ماذا يقول الأخباريون والأصوليون؟
()
السيد آية الله
المؤلف: (1327 هـ)
العنوان: ماذا يقول الأخباريون والأصوليون؟
الناشر: طهران، منشورات صباح فردا، الطبعة الثانية: 1393 هـ ش
عدد الصفحات: 360 صفحة
الرقم الدولي المعياري للكتاب (شابك): 978-600-6435-00-ـ
ملاحظة: الطبعة الأولى صدرت في قم عن دار ظهور شفق سنة 1385 هـ ش
الموضوع: الشيعة – دفاعات وردود
تصنيف مكتبة الكونغرس: 212 BP / 1393
تصنيف ديوي العشري: 297 / 417
رقم الفهرس الوطني: 3686718
مقدمة
السلام والتحية الدائمة لروح النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وللأئمة الهدى والسرّاء المعصومين عليهم السلام، وللنفوس الطاهرة لأولياء الله وأتباعهم الصادقين، شيعة الحق وأنصار أمير المؤمنين عليه السلام، قطب عالم الإمكان، وليّ العصر والغيب، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي هو منقذ الإنسان والعالم من أسر الشيطان.
في البداية، من الضروري قبل الدخول في القضايا المثيرة للجدل بين الأخباريين والأصوليين، وهما من مشاعل التشيع والولاية، أن نهيئ أرضية قصيرة لفهم الأيادي الظاهرة والخفية للاستعمار في الخلافات العقائدية، وذلك لتمهيد معرفة أعمق بهم.
الأيادي الظاهرة والخفية
قبل الدخول في ميدان الصراع الطويل بين الأخباريين والأصوليين، يطرح سؤال: ما جدوى إعادة فتح نزاعات عمرها عدة قرون، وإحياء جراح قديمة ملتهبة؟ لماذا يُثار من جديد ثقافة الأخباريين القديمة التي في هذه الأيام في حالة تراجع، وحتى في ظل حكم شيعي يهيمن عليه العلماء الأصوليون؟ وما الداعي لإعادة طرح معتقدات الأخباريين التي كانت قديمة وفارغة المحتوى، والتي أدّت إلى انقراضها أساسًا؟ وما النتائج المرجوة من تقييمها؟
في جواب هذا السؤال الواجب التأمل، نقول: في كل زمان توجد أيادٍ خفية وغير مرئية تستغل الفرص لتحويل النقاشات العادية وحتى الضرورية إلى ذريعة لنشر الفتنة والصراع، ما يُدخل المجتمع في حالة من الاضطراب، لتتوافق مع مصالحهم الدائمة. هذه النزاعات ظهرت باستمرار في المجتمعات الإسلامية بين الرجعية والاستبداد الديني من جهة، وبين الأخباريين والأصوليين من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، تؤدي الحداثة المزيفة والتجديد غير الصحيح إلى زيادة التعقيد بحيث يجد كل طرف نفسه تحت سيطرة المستعمرين والمستغلين، مما يؤدي في النهاية إلى تعتيم الحقائق الدينية في المجتمعات الإسلامية.
ومن الضروري أن يميز العلماء الأصوليون الواعيون والمؤمنون من الأخباريين الحقيقيين بين هذه الأيادي الاستعمارية والارتجاعية وغير الملتزمة، وبين الأيدي البسيطة والجهلاء في صفوف الجماهير، ليزيلوا العوائق بوعي تام.
الأمس واليوم
يطرح سؤال: لماذا دخل الأخباريون والأصوليون، الذين كانوا خصمين لدودين، اليوم في سلام وتصالح؟ لماذا اليوم تنشر الحوزات العلمية الأصولية كتب الأخباريين السابقين وتتعامل معها كعلماء أصوليين؟ ماذا حلّ بتلك الحقد والعداوة والشتائم؟ كيف أصبح من الممكن اليوم أن تُطرح ذات القضايا دون عداوة أو إلحاد، بل يقبل بعض العلماء الأصوليين بعض الادعاءات ويرفض أخرى بهدوء؟
الجواب: أيد الاستعمار ومن يثيرون الفتنة اليوم، بسبب تغير مواقف العلماء والمفكرين، يعيدون إحياء الصراع تحت ستار قضايا أخرى وأشكال جديدة، وينشطون جدال الأفكار الدينية، ولو أُمعن النظر في تكتيكاتهم – التي سيأتي الحديث عنها لاحقًا – لتوجه العلماء والمفكرين إلى طريق التفاهم ويمنعوا إعطاء الذريعة للأعداء.
خلاصة
يتبين من ذلك أن سبب النزاع العميق بين المدرستين، الأصولية والأخبارية، ليس الاختلاف في المعتقدات والآراء، بل سببان رئيسيان: الأيدي الخفية وبساطة بعض الأفراد، خصوصًا العلماء الدينين. هذه العوامل دفعت علماء يتبعون ولاية واحدة وأصولًا دينية مشتركة إلى صراع تاريخي مخجل.
إن النقاش وتبادل الآراء المختلفة في الدين ليس مضراً بل هو أفضل سبيل للنمو والارتقاء العلمي والديني، والاختلاف في الأفكار أمر ضروري. أما الشيء المؤذي فهو الحرب والخصام التي يستغلها الاستعمار. لذلك، يجب على العلماء والمؤمنين ألا يكونوا دمى في يد الأيادي الخفية أو ضحايا التعصبات الجاهلة.
التفرقة والانشقاق في الأمة الإسلامية
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
“ستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة؛ فرقة واحدة منها على الحق، واثنتان وسبعون في النار. وكل هذه الفرق متدينة بغير الحق، ناصرة لدين الشيطان، أعداء الله ورسوله وأعداء المؤمنين، يدخلون النار بغير حساب.”
هذا الحديث يوضح أن التفرقة والاختلاف من أسباب الهلاك في الأمة، وأن الحق الوحيد هو في الفرقة المنصورة بالولاية والإمامة.
كمية حديث الفرقة
أولًا، يتبادر إلى الذهن هل يمكن إثبات وجود سبعاً وسبعين فرقة في الأمة الإسلامية، وهل قُسّمت أمة النبي ﷺ إلى سبعٍ وسبعين فرقة بالضبط لا أقل ولا أكثر؟ في حين أن تاريخ الإسلام يبين أن فِرَق أمة النبي ﷺ أكثر من سبعٍ وسبعين. فكيف يمكن تفسير الأحاديث التي تخبر بهذا الأمر من الغيب؟
للرد على هذا الإشكال يمكن تقديم جوابين واضحين ومعقولين:
الأول: العديد من الأعداد التي وردت في القرآن الكريم والروايات عن المعصومين عليهم السلام تدل على الكثرة والوفرة، دون أن يكون الرقم المذكور مقصودًا بالدقة الحسابية. هذا الاستخدام شائع في اللغة العربية.
الثاني: هذه الأعداد تحمل دقة عقلية وحسابية، ويمكن تطبيقها وفهمها فقط من قبل من يحيط بكافة جوانب الموضوع. وهذا الإحاطة ليست متاحة للجميع في كل الحالات، بل لا يستطيع إثباتها وتطبيقها إلا المعصوم.
وبالتالي يمكن تفسير حديث الفرقة بطريقتين:
- الرقم المذكور يدل على كثرة الاختلاف والانشقاق في الأمة الإسلامية.
- هذه الأعداد لها بعد كمي رياضي، وتقسم الأمة الإسلامية إلى سبعٍ وسبعين فرقة رئيسية، وتعود الفِرَق الفرعية إلى هذه الفِرَق الكبرى، حيث تُعد الفِرَق الصغيرة انشقاقات عن الفروع الكبرى.
هذا العرض المختصر يحتاج إلى دراسة وتحقيق مفصل ودقيق في مكانه، وهو موضوع ذو فائدة عظيمة ويثبت علم الغيب والإحاطة الشاملة للمعصومين عليهم السلام.
كيفية حديث الفرقة
من ظاهر الحديث يتضح أن من بين أهل الإسلام مجموعة صغيرة قليلة الأفراد هم الفائزون، في حين أن الجماعات الأخرى بأعداد كثيرة هم الضالون وأهل النار وأصحاب الشيطان. فكيف يمكن قبول أن كل أتباع الإسلام والأديان وكل البشر سوى مجموعة واحدة ضالون، بحيث يبقى الدين فقط لقلة خاصة؟ حقًا، كيف يكون هذا الفكر الذي يرى أن جماعة واحدة فقط هي أهل النجاة، والبقية ضالون وأصحاب الشيطان؟ ليس من السهل تحمل هذا القول بأن كل أهل الإسلام إلا فئة خاصة في النار ويعذبون بعذاب الله.
الرد على هذا الظن، الذي يبدو منطقيًا، ورد في العديد من الأحاديث، وسنكتفي بذكر سبعة أحاديث موثوقة مع توضيح مختصر:
حقانية الشيعة
- سلامة الطريق
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
(لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله).
إذا وجدت الطريق المستقيم، وعرّفت الحق، فلا تخف من قلة الأنصار والأتباع. إذا وصلت إلى الحق بدليل وصدق، لا تنظر إلى كثرة أو قلّة المساندين، بل اجتهد في جودة الرفاق ومعرفة المنهج الحق.
هذا الحديث الشريف يوضح أن الإنسان يجب أن يتحرى الدقة في اختيار المنهج والحق، ولكن بعد ذلك لا يهتم بكثرة الأنصار، لأن الحاكم في الفكر هو البرهان، لا كثرة الأجسام، والأهم هو صحة الطريق لا عدد الأتباع.
- غلبة القش والرماد
عن أبي عبد الله عليه السلام:
(ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: عالم ومتعلّم وغثاء. ونحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون، وسائر الناس غثاء).
الإمام الصادق عليه السلام يقسم الناس إلى علماء ومعلمين، وهم أئمة أهل البيت، والشيعة المخلصون لهم، والآخرون يعتبرهم كالقش والرماد على الماء، أي عديمي القيمة والروح.
في هذا الحديث يوضح الإمام عليه السلام أن خارج دائرة أهل البيت وأتباعهم ليس هناك إيمان حقيقي، بل جهل وقيمة معدومة، وهم كالجسد بلا روح.
تحمل وفهم هذا الحديث صعب، إذ يؤكد أن فقط أهل البيت وأتباعهم هم العارفون الحقيقيون، وإن قلّ عددهم، والباقون ضالون وإن كثُروا.
- مرآة الحق
عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
(لو جحد أمير المؤمنين عليه السلام جميع من في الأرض لعذبهم الله جميعًا وأدخلهم النار).
الإمام الصادق عليه السلام يوضح أن إنكار ولاية أمير المؤمنين عليه السلام كإنكار التوحيد والدين، وهو إنكار شامل قد يوقع الجميع في النار.
الحق هو علي عليه السلام، والحق لا يختلف عنه، ومخالفتُه تعادل الكفر والشرك والضلال مهما كان عدد المخالفين.
- لا تشك!
قال الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه، عن رسول الله ﷺ:
(يا علي أنت خير البشر لا يشكّ فيك إلا كافر).
أي الشك في علي عليه السلام يعادل الكفر، والإيمان به يعادل الإيمان بالله.
- ينبوع الطهارة
قال الصادق عليه السلام:
(كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل).
أي أن الحق الحقيقي فقط ما يصدر من بيت أهل البيت عليهم السلام، وكل ما سواه فهو باطل.
٦- حيث يرفرف الملاك المجنح
قال الصادق عليه السلام: «إن حديثنا صعب مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم فخذوه، وما أنكرت فردّوه إلينا»[8].
هذا الكلام والمباني التي تتعلق بأهل البيت عليهم السلام، معقدة وشاقة على الفهم، فلا يطيقها سوى الملاك المقرب، أو النبي المرسل، أو المؤمن الذي امتحن الله قلبه بالإيمان، فلا يقدر أحد غيرهم على الإيمان بها. فمن تعرفه قلوبكم من فضائلنا فاقبلوه، ومن أنكر فارجعوه إلينا وقل إن أهل البيت هم الذين يعرفونها ونحن لا نعرف.
عظمة هذا الحديث تظهر بوضوح، لأنه ينص على أن فهم كلام المعصوم لا يقدر عليه إلا ثلاث فئات محددة بشروط خاصة: ملاك مقرّب، نبي مرسل، ومؤمن امتحن. ولا حتى كل ملاك إلهي أو نبي معصوم أو مؤمن صادق قادر على تحمل هذا الحديث.
الإنسان حقاً يعجز عن تصور وإدراك مفهوم هذا الكلام، فضلاً عن تصديقه، لأنه في ذلك تتعب الأفكار البشرية. فما هذا الكلام الذي يصعب تحمّله بحيث لا يستطيعه سوى هذه الفئات الثلاث فقط، كل منها بشروطه الخاصة؟ ومن البديهي أن المقصود ليس الكلام العادي أو التعاليم العامة، بل الأسرار الخاصة بآل محمد عليهم السلام التي تتميز بثقلها وعظمتها الخاصة.
وهنا يجب البحث عن معيار الأمر، فلا يكون كثرة أو قلة الأفراد سبباً للاختيار، بل فقط هذه الفئات الثلاثة هي أهل الحقيقة، وسائر الناس مهما كانوا، شرقاً أو غرباً، علماء أو فلاسفة، فإنهم في حقيقة الأمر كالجاهلين، والذين ينكرون هذه الحقيقة كالحيوانات، بل أدنى من الحيوانات.
٧- الأنبياء يركعون
قال الصادق عليه السلام: «إن من حديثنا ما لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا عبد مؤمن» فقلت: فمن يحتمله؟ قال: «نحن نحتمله»[9].
إن بعض أحاديثنا كلام لا يستطيع تحمله ملاك مقرّب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن. فسألت: فمن يطيق تحمّل ذلك؟ فأجاب: نحن أهل البيت.
عظمة هذا الحديث الشريف تمنع النقاش، والأفضل للإنسان أن يصمت ولا يظهر قصر عقله، لأن الإمام عليه السلام لم يقل إن ثلاث فئات فقط يمكنها فهم كلامنا، بل قال: إن فهم كلامنا صعب جداً بحيث لا يستطيع ملاك غير مقرّب، ولا حتى الملاك المقرب، ولا نبي غير مرسل، ولا حتى النبي المرسل، ولا مؤمن عادي، ولا حتى المؤمن الممتحن أن يتحمله.
هنا يظن الراوي: هل بقي كائن يفهم كلام المعصوم؟ فسأل: فمن يستطيع فهمكم إذن؟ فأجابه الإمام بكل وضوح: «نحن فقط نتحمل ذلك».
وهذا صحيح، لأنه لو لم يستطع الملاك المقرب والنبي المرسل والمؤمن الممتحن فهم وتحمل كل كلامهم وأفكارهم، لكان مفهوم الولاية وأمور الغيب «ما كان وما يكون وما هو كائن» التي تعتمد على قدرة الله العظيم الذي صفاته فوق نهاية لا معنى لها، لا معنى لها. وبالتالي لا يمكن لأي كائن آخر أن يدرك عمق تفكيرهم.
وهذا يوافق حديث النبي الكريم صلى الله عليه وآله: «يا علي، ما عرف الله تعالى إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا»[10].
رد رمزي
بهذه الأحاديث الشريفة، وبالنظر إلى الأحاديث الأخرى التي نقلها المعصومون عليهم السلام، يتضح الجواب عن السؤال الثاني: كيف أن هناك فرقة واحدة فقط هي أهل النجاة والسعادة، وكل الفرق الأخرى ضالة وداخلون النار، وأن الإمام المعصوم وأتباعه الحقيقيين هم الحصن المنيع.
ومن هذه الأحاديث نستنتج:
١- الفرقة الناجية والصالحة هي فرقة واحدة وهي الشيعة الإثنا عشرية.
٢- كل الفرق الأخرى ضالة وباطلة، مهما كان شأنها أو تمدنها أو موقعها.
٣- كل ما يصدر عن غير أهل الولاية والإمامة والعصمة والطهارة فهو باطل وبعيد عن الحقيقة.
٤- معاداة الأئمة معاداة للحق، ونتيجتها الكفر والشرك والردة.
٥- إدراك هذه المعاني وفهم كلمات المعصومين لا يتم إلا بالإيمان الكامل والاعتراف الكامل.
٦- إدراك وجود المعصومين ليس ممكناً إلا لهم أنفسهم، إذ أن عمق حقيقة الربوبية والعبودية عندهم خاصة بهم وحدهم.
نجاة قلة ونفي مغالطة
البعض يظن أن كون أغلبية الناس مضلين وقلة قليلة ناجين ينافي حكمة الله، لكن هذا فهم خاطئ. العالم كله خير، والشر موجود كجزء من الظواهر، والحق والخير مطلقان، والشر نسبي ولا يساوي شيئاً من حيث الجودة.
عدد الضالين كبير لكنه لا يساوي شيئاً في الجوهر، وكمية الشر لا تعني قوة أو قيمة، لأن معيار الحقيقة هو الجودة والجوهر، وليس العدد.
لذلك، المؤمن الواحد يساوي كل الضالين معاً، لأنهم لا يشكلون وحدة حقيقية، بينما القلة الصالحة هي الواقع الحقيقي.
الشيعة؛ الفرقة الوحيدة الناجية
من بين فرق الإسلام السبعة والستين، فرقة واحدة فقط ناجية، وهي الشيعة الإثنا عشرية، وما عداها كل الفرق ضالة وباطلة.
في موضعه، تمَّ بحثُ ضلال جميع الفرقِ إلا الفرقة الحقَّة والراسخة وهي الشيعة الاثنا عشرية، وتمَّ إثبات ذلك بالأدلَّة الكثيرة والتحقيقات الدقيقة.
الشيعة يؤمنون بالتوحيد، والمعاد، والنبوة، والإمامة، ويعتقدون أنَّ الإيمان الكامل يبدأ بالتوحيد واتباع الأنبياء والأئمة المعصومين عليهم السلام، ويشمل النيابة الخاصة للإمام المنتظر، الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والولاية العامة التي يتولاها العلماء الربانيون والفقهاء الأعلام الذين هم حصن الدين الحقيقي وحماة القرآن المخلصين. وقد قبل الشيعة جميع هذه الأمور بإخلاص ومحبة، واجتازوا كل العقبات العقائدية والتعقيدات الفكرية بصبر كامل ودون شائبة.
في المقابل، توجد فرق ضالة كثيرة بدأت من زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى اليوم، سلكت طريق الضلال، وظهرت بمظاهر الحق في المواقف المختلفة، معارضةً الشيعة بكل الوسائل الممكنة لإحداث الفرقة بين المسلمين والمؤمنين، سعياً للسيطرة عليهم، وقد نجحوا للأسف في كثير من الأحيان.
منذ ظهور الإسلام وحتى الآن، في جميع البلاد الإسلامية ومعظم مناطق العالم، تم طرح وتقديم الإسلام بصور وفرق متعارضة، مثل: الحنبلية، الحنفية، الشافعية، المالكية وغيرها من الفرق التي تظهر على أنها إسلامية، لكن الاستعمار، بقيادة إبليس والشياطين من الجن والإنس، فرّق الإسلام وجعله مجموعات وطوائف، حتى كان ما حدث من هذه الفرقة سبباً في انحطاط المسلمين وهزائمهم، وأصبح الإسلام رغم عظمته ومكانته تحت قبضة القوى الفاسدة والظلمة الذين يدعون الإسلام، بحيث إن العالم الإسلامي اليوم، رغم وجود مليار مسلم تقريباً، قد وقع في قبضة إسرائيل، ولا سبيل له إلا بين الانحطاط أو الثورة، وهي الثورة التي لا تتحقق إلا بحكم إسلامي بقيادة أتباع أمير المؤمنين، نواب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
نرجو أن يحل ذلك اليوم الذي يعود فيه المسلمون إلى أنفسهم، ويعتمدوا على قوة الفكر والعقل واليد العاملة لإصلاح أنفسهم والعالم.
الانشقاقات الداخلية في الشيعة
الفرقة الناجية وهي الشيعة، قد تكوَّنت لديها مجموعات عديدة، بحيث أن كل طائفة فتحت طريقاً خاصاً بها، وكل واحدة توقفت في مرحلة معينة أو انحرفت، وبعضها اتجه إلى الإنحراف حين اتخذ إماماً غير معصوم. في القرون الأخيرة، تدخلت سياسات الاستعمار والاستغلال، واتخذت المذهبية أداة رئيسية لتدمير المذهب، فظهرت البابية والبهائية والكثير من الخرافات التي صارت مصدر سخرية للناس، وظهرت حركات مثل كسروي الذي جلب ديانة جديدة، وكتب عن “الشيعية”، وابتدع “قرآن ورجاوند”؛ وكل ذلك لم يكن سوى سبب للجدل والضلال والخيانات، رغم أن خرافاته أثرت في بعض البسطاء.
أيضاً، كتب برقعي مثل “التفتيش” و”العقل والدين”، وهم الذين وجدوا أنفسهم ضائعين في طريق الولاية والدين، وحاولوا بتعابير فارغة تعليم الولاية لأهلها، لكن جهلهم المركب أفرغ كلامهم من المعنى، وأدخل الخرافات مكان الولاية والعقل والدين.
عصر الحضارة والإسهال القلمي
في هذه الأيام التي يعاني فيها القلم من إسهال، نشأ فوضى فكرية، فكل شخص يظهر كممثل في مسرح العقيدة، ينسج ما يشاء من الحق والباطل، مستهدفاً أرواح الناس الطاهرة، خصوصاً الشباب. فمجموعة تهاجم عقائد الشيعة، وأخرى تهاجم رجال الدين، وأخرى تزرع الشكوك في الدين كله، في دعوى دعوتهم إلى العلم والحضارة والتقدم، مع أنهم لا يفقهون شيئاً عن العلم ولا الحضارة.
في عالمنا القاسي اليوم، الذي تغطيه المجازر والسرقات والخيانة والخداع، كل الكلام الجميل والمرتب يصب في تشويه حقيقة الدين وطريقة الأنبياء، وإضعاف روحانية الشيعة، وفي نهاية المطاف إخماد نور الولاية والتشيع.
لكن هؤلاء الغافلون لا يدركون أن الدين والولاية وطريقة الأنبياء وروحانية الشيعة لها نصير من الله تعالى في العلن والخفاء، ولن تؤثر سموم هؤلاء الجهلة إلا في خلق اضطراب مؤقت في المجتمع.
على أهل الدين، وخاصة الشيعة ورجال الدين، أن يقفوا كما فعل أسلافهم في وجه الضلالات والفرق الباطلة، ويكشفوا حقيقة كل ضال، حتى تزول كل الانحرافات والبدع. نرجو ذلك اليوم.
ظهور الإخبارية والأصولية
منذ زمن الأئمة الهدى عليهم السلام وحتى الغيبة وما بعدها، كان العلماء والفقهاء في الدين ينقسمون إلى فريقين: فريق حر الفكر يتأمل ويدرس المسائل الدينية بعقل وبصيرة، وفريق آخر يعتمد فقط على الأحاديث والروايات، ويبتعد عن التفكير الحر. الفريق الأول يسمى بالأصوليين، والثاني بالإخباريين.
رغم أنهم لم يتفقوا في النظام، وكان لديهم اختلاف في طرق الاجتهاد، فالتمييز الأساسي بين الفريقين هو أن الإخباريين يعتمدون فقط على الروايات المروية عن الأئمة، بينما الأصوليون يستعينون أيضاً بالقرآن الكريم، والقياس العقلي، وتحليل الأحكام الشرعية.
وهذا الخلاف أدى في بعض الأحيان إلى خصام شديد بين الفريقين، حيث اتهم الإخباريون الأصوليين بالخروج عن الدين، بينما رأى الأصوليون الإخباريين جامدين ومتزمتين، كالخلاف بين أخوين من نفس الوالد.
يُذكر أن الإخباريين يعودون إلى زمن الأئمة ويعتبرون أنفسهم حماة لهم، حتى أن شيخ الحر عاملي ذكر أن أئمة الإخباريين هم النبي الكريم ثم الأئمة، الذين لم يمارسوا الاجتهاد، بل اعتمدوا على الأحاديث فقط، وقد استمر أتباعهم على هذا المنهج لمدة سبع مئة سنة.
(يمكنني استكمال بقية النص وترجمته حسب طلبك.)
هوية الشيعة وحديث الثقلين
كل من له معرفة ولو بسيطة بهوية الشيعة ـ التي تمثل حقيقة الإسلام ـ يعلم أن الشيعة كانوا دائمًا من المتبعين لما جاء في حديث الثقلين:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«إني تارك فيكم الثقلين ما تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»[12].
فأني أترك بينكم أمرين عظيمين، ما تمسكتم بهما لن تضلوا ولا تهلكوا أبداً، وهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فكلاهما لا يفترقان أبداً بل يؤيد كل منهما الآخر إلى يوم القيامة، حتى نلتقي عند الحوض.
وقد رواه الشيعة وأهل السنة بلفظ ثابت ومُحكم، وسمّاه علماء الإسلام حديث الثقلين.
في هذا الحديث الشريف، يُعتبر القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) الوسيلتين الحصريتين لهداية الناس، وقد تأكد فيه أنه لا سبيل للنجاة والرشاد إلا بالتمسك بهما، وأن ما سواهما من الطرق هو ضلال وهلاك.
القرآن الكريم
القرآن الكريم هو مجموعة من الأوامر والنواهي الإلهية، والمواعظ والحكم الربانية، التي أنزلها رب العالمين لتربية الإنسان. وأهل البيت (عليهم السلام) هم المفسرون الحقيقيون لهذا الكتاب الإلهي، وهم وحدهم القادرون على القيام بهذا الواجب العظيم على أكمل وجه. ظواهر القرآن لا حجية لها بدون الفهم الصحيح، ويجب أن يُؤخذ القرآن من لسان المعصوم والروايات المنقولة عن الأئمة الهادين. والتمسك هو الطاعة الخالصة والمطلقة لآل البيت (عليهم السلام).
بظل هذه الطاعة، ينال العبد السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. وهذه هي المنهجية التي يتبعها الشيعة في الالتزام بالدين الإسلامي الحقيقي، وهي حقيقة لا تقبل الجدل.
الفرق بين الشيعة وأهل السنة
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حديث التفرقة:
«ستفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي التي تتبع وصيّ علي (عليه السلام)»[13].
فالفرقة الناجية هي الشيعة الحقيقيون الذين يتبعون علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقد تبنّى الإخباريون هذا الحديث كدليل على حقانيتهم ورفضهم للمنهج الاصولي الذي أفرزته الطائفة الأخرى، موضحين أن الاختلاف مع الطريقة الصحيحة يؤدي إلى ضلال وهلاك.
نقد المنهج الاصولي
المنهج الاصولي يقوم على استنباط الأحكام الفقهية من أربعة مصادر: الكتاب، السنة، العقل، والاجماع. والعقل والاجماع هما مصدران بشريان لا يرتبطان مباشرة بالنصوص الشرعية. فهل الله تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عاجزان عن بيان أحكام الدين؟ وهل يجوز إضافة مصادر بشرية إلى ما أنزل الله ورسوله؟
وقد وردت أحاديث تنهى عن التحريف والزيادة في الدين، منها ما رواه الإمام الصادق (عليه السلام) في مناظرة مع رجل اعتمد على عقله في الفقه، حيث نصحه الإمام بضرورة الالتزام الصارم بكلام الله ورسوله وحدهما دون إضافة.
رفض البدع والاختراع في الدين
حرص أهل البيت (عليهم السلام) على حفظ الدين من التحريف والبدع، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) رفضه دعاءً مبتدعًا قال عنه صاحبه إنه من اختراعه، فقال له: «دعني من اختراعك»[15].
كما بينت واقعة قبيلة أنطاكية أهمية حفظ النص القرآني وعدم التحريف، حين حاول بعضهم طلب تعديل لفظة في القرآن الكريم لتغيير معناها، فأنزل الله آية شديدة التحذير، وحذر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك.
خلاصة
هذه النصوص تظهر بوضوح أن هويتنا كشيعة ترتكز على التمسك بالثقلين: القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام)، وأن أي تحريف أو إضافة أو ابتكار في الدين مرفوض تمامًا.
والإخباريون يؤكدون أن المنهج الاصولي فيه تحريفات وانحرافات أدت إلى فساد الدين، مستندين إلى هذه الأحاديث والروايات، ويدعون إلى العودة إلى المنهج الصحيح المبني على التمسك المطلق بالنصوص الشرعية التي نقلها أهل البيت.
قائمة بأبرز عقائد الإخباريين
يمكن حصر أهم العقائد التي يعتنقها الإخباريون مع غيرها من المعتقدات الجذرية في النقاط التالية:
أ- طريقة الاجتهاد لدى فقهاء الشيعة باطلة، والعقل والإجماع غير مجديين.
ب- التقليد في فروع الدين باطل، والعلماء الذين يؤمنون بالتقليد منحرفون، ونيابتهم العامة غير مقبولة.
ج- التقليد من أعلم خلاف الدين هو من الكذب والبدعة.
د- تحصيل العلوم الإسلامية مضيعة للوقت وضلال، وهذه العلوم منافسة للكتاب والسنة، مع أن الدين أمر يسير ولا يحتاج إلى هذه العلوم، وأصول الفقه لا فائدة علمية فيها، وهي من صناعة العلماء الفلسفيين وليست علماً دينياً، فهم في الواقع يتبعون القياس والاستحسان والمصالح المرسلة لا الدين.
هـ- تحصيل الفلسفة والدروس العقلية محرّم، فهي من تراث فلاسفة اليونان ومنافس قوي للدين.
و- تحصيل المعيشة للعلماء واجب عين مثل غيرهم، ولذلك العمل أثناء الدراسة واجب عليهم.
ز- جميع مصارف الدين مثل الخمس، السهم المبارك للإمام، الزكاة وبيت المال محرمة على العلماء، سواء كان الاستخدام واجباً أو مستحباً.
ح- الخمس والسهم المبارك للإمام مباحان لجميع الشيعة، ودفعهما للسادة والعلماء زائد.
ط- القرآن الكريم والكتب السماوية مثلها مثل الكتب السماوية الأخرى محرّفة.
ي- التقية واجبة على الجميع وفي كل مكان، ويفضل القعود على القيام تحت لواءها، إلا في نقد علماء الشيعة، وذلك فقط ما لم يضر بالدين.
ك- شهادة بامير المؤمنين علي عليه السلام في الأذان والإقامة محرمة وبدعة.
ل- صلاة الجمعة واجبة حتى في ظل الطغاة، وتركها حرام ومخالف للحكم الصريح للقرآن الكريم.
م- علماء الأصول أهل الدنيا، وفيهم الفساد الأخلاقي والحسد والسياسة.
بعد عرض ملخص وعنوان موجز لعقائد كل من الإخباريين والأصوليين، سيتم نقد وتحليل كل نقطة بإيجاز في فصول منفصلة.
ملاحظات مهمة:
1- أي نقد أو تقييم لعقائد الإخباريين أو الأصوليين يتم بدون تحامل أو تعصب، مع إبراز الأدلة والحقائق، سواء كان ذلك موافقاً للأصوليين أو الإخباريين أو معارضاً لكليهما، لأن الدليل والبرهان والحق هي المعايير التي يجب اتباعها، لا الانحيازات الطائفية أو القوالب النمطية.
2- كما توجد اختلافات بين علماء الأصوليين وعلماء أي علم آخر، فهناك اختلافات بين علماء الإخباريين أنفسهم، فمنهم من هو متشدد جداً كأمين أسترآبادي، ومنهم من يُعد قريباً إلى الأصوليين كصاحب الحدائق، وكذلك الأمر بالنسبة للأصوليين. لكن الفارق الجوهري بين الإخباريين والأصوليين هو في أساليبهم غير المتزنة وهجوم الإخباريين غير المناسب، ويجب أن تزول هذه الأساليب من جميع الأوساط العلمية.
3- المقصود بالإخباريين هم أولئك الذين من ضعف الاستعداد ونقص النفس ينسبون أقوالاً إلى الله ورسوله ويطلقون عليها اعتقاداً، لكن العلماء الكبار الذين يشكلون أساس الدين والشيعة والذين يمتلكون كلمات معقولة وحية لا يستحقون أن يُطلق عليهم اسم الإخباريين، وكذلك الأصوليون ليسوا بالضرورة أصحاب اعتقاد كامل وصحيح، ويمكن أن يوجد بينهم تحريفات ونواقص.
الإخباريون من وجهة نظر الأصوليين:
يعتقد الأصوليون أن الإخباريين أشخاص سُذّج وبسطاء الذهن، قليلوا العلم، ضالون ومتحيّزون فكرياً، ومحدودي القدرة على الفهم مما أدى إلى انحرافهم في الكثير من الأمور. وكلمة “إخباري” هي تسمية مشابهة لكلمة “سني” التي تُطلق على من ينكرون ولاية المعصومين، وهي تسميات لا تعبر عن الواقع؛ إذ لا سنّة يعرفون السنة حق معرفتها، ولا إخباريون يدركون الخبر.
الإخباريون قادرون فقط على حفظ ونقل بعض الروايات دون فهمها، بينما العلماء الأصوليون يستندون على أدلة دقيقة وحجة قوية ويحملون التراث العلمي للروايات ويعرفون كيفية التمييز بين الروايات الصحيحة ومن فيها من الأكاذيب والاسرائيليات والافتراءات التي تسجل في كتب الأخبار خاصةً عند المعارضين.
الأصوليون هم السنة والإخباريون بشروط معينة، لا بكل ما يشتهون، فهم يقولون: نأخذ الأخبار والروايات بنظرة دقيقة ونطبقها مع شرطين: أولاً أن يكون الخبر من المعصوم، وكل كلام غير المعصوم خبر عادي لا يُنفذ، وثانياً أن يكون سند الخبر صحيحاً ومعتمداً من أهل الخبرة، وليس كل ما ورد في كتب الأخبار.
الدين والانحراف:
يبدأ الإخباريون بالظهور بدعوى الدين والتقديس يريدون – كما يقولون – إيقاظ الناس من غفلتهم وإنقاذ الدين من التحريف والزيادة والبدع، لكنهم لا يدركون مدى الضرر الذي يلحقونه بالدين وبالمسلمين بأقوالهم الفارغة وأفكارهم الواهية. وهم – سواء عن قصد أو عن غير قصد – يصبحون أدوات بيد أعداء الدين وينضمون إليهم في النهاية.
أما الأصوليون فهم أصدقاء أمير المؤمنين عليهم السلام ويظلّون ثابتين منذ بداية الغيبة الكبرى حتى اليوم، محاطين كنجوم مضيئة حول شمس العلم والفقه، لا يعيرون اهتماماً لأحاديث وخواطر لا طائل منها. وهم يتمنون هذا الإيمان الثابت لكل الناس.
والحمد لله رب العالمين
مجموعة ظالمة وجنائية، كانت عدواً لآل محمد عليهم السلام، سعت دوماً إلى تحقيق هذا الهدف الخبيث، وهو تغيير الحق من مجراه الحقيقي وإخفاؤه عن الناس. فقد بذرت بذور الظلم والجريمة في صفحات التاريخ، وخلقت العديد من البدع والانحرافات في الدين، التي حذر منها النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بشدة، كما ورد في الحديث الشريف عن البدعة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله».
أيها العلماء، حين تظهر البدع في أمتنا، تقع عليكم مسؤولية إظهار العلم الحقيقي، وكشف الحق والبدع المخالفة، وتنوير أعين وقلوب الناس بالحقيقة، وإلا فلعنة الله على من يمتنع عن ذلك.
البدعة والدفاع عن حرمة الحق
كل ما يُبتدع في الدين خلافاً لما ورد في تعاليمه، يُسمى «بدعة». والبدعة في الأمور الدنيوية قد تكون حسنة أو سيئة، ولكن في الدين دائماً ما تكون مرفوضة ومحظورة وحرام. وتشمل البدع في الدين كل شيء، بدءاً من أدنى نقطة أو حرف أو كلمة أو موضوع، وصولاً إلى الأفعال والأعمال.
وقد وصف القرآن الكريم عقاب البدعة والتحريف بأنه شديد وعنيف، كما ذُكر سابقاً. وأكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا السياق قوله: «يا معشر المسلمين، إن أفضل الهدى هدى محمد، وخير الحديث كتاب الله، وشر الأمور محدثاتها، ألا وكل بدعة ضلالة، ألا وكل ضلالة في النار».
كما يظهر من هذا النص أن البدعة في الدين لا تقبل التقسيم إلى أنواع خمس (واجب، مستحب، مكروه، حرام، جائز)، ولا يمكن القول إن البدعة أحياناً تكون حسنة أو سيئة، بل هي دائماً ضلالة ومذمومة.
فعندما جعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب صلاة التراويح جماعة في رمضان، وقال «بدعة حسنة»، فقد اعترف بذلك أنه أدخل بدعة في الدين، رغم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن صلاة التطوع جماعة. وهذا الاعتراف يدل على وقوع الإنسان في البدعة مع أنها مخالفة للدين.
وقد بين الحديث الشريف «الثقلين» أن الدين توقيفي، وأنه يجب الابتعاد عن إضافة أو حذف أي حكم من أحكام الله تعالى، وأن المرجع في استنباط أحكام الدين هو الكتاب والسنة والعترة، وليس العقل والاجماع، اللذين يرى الإخباريون عدم صلاحيتها للاعتماد وحدها.
الإخباريون يرون في قبول العقل والاجماع من قبل الأصوليين ضرراً وخطأً كبيرين، ويعتبرون ذلك يشير إلى نقص الدين، وأنهم بذلك يجعلون العلماء شركاء مع الله في إتمام الدين، وهو مرفوض شرعاً.
قبل ظهور الأصوليين، كان نقل الأحكام الدينية يتم مباشرة بواسطة رواة الأحاديث الذين كانوا حلقة الوصل بين الله والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الناس، واستمر هذا المنهج لأكثر من ثمانمئة سنة دون أي خلل أو نقصان في الدين.
أما الأصوليون فقد دخلوا على الدين مبادئ جديدة لم تكن موجودة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة عليهم السلام، ونشأ من ذلك تعارض واضح بين منهج الأخبار ومنهج الأصول.
ومن الجدير بالذكر أن علماء الإخباريين هم الذين حافظوا على نقاء الدين حتى يومنا هذا، ونقلوه بأمانة، بينما الأصوليون أدخلوا العديد من البدع والتحريفات التي أضرت بالدين.
البدعة في اللغة والمصطلح
البدع (بفتح الباء) والبدء (بهمزة) والخلق من الألفاظ المتقاربة، ولكنها تختلف في معناها:
- الخلق: هو الإيجاد بشيء كيفيته خاصة، بغض النظر عن السابق.
- البدء: هو الإنشاء والإيجاد في المرحلة الأولى.
- الإبداع: هو إيجاد شيء جديد غير مسبوق.
فالبدعة في اصطلاح الدين تعني إدخال شيء جديد في الدين من قبل غير المشرع، وتُعد تجاوزاً لحرمة الدين.
والدين هو نظام كامل من عند الله، وكل بدعة فيه هي انحراف وغيّ، وليس مسموحاً لأي أحد بإدخال ما لم يشرعه الله.
قال تعالى في شأن الرهبانية: «ورهبانية ابتدعوها»، أي أن الرهبانية بدعة لم يسبق إليها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف البدع: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
وهذا الحديث يعبر عن حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دخول البدع في الدين، التي تُعد تعدياً على حرمة الله.
البند جـ – يرى الإمام التاسع (عليه السلام) أن أفضل هداية هي نفسُه الشريف، وأفضلُ كلام هو القرآن الكريم، ولا يضع شيئًا على مستواه أو في موضعٍ مقابلهما.
البند د ـ كل أمرٍ يُوضع في مقابل الكتاب والسنة فهو شرٌ، وصاحبه ضالٌ، لأن البدعة هي زيادة غير مشروعة تتعدى على حدود الحق، والبدعي يظن أن الدين ناقصٌ ويريد بإحداث بدعةٍ أن يُكمله.
في رواية أخرى، جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: «جعلت فداك إني اخترعت دعاءً»، فوبخه الإمام بشدة وقال له: «دعني عن اختراعك»، أي أتركني من ابتكاراتك.
وبحفظ هذا التمهيد، يتم نقد ومراجعة كلام الإخباري ونقادهم بشأن البدع والاتهامات الموجهة إلى الأصوليين.
لا بد من القول الصريح إن الإخباريين أخطأوا في فهم معنى البدعة في كل من جانب الإثبات والنفي، ووقعوا في خلط بين المعنى والمفهوم والمثال، وسبّوا الأصوليين دون تحفظ، متجاوزين حدود الاحترام الإنساني.
القول بأن أساس الدين الإسلامي المقدس يقوم على الكتاب والسنة هو قول كامل غير محل نزاع بين الإخباريين والأصوليين. كما أن القول بأن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هم المفسرون الحقيقيون للقرآن صحيحٌ أيضًا، ولكن القول بعدم تشريعهم هو ادعاءٌ لا أساس له، لأن حديث الثقلين الذي يعتنقه الإخباريون يُشير إلى السنة باعتبارها “الثقل” إلى جانب القرآن.
بالرغم من أن العلماء هم المفسرون وليسوا مشرعين، فهم مثل غيرهم من الناس متشرعون.
نقطة أخرى يجب ذكرها، وهي أنه بالرغم من أن القرآن الكريم بحرٌ عميق لا يدرك غوامضه إلا المعصوم ومن خُطب إليه، إلا أن القرآن ليس صامتًا إلى درجة أنه لا يُفهَم أو لا يصلح للاستعمال العام، بل هو كتاب منزل لجميع البشر، وفهمه واستعماله ليس حكرًا على المعصومين.
الالتزام بالدين الحق لا يعني الجمود أو التعصب، ولا يعني أن يُقال سوى كلام المعصوم فقط، بل يشمل كافة الآراء والمعتقدات بما في ذلك آراء الإخباريين، ومن غير المنطقي أن يعتبر الإخباريون أن الأصوليين ضالون لأن هذا ليس كلام المعصوم، وهذا الاعتقاد ذاته بدعة.
يمكن اعتبار هذا الاعتقاد الإخباري مثالًا على حديث الفرقة، ويصنفه ضمن الفرق الضالة؛ لأن كلامه غير كلام المعصوم.
أيضًا، الاعتقاد بضلال العديد من العلماء المعروفين ومَن تبعهم من الشيعة هو عين الضلال، لأن ذلك يعني أن الدين الحق قد تعرض للبدع خلال ثمانية قرون منذ أن بيد الأصوليين، وهذا قول لا يقبله أي مسلم عاقل.
خلاصة القول إن الإخباريين لا يملكون فهمًا صحيحًا لمعنى البدعة في الدين، وقد خلطوا بين إدخال شيء باسم الدين وبين تفسير المعطيات الشرعية ومنهج استنباط الأحكام الشرعية، وهو أمر غير صحيح.
الأصولي في نظام الاجتهاد لا يضيف شيئًا إلى الدين، بل يستخرج ما في الدين من المعطيات والشريعة ويقدمه، ولا يجب الخلط بين نظام الاجتهاد وبين البدعة.
الاجتهاد الأصولي يقوم على فهم الدين الصحيح والمراد الشرعي بناءً على مقدمات مستمدة من الكتاب والسنة، وهذه العملية لا تُعتبر بدعة، لأن المجتهد لا يدخل أمورًا جديدة لم تكن موجودة في الدين سابقًا.
وصف نظام الاجتهاد بالبدعة جهل ومصدره السذاجة والبعد عن فهم المعاني الحقيقية للكلمات وحقائق العلم والدين.
الإخباريون يرون طريقة الاجتهاد الأصولي مخالفة للكتاب والسنة، لأنهم يؤمنون أن مصادر الدين هي فقط الكتاب والسنة كما في حديث الثقلين، ولا وجود لعقل أو إجماع كمصدر.
في الحقيقة، العقل والإجماع نُقلا إلى علماء الشيعة من أهل السنة مع مرور الزمن، وهذان المصدران هما أساس باطل يجعل اجتهادات الأصوليين غير موثوقة وفتاواهم مختلطة بين الدين والفكر البشري، لأنهم يستندون إلى أربعة مصادر: الكتاب، السنة، العقل، والإجماع.
النقد الرئيسي للإخباريين هو لماذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومون لم يُخبروا الناس بهذين المصدرين (العقل والإجماع)؟ وكيف اكتشفهم علماء الأصول بأنفسهم؟ وكان يجب أن يُشاور بهم النبي حين نزول القرآن وتنفيذه.
وبما أن الدين الإسلامي مقدس ومحفوظ من الخطأ، فإن إضافة العقل والإجماع كمصادر للفتوى تعد خروجًا عن دائرة الكتاب والسنة وبدعة وانحرافًا.
الفرق بين المجتهد والفقیه
الإخباريون يرفضون طريقة الاجتهاد الأصولي ويعتبرونها مخالفة لأوامر الشرع، وهم يرون أن النظام الصحيح لاستنباط مسائل الدين هو نظام «التفقه» أو طريقة الفقهاء من أئمة الشيعة.
في نظرهم، مصطلح «اجتهاد» لم يرد في كلام الأئمة، وهو مصطلح من اختراع الأصوليين، وكان تحويل «فقيه» إلى «مجتهد» وبالعكس بداية انحراف.
معنى الفقيه
الإخباريون يعتقدون أن الفقيه هو الذي يستخرج كلام وحكم الله وأئمة المعصومين بتنظيم مخصوص وضعه الأئمة، وهذا هو الطريق الصحيح الذي أمر به الله والنبي، وامتد من القدماء من الشيعة.
يجب على الفقيه أن يفهم كلام الله والأئمة فهمًا دقيقًا، ثم ينقله إلى المؤمنين بنفس الكلمات أو ما يشابهها مع حفظ المعنى بدقة.
من يكتفي بسرد الروايات يسمى «محدّث» أو «راوي» أو «اخباري»، والفقيه أعلى مرتبة في الفهم منهم.
في صدر الإسلام وبعده وحتى بعد الشيخ الصدوق والكَليني، كان العلماء يتبعون طريقة نقل الأخبار فقط ويحرصون على عدم تغيير كلمات الأئمة.
علم الأصول واللعب بالأفكار القديمة
الإخباريون يعتبرون أن أصول الفقه نشأت منذ حوالي ثلاثمئة سنة فقط، وأنها علم ضعيف لا أصل له، ظهر ببطء وبطريقة سرية بمساعدة أعداء الدين.
يرون أن علماء الأصول أضافوا كثيرًا إلى هذا العلم ونتج عنه تضخم مع مرور الوقت، وأن كثيرًا من هذه الإضافات البشرية تُحسب كدين، في حين أن المجتهد الأصولي يجمع أدلة عقلية ونقلية ولفظية وظنية وغير ذلك، ومن خلالها يصدر فتاوى قد تكون مخالفة للماضي.
بذلك، يبتكر أصولي فتاوى جديدة تخالف السابقين ويُدخل مباحث جديدة على الدين، وهو ما يسبب اختلافًا في الدين.
وبذلك يُجبَر المتبعون على قراءة كتبه وقضاء وقت طويل في فهمها.
منظور الإخباريين من علم الأصول
في نظر الإخباريين، علم الأصول يتضمن مباحث في الألفاظ، الصرف، النحو، المعاني، اللغة، وقواعد وأنظمة تركيبية هي من نتاج أفكار بالية للعلماء السابقين في هذه الحقول، وفهم أي منها يُعدُّ إضاعةً لجزء من العقل والفهم. طالب علم الأصول لا يكتفي بكتاب واحد، بل ينبغي أن يقرأ عدة كتب، وكل منها على مدى سنوات عديدة ومرات متعددة، لكي يفهم هذا العلم جيدًا، وبذلك يصبح، كما يقول الأصوليون، «فاضلًا»، إلا أن خلاصة هذا الفضل العلمي لما هذا الفاضل القوي هي؟ إن هذا الفضل في الحقيقة نسيجٌ قديم، وألفاظٌ بلا جذور، وكنزٌ لا قيمة له، مهما قُدم في أي مكان في العالم، فهو لا يُباع، بل يجلب فقط السخرية من أهل العقل والعلم، ويثير سخط وغضب الله.
المجتهد الأصولي، بعدما يتعب ويُجهد نفسه في بحر الألفاظ والمعاني في مباحث الألفاظ للأصول، يدخل في مرحلة الأصول العقلية، وهي مرحلة معركة عجيبة، حيث يُمكن رؤية إعجاز الأصول. هناك، يُصاب كل عاقل من أقوالهم بالذهول ويظل مذهولًا في متاهة من النسج المعقد والمبهم للأصوليين، الذي لا حقيقة فيه سوى الخرافات.
الفلسفة أيضًا تتصدر في النسج العقلية للأصول، بحيث تبرز في كل أقوال الأصوليين وتحافظ على دور الوسيط بينها. العالم الأصولي بمساعدة الألفاظ والعقل والفلسفة والعلوم الأخرى، يصعد أحيانًا إلى «عرش» وأحيانًا إلى «فرش» ليؤسس أصلاً، وينحت فرعًا، ويحُل تعارضًا وتناقضًا، ويأتي بجديد الكلام.
وهذا بينما لا يستطيع فهم هذه الأمور إلا من تعامل معها فترةً من الزمن وأضاع جزءًا من عمره في دراسة هذه النسج. والعجيب أن بينهم خلافات غريبة؛ بحيث إذا تناقش اثنان منهم، يسألان بعضهما: ما هو مَبْنَاكَ في الأصول؟ ثم كل واحد بناءً على مَبْنَاهُ المختار يعتبر نفسه صاحب الحق ويؤسس أصلًا عليه يفصّل فروعا.
هؤلاء يستعينون في تفسير وتبرير ما نسجوه من كلام بغرائب المصادر والتشبيهات، فغالبًا ما يقولون: «كُلَّمَا حَكَمَ به العقل، حَكَمَ به الشرع، والعكس صحيح»، أي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، وكل ما حكم به الشرع حكم به العقل. ينسبون هذا المبدأ أحيانًا إلى الشرع والحديث، وأحيانًا يقولون: «الشارع جعل العقل حاكمًا».
هم يعتبرون حتى الأمور الاعتبارية والعقلائية حججًا شرعية. من الفروع العقلائية المختلقة التي يؤيدها هؤلاء المجلس الوطني، حيث اعتبر الأصولي الشهير «الأخوند ملا كاظم الخراساني» الالتزام بقوانين المجلس واجبًا شرعيًا.
بعض من نتائج الفكر العقلي للأصوليين
- المقدمة العلمية
المقدمة العلمية واحدة من النسج العقلية للأصوليين، وهي أن المكلف يجب أن يضيف جزءًا من العمل بعد وقبل القيام به ليطمئن إلى أداء التكليف الشرعي. مثلاً، في الوضوء يجب غسل اليدين والوجه مقدارًا يزيد عن الواجب، وكذلك في الغسل، وهذا يشمل الكثير من المسائل التي انتشرت في الفقه الأصولي. معنى هذه القاعدة أن الله ورسوله أمروا بالعمل، فالمجتهد يضيف على ذلك زيادة. وهم بهذا يرومون، – معاذ الله – إكمال أوامر الله وتدارك غفلة الله ورسوله، وكذلك إثبات وجودهم بين العامة، لكن ما يزيد به كلامهم المزيف على الدين يترك مجالًا أقل لأداء التعليمات الإلهية الصحيحة.
- الصحيح والعام
في نهاية الأمر، بسبب اعتمادهم الكبير على العقل البشري والإطالة في الكلام، يقدم الأصوليون أمثلة تثبت بطلان وفساد أصولهم. ومن هذه الأمثلة «بحث الصحيح والعام» الذي رواه أحد كبار الأصوليين، حيث ذكر أن جاسوسًا أجنبيًا عمل نحو ثمانية عشر عامًا في النجف لجمع المعلومات عن العلماء والطلاب. وبعد أن أتقن فنون البحث، عاد إلى بلاده ليعرض نتائج أبحاثه العلمية والسياسية.
في اجتماع هام، لبس الجاسوس زي طالب دين، وصعد المنبر وأوضح للمدعوين أن بحثهم الرئيسي كان في «الصحيح والعام»، أي هل الألفاظ مخصصة فقط للمعاني الصحيحة، أم تشمل الصحيحة والفاسدة؟ ثم كشف عن إناء صغير مخفي تحت عباءته، وقال: هذا الإناء هو مثال على النقاش، طالما هو كامل الشكل يستخدم للغسل، هو «إناء»، لكن إذا انكسر، هناك خلاف بين العلماء الأصوليين؛ البعض يقول إن الإناء المكسور ليس إناءً، والآخرون يقولون إنه لا يزال إناءً. هذا هو موضوع بحث الصحيح والعام!
- رد الإخباريين
من الطبيعي أن الإخباريين يرفضون طريقة الاجتهاد الأصولي ويرونها مخالفة للكتاب والسنة، ومن صنع الأفكار البشرية الواهية التي تضيّع العقل والدين والعمر، لأن حسبهم في الإسلام مصدر الحُجَّة هو الكتاب والسنة فقط، ولا وجود لأي مصدر آخر كالعقل والاجماع.
رد الأصوليين على هذا الطرح هو: إما أن الإخباريين يتجاهلون الأمور العلمية عمدًا أو أنهم لا يفقهون منهج الاجتهاد العلمي ونظام استخراج الأحكام عند الفقيه.
- منهجيّة الاجتهاد
هناك نوعان من الفهم لمنهج الاجتهاد عند علماء الشيعة:
- الأول: أن المجتهد كفيل بأن يقول برأيه الحر في كل الأحكام الدينية دون الرجوع إلى المصادر، وأن يكون رأيه هو الحجة مهما خالف الكتاب أو السنة. هذا المنهج ضال، ولا أحد من مجتهدي الشيعة يعتنقه.
- الثاني: أن المجتهد يستغرق عمرًا في تعلم قوانين الإسلام وأصوله وفروعه، ويقرأ القرآن ويفكر فيه، ويدرس الروايات ويستفيد من علوم منطقية وعلمية، ويُقدم ترجمة دقيقة للكتاب والسنة، وهو ملزم هو نفسه بالاتباع، لكنه يحمل الوثائق الأصلية التي يُبني عليها الأحكام، ويبلغ الناس نتائج هذه الدراسة.
- الفقیه والمجتهد لا یعتبران رأیًا مستقلاً لهما أبداً، فالجمهور یعتقدون أن ما یبلغه الفقیه لهم هو دینهم فقط لا غیر. فهو لا ینقص منه شیئًا ولا یزید علیه. ومن الأدلة على ذلك، رسائل العملیة للفُقهاء الشيعة، التي إذا تدقق فیها یتضح إلى أي مدى یحتاط الفقهاء الشيعة حتى لا یقولوا کلامًا بدون دلیل. ولهذا السبب، تُستعمل فی جمیع الرسائل العملیة ألفاظ مثل “الأحوط”، و”الاحتیاط”، و”الأجود”، و”الأولی” التي تدل على أن الدلیل لا یتجاوز هذا الحد. هذه هی طریقة الاستنباط عند الفقهاء الشيعة ومذهبهم الحق كما ذُکر، ولا یبقى مجال لأي شک أو اعتراض على صدقهم وأمانتهم فی حفظ الأمانة الإلهیة.
- مع ذلک، لا بد من عدم التغافل عن النظام والأسلوب العلمي والعملي للفقهاء الشيعة واستخدامهم لمصطلحات مثل “الأحوط” و”الاحتیاط” وما شابهها التي تدل على التحفظ، حیث یتطلب تحلیلها ونقدها تناول بعض النقاط المهمة:
- أ) لا شک أن الفقهاء الشيعة کانوا بصدق وتقوى کاملین في طلب الأحکام الفقهیة والأسس الدینیة، وأن استخدامهم لمصطلحات الأحوط والاحتیاط یدل على الطهارة والصدق والتقوى العلمیة والعملية، ولكن مما یمكن انتقاده هو أن عدداً کثیراً من فتاواهم الفقهیة یصاحبها شک وتردد، ولا یمکن أن تحتل هذه الفتاوی مکانة عالیة عند المسلمین.
- قد یقال إن المجتهد لا یوجد له طریق أفضل أو أداة أرقى من بیان صراحته فی مستوى تحقیق الأحکام، ولیکن قد یرد أن لا یکون کل ما یُستعمل فیه “الأحوط” والاحتیاط یأتي من هذه الزاویة، وإنما یعود السبب أیضًا إلى التقصیر أو الإهمال فی تحقیق الأحکام، أو نقص المعرفة اللازمة بالأسس أو موضوعات الأحکام، أو التعجیل فی إصدار الفتوى، أو مشاکل أخرى، مما یؤدی إلى أن اکثر الفتاوى تصبح محتویة على أحوط واحتیاط غیر دقیقة.
- للتوضیح أکثر، یقول الفقهاء عند تعریف الاجتهاد: “الاجتهاد هو استفراغ الوسع فی تحصیل الحكم الشرعی”، وأوضحوا فی مبادیهم العملیة: “بعد الفحص التام والیأس عن الدلیل”، أي یجوز الاستعانة بالأصول العملیة مثل البراءة والاستصحاب بعد البحث الكامل واليأس من العثور على الدلیل، ولكن عند مراجعة الفقه والفتاوی نرى أکثر الأمثلة التي لا تتوافق مع هذا الوصف، والکثیر من الآراء جاءت من جهل، أو تسرع، أو قلة تحقیق، أو ضعف التعامل مع المسائل المختلفة. وهذا لا یحدث فقط فی الفتاوی الجازمة بل أکثر فی موارد الأحوط والاحتیاط، وبالتالي هنالك فتاوی وأحوطات ناتجة عن نقص تحقیق أو عدم فهم واضح للموضوع، وهذا الأمر یتطلب مجالاً أکبر لبیان التفاصيل وتصحیح النواقص.
- بوجه عام، لم یکن علماء الأصول، رغم دقتهم وتحقیقهم، بمعزل عن الأخطاء، ولا یجوز تجاهل قصورهم عبر تاریخ الفقه الإسلامی الذي یمتد لألف عام. لذا، یجب أن تقوم الحوزات العلمیة والعلماء بإعادة نظر جادة وشاملة فی مبادی الفقه ومعارف الموضوعات، وأن یتجنبوا التعجیل أو السهولة فی إصدار الأحکام، ویحرصوا على البحث العمیق والتحلیل الدقیق. لماذا یجتهد الفقیه خلال عمر قصیر أو متوسط فی إصدار فتوى فی جمیع أبواب الفقه؟ هذا یؤدی بطبیعة الحال إلى خلل فی الاجتهاد، ولذلك یجب أن یکون البحث بعیدًا عن السطحیة وأن یقتصر على عدد محدود من المسائل مع تحقیق کامل، وهو أفضل من الإطلاق السطحی.
- النتیجة أن علماء الأخبار مثلما ینتقدون ضعف البحث وعدم الدقة، على علماء الأصول أن یحرصوا على عدم الوقوع فی هذه العیوب.
- في الختام، فيما يتعلّق بالادعاء في الجزء الرابع الذي يفيد بأنّ عظمة كُتّاب الكتب الروائية تُمسّ، يجب القول: إنّ علم الرجال والدراية لا يُلحقان أيّ مسّ بعظمة وسموّ كُتّاب الكتب الروائية؛ لأنّ اعتبارهم وعظمتهم تُثبِتُ صحة وأصالة الكتب وأشخاصهم، لا صحة الروايات الموجودة في كتبهم. فالروايات الواردة في تلك الكتب هي أمانةٌ تسلّمناها منهم، ونحن ملزمون بالتحقيق والتمييز بين الصحيح والخطأ منها؛ إذ إنّ هناك روايات في هذه الكتب المعتبرة تتعارض مع عقائد الشيعة وأفكار مؤلفي تلك الكتب. فهؤلاء الرواة المؤمنون قد أوردوا كلّ رواية وصلتهم حفاظاً عليها من الضياع، كي ينظر أهل التحقيق إليها في الوقت المناسب وبصيرة أعمق، ويستفيدوا منها إذا صحت.
- إنّ دراسة وتحقيق الروايات لا يُلحق أيّ مسّ بعظمة مؤلفي الكتب الروائية، بل يُعدّ أعظم خدمة ورحمة لأرواح هؤلاء العلماء والرواة المجتهدين. صحيحٌ أنّنا نستمدّ كلّ ما نملك من جهود هؤلاء الرجال العظام، لكنّ ذلك لا يعني قبول الروايات المتلقاة دون تحقيق، إذ إنّ بعض تلك الروايات لا تتوافق مع المبادئ التي كان يتّبعها مؤلفوها.
- في الكتب الأربعة، وهي من أرقى كتب الرواية الشيعية، توجد رواياتٌ كثيرةٌ إمّا ضعيفة السند، أو مجهولة الراوي، أو مخالفة للمذهب، أو متحوّلة في سندها أو نصّها، أو ناشئة عن غفلة أو خطأ لا يمكن لفقهٍ متعمّق أن يتجاوزها، إلا إذا كان الباحث جاهلاً بالعلوم الدينية أو بأصول علم الرجال والحديث، فلا يُقال له شيء.
- يبتعد علماء الشيعة عن الاتهام الباطل ونسب الروايات الكاذبة والمزورة، ولو كانت على صورة روايات، ويعتبرون علم الرجال والدراية أساساً ضرورياً لفهم وتحديد صحة الرواية، دون أن يروا في ذلك تجريحاً لمؤلفي الكتب أو مساساً بأعمالهم، أو سبباً لترك الروايات والسنة، بل دائماً يؤسّسون عملهم على الكتاب والسنة.
- الرواية وعلم الرجال
- يعتقد الإخباريون أنّ دراسة سند الروايات من خلال علم الرجال غير ضرورية، لأنّ تزكية النفس واتباع القلب كافيان لتمييز الرواية الصحيحة من غيرها. فالعالم الزاهد الذي يطهّر قلبه من الشوائب ويهيّئ نفسه لاستقبال كلمات المعصوم، يستطيع بسهولة إدراك أيّ مضمون هو كلام معصوم وأيّها ملفّق ومزور، من دون حاجة لعلم الرجال والدراية.
- في نقد هذا القول، نقول: إنّ مثل هذا الادعاء، حتى لو صحّ، لا يمتلك أية أبعاد علمية أو عملية، لأنّ مهمة الفقيه في أخذ الأحكام الشرعية وتحديد الالتزامات يجب أن تتمّ ضمن أطر علمية وقواعد عملية، فلا يمكن استنباط الحكم الشرعي عن طريق الكشف والحدس فقط، وإن كان ذلك ممكنًا. كما أنّ فتوى الفقيه المبنية على مثل هذه الرؤى لا تكون ذات حجية وفاعلية للآخرين، لأنّ قواعد الاستنباط يجب أن تكون ضمن أسس علمية ثابتة، وهذا الادعاء شبيه بادعاءات المتصوفة السذج الذين يدّعون الكشف والرؤية الغيبية من دون علم ومعرفة دينية، والتي تنتشر في كتب التصوف بشكل واسع، ولو صحّ بعضها فلا يغني عن الاجتهاد والاستدلال العلمي.
- لذلك، لا يمكن رفض علم الرجال والحديث بناءً على مثل هذه الادعاءات التي تبرّر الكسل في البحث والاجتهاد، أو تعطيل الأحكام الشرعية وإثارة الفوضى، أو وضع فهم غير منهجي للرجال والحديث يمكّن من كلّ ادعاء لا دليل عليه.
- تمييز الرواية وتكفير الشيخ
- رويت حكاية عن صاحب الجواهر أنه كتب بضع سطورٍ عربية من عنده، وأرسلها إلى الشيخ أحمد الأحسائي، الذي كان صاحب هذا الادعاء، وسأله: هل هذه الرواية من المعصوم؟ فبعد تدبّرٍ عميق أجاب الشيخ أحمد: نعم، هذه الرواية من المعصوم. ثم وبّخ صاحب الجواهر الشيخ أحمد ووبّخه على هذا الادعاء الباطل، واعتبره كاذباً ومُكفّراً.
- لذا، فإنّ استنباط الأحكام الشرعية وفهم مباني الشرع يحتاج إلى علم الرجال وعلوم الحديث الأساسية، وهذه الأوهام لا تستطيع أن تعيق الطريق أمام العلوم الدينية.
العلماء الأصوليون واستنباط الأحكام
فيما يلي عرض موجز لنوع الأدلة الفقهية ونظام الفتوى واستنباط الحكم:
الدليل الذي يستخدمه الفقيه في استنباط الأحكام يكون إما عقلياً أو شرعياً، وكلا الدليلين حجّة وملزمة.
الدليل الشرعي إما لفظيٌّ مثل: الكتاب، القول المعصوم ـ وهو جزء كبير من السنة ـ أو غير لفظي مثل: فعل المعصوم الذي يُكمّل السنة.
أما الدليل العقلي فيقسم إلى نوعين: النوع الأول هو المستقلّات العقلية، كإدراك العقل لحسن وقبح الأشياء والاستلزامات العقلية المستقلة التي هي من نتائج الفكر البشري الراسخ. والنوع الثاني هو الأحكام غير المستقلة عقلياً، وهو إدراك العقل لوجود ملازمة بين حكم شرعي وحكم شرعي أو عقلي آخر.
الحكم العقلي والعقل لا يتعارضان مع الكتاب والسنة، بل إن الحكم والإدراك العقلي هما سبب القطع بالحكم الشرعي، وفي حالة الظن والقياس والاستحسان لا يكون هناك موجب لإثبات الحكم الشرعي. والقطع واليقين أمر وضعه الله في الإنسان، ولم يتدخل الشارع فيه، لأن القطع واليقين من الفطرة الإلهية.
وبالتالي فإن الدليل العقلي هو الملازمة بين العقل النظري والحكم الشرعي الثابت، أو أي دليل عقلي آخر موجود في كل مجال، وقد برهن علماء الشيعة بعد جهد كبير على وضوح هذا الدليل في مجال الأحكام الشرعية. ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك، لأن توحيد الله، والرسالة، وأسسها من المبادئ العقلية التي يستدل بها دون أن تكون شراكة بين الكتاب والسنة والمبادئ العقلية، ولا مشاورة لهما.
الإجماع
حول الإجماع، قيل الكثير منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، وقد فسّره كل فريق بطريقة مختلفة. علماء الشيعة لا يختلفون في حجية الإجماع ويعتبرونه جزءاً من السنة، لأن حجية الإجماع مرتبطة بالقول المعصوم، والقول المعصوم هو نفسه السنة المنقولة. ما يُشكّل عائقاً أمام أهل الأخبار هو ما يقوله أهل السنة عن الإجماع، والتمييز بينهما هو ما يجعل المسألة صعبة على أهل الأخبار، لكن ضعف فهمهم لا يؤثر على الفكر العميق لعلماء الشيعة.
من هذا المنطلق، القواعد الكلية والأسس في علم الأصول مثل العقل والإجماع والعرف والاستصحاب والبراءة، ليست في مواجهة الكتاب والسنة، بل هي ضرورية لإثباتهما ومستلهمة من حقائق مبادئهما.
علماء الشيعة في منهج الاستنباط لا يخرجون عن الكتاب والسنة، الركنين الأساسين في الإسلام، ولم يختاروا دليلاً آخر، مع فتح أفق للاستفادة مما ورثوه من الأحاديث والمعارف المعصومية.
النسب الظالمة
القياس
من المواضيع التي تزعج أهل الأخبار هو لماذا يستخدم علماء الشيعة القياس والاستحسان العقلي والمصالح المرسلة في منهجهم، مع أن هذه الأمور مذمومة في الشريعة، والشارع قد وصف القياس بأنه من عمل إبليس.
للرد على هذا، نوضح بإيجاز معنى القياس وأنواعه، وكذلك الاستحسان والمصالح المرسلة، ثم نبيّن مدى صحتها.
بوجه عام، القياس نوعان: منطقي وفقهي. القياس المنطقي هو الحجة العقلية والبراهين، والقياس الفقهي هو تمثيل منطقي.
القياس المنطقي
القياس المنطقي يتكون من مقدمتين (كبرى وصغرى) في صورة من الصور الأربعة المشهورة في المنطق، وله نتائج واضحة عند توفر الشروط. مثال: العالم متغير، وكل متغير هو حادث، إذن العالم حادث. هنا الحد الأوسط هو «تغير العالم».
القياس المنطقي من حيث الشكل له أربعة أنواع، ومن حيث المادة خمسة: برهاني، جدلي، خطابي، شعري، مغالطة.
القياس المنطقي خارج عن مجال النقاش لأنه أساس التفكير، ولا يمكن رفضه إلا باستخدامه ذاته.
أقسام القياس الفقهي
القياس الفقهي ثلاثة أنواع:
- القياس منصوص العلة (تنقيح مناط): هو إلحاق حكم واقعة لم يُذكر فيها العلة إلى واقعة مشابهة منصوص فيها على الحكم والعلة من قبل الشارع، بحيث يكون العلة واحدة. التشخيص لا يكون إلا من المعصوم. مثال: تحريم الخمر لأنّه مسكر، فإذا غلى العنب وصار مسكراً (رغم أنه ليس خمراً)، يحرم أيضاً.
- قياس الأولوية: استنباط حكم أعم وأشمل من حكم منصوص عليه في حالة وجود درجات في الموضوع، مثل حرمة الإهانة للأب والأم بأدنى درجاتها (كالقول «أف») يشمل بالقياس جميع الإهانات الكبرى كالصراخ والضرب.
هذا القياس مقبول عند علماء الشيعة بلا اختلاف لأنه حكم عقلي فطري.
الثالث: القياس التمثيلي
النوع الثالث من القياس ـ وهو في الواقع القياس المذموم والمختلف عليه من الجميع ـ هو قياس مجهول العلة، الذي يُطلق عليه في المنطق “القياس التمثيلي”. في هذا النوع من القياس، يُنقل حكم قضية إلى مشابهها دون وجود نص شرعي يبين سبب ذلك، أو وجود تحديد شرعي ذي دور حاسم في تشابه الأمرين. على سبيل المثال، الشرع المقدس قال: الخمر حرام، لكنه لم يبين سبب التحريم ـ وهو السُكر ـ فإذا رأينا أن العنب المسكر يسبب السُكر، نقول: العنب المسكر حرام، لأنه يشبه الخمر في إحداثه للسُكر، مع أننا لا نعلم السبب الحقيقي لتحريم الشراب، هل هو السُكر فقط أم غيره؟ فالعنب المسكر رغم أنه ليس خمرًا، فهو حرام، لأن سبب التحريم ـ وهو السُكر ـ موجود فيه، رغم أن الشرع لم يحرمه ولم يذكر حكمًا خاصًا له، كما أن السبب الحقيقي لتحريم الخمر لم يُذكر، وإنما العقل يقارن بين الأمرين ويستنتج أن السبب الوحيد للتحريم هو السُكر.
هذا النوع من القياس الفقهي خاص بأهل السنة، وبالأخص أبو حنيفة، أما علماء الشيعة فيعتبرونه باطلاً وغير معتبر، وقد نُهوا عنه بشدة من قِبل الأئمة المعصومين، كما جاء في الحديث:
قال أبو عبد الله (عليه السلام) عن أبان بن تغلب: “إن السنة لا تُقاس، ألم تر أن المرأة تُقضي صومها ولا تُقضي صلاتها؟ يا أبان، إذا قيست السنة، محق الدين”[24]؛
فالسنّة والأحكام الإلهية لا تُستنبط بالقياس، والقياس في الدين غير جائز. ألم تر أن المرأة تقضي صيامها ولا تقضي صلاتها؟ يا أبان، إذا قُيست السنة، يُمحى الدين ويُهدم؛ لأن هذا يؤدي إلى فوضى في الدين بسبب الأفكار المتباينة وغير الواقعية.
وفي حديث آخر يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “أول من قاس كان الشيطان ولم يفرق بين نفسه وآدم”[25]. وقال أيضًا للإمام الصادق (عليه السلام) لأبي حنيفة: “سمعت أنك تقوم بالقياس؟ فلا تفعل، فإنه من عمل الشيطان”[26].
الأسباب الكامنة
سبب بطلان هذا القياس واضح، وهو جهل الأشخاص وافتقارهم إلى المعرفة الحقيقية بطبيعة الأشياء وحقائق المواضيع. فعندما يُقال: “سبب تحريم الخمر هو السكر، والسكّر موجود في العنب، إذن العنب حرام”، يُسأل: لماذا السكر سبب تحريم الخمر؟ هل لديك معرفة كاملة بخصائص الخمر لتصدر هذا الحكم؟ وهذا مستحيل، ربما هناك أسباب أخرى للتحريم غير السكر، أو أسباب مصاحبة له، وهذه الأسباب الجزئية في الخمر قد لا تكون موجودة كلها في العنب المسكر.
الفرق الوحيد بين هذا النوع من القياس و”تنقيح المناط” والقياس المنصوص على عِلَّته هو أن الشرع عندما يبين سبب الحكم يكون لديه القدرة على بيان الحقائق، بينما غيره يفتقر إلى هذه المعرفة. لذلك، عندما يبين المعصوم (عليه السلام) العلة، يكون ذلك موثوقًا، أما القياس بغياب العلة الشرعية فهو ظنّ وعُرضة للخطأ، والظن لا يستند إليه في الأحكام الشرعية.
بعد استعراض أنواع القياس الثلاثة، نجد أن القياس بتنقيح المناط والدليل الأولوي حكمه عقلي وليس فقهيًا فقط، وهو ذو أصل منطقي، أما القياس الفقهي المثير للخلاف بين الشيعة وأهل السنة، فهو قياس “مجهول العلة” الذي لا قيمة فقهية له في نظر الشيعة.
النتيجة: القياس ينقسم إلى ثلاثة أنواع، والقياس الباطل هو قياس أبي حنيفة والشيطان الذي يبتعد عنه الشيعة. وإن نسبة هذا القياس إلى العلماء الأصوليين من قبل الإخباريين ناجمة عن عدم تمييز بين أنواع القياس، ولهذا يوجهون اتهامات باطلة للأصوليين رغم أن من خصائص الشيعة رفضهم الشديد لهذا القياس.
الاستحسان
الاستحسان هو اعتماد شرعي يفضله الفقيه لعمل ما لم يجد له نصًا شرعيًا، فيستند إليه كأساس للحكم الفقهي. المجتهد يفضل الاستحسان ـ وهو قياس خفي ـ على القياس الجلي، ويرى الأمر العام مستندًا إلى الحكم الخاص.
الاستحسان من أدلة أهل السنة، ويستخدم في غياب النص والدليل، لكنه عند الشيعة ـ مثل قياس مجهول العلة ـ باطل وغير معتبر، ولا يقبله أي عالم شيعي. وبالتالي، نسبته إلى علماء الشيعة افتراء كبير ناجم عن الجهل أو سوء النية.
المصالح المرسلة
هي الأمور التي لم يضع لها الشرع حكمًا خاصًا، ولا دليل شرعي ظاهر على إثباتها أو نفيها، ولا دليل من الكتاب أو السنة، فتسمح للفقهاء بالتدبر حسب المصلحة واتخاذ الفتوى بناءً عليها.
هذه المصلحة المرسلة مثل القياس والاستحسان من أدلة أهل السنة، لكنها عند علماء الشيعة باطلة وغير ملتزمين بها، ونسبة ذلك لهم افتراء كبير.
خلاصة
هذه الأمور الضعيفة — التي يرى الإخباريون أنها أدلة — لا علاقة لها بالاجتهاد العلمي المنهجي لعُلماء الأصول، وهي خاصة بأهل السنة الذين محرومون من النعم المعنوية للعصمة. أما الشيعة، فهم يملكون بحرًا واسعًا من العلم والعصمة فلا يحتاجون إلى هذه الطرق، ولذلك ينأى العلماء الشيعة عنها ويرونها حقيرة. نسبتها إليهم خطأ وخيانة لبيت العصمة.
النتائج المكتسبة عبر ألف عام
المسألة الأهم التي تفسر رفض الفرقة الإخبارية للأصوليين هي المباحث الدقيقة لعلم أصول الفقه. فهم يهابون هذا العلم الذي يُعد أساس الفقه الشيعي، ويعتبرونه منهجًا خاطئًا لاستخلاص الأحكام. يؤكدون أن الدين لكل الناس، ويجب على الأمة أن تفهم مبانيه مباشرة، ولا توجد قواعد علمية أو مصطلحات دقيقة مأخوذة من الدين.
ويظهر من كلام الإخباريين جهلهم الكبير بعلم الأصول، واعتبارهم المصطلحات العلمية معقدة. وهذا يدل على ضعفهم في فهم الموضوع، وهم كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “عدو ما جهل”؛ لأنهم لا يملكون القدرة على استيعابه.
أي شخص لديه معرفة أساسية بالعلوم الإسلامية يعرف أن الاستنباط الصحيح يبدأ بفهم قواعد اللغة العربية كتمييز العام والخاص، والمطلق والمقيد، وغير ذلك من القواعد اللغوية الضرورية لفهم القرآن والسنة وأحاديث الأئمة.
كما يجب على المجتهد تعلم القواعد العقلية والعملية مثل أصول البراءة، والاستصحاب، والتخيير، وغيرها من الأصول التي تستمد من الكتاب والسنة والفطرة، وهذه القواعد ليست من اختراع الفقيه، بل هي مفهومة ضمنيًا في الحياة اليومية.
كثرة وتفصيل هذه المباحث ليست نقصًا بل ميزة، إلا عند الضعفاء الذين لا يستطيعون استيعابها.
العقل وأُسس الحُكم الشرعي
فيما يتعلّق بكفاءة العقل ومكانته في نظام استنباط الحكم الشرعي، كما ذُكر سابقاً، فإن رأي الكاتب أن النقد الموضوعي لا يُوجَّه للعالم الأصولي في هذا المجال، وإنما النقد والأشكال واردان على العالم الإخباري. وما ينبغي التنبيه عليه بوضوح هو أن المناقشات العقلية تُعَدّ طريقاً لإثبات وأُسس استدلال الحكم الشرعي، لا دليلاً على الحكم الشرعي ذاته.
فكما ورد في حديث الثقلين وما شابهه، فإن أساس الفتوى والأحكام الشرعية هما الكتاب والسنة، والعقل ليس دليلاً على الأحكام الشرعية، بل المناقشات العقلية تُعتبر بينات شرعية تُستخدم من قبل الفقيه ولا تنفصل عن القرآن والسنة؛ لأن العقل هو العين البصيرة والأذن السامعة للكتاب والسنة، وهو بمثابة المصباح الذي ينير سبيل الاستفادة من الثقلين، إذ لا يمكن الاستفادة منهما بدون العقل، مع أن العقل وحده أيضاً لا يحظى بكفاءة دينية كبيرة بدون هذين الثقلين.
لذا، فإن أساس الدليل ومُلاك الحكم الشرعي هو فقط الكتاب والسنة، والعقل هو الرفيق والطريق المضيء في ظلمات الليالي، ولا يجوز افتراض الكتاب والسنة من دون العقل، كما لا يجوز اعتبار العقل شريكاً في الأساس مع هذين الثقلين الإلهيين.
والنتيجة أن لا يجوز، كما يذهب الإخباريون، القول بأن العقل مَعَقِّد وواجب التمسك فقط بالكتاب والسنة؛ لأن فضاء الكتاب والسنة من دون العقل مظلم، وكذلك في قبول معجزات الأنبياء والرسول الكريم، فالعقل هو الذي يصدق ويختبر، ومن يقبل معجزة الأنبياء فهو العقل نفسه. وأيضاً لا يجوز إدراج العقل ضمن أُسس إثبات الأحكام الشرعية، مع أن العقل من أُسس الحكم ويُعد من البينات الشرعية.
الإجماع: ركن بلا أساس
ما ينبغي التركيز عليه في الأحكام الشرعية هو مسألة «الإجماع» التي يتهرب الإخباريون من ذكرها، والأصوليون يذكرونها بتحفُّظات كثيرة، ولا بد من تناولها بصراحة ووضوح.
في الفقه الشيعي، بالنسبة لأُسس الفتوى والأحكام الشرعية، الدليل مقتصر على الكتاب والسنة فقط، لأن العقل يُعد حُكمًا ناظراً وهو جزء من أُسس الحكم الشرعي، أما الإجماع فلا أساس له. فالإجماع أصله في سقيفة أهل السنة، ولا يحظى بأي اعتبار شرعي أو دليل حجية. عند أهل السنة، يحظى الإجماع بمكانة عالية ويشغل موقعاً مماثلاً للمصادقة الصحابية، وما يُؤسف له أن هذه المسألة بدأ تنتقل من أهل السنة إلى الشيعة.
لكن الإجماع عند أهل السنة يختلف عن الإجماع في ثقافة فقهاء الشيعة. فلا يعتقد أي عالم شيعي بحجية الإجماع كما يفعل أهل السنة، بل يعتبرون إجماعات أهل السنة من الخرافات، مع أن بعضهم يدعي وجود الإجماع، إلا أن معايير حجية الإجماع لديهم مختلفة. فمعنى أهل السنة من الإجماع هو توافق مجموعة من العلماء البارزين، كما استُغل سياسياً في صدر الإسلام. أما الشيعة فلا يعترفون بمثل هذا الاعتقاد.
وعندما دخلت مسألة الإجماع إلى التراث الشيعي، واجه العلماء مشاكل في إثبات حجية الإجماع، فكل جماعة أو فرد حاول إيجاد دليل خاص به، لكنها جميعاً تفتقر إلى قيمة دليلة، وتعتبر الإجماع كشفاً عن قول المعصوم، بمعنى إذا أجمع العلماء على فتوى فإن ذلك لرضا المعصوم، وإلا لمنعهم من تكوين هذا الإجماع.
وفي الواقع، لا توجد أدلة شرعية كافية لإثبات الإجماع، ولا يمكن تحقيق إجماع حقيقي بين العلماء، وما يُنقل من إجماع لا يعدو كونه قول جماعة أو عالم مع أتباعه، لذا لا يمكن الاعتماد عليه كدليل شرعي.
خلاصة
يتضح أن الإجماع يشبه «الشهرة»، فهو فقط يدل على قول مجموعة من العلماء، ولا يملك حجية دليلة، لا من حيث الإثبات ولا من حيث التحقيق الخارجي. ويشاهد خلافات كبيرة بين العلماء الأصوليين في موضوع الإجماع، حيث كثيراً ما يصطدم إجماع بإجماع آخر، ولا يمكن اعتباره دليلاً شرعياً. لذا، لا بد من التمسك فقط بالكتاب والسنة، أما الإجماع فهو شأن ثانوي، ولا يعد دليلاً على الحكم الشرعي.
منهج الاجتهاد الأصولي
إن الفتاوى التي يصدرها الفقيه مع الالتزام بالعدالة والاجتهاد هي ترجمة للكتاب والسنة. العقل هو السبيل لإدراك الأحكام، والإجماع لا قيمة دليلة له، ويتفق كل العلماء، سواء الإخباريون أو الأصوليون، على هذا الرأي، ويجتنبون التعصب والتقليد الأعمى أو الانحراف والعداوة.
يعتبر الإخباريون التقليد عملاً بلا أساس وأدنى من ذلك، يؤدي إلى انحراف الناس وضياعهم، إذ يجب أن يكون اتباع المؤمنين مقتصراً على الله ورسوله والأئمة المعصومين، وليس على العلماء الذين هم بحاجة إلى هؤلاء المعصومين.
ويشير الإخباريون إلى أن الدين ليس معقداً لدرجة تستلزم اختصاصاً أو تخصصاً، فكل شخص قادر على تعلم الأحكام الضرورية من القرآن والروايات، ولا يجب أن يتبع أحد بعين مغلقة.
والتقليد، من وجهة نظرهم، يقود إلى جهل الناس بالدين، ويحولهم إلى تابعين لا وعي لهم، ويبعدهم عن الأصل، وهو الكتاب والسنة. إن التقليد وكتابة الرسائل الفقهية هي بدعة حديثة أُدخلت بعد قرون على الإسلام من قِبَل بعض العلماء الأصوليين، ولم تكن من منهج العلماء الأقدمين.
البنية الأساسية للاستخلاص
علم أصول الفقه، مثل سائر العلوم الإسلامية، لا يمتلك فقط تاريخاً عريقاً، بل يُعتبر أحد فروع العلوم العقلية والفنون الإسلامية؛ لأن هذا العلم يُبيّن إلى أيّ مدى اهتمّ المسلمون بالدين المقدس الإسلام وبأدقّ تفاصيله، وسعوا لفهمه بجد واجتهاد. ولهذا السبب، فإن هذا العلم، شأنه شأن باقي العلوم الإسلامية، يمتلك مصطلحات خاصة تتطلّب لكلٍ منها فصلاً منفصلاً يُفتح للنقد والمراجعة، وللعمل على نموّه وتطوّره؛ وقد قام الفقهاء الأعلام وأصوليو الفقه الكرام حتى يومنا هذا بهذا الجهد حسب استطاعتهم. لذلك، لا ينبغي للإنسان بسبب قلّة الحصيلة الفكرية ونقص التزود العلمي إنكار مبادئ وأسس علمية تُعتبر أساس الفقه الشيعي وأساس الدين، بل يجب دراسة قواعد وأصول كل علم، ومنها أصول الفقه الإسلامي، بدقة متناهية، ثم تقديم قبول أو رفض مناسب مدعوم بالأدلة والبراهين. فطرح القضايا والمواضيع بشكل عشوائي وبدون دقّة لا يليق بعاقل، ولا يدل إلا على الجهل أو التغييب.
كلّ الشبهات والأوهام التي يطرحها هذا الفريق على أصول الفقه، تنبع إمّا من تعب ذهني وقلة حصيلة علمية، أو من ضيق أفق وعدم فهم منطقي لمعاني ومباحث العلم، وهنا سنشير فقط إلى بعض هذه المباحث التي نالت نقداً من جانب الإخباريين.
الفرق بين الفقه والاجتهاد
أ) كان الإخباريون يرون أنّ الراوي يختلف عن الفقيه؛ وإن كان كلاهما يسير في طريق الكتاب والسنة وطاعة الدين، مع فارق أن الفقيه أعلى مرتبة من الراوي، وتدبره في مسائل الأحكام أدقّ. أما بالنسبة للاجتهاد، فقد رفض الإخباريون هذا المفهوم واعتبروه ليس مصطلحاً دينياً، وقالوا إنّ ما ورد في الدين هو الفقيه والفقاهة، والاجتهاد اختراع للأصوليين. وهذا الفهم للإجتهاد من الإخباريين غير مؤسس ولا أساس له؛ إذ إن ادعاءهم إمّا أن أصل كلمة “اجتهاد” ليس عربيّاً ولا ورد في الكتاب والسنة، وهو أمر خاطئ جدّاً، وربما لم يقصدوا هذا المعنى، لأن هذه الكلمة ومشتقاتها وردت كثيراً في الكتاب والسنة، ووجودها في اللغة العربية واضح وجلي. كذلك قولهم إنّ الطاعة وفهم كلام المعصومين لا يتطلّب جهدًا، فاستعمال كلمة “اجتهاد” للأصوليين غير صحيح، لأنّهم أنفسهم يبذلون جهداً كبيراً في الاستنباط. وليس من الصواب القول بهذا. والرد على ذلك هو أن الإخباريين يتصفون بالتسهيل في فهم الدين وغياب الفهم العلمي الدقيق، مما أدّى إلى هذا الخطأ في فهم المصطلحات. وإلا فالفارق الذي اعتبروه بين الراوي والفقيه يجب قبوله بين الفقيه والمجتهد كذلك؛ لأنّ في الجوهر العلمي لا فرق جوهري بينهما، وإنما الفروق هي فروق عرضية تخصّ المصطلح، كما يُقال إنّ الإنسان، والبشر، والآدمي، كلّها أسماء تشير إلى نفس المفهوم ولكن من زوايا مختلفة. وكذلك الفقيه، والمفتِي، والمجتهد، والراوي، والعالم الديني، كلهم يشيرون إلى ذات الشخص الذي هو عالم بالأحكام الشرعية، وإن اختلفت الصفات النسبية لكل منهم. لذلك، القول بأنّ “الاجتهاد” ليس مصطلحاً دينياً وأنّ “الفقاهة” هي المصطلح الديني فقط، قول سطحي يدلّ على جهل وعدم قدرة علمية للمتحدث.
ب) مقدمة علمية
المقدمة العلمية التي أثارها الإخباريون بجدل، ليست حُكماً مخالفاً للكتاب والسنة، ولا خرافة أو زيادة غير مبررة في الدين، بل هي بيان عقلي حول التكليف الشرعي. مثل الغسل والوضوء؛ إذا كان الشخص يغسل وجهه أو يديه أو رأسه بدقة، فمن المحتمل ألا يغسل الجزء الكامل المطلوب، لذا ينصح العقل بغسل زيادة ليطمئن إلى تحقيق المبلغ الشرعي. وهذه العادة شائعة بين الناس في أمور كثيرة، من التجارة إلى القيادة إلى الأمور اليومية. لذا فإن نقد الإخباري على هذا الحكم يدل على ضيق أفقه وجهله بالحكمة العقلية، مع أنه هو نفسه يتبع ذلك في كثير من أمور حياته.
ج) الصحيح والأعم
المسألة الأخرى التي تناولها الإخباريون باهتمام هي مسألة الصحيح والأعم، وهي مسألة لغوية واجتماعية لا تخص علماً خاصاً، وإن كانت تتبعها الأصوليون بصرامة. وهي تخصّ ما إذا كان إطلاق الألفاظ يقع على المفاهيم بشكل دقيق وصحيح، أو يشمل الصحيح والخاطئ معاً. مثالهم هو الأبطية التالفة والسليمة. نفس الأمر في الشريعة، هل الصلاة الناقصة أو الفاسدة تُسمّى صلاة أم لا؟ هذا مسألة عرفية وعقلية، ليست خاصة بالأصول فقط. لذلك لا حاجة للتهم والجدل والتجسس.
بالنسبة للبنية الفكرية في الاستخلاص، فإن النقاش العلمي يمتلك دقته، ولا تمثل مقدمات علمية أو مسألة الصحيح والأعم، أو الفرق بين الاجتهاد والفقاهة، أو بين الفقيه والراوي نقصاً علمياً، ولا تتعارض مع أصالة الكتاب والسنة، بل كلما زادت الدقة زاد الاستفادة من الدين، ونشر الجهل والتبسيط باسم أهمية الكتاب والسنة انحراف.
مائدة الدين الواسعة
سهولة الدين وإتاحته للجميع هي شعار عظيم للإسلام، والإخباريون فقط يذكرون ذلك. من يعيش على جبل يمكنه معرفة الإسلام، لكنه لا يستطيع فهم جميع تعاليم الدين أو الاستفادة منها وحده، بل يحتاج لمساعدة العلماء والفقهاء الكبار ليحصل على دين الله وأحكامه. من دون علماء وفقهاء ومفكرين، لا يمكن حتى لأهل المدن المتحضرة والواعين فهم الدين بشكل صحيح أو الالتزام به.
سهولة الدين وأهميته للناس بجميع مستوياتهم الفكرية
لا يتعارض كون الدين سهلاً على الأمة مع وجود قواعد علمية وعملية دقيقة؛ إذ إن الإسلام – وهو في الأصل الكتاب والسنة – هو مائدة واسعة يدعو إليها الجميع، من العوام إلى أرفع العلماء، فكل فرد يشعر بحاجته للدين، ويشمل الدين جميع البشر من الناحية الفكرية والعملية.
بعبارة أخرى، كما لا يستطيع أحد أن يقول: «أنا لا أستفيد من الإسلام، والدين فوق مدركي»، كذلك لا يمكن لأحد أن يدعي: «أنا لست بحاجة إلى الدين المقدس الإسلامي، وأستطيع بإدراكي العالي أن أجيب على جميع حاجاتي المادية والمعنوية». فالإسلام مائدة واسعة تتضمن أطعمة روحية متعددة ومتنوعة، بحيث لا يشعر أحد من حول هذه المائدة الدقيقة والسهلة بالإحباط أو الخسارة، إلا من كان حاقداً، أو متمرداً، أو فاسداً عملاً، أو جاهلاً.
وعليه، يمكن أن نستخلص بأن كثيراً من العناوين التي أشارت إليها الأخبار والتي تم التعرف عليها وتحليلها ودراستها، تخص الفقهاء أهل السنة، ولا علاقة لها بالفقه الشيعي، وأن الأخبار نسبت ذلك إلى الفقهاء الأصوليين عن جهل. فالأدلة التي يقبلها الفقهاء الأصوليون ويستخدمونها في نظام استنباطهم هي المبادئ الأربعة: الكتاب، السنة، العقل، والإجماع، والتي سيتناول الكاتب تحليلها ونقدها مستقبلاً، مقدماً رأياً يتعارض في بعض النواحي مع وجهة نظر الأخباريين والأصوليين.
القرآن الكريم
رغم أن كل مسلم يعتبر كتاب الله تعالى القرآن الكريم حجّة، ورغم كل النقاشات والمشكلات التي دارت حول التحريف أو نفيه، فإن أحداً لا ينكر حجية القرآن، وهو الثقل الأكبر وأساس الدين منذ صدر الإسلام حتى اليوم. ومع ذلك، فالأخباريون في فهمهم واستخدامهم للقرآن لم يكونوا موفقين، إذ لا يؤمنون بفهم معاني آياته، ولا يعتبرونها قابلة للاستخدام في الفتوى. كما أنهم يرفضون الاعتماد على ظواهر القرآن، ويرون أنه يجب تلقي القرآن من خلال المعصوم والروايات فقط، فلا يستندون إلا إلى الروايات ويكتفون بقراءة القرآن دون الاستفادة العملية منه. ويعتبرون أن الثقل الأكبر موجود في الثقل الأصغر (الروايات) وأن أهل البيت عليهم السلام هم المخاطبون الوحيدون بالقرآن الكريم.
ومن الواضح أن هذه الأفكار المتهالكة جعلت القرآن بالنسبة إليهم بلا تأثير عملي إلا القراءة فقط، كما أن أهل السنة تجاهلوا الثقل الأصغر.
أما الأصوليون، فرغم أنهم يحاولون تجنب التحريف ويعتبرون ظواهر القرآن حجّة، ولا يرون أن خطاب القرآن بـ «من خوطب به» يمنع فهم الآخرين له، ويرون القرآن ككتاب سماوي سليم وقابل للاستخدام، فإنهم يرون دلالاته ظنية، ويتعاملون معه كما يتعامل الأخباريون مع الروايات، ولا يعتبرون القرآن ذا تأثير كبير في الفتوى، بل يرونه مجملاً ومهملًا، ويستفيدون منه أقل ما يمكن.
الهدف الذي نسعى إليه
هو أن يكون للقرآن الكريم تأثير كامل وشامل في كل المجالات العلمية والعملية، لا سيما في الفقه والفتوى، وأن نؤمن أن جميع آيات القرآن ليست ظنية الدلالة، وأنه يمكن الاستفادة أكثر منه في الفقه والفتوى، وهو أمر لم يوليه الفقهاء الشيعة اهتماماً كافياً.
يجب أن تُرسم حياة كل عالم فقيه ومسلم على ضوء الاستفادة من القرآن الكريم، فلا نجعل ذريعة الإجمال والتجريد سبباً للبعد عن القرآن وتعطيل تأثيره في حياتنا.
على الفقيه، كما على غيره من العلماء، أن يجعل تفكيره في مقام إصدار الفتوى مبنياً على القرآن الكريم، وأن يعزز دور القرآن في فتاواه، لا أن يكتفي بتلاوته فقط.
إثبات ذلك وتحليله يتطلب دراسات أكثر عمقاً ولا يتسع له هذا المقام.
السنة والروايات
رغم أن الأخباريين يدافعون عن الرواية والسنة، إلا أنهم يعانون من مشاكل جمة بسبب تبسيطهم وعدم قدرتهم على حلها، ولا يمكنهم التعامل معها عند التعارض في الفتوى.
أما العالم الأصولي، فهو ناجح في استخلاص النور من الروايات، وقادر على الاستفادة منها بفعالية، ولا يواجه مشاكل في تحليلها، لكنه يجب ألا يقتصر على التجريد في تحديد نطاق استعمال الروايات، ولا يجب أن يشكك فيها شكوكاً بعيدة عن العقل، ولا يقتصر على الروايات المتواترة والمشهورة فقط، ولا يستبعد الخبر الواحد إذا لم يتعارض مع القرآن أو مع روايات أخرى أو العقل.
الدقة، والتحقيق، والتقصي، وعدم اليأس من وجود الدليل يجب أن تكون أساس عمل الفقيه، الذي عليه أن يتعرف على موضوعات المسائل، والأحكام، وظروف نزول الآيات والروايات، والزمنية المناسبة لاستخدامها.
وقد يحدث أن رواية صحيحة الدلالة لا يمكن العمل بها فعلياً، أو أن رواية ضعيفة الحجة يُعمل بها، لأن حجية الروايات حجية اقتضائية، وقد تفقد الرواية الصحيحة حجيتها في وقت ما، في مقابل اكتساب رواية ضعيفة حجية مؤقتة.
الخلاصة
الأخباريون لا يستفيدون كثيراً من الروايات، والأصوليون يجب أن لا يقربوا من الأخبار دون معرفة تامة بسياقاتها القرآنية والموضوعية والتاريخية، ويجب أن يقبلوا حجية الأخبار اقتضائياً، وقد يستعملون أخباراً ضعيفة في مكان ويتركون أخباراً صحيحة في مكان آخر.
معنى التقليد
التعريف الإخباري للتقليد هو: التقليد عمل أعمى يُبعد المؤمنين وأهل الولاية عن الكتاب والسنة، ويُوصي باتباع الأفراد العاديين بدلًا من طاعة الله ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المهديين. وهناك ثلاث خصائص رئيسية للتقليد: أولاً – الطاعة العمياء، ثانياً – اتباع الأشخاص الضالين، وثالثاً – النتيجة المترتبة على ذلك وهي الابتعاد عن الكتاب والسنة وترك الدين والإسلام.
أسباب التقليد
تختلف طائفة أصوليي الفقه في تبرير التقليد وإثبات صحة عمل الناس فيه، فبعضهم يقول إن معنى التقليد هو قبول قول الآخر والتزامه حتى لو لم يُعمل به، والبعض الآخر يراه مجرد العمل بالقول الآخر. كذلك، بالنسبة للدليل على التقليد، هناك من يعتقد أن التقليد لا يحتاج إلى دليل لأنه بديهي وفطري، ومنهم من يعتبره بديهيًا عقليًا، ومنهم من يرى أنه بديهي شرعيًا، وهناك من يستند إلى آيات قرآنية وأحاديث كثيرة في إثباته، بينما ترى طائفة أخرى أن لا دليل نصي واضح عليه أو توجد خلافات حوله.
ومن كبار علماء أصول الفقه، الآخوند صاحب “الكفاية”، الذي يقول في كتابه: “التقليد في فروع الدين بديهي وفطري ولا يحتاج إلى دليل، لأن الناس لا يستطيعون معرفة الأحكام الشرعية بأنفسهم”. ثم يضيف: “هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما سواها قابل للنقاش”. ويبيّن أن معظم الأدلة الأخرى المقدمة فيها إشكالات لعدم وجود إجماع أو سنة متبعة، وأن الآيات لا تدل على التقليد، إذ أن آية النفر تشير إلى الرجوع الواعي وليس التقليد الأعمى، والموضوع في آية السؤال هو الاستفهام من المعصومين وليس غيرهم، علاوة على وجود آيات كثيرة تذم التقليد في القرآن.
ومن هنا، ينبغي التعرف أكثر على وجهة نظر الإخباريين ونقدهم للأدلة على التقليد بأسلوب بسيط وواضح.
الإجماع والسيرة
من الأدلة التي يعتمد عليها الأصوليون في أغلب الأحيان هو الإجماع، والذي لا يوجد له أي نوع في موضوع التقليد، وهو مثل التقليد ذاته أمر غير مؤسّس وذو طابع غير واعٍ. وكذلك لا توجد سيرة للعقلاء والمسلمين في هذا الشأن، وإذا وُجدت فهي غير مؤسّسة ولا يمكن الاعتماد عليها خارج الكتاب والسنة. ادعاء الإجماع والسيرة يتعارض مع إجماع وسيرة مقابلة، إذ أن التقليد أمر مستجد، وسيرة علماء الدين دائماً تدعو الناس إلى الكتاب والسنة.
القرآن الكريم
الآيات التي استُدل بها على جواز أو وجوب التقليد لا تدل عليه، بينما هناك آيات واضحة تعارضه وتعتبره ضلالاً. الأصوليون استدلوا بآيات مثل:
- آية النفر: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [النصر: 122]
وتعني: لماذا لا يذهب من كل فرقة فريق للتمكن من الدين وتنبيه قومهم عند العودة إليهم، لعلهم يتعظون.
نقد الإخباريين لهذا الاستدلال: الآية تشدد على التفقه والاطلاع لا على التقليد الأعمى، والإنذار هو الإرشاد وليس الفتوى أو التقليد، ولا يلزم الإلزام والقبول، لأن الآية تقول “لعلهم يحذرون” لا تفرض وجوب التقليد.
- آية السؤال: ﴿فَسَلُّوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]
أي: اسألوا أهل العلم إذا كنتم لا تعلمون.
الأصوليون استدلوا بها على وجوب التقليد، معتبرين أن اتباع جواب العالم واجب وإلا يصبح الأمر سائلاً بلا جدوى.
نقد الإخباريين: الآية تتحدث عن السؤال لطلب العلم لا عن التقليد الأعمى، وأهل الذكر المقصودون هم المعصومون فقط، وليس غيرهم، لذا لا يصح الاستدلال بها على التقليد.
مذمة العمل بالظن
إلى جانب عدم وجود دليل على التقليد، هناك آيات كثيرة تذم اتباع الظن والجهل، منها:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]
أي لا تتبع ما ليس لك به علم، وهو نقد مباشر للتقليد الأعمى.
وأيضاً آيات تذم الاعتماد على الظن مثل: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، و﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، و﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
ولهذا، قال الآخوند إن غالب الأدلة والآيات المزعومة لوجوب التقليد قابلة للنقد، ومفهوم البديهية نفسه محل نظر، فلو كان الأمر بديهيًا لفُرض ولا يُنكَر.
ختاماً
يؤكد الإخباريون أن جهل الناس هو السبب الأساسي في الوضع الحالي، وأن الجهل هو العامل الأكبر الذي قاد المجتمع إلى التبعية والبعد عن الدين الحقيقي، ويدعون إلى التعلم الصحيح من الكتاب والسنة لتحقيق التقدم والوعي الديني.
وأيضًا في هذا الصدد، ورد عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قوله:
(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)[37]؛
ففي أحداث الزمان والوقائع، ينبغي الرجوع إلى رواة أحاديثنا وأخذ التعليم منهم، فهم حجتي عليكم، وأنا بدوري حجة الله.
وبناءً على ما تقدم، يُقسم الناس عمومًا إلى فئتين من حيث التدين: العلماء الواعية، والأفراد العاديين الذين يجب أن يتبعوا العلماء الصالحين والمستقيمين. وعليه، إذا أردنا أن نستنبط من كل هذه الروايات والأخبار قاعدة شرعية مطلقة، فهي أن الناس ينقسمون إلى فئتين: رواة أحاديث الأئمة المعصومين، والناس العاديين الذين يجب أن يتلقوا التعليم منهم. ومع ذلك، فإن علماء الأصول يختلفون مع هذه الأخبار، ويقولون إن الناس ثلاثة أصناف: المجتهد، والمقلد، والمحتاط.
وفيما بين هذه الفئات، ما يتفق عليه الجميع هو مفهوم «الناس العاديين»، أي أن عموم الناس مُلزمون باستخلاص أحكام دينهم من العلماء الدينين. أما مصطلح «المحتاط» الذي أُدخل من قبل علماء الأصول، فلا بد من استبعاده من النزاع كليًا، لأن المحتاط بإمكانه أن يطبق جميع الأحكام الدينية بطريقة الاحتياط؛ وذلك لأنه ملم بجميع جوانب الدين بشكل كامل، وإذا لم يكن عالماً فهو لا يقل عنه علمًا، وذكر فئة «المحتاط» بين الفئتين الآخرين لا أساس له. فالمحتاط هو عالم بنفسه، يعمل بعلمه، لا بالاحتياط. وباقي الفئة هي «المجتهد» التي نوقشت في باب الاجتهاد واختلافه مع الفقيه، وعند فرض العلم بالأحكام الدينية، لا يبقى حاجة للعمل بالاحتياط.
وعليه، الترتيب الصحيح هو أن نبدأ بعلماء الإسلام، ثم علماء الشيعة، ثم فقهاء الشيعة، وفي النهاية عدد محدود من فقهاء الشيعة الذين يمكن أن يكونوا مراجع دينية للناس؛ وليس غيرهم من الفئات السابقة. ومن خلال هذا التوضيح يتبين أن مسألة المرجعية تشكل تحديًا لكل من يتولى هذا المنصب وأولئك الذين يختارونه، فلا ينبغي لأي عالم أن يعرض نفسه لهذه المسألة دون تروٍ، ويجب على الناس أن يتابعوا الأمر بحذر شديد.
البحث في سند ودلالة أخبار التقليد
تتميز أول ثلاث أخبار من روايات باب التقليد بسند معتبر ومناسب، ومن حيث الدراية فإن ظاهرها مرغوب، أما الرواية الرابعة، رغم ضعف سندها، إذ إنها منقولة عن تفسير منسوب إلى الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ـ وقد نقلها أيضًا الاحتجاج وآخرون من ذات المصدر ـ لكن كما ورد في علم الرجال، فإن النقل، العمل، والاعتماد من قبل العلماء يعوض ضعف السند، علاوة على أن المرحوم شيخ الأنصار ـ المحقق الكبير في علم الشيعة ـ حينما نقل هذه الرواية في كتاب الرسائل قال: إن في هذه الرواية آثار صدق واضحة، وهذا قول لا يحتاج إلى إجبار ضعف السند، رغم أن الاستظهار هو قول الشيخ ويتناسب مع مقامه.
أما الأمر المهم فهو مدى دلالة هذه الرواية التي تستحق تأملاً، فهي صريحة ومليئة بالمعاني؛ لأنها تبين واجب الأمة في زمن الغيبة، ولها شأن نزول مناسب. غير أن هناك بعض الاشتباهات التي تحتاج إلى بحث ونقاش خاص، ككون الرواية تتعلق بالنبوة والعقائد، وبحسب الاعتقاد الشائع فإن التقليد في النبوة غير جائز، لذلك المراد في الرواية التقليد المتعارف به في فروع الفقه، إلا إذا قيل إن التقليد جائز في أصول الدين أيضًا، وهو ما أراه، لأن في أصول الدين مجرد الاعتقاد والإيمان يكفي، ويُقبل هذا الإيمان بأي طريقة وأي وسيلة، رغم أن كثيرين لا يقبلون هذا الرأي.
وعليه، لا توجد مشكلة في الرواية من هذا الجانب، لأن التقليد يتم في طريقة الاستدلال وأسلوب التعليم العلمي لأصول الدين، وكل ذلك يرتبط بتصور أسلوب الاستدلال. وما هو مطلوب في التصديق هو أن يختار الإنسان العقيدة الحق ويؤمن بها، وهذا الإيمان يُعتبر كافيًا مهما كان طريق الحصول عليه، وكثير من الذين يقولون بعدم جواز التقليد في أصول الدين، وهم في رسائلهم يتحدثون عن ذلك، يغفلون عن أنهم هم أنفسهم في مرتبة مقلدي العقائد، ولم يجروا أدنى بحث في مجال العقائد الأصولية.
ومن بين الشبهات التي يطرحها الأخباريون بدافع الحقد والضغينة، أن العلماء ليس لهم أصالة في الدين، وأن النيابة العامة بدعة، وأنهم ليسوا رؤساء الدين. والقول بأن العلماء ليس لهم أصالة، إن كان يعني استقلال رأيهم فهو صحيح، ولكن إذا كان يقصد عدم جواز التقليد منهم فهو غير صحيح، لأن الاتباع منهم من أساسيات الدين.
وأيضًا، من ينكر النيابة العامة، أي اتباع الفقهاء أصحاب الشروط في زمن الغيبة، لا يترك لنفسه سبيلًا للهداية، لأن النيابة العامة هي الاستنباط من الكتاب والسنة واتباع الناس للعلماء أصحاب الشروط، وبالطبع لا يوجد “رئيس للدين” بل العلماء هم وسطاء لنقل الفيض العلمي من أولياء الله إلى الناس.
في الفصل السابق ذكرنا أن الأخباريين يحرمون التقليد في الدين، ويقولون إن الطاعة يجب أن تكون فقط لله ورسوله وللأئمة المعصومين، وهم يرون أن المؤمنين يجب أن يتبعوا الله والرسول فقط وليس العلماء، لأن العلماء أنفسهم بحاجة إلى المعصومين.
كما أن الأخبار لا ترى الدين معقدًا إلى درجة الحاجة إلى متخصص وخبير.
قمع المواهب
التقليد الفارغ في الأعمال التي يستطيع الإنسان أن يؤديها بعقله وذوقه دون الحاجة إلى اتباع الآخرين؛ لأن العقل والفطرة الإنسانية تأمران بعدم فقدان الاستقلالية الطبيعية والخصائص النفسية والروحية، فلا ينبغي للإنسان أن يصبح نسخة من غيره، بل يجب أن يكون نفسه ويعيش بصفاته الطبيعية والنفسية والروحية التي وهبها الله له، لا أن يشبه أو يكون نسخة مكررة لشخص آخر.
العقل يقول: إن الأمور التي يمكن للإنسان أن يقوم بها بنفسه دون تدخل الغير يجب أن يتولاها بنفسه، ولا ينبغي أن يفقد استقلاليته، بل عليه أن يستخدم فكره وألا يصبح مأجورًا لأفكار الآخرين. على سبيل المثال، يجب أن يلبس ويتصرف ويتكلم بما يقتضيه عقله وعواطفه وذوقه الشخصي.
حقًا، إذا استخدم الإنسان فكره في هذا المجال واعتمد على نفسه، فإن عالمًا جميلاً متجددًا ومتطورًا سيظهر، وستبرز قوى فعالة من عالم الإنسان إلى العالم الخارجي، وسيكتسي العالم وحياة الإنسان بتنوع وجمال بديع. أما إذا سيطر التقليد على المجتمع، وخاصة التقليد المفروض من الاستعمار والاستغلال، بحيث تُفرض على الناس شكل الملابس وطريقة الحياة، فإن الإنسان سينال عالمًا جافًا جامدًا قديمًا مصطنعًا ميتًا بلا بريق، وهذا ما نشهده اليوم على نطاق واسع.
في مثل هذا العالم، لا وجود للحب والمشاعر، ولا أثر للعطف والمودة، كل ما في الأمر هو الجمود والفساد. هذا النوع من التقليد باطل وعديم المعنى وفي بعض الأحيان حرام. والتقليد المذموم هو ما يجب على الجميع تجنبه؛ لأنه يخنق مواهب الإنسان ويقضي على كفاءته، ويجعل الإنسان المبدع لعبةً وعروسةً بيد الآخرين.
التقليد الصحيح والتعاون البشري
التقليد الصحيح أمر طبيعي وضروري للحياة البشرية، وهو يرافق التعاون في المجتمع الإنساني، والعقل والفطرة يعترفون بوجوده، بل هو قانون الفكر والعمل نفسه، وحكم على المجتمع البشري منذ فجر التاريخ. اتباع الفرد المحتاج لشخص عاقل، وسؤال الجاهل للعارف، وتعليم الأستاذ للمتعلم، واتباع الإمام والقدوة، كلها أمور مؤكدة تدل على وجود التقليد، وترك هذه الطريقة، فضلاً عن كونه مستحيلاً وغير عقلاني وغير متصور، يؤدي إلى الفوضى في المجتمع والحياة البشرية، ويجعل عالم الإنسان أشبه بالغابة، حيث تحكم القوانين الطبيعية والتقليد الفطري.
هل يعقل في المجتمع البشري أن يكون كل إنسان طبيبه، ومعلمه، ونجاره، وحداد بيته، وأن يؤدي جميع أعمال حياته بنفسه؟ هذه الفكرة غير متصورة وتمثل موت التعاون وانحلال حياة الإنسان.
كيف يمكن إنكار التخصصات وتقسيم العمل في العالم المعاصر المتسارع؟ إن إنكار ذلك إلا دليل على عدم التفكير. بخلاف النوع الأول من التقليد الذي هو تقليد عبثي وعديم الجدوى، الذي لا يضر تركه ولا يصح القيام به، لأن الإنسان يستطيع تلبية حاجته بطريقته الطبيعية وأفضل شكل دون تقليد الآخرين.
إذن، هناك نوعان مختلفان من التقليد، وكل منهما واضح ولا يحتاج إلى تفسير أو برهان إضافي، لأن التقليد من الخبير والعاقل أمر فطري ولا يحتاج إلى أكثر من الإدراك العادي. وبالطبع، هناك أدلة كثيرة تدعم كلا النوعين، وقد ذُكرت بعض منها، ويجب اعتبار من ينكر هذه الأدلة الواضحة منطقياً بعيدًا عن العقل.
أسس التربية الثلاثة
للطريقة التربوية في الإنسان ثلاثة أركان رئيسية وثلاث زوايا محددة، وقد حكم هذا المثلث التربوي طرق الاكتساب عبر التاريخ.
- الركن الأول: الأستاذ
الأستاذ هو من يملك معرفة كاملة أو نسبية علمية أو فنية في مجال معين ويتولى تعليم الآخرين، سواء كان يتقاضى أجراً أم لا، سواء كانت معرفته لخدمة المجتمع أو لمصلحة شخصية أو جماعية. - الركن الثاني: المتعلم
المتعلم هو من يرغب في اكتساب مهنة أو علم الأستاذ تدريجيًا بشكل كامل أو جزئي، ليصبح وارثاً لمعرفة الأستاذ ومهنته، ويريد أن يفهم فكر وأسرار الأستاذ ويصبح مثله أو أفضل منه. - الركن الثالث: المقلد
المقلد هو من لا يكون أستاذًا ولا متعلمًا، ليس له هدف المتعلم، وليس طبيبًا ولا طالب علم، بل هو كالمريض الذي يحتاج إلى طبيب لعلاج ألم أو مشكلة عاجلة، دون أن يطلب تعلم شيء. لا يريد المقلد أن يعرف أسرار عمل الأستاذ ليصبح مثله، بل يريد فقط حل مشكلته بأسرع وأسهل طريقة. هو مريض يريد الشفاء وليس تعلم الطب، مثل الأمي الذي يريد كتابة رسالة دون اهتمام بأسلوب الكتابة.
الاجتهاد والمعرفة في التقليد الصحيح
الشخص المقلد لا يقوم بذلك جهلًا، بل بحكمة ووعي، فهو يعلم أن عليه أن يلجأ إلى الخبير لحل حاجته، لأنه لا يملك القدرة على تعلم كل شيء بنفسه. لذلك، الرجوع إلى الخبير هو اجتهاد مبني على معرفة، وليس جهلًا.
خاتمة
العقل هو الحكم في قبول أو رفض التقليد، وهو أساس الدين وأساس كل شيء، فلا يمكن الفصل بين العقل والدين. العقل هو النور الذي يضيء الطريق، والدين وضع للتعقل والتفكير، ولا يُطلب من الإنسان الإيمان دون دليل عقلي. لذلك، يجب الاعتراف بضرورة التقليد الصحيح وعدم الخلط بينه وبين التقليد العشوائي والباطل.
الباب الثالث: سهولة الدين؛ افتراءٌ آخر
أما الإشكال الثالث الذي يثار بعد نفي الإشكالين السابقين، فهو: إذا قبلنا أن العقل يُقرُّ التقليد الصحيح، وأن الرجوع إلى العارف والخبير هو عين التحقيق لا التقليد، ومع ذلك، فإن الدين أمر فطري يمكن للجميع الوصول إليه بسهولة ويسر، بحيث لا يحتاج إلى خبير ومتخصص. فكل مسلم يستطيع بقليل من الجهد والمثابرة وتعلم بعض اللغة العربية أن يستفيد جيداً من الكتاب والسنة دون أن يحتاج إلى التقليد، لأن الإسلام دينٌ عام لا يختص بالعلماء فقط.
فكل إنسان يستطيع أن يستفيد من الإسلام ويبلغ الكمال المطلوب من دون أن يقطع مشاق الدراسة والتحقيق، بل إن التورط في وسواس قواعد الدين والتأمل الدقيق في ألفاظه يثبط عن العمل بالأساس الذي هو سبيل تحقيق الكمال للإنسان. وقد ثبت بالتجربة أن من يكرس كل جهده لتعلم ألفاظ وقواعد الدين، يكون عمله بالدين أقل، لأن همه كله منصب على تحصيل القواعد وترسيخها في ذهنه.
وفي الرد على هذا الاعتراض، يجب القول: إن من كان له قدر من العلم بالقرآن الكريم والروايات المعصومين وشرائع الإسلام المقدسة، لا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام الباطل؛ لأن المعرفة بأسس الدين، خاصة على المستوى العالي، ليست سهلة، بل هي شاقة جداً.
فمن أراد أن يبلغ أحكام الله ورسوله والأئمة عليهم السلام الذين عاشوا قبل ألف وأربعمائة سنة، ويتيقن بأن تلك الأحكام صادره عن الشارع المقدس ويفهم مضمونها، فعليه أن يقطع طريقاً عسيراً. فالذين قضوا أامارهم في هذا الطريق، ملازمين للفكر وقواعد الدين، يمشون بحذر بالغ، وفي النهاية يقولون: «الله أعلم».
فكيف يمكن أن يستنبط جميع الناس، حتى العوام منهم، كل الأحكام الدينية التي يحتاجونها؟ وكيف يؤدون واجبهم في هذا المجال؟ هذا أمرٌ باطلٌ ناتجٌ عن الجهل، لأن تحصيل تكاليف الدين ليس سهلاً لدرجة أن يعتبر خطأً.
إن العقل، إذا علم بموضوع الدين، يوجب ضرورة أن تعلم واستنباط أحكام الدين ليس سهلاً، بل الدين شأن منظَّم مثل سائر العلوم التي تحتاج إلى متخصصين وعارفين بمنهج الاستنباط. وفي هذه الحالة فقط يكون الدين سهلاً، ويُزال عنه الصعوبة والعسر. فلا بد من وجود من يملكون القدرة على استنباط الأحكام والاطلاع الكامل على الدين، ليتمكنوا من سد حاجة المسلمين.
وبعد توضيح مفهوم التقليد وأقسامه وذكر الإشكالات والتنبيهات، يمكن القول إجمالاً: إن العقل يوجب أن الأحكام الدينية تؤخذ مثل سائر العلوم والفنون من أهل الرأي والاختصاص، وهذا الأمر فطري وطبيعي في الإنسان. والقول بهذا هو حكم العقل والضرورة الفطرية مع بعض الأدلة النقلية التي سنعرضها لاحقاً.
مصدر الفكر
في مجال الاستدلال يوجد نوعان من الأدلة: عقلي وأصيل من الفكر اليقيني، ونقلي صادر عن الشرع المقدس.
ما قيل عن وجوب التقليد الصحيح في الأحكام الدينية هو استدلال عقلي. والآن يجب أن نتحقق من وجود أدلة شرعية تدل على التقليد أو على النيابة العامة لعلماء الشيعة أم لا.
وبعد إثبات الحجة العقلية التي تثبت وجوب التقليد، ننتقل إلى الاستدلال الشرعي. وهذا يتطلب دراسة نقدية للشكوك المطروحة على الأخبار، ثم عرض الأدلة القطعية من آيات وأحاديث معتبرة. وهذا تفصيل متعلق بمقام آخر.
الرد على الاعتراضات النبوية
من المعروف أن معنى التقليد وأصوله موضع خلاف، مثل هل التقليد يعني الالتزام أو مجرد العمل، وهل الحجة على التقليد عقلية أم شرعية، وهل يحتاج إلى دليل أم لا، وهل الدليل من القرآن أو الحديث؟ هذه كلها مسائل علمية اختلافية، ولا يعني الخلاف إبطال التقليد أو التخلي عنه. فالاختلاف من طبيعة العلم والباحثين، وهو يدفع إلى التحقيق والتدقيق لا إلى الهروب منه. العلماء لديهم آراء جازمة خاصة بهم، ونحن هنا نُبيّن نظرتنا الإجمالية لحل هذه الإشكالات.
- في شأن معنى التقليد: هو اتباع العمل، والالتزام هو شرط قبلي له.
- مع اختلاف الأدلة على التقليد، هو ليس أمراً بديهياً ولا يحتاج إلى دليل، بل له حجة عقلية وفطرية، ولا ينافي الإرشاد الشرعي. لا يوجد إجماع شرعي على التقليد، لكن هناك اتفاق عقلي وفقهي بين أهل الشريعة عليه، حتى من طائفة الأخبارية الذين يعترضون على التقليد من علماء الأصول.
- الآيات التي تذم التقليد موجودة مثل قوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئاً»، وهذه مذمات للتقليد الباطل والمظنون والظن السيء، وليس للتقليد الصحيح المبني على العلم والحق. وأما الآيات التي ذكرت حول التقوى والفقه، فلا تخص التقليد بصورة قطعية.
الآيات المتعلقة بالتقليد
في القرآن آيات كثيرة تتكلم عن التقليد، لكن آيات النفي تتعلق بالتقليد السيء، والتقليد في الأمور العلمية والدينية الصحيح لا ينافي هذه الآيات. ومن ذلك آية السؤال:
(فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
وفي شأن هذه الآية نذكر:
- موضوعها السؤال، وهو مقدمة للعلم، ولا ينفي التقليد، لأن التقليد نفسه طلب علم واتباع.
- «أهل الذكر» لا يقتصر على المعصومين فقط، بل يشمل كل ذي اختصاص وعلم في الدين أو غيره.
- الآية عامة، ومن يسأل يسعى لحل مشكلته.
- القول بأن الآية لا تقتضي وجوب قبول السؤال قول خاطئ، لأن التوجيه «فاسألوا» يقضي بطلب العلم من أهل الخبرة، وهذا لا ينافي التقليد بل يؤيده.
آية النفر ودلالتها على لزوم التقليد في الدين
تبيّن الآية الكريمة:
(فَلَوْلَا نَفَرٌ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
- ضرورة أن يخرج من كل جماعة طائفة من الناس لتعلم الأحكام الشرعية، وذلك لكي يُنبّهوا الناس عند عودتهم إليهم، فتكون الناس أكثر وعياً ودراية بالدين.
- هذا يدل على أن التفقه يشمل الأحكام الشرعية، وليس فقط الإرشاد والوعظ، فالأحكام الفقهية تأتي في مقدمة الأمور التي يجب تعلمها وإبلاغها.
- كذلك، لا يتناقض الإنذار العقلي بالتحذير أو ترك التقليد، لأن ترك التقليد قد يؤدي إلى الخطأ والعقاب.
- الآية توضح واجب الأفراد المتفقّهين تجاه الناس العاديين، وأن حركة هؤلاء المتفقّهين وتعلمهم هي التي تؤدي إلى وعي المجتمع.
الرد على شبهات الأخباريين حول التقليد
- الأخباريون يشككون في صحة التقليد وينكرون ضرورة اتباع العلماء، ويرون أن الطاعة يجب أن تكون فقط لله وللرسول والأئمة المعصومين، متجاهلين دور العلماء في نقل الأحكام.
- لكن الأدلة القرآنية والروائية تشير إلى وجوب وجود فئة متفقّهة تؤدي دور الاجتهاد والفتوى، والناس عليهم أن يتبعوا هؤلاء العلماء الثقات.
روايات تؤكد على مشروعية الاجتهاد والتقليد
- رواية “أبان” عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام):
- الإمام يأمر أبان بالجلوس في المسجد وإصدار الفتاوى للناس، معبراً عن محبته لهذا الدور.
- دلالة على وجوب اطاعة أبان والاعتراف بفتواه، وأنها ليست مجرد نقل أخبار بل استنباط وتحليل.
- رواية معاذ عن الإمام الصادق (عليه السلام):
- معاذ يروي أنه يفتى للناس في المسجد، ويواجه أنواعاً مختلفة من المستمعين فيتبنى طرقاً مختلفة في الإجابة.
- الإمام يثني على عمله ويقول: “أنا أفعل مثلك”، مما يدل على رضاه وتمكين معاذ في الفتوى.
- الفتوى مبنية على الروايات والمعرفة المعصومية، وليست اجتهاداً شخصياً عشوائياً.
- تعليم التقليد عن عبد العزيز بن المهتدي عن الإمام الرضا (عليه السلام):
- عبد العزيز يسأل الإمام عن إمكانية الأخذ بالدين من “يونس بن عبدالرحمن”، ويؤكد الإمام على وثوقيته.
- دلالة على أن التقليد يجب أن يكون من العلماء الثقات.
- كذلك يوضح أن حكم المجتهد يمثل حكم الإمام حتى وإن كان استنباطه شخصياً، والمجتهد المعذور في حال الخطأ.
الخلاصة
- النصوص القرآنية والروايات تؤكد ضرورة وجود علماء متفقّهين يقومون بالاجتهاد وإصدار الفتاوى.
- على الناس اتباع هؤلاء العلماء الموثوقين في أمور الدين.
- إنكار التقليد أو رفض دور العلماء يؤدي إلى جهل وعدم وصول الناس إلى الفقه الصحيح.
- المجتهد قد يخطئ لكنه معذور، والتقليد الصحيح يحمى الناس من الخطأ في فهم الدين.
محدودية المرجعية
في كتاب «وسائل الشيعة» ورد في تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سبع روايات مطولة تناولت سلبيات علماء اليهود والفرق بين تقليد اليهود لعلمائهم وتقليد الشيعة لعلمائهم. يقول الإمام (عليه السلام) في تلك الرواية عن شروط العالم:
(فأما من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالفًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم)[44].
بعد عرض الإمام (عليه السلام) لبيان مرتبة العلماء عند اليهود والشيعة، يقول:
ولكن من فقهاء الشيعة من يلتزم نفسه عن المعاصي ويحفظ دينه ولا يتبع هواه ويطيع أمر مولاه، على الناس أن يقلّدوه، وهذا لا يتحقق إلا في بعض فقهاء الشيعة وليس كلهم.
بعض الملاحظات الدقيقة على الحديث الشريف:
- قبل تناول شروط العالم والفقیه، يبيّن الإمام (عليه السلام) بالتفصيل موقف اليهود وعلمائهم وكذلك الشيعة وعلمائهم، محذرًا المجتمع من العلماء الفاسدين والمنحرفين، ومشددًا على وجوب الحذر من طاعتهم.
- يذكر الإمام (عليه السلام) شروط الفقيه كاملةً في أربع نقاط، ومنها يتضح معنى العدل، وهو أعلى منزلة من الثقة الاصطلاحية.
- الحديث يدل بوضوح على «التقليد»، ومن المؤكد أن التقليد مختلف عن نقل الرواية أو الخبر.
- ليس كل فقيه مؤهلًا لأن يكون مرجعًا دينيًا، فالمرجعية مقام عظيم ومسؤولية جسيمة تتطلب شروطًا خاصة، لأن المرجع يجب أن يكون ملجأ الناس في الدنيا ومجيبًا لهم في الآخرة، ولهذا يقول الإمام: إنما بعض فقهاء الشيعة فقط هم أهل للمرجعية.
- من قيد «بعض» يتضح أن هذا الأمر ليس لجميع الفقهاء.
- يبين قيد «بعض فقهاء الشيعة» أن المرجعية مقتصرة على بعض فقهاء الشيعة وليس كل فقهاء الإسلام.
النتيجة النهائية
واجب الشيعة
يمكن تلخيص النقاش المذكور بأن على الشيعة الذين لا يملكون علمًا كافيًا أو قدرة استنباطية، أن يقلدوا الفقيه صاحب الشروط. في هذه الحالة، كما أن دليل الفقيه هو الكتاب والسنة، فإن دليل المقلّد هو استنباط وكدّ الفقيه العادل.
أي شخص يقلد بعد البحث والتحقق وهو مقتنع بأصل التقليد، لا يُلام بل يُثاب، لأن المؤمن في زمن الغيبة مكلف بما يقدر عليه فقط. لهذا السبب، يرى كثير من فقهاء الشيعة أنه إذا خالف المسلم فتوى المجتهد وكان هو نفسه غير مجتهد ولا متحفظ، فلا يصح عمله. ومع ذلك، فتوى العلماء قد تختلف بين السابق واللاحق، ونظر الكاتب أن العمل إذا كان مطابقًا للواقع فهو صحيح حتى وإن لم يتم التقليد، والمشكلة فقط في العمل غير مطابق الواقع الذي لم يراعَ فيه الاحتياط.
إذا أقر العقل والسلوك الاجتماعي الشرع ولم ينتقده، فإن ذلك العمل يبقى صحيحًا. وإذا أعرب الشرع عن رضا وقَبِلَ سلوك المجتمع، فلا مجال لأي شك في شرعية ذلك.
في موضوع التقليد، هناك دليل شرعي إلى جانب العقل والوجدان، والتعاون المجتمعي مبني على هذا القانون. يجب على كل شخص أن يتعلم فنًّا ويجتهد فيه، كما يستعين الفقيه بخبراء آخرين، كذلك يستعين الناس بالفقيه، مع فارق أن الفقيه يتحمّل أعباء أكبر ويجب عليه أن يتحلى بصفات خاصة.
لذلك، لا يبقى مجال للشك إلا لمن يملك سوء نية أو قصورًا فكريًا، ولا نقاش معهم.
نقد الأخباريين
يرى الأخباريون التقليد من أعلم بأنّه من الانحرافات. فهم يعتبرون التقليد من أعلم باطلًا، مخالفًا للدين، بدعة واعتقادًا خاطئًا. كما أن الكتاب والسنة لم يأتيا بمثل هذا الأمر، ولا العقل يوافق عليه، ولا له واقع موضوعي.
صحيح أن الإنسان يسأل العالم إذا لم يكن يعلم (قال تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»)[45]، ولكن لماذا يجب السؤال من الأعْلَم؟ أليس من يكفي هو السؤال من العالم فقط؟ والعرف والمجتمع كذلك، فإن الإنسان عند مرضه يراجع الطبيب دون أن يبحث عن أفضل طبيب في العالم، خاصة وأنه لا يعلم من هو الأعْلَم أو حتى إذا كان موجودًا.
ردود على هذه النظرة
بما أن التقليد أصلاً باطل، فلا معنى لمناقشة «الأعلمية»، لأن رفض الاجتهاد وأصله يعني أن الحديث عن أعلم وغيره بلا أساس، والتقليد من أعلم لا يقبل دليلًا شرعيًا أو عقليًا، وادعاءات الأصوليين لا قيمة شرعية أو عقلية لها.
الأخباريون يؤكدون أن الأحاديث التي وردت عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لم تشر إطلاقًا إلى التقليد من أعلم، بل كثير منها يناقض ذلك.
الأئمة (عليهم السلام) لم يطلبوا من أتباعهم حتى زمان غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلا التمسك بـ «العالم»، «الفقيه»، و«رواة الحديث» ممن يتحلون بالطهارة والصدق، ولم يتركوا نقصًا في ذلك.
مع عصمتهم، لا يمكن إلا أن تكون «الأعلمية» من خيالات ذهنية باطلة، استُحدثت عبر محاولات مضنية للتوفيق بين أصول الاجتهاد وفرضيات لم يأت بها الله أو النبي (صلى الله عليه وآله).
وضع العقل الاصولي
يرى الأخباريون أن العقل الأصولي لا يستطيع إدارة شؤون حياته اليومية، فكيف به أن يحكم في مسائل الدين؟
ادعاء بلا دليل
العقل الاصولي يقول: بما أن الناس في شؤون الدنيا يتوجهون إلى أكفأ المتخصصين، فمن الواجب في الدين أن يقلدوا الأعلم لضمان الثقة، فكما يلجأ الإنسان إلى أفضل البناءين أو الأطباء، كذلك يجب أن يفعل في الدين.
ولكن، هل في العالم عادة أو منطق أن يعقد الناس جلسات لاختيار أفضل وأكفأ في كل عمل؟ وهل يذهبون دائمًا إلى أفضل النجارين أو الأطباء عالميًا؟ هذا غير معقول، بل الناس في العادة يذهبون إلى الأقرب والأقدر على تلبية حاجتهم دون تعقيد.
إذا كان الأمر كذلك، فماذا يكون مصير كثير من المختصين الأقل شهرة أو رتبة؟ هل يظلون بلا عمل؟
في كل مكان وزمان، يميل الناس إلى التوجه إلى المتخصص القريب والموثوق لأداء حاجاتهم، ولا يفكرون في البحث عن الأعْلَم، وهذه السنة العقلية والاجتماعية عبر التاريخ.
الأصوليون يضلّون السبيل
يُقدّم الأصوليون حججاً أخرى لتبرير معتقدهم، قائلين: إن نظام الدين يقتضي أن تكون إدارة الأمور بيد فرد واحد حتى لا يحصل فوضى وخلل في الأعمال، لكنّ الإخباريين يردّون قائلين: إذا كان النظام في كل أمر يقتضي أن يكون بيد شخص واحد، فلا بد أن يكون في نظام الدين كذلك في زمن الغيبة، وأن يتمّ تعيين نائب خاصّ في كل وقت كما في زمن الحضور. بناءً عليه، يجب السؤال: هل لم يؤخذ في الحسبان جميع الجوانب والنواحي ولم تُجرَ التقديرات اللازمة؟ أم هل تعتقدون بوجود نقص في الدين لا يمكن استكماله إلا بكم؟ مع أنّ المعصوم في عصر الغيبة أصدر حكماً عاماً ولم يخصّ شخصاً معيناً، كما قال: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا»[46]، ولم يعين منصباً للإدارة الدينية ولا تحدث عن شخص خاص، بل أمر بعموم الرجوع إلى رواة الحديث.
الإخباريون ينوحون على غرب الإسلام ويبكون، ويقولون: إنّ نظام الدين ليس أمراً صغيراً أو لفظياً أو سطحياً يمكن أن يُدار بسهولة على يد فرد عادي. الدين هو شرف الله وهوية المجتمع، وهو الذي يحمي كل ما عدا الله ويديره بشكل خاص. وجود الكائنات وعدمها محفوظ في دائرة الدين، والأساس القوي والثابت للدين يقوم على العلم والتقوى وجوانب سامية أخرى. وإن إقامة نظام خاص وإدارة شاملة وكاملة لا يمكن أن تتحقق إلا على يد شخص كالإمام المعصوم. الإمام المعصوم هو أعلم الأولين والآخرين، أتقى الناس، أرحمهم، وأفضل ذخيرة إلهية يمكنها أن تدير الدين والدنيا بعصمته، وليس الأشخاص العاديون الذين لديهم قيود علمية وروحية كثيرة.
خلق الله الحكيم أشخاصاً شرفاء وعزيزين وأرسلهم برسالة الأنبياء والأئمة، لكن البشر ضربوا جذور سعادتهم بيدهم عندما قتلوا الأنبياء والأوصياء، خاصة أوصياء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأوقعوا مصائب عظيمة للأجيال القادمة.
كما استغل الشياطين العالمون جهل البشر وفرضوا أنفسهم على الجماهير البسيطة. ورأى الله تعالى من الحكمة إخفاء ذخيره الأخير لفترة طويلة وغير محددة عن الأنظار، ليحميه من ظلم وظلامة الأعداء ولتهيئة البشر لتقبل التعاليم الإلهية. أما وقد تعذر على الإمام المعصوم – الذي هو «العلم الكامل» و«العقل الكامل» – أن يحمي نفسه في عصر الحضور من شر الشياطين ويواجه الفتن والفساد، فهل ليس من المضحك أن يظن إنسان عادي و«ناقص» أنه يستطيع قيادة المسلمين جميعاً أو حتى الشيعة، ويتولى زمام حكم العالم الإسلامي؟!
هل في فترة الفتور، التي وصفها الإمام الصادق بأنها «الجاهلية الثانية»، يوجد بديل لما قاله الأئمة؟ فقد قال الأئمة المعصومون: حيثما وجد الشيعة أو المسلمون، يستعينوا بالعالم الورع العارف في الأمور الدينية.
وفي هذا الزمان، توجد دول ظالمة وقوية تستعبد الدول الإسلامية الضعيفة وتخضعها لها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «يأتي زمان يُرى فيه المسلمون كقوم بني إسرائيل تحت فرعون، فإذا لم يتكلموا تُسلب أموالهم، وإذا تكلموا يُقتل رجالهم وتُأسَر نساؤهم». ويحدث ذلك حين يبتعد المسلمون عن الآخرة والدين ويتعلقون بالدنيا وزخارفها.
مصلحة عصر الغيبة
يرى الإخباريون أن العالم اليوم، في عصر الغيبة، يُدار بخطط أعداء الإسلام على مدار مئات السنين على يد الظالمين والمستبدين والمغتصبين، وبحسب قول النبي الأكرم «الجبابرة». لذلك، فإن سياسة ومنهج الشيعة في هذه الفترة تقوم على الحذر والاحتياط الأمني إلى حين ظهور ولي الله الأعظم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). وقد أصر الأئمة المعصومون عملياً ونظرياً على أن يحافظ الشيعة على دينهم وأمن أمتهم بالتقية.
التقية تحقق وحدة المسلمين، التي كانت دائماً هدف الأئمة الحقيقيين والحكماء للشيعة، وتحفظ الشيعة، الذين غالباً ما يكونون أقلية بين المسلمين. ولهذا السبب، تم التزام الصمت في العديد من المعتقدات الأساسية للشيعة في زمن التقية، مثل إثبات الخلافة الحقّة وملكية الأرض للأئمة. ولو أُدير الدين منذ البداية وفق الطريقة الحالية للأصوليين، لما بقي من حقائق الدين الإسلامي، التي تُطرح في ثوب غامض ومعقد وبأساليب دقيقة.
لو لم يكن اقتضاء ذلك العصر الظالم الصعب هو الكتمان والتقية، هل لم يكن بإمكان الأئمة الأطهار أن يعرفوا أنفسهم للعامة؟ هل لم يكن بوسعهم بقدرتهم وعظمتهم إنهاء كل هذه الخلافات؟ بل إن الظروف والزمان حالتا دون ذلك. فهل يقدر إنسان عادي على حكم المسلمين، ويقوم بما لم يقدر عليه الأئمة؟
وبهذه المقدمة، يتضح أن أفضل مصلحة في زمن الغيبة هي ما قاله الإمام: «حيث وجدتم عالماً أو فقيهاً أو عالماً بالتقوى، تعلموا أحكام ديننا من عنده ووثقوا بقوله».
فلو كان في كل مكان عدة علماء ورعاة، يقوم كل منهم بتوجيه الناس في كثير من المسائل، ومن الأفضل أن يتلقى الناس تعاليم الدين من عدة أشخاص صالحين مطلعين، بدلاً من أن تكون عيون وعقول الجميع معلقة على لسان شخص عادي ضعيف عاجز عن إدارة شؤون نفسه الخاصة، وخاصة في كبر السن.
الخديعة والمكر في اختيار الأعلم
ينتقد الإخباريون وجوب تقليد المجتهد الأعلم بناءً على ما هو مشهور بين الأصوليين أيضاً. يقولون: إن مسألة «تقليد الأعلم» مبتذلة لدرجة أن حتى الأصوليين يعترفون بفسادها، ولا يلتزمون بها عملياً. ومن أمثلة ذلك:
- غالب فتاوى الأصوليين ليست قاطعة بوجوب تقليد الأعلم، وقليل منهم يوجب ذلك، وكثير منهم يتحدثون عنها كاحتياط وتوخّي، وبعضهم يضيف الشرط لتبرئة الذمة من عدم الأعلمية.
- ولو افترضنا أن تقليد الأعلم واجب، فإن تحديد الأعلم أمر مستحيل على أرض الواقع. هل يجب أن تختار الأغلبية؟ أم تقوم الجهات العلمية بتعيين الأفضل؟ وهذا يؤدي إلى تعارض وتنافس بين الفرق العلمية، ولا توجد طريقة ناجحة حتى اليوم.
- إن تعيين الأعلم من قبل جميع الفرق العلمية يؤدي إلى تفاقم الخلافات والتكفير بين الفئات، وينتج عنه اضطرابات لا حاجة لذكرها.
- هناك الكثير من المؤامرات الخفية والعلنية لتثبيت شخص معين على رأس المجتمع والسيطرة عليه لفترات طويلة، متجاوزاً منافسيه.
- مسألة أخرى يجب سؤال الأصوليين عنها هي: إذا توفي الأعلم، الذي حسب قولهم هو حجة الله على الناس، هل يحق للناس في تلك الفترة أن يتوقفوا عن اتباع الدين؟ هل يجوز لهم العمل بفتوى ذلك الفرد المتوفى؟ أم يجب عليهم أن يتصرفوا بحذر واحتياط؟ أم أنه يجب قبل وفاة الأعلم أن يُختار الأعلم التالي بعد تمهيدات واستعدادات سابقة؟ وهذه الخيارات كلها لها تبعاتها ومشاكلها التي يجب التعمق في مناقشتها في بحوث تفصيلية.
- من وجهة نظر الإخباريين، تقليد الأعلم أمر باطل، مخالف للدين، بدعة، ومعتقد زائف، علاوة على أن الكتاب والسنة لم يتطرقا لهذا الموضوع، ولا العقلاء يؤيدونه، كما أنه لا يستند إلى أي واقع خارجي.
- أما من وجهة نظر الأصوليين، فإن تقليد الأعلم يعني أن كل مسلم وشيعي يجب أن يأخذ أحكام دينه من المجتهد والفقهاء الذين هم أكثر علماً وإطلاعاً على الدين من بقية العلماء والمجتهدين، والذين يتفوقون في مراجعة الأحكام وارتباط الفروع بالأصول بين فقهاء زمانهم. ويقول غالب علماء الأصول: إن تقليد الأعلم هو احتياط واجب، أو على الأقل أولى وأحوط، وعلى الرغم من أن جميع العلماء لا يفتيون بذلك بشكل قاطع، إلا أن الأغلبية بينهم يؤيدون هذا الفتوى.
- ويجب القول: إن تقليد الأعلم ليس مسألة اختلقها العلماء أو تخص الدين فقط، بل إن كل أفراد المجتمع عندما يحتاجون إلى متخصص، وإذا كانت الحاجة ملحة وأساسية، فإنهم يتوجهون إلى أخصّ وأعلم الناس في ذلك المجال. فإذا مرض شخص ما، يلجأ إلى الطبيب، وإذا كانت حالته المرضية صعبة، يبحث عن الطبيب الأكثر مهارة. وإذا أراد بناء مبنى شاهق ومهم، فإنه يلجأ إلى المهندس الأكثر كفاءة، ولا يترك نفسه في يد متخصص مبتدئ أو طبيب عادي يمكن أن يشكل خطراً عليه.
- وبناءً على ذلك، فإن أي فرد مستعد لتحمّل مزيد من الجهد وإنفاق المزيد من المال لتفادي الخطر والضرر في أمور مهمة. وهذا من فطرة الإنسان، ولا يقبل عقلاء مخالفة هذا. فمن الذي يوافق على تسليم مريض عزيز يعاني من مرض خطير ويحتاج إلى عملية جراحية خطيرة لأي طبيب كان؟ أو أن يترك بناءه المهم في يد أي بناء أو مهندس مبتدئ؟
العلم والأعلمية وضرورة العقل
قد أفاد علماء الأصول في ردّ وهمِ الأخباريين الذين زعموا أن العقل لا يُقرّ بوجوب الرجوع إلى الأعلم ما يلي: إن الناس في حالات الحاجة يلجؤون إلى العالم بكل فنٍّ ومتخصص فيه، وليسوا عادةً يتبعون الأفضل أو الأعلم منهم، ولا يكرّسون لذلك الوقت، لأن في ذلك تعقيدًا واضطرابًا يضر المجتمع، إذ إن الأعمال كثيرة والعلماء الأعلم قليلون، فلو التفت الجميع إلى الأعلمين، لتعذّر تلبية حاجات المجتمع، وينشأ الفوضى.
فردّ علماء الأصول على هذا الوهم: إن العقل يوجب الرجوع إلى الأعلم في الأمور الخطيرة والهامة، ولو لم تكن هذه الضرورة موجودة في الأمور العادية والعادية. ومن جهة أخرى، فإنّ الأعمال الخطيرة قليلة العدد بحيث يمكن للأعلمين إنجازها، والأعلم هو مفهوم نسبي، وإذا قلّ عدد الأعلمين، ينبغي التخطيط لذلك، أو على الأقل يكون هناك إشراف أحد الأعلمين على تلك الأعمال، فلا يجوز إطلاقًا التصرف مستقلًا بسبب نقص الأعلمين، إذ إن هذا النقص لا علاقة له بضرورة العقل، لأن حكم العقل ثابت في كل مكان وكل وقت؛ فالوجوب هو الرجوع إلى الأعلم في الأمور الخطيرة والهامة لا في الأمور العادية.
سلوك الشيعة وشعار العالم المتحضر
ومن الأوهام الأخرى التي طرحت في هذا السياق، أنّ رجوع الناس أو العقلاء إلى الأعلم في الأمور الدنيوية والعادية لا علاقة له بالدين وأحكام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فلو كان رجوع الناس في شؤون دنياهم إلى الأعلم دليلًا على موافقة الله ورسوله، لوجب أن يطيع الناس في الأمور الدينية العقل والإجماع والفطرة، وهذا غير صحيح، لأن الناس في الدين مطيعون لأحكامه لا تابعين للعقل أو الفطرة.
فالردّ على هذا الاعتقاد: أن حكم العقل والدليل الفطري يسريان على جميع شؤون الحياة، ولا فرق بين الأمور الدنيوية والدينية. فالمسلم في جميع جوانب حياته تابع للدين والعقل، والدين يؤكد هذه التبعية، ولا فرق بين الدين والدنيا، والدليل يشمل كل الأمور الدنيوية والدينية، لأن الدين هو أهم أساس للمجتمع والبشر، ويجب أن يؤخذ بأهمية أكبر. فإذا كان الإنسان يرجع في الأمور المهمة والدنيوية – التي تتعلق بجسده فقط – إلى الأعلم، فكيف يُقبل أن لا يرجع إلى الأعلم في الأمور الدينية – التي تتعلق بروحه؟ فالفطرة والعقل يأمران أن تُسند الأمور الخطيرة إلى الأعلم، سواء كانت دينية أو دنيوية، مادية أو معنوية؛ فلا تخصيص في الأمر العقلي والفطري، بل هو حاكم على كل شؤون الحياة.
تقليد الأعلم من وجهة نظر المعصومين
قال الإمام الصادق عليه السلام:
“من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضالّ.”
من هذا الحديث يتضح:
- يجب أن يكون الأعلم هو قائد المجتمع وولي أمر الناس.
- قيادة المجتمع لا تكون إلا بشخص واحد لأن الأعلم لا يكون إلا فردًا واحدًا.
- من تقدم على الأعلم فهو ضال ومبتدع ويستحق العقاب الإلهي.
وقال أبي عبد الله عليه السلام:
“أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا، إن كلامنا ينصرف على سبعين وجهًا.”
فهم هذا الحديث يشير إلى:
- أن الأفقه هو من يعرف معاني كلام المعصومين بعمق.
- أن فهم كلام المعصومين ليس متاحًا للجميع.
الخلاصة
إن مسألة الأعلمية ليست فقط لها أساس عقلي، بل الدين قد أكدها وصاغها بقوة، بل إن مخالفتها تعتبر ضلالًا وبدعة، وهذا يدل على مدى نضج الفكر الشيعي في مواجهة القضايا الفكرية والاجتماعية.
التعيين والتخيير
الدليل الآخر الذي يذكره أصوليو الفقه بخصوص وجوب الرجوع إلى الأعلم مع فخامة وجلال خاصين، وهو دليل ذو طابع علمي، هو دليل التعيين والتخيير، الذي يستخدم في بعض المسائل الفقهية والأصولية. ويتلخص هذا الدليل في أنه إذا افترض وجوب الرجوع إلى شخص معين في أمر مهم وديني، فيمكن الرجوع إلى الأعلم أو غير الأعلم، ففي هذه الحالة، إن شككنا هل يجب الرجوع إلى الأعلم أم يمكن الرجوع إلى غير الأعلم، فلا شك في وجوب الرجوع إلى الأعلم، لأن الرجوع إلى الأعلم قطعي، أما الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم فهو مشكوك فيه ويحتاج إلى دليل، ولا يوجد دليل على حجية الرجوع إلى غير الأعلم، بل إن الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم يعد الرجوع إلى الجاهل، إذ أن غير الأعلم مقابل الأعلم الذي هو العالم الكامل والعاقل والذي يأمر العقل بالرجوع إليه، كأنك ترجع إلى من لا تخصص له ولا دليل على حجية علمه. وبالتالي، في وجود الأعلم، الرجوع إلى غير الأعلم هو الرجوع إلى غير المختص وبعيد عن الدليل والعقل، خاصة في الأمور الدينية التي يجب أن تكون الرجوع فيها مستندة إلى دليل شرعي.
بالطبع، هناك دليل على وجوب الرجوع إلى الأعلم، لكن لا دليل على الرجوع إلى غير الأعلم، وهو موضوع محل شك، بل دليل الحجية هو ضد الرجوع إلى غير الأعلم، إذ يُعد ذلك بمثابة الرجوع إلى الجاهل، وهو غير جائز.
النقدات التي وُجهت إلى هذا الدليل هي:
- الأصل في الرجوع إلى الأشخاص العارفين والأمناء في الأمور الضرورية هو أمر عقلي، كما هو الأمر في الرجوع في الأحكام الشرعية، حيث يقول تعالى:
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]،
{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]،
والتي توضح الفرق بين العالم والجاهل، إلا أن الرجوع إلى الأعلم لا دليل عليه ويحتاج إلى برهان. فالأصل في الرجوع إلى العالم لا مشكلة فيه وهو عقلي وديني، أما الرجوع الخاص إلى الأعلم فيحتاج إلى دليل ولا يوجد دليل عليه، بل يوجد دليل شرعي على عكسه كما سيُذكر في هذا البحث. لذلك يمكن تتبع دليل التعيين والتخيير بأن الأصل هو الرجوع إلى العالم المتيقن، ووجوب الرجوع إلى الأعلم تكليف زائد غير مؤكد ولا دليل عليه.
إذا قيل إن التعيين والتخيير السابق في الدليل الأصولي دليل على وجوب الرجوع إلى الأعلم، نقول: الدليل مخدوش، لأن الأصل هو وجوب الرجوع إلى الأعلم على نحو مؤكد، وهذا غير صحيح بل الوجوب محل شك، والدليل معكوس، إذ لا يوجد ما يلزم الرجوع بالضرورة إلى الأعلم. قد يقال إنه إذا أمكن فالرجوع إلى الأعلم أفضل، ولكن يجب التمييز بين ما هو مستحب وما هو واجب شرعاً، بل قد يسبب الرجوع الحصري إلى الأعلم اضطرابًا في الشؤون الاجتماعية لأنه قد لا يستطيع تلبية جميع احتياجات المراجعین.
- القول بأن الرجوع إلى غير الأعلم مع وجود الأعلم كأنه الرجوع إلى الجاهل هو قول لا أساس له، ولا يمكن اعتبار العالم جاهلاً بسبب وجود أَعلم، وهذا يخالف التفاهمات والعادات خاصة في الأمور الدينية حيث عنوان الأدلة الشرعية هو «العالم» وليس «الأعلم». كما أن هذا المبدأ يقتضي أن جميع المجتهدين الأقل علماً يجب أن يرجعوا إلى الأعلم، لأنهم بذلك يكونون كالجهال في مقابل الأعلم، وهذا يتعارض مع قاعدة تحريم تقليد المجتهد. إذًا لغة الآيات والأحاديث تشير إلى الرجوع إلى العالم المؤهل وليس إلى الأعلم فقط، والرجوع من المعصوم إلى غير المعصوم كثير، فكيف بالأفراد العاديين إلى العلماء غير المعصومين؟
- القول بأن عموم الأدلة يشمل الحالات التي لا يوجد فيها اختلاف في الفتوى أو في الفضيلة بين المراجعین هو كلام مبالغ فيه، إذ لا دليل على هذا ولا يمكن إثبات وحدة الفتوى أو تساوي الفضيلة بين الجميع. الفرق في الفتوى والفضيلة واضح ومشاهد، والرجوع إلى أشخاص مختلفين في الكمالات والفتوى بحسب التخصص والمعرفة هو سير العقلاء والمشرّعين، والدين قد فرض ذلك لراحة الناس.
على هذا الأساس، لزوم الرجوع إلى الأعلم أمر غير ممكن أو صعب جداً وقد يؤدي إلى اضطراب، وهذا ما لم يطلبه الأئمة المعصومون، بل كانوا يوصون بالرجوع إلى العلماء المؤهلين لتيسير أمور الشيعة وعدم تحميلهم عناء البحث المتواصل.
من هنا، يجب التمييز بين مقامين:
- أولاً: هل يجب الرجوع إلى العالم أو إلى الأعلم، وما هو الدليل على كل منهما، وما هو المعيار؟
- ثانياً: مع افتراض عدم وجود دليل على الرجوع إلى العالم أو وجود دليل على عدم صحته، ووجود دليل قاطع على وجوب الرجوع إلى الأعلم، هل هذا ممكن عملياً أم يسبب عسرًا وهرجًا؟
وقد خلط بعض الفقهاء بين هذين المقامين.
الملخص:
وجوب الرجوع إلى الأعلم يحتاج إلى دليل، أما الرجوع إلى «العالم» فهو اللفظ العام في الآيات والأحاديث وحكم العقل قائم عليه.
3ـ العالم الواعي والصالح
- وجوب الرجوع إلى عالم عادل وواعي:
- الإمام الصادق (ع) يقول: ان الحكم يكون للإمام العالم بالقضاء والعادل بين المسلمين.
- فتوى من دون علم وهداية إلهية تُعد محرمة ومُلعونة.
- الفتوى التي تصدر بدون علم هي مجرد خيال وأوهام من الضالين.
- القضاة بين أربع طبقات:
- ثلاثة منهم في النار، والرابع في الجنة: “رجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة”.
- أي أن القاضي الذي يصدر حكمًا عادلًا وعالمًا يكون مستحقًا للجنة، والعلم هو المعيار وليس مجرد المرتبة أو العلم الأعلم.
- أهمية قول الحق والاعتراف بالجهل:
- “أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون” هو حق الله على خلقه.
- العمل بدون علم يسبب فسادًا أكثر من إصلاحه.
- الرجوع إلى عالم صالح وليس بالضرورة الأعلم:
- إشارة إلى قصة علي بن المسيب الذي سُئل الإمام الرضا (ع) عن من يأخذ منه الدين حينما لا يستطيع الوصول إليه، فأشار له الإمام إلى زكريا بن آدم في قم، معتمداً عليه كأمين في الدين والدنيا.
- هذا يدل على أن الرجوع إلى عالم صالح وموثوق هو الواجب، وليس بالضرورة الأعلم في الدرجة العليا.
- شروط المجتهد المرجوع إليه:
- يجب أن يكون مجتهداً بمعنى الكلمة.
- عادلاً.
- مستقرًا في معتقداته الولايتية (أي يلتزم بأصول الإمامة والولاية الشرعية).
- أي نقص في هذه الشروط يفقده أهلية الرجوع إليه، وفتواه لا تُلزم ولا تجوز المتابعة عليها.
- نقد وجهة نظر الإخباريين والأصوليين:
- الكاتب لا يرفض كل ما يقوله الإخباريون، ولا يؤمن بإلزامية الاعتماد على الأعلم فقط كما يقول الأصوليون.
- المطلوب هو الرجوع إلى عالم عادل وواعي، وليس بالضرورة الأعلم، لأن الله يريد حق العلم والعدل وليس التفاضل والمراتب العلمية فقط.
نقد وتحليل وجهة نظر الأخباريين
تُواجِه وجهة نظر الأخباريين في مقام الثبوت والدليل النقدات التالية:
- القول بأن شرط معرفة الأعلمية بلا وجه، وأنه يكفي الرجوع إلى عالم الدين والرواة، قول صحيح إلى حدٍّ ما، لكن إنكار الاجتهاد والتقليد غير صحيح، خصوصاً أن الرجوع إلى أصحاب المعرفة الدينية والعارفين بالحلال والحرام، وهم المجتهدون في الدين، في طائفة الأخباريين، إذا كانوا عارفين بالأحكام الشرعية أو مجتهدين في الأصول مع توفر الشروط، هو تقليد بحد ذاته. إذن، فكرة أن الاجتهاد والتقليد لا أساس لهما هي اعتقاد بلا أساس، رغم أن لزوم الرجوع إلى الأعلم في مقامي الثبوت والإثبات بلا وجه.
- رفض الأخباريون لتقليد الأعلم ووصفهم له بالفضيحة، مستندين إلى أن العقل والدين لا يطلبان الرجوع إلى غير العارف، وأن الأعلمية لا أساس عقلي أو ديني لها، هذه المقولة رغم كمالها تستوجب التساؤل: ماذا عن الأخباريين الذين أنكروا العقل، ثم تحدثوا عن حكم العقل والعرف في الأعلمية وعن العقلاء والمجتمع والناس؟ فمن المناسب أن يتبنّى الأخباريون هذا التفكير في كل مكان، وألا ينظروا إلى الأفكار والمعارف العقلية والعرفية والشعبية على أنها منفصلة عن الكتاب والسنة.
- قال الأصوليون إن تنظيم الدين يقتضي أن تكون إدارة الأمور الدينية بيد شخص واحد. وهذه الفكرة التي تؤكد على وحدة إدارة المجتمع الإسلامي ليست بمشكلة إذا كانت ممكنة في منطقة أو بلد، إذ تؤدي إلى توحيد الإدارة والسياسة والقوانين، وهو أمر مرغوب فيه، سواء اتحدت كل البلاد أو عمل كل منها مستقلاً، أو توحدت البلدان كلها بطريقة واحدة، لكن يجب أن يتضح أن هذه الأمور لا يلزم أن تكون تحت عنوان الأعلمية، فكل منطقة يمكن أن يكون لها مجتهد وعالم مستقل، كما يمكن لجميع الدول الإسلامية أن يرجعوا إلى عالم واحد، من غير حاجة لوجود الأعلمية، وإنما تدخل الكفاءات العامة والفضائل الجانبية في الرجوع، وكذلك يمكن أن تكون هناك إدارة موحدة في منطقة ما أو دولة ما أو أكثر من دولة، أو الرجوع إلى علماء متعددين بدون أن يكون هناك أعلَمية أو تدخل في اختصاصات بعضهم البعض. فكل هذه التصورات متوافقة مع الوحدة والتعدد بين المسلمين من الشيعة والسنة، بحيث يمكنهم العمل تحت عنوان واحد في العالم المعاصر من دون تدخل في شؤون أو فتاوى بعضهم البعض.
وفي حال استطاع الشيعة والسنة تأسيس دولة إسلامية واحدة، فمن الطبيعي أن يتولى العلماء الأخباريون والعلماء الأصوليون أو المجتهدون الأصوليون إدارة الحكم والمناطق الإسلامية.
ومن الأمور التي يجب الانتباه إليها أن هذا الأمر لا يتعارض مع المقترح العام للأئمة المعصومين حول الرجوع إلى العلماء الصالحين، وأن خطة الشيعة لا تعني الانعزال أو التعددية والاختلاف في الفتاوى، فكما ورد في فهم الأخباريين، فإن الأئمة لم يقدموا أسماء خاصة في زمن الغيبة ولا خطط محددة، وإنما ذكروا عناوين عامة مثل «رواة الحديث» و«أصحاب المعرفة الدينية» الذين لهم ولاية، وهذا لا يتعارض مع تشكيل حكومة في حدود ضيقة أو واسعة وحتى حكومة عالمية، لأن منهج الشيعة ليس الانعزال أو الخمول، بل لديهم قدرة على العمل في زمن التقية وحتى تكوين الحكومة العالمية، ويتصرفون بحسب الإمكان، ومع ذلك يجب أن يكون المجتهد الإسلامي صاحب صحة في الولاية والعدل والاهتمام بالكتاب والسنة، وإذا فقد هذه الصفات وكان مؤمناً فعليه الامتناع عن الحكومة أو الفتوى، وإلا فهو ضالٌّ حتماً.
خداع وخدعة في اختيار الأعلم
قدم الأخباريون نقداً تحت عنوان «خداع وخدعة في اختيار الأعلم» لكن هذه الانتقادات لا تخلو من عيوب، وإن صحت فهي إلى حد ما بعيدة عن الأدب الكلامي، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- من جهة إثبات الموضوع، لو ثبتت شرعية الرجوع إلى الأعلم، كيف يمكن معرفة الأعلم وتحقيق ذلك في العالم الواسع اليوم؟ بطبيعة الحال، إذا كان عالم الحوزة منظمًا، كما هو الحال في المراكز العلمية الأخرى، يمكن البحث عن الأبرز، كما يحدث في العالم اليوم في كل مجال، لكن الحوزات والعلماء حتى اليوم لم يكونوا منظمين، وهذا يؤدي أحياناً إلى عدم معرفة أهل الكفاءة أو ظهور أشخاص غير مؤهلين، وأحياناً أسباب غير صحيحة أو ظروف جانبية تؤدي إلى هذا، إلى حد أن خدع شيطانية لعبت دوراً في ذلك، رغم أن الأصل في تعيين الأشخاص الصالحين معروف ومقبول عمومًا تاريخياً.
- في هذا السياق لا ينبغي خلط ثلاثة أمور:
أ. النتيجة الفقهية والعلمية التي تظهر عدم إلزامية الرجوع إلى الأعلم.
ب. الظهور الواقعي والفعلي لهذا الأمر، إذ يمكن أن يكون كل من له اجتهاد وتقوى واهتمام بالولاية والكتاب والسنة مؤهلاً ليكون مرجعًا، سواء كان مشهوراً أو لا.
ج. إذا كانت أسباب الشهرة وتحقيق الفرد غير طبيعية، وكان الشخص يعلم بذلك، فهذا يسبب عدم صلاحية الأعلم المختار، وإن كان غير مدرك ويظهر أثر سلبي واضح، يضعف مكانته، لكن إذا كانت الأسباب غير محسوسة وغير متعلقة به، فلا تؤثر على لقبه.
تحليل ونقد المعتقدات الأصولية
بعض نقدات المعتقدات الأصولية بإيجاز:
- القول بأن التقليد من الأعلم ضرورة فطرية أمر لا أساس له، ولا توجد هذه الضرورة، وإنما الرجوع إلى المجتهد العارف الأمين في الضرورة له دليل، لكن الرجوع إلى الأعلم ليس له ضرورة.
- القول بأن الأحكام العقلية نافذة وأنه لا فرق بين الأمور الدنيوية والدينية صحيح، لكن لا دليل عقلي على وجوب الرجوع إلى الأعلم، وإذا وُجد فإنه لا يميز بين الدنيوي والأخروي.
- الادعاء بأن التقليد من الأعلم من أفكار الشيعة وأن ذلك يجعلهم متفوقين على العالم المتحضر لا أساس له، فالرجوع إلى الأعلم ليس مقياسًا شيعياً، وهو بعيد عن الدليل الديني والعقلي، ونحن بعيدون كثيرًا عن العالم المتحضر في هذه الأمور، ويجب تقدير التخصصات العلمية أكثر وعدم المبالغة في ذلك.
- القول المهم لدى الأصوليين الذي يربك الأخباريين هو «رواية من دعا الناس» التي تؤكد وجوب الرجوع إلى الأعلم، حيث جاء في الحديث:
“من دعا الناس إلى نفسه وكان فيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال.”
لكن يمكن القول إن هذه الرواية موجهة في الأصل إلى الإمام المعصوم مقابل الظالمين والخلفاء المزورين، وليس لها علاقة بالأعلمية في الفقهاء، كما أن الإمام هو فرد واحد، ولا يمكن مقارنة ذلك بعدد المجتهدين.
موقف الأخباريين من العلوم الوضعية
يرفض الأخباريون تعليم العلوم الوضعية في الحوزات ويعتبرونها بدعة تفرض من الأصوليين بدل الكتاب والسنة، ويبعدون الطلاب عن المعرفة الدينية الصحيحة، بل هي مضرة ومحرمة لأنها مخالفة للكتاب والسنة، ونشأ هدفها إضعاف الدين.
ويرون أن هذه العلوم عبارة عن تراكمات قديمة غير مفيدة، وليس الدين بحاجة إليها، فكتاب الله وسنة رسوله كاملة، ولا تحتاج لعلوم خارجية.
يُعزى بعضُ الأصوليين في تشاؤمِ الإخباريين من العلوم الإسلامية إلى جذورٍ تاريخية، ولا يقتصرون هذا التشاؤم على هذه الفئة وحدها، إذ يُعتقد أنَّ العديدَ من الأشخاصِ قد ظنُّوا أنَّ العلومَ الإسلامية – بكميتها ونوعيتها المعقدة والمتشعبة – قد طغت على القرآن والسنة، وأغرقتْهما في الظل. وهم غافلون عن أنَّ هذه العلومَ مستمدةٌ من الكتاب والسنة، فليسَ الكتابُ والسنةُ قراءةً حرفيةً في ألفاظٍ وتركيباتٍ فقط، بل تجلَّت في هذه العلوم جانبٌ من المعاني العميقة والبليغة التي لا تُحصى في القرآن والسنة؛ وهي علومٌ خُصصت لخدمة المسلمين وتيسير فهمهم ومعرفتهم للقرآن والسنة.
إن وجودَ موضوعاتٍ وفروعٍ في العلوم الإسلامية تُعدُّ زائدةً أو لا تُفضي إلى نفعٍ مباشر للإسلام والمسلمين أمرٌ جائزٌ في الطرح، ولكن ذلك لا يعني نفيَ كمال العلم أو تعداده، إذ قد تكون بعضُ هذه المسائل، وإن بدت ظاهرياً زائدةً، ذات فائدةٍ خاصةٍ لأهلها، ولا يُتوقع منها نفعٌ عام للجمهور.
ولا شكَّ أن بعضَ العلوم الإسلامية، كالفلسفة والأدب، لها جذورٌ تاريخيةٌ تعود إلى ما قبل الإسلام، غير أن ذلك لا يعني قبولَ العلماء المسلمين لكل ما ورد في هذه العلوم قبولاً مطلقاً، بل كانوا دقيقين في نظرهم، وأقرُّوا ما كان مناهجه صلبةً، وصحَّحوا ما عابَهُ من نقائص.
وقد بذل علماء الإسلام جهداً دقيقاً في كافة العلوم والفنون، سواء أكانت جذورها التاريخية قبل الإسلام أو نشأت بعده، مستفيدين منها في خدمة الدين الحق، ومن ثمَّ أوجدوا علومًا ومباحثَ جديدةً لا تُقارن بالأصل التاريخي السابق. ومن ثمَّ، وللنظرِ بصيرةً في هذه الشبهة، يجبُ متابعةُ النقاش في ثلاثة محاور:
أ- لم تكن العلوم الإسلامية سبباً في محو أو إزاحة الكتاب والسنة، بل كانت في خدمتهما وفي خدمة المسلمين، ونمت الفكر الديني.
ب- الأحكام الشرعية، وإن كانت كاملةً ولا تحتاج إلى غيرها، إلا أنَّ العلوم الإسلامية التي تستمد منها، تجعل هذه الأحكام قابلةً للتطبيق والفهم العميق، إذ تلعب هذه العلوم دورًا كبيرًا في الكشف عن عمق الدين وأسرار الكتاب والسنة.
ج- رغم أن الالتزام بالدين لا يتطلب بالضرورة طلب العلم، بحيث يستطيع الفرد العادي أن يكون متدينًا ويسعى للخير بوعي محدود، إلا أن استنباط الأحكام الشرعية والبحث في مبانيها لا يتم في وقت قصير، بل يحتاج إلى جهدٍ ووقتٍ طويلين.
وسنوجز فيما يلي نقاط كل محور:
أ- تنوير الفكر الديني
تُظهر النظرة التاريخية إلى الإسلام والعلوم الإسلامية أن بقاء الإسلام وتوسعه كان نتيجة لتنوير الفكر الديني، وهذه المهمة حملتها العلوم الإسلامية، التي ليست منفصلةً عن الدين بل مستمدةٌ منه، وهو ما أكدته الأحاديث النبوية التي تشير إلى أن المعصومين عليهم السلام يقدمون الأصول للناس ليشتغلوا بالفروع بأنفسهم.
وقد شهد التاريخ الإسلامي أن أصول الدين كان لها وضوح متزايد في كل عصر، وهو ثمرة جهد العلماء.
ولم تكن العلوم الإسلامية في يوم من الأيام ضد الدين، بل كانت دائمًا منيرة له، بل إن العلوم التي نشأت قبل الإسلام لم تكن في تعارض معه، بل كلها مدافعة عن الإسلام، كما أن الإسلام كان دائمًا حاميًا للعلم والفكر.
ب- ارتقاء الفكر وازدهار الحقائق الدينية
رغم كمال واستقلالية الدين الإسلامي، فإن الفكر العلمي المتطور، الذي نما في ظله، لم يكن منافياً له، بل كان باعثًا لاسترجاع الحقائق العميقة للدين، وفهم دقائقه وجمالياته، مما ساعد المسلمين على تحقيق مزيد من النضج الفكري والظهور الكبير للعلماء البارزين، وساهم في تنمية المجتمع الإسلامي عقليًا وعمليًا في ظل القرآن وأحاديث المعصومين عليهم السلام.
ج- التدين والوعي
التدين لا يشترط تحصيل العلم، فكل فرد يمكن أن يكون متدينًا وعارفًا بالأساسيات، ويؤدي واجباته، لكن هذا يختلف عن كونه عالمًا، فقد هزم الإسلام كبار العلماء الفطاحل في فهم مبانيه، حتى إن الفيلسوف ابن سينا – الذي ابتكر العلوم العقلية – أقر بعجز عقله عن فهم بعض المسائل، مثل المعاد الجسدي، وقال: «وإن لم أستطع فهمه، فإن ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكفيني».
الإسلام بحرٌ واسعٌ يُغذي كل فئات البشر من العادي إلى العبقري، فهو سهلٌ متاحٌ للجميع لكنه في الوقت نفسه يجعل العلماء بحاجة دائمة إليه.
شروط طلب العلم
ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: «لا يحصل العلم إلا بخمسة أشياء: كثرة السؤال، وكثرة الاشتغال، وتطهير الأفعال، وخدمة الرجال، واستعانة ذي الجلال».
أي: لا ينال العلم إلا من اتبع هذه الشروط الخمسة:
- كثرة السؤال عن ما يجهله طالب العلم لتثبيت نفسه.
- الاشتغال المستمر بتحصيل العلم، دون كلل أو ملل، طيلة حياته.
- تطهير النفس من الأدران، ليتلقى العلم بقلب نقي.
- حضور مجالس العلماء وخدمتهم، فذلك يزيد العلم نورًا وبركة.
- استعانة طالب العلم بالله وحده، وأن يرى الله المستقل في طلب العلم.
طريق المطلب
لكي يصل المرء إلى الأفكار الإلهية السامية والأحكام الإسلامية، لابد من توافر عوامل روحية وسموية كثيرة، والابتعاد عن غير الله، والتخلي عن ملذات الدنيا، وأن يطلب الخير كله من الله.
إن أراد الإنسان أن يكون مثل شيخ المفيد، شيخ الصدوق، شيخ الأنصاري، ابن سينا، شيخ الإشراق أو شيخ بهائي، يجب أن يهيئ نفسه للتحمل والصبر، ويقبل أن يُذل ويتحمل المشاق، فطريق العلم الحقيقي هو طريق العزيمة والورع والصدق.
لا ينال العلم إلا بستة أمور، وسأنبئك بتفصيلها بيانيًا:
أيها الأخ الكريم، لن تبلغ درجة العلم والاجتهاد إلا بمراعاة ستة أمور رئيسية:
- الذكاء والفطنة: يجب أن تكون ذكيًا وواعيًا، لا بطيئ الذهن أو غافلًا. رغم أن الموهبة هي هبة إلهية وليست مكتسبة، إلا أن تطويرها وتحسينها ممكن للجميع.
- الحرص على طلب العلم: يجب أن تكون طالب علم مخلصًا، لا تظهر فتورًا أو تفضل شيئًا على العلم.
- الاجتهاد والمثابرة: ينبغي أن تكون مجتهدًا، لا تتكاسل عن البحث والتحقيق، وتضع وجودك وجهدك مجانًا دون منّة أمام العلم.
- التزام بوقت التعلم المناسب: عليك مراعاة حالة الطلب، وأن تدرس في الوقت المناسب الذي تكون فيه مستعدًا للإدراك والفهم، فلا تبدأ دراسة لا تقدر على استيعابها.
- الانتفاع من محضر الأستاذ: من الضروري الانكباب على محضر الأستاذ والاستفادة من النعم الإلهية واللطف الرباني، فحضور الأستاذ الناضج والراشد سبب في نمو الفكر وسلامته، ويبعد التوجهات الخاطئة عن المتعلم.
- استمرار الاشتغال بالعلم لفترات طويلة: للوصول إلى مراتب عليا في العلوم والكمالات الإنسانية، يجب متابعة الدراسة لسنوات طويلة، ولا يكتفى بوقت قصير، فثمرات العلم تعتمد على الاستمرارية والمدة.
مراعاة حالة العلم وصلاحية واستعداد المتعلم لاستقبال العلم المطلوب
يجب على طالب العلم أن يجد الوقت المناسب للدراسة، وأن يكون لديه القدرة على استيعاب المادة العلمية المراد دراستها؛ لأن طالب العلم ينبغي أن يبدأ الدراسة حين يحين الوقت المناسب وله قوة الإدراك الكافية لذلك.
الإدراك في محضر الأستاذ وكسب الفيض الإلهي واللطف الرباني ضرورةٌ حتمية
فالإحاطة بمحضر أستاذ وراثٍ ومُصلح يمثل سببًا حيويًا في العملية التعليمية؛ فالأستاذ الناضج والوارِس هو سببُ نمو الفكر وسلامته، ويبعد انحرافات الفكر والكجّية عن الطالب بشكل لا شعوري. وأهمية اختيار الأستاذ الصالح والناجح واضحة جلية، إذ يقول علماء الأخلاق: “يجدر بالإنسان أن يبحث طويلاً عن أستاذ وارِس؛ لأن النفس الطاهرة واللوح الصفِي لجسد الإنسان عزيز لا ينبغي أن يُسلَّم إلى أي كان.”
لبلوغ مراتب عليا في العلوم والكمالات الإنسانية يجب الاشتغال بالعلم سنين متتابعة
ولا ينبغي للطالب أن يكتفي بوقت قصير في تحصيل العلم، لأن الدراسة قصيرة الأمد لا تثمر فضلاً أو علماً يُعتد به، وثمار العلم والفكر تعتمد على الاستمرارية وطول المدة.
الركيزة الأساسية للدين
حتى الآن يتضح أن أن تكون مسلمًا لا يتطلب تكلفة كبيرة، ولكن أن تصبح عالمًا يتطلب جهدًا عظيمًا. وبقاء الإسلام والمسلمين إلى اليوم مرهون بكفاح وتعب علماء الإسلام في مختلف المجالات العلمية والعملية؛ لأن العلماء والمسلمين لم يكن لهم سلاح سوى الفكر الرفيع. ولهذا السبب، كان أعداء الإسلام دائمًا يستهدفون هذه الركيزة الأساسية.
لو لم يكن هناك علماء وأفكار سامية لهم، لكانت معارضة الإسلام مجرد أهازيج يعيث فيها المعارضون اتهامات باطلة ضد المسلمين، ويبعدونهم عن الطريق المستقيم، حتى لا يبقى خبر عن الكتاب والسنة والدين والأحكام الإلهية. إن العلوم الإسلامية ليست موجهة لمحاربة الكتاب والسنة، بل مستمدة من الإسلام وتُستخدم لتعزيز المسلمين ونمو مبادئ الدين وأحكامه.
الموقف من الفلسفة وامتزاجها بالدين
يعتقد الإخباريون أن ما يسبب الشر والفساد في الدين أكثر من غيره من البدع الأصلية هو اختلاط الفلسفة بالدين. وليس المراد بذلك منع مقارنة الفلسفة مع مبادئ الدين، بل المقصود أن لا تُستمد أسباب الأحكام والجوانب المختلفة للإسلام بأساليب فلسفية أو بمصطلحات فنية بحيث يتحول الفقه إلى فلسفة أو يتداخل مع الفلسفة بشكل يجعل دروس الفقه لا تختلف عن فلسفة الفلاسفة، لأن شأن الفقه والدين أسمى من أن يُحلل ويتفسر بالخرافات الفلسفية والمنطق اليوناني.
حتى لو أراد عالم أن يضبط عقله وفلسفته، فعليه أن ينكب في هذا الموضوع على أهل البيت عليهم السلام، ويكون تلميذًا لهم، فيطرح ما لديه من أفكار بشرية وروحانيات زائفة، ثم يقارنها بالأحاديث ويصححها.
الفلسفة تبعد العلوم العقلية عن أهل العصمة والطهارة
المنطق والفلسفة الأرسطية التي تؤمن بها العصور القديمة تفسد الفكر وأحكام الدين، وهي معرفة دخيلة مستقدمة من الكفار وأهل الديانات الأخرى.
يرون أن مصطلحات العلوم العقلية جافة وعديمة المحتوى، وقواعدها خيالية وبعيدة عن الواقع، مما يؤدي إلى انحراف العلماء عن الدين. هذه العلوم تجر الإنسان إلى الشك، والكفر، والالحاد، وتعزل الشخص عن أهل العصمة. الفلسفة اليونانية هي فيروس دخيل جاء بها الخلفاء الضالون باسم الإسلام لمواجهة أولياء الله واستغلال المسلمين، لتكون منافسًا للدين؛ لأنها تحمل تعاليم منحرفة ومنشأ عداء للدين.
الفلسفة تُغرر بالأفراد وتمنحهم الغرور
أصحاب هذه العلوم لا يعيرون الدين وأحكامه اهتمامًا، ويعتبرون أنفسهم فوق أي دين أو مذهب، بل يرون أنهم قضاة العلوم الأخرى، رغم أن بعضهم يظهر بمظهر مسلم ملتزم.
منذ القدم، بعض الأصوليين كانوا يحرمون الفلسفة اليونانية ويعتبرون أهلها ضالين، رغم أن البعض الآخر تعاون معها، لكن فئة منهم تابعت هذه العلوم بجدية.
إخطار زيادة اهتمام الحوزات الدينية بالعلوم العقلية
الإخباريون يحذرون من أن ازدياد توجه الحوزات العلمية نحو العلوم العقلية قد يؤدي إلى جعل الفلسفة من مباحث الدين وأصول استنباط الأحكام الشرعية، ما يستوجب تصحيح أوضاع الحوزات والحفاظ على ثوابت الفقه وكتاب الله وسنة رسوله من هذه العلوم الباطلة.
رد الأصوليين على نقد الإخباريين
الأصوليون يرون أن الإخباريين لا يملكون تصورًا صحيحًا عن العلوم العقلية، فكيف يحكمون عليها بالرفض؟ التصديق متوقف على التصور، ومن دونه يكون الحكم جهلًا مركبًا يصعب علاجه. الإخباريون كانوا بعيدين عن الفلسفة بسبب التعصب والتعصب القشري، مما يجعلهم «أعداء لما لا يعرفون»، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام.
مفهومان للفلسفة
يمكن النظر إلى الفلسفة من زاويتين:
- الفكر والاعتقاد الذي يمارسه كل إنسان يوميًا تجاه الوجود، وهو ما يسمى فلسفة الحياة. ولا ينكر عاقل هذا النوع من الفلسفة، لأنه يمثل الإدراك الإنساني الطبيعي.
- العلم بالفلسفة بمعناه الاصطلاحي، أي معرفة الحقائق الوجودية التي تُبنى على منطق وقواعد محددة، وترفض طرقًا أخرى في الإثبات أو النفي.
إنكار الفلسفة بمعناها الأول هو إنكار الفكر والعقل البشري، وهو مستحيل عقليًا. أما النقاش الحقيقي فيكون على الفلسفة الاصطلاحية، حيث وجد فيها حساسية وانتقادات شديدة عبر التاريخ.
الإسلام: مدرسة العقل والمنطق
الإسلام هو مذهب عقلاني وفلسفي بسيط في ظاهره، لكنه عميق ومليء بالبراهين القوية. كل من يتأمل في القرآن والسنة ويفهم الفلسفة يدرك أن الكثير من كلمات القرآن وأقوال الأئمة لا يمكن فهمها إلا بفهم فلسفي وبراهين عميقة.
الإسلام جامع للعقل والروح، في الجوانب العبادية والسياسية والروحية والعقلانية، وهو مدرسة متقدمة في كل هذه المجالات.
تاريخ الأديان وحوادث الانحراف
الإسلام والأديان السماوية مرت بتجارب شاقة عبر التاريخ، حيث حاول أعداؤها عبر المكر والخداع أن يبعدوا أتباعها عن جوهر الدين الحقيقي ويحولوا القيم المقدسة إلى ما يشوهها. فاستهدفوا القرآن والمساجد والعلماء والروحانيين والفلسفة، مما أضعف الثقافة الدينية وأبعد الناس عن جوهر الدين.
الخلاصة
كيف يمكن فهم الكتاب والسنة والتمسك بها بدون حكمة وفلسفة؟ لقد وصل الحال إلى أن الكثير يعتبر الفكر العميق دليلاً على الكفر والجهل، وهذا كارثة كبيرة.
حتى بعض فرق أهل السنة كالإشاعرة لا تقبل العقل في قضايا التوحيد، مما يبرز عمق الأزمة.
القبح محل الجمال
تجمد الفكر، السطحية، وعدم تقدير العقل وصل إلى حدٍّ أن إلهًا منزّهًا عن كل نقص وعيب، إلهًا يجب أن يكون شاهدًا على فكر وعمل كل إنسان، أصبح محدودًا ومقيّدًا بالعرش والكرسي، وأُسيرًا لأهواء النفوس، كما صارت الأصنام في مكة أسيرةً لهوى البشر.
القرآن الذي كان ينبغي أن يكون الدستور الأساسي للعالم، صار يُوضَع على أرفف المساجد والمنازل كما لو كان غبارًا، والمساجد التي كان يجب أن تكون مراكز انبعاث الفكر الإنساني ومقاصد الخير، أصبحت معزولة.
الروحانية التي كان من المفترض أن تتحمل عبء قيادة الأمة، تحولت إلى مجرد قرّاء المجالس الحزينة، والمجالس التي كان ينبغي أن تكون مدرسةً لمواجهة الظلم والجبروت، انحدرت إلى التمثيل والخرافة والكذب. الفلسفة التي كان ينبغي أن تثمر الأفكار الرفيعة للبشرية وتعرّف الإنسان بأسرار الحياة، أصبحت محرمة، والتصوف الذي كان من المفترض أن يغمر عالم الإنسان بالحب والنقاء والرحمة، انطفأ في الخانقاه والطرق الصوفية، ونتيجة لذلك، أصبح عالم الإنسان أسيرًا للحروب والجرائم والخيانة والضلال والفساد والقبح.
حيثُ وجوبُ قيامِ الإنسانِ – لا سيما المسلمِ – أمام هذهِ المأساةِ والهزيمةِ البشريةِ، لِيحرِّرَ حياتَهُ من قبضةِ هذا الموتِ المحزِنِ، وليؤدّيَ واجبَهُ ودينهُ تجاهَ المجتمعِ البشريِّ؛ لِيخلُصَ الإنسانُ من هذهِ الهزيمةِ التاريخيةِ ويستقيمَ عالمُ الإنسانِ.
الأحاديثُ وحُرمةُ الفلسفةِ
وفي الختامِ، يُذْكَرُ أنّ بعضَ الأَخْباريينَ ومعارِضي الفلسفةِ ينسبونَ حُرمةَ الفلسفةِ وذمَّها إلى المعصومينَ، ويستندونَ إلى العديدِ من الأحاديثِ في محافلِهم وكتبِهم، مستخدمينَ إياها كدليلٍ قطعيٍّ، في حين أنَّ الأحاديثَ التي يستدلُّونَ بها تفتقرُ إلى السندِ الصحيحِ، وحتى في حال صحّةِ السندِ، يجبُ النظرُ في معنى الفلسفةِ ومَن هو الفيلسوفُ، لأن التاريخَ حوى الكثيرَ من الخرافاتِ والانحرافاتِ تحت اسمِ الفلسفةِ والفيلسوف، والتي لا يقبلُها عقلٌ سليمٌ. ويجبُ التنويهُ إلى أن الفلسفةَ الإسلاميةَ والفلاسفةَ الشيعةَ تختلفُ عن ما يُكتسبُ في كلامِ المتكلمينَ أو الفلاسفةِ في الشرقِ والغربِ. فالفلاسفةُ الشيعةُ يخطونَ دائماً بحذرٍ ويتبعونَ الدليلَ الأكيدَ وهو العقلُ والبرهانُ، ويضعونَ أفكارَهُم في خدمةِ الكتابِ والسنةِ المعصومينَ.
الفَرقُ بين الخانقاهِ والكنيسةِ والفلسفةِ والتصوفِ
ما جاء في بعضِ الأحاديثِ وكلماتِ علماءِ وفلاسفةِ الشيعةِ الكبارِ هو النفورُ من الصوفيةِ وذمُّ أفكارِهم وأنماطِ حياتِهم، وهذا واضحٌ وصحيحٌ ولا علاقةَ لهُ بالفلسفةِ والتصوفِ الشيعيِّ، لأن الصوفيةَ الذين ينشؤونَ في الخانقاهِ والكنيسةِ هم أبناءُ الاستعمارِ، وهم يرفعونَ شعارَ الفلسفةِ والتصوفِ ضدَّ الإسلامِ والمسجدِ. إنهم ضالّونَ يستخدمونَ الفلسفةَ والتصوفَ لتوفيرِ سوقٍ لشهواتهم، وقد أصبحوا دمىً في يدِ المستعمرينَ، سواءً بوعيٍ أو بدون وعي.
واتفقَ جميعُ الفلاسفةِ والعلماءِ الشيعةِ على رفضِ هذه الجماعةِ وذمِّهم، فقد كتبَ المُلّا صدرا (صدر المتألهين) كتابَهُ «كسر الأصنام الجاهلية» في ذمِّهم، واصفاً إيّاهم بالضالينَ والجاهلينَ، إذًا فإن انحرافَ هذه الفئةِ وذمَّهم لا علاقةَ لهُ بالفلسفةِ والتصوفِ الشيعيِّ.
ذمُّ الفلسفةِ عند بعضِ العلماءِ
إنما الذمُّ الذي وُجِدَ للفلسفةِ هو ذمُّ بعضِ العلماءِ السابقينَ الذين أبدوا استياءً من تعليمِ الفلسفةِ، وهذه الذمّةُ أو السلبيةُ تعودُ إلى ثلاثةِ أسبابٍ:
أ- ذمُّهم لدخولِ غيرِ المؤهلينَ إلى هذا العلمِ الصعبِ، حتى لا يعاني الطالبُ من فتورٍ عقائديٍّ أو انحرافٍ أو زَلَلٍ فكريٍّ، وهذا أمرٌ مبررٌ.
ب- نفورُهم ممن لا يملكونَ عمقاً فكرياً، والذين تعبوا من التفكيرِ والخوفِ من الأفكارِ الدقيقة، فأصدروا نغمةَ الرفضِ.
ج- تأثيرُ دعاياتِ الاستعمارِ ضدَّ الفكرِ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعلميةِ على نفوسِهم، مما دفعَهم بدونَ دراسةٍ أو دقّةٍ إلى حرمانِ أنفسهم من الفلسفةِ، ومن ثمّ نصحَهم الآخرينَ بتركِها. والحمد لله، فقد تراجعَ هذا التعصّبُ في الأوساطِ العلميةِ حالياً، وإنْ فقدَ العلمُ عمقهُ، وقلَّ الوعيُ فيه.
الفلسفةُ والإسلامُ والتشيّعُ
الإسلامُ – خاصةً المذهبُ الشيعيُّ الأصيلُ – لم ينأَ عن التفكيرِ الصحيحِ، بل رؤيةُ القرآنِ والسنةِ متوافقةٌ مع هذا النمطِ من التفكيرِ. ويجبُ العلمُ أن الفلسفةَ والفلاسفةَ الشيعةَ يختلفونَ تماماً عن المتكلمينَ وفلاسفةِ الشرقِ والغربِ والمتصوفةِ والخانقاهِ والكنيسةِ، وهذا فرقٌ واضحٌ لكل ذي نظرٍ وعلمٍ.
مسألةُ العملِ وتحريمُهُ على العلماءِ
من النقدِ الذي يوجهُهُ الأَخْباريونَ للعلماءِ، اتهامُهم بالتكاسلِ والبطالةِ، ويعتبرونَ ذلك مخالفاً لمنهجِ أولياءِ الدينِ؛ لأن كسبَ المعيشةِ واجبٌ على الجميعِ، وقد ذمّ الإسلامُ العاطلَ بشدّةٍ. ولا يجوزُ جعلُ تحصيلُ العلومِ الدينيةِ مهنةً خاصةً أو حكرًا على فئةٍ ما. التعلمُ الدينيُّ واجبٌ على الجميعِ بقدرِ الحاجةِ.
في رأي الأَخْباريينَ، الدراسةُ الدينيةُ لا تتعارضُ مع العملِ، فالإنسانُ يمكنُ أن يخصصَ جزءاً من وقتهِ للتعلّمِ وجزءاً آخر للعملِ، ولا يجبُ أن يخصصَ البعضُ وقتَهُم كلهُ للدراسةِ ويتخلوا عن كسبِ الرزقِ، وعلى الجميعِ أن يتحمّلوا مسؤوليةَ معيشتهم، كما فعلَ الأنبياءُ والأئمةُ (عليهم السلام). فقد كانَ الإمامُ عليٌّ (عليه السلام) يعملُ ويزرعُ، وحتى يصلحُ نعلهُ بنفسه.
نقدُ مناهضةِ العملِ للدراسةِ
يردُ علماءُ الأصولِ على هذه الاتهاماتِ بأن مفهومَ العملِ عند الأَخْباريينَ ليس محصورًا في العملِ اليدويِّ فقط، بل العلمُ والعملُ الفكريُّ أيضًا عملٌ. فالعقلاءُ يعلمونَ أن طلبَ العلمِ عملٌ جادٌّ وشاقٌ، ومن الطبيعي أن يكرّس الناسُ حياتهم له.
دورُ العلماءِ والروحانيينَ ومسؤولياتُهم
العلماءُ والروحانيونَ لا يقتصرون على البحثِ العلميِّ فحسب، بل يتحمّلون مسؤوليةَ قيادةِ المجتمعِ وتوجيههِ، وهذا حملٌ ثقيلٌ يرهقهم. وعلى الرغم من جهودهم، فإنهم لم يؤدّوا واجبهم على الوجه الأكمل. فهل من المعقولِ أن يُنصرفوا للعملِ اليدويِّ وإعالةِ أنفسهم، ويُهدروا وقتهم الثمينَ الذي ينبغي أن يُكرّسَ لخدمةِ الدينِ والمجتمعِ؟
هذه الظاهرةُ هي خطةٌ شيطانيةٌ لابتعادِ قادةِ الأمةِ عن موقعهم، وتركِ الناسِ لأعدائهم بلا رادعٍ.
التاريخُ يشهدُ
كلما انصرفَ العلماءُ إلى مصالحَ دنيويةٍ، ازدادَ تسلُّطُ الأعداءِ وافتُكّوا بثرواتِ الأمةِ، وانهارت الروحانيةُ، والعكسُ صحيحٌ حينما تُؤمّنُ معيشةُ العلماءِ.
من يتناول مثل هذه المسائل بحذر فهو في الحقيقة يستهدف جذور الدين. يجب على العالم أن يخط بقلمه، لا أن يحمل أدوات العمل. علينا أن نرى متى يعمل العالم وأين يقصر، وكيف يعوّض ذلك القصور بالعمل. هذه الانشغالات هي التي أدت إلى انكسار ظهر الدين اليوم، وتراجع المجتمع الديني.
كما تقدم، يوجه الإخباريون نقدًا متكررًا لعلماء الأصول، ويكرر ذلك الناس السذج والأعداء بأن أمير المؤمنين عليه السلام والأنبياء عليهم السلام بل وحتى النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كانوا من أهل العمل والتعب، وأشغالهم كانت شاقة وخشنة لا يطيقها سوى الفقراء والعامة. والرد على هذا القول هو أن اشتغال الأنبياء والأئمة عليهم السلام بالشغل هو شرف لهم، لأنه يعبر عن علاقة روحية وعملية مع عامة الناس والفقراء، لكن يجب أن يُؤخذ في الاعتبار أن الفضائل والمقامات كثيرة، ويجب على كل فرد أن يمشي وفق حاله، فلا يتجاوز حدود نفسه.
هذا الكلام رغم جماله، يحتوي على مغالطة واضحة تتضح بسهولة بالتدبر. فهو خيانة للفضائل، لأن الأنبياء والمعصومين، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عليه السلام، كانوا يعملون ويتعبون ويشعرون بمعاناة الناس، لكنهم لم يحتاجوا إلى الدراسة والبحث أو إلى مشقة تعلم الأحكام، لأنهم كانوا دومًا مؤيدين من الله تعالى. فالأنبياء، إذا اشتغلوا بالعمل، لم يشقوا على أنفسهم مشقة تحصيل العلم حرفًا حرفًا. من ينادي “سلوني قبل أن تفقدوني” لا يمكن مقارنته بمن يسهر الليالي طالبًا علمًا لشيء غير مؤكد أو قد يُنسى بعد مدة.
الكثير من أعمال الأنبياء وأمير المؤمنين عليه السلام فوق طاقة أي إنسان، وهذا هو الفرق الجوهري بين المعصومين والآخرين. فمن يجب عليه أن يتعلم الصرف والنحو والمعاني والبيان والفقه والأصول والرجال والمنطق والتفسير والعلوم العديدة على مدى سنوات طويلة ليستطيع استخراج حكم الشرع بعد مرور ألف سنة وسط الشوائب والأساطير، لا يمكن مقارنته بمن قرأ القرآن قبل البعثة، أو بمن هو القرآن الناطق نفسه. ويجب التوبة عن مثل هذا التشبيه.
العمل في أوقات الفراغ
لم يترك الأنبياء وأمير المؤمنين والأئمة المعصومون عليهم السلام هداية الناس وإرشادهم بسبب الأعمال الحياتية الصغرى، ولذلك نجد في التاريخ أن أعمالهم البدنية كانت أكثر قبل توليهم المهام القيادية في الرسالة أو الإمامة. فعلى سبيل المثال، خلال فترة العزل التي عاشها أمير المؤمنين عليه السلام، كان يمارس أعمال الزراعة وغيرها.
فماذا كان يمكن أن يفعل الإمام عليه السلام في تلك السنوات الخمس والعشرين سوى الشؤون الاقتصادية والأعمال البدنية؟ هل كان يجب عليه الانشغال بتحصيل العلم؟ أم قيادة الحكم؟ أم إرشاد الناس كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون مراعاة تضعيف الحكم الإسلامي أمام الأعداء؟
هذه الأفكار أو هي مؤامرات خبيثة من الأعداء، أو نتاج أفكار متقادمة وجهلاء لا يتحلون بالصبر والتحقيق العلمي، يريدون التخلي بسهولة عن مسؤولية العلم والبحث والإرشاد، ويظهرون أنفسهم متقين وهم في الحقيقة وقعوا في شَرَك الشيطان، مما يؤدي إلى ضلال الآخرين.
خلاصة:
هناك عدة نقاط هامة يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار لتجنب الانحراف:
- العمل والاجتهاد واجب على كل إنسان مسؤول وقادر، والكسل مذموم في كل دين أو عقيدة.
- يجب على الإنسان أن يسعى دومًا للعمل اللائق والمعقول، وأن يبتعد عن الأعمال غير اللائقة أو عديمة القيمة.
- العمل لا يقتصر على الحفر والبناء فقط، بل التعليم والتعلم أيضًا من الأعمال التي تتطلب جهدًا عاليًا لا يمكن تجاهله.
- علم الدين والتعرف على قوانين الإسلام خصوصًا في المذهب الشيعي يتطلب جهدًا كبيرًا وعناءً شديدًا، لأن الباب مفتوح للعلم والاجتهاد، ويتطلب تفكيرًا رفيعًا ودقيقًا.
- واجب العلماء والفقهاء في الشيعة هو الانشغال إما بتحصيل العلم أو بالإرشاد والتبليغ، وليس بينهما خيار ثالث سوى الغفلة والكسل، وهذه الغفلة هي أعظم الذنوب ما لم يكن هناك عذر شرعي.
الإخباريون يرون أن الرزق من أموال الدين والبيت المال من دون سبب حرام، سواء كان ذلك مقابل عمل أو لا، أو كان العمل مستحبًا أو واجبًا، أو عينًا أو كفاية، تعبديًا أو توصليًا. ويجب على كل شخص، بالإضافة إلى أداء واجباته الشرعية بقدر استطاعته، أن يتحمل مسؤولية كسب معيشته.
يرون أن الإسلام قدم أدلة كثيرة على وجوب الكسب، وأن تركه محرم على كل مكلف، دون تمييز بين عالم وعادي، والكل في هذا الحكم سواء. ويؤكدون أن العلماء يجب أن يتحملوا أعباء معيشتهم مثلهم مثل الآخرين، وألا يستفيدوا من موارد بيت المال إلا للفقراء والمحتاجين، وليس لمن يتعمد أن يجعل نفسه فقيرًا.
من جهة أخرى، يردّ علماء الأصول على حرمة استخدام موارد الدين للمعيشة بدليلين:
- أدلة شرعية تثبت وجوب الكسب على كل مكلف، بحيث أن ترك الكسب محرّم، وهو مرفوض من قبل الشرع.
- وأدلة على أن اشتغال الوقت كله بالعلم وترك الكسب لا يجوز، وأن الاعتماد الكامل على بيت المال غير جائز، إلا في حالات خاصة.
إذا تعارضت الحاجة بين العمل وتحصيل العلم، يجب على الإنسان أن يختار وفق ما ينفعه وينفع المجتمع أكثر، ويستعين بضميره ليحدد إن كان عليه أن يكمل طلب العلم أو يركز على العمل، فكلٌ منهما طريق إلى الكمال إذا اجتمعت النيّة والتوكل.
ختامًا، إذا شعر الإنسان بقلة القدرة على العلم وازداد حافزه للعمل، فعليه ترك طلب العلم والاهتمام بالعمل والكسب بنية التقرب إلى الله، وهذا هو السبيل إلى النجاح وتحقيق الكمال، لأن كل إنسان يجب أن يكون في مكانه المناسب ليخدم مجتمعه دون إهدار للطاقة أو الموارد.
تحريم أخذ الأجر
إذا كان الحكم الشرعي ذا وجوب عيني أو كفائي، فلا معنى لأخذ الأجر من غير في الحالات الفردية مثل الصلاة والصوم، إذ إن أجر الفعل بالنسبة للفرد هو الثواب الأخروي والكمال المعنوي الذي يتضمنه الفعل نفسه. أما في الحالات الاجتماعية والمستمرة مثل القضاء، فلا يجوز أخذ الأجر، لأن منفعة الفعل لا تعود على غير الفاعل ليكون مستحقاً للأجر من غيره، ولكن استمرار الحاجة المجتمعية إلى هذا الفعل يحول دون انشغال الخبير بكسب الرزق، ففي هذه الحالة يجب على الحاكم الإسلامي أن يعول الخبير ويؤمن معاشه، لأن عدم عمله يؤدي إلى النفور الاجتماعي، ومن جهة أخرى استمرار العمل يحول دون تمكنه من الكسب.
وإذا كان الحكم الشرعي ذو استحباب عيني أو كفائي، فلا يجوز أخذ الأجر مقابل ذلك إلا في الحالات الاجتماعية التي يجب فيها تعويض الخبير وتأمين معيشته من بيت المال إذا عجز عن الكسب.
جواز وحرمة النيابة
أخذ الأجر مقابل النيابة في الحالات التي يكون فيها الحكم واجباً أو مستحباً على غير الفاعل، إذا توفرت الإمكانية والرضا الشرعي، فلا إشكال فيه، سواء كان الفعل عبادياً أم توصلياً. إذ لا مانع في أخذ الأجر مقابل الأعمال التوصيلية، لأنها أعمال غير عبادية، مع إمكانية أداءها بنية القربى.
أما الأعمال التعبدية التي لا تتعلق بشخص معين، فيمكن أخذ الأجر مقابل نيابتها ولا توجد مشكلة شرعية، بشرط أن يكون الفعل له غرض عقلائي وقيمة عرفية واجتماعية ليكون الأجر مقابلاً لهذا العمل.
أخذ الأجر مقابل النيابة في التعبديات – سواء كانت واجبة أو مستحبة – جائز بشرط وجود الغرض والعقلانية، وإن كان يشكل اعتراضاً على تعارضه مع لزوم قصد القربى في العمل التعبدي.
والجواب أن أخذ الأجر يكون دافعاً ومحفزاً لتحقيق قصد القربى وأداء العمل بإخلاص. وهذا الأمر متكرر في الفقه، مثل صلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء التي يكون فيها الحاجز دافعاً لإخلاص النية.
لذلك، لا إشكال في أخذ الأجر مقابل القيام بالواجبات سواء كانت توصيلية أم تعبدية، وبالطبع في الاستحبابات جوازه أولى. ومن هنا، لا تعارض بين تحصيل العلوم الإسلامية، مهما كان نوعها، وبين رفع حاجة العلماء من المجتمع الإسلامي، لأنهم بترك كسب المعاش ينشغلون بمسؤولية أهم نفعها يعود على الجميع، ولهذا يعد من أفضل مصارف بيت المال.
استقلال رجال الدين الشيعة
الأموال التي يتقاضاها العلماء والطلاب من المؤمنين عادةً ليست مقابل واجبات عينية أو كفائية، وإنما هي مقابل جهود استحبابية غالباً، وغالباً ما تكون في صورة هدايا وتقديمات تعبيراً عن المحبة والتقدير. هذه العلاقة الروحية والشعبية بين العلماء والجمهور مميزة وفريدة للمذهب الشيعي.
وذلك بفضل منهج أهل البيت الذين نظموا حياة الناس بطريقة تضمن لأئمة الدين مكانة خاصة، ليبقى المجتمع مستمراً بحياة كريمة وذات هيبة.
العلماء في الغالب لا يحبون التبعية للغير، إلا من فاسد أو قليل الكفاءة أو من تصرفاته ذات دوافع استعمارية، وهذا استثناء بسيط.
التجربة التاريخية تُظهر أن قادة جميع الفرق والمذاهب حتى أهل السنة وقعوا تحت سطوة القوى السياسية والاحتلال، أما روحانيتنا الشيعية فقد حافظت على استقلالها عبر أكثر من ألف سنة، ووقفت ضد الظلم والاستعمار وكشفت زيفهم.
عدم الحاجة إلى الدراسة العلمية؟
هناك فكرة سلبية تقول بعدم ضرورة أو حتى حرمة تعلم العلوم الإسلامية، وهذا باطل كما سبق بيانه. فالعلوم الإسلامية في خدمة الكتاب والسنة، وهي ضرورية لفهم الدين وبنائه الفكري.
أما عن عدم جواز التفرغ التام للدراسة الإسلامية، فقد تم تفنيد هذا الرأي، فالعلوم الإسلامية كغيرها من العلوم تحتاج إلى بذل جهد ووقت كبير، ومن يتهرب من ذلك إمّا لا يملك القدرة الفكرية أو يحاول الهروب من المسؤولية.
موضوع الخمس
من القواعد المهمة عند بعض الرواية عدم وجوب دفع الخمس في زمن الغيبة وإباحته، مستندين إلى أحاديث خاصة سيتم تفصيلها لاحقاً.
ويعتقدون أيضاً بحُرمة استخدام موارد مالية إسلامية مثل الخمس والزكاة وبيت المال، وهذا غير صحيح لأن تأمين معيشة العلماء من بيت المال مشروع وأفضل استثمار له.
بالطبع يجب وضع ضوابط لمنع الإسراف والتجاوز، وكل شخص مسؤول عن أعماله، والإسلام يدافع عن الحق فقط.
بعد شرح الأفكار السلبية حول هذا الموضوع، يتضح أن لا مانع بل وجوب السعي في طلب العلم لمن يقدر عليه، ولا تعارض مع كسب الرزق، بل على المجتمع الإسلامي أن يوفر الحياة الكريمة للعالم المفيد.
بعض الروايات التي استشهد بها الرواية (الأخباريون) في مسألة إباحة الخمس للشيعة في زمن الغيبة:
- عن أمير المؤمنين عليه السلام: «هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، وأما شيعتنا من ذلك وآباؤهم في حل».
- عن الإمام الصادق عليه السلام: «أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟ … من قبل خمسنا أهل البيت، إلا شيعتنا فإنه محلل لهم ولأولادهم».
- وأحاديث أخرى توضح أن الخمس للشيعة وأبنائهم حلال إلى يوم القيامة، وأما غيرهم فلا.
- في هذا الباب وردت نحو اثنين وعشرين حديثًا بألفاظ مختلفة، ويُستحب الرجوع إليها لبيان الموضوع بوضوح، ولكن نظرًا لطول ذكرها، سيُشار إلى بعض عناوينها فقط. ففي الحديث السادس يُقال: «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم»؛ إذ إن فرض الخمس في هذا الوقت يُعدّ ظلماً، وهو ما يشير إلى المشكلات التي يواجهها الشيعة بسبب مسألة الولاية، ويُبيّن أن الأمر كان من باب الإحسان والفضل. أما الحديث السابع فيتحدث عن استعمال الخمس يوميًا، والحديث العاشر من قول السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وفي الحديث الحادي عشر تُطرح مسألة الحلّة الواسعة للشيعة. وكل حديث منها يُبيّن بصيغة مختلفة حلّة الخمس، بحيث يتضح من جميع هذه الأحاديث إباحة وحلّ الخمس، وهو حق إلهي واضح للشيعة. ومع ذلك، ورغم كثرة هذه الأحاديث ووضوح ألفاظها، فإن علماء الأصول، بدافع مصالحهم، يرفضون كل حديث منها بحجج مختلفة ولا يقبلون كلام الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في هذا المجال، وهو أمرٌ خطير وظلمٌ للشيعة، إذ أصحاب الخمس هم الذين يُبسطون العطاء، وليس من لا يحق له شيئًا، فينبغي القول: على الإسلام السلام.
- ومن جهة أخرى، يرى الإخباريون أن الخمس وإن كان فرضًا ماليًا على المؤمنين وجذرًا دينيًا ثابتًا، إلا أنه – لا سيما في زمن الغيبة حيث يعاني أصدقاء أهل الولاية والشيعة من مشقاتٍ كثيرة مع غربتهم وظلال وجوه الباطل والطغاة – فقد رفع الأئمة الهدى (عليهم السلام) هذا التكليف عن عاتقهم من باب اللطف والامتنان، ومنحوا حقهم لهم.
- أما الأصوليون، فيردون على الإخباريين بتهمة السطحية وقلة الدراسة وعدم الدقة الكافية في الأحاديث، ويقولون إن هذه الفرقة قبلت أحاديث هذا الباب دون تحقيق دقيق، وتخلّت عن الأدلة الشرعية القطعية الأخرى التي توجد في القرآن والأحاديث بسهولة.
- في هذا البحث، سيُبيّن أولًا أدلة الخمس وكيفية أصل وجوبه، ثم موضوع إباحة الخمس، مع دراسة الأحاديث المتعلقة بذلك من حيث صحة السند ودلالة النص، وأسباب عدم تطبيق العلماء الشيعة لهذه الأحاديث.
- أولًا، يجب أن يعلم أن وجوب الخمس من ضروريات الدين المقدس، وقد قبلته جميع الفرق الإسلامية، حتى الإخباريون، لأن هذا الحكم، بخلاف أدلته الروائية والسنة والإجماع العام وغيره من البراهين الشرعية، له سند قرآني قوي، وقد تمّ الحديث عنه بوضوح في القرآن الكريم من حيث الحكم ومصارفه، ولا يوجد اختلاف إلا في وجوب وإباحة الخمس لبعض الفئات في بعض الفترات الزمنية لأسباب معينة.
- الخمس هو وجوب دفع خمس الزيادة على المصاريف المعتادة للمسلم خلال سنة، وينقسم إلى ستة أجزاء: جزء لله، جزء للرسول (صلى الله عليه وآله)، وجزء لذوي القربى الذين هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام). ومن جهة أخرى، نصيب الله هو نصيب الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي زمن الغيبة، ينوب الإمام المعصوم (عليه السلام) عن كل من الله والرسول.
- في الحقيقة، ثلاثة أجزاء من الخمس مخصصة للإمام (عليه السلام) وتسمى النصيب المبارك للإمام، والثلاثة الأخرى مخصصة للسادات اليتامى والمساكين والعاجزين، وتُسمى نصيب السادات، ويُجمع مع نصيب الإمام ليُكوّن ستة أجزاء، ويقابل ذلك الزكاة التي هي للفقراء غير الهاشميين.
البراهين القطعية على نفي الإباحة
بصرف النظر عن ضعف السند ودلالة روايات باب الإباحة، وحتى لو افترضنا صحة سندها وكمال دلالتها، فهناك تعارض واضح بين هذه الأحاديث والعديد من الأدلة التي لا يمكن التغاضي عنها بأي حال من الأحوال. وفيما يلي موجز للأدلة المتعارضة على نحوٍ فهرسي:
- القرآن الكريم
يشير القرآن الكريم بوضوح إلى وجوب الخمس بصورة دائمة، ويعتبره من الأحكام الثابتة، وليس هذا موضع شرح الأدلة القرآنية، إذ أن المسألة واضحة لا تحتاج إلى تفصيل. - الأحاديث النبوية
هناك العديد من الأحاديث في مختلف أبواب الخمس التي تدل صراحة على وجوب الخمس، وتوبخ بشدة من ينكرونه، وسنورد بعضها في نهاية هذا النص. - عمل وعدم ردع الأئمة المعصومين
عمل الأئمة المعصومين وإمضاؤهم عليه خلال فترة حياتهم الظاهرة، وعدم وجود ردع قاطع من جانبهم، إلا في حالات خاصة كالمنح أو الخطر على الشيعة، يدل على وجوب الخمس. - سيرة وعمل الشيعة المستمر
سلوك الشيعة المتصل من زمن الأئمة المعصومين وحتى الغيبة والنيابة الخاصة والعامة، حيث كانوا يدفعون الخمس ويُعنى به العلماء والفقهاء، يعد دليلاً قوياً على وجوب الخمس. - فلسفة وجود الخمس
الفلسفة الأساسية لوجود الخمس هي تلبية حاجات مقام الإمامة والولاية والسادة وأولاد الأئمة المعصومين، وهي حاجة دائمة وخاصة في زمن الغيبة، حيث يتعرض السادة والأهل لهجمات ومشكلات، والخمس كغيره من الأحكام مرتبط بالغايات التي أُشرعت من أجلها. - قاعدة الاشتغال اليقيني
حتى لو استثنينا الأدلة القطعية، فالاشتغال اليقيني على وجوب الخمس يجعل العبرة بالوجوب، حيث لا يكفي مجرد الشك لإسقاط التكليف، وغياب دليل قاطع يبطل الوجوب يحافظ على استمراريته، وترك الخمس دون دفع يعتبر تعديًا على المال بدون إذن شرعي.
أحاديث لزوم دفع الخمس
بعد توضيح ضعف سند ودلالة روايات الإباحة، وذكر أدلة الوجوب من الكتاب والسنة والفلسفة والواقع العملي، نورد هنا بعض الأحاديث الدالة على وجوب الخمس:
- حديث محمد بن زيد الطبراني:
“لا يحل مال إلا من وجه أحله الله. إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وموالينا. والمسلم من يفي لله بما عهد إليه وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب.”
هذا الحديث يؤكد أن الملكية الحقيقية للمال مرتبطة بإذن الله، والخمس هو الدعم الأساسي للمجتمع الديني وأهله، والوفاء بهذا التكليف شرط في كون المسلم مسلمًا حقًا.
- رواية أخرى عن استحالة إباحة الخمس:
“لا نجعل لأحد منكم في حل.”
أي لا نجعل الخمس مباحًا لأحد، مما يؤكد استمرار وجوبه على الجميع. - حديث صحيح عن تحريم إنفاق الخمس بدون إذن الإمام:
“والله ليسألنهم يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً.”
يدل على شدة التأكيد على عدم التصرف في الخمس إلا بإذن. - رواية أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام):
“ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال من أكل من مال اليتيم درهماً ونحن اليتيم.”
توضح هذه الرواية حق آل محمد في الخمس، وحرمة التعدي على أموالهم. - توقيع من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
“وأما ما سألت عنه من الرجل يستعمل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيها بدون أمرنا فهو ملعون ونحن خصومه.”
ويذكر فيه أن من يحل مال أهل البيت دون إذن يكون ملعونًا، وأن من يأكل من مالهم يأكل نارًا في بطنه.
خلاصة القول، هناك العديد من الأحاديث التي تنفي إباحة الخمس وتؤكد على وجوبه، وهي مختلفة عن الأحاديث المتعلقة بمشروعية الخمس للسادة وعن الروايات التي تتحدث عن أخذ الخمس من قبل وكلاء الإمام (عجّل الله فرجه)، وتؤكد جميعها ضرورة دفع الخمس وعدم إباحته بأي حال.
أ- وضع العدو؛
ب- إباحة الخمس للشيعة؛
ج- قيد وحصر هذا الحكم في زمن معين وليس بشكل دائم وأبدي؛
فمع أن الروايات التي تتحدث عن الإباحة تؤدي إلى تقييد وتخصيص حكم وجوب الخمس بزمن معين، إلا أن الإباحة المطلقة — التي يدعيها فريق الأخباريين — لا تستخلص من هذا الحديث.
تأثير اللقمة الحرام
عدم دفع الخمس وأشد أنواع المصائب
في الحديث المرسل المروي عن تفسير العيّاشي عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:
“إن أشد ما في الناس يوم القيامة إذا قام صاحب الخمس وقال: يا ربّ خمسي، وإن شيعتنا من ذلك في حلّ.”
وفي حديث مشابه قال:
“وقد طيب ذلك شيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا أولادهم.” [٧٧]
في هذا الحديث المرسل عن تفسير العيّاشي عن الإمام الصادق عليه السلام، يروى أنه قال: “أشد حالات السؤال من الناس يوم القيامة حين يأتي صاحب الخمس ويطالب بحقه من الله عز وجل ويقول: يا الله، أين خمسي؟ وأوضح أن هذا الخمس حلال لشيعتنا. وذكر الإمام أيضاً أن إباحة الخمس للشيعة لسبب طهارة ولادتهم وزكاء أولادهم من الحرام.”
هذا الحديث يدل على أهمية حقوق الناس، خصوصاً حقوق الإمام والسادة التي تعد من أكبر حقوق الناس، كما يدل على أن إباحة الخمس مقيدة بزمن محدد بسبب وجود مانع خارجي، إذ كانت الحكومات الظالمة عائقاً كبيراً أمام دفع الخمس من قبل الشيعة. لذا، فإن هذه الرواية لا تثبت الإباحة الدائمة بل تشير إلى وجود مانع خارجي دفع الإمام لإباحة الخمس مؤقتاً للحفاظ على تزكية الشيعة ودرء أضرار ترك دفع الخمس.
الخمس والمولود الطاهر
نقل زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال:
“إن أمير المؤمنين عليه السلام حلّلهم من الخمس ليطيب مولدهم.” [٧٨]
زرارة ينقل أن أمير المؤمنين عليه السلام حلّل الخمس للشيعة ليحصلوا على طهارة الولادة، وكان الإمام يخصص دفع الخمس لبعض أتباعه وأصدقائه عند الحاجة والمصلحة.
هذا الحديث لا يضيف جديداً عن موضوعات الروايات السابقة.
في خبر أبي حمزة
بعد بيانه قال عليه السلام:
“فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا.” [٧٩]
هذا الحديث يؤكد الموضوع السابق ويشير إلى أن الخمس حرام على غير الشيعة، فعبارة “جميع الناس” تشمل كل الناس ما عدا الشيعة، سواء كانوا أعداء أو كفار أو من فرق أخرى، والكل عليهم دفع الخمس.
في خبر عمر بن يزيد
قال عليه السلام:
“كل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلّل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا.” [٨٠]
هذا الحديث يعني أن كل ما يملكه الشيعة من الأرض حلال لهم حتى ظهور الإمام القائم عليه السلام.
لكن من هذه الروايات يتضح أن الإباحة تتعلق بالأرض والفيء والأنفال التي غصبها الطغاة، أي أنها تتعلق بالفيء وليست بالخمس بشكل مباشر، وهذه الإباحة تكون في زمن الجور وليس في زمن العدل، إذ في زمن العدل يجب أن يكون التصرف بإذن الإمام أو نائبه.
الموانع الخارجية والإباحة غير الدائمة
في رواية مرسلة عن عوالي اللآلي عن الإمام الصادق عليه السلام، قيل له:
“يا ابن رسول الله، ما حال شيعتكم فيما خصكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟” فقال عليه السلام:
“نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكوا أموالهم.” [٨١]
في هذه الرواية:
- الحديث لا يتعلق بالخمس بل بالأنفال، التي هي ملك خاص للإمام، حيث يباح للشيعة الانتفاع بها في الغيبة.
- السؤال عن وضع الشيعة في زمن الغيبة، ولا يشمل زمن وجود الأئمة المعصومين الظاهرين.
- سبب الإباحة مرتبط بوجود مانع خارجي وهو حكومة الجور والظلم، ولذلك الإباحة ليست مطلقة أو دائمة.
عدم دفع الخمس وأكل النار
في توقيع بخط الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، جاء:
“وأما المتلبّسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.” [٨٢]
من هذا التوقيع يتضح:
- حرمة استعمال أموال الإمام عامة ليست مقصورة على الخمس.
- الشخص الذي يأكل من مال الإمام مع اعتقاد الحرام مع ظلم يعتبر من أكل النار.
- الإباحة مخصصة للخمس فقط، وتستمر حتى ظهور الإمام.
- سبب الإباحة هو طهارة الولادة، أي وجود مانع خارجي دفع الإمام لإباحة الخمس مؤقتاً.
دراسة دلالة وسند التوقيع
التوقيع هو الرواية الوحيدة التي قد تدل على إباحة دائمة للخمس للشيعة، لكن هناك نقدان مهمان عليه:
أ) النقد الدلالي:
سبب الإباحة طهارة الولادة يشير إلى وجود مانع خارجي يجعل الإباحة مقيدة، وليست مطلقة أو دائمة.
ب) النقد السندي:
التوقيع لا سند له، وهو غير معتبر شرعاً، وكذلك الكثير من الروايات في هذا الباب سندها ضعيف ولا تدل على إباحة دائمة.
خلاصة عامة
كل الروايات التي تتحدث عن إباحة الخمس للشيعة تواجه مشاكل في السند أو الدلالة، ولا توجد رواية صحيحة ودالة على الإباحة الدائمة. لذلك، لا مجال لتعارض هذه الروايات مع الأدلة الكثيرة والقوية على وجوب دفع الخمس.
بعض الروايات تشير إلى إباحة الخمس في حالات ضيق وكرب، وبعضها تتعلق بالأنفال أو المناكب أو المساكن، وبعضها بزمان الغيبة فقط.
حتى لو صحت هذه الروايات، فإن دلالتها غير قاطعة على الإباحة المطلقة والدائمة.
الشيعة: المذهب المستقل الوحيد على الصعيد العالمي
يمكن استيعاب موقعية الإسلام جيدًا من خلال مقارنة قصيرة بين الإسلام وغيره من المذاهب السماوية أو الإنسانية في مختلف الجوانب. وكذلك من خلال مقارنة قصيرة بين الفرق المتعددة والكثيرة داخل الإسلام وبين الشيعة، سنرى أن الرؤية العالمية للإسلام تتجلى فقط في وجه الشيعة، لأن الإسلام دين يفسر العالم من خلال العلاقة مع الإنسان، وهذا التفسير لا يظهر إلا عبر منهج الشيعة وحده. إذ أن الطريق والمنهج الوحيد هو منهج الإمام علي عليه السلام، الذي يمكنه أن يدعي الحكم والعمومية العالمية وإدارة نظام الدنيا، لأنه المنهج المعصوم الوحيد الذي يرسم جميع الأسس الاجتماعية والحكومية في عالم مفتوح وواسع، مستندًا إلى الله والناس، ويعتبر أي حاجة إلى غيرهما – أي الرجوع إلى الديكتاتورية – ضد الدين والدين نفسه.
الأبعاد المختلفة والاتجاهات المتنوعة للمجتمع، بل والعالم الواحد، يجب أن تُبحث فقط في الأفكار السامية للشيعة والقرآن الكريم، والتي من ضمنها: الاقتصاد الإسلامي وتشكيل نظام موحد لتلبية احتياجات المجتمع والناس، يلعبان دورًا هامًا في ترسيخ هذا الادعاء.
الـ “خمس” الذي هو جزء من قوانين الاقتصاد الإسلامي والشيعي، يظهر دوره الهام في هذا السياق، ويجب أن يُدرس ويُبحث بتفصيل في موضعه.
الخمس وضمان بقاء الشيعة
هذه الإشارة المختصرة تكفي لإظهار أن بقاء الشيعة والروحانية على مدى أكثر من ألف سنة من التاريخ، رغم كل الهجمات الظالمة الداخلية والخارجية التي جرت بأشكال دينية وغير دينية، دون أدنى اعتماد على قوى استعمارية من ذهب أو قوة أو خداع، لم يكن ممكنًا إلا عبر هذا المنهج السياسي والاقتصادي الخاص بالشيعة.
كل الاستقلال الذي يملكه الشيعة والروحانية اليقظة في العالم حتى اليوم يعود فقط إلى صلابة أُسس المذهب والأسس الاقتصادية الحيوية المنتجة.
للدليل، يمكن النظر إلى جميع المذاهب وحتى الفرق الإسلامية لمعرفة كيف أصبحت جميع الأمم وزعماء المذاهب والفرق الإسلامية – إراديًا أو غير إرادي – أسرى أيدي الاستعمار، وحاجين إلى منح المحتلين، وفي المقابل قدموا أنفسهم ومنهجهم بكل قوة في خدمة تلك القوى.
بالفعل، الذين يقفون ضد الخمس – هذه الشريعة الإلهية والاقتصاد الشيعي – سواء كانوا واعين أو غير واعين، إنما يخدمون الطاغوت ويكرسون أعمالهم له، لأن كل الشياطين قد وضعت همتها في نفي وتدمير الشيعة وروحانيتهم الصادقة، وبدأوا بإضعاف الدعامة الاقتصادية للشيعة، غافلين أن الحقيقة لا تُمحى بهذه الأوهام الزائفة.
التحريف في القرآن الكريم
فكرة أخرى يوصي بها الإخباريون كل مسلم أن يؤمن بها هي أن القرآن الكريم قد تعرض، بشكل ظالم، لأحداث الزمان، وكغيره من الكتب السماوية، طاله التحريف من قبل المجرمين، فكما تعرض الأئمة المعصومون (عليهم السلام) للظلم والقهر والقتل والنهب، فإن ثقل الإسلام الأكبر – القرآن الكريم – قد تعرض للتعدي والظلم أيضًا.
وهناك أدلة كثيرة من نصوص القرآن الكريم على ذلك، مثل: عدم كفاية اللفظ والمعنى في بعض الآيات، عدم التناسق والانسجام بين بعض المواضيع، اختلال الترتيب والتناسق بين مجموعات من الآيات، ومشكلات أدبية كثيرة في بعض الآيات، بالإضافة إلى دلائل علمية وعقائدية كثيرة. فضلًا عن ذلك، هناك روايات كثيرة من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تثبت وجود أنواع مختلفة من التحريف في القرآن الكريم، وهي روايات لا شك في صدورها عن المعصوم، ولا تترك مجالًا للشك في وقوع التحريف.
التحريف وأنواعه
التحريف – رغم تعدد معانيه – معترف به من علماء الدين وباختلاف الفرق الإسلامية، حتى بين الشيعة والأصوليين، بوجود أنواع منه في القرآن، كالنقل والتبديل، كما في قوله تعالى:
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ) [النساء: 46]، حيث لعبت بعض الجماعات اليهودية دورًا في تبديل الآيات. كما أن هناك نوعًا من الزيادة أو النقصان في الحروف والكلمات، ولا يوجد عالم من علماء الدين يعتقد بتواتر القراءات، وكثرة القراءات دليل على وجود هذا الأمر، ولهذا أمر عثمان بحرق النسخ المتفرقة من القرآن الموحد، حتى يُجمع القرآن الكريم من التشتت والتعدد. كما أن بعض الآيات فيها نقصان أو زيادة، مثل الخلاف حول “بسم الله الرحمن الرحيم” هل هي من السورة أم لا.
أعلى من كل ذلك، هناك روايات كثيرة تثبت وقوع التحريف، وسأكتفي هنا بذكر بعضها.
سنة الله وتفرق الأمة
المجلسي في “بحار الأ” في باب “افتراق الأمة بعد النبي” ذكر عشرات الآيات والروايات وأقوال العلماء من أهل السنة التي تؤكد وقوع التحريف في القرآن الكريم، ومنها:
- قوله تعالى:
(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [فاطر: 43]
وهذا يدل على أن سنة الله في الأمم السابقة ثابتة ولا تتغير، وكذلك ستحدث في هذه الأمة. - رواية الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام التي تقول:
“كل ما كان في الأمم السابقة يحدث في هذه الأمة مثل النعل بالنعل”.
وهذا يؤكد أن التحريف واقع في جميع الكتب السماوية السابقة، فلا بد أن يكون القرآن الكريم قد تعرض له أيضًا.
قرآن الإمام علي عليه السلام
من الأدلة الأخرى على التحريف هو وجود “قرآن الإمام علي عليه السلام” الذي أتى به من إملاء النبي وكتابته بيده، والذي رفضه بعض المغرضين آنذاك، مما يدل على تحريف أو نقص في القرآن الموحد في زمن عثمان، أو على الأقل عدم تطابقه مع نسخة الإمام.
بالتالي، لا يبقى شك في وقوع تحريف في القرآن الكريم.
ردود الأصوليين على مسألة التحريف
الأصوليون ينفون التحريف مستندين إلى آيات مثل:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]
ولكن هذه الآية لا تدل بالضرورة على عدم التحريف؛ لأن “الذكر” قد يُقصد به النبي أو اللوح المحفوظ، كما أن حفظ القرآن قد لا يتعارض مع وقوع بعض التحريف.
وأيضًا الآية:
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: 42]
يرد الإخباريون عليها بأنها تعني أن القرآن لا يحتوي على باطل في أحكامه، وليس نفي وجود تحريف لفظي أو ترتيبي.
مع وجود هذه الأدلة والروايات الكثيرة، فإن وقوع التحريف في القرآن الكريم مثبت بشكل قاطع.
سؤالان مهمان وأساسيان
قد يُثار هنا سؤالان قد يكونان خطيرين: الأول، لماذا يجب على المسلم أن يُصرَّ على تحريف القرآن الكريم، الذي يساوي في حقيقته تخريب القرآن؟ والثاني، في حال وقوع التحريف، ما هو الوضع العملي والوثائقي المتبقي للقرآن؟ وكيف يمكن للمسلمين أن يثقوا به؟
الجواب عن السؤال الأول:
إن إثبات تحريف القرآن الكريم، بعيدًا عن كونه خطرًا، هو في الواقع إثبات لحقانية القرآن وظلمه؛ إذ أن تعدي أعداء الدين على القرآن هو من باب الخوف والرعب منهم منه، كما أن ظلم الأئمة المعصومين عليهم السلام وقتلهم دليل على حقانيتهم، وكما أن الثقل الثاني في الإسلام وهم الأئمة عليهم السلام تعرضوا للظلم والتعدي، فإن الثقل الأكبر وهو القرآن الكريم قد تعرّض هو الآخر للظلم والتعدي من أعداء الدين، مما يؤكد مظلومية وحقانية واتساق هذين الثقلين في موقفهما تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
الرد على الإشكال الثاني:
وجود تحريف في القرآن الكريم لا يتعارض مع حجية القرآن ووجوب العمل به، لأن عملنا بالقرآن هو بمثابة توقيع عملي للأئمة المعصومين عليهم السلام، الذين طوال حياتهم المباركة كانوا يقرؤون هذا القرآن ويتمسكون به ويستدلون به، ونحن لا نحتاج أكثر من سيرتهم العملية والقولية للتمسك بالقرآن الكريم. ولذلك، فإن هذين الإشكالين لا يشكلان خطرًا، بل إن إثبات حقانية ومظلومية واتساق هذين الثقلين يترتب عليهما.
الموقف العلمي من الروايات الدالة على التحريف:
إن علماء الأصول يرون أن الأدلة التي يستند إليها الإخباريون لإثبات تحريف القرآن نابعة من قلة حصيلة علمهم، وأن تفكيرهم أقصر من إدراك القرآن وفهم رموزه، وأنهم ينسبون عجزهم في الفهم إلى نقص وتحريف كتاب الله، ولذلك فإن الدليل الوحيد الجدير بالبحث والنقاش بشأن تحريف القرآن هو الروايات المنقولة عن المعصومين عليهم السلام.
تعريف التحريف ودراسته:
يُستهل ببيان معنى التحريف وأدلته عند القائلين به، ثم تدرس مسألة عدم التحريف بدقة تامة، ليُصان الأصل الثابت والثقل الأكبر للإسلام من هذه الأقوال، ولتكون الأمة الإسلامية على الصراط المستقيم، وتستفيد من القرآن الكريم، كتاب الوحي الذي لا يعتريه خلل.
موقف الكتب السماوية السابقة مقارنة بالقرآن:
الكتب السماوية السابقة كانت مقطعية وثنائية الأبعاد، فلا تصلح للاحتياجات المستقبلية، أما القرآن الكريم فهو الكتاب الخاتم والناهي للرسالات، وقد تطرق لجميع حاجات وواجبات الإنسان عبر العصور المختلفة، وهو كتاب شامل وكامل متعدد الأبعاد، وهذه الصفات تقتضي خاتميته. فالكتب السماوية السابقة كانت بمثابة تمهيد وتجهيز للبشرية، والآن يظهر القرآن الكريم في الفكر الإنساني المتطور ليرشد المجتمع الإنساني إلى مبتغاه.
شائعة التحريف وأصحابها:
قادة الكتب السماوية المزيفة بعد الأنبياء كانوا أتباعًا أكثر من الأنبياء، واعتمدوا على تلك الكتب التي كانت صالحة لزمنها فقط، لكن بسبب عدم صلاحية تلك الكتب للأزمان اللاحقة وحاجاتهم المستمرة إلى التعديل، صاروا يعتقدون بضرورة تحريفها وتصحيحها باستمرار. وعندما رأوا عجزهم عن تحريف القرآن بسبب ثبات الإسلام وقوة المسلمين ووعي قادتهم، لجأوا إلى اتهام القرآن بالتحريف، فحوّلوا نقص كتبهم إلى اتهام القرآن الإسلامي، وحين يطرح مسلمون قضية تحريف كتبهم، يردون بطرح تحريف القرآن.
وبالتالي، فإن هؤلاء هم الذين أثاروا مسألة تحريف القرآن، وبعض الأصدقاء السذج، نتيجة وجود بعض الروايات التي لم يدققوا في معناها ولم يستطيعوا استيعابها، أيدوا هذه القضية، ووقعوا في صف أعداء القرآن والإسلام.
تعريف التحريف:
ذكر أن لكل مجموعة تعريفها وتحليلها للتحريف. وأشهر معنيين:
- التحريف بمعنى الإضافة، أي أن ألفاظًا جديدة أُضيفت إلى القرآن.
- التحريف بمعنى النقص أو الحذف أو التبديل في القرآن الموجود.
والتحريف بمعناه الأول مرفوض من كل الفرق الإسلامية، إذ يتفق الجميع على أن القرآن المعروف هو ما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أما التحريف بمعناه الثاني محل خلاف.
إجماع العلماء على عدم تحريف القرآن:
ما هو معروف ومتفق عليه عند علماء الإسلام والشيعة هو أن القرآن الموجود بين المسلمين هو نفسه الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الله وعد بحفظه من كل حادث.
أدلة على عدم التحريف:
- الآية الكريمة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]
- الآية الكريمة: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: 42]
- أخبار الثقلين، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
- إثبات كمال السور في القرآن الذي يقرؤه المسلمون في الصلاة، وهو ما يتعارض مع فرضية وجود نقص أو تحريف.
- عمل الإمام علي عليه السلام وتصرّفه في أمور المال والعدل، حيث أنه لو وجد تحريفًا في القرآن لما سكت عنه.
توقيع المعصومين على عدم تحريف القرآن الكريم
لو كان القرآن الكريم قد تعرض للتحريف من قبل المعصومين والأئمة المهديين، لزم عليهم خلال حياتهم وفترة إمامتهم أن يوضحوا ذلك للأمة في الفرص المناسبة وينبهوها إلى هذا الانحراف. في حين أن المعصومين كانوا دائماً يحثون أتباعهم وأصدقائهم على التمسك بالقرآن الكريم والاعتماد عليه، حتى أنهم اعتبروا كل خبر أو رواية تخالف القرآن غير موثوق بها وأمروا بضربها على الجدار:
(وما خالفه فاضربوه بعرض الحائط).
ولو قيل إن الأئمة كانوا في حالة تقية فلم يستطيعوا إبلاغ الناس بتحريف القرآن، فالجواب أن المعصومين في طول فترة إمامتهم كانوا يجدون الفرص المناسبة، وعلى فرض عدم الإمكانية، كان من الواجب عليهم على الأقل أن يشاركوا هذا الأمر مع أصدقائهم ليستفيدوا من فيض القرآن الكريم بلا تحريف. وعليه فإن سلوك المعصومين ذاته دليل قوي على عدم تحريف القرآن.
إن ادعاء تحريف القرآن الكريم سواء بإضافة أو نقصان هو مبالغة لا أساس لها، وهو انحراف يروّج له أعداء الدين وأصدقاء الأفكار الخاطئة، وقد ذُكرت أدلة قوية وواضحة تنفي ذلك ولا تستدعي تفصيلًا أكثر، بل إن التعمق فيه لا يفيد سوى إعطاء ذريعة لأعداء الإسلام، وهو أمر غير مستحب للعاقل.
سبب ميل الإخباريين إلى الاعتقاد بالتحريف
ما دفع بعض الإخباريين وغيرهم إلى الاعتقاد بتحريف القرآن هو وجود بعض الروايات التي وردت بخصوص ذلك عن المعصومين، والتي لم يتمكنوا من فهمها فوقعوا في انحراف الاعتقاد بالتحريف.
ورغم وجود ضعف في سند كثير من هذه الروايات وعدم إمكانية تصحيح بعضها، إلا أن هناك روايات صحيحة يجب تفسيرها تفسيرًا مناسبًا، أو إذا تعارضت مع القرآن، تُترك لعدم اعتبارها، إذ إن المعصومين قالوا: «الروايات المخالفة للقرآن اتركوها واضربوها على الجدار».
قرآن الإمام علي (عليه السلام)
المشكلة الوحيدة المتبقية حول تحريف القرآن هي ما يُسمى بـ «قرآن الإمام علي عليه السلام»، وفي الرد على ذلك: لا يُعرف أن هذا القرآن يختلف عن القرآن الموجود بين الناس، وإلا لوجب عليه – كما ذُكر سابقاً – أن يعلن تحريف القرآن وينقذ الأمة من الانحراف، وعدم بيانه دليل على عدم وجود تحريف.
الفرق الوحيد الممكن بين قرآن الإمام علي والقرآن الموجود هو الفهم التفسيري، وشرح أسباب النزول، وتحديد الأسماء، وكشف أسرار أهل البيت عليهم السلام، وبيان طريق الحق وحقوقهم.
خاتمة
يُثبت مما تقدم أن اعتقاد الإخباريين بوقوع تحريف في القرآن باطل، وكل شاهد أو قول في ذلك من قلة العلم أو وسوسة الشيطان. القرآن الكريم هو الأصل الثابت للإسلام، ومرادف للمعصومين وأهل البيت عليهم السلام، والاعتقاد والعمل بهما أساس الدين وركنه القوي، ومن يحرفهما يقع في الضلال والهلاك الأبدي.
التقية وأهميتها
الإخباريون يعتبرون التقية من المبادئ الأساسية، وخاصة في زمن الغيبة، للحفاظ على الشيعة من أذى الأعداء، معتبرين أن الأئمة وضعوا هذا الأصل لحماية المؤمنين من الفتنة، والتقية عقيدة عقلائية ومقبولة عالميًا، فهي درع المؤمن وسلاحه.
أحاديث عن التقية
وردت العديد من الأحاديث التي تؤكد على أهمية التقية، منها:
- «التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له»
- «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له»
- «تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له»
وهذه الأحاديث تدل على أن التقية ليست مجرد تكتيك، بل هي جزء من الدين.
أنواع الناس في التعامل مع التقية
يمكن تقسيم الناس إلى ثلاث فئات:
- الدنيويون الخائنون الذين ينضمون لأهل الباطل
- البسطاء العاطفيون الذين يغلبهم الشعور فيتسرعون ويضعفون الدين
- المؤمنون الواعون الذين يلتزمون بالتقوى والاعتدال ويحفظون الدين من الاضمحلال إلى ظهور الإمام المهدي.
التقية مقابل النفاق
التقية شرعية ومهمة ولكن ليست مطلقة، ولا تجوز أن تستخدم في كل موقف لدفع الضرر بأي ثمن، فالتقية تلتزم بضوابط شرعية، وأما النفاق فهو تقية غير صحيحة قائمة على أغراض نفسية وشيطانية.
حدود التقية
التقية يجب أن تُمارس وفق ضوابط دقيقة ومراعاة للأوضاع، فهي ليست ذريعة للتهرب من المسؤولية أو الخيانة، ويجب التمييز بين من يتبع التقية كوسيلة حماية وبين من يستخدمها للنفاق والدوران.
هذا النص مُترجم بأسلوب أكاديمي فصيح يحافظ على المصطلحات الدينية والمفاهيم الشرعية بدقة.
لذلك، فإنَّ مبدأ التقیة لا يُستعمل بصورة واحدة في جميع الأزمنة والظروف التاريخية أمام الأعداء؛ فمع أنَّه لا يجوز التسليم للظلم والطغيان، إلا أنَّه لا يعني كذلك أن يُهاجم الظلم والطغيان بلا حساب أو أن يتحرك الإنسان بطريقة تُنكر هويته الفردية والجماعية. لذلك، يجب بموجب مبدأ التقیة المحافظة على الهوية والأصالة الدينية، وفي الوقت نفسه الجهاد بشجاعة في سبيل الحق والحقائق، كما أن جميع أولياء الله وأتباعهم، مع التزامهم بمبدأ التقیة، بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الدين ولم يتوانوا عن أي تضحية أو تخلٍّ.
يعتبر الأصوليون مناخِضًا آخر من مناهضاتهم إدخال شهادة ولاية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في الأذان والإقامة، الأمر الذي تمَّ دون دليل شرعي صحيح، وهو – بالإضافة إلى كونه محرَّمًا – بدعة وزيادة في الدين.
والعرف بين الشيعة أن هناك ثلاث عبارات تُقال في الأذان والإقامة:
الأولى: «أشهد أن لا إله إلا الله» وهي شهادة على وحدانية الله؛
والثانية: «أشهد أن محمدًا رسول الله» وهي شهادة على رسالته صلى الله عليه وسلم؛
والثالثة: «أشهد أن عليًا أمير المؤمنين ولي الله» وهي شهادة على ولاية الإمام علي عليه السلام.
وهذا هو الأذان والإقامة المعروف بين الشيعة، ولا يُنكر ذلك أحد منهم.
ومع ذلك، فإن الأذان والإقامة الذي ورد عن الأئمة المعصومين لا يتضمن هذه العبارة الثالثة، أي شهادة الولاية.
وقد ورد في الروايات أن الأذان والإقامة يحتويان على خمسة وثلاثين عبارة: ثمانية عشر منها في الأذان وسبعة عشر في الإقامة، ولا توجد أي إشارة إلى الشهادة الثالثة بين هذه العبارات. ومن أمثلة ذلك:
- قول المرحوم الصدوق في كتابه «من لا يحضره الفقيه»:
روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “نزل جبريل بالأذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأسه في حجر علي عليه السلام، فأذن جبريل وأقام، فلما انتبه النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا علي، هل سمعت؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: هل حفظت؟ قال: نعم، قال: فادع بلالًا فعلّمه، فدعا بلالًا فعلمه”.
وهذا يدل على أن الأذان الذي تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، وتعليمه لعلي عليه السلام، لم يتضمن شهادة ولاية الإمام علي عليه السلام.
كما ينقل صاحب «وسائل الشيعة» عن الإمام الباقر عليه السلام قوله:
«الأذان والإقامة خمسة وثلاثون عبارة، ثمانية عشر في الأذان وسبعة عشر في الإقامة».
وقد كان الإمام عليه السلام يعدّ هذه العبارات بيده المباركة تأكيدًا على ثباتها وعدم زيادة أو نقصان أي منها، ولا يوجد فيها أي شهادة بولاية الإمام علي عليه السلام.
وبعد نقل هذه الروايات، يأتي الصدوق بالقول وبشدة اللعن على من أضاف هذه العبارات:
“هذا هو الأذان الصحيح لا يزيد فيه ولا ينقص منه، وقد وضع المفوضة – لعنهم الله – أخبارًا وزادوا بها في الأذان عبارات مثل: محمد وآل محمد خير البرية مرتين، أو بعد أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن عليًا ولي الله مرتين، وبعضهم روا بدل ذلك أشهد أن عليًا أمير المؤمنين حقًا مرتين. ولا شك أن عليًا ولي الله وأمير المؤمنين حق، وأن محمدًا وآله خير البرية، ولكن هذا ليس من أصل الأذان، وإنما ذكرت ذلك ليُعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتين.”
وبالتالي، فإن:
أ) الصدوق يتحدث عن الأذان الصحيح وغير الصحيح، وينسب الزيادات إلى طائفة غيره.
ب) هؤلاء الأشخاص يُعرفون بالمفوضة الذين يحملون انحرافات دينية ويُبعدون الناس عن الشيعة الحقة.
ج) الصدوق يلعنهم بشدة، وهذا لا يحدث إلا مع اعتقاد بكونهم خارج دائرة الإيمان.
د) وصاحب «وسائل الشيعة» يؤيد كلام الصدوق دون اعتراض.
وفي تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) يُروى أن الله تعالى قد رفع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وجعله مذكورًا بعد اسم الله في الأذان والإقامة مباشرة، ولم يُذكر فيها اسم الإمام علي عليه السلام. وهذا دليل على تخصيص الشهادة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وعليه، وبالنظر إلى طريقة العبادة وصحة إضافة أي شيء في الأذان والإقامة، وكذلك مبدأ التحريم الشديد للبدع، ومبدأ التحديد والتوقيف في أذان وإقامة الدين، فلا يجوز إدخال شهادة ولاية الإمام علي عليه السلام في الأذان والإقامة، وإن كان لا يوجد خلاف في حقانيته ومقامه، إلا أن الاعتقاد لا ينبغي أن يؤدي إلى بدعة أو زيادة في فروض الدين.
وأما محاولة بعض الأصوليين تبرير هذا الإضافة بكونها لغير قصد دخولها في الأذان أو الإقامة، وإنما للتبرك فقط، فهذا غير مقبول، إذ أن النية في بدعة أو عدمها لا تبرر فعل البدعة نفسها، كما أن الشريعة تجرم البدعة ولو كانت النية حسنة.
ونحن نؤمن بأن علي بن أبي طالب عليه السلام هو أمير المؤمنين وولي الله، وأن آل محمد أفضل البشر، لكن هذا الاعتقاد لا يجوز أن يكون سببًا في إضافة عبارات غير شرعية في مقدمات الصلاة.
المواكبة مع أهل السنة
المشكلة المذكورة تشبه إلى حد كبير المشكلة والنقد الذي يوجه إلى أهل السنة، بأنكم قد تدخلتم في دين الله، فزّدتم ونقصتم فيه؛ لأن قائدكم، الخليفة الثاني، قال: «حسبنا كتاب الله؛ كتاب الله كافٍ لمعرفة أحكام الدين»[116]، وأنتم قبلتم بهذا القول، وبما أن آيات القرآن تشير إلى أحكام عامة فقط، فلم تكتفوا بآيات القرآن للحصول على الأحكام الإلهية، فألجأتم أنفسكم إلى بدع مثل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها، وبذلك أفسدتم دين الله وابتعدتم عن حدود الأحكام الإلهية وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا النقد الموجه إلى أهل السنة قويّ، محكم ومبرر، كما أن هناك نقدًا قويًا فيما يتعلق بالأذان والإقامة، حيث أضافوا عبارة «الصلاة خير من النوم» بدلًا من «حي على خير العمل»، وهذه إحدى البدع التي أضافها أهل السنة، وهذه الأمور هي سبب تباعد الشيعة عن أهل السنة أكثر فأكثر.
فإذا أضاف المذهب الأصولي بعض العبارات إلى الشهادتين في الأذان والإقامة، فإنه يواجه نفس النقد، ويكون بذلك في موضع التماهي مع أهل السنة.
بعبارة أخرى، إذا لم يعتبر الأصوليون عبارة «أشهد أن عليًّا أمير المؤمنين وولي الله» بدعة أو أرادوا إنكار جزئيتها، فسيرد أهل السنة بالمثل على عبارة «الصلاة خير من النوم»، وبذلك تعطي لهم مخرجًا.
كيف يكون أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا يملك حتى حق تعديل نقطة واحدة في الدين، وأنتم تقومون بهذا التعديل؟ هذا الفعل يبرر تحريف اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، لأن تحريف الدين هو ببساطة التدخل في الدين بإضافة أو نقصان، سواء كان في الدين الإسلامي أو في ديانات اليهود والنصارى.
فلماذا لا تأخذون بعين الاعتبار الآيات والروايات التي تحرم أي تصرف في الدين حتى لو كان بحجم نقطة؟ ولماذا لا تنظرون في الأحاديث التي تحرم البدع؟ أليس التدخل في الدين تحريفًا بحد ذاته؟
رواد الانحراف
سيُذكر في مكانه أن أصول الأديان الإلهية منذ آدم وحتى خاتم الأنبياء قد فقدت حقانيتها بطريقة واحدة فقط، وهي التحريف والانحراف الذي بدأ به علماء كبار من داخل الدين ذاته، بمعنى أنه في المرحلة الأولى كسر علماء ذلك الدين حظر التحريف، ثم تجرأ الآخرون على متابعة الطريق.
الأمر المهم والحساس هو أنه عندما يبدأ عالم دين بزيادة أو نقصان في الدين بحسب ميوله ورغباته، فإن ذلك يؤدي إلى تغيير وتحريف أكبر من قبله وتابعيه. فما هو موقفه تجاه الذين تقبلوا ميله وساروا على دربه؟ الله أعلم.
لذا، إذا لم يكن هناك حرج في إدخال عبارة في الأذان والإقامة، فيمكن بعد ذلك إدخالها في بداية الصلاة والركوع والتشهد والسجود، أو إدخال شهادات بولاية أئمة آخرين أو أي عبارات جديدة تدخلها فرق أخرى، ولن يكون هناك اعتراض.
بل وأكثر من ذلك، إذا أُضيف شيء في غير الصلاة، مثل الصيام والزكاة والحج والجهاد وغيرها من العبادات، فلا مشكلة في ذلك طالما لا يُقصد بذلك التشريع الجزئي، وهذا يفقد كل شيء يكون محل اعتراض.
الجرأة الدينية
هل هذه ليست جرأة ووقاحة أن نقول: إن عبارة «أشهد أن أمير المؤمنين عليًّا ولي الله» لم يضعها الله ولا النبي ولا الأئمة كجزء من الأذان والإقامة، وإنما نحن من ابتدعناها؟ هل الجرأة تكمن في ذلك، أم في أن نقتحم ما لم يقره النبي والأئمة؟ أم أن كل هذا بسبب الضلال؟
إذا دافع الأصوليون قائلين: «قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أينما ذكرت اسمي فذكر عليًّا من غير فصل»، فنقول: هذا صحيح، ولكن لماذا لم يفعل النبي ولا الأئمة ذلك في الأذان والإقامة؟
ولماذا لا تذكرونه بعد «أشهد أن محمدًا عبده ورسوله» في التشهد؟ ولماذا تنسون هذا الأمر في غير ذلك؟
بالطبع يقول الأصوليون: يجب أن يكون هناك اختلاف بين الشيعة والسنة في الأذان والإقامة، والرد هو: إذا كان الاختلاف بين الشيعة وأهل السنة قائمًا على الحق والضلال، فهناك اختلافات كثيرة واضحة بينهما تميز كل فرقة عن الأخرى. وإذا كان هذا الاختلاف من صنعنا، فالكتاب والسنة يسعيان دوماً إلى الوحدة والتآلف بين المسلمين، ولا يجوز أن نضيف شيئًا إلى الدين لتوسيع الفجوة بين الفرق.
بالإضافة إلى التعاليم الدينية، فإن قوانين الطبيعة تقتضي الوحدة، فهي تسعى إلى خلق وحدة وتجانس بين المجموعات البشرية. علاقة القرابة والانسجام بين البشر من القوانين الطبيعية التي تهدف إلى وحدة الصف.
القرآن الكريم قال بوضوح شديد لليهود والنصارى:
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) [آل عمران: 64]
أيها أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة واحدة توحدنا، مع أن هذه الكلمة كانت مشوبة بالشرك من اليهود والنصارى، ولكن القرآن الحكيم يبحث عن الوحدة حتى مع أهل الكتاب، لينشأ اتحاد بين أهل الكتاب والمسلمين، وتزول باقي الخلافات بفضل وحدة الكلمة، لأن اليوم أتباع الأديان السماوية يواجهون هجومًا واضحًا من الشرك والكفر.
كيف يقبل الإسلام الذي يوصي بالوحدة والاتحاد أن يكون هناك اختلاف ظاهر بين الشيعة وأهل السنة؟ الأئمة المعصومون: أكثروا من التأكيد على التقية لحفظ وحدة الكلمة، ولذلك دائماً نصحوا أتباعهم بإخفاء الخلافات وعدم إثارتها، مع مراعاة حفظ الدماء والأرواح والأموال، لكن الأمر الأكبر كان لتفادي الفتن.
الإسلام فداء للمصالح!
يقول الأصوليون في تبريرهم: إذا كانت الشهادة بالولاية بدعة، فلا بد أن نقول إن آلاف الناس عبر القرون مستحقون للنار لأنهم قالوا هذه الشهادة وأكرموا أمير المؤمنين! فإذا كانت هذه الشهادة بدعة، لماذا لم يُنتقد أحد بشدة على ذلك طوال هذه القرون؟
يرد الإخباريون: من دافع عن هذه البدعة بعلم ووعي سيحصل على غضب الله، ولا يجوز مساواتهم بالناس العاديين الذين يتبعون هذه البدعة جاهلين، لأن ذنبهم فقط أنهم تقلدوا العلماء، وعمل العامة ليس ذنبًا، بل لهم أجر طالما لم يكونوا على علم.
أما الرد على الجزء الثاني، فهو أن علماء كبارًا مثل الشيخ الصدوق (رحمه الله) قبل أكثر من ألف عام ذكروا تحريم هذه البدعة في الأذان والإقامة[119].
الآن، إذا اعترف علماء الأصول بأن ذكر الشهادة بالولاية في الأذان والإقامة بدعة ومحرم، فإن احترامهم العلمي يتزعزع، وبالتالي لا يعترفون بخطئهم خوفًا من فقدان مصداقيتهم، ويفضلون التضحية بالإسلام لصالح مصالحهم. الإخباريون ينصحون الناس بالحفاظ على نقاء الدين وتقوى النفس وصحة الفكر، مع التمييز بين أركان الإيمان وأجزاء الأذان والإقامة، لتعزيز معرفة الدين والاعتقاد.
الأصوليون وردودهم
للنقد والرد على نقاشات الإخباريين، يذكر الأصوليون ثلاثة مواضيع أساسية:
أ – فقرات الأذان والإقامة؛
ب – فتاوى علماء الشيعة بشأن شهادة الولاية في الأذان والإقامة؛
ج – معنى البدعة في الدين.
وبتوضيح هذه النقاط، يزيل الأصوليون شبهات الإخباريين.
أ – فقرات الأذان والإقامة
الروايات المتواترة تعدّ فقرات وأجزاء الأذان والإقامة 35 فقرة، 18 منها للأذان و17 للإقامة، ولا اختلاف بين العلماء في ذلك.
لذا، لا يعتبر أي فقيه شهادة على أمير المؤمنين جزءًا من الأذان أو الإقامة، مع أن الأذان والإقامة كلها ليست من واجبات الصلاة حتى تكون شهادة الولاية واجبة. لكنها ذكر محبوب ومحمود يأتي بعد شهادة الرسالة، كما هو الحال في الصلاة والتشهد، حيث تلي الصلاة على النبي ذكر آل محمد (عليهم السلام).
فتاوى علماء الشيعة
كما ذُكر سابقًا، يرى علماء الشيعة أن هذا الذكر يُعتبر من الأذكار المستحبّة الأخرى، التي تُذكر ضمن مستحبات الصلاة، ولا يعتبره أحد من العلماء واجبًا، كما لا يرونه حرامًا، إلا إذا وردت النية بإضافة شيء جديد إلى الدين، ففي هذه الحالة يكون بدعةً وحرامًا.
معنى البدعة في الدين
البدعة في الدين هي أن ينسب الفرد أمرًا إلى الدين من عند نفسه، أو يخرج شيئًا منه، ويعتبر عمله مبتكرًا في الدين، مثل أن يقول: «كان ينبغي أن يفعل الله ورسوله هذا العمل، وحيثما لم يفعلوا، فأنا أعتبر هذا العمل جزءًا من الدين»، أو أن يزيل شيئًا من الدين. هذا العمل يُعد بدعة وحرامًا، وقد يؤدي إلى الكفر والردة.
خصائص الأذكار المستحبّة
بناءً على هذه النقاط الثلاث، لا يجوز لأحد أن يقول: إن ذكر شهادة الولاية على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام واجب في الصلاة، لأن هذا القول مخالف لرأي جميع فقهاء الشيعة الذين يرون أن من قال بهذا النية ودخله ضمن الأذان والإقامة على سبيل الإضافة، فقد ارتكب حرامًا. لكن يجب التنبيه أن الشهادة بالولاية ليست بدعة عند علماء الشيعة؛ لأن البدعة، كما ذُكر، هي التشريع في الدين، كالقول بتحليل ما حرّمه الله ورسوله، أو التحريم فيما لم يحللاه، أو إضافة أو حذف حكم شرعي من الدين بدون دليل.
ذكر الشهادة، كغيره من الأذكار، هو استحباب لا وجوب أو دخول، وليس هناك دليل من عند الله أو النبي أو الأئمة المعصومين على ترك هذا الذكر، فلا يوجد ما يشكك في فعله، كما لا يوجد دليل خاص يثبت وجوبه كفصل مستقل. هناك فقط دليل عام يقتضي ذكر آل النبي بعد ذكر الرسول، وهذا من خصائص مذهب التشيع ومحبي أهل البيت عليهم السلام.
ذكر الشهادة في الأذان والإقامة، كغيره من الأذكار المستحبّة، يكون بنية التبرع والثواب، وليس بدافع الدخول والإلزام، وهو مقبول ومحبوب عند الجميع، كما يقول الفقهاء إنه يمكن ذكر أي ذكر مستحب في أي جزء من الصلاة، وتكراره بعدد ما شاء من المرات، حتى أذكار الفروض يمكن تكرارها نية استحباب.
فما الحكمة من الاعتراض فقط على ذكر شهادة الولاية؟ وما الفرق بينه وبين الأذكار الأخرى؟ إن كان الأول جائزًا، فالآخر كذلك. وإذا كانت تلك الأذكار مأثورة، فذكر الشهادة على الولاية أيضًا مأثور ومكمل للإيمان، وهو وارد بوجوب ضمن الصلوات – كجزء من التشهد.
الفرق بين ذكر الشهادة وبدعة أهل السنة
هناك وهم آخر وهو أنه إن لم تكن شهادة الولاية في الأذان والإقامة بدعة، فإن عبارة «الصلاة خير من النوم» التي يستخدمها أهل السنة في الأذان والإقامة يجب أن تكون جائزة وليست بدعة، رغم أن علماء الشيعة يعتبرونها بدعة ولا يجيزون ذكرها في الصلاة.
الجواب أن هناك فرقًا كبيرًا بين الذكرين؛ إذ إن «الصلاة خير من النوم» تُقال على سبيل الضرورة وتعتبر بدعة، وهي عبارة بلا معنى حقيقي، لأن الصلاة أفضل من النوم بديهيًا، فليس للنوم خصوصية تبرر المقارنة. أما ذكر الشهادة فهو مكمل للإيمان وروحه، وله قيمة دينية هامة.
الفرقان الرئيسيان هما:
- شهادة الولاية ليست جزءًا من الأذان والإقامة عند الشيعة، بينما عبارة «الصلاة خير من النوم» هي جزء من الأذان والإقامة عند أهل السنة وتحل محل «حي على خير العمل».
- محتوى ذكر الشهادة مهم ومأثور، فالولاية ركن الدين ومكمل الإيمان، بينما «الصلاة خير من النوم» عبارة فارغة، لا معنى حقيقي لها.
ذكر الشهادة بنية الاستحباب والتبرع لا مانع منه، بل هو محبوب ومرغوب، ينقّي القلب والروح، شرط ألا يكون بنية الدخول والإلزام. ترك هذا الذكر بسبب رفض الولاية حرام، وعليه فلا حرج في قراءته ضمن الأذان والإقامة مع حفظ الشروط، إلا إذا قصد به سوء.
هذا الذكر لا يقارن بذكر أهل السنة؛ فلا العبارة ملائمة، ولا القائل يقصد خيرًا.
موقف الإخباريين من صلاة الجمعة في الغيبة
يرى الإخباريون وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة، وأن تركها عمل حرام ومخالف للقرآن الكريم.
يستدل الإخباريون على ذلك بأن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وانقطاع الوحي، استقرّ حكم الدين، فلا يُنتظر حكم جديد، كما تدل آية إكمال الدين:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا).
ولم يصدر من الأئمة الطاهرين حكم جديد في صلاة الجمعة، بل أمروا بإقامتها حتى ولو بحضور سبعة أو خمسة أشخاص فقط.
صلاة الجمعة واجبة شرعًا بناءً على القرآن والسنة، ولم ينزل أمر بعدم إقامتها.
ثم يُثار السؤال: على أي أساس عطّل بعض العلماء صلاة الجمعة؟
العجيب أن موضوع الخمس الذي ثبت في القرآن وبه أذونات متعددة من الأئمة، يُعمل به عند العلماء، بينما صلاة الجمعة التي ثبتت في القرآن والأحاديث أمر بها الأئمة لا تُقام.
فلماذا تعطّل صلاة الجمعة التي تجمع المسلمين وتقويهم، بينما الخمس الذي له أسباب وناسخ مؤقت يجب الالتزام به؟
الأمر واضح أن وجوب صلاة الجمعة ثابت وأفعال النبي والأئمة دليل عليه، ولم يرد أي نسخ أو تبديل.
الاجتهاد مقابل النص
قال بعض الأصوليين إن صلاة الجمعة من شؤون الخلافة الدينية، ولأن الخلافة غير قائمة اليوم، فلا يجب إقامتها.
يرد على ذلك أن هذا اجتهاد مقابل نص، ولا يتوافق مع أحاديث الأئمة التي تقول:
«أدنى ما يُجزى في الجمعة سبعة أو خمسة أدناها».
وهذه الأعداد ليست بحاجة إلى خلافة، فلماذا لا تسهل إقامة الصلاة بدل تعطيلها؟ إذا كان أعداء الإسلام والخلفاء الجور قد نهبوا صلاة الجمعة من أهل البيت، لماذا نفقدها في غيابهم؟
إذا أمر الأئمة بترك صلاة الجمعة فلا خلاف، لأنه حكمهم حكم الله، ولكن لم يصدر أي نهي، فلماذا نساعد على إضعاف الدين وتعزيز مخططات الأعداء؟
وإن وُجد دليل على تعطيل الصلاة لماذا لا يُعمل به، حتى يكون هناك توافق في الفتاوى، بدلاً من تعدد الآراء بين الوجوب والاختيار والتحليل والتحريم.
إذا كان تعطيل الصلاة بسبب فقدان الولاية، فلماذا لم يُوقف الإقامة بعد وفاة النبي؟ فقد فقدت الخلافة بعده، ولكن الأئمة استمروا في إقامة الجمعة وأكدوا وجوبها.
كان الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إذا اجتمع منكم سبعة من الشيعة ولم تخافوا الأعداء، فليكن أحدكم إماماً للجمع والباقون مأمومين.» [125]
ومن الحديث الشريف يتضح أن الأئمة كانوا يؤدون صلاة الجمعة بالتقية، بحيث إذا كان هناك خطر من الأعداء في إقامة صلاة الجمعة، كانوا يأمرون بتركها. كما أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا يؤدون صلاة الجمعة حتى في بيوتهم، لأن في بيوتهم كان يتجمع دائماً سبعة من الشيعة. أليس هذا دليلاً آخر على بقاء وجوب صلاة الجمعة حتى في زمن الغيبة؟
صلاة الجمعة؛ تجسيد عملي للدين
يبدو أن السبب الوحيد لانعدام صلاة الجمعة هو أن صلاة الجمعة تُعد تمثيلاً عملياً لجميع شؤون الدين، فقد تم تحديد آداب وكيفيات الصلاة بشكل خاص للمسلمين، لتجسيد مراتب الدين بطريقة منظمة ومرتبة.
فصلاة الجمعة هي نموذج جامع لجميع تعاليم دين الله التي جُملت مختصرة، وأُوصي بأدائها لتعليم وتربية المسلمين.
الركيزة والأساس في الإسلام هو الصلاة. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في هذا الشأن بتعابير مختلفة [126]:
«لا خير في عيش إلا لرجلين: عالم مطاع ومستمع واعٍ»؛
فليس هناك حياة صالحة إلا لمن كان عالماً يُطاع، ومستمعاً يعي ويعمل. الدين هو القانون الأساسي، والصلاة هي أساس عمله.
الصلاة مرتبطة بالعمل، والكمال في هذا العمل يكون بالجماعة، ولهذا السبب وردت الكثير من الأحاديث التي تؤكد على الصلاة الجماعية، حتى أن كثيراً من علماء الشيعة يعتبرونها واجبة احتياطياً.
الصلاة الجماعية لها أهمية خاصة كونها تعكس النظام في شؤون الدين، لأن المؤمنين ملزمون بالاستماع لما يقوله الإمام من البداية إلى النهاية، وبأن يعملوا بما يعمل، لذلك فإن صلاة الجمعة هي من أكثر وسائل نشر الدين صلابة وقوة، وهذا هو سر كون الصلاة عمود الدين.
وأهم من اتحاد الشكل هو إظهار قوة المسلمين وعظمتهم، مما يبعث الرعب في قلوب أعداء الإسلام، الذين دائماً يحاولون بطرق مختلفة التخطيط لإحداث الفرقة بين صفوف المسلمين الموحدة. وهم لا يقبلون وجود برنامج منظم وموحد بين المسلمين بشكل دائم وعملي.
ونظراً لأن الصلاة الجماعية تقام في مكان صغير، ولا يوجد حكم شرعي صريح بوجوبها، لا يبذل الأعداء جهداً كبيراً لإزالتها، ولكنهم يستهدفون نقطة المركزية التي تجمع المسلمين في مكان واحد مرة واحدة أسبوعياً في المراكز الكبرى، حيث تشمل المئات من المسلمين وتمثل سلطة خلافة الدين الأساسية، ويقوى الأصدقاء بذلك وتضعف نفوس الأعداء، وهو منظر مؤلم للأعداء.
ومع هذا التمهيد، فإن هدف الأعداء هو إخراج صلاة الجمعة من المجتمع الإسلامي، واليوم للأسف تحقق هذا الهدف بشكل كبير. هذا التوقف أدى إلى ضعف وهزيمة المسلمين بدلاً من القوة.
الأعداء طبقوا خططهم الشيطانية بلباس خاص وتنظيم محكم.
يُذكر أن الإخباريين يرون صلاة الجمعة واجبة في زمن الغيبة، ويعتبرون تركها محرماً ومخالفاً للقرآن الكريم.
الإخباريون يستدلون بأن بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) انقطعت الوحي، وصارت أحكام الدين ثابتة، فلا ينتظر حكم جديداً، وأن الأئمة الطاهرين لم يصدروا حكماً جديداً في مسائل الصلاة، بل أمروا بإقامتها حتى مع عدد قليل من الشيعة (سبعة أو خمسة).
صلاة الجمعة وجبت بناءً على الآيات القرآنية وأمر النبي والأئمة المعصومين، ولم يرد أمر بتركها.
يرد الأصوليون على الإخباريين بأنه إذا كان الدليل من القرآن صحيحاً، فلماذا لا يعملون به في مسألة الخمس، ويتخلون عن الروايات الضعيفة التي تبيح ترك الخمس، بينما في صلاة الجمعة يوجد عدد أكبر من الروايات التي تشترط وجود شروط لأدائها.
وبالتالي، إن الآيات موجودة في كلا الموضوعين، والروايات موجودة كذلك، ولكن في باب الخمس لا يُعمل بالآيات بسبب ضعف بعض الروايات، وفي باب صلاة الجمعة يُعمل بالآيات مع وجود روايات كثيرة توجب شروطاً لأدائها. هذا يبين أن بعض الأخبار لا تلتزم بأصول الاستنباط الشرعي.
صلاة الجمعة في نظر علماء الشيعة
مع أن علماء الشيعة يعطون صلاة الجمعة أهمية كبيرة، إلا أن هناك اختلافات في وجوبها في زمن الغيبة، حيث يرى بعض الفقهاء أنها واجبة، وبعضهم لا يعتبرون تركها محرماً، بل يرونها مستحبة. الغالبية العظمى من علماء الشيعة يرون أنه يجوز أداء صلاة الجمعة بدلاً من صلاة الظهر، مع نقاش حول هل تغني عن الظهر أم لا.
بعضهم يرون الاحتياط بوجوب أداء الظهر مع الجمعة، وبعضهم يرون أن الظهر مستحب فقط، ولكل منهم أدلته.
الكاتب يعتقد أن صلاة الجمعة والظهر في زمن الغيبة لها وجوب اختياري، مع أفضلية الجمعة، وإذا أقيمت الجمعة فلا حاجة للظهر، ولو مستحب فقط.
النقاش في هذه الآراء واسع ويتطلب بحثاً مستقلاً.
المواجهة السلبية
أسباب ترك صلاة الجمعة من قبل علماء الشيعة تندرج تحت جانبين: وجوبها أو استحبابها، ووجود موانع.
صلاة الجمعة مثل صلاة العيدين تتضمن خطبتين، ولهذا لها شروط خاصة، ولا يمكن إقامتها في كل وقت، خصوصاً في زمن الغيبة حيث لا يمكن استقلالية الإمام الجمعة بسبب وجود الحكومات الظالمة.
لذلك ترك صلاة الجمعة يمكن أن يكون شكل من أشكال المواجهة السلبية مع الظالمين، ولهذا تستقبل بعض الحكومات الإسلامية المظهرية صلاة الجمعة، بل كثيراً ما تقيمها بنفسها.
لذلك يجب عند النظر لصلاة الجمعة مراعاة أدلة الوجوب والاستحباب ووجود الموانع، وعدم إصدار رأي بدون دليل، كما أن بعض الأخبار لم تراعي هذه الجوانب وتخلت عن أي مقاومة للظلم، بينما لعلماء الشيعة آراء مهمة في كل جانب، تعكس عمق تفكيرهم وحرصهم على هذا العمل العبادي والسياسي.
الإخباريون يرون أن سلوك الأصوليين السيء نتج عنه آثار سيئة منها الابتعاد عن أهل العصمة والكتاب والسنة، والتماشي مع أهل الدنيا والرزق الحرام، وهذا خلق وضعاً سيئاً في الأصوليين، وكثير من الأخطاء الأخلاقية والعملية تنتشر بينهم.
الابتزاز
أخذ الأموال من الناس، وطلب الرزق من الدين، والابتزاز وبيع الدين أصبحت من الأساليب المعتادة عند العلماء الأصوليين، مع أنهم يدّعون الوراثة، والآيات الكثيرة في القرآن الكريم على لسان الأنبياء تقول:
(إن أجري إلا على الله) [١٢٧]، و(وما أسألكم عليه من أجر) [١٢٨]، أي: يا أيها الناس، لا نطلب منكم أجراً، وأجرنا عند الله، فاقبلوا الحق فقط. إلا أن العلماء الأصوليين، إلى جانب طلب الأجر والأموال من الناس، يستهلكون كل رأس مال وحقوق الدين والفقراء والناس بقسوة بالغة، ويجعلون كثيراً من المبتدئين ضعفاء حتى تصل شكواهم من الفقر والحاجة إلى السّماء.
اعتبار الصلاة والمحراب مهنة
أداء الصلاة والاحتفاظ بالمحراب، والخداع بالفُصاحة لدى كثير من الأصوليين أصبح عملاً ووظيفة. بينهم من جعل إقامة الصلاة للآخرين مهنته الوحيدة، ومن خلالها يعيش مادياً، دون أن يكون منهم من يمتلك فضلاً أو كمالاً أو تقوى.
المنبرية وإثارة الفتنة
كثير منهم جعل المنبرية وإثارة النزاعات مهنة جدية لحياة مرفهة، في حين أن الإسلام يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مسؤولية الجميع، لكن هذه الطائفة جعلت الأمر والنهي مهنتها، وغالبيتهم أميون ومشحونون بمشكلات متعددة، ويخدعون الناس بأقوال ملفقة من أجل الكسب والابتزاز، دون أي التزام أو تخصص.
التملق والتملص وخداع العامة
للحصول على المال والمنافع وحتى ضيافة بسيطة كالغذاء، يفيضون بكلمات مثل «كرمنا» و«وجهنا» تجاه الأثرياء، لتأمين مصالحهم المادية وأعمالهم.
التكبر والتظاهر
يحملون شالات وأعمدة من خشب الأبونوس، يرتدون نعالاً صفراء مدببة، ويرفعون الرؤوس، ويطيلون اللحى، ويظهرون جبروتاً لم يفعله أي نبي ولم يكن شائعاً بين أهل الدنيا.
الحسد والاستكبار
الاختلاف والحسد والاستكبار والتخريب، واللعن أحياناً، وعدم قبول الآخر يصل في صفوف الأصوليين إلى حد المشاجرات والصراعات.
هدر الوقت والكسل
الأعمال العقيمة وغير الضرورية للأصوليين تصل إلى درجة أنهم لا يخصصون وقتاً لتعلم أبسط الأمور الدينية والحياتية، حتى بعد خمسين سنة قد لا يستطيعون التعبير عن مسألة بشكل صحيح أو كتابة رسالة بلا أخطاء.
رسائل فقهية مغلقة وأحكام قديمة مكررة
العلماء الأصوليون يرفعون شعار المرجعية دون مواكبة العصر، وما زالوا يتحدثون عن البئر والحبل، ويجعلون الدين محصوراً في مجموعة من الفروع الفقهية القديمة.
غير مناسب
الإخباريون بعد نقاشهم الواضح والصريح يدعون إلى أنهم يستطيعون الكلام بوضوح أو تفصيل، لكنهم يعتبرون أن الكشف الكامل غير مناسب لمصلحة المؤمنين البسطاء: «ليس من المصلحة أن يكشف السر». ويُظهر كلامهم أن الابتعاد عن الكتاب والسنة، والرزق غير المشروع، والسلوك الاستكباري هي أسباب كل المشاكل الاعتقادية والأخلاقية لدى الأصوليين، وتقصيرهم في الدين أدى إلى تراجع الشريعة وركود الإسلام.
في نظر الإخباريين
يعتبر الإخباريون أن هذه التصرفات السيئة هي نتيجة البعد عن العصمة والطهارة، والكتاب والسنة، ومسايرة أهل الدنيا، والرزق الحرام، والتي أنتجت وضعاً بين الأصوليين لا يكاد يخلو من سوء أخلاق أو تقصير عملي.
رد الأصوليين
يرى الأصوليون أن نقد الإخباريين هو نتيجة حقد وكراهية لا يليق أن يظهرها مسلم لمسلم أو عالم لعالم، ويتساءلون لماذا يصل الأمر بين العلماء إلى سلوك عدائي، ولعن وشتائم، وكيف يسمح أحد للآخر بالاختلاف؟ لماذا ينبغي أن يغلب الغضب والحقد على روح المؤمن، ويدخل العلماء في نزاعات كلامية وفلسفية تدمر الدين والإيمان؟
خاتمة
لماذا لا تسود قيم مثل السلام والصدق والمحبة والصبر والأدب، وحسن التحكم في القول والفكر، لماذا يتغلب التعصب والجهل على العلماء؟ كيف يتصور الإخباري أن الأصوليين ضالون، أو الأصولي أن الإخباريين جهلاء، أو الفيلسوف أن الفقهاء مقلدون؟ هذه كلها دلائل على الجهل والتعصب.
الروحانيّة المظلومة في المذهب الشيعي
عند النظر في تاريخ القيادة الشيعية، نجد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مظلوماً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعده أيضاً وقع تحت ظلم قومٍ قد تعبوا من فضائل وكمالات الإمام علي (عليه السلام)، فقد أغضبهم إحسانه وفضله، وكان هذا الحقد والعداء سبباً فيما حصل له من الظلم. وظلّ هؤلاء الضالون في زمن وجود الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لا يلينون في بغضهم وعداوتهم، ولم يسمحوا بأي نوع من المصالحة، حتى قضى الله سبحانه وتعالى بعقاب التقصير بحدوث الغيبة للإمام.
أصدقاء أهل البيت (عليهم السلام) وأنصار الأئمة الهدى، كانوا طوال فترة وجودهم معهم يتحملون المشاق والشدائد. فوجود الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كان يمنحهم القوة والصبر على الصعاب. لكن هؤلاء الأصدقاء تفرقوا إلى مجموعات، وكل مجموعة أطلقت ألحاناً متباينة شديدة أو معتدلة. وكان بين هؤلاء الأصدقاء القليل ممن كانوا يتابعون الإمام بنظر ثابت، ويمارسون طاعة مطلقة واتباعاً كاملاً.
ومن تمثل هؤلاء الأتباع الحقيقيين في زمن الغيبة هم أولئك الذين عرّفهم الأئمة (عليهم السلام) تحت مسميات رواة الحديث، وأهل الأحكام، وحفظة الحلال والحرام من العلماء الصادقين.
هؤلاء الأتباع الحقيقيون، مع رفاقهم القليلين، في ظل الغربة والغيبة، تحملوا آلاف البلايا والمصاعب، متشبثين بتعاليم الأئمة العلمية والعملية، وكان الصبر والعلم والعمل عنوان طريقهم ومقياس تصرفاتهم.
لقد تصارع الروحانيون المظلومون منذ البداية مع أنواع البلايا الشيطانية، ومقاومة أعداء الدين من الداخل والخارج، وبجروحهم العديدة حافظوا على المذهب الشيعي عبر التاريخ، ليشكلوا حياة حقيقية وصحية للحق. وقد تراكمت الجراح الصغيرة والكبيرة، القديمة والجديدة في حرم أرواحهم، إلى حد الموت والفناء، مما جعل بقاءهم في حالة قلق مستمر.
رغم كل هذه المصائب، لم يحنوا إلى الانحراف عن الطريق المستقيم، ولم يتراجعوا عن مقاومة الخصم، ولم يقصروا في أمانة أولياء الدين، بل وقفوا بحزم للحفاظ على الكتاب والسنة، حتى ظن العدو أكثر من مرة أنهم قد هلكوا. ومع كل هذه الصعوبات، ما زال الدين على أكتاف العلماء، لأن دعم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) كان رفيق طريقهم.
ينبغي التساؤل: إذا قامت حرب في بلد ما ووقعت أحداث وخسائر، من هو المنتصر في ساحة القتال؟ هل المنتصر هو من تكبد الخسائر أم من بقي؟ الخسائر هي جزء من الحرب، والانتصار لمن بقي صامداً.
وانتصار الروحانيين هو بقاءهم، رغم كثرة المشاكل التي تواجههم.
من يأخذ في الاعتبار فقط مشكلات ما بعد الحرب فهو جاهل، والعاقل هو من يدرك قيمة البقاء والصمود. في تاريخ الروحانيّة الشيعية التي تزيد عن ألف سنة، مرت مئات الدول والسلالات والملوك والخونة، ولكن الروحانيّة الشيعية بقيت بقوة وعزيمة. وهذا البقاء ينبع من حقانيتهم، ومن روح مولانا ومن الكتاب والسنة التي تغذيهم روحياً.
مثال آخر: إذا غاب رب البيت، وبقيت أمٌ تُربي وحدها أبناء زوجها بفقر وضيق، ثم عاد الزوج، فهل من العدل أن يلوم أولاده على حالهم؟ أو يجب أن يثني على جهود الأم ويكافئها؟
وهكذا هو حال زمن الغيبة، حيث يعاني الناس من الغيبة والمصائب، ولكن الروحانيّة الشيعية أصبحت درعاً يحمي الدين، العقيدة، وحرمات الشيعة، وجاهدت ضد أعداء الدين وأعداء الإمام (عجّل الله فرجه)، وستواصل ذلك حتى يعود الإمام.
فهل من الحكمة أن يُهاجم الجاهل ما تبقى من البيت، وأن يستبدل الشكر والامتنان بالبغض والعداء، ويعتبر نفسه أهل دين وتقوى؟
لا ينكر أحد وجود مشاكل بين الروحانيّة الشيعية، ولا يدعي أن كل العلماء معصومون أو أنهم سبقوا أباذر وسلمان، ولكن يجب القول إن استمرار الدين ووجود رموز الحق الحقيقيين هو بفضل هؤلاء. الروحانيّة هي جبهة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، ووجود أهل الفساد بين العلماء أمر مختلف.
من جُرح في معركة الباطل يجب أن يُرعى جرحه لا أن يُرش عليه الملح. الصديق يعالج الجرح، والعدو يؤلمه.
لذا، نسب الفساد الأخلاقي إلى أهل الكمال والولاية والعلماء الشيعة أمر خطير، ويواجه صاحبه بالحرمان من الحق. وأي نقد يوجه إلى العلماء يجب أن يُفسر على أنه من جهل أو قلة تقوى أو عدم مراعاة الشؤون الإسلامية.
وهنا يجب أن تُناقش الادعاءات والانتقادات التي يوجهها الإخباريون بموضوعية وبدون تحجب، ليُفضح من يجهل الحقيقة.
وهذه الموازنة تتم عبر عدة محاور:
- ما يظهر من كلام الإخباريين هو بغض وحقد وكيد واتهامات لا دليل لها ولا تستند إلى حقيقة. استخدام كلمات مثل: السلوك السيئ، التصرف غير السليم، الابتعاد عن العصمة والطهارة، موالاة أهل الدنيا، وارتزاق الحرام، والادعاء بأن الروحانيّة خالية من أي عيب أخلاقي أو عملي، أمر خطير ويقود إلى الضلالة. كأنهم وجدوا كل سوء في الروحانيّة وحدها! لهؤلاء الأصدقاء يجب أن يقال: أحسنتَ على عدوك!
- استدل الإخباريون بعدة آيات قرآنية تقول إن الأنبياء لم يتقاضوا أجرًا من الناس، وإذا كانوا ورثة الأنبياء، فلا يجوز لهم أخذ أموال من الناس.
الرد: مخاطب الأنبياء في هذه الآيات هم الأعداء الذين قالوا لهم: «لا نريد منك أجراً على الحق». والأنبياء المعصومون كانوا لا يحتاجون للتعليم والتدريس، ولكن الله سبحانه وتعالى قد خصص حقوقاً لهم، خاصة للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تشمل نصيب الله ونصيبه الخاص، وهي واضحة في الفقه الإسلامي. فالعالم ينبغي أن يكرس وقته للعلم والبحث، ومن ناحية أخرى حُرم العلماء من الخمس وغيره من موارد بيت المال، فكيف يتصرف؟ هل هذا ليس كأخذ فدك من الإمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ وما المانع أن يكون للعالم دخل من الناس، كما كان للنبي والأئمة (عليهم السلام)، ليوفر احتياجاته بقدر الكفاف؟
وفي هذا الصدد، تُذكر رواية مهمة:
قال محمد بن سنان عن حمزة بن حمران: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من أكل من علمه فقد افتقر». فقلت: في شيعتك قوم يتحملون علومكم وينشرونها في شيعتكم، فلا يفتقرون. فقال: «ليس هؤلاء بالمستأكلين، إنما ذلك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعًا في حطام الدنيا».
هذا الحديث يبيّن أن أكل العلم بمعناه السلبي هو عندما يفتي الإنسان بدون علم وبدافع الطمع والرياء، أما من ينشر العلم حقاً ويكرم الناس فلا يُعتبر مستأكلاً.
ويؤكد الحديث على أن فهم كلام المعصوم (عليه السلام) ليس سهلاً، وأن أي فهم خاطئ منه قد يسبب التباسًا.
العالم يجب أن يكون سالم الفكر، نافعًا، حق الطلب، لا يتبع الدنيا. وهكذا يُسمى عالماً، وليس من يأخذ مالاً بلا حق أو يضل الناس بجهله. وإن دلّ عالم على الخير وهدى الناس ثم أخذ منهم عطايا، فلا بأس، بل هذا من حقه، لأن البقاء والنجاة في الدين تعتمد على كلماتهم وتعاليمهم. وهذه العطايا سواء كانت من الخمس أو من تبرعات الناس، جعلت الروحانيّة مستقلة عن الحكومات والطغاة، وحافظت على الحق، الكتاب والسنة.
وقد قال الإمام (عليه السلام) في هذا السياق: «لولا زرارة ونظراؤه لظننت أن أحاديث أبي ستذهب».
وكان أبان، أحد أفضل تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، يقول: إن لم يكن زرارة ومن على شاكلته، لخشى الإمام أن تندثر أحاديث آبائه. هؤلاء العلماء الصادقون هم سبب بقاء الدين والقرآن والروايات.
وهؤلاء الأشخاص رغم ما يعانونه، هم بشر ولا بد لهم من معاش، ولا يجب أن يكون الكسب مخالفاً للدين، بل ينبغي أن يكون من مصادر شرعية سواء من أموال دينية أو عطايا الناس.
فالعالم الصحيح هو الذي يكون آمنًا وواعياً ويهدي الناس للسعادة، وفي هذه الحالة لا مانع من أن يعيش ويكون له شأن، أما إذا كان ضالاً أو طماعاً أو غير واعٍ، فلا يعد من علماء الدين الصادقين.
في هذا السياق، يجب توخي المزيد من التأمل فيما يرد من ادعاءات الأنباء، حتى لا تختلط الحقائق بالباطل. إن تلقي العالم أجرًا مقابل علمه، ما دام ذلك مصحوبًا بالوقار والاعتدال، فإنه يؤدي إلى سعادة المؤمنين، ولكن استعمال مصطلح «الآخذ» أو «بيع الدين» في هذا المجال يعد أمرًا خطيرًا ومجحفًا للغاية. فالحصول على الرزق الحلال لا بأس به، ومن ثم فإن التمسك بآية «إن أجري إلا على الله» في هذا المجال لا يتعارض مع حياة العلماء الورعين ذوي المستوى المتوسط. أما القول بأنهم يستهلكون أموال الدين وحقوق الفقراء فهو غير صحيح مطلقًا؛ لأن العلماء الدينيين، وفق منظورنا، يتلقون إما العطايا الشعبية أو يستعملون أموال سبيل الله، ولا يستهلكون أموال الفقراء، وليسوا بحاجة إليها.
يجب أن يكون رزق العلماء من مصارف السالكين على طريق الحق، ولا علاقة لذلك بحصص الفقراء. وإذا كان هناك استخدام خاطئ للأموال الدينية في بعض الأحيان، فإنه لا أساس له في الدين ولا ينبغي نسبته إليه.
ثانيًا: المحراب هو موضع الصلاة والعبادة والقيادة والتقوى والهداية، وهو من شؤون الأنبياء والأئمة المعصومين. وفي زمن الغيبة، فإن تصدي ذلك يقع على عاتق العلماء الورعين. وهنا يجب التنبه إلى نقطتين: الأولى هي النفاق وخداع الناس، والثانية هي الجهل والافتقار للفضيلة؛ ولا يليق أصحاب هذه الصفات بالإمامة أو المنبر أو المحراب، إذ لا تتحقق صلاة الجماعة في ظلهم. وإذا لم يكن الأفراد أهلًا لذلك، فعلى الناس أن يتداركوا الأمر، ولا علاقة لذلك بالعلماء الحقيقيين سواء كانوا أصوليين أو غير أصوليين.
ثالثًا: المنبر، كالمحراب، من شؤون الأنبياء والأئمة المعصومين، وطوال أكثر من ألف سنة، عرف العلماء الربانيون الناس بالدين من خلاله. وإذا استغل الجهلاء أو غير الأكفاء المنبر، فمهمة الناس هي تركهم وعدم اتهام العلماء بسبّ أو قذف. وإن استغل هؤلاء الناقصون غربت العلماء ليبنوا لأنفسهم مكانة على المحراب والمنبر، فإن ذلك لا يشوه صورة العلماء، بل ينبغي على الناس أن يبتعدوا عن هؤلاء وأن لا يكونوا أدوات في أيديهم، ويحافظوا على حرمة الدين من التحريف والقصور.
رابعًا: التملق والتزلف وخداع العامة والسلام والصلوات على أهل الدنيا لا تليق بالعلماء الربانيين. وإذا آل هؤلاء الأمور إلى الأشخاص غير الأكفاء، فلا يعد ذلك نقدًا للعلماء والمجتهدين.
خامسًا: الكبر والظهور للناس من صفات الضالين، أما الوقار والعظمة والجلال فلا تتعارض مع العلم والكمال والتقوى. فكل الأنبياء والأئمة المعصومون كانوا يتصفون بجلالة الوقار التي تجعل الكافر حين ينظر إلى وجههم يتولد فيه الإيمان تلقائيًا. ومن البديهي أن العصا والهيبة والهيئة والنصل هي نعم إلهية لا يمتلكها كل أحد، بالإضافة إلى أن العلماء يتصفون بالوقار لا بالهيئة.
سادسًا: الخلاف والحسد واللعن والاستنكار والهدم واللعن من أمراض النفس، ونسأل الله أن يبعدنا جميعًا عنها. والعلماء الربانيون والمؤمنون مجتنبون لهذه الأدواء، فإن وقع فيها البعض من الغافلين أو الضالين لا يعمم الأمر على الجميع، وإن وقع ذلك أحيانًا، فلا يكون قاعدة للنقد أو التعميم.
سابعًا: حوزات الشيعة تحتضن بالتنوع والتعدد أفكارًا مختلفة بسبب حرية الفكر، ولا بد من وجود توازن بين النماذج السوية وغير السوية. فهناك علماء صالحون في مستوى الأنبياء والأئمة، كما ورد في النصوص الشرعية: «علماء أمتي أفضل من أنبياء السلف». ومن جهة أخرى، هناك أشخاص أقل تأهيلاً لا مفر من وجودهم، كما هو الحال في الجامعات التي رغم ميزانيتها الضخمة تنتج أفرادًا عاديين، بينما الحوزات رغم قلة الإمكانات تخرج شخصيات تفوق أحيانًا أبطال التاريخ. فلا ينبغي النظر إلى الأمر من الخارج بصورة سلبية، بل يجب التفريق بين النماء الحقيقي والرديء.
وأخيرًا، مع الدعاء لظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي ينهي هذه الانحرافات والنواقص، يجب أن نفكر جديًا اليوم في كيفية التعامل مع الدين، والاحتكام إلى الكتاب والسنة كما ورد في الأحاديث.
ثلاث نقاط أساسية يجب عدم إغفالها:
أ – الحقيقة أن روحانية الشيعة، بكل قدراتها، قد أيدت دين الله حتى اليوم، رغم كل الأعداء والمحن، وواصلت طريق الحق رغم قلة الدعم من الأصدقاء.
ب – توجد مشكلات كثيرة وخلل جذري، وكذلك نقص في الكمالات، والأسباب الرئيسية لذلك هي المعوقات الظالمة التي يجب العمل على تجاوزها.
ج – كثير من الانتقادات غير المنصفة التي ذكرناها لا علاقة لها بالعلماء الحقيقيين، ويجب أن يحفظ المسلمون والعلماء حرمة العلماء ومكانتهم، ولا يوجهوا إليهم تهمًا لا أساس لها.
[1] ـ مجلسى، محمدباقر، بحارالا، ج28، بيروت، مؤسسهى الوفاء، چاپ دوم، 1403ق، ص15.
[2] ـ شريف رضى، نهج البلاغة، ج2، تحقيق: محمد عبده، بيروت، دارالمعرفة، ص181.
[3] ـ محمدبنيعقوب كلينى، اصول الكافى، ج1، تحقيق: على اكبر غفارى، تهران، دارالكتبالاسلامية، چاپ سوم، 1388ق، ص34.
[4] ـ شيخ صدوق، عقابالاعمال، ص249.
[5] ـ مستدرك سفينة البحار، ج4، قم، مؤسسهى انتشارات اسلامى، 1419ق، ص115.
[6] ـ بحارالا، ج26، ص306.
[7] ـ الحلّى، الحسن بن سليمان، مختصر بصائرالدرجات، نجف، حيدرى، اول، 1370ق، ص62.
[8] ـ مختصر بصائرالدرجات، ص107.
[9] ـ بحارالا، ج2، ص193.
[10] ـ مختصر بصائرالدرجات، ص165.
[11] ـ «و من العجب دعواه أنّ صاحب الفوائد المدنيّة رئيس الأخباريين، و كيف يقدر على إثباتهذه الدعوى مع أنّ رئيس الأخباريين هوالنبى 9 ثمّ الائمه :؛ لأنّهم ما كانوا يعملونبالاجتهاد و إنّما كانوا يعملون فى الأحكام بالأخبار قطعآ، ثمّ خواص أصحابهم، ثمّ باقى شيعتهمفى زمان الغيبة إلى تمام سبعمأة سنة».
[12] مختصر بصائرالدرجات، ص90.
[13] المرندى، ابوالحسن، مجمعالنورين و ملتقىالبحرين، اثبات الهداة، ج2، ص182.
[14] بحارالا، ج23، ص9.
[15] الطوسى، محمدبن الحسن، تهذيبالاحكام، ج1، تهران، دارالكتب الاسلامية، چاپ چهارم،1365ش، ص116.
[16] كهف / 77.
[17] حاقه / 44.
[18] الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج11، بيروت، دار احياء التراث العربي(اسلامية)، ص510، ح1.
[19] ـ بحارالا، ج2، ص263، ح12.
[20] ـ بحارالأ، ج2، ص263، ح12.
[21] ـ همفر انگليسى.
[22] ـ ر.ك: الخراسانى، محمدكاظم، كفاية الاصول، قم، مؤسسهى آل البيت :، ص463.
[23] ـ اسراء / 23.
[24] ـ اصول الكافى، ج1، باب مقائيس، ح15، ص57.
[25] ـ بحارالا، ج2، باب 34، ح3، ص286.
[26] ـ پيشين، ج2، باب 34، ح82، ص315.
[27] ـ بحارالا، ج1، ص219، باب6، ح46.
[28] كفاية الاصول، ص472.
[29] توبه / 122.
[30] انبياء/7، نحل/43.
[31] اسراء / 36.
[32] جاثيه / 24.
[33] نساء / 157.
[34] يونس / 36.
[35] نحل / 43.
[36] ـ … عن على 7 قال: قال رسول اللّه 9 لاخير فى العيش الا لرجلين: عالم مطاع، او مستمعواع. اصول الكافى، ج 1، ص 33.
[37] وسائل الشّيعة، ج18، ص101، ابواب صفات قاضى، باب 11، ح9.
[38] ـ كفاية، ج2، فصل تقليد، ص435.
[39] ـ انبياء / 7 و نحل / 34.
[40] ـ توبه / 122.
[41] ـ الخوئى، سيد ابوالقاسم موسوى، معجم رجال الحديث، قم، پنجم، 1413ق، ج1، ص134.
[42] ـ وسائل الشّيعة، ج11، ص482.
[43] ـ وسائل الشّيعة، ج18، ص107، ح33 ـ 34.
[44] ـ وسائل الشّيعة، ج 18، ص95، كتاب قضا، باب 10، ح20.
[45] – نحل / 43.
[46] «براى شناخت حكم حوادث نوپديد كه پيش روى شما قرار مىگيرد به روايان احاديث مارجوع كنيد». وسائل الشيعة، ج18، ص101، باب 11، ح9.
[47] ـ محمد بن نعمان (شيخ مفيد)، الاختصاص، قم، جامعهى مدرسين، ص251.
[48] ـ الاختصاص، ص288.
[49] ـ نحل / 43.
[50] ـ زمر / 9.
[51] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص101، باب 11، ح9.
[52] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص99، باب 11، ح1.
[53] ـ الاحسائي، محمّدبن على، عوالي اللئالي، ج4، قم، سيدالشهداء 7، اول، 1403ق، ص67.
[54] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص7، باب 1، ح3.
[55] ـ پيشين، ج18، ص9، باب 4، ح1.
[56] ـ پيشين، ج18، ص10، باب 4، ح2.
[57] ـ پيشين، ج18، ص11، باب 4، ح6.
[58] ـ پيشين، ج18، باب 4، ح13، ص12.
[59] ـ بحارالا، ج1، ص208.
[60] ـ وسائل الشيعة، ج18، باب 11، ح27، ص106.
[61] ـ وسائل الشيعة، ص106، ج18، باب 11، ح30، ص106.
[62] ـ بحارالا، ج2، ص308، باب 34، ح64، ص308.
[63] ـ الاختصاص، ص288.
[64] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص41، ح52.
[65] ـ مواعظ، ص264.
[66] ـ بحارالا، ج1، ص219، باب 6، ح4.
[67] ـ حضرت على 7: «پيش از اين كه من از ميان شما بروم، هرچه مىخواهيد از من سؤال كنيد».مختصر بصائرالدرجات، ص198.
[68] وسائل الشيعة، ج4، كتاب خمس، باب 4، باب اباحهى خمس، ح1، ص378.
[69] – پيشين، ح3، ص379.
[70] پيشين، ح4، ص379.
[71] ـ احزاب / 6.
[72] ـ بحارالا، ج36، ص7.
[73] ـ اصول كافى، ج1، ص409، ح4.
[74] ـ پيشين، ص408، ح2.
[75] ـ پيشين، ص409، ح6.
[76] ـ وسائل الشّيعة، ج6، ص379، باب 4؛ انفال، ح3.
[77] ـ پيشين، ص380، ح5.
[78] ـ پيشين، ص383، ح15.
[79] ـ ح19، ص385.
[80] ـ پيشين، ص382، ح12.
[81] ـ عوالى اللئالى، ج4، ص5.
[82] ـ وسائلالشيعه، ج6، ص384، باب 4، ح16.
[83] ـ «هر كس از شما كه در تنگدستى قرار بگيرد، خمس بر او حلال است.» وسائل الشيعة، ج6،ص379، ح2.
[84] ـ وسائل الشيعة، ج6، باب3، ح2، ص375.
[85] ـ پيشين، ص376، ح3.
[86] ـ پيشين، ص375، ح1.
[87] ـ پيشين، ص374، ح5.
[88] ـ پيشين، ص376، ح6.
[89] نساء / 46.
[90] بحارالا، ج28، باب افتراق الأمة، صص2 ـ 36.
[91] احزاب / 62.
[92] فاطر / 43.
[93] بحارالا، ج28، ص10، باب افتراق الأمّة، ح15.
[94] حجر / 9.
[95] طلاق / 10.
[96] فصلت / 41ـ42.
[97] القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمى، ج2، قم، دارالكتاب، سوم، 1404ق، ص266.
[98] ـ حجر / 8.
[99] ـ فصلت / 41 ـ 42.
[100] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص139، ح34.
[101] ـ نهج البلاغه، ج1، ص46، خ16.
[102] ـ الطوسى، محمد بن الحسن، التبيان فى تفسير القرآن، ج1، تهران، الاعلام الاسلامى، اول،1409، ص5.
[103] ـ پيشين.
[104] وسائل الشّيعة، ج6، ص461، باب 24، ح6.
[105] پيشين، ص460، ح3.
[106] پيشين، ج11، ص460، باب 24، ح2.
[107] پيشين، ص430، باب 14، ح9.
[108] پيشين، ص483، باب 31، ح1.
[109] ـ بحارالا، ج2، ص73، باب 13، ح41.
[110] الصدوق، محمدبن على بن بابويه قمى، من لا يحضره الفقيه، ج1، جامعهى مدرسين، دوم،1404ق، باب اذان و اقامه، ح865.
[111] وسائل الشّيعة، ج4، ص642، باب كيفيّة الاذان و الاقامه، ح1.
[112] پيشين، ج4، ص649، باب 19، ح25.
[113] پيشين، ص649.
[114] انشراح / 4.
[115] تفسير القمى، ج2، ص428.
[116] بحارالا، ج22، ص473 و ح22، ص474.
[117] آل عمران / 64.
[118] عن صفوان، عن أبى عبداللّه 7 قال: «من بلغه شىء من الثواب على شىء من الخير، فعمل بهكان له أجر ذلک؛ و إن كان رسول اللّه 9 لم يقله.» وسائل الشيعة، ج1، ص 59، باب 18، ح1.
[119] من لا يحضره الفقيه، ج1، ص357، ذيل ح35.
[120] ـ امروز]روز غدير خم[ دين شما را كامل كردم. مائده / 3.
[121] مائده / 3.
[122] – ر. ك: وسائل الشّيعة ج4، ص364 باب ما يختص بالامام (اين باب مشتمل بر 22 حديث درباب حليت خمس بر شيعه مىباشد).
[123] الكافى، ج3، ص418، باب وجوب نماز جمعه.
[124] من لا يحضره الفقيه، ج1، باب وجوب الجمعة.
[125] من لا يحضره الفقيه، ج1، باب وجوب الجمعة، ش1220.
[126] بحارالا، ج74، ص168.
[127] يونس / 72.
[128] شعراء / 109.
[129] ـ وسائل الشيعة، ج18، ص102، باب 11، ح12.
[130] ـ پيشين، ص103، باب وجوب الرجوع فى القضا(11)، ح16.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.