صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

القواعد السبعة للسلوك الإلهي

نشر في آذر 13, 1404 في

القواعد السبعة للسلوك الإلهي

الهوية الببليوغرافية:

الاسم المؤلف: (۱۳۲۷ – )
العنوان: القواعد السبعة للسلوك الإلهي /
الناشر: إسلام شهر: ، ۱۳۹۳ هـ ش
المواصفات: ۷۲ صفحة؛ ۱۱×۲۱ سم
التسلسل: مجموعة الأعمال؛ ۱۱۹
رقم الكتاب المعياري الدولي (شابك): 978-600-6435-96-1
الموضوع: آداب الطريق (الطريقة)
الموضوع: التصوف
تصنيف الكونغرس: BP۲۸۹/۶/ن۸ق۹ ۱۳۹۳
تصنيف ديوي: ۲۹۷/۸۴
رقم التصنيف الوطني: ۲۹۹۹۶۳۲

المقدمة

العرفان، الذي نسميه “عروس العلوم”، هو أحد التخصصات العلمية التي لها مبادئ وقواعد كثيرة. وُجد هذا الكتاب ليخدم أولئك الذين يرغبون في الاطلاع على طريقة السلوك الإلهي والوصول إلى معرفة الحق تعالى، مع تحقيق فهم دقيق وصحيح لمقاصد العرفان. في هذا الكتاب، ناقشنا سبعة قواعد أساسية للسلوك بطريقة مختصرة وموجزة، لا تُثقل على القارئ.

تبدأ هذه القواعد بالتمييز بين سالكي المحبة وسالكي المحبوبية، حيث إن “سالكي المحبوبة” هو مصطلح شرحناه في كتبنا العرفانية أكثر من غيره، ونحن نوليها أهمية كبيرة، لأن العارفين المحبوبين ظلوا غائبين عن المعرفة العامة ولم يُبيّن أحد طريقة سلوكهم.

القاعدة الثانية تتناول المبادئ الأساسية للسلوك، وتذكر أن الإنسان يمكن أن يمتلك ثلاث محركات دافعة للحركة، وهي التي تحرك محركات معرفته القوية. كما توضح صعوبة معرفة الحق تعالى، لأن الله الذي يعتقد به السالك قبل السلوك هو الله المفهومي، أما في طريقه فهدفه هو الله الحقيقي، لكنه يواجه خلال الطريق ضربات عصا (اختبارات)، كما فصّلنا في القاعدة الثالثة. السالك الذي يتحمل هذه الضربات ويجتاز الطريق بصدق، يصل إلى معرفة لا يرى فيها إلا “هو”، ويزول عنه التعدد الظاهري كما هو موضح في القاعدة الرابعة. لكن الوصول إلى التوحيد لا يتم إلا بـ”الحب”، وهو موضوع القاعدة الخامسة. القاعدة السادسة تؤكد على “العلاج الحلال” للسالك، إذ لا قيمة لأي حركة أو سلوك بدونه. وأخيرًا، تحتاج كل حركة إلى بصيرة، فالعرفان النظري يتقدم على العرفان العملي، ويجب السير بالخطى التي تستمد بصيرتها من العرفان النظري، الذي يُكتسب من شيخ عارف مخضرم، وإلا قد يؤدي إلى الانحرافات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

القاعدة الأولى: سالكو المحبوبية والمحبة

الناس الذين يدخلون في السلوك الإلهي ينقسمون إلى فئتين: الأولى “المحبوبون” ويسمون بـ”المجذوبين السالكين” و”العرفاء العاشقين”، والثانية “المحبون” وهم “السالكين المجذوبين”. المحبوبون لديهم خصائص إلهية فطرية، يرون التوحيد بدون رياضة، ثم يصلون إلى الولاية، وهذا شأن يشبه الخصائص الوراثية، خلافًا للمحبين الذين يحتاجون إلى الرياضة، حيث يصلون أولاً إلى الولاية ثم إلى التوحيد. مع العلم أن المحبوبين يختلفون فيما بينهم، فقد يكون الشخص محبوبًا في أمر ومحبيًا في أمر آخر يحتاج فيه إلى الرياضة. التزام الحلال والابتعاد عن المحرمات والرياضة ضرورية جدًا للمحبوبين والمحبين المجذوبين.

المحبوبون هم أولياء مثل مصطفى، مرتضى، مجتبى والمنتخبون من الله. وعادة ما يظل المحبوبون خفية بين الناس، كما في قولهم “أولياء تحت قباء لا يعرفهم غيرهم”، يمرون بين الناس دون أن يعلم أحد بحقيقتهم، على خلاف المحبين الذين يكون لهم صيت وشهرة تفوق حقيقتهم.

العرفان علم متخصص، والمحبوبون الذين يعرفون قواعده وأصوله لا يرون ضرورة لشرح العرفان للآخرين، لأن ذلك يشبه شرح معادلات الكيمياء لشخص عادي لا فائدة له منها سوى وقوعه في سوء الفهم والضلال. والله لم يفرض على الناس ما هو أكثر مما جاء في الفقه والأخلاق، ولا يجب تحميلهم فوق طاقتهم.

الطريق العرفاني يؤدي إلى معرفة الحق تعالى، وهي معرفة صعبة وثقيلة جدًا. الله الذي يطلبه السالك ليس هو الله الذي يتحدث عنه المتكلمون والفلاسفة بأنه حكيم عليم قديم، بل هو أقوى بكثير من ذلك، وأبعد من أن تدركه عقول الفلاسفة غير الكاملة، فهؤلاء يعلقون حبالًا طويلة من الموجودات الممكنة بالله دون أن يعرفوا موضوع هذه الحبال أو مصداقها.


فكرة وجود الله – كما هو عليه – تُؤدي إلى تحطيم الإنسان وتفريغه من جوهره. وإذا قال الإمام السجاد عليه السلام: «أنا بعد أقلّ الأقلّين» فهذا يدل على ضعف الإنسان أمام الحق تعالى، لا على أنه يروي أشعاراً كما يظن البعض! كل ما يقوله المتكلمون أو الفلاسفة عن الوجود والبداهة والتشديد والتشكك والوحدة والماهية هو مجرد مفهوم عقلي لا مصداق حقيقي يمكن زيارته. وهذه المفاهيم لا تثير الإيمان الحقيقي. لكن من جهة أخرى، الحقيقة ذات مراتب، والقرآن والعرفان والبرهان ثلاث مستويات مختلفة تعبّر عن نفس الحقيقة. القرآن هو الوحي المعصوم، والبرهان هو الدليل العقلي الذي يعكس الواقع الخارجي إذا كان صحيحاً، والعرفان هو مشاهدة الحقيقة مباشرة. والبرهان هو العلم، والعرفان هو الشهود، والقرآن هو الوحي. يمكن دمج هذه الثلاثة بحيث يكون العارف يرى الحقائق من خلال رؤيته ويستدل عليها بالعقل والبرهان، ويتلقى الوحي.

وهذا يعني أن لدينا حقيقة واحدة بثلاث لغات تعبيرية، وكل إنسان ينال درجة منها حسب فهمه لإحدى هذه اللغات. وهذه الدرجات تمثل مراحل كمال الإنسان، والتي بعضها صعب جداً ولا يجب تحميل الناس أكثر من طاقتهم لتحقيقها.

لا ينبغي إهمال العلم الحسي، فهو من أدق أنواع المعرفة إذا كان الحِس مضبوطاً ومقوماً. رؤية أولياء الله من الحواس الإلهية التي تقدم أدق معرفات لهم، ومعرفتهم هي فهم جوهر الحقيقة. هذه المعرفة والشهود مطلقان، أي ما يميز العارف عن غيره هو الشمولية، بينما غير العارف يكون قيدياً. فالوثني قد يمتلك شهوداً مقيدة، لكنه لا يمتلك شهوداً مطلقة.

وكما قلنا، العقل غير كافٍ للوصول إلى معرفة الله، فهو كالرجل الذي يعجز عن المشي والعصا المكسورة التي لا يمكن السير بها. العقل يمكنه الوصول إلى معرفة الله بشرط التحرر من القيود والقفز إلى المعرفة المطلقة بالله، وهذا ممكن بالعقل الناضج.

الحديث عن العرفان مع الناس العاديين قد يخل بحياتهم ويدفعهم إلى الضياع. الأنبياء والأولياء يعرفون أموراً كثيرة، لكن لا يجب عليهم إفشاء كل معارفهم، لأنه يؤدي إلى التفرق والاختلاف، إذ أن هذه المعارف العميقة صعبة مثل الجمل الوحشي الذي لا يمكن ترويضه من قبل الجميع.

لكن العارف المحبوب يؤثر في من حوله بطرق غير مباشرة من خلال الرؤيا والدعاء والانتباه، دون أن يشعر الآخرون. والمدربون الأقوياء في العرفان يؤثرون على التلاميذ والأتباع دون الكلام. هناك كثير من المدعين في هذا المجال، ولكنهم في حقيقتهم خاويون، وحملهم غرور وتكبر فقط.

العارف للناس كالمساحات الخضراء التي تنظف الهواء تلقائياً بدون مطالبة أو ادعاء، بعكس المدعين الذين هم كالمراكز التجارية التي تبيع السموم للناس وتلوث البيئة. وإن لم توجد مساحات خضراء، يخنق الناس من السموم ويحتاجون إلى علاج مكلف.

البحث عن العرفان الحقيقي والعرفاء الحقيقيين في هذا الزمن، زمن الغيبة والنهاية، صار صعباً، ومع تراجع الخير وازدياد أهل الدنيا، الغلبة للباطل. لذا يجب الحذر والحفظ على الدين في هذا الزمن.

القاعدة الثانية: المحركات الثلاثة لحركة الإنسان

أول المبادئ لبدء السلوك هو معرفة أن الإنسان يمكن أن يمتلك ثلاث محركات دافعة للنمو والارتفاع إلى العوالم العليا وفهم حقائق العوالم المختلفة. هذه المحركات هي الحاسة، الفكر، والشهود. لا يمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة الشهود والمشاهدة قبل أن يكتمل نمو الفكر والعقل.

يجب بعد إشراق الفهم الحسي والطبيعي أن يُضاء الفهم النظري، وهو في البداية خامد. أي عمل لا يقوم على عقلانية أو نظر عقلي مستنير بالنور الإلهي لا يعطي نتيجة. حتى لو صلى الإنسان ستين سنة ولم يحرك بعد بعده العقلي فلن يحصل على أثر.

السلوك الصحيح يختلف عن قهر النفس. في العرفان لا يمحى العقل أو النفس، بل يُنمي أولاً ثم يُسيطر عليه. النفس ليست ثمرة مريرة للحياة، بل يجب أولاً إيجادها لكي نجد الله فيها. لا يمكن الجلوس أو المشي أو الكلام بدون تفعيل الحواس والعقل.

لو اعتبرك المجتمع شيخاً كبيراً، فلا يهم كثيراً لأن الناس تأخذ العادات حتى من المغنيات اللاتي يزينّ أفعالهن. نحن لا نتحدث عن درجات مثل عين اليقين أو حق اليقين لأن كثيرين استعملوا هذه الكلمات دون بلوغ حقيقتها.

يجب العمل على النفس والعقل. تقول إنك مخلوق لله، لكن هل الله عامل ويدخل في الخلق؟ إن وصلت عملياً إلى نقطة يمكنك فيها حفظ قطار فلو لم يشتعل بعد نور العقل لن تفيدك هذه القوة.

البكاء والحزن يرتبطان بالعقل والمعرفة التي توقد جذوة القلب. ولهذا يجب أولاً تنظيم النفس، وثانياً الابتلاء هو جزء من السلوك، وأدناه هو الفقر. الفقر في المؤمن المتخلق أمر حسن إذا كتمه، لكنه صعب وقليل من الناس يقبلونه…

تمرُّ الصحةُ من هذا المنعطف، وتعثر أقدام كثيرين في دنيا العوز، فتسقطهم على الأرض سقوطاً لا يُمكن النهوض منه. حين تكون جيوبكم فارغة، هل تمشي مترنحاً أم ثابت الخطى؟! هل يمكن لسالك أن يعتمد على المال والقوة المالية، أو أن لا يعتمد على شيءٍ مطلقاً، بل أن يرى العوز كأنه لا شيء، وهل يمكن له أن يقطع رجاءه حتى من الله؟! العوزُ حسن لمن لا يجزع، ولا يتعب فكره، ولا يعتبر نفسه فارغًا ولا لا شيء، ولا يجعل الفقر سبباً لفقدان هويته وضعفه. من كان مغرورًا في فقدانه فقد فاز، ومن كان مغرورًا بما يملك فهو في غفلةٍ وسُكرٍ مالي. يُقال: لا خير في خزائن الله أفضل من الجوع.

على أية حال، الابتلاء هو ما يولّد العظمة. لا ينبغي للسالك أن يكون عاصيًا أو غليظ القلب في الابتلاءات، بل يجب عليه أن يصبر على كل مشكلة بنفسه، وألا يكون ضعيفًا لدرجة حاجته إلى صخرٍ صبور.

ولا ينبغي أن نتجاوز أي شيء بغير اهتمام. هل نظرتَ إلى ذبابة؟ هل جلستَ تستمع إلى أنين قلبها؟ إذا أصغيت تسمعها تقول: “يا سيدي، لا تدري كم عانيت، كم جُرفت من هنا وهناك، وطرِدت من الأبواب!” إن أنين قلبها مثل أنين قلبك، مع أنك أرفع منها مكانة ووجودًا، فلا يجوز لك أن تتكلم مثلها. وإذا كان الأمر كذلك، فذلك لأنك لم تضيء فاز العقل والقلب لديك.

إذا أُضيء فاز عقلك، فلن تجرح، بل ستخيط وتؤمن بأن: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” (الذاريات: 22). الخياط هو الله الذي يحدد كل شيء. لذا يجب متابعة الأمور بانتظام وبرنامج متسلسل.

ويمكن تقسيم درجات كمال الإنسان إلى سبع مراتب تبدأ بالطبيعة، ثم العقل، الروح، القلب، السر، الخفي، والأخفى. من تجاوز الطبيعة وامتلك النفس، يدرك ما يحدث في الدنيا قبل وقوعه، إذا لم يكن النفس نائمًا. والبعض لا يصل إلى النفس في الدنيا بل في الآخرة.

لكن الوصول إلى النفس أمر، وامتلاك نفس هادئة أمر آخر. سوف نبيّن أن النفس الهادئة هي الصابرة والقانعة التي تكتسب القدرة على معرفة الأحداث قبل وقوعها. فما الذي يجب على الإنسان فعله ليبلغ راحة النفس؟

يُروى أن ملكًا قابلَ قلندريًا وقال له: “سأحقق لك كل ما تطلب”. قال له: “ابتعد ودع الشمس تُسطع علىَّ!” فقط بعد ابتعادك، تساعدني! هذا يُظهر هدوء نفسه، نفس لا طمع فيها. هل النفس مثل النار أو موج البحر بحيث يكون هدوؤها غيابها؟ أم يمكن أن تكون نارًا وموجًا وهادئًا في الوقت ذاته؟

الكثير من المغامرات التي تجلب الشقاء للإنسان سببها نفس غير هادئة. النفس تأمر بالسوء إلا ما رحم ربي: “إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي” (يوسف: 53). إلا إذا أعان الله، النفس لا ترضى. فكيف تُنال النفس الهادئة، الصابرة، القانعة؟

الوصول إلى راحة النفس مراحل شديدة، فالنفس لها شؤون متعددة من جوع، عطش، شهوة، قوة، سياسة، وثروة، وحتى الرذائل. وبكل هذه التعقيدات، كيف يُقال ببساطة “مات” عن من يرحل؟

إذا كانت النفس هادئة، تلهمه حلول مشاكله. وامتلاك قلب هادئ في زمنٍ يعمّ فيه القلق والتوتر أمرٌ نادر. أجدادنا لم يكن لديهم هذه المشاكل، كانوا يعيشون في بيوت مستأجرة ويمرون ختمة قرآن للوالدة الراحلة، أما الآن فقلوبنا مشتّتة.

النفس واسعة لا تشبع في الدنيا ولا في الآخرة، لكن العلم والعقل يستطيعان كبحها إلى حد ما.

قيل لأحدهم: “ماذا تريد أن تصبح؟” قال: “بقرة”، ثم “عقل”، ثم “مطر”، ثم “بحر”، وأخيراً قال: “لا أريد أن أصبح شيئًا”. الراحة هي ألا تسعى لأن تكون شيئًا ولا تطمع في شيء. مشاكل الدنيا حقيقة، والإنسان يمكن أن يزيدها أو ينقصها. يجب ترويض النفس لتكتفي بالقليل.

مثلاً، يمكن أن يستأجر أحد ببيت بمائة ألف، وآخر بخمسمائة ألف. يمكن أن يشتري قميصًا بخمسة آلاف أو بخمسين ألفًا. على الإنسان أن يعرف ما يريح قلبه. أحيانًا لا يهدأ القلب أبداً.

في طهران رأيت امرأة اشترت سيارة بلون اليشمي، وغيرت أثاث منزلها وملابسها لتتناسب مع ذلك اللون. نفس كهذه متمردة جدًا، وإذا لم تُروض، تترك الإنسان فقيرًا عند الموت، نادمًا حتى على تابوته.

القاعدة الثالثة: سياط السلوك

من دخل في طريق السلوك يواجه صعوبات كثيرة، وعلى السالك أن لا يفقد الصبر والاحتساب. يجب أن يُعطي السالك أكثر من ثمانين بالمائة من كيانه، بل ينبغي أن يتخلى عن مئة بالمائة، لا يكون لنفسه، ولا يغضب من أقل انتقاد. فضل الله يُعين بعض السالكين فلا يدعهم يفشلون. الله يحزن إذا فشل أحد في هذا الطريق. يقال إن التصوف له ألف منزل، ومن تلك المنازل “الأودية”، حيث يحترق عقل السالك ويتألم!

الذين وصلوا لهذه المراحل تركوا الكثير من آثار الكسر في قلوبهم. في التصوف كله “انكسار” مستمر. ذكرت بعض هذه “الانكسارات” في أبياتي الشعرية. ربما يقرأها بعضهم وينهار، وآخرون يرقصون. حسناً أن يرقص القارئ مع الشعر لا أن يذرف الدموع.

يجب أن يحترق السالك في هذا الطريق. كيف احترق الإمام الحسين عليه السلام كالفراشة في هذا السبيل! يجب على السالك أن يدع كل كيانه يحترق ويثبت في احتراقه. هكذا ثبت الوصلاء أن مدرسة الإسلام تخرج عرفاء كاملين.

ومن المزالق التي قد تواجه السالك: من يقول إن التربية والمشقة لا تؤثر على النفس. أقول إن أعطيتني ألفي حمار مع مكان لرعايتهم، بعد ستة أشهر أُعيد لك الحمير المختلفة تمامًا، لتشاهد أثر التربية. هناك من يدرب الحيوانات في بلدان أجنبية بطريقة شريرة لاستخدامها في شؤون جنسية. فإذا كان للتربية أثر على الحيوانات، لماذا لا يكون للإنسان؟!

التربية تؤثر خاصة على المتعلمين والفاضلين. للأسف، بسبب نقص المربين الأكفاء، تتدهور المجتمعات نحو الفساد، ويبتعد الناس عن التربية الصحيحة.

في هذا العصر، تتطلب الإنسانية جهدًا مضاعفًا بسبب كثرة المعوقات. حتى مع وجود مرشد روحي، كثير من عوامل الإعاقة تُبطِل أثر التربية. انتشار الفساد يدمر الأفراد ما لم يكن لديهم صبر كبير.

هذا العصر عصر التشتت، والتشتت يمنع الإنسان من النمو الروحي.

العيش وفق أحكام الله صار صعبًا في زمن غيبة الإمام المعصوم عليه السلام، لذا جاء في بعض الأحاديث أن الله يجزي المؤمنين في هذا العصر أضعافًا مضاعفة.

وقد يتطلب الأمر من السالك أن يُفني نفسه في هذا الطريق، إذ لا يكفي أن يقدم ثمانين بالمائة من كيانه فقط، بل ينبغي أن يتخلى عن مئة بالمائة من ذاته، فلا يكون لنفسه، ولا يتهيج لأقل نقد. وهذا هو جوهر السلوك الحقيقي، حيث يكون التسليم المطلق لله، وعدم التعلق بالذات أو بالمدح أو الذم.

ومن المزالق التي قد تُعيق السالك قول البعض إن التربية والتقشف لا يتركان أثراً في النفس. والرد على ذلك، لو أُعطيتُ ألفي حمار مع مكان لرعايتهم، وبعد ستة أشهر سأعيد لك حميرًا مختلفة، معبرة عن أثر التربية. فكيف لا يؤثر التدريب على الإنسان؟

إن التربية لها أثر أعمق وأقوى على المتعلمين والأرواح الفاضلة. لكن للأسف، لغياب المعلمين الأكفاء، يزداد فساد المجتمع، ويبتعد الناس عن التربية السليمة، وتصبح الحياة مليئة بالعقبات التي تتطلب جهدًا مضاعفًا من السالك.

هذا العصر هو عصر التشتت والفرقة، وفي التصوف قاعدته أن الإنسان لا ينمو بالانشغال بأمور متفرقة ومتشتتة. فالحياة في ظل غيبة الإمام المعصوم عليه السلام أصبحت أكثر قسوة، ولهذا أعطى الله المؤمنين في هذا العصر أجورًا مضاعفة لما يتحملونه من المشقة.

والصعوبة في السلوك الآن تزداد بسبب كثرة المعوقات، تمامًا كما تؤثر قسوة الناس على النباتات والأزهار فتذبل. فالموانع تؤثر تأثيرًا كبيرًا على تقدم السالك، فقد يخطو الإنسان تسعًا وتسعين خطوة نحو الكمال، إلا أن عائقًا واحدًا يمكنه أن يُهدر كل ذلك الجهد الذي ربما استغرق سنوات.

ويُقال إن لصًّا دخل منزل راوي مجلس العزاء وسرق ما وجده، وعندما حاول حمل السرقة، قال “يا علي”. فقال له الراوي: “أنا جمعت هذه الأشياء طوال عمري بذكر “يا حسين يا حسين”، وأنت تريد حملها بقول “يا علي”؟” المعوقات في الطريق كـ”يا علي” التي تُفقد مجهود السالك الطويل.

لذا، أهم أسباب تقدم السالك هو أن يحذر نفسه من هذه الموانع، وأن يقلل وجوده في الأماكن الموبوءة بالمفسدات.

في السابق، كان الناس يقرؤون القرآن للمتوفين مجانًا، أما اليوم فقلّ من يقدم الآيات من دون مقابل. والناس، حتى الطلبة، قد انشغلوا بالمال، وكل يريد منزلًا وسيارة خاصة به. الحياة صارت معقدة ومليئة بالمصاعب، حتى أن علماء وأفاضل الماضي لو عاشوا في هذا الزمن لعانوا كثيرًا.

والسلوك في هذه الظروف يتطلب مقاومة شديدة وعزيمة لا تلين، لأنّ التحديات والمغريات كثيرة، مما قد يؤدي إلى زعزعة الإيمان وإضعاف العزيمة. كما أنّ الصعوبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية تجعل من المسير في طريق الحق مسيرة مضنية.

ومن المؤسف أنّنا نرى اليوم تراجعًا في القيم الروحية، وانشغالًا متزايدًا بالماديات، بحيث صار المال والجاه والسلطة مقصدًا للكثيرين، وهذا يؤدي إلى انفصام في الذات وتشتت في الروح، ما يضعف من قدرة الإنسان على تحقيق السكينة والاطمئنان الداخلي.

وعلى السالك أن يعي أن السكينة الحقيقية لا تُنال إلا بالتزكية والتخلّص من الشهوات والارتباطات الدنيوية، وأنّ الغنى الحقيقي هو غنى النفس وليس المال، كما أن الفقر ليس عيبًا ما دام الإنسان محافظًا على هويته الروحية ومطمئنًا إلى حكمة الله ورزقه.

إنّ الإنسان الذي لا يتعلّق بالأشياء الدنيوية، ويستطيع أن يحافظ على اتزانه النفسي في وجه المحن، يكون قد بلغ مرتبة عالية من الكمال، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده”.

في ختام هذا المقطع، نجد أن السلوك الروحي الحقيقي يتطلب من السالك أن يكون صبورًا، متواضعًا، منفتحًا على تحمل الابتلاءات، معتمدًا على الله في كل خطوة، ومستعدًا للتضحية من أجل تحقيق الكمال الروحي.

لا يستطيعون جمعها. لقد ارتفعت مستويات المعرفة بشكل مدهش، وأصبحت الطرق المختصرة والقريبة لحل المشكلات عديدة جدًا. نعم، مما لا ينبغي نسيانه هو أن الناس في تلك الأيام كانوا أكثر صفاءً، وكان العلم القليل الذي يملكونه مقرونًا بالصفاء والصدق، أما اليوم فالعلم وحده هو المتبع بكثرة، ولكن قلة هم من يتجهون إلى تزكية النفس والتقوى ومبادئ الفروسية والسلوك الروحي، فالعلم اليوم لا يصاحبه صفاء، والتكبر وأنانية الإنسان أصبحت من لوازم العلم التي لا يمكن فصله عنها.

في العصور السابقة، كان الاجتهاد والعدل حقًا هما شهادة الدين، بمعنى أن المجتهدين يقولون ما يعتقدون أن الله يوقع عليه ويقبله، ولكن الله تعالى لا يقبل علمًا لا يكون فيه صفاء، ويقود القلب بدلاً من أن ينيره إلى الظلمة. اليوم، مع النمو السريع للعلوم، فقط العباقرة هم من يمتلكون القدرة على التمييز بين العلوم الصحيحة وغير الصحيحة. في الماضي كان لدينا مثل الشيخ بهائي، الذي كانت اختراعاته في أصفهان مشهورة إلى حد جعلت هذه المدينة عالمية، أما شباب اليوم فذكاؤهم يفوق توقعات الجميع وعلمهم أكثر من السابقين، لكن من حيث الصفاء، فإن الإنسان لم يتقدم مع تقدمه العلمي، بل أظهر تراجعًا واضحًا في هذا المجال.

الإنسان اليوم يعاني من الكثرة والتكدس والآفات. والصفاء أعلى من التقوى، ويُقال إن القلب صافٍ إذا لم يكن وراءه حيلة أو مكر أو فتنة أو أنانية. وفي هذا الأصل، ما يهم السالك هو ألا يعاني من مشكلة مع ربه في أي حال، وأن يحافظ دائمًا على إيمانه به، وألا يدع الشك يدخل قلبه. يجب على السالك في الشدائد أن يملك اليقين بأن: «أنت أكرم من أن تضيع من ربّيتَه»(1). أحيانًا أقرأ هذا الدعاء في قنوتي وأترجمه هكذا: يا الله، إذا وضعتني حتى أمام الحائط، فلا خوف عليّ؛ لأنني أعلم أني مربيّتك فلا تضيع المربي. سواء وضعتني في كيس أو في حوض الاستحمام، فكل ذلك سواء. يجب على الإنسان أن يصل إلى درجة الكمال بحيث لا يقع في الشكوى أو التأوه أو التذمر عند وقوع المحن، ولا يضع نفسه تحت الضغوط والصعوبات.

قال المرحوم آية الله الإلهي القمشه إي رحمه الله: زرت حرم الإمام الرضا عليه السلام وطلبت منه أن يمنحني مقام الرضا. ثم خرجت من الحرم، وصدمتني سيارة تابعة للدرك الوطني، فكسرت يدي في الحادث. لقد سامحت السائق وقلت له اذهب، فالله قد قبلني. لم يكن غاضبًا بأي حال من الأحوال وكان يشكر الله.

أنا أيضًا لا أفكر للحظة في المشكلة أو الصعوبة أو الفشل أو الحرمان أو الفقر أو الاضطراب أو الهلاك أو النار والآخرة، ولم يكن في حياتي شيء صعب. قال لي أحد العلماء: أنتم لا تعرفون ما هو السقوط، لأنكم قد سقطتم كثيرًا بحيث لم يعد للسقوط معنى بالنسبة لكم. رأيت كم يفهم ذلك جيدًا. إذا قطع مني أعدائي رأسي ويدي وأرجلي، فلا فرق عندي؛ لأن لي حقيقة تبقى ولا تتأثر بأذيتهم. أحد الضغوط التي كنت أواجهها في شبابي كان ضغط العمل المضاعف، وأحيانًا كنت أتعب كثيرًا حتى أنني كنت أذهب إلى سطح فيضية المطل على الحرم وأجلس هناك قليلًا. قال لي أحد الخدم: إذا رأى المسؤولون عن الحرم أنك هنا، سيتصرفون معك، لكني كنت أجد هناك فقط راحة لأخفف قليلاً من تعبي.

العمل بحد ذاته يُنشط طاقة الإنسان ويمنحه النشاط والحب والاطمئنان، خصوصًا العمل العلمي الذي يمنح ثقة أكبر، إذ لا يمكن لأحد أن ينزع هذا العلم عن صاحبه، وإذا كان هناك معرفة قد أصبحت إيمانًا راسخًا في نفس الإنسان، فلا حتى الموت يستطيع أن ينتزعها، ولا وجود لأي قلق في الاحتفاظ بها. رغم أن بعض المعارف الإلهية ثقيلة ومجهدة إلا أنها لا تسبب حزناً أو ضيقًا.

واحدة من الصعوبات التي تواجه السالك في طريقه الروحي هي مصادمته لأشخاص يظهرون بمظاهر دينية لكنهم يعطلون طريقه ويحولون بينه وبين تقدمه. دائمًا يختبر الله عباده المخلصين بأولئك المتظاهرين والنصابين ليرى هل يستطيعون الحفاظ على نقاء قلوبهم وصفاء سرائرهم أمام هذه الفتن أم لا؟!

أما الخلاصة في هذا الأصل فهي ذكر الشكر في مواجهة المصاعب وشكر المحن، ويجب التنبه إلى أن الشكر على النعمة قد يكون نوعًا من الغرور الذاتي، والأفضل هو أن يتحلى الإنسان بالخجل من نفسه ومن الشكر. لا يعني هذا أن شكر السالك في المحن يكون كماله الأخير، بل الشكر الحقيقي يتجاوز ذلك.

القاعدة الرابعة: إياك إياك

الانتباه إلى «إياك إياك» من أهم أصول السلوك الروحي. فالله محترف ومتيقظ في كل لحظة، يرسل عنايته باستمرار، لكنه في الوقت نفسه يختبر السالك برمي الحجارة والقذائف، ليختبر مدى تقبل السالك لامتحاناته. يجب على السالك أن يشدّ حزامه ويقول: «أنا أريد أن أكون فخورًا»، فالله يحب السالك الذي يقف في وجهه ويقول له «إياك»! من ذا الذي يمتلك قلبًا شجاعًا ليقف في وجه الحق ويقول له «أنت»؟

أتذكر عندما كنت في المدرسة كان لدي مدرس فكاهي أحيانًا يقول كلامًا يبدو فاحشًا، لكنه نصفه يقول بصوت منخفض ونصفه بصوت مرتفع. كان يقول: «يا أمي… المقهى…»، والله يفعل هكذا أيضًا، يصيح بأعلى صوته ويرسل الابتلاءات، لكن إذا صمدت سترى أنه كان يمزح معك. قل «إياك» فذلك هو المهم، والباقي ليس له أهمية. مجرد الوقوف في وجه المحن هو ما يسرّ الله. بالطبع، إن كنت شجاعًا فاقف، فالحجارة والقذائف كلها موجهة إليك، لكن يجب ألا تبالي.

السالك في زمن الفتن هو حجة الله للناس، ويظهر لهم أن الحجة موجودة. قد لا تدرك بعض السيدات الصالحات الخير الذي انتفعوا به بمجرد قول «نعم» للسالك، لكن المهم هو الحب الذي يحمله السالك. على السالك ألا يتخلى عن الترفيه والراحة مع عائلته، وأن يكون في البيت رقيقًا وكأنّه يجلس مع كل الحوريات. انظر ماذا تحمل يوسف!

أقل من كل البشر هو الله، ثم أولياء الله. وقلب الله رقيق جدًا، وهذا الرقة قد تكسر، لكنه لا يقتل، الذي يقتل هو الحيوان ذو الأربع أرجل. الحق يمشي بلا أرجل.

يقال إن للكلب حاسة شم تفوق الإنسان بخمسة آلاف مرة، وهذا غير صحيح. قدرة الإنسان في كل شيء تفوق كل المخلوقات. الإنسان المخمور والمغيب الحواس هو الذي لا يدرك، وهذا ليس إنسانًا بل هو دابة. أولياء الله لديهم حواس أقوى بمليارات المرات من البشر، فما معنى كل هذه الحواس مع هذا اللامبالاة؟ أقول إن الله هو اللامبالي. والفرق يعني الترتيب والتقدم، لكن الله لا يوجد فيه تقدم ولا تأخر، والحق لا يوجد فيه بعد ولا قبل، فالذين يفرقون بين الأشياء لهما بعد وزمان ويجب أن يستروا عوراتهم. الحق لا يحتاج إلى ستر: «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت»(1). يجب أن يرى الإنسان كل شيء بعين واحدة، بل من الأفضل أن يغلق عينه الثانية. أنت قم بعملك، وهم لهم عملهم.

في هذا السياق، يجب أن ينتبه السالك إلى أنه قد يقع في شرك الاعتقاد بالسبب منفصلًا عن المسبب، وهذا هو الشرك الحقيقي. كما أن إبطال السبب أيضًا من الشرك. كما أنه يجب أن نعلم أن المسبب هو الله في كل حال، وذكره في كل أمر واجب. على سبيل المثال، إذا أتيحت للساك فرصة فعل الخير ولم يفعل، يكون قد أبطَل السبب، والله سبحانه وتعالى يرسل الخير عبر غيره وربما أفضل.

يجب ألا يقلل المرء من أي حادثة أو يظنها بلا تأثير، فدائمًا نقول: إذا وجدت عدوًا، فلا تخف، فإن الله سيرسل لك أصدقاء يعوضون كل عداواتهم. ويجب أن نعلم: «أينما كنتم يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله»(2).

ومن نتائج هذا الأصل أن على السالك المؤمن أن يولي اهتمامًا للعقل والعقلاء والعرف والناس، وقبل ذلك الشرع. أنا أقبل كل شيء حتى الأصنام، ولكن ليس للسجود، وإنما لوضعها تحت القدور لغلي الماء. لا يجب رفض أي شيء، بل يجب قبوله في مكانه ومرتبته.

ومن نتائج هذا الأصل كذلك أن السالك لا ينبغي أن يغرق في الرقة إلى درجة أن يرى نفسه من أهل الكفر، ولا ينبغي أن ينخرط في صراعات مع الآخرين كالمتشددين الذين يسلكون التطرف أو التفريط، فكلاهما خطأ. كما لا يجوز للسالك أن يعامل الأشرار بالسوء، لأنه يجب ألا ينسى أن من يرتكب الشر اليوم قد يتوب غدًا وقد يكون أفضل منه.

(1) الملك / 3
(2) النساء / 78

القاعدة الخامسة: الحب؛ من اللاهوت إلى الناسوت

قد يصل السالك في طريقه الروحي إلى مرتبة الحب. فمن كان ممتلئًا بالحب فلا يعاني من عقد نفسية، ولا يُهانه، ولا يشعر بالحنين أو الندم، بل يكون كالأرض المزروعة التي تغمرها المياه في الوقت المناسب دون أن تغوص في الوحل؛ أي أنه لا يفرط في شيء، ويحافظ على توازن المحبة في فعله. على عكس أولئك الذين يذوقون من الحب قليلاً لكنهم لا يشبعون منه، فيتعثرون في الحب إما بالجنون أو بالتطرف أو التفريط.

أولياء الله لأنهم مملوؤون بالحب لا يصابون بالجنون أبدًا. أما غير أهل الإيمان الحقيقي، سواء من لا إيمان لهم أو إيمانهم سطحي، فهم جميعًا يعانون من أمراض نفسية بأشكال مختلفة، كالحسرة والعقد والنقص أو الإفراط أو التفريط في شهواتهم. الجرائم والقتل والسرقات والانحرافات كلها نتاج هذه النواقص والحسرات التي تسيطر على النفوس. لا يوجد شخص عادي إلا وله نقص أو علة في قلبه، أما أولياء الله فلا نقص في نفوسهم، ولا يمكن لأحد أن يجد أدنى احتقار في ذواتهم.

مثلاً، النبي زكريا عليه السلام لم يكن له ولد، وكان المجتمع يحقره لهذا السبب، وهذا الاحتقار كان واضحًا للجميع، لكنه لم يكن يشعر بأي عقدة أو حزن أو حسرة حتى تجاه الله، ولم يكن يشكو لأحد. طبعا هذه الضغوط كانت تُرهقه أحيانًا، بمعنى أنه يحتاج إلى طاقة من الله للمقاومة، وهذا حال أولياء الله.

أولياء الله يمتلئون بالحب إلى درجة أنه لا شيء يمكن أن يؤذيهم أو يجرح قلوبهم، وهم لا ينقصون أبدًا.

مراتب الحب:

  • أدنى مراتب الحب في الناسوت هو الحب الشهوى.
  • طبيعة حب الله لا تختلف عن حب مظاهر الله. فالعاشق سواء احتضن الله أو زليخة، فالحب هو حب الحق تعالى.
  • أولياء الله هم من يأخذون المنى من كل شيء، ولهذا كانوا يعرفون لغة الطيور والحيوانات، وكانوا حكماء الفصل الخطاب. هم يأخذون المنى من كل شيء ويعطونها أيضًا، ولا يعجزون عن ذلك، لذلك لا يعانون من عقدة أو حسرة.
  • القاعدة السادسة: العلاج بالحلال
  • من أهم المبادئ الأساسية في السلوك الروحي هو تناول الطعام الحلال. نحن في السلوك الروحي نؤكد أولًا على العلاج بالحلال، ونعتبره أهم عامل في الارتقاء الروحي للفرد. فمثلاً، الشخص الذي يدمن الخمر قد يكون ذلك بسبب وجود نطفة أو لقمة غير طاهرة في نفسه أو في أسلافه. وبما أن الخمر ممنوع في بلادنا، يلجأ الكثيرون إلى الترياق، مع أن ضرر الترياق أشد من الخمر، حيث يضعف الجسم بشكل كامل بعد فترة.
  • اللقمة غير الحلال قد تؤثر على مكانة الشخص، فقد تنزع السيادة والولاية منه وتجعلهم أعداءً لأولياء الله، كما قد تزيل العلم والصفاء عبر أجيال عديدة. لذلك، يجب ألا نستهين أو نغفل عن تأثير اللقمة الحرام. على سبيل المثال، إذا تناولت الأم الحامل كميات كبيرة من التفاح الحامض، فإن ذلك يغير ملامح طفلها. اللقمة لها تأثير كبير.
  • بالنسبة للطلبة الدينيين، اللقمة أمر حيوي لصحتهم وسعادتهم. يجب أن يكونوا حذرين في قبول الأموال الشرعية، وأن يدفعوا خمس مالهم بأنفسهم، وإلا قد يتعرضون لآثار سلبية. من يستطيع أن يحل مشكلته مع لقمة حلال يحقق تقدمًا روحيًا كبيرًا. فمثلًا، بعض الأشخاص الذين استمعوا إلى دروسنا المسموعة عن منازل السائرين تمكنوا من رؤية خفايا وأمور خفية، وكانوا قادرين على توبيخ بعض الطلبة على أخطائهم بدقة لا تنكر.
  • اللقمة الحلال تشبه البنزين للسيارة؛ إذا ملئت بخلافه، فلن تتحرك. الكثير من القلق والاضطرابات ناتجة عن لقمة غير طاهرة. لذلك، يجب ألا نغفل عن هذا الأمر، ولا يكون موقفنا بأن نأخذ أموال أي شخص بسهولة دون تدقيق.
  • القاعدة السابعة: تقدم التصوف النظري على التصوف العملي
  • التصوف العملي هو نتاج التصوف النظري، فلا بد من وجود فكر وتأمل لكي تكون الممارسة خالية من الضرر. الفهم الصحيح والتأمل في العمل هما اللذان يمنحان العمل قيمته. التصوف، والحكمة، وكذلك الأخلاق النظرية، هي أهم وأكثر تقدمًا من التصوف، والحكمة، والأخلاق العملية.
  • على السالك أن يتعلم التصوف النظري من شيخ متمرس ومجرب، وإلا وقع في ظلمات الوهم والجهل، وسقط في حفرة الشبهات والانحرافات. التصوف النظري يجب أن يكون عقليًا وبرهانيًا ومعصومًا أو مستندًا إلى القرآن الكريم حتى يكون ذا قيمة ومصداقية.
  • الكثير من فرق التصوف التي تدعي السلوك، مثل بعض الطرق الدراويشية، تحمل انحرافات في مبادئها الفكرية. فمثلاً، قد يستخدمون الحشيش ليعتادوا على حال الدراويش، وهذا الحشيش لا يفيد سوى إزعاج نومهم، بينما الغوص في الماء البارد هو الذي يوقظ الإنسان ويمكّنه من السهر.
  • بعض الدراويش، أو الرياضيين، أو حتى الرجال والنساء المترفين يستهلكون مواد تؤذي أجسادهم وتسممها، مما يضعفهم مع تقدم العمر ويسبب أمراضًا عقلية. في بعض مناطق العالم، لجعل النساء أكثر نشاطًا وسرعة في الحركة، يعُرَّين ويُقَيَّدن ويُجلدون ليحرقوا دهونهم، فيصبحون خفيفي الحركة كالخيول العربية أو الكلاب الصيد.
  • هذه المجموعات، التي تميل إلى الليبرالية، هي في الجوهر ليبرالية لا في الباطن. يحتفظون بالله في صندوق قلوبهم حسب تعبيرهم، ولكن في أفعالهم لا يمكنهم الالتزام بأوامر الله ولا يقبلون التكليفات الإلهية.
  • وأما أولياؤنا من الله، فهم ليسوا كغيرهم من الناس، بل هم أهل يقين وعرفان، يلتزمون بأوامر الله عز وجل بكل جوارحهم، ويعيشون حياة العبادة والحب الإلهي بكل تفاصيلها. هؤلاء هم الذين يرقصون تحت سيوف البلاء، ويهتفون في حضرة المحن، ويزدادون قوة وثباتاً في محنهم، كما هم في لحظات الفرح والغبطة.
  • إنهم لا يسعون وراء الألقاب والمظاهر، ولا يحتاجون إلى أدوات أو عساكر ليحققوا أمرهم، بل هم في عالم آخر، عالم لا يخضع لمقاييس الدنيا ولا للقيود البشرية. أولياؤنا من الله هم ابن الوقت، وهم كون مطلق، يجمعون بين القوة والرحمة، بين الصبر والفرح، بين الاستسلام والثبات.
  • في نهاية الأمر، يجب أن يعلم السالك أن سلوك طريق الحق لا يكون إلا بسلوك منهج صحيح، ومراعاة الشروط اللازمة كالطهارة القلبية والنية الصادقة، وأن يسير بنور العقل والعرفان مستعيناً بالله سبحانه وتعالى، متجنّباً الشبهات والطرق الملتوية، ومعتمداً على النصوص الشرعية والعقل السليم.
  • وأما ما يتعلق بحب الناس للعشق، فإنه محبوب عند الجميع، لكن كما كان الجهل سائداً على العالم في زمن ما، هكذا اليوم تهيمن قلة العشق في النفوس. وكما أن التعليم محو الجهل، فبالإمكان تعليم العشق بطريقة صحيحة من خلال التحليل والتبيين السليمين، مما يمهد طريق ارتقاء الوجود الإنساني.
  • لكن للأسف، لم تُرسخ هذه الأسس بصورة كافية بين الناس حتى الآن، على عكس أهل الدنيا الذين استطاعوا أن يبنوا حضارة مزدهرة ويغلبوا ثقافتهم على المجتمع، بحيث لا يكاد يوجد إنسان له شهوة إلا وقد وفروا له الأدوات اللازمة لتحقيقها.
  • لو كنا نحن قد عملنا بشكل صحيح على نشر الإيمان والمعرفة، لكان الناس يطلبونها ويحرصون عليها. ومع ذلك، فإن الانحراف بدأ حينما وقع الحكم بيد الجهلة الظالمين، وكان “شقشقة هدرت” – كما ذكر في نهج البلاغة – صرخة عبر التاريخ، لكنها لم تُرفع إلى مستوى السرد الشعبي، مما أدى إلى إدارة الدين الإسلامي بيد هؤلاء الضالين.
  • وقد بذل هؤلاء الجهلة جهداً هائلاً لهدم الدين، وأصبح الإسلام الذي في يد معظم المسلمين اليوم إسلاماً منحرفاً ومتدهوراً، مُشوهاً بطبقات الجهل السابقة وبشوائب الأفكار الضالة. ولو كان الإسلام الحقيقي المحمدي في أيدي المسلمين، ولو وصلوا إلى كيمياء ولاية علي وفاطمة عليهم السلام، لما وجدوا أنفسهم اليوم في وضع الذل والخضوع أمام الدول الغربية، ولا كانوا يبيعون نفطهم بأيديهم إلى أعدائهم.
  • وبالتالي، فإن قولنا إن بدون العشق والإيمان لا يمكن للإنسان أن يتلذذ بحق بشيء، هو حقيقة عميقة من طومار العشق الطويل، الذي يجب تناوله في بحث مستقل.
  • النص العربي الفصيح الأكاديمي:
  • الملحدون عمليًا وليسوا ملحدين اعتقاديًا.
  • في الزوايا الصوفية أيضًا، هناك بعض أنواع الرياضات الروحية التي لا جدوى منها للسالك. لدى بعض هذه الزوايا رموز وأسرار خاصة بها؛ فمثلاً يُقال إن نوربخش لديه حوالي خمسة عشر قصيدة تُتلى في هذه الزوايا، وعندما يرغب الدراويش في التعارف بين بعضهم، يقرأون أبياتًا من هذه القصائد، وبهذا يعرفون أهل طائفتهم. ومع ذلك، هناك بعض الزوايا التي لا تلتزم بالأحكام الشرعية بحجة السلوك الروحي أو عظمة المرشد.
  • أما المهم في الولاية والسلوك فهو القرب من الله تعالى بالطريق الذي اختاره الله للإنسان، وليس بالطريق الذي يختاره الإنسان أو يُرضيه. القرب والوصول يكونان فقط عن طريق الحق، لا بأي طريق آخر. طريق كل شخص وواجبه يختلف عن الآخرين، وقد وهب الله العقل للناس ليُكمل حجته عليهم فلا يكون لأحد حجة عليهم.
  • لا يجوز الحكم على ركوع الناس وسجودهم، كما لا يجب الانخداع ببعض الدموع. فدموع الإنسان ليست بالضرورة دليلاً على صلاحه أو راحة قلبه، فربما يبكي الوالد على فراق ولده، أو يبكي طفل على ضياع نقوده، أو يبكي الإنسان من الألم أو الفرحة. إن تدفق الدموع ليس مؤشراً على التواصل مع الله، وإنما نوع الفكر والمضمون هما من يحددان قيمة عمل الفرد.
  • في هذا الصدد، توجد أحاديث ثمينة في كتاب “العقل والجهل” في “الأصول الكافية”، وقد شرحناها في كتاب “آيين خردورزی” (منهج الحكمة).
  • ومن الانحرافات الأخرى التي يمكن الإشارة إليها أن السالك أحيانًا يتخذ هيئة غير مألوفة بحيث يُصبح محل ملاحظة المجتمع. ومن غير الصحيح أن يُصيب الإنسان نفسه بالمرض بالصيام المفرط أو الصلاة الكثيرة. إن الصلاة والصيام والعبادات الأخرى جاءت لإحياء النفس وتنشيطها، ويجب أن يكون المظهر الخارجي هادئًا حتى لا يشعر أحد أن الداخل مشتعل بحب الله، بل ينبغي تغليف القلب الطاهر بطبقة عقلانية.
  • وكذلك، التقصير في هذا المجال انحراف، ولا يصح الاستدلال بالآية الكريمة:
    (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
    لأنها تتحدث عن الجهاد في سبيل الله ضد الأعداء، وليس عن رياضة النفس أو الإعراض عن النفس. ولو كان التعبير “في أنفسنا” لاستُخدم بمعنى الكف عن الإظهار.
  • نعود إلى أصل الموضوع، وهو أولوية التصوف النظري على العملي، ونشير إلى أنه إذا تحولت مشاعرنا إلى معارف، وحيث أن المعرفة أعلى منزلة من العلم، ينبغي للتصوف أن يسبق العلوم التجريبية. لكن لأن البحث في المعارف بطيء ويدار غالبًا بطرق غير منهجية ومعلومات شفوية لا تعتمد على التجربة، فإن العلوم الإنسانية والمعرفية تتأخر عن العلوم التجريبية.
  • وكما يستغرق البحث في العلوم التجريبية عقودًا، هناك الكثير من المسائل في العلوم الإنسانية والتصوفية تحتاج سنوات لترتيبها.
  • ومن المهم في تجربة العلوم الإنسانية والمعرفية عدم الخلط بين العلم والواقع من جهة، والخرافات من جهة أخرى. مثلاً، من يكتب دعاءً بالزعفران ليؤثر فيه، ينبغي أن يعلم أن التأثير يعود إلى قدسية نفس الكاتب، لذا لا يجوز الوقوع في فخ الكهنة والدجالين أو الاعتماد على ممارساتهم.
  • إن نفس الكاتب وطريقة كتابته تؤثر في هذا المجال. وفي الحقائق العلمية المتعلقة بالمعارف، يجب علينا الفصل بين العلم والخرافات، ومع ذلك تتقارب هذه الحدود كثيرًا. حتى لا نخلط بينهما، يجب أن نبني قواعدنا العلمية بقوة.
  • العلوم الإنسانية وخصوصًا التصوف يمكن أن تتطور إذا تخلّت عن بيئتها القديمة التقليدية المحدودة والمليئة بالخرافات، واتجهت إلى بيئة علمية. مثلاً، في معرفة الله، فإن تصوّرنا لله هو مفهوم وليس مقياسًا حقيقيًا لما هو موجود. الحق أسمى من هذه التصورات، وهو كلي الحضور لا يغطيه شيء، وكل ما يظهر هو تجلٍّ له، لكن عقولنا ضعيفة عن إدراك ذلك.
  • وشرحتُ هذا في كتابي “الإله الذي نعبده”. فعندما يصلي أحدهم خلف آخر، يكون كأنه يحمل الله بين ذراعيه. اقتداء المؤمن بالمؤمن هذا يمنحه أجرًا يزيد على خمسين سنة ضوئية. ويشعر المؤمن بالطمأنينة في الصلاة الجماعية، أما في الصلاة الفردية فهي صلاة الغربة والحزن. فليكن قدر بعضنا لبعض قبل أن نبتعد.
  • يجب ألا نغفل عن القيمة التي يوليها الله لعباده، فهو يريد كل عبدٍ على حدة، وكل عبد لديه قيمة عظيمة عنده. الله يعمل في كل عبد حسب قدره، ونحن نقادمه بسهولة بلا تقدير. على الإنسان أن يتدرب على تدليل نفسه، ويكسر حاجز الخجل والسخرية، ويعتاد على حب نفسه حتى يستطيع أن يحب الآخرين دون أن يكون متصنعًا أو سياسيًا.
  • إنّه من المهم في مسيرة السلوك أن يكون الإنسان متوازنًا بين الجانب النظري والجانب العملي، فلا يغرق في الجانب العملي فقط دون أن يتعقّل ويتدبر في المعارف، كما لا يغوص في النظريات فقط دون أن يطبّقها في حياته اليومية. العلم والمعرفة هما الركيزتان الأساسيتان لأي تقوى أو تزكية للنفس، فبدونهما تصبح العبادات والرياضات الروحية بلا روح، وكأنها حركات ميكانيكية لا تستنير بنور العقل.
  • كما ينبغي التنبيه إلى أن الإنسان لا يجب أن يتظاهر بالتقوى والزهد أمام الناس، بل يكون حاله الحقيقي بينه وبين الله، فالحُب الحقيقي لله يستوجب الخفاء والحياء وعدم التظاهر. فالتصوف الحق هو تصوفٌ داخلي، عميق، هادئ، لا حاجة فيه للإعلان.
  • كما أن الطريق إلى الله يختلف من شخص إلى آخر، وما يناسب أحدًا قد لا يناسب آخر، لهذا يجب على كل سالك أن يبحث عن طريقه الخاص ومرشده الأمين، وأن يتحلى بالصبر والصدق في السلوك، وليس بالظاهر فقط.
  • وأخيرًا، علينا أن نفهم أن السلوك الروحي ليس حالة انفعالية عابرة، أو رياضة جسدية فقط، بل هو تربية للنفس وعقلها وعاطفتها، لتكون متناسقة في حب الله والعمل الصالح. وإلا كان الإنسان معرضًا للسقوط في الخرافات أو الغلو أو التقصير.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V