل أمالي متعلقة برجائك لرحمتك، لأن حياة الأبد تعتمد على ذلك.

الأمل نوعان: أمل في الجزئيات كالزوج والولد والعلم والمكانة، وأمل في الكليات كالأمل في رحمة الله. حتى الكافر لديه أمل، لكنه أمل في الجزئيات غير الأبدية. الأمل الحقيقي في رحمة الله هو الذي يثبت الأبدية.

الرضا والسرور

«وسهّل إلى بلوغ رضاك سُبلي»: أعلى درجات السرور هي رضا الله تعالى، أي «اللهم أنت كما أحب فأجعلني كما تحب»[684].

تحسين العمل

«وحسّن في جميع أحوالي عملي»: بعد الإيمان بالله، للعمل دور حيوي في النمو الروحي والقرب من الحق. قال سيد العاشقين الإمام السجاد عليه السلام: «أحبكم إلى الله أحسنكم عملًا»[685]. المقصود هنا بالعبارة «في جميع أحوالي» هو وجوب الحرص على حسن العمل في كل الأوقات والظروف.

هُویة الإنسان

اللهم صلّ على محمدٍ وآله، ونبّهني لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملني بطاعتك في أيام المهل، وأنهِج لي إلى محبتك سبيلاً سهلةً، أكمل لي بها خير الدنيا والآخرة. اللهم وصلّ على محمدٍ وآله كأفضل ما صليت على أحدٍ من خلقك قبله، وأنت مصلٍّ على أحدٍ بعده، وآتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا رحمتك عذاب النار.

يا الله، صلّ على محمدٍ وآل محمد، ونبّهني وذكرني في أوقات النسيان والغفلة، وعيّنني على طاعتك في كلّ فرصة وموعد، واهدني إلى سبيلٍ سهلٍ وميسّرٍ إلى محبتك، وأتمم لي به خير الدنيا والآخرة.

اللهمّ صلّ على محمدٍ وآله بأفضل صلواتك التي صليتها على أحدٍ من خلقك قبله، وأنت صلّيت على أحدٍ بعده، وامنحنا في هذه الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، واحفظنا برحمتك من عذاب النار.

اليقظة، الذكر والغفلة

“ونبّهني لذكرك في أوقات الغفلة”؛ هذه دعاء للإيقاظ والوعي بالذكر في لحظات الغفلة والنسيان.

إنّ الإنسان إذا كانت حالته الأخيرة تذكّر ونباهة، يصبح مصدراً لجميع الكمالات الإلهية والبشرية، وأمّا إذا كانت الغفلة، فإنّه ينزل إلى مستوى الحيوان، بل أدنى، وتكون سبباً لكل الشرور.

النفس الناطقة إمّا أن تكون ذاكراً أو غافلاً، ومن هنا يقول الإمام عليه السلام: “اللهم اجعل نفسي في الذكر، لا في الغفلة”.

الذكر الحقيقي هو اتحاد الذكر والمذكور والذاكر، بحيث يكون الإنسان ذاكرًا في كلّ حين، لا فقط في الصلاة.

ذكر الحقّ هو الذكر الذي يزيل الغفلة، ولا يكون ذكرًا إذا كان متعلق الذكر غير الحق، بل هو غفلة.

الذكر إمّا جليّ ظاهر أو خفيّ، قولاً كان أو حالاً، وفي كلّ حال، إما دفع ضرر أو جلب منفعة.

وبذلك، لا يكفي أن يكون الإنسان في حالة يقظة فقط، بل يجب أن يكون الذكر ملازماً له في كلّ حال، حتى في النوم.

العمل بالطاعة في أيام المهل

“واستعملني بطاعتك في أيام المهل” أي اجعلني أستغلّ فرص العمر في الطاعة، لا في البطالة واللهو.

كما يحرص المسافر على ألا يترك شيئًا مهمّاً، كذلك يجب على السالك في طريق الحقّ أن يستغلّ الأوقات فيما يرضي الله.

المحبة والعشق

“وأنهج لي إلى محبتك سبيلًا سهلةً”؛ المحبة هي مرحلة تتجاوز الرضا والتسليم إلى الفناء والوصول إلى الحق.

إذا أُحيِيَ الحبّ في النفس، تصبح كلّ أعمال الإنسان، ذكرًا وطاعةً وحبًّا لله.

المؤمنون هم أشدّ حبًّا لله، وأهل الدنيا يحبّون أشياء دنيوية مثل المال والأولاد، وليس الحقّ.

العشق هو القوة المحرّكة لكل شيء، ومن دونه لا يتحقق الكمال.

الختام بالصلوات

“اللهم وصلّ على محمدٍ وآله أفضل ما صليت على أحدٍ من خلقك قبله وأنت مصلٍّ على أحدٍ بعده، وآتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار”.

هذا ختم الدعاء بالثناء على النبي وآله الطاهرين، مع طلب النعم الدنيوية والآخروية، وطلب الحماية من عذاب النار برحمة الله.

قائمة المصادر

  • القرآن الكريم.
  • الصحيفة السجادية، قم، دار نشر إسلامي.
  • الأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي الألئ، قم، سيد الشهداء، المجلد السابع، الطبعة الأولى، 1403 هـ.
  • ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، قم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الثانية، 1387 هـ.
  • ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث، قم، إسماعيلية، الطبعة الرابعة، 1364 هـ.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، الجواهر السنية في الأحاديث القدسية.
  • وسائل الشيعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
  • الحاراني، ابن شعبة، تحف العقول، قم، دار نشر إسلامي، الطبعة الثانية، 1363 هـ.
  • الحسني، سيد بن طاووس، إقبال الأعمال، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
  • الحويزي العروسي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، قم، إسماعيلية، الطبعة الرابعة، 1412 هـ.
  • الذهبي، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413 هـ.
  • الشريف الرضي، نهج البلاغة، بتحقيق محمد بن عبده، بيروت، دار المعرفة.
  • سبزوري، ملا هادي، شرح الأسماء الحسنى، قم، دار بصيرتي.
  • السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جامع الصغير، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1401 هـ.
  • صدر الدين محمد الشيرازي، الأسفار الأربعة، دار المعارف الإسلامية.
  • الصدوق، محمد بن بابويه، الأمالي، قم، بعثت، الطبعة الأولى، 1417 هـ.
  • الخصال، طهران، مكتبة الصدوق.
  • الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، النجف الأشرف، دار الثقافة، الطبعة الأولى، 1381 هـ.
  • الفيض القاساني، ملا محسن (محمد بن مرتضى)، المحجة البيضاء في إحياء الأحياء، طهران، مكتبة الصدوق، 1339 هـ.
  • القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، قم، دار الكتاب، الطبعة الثالثة، 1404 هـ.
  • الكراجكي، أبو الفتح محمد بن علي، معدن الجواهر ورياضة الخواطر، قم، مهر استوار، الطبعة الثانية، 1394 هـ.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365 هـ.
  • الليثي، الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، قم، دار الحديث، الطبعة الأولى، 1376 هـ.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأ، بيروت، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 هـ.
  • مقاتل بن عطية، المناظرات بين الفقهاء أهل السنة والشيعة، بيروت، الغدير، الطبعة الأولى، 1419 هـ.
  • النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الثانية، 1408 هـ.

فهرس مؤلفات وآثار حضرة آية الله (مد ظله العالي) الجاهزة للنشر

  • آتش دلربا
  • آتش قهر
  • آتش ولا
  • آدينه الست
  • آزاداندیشی حوزه‌ای و استبداد طاغوتیان
  • آزادی در بند
  • آسودگردار صفا
  • آسودگار شوخ
  • آسیب‌های اجتماعی
  • آشیان پاکی
  • آفتابه
  • آفرینش انسان و المادیة
  • آموزش مقامات موسیقی ایرانی
  • آوای نکو
  • آه
  • آیات الأحکام و فقه القرآن
  • آیه آیه روشنی
  • آیین خردورزی
  • آیین عدالت
  • ابر و باران
  • ابلیس سالوس
  • اجتهاد قدسی
  • أحکام پزشکی
  • أحکام قمار
  • أحکام النظر إلى النساء
  • أحکام نوین
  • اخباری ماذا یقول
  • اخباری و اصولی ماذا یقولون؟
  • اختر دل
  • اسباب التنزیل
  • استخاره مختصر آیات و سور القرآن الكريم
  • اسلام؛ هوية حية دائمة
  • اصول و قواعد تبليغ دینی
  • اصولی ماذا یقول
  • افتاده گیسو
  • اقتصاد حوزه‌های علمی و شهریه دانش پژوهان دینی
  • اقتصاد سالم، اقتصاد بیمار
  • التعليقات الفقهية
  • التعلیقة على المكاسب المحرمة
  • التمهيد في شرح قواعد التوحيد
  • الجسم البسيط وانقساماته
  • الرسائل التسع الفقهية
  • الرسائل السبع الاعتقادیة
  • الغناء والرقص
  • الفهرس الحديث لآیات الأحكام
  • الفهرس الحديث للفقه الشيعي
  • القواعد الفقهية
  • الگوهای اندیشه دینی
  • المباحث السنبوكية في الفنون الأصولية
  • المسكة (جلدان)
  • الولاية والحكومة
  • امام حق؛ فاطمة ۳، امام عشق؛ حسین ۹
  • الإنسان والعالم الحي
  • أنسية حورا
  • انقلاب إسلامي؛ التحديات والمخططات
  • انقلاب إسلامي وجمهورية المسلمين
  • انقلاب ثقافي
  • انگشت عشوه
  • باطن‌شناخت
  • بایسته‌های دین‌پژوهی و معناشناسی دین
  • بداهة معرفت الله
  • بر بهاره
  • برگی از آسیب‌شناسی انقلاب ۵۷
  • بزم غمزه
  • بشارت أكرم ۹
  • بلا پیشه
  • بلندی فقه شیعه (۹ جلد)
  • بلندی معرفت
  • بوزینه کور
  • بهار قنوت
  • بهشت شمران
  • بی‌دل و شوریده‌سر
  • پژوهشی نو در احکام رقص
  • پناه فنا
  • پنج مقاله حکمی
  • پندهای رفتاری
  • پوزه خرقه
  • پیامبر عشق؛ حسین ۷
  • پیام‌رسانی دینی
  • پیرایش شناسی
  • پیشوایان راستین اسلام
  • تاریخ تحلیلی موسیقی در الإسلام
  • تاریخ همیشه زنده
  • تپش ایمان و کفر
  • تجلی ناز
  • تحریرالتحریر (۳ جلد)
  • تحریف‌ناپذیری و حجیت قرآن کریم
  • تدابیر سیاسی
  • ترجمان هدی
  • تزوير عنود
  • تسعه ثانيه
  • تعامل نرم و دیجیتال
  • تعبیر خواب
  • تفسیر سور کوچک
  • تفسیر هدی (۴ جلد)
  • تماشای هستی
  • تمثال حق
  • تمنا وصال
  • تنها ذات (قطعات)
  • تیغ تقدیر
  • جادوی ریا
  • جادوی نفاثه
  • جامع الأحكام
  • جامعه‌شناسی عالمان دینی
  • جام مستی
  • جانورشناسی
  • جذبه نگاه
  • جلال مخلصان
  • جمال جلوه
  • جناب ذره
  • جن‌شناسی
  • جنگ آب
  • جنگ و رنگ
  • جوانمردان
  • جولان خیال
  • جهان پریشان
  • چارچوب سير كمالات
  • چارچوب نوين فقه شيعه
  • چرا و چگونه انقلاب ۵۷
  • چشم امید
  • چشم‌انداز عالمان دینی
  • چشم نگاه
  • چشمه چشمه زندگی
  • چشمه‌ساران كوثر
  • چشمه لطف
  • چشمه یاقوت
  • چگونه زیستن، چگونه مردن
  • چهره چهره
  • چهره عشق
  • حادثه غامض
  • حاشیه على القواعد والفوائد
  • حج؛ ابراهیمی یا سازمانی
  • حجره‌های معنوی
  • حرارت حور
  • حرمت دار
  • حریف معرکه
  • حضور حاضر و غائب
  • حضور دلبران
  • حضور نگار
  • حقوق نو بنیاد (۲ جلد)
  • حقیقت الشریعة في فقه العروة (۲ جلد)
  • حکایت عشق
  • حکمت‌نامه فلسفه
  • حلاوت
  • حمال حطب
  • حور طور
  • حوزه؛ چالش‌ها و طرح‌ها
  • حیرت ذات
  • خاطره؛ نقش بر چهره ذهن
  • خد انکاری و اصول الحاد
  • خداپرستی و فطرت
  • خداشناسی
  • خدایی که می‌پرستم
  • خرفت غوغا
  • خصال سلامت و سعادت
  • خط ریل غرب
  • خلود دوزخ و آتش و عذاب جاوید
  • خم ابرو
  • خمس الرسائل السياسية
  • خمسه طیبه
  • خنده نیوشا
  • خنزیر بیهوده گو
  • خواب، شب و بیداری
  • خون دل (رباعیات)
  • خون سفید
  • خیمه بقا
  • خیمه سبز ظهور
  • داستانی از نابسامانی در پوشش دینداری
  • دام لجاجت
  • دامن دهر
  • دانش استخاره (۵ جلد)
  • فرهیخت ادبیات و دانش اشتقاق
  • دانش‌اندوزی و خشونت‌ورزی
  • دانش بسنده
  • دانش تفسیر، دانش تأویل
  • دانش ذکر
  • دانش سلوک معنوی
  •  علم طلب المعرفة
  •  دائرة الوجود
  •  مقدمة في علم الاستخارة بالقرآن الكريم
  •  مقدمة في معرفة القرآن الكريم
  •  مقدمة في علم الأصول، الرجال، والدراية
  •  الألم الاجتماعي والمشكلات
  •  ألم الفراق
  •  الاعتماد على السنة (ترجمة المسكاة)
  •  دفن الموت
  •  الحبيب والمحبوب
  •  القلب المثقل
  •  العاشق المخمور
  •  مريح القلوب
  •  نفحات القلب
  •  عالم الجنون وخدع البشر
  •  عالم الألوان
  •  دولة الوحدة
  •  الدولة الكريمة
  •  الدولة المنقذة
  •  موعدان للحب
  •  دار بلا هوية
  •  دار البوصلة
  •  رؤية المصير
  •  ديوان الشيدا (الرباعيات)
  •  ديوان الحب والمعرفة (4 مجلدات)
  •  ديوان المحبوب
  •  ديوان الولاية
  •  ديوان الخسة
  •  ديوان نسل الذئب والكلب
  •  الذليل المخزي
  •  السر والحنان (القصائد المثنوية)
  •  القيادة والسلوك
  •  استراتيجيات النظام الإسلامي الكبرى
  •  الوجه
  •  الوجه بلا هوية
  •  وجه الوجود
  •  رسالة شرح المسائل (2 مجلدات)
  •  رقصة السماء
  •  رقصة الخريف
  •  رقصة السيف
  •  الرقصة الحلوة
  •  رقصة الفيض
  •  علم نفس الاستبداد
  •  علم نفس الكبر
  •  علم نفس الخوف
  •  علم نفس الطموح
  •  علم نفس الغضب
  •  علم نفس المرأة
  •  علم نفس السادية
  •  علم نفس الشرك
  •  علم نفس ضعف الأعصاب
  •  علم نفس ضعف النفس
  •  علم نفس الطمع
  •  علم نفس الظلم
  •  علم نفس الحب
  •  علم نفس العقل
  •  علم نفس العلم
  •  علم نفس قوة الإرادة
  •  علم نفس الكفر
  •  علم نفس العبقرية
  •  علم نفس الوهم
  •  علم نفس النفس المريضة
  •  رواية الاقتصاد الريادي
  •  الروحانية والقيادة
  •  روح العالم (الرباعيات)
  •  منهج التفسير من وجهة نظر القرآن الكريم
  •  منهج أهل العصمة والحركات الثورية
  •  نور الدنيا والدنياوية
  •  ازدهار العصر
  •  ازدهار الزهور
  •  قادة الشيعة في عصر الغيبة
  •  الرؤية الصامتة
  •  الرؤية الحلمية
  •  لغة الجسد
  •  عزف الشحرور (2 مجلدات)
  •  عزف العود
  •  صفاء التصوف
  •  الشعر المتناثر
  •  المرأة؛ جنة الجمال والتربية
  •  سلسلة المساواة وسلسلة الظلم
  •  الحياة، الحب أم القانون
  •  الحياة الحاضرة
  •  المرأة؛ المظلومة الدائمة عبر التاريخ (4 مجلدات)
  •  المرأة والتحرر الديني
  •  المرأة؛ إلهة الحب
  •  المرأة والحياة
  •  الجمال الظاهر
  •  جمالك
  •  علم الجمال
  •  صناعة الشعر
  •  بساطة بلون الله
  •  كأس الحوريات
  •  عقل التنين
  •  النجم بلا هوية
  •  سجود القامة
  •  سراب التصوف أو النسيم المبعثر
  •  السرو الشامخ
  •  نشيد الأحبة
  •  سلطة الرجال أم النساء
  •  سلوك الحزن
  •  سور الحور
  •  ألحان الحزن (القصائد)
  •  سياحة الأرض
  •  سيرانديشه
  •  السير الأحمر (3 مجلدات)
  •  سير الحب / مذكرات (3 مجلدات)
  •  ملامح التوق
  •  قرن الشيطان
  •  ليلة الغربة
  •  ليلة إيران (3 مجلدات)
  •  شاهد الوحدة
  •  شاهد الشيدا
  •  الليل والخلوت والبرق الصامت
  •  دموع الحزن
  •  دموع الخديعة
  •  ضفدع الوليد
  •  عجائب الصحة
  •  شمعة الجمع
  •  شمعة الحياة
  •  شقاوة الأليست
  •  شوق الشيدا
  •  شور العصيان
  •  سياسة المدينة
  •  شيدا الوجود
  •  طريقة إقامة الحدود
  •  صاحب الدار
  •  الصبح الجديد
  •  صحيفة الحب
  •  كتابة حوزوية
  •  صفاء الشباب
  •  صفاء القلب
  •  صفاء الذهن
  •  ضرورة معرفة مقام النورانية
  •  الطاغوت الخائن
  •  طبول الفوضى
  •  الطبيعة المروضة
  •  فريسة الطمع
  •  طغيان الشهوة
  •  السعي والالتزام بالعمل
  •  طلوع الغد
  •  طيب طوبى
  •  وعاء الظهور
  •  الظهور النقي
  •  علم الظهور
  •  ظهور الكرامة
  •  العارف والكمال
  •  الأعشق
  •  العاشق النشيط
  •  العلماء الدينيون وحياة التواضع
  •  التصوف المحبوبي والسالك المحب
  •  التصوف والمقامات
  •  عروس الربيع
  •  عروس القلب
  •  العيش النقي
  •  الحب والفخ
  •  العصمة؛ هبة إلهية
  •  عطر الختام
  •  الجني الماكر
  •  علم الأصول وعلماؤه الخمسة
  •  العلماء الحقيقيون؛ سلكة الأنبياء
  •  علم الحياة
  •  عنقاء المحبة
  •  عوالم المينا
  •  العيارون
  •  غارق فيك
  •  غارق من نفسه
  •  الغريب الواحد
  •  غريق الحب
  •  الغزال الأجمل
  •  الغزال المخمور
  •  غناء النساء
  •  التدليل والدلع
  •  الغيب، الليل واليقظة
  •  فتنة الظلم
  •  علم الملائكة
  •  نور الفرح
  •  ثقافة الشريعة وطبيعة الناسوت
  •  ثقافة التصوف
  •  فقه الحكمة
  •  فقه الصفاء، النشاط وحلاوة القلب
  •  فقه الغناء والموسيقى (7 مجلدات)
  •  الفلسفة الحديثة
  •  التفكير الفلسفي
  •  فناء الوجه
  •  فوج الرعب
  •  فوران الحب
  •  قائمة جمال وجلال الله
  •  قائمة المذكر والمؤنث في القرآن الكريم
  •  قدس الجنة
  •  قدس الفكر
  •  قديس الحب
  •  القرآن الكريم والأسس الاقتصادية
  •  قرب الغربة
  •  قرب البلاء
  •  قرب الحبيب (الرباعيات)
  •  قصة الشعر
  •  مقامرة الحب
  •  قواعد تفسير الأحلام
  •  القواعد السبعة للسلوك الإلهي
  •  مأوى الأمل
  •  كأس الكوثر (الرباعيات)
  •  بحث جديد في المعجزات والكرامات
  •  كتاب الله
  •  كتاب الصداقة
  •  كتاب الطبيعة
  •  كتاب القانون (5 مجلدات)
  •  غنج الحنان
  •  الضبع اليتمى
  •  كلبة في الطريق
  •  مختارات ديوان نكو (30 مجلدات)
  •  كوثر؛ شرف الله
  •  كوثر؛ نقطة الوجود
  •  الممرات والهربات في المجتمع
  •  الخنزير السفلي
  •  دوامة الوهم
  •  الذئب الجشع
  •  مقولات علم الإنسان
  •  مختارات شرح المسائل
  •  الحوارات الاجتماعية
  •  الحوارات الصادقة
  •  خطاب معرفة القرآن
  •  زهرة الرمان
  •  وردة الوجه
  •  الكنز بلا مكان
  •  جوهر العبودية وجوهر المالك
  •  علم النبات
  •  ابتسامة الحبيب
  •  طرف الشراب
  •  نعومة المطر
  •  لطف النهاية
  •  لطف القرار
  •  لطف الحبيب
  •  لهيب الفقر
  •  ليلة القلب
  •  زليخة مذهولة
  •  القمر الظاهر
  •  الأحبة والمحبين
  •  محبوب الحب
  •  المحرم بالسر
  •  محضر الذات
  •  المدينة الفاضلة أو الغابة الحديثة
  •  مراتب الولاية
  •  الموت والحياة في الأبدية
  •  بشرى التألق
  •  المخمور بلا هوية
  •  المخمور بالحبيب
  •  السكر والهيام
  •  تجاعيد الشعر
  •  المعاد الجسدي
  •  المعاد الجسدي؛ حقيقة دينية وفلسفية
  •  معرفة المحبوب والسلوك المحب
  •  الروحانية الغذائية
  •  مقامات العارفين
  •  مكافات الحب
  •  الذبابة الشحاذة
  •  الحكم النابغة
  •  المخلص الماكر
  •  مناسك الحج
  • مناسك الحج
  • منطق الموسيقى
  • منم البحر
  • الميثاق
  • منوى المينا
  • ناز المحبوب
  • نرجس السكران
  • نسخة التصوف
  • الجيل المحترق
  • نسيم الرحماني
  • نظام الهيمنة
  • وجهات النظر السياسية
  • الألحان الصوفية
  • لعن الغضب
  • نفسية الإنسان
  • نفير الصلابة
  • نفير الحب
  • نقد صافٍ / استقبال ديوان خواجه حافظ الشيرازي (4 مجلدات)
  • دور الأب
  • الناشر البسيط
  • الناشر الوجودي
  • نظر الناشر
  • خاتم الوجود
  • منظر الرسالة
  • لحن أهل القلب
  • النور والسرور
  • المشروبات الكحولية
  • الوحدة السكرى
  • وصول بريسا
  • علم الولاية
  • الولاية المستصعبة للإمام علي (عليه السلام)
  • فيروس بلا خوف
  • الهداية الدينية
  • هزار دستان التابوت
  • الهمم العالية
  • الأزواج والمديرون الفعّالون
  • هوى الحبيب
  • الهياج
  • هوى الليل
  • الضجيج
  • هيبة الحب
  • هيمان الحب
  • يابوي الهار
  • مذكرات الروحانيين
  • الرفيق الوفي
  • الرفيق المتجول
  • يا رفيق
  • جسد واحد
  • توحيد العبادة
  • علم التوحيد
  • التوحيد النظري
  • المتوحد
  • المتفرد
  • [1] . نگارنده گفته‌ى حافظ را در بحث جبر و اختيار نقد نموده و «امر بين الامرين» را به‌گونه‌ىمشاعى معنا نموده و تفصيل اين بحث را در شرح خود بر فصوص‌الحكم محى‌الدين آوردهاست.
  • [2] . تحف‌العقول، ص276.
  • [3] . محمدباقر مجلسى، بحارالا، ج 67، بيروت، موسسه‌ى الوفاء، چاپ دوم،1403ق،ص249.
  • [4] . بحارالا، ج 70، ص 249.
  • [5] . الصحيفة السجادية، دعاى 64، فراز 76.
  • [6] . استفراغ وسع به معناى تلاش و كوشش در راه فهم و استدلال احكام دين در حد تواناست.
  • [7] . تحف‌العقول، ص264.
  • [8] . محمد  9 / 12؛ كسانى كه كفر ورزيدند همانند چارپايان از دنياى خويش بهره‌مندمى‌شوند و در آخرت جايگاه آنان آتش است.
  • [9] . نهج البلاغة، ج 2، بيروت دارالمعرفة، تحقيق: محمد عبده، خطبه 176، ص251.
  • [10] . مؤمنون / 117.
  • [11] . همه از خداييم و به خدا باز مى‌گرديم. بقره / 156.
  • [12] . صدرالدين محمد شيرازى، الاسفار الاربعة، تهران،دارالمعارف الاسلامية، ج1، ص20.
  • [13] . ذاريات / 56.
  • [14] . جاثيه/ 24.
  • [15] . جاثيه/24.
  • [16] . جاثيه / 26.
  • [17] . جامع المقدّمات، ص1.
  • [18] . ملا هادى سبزوارى، شرح الاسماء الحسنى، ج1، قم، كتاب‌فروشى بصيرتى، ص94.
  • [19] . الاسفار الاربعة، ج1، ص20.
  • [20] . اين نفس ره يافته، به پرودگارت خوشنود و خوشايند باز آى و از آن پس به بندگانم درآى ودر بهشتم (جنت لقا) جاى گير. فجر/27ـ30.
  • [21] . مستدرك سفينة البحار ، ج 7، قم دفتر انتشارات اسلامى، چاپ 1419ق، ص41.
  • [22] . همانا خداوند خواست كه تو را كشته ببيند. بحار الا، ج44، ص364.
  • [23] . تحف‌العقول، ص294.
  • [24] . خدايت در كمين توست. فجر/14.
  • [25] . با برهان به حق دعوت كن و اهل موعظه را اندرز ده و بدخواهان را با پاكى به بحث نشينكه خدايت به گم‌راهان و ره‌يافتگان به‌خوبى داناست. نحل / 125.
  • [26] . خدا را در هر چيز يافتم. الالفين، ص128.
  • [27] . نه به آتشت بنده‌ام و نه طمع به بهشتت دارم، كه خدايت يافتم و بندگيت مى‌كنم. ابن ابىجمهور الاحسايى عوالى اللئالى، ج1، قم، سيدالشهداء، چاپ اول، 1403ق، ص20.
  • [28] . مفاتيح الجنان، دعاى خمسة‌عشر،مناجات هشتم.
  • [29] . انعام / 162.
  • [30] . كسى كه خود را شناخت خدايش را شناخته است. عوالى اللئالى، ج4، ص102.
  • [31] . الصحيفة السجادية، دعاى46، فراز76.
  • [32] . بحار الا، ج61، ص129.
  • [33] . محمد بن يعقوب الكلينى، اصول الكافى، ج3، باب المكارم، ص55، ح1.
  • [34] . پيشين، ص56.
  • [35] . پيشين، ص56.
  • [36] . پيشين، ص57.
  • [37]   ـ بحارالا، ج25، ص5.
  • [38] . به‌راستى چرا حضرت فاطمه‌ى زهرا  3 150 اسم داشته است؟ آيا كسى آن را محاسبه ومشخص كرده است؛ آن هم اسم‌هايى كه شيعه درباره‌ى آن حساسيت دارد. البته كتاب«خصائص الفاطمية» حدود 135 لقب از القاب مقدس آن حضرت را آورده است، ولى بايددرباره‌ى هريك از القاب آن حضرت به‌طور جامع و مفصل بحث نمود تا جهانيان به حقيقتو حقيّت اين اسما پى برند و بدانند كه او نه‌تنها «سيدة نساء العالمين» است؛ بلكه الگو ومقتداى جميع انبيا و اولياى كمّل از بدو تا ختم عالم است.
  • [39] . ميزان الحكمة، ج2، ص1478.
  • [40] . تحف‌العقول، ص90.
  • [41] . پيشين، ص111.
  • [42] . پيشين، ص224.
  • [43] . پيشين، ص69.
  • [44] . پيشين، ص94.
  • [45] . پيشين، ص 224.
  • [46] . پيشين، ص86.
  • [47] . پيشين، ص367.
  • [48] . الصحيفة السجادية، دعاى 37، فراز 8.
  • [49] . پيشين، الصحيفة السجادية، ص239.
  • [50] . بحار الا، ج 68، ص 377.
  • [51] . اصول الكافى، ج2، ص86.
  • [52] . بقره / 186.
  • [53] . بحار الا، ج90، ص300.
  • [54] . اصول الكافى، ج2، كتاب الدعاء، ص467.
  • [55] . پيشين، ص470.
  • [56] . همان، ص213.
  • [57] . همان، ص213.
  • [58] . بحار الا، ج63، ص337.
  • [59] . بحارالا، ج63، ص338.
  • [60] . بحارالا، ج63، ص331.
  • [61] . ميزان الحكمة، ج2، ص1233.
  • [62] . تحف‌العقول.
  • [63] . تحف‌العقول، ص58.
  • [64] . تحف‌العقول، ص51.
  • [65] . تحف العقول، ص98.
  • [66] . پيشين، ص358.
  • [67] . پيشين، ص383.
  • [68] . پيشين، ص101.
  • [69] . پيشين، ص101.
  • [70] . پيشين، ص101.
  • [71] . بحار الا، ج101، ص45.
  • [72] . پيشين، ج75، ص183.
  • [73] . بحارالا، ج59، ص267.
  • [74] . پيشين، ج93، ص371.
  • [75] . تحف‌العقول؛ ص110.
  • [76] . تحف‌العقول، ص51.
  • [77] . تحف العقول، ص51.
  • [78] . تحف‌العقول، ص110.
  • [79] . تحف‌العقول، ص410.
  • [80] . پيشين، ص106.
  • [81] . ميزان الحكمة، ج1، ص588.
  • [82] . بحارالا، ج78، باب4، ص224.
  • [83] . تحف‌العقول، ص299.
  • [84] . ميرزا حسين نورى طبرسى، مستدرك الوسائل، ج11، قم، موسسه آل‌البيت(ع)، چ دوم،1408ق، ص193.
  • [85] . احزاب / 56.
  • [86] . عبد على بن جمعه العروسى الحويزى، تفسير نور الثقلين، ج4، قم، موسسه‌ىاسماعيليان، چاپ چهارم، 1412ق، ص303.
  • [87] . الصحيفة السجادية، دعاى سوم، فراز 25، ص38.
  • [88] . احزاب / 43 ـ 44.
  • [89] . توبه / 103.
  • [90] . بحارالا، ج 17، ص 30، ح11.
  • [91] . پيشين، ص493.
  • [92] . بحارالا، ج 91، ص47.
  • [93] . محمد بن بابويه (شيخ صدوق)، الامالى، قم، موسسه‌ى بعثت، چاپ اول، 1417،ص132.
  • [94] . تحف‌العقول، ص92.
  • [95] . اصول الكافى، ج2، ص493.
  • [96] . اصول الكافى، ج2، ص494.
  • [97] . تحف‌العقول، ص103.
  • [98] . باب صلاة، بحث وجوب صلوات در تشهد نماز.
  • [99] . بحارالا، ج91، ص48.
  • [100] . بحارالا، ج 26، ص 254، ح 28.
  • [101] . پيشين، ج 12، ص 4.
  • [102] . بحارالا، ج37، ص53، ح27.
  • [103] . الصحيفة السجادية، دعاى 6، فقره‌ى 23.
  • [104] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 51.
  • [105] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 57.
  • [106] . پيشين، دعاى 20، فقره‌ى 30.
  • [107] . پيشين، دعاى 24، فقره‌ى 1.
  • [108] . پيشين، دعاى 42، فقره‌ى 21.
  • [109] . الصحيفة السجادية، دعاى 47، فقره‌ى 21.
  • [110] . پيشين، دعاى 27، فقره‌ى 18.
  • [111] . پيشين، دعاى 24، فقره‌ى 4.
  • [112] . پيشين، دعاى 24، فقره‌ى 4.
  • [113] . پيشين، دعاى 27، فقره‌ى 18.
  • [114] . پيشين، دعاى 27، فقره‌ى 18.
  • [115] . پيشين، دعاى 30، فقره‌ى 31.
  • [116] . پيشين، دعاى 31، فقره‌ى 30.
  • [117] . پيشين، دعاى 31، فقره‌ى 30.
  • [118] . پيشين، دعاى 31، فقره‌ى 30.
  • [119] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 34.
  • [120] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 34.
  • [121] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 34.
  • [122] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 34.
  • [123] . پيشين، دعاى 13، فقره‌ى 24.
  • [124] . پيشين، دعاى 13، فقره‌ى 24.
  • [125] . پيشين، دعاى 13، فقره‌ى 24.
  • [126] . پيشين، دعاى 13، فقره‌ى 24.
  • [127] . پيشين، دعاى 27، فقره‌ى 18.
  • [128] . پيشين، دعاى 27، فقره‌ى 18.
  • [129] . صحيفه، دعاى 47، فقره‌ى 58.
  • [130] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 58.
  • [131] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 58.
  • [132] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 34.
  • [133] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 35.
  • [134] . پيشين، دعاى 32، فقره‌ى 35.
  • [135] . پيشين، دعاى 42، فقره‌ى 17.
  • [136] . پيشين، دعاى 44، فقره‌ى 19.
  • [137] . پيشين، دعاى 44، فقره‌ى 19.
  • [138] . پيشين، دعاى 44، فقره‌ى 19.
  • [139] . پيشين، دعاى 44، فقره‌ى 19.
  • [140] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 56.
  • [141] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 54.
  • [142] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 56.
  • [143] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 56.
  • [144] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 56.
  • [145] . پيشين، دعاى 45، فقره‌ى 56.
  • [146] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 51.
  • [147] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 55.
  • [148] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 52.
  • [149] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 53.
  • [150] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 52.
  • [151] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 52.
  • [152] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 53.
  • [153] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 53.
  • [154] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 53.
  • [155] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 54.
  • [156] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 54.
  • [157] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 54.
  • [158] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 55.
  • [159] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 55.
  • [160] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 55.
  • [161] . صحيفه، دعاى 47، فقره‌ى 55.
  • [162] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 56.
  • [163] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 57.
  • [164] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 57.
  • [165] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 57.
  • [166] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [167] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [168] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [169] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [170] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [171] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 59.
  • [172] . پيشين، دعاى 48، فقره‌ى 3.
  • [173] . پيشين، دعاى 48، فقره‌ى 11.
  • [174] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 13.
  • [175] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 14.
  • [176] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 14.
  • [177] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 14.
  • [178] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 14.
  • [179] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 14.
  • [180] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 15.
  • [181] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 15.
  • [182] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 15 و 16.
  • [183] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 16.
  • [184] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 16.
  • [185] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 16.
  • [186] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 17.
  • [187] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 18.
  • [188] . پيشين، دعاى چهارم، فقره‌ى 18.
  • [189] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 18.
  • [190] . پيشين، دعاى 4، فقره‌ى 19.
  • [191] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [192] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [193] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [194] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [195] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [196] . پيشين، دعاى 47، فقره‌ى 64.
  • [197] . پيشين، دعاى 3، فقره‌ى24.
  • [198] . پيشين، دعاى3، فقره‌ى25.
  • [199] . پيشين، دعاى3، فقره‌ى 26.
  • [200] . پيشين، دعاى 3، فقره‌ى 26.
  • [201] . پيشين، دعاى 3، فقره‌ى 26.
  • [202] . اصول الكافى، ج 2، ص 45.
  • [203] . نساء / 136.
  • [205] . استدلال كردن براى علّت از طريق معلول را طريق انى گويند، در مقابل برهان لِمّى كهاستدلال كردن براى معلول از طريق علّت است.
  • [206] . محمد بن الحسن الحر العاملى، وسائل الشيعة، ج 8، بيروت، دار احياء التراث العربى، ص509.
  • [207] . تحف‌العقول، ص45.
  • [208] . تحف العقول، ص279.
  • [209] . تحف‌العقول، ص 295.
  • [210] . اصول الكافى، ج 2، ص 125.
  • [211] . اصول الكافى، ج 2، باب الحب فى اللّه…، ح 6، ص 125.
  • [212] . بحارالا، ج 94، ص 93.
  • [213] . ميرزا حسين نورى، جنة‌المأوى، ص 281.
  • [214] . بحار الا، خ 10، ص 92.
  • [215] . تحف‌العقول، ص 295.
  • [216] . بحارالا، ج 26، ص 1.
  • [217] . تحف‌العقول، ص151.
  • [218] . اصول الكافى، ج 2، باب فضل الايمان…، ص 55، ح 6.
  • [220] . تحف‌العقول، ص 286.
  • [221] . تحف‌العقول، ص 278.
  • [222] . پيشين، ص 69.
  • [223] . همان، ص 83.
  • [224] . اصول الكافى، ج 2، باب النية، ح 1، ص 84.
  • [225] . پيشين، ح 2.
  • [226] . تحف‌العقول، ص 279.
  • [227] . مقاتل بن عطية، المناظرات بين فقهاء السنة و فقهاء الشيعة، بيروت، الغدير، چاپ اول،1419ق، ص51 ور.ك:ارشاد القلوب، ص245، مستدرك الحكام، ج3، ص32.
  • [228] . انعام / 162.
  • [229] . نهج‌البلاغه، ج 1، ص 15، خطبه‌ى اول.
  • [230] . اصول الكافى، ج 2، باب الاخلاص، ص 16.
  • [231] . بحار الا، ج 73، ص 294.
  • [232] . اصول الكافى، ج 2، باب النيّة، ح 4، ص 83.
  • [233] . بحارالا، ج 1، ص 208، ح 10.
  • [234] . اصول الكافى، ج 2، باب العبادة، ح 5، ص 84.
  • [235] . بحارالا، ج 70، ص 186.
  • [236] . شيخ صدوق، امالى، ص 477.
  • [238] . عنكبوت/45.
  • [239] . بحارالا، ج 89، ص 184، ح 19.
  • [240] . نهج‌البلاغه، ج 4، ص 35.
  • [241] . ملامحسن فيض كاشانى، المحجة البيضاء، ج 1، ص 350.
  • [242] . پيشين، ص 351.
  • [244] . پيشين، ج 1، ص 249.
  • [245] . اصول الكافى، ج 2، ص 352.
  • [246] . محمد بن الحسن الحر العاملى، الجواهر السنية، ص361.
  • [248] . بحارالا، ج 102، ص 132.
  • [249] . العبودية جوهرة كنهها الربوبيه؛ مصباح الشريعة، باب المأة.
  • [250] . مفاتيح‌الجنان، زيارت مطلقه‌ى اميرالمؤمنين  7، ص 707.
  • [251] . بحارالا، ج95، ص 393.
  • [252] . ديوان حافظ، ص 181، غزل 266.
  • [254] . بحارالا، ج 2، ص 32.
  • [255] . تحف‌العقول، ص 286.
  • [256] . بحارالا، ج 75، ص 352.
  • [257] . بحارالا، ج 98، ص 226.
  • [258] . بحارالا، ج 70، ص69.
  • [259] . غررالحكم، ص 538،وعيون الحكم والمواعظ، ص 25.
  • [260] . مجموعه‌ى ورام، ج 1، ص 52، الذهبى، سيراعلام النبلاء، بيروت، مؤسسه‌ى الرسالة،چاپ نهم، 1413ق، ج7، ص63.
  • [261] . بحارالا، ج 75، ص 91.
  • [262] . بحارالا، ج 67، ص 23.
  • [263] . بحارالا، ج 70، ص 23.
  • [264] . پيشين، ح 66، ص 251.
  • [265] . انفال / 2 ـ 4.
  • [266] . بحارالا، ج 68، ص 153.
  • [267] . پيشين، ج 67، ص 138.
  • [268] . بحارالا، ج 67، ص 159.
  • [269] . تحف العقول، ص 39.
  • [270] . پيشين، ص 408.
  • [271] . پيشين، ص 483.
  • [272] . پيشين، ص 377.
  • [273] . پيشين، ص 278.
  • [274] . بحارالا، ج 67، ص 143.
  • [275] . تحف‌العقول، ص287.
  • [276] . تحف‌العقول، ص 175.
  • [277] . تحف‌العقول، ص 35.
  • [279] . نساء / 132.
  • [280] . آل‌عمران / 173.
  • [286] . بحارالا، ج 2، ص 32.
  • [287] . ملك / 3 ـ4.
  • [290] . بنى‌اسرائيل / 34.
  • [292] . خداوند، چون مورد پرسش و درخواست قرار نگيرد، خشم مى‌گيرد و فرزندان آدم، چونپرسيده شوند، غضب مى‌كنند. فصوص الحكم، فص شيثى، ص 418.
  • [293] . تحف‌العقول، ص293.
  • [294] . سؤال عبد از حق، اگرچه مربوط به شرح اين فراز از دعا نيست، ولى چون در تقسيم از آنياد شد، ناگزير به اختصار دنبال گرديده است.
  • [298] . اسراء / 11.
  • [300] . بحارالا، ج 68، ص 221.
  • [301] . الرحمن / 29.
  • [302] . ذاريات / 56.
  • [303] . تفسير نورالثقلين، ج 4، ص 556.
  • [304] . مؤمنون / 117.
  • [305] . تحف‌العقول، ص 274.
  • [306] . محمد بن بابويه (شيخ صدوق)، الخصال، ص 165.
  • [307] . احزاب / 32.
  • [308] . بنى‌اسرائيل / 79.
  • [309] . آل‌عمران / 169.
  • [310] . عيون الحكم و المواعظ، ص 487.
  • [311] . آن‌گاه نزديك آمد، پس نزديك‌تر شد؛ به قدر دو كمان يا نزديك تر از آن. پس خدا به وىفرمود آن‌چه را كه وحى نمود. نجم / 8 ـ 10.
  • [312] . بنى‌اسرائيل / 30.
  • [315] . گلشن راز، شيخ محمود شبسترى.
  • [316] . انفال / 28.
  • [317] . بحارالا، ج 69، ص 49.
  • [318] . در آفريده‌هاى خداوند، هيچ اختلافى نمى‌بينى. ملك / 3.
  • [319] . منافقون / 63.
  • [320] . دعاى جوشن كبير.
  • [321] . تحف‌العقول، ص 292.
  • [322] . پيشين، ص 397.
  • [323] . پيشين، ص 397.
  • [324] . پيشين، ص 369.
  • [325] . نازعات / 24.
  • [326] . نهج البلاغة، ج 4، ص 13.
  • [327] . تحف العقول، ص 285.
  • [328] . الصحيفه سجادية، ص 71.
  • [329] . بحارالا، ج 71، ص 410.
  • [330] . بقره / 264.
  • [331] . الصحيفة السجادية، ص 214.
  • [332] . آل‌عمران / 26.
  • [333] . تحف‌العقول، ص 215.
  • [335] . احزاب / 21.
  • [336] . بحارالا، ج 16، ص 210.
  • [337] . تحف‌العقول، ص 279.
  • [338] . حجرات / 12.
  • [339] . بحارالا، ح 25، ص 204.
  • [340] . فروع الكافى، ج 5، ص 542، حديث 7.
  • [341] . بحارالا، ج 78، ص 342.
  • [342] . بحارالا، ج 78، ص 173.
  • [343] . بحارالا، ج 27، ص 95.
  • [344] . امروز، دين را به كمال رساندم و نعمتم را بر شما تمام نمودم. مائده / 3.
  • [345] . بحارالا، ج 78، ص 173.
  • [346] . بحارالا، ج 96، ص 155.
  • [347] . تحف‌العقول، ص 396.
  • [348] . تحف‌العقول، ص 294.
  • [349] . «و رجل تصدق بصدقة أخفاها لاتعلم شماله ماتنفق يمينه.» الشريف الرضى، قم، المكتبةالبصيرتى، المجازات النبوية، ص413.
  • [350] . عبدالرحمن بن ابى‌بكر السيوطى، جامع الصغير، ج 1، بيروت، دارالفكر، چاپ اول،1401ق، ص 13.
  • [351] . هركه را خواهى، عزت بخشى و هركه را كه خواهى، خوار گردانى. آل عمران / 26.
  • [352] . انسان / 3.
  • [354] . آل‌عمران / 144.
  • [358] . تحف‌العقول، ص 115.
  • [359] . ميزان الحكمة، ج 6، ص 2557.
  • [360] . غررالحكم، ح 1750.
  • [361] . پيشين، ج 3، ص 1906.
  • [362] . بحارالا، ج 69، ص 59.
  • [363] . نهج‌البلاغه، ج4، ص101، كلمه‌ى 433.
  • [364] . بحارالا، ج72، ص90.
  • [365] . بحارالا، ج 41، ص 14.
  • [366] . ابوالحسن المرندى، مجمع‌النورين و ملتقى‌البحرين، ص 236.
  • [367] . «پيامبر اسلام  9پزشكى بود كه در جست‌وجوى بيماران مى‌رفت». نهج‌البلاغه، ج 1،ص 207، خ 108.
  • [368] . «پيامبر  9 با كافران شديد و بر شما مؤمنان نرم خوست». حشر / 8.
  • [370] . بخشايش‌گرى‌اش بر خشمش پيشى گرفته است. بحارالا، ج 87، ص 158.
  • [371] . نهج البلاغة، ج 4، ص 94.
  • [372] . «فغضب قابيل: فقال لهابيل: والله لأقتلنك، فقال هابيل: لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنابباسط يدى لأقتلك. إنى أخاف اللّه رب العالمين». بحارالا، ج 11، ص 23.
  • [373] . بقره / 190.
  • [374] . بقره / 194.
  • [375] . بحارالا، ج 1، ص 226.
  • [376] . تحف‌العقول، ص 293.
  • [377] . تحف‌العقول، ص 179.
  • [378] . تحف‌العقول، ص 74.
  • [379] . تحف‌العقول، ص 284.
  • [380] . بحارالا، ج 42، ص 206.
  • [381] . تغابن / 14.
  • [382] . تحف‌العقول، ص 81.
  • [383] . انفال / 60.
  • [384] . بحارالا، ج 89، ص 172، كنزالعمال، ج 3، ص 499.
  • [385] . تحف‌العقول، ص 216.
  • [387] . تحف‌العقول،ص206.
  • [388] . بحارالا، ج 75، ص 159.
  • [391] . تحف‌العقول، ص 387.
  • [396] . تحف‌العقول،ص26.
  • [397] . تحف‌العقول، ص 420.
  • [398] . از خداوند اطاعت نماييد و از رسول او و هم‌چنين از صاحبان امر خود پيروى كنيد. نساء /59.
  • [399] . تحف‌العقول، ص 482.
  • [400] . عيون الحكم و المواعظ، قم، دارالحديث، اول، 1376، ص 237.
  • [401] . الرحمن/60.
  • [403] . بحارالا، ج 71، ص 117.
  • [404] . بحارالا، ج 75، ص 91.
  • [405] . تحف‌العقول، ص 42.
  • [406] . عيون‌الحكم والمواعظ، ص 238.
  • [407] . عيون الحكم و المواعظ، ص 295.
  • [408] . تحف‌العقول، ص 303.
  • [409] . پيشين، ص 268.
  • [410] . پيشين، ص 269.
  • [411] . پيشين، ص 269.
  • [412] . پيشين، ص 81.
  • [413] . الكافى، ج 8، ص 20. غررالحكم، باب 27، ص 226.
  • [414] . بحارالا، ج 74، ص 232.
  • [415] . عيون‌الحكم والمواعظ، ص 489. غررالحكم، باب 9، ص 226.
  • [417] . بحارالا، ج 11، ص 29.
  • [418] . تحف‌العقول، ص 298.
  • [419] . حجرات / 12.
  • [420] . تحف‌العقول، ص 245.
  • [421] . تحف‌العقول، ص 379.
  • [422] . پيشين، ص 233.
  • [423] . وسائل الشيعة، ج 11، ص 540.
  • [424] . بحارالا،ج78،ص358.
  • [425] . بحارالا، ج 72، ص 331.
  • [426] . تحف‌العقول، ص 390.
  • [427] . امروز، دين را به كمال رساندم و نعمتم را بر شما تمام نمودم. مائده / 3.
  • [428] . «همانا اجراى امور و احكام به دست عالمان اهل معرفت است كه امين بر حلال و حراموى هستند.» تحف‌العقول، ص 238.
  • [429] . آل‌عمران /133 ـ 134.
  • [430] . آل عمران/134.
  • [431] . اصول الكافى، ج 2، باب كظم‌الغيظ، ح 5.
  • [432] . تحف‌العقول، ص 317.
  • [433] . اصول الكافى، ج 2، باب كظم‌الغيظ، ح 9.
  • [434] . پيشين، ص 109.
  • [435] . پيشين، ج 2، ص 110.
  • [436] . آل‌عمران / 103.
  • [437] . نهج‌البلاغه، ج 4، ص 20، حكمت 86.
  • [438] . انفال / 1.
  • [439] . حجرات / 10.
  • [441] . بحارالا، ج 58، ص 148. الكافى، ج 2، ص 166.
  • [442] . نهج‌البلاغه، ج 4، ص 79، حكمت 333ـ فراز آخر.
  • [443] . مفاتيح الجنان، دعاى حضرت حجت   7، ص 214.
  • [445] . انفال / 46.
  • [446] . المنجد، باب‌الراء، ص 285.
  • [447] . تحف‌العقول، ص 153.
  • [449] . واقعه/7ـ12.
  • [450] . لسان العرب، ج 7، ص 44.
  • [451] . مؤمنون/24.
  • [452] . تحف‌العقول، ص 366.
  • [453] . تحف‌العقول، ص 295.
  • [454] . پيشين، ص300.
  • [455] . پيشين، ص 409.
  • [456] . نساء / 142.
  • [457] . تحف‌العقول، ص 220.
  • [458] . وسائل‌الشيعه، ج 11، ص 320.
  • [459] . شرح نهج‌البلاغه، ابن ابى الحديد، ج 2، ص 180.
  • [460] . بحارالا، ج 70، ص 294.
  • [461] . بحارالا، ج 13، ص 428.
  • [462] . تحف‌العقول، ص 86.
  • [463] . بحارالا، ج1، ص 203.
  • [464] . تحف‌العقول، ص 254.
  • [465] . ميرزا حسين نورى طبرسى، مستدرك‌الوسائل، ج 13، قم، آل البيت (ع)، چاپ دوم،1408ق، ص 148.
  • [467] . تحف العقول، ص 151.
  • [468] . اصول كافى، ج 2، ص 472، ح 1.
  • [469] . پيشين، ح 4.
  • [470] . پيشين، ح 2.
  • [471] . پيشين، ح 6.
  • [472] . پيشين، ح 5.
  • [473] . تحف‌العقول، ص 279.
  • [474] . تحف‌العقول، ص 300.
  • [475] . اعراف / 205.
  • [476] . اصول‌الكافى، ج 2، كتاب الدعاء، باب الرغبة و الرهبة و التضرع و التبتل و الابتهال، ص479.
  • [477] . مؤمنون / 76.
  • [478] . تحف‌العقول، ص 489.
  • [479] . پيشين، ص 217.
  • [480] . پيشين، ص 173.
  • [481] . تحف‌العقول، ص 233.
  • [482] . تحف‌العقول، ص 293.
  • [483] . اى كه در همه‌ى نيازهايم به تو اميدوارم ـ تنگدستى خود را به تو شكايت مى‌آورم.
  • [484] . و شكايتم را شنيده گير. اى مايه‌ى اميدواريم، تو غبار اندوهم را مى‌زدايى. پس همه‌ىگناهانم را ببخش و نيازهايم را برآور.
  • [485] . توشه‌ى من اندك است و براى رساندم بسنده نيست. آيا براى كمىِتوشه بگريم يا براىدورى و بلندى راه.
  • [486] . با كرده‌ى زشت و فرومايه به‌سوى تو آمده‌ام و در ميان آفريده‌ها، جنايت‌كارى چون مننيست.
  • [487] . اى همه آرزويم، آيا مرا به آتش دوزخت عقاب مى‌نمايى، پس اميدوارى و ترسم از تو چهمى‌شود؟ بحارالا، ج 96، ص 198.
  • [488] . آن‌گاه نزديك آمد، پس نزديك‌تر شد؛ به قدر دو كمان يا نزديك تر از آن. پس خدا به وىفرمود آن‌چه را كه وحى نمود. نجم / 8 ـ 10.
  • [489] . در حقيقت،بسيارى از جنيان و آدميان را براى دوزخ آفريده‌ايم. (چراكه) دل‌هايى دارند كه باآن (حقايق را) دريافت نمى‌كنند، و چشمانى دارند كه با آن نمى‌بينند، و گوش‌هايى دارند كهبا آن نمى‌شنوند. آنان مانند چهارپايان، بلكه گمراه‌ترند. آن‌ها همان غافلانند.» اعراف / 179.
  • [490] . وسائل الشيعة، ج 11، ص 164.
  • [491] . مستدرك سفينة‌البحار، ج 10، نشر اسلامى، ص 154.
  • [492] . اعراف/179.
  • [493] . تحف العقول، ص 156.
  • [494] . آل عمران/102.
  • [495] . تغابن / 16.
  • [496] . بحارالا، ج 94، ص 151.
  • [497] . بحارالا، ج 25، ص 205.
  • [498] . الصحيفة السجادية، دعاى 47، فقره‌ى 82 تا 85.
  • [499] . اصول الكافى، ج 2، ص 438، باب‌الاستغفار، ح 5.
  • [500] . بحارالا، ج 82، ص 243.
  • [501] . بحارالا، ج 45، ص 138.
  • [502] . «خدايا، بنده‌ى گناه كارت به درگاهت آمده است؛ در حالى كه به گناهان خود اقرار دارد و تورا مى‌خواند. اگر ببخشى، شايسته‌ى آنى، و اگر بازگردانى، پس چه كسى غير از تو مهربانى ورحم مى‌آورد.» الشواهد، ص 54.
  • [503] . بندگى گوهرى است كه كنه آن، خدايى است؛ پس آن‌چه از چهره‌ى يلى‌الخلقى گذاشتهشود، در چهره‌ى يلى‌الحقى يافت مى‌شود و آن‌چه از ربوبيت و خدايى مخفى شود، دربندگى ديده مى‌شود. ميزان‌الحكمة، ج 3، ص 1798.
  • [504] . الصحيفة السجادية، ص 262،(دعاى عرفه).
  • [505] . وسائل‌الشيعة، ج 7، ص 226.
  • [506] . بحارالا، ج 89، ص 207.
  • [508] . تحف‌العقول، ص 319.
  • [509] . حجرات / 12.
  • [510] . تحف‌العقول، ص 129.
  • [511] . صحيفه، دعاى 22، فراز 13.
  • [512] . الصحيفة السجادية، ص 122.
  • [513] . تحف‌العقول، ص 89.
  • [514] . پيشين، ص 89.
  • [515] . پيشين، ص 79.
  • [516] . پيشين، ص 6.
  • [517] . عوالى‌اللئالى، ج 2، ص 57.
  • [518] . مجمع البحرين طريحى، ماده‌ى فكر.
  • [519] . اصول الكافى، ج 2، باب التفكر، ح 4.
  • [520] . تحف‌العقول، ص 96.
  • [521] . اصول الكافى، ج 1،ص 93، باب النهى عن الكلام فى الكيفية، ح 7.
  • [522] . اصول الكافى، ج 2، ص 55، باب التفكر، ح 3.
  • [523] . اخلاص / 1.
  • [525] . دعاى خمسة عشر، مناجات دوازدهم.
  • [526] . نهج‌البلاغه، ج 2، ص 211، خطبه‌ى 213، ص 706.
  • [527] . اصول الكافى، ج 2،ص 68، باب خوف و رجاء، ح 4.
  • [528] -اصول الكافى، ج 1، ص 18.
  • [530] . آل عمران / 191.
  • [531] . انعام / 65.
  • [532] . تحف‌العقول، ص 394.
  • [533] . پيشين، ص 394.
  • [534] . پيشين، ص296.
  • [535] . پيشين، ص26.
  • [536] . لقمان / 14.
  • [537] . اصول الكافى، ج 2، باب الشكر، ح 14.
  • [538] . همان، ح 10.
  • [539] . اصول الكافى، ج 2، ص 94، باب الشكر، ح 18.
  • [540] . نهج‌البلاغه، ج 2، ص 167، خطبه‌ى 195.
  • [541] . مفاتيح الجنان، ص 978.
  • [542] . اصول الكافى، ج 2، باب التحميد و التمجيد، ح 7.
  • [543] . پيشين، ص 504.
  • [544] . پيشين، باب ما يمجد به الرب تبارك و تعالى نفسه، ح 2.
  • [545] . اى نزديك‌تر به من از رگ گردنم، اى نزديك‌ترين به من، اى بسيار كنش‌گر به آن‌چهمى‌خواهى،اى واسطه‌ى بين دو نفر، اى در نظرگاه برتر، اى كه مانندت نيست. پيشين، بابالثناء قبل الدعا، ح 2.
  • [546] . ابراهيم / 7.
  • [547] . انسان / 3.
  • [548] . الصحيفة السجادية، دعاى 45، فراز 17.
  • [549] . ابراهيم / 7.
  • [550] . لقمان / 31.
  • [551] . مائده / 45.
  • [553] . تحف‌العقول، ص 203.
  • [556] . تحف‌العقول، ص 410.
  • [557] . پيشين، ص 8.
  • [558] . بحارالا، ج 2، ص 32.
  • [559] . الاسفار الاربعة، ج 8، ص 355.
  • [560] . بحارالا، ج 75، ص 355.
  • [561] . عيون‌الحكم و المواعظ، ص 497.
  • [562] . عوالى اللئالى، ج 4، ص 132.
  • [563] . علق / 6 ـ 7.
  • [564] . تفسير نورالثقلين، ج 4، ص 556.
  • [565] . ابن ابى الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 13، قم، دار احياءالكتب العربية، چاپ دوم،  1387ق، ص 51.
  • [566] . عوالى اللئالى، ج 4، ص 132.
  • [568] . بحارالا، ج92، ص 198، الجامع الصغير، ج 2، ص 83،كنزالعمال، ج 1، ص 573.
  • [569] . الكافى، ج 2، ص 551.
  • [570] . شرح اصول الكافى، ج 1، ص 214.
  • [571] . آقا بزرگ الطهرانى، الذريعة، ج 23، ص 150.
  • [573] . احزاب / 72.
  • [575] . تحف‌العقول، ص 145.
  • [576] . مستدرك الوسائل، ج 13، ص 159.
  • [577] . نجم / 3 ـ 4.
  • [578] . پرواى الهى پيشه كنيد؛ خداوند به شما علم مى‌آموزد. بقره / 282.
  • [579] . سوگند به نفس و آن كس كه آن را درست كرد؛ سپس پليد كارى و پرهيزگارى‌اش را به آنالهام كرد. شمس / 7 ـ 8.
  • [580] . اى نفس اطمينان يافته (و به وصول رسيده).
  • [581] . آن‌گاه نزديك آمد، پس نزديك‌تر شد؛ به قدر دو كمان يا نزديك تر از آن. پس خدا به وىفرمود آن‌چه را كه وحى نمود. نجم / 8 ـ 10.
  • [582] . «بر يقينم افزوده نمى‌گردد».
  • [584] . بحار الا، ج 43، ص 214.
  • [585] . نساء / 136.
  • [586] . و آن (پل صراط)، باريك تر از مو و تيزتر از شمشير است. على بن ابراهيم، ج 1، قم،دارالكتاب، چاپ سوم، 1404ق، ص 29.
  • [587] . ابوالفتح، محمد بن على الكراجكى، معدن الجواهر و رياضة الخواطر، قم، مهر استوار،چاپ دوم، 1394ق، ص31.
  • [588] . الكافى، باب تواضع، ج 2، ص 122.
  • [589] . تحف‌العقول، ص 60.
  • [590] . پيشين، ص 85.
  • [591] . تحف‌العقول، ص 77.
  • [592] . تحف‌العقول، ص 403.
  • [593] . عيون الحكم و المواعظ، ص 335.
  • [594] . الكافى، ج 4، ص 52.
  • [595] . تحت العقول، ص 446.
  • [596] . پيشين، ص 46.
  • [597] . تحف‌العقول، ص 292.
  • [599] . عنكبوت / 9.
  • [600] . خدا، خود سرپرست اوست، و جبرييل و مؤمنان صالح نيز ياور اويند و گذشته از اين،فرشتگان هم پشتيبان او خواهند بود. تحريم / 4.
  • [601] . و كسانى كه از خدا و پيامبر اطاعت كنند، در زمره‌ى كسانى هستند كه خدا ايشان را گرامىداشته و با پيامبران و شهيدان و شايستگان هم‌راهند و آنان چه نيكو دوستانند.» نساء / 68.
  • [602] . و در زبور پس از تورات نوشتيم كه زمين را بندگان شايسته‌ى ما به ارث مى‌برند.انبياء/105.
  • [603] . بى ترديد ولى و سرور من آن خدايى است كه قرآن را فرو فرستاده، و هم دوستدارشايستگان است. اعراف / 196.
  • [604] . «پروردگارا، به من دانش عطا كن و مرا به صالحان ملحق فرماى. شعراء / 83.
  • [605] . و مرا به رحمت خويش در ميان بندگان شايسته‌ات داخل كن. نمل / 19.
  • [606] . و بدين‌گونه ملكوت آسمان‌ها و زمين را به ابراهيم نمايانديم.» انعام / 75.
  • [607] . «موسى به ديدارما آمد و خدايش با او سخن گفت موسى گفت: پرودگارا خود را نمايان تابر تو بنگرم.» اعراف / 143.
  • [608] . آن‌گاه نزديك آمد، پس نزديك‌تر شد؛ به قدر دو كمان يا نزديك تر از آن. پس خدا به وىفرمود آن‌چه را كه وحى نمود. نجم / 8 ـ 10.
  • [609] . «و ما تو را جز بشارت گر و هشدار دهنده براى تمام مردمان نفرستاديم.» سبأ / 28.
  • [610] . خدايت در كمين توست. فجر/14.
  • [611] . «به‌درستى كه جهنم كمين‌گاه است.» نبأ / 21.
  • [612] . اصول الكافى، ج 1، ص 141، باب جوامع التوحيد، ح 6.
  • [613] . پيشين، ص 138، ح 4.
  • [614] . الكافى، ج1،ص 145.
  • [615] . «من به سوى پروردگارم رهسپارم؛ زودا كه مرا راه‌نمايد.» صافات / 99.
  • [616] . «تنها تو را مى‌پرستم و تنها از تو يارى مى‌جويم، ما را به راه راست هدايت فرما.»حمد/4ـ5.
  • [618] . خدايت در كمين توست. فجر/14.
  • [619] . بحارالا، ج 6، ص 180.
  • [620] . مفاتيح‌الجنان، مناجات خمسة‌عشر.
  • [621] . «راه‌هاى رسيدن به خداوند، به شماره‌ى جان‌هاى آفريدگان است.» بحارالا، ج 67، ص137.
  • [622] . تحف‌العقول، ص 374.
  • [623] . تحف‌العقول، ص 377.
  • [624] . «خداوند نور آسمان‌ها و زمين است.» نور / 35.
  • [625] . امالى طوسى، ح 708. مناقب ابن شهر آشوب، ج 2، ص 23.
  • [626] . بحارالا، ج 16، ص 80.
  • [627] . مستدرك سفينة‌البحار، ج 2، ص 271.
  • [629] . خير الكلام فى وقايع الايام.
  • [630] . بحارالا، ج 46، ص 108 ـ 109.
  • [631] . كامل‌الزيارات، ص 175.
  • [632] . تحف‌العقول، ص369.
  • [633] . تحف‌العقول، ص 364.
  • [634] . نهج‌البلاغه، ج 2، ص 167، خطبه‌ى 195.
  • [636] . مبارك بن الجزرى (ابن اثير)، النهاية، ج 4، قم، اسماعيليان، چهارم، 1364ش، ص 342.
  • [638] . بحارالا، ج 1، 79.
  • [639] . بحارالا، ج 83، ص70.
  • [640] . تفسير نورالثقلين، ج 4، ص 556.
  • [641] . بحارالا، ج 21، ص 279.
  • [642] . بحارالا، ج 83، ص 198.
  • [643] . بحارالا، ج 17، ص 418.
  • [644] . «اى مردمان، شما به خدا نيازمنديد، و خداست كه بى‌نياز و ستوده است.» فاطر / 15.
  • [645] . تحف‌العقول، ص 388.
  • [646] . مفاتيح الجنان، مناجات حضرت اميرالمؤمنين، ص 728.
  • [647] . ابوسعيد ابوالخير.
  • [648] . الصحيفة السجادية، ص 110، دعاى 20، فى مكارم‌الاخلاق.
  • [649] . آل عمران/19.
  • [650] . عوالى اللئالى، ج4،ص58.
  • [651] . بحارالا، ج 1، ص 167.
  • [652] . بحارالا، ج 74، ص 238.
  • [653] . منافقون / 63.
  • [654] . بحارالا، ج 64، ص 303.
  • [655] . آل عمران / 102.
  • [656] . تحف‌العقول، ص 330.
  • [657] . تحف‌العقول، ص 38.
  • [658] . بحار الا، ج 103، ص 70.
  • [659] . مكارم‌الاخلاق، ص 150.
  • [660] . جامع السعادات، ج 2، ص 178.
  • [661] . بحار الا، ج 93، ص 373.
  • [662] . شهاب الاخبار، ص 210.
  • [663] . منافقون / 8.
  • [664] . الكافى، كتاب الايمان و الكفر، باب من أذى المسلمين و آحتقرهم، ج 8، ص 352.
  • [666] . بحارالا، ج 10، ص 394.
  • [668] . بحارالا، ج 99، ص 274.
  • [669] . الاختصاص، ص 158.
  • [670] . تحف‌العقول، ص307.
  • [672] . بحارالا، ج 75، ص 106.
  • [673] . تحف‌العقول، ص 28.
  • [674] . تحف‌العقول، ص34.
  • [675] . من لايحضره الفقيه، ص 353.
  • [676] . فروع الكافى، ج 5، ص 71.
  • [678] . بحارالا، ج 14، ص 96.
  • [679] . مائده / 103.
  • [680] . بحارالا، ج 36، ص 124.
  • [681] . اصول الكافى، ج 1،ص 24.
  • [682] . اصول الكافى، ج 1.
  • [683] . جاثيه / 24.
  • [684] . بحارالا، ج 77، ص 402.
  • [685] . تحف‌العقول، ص 202.
  • [686] . مائده / 55.
  • [687] . بقره / 165.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V