علم السلوك المعنوي
تعليم القواعد الأساسية للسير المعنوي الشيعي وأصول السلوك العرفاني على الطريقة الخاصة للموهوبين من المحبوبين الإلهيين
البيانات الرئيسية:
- الكاتب: (1327 هـ – …).
- العنوان: علم السلوك المعنوي: تعليم القواعد الأساسية للسير المعنوي الشيعي.
- المؤلف: .
- مكان النشر: إسلامشهر: .
- سنة النشر: 1391 هـ (الموافق 2012 م).
- عدد الصفحات: 452 صفحة.
- رقم ISBN: 978-600-6435-41-1.
- التصنيف: 281BP.
- التصنيف الديوي: 82/297.
المقدمة
مسار السلوك البسيط للشيعة:
“العرفان العملي” هو علم معقد يشمل جميع العمليات التي تحتويها الثقافة الشيعية، التي تمتلك أغنى المفاهيم في هذا المجال. رغم أن أجزاء من هذا العلم موجودة في ثقافات أخرى، إلا أن كل مذهب يضيف إليها مفاهيمه الخاصة. مع ذلك، يمكن القول إن “علم السلوك المعنوي” في الشيعة لم يُعتمد بعد بشكل كامل أو مُفصل علمياً، وإنه مخفي في نصوص دينية متنوعة.
يهدف العرفان العملي إلى توجيه الشخص صاحب الاستعداد للسير في الطريق المعنوي وفقاً لقواعده الخاصة، للوصول إلى القلب ومعرفة الغيب وزيارة الحقيقة الشخصية. هذا الطريق في الثقافة الشيعية له مسار محدد، لكن طبيعة السعي المعرفي لدى البشر قد أدت إلى رسم طرق متنوعة ومتفرقة، والتي في كثير من الأحيان، بسبب ابتعادها عن آل بيت النبوة والطهارة، تفتقر إلى الصحة والنقاء. على الرغم من ذلك، لم يُدعم العرفان العملي في الشيعة بشكل رسمي داخل المؤسسات العلمية، وكان الصوفيون هم من تبنوا هذا المذهب حتى فترة متأخرة، حيث كانت لهم تأثيرات معنوية كبيرة بين الناس قبل حكم الدولة الصفوية، التي حولتهم نحو الدنياوية وأثرت سلباً في مفاهيمهم، بحيث أصبحوا مجرد فئة معينة مع أدوار محدودة في المجتمع، وبعض قادتهم قد تعاونوا مع أجهزة استخباراتية خارجية ومنظمات ماسونية. هذا أدى إلى تآكل مكانتهم الاجتماعية داخل المجتمع الشيعي، رغم أن العديد من الأفراد البسطاء الذين يبحثون عن الروحانية لا يزالون ينضمون إليهم بحثاً عن المعنى.
العرفان يرتبط بـ”قلب” الإنسان، وأصحاب الاستعداد العرفاني يواجهون دوماً معاناة في مسيرتهم نحو تنقية القلب، حيث لا يهدأ روحهم العاشقة للملكوت. مع ذلك، وعلى الرغم من أن هناك العديد من العرفاء العظماء في الحوزات العلمية، إلا أن الصعوبة التي يواجهها هؤلاء العرفاء في تقديم أفكارهم، بسبب هيمنة الفقهاء والتوجهات الظاهرية، حالت دون ظهور العرفان بشكل رسمي في الأوساط العلمية.
العرفان الذي يُدرس اليوم في العالم الإسلامي هو العرفان السني الذي يتبع شخصيات بارزة مثل محي الدين بن عربي وأتباعه. يُعتبر ابن عربي خاتم العرفاء ومُؤسس الفكر العرفاني، ولكن بسبب بعده عن ثقافة ولاية آل البيت (عليهم السلام)، تلوث هذا العرفان بالمفاهيم الكلامية للمذهب السني، مما أدى إلى ظهور انحرافات كبيرة فيه.
على الرغم من ذلك، استطاع العرفاء الشيعة في ظل هذه الضغوط السياسية والدينية، بعد تعلمهم الحديث والتفسير والمنطق والفلسفة، أن يؤسسوا قاعدة قوية في العرفان، مستندين إلى تفكير عقلاني وروحية الولاء لأهل البيت (عليهم السلام). ولكن، واجه هؤلاء العرفاء معارضة شديدة من الحكومات والفقيه الظاهريين، مما أدى إلى تهميشهم واضطهادهم، وحتى أن ابن الإمام الخميني () تعرض لهجوم بسبب ميوله العرفانية.
الاضطهاد المستمر للعرفاء الشيعة والتعاون بين الحكومات السنية مع العرفاء من مذهبهم أدى إلى بروز العرفان السني كالعرفان السائد في الأسواق الفكرية، وأصبحوا يدرّسونه رسمياً في كثير من الدول الإسلامية، حتى بين الشيعة أنفسهم.
في العصر الحديث، هناك فجوة بين الدراويش والعلماء. العلماء هم أهل الظاهر والشريعة وأصحاب القول والعبادة والعلم، بينما الدراويش هم أهل الباطن والطريقة وأهل العمل والفعل. ولكن، بسبب الانحرافات الواسعة التي شهدها التصوف في هذا الزمن، لم يعد للدراويش مكانتهم السابقة، بل ينظر إليهم الناس على أنهم أفراد مفصولون عن المجتمع.
من المهم أن نلاحظ أن كون الشخص من أهل الظاهر ليس دليلاً على نقصه، كما أن كون الشخص من أهل الباطن ليس شيئاً سيئاً. ذات يوم، سَألتُ أحد طلاب المرحوم الحاج شيخ، الذي كان من أهل الفضل، عن شخصيته، فقال: “الحاج شيخ لم يكن من أهل الأمور الباطنية والمكاشفة، بل كان شخصاً متهجداً ومؤمناً لا يدعي شيئاً. كان مؤمناً يشتغل بالدروس والبحث في خدمة الحوزة والناس”.
للأسف، فإن الانحرافات التي حدثت في صفوف كل من أهل الباطن وأهل الظاهر قد أدت إلى تشويش وتضارب بين هاتين الفئتين. مثلما هو الحال بين جماعتي “الفتح” و”حماس” اللتين رغم كونهما من الجماعات الفلسطينية، إلا أن السياسة قد فرقتهما.
الدراويش في عصر الصفويين قد أظهروا نوعاً من التوافق مع العلماء في زمانهم، على الرغم من أن الدراويش في ذلك الزمن كانوا يسعون وراء الباطن والسلوك الحقيقي، بينما اليوم هناك نزاع بين العلماء والدراويش. لكن هذا لا يعني أن جميع الدراويش اليوم هم في حالة صحية، بل يعانون من انحرافات أيضًا، كما أن بعضهم يحملون أفكار تكفيرية ضدهم. بالطبع، هناك العديد من الدراويش الذين هم أفراد طيبون وبسطاء يسعون للوصول إلى عالم الغيب، وكلهم مسلمون. ولكن للأسف، هناك العديد من الانحرافات بين طوائف التصوف، وبعض الزوايا التي يقودها مرشدون من عملاء الأجانب أو الماسونيين.
أنا أتكلم هنا بناءً على ما رأيته بنفسي وليس بناءً على ما سمعته عن التصوف. فقد جرف التصوف والانحرافات الكثير من المعاني الأصلية فيه؛ لأنهم كانوا أهل طريق ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى الطريق الصحيح.
من ناحية أخرى، العلماء الدينيون لا يعانون من مثل هذه الانحرافات. هم ملتزمون بالشريعة، وهذا الالتزام يضمن لهم حماية وحفظ من التبعات السلبية. رجال الدين يتمتعون بالقداسة والصحة، ولا يخضعون للنفوذ الأجنبي ولا يمكن أن يتأثروا بأنظمة غريبة، والنظام الذي يتبعونه ليس عرضة للفيروسات والانحرافات. قد يظهر بين علماء الدين شخص منحرف أو مبتدع، ولكن لا يستفيد من انحرافه أو يتبع الآخرين في انحرافاتهم، وهذا هو جمال رجال الدين.
لقد درستُ جميع المهن والأديان بعناية ووعي، وانضممتُ إلى الحوزة العلمية وأصبحتُ من رجال الدين. قبل أن أصبح طالباً، جلت في أماكن كثيرة وتعرفت عن قرب على مزايا وعيوب كل مهنة وصنف، وتبين لي أن الحوزات العلمية لا تزال، رغم بعض الانغلاق، غير ملوثة بالفساد مثل بعض المؤسسات الأخرى التي أصبحت تحت سيطرة الأجانب أو فقدت صحتها. الحوزات العلمية تحت رعاية الإمام المهدي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، ودماء شهداء الشيعة تكفل بقاءها وحمايتها من أي تهديدات.
أما الدراويش في العصر الحديث فيصنفون في خانة اللامبالاة والانفتاح على كل شيء. العديد من الكرامات التي يُنسبون إليها غير صحيحة، وكل الكتب التي تتناول هذه الكرامات ما هي إلا ترويج وادعاءات زائفة، ولا يجب الإيمان بها. بعض هذه الكرامات قد تذكر حتى لبعض العلماء المتصوفين الذين يبالغون في الزهد والتصوف دون أن يكون لديهم معرفة حقيقية بالباطن.
التصوف في أصله كان يحمل معاني الحقيقة، ولكن مر الزمن وخاصة في العصر الصفوي الذي شهد فترة ظهور الدراويش في السلطة، ما أدى إلى تدمير هذه الحقيقة وتحوّل التصوف إلى شكل هزلي مليء بالأكاذيب والشغب.
لقد بدأ التصوف في الأصل كأحد الأساليب الروحية التي تهدف إلى تهذيب النفس وتحقيق التقوى، وكان هدفه الاقتراب من الأنبياء وزيادة التقوى. وكان التصوف يرتكز على ثلاثة أسس: العلم ضمن إطار الشريعة، الرياضة النفسية، والاتباع للمرشد الصحيح.
لكن اليوم، مع الأسف، تم تحريف التصوف، وتحولت الدروشة إلى نوع من السطحية والتوسع غير المبرر. التصوف في العصر الحالي قد فقد الكثير من معانيه الأصلية وأصبح أقرب إلى التقليد الأعمى والممارسات السطحية، وليس له علاقة بالمعرفة الروحية الحقيقية.
في النهاية، يجب أن نكون حذرين في التفريق بين التصوف التقليدي والعارفين الحقيقيين الذين يتبعون سلوكًا علميًا وروحيًا دقيقًا. في الواقع، اليوم يُمكن التمييز بين العارف والدرويش، لأن العارف يتبع طريقًا علميًا وروحيًا أعمق بكثير مما يفعله الدرويش في أغلب الأحيان.
إن السالك في هذا الطريق، يعتبر شخصًا غير متوافق مع زمانه، لأن الناس في حياتهم يتبعون قواعد وأصولًا معينة لا تتماشى مع سلوكه. هم يتبعون مبدأً خاصًا يختلف عن مبادئه، وهذه هي المسافة بينه وبين الآخرين.
وللحصول على هذا الفضاء، يحتاج السالك إلى رياضة. تتنوع أنواع الرياضة، بدءًا من تقليل الطعام اليومي، وصولًا إلى السهر والعمل المستمر. يجب أن يتربى السالك بحيث يكون قادرًا على السيطرة على نفسه، بحيث لا يسيطر عليه النفس أو الجسد، بل هو الذي يسيطر عليهما بسهولة. ومع ذلك، يجب أن يتجنب الإفراط أو التفريط في هذه الرياضة، وأن يكون ملتزمًا بها بشكل مستمر، سواء كان ببطء أو بسرعة. أي نوع من الأذى النفسي أو الجسدي ممنوع في هذا المسار، ويجب أن لا تؤدي الرياضة إلى المرض أو الضعف، لأن مثل هذه الأمور تتناقض مع تعاليم الثقافة الشيعية. في هذا السياق، يجب على السالك أن يصل إلى حالة يصبح فيها غير متأثر بتقليل شأن الآخرين، ومن يعاني أقل من ذلك في نفسه يكون في خطر الوقوع في الشرك.
بالطبع، من لا يتواجد في هذا الفضاء ويريد أن يوجه فكره وجسده من فضاء آخر إلى هذا المسار، سيواجه صعوبة شديدة، لأنه قد اعتاد على طريقة معينة، والتحول إلى مسار جديد يشبه السباحة ضد التيار، مما يتطلب قوة كبيرة. كذلك، من اعتاد على الظاهر ولم يدخل في سلوك معنوي، يجب عليه أن يعاني رياضة مضاعفة لكي يسحب نفسه نحو الباطن؛ كما أن من تعود على الباطن، سيكون من الصعب عليه التعامل مع الظاهر. هؤلاء الأشخاص مثل من قضى سنوات في تدريب رياضي معين، وعندما يُطلب منه أن يغير التخصص إلى مجال آخر، يعاني ويشعر بالتعب.
إذا كان الشخص متمكنًا في علم معين، فإن قدراته تصبح عائقًا له عندما يقرر الانخراط في مجال آخر. الشخص الذي لديه استعداد للسلوك ويبدأ في هذا الطريق، يشبه طفلًا يتعلم بسهولة لأن عقله غير مبرمج مسبقًا. أما الشخص البالغ الذي لا يمتلك استعدادًا، فإنه يجد صعوبة في التغيير حتى لو كان الأمر متعلقًا بالمعرفة والنور. من خلال هذا، يمكن القول أن الأشخاص الذين اعتادوا على مجال معين، كالعلم أو الظاهر، سيواجهون صعوبة في التحول إلى مسار معنوي، وهو مؤلم ويحمل مشقة كبيرة. لهذا السبب، يتجنب كثير منهم السير في هذا الطريق، على الرغم من استعدادهم لذلك.
هذه هي القاعدة الأولى في السلوك: يجب أن يكون للشخص استعداد طبيعي للسلوك. من يرغب في دخول وادي العرفان يجب أن يدرسه علميًا وأصوليًا، وليس بناءً على رغباته الشخصية أو تعلقاته، بل يجب أن يكون مستعدًا لقبول ذلك بناءً على ما هو مناسب لطبيعته. إذا شعر أن لديه القُدرة على الوصول إلى الغيب، والكشف، والكرامة، والمحبة لله، فعليه أن يسعى نحو ذلك، وإلا فإن الانخراط في هذا الطريق سيؤدي إلى تضييع إمكانياته في مجالات أخرى.
يجب أن نؤمن بمبدأ “كل ميسر لما خلق له”، بمعنى أن كل شخص له بنية وغاية معينة في الحياة، ويجب أن يتبع الطريق الذي ينسجم مع طبيعته، حيث يكون هذا الطريق أسهل بالنسبة له مقارنة بأي شيء آخر. من كان طبعه يطلب الله، ويملك استعدادًا للسلوك، يمكنه الوصول إلى أعلى درجات الولاية، ويكتشف سر وجوده من خلال التزكية الذاتية. مثل الشاعر الذي يمتلك موهبة الشعر، يجب عليه تنميتها حتى لا يضيعها. يجب أن يستمر في استخراج مياه تلك الينابيع حتى تبقى جارية.
وجود استعداد للسلوك يختلف عن حب العرفان أو الرغبة فيه. كثير من الأماني قد تكون مجرد رغبات عابرة وليست متوافقة مع طبيعة الشخص. من الممكن، بالطبع، أن يكتسب شخص ما طبع العرفان بعد فترة طويلة من صحبة العارفين، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن لديه الاستعداد العميق لذلك. العارف الذي يملك الاستعداد والتدريب يمكنه الوصول إلى أعلى المقامات، بينما من لا يمتلك هذا الاستعداد لا يستطيع تحقيق تلك الدرجات.
ومن هذا المنطلق، فإن السالك يجب أن يكون لديه قدرة على تمييز استعداداته ومعرفة إذا كان لديه قدرة على بلوغ مراتب العرفان أم لا. إن الأشخاص الذين لديهم استعداد حقيقي للسلوك يمكنهم الوصول إلى غاياتهم العليا في طريق العرفان، بينما من لا يمتلك هذه القدرة قد ينتهي به الأمر إلى الانحراف والضياع، كما يحدث في بعض الأماكن التي تسمح للجميع بالدخول دون تمحيص.
الشيخ الفقيه الكبير الذي أراد أن يتعلم العرفان من الشيخ الإلهي كان مثالاً جيدًا على هذا النوع من الاستعداد. على الرغم من محاولات الشيخ الإلهي في تشجيعه، إلا أنه شعر في النهاية أنه ليس لديه الاستعداد للذهاب في هذا الطريق، فمضى في طريقه.
القاعدة التالية في السلوك تتعلق بالتركيز على السلوك نفسه، بحيث يجب على السالك الذي يمتلك استعدادًا حقيقيًا أن يخصص كل اهتمامه لذلك. لا ينبغي أن يكون لديه أهداف أخرى إلا العرفان والاقتراب من الله. من يحاول الوصول إلى كل شيء دون التخصص في العرفان لن يحقق أي تقدم حقيقي.
ومن هذا، يجب أن يقتصر الشخص الذي يمتلك استعدادًا للسلوك على الحد الأدنى من الأمور الدنيوية، وعدم جعلها هدفًا رئيسيًا. ويجب عليه أن يكرس كل جهوده في هذه الطريق، في الوقت الذي لا يجب فيه أن يتجاهل الأمور الأساسية الأخرى.
وفي الختام، يُؤكد على أن الشخص الذي يمتلك استعدادًا حقيقيًا يجب أن يعرف كيفية السلوك، وما هي الطريقة التي تليق بطبيعته الخاصة، من أجل تحقيق أقصى استفادة من هذا المسار.
جماعة من المحبين يجدون الخير بتطبيق ما يُوصي به العرفاء و بالاستفادة من تجربتهم. لكنَّ ما يذكره أصحاب المعرفة في كتبهم ليس إلا من باب التذكير والتنبيه لبعض المسائل، حيث يُعرض لكثير من الأمور دون أن يتم الإشارة إلى جوانبها وتفاصيلها، وهي أمور لا يمكن الوصول إلى الخاتمة الحسنة دونها. قد قرأتُ كتبًا للعارفين الذين كتبوا في السنوات الخمسين الماضية، ولم أوافق على ما فيها من منهج في السلوك، رغم أن بعضها قد يكون مفيدًا للتعرف على بعض جوانب التصوف، إلا أنَّها لا تنفع عامة الناس، سواء كانوا أصحاب استعداد للتصوف أم لا، وكذلك لا تفيد السالك الذي يطمح إلى هدف سامٍ.
هناك من المحبين الذين يصبحون موجهين بالكامل من قبل أستاذهم، فينسقون جميع أعمالهم مع مشورة معلمهم. هؤلاء يتمتعون بمرشد عارف خبير في علاج أمراض النفس، ويعرف كيفية شفائها خطوةً خطوة. هذه الطريقة هي أصعب الطرق، وأقل من يستطيع الاستمرار في هذه المسيرة إلى جانب هؤلاء الأطباء الروحيين الذين يعملون بدقة واهتمام. هؤلاء العرفاء علماء، لكن مهنتهم الأساسية هي التصوف، ثم يقومون بأعمال أخرى بعد ذلك. الدنيا تفقد كل معناها في أعينهم.
المعلمون في هذا المسار قلائل أيضًا؛ لأن كل واحد منهم يرى نفسه مجتهدًا كاملاً في فقهه، ولا يستطيع التوافق بسهولة مع معلم آخر.
إذا كان المحب يمتلك صفاء النية والإخلاص، ويقبل النصيحة، ويستطيع إدراك معنى معلمه، فإنه يحقق درجة أكبر من النجاح. لكنَّ من الصعب على شخص أن يكون عالِمًا ربانيًا، ويعلم التوصيفات، ويدرك الإشارات، ويمتلك القدرة على التفريق بين ما هو مهم وغير مهم، بالإضافة إلى مصاحبته للمعلم بشكل متوازي في سيره الروحي. الحوزات العلمية اليوم بحاجة إلى مثل هؤلاء الأشخاص النادرين، لا إلى عشرين ألف طالب عادي يتم قبولهم كل عام. هؤلاء الطلاب يجب أن يكونوا فهيمين، لا مجرد مقلدين، بعيدين عن الجمود، متفكرين بعقلانية وواقعية في طريق السلوك والعارف، متواضعين، مبتعدين عن التسلط والقسوة على الناس، وأيضا قادرين على التعامل بلطف مع من أساء إليهم.
العالم يجب أن يسعى وراء ثلاثة أهداف لكي يكون سائرًا في طريق التصوف: أولًا أن يكون فطِنًا ومتعلمًا. ثانيًا أن يكون سَمحًا ولطيفًا، بحيث يتمكن من التواصل مع الآخرين بتواضع. ثالثًا أن يكون سائرًا في الطريق، وتظهر عليه آثار السلوك. مع ذلك، فإنَّ السالك، كلما اقترب من قمة الجبل وازداد عظمة، كلما كان مهددًا أكثر بالسقوط. لذلك، يجب أن يتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، لأنه إن لم يشأ الله أن يرافقه أحد، فإنَّ الله قادر على أن يقطع طريقه.
الجزء الثاني:
بعض من السالكين كانوا يتنقلون ويسافرون في الأرض بحثًا عن الحقيقة، وهي تجربة تحمل معها مشاقّ وفوائد. كانوا يذهبون إلى حيث يجدون عالمًا أو عارفًا، يقيمون عنده لفترة ويستفيدون من علمه، ثم يتابعون طريقهم.
وهناك من السالكين من اختاروا طريق “الخدمة”، فكانوا لا يفعلون شيئًا سوى خدمة الآخرين دون أن يدرسوا العلم.
ومنهم من اختاروا طريق “الانكسار”؛ وهم الذين يقومون بتكسير صورتهم في نظر الآخرين حتى لا يظهروا بمظهر العارف الكبير. رأيتُ أستاذًا كان يملك إجازة الاجتهاد، لكنه اتخذ هذه الطريقة وأصبح يظهر للناس كأحد الأشخاص البسطاء الذين ليس لديهم معرفة واسعة. كان يقتصر على قراءة مجالس روحية بسيطة، مثل قراءة حديث الكساء، بينما كان يحمل إجازة الاجتهاد من الشيخ الهُلاي قُمشَائِي.
التفرغ، المجاهدة، الصبر، والسفر في هذه الطريق يأخذ وقتًا طويلاً، لكن ما يميز كل هذه الطرق هو ضرورة التمرس على المدة الطويلة؛ فالسلوك ليس شيئًا يحدث بسرعة، بل يحتاج إلى سنوات من الخدمة، الانفراد، الذكر، الزهد، والانكسار حتى تظهر آثار هذه الأفعال في باطن الإنسان.
الجزء الثالث:
من السالكين هناك من يتجاهدون ويقابلون صعوبات عظيمة ويتحملون الآلام والمكافآت بدون شكوى أو تذمر، بلا أنانية أو خداع. أما العرفاء الذين لا يتبعون الشريعة في طريقتهم، فيدخلون في عوالم غيبية، لكن سلوكهم لا يتفق مع الشريعة الإسلامية. العلماء الذين يريدون السير في طريق التصوف يجب أن يكون لديهم جميع المقومات اللازمة لذلك؛ وإلا فإنَّ سلوكهم سيكون مجرد تخيلات.
العالم الذي يريد أن يظل على طريق العلم، والعبادة، والمجتمع، والسياسة، والمشاركة في الحياة العادية بينما يطمع في القليل من الدنيا، لا يستطيع أن يكون محبًا حقيقيًا.
الجزء الرابع:
بالنسبة للسالِك، عليه أن يعرف أولًا في أي فئة ينتمي، وما هو الطريق الأنسب له. عليه أن يتأكد من أن الطريق الذي يختاره يتوافق مع طبيعته الداخلية. السالك الذي يتناسب مع خدمة المعلم يجب أن يتبع هذا الطريق دون أن يدخل في طريق آخر مثل الانفراد. إن السالكين مختلفون وطرقهم متنوعة، ويجب على كل شخص أن يعرف ما يناسبه لكي لا يجعل سيره صعبًا وطويلاً. كثير من الكتب التي كتبت في مجال التصوف قد لا تكون ملائمة للكثير من السالكين، بل قد تزيد من معاناتهم وتسبب لهم الإحباط. لذا، يجب على السالك أن يتشاور مع معلم أو مرشد مختص ليحدد المسار المناسب له.
الجزء الخامس:
أخيرًا، على السالك أن يكون واعيًا بأن الوقت الذي يملكه ثمين، وأنه لا يجب عليه تضييع هذا الوقت في تجارب وأخطاء متعددة. يجب أن يكون له هدف واضح وطريق محدد، وهذا يتطلب مشورة معلم ذي خبرة. الطريقة الصحيحة في السلوك تتطلب أن تكون عقلانية، متوافقة مع الشريعة، ويتم فحص التجارب والتجليات الخاصة به وفقًا لهذه المعايير.
التنظيم والانضباط في الوقت: يجب على السالك أن يحترم وقت دراسته، ومحاضراته، وحضور المعلم. أي نوع من الإهمال في مواعيده سيتسبب في تعطيل السلوك الروحي نفسه. الفوضى والتسويف لا يُنتجان شيئًا في هذا المجال.
تحليل السلوك وتفاعل الإنسان مع الغيب:
لقد أفرطت في تدمير أكثر من ثلاثين جهاز ساعة. ولكنني كنت دائمًا أضبط نفسي بطريقة تجعلني أستيقظ قبل الصوت الذي يحدده المنبه، ثم أوقفه فورًا. جهاز الساعة هو بمثابة أداة ممتازة لتنظيم الأعمال. يجب على السالك أن يضبط ساعته ولكن عليه أن يحاول الاستيقاظ قبل أن يُصدر المنبه صوته أو يتذكر عمله ويستخدم الساعة فقط كوسيلة لتذكيره. ينبغي أن ينام مع الساعة ويستيقظ معها، ولكن يجب أن تكون الساعة في داخله بمثابة إنذار بحيث يمكنه الاستيقاظ قبل الوقت المحدد وإيقاف التنبيه أو استخدامها لتذكير نفسه بمواعيد أعمال أخرى وتنظيم وقته.
يجب أن يكون للسالك خطة زمنية لليل ونهاره، وألا يتبع سلوكًا عشوائيًا بلا فائدة. عليه أن يعيش كما لو كان موظفًا يعمل على تنفيذ مهام في وقت معين، بل عليه أن يكون أكثر دقة من ذلك، ليعلم متى ينام ومتى يعمل وما هي مهامه. إذا لم يكن لديه هذه الخطة الزمنية، فلن يحصل على نتيجة حتى لو أمضى سنوات في السير في طريق السلوك.
السلوك: مسار التواصل مع الغيب
إيمان الإنسان بـ “الغيب” هو موضوع مطروح في جميع الأديان عبر التاريخ. إن كيفية التواصل مع عوالم الغيب، التي تصبح ممكنة فقط بفصل الإنسان عن “الناسوت”، قد أنتجت العديد من المدارس الصوفية المختلفة. كثير من الناس كانوا يتوقون إلى التواصل مع عوالم الغيب، وقد بذلوا جهودًا ضخمة لتقليص المسافة بينهم وبين هذه العوالم. الإنسان سعى إلى الوصول إلى الغيب عبر طرق متنوعة، ولكن الإسلام يعتبر العديد من هذه الطرق باطلة وغير مسموح بها.
ومع ذلك، كانت هناك قلة من الأشخاص الذين نجحوا في الوصول إلى هذه العوالم، وبدت شهاداتهم حقيقة الغيب لأولئك الذين لم يستطيعوا الوصول إليها. كما هو الحال في عالمنا، فإن القلة فقط هي التي توصلت إلى اكتشافات علمية في مجال “الناسوت”. في الوقت الراهن، تزداد الأفلام الخيالية في الغرب التي تتحدث عن الدخول إلى العوالم غير المادية والماورائية، رغم أن بعض هذه القصص قد تكون منطقية. في العالم الإسلامي، عرف العلماء والمفكرون الذين نجحوا في الوصول إلى عوالم الغيب، وقد جربوا سيرًا صوفيًا خاصًا لهذا الغرض. بعض الحكيمين والعلماء المسلمين تركوا وراءهم دراساتهم الأكاديمية لكي يرحلوا من مدينة إلى مدينة، ومن ظلام إلى نور، بحثًا عن أحد المخلصين ليكونوا تلاميذ له، لعلهم يشهدون تجربة العبور إلى ما وراء الطبيعة.
ومع أن بعض الناس في العالم غير الإسلامي اتبعوا طرقًا مثل الرياضات البدنية القاسية أو الجوع الشديد للتواصل مع الغيب، فقد رفض الإسلام هذه الطرق، معتبرًا أن آلام الجسم محظورة. بدلاً من ذلك، يجب أن يتم السعي إلى الغيب من خلال الذكر، والسجود، والمناجاة، وعبادات أخرى.
وقد ثبت أن الصوفية الشيعية حققت نجاحًا عظيمًا في الوصول إلى الغيب باستخدام الأدعية، والصيام، والصلاة، والذكر، وأذكار خاصة أكثر من غيرهم.
الطرق الممنوعة للتواصل مع الغيب
بعض الصوفية الذين سعىوا إلى الغيب استخدموا أطعمة خاصة، تعويذات، تواصل مع الجن والشياطين، تمثلات خيالية، وروائح معينة. وقد اعتقد بعضهم أن الطعام الثقيل مثل الخبز يؤثر بشكل كبير على الدم، مما يبطئ الوصول إلى الغيب. كما استخدموا الدخان أو المخدرات كوسيلة لتهدئة النفس وفصلها عن الجسد. لكن هذه الطرق محظورة في الشريعة الإسلامية.
في عالم الغرب، يبذل السياسيون والمجتمع العلمي جهدًا كبيرًا لدراسة هؤلاء الذين يدّعون الوصول إلى الغيب، ويقومون بتقييم توقعاتهم والتواصل معهم. إنهم يروجون للعرفان الجديد كبديل عن المسيحية المحرفة، ويحاولون استبدال الدين القديم بمعرفة جديدة.
محبوبون ومعرفة غيبية
في صوفية الشيعة، يعد “المحبوبون” هم أولئك الذين يمتلكون جميع عوالم الغيب. هؤلاء الأفراد، على عكس البشر العاديين، لا يحتاجون إلى السعي أو العمل للوصول إلى الغيب، بل هم متصلون به منذ ولادتهم. وهذا ما يميزهم عن الأشخاص العاديين الذين يحتاجون إلى الجهد والمثابرة لتحقيق المعرفة.
هناك أيضًا فئة من الناس تُسمى “النابغة”، وهم الذين يمكنهم فهم العوالم الغيبية بسهولة، ولكن ليس بنفس مستوى “المحبوبين” الذين يمتلكون الحقائق الكاملة. يُعتبر “النابغة” شخصًا يفهم الأمور بسرعة، وهو يتفوق على الآخرين في الذكاء والفهم، ولكن ليس بمقدوره امتلاك الحقيقة الكاملة التي يمتلكها “المحبوبون”.
الرياضة الروحية وتطوير السلوك
السالك الذي يسعى للوصول إلى الغيب يحتاج إلى مربٍ روحي يعمل على توجيهه وإرشاده. يجب أن يكون السالك على استعداد للتخلص من الانشغالات المادية والروحية، ويحتاج إلى صفاء القلب وعزلة لتطوير هذه الروحانية. التوجه إلى عوالم الغيب ليس بالأمر السهل، ويتطلب تحقيق شروط معينة يمكن أن يواجهها الشخص فقط تحت إشراف مربٍ مختص.
أفضل وقت للتواصل مع الغيب هو في الليل، خصوصًا في السحر، حيث يكون الشخص بعيدًا عن التشتت ويكون ذهنه صافٍ.
يجب على السالك في مسار الأمور الروحية أن يعقد عزمه على الوصول إلى مقام أولئك العارفين الذين هم أهل الطريق، ويعلم أن ما عدا ذلك ما هو إلا أوهام، حتى وإن تعلق بها قلبه، أو امتلك أولئك الأشخاص قدرات خارقة للعادة.
مع مرور الوقت، يكتسب السالك القدرة على تقليل جوانب النفس الأرضية في ذاته، ليتمكن بشكل قهري من الاستعداد لاستقبال أو استيعاب ما وراء الطبيعة وخيراتها. مثل هذا السالك يموت قبل أن يموت، وعندما يودع الحياة، يدرك أنه كان قد توفي مسبقًا. حينئذ لا يشعر بالغربة في أي مكان، بل كل مكان يصبح له مألوفًا، ويشعر وكأنه قد رآه من قبل. في هذه الرحلة، يترك السالك جميع أدرانه على طريق السلوك، بينما الشخص الذي لم يسلك الطريق، وعندما يموت ويبدأ في رؤية الحقائق، يواجه أولًا أدرانه ونجاساته. هذا الشخص يشبه امرأة في حالة ولادة، مصحوبة بكيس وجفَت. هؤلاء الذين يموتون هم كذلك، وعندما يُدفنون في القبر، يواجهون أدرانهم ونجاساتهم في البداية، ثم بعد مئات السنين يبدأون في إيجاد أنفسهم ويصلون إلى رؤية حقيقتهم. بينما السالك يعيش هذه التجارب والمشاهد في الدنيا نفسها، ويترك أدرانه على الأرض بتوجيه من مرشده. التحرر من هذه النجاسات، التي تمثل كالجراحة في طبقات باطن السالك، هو أمر مؤلم للغاية، كما لو أن ضغط القبر يُطبق عليه. ولكن ضغط القبر لا يعني الضغط الناتج عن التراب أو حفرة القبر، بل يعني أن الشخص يتحول إلى طعام للحيوانات والحشرات الأرضية. هذه الكائنات تأكله، وتطرحه، ثم تعاود أكله. فكيف لهذا الشخص الكبير أن يخرج من هذا الضغط الكبير؟!
السالك الذي يمر بهذه التجارب في الدنيا يدخل البرزخ طاهرًا، نقيًا، وتصبح القبر بالنسبة له مكانًا مقدسًا، على عكس القبر الذي يكون مسكنًا للحشرات. العديد من الناس عندما يموتون، يتخلصون من أدرانهم ونجاساتهم، فيشعرون بضغوط قبرهم بسبب تلك النجاسات التي تراكمت عليهم على مر السنين. أما من لم يمر بتلك المراحل الروحية، فلا يحصل على رؤية لملك الموت، ولن يشهد هذا المشهد إلا أولياء الله، الذين إذا ما زارهم ملك الموت، يأخذون إذنه قبل رحيلهم. السالك الذي يدخل البرزخ، يعرف الجميع أو على الأقل الكثير منهم، لأنه أتى إلى هذا العالم الطاهر من قبل، ومع الطهارة والنقاء يدخل البرزخ، ويشعر بالموت كأنما يشرب كأسًا من الماء البارد أو يشم زهرة عطرة.
إن لم يكن السلوك يؤدي إلى هذه النتائج، فما من شك في أنه لا يستحق السعي وراءه. إن السالك الذي يحقق هذه المراحل، يُعدّ مقامًا مستعدًا لنجاته في الآخرة، ويُحاكم نفسه قبل أن يُحاكم. هو من يحقق “موتوا قبل أن تموتوا” وتخلص من الشهوات والأهواء الشخصية، ويختار طريق الاعتدال.
السالك يعامل نفسه كما يعامل الجرح الذي يعلوه الصديد والتراب؛ أولًا يجب تطهيره ليظهر الجرح على حقيقته، وبعدها يُعالج ليشفى. بذا، يجب على السالك تطهير نفسه من الأهواء كالأنانية، والرياء، والتكبر، كي يصبح أكثر استعدادًا للاستسلام لله وإرادته. قوتهم في هذا المجال قد تكون متفاوتة، فبعضهم قد يحقق هذه المرحلة في وقت وجيز بينما قد يستغرق آخرون سنوات من السعي الدؤوب. قد يمر البعض بتجربة، وعندما تنفتح قلوبهم، يدركون أنهم لم يسعوا لشيء سوى أنانيتهم، حتى في الأمور الروحية.
الرؤية الروحية والتربية
السلوك الروحي يتبع ثلاث مراحل أساسية: الأولى هي التزام الشريعة والوعي بها، الثانية هي التوجه نحو الطريق أو الطريقة، والثالثة هي الوصول إلى الحقيقة. هذه المراحل تمثل مراتب مختلفة من السلوك الروحي: بداية، وسط، وعالية.
المعلم الروحي أو “الشيخ” هو محور هذه المراحل، ويمنح السالك التوجيه الصحيح، يليه المربي “المرشد” ثم يصل إلى “القطب”. هذا التدرج قد يتطلب الهجرة والتحمل، حيث يمر السالك بتجارب وصعوبات مختلفة أثناء سعيه.
عندما يصل السالك إلى أعلى المراتب، لا يعد ما يتلقاه من معلمه مجرد كلمات أو إرشادات، بل يصبح تطبيقًا حقيقيًا في حياته الروحية.
التصوّف وعلاقة العبد مع الله تعالى
من الضروري أن يؤمن الإنسان بوجود إله في الخارج يستطيع التحدث معه ومناجاته، بحيث يكرر مرارًا وتكرارًا قوله: “إِيَّاكَ”، وأن الشخص الذي يمكنه حل مشكلة التوحيد في قلبه ويؤمن به، فإنه لن يجد صعوبة في سائر مسائل المعرفة الدينية. فمن يُصلي ليس فقط لإراحة نفسه أو للحصول على تطمينات نفسية، بل يسعى في صلاته إلى مناجاة الله والوصول إلى الخلوة التي بها يفتح قلبه لله ويعبده عبادةً نابعة من الحب، لا طمعًا في الجنة أو خوفًا من النار، بل عبادة تكون أعلى من مجرد الانقياد. كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: “إِنِّي وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ”.
منذ الطفولة كان لدي قناعة بأن الأنبياء والعلماء العظام مثل ابن سينا وصدرا، كانوا أشخاصًا عميقين لديهم فهم دقيق وعميق لله، وهم لم يتبعوا الله بلا دليل. كما أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن شخصًا عاديًا، وعندما قال إنه لا يعبد الله الذي لا يرى، فإن هذا القول يُعد من أقوى الأدلة على وجود الله ورؤيته. وفي ذلك، لم يكن يعاني من مثل هذه التصريحات إلا الألم، ومع ذلك كان يستمر في قول الحق بكل شجاعة وصدق، حتى أن معظم الأئمة المعصومين قد شهدوا أو سُمّموا، ولم يكن منهم أحد إلا وأبلى البلاء العظيم في سبيل هذا الحق.
أهمية الإرشاد الروحي
في طريق السلوك الروحي، من المهم أن يكون للمرء مرشد حكيم، شيخ ذو خبرة ومعرفة في المسالك الروحية. من ليس له معلم معنوي يسير في طريق مجهول ولا يمتلك دليلًا على صحة مسلكه. بالطبع، هناك طرق عديدة للوصول إلى الحق، ولكل طريق سماته وخصائصه، إلا أن من أسعده الله بلقاء شيخ طاعن في المعرفة قد يسر له طريقًا أقصر وأكثر جودة. مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن هناك من يظهرون كمرشدين، لكنهم ليسوا من أهل الطريق، بل قد يضللون السالك ويقودونه إلى طرق ملتوية.
نحن نعيش في زمن غيبة الإمام المهدي عليه السلام، حيث تقتصر يد الناس في هذا العصر عن الوصول المباشر إلى حجة الله، ولكن ذلك لا يعني أن الطريق إلى الغيب مغلق. الله سبحانه وتعالى دائمًا يختار أولياء في كل عصر، وهم قادرون على إرشاد المؤمنين. في عصرنا، كان السيد القاضي والمعروف الإمام الخميني رضوان الله عليه من أولياء الله الذين جمعوا بين القيادة والإرشاد الروحي. النمو الروحي في غيبة الإمام المهدي عليه السلام لم يتوقف، ولكن طريقة الحركات الروحية قد تغيرت، واليوم الجميع مدعوون إلى النمو الروحي بالاستناد إلى القرآن الكريم وبالعطاء الروحي الذي يقدمه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
الخدمة للمعلم الروحي
من الأمور الأساسية التي يجب مراعاتها في طريق السلوك هي الحاجة إلى تقديم الاحترام والخدمة للمعلم الروحي. فالشيخ الروحي هو الدليل الذي يعرف طريق الحقيقة ويساعد السالك على بلوغها. الذي لا يمتلك مرشدًا معنويًا يكون في طريقه دون سند، ولذلك فإن خدمة المعلم تعتبر من ركائز السلوك الروحي. كما أن السلوك الروحي يتطلب مجهودًا مستمرًا؛ حيث يجب على السالك أن يتحلى بالتواضع وأن يخدم معلمه بإخلاص، لأن في ذلك تهذيبًا للنفس وكمالًا لها.
المعلم الروحي لا يحتاج إلى خدمة السالك بقدر ما يحتاج السالك إلى تلك الخدمة التي تعين على صقل نفسه وإصلاحها. الكثير من مشكلات السالك النفسية كالكبرياء والتفاخر تزول عندما يلتزم بالتواضع ويخدم معلمه الروحي.
تحديات السلوك الروحي في العصر الحالي
في عصرنا، نواجه تحديات كبيرة تتعلق بالاحترام والتقدير للمعلمين الروحيين. في الماضي، كان السالكون يرون في خدمة المعلم شرفًا وفخرًا، بينما اليوم قد يظن البعض أن ذلك أمر مهين. يذكر أحد أساتذتي الذين كانوا يُعتبرون من كبار الفلاسفة أنهم كانوا يصرون على احترام الآخرين لكنهم يتعاملون مع طلابهم بمنتهى الجدية، حتى عندما لا يكون الأمر ظاهريًا في مصلحة الطالب. الفكرة هنا أن العلاقة بين المعلم والسالك يجب أن تكون قائمة على الاحترام الحقيقي وليس على المصلحة الشخصية أو الكبرياء.
من المهم أن يُدرك السالك أن معلمه الروحي ليس مجرد شخص يقوم بتعليم المعرفة، بل هو موجه يشرف على سلوك السالك ومساعدته في اجتياز مراحل متعددة من التحول الروحي. وبذلك، لا يجب على السالك أن يسعى إلى احترام المعلم لأجل ذاته بل يجب أن يكون سعيه لتحقيق الهدف الروحي، وهو معرفة الله تعالى.
خلاصة
في النهاية، يجب أن يدرك السالك أن السلوك الروحي ليس مجرد أعمال دنيوية من صلاة وصوم، بل هو مسار يتطلب عمقًا في الإيمان، وتوجيهًا من معلم حكيم. يجب على السالك أن يتحلى بالتواضع، وأن يتوجه إلى الله تعالى بكل إخلاص. الخدمة للمعلم الروحي هي من أهم الطرق التي تساعد السالك على تهذيب نفسه والتوجه نحو الله تعالى.
موانع الإخلاص والخدمة:
من العقبات التي تعيق الإخلاص والخدمة هي الانشغال بقراءة الكتب واهتمام المرء بالمفاهيم البحتة التي لا تنطوي على خدمة الإنسان أو حتى مساعدة الحيوان. مثل هذه الأنشطة تؤدي إلى تصوّر الشخص لعظمة نفسه، وتجلب له توقعات في السلام وتوهم السيادة. أما السالك، فيسعى للعبودية التي تؤدي إلى السلاسة، إذ أن السيادة تُنتج الجفاف والتصلب، مما يتناقض مع القوة الواسعة والرحابة والتعاطف، وتحرمه من القدرة على استقبال الحقائق الروحية. مع ذلك، يمكن للمرء الذي يسلك الطريق أن يقترب من العلم بفضل توجيه معلمه، ويصبح العلم له نورًا، لا ظلامًا مضطربًا.
السالك وحاجته إلى معلم روحي:
يحتاج السالك إلى معلم روحي، حيث يكون المعلم سندًا له. بدون هذا السند، يصبح الشخص مثل اليتيم في دار الأيتام الذي لا يعرف والديه، ويظل دائمًا في حالة من الشوق والحنين إلى لمسة أيديهم. الأرادة في السلوك تعادل في قيمتها دور الوالدين في الحياة الطبيعية. لا يمكن للسالك أن يحقق ما يطمح إليه أو يزينه إلا إذا كان لديه سند من معلم يعتبره مرشدًا ومحبوبًا من الله.
السلوك والعلاقة مع المعلم:
العلاقة بين السالك ومعلمه تتجاوز مجرد تلقي العلم، فهي علاقة تطهيرية تمنح السالك التوجيه الروحي الذي يُعيد توازن روحه ويعزز معنوياته. النظام التعليمي الكتابي لا يولّد الإخلاص ولا يشجع على التعاون الصادق بين المعلم والتلميذ، بل يجعل من التلاميذ شبيهين بأطفال اليتامى الذين لا يعرفون أصولهم ولا يشعرون بقيمة معرفتهم. لا يقتصر دور المعلم على تقديم الطريق فقط، بل يجب أن يكون القائد الذي يرافق السالك في مسيرته الروحية.
العلم في السياقات الدينية:
العلوم التي تدرس في المدارس الدينية لا تكتمل دون إشراف المعلم. فقد كان الطلاب في الماضي يذهبون إلى معلميهم ليس فقط لتحسين قراءاتهم، بل للتأكد من صحة فهمهم ودقة معرفتهم. وهذا لا يتحقق إلا بالتوجيه المستمر من معلم ذو خبرة وحنكة.
الشروط الجوهرية للسلوك:
السالك يجب أن يكون حذرًا في اختيار معلمه، وألا يضع ثقته في كل من يراه، بل يتأكد من صحة مسيرته مع المعلم الذي يختاره. هذا يتطلب استعدادًا ذهنيًا وروحيًا. إن من لا يتحلى بالإخلاص والاحترام الحقيقي للمعلم، لا يمكنه أن يحقق تقدمًا روحيًا حقيقيًا.
النقد لنظام الكتب والتعليم الكتابي:
نظام التعليم الكتابي الذي يركّز على الكتب والدرجات الجامعية في الوقت الحاضر يؤدي إلى تعليم يتسم بالسطحية والابتعاد عن التربية الروحية العميقة. في بعض الأحيان، يمكن أن يتسبب في زرع الفخر والتكبر في نفوس الطلاب بدلاً من التواضع والحكمة.
السلوك والتعليم:
في الماضي، كان العلماء والمعلمون في الحوزات العلمية يتمتعون بإخلاص حقيقي تجاه طلابهم، وكانوا يقدمون تربية روحية حقيقية بدلًا من مجرد منحهم معلومات. كان الطالب لا يُقبل في الحوزات إلا إذا كان لديه تاريخ طويل من العبودية الروحية والتلمذة الحقيقية على يد معلمين ذوي كفاءة عالية.
الأزمة الحالية في مجال التربية الروحية:
اليوم، مع ازدهار “الكتاب المحوري” وتزايد الكتب والمصادر، أصبحت العلاقة بين الطالب والمعلم أكثر بعدًا، حيث يسعى الطلاب فقط إلى تلقي المعلومات دون التركيز على تربية الروح وتزكيتها. العديد من الأشخاص الذين يدّعون العلم الروحي في الوقت الراهن لا يتمتعون بالحقيقة الروحية التي تمنحهم القوة والمعرفة الحقيقية. إنهم مجرد تجار في سوق الروحانيات.
الاحتياج إلى المعلم الصحيح:
السالك يجب أن يتأكد دائمًا من مصدر معرفته الروحية، ويجب أن يسعى فقط إلى المعلم الذي يُظهِر له الطريق الصحيح. من لا يمتلك معلمًا مخلصًا في طريقه، يُعتبر كالسلعة التي لا تحمل أي قيمة حقيقية. إذا لم يكن هناك معلم حقيقي يقود السالك، فإن أي علم يتعلمه سيكون فارغًا وغير ذي نفع.
المعلم الواحد في السلوك:
من الضروري أن يكون السالك تحت إشراف معلم واحد، وليس عدة معلمين في الوقت ذاته. مثلما لا يُمكن للقيادة الروحية أن تكون جماعية، فإن السلوك الروحي الصحيح يتطلب الالتزام بمعلم واحد يقدم له الطريق الصادق. في السلوك، يجب أن تكون العلاقة مع المعلم واضحة وصافية كما هي العلاقة بين الأم والطفل.
خاتمة:
إن الاهتمام بمعلم واحد والتمسك به يظل الأساس في الطريق الروحي. كان السالك في الماضي يسعى إلى معلم ذي قيمة حقيقية، ويسعى وراء تعليم متكامل روحيًا وليس فقط علميًا. أما في العصر الحديث، حيث تهيمن الأنظمة التعليمية التي تركز على الكتب فقط، فقد اختفى جوهر العلاقة بين المعلم والتلميذ، مما يؤدي إلى تراجع في المعارف الروحية ويجعل العلم مجرد معلومات سطحية ليس لها أثر حقيقي في حياة السالك.
الاصل ( )
نفي الشك والشرط الأقل
إن السالك في طريقه المعنوي لا يستطيع أن يسير مع مرشد عارف ما لم يثق به تماماً ولا يشك فيه، ولا يضع شروطاً لتوجهه معه. بالطبع، هذا أمر صعب للغاية، إذ إن صعوبة هذا الطريق تكمن في أن شرح المعاني الروحية لا يستند إلى برهان عقلي، ولا يستطيع عقل السالك أن يقدّم دليلاً منطقياً أو فلسفياً لها. إنما العقل الشكاك هو الذي يظل في بحث دائم عن دليل، كما أشرنا مراراً أنه للوصول إلى الحق ورؤية الرفيق، إذا وجدت معلمًا محبوبًا، فلا تشك فيه ولا تضع شروطًا. من يجلس في مجلس الأولياء الإلهيين ويشاهد صفاء قلوبهم، إذا شك فيهم ولو قليلًا، فإنه لن يبتعد عنهم فحسب، بل سيغلق عليه باب الملكوت إلى الأبد، كما ورد في الحديث: «ومن شك في علي فقد كفر».
إن طريق السلوك لا يُنفع إلا لمن يملك بصيرة راسخة ويقينًا تامًا في أن العبء الذي يحمله هو من الشيطان أو من الرحمن. فإذا كان في مجلس الأولياء الحقيقيين وكان لديه أدنى شك فيهم، فلن يصل إلى شيء. إن الطالب في مدرسة التصوف هو الذي يستطيع أن يتواصل مع معلمه بدون كلام، ويسير في طريقه دون الحاجة إلى إثبات عقلي أو منطقي، ولا يضع العقلانية في قضايا لا تخص العقل. فهو يعلم أن معلمه هو طبيب ماهر لا يكتب وصفة أو يوصي بعلاج إلا إذا كان له دلالة حقيقية.
إن الوصول إلى هذه المرتبة، حيث لا يشك السالك في معلمه ولا يضع شروطًا له، أمر عسير جدًا، خاصة إذا كان هناك خطر على مصالح السالك. فالذي يستطيع أن يثق بمعلمه يكتسب عزيمة قوية تمكنه من اختراق الجبال، كما يستطيع الجمل أن يخرج من قلب الصخر.
إن فحص تاريخ المعصومين عليهم السلام يُظهر أن الشك والشرط كانا موجودين أيضًا بين بعض تلاميذهم، فما بالك بأساتذة العصر الغيبة الذين لا يملكون العصمة. إن قرب هؤلاء التلاميذ أو بعدهم من المعصومين كان بسبب شكوكهم الشريرة ووساوسهم النفسية، وإلا فإن مقام العصمة لا يعيقه شيء في إفاضة الفيض.
الاصل ( )
التوافق بين السلوك والشريعة
إن السلوك لا يكون ذا حجية وفاعلية إلا إذا كان خاليًا من أي مخالفة للشريعة السمحة. التفريق بين الشريعة والطريقة هو أول وأخطر خطوة نحو الضلال في السلوك. ولا يعني ذلك أن من يتبع الفتاوى أو الظاهر فقط هو كامل، ولا من يسعى فقط ليصبح صاحب همّة ويبحث عن ماء الحياة في نفسه، بل الكمال هو في المجتهد الذي يكون عارفًا، وكل من سلك الطريق منفردًا في فقه أو عرفان لم يصل إلى مقام الوحدة والجماعة الذي كان لدى الأولياء المعصومين عليهم السلام.
المشكلة تتفاقم عندما نلاحظ أن كثيرًا من الذين دخلوا في هذه المجالين، الفقه والعرفان، لم يكن لديهم الاستعداد أو الكفاءة اللازمة. هؤلاء لم يتدربوا بما فيه الكفاية، وهذا أدى إلى ظهور البعض الذين يركبون الموجة في مجالي الفقه والتصوف، ويدّعون المعرفة بينما لا يحملون من الفقه أو العرفان شيئًا.
العرفاء يريدون أن يكونوا خلفاء للأنبياء في مجال الغيبيات والباطنيات، بينما العلماء والفقهاء يرغبون أن يكونوا ممثلين للمعصومين في أحكام الشريعة الظاهرة، لكن الزمان فرق بين هذين المجالين. فالعرفاء كما جرى عليهم الحال يبحثون عن الكرامات والأثر، بينما العلماء يختصون في الإفتاء وإصدار الفتاوى.
الاصل ( )
السلوك: مسار لا رجعة فيه
إن مسار السلوك لا رجعة فيه. فهو كالنظامات الاستخباراتية التي لا يقبل فيها الانفصال. إذا دخل شخص هذا المجال فلا يمكنه العودة، بل تُغلق جميع الأبواب خلفه. فمن يدخل هذا الطريق لا يعود إلى الوراء، ويُفترض أن يسير فيه بلا شك أو شرط.
إن السلوك هو طريق لا يعتمد على البرهان أو المناقشة، ولا يبقى السالك في نطاق إرادته إذا سلك هذا الطريق. كلما تقدم السالك، سيحمل الأثقال ويجب عليه أن يتقدم بها، دون النظر إلى ما حمله من أحمال. هذا الطريق لا يسمح بالرجوع أو التردد، ويُعتبر الشك والشرط بمثابة موانع قاتلة تخرج السالك من هذا الطريق.
الاصل ( )
السلوك الواعي
العرفان ينقسم إلى عملي ونظري. من المنظور الفلسفي، العرفان العملي يتفرع عن العرفان النظري، لأن قيمة كل عمل تعتمد على التفكير الذي يوجهه. في الفلسفة والحكمة والعرفان، قيمة العرفان العملي ونتائجه تتبع العرفان النظري. من هنا، لا يُمكن أن يكون العرفان العملي ذا قيمة في حد ذاته ما لم يكن له أساس فكري ونظري.
على سبيل المثال، في فضل عمل أمير المؤمنين عليه السلام، ورد في الرواية: “ركعتان من صلاته أو ضربة سيفه في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين” (الجن والإنس). تفوق أعمال أمير المؤمنين عليه السلام لا يعود إلى الأعمال الظاهرة فحسب، بل إلى المعرفة التي كان يمتلكها، وهي المعرفة التي عبّر عنها في قوله: «ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتُك أهلًا للعبادة فعبدتك».
إنَّ من العوامل التي أدت إلى عدم انتشار وتصعيد “العلوم العرفانية العملية”، وكذلك عدم تحقيق النتائج المرجوة منها، هو أن أولئك الذين يتوجهون إلى هذا النوع من العرفان لم يقوموا بالعمل على العرفان النظري، ولا يمتلكون القوة الإيمانية والاعتقاد الصحيح. فعلى الرغم من أن العرفان العملي أكثر قابلية للإحساس والتجربة، فإن العرفان النظري يتطلب عملاً ذهنياً وبحثاً عميقاً. أداء الصلاة، إتمام العبادات، الخلوات الطويلة، وغيرها من الأعمال التي تُنفذ بالفعل تظهر أثرها بشكل ملموس، في حين أن المعرفة الحقة غالباً ما تكون غير محسوسة ولا تظهر بوضوح.
من ناحية أخرى، فإنَّ الجامعات والمؤسسات التعليمية تفتقر إلى توفير الأسس العلمية الراسخة في هذا المجال. ومن نتائج هذا القصور، أن العلماء، الفقهاء، الفلاسفة والعرفاء في الغالب لا يستطيعون تقديم تعريف دقيق لله أو الإجابة بشكل لائق عن السؤال “من هو الله؟” فتكون إجاباتهم، في الغالب، قائمة على التقليد والتعبد أكثر منها على الفهم العقلي والفلسفي السليم. يبدو وكأنَّ الله أصبح مسألة محظورة وغير قابلة للتفسير. حتى في تعليم الأطفال، لا نقدم لهم تصوراً دقيقاً عن الله، بل نتركهم في حالة من الغموض.
فالعمل لا يمكن أن يكون صحيحاً من دون المعرفة الحقة. فالعمل فرع عن المعرفة، وفي حال عدم وجود المعرفة السليمة، لن يتحقق العمل بشكل دقيق أو متوازن. إذ أنه لا يُمكن للإنسان أن يؤدي عملاً لوجه الله دون أن تكون لديه فكرة واضحة وصحيحة عن الله نفسه. وهنا، تبرز أهمية العرفان النظري الذي يجب أن يتأسس أولاً، ليُؤتي العمل ثماره. إذا كانت المعرفة غير صحيحة، فإنَّ العمل سيبقى بعيداً عن الحقيقة ولن يصل إلى مبتغاه.
أيضاً، إذا كانت الفلسفة النظرية ناقصة أو مغلوطة، فلا فائدة ترجى من العمل أو العبادة. كما ورد في الحديث الشريف في كتاب “الكافي” عن الراهب الذي قال: “ليت الله يرسل حمارته ليأكل من هذه الأعشاب!” هذا يعني أن عمل الإنسان غير محقق إذا كانت معرفته بالحقائق ضعيفة أو ناقصة. لا يمكن للأشخاص الذين يظنون أنَّ العرفان أو العبادة تكفي دون أن تكون هناك معرفة حقيقية وواضحة أن يحققوا التقدم الروحي.
إذن، العرفان العملي يجب أن يُبنى على أسس معرفية سليمة. من غير الممكن أن يصل الإنسان إلى الكمال الروحي أو الإدراك الكامل دون أن تكون لديه معرفة دقيقة بالله وأسمائه وصفاته. المعرفة هي الجذر، والعبادة هي الثمرة التي تنمو من هذا الجذر. لهذا يجب على السالك أن يسعى للتكامل بين العرفان النظري والعملي، حيث يجب أن تكون المعرفة الكامنة هي الدافع لكل خطوة في مسيرته العملية. إذا كان شخص ما لا يستطيع أداء صلاة بشكل صحيح، رغم أنه يتحدث عن الفلسفة أو المعرفة، فإنه لا يمكن أن يُسمى فيلسوفًا حقيقياً.
إنَّ الشيوخ والعرفاء الذين يحرصون على الذكر أو الرياضات الروحية بدون سعي حقيقي للوصول إلى المعرفة، كمن يزرع شجرة بدون أن يُعنى بحجم جذرها. هؤلاء ليسوا سالكين حقيقيين بل مجرد مُقلدين. على السالك أن يسعى في دربه متأملاً في تأثيرات أعماله على نفسه، على روحه وعقله. في هذا السياق، تصبح الرياضة الروحية جزءاً من تجربة يومية وجزءاً من سعيه المستمر نحو الكمال.
السلوك هو الطريق إلى الله
السالك ليس شخصًا يقرأ أو يكتب فقط؛ لأنه يملك ملكةً أخرى غير المعرفة، مثل قراءة الشعر أو أن يكون مطلعًا، مع أن المعرفة هي من قبيل الثراء، لكن المعرفة ليست مجرد امتلاك للمعلومات والأخبار. المعرفة الحقيقية تعني امتلاك القدرة على الإبداع والتعبير، لا مجرد امتلاك للحقائق.
السلوك هو التصوف العملي. يجب على العامل في هذا المجال أن يشدّ حزامه ويعمل بجد. ومع ذلك، ينبغي عليه أن يؤدي العمل الصحيح والأهم، وليس العمل المهم فقط. يجب أن لا يكون مثل الدرويش المالكي الذي يُذكر لاحقًا، الذي جلس وأغمض عينيه ورفع رأسه كأنه في مقام الزهد والعبادة، مع أن الهدف هو تحصيل الإرادة. في التصوف، أي ممارسة أو رياضة تؤدي إلى الأذى أو تدمير الجسد لا تجوز شرعًا. تلك طرق خطأ، وهي مجرد خداع وتلبيس، وأولئك الذين يوصون بها هم أتباع الشيطان. مع ذلك، بعض السالكين مثل الدرويش المالكي، لصدقهم وبساطتهم، قد يتبعون نصائح معلميهم رغم أنهم قد يضلّون عن الطريق.
في التصوف، يجب على السالك أن يُحسن الاستفادة من كل ما لديه. التصوف لا يبرر إيذاء النفس بطرق غير شرعية. السالك يجب أن يحترم التوازن ويحرص على الحفاظ على التناغم بين كل جوانب حياته. العديد من الرياضات التي يُوصى بها في جماعات التصوف لا تجلب سوى الوسواس أو الضعف أو الجنون، وفي بعض الأحيان قد تؤدي إلى الظلم تجاه الأسرة، مما يسبب الأذى لهم. الشخص الذي لا يستطيع رؤية مظاهر الدنيا، هو شخص معتل وعاجز. حتى لو ارتقى إلى الملكوت، لا يستطيع الاستفادة من تجليات هذا العالَم، تمامًا كما لم يكن قادرًا على الاستفادة من عالم الدنيا.
الخلاصة هي أن السالك يجب أن يعرف أنه يسعى إلى القرب من الله عزّ وجلّ وعبادته. هذا الشخص ليس حرًا ليقوم بأي رياضة دون توجيه.
السلوك يتطلب الصفاء الداخلي، وهذه المدرسة بحاجة إلى ورقة وقلم للكتابة. في السلوك، يجب أن يدخل السالك في الظلام، والعين التي تنير الظلام هي العلم والمعرفة التي يحصل عليها. يجب أن يتدرب السالك ليصبح سالكًا حقيقيًا ويختبر تجاربه بشكل عملي، بدلاً من الاكتفاء بالقراءة أو الاستماع فقط. النقاشات والفهم العميق هي أيضًا جزء من هذا التدريب العملي.
منذ طفولتي، كنت إما مستيقظًا طوال الليل أو أنام لوقت قليل جدًا لا يتجاوز نصف ساعة أو ساعة واحدة. هذه الأيام، مع قلة تدريسي وزيادة الكتابة، أرى في أحلامي الدروس الثلاثة التي سأقدمها في اليوم التالي من الصباح حتى الظهر. لهذا السبب، كثير من أقوالي اليومية تكون مكررة بالنسبة لي، ما يجعل هذه الساعات الثلاث من التدريس متعبة.
الشخص الذي يسلك الطريق عمليًا يتصل بالقوى الغيبية، ويكتسب إرادة قوية من معلمه، وهذه الإرادة قد تؤدي إلى المعجزات والكرامات مثل التي كانت للنبيين والأولياء: القدرة على التأثير في مادة الطبيعة. هؤلاء السالكين يمتلكون القوة، والتنفس، والقدرة على التعامل مع المغيبات، وكذلك القدرة على الرؤية. بالطبع، الأنبياء عليهم السلام يمتلكون الكمال في هذه الأمور، بينما السالكين يحصلون على جزء من هذه القوى في صورة تنزلية. هؤلاء السالكين هم الذين سلكوا الطريق حقًا، وليس أولئك الذين قضوا خمسين عامًا في السجود أو ذكر طويل ولكنهم لم يحصلوا على نتائج حقيقية في هذا المجال.
السالك هو الشخص الذي يصل إلى القوة ويصبح فعالًا ومؤثرًا. عندما يتنفس، يتنفس من قوة، وعندما يتكلم، يتكلم بناءً على خطة معرفية عميقة، دون أن يكون كلامه مجرد كلام فارغ. إذا تحمل آلام الآخرين، فهو ليس ضعيفًا، بل قويٌّ بما فيه الكفاية ليظهر ذلك الصبر. السلوك العملي هو السير في هذا الطريق، وليس مجرد قراءة الكتب أو حتى تكرار الأذكار بشكل غير واعي. السالك الحقيقي يشبه الشاعر الذي يمتلك القدرة على نظم الشعر بدلاً من مجرد ترديد الأشعار.
السلوك ليس مثل النادي الرياضي حيث يجلس السالك على المقعد لمراقبة الآخرين. بل هو مثل المصارعين القدامى الذين يدخلون الحلبة للقتال، ليختبروا قوتهم. السلوك ليس مجرد تحصيل علم نظري، بل هو تمرين عملي مفعم بالتجربة والاختبار.
السلوك ليس مجرد تعبير عن المعرفة، بل هو ممارسة وعمل حقيقي. ولذا، يجب أن يتم اختبار السالك وممارسته على مدار حياته. هناك تباين بين من يتظاهر بالتدين والسلوك وبين من يمارسه بصدق. حتى قبل الثورة، كنت قد التقيت برئيس جميع الدراويش في إيران، وعندما رأيت تصرفاته، كنت أرى فيهم مجرد مسرحية دينية، رغم أننا عارضناهم بقوة وقلنا لهم: “لو كان لديكم القوة الحقيقة لكان لكم فعل غير الكلام فقط.”
يجب أن نعلم أن هناك فرقًا بين القوة والسلطة. القوة الحقيقية هي القوة المتواضعة التي لا تظلم، بينما السلطة تكون قوة قهرية غير عادلة. السالك الحقيقي يكون دائمًا متواضعًا، لا يبدي قواه أمام الآخرين.
**أفضل طريقة للاختبار هي الطريقة التي اتبعها المرحوم ابن سينا. في هذه الطريقة، يجب على السالك أن يولي اهتمامه من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر والعصر ويلاحظ حالته في هذه الفترة، ثم بعد صلاة الظهر إلى العصر، ومن ثم من صلاة المغرب والعشاء حتى صلاة الفجر، ويقوم بمراجعة أعماله في تلك الفترات ويقيّم مقدار التضييع والوقت المفقود ويحسب قيمته. كما يجب عليه أن يسجل ويلاحظ الأمور الإيجابية والسلبية في أعماله، ويسعى لتقليص السلبيات وتحويلها إلى إيجابيات بين الصلوات. يمكن متابعة هذا الاختبار بعد الصلاة ومراجعة النفس في الفترة القصيرة التي تليها. في هذا الاختبار، يتعرف السالك على الأخطاء الكبيرة أو المعوقات التي قد تقع ويكتسب معرفة حقيقية بأعماله. على سبيل المثال، تبين لي من خلال التجربة أنه إذا تم إلغاء الدروس في يوم ما، فإنني أتعرض لمشاكل تستهلك الوقت بشكل غير مفيد. هذا يعلمنا أن الإجازات ليست في صالحنا، وأفضل شيء هو التفرغ للدراسة. ولذلك، لدي ثلاث دروس حتى في أيام العطل الرسمية، وفي الأيام التي لا مفر من تعطيلها، يجب علي دفع صدقة لتجنب إضاعة الوقت ومنع تعطيل الأمور المنزلية من الإصلاحات والتعديلات. هذا هو مثال على الاستراحة في الوقت المناسب. على السالك أن يدرك آثار صلاته إذا صلى بسرعة، وما هي العواقب الناتجة عن ذلك، وهل السرعة في الصلاة أفضل له أم أن التمهل في أدائها يكون أفضل. إنه يكتشف آثار الصلاة التي تتم بتؤدة، ويشعر بحضور المساعدة عندما يساعد الآخرين، وكيف يحصل على المعونة الروحية والغيبية. كما أنه يلاحظ المشاكل التي تحدث عند إيذاء الآخرين. يكتشف السالك أثر سوء المعاملة مع زوجته وأبنائه في الحفرة التي يقع فيها، ويشعر بالعواقب السيئة لها. كما يلاحظ تأثير الصلاة التي تتم مع الأذكار بعد الصلاة مقارنة بالصلاة التي تتم بدون أذكار. كما يكتشف نتائج الحفاظ على قراءة القرآن الكريم، وكذلك تأثير الغيبة، إزعاج القلوب، الكلام المحرّم والتجسس. وعندما يكتشف ذلك، يبذل جهدًا لتعويض أخطائه. في هذا الاختبار، يكتشف السالك تأثير الليل على سلوكه وحالته الباطنية. المداومة على هذا الاختبار تجعل اللاوعي الداخلي للشخص يؤديه بشكل تلقائي في وقت لاحق، ويصبح السالك معلمًا باطنيًا لسلوكه الصحيح والصحي. بالطبع، هذا المعلم الباطني يعمل بحسب القوة الباطنية للإنسان، وقد يكون قويًا أو ضعيفًا، وإذا كان هناك ضعف، فإنه ينمو بفضل إرشاد ومساعدة المرشد الروحي.
القاعدة ( )
حفظ آداب السلوك
مفهوم “الأدب” هو الطريقة التربوية والسلوكية التي يجب أن يتبعها السالك. قبل أن يبدأ السالك في السلوك الروحي، يجب عليه أن يتعلم أولاً آداب السلوك. بمعنى آخر، يجب أن يكون السالك على دراية بعلم السلوك وقواعده ومبادئه مع الالتزام بآداب أهل القلوب، لكي يكون تحركه صحيحًا ومتقدمًا.
السالك المحب في سلوكه الذي هو مسار تدريجي ومؤلم يواجه مخاطر عديدة ويواجه صعوبات كثيرة تزداد مع زيادة خطر الزلل. ولكن إذا كان السالك قد أسس بنيان السلوك بشكل قوي، فلن تتمكن أي صعوبة من اختراقه وإسقاطه. على سبيل المثال، عندما سئل بهلول عن شروط السفر، لم يذكر الاتجاه نحو القبلة أو غسل اليدين أو الأكل بهدوء، بل تحدث عن حلال الطعام. السلوك له شروط وآداب مشابهة لأسس البناء، وهذه هي الأمور التي تشكل الأساس الأول للسلوك. على سبيل المثال، الذكر في السلوك مهم، ولكن الأهم من ذلك هو مراعاة آداب الذكر وتكوين هيكل صحيح وسليم له.
من السهل التفكير أن الشخص الذي يذكر “يا قدوس” لبضعة أيام سيطير بروحه إلى الأعالي. بالطبع قد يشعر ببعض السعادة مؤقتًا، لكن هذا الشعور سيكون زائلًا ولن يعزز بنيانه الروحي. تأثير الذكر بهذه الطريقة يكون كالدخول إلى مكان بارد أو جلسة ضيافة لا تلبث إلا لفترة قصيرة. أما السالك الذي يمتلك استعدادًا حقيقيًا للسلوك ويتبع إشارات مرشده، فإنه قد يجد حكمته ونشاطه بمجرد أن يلتفت إلى نفسه، حتى وإن لم يكن يذكر شيئًا. يمتلك هؤلاء السالكين أدوات خاصة بهم، ويقتصر تأثير أي ذكر أو مناجاة على فترة قصيرة ولا تكون تلك الذكرى صادقة إلا إذا كان هناك رياضة حقيقية ومرافقة معرفية وحب صادق.
القاعدة ( )
حفظ آداب السلوك في الطريقتين
يجب على السالك أن يحفظ آداب السلوك في رياضته، سواء كان ذلك في رياضة الجوارح أو الرياضة الجوانية. قد تكون أدنى نقص أو خلل في هذا السلوك قادرًا على إفساد تأثير العمل. كما أن هذه الأحكام والرياضات تختلف من شخص لآخر، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بوجود معلم مختص يرشد السالك في هذا الطريق.
السالك الذي لا يحفظ آداب السلوك ولا ينجز أعماله بشكل صحيح أو يصبح منغمسًا في الكثرة، لن يصل إلى الصفاء أو القرب أو الرؤية. يجب أن يحرص السالك على الحفاظ على صحته الروحية والابتعاد عن الديون حتى لا تعيقه في مسيرته. عليه أن يسلك الطريق دون أن يحمل أي عبء، فهو يجب أن يتجنب الازدحام والتشتت في الجوانب الروحية.
من الأدب الهامِي الهامِي السلوكِيّ:
من الآداب الهامة في السلوك الروحي هو أن التابع (السالك) يجب أن يكون مستعدًا للسير وراء هدفه عند إشارة المعلم، حيث أن العمل الزائد الذي يُسمح به فقط هو ما يصححه ويؤيده المعلم. إذا لم يكن هناك معلم، فإن العبادة أو الرياضة التي يمارسها الشخص، مهما كانت، تفتقر إلى الدليل الصحيح، وبالتالي يصبح عمله لا معنى له، مثل الصلاة بدون وضوء.
يجب على السالك أن يولي اهتمامًا كبيرًا بأسس هذا السلوك ليتمكن من المضي قدمًا على طريقه الروحي دون أن يتعب أو يتوقف. السالك الذي لا يولي الاهتمام الكافي في بداية طريقه يكون مثل شخص يبدأ دراسة الأدب العربي ولا يقرأ السنة الأولى جيدًا، ولا يمارسها، ثم يؤجلها للسنة التالية. وعندما يأتي العام التالي، لديه أعمال أخرى ويظن أنه لا يحتاج إلى مراجعة ما فات من السنة الماضية. وفي النهاية، عندما يدخل إلى فقه الأمور، يكتشف أنه لا يفهم شيئًا ولا يستطيع إتمام بحثٍ صحيح. إذا كانت الأسس الروحية تم إعدادها بشكل صحيح، فإن السالك سيقطع مسافات كبيرة بسهولة، كما أن الشخص الذي لا يهتم بهذه الأسس لا يحقق أي فائدة سوى الإجهاد واليأس بعد طول عمر.
إن هذا المثال ينطبق على السالكين الذين يسيرون على طريق المحبة، أما المحبوبون الذين يهبطون من العلو، فلا يدركون حقيقة القلوب أو معنى السلوك الروحي. هؤلاء يفهمون بغمزة واحدة أكثر من مائة معلم. مشاعرهم وطريقتهم في العمل تختلف بشكل غير واعٍ، ثم يتحولون إلى وعي متكامل. بعضهم يحقق هذا التغيير قبل أن يولد، وبعضهم في بطن أمه، وبعضهم عند بلوغهم سن الثالثة أو الرابعة، وفي حال غيرهم، قد يظهر ذلك في سن السابعة.
المعرفَة الحقيقة تنبع من المحبوبين، وهم وحدهم قادرون على معرفة من هم المحبون الحقيقيون. على سبيل المثال، عندما أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه طفله العباس بن علي بين يديه، بدأ بالبكاء إذ تعرف على هويته بفضل هذه المعرفة.
حفظ الحدود التخصصية بين العلوم والعرفان:
إذا كان الشخص لا يمتلك التخصص والتمكن العميق في المجالات العلمية والفنية المختلفة، فإنه سيرى هذه المجالات متشابهة، مثل أن يتوقع من الفيلسوف أن يشرح مسألة فقهية أو من النجار أن يؤدي عمل حداد. صحيح أن الحداد والنجار يتعاملان مع مواد قد تكون متشابهة في شكلها النهائي، مثل الحديد أو الخشب، لكن ذلك لا يعني أن النجار يستطيع أن يقوم بما يفعله الحداد أو العكس.
كذلك، لا يمكن مقارنة المعرفة التي يمتلكها الفقيه بتلك التي يمتلكها العارف. على الرغم من أن الفقيه والعارف يشتركان في بعض الممارسات، إلا أن الفقيه لا يعرف حقيقة السلوك الروحي. العارف يستطيع أن يقرأ القرآن ويتحدث عن التوحيد والطريقة المحمدية، ولكنه يسير على طريق المعرفة المخلصة، التي تختلف تمامًا عن العلم الظاهري الذي يمتلكه الفقيه. بينما الفقيه قد يدرس الشريعة ويقرأ الحديث ويعلم الناس أصول الدين، يظل العلم الذي يمتلكه بعيدًا عن تلك التجربة العميقة التي يشعر بها العارف.
كما أن العلم الذي يمتلكه الفقيه لا يتسم دائمًا بالتطبيق العملي، ويظل محصورًا في الفهم النظري، بينما العارف لا يكتب ولا يسجل المعلومات إلا لما يخدم تطبيقاته العملية في سلوكه الروحي. العارف لا يقارن نفسه بالفقيه من حيث المعلومات النظرية، بل يستمد علمه من الله ويعي أن المعرفة الحقيقية تتجاوز المظاهر.
الفارق بين العارف والعالم الديني:
العالم الذي يسعى فقط وراء المعلومات لتوسيع معرفته ليس مثل العارف الذي يسعى لتحقق ذاته والتقرب إلى الله. العارف ليس بحاجة إلى حفظ القرآن كاملًا أو التوسع في معرفة العلوم الدينية في كل جانب، بل هو يعمل على تقوية قلبه وتنقية نفسه ليكون في مقام تواصل مع الحق. هذا العالم الذي يقرأ المعلومات دون أن يعمل بها يظل أسيرًا للأطر الفكرية التي لم تؤثر في قلبه.
العارف لا يهتم بمظاهر العلم أو التصنيف الفكري للمواضيع، بل يركز على الجوهر الروحي الذي يرفعه إلى المقامات العليا. قد يمتلك العارف معرفة واسعة، لكنه لا يسعى لعرضها أو التأثير على الآخرين بها. العارف لا يسعى للسلطة أو الشهرة الدينية، بل يسعى لتقوية علاقته بالله وتصفية قلبه.
في النهاية، إذا كان عالم الدين يقتصر على السعي وراء المعلومات الأكاديمية والتدريس، فإن العارف يذهب إلى أبعد من ذلك بتطبيق معرفته في حياته اليومية وتحقيق درجة من الصفاء الروحي الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر ممارسات عملية وصافية.
الأولياء الإلهيون كانوا دائمًا في الغربة والوحدة، وكان الله تعالى يأخذ منهم جميع ما لديهم، ليظلوا وحدهم لله، فلا يكون معهم أحد سواه. هؤلاء الأشخاص لديهم وقت وفرصة عظيمة، وهم فارغون من الكثرة والانشغال، لدرجة أنهم قادرون على أداء كل عمل بأفضل جودة، ويضعون كل ما لديهم في العمل.
فيما يخص الفرق بين أهل العلم والسالكين والعرفاء، فقد ذكرنا أن العالِم يقرأ ليبلغ الآخرين ما يعرفه، ويعتبر نفسه رسولاً أو مبلِغًا للمعرفة، واحتياجاته قبل أن تكون نفسية، فهي خارجية. هو يفكر في الآخرين أكثر مما يفكر في نفسه، ويقرأ كثيرًا، لكن ما يتعلمه أقل فاعلية بالنسبة له، فينفقه أكثر لغيره من الآخرين، وذاته في الأساس تابعة لتقديم المعرفة بدلاً من استفادته النفسية منها. أما المعرفة والتصوف، فهما أمرٌ نفسي بحت لا يتعلق بالآخرين، وفى إطار “مبدأ الكتمان”، يخبئ حتى ما يعرفه من المعرفة الروحية لكي لا يدرك الآخرون شيءً عنه. هو يحمل آلامه الخاصة، ويعاني من الفراق، ويشعر بمشكلة تتعلق به، ولا ينفع الآخرين شيئًا من تلك المعاناة.
هذا التفاوت بين أهل العلم وأهل المعرفة هو السبب في أننا نرى القليل من العلماء الذين ينجحون في السير على طريق السلوك. هذا الاختلاف يبدو كخطين متوازيين لا يلتقيان أبداً. فالمعرفة تحتاج إلى الوحدة والعزلة، بينما العلم يضيف كثرة، وهذه الكثرة تدفع صاحبه إلى التشتت والفراغ، مما يجعله ينغمس في أعمال كثيرة دون تأثير داخلي حقيقي. بينما السالك يتعرض لألم يجعله غير قادر على أداء أي عمل، ويغرق في غمٍ يعرقل يداه من القيام بأي شيء. بخلاف العلم الذي يُزين حياته ويقوده إلى نشاطات اجتماعية، بينما المعرفة تعزل السالك حتى لا يبقى له ذكر في المجتمع. المعرفة تصبح مثل مرض السرطان الذي يأخذ الجسم كله، حتى العظام، بينما السالك يعاني من ألم الفراق والابتلاء، ويصبح غير مهتم بأي شيء في الدنيا، إلا إذا انساق في الإفراط، مما يؤدي إلى إرهاقه في السير في هذا الطريق.
السالك يظل في مرحلة متقدمة من الوعي كالمحتضر الذي لا يملك طاقة للتفاعل مع العالم من حوله. قد يصل السالك إلى نقطة لا يستطيع فيها الرد على تحية طفلته الصغيرة أو النظر إلى وجه زوجته التي أعدت نفسها له، ولا يملك القدرة على التحدث مع عروسه. يغتابه الجاهلون ويهاجمونه، لكن السالك لا يملك رد فعل، حيث أن ذهنه لا يذهب إلى العدالة أو القانون في مثل تلك اللحظات، تمامًا كما لا يستطيع المحتضر أن يفكر في شيء سوى اللحظة الأخيرة.
الطلاب وأهل العلم يختلفون تمامًا عن أهل المعرفة، وعقولهم محاطة بجدارٍ يشبه “سوادكوه”، الذي يمنعهم من الوصول إلى المعرفة الروحية الحقيقية، خلافًا للأشخاص العاديين الذين لا يواجهون هذا الحاجز ولا يحتاجون إلى معالجة مثل هذا المرض الروحي، فتستقر المعرفة بسهولة في قلبهم.
نحن لا نرى طلبة العلم الذين يعطيون الأولوية لعلمهم كمصدر لتحقيق المعرفة الروحية، لأنهم يقتصرون على طلب العلم فقط ولا يميلون إلى العمل الروحي، ويقومون بتنظيم أعمالهم بناءً على جزئيات علمية حصلوا عليها من الكتب، ولا يثقون في الوصفات التي يقدمها أساتذة المعرفة الحقيقية. أما نحن فنرى أن الخوانق ليست ملائمة لهذه المهمة، لأن بعض الدراويش إما أن يكونوا فاسدين أو في دائرة السياسة واللعب مع الغرباء ويعملون كأدوات لهم.
العالم يسعى وراء السلطة والمقام، ويعتبر عيوبه بمثابة ثقل كبير وديون ثمينة، في حين أن أهل المعرفة يسعون إلى الفناء والخراب الداخلي، ولا يريدون إلا الوصول إلى موطن السلام، الذي هو الله تعالى. يملك أهل العلم ظاهر الوحي والكلمات الطاهرة، ولكنهم لا يستطيعون أن يستفيدوا من هذا المحيط العظيم، بينما العارف هو من يحصل على الفهم والقدرة الحقيقية ويشرب من هذا المحيط الروحي بشكل مستمر، ويصبح مصدرًا لنفوس العطشى ويغذي الأرواح بالأمل والحياة.
الفرق بين السلوك وطلب العلم:
أولئك الذين يسعون وراء العلم فقط يريدون أن يعرفوا كل شيء وأن يمتلكوا كل معرفة. هؤلاء مثل الأطفال المدللين الذين يريدون كل شيء يرونه، وهذه الروح التي تملؤهم بالكثرة لا تتماشى مع السلوك الروحي. من يسعى وراء العلم يرى تأثيره التدريجي، بينما السلوك يتطلب صبرًا طويلًا ليحطم قمة الأنانية في الإنسان، ولا يتساقط شيء منها فورًا، بل يحتاج وقتًا طويلًا ليتفتت تدريجياً بعد سنوات من السعي.
العلم هو أمر تدريجي، بينما المعرفة أمر فجائي، وإن كانت لها تمهيدات تدريجية، ولكن التقدم فيها ليس ثابتًا، بل يحصل السالك أحيانًا على معارف فجائية بعد سنوات من السعي.
أما من يعتقد أن معرفة الله كالطلب في المدرسة، وأنه بمجرد أن يقرأ ويحفظ يمكن أن يحصل على معرفة روحانية، فهو في خطأ كبير. فالتصوف ليس مرتبطًا بالقراءة والدراسة الأكاديمية كما هو الحال مع العلم. كما أن السالك يجب أن يبتعد عن البذخ والترف ليحقق التقدم الروحي، ويجب عليه أن يكون في عزلة، ويلجأ إلى القرب من الله. أما العلم فيحتاج إلى الكثرة والتكرار، بينما السلوك يحتاج إلى التحلّي بالطمأنينة الداخلية والاتصال بالله.
أهم الآفات في طريق السلوك:
أكبر آفة للسالك هي الشك، لأنه عندما يشك يتراجع كما لو كان قد سقط من الارتفاع الذي بلغه، فيجب عليه أن يعود إلى نفس الطريق بشق الأنفس. بينما الشك في العلم قد يزيد من فهم العالم. الشك يضر السالك ويُضعف مشيته في طريق المعرفة، لكنه في العلم قد يؤدي إلى مزيد من التقدم والنمو.
السالك لا يجب أن يظن أنه طالب علم في مدرسة ويحاول أن يتبع منهجًا أكاديميًا ليصل إلى المعرفة. المعرفة لا تُكتسب بالطريقة ذاتها التي يكتسب بها العلم. العلماء السابقون كانوا يعطون الأولوية للمعرفة الروحية، بينما العلماء المعاصرون يركزون على العلم، مما يجعلهم في بحر لا يمكنهم الخروج منه.
العارف الذي يكون طالبًا في المدرسة يجب أن يفهم كيف لا يخلط بين السلوك والرياضات والمعرفة وطريق العلم، لأنه كل واحدٍ من هذه الطرق له طبيعته الخاصة.
ختامًا:
السلوك هو رحلة نحو البساطة، بينما العلم هو سعي للحصول على المعرفة. لا يمكن تحصيل المعرفة الروحية من خلال المال أو الرشوة، كما أن العارف لا يسعى وراء هذه المكاسب. المعرفة الحقيقية لا تأتي بمجرد الجلوس في الصفوف، وإنما تتطلب التزامًا وتفرغًا داخليًا حقيقيًا، وهو ما لا يمكن تحصيله إلا من خلال تطهير النفس والعمل على بناء علاقة روحية مع الله تعالى.
القدرة على التحول والتنقل
إذا أراد أحد العلماء أو طلبة العلم أن يسلك طريق السلوك الروحي ويعد نفسه لهذه المسير الشاق والصعب، الذي لا رجعة فيه، فإن أول ما يجب عليه فعله هو تقوية القدرة على التنقل داخله. بمعنى أن يكون السالك عند ممارسة الأعمال الروحية كأنّه لا يعرف أي علم، وعندما يدخل في طريق طلب العلم، يكون كأنّه لا يعرف شيئًا عن علم التصوف، ولا يُظهر أيّ آراء في هذا المجال، ويجب عليه أن يخفي ما قد قيل له في هذا المجال ويغطيه بستر باطني، فلا يظهر نفسه في موضع أو مكان معين، سواء كان راغبًا أو غير راغب في ذلك. ويجب أن لا يؤثر علمه في دراسته اليومية أو في مداولاته اليومية. يجب على الطالب ألا ينسى أنه طالب علم، وأنه يسعى لتعلم التصوف، وأنه يتبع معلمه ومولاه ولا يتبع نفسه. إذ يجب أن لا يوقفه السلوك الروحي عن وظيفته الأولى وهي التحصيل والتعليم.
أولى مسؤوليات الطالب في هذه المرحلة هي الحفاظ على مواقعه وكرامته، ولا يجوز له أن يمزج بين دروسه العلمية وممارسات التصوف، بل يجب أن يكون له القدرة على الفصل بينهما، فلا يخصص وقتًا لأحدهما على حساب الآخر، بل يجب أن يثبت قدرته على التنقل بين مواقعه المختلفة ويُفرق بين ذكره وخلوتِه من جهة، وبين مداولاته التعليمية من جهة أخرى. وعندما يعود إلى حالته العلمية، يجب أن لا يحمل معها شيئًا من التصوف، والعكس صحيح أيضًا؛ فحينما يدخل مجال التصوف، عليه أن لا يخلط بين علمه وبين ممارسات هذا المجال الروحي.
من لا يمتلك القدرة على التنقل، لا يستطيع أن يقترب من سلك التصوف. وبالمثل، نادرًا ما نجد صوفيًا يمتلك القدرة على التحول إلى عالم، أو عالمًا ينجذب إلى التصوف. في كثير من الأحيان، من يتحول إلى التصوف هم أولئك الذين كانوا متعبين من العلم، أو الذين كانوا في التصوف تحت إشراف معلم مُحنك يستطيع أن يُوازنهم.
لكن يجب التوضيح أن التصوف لا ينبغي أن يُعتبر مرادفًا للتقوى والدين، فلا يعني من لا يمتلك التصوف أنه فاقد للتقوى. العلماء الذين يمتلكون العلوم الظاهرة يمكن أن يكونوا قديسين وأتقياء، بينما التصوف هو مجال يختلف عن الدين في مضمونه. لكن يمكن للإنسان أن يمتلك كلاهما، كما أن التصوف يمكن أن يتماشى مع العلم.
التصوف هو مجال الفقراء والمجردين، حيث يلقون بأعبائهم ويخطون في طرق الوعرة. على عكس العارفين الذين يبدؤون بتطهير نفوسهم من الرذائل، ثم يتجهون نحو التحلية والتجلي، بينما يثقُل عاتق العالم بعلمه.
كما أن التصوف لا يعرف التمييز بين المال والعلم؛ فكلاهما يحتاج إلى حماية ورعاية. صحيح أن الحديث الشريف “العلم يحرسك وأنت تحرس المال” يُطبق على العلم، ولكن في مجال التصوف، يحتاج العلم أيضًا إلى الحفاظ عليه، ويجب التخلص من التعلق به. الموضوع الروحي في التصوف يتعلق بالفقر والعدم، حيث لا شيء للاحتفاظ به أو رعايته. من يملك العلم يحتاج إلى انتباه مستمر له، بينما في التصوف، لا توجد حاجة للاحتفاظ بشيء، بل هو مجال الفقر والتجرد.
المعرفة في التصوف هي خراب، وكلما كنت أقل معرفة، كنت أكثر قدرة على السلوك الروحي. لا يُعتبر العلم في التصوف قوة حقيقية، بل هو مزاحم لتحقيق الغايات الروحية. إذا كان الإنسان يحمل حقيبة مليئة بالنقود، فإن هذه الحقيبة ستشغل ذهنه تمامًا، فلا يبقى له مجال للتركيز على أمور أخرى. العلم أيضًا مثل هذه الحقيبة، فهو يشغل العقل ويُسبب تشويشًا على الطريق الروحي.
ذات يوم، كنت في طريقي من طهران إلى قم، وعندما أعطاني شخص حقيبة مليئة بالنقود لأسلمها لشخص ما في قم، شعرت أنني لا أريد حملها أثناء وقت الصلاة. لذلك، تركتها عند محل تجاري بالقرب من السوق وقلت لصاحب المحل: “اترك هذه الحقيبة هنا حتى أعود.” وذهبت، وعندما عدت بعد ساعتين، كانت الحقيبة كما هي.
العلم هو قدرة ومال، بينما التصوف هو فقدان وعدم. إذا أراد العالم أن يصبح صوفيًا، يجب أن يكون قادرًا على الجمع بين الوجود والعدم، بين القوة والضعف. وهو لا يستطيع أن يكون فقط في حال واحد. إذا كانت لديه هذه القدرة على التحول، فسيستطيع أن يكون في كل لحظة عالمًا أو صوفيًا حسب الحاجة.
هذه القدرة على التحول تتطلب تدريبًا مستمرًا وصبرًا، بحيث لا يلتبس عليه الأمر ولا يتداخل بين حالاته المختلفة. مثل السيارات التي تعمل بالوقودين، والتي يمكنها التحول بين الغاز والبنزين.
إذا كان الشخص يمتلك هذه القدرة على التحول، فإنه قادر على أن يُظهر وجهين مختلفين: أحدهما وجه العلم، والآخر وجه التصوف، دون أن يتأثر أحدهما بالآخر. إذ يجب أن يستطيع السالك أن يبقى في حالة “كتمان” بحيث لا يستطيع أحد أن يعرفه إلا إذا كان متخصصًا في هذا المجال.
هذه القدرة على التحول تتطلب من السالك أيضًا أن يمر بتجارب وتدريبات مستمرة، من خلال تمرين العقل على التركيز الكامل على هدف واحد لفترات طويلة، بحيث يظل بعيدًا عن التشتت في عالم المعلومات.
السالك الذي يسعى للوصول إلى أعلى درجات التصوف يجب أن يمتلك القدرة على التفريق بين معارفه الدنيوية والتجارب الروحية.
القدرة على التحول والتغيير، التمكين، و التحوّل مع الزمن، كلها مصطلحات تُستخدم للتعبير عن معنى واحد، ويمكننا أن نطلق عليها «القدرة على التحول والتغيير». مفهوم التحوّل مع الزمن لا يعني النفاق، بل يعني أن السالك يمتلك القدرة على التغيير والانتقال بين الحالات والظروف المختلفة، فيتمكن من أن يلبس أو يخلع ما شاء، ويظل في كل زمان وفي كل حالة يتماشى مع متطلبات ذلك الوقت. على سبيل المثال، إذا أراد السالك أن يدرس، عليه أن يركز على الدراسة فقط ولا يخلطها بتناول الطعام، وعندما يصلي، يكون في صلاة تامة فقط دون تشتت ذهنه في أمور أخرى. في كل حالة، يجب أن يكون هناك حضور كامل واهتمام كامل بما هو في تلك اللحظة.
السالك الذي يمتلك «مقام الجمع» هو الذي يجمع بين العلم والتصوف، فيستطيع أن يكون عالمًا في وقت، وعارفًا في وقت آخر، مع الحفاظ على خصوصية كل منهما. ومن يمتلك هذه القدرة لا يخلط بين الأمور، بل يعرف متى يكون عالماً ومتى يكون عارفًا، ويعرف حدود كلٍ منهما وآدابه.
التمكين هو مصطلح يُستخدم للدلالة على القدرة الإرادية على أداء مختلف الأفعال والتصرفات بكل سيطرة وتركيز. السالك الذي يمتلك التمكين يستطيع أن يؤدي أعمالًا متنوعة في وقت واحد، لكنه لا يخلط بينها، بل يؤدي كل عمل بكل وعي وتركيز تام. على العكس، من لا يمتلك التمكين قد يقوم بعمل ما دون الإرادة الكاملة عليه.
من المهم أن يمارس السالك التمكين على نفسه في جميع شؤونه، فيصبح قادرًا على القيام بكل عمل بتوجيه إرادته فيه، سواء كان في الصلاة، أو الدراسة، أو العمل. يجب أن يتم التركيز التام على كل عمل دون تشتيت ذهنه أو انشغال بأمور أخرى.
القدرة على الانصراف هي أيضًا من الخصائص التي يجب أن يمتلكها السالك. الانصراف يعني إفراغ النفس من كل ما يشوش عليها، والتركيز الكامل على ما هو أمامه. كما أن السالك يجب أن يكون قادرًا على إفراغ ذهنه عن كل ما هو غير ضروري أو غير متعلق بهدفه الروحي. وهذا يشبه إلى حد كبير حالة الخلوة التي يعيشها الشخص أثناء النوم أو التمرين الروحي، حيث يخف وزن الجسد ويصبح أكثر قدرة على التركيز.
إن السالك لا يصل إلى علم الشهود أو القدرة على الفعل والإنجاز إلا بعد أن يصبح قادرًا على الانصراف عن كل شيء غير مهم، والتركز الكامل على هدفه. يجب عليه أن يمارس الانصراف بشكل تدريجي، وأولاً عن الأشياء البسيطة ثم عن أشياء أكثر تعقيدًا، حتى يصل إلى حالة من الصفاء والقدرة على التوجه الكامل نحو هدفه.
كما يتحدث النص عن أهمية الصفاء الداخلي والنقاء في القلب والذهن. لا ينبغي للسالك أن يجعل قلبه مستودعًا للأشياء الدنيوية أو مشاكله الحياتية، بل يجب أن يحافظ على نقاء قلبه، بحيث لا يخترقها الحزن أو المصاعب. يقول الشاعر: “رغم أني محاط بالمصائب، فإن قلبي يبقى صافياً”. هذا يعني أن السالك يجب أن يحافظ على صفاء قلبه في مواجهة التحديات، بحيث لا تترك المصاعب تأثيرًا على مسيرته الروحية.
خلاصة: السالك الذي يسعى لتحقيق الكمال الروحي يجب أن يمتلك القدرة على التحول، التمكين، والانصراف عن كل ما يشغله عن هدفه. هذه المهارات ليست مكتسبة بسهولة، بل تحتاج إلى تمرين وتطوير مستمر، تمامًا كما يحتاج الرياضي إلى تدريب طويل للوصول إلى مستوى عالٍ من الأداء.
**الاستمرار في تمرين الذات واتباع منهج السلوك الروحي**
إن السالك الذي يسعى للكمال الروحي يجب عليه أن يمارس التمكين والتغيير بشكل مستمر في حياته اليومية. التمرين الروحي لا يقتصر على لحظات معينة، بل يجب أن يصبح جزءاً من حياة السالك على مدار اليوم. على السالك أن يضع نفسه في اختبارات متعددة ليقيس مدى قدرة إرادته على التحكم في شؤون حياته، ولتحديد قدرته على الفصل بين المهام المختلفة دون خلط أو تداخل بينها. فالقدرة على التفريق بين الأوقات والأعمال، وإدراك متى يكون في حالة صلاة أو دراسة أو عمل دنيوي، أمر حيوي لنموه الروحي.
عندما يتحدث النص عن **القدرة على التفريق بين الأعمال**، فإنه يشير إلى ضرورة الفصل بين الحركات الروحية والأعمال الدنيوية. فالسالك الذي لا يمتلك هذه القدرة قد يقع في فخ الغفلة ويخلط بين ما هو دنيوي وما هو روحاني، وبالتالي يفقد التركيز المطلوب. مثال على ذلك هو السالك الذي يدخل في صلاة، لكنه يظل يفكر في أمور الحياة الأخرى مثل العمل أو العلاقات الشخصية. هذه النوع من السلوك غير مستحسن، لأنه يعكس عدم القدرة على الانتباه الكامل والتواجد الذهني في اللحظة الراهنة.
**التحول والانصراف عن الأمور الدنيوية**
عندما نتحدث عن **القدرة على الانصراف**، فإننا نقصد القدرة على تطهير الذهن من كل ما هو غير مفيد أو غير مرتبط بالسلوك الروحي. السالك الذي يسعى إلى الوصول إلى أعلى مراتب التواجد الروحي يجب أن يكون قادرًا على الانصراف عن كل ما يعكر صفو قلبه وعقله. هذا يشمل الأمور المادية، العواطف السلبية، وكذلك الذكريات التي قد تؤثر على استمراريته في الطريق الروحي. الانصراف لا يعني الهروب من الحياة أو تجاهل مسؤوليات الشخص، بل هو تعلم كيفية أن تكون حاضراً في كل لحظة من خلال فصل ما هو ضروري عن ما هو غير ضروري.
**التسليم للقدر والتفوق على التحديات**
أما في ما يتعلق بمفهوم **التسليم للقدر**، فإن السالك الحقيقي هو من لا يترك للمصاعب أو المشكلات تأثيرًا سلبيًا على قلبه. كما ذكرنا سابقًا، يجب على السالك أن يكون قلبه صافياً ونقياً من أي مشاعر سلبية أو متاعب دنيوية. حتى في أشد الأوقات صعوبة، يجب على السالك أن يحتفظ بتوازنه الداخلي. هذا المفهوم يذكرنا بما قاله الشاعر: “كلما أتيتني المحن، أدركت أنني في رحلة أكبر من هذه اللحظة.” لا ينبغي للسالك أن يضع نفسه في حالة عاطفية أو ذهنية متقلبة، بل عليه أن يتحلى بالصبر والقدرة على التحكم بمشاعره. في هذا السياق، نتذكر كيف أن السلوك الروحي الحقيقي هو أن لا يسمح الفرد للأحداث الخارجية أن تؤثر في سعيه نحو الكمال الروحي.
**مفهوم القدرة على الاستجابة الداخلية (الاستقبال)**
إن **الاستقبال** هو العملية التي يتمكن من خلالها السالك من استقبال الذكر أو الممارسة الروحية بتركيز واهتمام كاملين. الاستقبال يتطلب استعدادًا داخليًا وقلبًا مليئًا بالصفاء والتركيز، بحيث عندما يتوجه السالك إلى الذكر أو الصلاة أو أي عبادة أخرى، يكون في حالة من الاستغراق الكامل فيها، غير مشوش بأي أفكار خارجية. هذا الاستقبال هو نقطة التحول التي يمر بها السالك، حيث تصبح العبادة بالنسبة له مصدرًا للقوة والصفاء الروحي.
بمجرد أن يتمكن السالك من الاستقبال التام، فإنه يصبح قادرًا على **الاستجابة** بشكل كامل لما يتلقاه في طريقه الروحي، سواء كان ذلك من خلال العلم، المعرفة، أو حتى حالات الشهود الروحي. إن السالك الذي يملك القدرة على استقبال الذكر بحضور كامل سيكون قادرًا على الشعور بتجلياته والتفاعل معها بشكل أعمق.
**الاستجماع والتجانس بين الجوانب الروحية والعملية**
أحد المفاهيم المهمة التي يشير إليها النص هو **الاستجماع**، أي جمع وتوجيه كامل قوى السالك نحو هدفه الروحي. في هذا السياق، الاستجماع يعني أن السالك يجب أن يكون قادرًا على تركيز انتباهه على عمله الروحي، سواء كان صلاة، ذكر، أو تأمل. كما أن السالك الذي يستطيع أن يستجمع نفسه يكون قادرًا على تحقيق التوازن بين جوانب حياته المختلفة: الروحية، العقلية، والجسدية. إن التوازن بين هذه الجوانب هو الذي يجعل السالك شخصًا كاملًا في مسيرته الروحية.
**النتيجة النهائية: السالك المتكامل**
الهدف النهائي من كل هذه التمارين والتحولات هو أن يصبح السالك قادرًا على أن يكون حاضرًا بشكل كامل في كل لحظة من حياته. في كل لحظة من الصلاة أو العبادة أو حتى في أعمال الحياة اليومية، سيكون السالك حاضرًا تمامًا، مخلصًا في العمل الذي يؤديه. كما أن السالك الذي يحقق هذه الحالة يكون قد وصل إلى درجة من النقاء والصفاء الروحي تجعله قادرًا على التفاعل مع العالم من حوله بسلام داخلي، دون أن يتأثر بالعوامل الخارجية. ومن خلال هذه القدرة على التركيز والتحكم في الذات، سيصبح السالك قادرًا على التصرف في كل الظروف برؤية واضحة وحكمة عميقة.
**الختام**
باختصار، السالك الذي يسعى للوصول إلى الكمال الروحي يحتاج إلى تدريب مستمر على التفريق بين الأوقات والمهام، والانصراف عن الأمور الدنيوية، والتمكين من التحكم في ذاته. كما يحتاج إلى القدرة على الاستجابة الكاملة لكل لحظة من حياته الروحية، مستجمعًا قواه الداخلية لتحقيق الاستقرار الروحي.
العبادة المتنوعة والنشاط العقلي:
من يعبد بعبادات كثيرة ومتنوعة، ولكن بدون تفرغ وتركيز، فهو كمن يطالع الكثير من الكتب ولا يصبح عالماً. بدلاً من أن يُنير عقله، يتشتت ذهنه وتغلق قدرته على التحليل ويضعف فكره.
جميع الأعمال القوية وكذلك العلوم الروحية تتحقق من خلال التفرغ والتركيز. على سبيل المثال، لاعب الكاراتيه الذي يبدو غير قوي يمكنه تكسير أكثر من عشرة بلاط بضربة واحدة بيده. يتم هذا العمل من خلال التركيز وسرعة الأداء، بحيث لا يتأثر يده بالألم، بل يتوجه الضغط إلى عقله. بفضل السرعة العالية، يزيل الاحتكاك بين اللحم والعظم والبلاط، ومن ثم، يستطيع بيد ضعيفة تكسير عشرة بلاطات في لحظة. وفي هذا المجال، يصل السالك إلى قوى عظيمة تتجاوز هذا المثال بكثير.
لقد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أننا نتحدث عن سلوك المحبين الذين يجدون مرشداً محباً، أما المحبون أو السالكين الذين يتبعون مرشداً محبوباً، فإنهم في وادٍ آخر. روح العارفين المحبين تسير بسرعة عالية لدرجة أنه لا بد لهم من أن يبطئوا ذلك، كما في حالة “كلمين” أو “حميرا”، لأن ميل الروح إلى الدنيا شديد وثقيل عليهم، فقط الروح الثقيلة والشريرة مثل روح عائشة يمكنها تحمل سفينة هذه الرحلة التي تبحر وتطفو بلا هدف.
القدرة على التركيز:
من يريد أن يغير نفسه ويحافظ على نقاء قلبه ووضوحه، يجب أن يكون له إرادة قوية. وسنشرح عملية تقوية الإرادة من خلال عدة مبادئ، لكن الركيزة الأساسية للإرادة القوية هي “القدرة على التركيز”.
في بداية الطريق، بسبب طبيعة النفس الضعيفة، لا يستطيع السالك التحكم على نفسه. يصبح سريع الملل، يتعب بسرعة، ينسى هدفه، وتغويه الشهوات بسهولة. للتغلب على هذه الحالة يجب على السالك جمع كل قواه المختزنة في داخله واستخدامها لأداء الأعمال المطلوبة.
“التركيز” هو جمع القوى المبعثرة وتحويلها إلى طاقة واحدة مركزة. السالك يجب أن يكون قادراً على استخدام هذه الطاقة المختزنة بشكل مركّز وهادئ، بحيث يوجه كل انتباهه للعمل الذي بين يديه. في الصلاة، على سبيل المثال، حيث يعتبر صعود روح المؤمن، يكون التركيز في غاية الأهمية.
نستطيع إجراء تجربة علمية لفحص تأثير التركيز في الصعود الروحي: على سبيل المثال، اختيار مجموعات من المؤمنين، الفاسقين، المسلمين والكفار، ودراستهم لمدة خمس سنوات لمعرفة كيف يؤثر التركيز في الصلاة على روح الشخص ومدى اتصال روحه بالله.
التركيز في الأعمال الروحية:
الذي يمتلك إرادة التركيز يُمكنه أن ينظم سرعته الروحية لتتناسب مع حركة الكون الذي خلقه الله. كما لو أن الإنسان يصلي بدون أن يكون ذهنه مشغولاً بأي شيء آخر. التركيز يمنح الإنسان القدرة على أن يفعل الأشياء بإرادته الحرة.
تماماً مثلما في الرياضة، على سبيل المثال في كرة السلة، إذا لم يستطع اللاعب أن يوازن إرادته وتركيزه، لن يتمكن من تسديد الكرة بنجاح في السلة.
عندما يركز السالك، يصبح قادراً على إعادة التنسيق بين نفسه ووجوده المتعالي، ليحقق اتصالاً روحياً مع الله من خلال إرادته المركزة.
التركيز في الحياة اليومية:
التواصل مع الله في عالم الخلق أعظم من إدخال جمل في ثقب إبرة، ولا يمكن تصوره بيسر وسهولة، ويجب أن يتم ذلك بتركيز تام وإرادة قوية.
السالك الذي يسعى للوصل إلى الحقيقة يحتاج إلى أن يكون تركيزه قوياً ومستمرًا، تماماً كما أن فكرنا لا يجب أن ينشغل بأي من الملهيات أو الكوارث الجانبية خلال عملية الصلاة أو السلوك الروحي.
كيفية الوصول إلى التركيز التام:
في البداية، السالك قد يعاني من التوترات الداخلية أو الإجهاد العقلي. يجب عليه أن يبدأ بحالة من التوازن الداخلي بحيث يتدرب على الوصول إلى مرحلة من التركيز التام.
للقيام بذلك، يجب أن يتجنب السالك التعدد في الأنشطة والذهاب إلى الأماكن الهادئة والمعزولة. كما يجب عليه أن يكون في مكان ثابت، لا يتنقل في كل مرة، بل يختار وقتاً ومكاناً محددين للتركيز.
كما أن السالك يجب أن يحسن نظامه الغذائي. بعض الأطعمة يمكن أن تؤثر على إرادته وتركيزه. يجب عليه أن ينتبه إلى كيفية تأثير الأطعمة على مزاجه وأفكاره وتوجيهها بما يتناسب مع حالته الروحية.
تمرينات التركيز:
التمرينات في بداية الطريق قد تكون صعبة وقد تسبب توتراً في الجسم والعقل. ولكن يجب أن يتحمل السالك هذا الألم، ويعمل على تخطيه للوصول إلى مرحلة متقدمة من التركيز والإرادة.
السالك يجب أن يكون في حالة من الهدوء الكامل، بعيداً عن التوتر والضغوط اليومية.
في النهاية، فقط من خلال التدريب المستمر والتمرين اليومي يمكن للإنسان أن يتقن فن التركيز ويصل إلى مستوى أعلى من القدرة الروحية التي تجعله قريباً من الله.
مبدأ التوازن وإدارة التفاعل بين الظاهر والباطن
هذا المبدأ أيضًا امتداد للمبدأ السابق المتعلق بقدرة التحول، ويؤكد على أن السالك يجب أن يكون قادرًا على تحقيق التوازن بين ظاهره وباطنه، بحيث يتكامل وجهه الظاهر مع وجهه الباطن بشكل متوازن ومنسجم. أي سلوك أو طريقة صوفية تهدم التوازن بين الظاهر والباطن أو لا تراعي التنسيق بينهما، محكوم عليها بالفشل. السالك يشبه الطائرة التي تريد الإقلاع، وهذا الإقلاع لا يمكن أن يتم دون توازن. كما أن اليوغا تعمل على التنسيق بين الجسم والروح، فالجسم والروح ينسجمان معًا لتمكين الحركة والحرارة والسرعة، مما يعطي الشخص قوة غير عادية، ويرتفع به عن الأرض ليصبح سماويًا.
منذ البداية، يبدأ كل شيء من نقطة مطلقة، وفي نقطة الاستمرار تظهر النسبية، وهذا ينطبق أيضًا على السلوك الصوفي، حيث يكون للبداية صعوبة في تحقيق التوازن بين الجسم والروح، ولكن مع التقدم في الطريق، يظهر هذا التناغم وتزداد قوة السالك. حتى يصل السالك إلى التوازن بين ظاهره وباطنه، لن يكون هناك أي ثمرة من الأذكار، العبادات، الرياضات، وغيرها من الأعمال الروحية. وإذا انغمس السالك في جمع العلوم، ونسى الاتجاهات الأخرى أو أبدى ميولًا غير طبيعية، فإنه سيبقى عاجزًا عن تحقيق أي تقدم. هذه سمة من سمات العالم المادي الذي يتطلب التوازن في حركته بعيدًا عن الانحراف أو الإفراط أو التفريط.
السالك الذي يفرط في ممارسة الرياضات ويغفل عن مهامه الأخرى، أو الذي يركز فقط على التحصيل العلمي دون رياضات، أو الذي يولي الرياضات والعلوم اهتمامًا لكن يستهين بحقوق أسرته ويهمل علاقاته الاجتماعية، فإنه لن يتحقق له أي تقدم سوى الحركات الدائرية البسيطة التي لا تتعدى طاحونة الهواء. مثل هذا السالك يستهلك نفسه بأفعاله ويغرق في سلوكياته بلا أي فائدة روحية، بل قد يتسبب في ضرر لنفسه.
الحياة الدنيا تضع أمام السالك عراقيل تحول دون تقدمه، حيث تتشابك شؤون الحياة المادية معه، وتعمل على تقليص قدرته على التوازن بين الظاهر والباطن. لكن إذا استطاع السالك أن يوازن بين هذه الأمور، فيمكنه أن يحقق تقدماً كبيرًا في سلوكه الروحي. مثل الطائر الذي يطير بأجنحة ثابتة، يجب على السالك أن يحافظ على توازنه بين مختلف جوانب حياته ليتمكن من الطيران إلى الأعلى.
كما أن الراحة النفسية تتعارض مع السلوك الصوفي، فإن عدم امتلاك القدرة على إدارة الرياضات بشكل صحيح قد يؤدي إلى تدمير الباطن، والإصابة بالأمراض الجسدية، والضعف العقلي، مما يمنع السالك من تحقيق التقدم الروحي. هذه هي طبيعة العالم المادي الذي يجعل السالك في صراع دائم مع ظروفه.
السالك الذي لا يتحلى بقدرة على إدارة نفسه، إذا كان يندفع وراء التحصيل العلمي فقط أو الرياضات البدنية فقط دون مراعاة التوازن مع أسرته أو حياته اليومية، لن يكون قادرًا على تحقيق أي نتيجة إيجابية. على السالك أن يضبط أموره، ويتعلم كيف يدير شؤون حياته المختلفة بما يتناسب مع تقدمه الروحي، ولا ينبغي له أن يغفل عن ممارسة التسامح والتجاوز عن أخطاء الآخرين.
مبدأ “إدارة التوازن بين الظاهر والباطن” يطالب السالك بالاعتدال في كل شيء، بما في ذلك المأكل والمشرب، العبادة، الرياضة، والعلاقات الاجتماعية. كل زيادة في هذه المجالات يمكن أن تؤدي إلى فقدان التوازن، مما يعيق تقدم السالك. وعلى السالك أن يلتزم بمبدأ “الاعتدال” في كل شيء، فإن كل زيادة تصبح عبئًا عليه، وبالتالي تفقده توازنه الروحي.
السالك يجب أن يراقب ويعيد تقييم نفسه في كل فترة زمنية، سواء كانت يومية، أسبوعية أو شهرية. عليه أن يتعرف على أي مشاعر سلبية أو تشتت ذهني يصيبه، ويعمل على تنظيف نفسه من هذه التراكمات النفسية من أجل الحفاظ على صفاء قلبه. إذا استطاع السالك أن يظل ثابتًا في هذه الممارسة، فإنه سيتمكن من الوصول إلى درجة عالية من التوازن الداخلي، بحيث يستطيع التصالح مع جميع الظروف والأشخاص من حوله دون أن يتأثر سلبًا.
الوعي بهذه المبادئ يمكن أن يكون أكثر صعوبة في العصر الحديث، حيث يواجه السالك في الوقت الراهن مسؤوليات اجتماعية ودينية قد تكون أكثر تعقيدًا من تلك التي كان يواجهها العرفاء في الماضي. العرفاء السابقون كانوا ينسحبون إلى الجبال أو الزوايا المظلمة في العزلة، حيث يمكنهم الحفاظ على توازنهم الداخلي بسهولة أكبر. ولكن السالك المعاصر، الذي يحمل مسؤوليات متعددة، إذا استطاع إدارة توازنه بين الظاهر والباطن، فسيكون له تأثير كبير على مستوى الروحانية، لأنه يسير في الطريق الأصعب ويختبر ضغوطات حياتية أكبر.
في نهاية المطاف، إذا أراد السالك أن يحقق التوازن الحقيقي في حياته الروحية، يجب عليه أن يتعلم كيف يدير جميع جوانب حياته بوعي، بحيث لا يسمح لأي جانب بأن يطغى على الآخر. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهه السالك في مسيرته الروحية.
إدارة الحياة وتحقيق التوازن فيها في جميع جوانبها
يجب أن تُراعى إدارة الحياة والتوازن بين مختلف أبعادها في جميع مجالات الحياة، حتى في مجال الدعوة والإعلام. ينبغي تجنب التكرار في الكلام والإفصاح عن معلومات معروفة لدى الناس، والتركيز على القيم العقائدية والأخلاقية، مع تجنب الانخراط في المناقشات السياسية بشكل متطرف. ومن المستحسن في الأمور السياسية التقيد بالحد الأدنى من التصريحات والحديث عن المواضيع العلمية والموثوقة، وليس عن الأمور الظنية أو المشكوك فيها. هذه المبادئ تُعتبر من المتطلبات الأساسية لإدارة الدعوة الفعّالة.
من جهة أخرى، يجب على الطالب أن يكون ملمًا بقضايا اليوم ليُجنب أن يُظن أنَّه يعيش في مكان آخر غير هذا البلد أو أنه شخص غريب. إن الإفراط في الحديث عن السياسة يعد أمرًا سلبيًا؛ بل ينبغي الاكتفاء بتقديم إشارات بسيطة عن الأوضاع الاجتماعية، حيث أن وسائل الإعلام العامة تكشف للجميع تفاصيل الأمور. كما ينبغي أن يكون الحديث عن الأوضاع السياسية بمثابة معالجة لطيفة والتركيز على النقاط الإيجابية، لأن الكلام السلبي قد يكثر في المجتمع، إلا إذا كان هناك ظلم في منطقة معينة. يُفضل أن يركز الداعية على تفسير آيات القرآن الكريم وما يستجد منها ويجعلها أساسًا لعمله الدعوي.
التحصيل العلمي وحدود الدراسة
من المبادئ الأخرى لإدارة الحياة وتحقيق التوازن تجنب الإفراط في الدراسة والتحصيل العلمي؛ إذ أن الدراسة المفرطة قد تؤدي إلى جمود الفكر أو ضلاله. لا يعاني الناس من نقص في المبادئ الصحيحة حتى يكونوا بحاجة ماسة للمزيد من القراءة، حيث أن معظم الكتب لا تحتوي على المعرفة الصحيحة بقدر ما تحتوي على ما يضلل أكثر مما يهدي.
تُذكر في هذا السياق حادثة حصلت لي عندما دعاني شخص غني جدًا إلى منزله، وحين كنت جالسًا في منزله، لاحظت العديد من النمل على السجادة يحمل جثث الذباب الميت. تأملت في ذلك وقلت في نفسي، هذا الشخص ليس لديه ثقافة التعامل مع الرفاهية، رغم أن حياته الرفاهية، لكنه لا يعرف كيف يحافظ عليها. فعندما يموت ذبابة أو صرصور في المنزل يجب أن يُجمع بسرعة قبل أن يتجمع عليها النمل والبكتيريا.
إدارة الحياة في الطعام والشراب
تُعتبر إدارة الحياة في ما يخص الطعام والشراب أمرًا مهمًا أيضًا، وقد تم التطرق إلى ذلك في المبادئ السابقة. على سبيل المثال، الشخص الذي يعمل بكثرة يحتاج إلى غذاء جيد، لكنه يجب أن يتجنب الإفراط في تناول الطعام. عادة ما أتناول الإفطار من أطعمة مطهوة، ولا أتناول الجبن والزبدة والعسل؛ لأن هذه الأطعمة لا تُبقي الشخص نشيطًا ومنعشًا حتى العصر. أما بالنسبة للغداء، فلا أتناوله عادةً إلا إذا كانت هناك دعوة من أحد. وإذا لم يكن لدي درس، أتناول أطعمة خفيفة وعادية بما يتناسب مع عملي.
الاهتمام بتربية الأبناء
من الجوانب المهمة في الحياة أيضًا هو الاهتمام بتربية الأبناء، حيث يجب ألا يُغفل هذا الجانب. يجب أن تتم التربية بشكل طبيعي ضمن الروتين اليومي، دون أن يشعر الطفل أن هناك نية لتربيته. في أحد الأيام، كنت مع أحد أبنائي في المنزل، فطلبت منه إحضار شيء لنأكله معًا. أحضر لي خبزًا وجبنًا مع كوب من الشاي وكوب من الماء المغلي. فسألته: لماذا لم تحضر الشاي؟ فأجاب بأن الشاي الذي أعددناه لم يكن كافيًا، ولا يوجد شاي جاف في المنزل. فقلت له: كان عليك أن تقسّم الشاي وتضع مزيدًا من الماء ليكون كافيًا لنا معًا، لكنَّه كان قد أتى بكل الشاي لي. شكرته على كرم أخلاقه وأثنيت عليه قائلًا: “أنت شخص كريم وموظف”.
إدارة التوازن في سائر جوانب الحياة
إدارة التوازن في الحياة تشمل الكثير من التفاصيل، حيث لا ينبغي إغفال جانب لصالح آخر. إذا كان الفرد يستطيع التوازن بين جميع جوانب حياته، فإنه يصبح جاهزًا للتنسيق مع الله ومع الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لأداء ما عليه من واجبات، دون أن يشعر بأي ضغوط نفسية أو يعترض على هذه المسؤوليات.
لقد كنت في الماضي، قبل انتصار الثورة الإسلامية، أدرس في مدرسة “فيضية” وكان لي غرفة فيها. كنت أدرس أكثر من عشر ساعات يوميًا، وفي شهر رمضان عندما كانت الدراسة تتوقف ويذهب الطلاب للتبليغ، كنت أواصل دراستي وأبحاثي في المدرسة. خلال رمضان، مررت بتجربة عظيمة ألهمتني نشاطًا لا يتوقف، فكنت أعمل لمدة ثلاثة وعشرين ساعة يوميًا، وأقتصر على النوم لفترات قصيرة.
التوازن بين الأخلاق والأدب
التوازن بين الخُلق والأدب هو جانب آخر من جوانب هذا المسار، حيث تتطلب هذه العملية تناغمًا بين القدرة النفسية والإرادة الشخصية. الشخص الذي يحرص على أدبه ويهتم بتطوير سلوكياته، مثل الكذب والغيبة، هو شخص يولي اهتمامًا خاصًا لتحقيق التوازن بين الجسد والنفس.
الموازنة بين الخُلق والإرادة الجسدية هي أمر ضروري لتحقيق القوة الروحية والبدنية. فإذا تمكن الشخص من تحقيق هذا التوازن، فإنه يصبح قادرًا على تحقيق الأمور غير العادية بقدرات غير تقليدية.
الجزء الأول:
كل إنسان يحمل في ذاته ذكرًا خفيًا ومعركة صاخبة وقلقًا داخليًا غير مرئي. يجب ألا يكون السلوك صاخبًا، فالكتمان هو المبدأ الأول. لا يُظهر السالك أي صفة مميزة في ظاهر أمره، ولا يراه الناس شيء مميز، لكن خفايا نفسه هي معركة عظيمة. هو لا يطحن حجارة في طاحونة نفسه، بل يجعل الطاحونة نفسها تطحنه! لا يمكن للسالك أن يحقق التمكين إلا إذا كانت جميع أعماله اليومية كالمشي، الأكل، النوم، الكلام، النظر والقدرة البدنية مُوَجَّهة بإرادة صادقة، ضمير حي، وعاطفة صافية، بحيث تعمل هذه الأنشطة كما لو كانت تروسًا مترابطة، وكلها تدور في تناغم تام. عندها فقط يصبح السالك سالكًا حقيقيًا وقادرًا على الحركة والتقدم. في هذه المرحلة، يقوم السالك بتركيب بعض العيوب النفسية داخله ليحولها لاحقًا إلى خصال إيجابية، لكن يجب عليه أن يلتزم بالحدود الشرعية في هذا المسعى، فهذا لا يمكن أن يتم إلا بتوجيه من معلم حكيم وفقيه قادر على مراعاة التوازن بين الجوانب الروحية والجسدية، وإلا فإن الانحراف سيطرأ عليه. السلوك ليس طريقًا للعلاج الذاتي أو كتابة الوصفات للذات، فالمعلم يحمل كلامًا حقيقيًا في قلبه: “لا تسلك الطريق بلا مرشد، حتى لو كنت أسكندر زمانك”؛ لأن أسكندر قد يمتلك القوة الظاهرة، لكن المعلم هو من يعرف حرفة التوازن بين الظاهر والباطن، والخلق والآداب، ويعلم السالك كيفية المضي قدمًا.
الجزء الثاني:
الانتقال من الأنانية إلى التوجه نحو الحق
يعد هذا المبدأ من أهم المبادئ في السلوك، ويعد الالتزام به من أوجب الواجبات.
فلسفة السلوك هي التحرر من الذات وترك كل أنواع الأنانية. إذا وقع السالك في الأنانية، فإن عبادته أو رياضته ستتحول إلى شيء ذاتي أناني، وهذا يعني أنه يسكب السم في كأس روحه ويضرب فكره بمطرقة حديدية، مفسدًا ذاته. إن أساس السلوك يتم بناءه على ترك الأنانية، ليترك السالك نفسه شيئًا فشيئًا ويجعل الحق وحده يسكن في قلبه، ولا يعود يدور حول نفسه. لا يسعى السالك للمصلحة الذاتية أو المنفعة الشخصية، بل يعمل من أجل المصلحة العامة ويعطي، دون أن يسعى للحصول على شيء لنفسه. السالك يجب أن يمارس التمرين على ترك الأنانية في كل مجالات حياته. الشخص الذي يسعى للتخلص من أنانيته، فإن الله يعينه ويساعده على ذلك، حتى لو كان في البداية يشعر بثقل في روحه.
الأناني دائمًا يبحث عن مصلحته الشخصية ويرى كل شيء من منظور “أنا” و”مصلحتي”. حتى في العبادة، قد ينظر إلى الصلاة في الأماكن المقدسة كأمر يخصه وحده، ويحرص على أن يستفيد من المكان أكثر من غيره. أما السالك، فإنه يؤدي عبادته بنية خالصة ويراعي أن يترك للآخرين الفرصة للاستفادة أيضًا. الشخص الذي يعتقد أن نفسه أولى من الآخرين في كل شيء، لا يحمل سوى خبث داخلي وكرها للآخرين.
الأنانية ليست متعلقة فقط بالأمور النفسية، بل حتى في الأعمال الحسنة قد تطرأ. إن الأنانية في الأعمال الدينية تؤدي إلى إهانة الدين نفسه، بينما الإيثار والكرم والتضحية بالآخرين، خاصةً من أهل الإيمان، تجعل المحبة الإلهية تنمو وتزهر في قلب السالك. إذا كانت الأنانية تحاول أن تعيق الخير، فإنها تصبح عبئًا على الإنسان، أما الخُلق الكريم والإيثار، فهو سبب في تزكية القلب وتنقية الروح.
حتى إذا كان الشخص الأناني يرغب في فعل الخير، فإنه سيجعل ذلك خاليًا من المعنى، ولن يكون له أثر في تحقيق الهدف. في عباداته، يتطلع الأناني إلى فائدة شخصية، بينما السالك يعمل دون التفكير في ذاته، بل من أجل الله والمصلحة العامة.
الجزء الثالث:
الإيثار والتضحية
السالك الذي يتحلى بتضحية النفس والإيثار، هو في طريقه الصحيح، في حالة تقدم ونمو. الشيخ بهائي له بيت شعر رائع في هذا المجال:
من لا يزهد في نفسه، لا يُعطى طريقًا،
ومن لا يُحرق كالشمع، لا يُعطى نورًا.
الشمع يحترق، يذرف الدموع، ولكنه ينير الطريق للآخرين. وما يملكه الشمع ليس له، بل هو من أجل الآخرين. الأنبياء والأولياء الإلهيون وأصحاب الأرواح الطاهرة لم يكونوا يأخذون لأنفسهم شيئًا، بل كانوا يوجهون كل شيء لصالح الآخرين.
السالك الذي يتخلص من نفسه ويستطيع أن يكون متعاليًا عن الأنانية، سيتلقى الهداية والمعونة من الله. وعندما يتحقق هذا، يصبح السالك صاحب قلب صافٍ ونية صادقة، قادرًا على السير في الطريق الروحي. ولكنه لن يحصل على هذه الصفات في مدرسة علمية، بل المدرسة الروحية فقط هي التي تجلوها، بينما لا تولد هذه الصفات من الدراسة الأكاديمية.
الختام:
السالك الذي يسير في الطريق الروحي ويحقق الصفاء، يجب أن يتخلص من الأنانية وأن يكون دائمًا في خدمة الآخرين دون التفكير في مكافأة أو مصلحة شخصية. من أجل الوصول إلى هذا الهدف، يجب أن يتجاوز السالك كل أنواع الأنانية والطموحات الذاتية، ويركز فقط على رضا الله والخدمة له.
قائلٌ بالحكمة والدولة (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[25]
يقول هذا، ومن الله العظمة التي يملكها ـ مع ملاحظة أن هذا القول يرتبط بعظمة الله تعالى ـ فإنه يتوقع منه العطاء والمغفرة، ولا يطلب أجرًا من الله مقابل عملٍ قام به؛ كما كان يُقال: (يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي)[26]. وهذه العبارة كانت موجهة لهداية الناس، بمعنى أن الرسول لا يطلب أجرًا من الناس على رسالته، كما أنه لا يطلب من الله شيئًا مقابل عمله.
صاحب الهمّة هو من يمتلك العطاء ويشمل ذلك التسامح والتنازل عن نفسه. هو ليس شخصًا يسعى للمعاملات المادية، بل صلاته واحتياجاته كلها لله وحده. هو لا يسعى للجنة؛ وإلا كان كطفل يُسعده لعبه. ولا يستطيع الجلوس في محضر الله إلا من لا يطلب شيئًا منه. كما قال الإمام حسين عليه السلام في ميدان اختبار الحب: «قد سبق الجميع في السبق». لو لم يكن هذا الميدان من اختبار وامتحان لادعى الجميع الأفضلية على الإمام حسين عليه السلام، ولكن الاختبار يظهر العيوب.
جاء رجل فقير إلى أخي حاتم الطائي وقال له: “أنت لا تُشبه حاتم في سخائك”. أجاب الرجل: “لا، بل أنا أيضًا أُعطي مثل حاتم”. وفي اليوم التالي، ذهب الرجل إلى بيت أخي حاتم وأخذ رغيفًا من الخبز. ثم عاد ليأخذ رغيفًا آخر من الباب الآخر. فقال له أخو حاتم: “ألم تأخذ خبزًا قبل قليل؟ لماذا تأخذ آخر؟” فأجاب: “كنت عندما أذهب إلى بيت حاتم كنت آخذ الخبز من أربعين بابًا، ولم يكن يقول لي شيئًا!”
قالت أم حاتم لأخيه: “أنت لا تستطيع أن تكون مثل حاتم، لأنكما توأمان. عندما كنت تريد الرضاعة، كنت تأخذ ثدي أخيك بينما كان يعطيك الثدي الذي كان في يده”.
الخط المستمر في علم التصوف هو التسامح والتنازل وليس الذكاء المادي. يقول القرآن الكريم عن أهمية التسامح والإيثار: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)[27]. الشخص الذي يسير في طريق المعرفة والتصوف هو الذي يضع نفسه في صعوبة ويتنازل عما يحتاج إليه. هذه التضحية تتطلب من الإنسان أن يتنازل عن نفسه.
السالك عندما يتنازل عن ذاته، فإن الله تعالى يفيض عليه من الخير والبركات، دون أن يظهر أثر ذلك للآخرين.
الله لا يولي اهتمامًا للإنسان الذي يطمع أو يطلب شيئًا لذاته، ولكن عطاء الله للسالِك مرتبط بتنازله. التنازل عن الذات هو جسر التواصل بين السالك وبين الله، وهو سر الوصول إلى الله.
الذين يتلقون رعاية خاصة من الله هم أولئك الذين كتبوا اسمهم في مدرسة التسامح. إبراهيم عليه السلام، في سن الشيخوخة، جاء بابنه إسماعيل إلى مذبحة الفداء، فرفع السكين على عنقه. ولكن سيد الشهداء ضحى بكل أولاده في سبيل الله، وفي هذا الطريق صرخ قائلاً: “يا سيوف، احفظوني!”.
التسامح يمكن أن يمنح السالك الهمة والدولة بحيث لا يُحكم عليه من قبل أحد. لا توجد قصة تاريخية عن نبي تم الحكم عليه بالرغم من أن أهل الباطل لم يكونوا عاطلين، فقد كان لديهم سحرة محترفون، مثل فرعون.
السالك يجب أن يرى إلى أي مدى يمتلك من الهمة، وكم مرة يمكنه أن يكسّر قلبه الجاف ويجعلها تصبح مسحوقة وتفقد وجودها.
في علم التصوف، الأهم هو أن يرتقي الإنسان فوق ذاته، وعندها لن يهتم لما يعطيه الله، لأنه يعرف أن المال ليس له. أولياء الله لا يسعون وراء المناصب والمقام، وكل نبي كان له مقامه الذي ينبغي أن يتعلمه الإنسان من الكتاب المقدس، لكنهم لم يسعوا وراء هذه المناصب. كما قال الإمام علي عليه السلام: “أنا عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله”.
السالك هو من يطمح ويتنازل عن ذاته، وعندما يتنازل عن نفسه، يرسل الله له النعم التي تجلب له الخير والبركات. أولياء المعصومين عاشوا أصعب الابتلاءات في هذه الدنيا، وقد تنازلوا عن كل شيء.
التسامح، كما يبدو، ليس محدودًا في مجال معين، بل يمتد ليشمل كل شيء، حتى العرض. كما قال لوط عليه السلام: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)[28]. إيثار المعصومين عليه السلام كان لا يمكن وصفه، وأجمل تجلياته يمكن رؤيتها في الإمام حسين عليه السلام.
الأصل ( )
الأنس بالله تعالى في ضوء الثقة
السلوك ليس إلا للوصول إلى الأنس بالله تعالى. والأنس هو ثمرة المعرفة واليقين وفاعليتها. الأنس بالله تعالى لا يتحقق إلا عندما يكون السالك قد وثق بالله تعالى وانصرف عن غيره. من يصل إلى الأنس بالله يجد صفاء في باطنه. إن وعاء قلب السالك النقي لا يحتوي على شيء سوى الله، ولا يتعلق قلبه إلا به. مثل هذا الشخص صافٍ من غير الله، وتزدهر حياته ويشعر بميل القلب إلى الحق. أما الحديث عن هذه المنازل فليس إلا كلامًا سطحيًا، وإن تحصيلها أمر شاق وفعّال.
الثقة بالله تعالى تتفاوت مراتبها، وأدنى مراتبها هي ضمان الرزق. من يقول: “إذا انصهرت الأرض وسقطت السماء، ولم تنبت نباتات من الأرض، ولم تنزل الأمطار من السماء، فإن الله سيرزقني”، ولا يشعر بقلق حقيقي، فإن ثقته بالله تعالى في حدود الجسد، وهذه الثقة موجودة حتى لدى الحيوانات. لكن هذا القول لا يناسب إنسانًا يمتلك الطمأنينة بين لقمة وأخرى، يضعف بها وينتفع منها، وهي لا تتناسب مع تكوينه، بل قد تكون سماعة لفقدان النشاط أو تقاعسًا.
الثقة بالله تعالى والتوكل عليه لا يتنافيان مع بذل الجهد والسعي، فلا ينبغي للإنسان أن يترك عمله بحجة التوكل. من هنا، اتخذ الدراويش الثياب الطويلة لأنها تشير إلى انقطاعهم عن العمل، حيث أن الثياب الطويلة تتناسب مع الشخص العاطل عن العمل.
الثقة بالله تعالى لا تعني الانقطاع عن الخلق أو الانعزال عن الناس، بل يمكن للسالك أن يظل في أنسه مع الله في خلوته، وفي ذات الوقت يحافظ على علاقة طيبة مع عباد الله.
شكل صفاء القلب هو الثقة بالله تعالى. إن صفاء الباطن هو أهم مصدر للطاقة في سلوك السالك وفي اجتيازه للمنازل والمقامات. صفاء الباطن ينشأ من الثقة بالله والانصراف عن غيره. إذا وصل السالك إلى صفاء الباطن، فلا شيء سوى الله في قلبه، ويبقى قلبه قاحلًا تجاه غيره. في هذه المرتبة، لا يحب السالك إلا لله، ولا يسعى إلا لله، ولا يأنس إلا بالله تعالى.
صفاء الباطن ينقسم إلى نوعين: النزولي والصعودي. الصفاء النزولي هو خاص بالأحباء الذين قلبهم مفعم بالصفاء الإلهي الذي لا يمكن تحصيله من خلال اكتساب، بل هو منحة إلهية. في بعض الظواهر غير الإنسانية، يمكن أن يوجد الصفاء النزولي مثل العقيق، الفيروز، الزبرجد والياقوت.
أما الصفاء الصعودي، فهو خاص بمحبي السالكين. في بعض الصخور مثل الصخور التي يتم تكريرها للحصول على الرخام، يوجد هذا النوع من الصفاء.
فيما يتعلق بما إذا كان صاحب المعرفة من السالكين المحبين أو من المحبوبين الذين لديهم صفاء باطن نزولي، يجب اختبار ذلك، وهو ما يساعد السالك في تحديد مرشده.
على أي حال، من لا يمتلك الأنس بالله تعالى وصفاء الباطن، فإنه لا يمتلك سلوكًا حقيقيًا. وقد كانت أسواق الخيال، والتوهم، وكذلك الادعاءات الكاذبة، التي تروج من خلال الزهو بالنفس، والابتذال في ممارسة المظاهر، دائمًا متوهجة. على السالك أن يكون صاحب قلب صافٍ، بينما الشخص الذي يحمل في قلبه أسواق الدنيا يكون ملوثًا بالزمان ولا يمكنه أن يكون سالكًا.
الثقة بالله تعالى والأنس به تعزز بالذكر والمتابعة بإشارات المرشد، وليس بمجرد التعلق بالمسبحة أو القيام بالذكر في كل مكان. يجب على السالك أن يهتم بترتيب خلقه، ويؤدي حقوق الناس تمامًا، ويبتعد عن غير الله ويزيل التفرقة في قلبه. عندئذٍ يمكنه الوصول إلى الثقة التي هي نتيجة صفاء الباطن. تنظيف القلب وتطهيره يتطلب التخلص من الكبرياء، والمادية، والغيرية، والملوثات، للوصول إلى الوحدة والتوحد بالذكر، رغم أن الوصول إلى هذا الأفق ليس سهلاً. ومع ذلك، رؤية غير الله لا تعني إهمال الخلق، لأن أداء حقوق الناس يتطلب رؤيتهم.
من الصعب على السالك أن يوجه كرة القدم التي يمررها إلى أرض الله ويدعها في بيت الله فقط. ولكن إذا فعل ذلك، فإن صفاء باطنه يتجلى وينمو.
الأصل ( )
دمار وفناء السالك
شعار المعرفة هو: “مدينة واحدة مزدهرة تكفي، وهي الله تعالى”. السالك هو من يسعى لإنكار كل نوع من الكمال في نفسه. هو يريد أن يفقد كل شيء من نفسه ومن ذاته، وميزة المعرفة تكمن في هذا المعنى. العاملون في كل مهنة وفن والباحثون في كل علم يسعون للبناء والتملك والتفاخر، ولكن المعرفة تطلب دمار السالك ولا تعترف إلا بمدينة واحدة مزدهرة، وهي الله تعالى، ولا يكتفي العارف إلا بذلك. لهذا السبب يسمى العارف بـ “الخرباتي”. السالك يصبح خرباتي عندما يثق الله به، وعندما يسلم الله علمه إليه، لا يأخذ منه شيئًا لنفسه! حتى لو فرضنا، على سبيل المحال، أن الله منح جميع صفاته له، فإنه لا يطمع أو يمد يده نحوها. الذين يسعون في المعرفة من أجل الشفاء هم عارفون ضعفاء وقليلون، ولم يتمكنوا من الوصول إلى الغاية.
افترض أنك تمتلك عدة كتب ثمينة جدًا. إذا تم إيداع هذه الكتب عند صائغ، فإنه لن يلمسها حتى، وسيعيدها إليك بأمان لأن هذه الكتب لا تعني له شيئًا، لذلك لا توجد لديه دافع لقراءتها. ولكن إذا سلمت نفس الكتب إلى شخص محب للقراءة ليحفظها، فإنه بالتأكيد سيطالعها. لذلك، لا يمكن الوثوق به.
الله يختار أولياءه هكذا. الأنبياء كانوا رعاة، مثل الصائغ الذي لا يطمع في الكتب الثمينة، فهم لم يكن لهم أي عمل إلا العبادة.
الأصل ( )
ترك الطمع
هذا الأصل هو أساس المعرفة، ودونه لا تكون المعرفة معرفة. لقد تحدثنا سابقًا عن ترك الأنانية. هذا الأصل موجه إلى السالكين المبتدئين، بينما يتناول هذا الأصل في مراحله المتقدمة ترك الطمع، وهو أوسع من ترك أنواع الأنانية وله دقة كبيرة.
المعرفة لا تسير إلا في منزل واحد وهو “ترك الطمع”. الطمع هو أصل الفساد والمساوئ في الإنسان، وهو مرض خطير وكائن خبيث في قلب السالك يجب أن يتم إخراجه من قلبه بالجراحة الدقيقة.
“ترك الطمع” هو أساس المعرفة للمحبين، وهو المنزل الوحيد الذي يحتوي على ثلاث درجات: “ترك الطمع من الخلق”، “ترك الطمع من النفس”، و”ترك الطمع من الله”.
أول خطأ وقع فيه آدم عليه السلام كان بسبب الطمع. عندما كان في الجنة، أراد أن يساوي نفسه مع المقامات العالية، فوقع في العقاب وهبط إلى الأرض.
لكن المنازل الثلاثة لهذا الطريق هي كما يلي:
أول منزل هو “ترك الطمع من الخلق”. الإنكار للطمع من الآخرين يعني أن عليك أن تحب كل مخلوق سواء كان قريبًا أو بعيدًا، سواء كان صديقًا أو عدوًا، سواء كان زوجًا أو ابنًا أو صديقًا أو غريبًا، وألا تكن لديك أي مشاعر كره تجاهه بل أن تحبهم وتضحي من أجلهم.
بسم الله الرحمن الرحیم
المرتبة الثانية هي نفي الطمع عن النفس. هذه المرتبة تدعو السالك إلى عدم تشديد التمرين على نفسه والاعتقاد بأنّ رياضاته هي السبيل للوصل إلى أهل الجنة والمعرفة. إنّ قسوة التعامل مع النفس بهدف الحصول على الجنة أو المعرفة تشبه ذلك الشخص الذي يضغط على ابنه ليجمع المال له. يجب على السالك أن يتبع الرياضة الروحية، ولكن دون أن يضع غاية أو هدف مادي وراءها، ولا أن يطلب من خلالها مكاسب دنيوية، بل عليه أن يعمل من باب الحب والتفاني لا من أجل الفوائد الجانبية. الشخص الذي يسعى إلى العلم لأجل الحب يجب أن يكون خاليًا من التطلع لمكافآت أخرى. يجب أن يتعلم كما يتعلم الطفل الذي يتغذى من ثدي أمه ليكبر ويتطور، لا كما يمتص مصاص الدماء الدماء من الآخرين دون فائدة. الأشخاص الذين يتحلون بهذه الصفات لا يفكرون في الطمع والكبر. من يطلب العلم للحب وطلب المعرفة يصبح متواضعًا، محبًا، متسامحًا.
المرتبة الثالثة هي نفي الطمع عن الحق. الاقتراب من هذه المرتبة هو أمر صعب للغاية، ويترتب عليه عبودية فاخرة! الإنسان الذي ينفي الطمع عن ربه يقول: “يا الله، إن أردت أن تختبرني، فاختبرني، وإن أردت أن تضعني في البلاء، فافعلي، وإن أردت أن تأخذني إلى الجحيم، فافعل، لكن لن أظهر لك أي نوع من الطمع سوى حبك!” تلك المرتبة هي التي يصل إليها الشخص الذي يعبد الله دون أن يكون له طمع في الجنة، وإذا وُضع في قلب الجحيم، لن يتغير حبه لله، بل سيظل يسبح لله. كيف يمكن للبشر أن يعبدوا الله دون أن يتوقعوا مكاسب؟ في هذه المرتبة لا يسعى الإنسان للطمع في الدنيا أو في الآخرة، بل يعبد الله كما هو، بلا غاية أو رغبة في شيء آخر.
إن نفي الطمع هو أساس روحاني، وكلما زال الطمع من قلب الإنسان، يتم تحطيم كل القيود المادية والدنيوية، ويصبح عمله خالصًا لله. لا شك أن الناس على مر العصور كانوا يقدرون الأنبياء لأنهم عملوا في سبيل الله ولم يطلبوا شيئًا لأنفسهم. العارف لا يريد أن يكون عارفًا، ولا أن يصبح شيئًا آخر. هو يسعى لأن يكون إنسانًا لا يريد أن يصبح شيئًا، وهكذا يصبح مظهرًا لله الذي لا يريد أن يصبح شيئًا.
المشكلة أن الناس اليوم أصبحوا مشغولين بحساباتهم المادية وروابطهم التجارية، ولم يعودوا يصدقون في الأعمال الخالية من الطمع. ولكن العارف يعرف أن العمل هو لأجل الله وليس من أجل مصلحة شخصية.
البقية على نفس الوتيرة، وها هي الترجمة المتبقية:
إنّ الشخص الذي يطمح إلى تقديم الخير للآخرين من دون أن ينتظر جزاءً أو منّة، هو الذي يحقق الكمال. ذلك الشخص الذي قد يضحي بكل شيء من أجل الآخرين، حتى لو كان الثمن هو خسارته الخاصة، فإنه يحقق معنى الكمال. هذه الفكرة قد تكون بعيدة عن تفكير الكثيرين اليوم. فنحن في عصرٍ تسيطر فيه الأنانية والطمع على معظم الناس، بحيث أصبح من الغريب أن يتوقع المرء المساعدة من دون مصلحة شخصية.
أذكر عندما كنت صغيرًا، كان لدينا جيران فقراء في حيّنا، رغم أن وضعنا الاقتصادي كان أفضل من وضعهم، لكنني كنت أحرص على مساعدتهم قدر استطاعتي. كنت أقدم لهم الطعام، وأدفع عنهم فواتير الكهرباء والماء أحيانًا، ولكنني كنت أفعل ذلك بطريقة تجعلهم لا يشعرون أنني أساعدهم لأنهم فقراء. كنت أريد أن يشعروا بأنني أقوم بذلك عن حب، وليس من باب الشفقة أو الشعور بالتفوق. مع مرور الوقت، أصبحوا يدركون أنني أفعل ذلك عن حب، لكنهم كانوا يعتقدون بأنني “ساذج” أو “طائع” (كما قالوا لي).
هذه التجربة علمتني درسًا مهمًا؛ فحتى في هذا الزمن الذي يُعتبر فيه العطاء شيئًا نادرًا، هناك من يتوقع من الشخص الذي يساعد الآخرين أن يكون له مصلحة أو هدف وراء مساعدته، بل إنهم قد يعتبرون العطاء من دون مقابل نوعًا من السذاجة. وهذا أمر محزن، لأنه يعكس تراجعًا في قيم التعاون والمساعدة النابعة من القلب. إن الأفراد الذين يتصرفون من دون طمع في الدنيا أو في الآخرة هم الذين يحافظون على روح المحبة الحقيقية والعطاء.
الأنبياء وأولياء الله كانوا يرفضون الطمع في أي شكل من الأشكال، وكانوا يعملون فقط لوجه الله، دون أن يسعى أحد منهم لتحقيق مكانة أو منفعة شخصية. إنهم لم يعملوا لأجل مكافآت دنيوية أو معنوية. هذا هو سر عظمتهم، فهم لم يعتبروا أعمالهم وسيلة للحصول على شيء، بل كانوا يعتقدون أن “أجرهم لا يكون إلا على الله”. هذا المفهوم يجب أن يسود في حياة كل شخص يسعى للسير على درب الأنبياء والمجتهدين في سبيل الله.
الطمع هو سبب كل فساد، والإنسان يجب أن يعمل على تطهير نفسه من هذا الشعور. عندما يتخلص المرء من الطمع، فإنه يحقق السعادة الحقيقية ويعيش حياة مليئة بالتوازن الداخلي والخارجي. فحتى إذا عانى في حياته، فإنه يعلم أن كل شيء مقدر له من قبل الله، وأنه ليس بحاجة إلى شيء من غيره سوى رضا الله.
الحديث عن الطمع يجعلنا نتذكر القول المشهور: “أكثر أهل الجنة البله”. هؤلاء الناس البسطاء في نظر الآخرين، الذين لا يسعون وراء مصالح شخصية، هم الذين سيجدون مكانهم في الجنة، لأنهم عملوا من أجل الآخرين وقدموا كل ما في وسعهم لإفادة البشرية دون أي تردد أو انتظار للثواب. إنهم يعيشون في عالم من النقاء والحب الخالص لله، وهذا ما يجعلهم مميزين في أعين الله.
عندما نراجع واقعنا اليوم، نجد أن معظم الناس غارقون في حسابات الربح والخسارة، سواء في عملهم أو حياتهم اليومية. يعتقدون أن كل شيء يجب أن يكون مقابل شيء ما. لكن هذا ليس هو الطريق الصحيح. الإنسان الذي يعبد الله في الحقيقة لا يسعى للحصول على جزاء، بل يسعى فقط لإرضاء الله واتباع الطريق الصحيح. إذا كانت نية الشخص خالصة لله، فلن يكون هناك مكان للطمع في قلبه. وإذا لم يكن هناك طمع، فإن الله سيفتح له أبواب البركات والخيرات من حيث لا يحتسب.
إن الإنسان الذي يتبع طريق الله، ويسير في درب العرفان، عليه أن يرفض الطمع والأنانية، لأنه بهذه الطريقة فقط سيصل إلى الكمال. فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”، ومن لا يعطي من دون أن ينتظر شيئًا في المقابل، فهو حقًا قد فهم معنى العطاء الحقيقي والصدق في العبادة.
مقامٌ أعلى من مقام الشاكرين
إنَّ المقام الذي يفوق مقام الشاكرين، الذين يسعون في تحصيلِ غايةٍ معينة بهدف الشكر، هو ذلك الذي يبلغه من يَصل إلى مقامِ نفيِ الطمع، فبذلك يتحقق معنى العرفان بالنسبة له، وحينئذٍ ينهال عليه الخيرات. فمثل هذا الشخص يشبه رائد الفضاء الذي يخرج من طبقة الجو الأرضي ويخطو على سطح القمر؛ فهؤلاء يحتاجون فقط إلى أن يخطو خطوةً واحدة ليقفزوا خمسة أمتار، دون الحاجة إلى أي أداة مساعدة. إنهم لا يضغطون على أنفسهم للحركة، بل فقط للوقوف. فإذا رفع شخصٌ قدمه عن الطمع، وصعد إلى ملكوت السماء، فإن جميع سكان الملكوت يحيطون به، وتنهال عليه الخيرات حتى يتعب، فيقول: “دعوني!” فهو لا يفارق مجالس الأنبياء والملائكة، فتستمر الرسالات الإلهية في محاصرته من كل جانب، فلا يتركه أحدٌ، ولا يمكنه أن ينال راحةً حتى في نومه؛ ذلك أن هؤلاء لا ينامون وهم يطاردونه، ولا يبالون بحالته الإنسانية في الدنيا، بل يلحون عليه.
النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يطلق على عائشة لقب “كُلْمِينيّ يا حُميراء”، وذلك لأنه كان يحتاج إلى وجودها في عالم الناسوت كي يبقى في هذا العالم، وإلا لكان غادر إلى الملكوت الأعلى. إذا كان النبي صلى الله عليه وآله، الذي هو قادر على جميع المخلوقات، بحاجة إلى دعمٍ من عائشة لكي يبقى في عالم الناسوت، فإن الحال بالنسبة للأولياء يصبح أكثر وضوحًا.
فقر السالك وارتباطه بالعرفان
السالك، الذي يسير في طريق العرفان، يجب أن يحدد أولاً مقامه، إما أن يصبح من أهل الطمع أو أن يتخلص من طمعه تمامًا، فتزول عنه كافة العوائق النفسية، ويعيش خاليًا من أي حاجة. عندما يتخلى الإنسان عن الطمع، يصبح مدلول “شرف المكان بالمكين” واقعًا له، حيث لا يهمه أي مكان يحل فيه، لأنه يكرم ذلك المكان. أما إذا كان لا يزال أسيرًا للطمع، فسيظل يحيا في شقاء، لا يعثر على راحة حتى في أبسط الأشياء.
الإنسان الذي يسعى نحو العرفان عليه أن يفرغ قلبه من جميع التعلقّات. من تجربتي الشخصية، أذكر أنني كنت في مرحلة الطفولة أتحمل عناء الحياة وأضحي بكل ما أملك، بل كنت حتى أهدي ملابسي لكل من احتاجها. الشخص الذي يعطي بصدق لن يصبح محتاجًا أبدًا، بينما الشخص الذي يبخل ويكتم ما لديه سيجد نفسه في النهاية خاليًا من كل شيء.
الطريق إلى الفقر في العرفان
الطريق إلى العرفان مليء بالتحديات والمصاعب، والسالك في هذا الطريق يواجه أنواعًا شتى من الابتلاءات، وأبسط تلك الابتلاءات هو الفقر. هذا الفقر ليس مجرد عدم وجود المال، بل هو فقر في القلب، ويجب أن يتخلى السالك عن كل شيء، حتى عن آخر ما يملك. في هذا المقام، يجب أن يكون السالك قد وصل إلى نقطة الصفر، حيث لا يملك شيئًا.
قيمة الفقر في سلوك السالك
الفقر الذي يقصده السالك ليس فقرًا نتيجة العجز أو الضعف، بل هو فقر إرادي، حيث يتخلى عن كل ما لديه من مالٍ أو متاع، ويعلم أن كل ما يملك هو من الله تعالى. هذا النوع من الفقر ليس فقرًا في الماديات فقط، بل هو فقر في النفس، حيث لا يتعلق القلب بالمال أو الجاه. والسالك الذي يصل إلى هذه المرحلة من الفقر لا يؤثر فيه ما يملك من مال، لأن قلبه خالي من كل تعلق به.
العمل والكسب في حياة السالك
الفقير العرفاني لا يتخلى عن العمل والكسب، بل يجب أن يكتسب من رزق الله بطرق مشروعة، ولكن مع عدم تعلق قلبه بما يملك. السالك يجب أن يكون قويًا في كسبه، لكنه لا يجب أن يتعلق بالدنيا أو يجعل المال هدفًا في حد ذاته. إذا تمكن السالك من تحقيق هذا التوازن بين العمل والتعلق بالله، يصبح من أهل العرفان.
تجربتي الشخصية في السعي وراء العرفان
منذ طفولتي، كنت أعمل وأكسب رزقي بيدي، وكانت الظروف تدفعني دائمًا إلى العطاء أكثر من الأخذ. على الرغم من أنني كنت أعيش في فقرٍ مادي، إلا أنني لم أشعر أبدًا بالندم أو الخوف من العوز، بل كنت دائمًا على يقين أن الله سيحفظني ويرزقني.
لم أكن أبداً متعلّقاً بمصاريف الدراسة الدينية، وقد كان لديّ دوماً رغبتان في قلبي: الأولى زيارة الإمام الحسين عليه السلام، التي حظيت بها مرتين بفضل الله، والأخرى هي الديون التي في ذمتي تجاه الإمام المهدي عليه السلام، التي لا أريد أن تكون بيني وبين صاحبها مسألة مالية، وأرجو أن يوفقني الله لسدادها يوماً ما.
يجب أن يكون السالك قوياً لا ضعيفاً، غنياً لا فقيراً. السالك الذي لا يستطيع تدبير نفقاته اليومية لا يمكنه الحفاظ على حريته، ويصبح مثل طائر الكناري في قفص ينتظر أن يطعمه الآخرون. السير نحو الله يناقض الحاجة، فالحاجة تؤدي إلى البؤس. السالك يجب أن يكون غنياً لأن الحاجة تجعل الإنسان ضعيفاً. من بين أساتذتي كان بعضهم من أعاظم العلماء، لكن الفقر حال دون أن يتمكنوا من نشر علمهم، ونتيجة لضغوط العلماء الظاهريين تم طردهم من قم وتفرقوا بين المدن. السالك يجب أن يكون لديه مصدر دخل مستمر، وألا ينشغل بتراكم المال أو متاع الدنيا.
السالك يجب أن يعتبر جميع ما يملكه من الله ويجب أن لا يكون في بحث عن ملكية أو شهادة ملكية لذلك، ويجب أن تكون توجهاته لله وحده، وأن يكون دليلاً على هذه الدعوى أن يكون مستعداً لتقبل فقدان جميع ممتلكاته دون أن يكون لديه أي تذمر أو اعتراض، معترفاً بأنها أمانة من الله. وإذا زادت ممتلكاته، فإنه يكون شاكراً لله على ذلك.
القاعدة:
التفاني
التفاني يعني عدم وجود تعلق أو قيد، فيكون السالك في هذه المرحلة مصداقاً لقول الله تعالى: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
التفاني يعني أن السالك يحب ما يُعطى له، ولا يلوم أحداً، ولا يكون في قلبه أي كره أو انزعاج من شيء. إذا أُعطي ماء ولبن أو لحم وكباب، فإنه لا يفضل أحداً على الآخر، بل يقبل بما هو أمامه ويكون شاكراً لله على ذلك، مهما كان نوعه. السالك في هذه المرحلة يكون قلبه مليئاً بالحب ولا يوجد فيه شيء من الهوى، وعندما يتخلص من الهوى، يجد في قلبه وقاراً إلهياً. السالك الذي يصل إلى هذا الحد من التفاني لا يكون لديه أي رغبة أو تفضيل لما يتم تقديمه له، سواء كان طعاماً أو مشروباً، فيسعى فقط لتحقيق الرضا من الله. السالك الذي يتفانى في الله لا ينزعج من تجاهل الآخرين له ولا يهتم لمكانته في المجتمع، إذ أن التفاني هو أن يرى نفسه في خدمة الله وحسب.
التفاني هو أن يتخلى السالك عن كل تعلق حتى لو كان بشأن طعام أو شراب، ويقبل الرزق الذي يقدّمه الله له دون اعتراض. بهذا الشكل، يصبح السالك في حالة رضاء مع ما يقدره الله له، وهو في نفس الوقت مدرك أنه يجب عليه أن يحافظ على شكر الله في كل حال.
الفقر
الفقر هنا لا يعني فقط الفقر المالي، بل هو فقر روحي وعاطفي، أن يفرغ القلب من جميع التعلقات الدنيوية. فالسالك يجب أن يمر بتجربة الفقر حتى يزيل كل ما يمكن أن يعلق به قلبه من الدنيا. الفقر يساعد السالك في الوصول إلى مرحلة التفاني، حيث يبدأ في رؤية الأشياء بتوازن وبدون تفضيل.
إنَّ السالك الذي يمر بهذه المراحل تدريجياً وبتدريب مستمر، يصل في النهاية إلى مرحلة ينفصل فيها عن كل شيء، حيث تكون حياته مليئة بالعبودية الخالصة لله، وهذه هي المرحلة التي يحقق فيها الهدف الأسمى من سلوكه الروحي.
المراحل المتقدمة في السلوك
بمجرد أن يصل السالك إلى هذه المرحلة، يجد نفسه في حالة من الهدوء الروحي والاطمئنان التام، حيث تكون كل أعماله موجهة نحو الله. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن السالك ينعزل عن الناس، بل يظل يعيش حياته مع الآخرين بشكل عادي، مع الحفاظ على شعور قوي بالانضباط الروحي. فهو يوازن بين حياته الظاهرة وحياته الباطنة بطريقة لا تؤثر إحداهما على الأخرى.
الأسس الأخلاقية في السلوك الروحي
1. النظرة إلى الأذى من الآخرين
عندما يتعرض الإنسان للأذى من قبل الآخرين، يجب أن يكون لديه رؤية روحية ورحيمة. يجب أن ينظر السالك إلى الآخرين بعين المحبة والتسامح، ويعتبر الأذى الذي يصيبه منهم وسيلة لتطهير نفسه من الرجس والآثام. ينبغي أن يكون التسامح والتجاوز عن الآخرين من دون انتظار أي تعويض أو مكافأة. إن الأشخاص الذين يسيئون إلى الإنسان هم في الواقع أدوات للنمو الروحي، بشرط أن يكون لدى السالك قلب طاهر خالي من الضغائن.
2. المحبة مع الأسرة
في السلوك الروحي، تلعب الأسرة دورًا أساسيًا ومهمًا. يجب على السالك أن يُظهر أخلاقًا حميدة ومهذبة داخل منزله مع أفراد أسرته، خاصة مع الزوجة والأبناء. إذا لم يستطع الفرد بناء علاقات قائمة على المحبة في أسرته، فلن يستطيع التقدم في سلوكه الروحي. العلاقة الطيبة والرفق بالأسرة يُعتبران أولى خطوات السلوك الروحي، ومفتاح نجاح السالك في مسيرته نحو القرب من الله.
3. الإبتعاد عن الأفكار الخاطئة والتحريفات
السلوك الروحي هو أمر عظيم، يجب أن يكون السالك على يقين من عظمته. هذا الطريق يفتح نوافذ إلى الغيب ويؤثر في السالك في فترة طويلة، بحيث ينطلق من أعماق قلبه من دون إدراك لما يمر به. يجب على السالك أن يتخلص من الأفكار الخاطئة والتحريفات التي لا تتوافق مع الحقيقة أو الأحكام الدينية الصحيحة. كل فكرة أو حكم مغلوط يحول بين السالك ودخول عوالم الغيب، ويجعله في حالة انشغال مستمر بتساؤلات ليس لها معنى. لذا فإن السالك يجب أن يتخلص من كل هذه الأفكار ليتمكن من السير في طريقه الروحي.
4. التحلي بالصبر والتحمل
في السلوك الروحي، يجب أن يتحلى السالك بالصبر والقدرة على التحمل. إذا مارس السالك عملاً روحيًا معينًا لفترة ولم يشعر بأي تأثير، فلا يجب أن ييأس أو يشعر بالإحباط. يجب عليه أن يواصل البحث عن السبب والعلاج الحقيقي لمشكلاته. السير في طريق الروح لا يتناسب مع التذمر أو التطلع للنتائج السريعة. يجب أن يقوم السالك بواجبه ويثق في إرادة الله في ما يحدث.
5. الحفاظ على الواجبات المهنية
يجب على السالك أن يظل ملتزمًا بواجباته المهنية وعدم التأثير عليها بسعيه وراء السلوك الروحي. السلوك الروحي هو سعي في جوهر الشريعة، ويجب على الشخص الذي يسلك هذا الطريق أن لا يهمل واجباته الدينية أو المهنية. خاصة في مجال العلم والدراسة، يجب على الطالب الذي يدخل الحوزة أو يسلك الطريق العلمي أن يضع تحصيل العلم والبحث العلمي في الأولوية. لا يجوز أن يتم خلط السلوك الروحي مع الواجبات اليومية، ويجب أن يكون كل منهما مكملًا للآخر.
6. الطهارة والنظافة الشخصية
من الأسس الأساسية للسلوك الروحي، الحفاظ على النظافة والطهارة الجسدية. لا يمكن للسالك أن يحقق صفاء النفس والروح إذا لم يعتنِ بجسمه ونظافته الشخصية. إن الاستحمام والاعتناء بالصحة البدنية يساعدان في الحفاظ على روح نقيّة، ويُعتبران من الأسس المهمة في تحسين حالة السالك الروحية. بالطبع، يجب أن يتم ذلك بدون الوقوع في الوسواس، لأن الوسواس في النظافة يمكن أن يُضر بالروح ويُعطّل المسار الروحي.
7. الرياضة واللياقة البدنية
من الضروري أن يمتلك السالك جسمًا صحيًا ومرنًا، لأن الجسم هو الأداة التي تساعد العقل والروح في ممارسة الطقوس الروحية. ممارسة الرياضة والأنشطة البدنية تساعد في الحفاظ على صحة الجسم، مما يساهم في تقوية العقل وزيادة القدرة على الفهم والتعلم. إن وجود جسم صحي يُعد ضرورة أساسية لممارسة السلوك الروحي بنجاح، حيث أن الجسم السليم يُساعد العقل في استيعاب المعارف الروحية بشكل أفضل.
الجسد السليم الذي يمكنه أن يحمل القرآن الكريم على صدره ويأخذ العلم من عقله.
من أولى شروط السلوك أن يمتلك الشخص جسداً متوازناً، سواء في الكمية والطول والعرض، أو في الجودة والمرونة. جسدٌ ليس فيه زيادة أو نقص أو عيب عضوي.
يجب اعتبار الرياضة مادةً لصحة الجسد. وقد استفاد العرفاء الكبار من الرياضة، لدرجة أن بعضهم كان يعمل في مهن تتطلب نشاطاً بدنياً مستمراً.
ومن المهم أن نلاحظ أنه قد كان لدينا عرفاءٌ متقوقعون لا يطردون حتى الذبابة عن أنفسهم خشية أن تتأذى، وكانوا يمتلكون أجساماً ضعيفة وغير متوازنة وجافة. مثل هؤلاء العرفاء الذين لا يمتلكون قدرة جسدية نعتبرهم ناقصين، ولا نرى فرقاً بينهم وبين بعض الهندوس الذين قد يستخدمون النجاسات أو الخمور أو أشياء أخرى لتقوية أجسامهم. العارف الكامل هو الذي، مثل أولياء الله، لا يعاني من الكسل أو الضعف، ويستطيع أن يمسك السيف، ويخوض المعركة، ويقيم العدل، ويعطف في مكانه ويحب في مكانه.
من الطبيعي أن الشخص الذي لا يستطيع ممارسة الرياضة في الشيخوخة لن يكون لديه هذا الروح النشط.
السالك، من خلال الرياضة، يتخلص من الدهون والشوائب في جسده، ويحوله إلى طاقة، حتى يصبح نفسه أخف وتتمكن روحه من الطيران.
وبالطبع، فإن النصيحة بممارسة الرياضة لا تعني أن تكون الرياضة دائماً جزءاً من الحياة اليومية، إذ أن الرياضيين المحترفين عادة ما تكون أرواحهم خاملة وغير نشطة، ولكن عدم ممارسة الرياضة أيضاً يؤثر سلباً على فعالية روح السالك، تماماً كما أن الفلسفة لا يتم فهمها دون العرفان النظري.
السرية: المبدأ الأول في السلوك
يجب على السالك من البداية أن يتدرب على “السرية” ويجعل “إخفاء الأعمال الروحية” مبدأ أساسياً في سلوكه. عليه أن لا يخبر أحداً بما يختبره من مشقات، أو مشاكل، أو بلاءات، أو نفحات إلهية. حتى عند جلوسه مع عائلته، يجب أن يظهر وكأنما لم يتذوق من المعرفة أو العرفان. العائلة هي الأقرب إليه، لكنها في السلوك تعتبر الأبعد، ويجب عليه أن يعيش مع عائلته حياةً عادية، بحيث لا يدرك أحد منهم أنه من سالكي المعرفة.
لا يجب أن يعرض السالك لتعاليمه أو ممارساته الروحية في حضور زوجته أو أولاده، بل يجب أن تكون رياضاته وممارساته مخفية، بحيث يظهر أمامهم وكأنه شخص عادي. حتى إذا كان السالك يعيش مع زوجته وأطفاله، يجب أن يكون طعامه معتدلاً، ولا ينبغي أن يزعجهم بتقشفه المفرط، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تزعزع قلوبهم.
يجب أن يُمارس السلوك في الخلوة والسكوت، بعيدا عن أنظار العائلة والناس.
الشَكّ: مبدأ الشك
كما ذكرنا في مبدأ السرية، يجب على السالك أن يتصرف بطريقة لا يدرك فيها الآخرون أنه سائر في طريق المعرفة، إلا أن مبدأً آخر هام يتعلق هنا، وهو “إثارة الشك”. يجب أن يعيش السالك بين الناس بحالة من الشك، بحيث لا يثق به أحد بشكل كامل، بل يجب أن يثير الشك فيهم.
إثارة الشك في الآخرين ليس تهمة أو اتهام لهم، بل هو وسيلة تضمن للسالك السلامة في طريقه الروحي. فالشك يتيح له الحماية من الوقوع في فخاخ المتطفلين أو أصحاب النوايا السيئة.
التألم: المبدأ الثاني في السلوك
من أسباب اهتمام الله بالسالكين هي البلايا والمشقات التي يواجهونها. إذا لم يعان الشخص في حياته من بلاء يطهّر قلبه ويصهره، فيمكن القول إنه قد وقع في خدعة إلهية. البلايا والمشاكل هي التي تزيل تعلقه بالدنيا وتقربه إلى الملكوت.
يجب أن يتعلم السالك أن يرى في البلاء رحمة من الله، وأن يتعامل معها بروح من الشكر والتسليم. الألم ليس فقط جسدياً، بل يمكن أن يكون أيضاً روحياً وعاطفياً، ويجب أن يتحمل السالك ذلك كجزء من تطهيره الروحي.
السالك الذي لا يشعر بالألم الحقيقي لن يستطيع تحقيق السمو الروحي، فالذكر والتأمل لا يكونان فعالين إلا في قلب ممتلئ بالآلام والطهارة. ينبغي على السالك أن يبتعد عن لذات الحياة الدنيا، مثل الطعام الشهي أو الترفيه المفرط، ويعيش حياة أكثر تواضعاً وابتعاداً عن الملذات.
إلهٌ لا يُوجَدُ في قلوب الناس إلا من خلال الألم
الإله الذي يسعى إليه السالك لا يمكنه أن يستقر في قلب الإنسان دون ألم. هذا الإله هو إله المصداق، وليس إله المفهوم الذي يتعامل معه العلماء، والذي لا يؤثر في قلبهم أو حياتهم. إله السالك هو ذلك الألم الذي لا يمكن أن يفارق وجوده. إذا كان الإله الذي نعرفه لا يسبب لنا ألمًا أو ضغطًا على روحنا، فإن السبب في ذلك هو أنه إله علمي، إله نظري، ليس له تأثير حقيقي في القلب ولا يلامس عمق الوجود الإنساني. إنه إله عام، مجرد من أي تأثير في الواقع، لا يتعدى كونه مادة تعليمية أو زخرفة في الزي الديني. بعض الناس يكتسبون هذا الإله منذ الطفولة، وآخرون يظنون أنهم وجدوه بسبب التلقين العقلي، وبعضهم يصلون إليه عبر الآلام الداخلية والعاطفية، في حين أن آخرين يصلون إليه عن طريق العلم، متبعين طرقًا أكاديمية بحتة.
الشخص الذي يمتلك إلهًا حقيقيًا في قلبه لا يستطيع بسهولة أن يكذب أو يُظهِر تسلطًا على الآخرين. هو ليس محتالًا ولا يُقدِر السياسة والمكر الذي يتناسب مع الشرك. التصوف يعتمد على العجز، وله لحنٌ خاص بنشوة العدم. العارف لا يرى نفسه شيئًا يتوجب عليه التفاخر أو السعي وراء كرامات دنيوية، بل هو دائمًا مستعد للتخلي عن كل شيء، مستمر في استعداد للخسارة. أكثر العارفين قيمة هو الذي يتحمل أقسى أنواع الألم والمحنة، ومع كل خسارة يقترب أكثر من الله، حتى يصل إلى مرحلة من العري الروحي يصبح فيها تجسيدًا لله نفسه. العارف لا يسعى لتصفية نفسه أو البحث عن الكمال؛ بل هو فقط يريد أن يفرغ ذاته، أن يكون بلا شيء. الشخص الذي يسعى للوصول إلى معرفة أو ثروة علمية أو معرفية أو مادية بواسطة الحيل والخدع ليس من أهل السلوك الحقيقي.
الرياضة
السلوك الروحي لا يمكن أن يتم بدون الرياضة. الألم والفقر والشوق والفقدان والغربة والعزلة هي عناصر لا مفر منها في هذا الطريق. الناس العاديون هم مثل الطيور في الأقفاص، لا يعرفون إلا السير على الأسطح الزجاجية المبلطة والعيش في الراحة والدعة، وينشغلون بالاهتمامات الدنيوية أو على الأقل الأخروية، لكنهم لا يحققون التوحيد أو العزلة التي ترفعهم إلى مراتب عليا. التوجيهات التي نتحدث عنها في السلوك مع أهل العلم لا تؤثر فيهم، وإذا قيلت لهؤلاء الذين يسلكون الطريق بجدية، فإنها تدهشهم. على سبيل المثال، كان همّام من أهل هذا الطريق، وكان يعلم ماذا كان يقوله الإمام علي عليه السلام له حتى فارق الحياة. عندما أشرح هذا الدرس لأهل العلم، لا أستخدم سوى جزء ضئيل من ذاكرتي وقدرتي على التحليل، بينما معظم طاقتي تذهب إلى اختبار الحاضرين، وأرى أن درس “المعرفة الروحية” لا يؤدي إلى أي نتيجة مع العلمانيين، ولا يحرك فيهم أي شيء.
الرياضة الروحية والعزلة عن الدنيا
السالك يجب أن يكون قادرًا على أن يبتعد عن كل ما هو علمي ويدعيه من فضل وكرامة، وأن يعتبر هذه الادعاءات شركًا ونجسًا. الرياضة لا يمكن أن تكون بمعزل عن الألم، ولا يمكن الوصول إلى السلوك بدون الانخراط في المعاناة والتحديات. هناك من يعتبر أن السعي نحو العلم أو السعي وراء المتع الدنيوية يمكن أن يعين على سلوك الطريق الروحي، لكن هذا ليس صحيحًا، لأن السلوك الروحي يتطلب مرشدًا حكيمًا يوجه السالك، وإلا فإن محاولاته ستكون بلا فائدة.
الرياضة الروحية: أسس وفوائد
الرياضة الروحية هي التدريب الذي يضع النفس في ضغوطات وقيدٍ شديد، لكن يجب أن يكون هذا الضغط معتدلًا؛ لأن المبالغة فيه يمكن أن تؤدي إلى تدمير الروح. السالك يجب أن يتعلم كيف يواجه الألم والفقدان والحزن. وهذا ليس مجرد عناء عقلي أو جسدي، بل هو اختبار للأعماق الروحية.
عندما يتم الانفصال عن متع الحياة العادية، يكون السالك في حالة اختبار دائم. وإذا لم يكن لديه مرشد حكيم، قد يسير في طريق خطر يؤدي إلى قساوة القلب، بل إلى التخلي عن القيم الروحية والتعالي على الآخرين. لذلك، من الضروري أن يكون السالك في رعاية مرشد روحاني، لكي يوجهه إلى الطريق الصحيح دون أن يؤدي ذلك إلى التشويش أو التدهور الروحي.
خاتمة: الرياضة الروحية والظروف الدنيوية
الرياضة الروحية لا تعني ببساطة العزلة عن العالم أو التوبة الشكلية. يجب أن تكون معتمدًا على رعاية مرشد روحي يستطيع أن يهذبك ويوجهك. الرياضة الروحية هي عملية دقيقة تتطلب إشرافًا دائمًا، ويجب أن تبقى موجهة نحو إرضاء الله، لا نحو المتع الدنيوية أو الأنانية النفسية.
الرياضة في الإسلام، بين العبادة، المناجاة والأحكام التكليفية
تعد الرياضة في الإسلام جزءاً من العبادة والمناجاة والأحكام التكليفية، حيث يعكف الإسلام على إرساء موازنة متكاملة لها. فالأحكام التكليفية تشمل جوانب الحياة المادية، ومنها ما يتعلق بالمال مثل النذر، الوقف، الزكاة، الخمس، الإنفاق، والإيثار، وغيرها من المصطلحات التي تدخل في نطاق الرياضة المالية، وهي نوع من التفريط في المال وفصل الثروات عن الذات. هذه الأحكام تعلم السالك أو المسلم “التضحية” التي تمثل إحدى أعلى درجات الترقي ووسيلة للطيران الروحي.
الرياضة والتوازن في الإسلام
لا يقبل الإسلام كل أنواع الرياضة بل يحددها بشكل دقيق. فالرياضة في مفهومها قد تكون نوعاً من إيذاء النفس، وهي ما يحرمه الإسلام في كثير من أشكالها، ولا يسمح إلا بما يتفق مع الأحكام الشرعية. على سبيل المثال، يُعتبر الصوم إحدى أشكال الرياضة الدينية، لكنه غير واجب لبعض المرضى وكبار السن نظراً لتأثيره الضار على صحتهم. بخلاف الصلاة التي تكون واجبة حتى للمرضى والعجائز، ما عدا النساء في فترة الحيض، حيث تم أخذ راحتهم بعين الاعتبار في هذه الحالة.
مثال حي على الرياضة الروحية
تجربتي الشخصية في رياضة الصوم بدأت منذ أن أتيت إلى قم ورأيت جدي الشهيد آية الله مفتح وهو يصوم طوال العام باستثناء الأيام التي يمنع فيها الصيام. كان له لحية بيضاء وعمامة كبيرة، وكان يجلس بجانب آية الله مرعشي النجفي. في بعض الأحيان كان الناس يأتون إليه في الحرم فيقبلون يده، لأن وجهه كان أكثر إشراقًا من آية الله مرعشي نفسه. الرياضة المستمرة لم تؤثر على وجهه بل جعلته أكثر صفاءً وجمالًا.
الرياضة في الإسلام تهذيب للنفس
رياضة النفس والتهذيب الأخلاقي تعد نوعًا آخر من الرياضات الروحية التي يشملها الإسلام. من أهم الجوانب هنا هو العلاج بالحلول الحلال. ينبغي على السالك أن يراعي الأحكام التكليفية، وأن يقلل من النوم والطعام، وأن يكون لديه حسبة دقيقة، كما يجب عليه أن لا يغفل عن الرياضات المالية وعن القدرة على العطاء والتضحية، مع تعزيز مهاراته في العطف والإيثار تجاه الآخرين. هذه الأمور هي التي تفتح له طريق التحرر من الذات وتجهيزه للسير في طريق الكمال الروحي.
الرياضة غير المسموح بها في الإسلام
الإسلام لا يجيز إيذاء النفس أو التعذيب الجسدي كما تروج بعض المذاهب الروحية. في الإسلام، الرياضة تكون من خلال الأحكام التكليفية التي تهدف إلى تحقيق توازن للتهذيب الروحي وفقًا لزمان محدد وأداب معينة. على سبيل المثال، يُعتبر الصوم في الأيام الحارة والطويلة خلال العمل الجسدي من الأمثلة المشروعة للرياضة، كما أن الصلاة، رغم صعوبتها، تساهم في تهذيب النفس وتنميتها الروحية.
الرياضات الأخلاقية والمالية
تعد الرياضات الأخلاقية والمالية ذات أهمية خاصة للوصول إلى المعارف الروحية، حيث يلعب التوازن بين العطاء المالي والتهذيب الأخلاقي دورًا أساسيًا في هذا السياق. فكلما بذل السالك جهدًا في العبادة، عليه أن يكون مستعدًا أيضًا لإظهار الإيثار والمرونة في التعامل مع المال والناس. بينما هناك من يميلون إلى الإنفاق بسهولة، إلا أنهم قد يشعرون بالتعب من قراءة القرآن الكريم، وهو ما يعد تحديًا في مسار الرياضة الروحية.
الرياضة للحب والتوجه القلبي
رياضة العشاق تختلف عن الرياضة الخاصة بالعارفين. الأولياء والمحبون يعيشون حياتهم بكامل الإخلاص والمحبة، بينما العرفاء يسلكون طرقًا متعددة من الرياضة المبنية على حب الله تعالى، وليس على مجرد القواعد. في هذه الرياضة، لا يتعلق الأمر فقط بالعبادة الظاهرة مثل الصلاة أو الصوم، بل هو عن التوجه القلبي المستمر لله.
الرياضة طريق للكمال الروحي
في النهاية، فإن الرياضة ليست مجرد ممارسة جسدية أو عبادات ظاهرة، بل هي مسار نفسي وروحي عميق لا يمكن فصله عن النفس. السالك الذي يتدرب على الرياضة الروحية ينبغي أن يوازن بين عمله الروحي وجوانب حياته اليومية، فكل عمل يمكن أن يكون تعبديًا إذا كان بهدف التقرب إلى الله.
يجب على السالك في الرياضة أن يكون لديه إرادة قوية، وأن يضغط على نفسه ليُجاهد، ويُنهك التعب حتى يصبح التعب نفسه هو الذي ينهك الجسد، ويجب أن يكره راحته الشخصية، ولا يترك عملاً لم يعجبه لمجرد أنَّه لا يرضي رغباته. كما يجب ألا يهرع إلى الطعام بمجرد الشعور بالجوع، ولا أن يستسلم للنوم بمجرد أن يغلبه. فإذا كان السالك هكذا، فإنَّ نفسه تكون رخوةً تسعى وراء الهوى.
السالك ينمو ويحيى من خلال الرياضة، ولا يجب أن تُضعفه أو تُجفِّف طاقاته، تماماً كما أنَّ الشخص الذي يسعى لزيادة طعامه يوماً بعد يوم، يتسع معدته تدريجياً، ويزداد جسده سمناً. كذلك، يجب على السالك أن يزيد من جهده تدريجياً، ويبتعد عن الراحة والهوى، وتكون سعيه أن يزداد صفاءه. الرياضة يجب أن تكون شاملة ولا تقتصر على الأمور الجسدية فقط. فالقلب أيضا له رياضة، ورياضته أصعب بكثير من الرياضات الخارجية.
من هو الذي يتحمل مشقة الحياة، ويقبل قسوة الفقر، ويُجيب بلطف على سخرية زوجته أو تصرفات ابنه غير المناسب، بحيث لا يشك أحد في أنّه يواجه هذه الأمور؟ هذا شخصٌ لديه رياضة نفسية عظيمة، لا تقل صعوبة عن الرياضات الجسدية.
كان أحد العرفاء يقول: “كان لي زوجةٌ كانت صمّاء وعمياء وأصلع، لكنني كنت أراها في زينة وحسن، فكنت أمسح رأسها وأرها جمالها، وكان هذا مما أوصلني إلى صفاء، حتى استطعت بناء جسورٍ إلى الغيب.” هذا لا يمكن أن يكون إلا لشخصٍ يملك إرادة قوية وقوة تمكين.
الرياضة تحتاج إلى توازن ولا يجب أن تضر بالصحة الجسدية أو النفسية للسالك. الصحة خطٌ مستمر يجب ألا تعبر عنه الرياضة. إذا كانت الرياضة تعرض صحة السالك للخطر، فإنه لن يستطيع تحصيل معرفة صحيحة.
الرياضة يجب أن تحمّل السالك الألم، لكنها لا تجعله مريضاً. كما أن الجرحى الأبطال الذين هم شهود على الثورة، يحملون في أجسادهم الألم، لكنهم لا يظهرون هذا الألم للآخرين؛ هم يتحملونه في صمت، وهذا هو شكل من أشكال الرياضة.
اللَّه سبحانه وتعالى قد خلق جسد الإنسان مرناً، فهو أكثر ليونة من أي زنبرك، وأكثر مرونة من أي حبل، وكلما توسع أكثر، كانت هناك مساحة أكبر للتوسع، دون أن ينفصل عن بعضه.
الرياضات الأحادية، التي تقتصر على الجوانب الجسدية فقط، قد تجلب للسالك غروراً وتفاخرًا. يجب أن تكون الرياضة عبادية، وتتحكم في اللسان. كما في الحالة التي يُنزل فيها الطعام على أحد، دون أن يفتح فمه. كان هناك رجلٌ أسير في زمن الحروب، وأثناء التعذيب، كانوا يضغطون عليه ليشتم الإمام، لكنه كان يظل ثابتاً ويعبر عن حبه له.
أحد هؤلاء المجاهدين الذين كانوا في الأسر، قد دُعي أحدُنا لزيارة مدينته. وفي تلك الجلسة، كان هناك طالب علم كان يتحدث عن التصوف ويظن أنه يعرفه. فقلت له: “عندما لا تعرف العارفين، لا تتحدث عن التصوف، بل عليك أن تدرس العلم بشكل صحيح.” وكان المجاهد، الذي كان حاضراً في الجلسة، يمثل النموذج الحقيقي للتصوف، وقد أتمّ مراحل التصوف الحقيقية من خلال تحمّل الألم وصبره.
السالك يجب أن يتحكم في لسانه كما يتحكم في بوله عندما يكون أمام الآخرين. فإذا فتح فمه أو كشف سراً، فإنه يكون أكثر تدنيساً من النجاسة. الرياضة يجب أن تشمل جميع الجوانب، الداخلية والخارجية، وبعدها يتحقق الإرادة، التي تجلب الكرامة والرزق، لأن الله لا يظلم أحداً ولا يترك سعي أحد دون جزاء.
السالك المحب يحتاج إلى عناية خاصة حتى يتمكن من الوصول إلى هدفه بسلام. يجب أن يكون حريصاً على أن لا يغضب أمام تصرفات زوجته أو يتعامل معها بالمثل، وإلا وقع في نفس الأخطاء.
السالك لا يعيش بحسب “القانون” و”الحق والباطل”، لأن هذه قوانين خاصة بالناس العاديين. بل يجب أن يكون لديه تسامح رحيم، وعطاء عاشق. عندما يتعرض السالك للظلم، يجب أن يرى يد الله في ذلك، ويشعر بالمودة تجاه من ظلمه، وهذه الرياضة هي الأصعب بالنسبة للمتصوف.
السالك يجب أن يبتعد عن حب المال وأن يكون قادراً على العطاء دون أن يشعر بأي ثقل أو ألم. كما يقول المثل: “اليد المعطاءة لا تحتاج إلى شيء”، ولهذا يجب أن يكون السالك قادراً على العطاء المادي والروحي.
الإنفاق المالي في السلوك
المعرفة تتطلب توازنًا بين العمل والنية، ولا يكون الذكر والصلاة ذا قيمة دون الإنفاق المالي. السلوك الأحادي الذي لا يتضمن العطاء المالي يزيد من الفقر الروحي. يجب على السالك أن يتعود على الإنفاق، ويقدم المال من نفسه، ولا يجعل نفسه فقيرًا من خلال حب المال.
الإنفاق هو جزء من السلوك، وإذا لم يكن السالك قادراً على العطاء المالي، فإنّه لن يستطيع الاستفادة من عباداته الحركية. كما يقول القرآن: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.
في سلوك المحبين، يعاني العارفون من الفراق، وهو أشد الألم. هذا الفراق أشد وأصعب من أي رياضة أو تمرين بدني يمكن أن يقوم به السالك، وهم في طريق آخر.
وفق النفس
وفق في السلوك يعني الحالة المتوازنة التي تبعد النفس عن الإفراط والتفريط، وتجعلها دائماً جاهزة للتحرك والتوجيه. النفس يجب أن تكون خفيفة لتكون تحت السيطرة، ومن الأسهل التحكم بالنفس الخفيفة، بينما تكون النفس الثقيلة صعبة التحكم.
من النصائح المهمة للسالك أن يعرف نوع مزاجه ويضبط أفعاله وفقاً لذلك.
الوفق في السلوك وأثره على البدن والنفس والإرادة
إن السالك يجب أن يمتلك أولاً جسداً قوياً وصحياً، لكي لا تؤدي الرياضات التي يمارسها إلى ضعف بدني، بحيث لا يصبح مثل المرضى الذين يعانون من ضعف في القوى الجسدية، ما يمنعهم من التفاعل مع القوى ما وراء الطبيعة أو رؤيتها. بل يجب أن يكون السالك قوياً، ذا حواس سليمة وفطنة واضحة، لكي يستطيع أن يتحمل الأعباء التي يحملها في طريقه نحو عالم المعنى. ومن الطبيعي أن الجسم السليم والقوي لا يمكن أن يتحقق إلا بالتغذية السليمة والرياضة الكافية، وأي ضغط يُمارس على الجسم من خلال الرياضة يجب ألا يؤثر على مبدأ الوفق، بحيث لا يؤدي إلى جفاف أو برودة أو إمساك، بل يجب أن يبقى الجسم في حالة حركة طبيعية، محافظاً على حرارة النفس لكي لا يؤدي إلى انقباض العضلات أو إثارة رغباتها بشكل يعيد إيقاظ الشر الكامن في النفس.
الوفق بالنسبة للسالك يشبه التنفس والراحة التي يتوقعها الرياضيون أثناء تدريبهم. نفس السالك، مثل جسم الرياضي، يجب أن يكون مرناً بحيث يمكنه التكيف مع الرياضات والأنشطة الأخرى التي يواجهها في سلوكه. الوفق يضمن أن النفس لا تصبح جافة أو متصلبة، ويُبقي السالك في حالة توازن.
الوفق يجب أن يُراعى في كل شيء، حتى في التحصيل العلمي. حتى إذا وصل شخص إلى الاجتهاد في علمه وحقق إبداعًا، فإن هناك مسائل تتعلق بالنفس التي تتحكم في قراراته، وتؤثر فيها العادات والميول الشخصية والمزاجية. تلك العوامل قد تجعل من الصعب التمييز بين ما هو علم وحقيقة، وبين ما هو مجرد استجابة للرغبات النفسية.
الوفق، بالنسبة للنفس، يشبه اللين الذي يُعطى للعظام في الطفولة، أو خاصية التمدد التي تميز اللحم الطري عن اللحم الجاف في شخص بالغ. من يفتقر إلى الوفق لا يستطيع السير في سلوكه بشكل سليم. ولا يتحقق الوفق بسهولة، بل له آداب خاصة. على سبيل المثال، لا يمكنك تليين الورق بواسطة حرارة النار. من لا يملك الوفق في سلوكه، يفقد أولاً مزاجه ثم نفسه، وأخيراً معلوماته وعقله وقدرته على التفكير.
من يريد أن يُمارس رياضة على معدته دون علم كافٍ قد يصاب بنزيف معوي، وكذلك من يمارس رياضات قاسية دون مراعاة للوفق قد يُصاب بالجفاف والتصلب، مما يفقده قدرته على السمع أو يفقده شيئًا من مرونته العقلية. العلم لا يثمر له إلا التمرد والتصلب، ويسيطر عليه جمود عقلي يجعله يطيع أهواء نفسه.
من دون الوفق، لا يستطيع السالك الوصول إلى ربه، ولا يمكن للرب أن يكون له تأثير في السالك من دون الوفق. السالك يجب أن يكتسب وفقة مع نفسه أولاً، ويجب أن يتعرف عليها. إذا لم تكن النفس مرنة وقابلة للتوسع، فإن أي ضغط من الطعام، أو قلة النوم، أو الشهوة، أو المشاعر، أو المعرفة سوف يزيد من جفافها وقسوتها.
الوفق يجب أن يُراعى أيضًا في السلوك، حيث ينبغي على السالك أن يعرف ربه ويُراعى التوازن مع نفسه. السالك الذي لا يعرف وفق نفسه يصبح سريع التأثر بأدنى التوترات النفسية، وقد يدفعه ذلك إلى الابتعاد عن دينه. الوفق في النفس، الجسم، المزاج، والعقل هو أمر أساسي، وإلا فإن العلم يصبح عبثًا أو يعزز الغرور.
من يمتلك الوفق في نفسه يكون أكثر قدرة على الكتمان، ولا يمكن لأحد معرفة بسهولة إذا كان هذا الشخص يسلك طريقًا روحيًا أم لا. من يبالغ في سلوكه حتى يظهر أضلاعه تحت ملابسه، فإنه يظهر ضعفه. الجسم، المزاج، والنفس هم أساس البقاء في هذا العالم، ويجب على السالك أن يحافظ عليها في حالتها الطبيعية. من يظن أنه سيصل إلى المعرفة العميقة دون مراعاة لوفقه، قد يصاب بالضعف العقلي، أو يصبح مريضًا نفسيًا، أو يعاني من التصلب الروحي.
لا ينبغي للسالك أن يتوجه نحو الطريق الروحي بحماس مفرط أو من خلال محاولات قاسية وغير متوازنة، بل يجب أن يتخذ طريقًا تدريجيًا ومتوازنًا، بحيث لا يضر بجسده أو عقله.
الأصل ( )
العلاج الحلال
إحدى أهمّ الخطوات الأولى في السلوك هي “العلاج الحلال”. فكلّ تناولٍ حرام هو أسوأ آفة للأمور المعنوية. من المستحيل أن يحقق شخص أي تقدم دون علاج حلال، حتى وإن كان من نسل النبيّ. حتى لو كان عارفًا من المحبوبين، فإن تناول الخبز الحرام يُثقِل عليه ويشعر بفتور قدرته على الترقّي، ويجد أن حركته قد تدهورت بشكل ملحوظ.
علاوة على ذلك، يجب على السالك ألا يتناول كلّ ما هو حلال. فحتى إذا كان الطعام حلالًا، فإنه قد يُثقِل الجسم ويجعل الشخص ثقيلًا، مما يضعف قدرته على الأعمال المعرفية والغيبية. يجب أن يتجنب السالك بعض الأطعمة، لأسباب تتعلق بالشرع أولًا، من خلال تجنب المأكولات الحرام، ثم تجنب الأطعمة التي تسبّب ثقلًا للجسم حتى وإن كانت حلالًا. سنتناول هذا الموضوع بالتفصيل بعد الحديث عن التغذية.
الأصل ( )
التغذية والطعام
يجب على السالك أن يصل إلى درجة من القوة التي تجعله قادرًا على السيطرة على مقدار طعامه، بمعنى أن يكون قادرًا على تناول طعام لعدد من الأشخاص إذا دعت الحاجة، أو أن يتناول طعامًا دون أن يُحسّ بأي ضغط على معدته لعدة أيام.
لقد ذكرنا سابقًا أن أحد المبادئ الأساسية في السلوك هو التوازن بين النفس والجسد. أحد فروع هذا التوازن يتعلق بالتغذية. في الطعام، كما في النوم والهوى، لا ينبغي أن يفقد السالك التوازن، ويجب عليه أن يتناول أطعمة تتناسب مع مزاجه، ولا يمكنه الاستناد إلى نصائح عامة أو نمطية.
حاليًا، تعتبر التغذية علمًا متقدمًا وفعّالًا، ويجب أن يكون لدى السالك مهندس تغذية لضمان النجاح في السلوك أو العمل أو الدراسة؛ كما أوصى بذلك القرآن الكريم: {فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} [المائدة: 108].
من الشروط الأولى للطعام هو أن يكون حلالًا. بالطبع، سبق وأن ذكرنا العلاج الحلال كمبدأ أساسي في مكانه. يجب أن يكون السالك حريصًا على عدم الوقوع في الوسواس في تناول الحلال.
إلى جانب العلاج الحلال في السلوك، يجب الاهتمام بشخصية الطعام وروحانيته. ففيما يتعلق بشخصية الطعام، يجب أن ننتبه إلى طبيعته وملاءمته للفرد. على الرغم من أن علم التغذية قد تطور بشكل جيد، إلا أن استخدامه يقتصر على الأوساط العلمية أو الأكاديمية وبعض الهيئات الحكومية، ولم يتم تعميمه على نطاق واسع في المجتمع.
فيما يخص روحانية الطعام، يُقال على سبيل المثال إن تناول التمر الذي يُعطى للأطفال، رغم أنه حلال للطفل، فإنه يمكن أن يكون ضارًا لمن يسلك طريق السلوك، تمامًا كما هو الحال مع من يُضرب على ذقنه. بعض الأطعمة تُصبح الإنسان متسرعًا (هائجًا)، بينما البعض الآخر يعزّز الودّ والمحبّة. هناك أطعمة ترفع حرارة الجسم، وأخرى تُبرّده. بعض الأطعمة تؤدي إلى النعاس، وأخرى تقلّل الحاجة للنوم. بعض الأطعمة تعزّز القدرة على الفهم والذكاء، بينما أخرى تؤدي إلى البطء وقلة الفهم.
كما لو أن حبة سكر تسقط في المحيط الأطلسي، فلا تأثير ملموس لها، ولكنها مع ذلك تُضيف حلاوة صغيرة. الطعام أيضًا له تأثيرات متنوعة على النفس البشرية، حتى أن حبة تمر أو تين قد تؤثر على إدراك الشخص.
السالك يمكنه أن ينجح في سلوكه فقط إذا كان لديه حاسة شمّة تمكنه من إدراك تأثيرات الطعام على نفسه، والتناسب بين الطعام ونفسيته. يجب ألا يغفل السالك عن شخصية الطعام وروحانيته أثناء سعيه لتحقيق التوازن بين نفسه.
كما يجب أن تكون الجوع إراديًا، وليس نتيجة للضعف في وقت معين من اليوم. السالك يجب أن يكون قادرًا على تأخير أو تقديم جوعه بإرادته. كما يجب ألا يتناول الطعام بطريقة عشوائية، بل يجب أن يتناول الأطعمة المتنوعة التي تُقدّم له.
في خصائص الطعام
من بين الأطعمة التي تؤثر على السلوك الروحي هي الهواء الذي يستنشقه الإنسان. فالهواء هو الغذاء الأهم الذي يتناوله الإنسان، يليه الماء. يجب على السالك قدر المستطاع أن يتنفس هواءً نقيًا وطبيعيًا، بدلاً من الهواء المعالج أو الملوث. فالهواء النقي سريع الوصول إلى جميع أنحاء الجسم والروح، وهو يحيط بهما.
من أفضل الأطعمة التي تساعد في السلوك هي تناول اللبن (الدوغ) مع الخبز الجاف. لكن يجدر بالذكر أن بعض المدارس الصوفية التي تأثرت بعرفان الهند والصين، وبعض الطرق الأخرى، قد توصي بعدم تناول الطعام بشكل كامل أو التخلي عن الطعام للانفصال عن المادّة. هؤلاء الذين يسعون لتجاوز أبعاد الجسد من خلال الامتناع عن الطعام قد يصلون إلى نتائج غير واضحة، وربما يتصلون بكائنات غير بشرية أو يضعفون ارتباطهم بالعالم المادي. هذه الطرق لا تتماشى مع تعاليم الإسلام.
في مجال التغذية، يجب على السالك أن ينفق حسب دخله، وليس بالإفراط أو الإسراف. الأهم من ذلك هو تناول الطعام بشكل حكيم وعلمي.
الملاحظات النهائية
في سلوك الشخص، يجب عليه أن يتجنب أي طعام يثقله أو يجلب له النعاس. مثلًا، من الأفضل تجنب الخبز الثقيل أو الأطعمة التي تؤدي إلى الإمساك. كما يجب أن يبتعد السالك عن الأطعمة التي تزيد من برودة مزاجه. من الأطعمة التي يجب تجنبها هي الكدو، رغم أنها مفيدة من ناحية صحية، إلا أنها تؤثر سلبًا على السلوك الروحي.
أحد الأخطاء التي تقع في بعض الطرق الصوفية هو استخدام المواد المخدرة كالحشيش أو الترياك، التي يعتقد البعض أنها تُساعد في “التحليق” الروحي، لكن هذه المواد تؤدي إلى ضعف وأمراض على المدى الطويل.
تتطلب السلوك السليم أن يتبع السالك منهجًا غذائيًا متوازنًا وأن يتحكم في معدته وجسمه بشكل يتناسب مع تطلعاته الروحية.
الباذنجان مفید للسالك، خاصة إذا كان مجففًا وليس الباذنجان الطازج الرطب. بذور الباذنجان أفضل من الباذنجان نفسه. يمكن طهي بذور الباذنجان مع معجون الطماطم والتوابل، وتناولها مع الخبز. من الأفضل عدم تناول لحم الباذنجان. المعجون والتوابل تعين على النشاط وتقلل من الحاجة للطعام والنوم.
من التوابل المفيدة الأنواع المختلفة من الأعشاب البرية التي تُطحن، وهي اليوم أقل توفراً. تعمل الأعشاب على تقوية الجسم، وبما أنها غير قابلة للذوبان، فإنها تظل دائمًا تتحرك في الجسم دون أن تترك أي ثقل.
في السلوك لا ينبغي التقليل من أهمية أي نوع من الطعام. أحيانًا يتخذ النفس ذريعة لتناول بذور اليقطين أو دوار الشمس. حتى تناول بذور اليقطين بكميات صغيرة يؤثر في مسار السالك ويُغير من نفسه، مما يؤدي إلى انحرافه وسقوطه.
في تناول الأطعمة والتوابل المذكورة يجب أن نحرص على ألا يتجه الجسم نحو الجفاف أو يزداد حرارته نتيجة التوابل الحارة، مما يؤدي إلى جفاف البشرة وظهور التجاعيد. تناول الفلفل بكثرة يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة، على عكس بذور اليقطين التي تحافظ على الشباب والحيوية. من المهم أن يزداد المرء من معرفته في الطب النباتي والطب التقليدي، وأن يتجنب تناول المواد بشكل عشوائي لئلا يعرض جسده وروحه للخطر.
في السلوك، يجب زيادة الاستفادة من الماء، وخاصة من المشروبات المفيدة. يجب تجنب المياه الملوثة. من الأفضل التنفس في الهواء الطلق، حتى في فصل الشتاء، ويجب تقليل استخدام الهواء الساخن في الأماكن المغلقة، لأنه يثقل النفس ويصعب عليها الطيران والارتقاء.
استخدام التوابل المذكورة لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل وقد تم التوصية بها في بعض الأحيان، ولكن يجب مراعاة التناسب والاعتدال.
من المحفزات المفيدة للسلوك استخدام العطور، التي تنشط النفس، على عكس العطور الكيميائية التي تؤدي إلى تهيج الأغشية المخاطية في الجسم وتسبب الشيخوخة المبكرة، مما يجعلها ضارة للسلوك.
الجسم الذي لا يستطيع الاستيقاظ بسهولة أو لا يستطيع الحركة، أو يفتقر إلى القوة والتحمل، غالبًا ما يعاني من ضعف ناتج عن مشاكل في التغذية وعدم وجود طعام مناسب. يجب التعامل مع الجسم بعناية ووعي كي لا يتعرض الجسم أو النفس لهجوم مفاجئ وغير منتظر، مما قد يعيق سير السالك في طريقه. كما أن النفس يجب ألا تُرهق بالخوف والقلق، فهذه الأمور ستمنع السالك من السير على طريق السلوك.
في النهاية، الهدف من التوصية بهذه الأطعمة هو أن يكون النفس مهيأ للسلوك وأن لا يعوقه عن الوصول إلى العوالم الروحية والمقدسة.
بعد فترة من الزمن، حين يتمكن السالك من تأهيل نفسه جسديًا ونفسيًا من خلال اتباع نظام غذائي مناسب، يصبح بإمكانه الاستفادة من الأدعية والأذكار الخاصة، مع مراعاة العد والتناسب مع احتياجاته الخاصة. وإلا فإن استخدام الأدعية قبل هذا الوقت سيكون مجرد عبث، إلا أن الاستغراق في الأذكار العامة يمكن أن يحمل ثوابًا، لكن ذلك لا يعزز التقدم في السلوك كما هو مطلوب.
نقطة أخرى في تحضير الطعام هي مصدر المال الذي يتم به شراء الطعام. يجب أن يكون للسالك مصدر رزق طيب وواضح، منفصل عن نفقاته الشخصية. من الأفضل تجنب استخدام المال من الوجوه الشرعية أو حصص الإمام. المال الذي يتم استخدامه للطعام يجب أن يكون نقيًا، وأن يكون الشخص قد تعب في كسبه. كما ينبغي للسالك أن يخصص بعض وقت إضافي من نومه للعمل دون أجر، مما يعزز نقاء رزقه.
يجب أن يعلم السالك أن الحديث هنا موجه إلى طلاب العلم. فلا يُفهم من هذا القول أن الطالب يجب أن يشتغل بوظيفة غير طلب العلم. الطالب الذي يريد أن يصبح عارفًا، لا يجوز له أن يترك واجبه الأساسي من الدراسة والبحث والنشر ليعمل في مهنة أخرى. فالطالب في عصرنا هذا يجب أن يكون جنديًا مجاهدًا في الدفاع عن الدين.
التنفس السليم وأثره على الجسم والنفس في طريق السلوك
يجب على السالك أن يدير تنفسه بشكل سليم، إذ أن مجاري الأعصاب، النفس، الروح، القلب والأوعية الدموية لا يمكن أن تعمل بكفاءة إلا من خلال التنفس السليم. يجب على السالك أن يبدأ بتنسيق تنفسه، من خلال تنفس اللوزي على مستوى السرة، ببطء وزيادة الفضاء التنفسي بشكل تدريجي حتى يتمكن الجسم من الحصول على الأوكسجين الضروري لجميع أجزائه. يفضل أن يُمارس التمرين في الهواء الطلق أثناء الليل، خاصة في فصل الشتاء، حيث يكون الهواء البارد أكثر تأثيراً. بعد ذلك، ينبغي أن يستمر السالك في توجيه جسده نحو التنفس من خلال اللوزي الافتراضي، مما يساعد على تحفيز الجهاز التنفسي بطريقة تُبقي الجسم ثابتاً أثناء التنفس. يجب أن يسعى السالك لتوسيع هذا الشكل اللوزي داخل جسده وتعميق تنفسه ليشكل مخزناً واسعاً للهواء.
من الأفضل أن يخصص السالك جزءاً من الليل لممارسة التنفس السليم والطويل، ليصبح التنفس عادة دائمة له. هذا التنفس السليم يجب أن يكون متاحاً له أثناء النوم والاستيقاظ بشكل لا واعٍ. يُعتبر هذا النوع من التمارين أكثر فاعلية عندما يتم في حالة من الجوع، حيث يساعد شرب الماء في هذه الحالة على تنشيط التنفس وإطلاق طاقته.
على السالك أن يسعى لفترة من الزمن ليصبح مظهراً للاسم “الغني”، ليتمكن من العيش دون الحاجة إلى تنفس. في التمرينات يجب أن يتنفس السالك بطريقة مفتوحة وأخرى مغلقة، أن يتنفس ببطء وأحياناً بسرعة، بحيث لا يُلاحظ التنفس. إذا كان أحدهم يعاني من ضيق في التنفس، يمكن للأستاذ تحديد مدى تطابق سلوكه مع السلوك الصحيح.
يجب على السالك أن يؤدي التمرينات التنفسية في كافة الحالات: واقفاً، جالساً، نائماً على الظهر أو الوجه، وأيضاً في وضعيات معلقّة. الهدف هو أن يتمكن من التنفس السليم في جميع الحالات، مع الحفاظ على التوازن التام.
من أجل التمرين العملي، يجب أن يجلس السالك في وضعية نصف قرفصاء على قدميه، ثم يمارس التنفس لفترة من الزمن. بعد فترة، يجب أن يوازن جسده لمدة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر دقيقة، ويضع قدميه على الحائط ويديه على الأرض، دون أن يلامس رأسه الأرض. بعد فترة من هذه التمرينات، سيلاحظ السالك أنه أصبح أكثر سهولة في التنفس، كما لو أن التنفس يأتي ويذهب من دون الحاجة للتركيز عليه، تماماً كما يحدث مع شخص يركض لمسافات طويلة بعد إزالة الأثقال عن قدميه.
كما أن الأكياس الهوائية في الجسم تشبه المعدة، فإذا لم يصل إليها هواء نقي وكافٍ، سيؤدي ذلك إلى المرض. الهواء الذي يصل إلى هذه الأكياس يجب أن يكون نقيًا ومناسبًا، فالحفاظ على مستوى الهواء السليم لا يتم إلا من خلال التمرين والرياضة، تمامًا كما يتم الحصول على الرزق الحلال من خلال الجهد والكفاح.
من لا يمتلك التنفس السليم لا يمكنه توصيل الدم النقي والمغذي إلى جميع أجزاء جسده، وبالتالي يؤدي إلى إصابة الخلايا بالجوع والموت. كما أن الركود لدى العلماء الذين يقضون وقتاً طويلاً في الجلوس والدراسة يؤدي إلى ضعف في الجزء السفلي من الجسم. فالأمراض القلبية والسكتات غالبًا ما تحدث بسبب مشاكل تنفسية، ومن ثم انسداد الأوعية الدموية والشعيرات.
التنفس السليم هو الذي يمكن أن يساهم في تعزيز الصحة العامة للأعضاء، حيث يعد التنفس أحد أفضل الرياضات العضلية التي يمكنها حرق النفايات في الجسم والتخلص منها.
من الضروري للسالك أن يتقن التنفس السليم، لأنه إذا لم يكن لديه قدرة على التحكم في تنفسه، سيبقى عاجزًا عن الوصول إلى المراحل الروحية العميقة. من لا يستطيع التنفس بشكل سليم لا يمكنه أن يتقدم في مسيرته الروحية، بل يتخلف عن السير في طريق السلوك.
التنفس السليم يجعل الشخص قادرًا على الشعور بأن الهواء يتحرك حتى بين خصلات شعره، وتصبح جميع الأنفاس إرادية، بحيث يشارك فيها كل جزء من أجزاء الجسم. تصبح الجسم في هذه الحالة مرنًا ومتدفقًا، وكذلك روحه، التي تتحول إلى طاقة متحركة، قادرة على الانتقال من عالم إلى آخر.
الجسم عندما يكون مرنًا يصبح قادرًا على التحكم في التنفس. هذه المرونة تأتي من خلال ممارسة الرياضة والنشاط البدني، حيث يمكن للجسم المتجمد، الذي لا يتحرك ولا يتدفق، أن يُصعب عليه التنفس السليم، وبالتالي يصعب عليه الوصول إلى الذكر الخفي.
السالك الذي يملك التنفس السليم يصبح مستعدًا للانتقال إلى ذكر الله في أي وقت. هذا الشخص يمكنه التحدث، الأكل، الضحك وأيضًا الذكر دون أن يُلاحظ الآخرون أنه في حالة ذكر. يُصبح هذا الشخص قادرًا على التركيز على الذكر بدون أن يسمع منه أحد ذلك. يُعتبر السالك في هذا الوضع شخصًا يعيش حياة طبيعية مثل الآخرين، ولكن ذكاءه وروحانيته عميقة جدًا لدرجة أن من حوله لا يستطيعون التعرف عليه.
السالك يجب أن يتنفس دائمًا من أنفه، لأن التنفس من الفم يؤدي إلى تلوث الرئتين والمعدة. الأنف هو الأداة التي تنقي الهواء وتجعله طيبًا، ناعمًا ونقيًا. التنفس من الفم يجعل الهواء جافًا، بينما التنفس من الأنف يوفر هواءً نقيًا ومعالجًا.
التنفس يجب أن يكون بطيئًا، ناعمًا وصامتًا. الشخص الذي يتمتع بهذا النوع من التنفس يضمن صحته وطول عمره. في البداية قد يشعر السالك بأن هناك حركة في منطقة البطن أثناء التنفس، ولكن يجب أن يتدرب حتى يصل إلى مرحلة لا يُلاحظ فيها أن جسده يتنفس.
القاعدة الأساسية هي أن الشخص يصل إلى نقطة يُمكنه فيها التحدث والتنفس دون أن يشعر الآخرون بذلك. إذا كان السالك يعاني من ضيق في التنفس أو إذا كان صوته يُسمع أثناء التنفس، فهذا يعني أنه يعاني من مشاكل في التنفس أو يعاني من مشاكل صحية أخرى.
الأصل ( )
النوم والطعام:
يجب أن يكون مكان النوم غير ناعم؛ لأن الفراش الناعم يُسبّب النوم الزائد، مما يؤدي إلى النوم الطويل، و الأشخاص الذين ينامون كثيرًا أو لديهم نوم عميق لا يُعتبرون مناسبين للسلوك الروحي.
يجب أن يُنظم النوم وفقًا للطعام. بعض الأطعمة تؤدي إلى النوم، بينما البعض الآخر يقلل من النوم. من الضروري أن يجرب الشخص الطعام على نفسه ليكتشف أي الأطعمة تُثقل عليه أو تجلب له النعاس، وعليه تقليلها.
يجب على السالك أن يختار نومه في ثلاث جوانب: الوقت الذي يقرر فيه النوم، الوقت الذي يقرر فيه عدم النوم، وعندما يقرر الاستيقاظ. يجب تدريب الجسم بحيث يستطيع بسهولة أن يمتنع عن النوم لفترة طويلة أو أن ينام لفترة قصيرة ويشبع حاجته من النوم. يجب أن يتم هذا من خلال العادة أو، بالأحرى، من خلال الإرادة.
إذا استطاع السالك ضبط نومه، طعامه وتنفسه، فإنه يمتلك القدرة الأولى لدخول المسائل المعرفية.
إن التحكم في الإرادة والطعام والتنفس هو الذي يؤدي إلى السيطرة على النوم، ومن خلال ذلك يمكن تقليل النوم إلى الحد الضروري.
القدرة على التحكم في النوم أمر بالغ الأهمية. من يستطيع التحكم في نومه، بحيث يمكنه النوم بسهولة عندما يشاء، سيكون قادرًا على التحكم في الموت الاختياري، وسيجد أن موته الحتمي سهل، لأن الإرادة والتحكم في الموت مرتبطان بالقدرة على التحكم في النوم.
لكي يتمكن السالك من التحكم في نومه، يجب أن يكون لديه ساعة منبّه، ويجب أن يوقظ نفسه عدة مرات كل ليلة باستخدامها، حتى يصل إلى مرحلة يتوازن فيها نومه. من خلال التدريب، يجب أن يصبح السالك قادرًا على الاستيقاظ قبل أن يرن المنبه.
في البداية، يجب على السالك أن يكتشف كم ساعة من النوم يحتاجها، لأن كل مزاج يتطلب عددًا مختلفًا من ساعات النوم. بعض الأشخاص يحتاجون إلى ساعة واحدة فقط من النوم، بينما البعض الآخر يحتاج إلى ثماني ساعات. بالإضافة إلى كمية النوم، يجب أن يهتم السالك بجودة نومه.
النوم على أسطح ناعمة مثل الفراشات الإسفنجية غير مناسب؛ لأنه يؤدي إلى نوم عميق ويسبب الراحة الزائدة. بالطبع، قد يحتاج السالك الذي يعاني من ضغوط في سلوكه إلى فراش ناعم، ولكن يُنصح السالك المبتدئ بتجنب ذلك. من الأفضل النوم على سجادة أو بطانية لتجنب النوم الثقيل.
يجب أن يتم توزيع النوم بين النهار والليل، ويجب أن يُختبر أي وقت من النوم يعطي نتائج أفضل. في بعض الأحيان، قد يكون النوم جالسًا أفضل من النوم مستلقيًا.
السالك يجب أن يرى النوم كوسيلة لرؤية الحقائق وليس فقط كوقت للراحة. يجب أن ينام ليحقق شيئًا في مسيرته الروحية، وليس فقط للراحة، وإلا سيكون كما لو أنه ميت.
من ينام كثيرًا يجب عليه تنظيم طعامه وتنفسه لتقليل النوم الزائد، وهو ما تم التطرق إليه سابقًا. الأطعمة الباردة أو الدهنية تزيد من النوم. كما أن ممارسة الرياضة اليومية تقلل من الحاجة للنوم.
من المهم أن لا يُخفض وقت النوم بشكل مفاجئ إلى النصف أو أقل، لأنه سيؤدي إلى ضعف الجسم وتعبه، مما يتسبب في النوم خلال النهار ويُضعف الإرادة. يجب أن يكون النوم الليلي مساعدة للعمل خلال النهار. من يُقلل من ساعات نومه فجأة، كمن يفقد وزنًا كبيرًا في وقت قصير؛ جسده سيضعف ويشعر بالتعب.
في فترة شبابي، كنت أستطيع بسهولة أن أظل مستيقظًا لمدة سبعة أيام كاملة دون أن أنام لحظة واحدة. كنت أُدرّس لما يقارب خمسة عشر ساعة يوميًا. لو لم يكن حجم الدروس والمناقشات كبيرًا، كنت قادرًا على الاستمرار دون نوم حتى أربعين يومًا. في إحدى المرات، استمرت هذه الحالة لشهرين دون أن أنام، لكنني في النهاية أدركت أن النوم هو نعمة إلهية وضروري لصحة الجسد.
كان أحد أساتذتي يقول إنه إذا كان يشعر بالنوم، كان ينام على أرضية باردة لكي يبقى مستيقظًا.
من المهم أن يتم التدرب على السيطرة على النوم، ولكن يجب أن يتم ذلك تدريجيا. إذا خفض السالك ساعات نومه بشكل مفاجئ، فإن جسده سيشعر بالتعب.
الأصل ( )
الرؤيا:
إن معيار سيطرة السالك على نفسه ومستوى سلطته على ذاته يظهر من خلال أحلامه. يمكن للسالك من خلال الرؤيا اكتشاف مشكلات سلوكه الروحي، ويمكنه الوصول إلى حضور الأولياء والصالحين في عالم الرؤى ليحصل على الحلول لمشاكله.
يجب أن يكون رؤية الأحلام بيد السالك. إذا كان الشخص لا يرى أي أحلام، أو يرى أحلامًا كثيرة بدون إرادة، أو إذا كانت أحلامه مشوشة وغير منظمة، فهذا يدل على أن شخصه في حالة من الضياع ولا يزال في مرحلة الإعجاب بالنفس، ويجب عليه ترتيب حياته اليومية. بعبارة أخرى، الرؤيا هي مرآة للحالة الروحية للشخص في يقظته.
عند العرفاء الأقوياء الذين هم من الأولياء، تكون الرؤى أقل، لأنهم يعيشون في اليقظة ويشبعون منها.
تُقسم الرؤى إلى أنواع علمية، عاطفية، تجسيدية، تجريدية، مرتبة، مشتتة، حديثة، متعددة، وكثيرة، وهي جميعها تدل على حالات السالك الروحية.
الرؤى التي تظهر أماكن جديدة أو أشخاص لم يسبق للمرء أن رآهم هي من النوع الذي يظهر التقدم الروحي، بينما الرؤى التي تعكس الأحداث اليومية أو الرغبات الدنيوية تمثل انغماسًا في النفس.
السالك يمكنه مراقبة أحلامه على مدى شهر لتحديد نوع الرؤى التي يراها، وتحليل ما إذا كانت تدل على تطور روحي أو تقدم في السلوك. من خلال هذا، يمكنه التنبؤ بمستقبل نفسه الروحي واتخاذ إجراءات للحفاظ على تقدمه.
السالك إذا التزم بما يجب أن يراعيه في يقظته، وأمعن النظر في ما يجب أن يراه، ولم يقتصر في رؤيته على السطح، فإنّه يرى في الليل أحلاماً طيبة. أما من لا يرى في النهار، ومن يغفل عن تلك الرؤى، فإنه لا يرى أحلاماً طيبة. وهذه حالة الذين لا يرون الإرث الثمين الذي تركه لنا الأئمة الأربعة عشر، ولا يرون حضور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويسعون دائماً في طلب زيارة الإمام، دون أن يشهدوا هذا الحضور المبارك، دون أن يستفيدوا منه، ويظلّون في البحث عن الخفاء. من لا يراعي الرؤى الظاهرة في اليقظة، كيف له أن يذهب إلى مكان لم يره من قبل في النوم؟
بعد أن يدخل السالك في طريق السلوك، ويتمكن من تنظيم نومه وفق إرادته، وتصبح لديه القدرة على التحكم في إرادته، يصل إلى مرحلة يصبح فيها أحلامه إرادية. يمكنه أن يختار شخصًا أو شيئًا ليشاهده في نومه، حيث يصبح النوم ككتاب يفتح فيه السالك بحثه العلمي. في هذه الحالة، يصبح النوم بمثابة مُرشدٍ داخلي، يجيب على الأسئلة التي يطرحها السالك على باطنه. تلك الأحلام الإرادية هي بمثابة استخبارات للسالك، يمكنه من خلالها الحصول على أخبار من الغيب، ولكن هذه الأحلام لا تتحقق إلا لأولئك الذين تمكنوا من التحكم في نومهم واختيار الدخول فيه والخروج منه بإرادتهم.
الأحلام الإرادية هي بمثابة إشارات تحمل أخبارًا، ويجب أن تكون تحت إرادة السالك كما هو الحال مع الرامي المحترف الذي يصيب الهدف دون أي خطأ. هذه الأحلام يمكن أن تكشف عن المشاكل النفسية التي يعاني منها السالك، وهو يستطيع من خلال التأمل والتمحيص فيها أن يكتشف تلك المشاكل ويعمل على حلها. ومن هنا، فإن هذه الأحلام تكتسب حجية، تمامًا كما هو الحال مع العقل الذي يعتبر حجّة باطنية، والمعصوم الذي هو حجّة ظاهرية، ويصبح رابطًا بين السالك والعالم الغيبي، شريطة أن يكون قلبه صافياً وطريقه مليئًا بالصبر.
لكن يجب أن نلاحظ أن الأحلام الإرادية، كونها جزءًا من المراحل الأولية في السلوك، قد تصبح أول مركز للشيطان في قلب السالك. قد تدفعه إلى التجسس على الناس واكتشاف خفاياهم. هذه الفخاخ هي من أولى حيل الشيطان لإيقاف السالك عن المسير، وهي النقطة التي يتم فيها التمييز بين المستحقين وغير المستحقين، بين العارفين الصادقين وغيرهم. من يُتاح له القدرة على التجسس بهذه الطريقة، فإنّه لن يحصل على ما يريد من الله، بل سينحدر إلى التورط في أمور دنيوية، مثل التجارة بنقل أسرار الناس وانغماسه في تلوثات هذا العالم.
إذا أصبح السالك يشتغل في معرفة الغيب أو التنبؤ بالمستقبل، فإنه يقع في خطأ جسيم، ويعرض نفسه لخسارة الدنيا والآخرة. تلك التنبؤات تعتبر تداخلًا غير مشروع مع أمور الغيب، ويجب على السالك أن يتجنبها بصرامة. هذا الشخص الذي ينغمس في هذه الأمور، لن يكون قادرًا على السير في طريق السلوك الروحي، وستؤدي تلك المحاولات إلى توقفه عن السلوك.
وإذا كان السالك قد تعرض في لحظة غفلة أو قهر لرؤية شيء ما في المنام، يجب عليه أن لا يعير له اهتمامًا أو يشرحه للآخرين. وأي اهتمام بتلك الرؤى، مهما كان ضئيلاً، سيؤدي إلى موت السالك الروحي، وتوقفه عن السير في الطريق، وهبوطه وانحطاطه، وفي النهاية هلاكه.
رأيت ذات ليلة في منامي رجلًا عزيزًا كان يسكن بالقرب من منزلنا، رغم أنه كان يظهر في المجتمع بمظهر جذاب وأنيق. في المنام، كان يبدو مرعبًا، وكان يقوم بذبح الناس وقتلهم. كنت أراه يوميًا، وكان يسبب لي الضحك عندما أرى هذه الرؤية، كنت أقول لنفسي: “لا يمكن لهذا الشخص أن يكون قاتلًا.” ولكن بعد ثلاثين عامًا من تلك الرؤية، هذا الشخص بالفعل وصل إلى منصب قضائي، وأصدر أحكامًا بالإعدام على العديد من الناس.
إن تأثير تلك الرؤية الوحيدة التي كانت تدل على تحذير غيبي، أزعجني لمدة ثلاثين عامًا، حيث كنت دائمًا أتساءل عن مصيره. وكان ضحك هذا الشخص في المنام يبدو لي غير لائق، وعندما كنت أراه في الواقع، كان ذلك يثير فيّ مشاعر متضاربة، وكنت أحاول أن أقول له: “احترس قليلاً.” لكنني كنت ألوم نفسي وأقول: “ما شأنك بهذا؟” حتى ظهرت حقيقته في النهاية، وتبينت باطنه.
إن الضحك والتبسم الزائد يمكن أن يؤدي إلى العديد من الأضرار، وقد يسبب قسوة القلب. أما البكاء، فيُعتبر أكثر تأثيرًا في تطهير النفس. وعليه، فإن السالك يجب أن يكون حريصًا على عدم الدخول في التجسس أو الاهتمام بمسائل الآخرين الخاصة. يجب أن يكون اهتمامه مركزًا على سلوكه فقط، ويجب أن يظل نقيًا في نظرته إلى نفسه والآخرين.
في الأحلام الإرادية، يجب أن يتجنب السالك الوقوع في فخ التجسس على حياة الآخرين، وأن يظل مقتصرًا على ما يفيده في طريق سلوكه. عليه أن يعير اهتمامًا فقط لتلك الأحلام التي تساعده على التقدم الروحي وتدعيم سيره في طريق السلوك. هذه الأحلام الإرادية هي مرشده الداخلي، وهي موجهة من قبل معلمه الروحي، الذي يساعده على فهم الرؤى وتوجيهها نحو هدفه الروحي.
إن رؤى السالك الإرادية، هي بمثابة الأدوات القوية التي تساعده على اكتشاف ما يحتاجه في سيره الروحي، لكن لا يمكنه أن يفسرها بمفرده دون توجيه من معلمه الروحي. هذه الأحلام ليست مجرد رؤى عابرة، بل هي مصادر مهمة للمعرفة الغيبية، التي لا يمكن الوصول إليها إلا بتوجيه إلهي.
الذكر أنواع: ذكر بشوق و ذكر بدون شوق
الذكر على نوعين: ذكر بشوق و ذكر دون شوق. فإذا كان شخصٌ يذكر عدوَّه، فهو في حالة ذكره ولكن لا يحمل أي شوقٍ إليه، بل يكرهه. الشوق ضروري لوصول شيءٍ ما، وهو بمثابة مادةٍ لخلق الكائنات. إذا لم يزدهر قلب وروح السالك في وجوده، أصبح شخصًا صغيرًا ليس له عمقٍ بل يشبه الكاريكاتير الذي يظهر فقط النمو العرضي. المرحلة الأولى من الكمال هي وجود الشوق، فإذا كان السالك بدون حرارة الشوق، تصبح حياته مملة. هذا الشوق، هو الذوق وأعلى منه هو الحب الذي يعطي الحياة للسالك معنىً ومفهومًا ويزيل ممل تكرار الحياة.
في الماضي كان الناس يذهبون لجمع الحطب والشوك. إذا كانت حمولة الشخص ثقيلة جدًا، فإنه لا يستطيع رفعها فيسقط من شدة العبء. في مجال المعرفة أيضًا، بعض الناس يصابون بالبعد عن الحق، وكلما بذلوا جهدًا أكبر، أصبحوا أكثر بعدًا. أما من يحمل في قلبه ذكر الله، فإن قلبه مليء بالنقاء ويظل دائمًا نشطًا ومبتهجًا، حتى وإن كان مسنًا. مثل هذا الشخص قد يكون أكثر شبابًا من الشبان ولا يوجد في قلبه أي كسل.
الذكر والإنارة الروحية
الطريق الطويل في الإنسان هو قلبه، حيث يظهر الحب والعشق فيه. بالطبع، التعبيرات مثل “أحبك”، “أعجبني”، “عزيزي” وغيرها من صفات القلب، هي في الواقع مراتب منخفضة في المحادثات العامة، ولا تتعدى التطلعات النفسية والحسية.
السالك الذي يصل إلى مقام القلب أو الروح، يتحول قلبه في باطنه إلى أخلاق ويظهر في ظاهره الأدب، كما تم توضيحه سابقًا. مثل هذا الشخص يحمل المعرفة القلبية التي تتعلق بالقلب، ولكنه قد لا يحمل المعرفة الذهنية أو الثقافة العقلية التي تخص النفس. إذا كانت معلومات السالك صحيحة، يمكن أن تكون عونًا ورحمة له، ولكن إذا كان لديه معلومات خاطئة وركن إليها دون الاستعانة بمعلمه، فإن هذه المعلومات ستصبح عائقًا له وتبعده عن أولياء الله وعن المعرفة. العلم قد يوقع السالك في حب الدنيا، والمجتمع، والتعددية، واللباس الاجتماعي. إذا كان السالك من أهل العلم في مراتب الحواس والخيال والميل النفسي، فقد يصبح طبيبًا عالمًا لا يصاب بالمرض، ويكون العلم والعقل بمثابة مستشار أمين يساعده في اجتياز المراحل الروحية، ولكن الخبرة أثبتت أن العلم قد يصبح مزعجًا لأهل العلم ويؤدي إلى سحق قلوبهم بسبب انغماسهم في الدنيا واهتماماتها.
القدرة الروحية لذوي المقامات العليا
أولياء الله الكاملين الذين بلغوا المقام الجمعي، يمتلكون جميع هذه المراتب معًا. لهم نفس مشرق كالنجمة التي لا يُدركها آلاف من أهل الدنيا، وعقولهم تتفوق على أي سياسي ماكر، وقلوبهم تحمل هيبة عظيمة.
مقام السالك ودرجات القلب
من يرغب في السلوك الروحي يجب أن يصل إلى مقام القلب، ففي البداية يكون القلب أشبه بالطين، ثم يتحول إلى زهرة، وبعد ذلك يصبح قلبًا ناضجًا. عندئذٍ يصبح القلب محبوبًا، ثم معشوقًا، وأخيرًا مرشدًا ورفيقًا. هذه كلها مراتب وصفات للقلب. لا بد من أن يسعى المحبون لطحن طين وجودهم ليصبح قلبهم طاهرًا ومشعًا بالحب، ثم إلى مرحلة أن يصبحوا عاشقين لربهم.
رياضة النفس وذكر الله
لصقل القلب وتحويله من طين إلى قلب نقي، يحتاج إلى الرياضة بمعناها الخاص، وهي الصلاة. كل أنواع الرياضات في الحقيقة هي صلاة، والصلاة تعني عبادة الله الواحد. بعد الصلاة، يحتاج السالك إلى “الاحتياج” و”الناز” التي تجلب النقاء للقلب. فالاحتياج يعني أن الإنسان في هذا العالم بحاجة إلى الله، والسالك الذي يتجاهل الاحتياجات الحقيقية لمن حوله يكون في حالة شرك.
الذكر كغذاء للنفس
الذكر ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو غذاء للروح والقلب. قلب صافٍ بحاجة إلى هذا الغذاء ليبقى بعيدًا عن الموت الروحي. إذا كان السالك يملك هذا النوع من الذكر، فيكون قادرًا على رؤية جنازته عندما يموت، في حين أن الآخرين يلقون الموت بعيون مغلقة.
أهمية الذكر وتوجهه
ذكر الله الصحيح يجب أن يكون مناسبًا لحالة السالك. كل ذكر له مرتبته الخاصة، ولا يجوز استخدام أي ذكر عشوائي، بل يجب أن يتم اختياره بناءً على حاجة الروح والمقام الروحي. الذكر الذي يتم بنية صافية هو الذي يأتي بالثمر، أما إذا كان الهدف هو تحصيل الثواب فقط، فلا يحقق أثرًا طويل المدى.
ذكر مخصوص وعمل الشيخ
السالك يجب أن يتوجه إلى أستاذه الروحي الذي لديه القدرة على إعطائه الذكر المناسب. هذا الذكر يتم تحديده بناءً على حاجة السالك الروحية، ولا يُعطى بسهولة لمن لم يمر بمراحل التنقية النفسية اللازمة.
الذكر الذي ينفع الروح يحتاج إلى طهارة قلبية واستعداد حقيقي لتقبل أثره. التقدم في هذا الطريق الروحي ليس بالأمر السهل ويتطلب صبرًا كبيرًا وألمًا نفسيًا وعقليًا في بعض الأحيان.
ذكر إنشائي مقيد:
لقد سبق لنا أن أشرنا إلى موضوع الذكر وذكرنا أن مرادنا من الذكر في هذا الكتاب هو “الذكر الإنشائي المقيد”. هذا الذكر في الواقع يعني القيام بعملٍ مختبري وتجريبي في ورشة العمل، حيث يسعى الذاكر إلى أن يحقق فتحًا في قلبه ويفتح أبواب الغيب ويكشف عن شيء غيبي أو يسحب ظهورًا إلى الغيب. يهدف الذاكر من خلال هذا الذكر إلى أن يوجه انتباهه إلى مكان من العالم ويتصل بحقيقة ما أو يسيطر عليها. إن السمة البارزة لهذا النوع من الذكر هي أنه يمكن أن يؤدي إلى نتائج بعيدة المدى، ولكن الوصول إليها أصبح نادرًا جدًا. فكم من الأشخاص الذين يمارسون الذكر ويملكون سبحًا ويصلون النوافل ولكن لا يحصلون على أي شيء في النهاية، لأن الكثير منهم يتبعون الذكر بشكل ذاتي دون أن يكون لديهم تخصص فيه أو أن يتعلموه من مختصين وأساتذة في هذا المجال.
المرشد الذي تكون تخصصاته أكثر أهمية من التزامه في هذا المجال، حيث إن من ليس لديه تخصص في هذا المجال ليس لديه التزام أيضًا. وفي هذا السياق، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الحديث الذي يقول: “من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه”. إن الشخص غير المتخصص في هذا المجال يؤدي إلى فساد أكثر مما يؤدي إلى إصلاح.
إن التخصص في جميع المجالات ضروري، سواء في الأمور الدنيوية أو المعرفية. وذكر الله لا يعد استثناءً من هذا القاعده، فإن الذاكر الذي لا يتبع القواعد الصحيحة لن يحقق شيئًا ولن يحقق فائدة لنفسه أو من حوله، خاصة لزوجته وأولاده. بالطبع، سيكون لأستاذه ومدربه أكبر تأثير في ذكره.
2. المداومة على الذكر:
عندما يحصل السالك على الإيمان وتزدهر لديه إرادة قوية، فإنه يمتلك القدرة على أداء الذكر وإحداث تغيير معين مرتبط به. في هذه الحالة، يكون الذكر بالنسبة له بمثابة المفتاح الذي يفتح الأبواب المغلقة. هذا المفتاح الذي هو مجرد قطعة حديد، يفتح الأبواب بسهولة، في حين أن فتح هذه الأبواب قد يكون مستحيلًا بالنسبة للعشرات من البشر.
إذن، الذكر يمكن أن يكون العامل المساعد على تحقيق ذلك الشخص الذي يريد أن يغزو عوالم الغيب. ولذلك، فإن السالك المحب الذي يمارس الذكر بشكل مستمر يمكن أن يحصل على تقدمًا وتطورًا في مسيرته الروحية.
3. أنواع الذكر:
الذكر له أنواع متعددة. بعضها عام ومناسب لجميع الأوقات والأماكن، بينما بعضها خاص ويجب أن يستخدمه الأشخاص المناسبون فقط. هذه الأنواع من الأذكار تحتاج إلى إذن خاص من معلم مختص ومجرب. والذكر الذي يقدمه السالك بمعرفة من معلمه يكون له تأثير أكبر من الذكر الذي يتوصل إليه بنفسه.
4. القرآن الكريم كأفضل ذكر:
القرآن الكريم هو أفضل كتاب من حيث الذكر. كل آية من آيات القرآن الكريم تعد ذكرًا، بل قد تحتوي بعض الآيات على عدة أنواع من الأذكار. وفي القرآن الكريم، تندرج بعض الآيات تحت تصنيفات الذكر الجلالي، حيث يمكن استخدام آيات معينة مثل “خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ” للتأثير على الأشخاص وفقًا للنية الموجهة.
5. الأذكار بمثابة الدواء:
الذكر يشبه الدواء في تأثيره، حيث يجب أن يتبع السالك معايير دقيقة في اختيار الأذكار التي يجب أن يتلوها. فإن استخدام أكثر من ذكر في آن واحد قد يؤدي إلى عدم فعالية الأذكار، ويجب أن يلتزم الشخص بالأذكار المحددة التي تناسبه وفقًا لتوجيهات معلمه المختص.
6. التأثيرات النفسية للذكر:
الذکر، إذا لم يتم تحت إشراف مختص، قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على النفس، مثل الوسواس أو حتى الأمراض النفسية. ولذلك، يجب أن يتم الذكر وفقًا لإرشادات المعلم المختص، حيث يمكن أن يؤدي الذكر إلى نتائج غير مرغوب فيها إذا استخدمه شخص دون دراية أو تخصص.
7. الطريق الروحي والسلوك الدقيق:
كل شيء في الحياة الروحية له مسار خاص يجب أن يتبعه السالك. ولا ينبغي أن يظن السالك المبتدئ أن الطريق الروحي هو أمر غير محدود أو خالٍ من القواعد. إذا لم يتم السلوك بموجب القواعد والضوابط الصحيحة، فلن يحقق السالك ما يسعى إليه في طريقه الروحي.
8. ضرورة الحذر من الاستغلال التجاري للذكر:
يجب أن يكون السالك حذرًا جدًا في أن لا يخلط بين الذكر واستخدامه في مصالح مادية. فالشخص الذي يستخدم الذكر لغرض تجاري أو شخصي يعرض نفسه للسقوط الروحي. كما أن السالك يجب أن يحذر من الارتباط بأشخاص يستغلون الذكر لأغراض غير مشروعة، مثل الدجالين أو المشعوذين.
بعض من القواعد المتعلقة بالذکر
بعض من قواعد الذکر تتقاطع مع قواعد السلوك، وبالتالي ذكر هذه الأمور هنا هو تذكير بالأصول الأساسية. كما أن الطعام المناسب يحتاج إلى عملية معقدة وخاصة لكي يُمتص في الجسم، بحيث تجتمع العديد من اللقم لتتحول إلى دم، بل وتتحرك في الأوعية الدموية الدقيقة لتصل إلى العين، فإن الذكر أيضاً يمر بهذه العملية المعقدة ويجب أن يتطور من حالة خشونة ليصبح لينًا في داخل الشخص ويستقر في باطنه لكي يكون فعالًا. هذه العملية المعقدة تتحقق من خلال اتباع القواعد والأصول المناسبة.
أهم هذه القواعد تأتي كما يلي:
- قاعدة (1): التفريغ من الموانع والمشاغل
يجب على الذاكر أن يُفرغ نفسه من جميع المشاغل التي يشغل بها ذهنه، ويجب أن يُفرغ قلبه من كل ما يعوق الذكر. يجب ألا يأتي حتى بمعنى الذكر إلى ذهنه، إذ إن كل ما يشغل ذهنه أو نفسه يثقل عليه ويقلل من فعاليته. يجب على الذاكر أن يقتصر على الذكر نفسه، ويبتعد عن كل ما يتعلق به من أمور أخرى. عليه أن يفرغ نفسه من نفسه ومن كل ما يتعلق بها، ومن الدنيا وكل ما فيها، وحتى الذكر الذي يذكره، لكي ينجح الذكر في حمله وقيادته في حركة روحية. في بعض الأحيان، يكون الأمر أصعب في الذكر القلبي حيث يحتاج إلى تركيز أكبر. فالذكر بلا مراعاة لهذه النقطة ليس إلا انشغالًا عقليًا وتسلية لا تحقق النتائج.
- قاعدة (2): مكان الخلوة
يجب أن يُقال الذكر في مكان خالي من الضوضاء. هذا الأمر مهم لتجميع الطاقة الداخلية. بالطبع، في الخلوة، الأهم هو أن يكون الشخص خاليًا في نفسه من الانشغال وأن يتفرغ تمامًا. مثل هذا الشخص يمكنه أن يكون في مكان مثل المطبخ ويشعر بالخلوة إذا كان قلبه فارغًا، بينما حتى وجود غرفة خاصة قد يكون مزعجًا لبعض الأشخاص. الخلوة ليست مجرد العزلة المكانية، بل هي أن تكون النفس فارغة تمامًا. لذلك، المكان الظلامي أو المتجه نحو القبلة قد يساعد في التركيز، ولكنه جزء من العوامل المساعدة.
- قاعدة (3): الأذكار الحسية
الأذكار اللفظية والحسية التي تُسمى “الذكر الأولي”، مثل “سبحان الله”، “استغفر الله”، “لا إله إلا الله”، “لا حول ولا قوة إلا بالله”، هي أذكار مراتب. يجب البدء بتكرار التسبيح والاستغفار، ثم الذكر الثقيل مثل التهليل بعد ذلك. “سبحان الله” أسهل في النطق ولكن معناه أعمق. أما “استغفر الله” فهو أثقل في النطق وأعمق في التأثير.
- قاعدة (4): التركيز على ذكر واحد
يجب على الذاكر أن يركز على ذكر واحد فقط. كما لا يمكن للإنسان أن يكون له أكثر من زوجة في نفس الوقت في السرير، فإن الذاكر يجب أن يفرغ نفسه من جميع الأذكار الأخرى ليتمكن من التركيز على الذكر الذي يذكره.
- قاعدة (5): العد في الذكر
يجب على الذاكر أن يذكر الذكر بالتعداد، أي أن يذكره واحدًا تلو الآخر، وليس بشكل متسلسل متصل.
- قاعدة (6): اللفظية في الذكر للمبتدئين
في البداية، يجب أن يكون الذكر لفظيًا لكي يسمع الشخص نفسه ويشعر به.
- قاعدة (7): القدرة على التحمل
بعض الأذكار ثقيلة على الذاكر. إذا شعر الشخص بثقل أثناء قول الذكر، يجب أن يتوقف. هذا يدل على أن الشخص لم يحقق استعداداته الداخلية بشكل كافٍ.
- قاعدة (8): الأمور المحرفة في الذكر
العلم بالذكر يحتوي على حقائق ومفاهيم كثيرة، وقد دخلت بعض التحريفات والأوهام في بعض الأذكار مع مرور الوقت. من المهم أن يكون الذكر قائمًا على أسس علمية صحيحة بعيدة عن الخرافات.
- قاعدة (9): قيمة الذكر وتأثيره
قيمة كل ذكر تكمن في آثاره. الذكر الحقيقي هو الذي يغير في الإنسان سلوكه، ويجعله أكثر تواضعًا ورحمة، ويساهم في تعديل نظرة الشخص للعالم من حوله.
- قاعدة (10): التناسب بين الذكر والقدرة الشخصية
من لا يذكر أو يذكر أقل من قدرته يعرض نفسه للخطر ويصبح قلبه أقسى.
- قاعدة (11): حاجة العلماء للذكر أكثر من غيرهم
العالم يحتاج إلى الذكر أكثر من غيره، لأن العلم الذي لا يقترن بالذكر يؤدي إلى تكبر القلب وغروره.
- قاعدة (12): تكلفة الذكر
يجب على الذاكر أن يتحمل تكلفة الذكر، سواء كانت مالية أو معنوية. عليه أن يتواضع ويتعلم العطاء من أجل أن يتجدد في ذكره ويجعل ذكره فعالًا.
القاعدة (1): لزوم الهدوء في الذكر
السرعة والكثرة في الذكر غير مستحبة. المهم في الذكر هو الاستمرارية، حتى وإن كان مع عدد قليل ولفترة قصيرة. يجب أن لا يكون الذكر ثقيلًا على الشخص، بل يجب أن يريح قلبه ويخليه من أي همٍ ويجعله صافٍ.
القاعدة (2): التخليص في الذكر
التخليص يعني إزالة أي حالة غامضة عن النفس أو التأثيرات التي يتركها الذكر السابق بحيث لا يمتزج مع الذكر التالي. يجب أن لا يحمل الذاكر أي أثر للذكر السابق، كما يجب أن يكون قلبه خاليًا من أي أثر أو طعم سابق. على الذاكر أن يفرغ نفسه من كل شيء قبل أن يبدأ في الذكر التالي، وهذا أمر في غاية الصعوبة.
الذاكر يجب أن يكون مثل القدر الذي لا يحتفظ بأي أثر من الأعشاب التي تم تحضيرها فيه. لا يجب أن يكون في نفسه أي ذكر من الذكر السابق حتى لا يتداخل مع الذكر الجديد. كما أنه يجب أن يكون خاليًا من الكراهية أو الغضب تجاه الآخرين، لأن أي نوع من الكراهية يشكل عائقًا كبيرًا.
القاعدة (3): الاجتماع
الاجتماع يعني جمع النفس والتركيز في الذكر، وهو أمر صعب. إن تفكير الشخص في أمور أخرى أثناء الذكر يمكن أن يؤدي إلى تفكيك ذكره، مثل الرعد الذي يحرق شجرة الذكر. الذاكر يجب أن يستطيع جمع نفسه تمامًا في الذكر بحيث يصبح الذكر جزءًا لا يتجزأ من كيانه.
القاعدة (4): لباس الذكر
الذّكر يحتاج إلى لبس مناسب، يجب أن يكون اللباس مريحًا وغير مبالغ فيه. من الأفضل أن يرتدي الذاكر لباسًا بسيطًا لا يعيق الذكر أو يثقل عليه. الملابس الفاخرة أو الثقيلة تعيق الذكر ويجب أن يتجنبها. كما يفضل أن يكون الذاكر في مكان هادئ وفي ظلام خفيف حتى يتمكن من التركيز الكامل في الذكر.
القاعدة (5): ظلام المكان
المكان الذي يتم فيه الذكر يجب أن يكون مظلمًا. النور يعد من الأمور المزعجة أثناء الذكر، ويمكن أن يؤدي إلى تشتيت الذهن. يجب على الذاكر أن يحرص على أن يكون المكان هادئًا ومظلمًا، وأن يتجنب الأماكن المضاءة بأضواء ساطعة.
القاعدة (6): حفظ النشاط والسعادة
يجب أن يكون الذاكر في حالة نشاط جسدي وذهني أثناء الذكر. لا يجب أن يكون مرهقًا أو متعبًا، لأن الإرهاق سيؤثر سلبًا على التركيز في الذكر. يجب على الذاكر أن يحافظ على جسده ونشاطه من خلال ممارسة الرياضة والاهتمام بالنظافة.
القاعدة (7): الابتعاد عن الكراهية والانزعاج
الكره والقلق تجاه الآخرين يشكلان حاجزًا كبيرًا أمام الذكر. لا يمكن للذكر أن يؤثر بشكل فعال على شخص يحمل في قلبه الحقد والكراهية. لذلك، يجب على الذاكر أن يطهر قلبه من كل المشاعر السلبية وأن يتجنب التفكير في الأذى الذي قد تسببه له تصرفات الآخرين.
القاعدة (8): الطعام الحلال
الطعام الذي يتناوله الذاكر يجب أن يكون حلالًا وصحيًا. لا يمكن للذكر أن يؤثر بشكل فعال إذا كان الشخص يتناول طعامًا محرمًا أو غير صحي، حيث أن ذلك يؤثر سلبًا على تركيزه واستجابة قلبه للذكر.
القاعدة (9): خفّة المعدة
يجب على الذاكر أن يتجنب أن يكون معدته ممتلئة جدًا أثناء الذكر. من الأفضل أن يكون قد تناول طعامه قبل الذكر بفترة كافية حتى لا يشعر بامتلاء المعدة ويثقل جسمه.
القاعدة (10): تنظيم النوم
النوم الجيد والمنتظم مهم للغاية بالنسبة للذاكر. يجب أن يحصل الذاكر على قسط كافٍ من النوم حتى لا يشعر بالإرهاق أو الخمول أثناء الذكر. من المهم أيضًا أن ينام الشخص في أوقات مناسبة للحصول على نوم هادئ وعميق.
القاعدة (11): الاهتمام بعدد الذكر باستخدام الحواس
الذاكر يجب أن يعتمد على حواسه لتذكر عدد الذكر الذي يجب أن يقوله. استخدام الحصى أو التسبيح كأداة لحساب عدد الذكر قد يكون مزعجًا ومشتتًا للذهن. من الأفضل أن يركز الشخص على العدد باستخدام ذهنه وحواسه.
القاعدة (12): الاهتمام بالنظافة
النظافة الشخصية تعتبر من الأساسيات في الذكر. يجب على الذاكر أن يكون نظيفًا من الداخل والخارج. نظافة الفم، الأذنين، الأنف، والأقدام لها تأثير كبير على تأثير الذكر. الذاكر الذي يهمل النظافة يكون وقت الذكر كمن يحمل عبئًا ثقيلًا على نفسه. النظافة تجعل الذكر أكثر تأثيرًا وأكثر قدرة على التأثير في النفس.
قاعدة (1): الصلاة؛ الذكر العام
الذكر “اللهم صل على محمد وآل محمد” إذا قيل دون عدد معين فهو مناسب لجميع الأشخاص ولا يسبب أي ضرر أو تأثير سلبي. هذا الذكر مثل الصلاة، إذ هو إذن دخول لبقية الأذكار وسلوك أيضًا، وعلى السالك المبتدئ أن يستفيد منه؛ رغم أنه قد لا يحقق نتائج سريعة في بعض الأحيان، إلا أنه لا يتسبب في ضرر له. الصلاة من أذكار المحبين.
قاعدة (2): ذكر “سبحان الله”
ذكر “سبحان الله” يعد السالك للسلوك ويدفعه لدخول الذكر. هو كالحمض الذي يزيل الأوساخ من باطن الإنسان بقوة. يجب أن يُقال هذا الذكر واحدًا واحدًا، حيث لا مكان للتكرار في هذا الذكر، لأنه ثقيل جدًا ويجب أن يُهيئ الفضاء الداخلي أولًا بذكر واحد، ثم يُقال الذكر الثاني بعد ذلك.
من يداوم على هذا الذكر لعدة أيام، يجب أن يلاحظ نتائج وحالات في نفسه، على الأقل شعورًا بالخفّة، ويعلم أنه لم يعد كما كان قبل الذكر، مثل الشخص الجائع الذي يشعر بالشبع بعد تناول الطعام. بعض الخصائص الأخلاقية لشخصه، مثل نوعية نومه وطعامه، تتأثر بالذكر. وإلا فهو مثل بعض الدراويش الذين لا يعملون سوى تحريك المسبحة في أيديهم وألسنتهم بلا فائدة.
قاعدة (3): إستخدام الذكر الإنشائي على الزفير
الذكر الإنشائي يجب أن يُقال فقط على الشهيق، وليس على الزفير. في مثل هذه الأذكار، يجب أن يكون الزفير خاليًا من الذكر وُمعطلًا. بالطبع، هناك استثناءات لهذه القاعدة في بعض الحالات التي سيتم توضيحها في علم الذكر.
هناك أيضًا فروقات بين الأذكار التي تُقال مع الشهيق وأخرى مع الزفير. الأذكار التي تُقال على الزفير إما أن تكون نزولية أو صعودية. اسم “حميد” يعتبر نزوليًا، بينما “باسط” يعتبر صعوديًا. بعض الأذكار يجب أن تُقال مع عدة شهيقات، مثل ذكر “لا حول ولا قوة إلا بالله”.
قاعدة (4): تثبيت الذكر في الباطن
الشيء المهم في الذكر هو تثبيته في باطن الإنسان. كما أن القدم لا تكون مريحة في حذاء جديد يجب أن يُلبس لفترة حتى يتناسب، وكذلك السائق لا يكون مستعدًا لقيادة سيارة جديدة حتى يعتاد عليها. الذكر أيضًا يجب أن يكون في القلب، ويجب أن يصبح جزءًا منه. يجب أن يُفرغ القلب ويُصقل بالذكر، ويجب أن ينعكس الذكر في القلب كما ينعكس القلب في الذكر.
الذكر الذي يتم تثبيته في القلب يبدأ في الانتقال إلى جميع أجزاء الجسد والأعصاب، ويبدأ في أن يصبح جزءًا من الطبيعة البشرية. الذكر الذي يتثبت في قلب السالك يصبح جزءًا لا يتجزأ من جسده وروحه بحيث يصبح الذكر هو الذي يوجه أعماله وأفعاله.
قاعدة (5): عدم فقدان الأذكار المثبتة
الذكر الذي تم تثبيته في الباطن لا يفقد أبدًا. حتى إذا تم تثبيت ذكر آخر، فإنه لا يؤدي إلى فقدان الذكر الأول، بل يبقى مع السالك حتى يوم القيامة.
قاعدة (6): الموكل بالذكر
الشخص الذي يتم تثبيت الذكر في باطنه يقوم بتسليمه إلى شعوره اللاواعي. هذا الذكر يُطلق عليه “الموكل النفسي”. النفس يمكن أن تكون مثل الذاكرة، وقد تحتفظ بالذكر في الأوقات الصعبة مثل لحظات الموت، حتى إذا كانت الذاكرة لا تساعد.
قاعدة (7): صاحب الذكر
بعد مرور فترة من الزمن التي يُصبح فيها السالك متآلفًا مع الذكر اللفظي، يجب أن يسعى لجعل الذكر قلبيًا. أي أنه ينبغي أن يكون قادرًا على قول الذكر من دون وعي، سواء كان في حالة صمت أو حديث أو حتى أثناء النوم. وعند ذلك، يصبح الذكر جزءًا من نفسه بشكل دائم.
الشخص الذي تم تثبيت الذكر في باطنه يُسمى “صاحب الذكر”.
قاعدة (8): حيوية الذكر الباطني
باطن صاحب الذكر لا يخلو أبدًا من الذكر. حتى وإن مات، سيظل ذكره معه، لأنه ليس في الذاكرة ولا في القوة العقلية التي قد تنتهي مع الموت. صاحب الذكر يحمل لوحًا من الذكر في وجوده، وهو معه حتى في البرزخ.
الذكر الباطني مثل حمامة تحمل غلافًا، حيث يرجع دائمًا إلى صاحبه حتى في الآخرة.
قاعدة (9): صحة الذكر
الذكر يجب أن يُسبب للذاكر صحة ونشاطًا. إذا كان الذكر يؤدي إلى إبعاد الشخص عن الحياة الطبيعية أو يحوله إلى شخص انعزالي، أو إذا عطل تحصيله العلمي أو عمله أو أثر سلبًا على علاقاته العائلية، فيجب تركه فورًا. الذكر الصحيح هو الذي يجلب السعادة والراحة والطاقة، ويرتقي بالروح إلى الملَكوت. أما الذكر الذي لا يحمل هذه الصفات فهو ذكر غير صحي.
قاعدة (10): القدرة على التحويل
لكي يتمكن الشخص من خلق ذكر في باطنه، يجب عليه أن يكون قادرًا على ترك جميع الشواغل والاهتمامات والتركيز فقط على الذكر. هذه العملية تسمى “قدرة التحويل”.
قاعدة (11): تمارين الذكر
بعض الأذكار التي يعطيها الأستاذ الروحي للطالب في البداية تعتبر تمرينية، ولا يُتوقع منها نتائج فورية. الأذكار للأشخاص المبتدئين قد تسبب لهم بعض الثقل في البداية، ويجب عليهم بذل جهد إضافي للتكيف مع الذكر حتى يحققوا التوازن الداخلي.
قاعدة (12): طرق تفاعل الأستاذ مع الطالب في الذكر
يمكن أن يعطي الأستاذ الذكر للطالب إما بشكل فردي أو جماعي. الطريقة الفردية تكون سرية تمامًا، حيث يراقب الأستاذ حالة الطالب عن كثب. في الطريقة الجماعية، يتشارك عدة أشخاص في الذكر، مما يسمح لهم بالتعلم من بعضهم البعض.
القاعدة ( ): مراقبة النفس
يجب على الذاكر أن يكون مراقبًا لنفسه ويلاحظ حالاته النفسية وصفاته الشخصية لكي يتمكن من تقييم مدى تأثير الذكر عليه. إذا كان الذاكر قد حصل على القدرة على التركيز لمدة معينة ولكنه لم يلاحظ أي نتيجة من الذكر، فعليه أن يستشير مع معلمه أو صاحب الذكر؛ لأن السبب قد يكمن في أن الذكر الذي يقوله غير مناسب له، أو أن لديه صعوبة في الاستعدادات الأولية، أو ربما أن الذكر الذي يتلوه يستغرق وقتًا طويلًا حتى يظهر أثره. من الممكن أن يستغرق الذكر لبعض الأشخاص وقتًا طويلاً ليظهر تأثيره، لذلك لا ينبغي للمرء أن يفقد أمله إذا لم يشعر بالنتائج بعد مرور عدة أشهر. ولكن تحديد ذلك يقع ضمن نطاق علم الأستاذ وصاحب الذكر.
القاعدة ( ): التهدئة والحفاظ على الهدوء في الأعمال
إن أداء العمل بهدوء يعزز الإرادة ويزيد من القدرة على الاستيعاب. يجب على الذاكر أن يتدرب على شرب كأس من الماء أو الشاي بشكل هادئ وطوال عدة دقائق وببطء، بحيث لا يشربه دفعة واحدة. ممارسة هذا السلوك تساهم في تقليل التوترات النفسية والجسدية.
القاعدة ( ): تقوية الإرادة
لتقوية الإرادة، يجب على الذاكر أن يخصص بضع دقائق يوميًا للتوقف مع نفسه. على سبيل المثال، يمكنه أن يمسك بتفاحة أو أي فاكهة أخرى ويتركها بين يديه لبضع دقائق دون أن يأكلها. هذه الممارسة لها تأثير كبير على تهدئة النفس وراحة الروح. بالإضافة إلى ذلك، يعد الاستحمام بالماء البارد في فصل الصيف أو بالماء الدافئ في فصل الشتاء مفيدًا جدًا في تحسين المزاج وتهدئة الأعصاب.
لزيادة التركيز، يجب أن يبدأ الذاكر من الأمور الحسية. على سبيل المثال، يمكنه وضع كوب من الماء أمامه والنظر إليه لمدة خمس دقائق دون أن يغمض عينيه كثيرًا. بعد ذلك، يمكنه الانتقال إلى تمرين الذاكرة بتصور الكوب في ذهنه والتركيز عليه لمدة عشر دقائق. مع الاستمرار في هذه التمارين، ستصبح القدرة على التركيز جزءًا من طبيعته.
القاعدة ( ): الاهتمام بالمحك والذكر لا بالذِكر الدال
عند أداء الذكر، يجب أن يركز الذاكر على المحك (المعنى الحقيقي) للذكر، وليس فقط على الكلمة نفسها. لا ينبغي للذاكر أن ينشغل في أثناء ذكره بتفاصيل لفظية أو فكرية، بل يجب أن يوجه انتباهه إلى الله الذي يحيط بكل شيء.
القاعدة ( ): الاستمرارية على ذكر واحد
يجب على الذاكر أن يلتزم بذكر واحد فقط خلال فترة معينة، وعدم أداء العديد من الأذكار في وقت واحد. من لا يلتزم بهذا الأمر يشبه من يستهلك أنواعًا مختلفة من الأطعمة أو الأدوية في نفس الوقت، ما يؤدي إلى اضطراب في معدته أو تسمم. الأذكار المتعددة لا تؤدي إلى أثر ملموس في القلب ولا تساهم في تطهيره.
القاعدة ( ): الذكر؛ انتباه النفس
الذكر هو نوع من الانتباه، ومثلما أن الانتباه له مراتب، فإن الذكر أيضًا يتدرج في مراتب. قول الذكر دون أن يكون هناك انتباه حقيقي فيه لا يؤدي إلى أي نتيجة سوى الإرهاق، ويمنع تأثير الذكر من التحقق. يمكن للذاكر أن يكرر أذكار “مفاتيح الجنان” لمدة عقود، ولكن ذلك لا يعد قراءة حقيقية ما لم يكن في القلب انتباه حقيقي.
القاعدة ( ): فهرسة الأذكار المدمجة
يجب على الذاكر أن يحفظ قائمة بالأذكار التي يلتزم بها والتي قد نمت في قلبه. من خلال هذه الفهرسة، يستطيع أن يلاحظ التأثيرات التي تطرأ على نفسه ويحدد مع معلمه ما إذا كان من الضروري تعديل الذكر.
القاعدة ( ): الاقتضاء في الذكر
الذكر يتعلق دائمًا بالظروف والسياقات. يمكن أن يكون ذكرًا محمودًا أو مذمومًا بناءً على ما إذا كان في سياق إيجابي أو سلبي. مثلما يمكن أن يكون ذكر الله مفرحًا، يمكن أيضًا أن يكون ذكر شيء آخر مؤلمًا أو محزنًا. على الذاكر أن يلاحظ الاقتضاء في كل ذكر، وأن يتوجه فقط نحو ما يفيد روحه.
القاعدة ( ): الغفلة الناتجة عن الذكر الخاطئ
الذكر هو نوع من الانتباه، لكنه قد يؤدي إلى الغفلة إذا كان بطريقة غير صحيحة. الذكر الذي يُمارس بشكل غير صحيح قد يولد الكبر والغرور، ويصبح ضارًا لصاحبه إذا كان يساهم في تغذية الغفلة أو القسوة القلبية.
القاعدة ( ): الأذكار السريعة التأثير
النفس الطاهرة تستجيب بسرعة للأذكار الخفيفة والبسيطة. على سبيل المثال، ذكر “لا إله إلا الله” الذي لا يحتوي على نقاط يعتبر أخف في اللفظ وله تأثير أسرع مقارنة بذكر مثل “لا حول ولا قوة إلا بالله” الذي يتطلب وقتًا أطول لتحقيق تأثيره.
القاعدة ( ): الانتباه إلى تاريخ صلاحية الذكر
لكل ذكر فترة زمنية معينة يمكن استخدامه خلالها، وهذه الفترة يعرفها المعلم ذو الخبرة. لا ينبغي استخدام الذكر بعد انتهاء الفترة المحددة له، لأنه قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية إذا تم استخدامه بشكل مفرط.
القاعدة ( ): الانتباه إلى صاحب الذكر
بعض الأذكار ينبغي أن تُقال بإذن من صاحب الذكر أو من أهلها، مثل أئمة أهل البيت عليهم السلام، لأن الذكر دون إرشاد من أهل الذكر قد يكون عديم الفائدة.
القاعدة ( ): الصلاة؛ إذن دخول السلوك
عند بدء السلوك، يحتاج السالك إلى ذكر معين لبدء الرحلة الروحية. ذكر “الصلاة على محمد وآل محمد” هو الذكر الأول الذي يُوصى به للسالك المبتدئ، فهو بمثابة إذن من الله للانطلاق في السلوك الروحي. ينبغي للسالك أن يداوم على هذا الذكر في الساعات الأولى من الصباح، وإذا لم يتمكن من الاستيقاظ في تلك الأوقات، يمكنه أن يذكر الصلاة بعد صلاة الفجر. لا ينبغي إضافة أي شيء إلى صيغة الصلاة.
القاعدة ( ): التسبيح؛ مُطهِّر الأرواح
ذكر “سبحان الله” هو من الأذكار الأساسية لدخول السلوك. هذا الذكر له تأثير قوي في تطهير النفس من الشوائب وإزالة الأوهام والخيالات القلبية. من يداوم على هذا الذكر يلاحظ أن ذهنه يصبح أكثر صفاءً وتخليصًا من الأفكار السلبية.
يُشير هذا النص إلى أهمية الذكر وكيفية ممارسته في سياق السلوك الروحي، ويتناول خصائص بعض الأذكار ودورها في تطهير النفس وتصفيتها. من بين النقاط الأساسية التي تم تناولها:
- الخفّة التي ينطوي عليها الذكر: يُعتبر ذكر “سبحان الله” من الأذكار التي تُحدث خفّة في النفس وإحساسًا بالراحة الداخلية. يجب أن تكون هذه الخفّة حقيقية وليست مجرد تخيّلات أو مشاعر زائفة. ينبغي أن يُمارس هذا الذكر بتركيز كامل على باطن الشخص ودون تدخل الخيال.
- كيفية نطق الذكر: يُستحسن أن يتم تلاوة ذكر “سبحان الله” بصوت مسموع يُسمعه الشخص نفسه. في البداية، يمكن قول الذكر عشر مرات خلال نصف ساعة، ثم زيادة العدد تدريجيًا. إذا كانت القدرة على ذكره غير كافية أو لم يشعر الشخص بتأثيره، يجب عليه الاكتفاء بذكره مرة واحدة.
- الذكر في حالات مختلفة: ينبغي للذاكر أن يذكر الذكر في لحظات خلوة وسكون، بعيدًا عن الملهيات والمشاغل، بحيث يبقى فكره في الاتصال بالسماء ولا ينشغل بالظروف المحيطة. بالإضافة إلى ذلك، يجب تجنب مزج الذكر مع الصلاة أو صلوات أخرى أثناء الذكر.
- ذكر الاستغفار: ذكر “استغفر الله ربي وأتوب إليه” يعد من الأذكار الثقيلة، حيث يتضمن تنزيهًا لله سبحانه وتعالى وتنزيهًا للعبد في الوقت ذاته. له قدرة على تطهير النفس من الكدورة والغلظة، وإزالة الكراهية والخبث، ويؤدي إلى تخفيف البلاء والمصائب الناتجة عن الذنوب.
- أهمية الذكر في أوقات معينة: يُفضل أن يُقال ذكر “استغفر الله” في السجود وخاصة في الليل، حيث تكون الروح أكثر استعدادًا لتقبل النقاء والتطهير. كما يُنصح بتكراره في مجموعات من سبعة؛ لأن هذا العدد يُعتبر مناسبًا لتطهير النفس بشكل فعّال. يُستحسن أن يكون الذكر بطيئًا وألا يُقال بسرعة، حيث إن التسريع في الذكر قد يُقلل من تأثيره الروحي.
- ذكر لا إله إلا الله: يُعتبر ذكر “لا إله إلا الله” أساسًا للسلوك الروحي، حيث ينطوي على نفي كل الآلهة والأرباب غير الله. هذا الذكر يساعد على إزالة كل أشكال الشرك في النفس، ويُعتبر نقطة انطلاق للسلوك الروحي الصحيح. يفضل أن يُقال هذا الذكر في ساعات السحر وفي أماكن خالية من الضوضاء، حيث يكون الشخص في حالة من الخلوة التامة والاتصال الروحي بالسماء.
- التوبة والرجوع إلى الله: التوبة تُعتبر من أهم مراحل السلوك الروحي. التوبة الحقيقية تتطلب العودة إلى الله من جميع المعاصي والذنوب، وكذلك من الصفات السلبية في النفس. تُعتبر التوبة بمثابة شفاء للنفس، وأداء لهذا الذكر يعمل على تطهير الشخص وجعل قلبه أكثر صفاءً، مما ينعكس على سلوكه وتصرفاته.
ذكر التهليل في سلوک الروحانيات
إنَّ ذكر التهليل له خصائص كثيرة، ولكن في هذا الحديث المشهور تمَّ ذكره بشكل عام. يجب على كل شخص أن يلتزم بالعدد المحدد لهذا الذكر بطريقة تتناسب مع حالته، ونحن هنا نذكره بشكل عام ونبين ثلاثة من أهم الخصائص التي يجب مراعاتها في الاستمرارية على هذا الذكر.
أولاً، يجب أن يُقال الذكر بسلاسة، بحيث لا يقع المتحدث في خلط أثناء تكراره. ولتحقيق ذلك، يجب التدريب على نطق الحروف بشكل صحيح. ومن التدريبات المستخدمة في مجال الإذاعة والتلفزيون يمكن تطبيقها هنا أيضًا. عند تكرار التهليل، يجب أن يُقال “لا إله إلا الله لا إله إلا الله لا إله إلا الله…” بشكل متسلسل دون تداخل أو تشويش في النطق. يجب مراعاة القواعد التركيبية والنحوية لهذا الذكر، ويجب ألا يُحذف شيء منه. القدرة على النطق السلس تكون واضحة عند تكرار الذكر الطويل أو متعدد الأجزاء، فإذا كان الشخص يعاني من قلة التنفس أو عدم القدرة على حبس نفسه لفترات طويلة، فإنه سيواجه خللاً في أداء الذكر ولن يستفيد من أثره. هذا الأمر يكون أصعب في الأذكار الخفية وغير المسموعة، حيث يجب على الشخص في تلك الحالة أن يؤدي الذكر أثناء حديثه على المنبر أو أثناء تدريسه أو في جلسات النقاش، بحيث يصدر الدماغ الأوامر المتعددة والمتتابعة بشكل لا واعي. يُفضل أن يتم التدريب في الليل وفي الظلام حتى لا تشتت الانتباه مظاهر الطبيعة أو الأصوات المحيطة، ويكون الجو هادئًا، بعيدا عن ضوضاء الأضواء السامة التي تضر بالجسم تدريجيًا.
ثانيًا، يجب مراعاة “الطعام الحلال” وأن لا يُستهلك أي طعام غير طيب. يجب تناول الطعام الطيب والطاهر والحلال، والابتعاد عن الأموال التي تنطوي على البخل والشح، والتي تكون قليلة القيمة.
أما النقطة الثالثة، فهي مراعاة المزاج. الشخص الذي يتناول الطعام الحلال والطاهر ليس بالضرورة أن يأكل منه بأي كمية، بل يجب أن يراعي مزاجه، وتحديد كمية الطعام بحيث لا يثقل معدته. على سبيل المثال، عند تناول العشاء، يجب عدم تناول طعام ثقيل مثل الحساء أو “التريد” الذي يثقل المعدة، لأن الذكر الذي يُقال بعد تناول طعام ثقيل لا يؤدي إلى أي تأثير. حينما يثقل الطعام المعدة، يوجه الجسم كل طاقته نحو هضم الطعام، ولن يكون للذكر أي تأثير. بالنسبة للسالك، يكون الذكر مثل الحقنة التي تُعطى للنساء أثناء الولادة، حيث يُنصح بالاسترخاء والتخلص من أي ثقل لتسهيل العملية. لذا، يجب أن يكون الجسم جاهزًا للذكر من خلال مراعاة هذه الجوانب.
الاستعداد للذكر يشبه الاحماء والاستعداد لممارسة الرياضة؛ فلا يجب أن يكون الشخص جائعًا أو ممتلئ المعدة عند الذكر. يجب أن يُمارس الشخص الذكر باستمرار حتى يصبح جزءًا من القلب لا مجرد حركة لسان.
أما في ما يتعلق بالتكرار، فإن الاستمرار على هذا الذكر لا يتطلب عددًا معينًا، ولكن يمكن البدء بتكرار الذكر مئة أو ألف مرة. ينبغي أن يبدأ الذكر بصوت عالٍ، ثم يخفف تدريجياً حتى يصبح خفيًا ثم قلبيًا. يجب أن يتطور الشخص في هذا الذكر حتى يزرع كلمة “لا إله إلا الله” في قلبه. المداومة على هذا الذكر ستؤدي إلى رؤى وفهم عميق، وسيشعر السالك بالتواصل مع مصادر الطاقة الروحية مثل المياه والبحار والبساتين.
ذكر التهليل في أيام ذي الحجة
بعد أن يداوم السالك على ذكر التهليل لمدة أربعين يومًا، يصبح مستعدًا للانتقال إلى عالم الروحانيات والمنازل العليا. ذكر التهليل الذي يذكره الشيخ عباس القمي في كتابه “مفاتيح الجنان” في أعمال الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، يُعتبر من الأدعية الهامة في هذه الفترة. وينقل عن الشيخ عباس القمي أن هناك خمس صيغ مختلفة لذكر التهليل، وهي:
- أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير
- أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدًا صمدًا لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا
- أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدًا صمدًا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدًا
- أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير
- حسبنا الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهاً أشهد لله بما دعا وأنه بريء ممن تبرأ وأن لله الآخرة والأولى
يجب أن يتم تكرار هذه الأذكار وفقًا للقواعد التي تم ذكرها، مع مراعاة بعض النقاط الهامة مثل:
- يجب التدريب على تكرار الذكر بدون توقف أو انقطاع في التنفس.
- يجب أن يتألف الذكر من أجزاء متتالية بحيث يكون الذكر الأول جزءًا من الثاني، والثاني جزءًا من الثالث، وهكذا.
- يجب أن يبدأ الذكر بشكل جلي ثم ينتقل تدريجيًا إلى الشكل الخفي، وأخيرًا إلى الشكل القلبي، حيث يكون الذكر في القلب خاليًا من الشرك.
هذه الأذكار لها تأثير عميق في تصفية النفس وتنقية القلب من الشرك، كما أن لها تأثيرًا كبيرًا في النوم والرؤى.
الذكر الخفي والباطني
للطالب نوعان من الذكر: الأول هو الذكر الظاهر الذي يُقال باللسان، والثاني هو الذكر الباطني الذي ينطق به القلب والروح. وقد تحدثنا سابقًا عن “التنفس العميق والإرادي”، حيث يجب على السالك أن يكون قادرًا على التحكم في تنفسه، وهو أمر ضروري لتحقيق الذكر الخفي.
الذكر الباطني غير مرئي ويرتبط بالتنفس. في الحقيقة، يُعتبر التنفس لدى السالك مثل الوسيلة التي يُستخدم فيها الذكر الباطني. في كل نفس، وفي كل زفير، يذكر السالك. وهو في الوقت الذي يتحدث فيه في حديثه اليومي والعادي، يقوم في نفس الوقت بذكره الباطني دون أن يُخلّ ذلك في أي منهما، ودون أن يشعر الآخرون بذلك.
مكان الذكر الخفي هو القلب. وما يتبادر إلى الذهن من أفكار ومفاهيم لا يُعدُّ من الذكر الخفي؛ كما أن الذهن لا علاقة له بالتنفس. الذكر الخفي لا يُستعمل فيه اللسان، بل ينبع من أعماق السالك ويُستقر في أنفاسه دون أن يدركه الآخرون.
الإنسان لديه القدرة على أن يُحيي تنفسه ويمنحه روحًا من خلال مرافقة الذكر له. الأشخاص العاديون يستفيدون من التنفس فقط للحفاظ على حياة أجسادهم، بينما السالك يختلف عنهم، فهو لا يقتصر على التنفس فحسب، بل يرافق كل نفس بذكر خفي باطني غير مسموع، ولا يتحرك فيه الشفتان ولا يُستخدم اللسان. السالك يُدمج الذكر في أنفاسه.
في البداية، قد يكون هذا الأمر صعبًا جدًا، وقليلون من يستطيعون فعله. لكن مع الممارسة الكثيرة، يمكن للمرء أن يصل إلى حالة يُصبح فيها في كل نفس ذكرًا، حتى في أثناء النوم يصبح ذاكرًا، ويصبح بذلك مصداقًا للحديث الشريف: “نوم المؤمن عبادة”. ومن المنطقي أن يكون هذا النوم عبادة، لأن المؤمن لا ينقطع عن الذكر حتى في أثناء نومه. إذا عاش شخص ما فقط بتنفسه دون ذكر، فإنه في هذا الجانب يُشبه الحيوان، لأن ذكره قسري. أما المؤمن فيجب عليه أن يحقق الاستخدام الأمثل لتنفسه ويركب جهاز الذكر عليه.
السالك يُدمج الذكر في تنفسه ويُخرجه من حالته المادية البحتة ليُعطيها روحًا. أما ما هو الذكر الذي يتلفظ به السالك، فقد تحدثنا عنه في “علم الذكر” الذي شرحناه في كتاب آخر. الذكر له أنواع مختلفة، من بسيط، مركب، ومتشابك، ويعتمد تقديم كل نوع منها على رأي الأستاذ وقدرة السالك.
من بين الأذكار، يحتل الذكر الخفي مكانًا مهمًا، فهو أرفع وأثقل وأكثر صعوبة. فقول “بسم الله الرحمن الرحيم” باللسان أمر سهل، ولكن أن يُقال هذا الذكر خفيًا مع التنفس وفي أثناء الكلام دون أن يختل أي منهما هو أمر صعب.
للشخص الذي يتقن التحكم في نومه، طعامه، وتنفسه، نبدأ بالذكر الأول، وهو “بسم الله الرحمن الرحيم”. وقد تم الحديث عن كيفية قول هذا الذكر والاستمرار عليه في “ذكر البسملة”.
أهم ما في الذكر الخفي هو التوافق مع التنفس، وألا يبقى مكان من التنفس بلا ذكر.
من يواجه صعوبة في قول الذكر الخفي ينبغي له أن يقلل من كلامه، ويمارس لإبقاء فمه مغلقًا، كما كان يفعل بعض الصحابة الكرام بوضع حصى تحت ألسنتهم كي لا يتحدثوا.
إذا لم يكن السالك قادرًا على قول الذكر الخفي بهذه الطريقة، ينبغي له أن يبدأ بتقليل كلامه، وبعد فترة من التمرين المستمر، يمكنه الانتقال إلى الذكر الخفي.
في أثناء الذكر الخفي، ينبغي التنسيق بين التنفس والذكر، خاصة أن شروط الشهيق والزفير تختلف. الشهيق يشبه صعود الإنسان على السلم، بينما الزفير يشبه النزول، وعند الزفير قد يرغب الجسم في الهروب، ولذا يجب أن يوقفه الإرادة كي يبقى الجسم ثابتًا. من جهة أخرى، الشهيق أكثر أهمية من الزفير لأنه يحمل الأوكسجين والحياة، بينما الزفير يحمل ثاني أكسيد الكربون الذي يضر الجسم.
إن حالات السالكين تختلف، ولذلك يختلف الذكر الخفي بالنسبة لكل منهم، ويجب أن يُقدَّم لكل شخص بما يتناسب معه، ويجب تعلمه من معلم متمرس. ومع ذلك، يُعد “بسم الله الرحمن الرحيم” أفضل ذكر يمكن بدء الذكر الخفي به، ويجب على السالك أن يُمارس عليه كل بضع دقائق.
الرجوع إلى الليل
إن هذه المقولة تشير إلى الأشخاص الذين لديهم قدرة عالية على استقبال الرحمة الإلهية الليلية. إن السلوك في الخلوة والوحدة مرتبط بالليل بشكل خاص. بالطبع، إن الخلوة في معناها الحقيقي في الليل تكون متحققة، فالليل ليس لكي يُنَام فيه كاملاً، بل يجب أن ينام الشخص قليلاً من الليل، خاصة في أوله، وفي باقي الساعات ينبغي أن يبقى مستيقظًا. كما يقول القرآن الكريم: (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا) [الفرقان: 64]. وبالتالي، ينبغي أن يكون الشخص مستيقظًا معظم الليل، ويأخذ قليلاً من النوم.
إن الاستفادة من الظلام في السلوك أمر ضروري للغاية. إن سماء الليل هي التي توزع الخيرات الروحية على السالكين، والليل هو وقت ليلة القدر، وهو الوقت الذي حدث فيه المعراج، وفيه نزل القرآن الكريم. أما النهار فلا خصائص له في السلوك الروحي، فهو وقت للاهتمامات الدنيوية والعمالية، بينما الليل هو وقت أهل المعرفة والسلوك. يجب على السالك أن ينام قليلاً من النهار ليتمكن من السهر في جزء من الليل. كل لحظة من الليل تعادل يوماً كاملاً. ومن يعتاد النوم طوال الليل ويغفل عن الظلام، فهو شخص دنيوي، ولا ينبغي توقع الكثير منه.
مدينة قم تحتوي على أفضل ليالي ملكوتية في العالم كله. رغم أن هواءها جاف إلا أنه نقي وطاهر ومناسب للتنفس والتركيز على الذكر. لكن ما يجعل قم متميزة ليس هواؤها أو حضور الأئمة فيها، بل لياليها. ليالي قم أفضل من ليالي المدينة المنورة ومكة المكرمة وغيرهما من المدن الدينية. في الحقيقة، قم تعرف بلياليها وليس بنهارها الذي لا يُؤتي ثمارًا روحية. ليل قم هو ذهب السماء. وتلك المقولة التي تشير إلى أن أحد أبواب الجنة مفتوح في قم تخص لياليها وأجواءها. لأن الجنة ليست على الأرض أو تحتها، بل في الملكوت السماوي.
التعلق بالمقابر
يجب اعتبار المقابر بمثابة أكاديمية روحية حيث يتمكن السالك من الانفصال عن الجسد والتواصل مع الغيب. إنها أكاديمية تقوم على تمارين قاسية لا يمكن لأي تعليم آخر أن يعادلها. دروس هذه الأكاديمية تفتح في الليل فقط، لأن الرزق الروحي يُمنح للسالك في الليل، وهو وقت الوصول إلى المعارج الروحية، بينما النهار مخصص للحياة الدنيوية.
مصباح هذه الأكاديمية هو الظلام، ومكان الدرس هو المغاسل والمقابر، حيث يتم التدريس حول كيفية الموت. روح السالك في عمق الظلام في هذه الأكاديمية تجد طريقها إلى السير الروحي، فتنفصل عن الدنيا وترتقي إلى العوالم السماوية وتكتشف المنازل الروحية أمامها. بهذا الشكل، يصبح السالك غير بحاجة إلى الأ الدنيوية أو الكتب أو المعلمين.
الإرتباط بالمقبرة يجعل الشخص ينفصل عن المادة ويشعر بشيء من الرهبة، ولكنه يسلك في طريق الإيمان. كما أن النبي إبراهيم عليه السلام والنبي عزيز عليه السلام استخدما أجساد الموتى كمصدر لإيمانهما، وهذا يعد من الأساليب المشهورة في السلوك الروحي.
إن الإرتباط بالمقابر يساعد الإنسان على الانفصال عن عالم المادة ويشعر بمشاعر صعبة ومرعبة، لكنه يقود إلى اكتساب الوعي الروحي. في الرياضات الروحية يجب أن يسعى الإنسان إلى إيجاد مخرج من قبضة المادة والتوجه نحو عوالم جديدة حيث يمكنه رؤية الحقائق الروحية.
إن السلوك الروحي يعد من أصعب العلوم التي يتطلب تطبيقها جهداً كبيراً، حتى أنه أصعب من تدريبات أفضل القوى العسكرية والاستخباراتية. السلوك الروحي للسالك يعادل المعاناة التي يواجهها مريض سرطان الدم. الشخص الذي يعاني من هذا المرض يحتاج إلى تصفية دمه بالكامل ليحل محله دم جديد. بطريقة مشابهة، يجب على السالك أن يموت ويعود إلى الحياة مرات عديدة ليشفى من أمراضه النفسية. هذا هو باب السلوك، وهو أكثر صعوبة بكثير.
بعد وفاة جدي العزيز، كان لي شرف تعلم السلوك الروحي من أستاذين كبيرين في هذا المجال، وهما زوجان كانا يُغسّلان الموتى وكانا من سلاطين الباطن. كان لديهما هيبة كبيرة حتى أن أقل الأشخاص لم يستطيعوا النظر في عينيهما. كانا يعيشان في مقبرة كانت مأهولة بالأموات، حيث كانت لديهم سلطة روحانية كبيرة، وكانوا يحكمون على عالم الموتى والظلام.
كنت أزورهم في المساء وأبقى معهم حتى الليل، وكلما جاء جنازة، كانت غذاؤنا الروحي جاهزًا. فلا يمكن للإنسان أن يعيش حياة حقيقية إلا إذا فهم الموت وتقبله، كما أن الماء لا يُعرف إلا في الجفاف، والدنيا لا تُعرف إلا بالآخرة، والشيطان لا يُفهم إلا بالاستعاذة بالله.
إن السلوك الروحي ليس مجالًا للمناقشات الدينية أو التعليمية. في هذا المجال، يجب على السالك أن يكتشف ذاته ويقرر إذا كان مستعدًا للتضحية بحياته من أجل هذا الطريق. وإلا فليس له أن يضيع وقته وموارده في هذه الأمور.
الاستمرار في قراءة القرآن الكريم
إن السلوك الروحي لا يكتمل بدون قراءة القرآن الكريم. للانخراط في السلوك الروحي، يجب على السالك أن يخصص وقتًا خاصًا لقراءة القرآن بقصد التقرب إلى الحق، حيث إن قراءة الآيات التي تدرّس في الكتب ليس لها تأثير على السلوك. يجب أن يتم قراءة هذا الكتاب السماوي بتركيز كامل وبهدف أن يستقر القرآن في قلب السالك، ويُصبح جزءًا من نفسه. لا يوجد ذكر أو دعاء يمكن أن يؤثر في السلوك الروحي بقدر ما تؤثر قراءة القرآن الكريم.
التوجه نحو الأمور السماوية والابتعاد عن الحركة الأرضية
بعد دخول السالك في مجال أهل الحقيقة، يكتسب القدرة على مشاهدة المغيبات عالم الروح بشكل إرادي. يجب على السالك الذي يحصل على هذه القوة أن يكون حذرًا حتى لا يقع في فخ التعلق بالمادة، ويجب أن يبتعد عن التحركات الأرضية، لكي لا ينشغل بملاحظة آثام البشر. إن التطفل في شؤون الدنيا ورؤية خطايا الناس يؤدي إلى العواقب السيئة. كثير من السالكين الذين يتنبهون للذنوب ينتهون في الفشل، بينما يتوب كثير من المذنبين ويجدون السعادة الحقيقية.
يجب على السالك أن يظل مشغولًا بالأمور الروحية، بالملكوت السماوي، والتوحيد، والولاية ليحافظ على رؤيته الروحية النقية.
[1] . يوسف / 53.
[2] . بقره / 143.
[3] . بقره / 282.
[4] . نجم / 39.
[5] . احزاب / 21.
[6] . بحار الا، ج 73، ص 167.
[7] . اين روايت در ميان عالمان دينى مشهور است ولى شهرت آن داراى استناد تاريخى نيست.قديمىترين كتابى كه اين عبارت را آورده «احياء العلوم» غزالى از عالمان اهل سنت است.
[8] . مستند گفتهى ياد شده مشاهداتى است كه در قبرستان امامزاده سه دختران تهران داشتهام.گورستانى بزرگ كه به لطف خداوند منّان دانشگاه و محل آموزش معنوى و مركز ريزشخيرات و كمالات ربوبى در كودكى بر من بود و شرح ماجراى آن را در كتاب «حضور دلبران»آوردهام.
[9] . بقره / 54.
[10] . يوسف / 53.
[11] . بقره /24.
[12] . طه / 18 46.
[13] . فاتحه / 6 7.
[14] . آل عمران / 61.
[15] . يوسف / 64.
[16] . بحار الا، ج 41، ص 14. خدايا تو را از ترس آتش و به طمع بهشت عبادت نكردم،بلكه تو را شايستهى عبادت يافتم، پس پرستش و بندگىات كردم.
[17] . نك: الكافى، ج 1، ص 12.
[18] . مريم /12.
[19] . عصر / 2 3.
[20] . نهج البلاغه / ج 4 / ص 35.
[21] . جامع السعادات/ محمد مهدى نراقى/ ج/1 / ص 38.
[22] . بقره / 253.
[23] . بقره / 194.
[24] . ر. ك الاحتجاج تأليف شيخ طبرسى.
[25] . شعراء / 83.
[26] . هود / 51.
[27] . حشر / 9.
[28] . هود / 78.
[29] . انعام / 124.
[30] . هود / 29.
[31] . يونس / 72.
[32] . يونس / 72.
[33] . سبأ / 13.
[34] . حشر / 9.
[35] . آل عمران / 153.
[36] . حشر / 9.
[37] . بينه / 5.
[38] . مائده / 118.
[39] . كهف / 6.
[40] . بحار الا، ج 64، ص 307.
[41] . بقره / 45.
[42] . بقره / 238.
[43] . حشر / 9.
[44] . بقره / 259.
[45] . حشر / 9.
[46] . مزمل / 2.
[47] . توبه / 61.
[48] . الاعراف / 179.
[49] . فاطر / 32.
[50] . بحار الا، ج 66، ص 292.
[51] . توبه / 31.
[52] . ذاريات / 55.
[53] . عوالى الئالى، ج 4، ص 76.
[54] . بقره / 275.
[55] . بقره / 7.
[56] . «ذكر» دانشى پيچيده است و نسخههاى آن بر اساس اصول و قواعد اين دانش فوق تخصصى تجويز مىشود و مستند به منقولات نيست.
[57] . همانگونه كه گذشت نسخههاى ياد شده مستند به تجربه و دانش فوق تخصصى ذكراست.
[58] . بقره / 156.
[59] . انعام / 162.
[60] . عصر / 2.
[61] . نصر / 3.
[62] . بقره / 93.
[63] . مزمل / 2.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.